إشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

قراءات مختارة في تقرير لجنة التحقيق الدولية عن سوريا

 قراءة في تقرير لجنة التحقيق الدولية عن سوريا “بعد عام من سقوط الأسد”/ فضل عبد الغني

2026.03.14

يقدم التقرير الأخير للجنة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن الجمهورية العربية السورية، الذي يغطي الفترة من 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى 31 كانون الثاني/يناير 2026، تقييما مستقلا للسنة الأولى في سوريا بعد سقوط حكومة الأسد. واستناداً إلى أكثر من 500 مقابلة وإلى تحقق مكثف من الوثائق، وبرغم إعداده في ظل قيود شديدة فرضتها أزمة السيولة في الميزانية العادية للأمم المتحدة، يعرض التقرير صورة لبلد يتعايش فيه تقدم مؤسسي حقيقي مع انتهاكات جسيمة ومستمرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. ويتمثل التوتر المركزي في فجوة بين التزامات الحكومة الجديدة المعلنة بالمساءلة وحماية الحقوق من جهة، والواقع العملي للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية التي أعادت إنتاج أنماط من العنف الطائفي والاحتجاز التعسفي وتدمير الممتلكات من جهة أخرى.

ويحدد التقرير موجتين من العنف واسع النطاق بوصفهما الحدثين الفارقين في عام 2025. اندلعت الموجة الأولى في آذار/مارس في المحافظات الساحلية وغرب الوسط عقب هجمات شنها مقاتلون موالون للحكومة السابقة، وأسفرت عن مقتل أكثر من 1,400 شخص، كان معظمهم من المدنيين العلويين، على يد عناصر من القوات المسلحة الحكومية وأفراد يعملون إلى جانبها. أما الموجة الثانية، في تموز/يوليو، فقد ضربت مجتمعات الدروز والبدو في السويداء، مما أسفر عن مقتل أكثر من 1,500 شخص. وفي كلتا الواقعتين، خلصت اللجنة إلى وجود أنماط متسقة من الاستهداف على أساس الانتماء الديني والعرقي والعمر والجنس، إذ أُخرج الرجال والفتيان قسراً من منازلهم وقُتلوا في عمليات إعدام جماعية، كما نُهبت المنازل وأُحرقت ودُمّرت. وقد انطوى العنف في الحالتين على جرائم حرب.

أما السبب البنيوي الذي حددته اللجنة، فيتمثل في دمج الفصائل المسلحة السابقة في قوات وزارتي الدفاع والداخلية الجديدتين من دون إخضاعها لفحص مسبق لسجلاتها في مجال حقوق الإنسان. فقد جرى استيعاب فصائل كاملة من «هيئة تحرير الشام» و«الجبهة الوطنية للتحرير» و«الجيش الوطني السوري»، بما في ذلك قادة خاضعون لعقوبات بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان، مع بقاء عضويتهم وخطوط الإبلاغ الخاصة بهم سليمة إلى حد كبير، واحتفاظهم بدرجة من الاستقلالية ومصادر إيرادات منفصلة. وترى اللجنة أن هذا العامل شكل شرطاً تمكينياً مباشراً لعنف آذار/مارس وتموز/يوليو. تحمل هذه النتيجة دلالة تحليلية مفادها أن نهج الحكومة في نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج أعطى الأولوية للتوحيد الشكلي للجماعات المسلحة على حساب الضمانات التي تقتضيها المعايير الدولية، وأن هذا الخيار كانت له عواقب متوقعة. ولم يبدأ التدريب على المعايير الدولية لحقوق الإنسان والقانون الإنساني إلا في منتصف عام 2025، أي بعد أشهر من وقوع أعمال العنف.

وتتبع الانتهاكات المتعلقة بالاحتجاز، كما وثقها التقرير، نمطاً يختلف عن التعذيب الممنهج الذي ساد في عهد الأسد، لكنه يثير مع ذلك مخاوف جدية بشأن استمرارية الأسلوب. فقد وثقت اللجنة حالات تعذيب وسوء معاملة في ثمانية عشر مرفق احتجاز رسمياً واثني عشر مرفقاً مؤقتاً في عدة محافظات، شملت «الشبح» و«الدولاب» و«الفلقة» والصدمات الكهربائية والعنف الجنسي. واحتُجز المعتقلون من دون أوامر قضائية، ومن دون إبلاغهم بالتهم المنسوبة إليهم، ومن دون عرضهم على قاض، ومن دون تمكينهم من الاستعانة بمحامين. واستوفت ثماني حالات موثقة عتبة الاختفاء القسري، كما جرى التحقيق في إحدى عشرة حالة وفاة في أثناء الاحتجاز. وفي حادثتين منفصلتين في حمص في كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2025، توفي ستة رجال علويين كانوا قد احتُجزوا خلال عمليات تمشيط، وقُبروا من دون علم عائلاتهم في مواقع دفن جماعي. وتطبق اللجنة هنا المبدأ المستقر الذي يفيد بأن فقدان الحياة في أثناء الاحتجاز يُنشئ قرينة على الحرمان التعسفي من الحياة، ولا يمكن دحض هذه القرينة إلا بتحقيق أصولي يثبت امتثال الدولة لالتزامها بحماية الحق في الحياة. وفي الحالات الموثقة، لم يُجر تحقيق من هذا القبيل.

ويغدو تناول التقرير لانتهاكات السكن والأراضي والملكية جديراً بالملاحظة من الناحية التحليلية للطريقة التي يتتبع بها سلسلة سببية تبدأ من الحرمان من الملكية في عهد الأسد وتنتهي إلى العنف الانتقامي في مرحلة ما بعد الانتقال. ففي ظل الحكومة السابقة، كانت انتهاكات السكن والأراضي والملكية تؤدي وظيفة معاقبة المعارضين ومكافأة الموالين. وقد أدى انهيار ذلك النظام إلى خلق ظروف سعت فيها المجتمعات المحرومة من ملكيتها إلى استعادة ما سُلب منها، في حين أصبحت المجتمعات التي كان يُنظر إليها بوصفها مستفيدة من رعاية عهد الأسد أهدافاً للانتقام. وفي منطقة «السومرية» في دمشق، تحول السكن العسكري والاجتماعي المشيد على أراض صودرت من سكان «معضمية الشام» إلى موقع لعمليات إخلاء قسري نفذها مسلحون تابعون للقوات الحكومية. وفي شمال حماة، أُفرغت قرى علوية من سكانها عبر القتل والاختطاف والتهديد بالقتل والبيوع القسرية، واحتل العائدون من المجتمعات المجاورة المنازل التي أُخليت. وخلصت اللجنة إلى أن السلطات المحلية أخفقت في تسهيل العودة الآمنة، وكانت في بعض الحالات متواطئة بصورة مباشرة في العنف الانتقامي. وتتمثل النقطة التحليلية هنا في أن مظالم السكن والأراضي والملكية التي تبقى بلا حل، في غياب إطار فعال لتسوية المنازعات، تولد دورات من النزوح تعيد إنتاج نفسها.

ويوثق التقرير نمطاً متميزاً من عمليات الاختطاف التي استهدفت النساء والفتيات، وغالبية الضحايا من الطائفة العلوية، ونُفذت في وضح النهار من الشوارع والأسواق. ومن بين 21 حالة حققت فيها اللجنة، تعرضت ثماني ضحايا على الأقل للعنف الجنسي في أثناء الأسر، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي والزواج القسري، وعادت ثلاث ناجيات وهن حوامل. وفي إحدى الحالات الموثقة، جرى التعرف إلى الجناة بوصفهم مقاتلين أجانب مدمجين اسمياً في هيكل القيادة الحكومي. وتراوح رد فعل الدولة إزاء هذه الحالات بين التحقيق غير المكتمل وتشجيع العائلات على عدم متابعة الشكاوى. وفي حالتين، تعرضت ضحايا الاختطاف أنفسهن للاعتقال والتحقيق بتهم تتعلق بالزنا بعد إنقاذهن من قبل القوات الحكومية، وهي ممارسة ترى اللجنة أنها تفضي إلى وصم شديد، وتثني عن الإبلاغ، وتعزز إفلات الجناة من العقاب.

وعلى الصعيد الدولي، يوثق التقرير توسيع إسرائيل لعملياتها داخل الأراضي السورية بعد سقوط حكومة الأسد، بما في ذلك أكثر من 1,000 غارة جوية مُبلّغ عنها، وأكثر من 900 توغل بري في محافظة القنيطرة، ومصادرة الأراضي والممتلكات، وهدم منازل المدنيين، واحتجاز مواطنين سوريين ونقلهم إلى إسرائيل، واستخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين والمدنيين العزل. وخلصت اللجنة إلى أن الجيش الإسرائيلي وضع أراض إضافية تحت سلطته الفعلية، بما وسع النطاق الإقليمي لاحتلاله السابق. وقد صيغت هذه النتائج بلغة القانون الدولي الإنساني، إذ جرى تقييم تدمير الممتلكات المدنية في غياب الضرورة العسكرية، والنزوح القسري، ونقل المحتجزين، واستخدام القوة المميتة غير الضرورية ضد المتظاهرين، كل على حدة، بوصفها جرائم حرب محتملة. وفي الشمال الشرقي، اعتُبر استمرار «قوات سوريا الديمقراطية» في الاحتجاز الجماعي لنحو 27,000 شخص في مخيمي الهول وروج، ونحو 9,000 رجل وطفل في مرافق منتشرة في المنطقة، حرماناً غير قانوني من الحرية، في ظل ظروف تبلغ عتبة المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.

وتتمثل الصورة العامة التي يرسمها التقرير في عملية انتقالية حققت مكاسب مؤسسية حقيقية، لكنها لا تزال غير كافية. وتشمل هذه المكاسب إنشاء لجان وطنية للعدالة الانتقالية والأشخاص المفقودين، وإصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين في النظام السابق، ورفع القيود التي كانت مفروضة في عهد الأسد على الحريات الأساسية، واتخاذ خطوات أولية نحو الإصلاح القضائي، وعودة أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ ونازح. وفي مقابل هذه المكاسب، تضع اللجنة سجلاً من الانتهاكات الجسيمة والمستمرة ارتكبتها القوى ذاتها التي تشكل اليوم الجهاز الأمني للدولة، وفاقمها غياب الفحص الفعال والمساءلة والقدرة القضائية. وتتمثل الخلاصة التحليلية النهائية للتقرير في أن فرصة قيام سوريا تحترم الحقوق لا تزال قائمة، لكنها تتقلص، وأن الشروط البنيوية التي تسمح بتكرار العنف الجماعي لم تُعالج بعد على نحو كاف.

—————————————-

ما قالته لجنة التحقيق الدولية عن سوريا… وما تجنّبت قوله/ ميشال شمّاس

الأربعاء 2026/03/18

يمكن قراءة تقرير لجنة التحقيق الدولية حول سوريا بوصفه أول مرآة أممية تعكس ملامح السنة الأولى من المرحلة الانتقالية تحت حكم الرئيس الشرع. لكنه، كما هي حال معظم تقارير الأمم المتحدة، يكشف جانباً من الصورة ويُبقي جانباً آخر في الظل. ومن هنا تأتي ضرورة التعامل معه كنص سياسي وحقوقي في آن معاً، لفهم ما يقوله التقرير صراحة، وما يلمّح إليه، وما يتجنّب الخوض فيه.

أولاً: ما الذي قاله التقرير؟

قدّم التقرير خلاصة حاسمة: أن سوريا لم تنتقل بعد من دولة قمعية إلى دولة قانون. ما حدث هو انتقال من عنف منظّم إلى عنف مفكّك، ومن جهاز أمني مركزي إلى شبكة متداخلة من القوى المحلية والمسلّحة. فالبنية التي سمحت بالانتهاكات في عهد الأسد لم تُستبدل ببنية جديدة، بل بقيت آليات العنف وذهنياته وشبكاته قائمة، وإن تغيّرت الأسماء والخطابات.

اعتمدت اللجنة في تقييمها على قاعدة واسعة من الأدلة: أكثر من خمسمئة مقابلة، وتحقيقات في وثائق وصور ومواد رقمية وصور أقمار صناعية. وقد مكّنها ذلك من رسم مشهد مركّب للسنة الأولى من حكم السلطة الجديدة، مشهد تتجاور فيه مؤشرات تقدّم مؤسسي مع استمرار بنية العنف.

فمن جهة، سجّل التقرير خطوات وصفها بالإيجابية: كإنشاء لجان وطنية للعدالة الانتقالية وللمفقودين، وفتح تحقيقات في موجات العنف، وإصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين كبار في النظام السابق، ورفع بعض القيود على الحريات العامة، وعودة ملايين اللاجئين والنازحين، وبدايات إصلاح في المنظومتين القضائية والأمنية. وهي خطوات رأى فيها التقرير أن السلطة تُظهر إرادة سياسية أولية في التعامل مع إرث الماضي.

لكن من جهة أخرى، أبرز التقرير صورة قاتمة ومقلقة عن استمرار حدوث انتهاكات جسيمة في حمص وحماة واللاذقية وطرطوس، وضعف آليات الفرز والتدريب داخل الأجهزة الأمنية، خصوصاً في ما يتعلق بالقادة والعناصر الذين جرى دمجهم حديثاً من فصائل مسلحة معارضة سابقة. ووثّق أنماطاً واسعة من القتل خارج نطاق القانون، والتعذيب، والاختفاء القسري، والاعتقال التعسفي، وحالات وفاة في الحجز، وانتهاكات جسيمة لحقوق السكن والأرض والملكية، كثير منها استهدف مجتمعات يُنظر إليها على أنها موالية للنظام السابق أو تنتمي إلى أقليات بعينها.

كما أشار التقرير بوضوح إلى أن موجتي العنف الداميتين في آذار وتموز 2025، اللتين قُتل خلالهما أكثر من 2900 شخص من العلويين والدروز والبدو وغيرهم، وأكد أنهما اتسمتا بطابع طائفي وعرقي واضح، وبممارسات من قبيل الإعدامات الميدانية والنهب والحرق والتهجير القسري، وهي ممارسات قد ترقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.

ولا يقتصر التقرير على ذكر الانتهاكات المرتكبة من قبل القوات الحكومية، بل سجّل أيضاً انتهاكات جسيمة من أطراف أخرى: احتجاز عشرات الآلاف من النساء والأطفال في مخيمات الهول والروج في ظروف لاإنسانية ومن دون مراجعة فردية لشرعية الاحتجاز، واحتجاز آلاف الرجال والفتيان بتهم الانتماء لداعش في ظروف قد ترقى إلى التعذيب، واستمرار تجنيد الأطفال، وانتهاكات لقوات “قسد” في الاعتقال والاحتجاز. وعلى الضفة الأخرى، يوثّق التقرير تصاعداً كبيراً في العمليات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، برية وجوية، وتمدداً فعلياً لرقعة الاحتلال في الجنوب، مع ما رافق ذلك من تهجير وتدمير ممتلكات واعتقالات ونقل محتجزين إلى داخل إسرائيل، واستهداف متظاهرين عُزّل، وهي أنماط ترقى بدورها إلى جرائم حرب محتملة. ويضاف إلى ذلك تهديد داعش المتصاعد، ما يضاعف هشاشة البيئة الأمنية.

ثانياً: على مستوى التشخيص البنيوي، قدّم التقرير ثلاث رسائل أساسية.

1- جهاز أمني هجين وغير منضبط:

أشار التقرير إلى أن إعادة تشكيل الأجهزة الأمنية جرت بطريقة هجينة وغير منضبطة. فبدلاً من تأسيس أجهزة جديدة على أسس مهنية وحقوقية، جرى دمج فصائل مسلحة محلية كاملة، بعضها ذو سجل ثقيل في الانتهاكات، في الجيش والأمن والشرطة الوليدة، من دون تدقيق فردي في خلفيات عناصرها أو هياكلها. النتيجة جهاز أمني “مرقّع”: ولاءات متضاربة، شبكات نفوذ محلية، اقتصاد ظلّ قائم على السلاح، وقدرة كبيرة على ممارسة العنف، مقابل قدرة ضعيفة على الخضوع للمساءلة. هذا الخلل كان أحد العوامل المباشرة التي غذّت موجتي العنف في الساحل والسويداء عام 2025.

2- الدولة لا تحتكر السلاح

أكد التقرير أن الدولة لم تحتكر السلاح بعد. فإلى جانب الجيش والأجهزة الرسمية، تواصل مجموعات عشائرية ومحلية، وفصائل مندمجة شكلياً أكثر من كونها خاضعة فعلياً للسلطة المركزية، الاحتفاظ بسلاحها ونفوذها. ومع وجود قوى خارجية كإسرائيل، تركيا، قوات التحالف، تتحرك عسكرياً وأمنياً داخل سوريا من دون موافقة واضحة من الدولة، يصبح احتكار استخدام القوة هدفاً بعيد المنال. هذه الفوضى في مراكز القوة تخلق ما يمكن تسميته “اقتصاد العنف”: شبكات تمويل وتهريب وسيطرة على الأرض والطرق والموارد، تجعل من السلاح تجارة وسلطة في آن واحد، وتحوّل أي إصلاح أمني إلى تهديد لمصالح راسخة.

3- عدالة انتقالية بلا أدوات

أما في ما يتعلق بالعدالة، فيشير التقرير إلى أن المنظومة القضائية المعاد تشكيلها لا تزال عاجزة عن القيام بدورها كضامن لحقوق الناس وكحارس ضد تكرار الجرائم. ورغم بعض التحسينات — رفع رواتب القضاة، تطهير جزئي لبعض المحاكم الخاصة — إلا أن القضاء يفتقر إلى الاستقلالية والموارد والقدرة على الوصول إلى المناطق المتوترة أو الخارجة عن السيطرة المباشرة. كما أن المساءلة ما تزال انتقائية أو محصورة بالمستويات الدنيا، فيما تبقى مسؤوليات القادة وأصحاب القرار معلّقة. إن غياب مسار عدالة فعّال يغذي شعوراً واسعاً بأن العدالة الانتقالية لا تزال إطاراً شكلياً أكثر منها تحوّلاً عميقاً في بنية الحكم.

ثالثاً: ما الذي لم يقله التقرير؟

رغم أهميته، تضمن التقرير فجوات وصمتاً مقصوداً أو غير مقصود. فهو تجنب طرح السؤال السياسي الحاسم: هل القرار السيادي بيد الحكومة الانتقالية؟ أم بيد قادة الفصائل المندمجة؟ أم بيد تحالف مصالح داخلي–خارجي يتجاوز الجميع؟ من دون الإجابة عن هذا السؤال، تبقى توصيات الإصلاح الأمني والقضائي معلّقة في الهواء.

 تجنب التقرير تسمية المسؤوليات السياسية للقيادات الجديدة، واكتفى باستخدام عبارات عامة مثل “قوات حكومية” و”قادة ميدانيون” و”أطراف”. هذا الحذر مفهوم من منظور قانوني، لكنه يترك فراغاً في المساحة التي تحتاجها المجتمعات لمساءلة من يتخذ القرارات، لا من ينفّذها فقط.

كما اكتفى التقرير بالإشارة إلى النهب والمصادرات و”ضرائب الحماية”، دون أن يحلل البنية الاقتصادية التي تجعل استمرار العنف خياراً مربحاً لفئات واسعة. من دون هذا التحليل، تغيب عن الصورة واحدة من أقوى محرّكات العنف: المصالح المالية والزبائنية التي نشأت حول السلاح والحرب والتهجير.

كما تناول التقرير قضايا مثل تأخر تشكيل البرلمان وضعف تمثيل النساء وغياب الانتخابات في بعض المناطق، دون أن الدخول في النقاش الجوهري حول طبيعة النظام السياسي الذي يتبلور: مركزية السلطة، حدود اللامركزية، موقع المكوّنات المحلية والإثنية والدينية في العقد الاجتماعي الجديد.

وأخيراً، وثّق التقرير شهادات الضحايا، دون مناقشة دورهم في صياغة مسار العدالة الانتقالية وإعادة تشكيل المؤسسات، رغم أنهم أصحاب المصلحة الأولى.

مع كل تلك الملاحظات، يبقى تقرير لجنة التحقيق الدولية وثيقة بالغة الأهمية فهو من جهة أضفى طابعاً رسمياً على حقيقة يعرفها السوريون جيداً: العنف لم ينتهِ بسقوط الأسد، والدولة الجديدة لم تصبح بعد دولة قانون، والبنى التي غذّت الانتهاكات ما تزال قائمة. ومن جهة أخرى قدم التقرير بلغة قانونية حذرة، تشخيصاً بنيوياً لمصادر الخلل: أجهزة أمنية هجينة، سلاح خارج الاحتكار، وعدالة عاجزة.

وما لم يقله التقرير صراحة يجب أن يُقال في النقاش العام: من يحكم سوريا اليوم؟ وأي دولة نريدها بعد هذه التضحيات الهائلة؟ وكيف ننتقل من عدالة تُدار كملف تقني إلى عدالة تصبح بنية حكم وعقداً اجتماعياً جديداً؟

هنا يبدأ الدور الحقيقي للكتّاب والحقوقيين والفاعلين السوريين بتحويل هذه الوثيقة الأممية إلى حوار سياسي وأخلاقي واسع حول معنى الدولة والمواطنة في سوريا ما بعد الأسد.

المدن

—————————

التحقيق في أحداث السويداء… احتواء الأزمة ولا “عدالة كاملة”/ عدنان علي

19 مارس 2026

بعد نحو ثمانية أشهر على وقوع “أحداث السويداء” في يوليو/ تموز الماضي، أصدرت لجنة التحقيق الخاصة تقريرها حول مجريات تلك الأحداث والأطراف المتورّطة بارتكاب انتهاكات وعمليات قتل خارج القانون. وسلّمت اللجنة تقريرها لوزير العدل السوري مظهر الويس، أول من أمس الثلاثاء، وذكرت فيه أن عدد الضحايا من جميع الأطراف بلغ 1760، إضافة إلى 2188 من المصابين.

واعتبر رئيس اللجنة، القاضي حاتم النعسان، في مؤتمر صحافي، الثلاثاء، أن الانتهاكات كانت فردية ولم تكن ممنهجة، وهذا ما أكدته إفادات الناجين للجنة، بحسب قوله. وأوضح أن الإحالة إلى القضاء ليست من اختصاص اللجنة، ولكن نظراً إلى حساسية الأحداث، جرى الاتفاق مع وزير العدل على أن تكون المساءلة فورية قبل صدور التقرير النهائي، وجرى توقيف 23 عنصراً من الأمن والجيش ممن تورّطوا بارتكاب انتهاكات، وهم يحاكمون حالياً محاكمة علنية أمام القضاء.

انتهاكات في أحداث السويداء

وكشفت اللجنة أن عدد الضحايا بلغ 1760 من مختلف الأطراف، فيما وصل عدد المصابين إلى 2188، مع توثيق 90 مفقوداً رغم صعوبة الوصول إلى المدينة، وأكدت أنها وثّقت هجمات انتقامية استهدفت التجمّعات السكانية في السويداء، وأسفرت عن تدمير وحرق 36 قرية في الريف، ما أدّى إلى تهجير آلاف العائلات من أبناء المجتمع الدرزي. وحمّلت اللجنة مسؤولية التوتر لسياسات (وسلوكيات) النظام السابق الذي عمل على تأجيجها طوال السنوات الماضية، بما في ذلك تسهيله دخول عناصر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إلى السويداء، وارتكابهم جرائم بحق الأهالي. وأقرّت اللجنة بوقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان شملت أفعال القتل والسلب المسلح للممتلكات، وتخريب البيوت والمحال التجارية وحرقها، والتعذيب والخطف والشتم بعبارات طائفية، وإثارة النزعات الطائفية، وقالت إنها توصلت إلى قائمة من المشتبه بهم من عناصر وزارتي الدفاع والداخلية، ومن الجماعات المسلحة الدرزية، ومن المدنيين، بما في ذلك البدو والعشائر، وممن توفرت لدى اللجنة أسباب معقولة للاشتباه بتورّطهم في جرائم وانتهاكات جسيمة، وقالت إنها أحالت نتائج عملها مرفقة بكامل ملفات التحقيق والأدلة التي جمعتها إلى النائب العام للجمهورية.

وقدّمت اللجنة عدّة توصيات للمساعدة على عدم تكرار ما حدث، مثل جمع السلاح خارج سلطة الدولة وتفكيك الشبكات الإجرامية المتورّطة في أعمال الخطف والاتجار بالمخدّرات، ودعم الجهود الحكومية لتعزيز مهنية الأجهزة الأمنية وحياديتها، وضمان خضوعها لرقابة قانونية ومؤسّسية فعالة، واعتماد آليات واضحة للمساءلة والتحقيق في أي انتهاكات يرتكبها أفرادها، إضافة إلى الحد من خطاب الكراهية والتحريض على العنف.

وكانت محافظة السويداء، جنوبي سورية، قد شهدت في شهر يوليو/ تموز الماضي اشتباكات دامية بين قوات حكومية مدعومة من مجموعات مسلحة من بدو المنطقة وقوات عشائرية من بقية المحافظات من جهة، وفصائل مسلحة محلية في المحافظة من جهة أخرى، ورافقت ذلك انتهاكات بحق المدنيين في المحافظة، وتهجير سكان نحو 36 قرية إلى داخل السويداء. وأدّى التدخل الإسرائيلي إلى خروج قوات الحكومة السورية إلى خارج مدينة السويداء، والتمركز في الأرياف الغربية، حيث ما زالت تسيطر على نحو 30 قرية، بينما ارتكبت فصائل محلية في السويداء انتهاكاتٍ بحق السكان البدو، ما أدّى إلى تهجيرهم من المحافظة.

ملاحظات سلبية في التقرير

ويرى مراقبون أن تقرير لجنة التحقيق تضمن إيجابيات، مثل الاعتراف بالانتهاكات وتوثيق عدد كبير من الضحايا (1760) مع الإقرار بتورّط أطراف متعددة، بما فيها قوات حكومية، لكنه لم يحدّد مسؤوليات واضحة وقيادية، حيث يتحدث عن “أفراد” و”اشتباه”، من دون تسمية قيادات أو سلاسل قرار، وهو ما يضعف الإحساس بالعدالة الحقيقية. كما أنه وصف الانتهاكات بأنها “فردية وغير ممنهجة”، ما يعفي الجهات القيادية من المساءلة. ومن الملاحظات السلبية أن فريق لجنة التحقيق الحكومية لم يثبت استقلالية قوية عن السلطة التنفيذية، ولم يحدّد أسماء المسؤولين بوضوح. وبهذا المعنى، يخدم بالدرجة الأولى منطق الدولة أكثر مما يخدم منطق الضحايا، لأنه يقدّم رواية تبدو متوازنة ظاهرياً، لكنها عملياً تخفف من حدّة الاتهام الموجّه إلى أي طرف بعينه، وخصوصاً الجهات الرسمية، فالتقرير يعترف بوقوع انتهاكات جسيمة، لكنه يعتبرها فردية، بهدف امتصاص الغضب العام، ومن دون فتح الباب أمام مساءلة حقيقية للقيادات أو للمنظومة الأمنية ككل، وهو ما يجعل التقرير مجرّد أداة لاحتواء الأزمة وإعادة إنتاج شرعية الدولة عبر إظهار نفسها جهة تحقق وتُحاسب، بينما تبقى الجهات العليا بعيدة عن المحاسبة.

وقال الناشط الحقوقي سامر الطويل، لـ”العربي الجديد”، إن التقرير لا يتضمن نتائج ملموسة مباشرة، مثل التعويضات للضحايا أو إعلان أسماء المتهمين أو تحديد جدول زمني واضح للمحاسبة، ورأى أن التقرير قد يكون خطوة إدارية وسياسية، أكثر من كونه استجابة قانونية دقيقة لمعاناة الضحايا الذين لم يتم، برأيه، إنصافهم إلا جزئياً وعلى نحو ضعيف من منظور العدالة الانتقالية، فالتقرير وثّق الألم، لكنه لم يحقق العدالة الكاملة. ولفت الطويل إلى أن التقرير تضمّن خطوات مهمة من الناحية النظرية لعدم تكرار ما حدث، مثل إصلاح القضاء وضبط السلاح ومكافحة خطاب الكراهية ومبدأ تعويض الضحايا، لكن المشكلة تكمن في افتقاده إلى “آليات التنفيذ”، حيث لا جدول زمنياً، ولا جهة مستقلة للإشراف، ولا ضمانات سياسية.

ولفت الطويل إلى مفارقة أن اللجنة عيّنتها الدولة، وهي نفسها أحد الأطراف المتهمة بارتكاب انتهاكات، وفق التقرير نفسه، الذي ورد فيه شكر لوزارة العدل على دعمها عمل اللجنة، معتبراً أن هذا يشير إلى تضارب في المصالح، كما لفت إلى أن عدم تمكن اللجنة من دخول محافظة السويداء ربما يكون قد ضيع عليها أدلة ومعطيات حاسمة عديدة. وتابع: لهذه التقارير وظيفة محددة مسبقاً، البحث عن معالجات مخففة بهدف تجنب التصعيد السياسي. ورغم أن التقرير يقر بوقوع انتهاكات من عناصر تابعين للدولة، لكنه لا يوضح هل كان ذلك ناجماً عن تقصير من القيادات، أم تواطؤ، أم فقدان للسيطرة؟

وقال الناشط السياسي السوري أدهم مسعود القاق، لـ”العربي الجديد”، إن تقرير اللجنة يحمل بصمات حرفية جيدة، فهو ذكر أرقاماً وفصّلها وتحدث عن انتهاكات وعن تورط قوى خارجية كتنظيم داعش، من دون تقديم بينات واضحة، واعتبر أن التوصيات في التقرير تظهر رغبة اللجنة بديمومة السلم الأهلي والتعايش المشترك، إذ أكّد ضرورة إصلاح القضاء والمؤسّسات لإجراء محاكمات عادلة، وذكر ضرورة الاستمرار لكشف مواقع المقابر الجماعية، وضرورة احتكار الدولة السلاح وتجريم الطائفية وإقامة الحوارات. ولفت القاق إلى عدم قدرة اللجنة على الوصول إلى مناطق، منها السويداء، بسبب انتشار السلاح المنفلت، وهذا سبّب نقصاً في المعلومات وعدم اكتمال صورة ما حدث في تلك الأحداث الدامية، ورأى أن توصيف اللجنة الانتهاكات التي جرت بأنها فردية ربما يكون محاولة لتجنيب مسؤولي الأمن العام الذين قادوا العمليات من مساءلة قانونية أو عقاب ينتظرهم.

————————————–

 لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا تصدر تقريرها.. ماذا جاء فيه؟

2026.03.14

أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا تقريراً حول الأوضاع في سوريا، دعت فيه إلى تعزيز المساءلة وإصلاح المؤسسات الأمنية مؤكدة أن البلاد تمر بمرحلة انتقالية دقيقة تتطلب إصلاحات عميقة في مؤسسات الدولة وضمان المساءلة عن الانتهاكات.

وجاء التقرير عقب زيارة أجراها مفوضو اللجنة إلى سوريا، حيث عقدوا سلسلة لقاءات مع مسؤولين حكوميين ومدافعين عن حقوق الإنسان وممثلين عن منظمات المجتمع المدني لبحث التقدم والتحديات التي تواجه البلاد بعد سنوات من الصراع.

وأشار التقرير إلى أن سوريا بدأت خلال الفترة الأخيرة اتخاذ خطوات مؤسسية اعتبرتها اللجنة مؤشرات أولية على تحول سياسي، من بينها إنشاء هيئتين وطنيتين جديدتين تعنيان بالعدالة الانتقالية وقضية المفقودين، إضافة إلى إطلاق تحقيقات وطنية في عمليات قتل خارج القانون وقعت في مناطق الساحل والوسط والجنوب خلال شهري آذار وتموز من عام 2025.

وشددت على أن سنوات طويلة من الانتهاكات التي ارتكبتها قوات النظام المخلوع أدت إلى تآكل عميق في ثقة السوريين بالمؤسسات العامة، ما يجعل استعادة هذه الثقة أحد أبرز التحديات أمام السلطات الحالية.

مخاوف من انتهاكات مستمرة

وخلال زيارتها الميدانية، أعربت اللجنة عن قلقها إزاء تقارير تفيد بوقوع انتهاكات مستمرة في عدة مناطق من البلاد، ولا سيما في أجزاء من محافظات حمص وحماة واللاذقية وطرطوس، مؤكدة أنها تواصل التحقيق في هذه الادعاءات.

وشددت اللجنة على ضرورة إجراء إصلاح شامل لقطاعي الأمن والقضاء، بما يشمل برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، إلى جانب تدقيق سجلات حقوق الإنسان للعاملين في الأجهزة الأمنية وتوفير تدريب متخصص لعناصر القوات المسلحة والأمنية.

وقالت المفوضة مونيا عمار إن زيارة اللجنة الأخيرة كشفت عمق التحديات التي تواجه سوريا، لكنها أظهرت أيضاً ما وصفته بـ”القوة الاستثنائية للسوريين الذين يعملون لإعادة بناء مؤسساتهم”، مشيرة إلى أن اللجنة تشعر بالتشجيع إزاء استعداد الحكومة السورية للتفاعل مع منظومة حقوق الإنسان الدولية.

X trackers and content blocked

Your Firefox settings blocked this content from tracking you across sites or being used for ads.

Content from blocked embed:

يجب على #سوريا مواجهة انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها جميع الأطراف وضمان المساءلة، بحسب ما قالت منيا عمار، عضو @UNCoISyria، أمام @UN_HRC مجلس حقوق الإنسان في #HRC61.

وقالت: «تحتاج سوريا إلى تكثيف الجهود لبناء سوريا جديدة». pic.twitter.com/9F8c98uQYP — UN Human Rights Council (@UN_HRC) March 13, 2026

توثيق انتهاكات واسعة

ووثق التقرير مجموعة من الانتهاكات، بينها عمليات قتل خارج نطاق القضاء وتعذيب وسوء معاملة ووفيات أثناء الاحتجاز، إضافة إلى حالات اختفاء قسري وعمليات خطف وانتهاكات لحقوق السكن والأراضي والملكية، خصوصاً ضد مجتمعات يُعتقد أنها دعمت حكومة النظام المخلوع.

وبحسب ما خلصت إليه اللجنة، قُتل أكثر من 1400 شخص في آذار الماضي في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة، وكان معظم الضحايا من المدنيين.

وأشارت التحقيقات إلى وجود أنماط استهداف على “أساس الانتماء الديني أو العرقي والعمر والجنس”، معتبرة أن هذه الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب وربما إلى جرائم ضد الإنسانية إذا ما ثبتت عناصر إضافية خلال التحقيقات اللاحقة.

ورغم إعلان الحكومة توقيف ومحاكمة 14 شخصاً يشتبه في تورطهم في هذه الأحداث، ترى اللجنة أن إجراءات التدقيق والتدريب داخل الأجهزة الأمنية لا تزال غير كافية، كما لم تُحسم بعد مسؤوليات كبار القادة.

أحداث السويداء

وتطرقت اللجنة في تقريرها إلى أحداث السويداء في منتصف تموز والتي راح ضحيتها أكثر من 1500 شخصا، وأعلنت أنها ستصدر تقريراً منفصلاً حول أحداث السويداء خلال الفترة المقبلة.

وقالت المفوضة فيونوالا ني أولين إن الناجين والمجتمعات المتضررة يستحقون العدالة والتعويض وضمانات حقيقية بعدم تكرار الانتهاكات، مؤكدة أن إنهاء الإفلات من العقاب يمثل خطوة أساسية لكسر حلقة العنف التي تعاني منها سوريا منذ أكثر من عقد.

صراعات متداخلة وتهديدات أمنية

كما تحقق اللجنة في تقارير عن انتهاكات في شمال شرقي سوريا عقب تصاعد القتال بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، وتشمل هذه التقارير مزاعم بعمليات قتل خارج نطاق القضاء واعتقالات تعسفية وعنف جنسي وانتهاكات تتعلق بحقوق السكن والأراضي.

وفي سياق آخر، تواصل اللجنة تحقيقاتها في العمليات العسكرية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، والتي قالت إنها تسببت في أضرار واسعة للمدنيين ونزوح وتدمير للبنية التحتية، إضافة إلى اعتقالات نقل خلالها مدنيون سوريون إلى داخل إسرائيل.

كما حذر التقرير من تزايد نشاط تنظيم “داعش” في بعض مناطق البلاد، ما يشكل تحدياً إضافياً لحماية المدنيين في ظل المشهد الأمني المعقد.

من جانبه قال رئيس اللجنة باولو سيرجيو بينييرو إن المجتمع الدولي يجب ألا يقف متفرجاً بينما يحاول السوريون التعافي من عقود من غياب سيادة القانون، مؤكداً أن الدعم الدولي المستمر ضروري لإنجاح عملية الانتقال السياسي وضمان حماية حقوق الإنسان.

الخارجية السورية ترحب

وفي تعليقها على التقرير، رحبت وزارة الخارجية السورية بما ورد فيه من إشارة إلى بعض الخطوات التي اتخذتها الحكومة في مسار الإصلاح والعدالة الانتقالية، معتبرة أن التقرير يعكس المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد بعد عقود من الاستبداد والانتهاكات.

وأشارت الوزارة إلى أن التقرير رصد عدداً من الإجراءات التي اتخذتها السلطات السورية منذ سقوط النظام السابق، من بينها تشكيل لجان وطنية مستقلة للتحقيق في أحداث الساحل، وإطلاق مسارات لمساءلة المتورطين في الانتهاكات، إضافة إلى خطوات إصلاحية في مؤسسات القضاء والأمن.

وأكدت الوزارة التزام الحكومة بمحاسبة جميع المتورطين في الانتهاكات، بغض النظر عن الجهة التي ينتمون إليها، مشددة على أن السلطات السورية بدأت بالفعل باتخاذ خطوات قضائية أولية، من بينها توقيف عدد من المشتبه بهم وإحالتهم إلى محاكمات علنية بحضور مراقبين مستقلين.

كما شددت على أهمية التعاون مع آليات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، بما في ذلك توسيع العمل مع الجهات المعنية بحقوق الإنسان والسماح بزيارات رقابية إلى بعض أماكن الاحتجاز، إضافة إلى تعزيز التنسيق مع لجنة التحقيق الأممية.

وفي الوقت ذاته، أبرزت الخارجية السورية ما ورد في التقرير بشأن الانتهاكات التي ارتكبتها إسرائيل داخل الأراضي السورية، معتبرة أن تلك العمليات العسكرية أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين وتدمير ممتلكات عامة وخاصة وتهجير سكان من مناطقهم.

وختمت الوزارة بيانها بالتأكيد على التزام سوريا بمواصلة مسار وطني يوازن بين تحقيق العدالة والاستقرار، ويقوم على احترام الكرامة الإنسانية وصون التنوع المجتمعي، داعية المجتمع الدولي إلى دعم جهود إعادة بناء المؤسسات وتعزيز التعافي الاقتصادي بما يساعد السوريين على تجاوز آثار سنوات النزاع.

تلفزيون سوريا

————————–

دمشق ترحب بتقرير أممي وتؤكد التزامها بتحقيقات الساحل والسويداء

رحبت الحكومة السورية بالتقرير الأخير الصادر عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، والذي غطى المرحلة التي أعقبت سقوط نظام الأسد، معتبرة أنه سجل “خطوات إيجابية” اتخذتها في مجالات التحقيق والمساءلة.

جاء ذلك في بيان صادر عن وزارة الخارجية والمغتربين، الجمعة 13 من آذار، اطلعت عليه عنب بلدي، بمناسبة نشر التقرير الذي يغطي فترة وصفتها الحكومة بـ”الدقيقة” التي تمر بها البلاد، بعد عقود من “الاستبداد والانتهاكات الممنهجة”.

وقالت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا، إن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال “هشة”، رغم بعض الخطوات التي اتخذتها السلطات السورية نحو الإصلاح، محذّرة من أن استمرار الانتهاكات يقوّض مسار بناء دولة قائمة على سيادة القانون.

إشادة بالخطوات المحلية

وأشار بيان وزارة الخارجية السورية إلى أن التقرير الأممي أبرز عدة جهود قامت بها الحكومة السورية الحديثة، من بينها إجراءات العفو العام عن غير المتورطين “بدماء السوريين”، وإجراءات دمج الفصائل، وجهود وزارتي الداخلية والدفاع لحماية المدنيين والالتزام بالقانون الدولي الإنساني.

ولفت البيان إلى أن التقرير ينوه بعمل اللجان الوطنية المستقلة، ويقرّ بحق الضحايا في الوصول المتساوي إلى المساءلة والعدالة.

