أزمات الداخل السوريتشكيل الحكومة السورية الجديدةتطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

في جذور الفقر السوري: الامتياز والعمل والعنف/ ياسين الحاج صالح

ما الذي أوصل المجتمع السوري لحال من البؤس العميم، يكثفها فقر متعدد الأوجه، مادي وسياسي (مقالتي في “القدس العربي”، 7 يناير)، وروحي وثقافي (مقالة 18 فبراير)، يمس باجتماعيته ذاته، ويغذي نزعة انقسامية قوية رأينا اعتمالها النشط خلال عام وربع من سوريا ما بعد الأسدية؟ في نطاق هذه العجالة يمكن التفكير بثلاثة أمور مترابطة. أولها انهيار مديد ومستمر لقيمة العمل، والثاني نظام امتيازات فئوية خاصة، وقد أخذا بالسير معاً في سبعينيات القرن العشرين. وحرسهما عامل ثالث في مواجهة أي اعتراضات اجتماعية محتملة هو عنف بلا ضوابط، كانت وكالاته أهم المؤسسات السياسية في الحقبة الأسدية المديدة.

انهارت قيمة العمل لمصلحة قيم السلطة والقرابة والمال. ونعني العمل بدلالة واسعة، تشمل العمل المنتج بطبيعة الحال، ولكن كذلك العمل التنظيمي والإداري والفكري والإنتاج الثقافي والفعل السياسي. وقد تكون نقطة البداية هي ما بعد حرب 1973 وبدء تدفق ريوع نفطية من دول الخليج العربي في إطار دعم سوريا ومصر لسنوات بعد تلك الحرب. سجل باتريك سيل ارتفاع عدد المليونيرات السوريين من أحاد أو عشرات إلى 735 أواسط سبعينيات القرن. التدخل السوري في لبنان عام 1976 كان نقطة انعطاف كبيرة على أكثر من مستوى، منها انهيار أكبر لقيمة العمل، لمصلحة النهب المباشر من لبنان والتهريب منه وإليه، ومنها بخاصة تعزيز غرور السلطة باللعب على مستوى أكبر مما كان مألوفاً في سوريا المستقلة، وحيازة ما صار يسمى بعد حين أوراقاً إقليمية تمثل فيها “الدور الإقليمي” لسوريا، ومنها استسهال الدم وسياسة القوة بعامة. وتراجعت مقدرات من يعيشون من العمل أو مجتمع العمل (الشرائح والفئات التي تعيش من عملها) لمصلحة أصحاب السلطة ومحظييهم وكبار أهل المال. ما أخذ يسمى في حينه البرجوازية البيروقراطية كونت ثرواتها عبر امتلاك أصل عام هو سلطة الدولة. وأطلقت الأزمة الوطنية والاجتماعية التي تفجرت في البلد في عام 1979 وما بعد آليات لوضع اليد والاستيلاء على ملكيات وفرض شراكات إجبارية كانت من مصادر الإثراء الإضافية لهذه البرجوازية الجديدة. كان “الفساد”، استخدام السلطة للحصول على الثروة، آلية إثراء أساسية لهذه الطبقة. فساد كبير تجنى فيه ثروات عبر صفقات كبيرة ونفاذ امتيازي إلى التجارة الخارجية، وفساد متوسط عبر حيازة عقارات وملكيات، وفساد أصغر يقتصر على رشوة تيسير المعاملات من قبل صغار الموظفين. لشرائح اجتماعية واسعة في الدوائر الحكومية والجيش والمخابرات، كانت الرشوة حلاً لتحسين الدخل في مواجهة التضخم، وضمور القاعة الإنتاجية للاقتصاد.

انهيار قيمة العمل عنى انهياراً لمجتمع العمل. ففي مطلع القرن الحالي، كان نصيب العاملين في القطاع الخاص والعام دون 30 في المئة من الدخل الوطني، وهو وسطياً فوق 55 في المئة في البلدان الرأسمالية.

الصراع العنيف في موجته الأولى، وكانت الذروة في حماة 1982، تمخض عن تقويض القليل الباقي أو الناشئ من منظمات سياسية وأصوات معارضة ومستقلة، وترسخ الحكم بالإرهاب. والوجه الآخر لذلك هو عبادة حافظ الأسد وظهور الأبد وعلاقاته وأجهزته. الثقافة التي ينشرها الأبد هي ثقافة الامتياز والعبقرية والفرادة، مسبغة على حافظ الأسد شخصياً، وبالتبعية على النظام ككل. عبارات من نوع المكارم والأعطيات حين كان يجري رفع الرواتب، والأب القائد، فضلاً عن شعار إلى الأبد، انتشرت في الثمانينيات، ومعها تماثيل القائد الرمز وصوره وأقواله في كل مكان. وكان التوريث هو ترجمة الأبد إلى واقع سياسي. وخلال هذه السنوات ولنحو عشر سنوات بعد التوريث لم يكن هناك نقاش عام حول ما يجري في البلد ولا توفر للمعلومات الأساسية عن المجتمع والاقتصاد والدولة، وكان محرماً ذكر الطائفية أو قول شيء بشأنها، هذا بينما كانت تصير آلية إعادة لإنتاج أساسية للنظام. وأخذ النظام الاجتماعي يقوم على امتيازات متنوعة، حزبية وعائلية وطائفية ودينية، تحتكر السلطة أو النفاذ التفضيلي إلى الموارد العامة أو تحظى بالحماية الخاصة لسلطاتها الدينية الخاصة. وعلى رأس الكل امتياز سياسي أبدي للأسرة الأسدية.

دون حياة سياسية ودون نقاش، ومع ترسخ الوعي الذاتي الطائفي وكراهيات غير خفية، ومع ترثث اجتماعي وعمراني متقدم، جرت قفزة في لبرلة الاقتصاد بدءاً من عام 2005، لتترجم الأرجحية الحاسمة لبرجوازية الدولة التي تجسدت في شخص رامي مخلوف، لكنه كان الأبرز فحسب بين شريحة “أبناء المسؤولين” التي كان بشار وجهها السياسي. صارت الثروة أكثر ظهوراً اجتماعياً بعد أن كانت خفية في زمن الأب، وصار الفقر أكثر ظهوراً كذلك.

الثورة السورية كانت ثورة مجتمع العمل. لكنها لم تجد في المتناول إيديولوجية عمل توجهها، مثلما كانت الحال لعقدين أو ثلاثة بعد الاستقلال بفعل هيمنة القومية العربية والأفكار الاشتراكية. ما كان في المتناول هو إيديولوجيات هوية، متمركزة دينياً، تسييسها يعني الطائفية. وما يفوت نقاشاتنا حول الطائفية هو أنها تعبير أقصى عن الضمور الروحي للدين والفقر الروحي للمجتمع، فوق اقترانها بالتمييز والمنازع الإبادية واللاعقلانية السياسية.

خرجنا في المحصلة من التخلف إلى التحلل. السبيل السوري إلى التحلل مختلف عن سبل أخرى نراها في المجال العربي: ليبيا، اليمن، السودان، الصومال، وبصور مغايرة العراق ولبنان، وحتى مصر. لكن الجذور الأعمق متماثلة: نظم فئوية، تحكم بالتمييز العنيف ولعقود طويلة، فلا تساءل ولا تحاسب، وتشكل ساحات لقوى إقليمية ودولية متنوعة، ولا تعمل على حل مشكلات المجتمعات المحكومة ولا تترك أحداً يحاول الحل، فتتحلل المجتمعات والدول نفسها بصور مختلفة.

فإن صح هذا التحليل، فإن سبل الخروج من الفقر السوري المعمم توجب مقاومة الامتيازات الفئوية، والاحتكار السياسي المحتمل، وكذلك الامتيازات الاقتصادية القائمة أو المحتملة، بما يحد من لا عقلانية النظام الاجتماعي. ثم في المقام الثاني إعادة الاعتبار لقيم العمل من جهد وكفاءة واختصاص ومكافأة، بما ينعكس ارتفاعاً لوزن مجتمع العمل في الحياة العامة والسياسة والدولة، وارتفاعاً في نصيبه من الدخل الوطني. من شأن قيام المجتمع السوري حول العمل أن يعقلن النظام الاجتماعي الذي تحد من لاعقلانيته مقاومة الامتيازات. وقبل كل شيء الضبط الأقصى للعنف الذي كان يحرس الامتيازات ويقيد مجتمع العمل.

هذا يعادل ثورة. بنظرة سريعة إلى أحوال اليوم نجد لدينا امتيازاً فئوياً طائفياً لمصلحة طيف سني محافظ منحدر من هيئة تحرير الشام ومحظييها. وسياسة اقتصادية محابية للأثرياء، لا تسمح بنمو وزن مجتمع العمل أو بإعادة تشكل المجتمع حول العمل، وفوق ذلك درجات من العنف السائل تعزز الإفقار الروحي عند ممارسي العنف وضحاياه على حد سواء.

هل من المبكر الحكم على أثر سير الأمور على أوجه الفقر السوري الأربعة؟ الامتياز الفئوي واقعة لا جدال فيها، بل لقد جرى الدفاع قبل أسابيع عن محاباة الأقارب صراحة من أحد كبار “طبالي” العهد الجديد. ويستولي القوم بنهم على كل ما تطاله أيديهم، سياسياً ومادياً ومعنوياً، ويظهرون كطبقة ذات امتيازات محصنة بسلطة الدولة والنفاذ التفضيلي إلى المواد العامة والخاصة. وهو ما يضع حكمهم في استمرارية مباشرة مع الحكم الأسدي، وإن بصبغة خطابية مختلفة. وإن كان من تعبير عن الفقر الثقافي فهو عينات النشيد الوطني المقترحة، بخيالها السياسي الغث، ومبانيها القديمة الخانقة، ومعانيها الافتخارية القبلية. وفرض المعايير الدينية المتصاعد في الحياة العامة، فضلاً عن التمييز الطائفي، مؤشر على فقر روحي يتقدم.

القصد أنه إن كنا سائرين في أي اتجاه فهو اتجاه المزيد من الفقر المادي والسياسي والثقافي والروحي، وليس العكس. فإذا عرفنا الثورة بمواجهة الفقر على هذه المستويات الأربعة، فهي تعود رهاناً مستقبلياً.

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى