– 18 آذار… ثورة سوريّة من أجل…السياسة – الحرية – المواطنة – الكرامة – الديمقراطية

15
18-03-2026
لا يكفي لإحياء ذكرى انطلاقة حدثٍ هائلِ التأثير في حياة شعبٍ كامل أن يتجمّع الآلاف في الساحات، مردّدين شعاراتٍ تستعيد ما ترسّخ من ذكريات المظاهرات الاحتجاجية ضد نظام بشار الأسد. ينفع هذا الاستحضار الاحتفائي، ربّما، بعد عشرات السنين، عند تَحقُّق المطالب الثورية إلى حدٍّ معقول، أو عندما تصبح الثورة مجرد محطةٍ ضائعة يستعيدها الناس حسراتٍ، بعد أن بُذلت فيها الكثير من التضحيات والبطولات التي فشلت في تحقيق الغاية المنشودة.
يجدر بنا اليوم أن نتذكَّرَ ونُذكِّرَ بأنّ الثورة السورية لم تندلع سعياً إلى تأمين 20 ساعة من التغذية الكهربائية، ولا للحصول على جرة غازٍ تصل إلى بيوتنا بسعرٍ معقول، ولا لأنّ أهل البلاد كانوا يشكون من قلّة الأبراج والمجمّعات التجارية العملاقة، ومن غياب الهويات البصرية والاستعراضات العسكرية في شوارع المدن. لم تنطلق الثورة لأنّ السوريين والسوريات ضاقوا ذرعاً ببلدٍ لا يضع مسؤولوه شعار العقاب على معاطفهم الرسمية، ولا لأنّ نشيد البلاد لا يحظى بإجماع عموم الناس.
انطلقت الثورة السورية لانتزاع الحقِّ في السياسة، والكلام فيها وممارستها، وللوصول إلى دولةٍ ينعم جميع أفرادها، دون استثناء، بالحرية والمواطنة الكاملة، وللعيش في وطنٍ كريم ويضمن كرامة جميع أبنائه وبناته. ولا يتحقّق ذلك إلا من خلال دولةٍ ديمقراطية، بكل ما يعنيه ذلك من مشاركةٍ سياسية، وحرية تعبير، وتعدديةٍ حزبية، وسيادةٍ للقانون، وحمايةٍ لحقوق عموم الناس، ومؤسساتٍ تشاركية حقيقية.
قامت الثورة السورية في جوهرها على مسألة حقٍّ أساسي: حق الناس في أن يكونوا فاعلين في الشأن العام، لا رعايا خارجه. وهذا هو الجوهر الذي لا ينبغي أن يتبدَّدَ أو يُختزَلَ في شروطٍ معيشية تتمحور حول السلع الأساسية، على أهميتها، أو في رمزياتٍ مُفرَّغةن المضامين السياسية. قامت الثورة من أجل إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان السوري ودولته، ولئلا يُقرِّرَ نظامٌ أنّ الدولة له، وأنّ كل مَن يقع خارجه أو على النقيض السياسي والفكري والإيديولوجي منه إنّما يعادي الدولة. لقد كان هذا الاختزالُ من جوهر التدليس الأسدي، الذي قامت الثورة على الضدِّ منه وفي مواجهته.
لذا لا بدّ من عدم التنازل عن السياسة تحت أي ذريعة، ولا عن الحرية الكاملة، ولا عن المواطنة الكاملة غير القابلة لأي نوعٍ من التمييز، ولا عن الكرامة بوصفها جوهر حقوق الإنسان، ولا عن الديمقراطية. لقد انتهى نظام الأسد، سقطَ بالفعل، لكنّ «الثورة السورية التي تُحقِّقُ مطالبها» هي تلك التي تصل إلى دولة السياسة والحرية والمواطنة والكرامة والديمقراطية.
موقع الجمهورية