كما سلط الضوء على إنشاء اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث الساحل، والعمل الجاري بها، بالإضافة إلى خارطة الطريق التي أعلن عنها وزير الخارجية بشأن أحداث السويداء.

وفي السياق ذاته، رحبت الحكومة بإشارة التقرير إلى الإعلان الدستوري الذي “يكرس الحقوق والحريات” المنصوص عليها في المعاهدات الدولية، وإلى اتساع نطاق حرية الإعلام وانتعاش نشاط المجتمع المدني.

واعتبرت أن المرسوم الرئاسي رقم 13 يضمن الحقوق الثقافية واللغوية وحقوق المواطنة لكرد سوريا، وأن تشكيل الحكومة راعى التنوع الجغرافي والمجتمعي.

التعامل مع الانتهاكات الداخلية

وفيما يتعلق بالانتهاكات أو التجاوزات التي أوردها التقرير، ولا سيما الأحداث المأساوية في الساحل والسويداء، أكدت الحكومة التزامها بمحاسبة جميع المتورطين، وعدم التساهل مع أي اعتداء على المدنيين أو خروج على القانون.

وأوضح البيان أن الدولة السورية باشرت خطوات أولية لتوقيف ومحاكمة عدد من المتهمين، وإقامة محاكمات علنية بحضور مراقبين مستقلين، بالإضافة إلى اعتقالات أولية على خلفية أحداث السويداء.

وأشار التقرير، بحسب البيان، إلى أن القوات الحكومية اتخذت خطوات لحماية المدنيين في بعض عملياتها بحلب والشمال الشرقي، وهو ما اعتبرته دمشق “دليلًا عمليًا” على نجاحها في منع تكرار الفوضى.

وكان التقرير الأممي استمرار انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في عدة مناطق، بينها حمص وحماة واللاذقية وطرطوس، تشمل القتل خارج نطاق القانون، والتعذيب، وسوء المعاملة، والوفيات في أثناء الاحتجاز، والاختفاء القسري، إضافة إلى انتهاكات تتعلق بالسكن والأراضي والممتلكات.

ووفق اللجنة، قُتل أكثر من 1400 شخص، معظمهم من المدنيين العلويين، في آذار 2025 في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة، على يد القوات الحكومية ومسلحين متحالفين معها.

كما وثّق التقرير مقتل أكثر من 1500 شخص في محافظة السويداء في تموز 2025، معظمهم من المدنيين الدروز والبدو، خلال اشتباكات شاركت فيها القوات الحكومية ومجموعات درزية مسلحة ومقاتلون قبليون.

وقالت اللجنة إن أنماط الاستهداف أظهرت وجود دوافع مرتبطة بالانتماء الديني والعرقي والعمر والجنس، معتبرة أن هذه الأفعال قد ترقى إلى جرائم حرب، وربما إلى جرائم ضد الإنسانية إذا تأكدت عناصرها خلال التحقيقات.

اتهامات لإسرائيل وتنظيمات إرهابية

من جهة أخرى، شدد بيان وزارة الخارجية السورية على ما وصفها بـ”الانتهاكات الخطيرة” التي ترتكبها إسرائيل داخل الأراضي السورية، والتي وثقها التقرير الأممي.

وجاء في البيان أن إسرائيل صعّدت من عملياتها العسكرية بشكل غير مسبوق منذ نهاية عام 2024، بما في ذلك مئات الغارات الجوية والعمليات البرية التي استهدفت مواقع داخل سوريا، وأدت إلى سقوط ضحايا مدنيين وتدمير ممتلكات وتهجير سكان.

كما اتهم البيان إسرائيل بتنفيذ عمليات توغل عسكري واحتجاز تعسفي لمدنيين سوريين ونقلهم إلى الأراضي الإسرائيلية، واستخدام القوة المميتة ضد متظاهرين، وهي ممارسات وصفتها الحكومة بأنها “قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، بل وقد تشكل جرائم حرب في بعض الحالات”.

وأبرزت الحكومة في بيانها ما ورد في التقرير بشأن استمرار تهديد “التنظيمات الإرهابية”، وعلى رأسها تنظيم “الدولة الإسلامية”، الذي نفذ هجمات دامية استهدفت مدنيين وأماكن عبادة، معتبرة أن هذه الأعمال تعكس “الدور التخريبي” للجماعات المتطرفة في تقويض الاستقرار”.

مسار مستمر للحوار

واختتمت وزارة الخارجية بيانها بالإشارة إلى أن الحكومة تنظر بإيجابية إلى التوصيات الواردة في التقرير، وترى فيها أساسًا للحوار “المؤسسي والجاد” مع اللجنة والجهات الأممية.

وأكدت التزامها بالعمل بشكل وثيق مع اللجنة للبحث في آليات تنفيذ ما يتوافق مع الأولويات الوطنية السورية.

وجددت الحكومة التزامها “بالمسار الوطني الذي يوازن بين العدالة والاستقرار”، معتبرة أن تحقيق قصة نجاح في سوريا يتطلب دعمًا دوليًا مسؤولًا وبناء لتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية، بما يساعد الشعب السوري على تجاوز آثار النزاع.

لجنة التحقيق الأممية أشارت إلى أن السلطات السورية أوقفت وبدأت محاكمة 14 شخصًا يشتبه بضلوعهم في أحداث العنف.

إلا أنها اعتبرت أن آليات التدقيق وإصلاح الأجهزة الأمنية لا تزال غير كافية، خصوصًا فيما يتعلق بمساءلة القادة وكبار المسؤولين.

ودعت اللجنة إلى تنفيذ إصلاحات شاملة في القطاعين الأمني والقضائي، إضافة إلى برامج لنزع السلاح والتسريح وإعادة إدماج المقاتلين، مع إخضاع جميع أفراد القوات المسلحة والأمنية لتدقيق في سجلهم الحقوقي وتدريب على احترام حقوق الإنسان.

عنب بلدي

—————————

===========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى