التدخل الاسرائيلي السافر في سورياالعلاقات السورية-الأميركيةتشكيل الحكومة السورية الجديدةتطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

متابعة حثيثة للحرب على ايران وتأثير ذلك على الاوضاع في سورية -مقالات وتحليلات مختارة- تحديث 19 أذار 2026

تابع الجزء السابق من هذا الملف من الرابط التالي:

متابعة حثيثة للحرب على ايران وتأثير ذلك على الاوضاع في سورية -مقالات وتحليلات مختارة-

تحديث 19 أذار 2026


لشرق الأوسط بين صراع المحاور وأزمة الدولة/ حسان الأسود
2026.03.19
لم يعد ممكناً قراءة ما يجري في الشرق الأوسط بوصفه سلسلة أزمات منفصلة أو حروباً محلية متفرقة. نحن أمام لحظة فارقة تتقاطع فيها إعادة تشكيل النظام الدولي مع أزمة الدولة الوطنية في الإقليم، فتنتج مشهداً بالغ التعقيد: صراعاتٌ مفتوحة، تفاهماتٌ هشة، وحروبٌ مؤجلة لا تنتهي ولا تُحسم. المنطقة اليوم ليست فقط ساحة تنافس إقليمي، بل ميدان اختبار لإعادة توزيع القوى على المستوى العالمي.

غير أن أخطر ما في المشهد لا يكمن في صراع المحاور وحده، بل في هشاشة البنية الداخلية للدول، حيث تتآكل مؤسسات الدولة، وتتصاعد الولاءات ما قبل الوطنية، ويُعاد تعريف الشرعية خارج إطار العقد الاجتماعي الجامع.

كثيرٌ من التحليلات تركّز على التنافس بين القوى الكبرى: الولايات المتحدة، روسيا والصين، إضافة إلى القوى الإقليمية كإيران، مصر، السعودية، تركيا وإسرائيل. لكن هذه القراءة، على أهميتها، تُغفل البعد البنيوي الأعمق: بُعد أزمة نموذج الدولة في المنطقة.

في كتاب “لماذا تفشل الأمم؟”، يتمّ الربط بين فشل الدول وطبيعة مؤسساتها السياسية والاقتصادية. فحين تكون المؤسسات إقصائية، محتكرة للسلطة والثروة، تتآكل شرعية الدولة وتتحول إلى كيان هش، قابل للانفجار عند أول أزمة كبرى. هذا التوصيف ينطبق بدرجات متفاوتة على عدد من دول الشرق الأوسط، حيث لم تنجح الدولة ما بعد الاستعمار في التحول إلى دولة مواطنة جامعة. ومع كل هزة سياسية أو اقتصادية، تعود الأسئلة الأولية: من يحكم؟ وباسم من؟ ولمصلحة من؟

في هذا السياق، تتحول الانقسامات الطائفية والإثنية إلى أدوات سياسية. وهذا ما أشار إليه الدكتور برهان غليون في كتابه “المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات”، حيث تُستدعى الهويات الجزئية حين تفشل الدولة في إنتاج هوية وطنية جامعة. وهكذا يصبح الصراع في الدولة ذاتها، وبين فئات المجتمع، مدخلاً لتدخلات خارجية، فتفقد الدولة قدرتها على احتكار العنف والقرار السيادي، وهذا ما نراه شاخصاً بحدّة في لبنان، سوريا، العراق، السودان، ليبيا واليمن.

على المستوى الدولي، نشهد انتقالاً من لحظة الهيمنة الأميركية الأحادية إلى تعددية قطبية غير مستقرة بعد، وتتخلّق الأقطاب الجديدة ضمن محاور مختلفة نوعاً ما عمّا شهدناه في العقود الماضية. الشرخ الذي أحدثه خطاب ترمب وسلوكه تجاه أقرب حلفائه، من كندا إلى أوروبا، غيّر بلا أدنى شك كثيراً من مقاربات الحلف التقليدي الغربي. لم تعد مقولة “إن الدول الديمقراطية لا تتحارب فيما بينها، لكنها تتحارب مع غيرها” مقولةً مُسلّماً بها بشكل مطلق، فقد شهدنا التهديد بالقوة مستعملاً من قبل “الأخ الأميركي الأكبر” تجاه غرينلاند، والتهديد بالحرب كاللجوء إليها في القانون الدولي والممارسة السياسية.

الحرب في أوكرانيا، التنافس الأميركي–الصيني، والحرب الراهنة من أميركا وإسرائيل على إيران، كلها مؤشرات على تحولات عميقة في بنية النظام العالمي. غير أن الشرق الأوسط لم يتحول إلى قطب مستقل في هذا النظام المتشكل، بل بقي ساحة لتصفية الحسابات أو اختبار التوازنات. تتقاطع فيه المصالح الروسية والأميركية، وتتوسع فيه الصين اقتصادياً، وتتنافس فيه قوى إقليمية على النفوذ عبر الحروب المباشرة تارة، والحروب بالوكالة تارات.

المفارقة أن جميع الأطراف تدرك خطورة الانزلاق إلى حرب شاملة، ولذلك تُدار الصراعات وفق منطق “الاحتواء المنضبط”. هذا ما نراه في المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران، حتى اللحظة على الأقل، مع دخول الحرب بينهما أسبوعها الثالث. لكن هذا النمط من الصراع ينتج حالة استنزاف دائم، فلا سلام يُبنى، ولا حرب تُحسم، والنتيجة تكون على شكل مجتمعات مرهقة، واقتصادات متعثرة، ودول تتآكل تدريجياً.

بعد موجة الانتفاضات العربية، بدا أن المنطقة دخلت مرحلة اضطراب عميق. اليوم، في بعض الدول التي نجت من الحرب الأهلية مثل مصر وتونس، عاد ما يمكن تسميته بـ “الاستقرار السلطوي”، أي إعادة إحكام القبضة الأمنية، وتقليص المجال العام، وتغليب خطاب الاستقرار على خطاب التغيير.

في كتابها “في الثورة”، تميز حنّة آرندت بين الثورة بوصفها تأسيساً لحرية سياسية جديدة، وبين الانفجار الاجتماعي الذي ينتهي بإعادة إنتاج السلطة بشكل مختلف. هذا التمييز يساعد في فهم ما جرى في المنطقة، حيث تحولت لحظات الانفجار إلى مسارات متباينة؛ بعضها انتهى بحروب أهلية، وبعضها بإعادة تثبيت أنماط حكم أكثر صرامة.

غير أن الاستقرار الأمني، مهما طال أمده، لا يمكن أن يكون بديلاً عن إصلاح بنيوي. فالتحديات الاقتصادية، البطالة، التحولات الديمغرافية، والضغط البيئي، كلها عوامل تجعل من إدارة الأزمة حلاً مؤقتاً لا أكثر. إعادة إنتاج منظومة الحكم ذاتها، بعد استبدال النخبة الحاكمة، لن تؤدي إلى الخروج من الدوامة، بل ستزيد من تسارعها مع الوقت، لتنتقل الدول المحكومة بهذا النمط من إعادة التدوير إلى الفشل من جديد.

قد يكون الفشل هذه المرة سبباً في التقسيم اللاحق، وما يتبعه ذلك من تجدد لأسس الصراع القديمة. الاستبداد لا يورث إلا الانقسام، الفقر، التشرذم والحروب.

لكن السؤال الأهم هو: هل منطقتنا محكومة قدرياً بالبقاء ساحة صراع دائم؟ الإجابة تكمن في إعادة التفكير في أسس الدولة الراهنة والشرعية السياسية لأنظمة الحكم. فمن دون مؤسسات شاملة، قادرة على استيعاب التنوع، ومن دون عقد اجتماعي جديد يوازن بين السلطة والمساءلة، ستظل المنطقة رهينة دوامة الأزمات.

كما أن الرهان على الخارج – أياً كان موقعه – لن ينتج استقراراً مستداماً، فالتوازنات الدولية تتغير، والتحالفات تُعاد صياغتها وفق المصالح. وحده البناء الداخلي المتماسك يمنح الدول قدرة على المناورة في نظام دولي مضطرب. لكن هذا التحول مشروط بإرادة سياسية تعيد تعريف مفهوم الأمن، من أمن النظام إلى أمن الدولة والمجتمع.

في النهاية، السؤالان الأكثر أهمية ليسا: من سينتصر في جولة التصعيد الراهنة بين أميركا وإسرائيل من جهة، ومحور إيران من جهة ثانية، ولا أي محور سيقضي على الآخر، بل: هل ستنجح دول المنطقة، الطبيعية لا الطارئة عليها، في إعادة بناء ذاتها كمجتمعات سياسية حديثة، أم ستظل تدور في حلقة الفوضى؟ وإلى أي حد ستؤدي هذه الحرب إلى تغيير طرائق التفكير الوجودي لدى بعض الدول التي رهنت مستقبلها بتحالفات خارجية، على الضد من بعضها الآخر الذي تنبّه باكراً لضرورات خلق معادلات أكثر توازناً بين الداخل والخارج؟

الجواب لا يتوقف فقط على موازين القوى، بل على قدرة النخب السياسية على الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، وعلى وعي الشعوب بضرورة الاستمرار في النضال نحو المستقبل. وفي عالم يتغير بسرعة، قد تكون أخطر الكوارث هي الجمود، لا الحرب وحدها.

تلفزيون سوريا


الحرب الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية… ماذا بعد؟/ وحيد عبد المجيد
لم تكن هذه الحرب مفاجئة بأي حال بل كان نشوبها متوقعا سواء في الوقت الذي اندلعت فيه أو بعده بقليل
18 مارس 2026
ليس سهلا الجواب عن السؤال المتعلق بنتيجة الحرب الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية الجارية. الخسائر الإيرانية تزداد كل يوم. وقدرة النظام في طهران على الصمود تبدو على المحك. ومع ذلك يظل تحديد ما سيحدث في نهاية الحرب سواء في جولتها الحالية أو في جولة تالية صعبا، لأنه يتعلق بهذه القدرة على الصمود. وهي تتوقف على عوامل عدة لعل أهمها استمرار تماسك النواة الصلبة للنظام الإيراني. فهذه النواة، التي تضم “الحرس الثوري” والجيش والأجهزة الأمنية والاستخباراتية وقوات “الباسيج”، هي عصب النظام. واستمرار تماسكها ووحدتها هو كلمة السر في قدرة هذا النظام على الاستمرار والصمود أياً تكن الخسائر التي يتكبدها كل يوم.

أما انكسار هذه النواة بسبب خلافات على كيفية التعامل مع أي جانب من جوانب الحرب، أو حدوث انشقاق ربما لوصول أحد مكونات هذه النواة إلى استنتاج مفاده أن الوضع لم يعد يتحمل الانتظار، فقد يفتح الباب أمام تفاعلات ربما تُيسّر محاولات تغيير النظام من داخله. وقد نجحت هذه النواة في عبور اختبار اختيار “المرشد الأعلى” الجديد مجتبى خامنئي، ولكنه لم يكن سهلا. فالمعطيات التي تتوافر عن التفاعلات التي أحاطت ذلك الاختبار تشي بأن الجناح الأكثر تشددا في النظام مارس ضغوطا قصوى لتمرير هذا الاختبار ثم للتعجيل بإعلانه.

ويعني هذا أن الحرب على إيران قد لا تُحسم إلا من خلال حالة النظام تماسكا أو تخلخلا لأن إسقاطه بواسطة ضربات جوية وصاروخية واستنزاف يومي يبدو أصعب ما لم يحدث اختلال ما في داخله. وإذا صح هذا الاستنتاج فهو قد يعني أن تغييرا كاملا للنظام ليس ممكنا. فهذا نظام أيديولوجي يقوم على عقيدة صلبة ولديه أتباع في كل مكان من البلاد. ولذا يصعب تصور حدوث تغيير في طبيعته، أي إبطال مفعول العامل الأيديولوجي الذي يرجح أن يستمر في صورة ما حتى في حالة تحقق هذا التغيير.

أما إذا حافظت النواة الصلبة للنظام على تماسكها مهما اشتدت الضربات وازدادت الخسائر، وواصلت الصمود الصعب في مواجهة قوى عاتية، فستخرج إيران من الجولة الحالية خاسرة ولكن غير مهزومة بشكل كامل. وسيكون في إمكان التحالف الأميركي-الإسرائيلي إعلان النصر على إيران. ولكنه لن يكون نصرا حاسما يلغي الرقم الإيراني فى المعادلات الإقليمية، وإن استطاع إضعافه والحد من قدرته على التأثير. ومع ذلك ستكون خسارة إيران أكبر مما كان متوقعا، وخاصة حين تتضح تفاصيل ما فقدته في قدراتها النووية والصاروخية وغيرهما من الخسائر التي كان ممكنا تجنبها لولا الحسابات الخاطئة التي قادت إليها أو قُل حالت دون تفاديها.
فلم تكن هذه الحرب مفاجئة بأي حال. كان نشوبها متوقعا سواء في الوقت الذي اندلعت فيه أو بعده بقليل. فقد كان الإعداد لها مستمرا على قدم وساق فيما المفاوضات تُجرى حول برنامج إيران النووي. وعندئذ لم يعد في إمكان النظام الإيراني أن يتفاداها لأن حساباته كانت خاطئة منذ البداية.
لم تُحسن القيادة الإيرانية باتجاهيها المتشدد والإصلاحي قراءة التغيير الذي يحدث فى الوضع الدولي منذ بدء حرب الإبادة في قطاع غزة ثم فوز الرئيس دونالد ترمب بالرئاسة ودخوله البيت الأبيض ودعمه اللامحدود واللامسبوق لإسرائيل التي اتخذت قرار شن الحرب على إيران وأخذت الولايات المتحدة معها فى ظل صمت دولي شامل تقريبا.
ولو أن القيادة الإيرانية أحسنت قراءة هذا التحول الكبير لربما سعت في وقت مبكر إلى التحرك لتفادي الحرب أو جعل شنها أصعب. وكان أمامها طريق واحد في هذا الاتجاه، وهو التفاهم مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية على صيغة تقدم فيها تنازلات على صعيد إتاحة تفتيش مفاعلاتها النووية وفتحها أمام مفتشي الوكالة سعيا إلى انتزاع اعتراف منها بسلمية البرنامج النووي المتذرَّع به لشن الحرب. فعندما تكون العاصفة شديدة عاتية يحسن الانحناء لها كي تمر. وهي ستمر لا محالة، لو أن الحسابات كانت في محلها، وقادت إلى تفاهم مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وقدمت إيران التنازل الضروري للوصول إليه، حتى إن كان تنازلا مجانيا.
ووفقا للحسابات الرشيدة التي افتقرت القيادة الإيرانية إليها، فإن التنازل المجاني يمكن التراجع عنه حين يتغير الوضع ويصير هذا ممكنا دون المخاطرة بحرب تدمر الكثير مما بنته إيران في عقود. ولكن طهران، التي لم تحسن قيادتها قراءة الوضع، ضيعت فرصة الحصول على “شهادة براءة” من الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ولو أنها حصلت على هذه الشهادة في وقت مبكر، أي في أوائل العام الماضي أو منتصفه، لصار شن الحرب الشاملة عليها أصعب، ولربما تمكنت من تفاديها والحفاظ على قدراتها التي بنتها في عقود وادخارها للحظة تستطيع فيها استخدامها في إطار استراتيجيتها الإقليمية دون التعرض لمخاطر كبيرة.

المجلة


حرب إيران وخرائط “اليوم التّالي”/ سمير صالحة
2026-03-19

تعيد الحرب الدائرة على إيران اليوم، بشقّها الإقليميّ، اختبار واحد من أقدم التوازنات السياسيّة في الشرق الأوسط، وهو العلاقات التركيّة –
تواجه إيران اليوم اختباراً مزدوجاً: الحفاظ على نفوذها عبر أذرعها الإقليميّة، وفي الوقت نفسه التعامل مع الضغوط الداخليّة والخارجيّة التي أصبحت هذه الأذرع أحد أسبابها….

لم تغيّر حادثة إسقاط صاروخ إيرانيّ كان يقترب من الحدود الجنوبيّة لتركيا قواعد الاشتباك بين البلدين، لكنّها كشفت النقاب عن الوضع الإقليميّ الهشّ والقابل للانفجار…

لم يكن خافياً على أحد أنّ الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة على إيران ستتحوّل سريعاً من صراع ضيّق ومحدود إلى أزمة إقليميّة معقّدة ومتشابكة. أصبحت المعركة في إيران ومن حولها اختباراً لتوازنات الإقليم ومصالح اللاعبين الكبار، ومؤشّراً إلى مواجهة تحديد معالم “اليوم التالي”، الذي سيُعاد فيه رسم خرائط النفوذ والأمن والسياسة والاقتصاد في المنطقة.

كيف سيظهر الإقليم بعد الحرب؟ ما موقع إيران ودورها في التوازنات الجديدة؟ كيف ستتغيّر المعادلات وربّما الخرائط بعد ذلك؟ ما خيارات إيران وحدود قدرتها على حماية موقعها ودورها الإقليميّ؟ ما هو موقف اللاعبين المؤثّرين في ملفّات الإقليم ونظرتهم إلى مستقبل ما يجري؟

خرجت تطوّرات المشهد العسكريّ والسياسيّ حول إيران من شرنقة أزمة عسكريّة محدودة تعيشها المنطقة إلى نواة مواجهة عابرة للحدود تهدّد أمن واستقرار الإقليم بأسره .

لن تعود إيران في “اليوم التالي” لاعباً يهدّد الإقليم ويستهدفه، بل ستصبح قوّة مُهدَّدة ومُستهدَفة، دولة تنزف بعدما فقدت مقوّمات قوّتها داخليّاً وخارجيّاً، يطاردها كابوس ما زرعته في المنطقة، تسعى إلى احتواء تداعيات ما تسبّبت به واسترداد ما خسرته من نفوذ ودور إقليميَّين بين الركام. وهذا ما يضعها أمام اختبار حماية ما بقي لها من مصالح ونفوذ ومستقبل سياسيّ وأمنيّ في النظام الإقليميّ المقبل .

البحث عن قنوات تواصل

سيترك مشهد ما بعد الحرب إيران أمام أوضاع سياسيّة وأمنيّة واقتصاديّة صعبة، إلى جانب ضغوط المجتمع الدوليّ، واستحالة البحث عن الاستقرار المنشود بسهولة وسرعة. قد تكون فرصتها الوحيدة في البحث عن قنوات تواصل مع من حاربتهم لأسابيع وربّما لأشهر، بعدما فرّطت بفرص العروض المقدّمة من قبل جيرانها في المنطقة.
لن تعود إيران في “اليوم التالي” لاعباً يهدّد الإقليم ويستهدفه، بل ستصبح قوّة مُهدَّدة ومُستهدَفة

على القيادة الإيرانيّة الخروج من عزلة إقليميّة ودوليّة قد تفرضها مواقف وسياسات أميركيّة–غربيّة وربّما إقليميّة، وأيضاً التعامل مع الداخل الإيرانيّ المغاير والمتمرّد على من أوصله إلى هذا الواقع.

ستحتاج طهران إلى إعادة تقويم تحالفاتها، وتحديد موقعها ضمن أكثر من محور واصطفاف لم يعطِها ما تريد. ستعمل على إعادة تشكيل صورتها واستعادة مكانتها بين اللاعبين الإقليميّين والدوليّين.

ستواجه إيران وسط الترتيبات الإقليميّة الجديدة معضلة حماية سيادتها وتماسكها والدفاع عن مصالحها الإقليميّة، لكنّ الثمن قد يكون الانفتاح على مسارات دبلوماسيّة جديدة تصل إلى تفعيل قنوات التواصل مع خصومها وأعدائها للخروج من ارتدادات ما ينتظرها.

لن تكون إيران في معادلات ما بعد الحرب لاعباً يتأثّر بما يجري وحسب، بل أمام اختبار حقيقيّ لقدرتها على إعادة التموضع داخليّاً وخارجيّاً واستعادة دورها الإقليميّ في مواجهة قيود الحرب والتحوّلات المرتقبة.

من سيملأ الفراغ؟

في الوقت نفسه، سيظلّ الفراغ الاستراتيجيّ الذي ستتركه إيران يطاردها لسنوات نتيجة معضلة إعادة رسم مسار التوازنات الإقليميّة وتحديد اللاعبين الذين سيتحرّكون لملء هذا الفراغ .

استيعاب مرحلة ما بعد الحرب هو مفتاح فهم المشهد الإقليميّ والتحوّلات المرتقبة في موازين القوى. لكنّ القيادة الإيرانيّة ستجد صعوبة بالغة في سعيها إلى الخروج من مأزقها بأقلّ الخسائر والأضرار .

تحاول واشنطن من خلال الحرب مع إيران بالتنسيق مع تل أبيب، استكمال عمليّة إعادة رسم توازنات الإقليم وفق العودة إلى نظام الأحاديّة القطبيّة الذي فقدته في مطلع التسعينيّات. مع ذلك، لم تكتمل بعد مسألة الحسم، إذ إنّ اللاعبين الآخرين المؤثّرين في المنطقة مثل تركيا، المملكة السعوديّة ومصر، إلى جانب روسيا والصين، لم يعلنوا مواقفهم النهائيّة بعد .

ما يتشكّل في الإقليم قد لا يكون عودة كاملة إلى الأحاديّة القطبيّة، بل مرحلة انتقاليّة من توازنات جديدة تجمع بين النفوذ الأميركيّ المباشر وتفاهمات إقليميّة تحاول القوى الكبرى الأخرى فرض حضورها من خلالها.
لن تكون إيران في معادلات ما بعد الحرب لاعباً يتأثّر بما يجري وحسب، بل أمام اختبار حقيقيّ لقدرتها على إعادة التموضع داخليّاً وخارجيّاً

المعادلات معلّقة

ستظلّ معادلات ما بعد الحرب معلّقة حتّى تحسم مواقفَها القوى الكبرى التي تتلاقى وتتباعد أهدافها وطموحاتها في رسم خارطة النفوذ المقبلة، ويصبح “اليوم التالي” معياراً لاختبار قدرة كلّ لاعب على التذكير بحصّته .

شهدت المنطقة في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023 مرحلة مفصليّة مع تصاعد الحرب في غزّة، وهو ما أعاد ترتيب الأولويّات الإقليميّة للعديد من اللاعبين. بعد سنتين ونصف تقريباً، جاء 28 شباط 2026 ليشكّل حلقة استكماليّة في رسم ملامح النفوذ في الإقليم. جاء التركيز هذه المرّة على الملفّ الإيرانيّ، لتصبح معادلات ما بعد الحرب اختباراً حقيقيّاً لاستراتيجيات وقدرات اللاعبين الكبار والإقليميّين على تحديد موازين النفوذ المقبلة .

مع استكمال المشهد الإيرانيّ، يظلّ موقف اللاعبين الكبار مثل روسيا، الصين، تركيا، المملكة السعوديّة، ومصر حجر الزاوية في تحديد معالم الملفّ الإيرانيّ. ما سيعلنه هؤلاء من مواقف سيساهم بشكل مباشر في رسم خارطة النفوذ المقبلة. تحالفاتهم، تباين مصالحهم، ورغبتهم في إعادة ترتيب موازين القوى ستكون عوامل حاسمة تحدّد قدرة إيران على إعادة تموضعها واستعادة نفوذها الإقليميّ ودورها المؤثّر في المنطقة.

تتجاوز مسألة إعادة ترتيب الإقليم بعد الحرب تقويم نتائج ما حدث، فالكثير من الدول ستعيد النظر في تحالفاتها ومصالحها عبر ساحة اختبارات سياسيّة وعسكريّة واقتصاديّة متجدّدة. ستبرز تحالفات مبتكرة، تفاهمات ذات طابع مغاير، ومواثيق ومعاهدات بديلة، في محاولة من كلّ طرف لتثبيت موطئ قدم مؤثّر في شرق أوسط يشهد فراغاً استراتيجيّاً إيرانيّاً ينتظر من يملؤه .

صورة إيران بعد الحرب

كيف ستعيد إيران بناء صورتها الإقليميّة واسترداد الثقة مع جيرانها بعد الضربات التي تلقّتها ووجّهتها؟ هل تعيد صياغة استراتيجية الردع أم تسعى إلى فرص جديدة للانخراط في صفقات واتّفاقيّات سياسيّة وأمنيّة تحافظ على حضورها في المشهد الإقليميّ؟
ستظلّ معادلات ما بعد الحرب معلّقة حتّى تحسم مواقفَها القوى الكبرى التي تتلاقى وتتباعد أهدافها وطموحاتها في رسم خارطة النفوذ المقبلة

ما سيحدّد ذلك ليس نجاح إيران أو فشلها فقط، بل شكل التوازنات المقبلة في الإقليم. السيناريو الأكثر ترجيحاً يشير إلى انكماش نفوذها الإقليمي، مع ترك واشنطن تحدّد خارطة معادلات ما بعد الحرب، في ظلّ تقاطع استراتيجيّ يحول دون إحتفاظ إيران بما كانت تملكه قبل الصراع .

لن يعتمد النجاح الاستراتيجيّ في التعامل مع الترتيبات الإقليميّة المقبلة بالنسبة لإيران على محاولة فهم ما سيحدث فقط، بل على قدرتها في الوصول إلى ضمانات طمأنة بعد تقديم التنازلات الكافية والمرضية .

لن تكون إيران في معادلات ما بعد الحرب لاعباً يتأثّر بما يجري وحسب، بل ستكون أمام اختبار حقيقيّ لقدرتها على إعادة التموضع داخليّاً وخارجيّاً واستعادة دورها الإقليميّ في مواجهة قيود الحرب والتحوّلات المرتقبة. في الوقت نفسه، سيتحوّل الفراغ الاستراتيجيّ الذي ستتركه إيران في الإقليم إلى المحرّك الرئيس لتوازنات “اليوم التالي”، إذ سيحاول كلّ لاعب إقليميّ ودوليّ ملء هذا الفراغ بما يخدم مصالحه ويرسم خطوط التوازن الإقليميّ وفق توافقاته مع القوى الكبرى.
أساس ميديا


شيعة الحزب… قراءة خاطئة لنتائج حربَيْن!/ خيرالله خيرالله
2026-03-19
لن يتوقّف العدوان الإسرائيليّ على لبنان، وهو عدوان تسبّبت به إيران، في حال استمرار الموقف اللبنانيّ على حاله، أي دوران لبنان على نفسه. ثمّة حاجة إلى الاعتراف بالواقعين الإقليميّ والدوليّ الجديدين بعدما دخل لبنان، عن سابق تصوّر وتصميم ومن خارج إرادته، حرباً كبيرة وواسعة ذات نتائج معروفة سلفاً.

عمليّاً، دخل البلد، في ضوء رغبة “الحرس الثوريّ الإيرانيّ”، مرحلة ستسمح بتوسيع الاحتلال الإسرائيليّ للجنوب اللبنانيّ وزيادة ضخمة في عدد النازحين من قراهم. يحدث ذلك في وقت تبدو الحاجة أكثر من أيّ وقت إلى التخلّي عن اللغة الخشبيّة المعتمدة، بما في ذلك التمسّك بما يسمّى التفاوض مع إسرائيل عبر صيغة “الميكانيزم”، وهي صيغة تجاوزتها الأحداث. لبنان في غنى عن الوقوع في أسر “الميكانيزم” في وقت يلزم البحث في قضايا سياسيّة وفي عمق الأحداث بدل التمسّك بالقشور والرغبة في كسب الوقت.

لن تأخذ اللغة الخشبيّة، التي يُخشى ذهاب شيعة لبنان ضحيّتها، إلى أيّ مكان خارج دوران البلد على الذات، مع ما يعنيه ذلك من تدهور داخليّ على كلّ صعيد. ليس سرّاً أنّ إسرائيل غير متحمّسة لـ”الميكانيزم”. إسرائيل مصرّة، في المقابل، على إقامة منطقة عازلة في جنوب لبنان في عمق يخشى وصوله إلى 15 كيلومتراً. لا يدلّ على مدى جدّية إسرائيل بشأن لبنان ووضعه، أكثر من تسليم ملفّه إلى رون ديرمر الذي يعتبر الشخصيّة الأهمّ في الدولة العبريّة وعقل بنيامين نتنياهو!

الحربان مرتبطتان ومنفصلتان

يظلّ أخطر ما في الأمر أنّ حرب لبنان مرتبطة بالحرب التي تتعرّض لها إيران، لكنّها منفصلة عنها في الوقت ذاته. حرب لبنان مرتبطة بالحرب الإيرانيّة من زاوية استخدام “الحرس الثوريّ” الأراضي اللبنانيّة لإطلاق صواريخ في اتّجاه إسرائيل… في سياق تنسيق بين “الحرس الثوريّ” وفرعه اللبنانيّ.
ينسى “الحزب” أن لا مجال لتكرار تجارب الماضي وأساليبه من نوع تهديد اللبنانيّين بحرب أهليّة أو شقّ مؤسّسة الجيش اللبنانيّ

لكنّها منفصلة عنها نظراً إلى أنّ لدى إسرائيل حسابات خاصّة تريد تصفيتها مع لبنان الواقع مباشرة على حدودها. يمكن أن تتوقّف الحرب بين إيران وبين أميركا وإسرائيل غداً أو بعد شهر أو أكثر. لكنّ حرب لبنان لن تتوقّف، بالضرورة، مع وقف حرب إيران.

سيكون لبنان مضطرّاً، بشكل منفصل، إلى دفع ثمن حربين شُنّتا من جنوبه من دون إرادته. إنّهما “حرب إسناد غزّة” و”حرب إسناد إيران”.

الحزب

من الواضح وجود قراءة شيعيّة مخطئة للنتائج المترتّبة على الحربين. والمعنيّ بالشيعة، ليس كلّ أبناء الطائفة التي تتعرّض حالياً لحملة إبادة وتهجير لا سابق لها. المعنيّ بالطائفة، هنا، “الحزب” الذي يرفض أخذ العلم بما شهدته المنطقة من تطوّرات منذ حرب غزّة. هل يحتاج “الثنائيّ” إلى زيادة أخرى في عدد النازحين، الذي تجاوز مليوناً، وتدمير مزيد من القرى كي يقتنع بأن لا مفرّ من التعاطي مع إسرائيل بطريقة مختلفة، أقلّه من أجل وقف إطلاق النار ومباشرة البحث في شروط الانسحاب الإسرائيليّ؟

لبنان في عزلة عربيّة

ينسى “الحزب” أن لا مجال لتكرار تجارب الماضي وأساليبه من نوع تهديد اللبنانيّين بحرب أهليّة أو شقّ مؤسّسة الجيش اللبنانيّ. لم تعد سوريا الأسد موجودة. لا حرب أهليّة من دون إمدادات بالسلاح للأطراف المشاركة في الحرب من دون سوريا. لبنان في عزلة عربيّة دوليّة. لن يفكّ العزلة نداء صدر عن دول عدّة، هي فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وكندا، يحذّر من اجتياح برّيّ إسرائيليّ للبنان.

لن يفكّ العزلة سوى الاعتراف بأنّ عالم 2026 غير عالم 1983 و1984 عندما أسقطت قوى داخليّة لبنانيّة تعمل لدى النظام السوريّ “اتّفاق 17 أيّار” الذي توصّل إليه لبنان مع إسرائيل. كان هناك إصرار لدى الاتّحاد السوفيتيّ، بقيادة يوري أندروبوف، على إسقاط “اتّفاق 17 أيّار”. كانت الحرب الباردة في أوجها وقتذاك.
لبنان في حاجة إلى حماية نفسه واستيعاب أن ليس ما يدلّ على الهزيمة الإيرانيّة أكثر من الهجمات التي تشنّها “الجمهوريّة الإسلاميّة” على الدول القريبة منها

كلّ هذا بات من الماضي في ضوء القرار الأميركيّ – الإسرائيليّ القاضي بالانتهاء من النظام القائم في إيران في سنة 2026. ليس هناك ما يدعو الطائفة الشيعيّة في لبنان إلى تقديم نفسها قرباناً على المذبح الذي أعدّ للنظام الإيرانيّ الذي خدم أغراض إسرائيل طويلاً قبل أن تنتهي صلاحيّته مع التطوّرات التي تلت حرب غزّة وما استتبعها من تطوّرات على الصعيد الإقليميّ.

لا أفق سياسيّاً للموقف الذي اتّخذه “الحزب” في لبنان. ذهب أحد قياديّيه إلى تخوين الحكومة اللبنانيّة والمقارنة بينها وبين “حكومة فيشي” التي تعاونت مع النازيّين في فرنسا مطلع أربعينيّات القرن الماضي. ليس ما يدعو “الشيعة” إلى الانتحار مع “الحزب” ومع إيران، خصوصاً مع نشر إسرائيل أسماء القرى التي سيجري تدميرها في جنوب لبنان قريباً، وهي: كفركلا والعديسة ومركبا وحولا وميس الجبل وبليدا ويارون وعيترون ومارون الراس وراميا والضهيرة وعلما الشعب والناقورة.

كيف تفادي الحرب؟

يستطيع لبنان تفادي المزيد من الدمار. الحاجة أوّلاً وأخيراً إلى شجاعة سياسيّة من جهة واستيعاب ما يدور في المنطقة والعالم بغضّ النظر عمّا إذا كان النظام الإيرانيّ سيبقى أو سيرحل، من جهة أخرى. لبنان ليس مضطرّاً إلى دفع فاتورة اغتيال “المرشد” علي خامنئي ولا هزيمة إيران الحتميّة أمام الولايات المتّحدة وإسرائيل.
سيكون لبنان مضطرّاً، بشكل منفصل، إلى دفع ثمن حربين شُنّتا من جنوبه من دون إرادته. إنّهما “حرب إسناد غزّة” و”حرب إسناد إيران”

لبنان في حاجة إلى حماية نفسه واستيعاب أن ليس ما يدلّ على الهزيمة الإيرانيّة أكثر من الهجمات التي تشنّها “الجمهوريّة الإسلاميّة” على الدول القريبة منها، وفي مقدَّمها دولة الإمارات والمملكة العربيّة السعوديّة والكويت والبحرين وقطر وسلطنة عُمان التي سعت بكلّ ما تستطيع من أجل تفادي الحرب على إيران.

أمّا بالنسبة إلى “الثنائيّ الشيعيّ” نفسه، فإنّ واجبه يتمثّل في تغطية مبادرة رئيس الجمهوريّة جوزف عون الذي دعا إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل ودعمها. كلّ ما عدا ذلك خدمة للأهداف الإسرائيليّة ولاستمرار الاحتلال وتوسيعه. أليس الوقت وقت اتّخاذ قرار شجاع لـ”الثنائيّ” يؤكّد أن لا ملاذ آخر لشيعة لبنان غير لبنان والقرار الوطنيّ اللبنانيّ بعيداً عن اللغة الخشبيّة والحسابات الضيّقة؟

المعنيّ بالحسابات الضيّقة تلك القائمة على فكرة أنّ المهمّ الانتصار على لبنان تعويضاً عن استحالة القدرة على الانتصار على إسرائيل.
أساس ميديا


الحرب الإيرانية: أسوأ مخاوف تركيا قد تتحول لصالحها
الخميس 2026/03/19
إن استياء تركيا من اندلاع الحرب في إيران، الذي تعتبره أنقرة تجسيداً لسيناريوهات استراتيجية بالغة السوء بالنسبة لها، كبيرٌ للغاية، وهي تعمل جاهدةً لإنهاء القتال في أسرع وقت ممكن.

وبحسب مقال لغاليا لندنشتراوس في معهد الأمن القومي الإسرائيلي، فإن الحرب تشكل تحديات مباشرة للأتراك، بدءاً من إطلاق الصواريخ باتجاه إيران، مروراً بمخاوف موجة نزوح كبيرة، وصولاً إلى تجدد تصاعد التوتر الكردي من إيران. وعلى الصعيد الإقليمي، تشعر أنقرة، التي تتهم إسرائيل بدفع الولايات المتحدة إلى الحرب، بالقلق إزاء تعزيز النفوذ الإسرائيلي الأميركي في المنطقة، وترد بخطوات عسكرية غير مسبوقة، مثل نشر طائرات مقاتلة في قبرص. اقتصادياً، من المتوقع أن يُفاقم الصراع الضغوط التضخمية في تركيا، التي تستورد نحو ثلثي احتياجاتها من الطاقة، بعضها من إيران. ونتيجةً لذلك، تُسرّع تركيا من وتيرة تعزيز قدراتها العسكرية، وفي الوقت نفسه، يتزايد الحديث عن الحاجة إلى أسلحة نووية كوسيلة ردع. ومع ذلك، فإن إضعاف إيران قد يفتح آفاقاً جديدة أمام تركيا لترسيخ نفوذها في المنطقة بأسرها.

سيناريو سلبي

ويرى المقال أن استياء تركيا من اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير لافتٌ للنظر في ظل الجهود الدبلوماسية التي بذلتها أنقرة على مر السنين لتجنب هذا التطور. فقد اعتقدت أنقرة أن حل القضية النووية الإيرانية دبلوماسي، وعارضت استخدام الوسائل العسكرية لردع إيران عن المضي قدماً في برنامجها النووي. في الواقع، يعكس مسار الحرب الحالي بعض السيناريوهات السلبية التي توقعتها أنقرة في حال اندلاع حرب مع إيران. وفي خطاب ألقاه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 9 آذار/مارس، أكد أن الهدف الرئيسي هو إبقاء البلاد بعيدة عن “هذا اللهيب”. ويتسم الخطاب التركي المحيط بالحرب باتهام إسرائيل بأنها من جرّت الولايات المتحدة إلى مهاجمة إيران، وأنها كانت عاملاً حاسماً في قرار الإدارة الأميركية اتخاذ هذه الخطوة.

أبرز النتائج المباشرة للحرب على ما يحدث في تركيا، بحسب الكاتبة، هو إطلاق صواريخ على أراضيها واعتراضها من قبل أنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو). ورغم عدم وقوع أضرار مباشرة، فإن كون تركيا هدفاً للهجمات الإيرانية يُعد تطوراً سلبياً للغاية بالنسبة لأنقرة. على الرغم من وجود محاولاتٍ للتقليل من خطورة الهجوم، من خلال الادعاء، من بين أمور أخرى، بعدم وضوح وجهة الإطلاق (على الأقل الصاروخ الأول)، وأن عمليات الإطلاق على تركيا قد تشير إلى ضعف القيادة المركزية في إيران، وأنها مبادرات محلية، إلا أن مصداقية هذه الحجج تضاءلت مع إطلاق الصاروخ الثاني، إذ بات من الصعب الجزم بأن هذا كان حدثاً فردياً.

ويُعدّ وصول موجة كبيرة من اللاجئين إلى أراضي تركيا أحد أهم مخاوف تركيا بشأن زعزعة استقرار إيران. فكما كان لحروب العراق وسوريا تداعيات سلبية على تركيا من حيث موجات اللاجئين، كذلك الحال هذه المرة. وتخشى تركيا، التي تشترك في حدود مع إيران، أن يؤدي عدم الاستقرار الداخلي في إيران نتيجة الحرب إلى تكرار هذه النتيجة.

ويتابع المقال أن من المخاوف الأخرى، تصاعد حدة القضية الكردية. بعد إعلان الحركة الكردية السرية، النشطة عسكرياً منذ ثمانينيات القرن الماضي، حلّها في أيار/مايو 2025، وبعد الإنجازات التي حققها نظام الشرع في كانون الثاني/يناير 2026 باحتلاله مناطق كانت تحت سيطرة المنطقة ذات الحكم الذاتي في شمال شرق سوريا (ذات الأغلبية الكردية)، يُعدّ تعزيز نفوذ الأكراد في إيران سيناريو قد يُغيّر مجرى الأحداث. ومن بين الأكراد الإيرانيين، ينشط الفرع الإيراني للحركة الكردية السرية، إلى جانب فصائل أخرى. وقد زادت التقارير، التي نُفيت لاحقاً، حول تسليح عناصر كردية إيرانية لتمكينها من العمل عسكرياً في غرب إيران، من مخاوف أنقرة في هذا الشأن، وضغطت على واشنطن لتجنب التحرّك في هذا الاتجاه.

أما الجانب الآخر فهو اقتصادي. تستورد تركيا نحو ثلثي استهلاكها من الطاقة، وبالتالي فإن عدم استقرار سوق الطاقة، فضلاً عن ارتفاع الأسعار، سيؤثر عليها ويُعقّد جهودها لكبح التضخم في البلاد (حيث بلغ معدل التضخم السنوي 32 في المئة في شباط 2026). على الرغم من التقلبات، تُعدّ إيران ثاني أهم مورد للغاز لتركيا (حوالي 13 في المئة من واردات تركيا من الغاز الطبيعي).

نفوذ إسرائيلي

وترى الكاتبة أن خوف تركيا يتفاقم من عدم الاستقرار في إيران وسقوط النظام هناك، إذ يُعتقد أنه من الممكن إعادة نظام بقيادة التحالف الأميركي الإسرائيلي، ما يُسهم في تعزيز نفوذ إسرائيل في المنطقة. وتُعزز تصريحات السياسيين الإسرائيليين بشأن رؤية “إسرائيل الكاملة” و”إسرائيل التوراتية”، بالإضافة إلى تصريحات إسرائيلية حول “التهديد الكبير القادم” من تركيا، الانطباع بأن النفوذ الإسرائيلي المفرط في إيران يُشكل خطراً على تركيا.

علاوة على ذلك، تُؤثر الحرب على مناطق لأنقرة مصالح كبيرة فيها. فعلى سبيل المثال، أثار إطلاق طائرات مُسيّرة باتجاه قبرص، والذي نُسب إلى حزب الله، وتحديداً باتجاه القاعدة البريطانية هناك في أكروتيري، رد فعل غربي واسع. وقد أرسلت اليونان وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا طائرات وسفناً إلى المنطقة، ومن المتوقع وصول مدمرة بريطانية وفرقاطة هولندية أيضاً. في ضوء استياء أنقرة من تعزيز القوات الغربية في الجزيرة، قررت نشر ست طائرات من طراز إف-16 في شمالها. ورغم امتلاك تركيا لقوات برية كبيرة في شمال الجزيرة، وتشغيلها قاعدة للطائرات المسيّرة هناك، إلا أن نشر الطائرات المقاتلة – وهي خطوة لم تتخذها منذ عقود – يُعدّ إجراءً غير مألوف.

كما يشكل إطلاق طائرات مسيرة باتجاه ناخيتشيفان، الجيب الأذربيجاني المتاخم لتركيا وإيران وأرمينيا، تصعيداً مقلقاً للأتراك. وعلى النقيض من محاولة التقليل من خطورة إطلاق الصواريخ على تركيا، أدانت أذربيجان بشدة إطلاق الطائرات المسيرة على أراضيها، وردت بإجلاء دبلوماسييها من إيران. كما زاد اعتقال عناصر من الحرس الثوري كانوا يخططون لضرب أهداف إسرائيلية ويهودية في أذربيجان، بالإضافة إلى خط أنابيب النفط باكو-تبليسي-جيهان، من حدة التوتر بين البلدين. ورغم أنه لا توجد محاولة واضحة في حالة أذربيجان، مقارنةً بحالة قبرص، لاستدراج قوات دولية، فإن دخول أذربيجان الفعلي في الحرب سيعقد حسابات تركيا بشكل كبير، التي تعتبر نفسها ضامنة لأمنها. وفي هذا السياق، انتشرت مزاعم مؤامرة على وسائل التواصل الاجتماعي في تركيا، تزعم أن الهجوم على أذربيجان كان مدبراً ونفذته قوات إسرائيلية تعمل في إيران. تجدر الإشارة أيضاً إلى أن الأقلية الأذرية هي أكبر الأقليات في إيران، وبالتالي فإن تحركات أذربيجان في إيران قد يكون لها تداعيات داخلية.

كما أن كون قطر هدفاً للهجمات الإيرانية يُثير قلق أنقرة. ورغم أنه لم تتضح بعدُ النتائج التي ستُتوصل إليها الدوحة بعد الحرب، فمن الواضح أن إعادة النظر ستكون ضرورية هناك في الطريقة الأمثل للدفاع عن البلاد. وعلى عكس الحصار المفروض على قطر العام 2017، حين خففت المساعدات التركية من آثاره السلبية، بل ومنعت، على الأقل من وجهة النظر التركية، احتلال البلاد، يبدو هذه المرة أن الدعم التركي لقطر ذو تأثير رادع محدود.

تعزيز القدرات التركية

ويشير المقال إلى أنه كما اتضح بعد حرب الأيام الاثني عشر بين إسرائيل وإيران في حزيران/يونيو 2025، كان رد الفعل التركي على الحرب ذا طابع داخلي، ودعوة إلى تعزيز القدرات. وقد تم تحديد الثغرات في القدرات في مجالات القوات الجوية والدفاع الجوي والفضاء الإلكتروني والصواريخ، ومعالجتها. على الرغم من أن نظام اعتراض الصواريخ التابع لحلف الناتو قد عمل بكفاءة عالية في اعتراض الصواريخ التي أُطلقت على تركيا، إلا أن الحاجة إلى القدرات المحلية في هذا السياق تبرز بوضوح. حتى قبل اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير، كان هناك نقاش حاد حول حاجة تركيا إلى امتلاك أسلحة نووية. والآن، يُعدّ سحق إيران من قِبل إسرائيل والولايات المتحدة، لا سيما في ضوء حقيقة أن إيران لم تُحقق القدرة النووية العسكرية، مبرراً لأنصار تركيا للمضي قدماً في برنامجها النووي العسكري.

مع أن تركيا لم تكن ترغب في الحرب، بحسب الكاتبة، إلا أنه لا ينبغي لها أن تتوهم أنها ستكون بالضرورة في الجانب الخاسر. فأنقرة قادرة على احتواء التداعيات المزعزعة للاستقرار التي قد تنجم عن الحرب، سواء في سياق وقف موجات اللاجئين أو في السياق الكردي. يجب التذكير بأن موجة اللاجئين الكبيرة من سوريا وصلت إلى تركيا لأنها فتحت أبوابها، مُفترضةً أن نظام الأسد سيسقط قريباً. وبالمثل، فيما يتعلق بالقضية الكردية، لا ينبغي المبالغة في تأثير الأكراد في إيران على جوانبها. (الجانب الآخر من القضية الكردية). كما أن إضعاف إسرائيل لحزب الله قد حقق نتائج إيجابية لتركيا في سوريا، فإن الحرب الحالية، التي ستؤدي إلى إضعاف إيران في المستقبل القريب، قد تستغلها تركيا لتعزيز مصالحها في المنطقة، ولا سيما في العراق، حيث يدور صراع تركي إيراني على النفوذ. وعلى عكس التصورات التركية، من المرجح أن يكون تأثير إسرائيل على ما يحدث في إيران بعد الحرب محدوداً، وأن تتمكن أنقرة من توظيف شبكة علاقاتها في إيران على النحو الأمثل.

مع ذلك، ترى الكاتبة، فإن الحرب الحالية تُعمّق إدراك تركيا للتهديد الإسرائيلي، وتُعزز في الوقت نفسه إدراك إسرائيل لوجهة نظرها، التي ترى في تركيا تهديداً متنامياً. ويُعدّ اتهام إسرائيل بأنها المحرّض والعامل الحاسم في جرّ الولايات المتحدة إلى الحرب، فضلاً عن نظريات المؤامرة التي تزعم أن إسرائيل تُنفّذ عملياتٍ مُضلّلة لجرّ تركيا وأذربيجان إلى الحرب، مؤشرات على ذلك. في ضوء سعي إسرائيل لتحسين موقعها الاستراتيجي نتيجةً للحملة الحالية، يجب عليها ضمان ألا تُترجم نجاحاتها العسكرية إلى صورةٍ لها في المنطقة كقوةٍ عدوانيةٍ متوحشة.

لذا، يختم المقال، عليها أن تُصاحب إنجازاتها العسكرية ببناء رؤيةٍ تتضمن أبعاداً إيجابيةً للمنطقة بأسرها. وفي السياق الثنائي، يتعين على إسرائيل وتركيا مواصلة تطوير آليات التنسيق التكتيكي بينهما لخفض حدة التوتر. إضافةً إلى ذلك، يجب على واشنطن، التي تعتبر كلاً من إسرائيل وتركيا شريكين مهمين، أن تُدرك أهمية الحملة في إيران بالنسبة للعلاقات التركية الإسرائيلية
المدن


لماذا يجب أن تراقب تركيا وسوريا الحرب السيبرانية أكثر من الصواريخ؟/ علي أسمر
2026.03.19
في الحروب التقليدية كان صوت الانفجار هو الذي يعلن بداية المعركة، أما اليوم فإن المعركة قد تبدأ بصمت كامل داخل شبكة حاسوب، بضعة أسطر من الشيفرة قد تفتح الطريق أمام صواريخ وطائرات بعد ذلك بساعات أو أيام، وهذا تحديداً ما تكشفه المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، حيث يظهر بوضوح أن ساحة الحرب لم تعد تقتصر على السماء والبحر والبر، بل تمتد أيضاً إلى الفضاء السيبراني الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من أي عملية عسكرية معاصرة.

في هذه الحرب لم يكن لافتاً فقط حجم الضربات العسكرية أو طبيعة الأسلحة المستخدمة، بل أيضاً ما جرى قبل إطلاق الصواريخ، فالحروب الحديثة لا تبدأ فجأة بل تسبقها سنوات من الاختراقات الرقمية وجمع المعلومات، وهو ما يعرف في العقيدة العسكرية بمرحلة التموضع قبل الحرب، حيث تقوم وحدات سيبرانية متخصصة باختراق الشبكات الرقمية للخصم، مراقبة الاتصالات العسكرية، تحليل أنظمة الدفاع الجوي، بناء خرائط رقمية للبنية التحتية الحيوية، وكل ذلك يحدث غالباً بعيداً عن أعين الجمهور.

تقارير صحفية غربية تحدثت عن عمليات اختراق استهدفت كاميرات المراقبة وكاميرات المرور داخل إيران، وهي أجهزة تبدو عادية في الحياة اليومية لكنها تتحول في زمن الحرب إلى مصادر استخبارية بالغة الأهمية، إذ يمكن من خلالها مراقبة التحركات في المدن والمنشآت العسكرية وتتبع أنماط الحركة، ما يسمح ببناء صورة دقيقة عن البيئة العملياتية قبل أي ضربة عسكرية.

وفي هذه النقطة تحديداً تتغير طبيعة مفهوم الاستخبارات، فالمعلومة لم تعد تأتي فقط من عميل سري أو قمر صناعي، بل أيضاً من شبكة كاميرات أو تطبيق هاتف أو حتى جهاز متصل بالإنترنت داخل منزل عادي، وهنا تتحول الحياة الرقمية بأكملها إلى ساحة محتملة للحرب.

لكن الدور السيبراني لا يقتصر على جمع المعلومات فقط، بل يمتد أيضاً إلى تعطيل قدرة الخصم على الرد، فبعض التصريحات العسكرية الأميركية ألمحت إلى أن العمليات الرقمية استهدفت إرباك شبكات الاتصال وأنظمة القيادة والسيطرة الإيرانية، وهو ما يمكن أن يفسر حالة الارتباك التي تظهر أحياناً في الساعات الأولى من أي مواجهة عسكرية.

وفي حالات أخرى يمكن للحرب السيبرانية أن تستهدف البنية المدنية أيضاً، ليس بهدف التدمير المباشر بل لإحداث صدمة نفسية أو تشويش في البيئة المعلوماتية. فقد تحدثت تقارير إعلامية عن اختراق تطبيق إيراني واسع الانتشار لمواقيت الصلاة وإرسال إشعارات للمستخدمين بالتزامن مع بدء الضربات الجوية، وهي حادثة قد تبدو صغيرة لكنها تعكس كيف يمكن للأدوات الرقمية اليومية أن تتحول إلى وسيلة تأثير نفسي خلال الحرب.

هذا النوع من العمليات يفسر أيضاً سبب الصمت الذي يحيط بالحرب السيبرانية، فالدول غالباً ما تتباهى بصواريخها وطائراتها لكنها تتجنب الحديث كثيراً عن عملياتها الرقمية، لأن كشف تفاصيل هذه العمليات قد يؤدي ببساطة إلى فقدانها، فالسلاح السيبراني يفقد قيمته بمجرد معرفة خصمك بكيفية عمله.

لكن ما يجري في هذه الحرب لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية المواجهة بين القوى الكبرى، بل أيضاً من زاوية الدروس التي تقدمها لدول المنطقة، وهنا تبرز تركيا وسوريا بوصفهما دولتين تراقبان التطورات عن كثب.

تركيا، التي طورت خلال العقدين الماضيين صناعة دفاعية متقدمة، بدأت تدرك مبكراً أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط في السماء أو على الأرض، بل أيضاً داخل الشبكات الرقمية، ولهذا تعمل أنقرة على تعزيز قدراتها في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي إلى جانب قوتها العسكرية التقليدية.

أما سوريا، التي تقف للمرة الأولى منذ سنوات طويلة في موقع المراقب لحرب إقليمية كبيرة دون أن تكون طرفاً مباشراً فيها، فقد تجد في هذا التحول درساً استراتيجياً بالغ الأهمية، فبعد أكثر من عقد من الحروب التي دمرت مدناً وبنية تحتية كاملة، يصبح من الضروري التفكير في طبيعة الحروب القادمة لا في طبيعة الحروب التي انتهت.

وفي هذا السياق، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مجال تقني متخصص أو ترف معرفي يمكن تأجيله إلى المستقبل، بل أصبح جزءاً أساسياً من عناصر القوة في العالم الحديث، ولهذا يجب أن تبدأ تركيا وسوريا التفكير بجدية في إدخال علوم الذكاء الاصطناعي إلى المناهج التعليمية منذ المراحل المدرسية الأولى، بحيث يتعرف الطلاب مبكراً على أساسيات البرمجة وتحليل البيانات والتقنيات الرقمية.

فالعالم الذي يتشكل اليوم تقوده الخوارزميات بقدر ما تقوده الجيوش، والدول التي تتأخر في هذا المجال ستجد نفسها مستهلكة للتكنولوجيا بدلاً من أن تكون منتجة لها، لذلك فإن الجامعات في البلدين مطالبة أيضاً بإنشاء تخصصات أكاديمية جديدة تحت مسمى تقنيات الذكاء الاصطناعي، تجمع بين علوم الحاسوب وتحليل البيانات والأمن السيبراني، لأن هذه التقنيات لم تعد مجرد خيار أكاديمي إضافي بل ضرورة استراتيجية تمس مستقبل الاقتصاد والأمن وموازين القوة في المنطقة.

الشرق الأوسط، الذي كان لعقود طويلة مسرحاً للحروب التقليدية، يدخل اليوم مرحلة مختلفة، حيث قد تبدأ المعركة القادمة دون أن يسمع أحد صوتها، قد تبدأ داخل مركز بيانات أو شبكة اتصالات أو حتى تطبيق هاتف.

وعندما يحدث ذلك، لن يكون السؤال من يمتلك الصاروخ الأقوى فقط، بل من يمتلك القدرة على فهم العالم الرقمي وإدارته قبل أن تتحول المعركة إلى واقع لا يمكن السيطرة عليه.

تلفزيون سوريا


تحالف دولي لحسم الحربَين… وإلّا!/ نبيل بومنصف
19 مارس 2026
على اختلاف الوقائع الحربية والميدانية المتصلة بطبيعة كلّ من المسرحَين المفتوحَين راهناً لحربَي إيران ولبنان، ولو مع “روابط” ومشتقات أقلّ ضراوة في ميدان الشرق الأوسط كلّه المشرع على حرب إقليمية كاملة المواصفات الاستراتيجية، ترتسم بعد ثلاثة أسابيع حربية أخطار فوق عادية لاستنزاف طويل منهك في كلا الميدانَين. بمثل ما بدأت الحرب النفطية تُهدّد بانزلاق الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران الأهداف الكبرى الأساسية لهذه الحرب بعدما حوّلتها إيران إلى محرقة أمنية لدول الخليج العربي، يُهدّد ضياع بوصلة الحرب المتدحرجة في لبنان بإخضاع اللبنانيين لما يتجاوز الاستنزاف الطويل في تجربة تتهدّد الدولة وقدراتها وكل معالم الصمود الأمني والاقتصادي والاجتماعي بتفكك مريع. والحال أنّ الأسابيع الأولى للحربَين بدأت تُحفّز بقوة على تعميق الشكوك في كل التأكيدات القاطعة بأنّ نهاية سريعة ممكنة للحربَين آتية لا محال، إن بإسقاط النظام الإيراني بعد إنجاز تدمير كل البنى النووية والعسكرية واغتيال رجالات النظام بكل سلم الهيكلية القيادية، وإن بإنجاز إسرائيل في لبنان ما عجزت عنه دولته بنزع سلاح “حزب الله ” وتصفية جسمه العسكري والأمني والمالي. لا حسم يلوح في إيران ولا حسم ممكناً بعد في لبنان، والواقع الأقوى من كل الإغراق الإعلامي والفائض التلفزيوني والدعائي على مدار الساعات الأربع والعشرين يوميّاً، ينذرنا بحرب استنزاف طويلة تُظلّل الشرق الأوسط برمته ولا تشبه أي حرب أو مواجهة في تاريخ هذه المنطقة العائمة على تاريخ الحروب. سوف لن يطول الوقت لفتح باب المساءلة عن الشفافية الكافية التي اعتمدت في حسابات الحربَين، أمام النظام الإيراني وقدراته المخزونة على إشعال الخليج العربي كردة شمشومية تلقائية في مواجهة حرب تصفيته، أو أمام “حزب الله” وما لا يزال يمتلكه من قدرات ولو تضاءلت على إرجاع عقارب الساعة في لبنان إلى أكثر من ربع قرن من تفكك الدولة واستباحة لبنان لأعتى آلة حربية تمتلكها إسرائيل مع الاجتياح البري لجنوب الليطاني والتدمير المنهجي في كل انحاء لبنان. ولكن إذا كانت دول الخليج العربي تمتلك المناعة الكافية لصد اخطر تخريب إيراني تتعرض له راهناًَ، فإنّ لبنان لا يمتلك ادنى القدرات على استنزاف طويل لأنه سيودي به حتما إلى تحقق أسوأ الكوابيس المتصلة بعودة الفوضى الشاملة، حتى الأمنية، بكل ما تحمله من كوارث وسط تعاظم أعداد النازحين المنتشرين في المناطق كافة والذين تراكمهم إنذارات الإخلاءات الإسرائيلية وبات عددهم يتجاوز المليون. بمثل ما باتت الحرب النفطية تدفع بالحرب “الأصلية” نحو متاهات اشد خطورة، تُنذر عمليات الكر والفر بين إسرائيل و”حزب الله” بتقويض قاتل للرهانات الواقعية على الدولة اللبنانية بعد سنة وأشهر قليلة من بداية العهد الحالي وتشكيل حكومته الأولى اللذين عقد عليها المجتمعان اللبناني والدولي ، وعلى الجيش اللبناني، الامال العريضة وربما المضخمة لانهاء سطوة ذراع إيران في لبنان ونزع سلاحه بسرعة. فقد لبنان فعلاً تلك الفرصة الذهبية من دون أن تنفع التبريرات مهما تكن، كما تتهدّد الحرب على ايران بفقد رهاناتها على التخلص من نظام أعاد الكثير من الطبعة الفاشية ولو برداء توتاليتاري مذهبي إلى التحكم بالشرق الأوسط. سنغدو أمام حقيقة لا مفر منها وهي العودة الكلاسيكية إلى التحالفات الدولية للتخلص من ربقة هذه الفاشية، او على الأقل استعادة الطبعة التاريخية لتحرير الكويت من غزو صدام حسين. تحالف دولي تمتد مفاعيله إلى لبنان بتدويل لا مفر منه إذا اريد له الإنقاذ النهائي قبل ان يصبح بؤرة جديدة مفتوحة.
النهار العربي


خطة إنهاء الحرب في الشرق الأوسط/ جيفري ساكس وسيبيل فارس
وسط مخاوف متزايدة من تحولها إلى مواجهة عالمية، تُغرق الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران الشرق الأوسط بأكمله في أتون الصراع، وقد بدأت تداعياتها الاقتصادية الخطيرة تتصاعد بالفعل، مع احتمال أن تتحول إلى كارثة واسعة النطاق؛ فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس النفط المتداول عالميا، إضافة إلى 30% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، ما يعني أن أي إغلاق مطول له سيؤدي إلى أزمة طاقة غير مسبوقة في التاريخ الحديث.

كما من المرجح أن يتمدد الصراع إلى مستويات يصعب احتواؤها، في ظل إصرار الولايات المتحدة وإسرائيل على فرض هيمنة على العالم العربي، وغرب آسيا، تجمع بين التوسع الإقليمي الإسرائيلي، وترسيخ أنظمة سياسية مدعومة أمريكيا في مختلف أنحاء المنطقة.

ويتمثل الهدف النهائي في إقامة ما يعرف بـ”إسرائيل الكبرى” التي تضم كامل فلسطين التاريخية، إلى جانب أنظمة عربية وإسلامية مرهونة القرار، بما في ذلك ما يتعلق بمصالح شعوبها والسيطرة على مواردها وتصريفها.

غير أن هذا التصور يفتقر إلى الواقعية؛ فلا توجد دولة في المنطقة ترغب في أن تمضي إسرائيل في سياساتها الحالية دون رادع أو قيد، في ظل ما يشهده الإقليم من قتل للمدنيين، ودمار واسع في غزة والضفة الغربية، وغزو لبنان، وضربات في العراق، واليمن، وقصف مكثف لطهران.

كما لن تقبل أي دولة أن تخضع ثرواتها الطبيعية لسيطرة أمريكية فعلية. ولن تتوقف هذه الحرب إلا إذا أجبر الغضب العالمي من العدوان الأمريكي- الإسرائيلي، هذين البلدين على التراجع، وإلا فإن المنطقة قد تواجه تصعيدا واسعا يقود إلى شرق أوسط مشتعل، وأزمة طاقة واقتصاد ترخي بظلالها الكثيفة على العالم، مع خطر تدحرج كرة اللهب إلى مواجهة قد ترقى إلى حرب عالمية ثالثة.

ومع ذلك؛ يظل هناك مسار بديل: إذ يمكن وقف الحرب على أسس عقلانية إذا تمت مساءلة إسرائيل والولايات المتحدة بشكل حاسم من قبل المجتمع الدولي.
إعلان

فإنهاء هذا الصراع يتطلب سلسلة من الخطوات المترابطة لضمان الحد الأدنى من الأمن لجميع الأطراف، بل وللعالم بأسره. فإيران تحتاج إلى وقف دائم للعدوان الأمريكي-الإسرائيلي، بينما دول الخليج هدفها إنهاء الضربات الانتقامية الإيرانية. فيما الفلسطينيون غايتهم إقامة دولتهم المستقلة، في حين تسعى إسرائيل إلى أمن دائم ونزع سلاح حماس وحزب الله.

أما العالم، فيحتاج إلى إعادة الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب مراقبة دولية للبرنامج النووي الإيراني؛ لضمان التزامها بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، كما تؤكد طهران. كما أن جميع الدول تريد- أو يفترض أن تريد- سيادة حقيقية لها ولمنطقتها.

ويمكن تحقيق الأمن الجماعي عبر خمس خطوات مترابطة:

أولا، أن توقف الولايات المتحدة وإسرائيل فورا عدوانهما العسكري في مختلف أنحاء المنطقة، وتنسحبان بقواتهما.
ثانيا، توقف إيران ضرباتها الانتقامية في دول مجلس التعاون الخليجي وتعود إلى الخضوع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضمن خطة عمل شاملة مشتركة معدلة، وهي الاتفاقية التي تخلى عنها الرئيس دونالد ترمب عام 2018.
ثالثا، يعاد فتح مضيق هرمز باتفاق متبادل بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي.
رابعا، ينفَذ حل الدولتين فورا عبر قبول فلسطين عضوا كاملا في الأمم المتحدة، مع مطالبة إسرائيل بإنهاء احتلالها الضفة الغربية والقدس الشرقية، وسحب قواتها من لبنان، وسوريا.
خامسا، يشكل الاعتراف الدولي بدولة فلسطين أساسا لنزع شامل لسلاح جميع الجهات المسلحة غير الحكومية في المنطقة، تحت رقابة دولية. والنتيجة النهائية ستكون العودة إلى القانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة.

لكن من الرابح في هذا السيناريو؟ شعوب المنطقة، في إسرائيل، وفلسطين، ولبنان، وسوريا، والعراق، وإيران، إلى جانب بقية شعوب العالم. أما الخاسرون فهم فقط الداعمون لمشروع “إسرائيل الكبرى”، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو، وإيتمار بن غفير، وبتسلئيل سموتريتش، ومايك هاكابي، الذين أوصلوا العالم إلى حافة الدمار.

وفيما يلي تفاصيل الخطوات الخمس:

أولا: إنهاء العدوان المسلح الأمريكي-الإسرائيلي

توقف إسرائيل والولايات المتحدة عملياتهما العسكرية وتنسحبان بقواتهما من المنطقة، مقابل وقف إيران ضرباتها الانتقامية. ولن يقتصر ذلك على وقف لإطلاق النار، بل سيكون الخطوة الأولى ضمن اتفاق سلام شامل وترتيب جديد للأمن الجماعي.

ثانيا: العودة إلى الاتفاق النووي

يعالَج الملف النووي عبر رقابة صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بدلا من حملات القصف التي قد تدفع اليورانيوم الإيراني المخصب إلى خارج نطاق الرقابة الدولية.

وفي هذا السياق؛ يعيد مجلس الأمن الدولي فورا تفعيل الإطار الأساسي لخطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، التي تلتزم إيران بموجبها بقيود واضحة على برنامجها النووي تحت رقابة الوكالة، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عنها.

ثالثا: إعادة فتح مضيق هرمز ضمن إطار إيراني-خليجي

يعاد فتح مضيق هرمز بسرعة، مع ضمان المرور الآمن بشكل مشترك من قبل إيران ودول مجلس التعاون الخليجي. كما تؤكد دول المجلس سيادتها على القواعد العسكرية الموجودة في أراضيها؛ لضمان عدم استخدامها كنقاط انطلاق لشن هجمات في المنطقة.
إعلان

رابعا: حل الدولتين

يطبَق حل الدولتين عبر قبول فلسطين عضوا رقم 194 في الأمم المتحدة، وهو إجراء لا يتطلب سوى تخلي الولايات المتحدة عن حق النقض (الفيتو).

ويأتي قيام الدولة الفلسطينية انسجاما مع القانون الدولي، ومبادرة السلام العربية المطروحة منذ عام 2002.

وفي المقابل، تقيم دول المنطقة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، بينما ينشر مجلس الأمن الدولي قوات حفظ سلام؛ لضمان أمن كل من فلسطين وإسرائيل.

خامسا: إنهاء الأعمال القتالية المسلحة

بالتوازي مع تنفيذ حل الدولتين، تتوقف جميع الأعمال القتالية المسلحة في المنطقة فورا، بما يشمل نزع سلاح حماس وحزب الله وسائر الجهات المسلحة غير الحكومية. ففي الحالة الفلسطينية، يعزز نزع سلاح حماس سلطة الدولة الفلسطينية.

أما في لبنان، فيؤدي نزع سلاح حزب الله إلى استعادة الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة، بحيث تصبح القوات المسلحة اللبنانية الجهة العسكرية الوحيدة في البلاد.

وسيتم التحقق من عملية نزع السلاح عبر مراقبين دوليين، مع ضمان تنفيذها من قبل مجلس الأمن الدولي.

وتكمن النقطة الجوهرية في أن الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران لم تنشأ من فراغ؛ فإستراتيجية “الانفصال النظيف”، التي صاغها نتنياهو وحلفاؤه من المحافظين الجدد في الولايات المتحدة عام 1996، ودخلت حيز التنفيذ منذ ذلك الحين، تقوم على ترسيخ الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة عبر حروب تغيير الأنظمة، مع قيام الولايات المتحدة بدور الشريك المنفذ.

وكشف القائد الأعلى السابق لحلف الناتو ويسلي كلارك بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، أن الولايات المتحدة وضعت قبل ربع قرن خططا لإسقاط حكومات سبع دول؛ “بدءا بالعراق، ثم سوريا، ولبنان، وليبيا، والصومال، والسودان، وانتهاء بإيران”.

وبذلك، فإن ما نشهده اليوم يمثل تتويجا لخطة طويلة الأمد تهدف إلى الهيمنة على العالم العربي وغرب آسيا، وإقامة “إسرائيل الكبرى”، ومنع قيام دولة فلسطينية بشكل دائم.

ولا يوجد تفاؤل كبير بإمكانية تنفيذ هذا التصور؛ فالحكومة الإسرائيلية تتصرف بوحشية، بينما يعيش ترمب أوهاما بشأن قوة الولايات المتحدة.

وربما يكون العالم بالفعل في المراحل الأولى من حرب عالمية ثالثة. ومع ذلك، وبالنظر إلى خطورة الرهانات، فإن طرح حلول واقعية يظل ضروريا حتى لو بدت فرص نجاحها ضئيلة.

لذا نعتقد أن العالم غير الغربي، أي الدول غير الخاضعة للنفوذ الأمريكي، يدرك إلحاح الحاجة إلى السلام والأمن.

لكن يبقى السؤال: من يمكنه قيادة خطة سلام ستواجهها الولايات المتحدة وإسرائيل بكل الوسائل، إلى أن يفرض ثقل المعارضة العالمية والكوارث الاقتصادية عليهما قبولها؟

الإجابة تكمن في دول بريكس؛ فالبرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا، إلى جانب الأعضاء الجدد في التكتل مثل الإمارات، وإيران، ومصر، وإثيوبيا، وإندونيسيا، يمثلون نحو نصف سكان العالم وأكثر من 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مقارنة بـ28% فقط لدول مجموعة السبع.

وتمتلك هذه الدول، بحسب الطرح، المصداقية والوزن الاقتصادي، إضافة إلى عدم تورطها تاريخيا في الإمبريالية في الشرق الأوسط، ما يؤهلها للمساهمة في إعادة العالم إلى مسار العقل.

ولذلك، يفترض أن تعقد دول بريكس قمة طارئة لطرح إطار موحد لشروط السلام والأمن، يتم تقديمه إلى مجلس الأمن الدولي، حيث يمكن للرأي العام العالمي أن يبعث برسالة واضحة: ضرورة وقف دفع العالم نحو الكارثة، والالتزام بميثاق الأمم المتحدة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة


كيف يتجاوز العرب حالة الانكشاف المهينة؟/ غازي دحمان
19 مارس 2026
كشفت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران حجم الانكشاف الأمني العربي، وقدرة الخارج على التحكّم بمفاتيح الاستقرار في العالم العربي، ليس فقط من خلال استهداف مراكزه الحضرية ومنشآته الحيوية، بل أيضاً إمكانية خنقه لوجستياً، عبر التحكّم بمساراته التجارية وخطوط إمداداته، فضلاً عن التهديد بتمزيق الأنسجة الوطنية عبر التلويح بتقسيم الكيانات القائمة إلى كانتونات عرقية وطائفية. وهنا يطرح السؤال المهم نفسه: كيف تستقيم للعرب هذه المنظومة المتكاملة من الأعطاب ويهنأ لهم العيش، بل ويدّعون أنهم يحقّقون خروقاً حضارية ويراكمون إنجازات هائلة ولا يفصل بينهم وبين المجد الأبدي سوى أمتار قليلة سيتجاوزونها حتماً في سعيهم الحثيث إلى بلوغ المراتب الكبرى في السباق الحضاري؟
يحتّم الخطر الداهم في المنطقة البحث عن مخارج حقيقية لأزمة وجد العرب أنفسهم فيها عنوة، فتحوّلوا إلى ورقة ضغط بيد فاعلين خارجيين، من دون أن تفيدهم أو تشفع لهم حراكاتهم الدبلوماسية، ونشاطهم السياسي في الجبهات كلّها، ومع مختلف الأطراف، مثلما لم تنفعهم الاتفاقات الأمنية التي انخرطوا فيها مع الولايات المتحدة، ولا التفاهمات الدبلوماسية مع إيران، ولا اتفاقات السلام مع إسرائيل، إذ تبيّن أن ذلك كلّه يصبح لزوم ما لا يلزم حين تُكشِّر المشاريع الجيوسياسية عن أنيابها، وحين تسعى الدول إلى تحقيق طموحات قادتها المتشكّلة من فوائض ما لدى دولهم من قوة مقارنة بالجوار العربي الضعيف، وما تمليه عليهم أيديولوجياتهم العميقة.
الأمر الذي يستحقّ التوقف عنده عربياً أن هذه الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة، هدفها الأساس حماية أمن إسرائيل، ولم تأخذ بالحسبان المخاطر التي ستترتّب عنها في المجال العربي، مع معرفة صانع القرار الأميركي المسبقة بحدود (وطبيعة) الردّ الإيراني المحتمل الذي طاول دول المنطقة بالدرجة الأولى. وعلى الرغم من ذلك، لم تضع واشنطن أي اعتبار للتحذيرات الخليجية من مخاطر شنّ الحرب على إيران، ولا جهّزت بنية أمنية صلبة تحمي هذه الدول من مخاطر هذه الحرب. على الأقلّ، كان من الممكن للولايات المتحدة أن تشكّل آليات لحماية الملاحة عبر مضيق هرمز، الشريان الحيوي لتجارة دول الخليج، والمعبر الأهم الذي تمرّ منه السفن المحمّلة بالغذاء والاحتياجات الأساسية لتلك الدول.
ما يجب التنبّه إليه الآن طبيعة المخرجات التي ستنتهي إليها الحرب، إن كان عبر إخضاع إيران وهزيمتها نهائياً، وهو أمر لا يبدو ممكناً على اعتبار أن الأنظمة التي تشبه النظام الإيراني لا تُقرّ بالهزيمة، طالما لم يسقط النظام الحاكم فيها، أو عبر المفاوضات والترتيبات التي يمكن التوصّل إليها مع النظام الإيراني، سواء في ما يخصّ مشروعه النووي وبرنامجه الصاروخي، أو علاقاته الخارجية وتوجّهاته السياسية.
في الحالتَين، سيتركّز الهدف الأساس حول ما يسمّيه قادة إسرائيل، ومعهم كثيرون في الإدارة الأميركية، تشكيل شرق أوسط جديد، وترتيب البيئة الاستراتيجية للمنطقة فتصبح آمنة لإسرائيل، وتخدم مصالحها الأمنية والاستراتيجية إلى أمد بعيد جدّاً. ولتحقيق هذا الأمر، يجب طي القضية الفلسطينية نهائياً وإلى الأبد، ومنح إسرائيل حقّ ضمّ الضفة الغربية، والتحكّم بالشكل الذي ستكون عليه غزّة مستقبلاً، وحصول إسرائيل على مساحات أمان واسعة في سورية ولبنان، وربّما إعادة النظر في أجزاء من اتفاقات السلام مع الأردن ومصر أو تعديلها، والحصول على حقّ في المشاركة ضمن ترتيبات مياه الخليج العربي والبحر الأحمر ومضايقهما. هذا ما يعنيه ترتيب البيئة الاستراتيجية، ورسم المعادلات الجديدة في المنطقة وتوازنات القوى بين الأطراف.
لقد دفع العرب فاتورة حرب الآخرين التي فُرضت عليهم، ويستدعي المنطق أن يكونوا طرفاً فاعلاً في الترتيبات التي ستتبع الحرب، لكن الأدوار لا تُحصّل من الآخرين تكرّماً، بل تُفرَض عبر أوراق تفاوض قوية، في مواجهة أطراف تدّعي الحقّ في تشكيل المنطقة بما يتناسب مع مصالحها، بالنظر إلى ما تعتقد أنها أنجزته وأنتج تغيّرات عميقة في بنى المنطقة وموازين القوى فيها، والمقصود هنا إسرائيل والولايات المتحدة. وأهم أوراق القوة التي على الأطراف العربية امتلاكها، اليوم وليس غداً، إيجاد ترتيب أمني إقليمي فعّال، أو إطار أمني عربي يتعامل مع تهديدات الأمن لدول المنطقة، بآليات عمل واضحة. وهذا يستدعي من الدول العربية الاتفاق على تصوّرات مشتركة حول طبيعة التهديدات التي يتعرّض لها أمنها، ووضع قائمة موحّدة بالمخاطر التي تمسّ أمنها الجماعي، واعتبار ما يُهدّد دولة عربية ما تهديداً للجماعة العربية كلّها.
ولعلّ ما يسهّل هذه المهمة أن مصادر التهديد لم تعد تتبع أساليب المواربة، بل باتت واضحة وصريحة، وتتمثّل بأطماع دول الجوار الإقليمي بدرجة أساسية بقضم المصالح العربية، والسيطرة على المجال العربي لتحقيق مصالحها، وتحوّلها إلى قوى مؤثّرة إقليمياً ودولياً، ولكن على حساب العرب. والمطلوب اليوم من العرب إدارة هذه التهديدات، وتطوير التفاعلات الأمنية المشتركة حولها، والخروج من منطق الحسابات الضيّقة وتجاوز الخلافات والتناقضات الثانوية.
والحال أن العرب لديهم القدرة (والفرصة) على تحويل المخاطر التي يتعرّض لها أمنهم راهناً إلى مكاسب، من خلال توحيد رؤاهم وتصوّراتهم الأمنية، وبناء منظومة عمل يستطيعون من خلالها فرض احترام مصالحهم، والخروج من وضعية أوراق لعب إلى أطراف محدِّدة لقواعد اللعبة في الإقليم، وما ينقصهم فقط هو الإرادة والجرأة.

العربي الجديد


خدعة النجاح العسكري.. هل تنزلق واشنطن إلى الفخ الإيراني؟
بعد نحو ثلاثة أسابيع على اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تتقاطع ثلاث قراءات أمريكية عند خلاصة واحدة: ما تحقق في الميدان لا يجد -حتى الآن- ترجمة سياسية واضحة.

فالتفوق العسكري شيء، والقدرة على فرض نهاية للحرب شيء آخر. وفي ظل هذه الفجوة، ترى هذه القراءات أن المأزق الأمريكي يتعمق، وأن طهران قد تكون نجحت في دفع واشنطن إلى ساحة استنزاف لا تحسمها الضربات وحدها.

ففي افتتاحية لنيويورك تايمز، تقول الصحيفة إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خاض الحرب من دون أن يشرح للأمريكيين أو للعالم إستراتيجية واضحة، بل إن مسار الأسابيع الأولى أوحى -بحسب الصحيفة- بأنه ربما لم يضع خطة متماسكة أصلا.

وتضيف أن الإدارة رفعت منذ البداية سقف أهداف الحرب، من إضعاف إيران إلى إسقاط النظام ومنعها نهائيا من امتلاك سلاح نووي، دون أن تبين كيف يمكن بلوغ هذه الغايات، أو كيف ستتعامل مع النتائج المتوقعة للحرب، وفي مقدمتها اضطراب أسواق النفط والاقتصاد العالمي.

ومن زاوية أخرى، يكتب وليام غالستون -في صحيفة وول ستريت جورنال- أن معيار النجاح في الحروب لا يكمن في وقع الضربات وحده، بل في قدرتها على تحقيق الأهداف السياسية التي شُنت من أجلها.

أما نيت سوانسون -في مجلة فورين أفيرز- فيرى أن الحرب “ارتدت” على واشنطن، وأن طهران باتت -عقب الضربات الأولى- أقرب إلى فرض كلفة وشروط تجعل إنهاء الحرب أصعب مما تخيلته الإدارة الأمريكية.

أهداف الحرب ومأزق الوسائل

تلاحظ نيويورك تايمز أن ترمب تحدث -منذ بداية الحرب- بلغة تتجاوز الردع والاحتواء، فدعا الإيرانيين إلى السيطرة على حكومتهم، وطالب بـ”استسلام غير مشروط”، وأوحى بأن له كلمة في تحديد الحاكم المقبل لإيران.

لكن الصحيفة ترى أنه لم يقدم -حتى الآن- شرحا جديا لكيفية تحقيق هذه الأهداف، لاسيما أن إسقاط الأنظمة من الجو وحده نادر الحدوث، فتغيير النظام لا يتحقق عادة إلا بقوات على الأرض تستولي على أدوات السلطة وتعيد تشكيلها.
إعلان

وفي السياق نفسه، يرى غالستون أن طهران لن تقبل بـ”الاستسلام غير المشروط”، كما لن تتخلى طوعا عن مخزونها من اليورانيوم المخصب. ويضيف أن أي رهان على انتزاع هذا المخزون بالقوة يفتح الباب أمام عملية عسكرية معقدة وغير مضمونة.

أما سوانسون فيقول إن الإدارة الأمريكية بنت جزءا من حساباتها على فرضية أن الضربات ستفتح الباب أمام تصدع داخلي أو حراك شعبي يضعف النظام من الداخل.

لكنه يرى أن هذا التصور كان -منذ البداية- أقرب إلى التمني منه إلى التقدير الواقعي، خصوصا في ضوء ما أبدته السلطة الإيرانية سابقا من استعداد لاستخدام “أقصى درجات العنف” من أجل البقاء.

الضربات وحدود الحسم

تقر افتتاحية نيويورك تايمز بأن الحرب حققت نجاحات تكتيكية مهمة، إذ تضررت الدفاعات الجوية الإيرانية بشدة، وتقلص مخزون الصواريخ، وقُتل عدد من القادة والعلماء النوويين، كما ضعفت أذرع إيران الإقليمية.

وبدوره، يكتب غالستون أن البحرية الإيرانية تعرضت لدمار واسع، وقدرات طهران على إطلاق الصواريخ الباليستية تراجعت، وبنى الحرس الثوري أصابها ضرر كبير.

لكن السؤال -في هذه القراءات- ليس عما إن كانت إيران ضُربت، بل عما إن كانت هذه الضربات كافية لتحقيق نتيجة سياسية.

تقول نيويورك تايمز إن الضربات لم تسقط النظام، ولم تغلق الملف النووي، ولم تمنع إيران من الرد. ويستنتج غالستون من ذلك أن الحرب تؤكد مجددا أن النجاح العسكري -مهما بلغ- لا يتحول تلقائيا إلى مكسب سياسي.

أما سوانسون فيرى أن الضربات منحت النظام الإيراني فرصة لإعادة توجيه الأنظار بعيدا عن أزماته الداخلية، عبر تعبئة البلاد حول منطق “الصمود في وجه العدوان الأجنبي”.

هرمز وكلفة الحرب

في النصوص الثلاثة، تتبلور صورة ما يمكن وصفه بالفخ الإيراني. وليس المقصود بذلك قدرة طهران على هزيمة الولايات المتحدة عسكريا، بل قدرتها على جرها إلى حرب مفتوحة الكلفة، يصعب إنهاؤها بشروط أمريكية صافية.

وتقول نيويورك تايمز إن أحد أبرز أوجه سوء التقدير تمثل في الاستخفاف بإمكانية إغلاق مضيق هرمز.

وتشير إلى أن ترمب تلقى -قبل الحرب- تحذيرا من القائد العسكري الأعلى في إدارته بأن إيران قد ترد عبر تعطيل الملاحة في المضيق، لكنه افترض أن طهران ستنهار قبل أن تقدم على ذلك، أو أن البحرية الأمريكية ستكون قادرة على إبقائه مفتوحا.

وتقول الصحيفة إن هذا التقدير ثبت خطؤه، كما دل عليه ارتفاع أسعار النفط بأكثر من 40%.

كذلك يرى غالستون أن قرار إيران إغلاق المضيق قلب الطاولة على إدارة ترمب، لأن إعادة فتحه ليست مهمة سهلة ولا قليلة الكلفة.

فالبحرية الأمريكية -في تقديره- تحتاج إلى وقت وقدرات كبيرة لتأمين مرور الناقلات، فيما يظل المضيق نفسه عرضة لأن يتحول إلى ساحة استنزاف خطيرة في ظل تهديد المسيّرات والصواريخ الإيرانية.

أما سوانسون فيرى أن طهران لا تحتاج إلى انتصار عسكري يومي كي تفرض منطقها، بل يكفيها أن توقِع ضررا دوريا يُبقي الأسواق وحلفاء واشنطن والرأي العام الأمريكي في حال قلق مستمر.
إعلان

ومن هذا المنظور، يصبح تعطيل الملاحة في ممر يمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية أداة ضغط سياسية بقدر ما هو خطوة عسكرية.

الملف النووي.. ما بعد القصف

واحدة من أكثر القضايا التي تكشف حدود العمل العسكري -في هذه النصوص- هي مسألة اليورانيوم عالي التخصيب.

تقول نيويورك تايمز إن هذا المخزون -الذي يعتقد أنه لا يزال قائما في مجمع أنفاق قرب أصفهان– يمنح إيران طريقا محتملا إلى القنبلة، إذا انتهت الحرب من دون مصادرته.

وتشير الصحيفة إلى أن ما تعرضت له طهران من ضربات وإهانات عسكرية قد يدفعها أخيرا نحو الخيار النووي الكامل.

ويؤكد غالستون أن انتزاع هذا المخزون -إذا كان هدفا فعليا- لن يكون ممكنا من الجو وحده، بل قد يتطلب عملية برية واسعة ومعقدة، ذات كلفة ومخاطر يصعب التنبؤ بنهايتها.

أما سوانسون فيرى أن استمرار القصف الجوي يحقق عائدا متناقصا، لأن معظم الأهداف الواضحة أصيبت بالفعل، والبديل سيكون إما تدخلا بريا وهو ما تعهد ترمب مرارا بتجنبه، أو عمليات محدودة ترتبط بالأمن البحري أو النووي، لكنها لا تبدو كافية لإجبار إيران على الرضوخ.

حلفاء مترددون وخيارات أضيق

تنتقد نيويورك تايمز الإدارة الأمريكية لأنها -بحسب الصحيفة- لم تطلب تفويضا من الكونغرس، ولم تنسق بجدية مع الحلفاء الأوروبيين أو الآسيويين، ولم تقدم للرأي العام الأمريكي سوى مبررات سطحية للحرب.

ويضيف غالستون أن طلب ترمب من الحلفاء إرسال قوات بحرية للمساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز قوبل بفتور واضح، مستشهدا بمواقف ألمانية ويابانية وبريطانية متحفظة. ويرى أن هذا التردد ليس مفاجئا، لأن ترمب بدأ الحرب من دون تشاور حقيقي مع هؤلاء الحلفاء.

أما سوانسون فيخلص إلى أن الخيارات المتبقية أمام البيت الأبيض كلها سيئة: إما الاستمرار في حرب لا تحظى بشعبية، أو البحث عن وقف لإطلاق النار يتضمن تنازلات يمكن لطهران أن تقدمها بوصفها انتصارا سياسيا.

وفي قراءة سوانسون، فإن إيران تريد أن تفرض على ترمب معادلة صعبة: إما مواصلة حرب تزداد كلفتها على الولايات المتحدة والخليج والأسواق العالمية، وإما السعي إلى نهاية تقيَّد فيها حرية إسرائيل في استئناف الضربات مستقبلا.

ويضيف أن ترمب لا يستطيع -بقرار أحادي- أن يمنع طهران من مواصلة استهداف المصالح الأمريكية أو دول الخليج، في وقت تبدو فيه إيران أكثر استعدادا لخوض حرب استنزاف طويلة مع الولايات المتحدة الآن، من القبول بحروب متكررة مع إسرائيل في السنوات المقبلة.

وخلاصة ذلك -بحسب سوانسون- أن طهران تسعى إلى دفع الرئيس الأمريكي للاختيار بين المصالح الأمنية لإسرائيل واستقرار الأسواق العالمية.

وعليه، يرى الكاتب أن الحرب التي بدأها ترمب تمضي إلى مآل غير مُواتٍ، وأن كل يوم إضافي فيها لا يجعل السلام أكثر صعوبة فحسب، بل يؤخر أيضا أي أفق أفضل للإيرانيين.
المصدر: الصحافة الأميركية


التاريخ الشعبي لـ “معجزات” إسرائيل الاستخباراتية في إيران
صباح السبت 28 فبراير/شباط الذي بدا واحدا من صباحات العاصمة المألوفة: الدوائر الحكومية تستقبل أول أيام العمل، والموظفون يعودون إلى مكاتبهم كما يفعلون كل أسبوع. قبيل الساعة العاشرة صباحا، حين يصل الموظف المتأخر عادة ويبدأ الملتزم بالتثاؤب، انطلقت قذائف صاروخية دقيقة إلى مقر المرشد علي خامنئي الذي كان يعقد اجتماعا مع كبار قادته. أدى القصف إلى مقتل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية عن عمر ناهز 86 عاما.

الرواية الإسرائيلية التي نقلتها صحيفة فاينانشال تايمز (Financial Times) البريطانية تحدثت عن سنوات من المراقبة السرية، واختراق لشبكة كاميرات المرور حول مجمع المرشد، وتحليل دقيق لشبكات العلاقات داخل الدولة، ومصادر بشرية تثبت المعلومة قبل ساعة الصفر. لكن ما إن يبتعد المرء قليلا عن هذا المشهد المشغول بعناية، حتى يطل سؤال بسيط: أين يفترض أن يكون المسؤول في أول أيام العمل من الأسبوع؟ أليس في مكتبه؟

هنا تبرز المفارقة التي تعرفها أجهزة الاستخبارات أكثر من غيرها. فما يعرض لاحقا بوصفه ثمرة لعمليات معقدة واختراقات مذهلة، قد يكون في أساسه مبنيا على معرفة بديهية لا تحتاج إلى كل هذا التعقيد. بيد أن كل عمل عسكري يحتاج إلى هالة من الإبهار، لأن أثر العملية لا يقتصر على نتائجها المباشرة، بل يمتد إلى ما تطبعه في النفوس من الهيبة والإكبار. يخبرنا ذلك ببساطة أن سردية القوة ليست بالضرورة انعكاسا لواقع القوة نفسها.

فحين تفكك أي عملية استخبارية إلى عناصرها الواقعية -من شبكات مراقبة، مصادر بشرية، تحليل بيانات، وسلسلة طويلة من الإجراءات الروتينية- تتراجع الهالة الغامضة التي يصنعها الخطاب الدعائي. وتعود العمليات إلى سياقها الحقيقي بوصفها تقوم على أدوات معروفة وإجراءات قابلة للفهم، لا على معجزات خفية أو قدرات خارقة. والحقيقة أن الخطاب الاستخباراتي الإسرائيلي يحتاج إلى هذه الأسطورة بقدر ما يحتاج إلى العمليات ذاتها، لأن الهيبة سلاح بذاته، فحين يقتنع الخصم بأنه يواجه قوة لا تقهر، فإنه قد يستسلم من الداخل قبل أن تصل إليه الضربة. لكن ما يكشفه السجل التاريخي للاختراقات الإسرائيلية في إيران هو نمط أبسط مما توحي به السرديات: عنصر بشري من الداخل يفتح الباب في كل مرة.
موجز تاريخ الاختراق الإسرائيلي

في يناير/كانون الثاني 2018، سرق فريق تابع للموساد نحو نصف طن من وثائق “مشروع آماد” (AMAD Project) النووي من مستودع سري في طهران تضم نحو 55 ألف صفحة وآلاف الملفات الرقمية المخزنة على أقراص مدمجة. لم يكن هذا مجرد اختراق تقني أو عملية اقتحام محدودة، بل واحدة من أكبر الانتكاسات الاستخباراتية التي تعرضت لها إيران في العقود الأخيرة.

غير أن القراءة الواقعية تفرض تجاوز التفسير السهل الذي يعزو النجاح إلى جرأة المنفذين وبراعتهم وحدها. إخراج هذا الكم من الوثائق من قلب العاصمة لا يمكن تفسيره بعملية خاطفة نفذها فريق خارجي معزول. احتاجت العملية إلى بيئة تنفيذية داخلية ساعدت على نجاحها. تشير دراسات أمنية إلى ظاهرة معروفة في عالم الاستخبارات تتمثل في قدرة الأجهزة الأجنبية على الوصول إلى بعض المنتفعين أو المهمشين داخل المؤسسات الحساسة. أفراد يشعرون بالتهميش داخل الأجهزة الأمنية أو الإدارية، أو عناصر تسعى إلى مكاسب شخصية، أو موظفون لا يتمتعون بالحصانة المهنية والانضباط المؤسسي الكافيين.

من خلال هؤلاء تُبنى شبكة من “الميسرين المحليين” الذين يوفرون المعلومات اللوجستية أو يسهلون الحركة أو يغضون الطرف في لحظات حاسمة. وداخل إيران لم تُقرأ العملية بوصفها نجاحا إسرائيليا فحسب، بل باعتبارها فشلا في منظومة الأمن المضاد، دفع بعض المسؤولين إلى المطالبة صراحة بـ”تطهير” المؤسسات الحساسة من الثغرات البشرية.

النمط نفسه تكرر في نطنز. بين عامي 2020 و2021، تعرضت المنشأة النووية لانفجارين كبيرين خلال أقل من عام، دمرا وفق بعض التقديرات نسبة كبيرة من أجهزة الطرد المركزي. التقارير أشارت إلى عملية اختراق متعددة المستويات: وفقا لما نشرته صحيفة “ذا جويش كرونيكل” (The Jewish Chronicle)، تنكرت عناصر مرتبطة بالموساد في هيئة تجار مواد بناء منذ عام 2019، وأدخلوا متفجرات ضمن شحنات بناء وصلت إلى المنشأة عبر سلاسل التوريد، والتي فُجرت لاحقا عن بعد في يوليو/تموز 2020. لكن البعد الأهم لم يكن تقنيا فحسب بل بشريا أيضا، إذ أشارت بعض التقارير إلى أن الاستخبارات الإسرائيلية نجحت في الوصول إلى أفراد داخل البيئة المرتبطة بالمنشأة، سواء عبر سلاسل التوريد أو عبر عاملين وفنيين لهم صلة بالموقع.

وفي يناير/كانون الثاني 2023، حين تعرض مجمع تصنيع عسكري في أصفهان لهجوم بطائرات مسيرات مفخخة نُسب إلى إسرائيل، أعلنت السلطات الإيرانية إعدام شخص قالت إنه تعاون مع الموساد في التخطيط للهجوم، وذكرت لاحقا اعتقال “الفاعلين الرئيسيين”. الرواية الرسمية نفسها أقرت بأن العمليات لم تكن محمولة على أجنحة التكنولوجيا الإسرائيلية وحدها، بل كانت لها امتدادات محلية وشبكات داخلية.

ثم جاءت عملية “الأسد الصاعد” في يونيو/حزيران 2025 لتكشف أن الحرب الخفية وصلت إلى قلب إيران على نحو لم يعد ممكنا إنكاره أو تأويله. وفق تقارير متعددة، تضمنت العملية قواعد مسيّرات سرية داخل إيران، وتخزين أسلحة متطورة في الداخل، وشل الدفاعات الجوية قبيل موجة من الضربات، إضافة إلى تهريب مكونات طائرات دون طيار وتجميعها محليا. وحين بدأ الهجوم، انطلقت عشرات المسيّرات والصواريخ المخبأة لتدمر أهدافا حساسة من بينها منشآت للحرس الثوري ومواقع نووية. ورغم ما حدث لاحقا من اعتقالات واسعة في عدة محافظات بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، ورغم إعدام أحدهم كرسالة تحذير، بقي السؤال معلقا فوق المشهد: كيف استطاع الخصم أن يزرع بنية تخريبية بهذا العمق داخل بلد قام أصلا على فكرة التعبئة الأمنية والثورية؟
الأعداء من الداخل

لا تقتصر مشكلة إيران على خصومها في الخارج، ولكنها تمتد إلى بعض “مواطنيها” من المعارضين الذين يتحولون إلى الجسر الذي يعبر من خلاله هؤلاء الخصوم إلى قلب النظام. وحين يتوافر هذا الجسر، تصبح المهمة أقل تعقيدا مما تبدو عليه في الروايات اللاحقة؛ إذ يجدون من الداخل من يدلهم على الطريق. وعندها تبدو بعض العمليات التي تُقدَّم لاحقا بوصفها “معجزات استخباراتية” أقرب إلى نتيجة معرفة داخلية دقيقة منها إلى عمل خارق للعادة.

نشر الصحفي الأمريكي سيمور هيرش عام 2012 تقريرا أشار فيه إلى أن قيادة العمليات الخاصة المشتركة الأمريكية (JSOC) بدأت منذ عام 2005 برنامجا تدريبيا لعناصر من منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، الجماعة التي كانت حتى ذلك الوقت مدرجة على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية لدى وزارة الخارجية الأمريكية منذ عام 1997.

نشأت المنظمة في ستينيات القرن الماضي كحركة طلابية مزجت بين الماركسية والإسلام الثوري، وبرز اسمها في السبعينيات في سياق عمليات مسلحة داخل إيران. وبعد الثورة عام 1979 دخلت في صدام دموي مع النظام الإسلامي الجديد، قبل أن تستقر في العراق بدعم من صدام حسين. ومع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران مطلع الألفية، بدأت العلاقة بين الطرفين تأخذ مسارا مختلفا.

ووفق هيرش، رأت بعض الدوائر الأمريكية في المنظمة التي تمتلك شبكات داخل إيران أداة محتملة لجمع المعلومات الاستخباراتية. وقد برز اسم مجاهدي خلق دوليا عام 2002 حين كشفت عن وجود منشأة إيرانية سرية لتخصيب اليورانيوم تحت الأرض. ونقل هيرش عن محمد البرادعي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية آنذاك، أن الجماعة على اتصال بجهاز الموساد الإسرائيلي الذي زودها بمعلومات عن البرنامج النووي لتنشرها علنا. وبذلك أصبحت المنظمة، في نظر بعض المراقبين، في موقع تخادم مباشر مع إسرائيل.

بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، الذي كان يوفر للجماعة ملاذا في العراق، دخلت العلاقة بين المنظمة والأجهزة الغربية مرحلة أعمق. وبحسب ما أورده هيرش نقلا عن مسؤولين استخباراتيين وعسكريين سابقين وحاليين، أطلقت برامج سرية لدعم عدد من التنظيمات المعارضة الإيرانية بهدف جمع المعلومات داخل إيران ومتابعة أنشطة النظام. ووصلت إلى مجاهدي خلق موارد مالية ومعدات لوجستية وافرة.

وقد روى روبرت باير، العميل المتقاعد في وكالة الاستخبارات المركزية الذي عمل متخفيا في كردستان ومناطق أخرى من الشرق الأوسط، أنه تلقى في أوائل عام 2004 عرضا غير رسمي للعودة إلى العراق عبر شركة أمريكية خاصة لدعم مجاهدي خلق في جمع معلومات عن البرنامج النووي الإيراني، مضيفا أن المشروع بدا له جزءا من نشاط طويل الأمد وليس عملية محدودة. كما تحدث مسعود خدابنده، العضو المنشق عن المنظمة والمقيم في بريطانيا، عن تدريب عناصر في ولاية نيفادا على مهارات الاتصال أثناء العمليات واعتراض المكالمات الهاتفية والرسائل النصية داخل إيران، قبل ترجمتها وتسليمها لخبراء استخبارات الإشارات الأمريكيين، وفق ما أوردته مجلة “نيويوركر” (The New Yorker).

بين عامي 2007 و2012، اغتيل خمسة علماء نوويين إيرانيين. نفت مجاهدي خلق تورطها، لكن شبكة “إن بي سي نيوز” (NBC News) نقلت عن مسؤولين في إدارة الرئيس باراك أوباما أن الهجمات نفذت بواسطة عناصر من المنظمة بعد حصولهم على تدريب وتمويل من جهاز الموساد. وبحسب مايكل هيدن مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) الأسبق، لم يكن الهدف استهداف علماء بعينهم بقدر ما كان إرباك منظومة البرنامج النووي والتأثير على معنويات النظام.

وفي أغسطس/آب 2012 بث التلفزيون الرسمي الإيراني فيلما وثائقيا تضمن اعترافات لمتهمين، قال أحدهم ويدعى بهزاد عبدولي إنه تلقى تدريبا عسكريا استمر نحو 40 إلى 45 يوما في معسكر قرب تل أبيب، شمل الرماية والدراجات النارية والدفاع الشخصي وجمع المعلومات. وأشار التقرير الإيراني إلى أن “دولة مجاورة” ساعدت في نقل المشتبه بهم سرا إلى إسرائيل، فيما أعلن وزير الاستخبارات الإيراني آنذاك حيدر مصلحي أن السلطات فككت شبكتين قال إنهما شاركتا في تدريب منفذي عمليات الاغتيال. وقد جاءت هذه الاغتيالات في سياق سلسلة أوسع من العمليات التي استهدفت البرنامج النووي، من بينها انفجارات في مواقع عسكرية والهجوم الإلكتروني بفيروس “ستوكسنت” (Stuxnet) الذي ألحق ضررا بأجهزة الطرد المركزي عام 2010.

في المقابل، يمثل مسار رضا بهلوي -نجل آخر شاه لإيران وأحد أبرز شخصيات المعارضة في المنفى التي تطرح نفسها بديلا سياسيا- حالة مختلفة من التعاون العلني. ففي أبريل/نيسان 2023 زار بهلوي إسرائيل بدعوة رسمية، والتقى مسؤولين سياسيين وأمنيين في لقاءات نشرت صورها.

تعكس هذه المسارات المتباينة بين التعاون غير المعلن مع جماعات معارضة مسلحة مثل مجاهدي خلق، والتواصل العلني مع شخصيات سياسية في المنفى مثل رضا بهلوي طبيعة الأدوات المتعددة التي استخدمت في إدارة الصراع مع إيران، حيث تداخل العمل الاستخباراتي مع الحسابات السياسية والإعلامية في منظومة واحدة هدفها تقويض النظام الإيراني.
الحرس الثوري: حماية الثورة والأكل منها

لا يكفي تفسير الاختراقات الاستخبارية في إيران من زاوية نشاط خصومها وتوافقهم على النكاية بالنظام. فنجاح مثل هذه العمليات يتصل أيضًا بحالة البنية الداخلية للدولة المستهدفة. فالأجهزة التي تتشابك فيها المصالح وتضعف فيها الرقابة تصبح أكثر قابلية للاختراق؛ إذ يكفي في كثير من الأحيان استغلال ثغرة هنا أو إغراء فرد هناك لفتح طريق داخل بنية يفترض أنها محصنة.

يبرز الحرس الثوري بوصفه أحد المفاتيح المهمة لفهم هذه المفارقة. فقد ولد هذا الجهاز في سياق الثورة الإسلامية بوصفه قوة تعبئة عقائدية، تقوم على فكرة التضحية والانخراط في الدفاع عن النظام الجديد. بيد أن مساره خلال العقود اللاحقة قاده تدريجيًا إلى موقع مختلف، حيث لم يعد مجرد جهاز ثوري تعبوي ولكنه تحول جزئيا إلى شبكة واسعة تجمع بين القوة العسكرية والنفوذ الأمني والامتداد الاقتصادي.

بدأت ملامح هذا التحول تتبلور بوضوح بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية. ففي عام 1989 أُنشئ مقر خاتم الأنبياء للبناء بمرسوم من المرشد للمساهمة في مشاريع إعادة إعمار البلاد. لكن هذا الذراع الهندسي سرعان ما تجاوز حدود المقاولات التقليدية، ليدخل مجالات النفط والغاز والبنية التحتية والطرق والسدود والاتصالات والصناعات المختلفة. وفي التسعينيات، انتقلت أجزاء واسعة من الاقتصاد إلى مؤسسات وشركات مرتبطة بالحرس أو قريبة من دوائر السلطة.

توسع هذا الدور خلال عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، الذي خدم بنفسه سابقا في صفوف الحرس الثوري. ففي تلك المرحلة حصلت شركات مرتبطة بالحرس على حصة كبيرة من المشاريع الحكومية، كما ملأت الفراغ الذي تركته الشركات الأجنبية بعد تشديد العقوبات الدولية. وبحلول العقد الماضي أصبحت مؤسسات الحرس حاضرة في قطاعات مالية وصناعية وتجارية واسعة.

غير أن الإشكالية لم تتعلق بحجم النفوذ فقط، بل بطبيعته أيضًا. فعندما يتحول جهاز عسكري – أمني إلى لاعب اقتصادي كبير، ويتمتع في الوقت نفسه بقدر محدود من الرقابة المؤسسية، تتداخل حدود الأمن والسياسة والاقتصاد. وقد ظهرت مؤشرات هذا التداخل في عدد من الوقائع التي أثارت جدلا داخل إيران، مثل سيطرة الحرس على مطار الإمام الخميني الدولي عام 2004 بدواع أمنية، إضافة إلى شبكة واسعة من الشركات والاستثمارات المرتبطة به في قطاعات الموانئ والطاقة والاتصالات والبنية التحتية.

قدم النظام هذا التوسع ضمن إطار ما سمي “اقتصاد المقاومة”، أي الاعتماد على القدرات المحلية لمواجهة العقوبات. بيد أن هذا المسار أثار نقاشا داخليا واسعا حول توزيع الموارد الاقتصادية وأولوياتها. ومع اتساع الدور الاقتصادي للحرس، تمدد حضوره أيضًا إلى المجال السياسي والإداري، حيث شغل عدد من ضباطه السابقين مناصب في الحكومة والبرلمان والإدارات المحلية والشركات الكبرى. ومع هذا التداخل بين المؤسسة العسكرية والمجال المدني، أصبح من الصعب الفصل بين دور الحرس كجهاز أمني وبين حضوره في بنية الحكم.

وبذلك تحول الجهاز الذي تأسس لحماية الثورة أولا ليجد نفسه مع مرور الزمن أمام مؤسسة ضخمة تتقاطع فيها السلطة الأمنية مع المصالح الاقتصادية والسياسية، وتنتعش فيها المحسوبيات والعلاقات لإكراهات أمنية تارة، ولنزعات شخصية تارة أخرى.
الباسيج.. ضبط المجتمع وتعزيز انقسامه أيضا

إذا كان الحرس يمثل الذراع الصلبة للدولة، فإن الباسيج يمثل ذراعها الاجتماعية والثقافية. تأسس عقب الثورة كجيش متطوع مواز، ثم تحول عبر العقود إلى مؤسسة واسعة الانتشار تضطلع بمراقبة الولاءات وتعزيز حضور الأيديولوجيا في الحياة اليومية. تقدر بعض المصادر الإيرانية عدد منتسبيه، رسميا أو احتياطيا، بأكثر من 10 ملايين، بينهم نحو أربعة ملايين امرأة، موزعين في المدن والقرى وفي المدارس والجامعات والمصانع والمؤسسات. ويعتقد أنه يضم في أدنى الأحوال مئات الآلاف من العاملين الناشطين، وأكثر من مليون ضمن قوائم الاحتياط.

ينشط الباسيج في الرقابة الأخلاقية على المجتمع، ومراقبة النشاطات المعارضة، وفرض الحجاب والآداب الإسلامية، وإقامة نقاط التفتيش ومواجهة التجمعات غير المرخصة. كما لعبت الباسيجيات “الأخوات” دورا كبيرا في مراقبة التزام النساء والفتيات بالضوابط المقررة. وعلى المستوى الثقافي والدعائي، يدير الباسيج مواكب وندوات ومخيمات صيفية ووسائل إعلام محلية ونشرات موجهة للشباب والطلاب.
إعلان

مع مرور الوقت، واجهت المؤسسة تناقضا جوهريا. فالباسيج الذي تأسس على فكرة التطوع والشعبية والقناعة لم يعد قائما عليها، بعدما تحسنت رواتب أفراده وحوافزهم، وصاروا يتمتعون بأفضلية في التوظيف والقروض والإسكان والقبول الجامعي. واعترف مسؤولون بأن كثيرا من الشباب انضموا إليه بحثا عن الامتيازات لا عن الاقتناع. وهذا مهم جدا لفهم ما جرى لاحقا: فحين تتحول أداة التعبئة الشعبية إلى شبكة مصالح مصغرة، فإنها قد تظل نافعة في التعبئة السريعة، لكنها تفقد كثيرا من شرعيتها الاجتماعية.

هذا التحول كان أحد أسباب تآكل المناعة الداخلية في المجتمع الإيراني وانفتاح بعض أعضائه للعمل مع جهات خارجية ضد النظام. لأن الدولة حين تجعل قطاعات واسعة من مواطنيها مشتبهين فإنها قد تكسب معلومات مؤقتة، لكنها تخسر شيئا أعمق وهو الثقة العامة. ومن دون هذه الثقة، تختل حاضنة النظام ولو جزئيا وتنشأ طبقة قليلة قابلة للاستغلال من قبل الخصوم، وهذه الطبقة مهما صغر عددها تكون أكثر من كافية لتحقيق اختراقات هائلة.
لماذا أصبح الاختراق سهلا؟

تقوم فكرة الأمن القومي في أصلها على حماية الدولة والمجتمع من الأخطار، وضمان تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة الخصوم. لكن هذه الفكرة، حين تتحول مع الزمن من مشروع وطني جامع إلى منظومة مغلقة من الأجهزة والشبكات والمصالح الضيقة قد تنقلب إلى نقيضها. فبدل أن تعزز الانتماء، فإنها تفتح ثغرات تجعل أفرادا من المجتمع أقل ارتباطا بالدولة وأكثر قابلية للاختراق من خصومها، في ظل تآكل الانتماء العام.

ظهر هذا التآكل أولا في صور اللامبالاة تجاه رموز الدولة، أو حتى الشماتة بإخفاقاتها. وقد تجلى ذلك بوضوح خلال كأس العالم 2022، حين أظهرت استطلاعات أن نحو نصف الإيرانيين داخل البلاد شعروا بالفرح لهزيمة منتخب إيران أمام الولايات المتحدة. كانت لحظة رمزية عبر فيها جزء من المجتمع عن شعور بأن المنتخب، في وعيه، لم يعد يمثل الأمة بأسرها. كما ظهر هذا التباعد في فتور المشاركة في بعض المناسبات الرسمية مثل ذكرى الثورة حيث تحولت هذه الفعاليات في كثير من الأحيان إلى حضور منظم أكثر من كونها تعبيرا شعبيا واسعا .

لكن التغير لم يتوقف عند حدود الرفض السلبي. فمع تفاقم آثار الحصار الاقتصادي -من تضخم مرتفع وبطالة وضيق معيشة- اتسعت مساحة الإغراء المالي. في بيئة يعاني فيها كثير من الناس من الديون والضغوط الاقتصادية، قد يتحول عرض مالي كبير مقابل مهمة محددة إلى إغراء يصعب على البعض مقاومته. وقد تحدثت تقارير عن حالات حصل فيها أفراد على مبالغ كبيرة مقابل تنفيذ مهام تخريبية أو نقل معلومات. وليست هذه مجرد قصة جشع فردي، بل تعبير عن بيئة اجتماعية واقتصادية أصبح فيها الانتماء العام أضعف من أن يردع بعض الأفراد عن التعاون مع خصوم الدولة. وقد أقرت الأجهزة الإيرانية نفسها بوجود مواطنين جندوا لصالح أجهزة استخبارات أجنبية.
توقيع بعض المارة للمشاركة في الانتخابات مع وجود صور لعالم النووي محسن فخري زادة وقاسم سليماني. الجزيرة
توقيع بعض المارة في طهران بجانب صورة للعالم النووي محسن فخري زادة الذي اغتالته إسرائيل بمساعدة محلية. (الجزيرة)

كما أن التهميش الأمني والسياسي لبعض المجموعات مثل الأكراد والبلوش والعرب الأهوازيين جعل بعض أفرادها أكثر عرضة للاستغلال. ففي قضية اغتيال العالم النووي محسن فخري زاده عام 2020، جرى استخدام بعض مهربي الحدود الأكراد المعروفين محليا باسم “الكولبر” لنقل أجزاء السلاح الآلي الذي استخدم في العملية. هؤلاء يعيشون أصلا على هامش الاقتصاد الرسمي في ظروف معيشية صعبة، يحملون أثقالا فوق الجبال مقابل أجور زهيدة، ويسقط منهم قتلى كل فترة برصاص حرس الحدود. كثير منهم يشعر بأن الدولة لا تمنحهم شيئا سوى التشكيك في وطنيتهم ورصاص جنودها. وفي مثل هذه البيئة يصبح استغلالهم من قبل شبكات استخباراتية أمرا ممكنا، لا لأنهم خونة بالفطرة، بل لأن الدولة لم تترك لهم ما يستحق الولاء.

هذه الصورة لم تعد مجرد انطباعات متفرقة، بل انعكست في استطلاعات الرأي. ففي أواخر عام 2022 أجرى معهد غمان (GAMAAN) استطلاعا واسعا شمل نحو 200 ألف إيراني بينهم 158 ألفا داخل البلاد و42 ألفا في الخارج. أظهرت نتائجه أن 81% من المشاركين داخل إيران لا يريدون استمرار الجمهورية الإسلامية مقابل 15% فقط أيدوا النظام. وأن 60% يريدون تغيير النظام جذريا، مقابل 6% فقط يؤيدون إصلاحات تدريجية و11% يتمسكون بنظام الجمهورية الإسلامية. وفي استطلاع آخر نشره معهد الشرق الأوسط في أكتوبر/تشرين الأول 2024، قال 78% إن سياسة بلادهم الخارجية سبب لتدهور أوضاعهم الاقتصادية، وأيد 61% التوصل إلى اتفاق نووي مع الغرب، وأيد 68% تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، بينما عارض 67% التطبيع مع إسرائيل ولم يؤيده سوى 25%.

ولكي لا نخطئ فهم الأرقام، فإنها لا تعني قطعا أن الإيرانيين سعداء بالاستهداف الأمريكي الإسرائيلي لبلادهم، بل العكس تماما فإن ذلك يصنع لحظة من الوحدة تتجاوز هذه الخلافات. المؤكد أيضا أن جموع الإيرانيين لا يبدون تعاطفا مع إسرائيل، لكنهم -في غير أوقات الحرب- يحملون نظامهم مسؤولية كبيرة عن الأزمات التي يعيشونها. وهذا يشير إلى أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف سياسي، بل شرخ عميق بين الرواية الرسمية للنظام وبين وعي اجتماعي آخذ في التحول جزئيا وجاهز للاستثمار من الخصوم.

وهنا بالضبط يكمن ما لا تقوله سردية القوة الإسرائيلية ومعجزات الاختراق، وهي أن عبقرية العدو ليست هي ما اخترق إيران، بل إن ما فعلته إيران بنفسها كان هو عامل الحسم. حين تحولت المؤسسات عن دورها إلى شبكات امتيازات ونفوذ، وتحولت الدولة من مشروع جامع إلى منظومة تفتقر للثقة، لم يعد الخصم بحاجة إلى معجزات استخباراتية. صار يكفيه أن يطرق الأبواب التي فتحها الخصم بيده. وفي ذلك الصباح من فبراير/شباط، لم يكن السؤال الحقيقي أين يجلس المرشد وغيره من القادة، بل لماذا أصبح بعض المقربين منهم مستعدين لخيانتهم كما فعل آخرون قبلهم.
المصدر: الجزيرة


مدن الصواريخ الإيرانية تحت الأرض.. درع أم فخ؟
تواصل إيران إطلاق صواريخها بوتيرة أقل مما كانت عليه، في حين يؤكد الجيش الأمريكي أنه لا يزال يستهدف قدراتها الصاروخية ويقوّضها بشكل ملحوظ.

بيد أن السؤال الجوهري يبقى معلَّقاً، وهو: هل انخفاض وتيرة الإطلاق جاء نتيجة لنجاح عسكري أمريكي إسرائيلي، أم أنه قرار إستراتيجي إيراني مدروس للمحافظة على الرصيد الصاروخي لمراحل لاحقة؟

ووفقا لتقرير أعده للجزيرة محمود الكن، فإن صور أقمار صناعية -حصلت عليها وحدة البيانات في الجزيرة- تُظهر 26 موقعاً مشتبهاً فيه كمنشآت إطلاق أو تخزين للصواريخ، وعند مقارنة الصور السابقة بنظيراتها اللاحقة -في تواريخ مختلفة- فإنها تكشف مداخل مدمّرة ومنصات محترقة في مواقع متعددة، وإن كان ما يجري تحت الأرض يظل خارج نطاق ما تستطيع الأقمار الصناعية رؤيته.

وتكتسب هذه المعطيات أهميتها البالغة حين تُقرأ في ضوء ما نشره الحرس الثوري الإيراني من مقاطع مصورة تُظهر ما يُسمى “مدن الصواريخ”؛ التي تحتوي شبكة أنفاق ضخمة تضم سكك حديد لنقل الصواريخ، ومنصات إطلاق متنقلة، وأنفاقا تتسع لتسع شاحنات في آنٍ واحد.

وتتباين التقديرات حول أعماق هذه المدن، إذ تُشير بعض المصادر إلى أعماق تتراوح بين 60 و100 متر، فيما تتحدث مصادر إيرانية أخرى عن أعماق تصل إلى 500 متر.

وتعمل هذه المنظومة وفق آلية تشبه -في مبدئها العام- مخزن السلاح الآلي، غير أنها أكثر تعقيداً بمراحل، فالصواريخ تُخزَّن مفككة في مناطق مختلفة من الأنفاق، ثم تُجمَّع وتُحمَّل على عربات تنقلها إلى نقاط الإطلاق سواء كانت منصات أو صوامع، مما يُتيح إطلاقاً متتالياً عند الحاجة ويحمي الصواريخ وأجزاءها من الضربات المباشرة التي تستهدف الصوامع وفوهات الإطلاق.

جدل الخبراء

غير أن الخبراء منقسمون بشأن جدوى هذا النظام، بين فريق يرى أن العمق الكبير يحمي هذه المنشآت من القنابل التقليدية مهما بلغت قوتها، وأن إيران صمّمت هذه المدن أساساً لضمان تمكنها من الضربة الثانية، حتى بعد تعرضها لهجوم واسع النطاق كما يحدث في الحرب الراهنة.
إعلان

وقد تجلّى ذلك حين أظهرت صور نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إعادة بناء منشآت فوق السطح في القاعدة الصاروخية الواقعة على بعد 40 كيلومتراً شمال قم، وذلك بعد أشهر قليلة من تعرضها للقصف خلال حرب الاثني عشر يوماً في يونيو/حزيران 2025.

وفي المقابل، يرى فريق آخر أن مواقع هذه المدن الثابتة باتت معروفة للاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية التي ترصدها عبر تغيرات التضاريس والانبعاثات الحرارية والذكاء الاصطناعي.

كما أن الضربات المتتالية كفيلة بإغلاق الأنفاق ودفن الأصول وأجزاء الصواريخ داخلها، بل إن الأنفاق المفتوحة دون حواجز عازلة قد تتحول إلى نقاط ضعف مميتة حين تتضاعف موجة الانفجار في الفضاء المغلق وتُسبب انفجارات متسلسلة.

وبين هذين الرأيين المتباينين ربما تكمن الحقيقة الكاملة للصراع؛ فعقيدة إيران الجوفية منحتها وقتاً وصموداً لا يمكن إنكارهما، في حين أن حجم الضربات الأمريكية الإسرائيلية وعمقها ودقتها تفرض قدراً من الاستنزاف الحقيقي على هذه المنظومة، والمشهد لم يتضح بعدُ في ظل حرب لا تزال متواصلة.
المصدر: الجزيرة


غارديان: إستراتيجية “قطع الرأس” قد تأتي بنتائج عكسية في إيران

أثار قرار إسرائيل السماح لجيشها باغتيال أي مسؤول إيراني رفيع مدرج على قائمة الاغتيالات الخاصة بها تساؤلات جديدة مهمة عما يعرف بإستراتيجية “قطع الرأس” وعن الهدف الحقيقي منها.

وتناولت صحيفة غارديان الجدل المتصاعد حول جدوى هذه الإستراتيجية التي تعتمدها الولايات المتحدة وإسرائيل في استهداف وقتل كبار المسؤولين الإيرانيين، على افتراض أنها تؤدي إلى إضعاف النظام أو إسقاطه.

وأشارت الصحيفة -في مقال بقلم بيتر بومونت- إلى أن التحليلات تشير إلى أن هذه المقاربة قد تأتي بنتائج عكسية، وبدلا من تفكيك النظام، قد تدفعه إلى مزيد من التماسك وإعادة إنتاج قياداته من داخل بنيته المؤسسية.

وقبل أن تشن الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما قبل 3 أسابيع، كان الخبراء يرون أن النظام يعاني من ركود في مواجهة الاحتجاجات، وأن نوعا من التغيير يبدو حتميا، إلا أن هذه الديناميكية قد تغيرت الآن، كما يرى الكاتب.

ويرى خبراء أن النظام الإيراني ليس قائما على أفراد بقدر ما يعتمد على مؤسسات مترابطة قادرة على تعويض القيادات التي يتم اغتيالها، مما يقلل من تأثير الضربات المباشرة، بل إن هذه العمليات قد تساهم في صعود شخصيات أكثر تشددا، وتغذي روح الانتقام والمقاومة داخل النظام والمجتمع، بدلا من إضعافهما أو فتح الطريق أمام تغيير ديمقراطي.

ولا يشير تاريخ إسرائيل في الاغتيالات إلى نجاح كبير -كما يقول الكاتب- إذ قتلت العديد من القادة البارزين في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحزب الله، ولم يؤد إلى القضاء عليهما، بل إلى إعادة تشكلهما واستمرارهما.

ويرى جون ب. ألترمان، من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن، أن النتيجة الأكثر ترجيحا لهذه الإستراتيجية هي “إيران غير مستقرة داخليا”، وأكثر ميلا لتنفيذ أعمال عنف خارج حدودها، سواء عبر الحرب السيبرانية أو الوكلاء أو الإرهاب.
إعلان

وفي ظل غياب مؤشرات على وجود بديل سياسي جاهز أو معارضة قادرة على تسلم السلطة، يخلص المقال إلى أن الرهان على “قطع الرأس” كوسيلة للتغيير السياسي يبدو محدود الفاعلية، بل قد يسهم في إطالة عمر النظام وتعزيز نزعاته المتشددة بدلا من إنهائه.
المصدر: غارديان


مفكرون إيرانيون في المنفى يحذرون من تبعات العدوان على بلادهم
19 مارس 2026
مع استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، يبدو صوت المفكرين الإيرانيين في المنفى أكثر أهمية من أي وقت مضى، إذ يقدم العديد منهم رؤى نقدية تنطلق من هموم شعبهم ورفضهم تكرار سيناريوهات كارثية على غرار ما شهده العراق عام 2003. من بين أبرز هذه الأصوات المفكر حميد دباشي الذي رأى في مقال نشره موقع “ميدل إيست آي”، في اليوم الأول من الحرب، أن الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران لا يهدف إلى تحرير الإيرانيين، بل لإجبارهم على الخضوع المطلق، بينما تستفيد بقايا أسرة بهلوي والمتعاونون معها من هذه الحرب لتحقيق مصالحهم السياسية، محذراً من التضليل الإعلامي الغربي الذي يصور الهجوم على أنه “استباقي وعادل”، رغم أنه يهدّد حياة 90 مليون إيراني.

من جانبه، يرى المفكر الإيراني المعارض المقيم في أميركا عبد الكريم سروش أن أخطر ما يهدد المجتمع الإيراني ليس النقاد في الخارج، بل المستبدون الذين يقمعون أصواتهم داخلياً. ففي رسالة مفتوحة إلى المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، دعا سروش إلى فتح المجال أمام النقد العلني والحوار المجتمعي، مؤكداً أن الإصغاء إلى صوت الشعب واجب على الحاكم ويجب أن يتم أمام الناس لا خلف الأبواب المغلقة. ويربط سروش بين الحرية والمساءلة والعدالة، محذراً من أن غياب هذه القيم يضعف الثقة بين السلطة والمجتمع ويجعل أي تحول مستقبلي سهلاً للاستغلال العسكري أو السياسي.

أما الباحث والمحلل الاجتماعي الإيراني-الأميركي آصف بيات، فيرفض بصرامة أي تدخل خارجي في الشؤون الإيرانية. ورأى، في حوار أجرته معه مجلة “بوسطن ريفيو” مؤخراً، أن الحرب لن تولّد ديمقراطية أو تغييراً إيجابياً، بل ستدمّر الطبقة الوسطى والحركات الاجتماعية التي بدأت تتشكل تدريجياً من الأسفل، مثل حركة “زن، زندگی، آزادی”. ويصف الهجمات العسكرية بأنها “ميليشياوية”، أي إعادة إنتاج للاستبداد من الأعلى وتحويل إيران إلى نسخة من الفوضى التي شهدتها دول أخرى بعد التدخل الخارجي.

في السياق نفسه، يرى الصحافي والكاتب المقيم في أميركا أكبر غانجي (معتقل سابق في سجن إيفين بطهران من 2001 إلى 2006) أن الحرب أغلقت المجال أمام الاحتجاجات أو المعارضة الداخلية، مما سهّل تمرير قرارات سياسية مثل وراثة مجتبى خامنئي. كما يشير المؤرّخ الإيراني-الأميركي عباس ميلاني إلى أن القصف العسكري يخدم أهداف النظام الرمزية ويحقق رغبة خامنئي في “الشهادة”، بينما التغيير الديمقراطي الحقيقي يظل مرتبطاً بمسار داخلي تدريجي، مهما كان النظام فاسداً أو قمعياً. يذكّر صوت هؤلاء المفكرين الإيرانيين في المنفى العالمَ بأن إيران مجتمع حي مكوَّن من شعوب وطبقات وسطى وحركات ثقافية تنتظر فرصتها للتغيير السلمي. وأن العدوان، بعيداً عن أصوات المعارضة المتشددة المتحمسة لغزو ترامب لبلادها، يهدّد المستقبل بالحروب الأهلية ويزيد معاناة الناس.
العربي الجديد


======================

تحديث 18 أذار 2026


هل تستفيد سورية من الحرب لتمتين جبهتها الداخلية؟/ حسين عبد العزيز
17 مارس 2026
لأول مرة منذ الاستقلال، لا تكون سورية فيها جزءاً رئيساً أو ثانوياً، أو حتى لوجستياً في حرب تخوضها إسرائيل ضد إيران وقوى عربية (حزب الله اللبناني، فصائل عراقية)، بل في كل حرب جرت في الشرق الأوسط على جميع الجبهات، من حرب فلسطين إلى حروب الخليج العديدة، وحروب لبنان بالطبع.

لا يتعلق وقوف سورية في هذا الموضع المراقب بالاختلال الجيوسياسي الناجم عن الاختلال العسكري الحاد في موازين القوى لصالح إسرائيل فحسب، بل أيضاً بوجود قرار سياسي سوري بأن تكون سورية طرفاً في هذه الحرب ضد إيران وأذرعها في حدود الإمكانات المتوفرة.
وبهذا المعنى، ليست سورية اليوم على الحياد تجاه الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها في الإقليم من جهة أخرى. لا البيانات السياسية الصادرة من دمشق، ولا الاستنفار العسكري على الحدود السورية ـ العراقية والسورية ـ اللبنانية والجنوب السوري تشي بحياد الموقف السوري.
في اليوم الذي اندلعت فيه الحرب (28 فبراير/ شباط الماضي)، أصدرت وزارة الخارجية السورية بياناً يدين بشدة الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت “سيادة وأمن كل من المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، ودولة قطر، ودولة الكويت، والمملكة الأردنية الهاشمية”، فيما لم يصدر عنها موقف يندّد بالحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، حيث اكتفى البيان ذاته بالتأكيد على ضمان الأمن والاستقرار لجميع شعوب المنطقة.
على المستوى الميداني، بدأ الجيش السوري منذ اليوم الأول للحرب إرسال تعزيزات أمنية مكثفة إلى الحدود السورية مع لبنان والعراق، بهدف ضبط الحدود والحيلولة دون دخول مقاتلين من “الحشد الشعبي” العراقي أو أسلحة عبر الأراضي السورية إلى “حزب الله” في لبنان، أو العكس، أي دخول عناصر وأسلحة من لبنان إلى مجموعات تعمل معه في سورية بهدف شن هجمات من الأراضي السورية نحو إسرائيل أو القواعد الأميركية، خصوصاً مع وجود مجموعات تابعة لحزب الله والحرس الثوري عند الحدود اللبنانية ـ السورية، فضلا عن وجود فلول للنظام السابق، وهي منطقة يحدُث فيها تهريب السلاح منذ عقود.

وقد ظهرت بوادر لمثل هذا التحرّك قبل اندلاع الحرب، عندما استهدفت عناصر تابعة لحزب الله في الشهر الماضي (فبراير/ شباط)، بالصواريخ مطار المزة العسكري، وفي العاشر من مارس/ آذار الجاري، أكد بيان للجيش السوري أن عناصر من الحزب الله أطلقت قذائف باتجاه نقاط للجيش قرب مدينة سرغايا القريبة من الحدود مع لبنان، فيما بدأ الحزب تعزيز انتشاره على الحدود السورية. ثم ظهرت بوادر أخرى مما تُسمّى مجموعة المقاومة الإسلامية في سورية (أولي البأس) التي تنشط في لبنان وسورية، وهي فصيل عسكري تابع للحزب القومي السوري الاجتماعي، أعلن في أول يوم من الحرب أنه لن يقف مكتوف الأيدي تجاه الحرب ضد إيران، ودعا “المقاومين” في كل مكان إلى تحمل مسؤولياتهم التاريخية. وبعد ثلاثة أيام من هذا الإعلان، أعلنت المجموعة نفسها (أولي البأس) مسؤوليتها عن استهداف قاعدة الشدادي التي أخلتها القوات الأميركية قبل أسابيع. ومع أن هذا الاستهداف لا يحمل مؤشّراً إلى وجود تهديدٍ يُعتدّ به من هذه المجموعة، لا عند الحدود السورية مع العراق ولبنان، ولا في الجنوب مع الحدود، فإن فوضى الحرب تتطلب في هذه الظروف الحيطة. ولهذا السبب، لم تكتف الحكومة السورية بنشر آلاف من عناصرها الأمنية على الحدود العراقية واللبنانية، بل أيضاً أرسلت تعزيزات أمنية إلى الجنوب السوري لقطع الطريق على أي محاولات لإطلاق النار باتجاه إسرائيل، وبالتالي منع الأخيرة من استهداف الجنوب السوري واستغلال الوضع لفرض وقائع جديدة تضاف إلى الوقائع القائمة أصلاً.
سدّ الذرائع

بالنسبة لدمشق، تُعدّ هذه الحرب فرصة استثنائية لإغلاق واحدة من أخطر الثغرات التي لطالما استغلّتها إسرائيل في خطابها السياسي والأمني، والمتمثلة في ادّعاء أن الجنوب السوري يشكّل مصدر تهديد مباشر لها، وأن الدولة السورية عاجزة عن ضبط حدودها. ومن هنا ترى القيادة السورية أن إحكام السيطرة على الجنوب ليس مجرّد إجراء أمني، بل خطوة سياسية استراتيجية تهدف إلى نزع الذرائع التي قد تُستخدم لاحقاً لتبرير أي تدخل أو تصعيد إسرائيلي، خصوصاً في مرحلة شديدة الاضطراب مثل الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران.
وقد برزت أهمية هذا النهج بصورة أوضح منذ بدء الحرب، حيث كثّفت إسرائيل توغلاتها البرّية في الجنوب السوري، رغم الهدوء التام من الجهة السورية. فخلال أسبوع فقط، نفّذت القوات الإسرائيلية تسع عمليات توغل، شملت عمليات إنزال جوي داخل منطقة فضّ الاشتباك، في تجاوز مباشر للترتيبات الأمنية التي تنظم خط الفصل منذ عقود.

وتنظر دمشق إلى هذا التصعيد بوصفه مؤشّراً إلى ما يمكن أن يحدث في اليوم التالي للحرب إذا تُرك الجنوب هشّاً أو مفتوحاً أمام أي مجموعات يمكن أن تُستخدم ذريعة لجرّ سورية إلى مواجهة غير مرغوبة. لذلك، يعدّ تعزيز الانتشار الأمني والردع الوقائي في الجنوب خطوة استباقية تهدف إلى ضمان عدم تحوّل المنطقة إلى منصة لأي نشاط عدائي، وإلى حماية البلاد من تداعيات صراع لا تملك رفاهية الانخراط فيه.
خطر على الجبهة الشرقية

وفيما يبدو ظاهرياً أن الوضع في الجنوب السوري يعد الأقرب إلى التوتر والأخطر بحكم ملاصقته لإسرائيل، فإن الوضع على الحدود العراقية على العكس، هو الأخطر عملياً، لسببين رئيسيين: الأول، وجود بقايا من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ما زالت تنشط في الشرق السوري، خصوصاً منذ العام الماضي، نتيجة تعدّد القوى في الساحة السورية، وغياب توحيد السلاح تحت قيادة مركزية موحدة، ثم جاء الانسحاب الأميركي ليُحدث فراغاً أمنياً جديداً، إذ كانت القوات العسكرية تشرف أمنياً على المناطق التي كانت فيها. وقد وصلت مخططات التنظيم إلى محافظة دمشق ذاتها، حيث أعلنت وزارة الداخلية السورية في الخامس من مارس الجاري إحباط مخطط إرهابي لتنظيم الدولة الإسلامية بعد تنسيق مع الاستخبارات السورية ونظيرتها التركية.
الثاني، الخوف من التراخي الأمني المقصود لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) من أجل إحداث نوع من الفوضى من شأنه أن يعيد الأهمية للدور الذي كانت تلعبه هذه القوات، بما ينعكس لاحقاً على دور كردي أكثر أهمية مما تم الاتفاق عليه مع دمشق.
وإذا كانت الوقائع على الأرض منذ بدء الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران تدحض الاحتمال الثاني، فإنه يبقى ضمن الإمكان النظري الذي يتطلب الحيطة المسبقة، ولم يكن قرار الولايات المتحدة نقل مساجين “داعش” من سورية إلى العراق إلا عملية احتياطية خوفاً من انفلات الأمور في سورية، بعدما هددت “قسد” سابقاً بورقة المعتقلين الإرهابيين.
وعلى الرغم من أن الساحة السورية لا تزال هادئة منذ اندلاع الحرب، لعدم وجود أهداف إيرانية تستهدفها إسرائيل، ولعدم وجود أهداف أميركية وإسرائيلية تستهدفها إيران، فإن الخطوات السياسية والأمنية السورية تضع سورية في خط جديد كلياً مع الخط التقليدي الذي مارسته الدولة خلال العقود السابقة.
ولا تتعلق عملية ضبط الحدود فقط بمسألة سيادة الدولة السورية على أراضيها والحيلولة دون حدوث انتهاكات لهذه السيادة، بل تتعلق أيضاً بمقاربة استراتيجية جديدة تريد دمشق فيها أن يجري إضعاف حزب الله وإيران تمهيداً لخروجهم من المشهد الإقليمي.
إننا هنا أمام ما يمكن أن نطلق عليه قطعاً تاريخياً مع المراحل السابقة، من دون أن يعني هذا أن سورية اليوم تقف إلى جانب إسرائيل، فهذا غير ممكن لا على المستوى الفكري ـ السياسي ولا على المستوى العملي، وهذا يتطلب من بعضهم الخروج من العقلية الحدّية: إما “مع” أو “مع”، فليس الموقف السوري المضاد لإيران وحزب الله يعني وقوف سورية حكومة وشعباً إلى جانب إسرائيل.
لا تتحمل سورية اليوم أن تكون ساحة عسكرية للصراع في ظل وضعها الضعيف للغاية، ولا يوجد أمامها طريق لوقف الهجوم الإسرائيلي عليها واحتمال تدمير إسرائيل لما تبقى من بناها التحتية الاستراتيجية بعدما دمرت بناها العسكرية إذا ما حاولت مواجهة إسرائيل. وليست سورية في حالة ترف عسكري واقتصادي، ولا تمتلك هوامش للتحرّك، ولذلك كان الخيار الاستراتيجي منذ وصول الشرع إلى الحكم هو تحييد إسرائيل من خلال عملية سلام مشروط بإعادة الجولان المحتل، وحتى تحقيق ذلك، لا تمتلك دمشق خياراً سوى إظهار النيات “الحسنة” تجاه إسرائيل على ما في ذلك من ألم سياسي واجتماعي في بلد تُشكل القومية العربية، وفي القلب منها القضية الفلسطينية، هويتها السياسية، بغض النظر عن الحاكمين.

التأثيرات الداخلية

لم يكن للحرب الدائرة انعكاس خارجي فحسب، بل امتدّ تأثيرها إلى الداخل السوري، حيث بدأت مؤشّرات الضغط تظهر على الجبهة الاقتصادية والاجتماعية. فارتفاع أسعار النفط عالمياً، نتيجة تناوب التهديد بين إيران والولايات المتحدة، بإغلاق مضيق هرمز، وإعادة فتحه، وانهيار حركة الشحن فيه بنسبة قاربت 97%، أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، ما انعكس مباشرة على تكاليف النقل والسلع الأساسية في سورية، التي شهدت زيادة تراوحت بين 20 و25% خلال الأيام الماضية، إلى جانب عودة طوابير الوقود في المدن الرئيسية، بحسب تقارير اقتصادية سورية حديثة.
ومع هشاشة الاقتصاد السوري وضعف احتياطياته من العملة الصعبة، فإنّ استمرار الارتفاع العالمي في أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل يزيد الضغط على الدولة والمواطن، ويهدّد بعودة موجات التضخم وارتفاع كلفة الواردات، خصوصاً مع اعتماد سورية الكبير على استيراد المشتقات النفطية، ولا سيما أن حقول النفط التي استعادتها دمشق أخيراً لا تعمل بطاقتها الكاملة، وستحتاج لوقت طويل لإعادة تأهيليها ورفع طاقتها الإنتاجية.
داخلياً، تتعامل دمشق بحذر مع القوى المحلية: فالتفاهم الهشّ مع “قسد” بعد اتفاقَي مارس (2025) ويناير/ كانون الثاني (2026) لا يزال عرضة للتقلب، خصوصاً بعد اشتباكات متفرقة في شرق البلاد وتخوّف من تراجع انضباط القوات الكردية أو استخدامها ورقة سجناء “داعش” ورقة ضغط، وهو ما دفع الولايات المتحدة لنقل معتقلين من سورية إلى العراق احتياطاً. وفي السويداء، تداخلت الأزمة المحلية مع الحرب، حيث تسعى الدولة إلى احتواء النفوذ المتصاعد لمليشيات مدعومة خارجياً، وسط محاولات رسمية لاستعادة الاستقرار عبر مبادرات سياسية وأمنية. ويعكس هذا المشهد مدى حساسية اللحظة وضرورة الحفاظ على تماسك الداخل في مواجهة ارتدادات صراع إقليمي يتجاوز قدرة سورية على التحكم بمساراته.
هل من قوى مؤيدة لإيران في الداخل؟

رغم التاريخ الطويل للاختراق الإيراني في سورية، تكشف الحرب الحالية مفارقة لافتة: غياب أي قوّة محلية سورية تتبنى موقفاً مؤيداً لإيران أو تسعى إلى استخدام الأراضي السورية للقتال نيابة عنها، باستثناء مجموعات صغيرة ذات طابع حزبي – عقائدي فقدت حضورها المجتمعي بعد سقوط النظام السابق. فبقايا المجموعات المرتبطة بالنظام المنهار، وكذلك العناصر التابعة لحزب الله داخل البلاد، لم تُظهر قدرة على حشد بيئة سورية داعمة، بل وجدت نفسها تحت ضغط أمني مباشر بعد تعزيز سيطرة الدولة على الحدود وضبط خطوط تهريب السلاح.
وتشير التجربة الميدانية منذ اندلاع الحرب إلى تصاعد نفورٍ شعبي واسع من أي مشروع يزجّ سورية في صراع إقليمي جديد، في ظل الإرهاق الاجتماعي والاقتصادي الذي خلّفته سنوات الحرب السابقة. كما أن القوى الحيّة داخل المجتمع، من العشائر إلى القوى المدنية في المناطق المحرّرة سابقاً، تتحرّك اليوم وفق بوصلة وطنية لا ترتبط بالمحاور القديمة، بل بضرورة الحفاظ على الاستقرار ومنع تكرار سيناريوهات الخراب. ويمنح هذا الغياب شبه التام لمؤيدين محليين لإيران دمشق فرصة لإعادة صياغة علاقتها بالمحيط على أسس جديدة، ويؤسّس لمرحلة تتقدم فيها المصلحة السورية على أي اصطفاف خارجي، وهو تحول جوهري في الوعي السياسي المحلي.

اليوم التالي للحرب

ضمن هذا الوضع الضعيف لسورية والعالم العربي، والجهد الأميركي ـ الإسرائيلي لإفراغ المنطقة نهائياً من مكامن القوة التي تشكل تهديداً لإسرائيل، تعمل سورية على الخروج من هذه الحرب ليس بأقل التكاليف فقط، بل بتحقيق مكاسب سياسية، وإذا ما استمر الوضع على ما هو عليه حتى تضع الحرب أوزارها، ستكون سورية أكثر الرابحين من هذه الحرب لأسباب عدة:
أولاً، إضعاف إيران عسكرياً واقتصادياً بشكل حاد سيقضي نهائياً على أي أمل لجهات سورية في الداخل تأمل في الحصول على دعم إيراني لتوتير الوضع في سورية، والمقصود هنا بقايا فلول النظام في لبنان وسورية، إضافة إلى حزب الله الراغب في إضعاف الحكم الجديد في دمشق.
ثانياً، تعزيز العلاقات بين الدولتين السورية واللبنانية، ليس لجهة تأمين الحدود المشتركة فحسب، بل أيضاً لجهة الخط السياسي الموحد تجاه التعامل مع حزب الله، وهو ما عبرت عنه سورية صراحة، حين أيدت موقف الدولة اللبنانية بضرورة نزع سلاح الحزب.
ثالثاً، تعزيز العلاقات بين الدولتين السورية والعراقية، لا على مستوى تأمين الحدود فقط، بل أيضاً على مستوى الخط السياسي، وإن بدرجة أقل مما هو مع الدولة اللبنانية التي تعاني الكثير من جرّاء الحرب المستمرّة عليها منذ ثلاث سنوات.
رابعاً، تقوية موقف الرئيس السوري أحمد الشرع تجاه إسرائيل، ومن ثم الولايات المتحدة، إذ أثبتت الوقائع قدرة الشرع على ضبط الحدود أمنياً، وهذا ما سيمنحه قوة تفاوضية مع إسرائيل لاحقاً، وربما دعماً أميركياً للمضي في اتفاق أمني تخرج بموجبه إسرائيل من الجنوب.
خامساً، على الرغم من أن اليوم التالي للحرب يعني هيمنة إسرائيلية مطلقة على المنطقة، إلا أن هذه الحرب دفعت دول المنطقة، لا سيما دول الخليج العربي، إلى إعادة قراءة استراتيجيتها الأمنية الإقليمية، في حرب لم يريدوها، بقدر ما أرادتها إسرائيل وجرّت الولايات المتحدة معها على حساب بلدان الخليج العربي.
وفقاً لذلك، إعادة دول الخليج لتقييم وضعها الجيوسياسي يعني العمل على تشكيل نظام إقليمي جديد يكون مضاداً لإسرائيل، أو على الأقل التخفيف من وطأة سطوتها على المنطقة، وهذا وضع سيسمح لسورية الضعيفة بإعادة الاندماج في النظام الإقليمي العربي بصورة أفضل من السابق، بما يعزز أوراقها تجاه إسرائيل.
في هذا السياق، أبرزت الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران حاجة دول الخليج إلى سورية بقدر حاجة سورية إليهم، حيث إن سورية قوية بالنسبة لدول الخليج يعني وجود خط أمامي يخفف الاندفاعة الإسرائيلية، وبالمقابل تجد سورية في عمقها العربي والخليجي قوة تسمح لها بإعادة بناء ذاتها، وفي الحالتين يبدو أن هذا الالتقاء هو حاجة ضرورية للغاية لحماية ما يمكن حمايته من الأمن العربي الإقليمي.

العربي الجديد


عاصفة الحرب تلفّ الإقليم… وسورية ليست ناجية/ عمر كوش
17 مارس 2026
تزداد تعقيدات المشهد السوري مع استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، إذ تتداخل التحولات الإقليمية مع بنية النظام الدولي الذي يشهد لحظة إعادة تشكيل. وتجد سورية نفسها أمام منظومة جديدة من التحدّيات المرتبطة بإعادة توزع النفوذ، مع تصاعد التوتر، وعودة الاهتمام العالمي بممرّات الطاقة وخطوط التجارة، وموقع سورية المحوري فيها.

تتواصل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، مع وجود شكوك كبيرة في تحقيقها أهدافها، في ظل التصريحات المتضاربة التي يطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبعض المسؤولين الأميركيين، حيث قال ترامب إن مدّة الحرب قصيرة، وستنتهي قريباً، مبرّراً هذا بأن أغلب الأهداف العسكرية قد جرى تحقيقها، وانخفضت أسعار النفط بعده، لأن تصريحه أثار تكهنات بأنه يخطط للإعلان عن وقف الحرب، لكنه سرعان ما ناقض هذا التصريح بالقول إن الحرب لن تنتهي قبل “أن نهزم العدو هزيمة كاملة وساحقة”. وفي المقابل، تستمر إيران في المواجهة، خصوصاً بعد اختيار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً، خلفاً لوالده.

الموقع الجغرافي

باتت سورية في الحرب منذ اليوم الأول لها، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي الذي يجعلها منطقة تتقاطع فوقها النيران، وتتساقط شظايا ومقذوفات على أراضيها، بل بتشابك علاقاتها الإقليمية، وارتدادات هذه الحرب المتعددة المستويات السياسية والعسكرية والأمنية، وتأثيراتها الاقتصادية المباشرة على أسواق الطاقة، وحركة الملاحة والتجارة، وأسعار صرف العملات، وسلاسل الإمداد، وسواها. كما تفرض الجغرافية السورية حضورها في هذه الحرب من جهة كونها عقدة ربط إقليمية بين طرق استراتيجية، بدءاً من ربطها العراق بلبنان عبر شبكة من الممرات البرية، سبق وأن استُخدمت في المرحلة السابقة من طرف النظام الإيراني لنقل الأسلحة وتدفق المقاتلين، مروراً بحدودها الطويلة مع هذين البلدين، ووصولاً إلى الوضع المقلق على حدودها مع إسرائيل، بالنظر إلى ما تشهده مناطقها الحدودية من اعتداءات وتوغلات إسرائيلية متواصلة منذ سقوط نظام الأسد البائد.
طرحت في خضم هذه الحرب تساؤلات حول قدرة السلطة السورية على تفادي الانجرار إلى صراع مع بعض الأطراف التي انخرطت فيها، سواء حزب الله اللبناني الذي انخرط في حرب إسناد لإيران، أو بعض المجموعات العراقية الإقليمية التي انخرطت بدورها في الحرب عبر استهداف المصالح الأميركية في إقليم كردستان العراق، واستهداف السعودية وسواها. ولم يمنع ذلك وزارة الدفاع السورية من إرسال تعزيزات عسكرية من أجل ضبط حدودها مع كل من العراق ولبنان.
التموضع والتحدّيات

على وقع هذه الحرب، حاولت الحكومة السورية التموضع في المنطقة بشكل حذر، حيث عكست تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع محاولة من أجل تعريف موقف سورية وموقعها في المحيط الإقليمي، بغية مواجهة التحدّيات الأمنية والإنسانية المعقدة، التي تفرزها الحرب. وتبدو سورية بوصفها إحدى الدول الأكثر حساسية تجاه إرهاصات الحرب وامتداداتها، بالنظر إلى التغيرات الجيوسياسية التي شهدتها منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، وجملة التحدّيات المتعددة التي تواجهها السلطة السورية الجديدة، وفي مقدمتها بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي السورية، وهو أمر شهد تطورات إيجابية مع التوصل إلى الاتفاق الشامل مع قوات سوريا الديمقراطية في 29 يناير/ كانون الثاني الماضي، لكن الوضع لا يزال مقلقاً في ما يخص محافظة السويداء، التي تسيطر عليها مليشيات “الحرس الوطني” الموالية للشيخ حكمت الهجري، الذي يحظى بدعم إسرائيلي صريح. وجاءت الحرب على إيران لتزيد من حساسية الوضع في المحافظة، بالنظر إلى الوجود الإسرائيلي، إضافة إلى ترقب مدى انعكاس الحرب على المشهد فيها، والخوف من أن تستغل بعض القوى الوضع كي تدخله معادلة الصراع، الأمر الذي يفرض تحدّيات أمنية إضافة على الدولة السورية، ويضرب مساعيها الرامية إلى منع تحول أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات.
لا تنحصر التحدّيات الأمنية على الوضع في الجنوب السوري، بل تمتد إلى خطر عودة نشاط تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وخصوصاً في البادية السورية. ويدعم هذا التخوف ما دأبت عليه التنظيمات المتطرفة من استغلال حالات الخلل أو الفراغ الأمني أو انشغال القوى المحلية بصراعات إقليمية ودولية، من أجل إعادة تنشيط خلاياها النائمة، خصوصاً في المناطق الصحراوية والحدودية. وبالفعل، أعلنت وزارة الداخلية السورية في 5 مارس/ آذار الجاري إحباط “مخطط إرهابي” لـ “داعش” في محافظة دمشق، بعد تنسيق مع جهاز الأمن السوري ونظيره التركي. وبعدها دعا التحالف الدولي لمحاربة “داعش”، في 10 الشهر الماضي (فبراير/ شباط)، في اجتماعه في الرياض إلى تقديم دعم مباشر للجهود السورية والعراقية لمحاربة هذا التنظيم.
يظهر من تعامل سورية مع الحرب ضد إيران أن قيادتها السياسية تعي أن هذه الحرب تشكّل تحدياً كبيراً للبلاد، وعليها العمل من أجل احتوائه وتفادي مخاطره، ما يعني أنها لا تعتبرها فرصة للتورّط في صراع إقليمي واسع، خصوصاً مع محدودية إمكانات الدولة السورية بعد سنوات طويلة من الخراب والدمار. وانعكس ذلك في غياب التصريحات الرسمية الحادة أو الاصطفافات المباشرة إلى أي من الأطراف الداخلة في الحرب، الأمر الذي يشي بأنها تدرك حساسية المرحلة وخطورتها، وتنظر إلى التطورات المتسارعة من جهة الحفاظ على الدولة وتوطيد الأمن والاستقرار الداخليين.
لجأت الحكومة السورية في بداية الحرب إلى خيار الترقب والتحفّظ، ولم تتخذ مواقف علنية، بل آثرت الصمت والحياد، الأمر الذي ينسجم مع نهجها الساعي للحفاظ على علاقتها مع الإدارة الأميركية الداعمة لها، ويتوافق مع مواقف حلفائها في تركيا والسعودية وقطر. لكنها في الوقت نفسه تأمل أن تشكل نهاية الحرب فقدان النظام الإيراني قدرته على زعزعة المنطقة، وبما ينهي بشكل عام مقدرتها على زعزعة استقرار سورية.

دعم لبنان

وفق النهج السوري الجديد، دعا الرئيس الشرع إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي، ودان الهجمات على دول الخليج، وحذّر من مخاطر تهديد الملاحة الدولية في مضيق هرمز، إضافة إلى دعمه مساعي الدولة اللبنانية في حصر السلاح بيدها، خصوصاً مع اتساع الحرب الإسرائيلية على لبنان، وتحوّله إلى إحدى ساحات المواجهة المفتوحة في المنطقة، الأمر الذي يدفع الحكومة السورية إلى تعزيز سلسلة الخطوات التي اتخذتها من أجل تشديد ضبط الحدود السورية اللبنانية التي تمتد إلى نحو 375 كيلومتراً، وكانت تشكل منذ سنوات أحد أهم الممرات اللوجستية لحزب الله اللبناني، إضافة إلى استخدامها لتهريب المخدرات، وخصوصاً حبوب الكبتاغون. وبالتالي، تسعى سورية إلى القطع مع استخدام حدودها ممرّاً عسكرياً مفتوحاً لأي جهة كانت، وتحويلها إلى موقع أمني سيادي، وبما يمكنها من منع كل أشكال التهريب.
بات هاجس تأمين الحدود مع لبنان وضبطها، يحتل موقعاً مركزياً في حسابات الدولة السورية، لكن بعض القوى اللبنانية أرادت تحويل التعزيزات العسكرية السورية إلى جزء من معركتها الداخلية، حيث يعمل حزب الله على توظيفها ورقة سياسية في لحظة يعيش فيها تحديات عسكرية وسياسية كبيرة، في سياق هروبه من المساعي اللبنانية إلى تجريده من أسلحته، وتحويل الأنظار عن أسئلة اللبنانيين حول انخراطه في الحرب على إيران، وحول مستقبله في الحياة اللبنانية، ودوره وخياراته.
حرصت سورية، عبر الاتصالات التي أجرها الرئيس الشرع على منع استغلال الوقائع الميدانية لإثارة توترات سياسية ضد سورية في الداخل اللبناني، خصوصاً بعد انتشار شائعات عن احتمال قيام الجيش السوري بعمليات عسكرية داخل لبنان. إضافة إلى أنه أراد من اتصالاته تفنيد رواية حزب الله، من خلال رسائل التهدئة المباشرة إلى عدة قيادات لبنانية، في خطوة تعكس إدراكه حساسية اللحظة اللبنانية، وخطورة تحويل الحدود المشتركة إلى مصدر توتر جديد، فقام بالاتصال بالرئيس اللبناني جوزاف عون من أجل التنسيق، بعد إعلان وزارة الدفاع السورية عن تعرّض أراضيها لعمليات قصف من حزب الله على بلدة سرغايا في ريف دمشق. ولعل الاستعداد الذي أبداه الشرع في دعم مساعي لبنان في سحب سلاح هذا الحزب لا يعني مشاركة سورية في هذا الأمر، بل دعم الموقف اللبناني وتعزيزه، ومن باب توفير الإسناد له. كما اتصل الشرع برئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، وأكّد له أن التعزيزات تندرج ضمن إجراءات تهدف إلى ضبط الحدود وحماية الأمن الداخلي السوري، وليس مقدمة لأي تحرّك عسكري باتجاه لبنان. كما أكد أهمية استمرار التنسيق بين البلدين في هذه المرحلة الحساسة. وشملت الاتصالات التي أجراها الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، لكن اللافت اتصاله برئيس حزب الكتائب سامي الجميل.
تعكس الاتصالات المكثفة مع الرئاسة اللبنانية والقيادات الفاعلة حرص القيادة السورية على تأكيد اتباع سياسة جديدة تجاه لبنان، تقوم على إعادة صياغة العلاقة معه من خلال القنوات الرسمية حصراً، لكن ظروف الحرب الإسرائيلية على لبنان فرضت الاتصال بالجميل، بما يوحي أن هذه السياسة تواجه اختبارات جديدة فرضتها الوقائع والمستجدات الإقليمية المتسارعة.
غير أنه من الضروري الانتباه إلى خطورة التورّط في المشهد اللبناني، خصوصاً بالنسبة للوضع الأمني في سورية، في ظل تقاطع الدعوات لتجريد حزب الله من سلاحه مع تصريحات المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، توم برّاك، عن دور سوري مفترض في هذا الشأن، الأمر الذي يتطلب حذراً كبيراً في كيفية التعامل مع الملف اللبناني، بالنظر إلى المخاطر الكبيرة على سورية، وضرورة تجنّب الانزلاق إلى معارك تخدم أطرافاً خارجية، والحرص على عدم خدمة المصالح الوطنية السورية العليا.
الأزمة الإنسانية

لم تجد سورية نفسها في الحرب على الصعيدين الأمني والسياسي، بل على الصعيد الإنساني أيضاً، حيث أدت الغارات الإسرائيلية على لبنان إلى تغيير أوضاع عدد كبير من اللاجئين السوريين المقيمين فيه، وأعادت إلى ذاكرتهم مشاهد الخوف التي ارتبطت بسنوات الحرب التي شنها نظام الأسد على السوريين خلال السنوات السابقة. ولم يعد لبنان، الذي لجأوا إليه بحثاً عن الأمن والأمان، ملاذاً آمناً بالنسبة إليهم، وبات غير قادر على توفير الاستقرار الذي كانوا يطمحون إلى نيله. وفي ظل هذه الأوضاع، بدأت الحدود السورية تشهد تدفقاً متزايداً للاجئين، معظمهم من السوريين، حيث بلغ عدد اللاجئين العائدين إلى سورية منذ مطلع مارس/ آذار الجاري وحتى التاسع منه 81 شخصا عبر منفذي جوسية وجديدة يابوس، بحسب مديرية العلاقات العامة في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية.
تحمل عودة اللاجئين السوريين من لبنان أبعاداً إنسانية، وتشير إلى حجم المخاوف الأمنية العميقة، التي تطاول حياتهم وأوضاعهم فيه، تضاف إلى جملة من الحساسيات التاريخية والسياسية التي تراكمت خلال العقود الأخيرة، خصوصاً خلال سنوات الثورة السورية. كما أنه تترتب على عودتهم تبعات معيشية واقتصادية، بما تشكله من ضغط كبير على الخدمات، والبنية التحتية المنهكة في الأصل، وغير القادرة على استيعابهم، حيث تعاني الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وشبكات مياه وكهرباء من ضعف شديد، ولم تتعافَ بعد من آثار الدمار والحرب، ولا تقوى على تلبية كل احتياجات السوريين، الأمر الذي يفرض عبئاً إضافياً على كاهل الدولة، ويزيد من تبعات الأزمات المعيشية والاقتصادية التي يعاني منها السوريون.

أزمة الطاقة

تلقي أزمة الطاقة التي أفرزتها الحرب بظلالها على سورية، بالنظر إلى أنها تقع على عقدة طرق برية تربط دول الخليج بالبحر الأبيض المتوسط، ما يعني أن أي أزمة أو اضطراب يحدث في العراق أو الخليج سينعكس سلباً على حركة النقل البري، وزيادة كلفة التأمين البحري، وإطالة زمن الشحن، وبالتالي فإن اتساع رقعة المواجهة وشمولها مضيق هرمز أديا إلى ارتفاع تكاليف الشحن عالمياً، وإلى زيادة مباشرة على أسعار السلع الأساسية في الأسواق السورية. إضافة إلى أن ارتفاع أسعار النفط ينعكس مباشرة على كلفة الكهرباء والنقل والصناعة. ولا يحتمل الاقتصاد السوري أعباء إضافية، خاصة وأن التبعات ستنعكس على أوضاع السوريين أيضاً، الذين يعانون كثيراً على المستوى المعيشي. وحول اعتماد سورية على استيراد المشتقات النفطية وسط تراجع الإنتاج المحلي، فإن ارتفاع أسعارها يعني ارتفاع تكاليف النقل، وزيادة فاتورة الاستيراد، واستنزاف احتياطي القطع الأجنبي، وصعود موجة تضخم جديدة. يضاف إلى ذلك أن الاقتصاد السوري الذي أنهكته الحرب والعقوبات، لا يحتمل صدمات جديدة تزيد الأعباء.
خيارات سورية

استمرار العمليات العسكرية في محيطها المباشر يعمّق هشاشة البيئة الأمنية، ويضع على عاتق مؤسساتها واجب بناء مقاربة متوازنة تمنع تحوّل أراضيها إلى نقطة استقطاب أو مسرح تصفية حسابات. وفي ظل محاولات عدد من القوى الإقليمية تحقيق مكاسب عبر استغلال حالة السيولة الجيوسياسية، تبدو الحاجة ملحّة لتعزيز الدبلوماسية الوقائية، وتفعيل قنوات الحوار مع مختلف الفاعلين، وتحصين الداخل بسياسات اقتصادية واجتماعية تقلّل من تأثير الصدمات الخارجية. إن صياغة هذا النوع من السياسات يُعد خطوة ضرورية لضمان ألا تتحول سورية إلى رهان آخر في لعبة تتجاوز حدودها وقدراتها، وللحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في بيئة دولية تتغيّر بسرعة تتجاوز قدرة المنطقة على التكيّف.
ومع ذلك، فإن الأزمات يمكنها أن تفتح في بعض الأحيان أبواب جديدة لإعادة النظر في التموضع وإعادة البناء، والأمر برسم صانع القرار السوري وقدرته على مواجهة التحديات وإدارة المخاطر، عبر التحصين المجتمعي لمواجهتها، ويكمن ذلك في تعزيز النسيج المجتمعي والسلم الاجتماعي، وإعادة النظر في إدارة المرحلة الانتقالية السورية، والابتعاد عن الاستئثار بالسلطة أو إغلاق المجال العام، وتفعيل الحياة السياسية، وسوى ذلك.
الحاصل أن قدرة سورية على الخروج من الحرب سليمة، تتجسد في انفتاحها على الشارع السوري، وترسيخ دعائم الحوكمة الرشيدة، والأجدى لها، وهي تقف على أعتاب مرحلة تاريخية فارقة، أن تقطع تماماً مع أي مشابهة لذلك النهج الإقصائي، والاعتماد على استراتيجية تحصين تقوم على الشراكة المجتمعية.
العربي الجديد


7 عناوين تحدّد خريطة طريق سورية تجاه حرب إيران/ بشير البكر
16 مارس 2026
تنأى سورية بنفسها عن الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. واكتفت بإجراءات حدودية مع لبنان والعراق، تحسباً من امتداد النزاع بسبب انخراط أطراف من البلدين بمساندة إيران، وتنامي المخاوف من أن يمتد ذلك إلى الأراضي السورية، كما حصل في منطقة سرغايا غير البعيدة عن دمشق والواقعة على الحدود مع لبنان. ورغم أن الموقف السوري يتسم بالحياد، فإن التقديرات تشير إلى أن سورية ليست بعيدة عن مجريات حرب إيران ونتائجها المرتقبة، فهي ركن أساسي في المعادلة الشرق أوسطية، وعلى هذا لا يمكن لها أن تقف جانباً، كما يستحيل استبعادها من الاستحقاقات المترتبة على الحرب.

لا يمكن قراءة موقف سورية الحالي من الحرب التي تدور من حولها، وتصيبها بنيرانها من الجهات كافة، من دون إلقاء نظرة نحو الوراء، على سبيل المقارنة بما كان عليه موقع هذا البلد السياسي والأمني قبل سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024. ولو أنه استمر حتّى اليوم، كانت حرب إيران ستأخذ منحى آخر. وحتى لو حاول التزام الحياد كما حصل خلال حرب إسرائيل على لبنان في سبتمبر/أيلول 2024، ستظل الجبهة السورية تؤرق إسرائيل، وتشكل خطراً عليها، لأنها مزروعة بقواعد إيرانية، تطلق صواريخ وطائرات مسيّرة، بالإضافة إلى انتشار حزب الله في الجنوب، واحتفاظه بترسانة كبيرة من الأسلحة القادرة على إلحاق أضرار بإسرائيل، وعدة آلاف من المقاتلين المدرّبين المنتشرين في أنحاء سورية كافة. ويكشف التكتيك الإيراني الحالي، وزج حزب الله والحشد الشعبي العراقي بقوة في الحرب الحالية، أن طهران ما كانت ستتأخر عن استخدام الأراضي السورية والشارع السوري، بما يخدم أهدافها ومصالحها.

سقوط نظام الأسد شكل خسارة كبرى لإيران، وحرمها من مزايا أساسية في نزاعها مع إسرائيل، ذلك أن سورية شكلت خلال حكمه قلعة عسكرية وأمنية متقدمة لإيران، استخدمت أراضيها من أجل التدريب وبناء مصانع للصواريخ والمسيّرات ومطاراتها لنقل السلاح والأموال والمقاتلين، كما جندت مليشيات عدة للقتال في صفوفها. ويدل الاستهداف الإسرائيلي لشخصيات عسكرية وأمنية إيرانية في سورية خلال عام 2024 مدى الثقل والخطورة التي كانت تشكلها سورية كقاعدة إيرانية.

وتكشف ردّات الفعل الإيرانية على سقوط الأسد حجم النكسة التي تعرضت لها طهران، ولذا هاجمت بشراسة منذ اليوم الأول الإدارة السورية الجديدة، وحرضت أذرعها في العراق من أجل بث الفوضى في سورية، وقامت بدعم ومساندة الفلول من أجل تحضير حركة تمرد لفصل الساحل عن سورية، كما نشطت في تحريك الأطراف الانفصالية الكردية في الجزيرة السورية، وشنت حملات إعلامية واسعة من أجل هزّ صورة حكام سورية الجدد. وتعكس تصريحات المسؤولين الكبار قناعة أن عودة الأسد للحكم وشيكة، ومن ذلك ما ورد على لسان المرشد الراحل علي خامنئي الذي اعتبر أن الولايات المتحدة تسعى من خلال مخططاتها في سورية إلى نشر الفوضى وإثارة الشغب لفرض هيمنتها على المنطقة، متوقعاً أن تخرج مجموعة وصفها بـ”الشرفاء” لتغيير الوضع الجديد وإخراج مَن وصفهم بالمتمردين من السلطة، وأشار إلى أن “الشاب السوري ليس لديه ما يخسره، جامعته غير آمنة، مدرسته غير آمنة، منزله غير آمن، شارعه غير آمن، حياته كلها غير آمنة”.
حرب إيران وأهمية سورية

في حسابات حرب إيران لا يمكن إغفال أهمية سورية وموقعها، حتى لو كانت في وضعية النأي بالنفس، فذلك لا يعني في الأحوال الوقوف موقف المتفرج، وغير المتفاعل مع ما يحصل، وانتظار النتائج كي يجري التعامل معها. وتتحدث أوساط رسمية عن جملة من القواعد وضعها الرئيس أحمد الشرع باعتبارها خريطة طريق للتعاطي مع الوضع.

الأولى، يقف العالم العربي بين مشروعَين؛ إسرائيلي وإيراني يتنازعان، وكي يحمي نفسه يجب أن يفكر ببناء مشروعه الخاص الذي يجب أن يخرج من حالة الانقسام السائدة منذ أكثر من عقد، والمباشرة بتفعيل التضامن العربي داخل جامعة الدول العربية، والسعي بجدية إلى تعزيز علاقات سورية بدول الخليج ومصر، لأنّ ذلك يقوي من مواقف الجميع بوجه المخاطر الكبيرة التي تعصف بالمنطقة ككل.
حطام صاروخ باليستي إيراني في الجولان، 19 يونيو2025 (مايكل جلعادي/فرانس برس)
تقارير عربية

توغلات إسرائيلية في سورية أثناء العدوان على إيران

الثانية، هدف حرب إيران إضعاف الجميع، وانتصار إيران أو إسرائيل لن تكون له نتائج إيجابية على أي بلد عربي، بل على العكس، سيدفع العالم العربي قسطاً مهماً من فاتورة حرب إيران اقتصادياً وأمنياً وسياسياً، وبالتالي، يتوجب على العرب أن يستعدوا للتعامل مع الاحتمالات كافة، وكلما كانت كلمتهم موحدة، كلما جرى الحد من الخسائر. الثالثة، تستطيع سورية أن تقدم الكثير، حتى لو لم تنخرط عسكرياً في حرب إيران فهي تمتلك إمكانات عسكرية وأمنية وبشرية، يمكن أن تساعد بعض دول الخليج، وبوسعها أن تساهم الآن وفي الفترة التي تلي وقف الحرب للمساعدة في تخفيف الخسائر.
احتمال التخريب من إسرائيل وإيران

والنقطة الرابعة، أن تكون سورية يقظة لاحتمال التخريب من طرفَي إسرائيل وإيران، وأن تتخذ الاحتياطات اللازمة، لتفويت الفرصة على ذلك.
والخامسة، أن تكون مستعدة لاحتمال الأسوأ مثل انهيار الموقف في لبنان أو العراق، وحصول حالة من الفوضى تؤدي إلى موجات هجرة جماعية، أو حصول مواجهات داخلية تقود إلى انقسامات أهلية تجد سورية نفسها في خضمها من دون أن تخطط لذلك، وذلك بالنظر إلى طبيعة التركيبة بين سورية والجارين العراق ولبنان. السادسة، تتعلق بوضع السوريين في لبنان والخليج واحتمالات تأثرهم سلباً بالحرب، وهذا يعني عدة ملايين، وقد بدأت سورية تواجه أزمة اقتصادية واجتماعية من العودة المفاجئة لعشرات الآلاف من السوريين الآتين من لبنان، وكذلك اللبنانيين الهاربين من الجنوب وبيروت، وهؤلاء يشكلون ضغطاً كبيراً على موارد سورية المحدودة، ويتطلب ذلك استنفاراً على مستويات عدة، ولا سيّما أنّ الأعداد في تزايد يومياً.

السابعة، ضرورة وضع خطة عربية لما بعد حرب إيران، بما في ذلك ما يتعلق بالمفاوضات مع إسرائيل، واحتمال أن تكون ثلاثية، سورية لبنانية إسرائيلية، برعاية دولية، وفي ذلك ضمانة للحد من لعب إسرائيل في الهوامش ما بين سورية ولبنان، وأن تحظى دمشق وبيروت بدعم عربي ودولي بمواجهة أجندة إسرائيلية قائمة على الوصاية والهيمنة وفرض الشروط بالقوة.

وقالت مصادر سورية رسمية، لـ”العربي الجديد”، إنّ الشرع، يرى حرب إيران حسب هذه اللوحة منذ بدايتها، ولذلك تحرك وفق ما تتضمنه من عناوين عريضة، وأجرى اتصالات عربية ودولية على هذا الأساس، وشارك في أكثر من لقاء عن بعد. وتفيد المصادر أن نتائج هذا التحرك كانت إيجابية، بعضها كان مباشراً، كما هو الحال على صعيد توضيح صورة الموقف بين سورية وكل من لبنان والعراق، وبعض النتائج لن تظهر بوضوح لأنها تتعلق بمعالجة التداعيات اليومية للحرب، وكذلك ما يترتب عليها حينما تضع أوزارها.

وترى المصادر أنّ الوضع في لبنان هم يومي بالنسبة للسلطات السورية، تنشغل به على مدار الوقت، وهناك غرفة عمليات متخصّصة تتابع المجريات العسكرية والأمنية والسياسية والاجتماعية، وتتعامل معها من أجل مساعدة لبنان وتخفيف معاناة شعبه، وقد شكل حادث سرغايا مثالاً على مدى اختلال الوضع، إذ تضاربت الأنباء التي تناقلتها وسائل الإعلام، بين سقوط قذائف داخل الأراضي السورية، أطلقها حزب الله من الأراضي اللبنانية، ومحاولة مروحيات إسرائيلية التسلل والقيام بإنزال على الطرف الآخر من الحدود.

وبغض النظر، حصلت اتصالات رسمية بين البلدين، بهدف التنسيق من أجل ضبط أمن الحدود، ومنع استغلال حالة الاستنفار العام لهزّ الاستقرار الهش.
نتائج حرب إيران ستكون ذات تأثير سلبي على سورية والشرق الأوسط والخليج، وستنعكس بمقادير مختلفة على سورية والقضية الفلسطينية ولبنان والعراق ودول الخليج. ومن المتوقع أن تكون الآثار فردية على مستوى كل بلد على حدة، وجماعية تشمل المنطقة ككل. ولن تقف عند استنزاف موارد العالم العربي، بل ستذهب حتّى تفجير نزاعات سياسية وطائفية، هذا غير محاولات زج بعض الدول في حرب إيران والذي ستكون نتائجه كارثية، لأنّ توقف الحرب الإسرائيلية الإيرانية قد يكون إيذاناً باندلاع حرب إيرانية عربية، وهناك مؤشرات على ذلك تتردد في خطابات المسؤولين الإيرانيين، الذين يقدمون تبريرات للاعتداءات الإيرانية على بلدان الخليج، يذهب بعضها إلى حدّ التهديد بهزّ استقرارها، وتحميل بعضها قسطاً من كلفة الحرب. وعلى هذا تبقى مهمة تحصين المنطقة على رأس الأولويات. وهنا تتوجب الإشارة إلى نقطة مهمة تتمثل في نجاح دول الخليج في الدفاع عن نفسها بوجه الاعتداءات الإيرانية. وحتّى الآن تبدو الخسائر محدودة بالنظر إلى كمية الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية التي هاجمت الدول الخليجية. وترى أوساط الخبراء المراقبين أن هذه النقطة يمكن البناء عليها عربياً لتطويرها من سلاح دفاع إلى سلاح ردع.
العربي الجديد


حسابات أطراف المواجهة ورؤيتها لوقف الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
18 مارس 2026
مع اقتراب الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران من نهاية أسبوعها الثالث، ومع تفاقم أزمة الطاقة العالمية بسبب الاستمرار في توقف الملاحة عبر مضيق هرمز، تتفاوت التقديرات بشأن كيفية إنهائها في ضوء الإشارات المتناقضة التي تصدر عن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وشروط إيران للقبول بوقفها، وربما بعض التباين في الأهداف الأميركية والإسرائيلية بشأنها. فحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، تحاول القضاء على أي إمكانية للتوصل إلى اتفاق بين طهران واشنطن؛ يضع نهاية مبكّرة للحرب، ويضيع عليها فرصة إكمال تحقيق أهدافها المتمثلة في إسقاط النظام، أو اضعافه بالحد الأدنى.
تخبّط الاستراتيجية الأميركية

تجاهل الرئيس ترامب نصائح مسؤولين في إدارته، بمن فيهم رئيس هيئة الأركان، الجنرال دان كين، بشأن تداعيات الدخول في حرب غير محسوبة العواقب مع إيران، بما في ذلك احتمال إغلاقها مضيق هرمز. فقد أصرّ على شن الحرب، إلى جانب إسرائيل، متشجعاً بمعلومات استخباراتية عن اجتماع عُقد برئاسة المرشد علي خامنئي، وضم كبار قادته العسكريين والأمنيين، ووجود تقديرات بأن النجاح في استهداف الاجتماع، الذي عقد صباح 28 فبراير/ شباط 2026 في مقر إقامة المرشد، وتصفية القيادة الإيرانية، سوف يقود إلى شل حركة النظام وربما انهياره. لكن تماسك النظام بعد الضربة الإسرائيلية الأولى التي أسفرت عن اغتيال نحو 40 شخصية قيادية، بمن فيهم المرشد، والرد الإيراني السريع الذي شمل إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل وقواعد أميركية في الأردن، وإقليم كردستان العراق، فضلاً عن استهداف البنية التحتية ومنشآت الطاقة في دول الخليج العربية، في مسعى إلى رفع التكلفة على الولايات المتحدة وإجبارها على وقف الحرب، مثّل ذلك كله مفاجأة بالنسبة إلى ترامب، الذي استغرب عدم استسلام إيران؛ إذ كان يأمل في سيناريو شبيه بما جرى في فنزويلا، حيث أدّت عملية إزاحة الرئيس نيكولاس مادورو إلى فتح الباب أمام تفاهم مع من تبقى من نظامه.

ازداد الوضع تعقيدًا بالنسبة إلى العملية العسكرية الإسرائيلية – الأميركية مع إغلاق إيران مضيق هرمز، وقطع طرق الملاحة البحرية أمام نحو 17% من إمدادات النفط إلى السوق العالمية ونحو 20% من إنتاج الغاز المسال. ودفع ذلك الرئيس ترامب إلى إعادة النظر في الأهداف التي أعلن عنها في بداية الحرب، والتي تضمّنت دعوة الإيرانيين إلى إسقاط نظامهم، فأصبحت الأهداف أكثر واقعية لتسمح له بإمكانية إعلان النصر، ومن ثم وقف الحرب، وتجنّب مزيد من التورّط. وقد مهد إلى ذلك، مثلاً، بإعلان تدمير البحرية الإيرانية، ودفاعاتها الجوية، وقاعدة صناعاتها العسكرية، فضلاً عن القضاء على جزء كبير من القيادة الإيرانية. بهذا، حرص ترامب ومسؤولون آخرون في إدارته على إبراز نجاح الجيش الأميركي في تدمير نحو 90% من قدرات إيران الصاروخية و95% من طائراتها المسيّرة، وهي أرقام يصعب التأكد من صحتها حاليًا. ومن أجل الضغط على إيران لفتح مضيق هرمز، أمر ترمب باستهداف المنشآت العسكرية في جزيرة خرج، التي تعد قلب صناعة النفط الإيرانية، وشرع باستكشاف إمكانية تشكيل تحالف دولي لفتح المضيق بعد أن ارتفعت أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، وارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بمقدار 50%؛ ما اضطر واشنطن إلى تعليق العقوبات المفروضة على تصدير النفط الروسي للحفاظ على توازن الأسواق.

لم تؤثر الخطوات الأميركية كثيراً في الموقف الإيراني، بما في ذلك قرار واشنطن إرسال عدة آلاف من قوات البحرية الأميركية (المارينز) من قاعدة أوكيناوا في اليابان إلى منطقة الخليج. بناءً عليه، بدأ الرئيس ترمب بالبحث عن استراتيجية خروج، أخذ يروّجها من خلال مزاعم عن محاولات طهران التواصل معه بغرض إنهاء الحرب، والعودة إلى الحديث عن الشروط والأسباب التي أدت إلى اندلاع الأزمة في المقام الأول، وهي تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وقبول إيران بمبدأ صفر تخصيب، وتسليم مخزونها من اليورانيوم؛ بما في ذلك نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، تقول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنه يكفي لصناعة 10 قنابل نووية، والقبول بتحديد مديات الصواريخ الباليستية. ولتهدئة مخاوف الرأي العام من احتمال التورط في حرب طويلة، وشراء مزيد من الوقت أملاً بأن ترضخ إيران تحت الضغط العسكري، يحرص الرئيس ترامب على تكرار أن نهاية الحرب باتت وشيكة من دون أن يحدد موعدًا فعليّاً؛ ما يعكس المأزق الذي يواجهه بعد أن ثبت خطأ حساباته.
وضوح الأهداف الاسرائيلية

رغم تركيز إسرائيل المستمر على “مخاطر” امتلاك إيران سلاحاً نووياً، فضلًا عن برنامج الصواريخ البالستية، فإنها لم تخف هدفها الرئيس من دخول الحرب إلى جانب الولايات المتحدة، إسقاط النظام الإيراني، حيث يتبجح نتنياهو بأن إسرائيل تعيد تشكيل الشرق الأوسط، وأنها أصبحت القوة الأولى في المنطقة، وقوة عالمية في بعض المجالات. لذلك، درجت إسرائيل على معارضة أي إمكانية للتوصل إلى اتفاق مع طهران بخصوص برنامجها النووي، بذريعة أنه لا يمكن الوثوق بالنظام، أو الوثوق بنفيه المستمر للرغبة في الحصول على سلاح نووي، وأن الطريقة الأفضل للتعامل مع إيران إسقاط النظام وإحلال نظام آخر محله موالٍ للغرب. والحقيقة أن إسرائيل، خلافاً للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، لا يهمها إن كان يوجد بديل من النظام القائم أم لا، أو إن غرقت إيران في الفوضى. وقد دفع تماسك النظام الحالي واستيعابه الخسائر التي لحقت به، إسرائيل إلى خفض سقف أهدافها المعلنة تحسّباً لقبول الرئيس ترامب بالتوصل إلى اتفاق يبقي على النظام الإيراني. فصارت تردّد مقولة إن موضوع بقاء النظام من عدمه شأنٌ يقرّره الشعب الإيراني.

ومع أن إسرائيل خفضت لفظياً سقف أهدافها من الحرب، خشية تحميلها مسؤولية أي تكلفة إضافية تتكبدها الولايات المتحدة، وخصوصاً مع تنامي اعتقاد نسبة لا يستهان بها من الرأي العام الأميركي بأن إسرائيل هي من جرّ الولايات المتحدة إلى الحرب، وما يحمله هذا من تبعات اقتصادية وسياسية وعسكرية، ظلّت حكومة نتنياهو تعمل على استبعاد أي إمكانية للتوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، وتمثلت آخر هذه الجهود باغتيال السياسي الإيراني، علي لاريجاني، أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، والذي برز باعتباره أحد أقوى الشخصيات السياسية في النظام بعد اغتيال المرشد. فعلى الرغم من انتماء لاريجاني إلى التيار المحافظ، فإنه مثّل الوجه الأكثر براغماتية في النظام، الذي كان يمكن، أن يبرم ويسوق اتفاقًا مع واشنطن لإنهاء الحرب نظراً إلى موقعه وتاريخه في خدمة النظام. وقد حمل فعلاً اقتراحات تسوية واقعية تتضمن تغيّراً جدّياً في العلاقات الإيرانية – الأميركية، وذلك في زيارتيه قطر وعمّان قبل اندلاع الحرب مباشرة. وأوردت مصادر أميركية أن إدارة ترامب كانت تعتبر لاريجاني أحد أبرز المرشحين لقيادة مرحلة انتقالية في إيران. يبدو أن إسرائيل أرادت بهذا الاغتيال دفع الجناح الأكثر تشدّداً في النظام إلى الواجهة، بحيث لا يوجد أمام الولايات المتحدة إلا إسقاط النظام بعد تلاشي إمكانية التفاهم معه.

في الواقع، تسعى إسرائيل إلى أهداف تصل إلى حد تفكيك إيران أو إدخالها في حالة من الفوضى وحتى الحرب الأهلية. وفي الحد الأدنى، تهدف إلى إضعاف إيران إلى أقصى حد ممكن، بما يذكّر بحالة العراق بين عامي 1991 و2003، من خلال تدمير ليس قدراتها العسكرية فحسب، وإنما أيضاً بنتيها التحتية المدنية وقدراتها الاقتصادية، بما في ذلك منشآت الطاقة وقدرات تصدير النفط والغاز، وذلك قبل التوصل إلى اتفاق محتمل لإطلاق النار. ويشمل مسعى إسرائيل إلى إضعاف النظام أيضاً تقويض قدرته على فرض النظام العام في المجتمع، عبر استهداف مراكز الشرطة والأمن العام وكل أجهزة فرض النظام؛ إذ تتوقع إسرائيل أن تندلع احتجاجات بعد توقف الحرب كما حصل في الحرب السابقة في حزيران/ يونيو 2025 بسبب الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، والتي زادتها الحرب بؤساً.
رؤية إيران لإنهاء الحرب

رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بقدرات إيران العسكرية وبرامجها التسليحية وفقدان جزء كبير من قيادتها السياسية والعسكرية والأمنية، والدمار الذي طاول بنيتها التحتية المدنية، فإنها لا تبدو ستقبل اتفاقاً يوقف هذه الحرب فقط، بينما لا يمنع جولات قادمة؛ لتبقى إيران محاصرة وتنزف في ظل العقوبات بانتظار الحرب المقبلة. تخشى إيران من تكرار الخطأ الذي ارتكبته في حزيران/ يونيو الماضي، عندما وافقت على مقترح أميركي بوقف الحرب من دون ضمانات بعدم مهاجمتها مرّة أخرى. هكذا يكون وقف الحرب مجرّد فرصة تعيد فيها إدارة ترامب وحكومة نتنياهو ترتيب أوضاعهما وإنتاج ما يكفي من ذخائر لصد الصواريخ والمسيرات الإيرانية والعودة من جديد إلى الحرب بعد فشلهما في هذه الجولة في تحقيق الأهداف المتمثلة في إخضاع إيران أو اسقاط نظامها. لذلك، تضع إيران شرطين أساسيين للقبول بوقف إطلاق النار؛ الأول الحصول على ضمانات كافية بأن إسرائيل والولايات المتحدة لن تقدما على مهاجمتها مرّة أخرى، والثاني رفع العقوبات الاقتصادية التي أعاد ترامب فرضها عليها بعد أن انسحب من الاتفاق النووي في أيار/ مايو 2018. وتخشى إيران من أن يؤدّي استمرار العقوبات عليها بعد هذه الحرب المدمّرة إلى وضعها في وضع مماثل للعراق بعد حرب تحرير الكويت عام 1991، حيث تُرك لينزف بسبب الفقر والمرض وضعف السلطة المركزية؛ ما سمح، في نهاية المطاف، بتسهيل غزوه بعد أن صار الخلاص منه سبيل العراقيين الوحيد للخروج من الأزمة.
خاتمة

أدى انجرار الولايات المتحدة وراء الأجندة الإسرائيلية في مهاجمة إيران إلى إدخال المنطقة والعالم في واحدة من أسوأ الأزمات الدولية في العقود الأخيرة، والتي كان يمكن تجنّبها، بحسب صحيفة الغارديان، لولا تورّط مستشاري ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في تغليب الأجندة الإسرائيلية على المصلحة الأميركية. ويبدو حجم القلق من الورطة، التي أوقعت بها إدارة ترامب العالم، بانجرارها وراء نتنياهو، جليّاً في رفض الأغلبية الساحقة من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) التورّط في الحرب على إيران، باعتبار أن نص اتفاقية الحلف لا يتضمن دعم أحد الأعضاء في حال كان هو المبادر في الهجوم. يبقى التساؤل في كيفية إنهاء هذه الأزمة عبر التوفيق بين مطالب واشنطن وطهران، والذي لا يمكن أن يتحقق من دون تحييد العامل الإسرائيلي فيها.

العربي الجديد


تحييد العامل الإسرائيلي كأساس لوقف الحرب على إيران
المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات
الأربعاء 2026/03/18
مع اقتراب الحرب الإسرائيلية-الأميركية على إيران من نهاية أسبوعها الثالث، ومع تفاقم أزمة الطاقة العالمية بسبب الاستمرار في توقف الملاحة عبر مضيق هرمز، تتفاوت التقديرات بشأن كيفية إنهائها في ضوء الإشارات المتناقضة التي تصدر عن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وشروط إيران للقبول بوقفها، وربما بعض التباين في الأهداف الأميركية والإسرائيلية بشأنها. فحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحاول القضاء على أي إمكانية للتوصل إلى اتفاق بين طهران واشنطن؛ يضع نهاية مبكرة للحرب، ويضيع عليها فرصة إكمال تحقيق أهدافها المتمثلة في إسقاط النظام، أو اضعافه بالحد الأدنى.

أولاً: تخبّط الاستراتيجية الأميركية

تجاهل الرئيس دونالد ترامب نصائح مسؤولين في إدارته، بمن فيهم رئيس هيئة الأركان، الجنرال دان كين، بشأن تداعيات الدخول في حرب غير محسوبة العواقب مع إيران، بما في ذلك احتمال إغلاقها مضيق هرمز. فقد أصر ترامب على شن الحرب، إلى جانب إسرائيل، متشجعاً بمعلومات استخباراتية عن اجتماع عُقد برئاسة المرشد علي خامنئي، وضم كبار قادته العسكريين والأمنيين، ووجود تقديرات بأن النجاح في استهداف الاجتماع، الذي عقد صباح 28 شباط/ فبراير 2026 في مقر إقامة المرشد، وتصفية القيادة الإيرانية، سوف يقود إلى شل حركة النظام وربما انهياره. لكن تماسك النظام بعد الضربة الإسرائيلية الأولى التي أسفرت عن اغتيال نحو 40 شخصية قيادية، بمن فيهم المرشد، والرد الإيراني السريع الذي شمل إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل وقواعد أميركية في الأردن، وإقليم كردستان العراق، فضلاً عن استهداف البنية التحتية ومنشآت الطاقة في دول الخليج العربية، في مسعى لرفع التكلفة على الولايات المتحدة وإجبارها على وقف الحرب، مثّل ذلك كله مفاجأة بالنسبة إلى ترامب، الذي استغرب عدم استسلام إيران؛ إذ كان يأمل في سيناريو شبيه بما جرى في فنزويلا، حيث أدت عملية إزاحة الرئيس نيكولاس مادورو إلى فتح الباب أمام تفاهم مع من تبقى من نظامه.

ازداد الوضع تعقيداً بالنسبة إلى العملية العسكرية الإسرائيلية – الأميركية مع إغلاق إيران مضيق هرمز، وقطع طرق الملاحة البحرية أمام نحو 17 في المئة من إمدادات النفط إلى السوق العالمية ونحو 20 في المئة من إنتاج الغاز المسال. ودفع ذلك الرئيس ترامب إلى إعادة النظر في الأهداف التي أعلن عنها في بداية الحرب، والتي تضمنت دعوة الإيرانيين إلى إسقاط نظامهم، فأصبحت الأهداف أكثر واقعية لتسمح له بإمكانية إعلان النصر، ومن ثم وقف الحرب، وتجنب مزيد من التورط. وقد مهد إلى ذلك، مثلاً، بإعلان تدمير البحرية الإيرانية، ودفاعاتها الجوية، وقاعدة صناعاتها العسكرية، فضلاً عن القضاء على جزء كبير من القيادة الإيرانية. بهذا، حرص ترامب ومسؤولون آخرون في إدارته على إبراز نجاح الجيش الأميركي في تدمير نحو 90 في المئة من قدرات إيران الصاروخية و95 في المئة من طائراتها المسيرة، وهي أرقام يصعب التأكد من صحتها حالياً. ومن أجل الضغط على إيران لفتح مضيق هرمز، أمر ترامب باستهداف المنشآت العسكرية في جزيرة خرج، التي تعد قلب صناعة النفط الإيرانية، وشرع باستكشاف إمكانية تشكيل تحالف دولي لفتح المضيق بعد أن ارتفعت أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، وارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بمقدار 50 في المئة؛ ما اضطر واشنطن إلى تعليق العقوبات المفروضة على تصدير النفط الروسي للحفاظ على توازن الأسواق.

لم تؤثر الخطوات الأميركية كثيراً في الموقف الإيراني، بما في ذلك قرار واشنطن إرسال عدة آلاف من قوات البحرية الأميركية “المارينز” من قاعدة أوكيناوا في اليابان إلى منطقة الخليج. بناءً عليه، بدأ الرئيس ترامب بالبحث عن استراتيجية خروج، أخذ يروّج لها من خلال مزاعم عن محاولات طهران التواصل معه بغرض إنهاء الحرب، والعودة إلى الحديث عن الشروط والأسباب التي أدت إلى اندلاع الأزمة في المقام الأول، وهي تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وقبول إيران بمبدأ صفر تخصيب، وتسليم مخزونها من اليورانيوم؛ بما في ذلك نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، تقول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنه يكفي لصناعة 10 قنابل نووية، والقبول بتحديد مديات الصواريخ الباليستية. ولتهدئة مخاوف الرأي العام من احتمال التورط في حرب طويلة، وشراء مزيد من الوقت أملاً بأن ترضخ إيران تحت الضغط العسكري، يحرص الرئيس ترامب على تكرار أن نهاية الحرب باتت وشيكة من دون أن يحدد موعداً فعلياً؛ ما يعكس المأزق الذي يواجهه بعد أن ثبت خطأ حساباته.

ثانياً: وضوح الأهداف الاسرائيلية

رغم تركيز إسرائيل المستمر على “مخاطر” امتلاك إيران سلاحاً نووياً، فضلاً عن برنامج الصواريخ البالستية، فإنها لم تخف هدفها الرئيس من دخول الحرب إلى جانب الولايات المتحدة، والذي تمثل في إسقاط النظام الإيراني، حيث يتبجح نتنياهو بأن إسرائيل تعيد تشكيل الشرق الأوسط، وأنها أصبحت القوة الأولى في المنطقة، وقوة عالمية في بعض المجالات. لذلك، درجت إسرائيل على معارضة أي إمكانية للتوصل إلى اتفاق مع طهران بخصوص برنامجها النووي بذريعة أنه لا يمكن الوثوق بالنظام الإيراني، أو الوثوق بنفيه المستمر للرغبة في الحصول على سلاح نووي، وأن الطريقة الأفضل للتعامل مع إيران هي إسقاط النظام وإحلال نظام آخر محله موالٍ للغرب. والحقيقة أن إسرائيل، خلافاً للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، لا يهمها إن كان يوجد بديل من النظام القائم أم لا، أو إن غرقت إيران في الفوضى. وقد دفع تماسك النظام الحالي واستيعابه الخسائر التي لحقت به، إسرائيل إلى خفض سقف أهدافها المعلنة تحسباً لقبول الرئيس ترامب بالتوصل إلى اتفاق يبقي على النظام الإيراني. فصارت تردد مقولة أن موضوع بقاء النظام من عدمه هو شأن يقرره الشعب الإيراني.

ومع أن إسرائيل خفضت لفظياً سقف أهدافها من الحرب خشية تحميلها مسؤولية أي تكلفة إضافية تتكبدها الولايات المتحدة، وخاصة مع تنامي اعتقاد نسبة لا يستهان بها من الرأي العام الأميركي بأن إسرائيل هي من جر الولايات المتحدة إلى الحرب، وما يحمله ذلك من تبعات اقتصادية وسياسية وعسكرية، فإن حكومة نتنياهو ظلت تعمل على استبعاد أي إمكانية للتوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، وتمثلت آخر هذه الجهود باغتيال السياسي الإيراني علي لاريجاني، أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، والذي برز باعتباره أحد أقوى الشخصيات السياسية في النظام بعد اغتيال المرشد. فعلى الرغم من انتماء لاريجاني إلى التيار المحافظ، فإنه مثّل الوجه الأكثر براغماتية في النظام، الذي كان يمكن، أن يبرم ويسوق اتفاقاً مع واشنطن لإنهاء الحرب نظراً إلى موقعه وتاريخه في خدمة النظام. وقد حمل فعلاً اقتراحات تسوية واقعية تتضمن تغيراً جدياً في العلاقات الإيرانية – الأميركية، وذلك في زيارته إلى قطر وعمان قبل اندلاع الحرب مباشرة. وأوردت مصادر أميركية أن إدارة ترامب كانت تعتبر لاريجاني أحد أبرز المرشحين لقيادة مرحلة انتقالية في إيران. يبدو أن إسرائيل أرادت بهذا الاغتيال دفع الجناح الأكثر تشدداً في النظام إلى الواجهة بحيث لا يوجد أمام الولايات المتحدة إلا إسقاط النظام بعد تلاشي إمكانية التفاهم معه. في الواقع، تسعى إسرائيل إلى أهداف تصل إلى حد تفكيك إيران أو إدخالها في حالة من الفوضى وحتى الحرب الأهلية. أما في الحد ألأدنى، فهي تهدف إلى إضعاف إيران إلى أقصى حد ممكن، بما يذكّر بحالة العراق بين عامي 1991 و2003، وذلك من خلال تدمير ليس قدراتها العسكرية فحسب، وإنما أيضاً بنتيها التحتية المدنية وقدراتها الاقتصادية، بما في ذلك منشآت الطاقة وقدرات تصدير النفط والغاز، وذلك قبل التوصل إلى اتفاق محتمل لإطلاق النار. ويشمل مسعى إسرائيل لإضعاف النظام أيضاً تقويض قدرته على فرض النظام العام في المجتمع، عبر استهداف مراكز الشرطة والأمن العام وكل أجهزة فرض النظام؛ إذ تتوقع إسرائيل أن تندلع احتجاجات بعد توقف الحرب كما حصل في الحرب السابقة في حزيران/ يونيو 2025 بسبب الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، والتي زادتها الحرب بؤساً.

ثالثاً: رؤية إيران لإنهاء الحرب

رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بقدرات إيران العسكرية وبرامجها التسليحية وفقدان جزء كبير من قيادتها السياسية والعسكرية والأمنية، والدمار الذي طاول بنيتها التحتية المدنية، فإنها لا تبدو ستقبل اتفاقاً يوقف هذه الحرب فقط، بينما لا يمنع جولات قادمة؛ لتبقى إيران محاصرة وتنزف في ظل العقوبات بانتظار الحرب القادمة. تخشى إيران من تكرار الخطأ الذي ارتكبته في حزيران/ يونيو الماضي عندما وافقت على مقترح أميركي بوقف الحرب من دون ضمانات بعدم مهاجمتها مرة أخرى. هكذا يكون وقف الحرب مجرد فرصة تعيد فيها إدارة ترامب وحكومة نتنياهو ترتيب أوضاعهما وإنتاج ما يكفي من ذخائر لصد الصواريخ والمسيرات الإيرانية والعودة من جديد إلى الحرب بعد فشلهما في هذه الجولة في تحقيق الأهداف المتمثلة في إخضاع إيران أو اسقاط نظامها. لذلك، تضع إيران شرطين أساسيين للقبول بوقف إطلاق النار؛ الأول هو الحصول على ضمانات كافية بأن إسرائيل والولايات المتحدة لن تقدما على مهاجمتها مرة أخرى، والثاني رفع العقوبات الاقتصادية التي أعاد ترامب فرضها عليها بعد أن انسحب من الاتفاق النووي في أيار/ مايو 2018. وتخشى إيران من أن يؤدي استمرار العقوبات عليها بعد هذه الحرب المدمرة إلى وضعها في وضع مماثل للعراق بعد حرب تحرير الكويت عام 1991، حيث ترك لينزف بسبب الفقر والمرض وضعف السلطة المركزية؛ ما سمح في نهاية المطاف بتسهيل غزوه بعد أن صار الخلاص منه سبيل العراقيين الوحيد للخروج من الأزمة.

خاتمة

أدى انجرار الولايات المتحدة وراء الأجندة الإسرائيلية في مهاجمة إيران إلى إدخال المنطقة والعالم في واحدة من أسوأ الأزمات الدولية في العقود الأخيرة، والتي كان يمكن تجنبها، بحسب صحيفة الغارديان، لولا تورط مستشاري ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في تغليب الأجندة الإسرائيلية على المصلحة الأميركية. ويبدو حجم القلق من الورطة، التي أوقعت بها إدارة ترامب العالم، بانجرارها وراء نتنياهو، جلياً في رفض الأغلبية الساحقة من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي “الناتو” التورط في الحرب على إيران، باعتبار أن نص اتفاقية الحلف لا يتضمن دعم أحد الأعضاء في حال كان هو المبادر في الهجوم. يبقى التساؤل في كيفية إنهاء هذه الأزمة عبر التوفيق بين مطالب واشنطن وطهران، والذي لا يمكن أن يتحقق من دون تحييد العامل الإسرائيلي فيها.


ترامب ونتنياهو والخرائط: سوريا ترفض ولبنان يخشى “المتصرفية”/ منير الربيع
الأربعاء 2026/03/18
دونالد ترامب يريد تغيير العالم. بنيامين نتنياهو يريد تغيير الشرق الأوسط. ما بين الطموح والجموح، تتغير خرائط، تُهجّر شعوب، تُسحق مدن وقرىً وبلدات، تتبدل توازنات وتحالفات، تضيع أعمار، بينما يحاول الرجلان تغيير الأقدار. عبّر ترامب عن غضبه المتجدد والمتزايد من حلف الناتو ودوله. هو في الأساس يريد الانسحاب من الحلف والتوقف عن دعمه، ليأتي موقف الأوروبيين متعارضاً مع هجمة الولايات المتحدة الأميركية في حربها على إيران. ذلك سيدفع ترامب إلى الإصرار على وجهة نظره أكثر لجهة التباعد عن الاتحاد الأوروبي والبحث عن تحالفات أخرى، وهذا ما يسهم في تغيير الموازين على الساحة الدولية. ما يسري على أوروبا، يطبقه ترامب مسبقاً في أميركا اللاتينية، أما مشروعه في الشرق الأوسط فمفتوح ومتواصل بالتكامل والتضافر مع نتنياهو الذي يتحدث عن توسيع إسرائيل بالسطو على خرائط وجغرافيات أخرى.

نتنياهو والسطو على الأرض

مشكلة ترامب مع الأوروبيين، ستتوسع أكثر، وهي كانت قد تجددت منذ أراد ضم غرينلاند. أما حرب نتنياهو المفتوحة على المنطقة ككل، فتزداد شراسة وشراهة لقضم المزيد من الأراضي، وهو المشروع الذي انتقل فيه إلى لبنان من خلال عملية التوغل البري والإعلان الصريح عن تدمير قرى الخط الأمامي في الجنوب، واحتلال أراض ونقاط جديدة. جموح نتنياهو لن يتوقف عند حدود جنوب لبنان، ولا عند حدود الضفة الغربية أو غور الأردن أو غزة، بل وصل إلى سوريا التي سعى فيها إلى تثبيت سيطرته على مساحات جغرافية أيضاً. سوريا التي ستواصل إسرائيل الضغط عليها لدفعها إلى صراع مع حزب الله، أو أن تل أبيب ستسعى إلى افتعال المشكلة التي تؤدي إلى محرقة على الحدود اللبنانية السورية، وبحال لم تنجح فلن يتوانى رئيس الوزراء الإسرائيلي عن التوغل باتجاه البقاع والكشف عن شراهة جديدة بالسطو على مواقع وأراض على الحدود اللبنانية السورية.

حرب أهلية

الضغوط الأميركية الإسرائيلية على سوريا مستمرة، لوضعها في موضع الصراع العسكري مع حزب الله. في هذا السياق، عقد الأمريكيون بعد اندلاع الحرب على إيران، لقاءاتٍ أمنية مع مسؤولين سوريين وإسرائيليين بهدف الضغط على دمشق للتدخل في البقاع وضرب حزب الله، تحت عنوان القضاء على صواريخه هناك. رفضت دمشق كل الضغوط، وساندتها في ذلك كل من المملكة العربية السعودية، دولة قطر، مصر، وتركيا، إذ شجعت هذه الدول سوريا على الثبات على موقفها، وتدخلت مع الولايات المتحدة الأميركية لوقف الضغط على الرئيس السوري أحمد الشرع الذي أعلن بوضوح أنه لا يريد التدخل بلبنان ولا تكرار تجارب سابقة، كما أن المساعي التي بذلت مع واشنطن شددت على أن أي تحرك سوري باتجاه لبنان سيؤدي إلى حرب أهلية لا أحد يعلم إلى أين يؤدي شرها المستطير في المنطقة.

إغراءات وضغوط

من ضمن الضغوط التي مورست على سوريا للتدخل في البقاع وإشغال حزب الله في الحرب، جرى تقديم إغراءات حول عقد المزيد من اللقاءات التفاوضية السورية الإسرائيلية، على مستويات أمنية، وسياسية لاستكمال المفاوضات والوصول إلى اتفاقات وشراكات اقتصادية. كما أن ما أريد الاستفادة منه عبر التحرك السوري لو حصل، هو الدخول إلى مساحات واسعة من البقاع، وخوض قتال لتفكيك أو تفجير مواقع حزب الله التي تحتوي على صواريخ بالستية، لا سيما أن واشنطن وتل أبيب تعلمان أن دمشق لديها كل الإحداثيات عن مخازن الصواريخ التي بحوزة حزب الله، خصوصاً أن كل الصواريخ والأسلحة التي كانت تمر من سوريا إلى لبنان أيام نظام بشار الأسد، كان هناك إشراف عليها من قبل ضباط سوريين، وهؤلاء هم الذين كانوا يشرفون على عملية نقل الصواريخ أو تخزينها في سوريا، ولديهم الإحداثيات الكاملة لمواقع الحزب، وهذه الإحداثيات كلها أصبحت لدى القيادة السورية الجديدة.

الإحداثيات

هذا ما تريد واشنطن أن تستفيد منه، إما عبر دفع سوريا للتدخل، أو عبر زيادة منسوب التنسيق الأمني والعسكري والاستخباري مع إسرائيل، وبناء على هذا التنسيق تدفع سوريا إلى إعطاء معلومات عن هذه الاحداثيات. السياق الذي تحاول واشنطن استخدامه هنا، هو أن نظام الأسد وبعد استخدامه للأسلحة الكيمائية، وبعد الصفقة التي أبرمت مع روسيا في العام 2012 لإخراج السلاح الكيماوي من سوريا، جرى نقل البعض منها إلى البقاع وهي مخزنة في مواقع جردية يصعب الوصول إليها. علماً أن هذه المعلومات غير صحيحة بالنسبة إلى اللبنانيين.

التجارب السابقة

جانب من الضغط الأميركي الإسرائيلي المشترك على سوريا، انطلق بالأساس بالاستناد إلى تجارب سابقة، كمثل تجربة تفاهم عُقد في سبعينيات القرن الفائت بين هنري كيسنجر وحافظ الأسد، بأن تدخل إسرائيل إلى جنوب لبنان مقابل أن تدخل سوريا إلى البقاع، وبعدها توسع التدخلان. منذ أشهر تحدث توم باراك عن “عودة لبنان إلى بلاد الشام”، وهو أحد عناصر الضغط الذي مورس على الدولة اللبنانية لدفعها إلى الوقوف بوجه حزب الله، وأنه بحال لم تلتزم بذلك فعندها يمكن إطلاق يد سوريا على الساحة اللبنانية.

رفض مطلق

بناء عليه، استمرت محاولات إقناع سوريا للتدخل في البقاع، تدخل يمكنه أن ينطلق من سرغايا، باتجاه معربون، حام، الخريبة، جنتا والنبي شيت، ومن عسال الورد باتجاه الطفيل وبريتال، على قاعدة أن الهدف هو إحكام السيطرة على كل المناطق التي يتم تخزين الأسلحة فيها، على أن لا يتجاوز عمق الدخول بلدة طليا. ولكن بالنسبة إلى سوريا هناك رفض مطلق للتوغل داخل لبنان، وللدخول في أي معركة ضد حزب الله. فما تقوم به دمشق هو تعزيز قواتها العسكرية على الحدود لمنع حزب الله من الدخول إلى سوريا أو استخدام أراضيها، كما أنها تبدي تخوفاً من ضغط إسرائيل على حزب الله لدفعه باتجاه سوريا وافتعال الاشتباك بين الجانبين.

هواجس

ما تتخوف منه دمشق هو أن تدفع إسرائيل بمقاتلي حزب الله للخروج من الجنوب والبقاع باتجاه الجرود الممتدة بين البقاع وسوريا، وتحديداً منطقة وادي ميرا، وهي منطقة جردية واسعة فيها مواقع وتحصينات كان حزب الله قد تمركز فيها خلال مشاركته في الحرب السورية ، خصوصاً لدى خوض معركة الجرود والقلمون، كما أن دمشق تتخوف من أي انتقال لحزب الله من الهرمل باتجاه القصير ومحيطها، وهو ما تعتبره خطراً على حمص وعلى الساحل. لكنها حتى الآن تشدد على موقفها الرافض لأي تدخل، لا سيما أن أي تدخل سوري في لبنان سيؤدي إلى حرب أهلية أولاً، وثانياً إلى استقطاب طائفي ومذهبي، وثالثاً قد يكون مقدمة لتقسيم لبنان بين منطقة تسيطر عليها إسرائيل، ومنطقة تسيطر عليها سوريا، ومنطقة أخرى تطمح للاستقلال والعودة إلى تجربة جبل لبنان أيام المتصرفية.

المدن


هل يتخلى ترمب عن الحرب ويتورط الخليج؟/ عبد الرحمن الراشد
18 مارس 2026 م
الفرضية تقول إن الولايات المتحدة في حربها على إيران تسعى لتوريط دول الخليج معها ثم التخلي عنها. السؤال، هل يمكن أن يتخلى الرئيس دونالد ترمب عن الحرب على إيران ويغادر المنطقة، ويترك دول الخليج في مواجهة طهران؟

الإجابة المختصرة، نعم!

الإجابة الطويلة، الاحتمال قائم لكن ترمب ليس تحت ضغط عسكري أو شعبي يضطره للتفكير في الخروج، ولو انسحب لا يعني أن ينتقل القتال إلى دول الخليج التي امتنعت عن خوضه.

ترمب في وضع جيد، حيث إن نتائج الاستطلاعات أظهرت أمس تأييداً كبيراً له. 90 في المائة من قاعدته الشعبية «ماغا» تؤيد الحرب وهذا كل ما يحتاج إليه.

ترمب حريص على استمرار تأييد أتباعه، ويقوم شخصياً، بشكل شبه يومي، بمؤتمرات ومقابلات وإحاطات إعلامية موجهة للشعب الأميركي حول الوضع لتعزيز موقفه والرد على منتقديه.

لكن إن طال أمد القتال، وشعر الرئيس أنه حقق جزءاً من أهدافه فقد يكتفي ويغادر. وكذلك إن اتضح له أن تحقيق الأهداف كلفته عالية على إدارته فليس مستبعداً أن يحزم حقائبه ويغادر.

يبدو ترمب قوياً ومتماسكاً رغم صمود إيران واستمرارها في استهداف دول الخليج بالصواريخ والمسيّرات، ورغم الصدمة النفطية من جراء إغلاقها مضيق هرمز، ومنع عبور نحو عشرين مليون برميل يومياً.

ترمب يعي هذه الخسائر وعندما سئل قال: «إن إسقاط نظام إيران أهم من سعر البترول»، مقامراً بشعبيّته وحظوظ حزبه نتيجة تأثر الاقتصاد الأميركي بتضاعف الأسعار. حتى الآن، ترمب يبدو مستعداً لإكمال الحرب حتى النصر، وقواته تشن عمليات تدمير يومية على أهداف للنظام حيوية.

تاريخياً، رأينا الولايات المتحدة تنسحب عندما تصبح الكلفة البشرية أو المادية عليها أعلى من النتائج المرجوة من الحرب. انسحبت من بعضها مثل فيتنام ولبنان وأفغانستان. وأكملت مهامها وانتصرت في بعضها مثل حرب تحرير الكويت، وهزمت الصرب في حرب البوسنة. وقبل ذلك انتصرت في الحرب العالمية الثانية، كما صمدت في الحرب الباردة حتى سقط الاتحاد السوفياتي. وإذا كانت قد انسحبت من أفغانستان وسلمت كابُل لـ«طالبان» فلا ننسى أن قواتها لا تزال تحمي سيول وترابط منذ 72 عاماً في مواجهة كوريا الشمالية. كل أزمة لها اعتباراتها.

السياسة تقوم على حساب المصالح، أرباحها وخسائرها. حرب ترمب على إيران أهم من غزو بوش الابن العراق وإسقاط نظام صدام. فهذه الحرب قد تحسم صراعاً طويلاً بين البلدين، ما يجعل احتمالات انسحاب الرئيس ترمب مستبعدة، وهو يرغب في تحقيق انتصار يسجل له في التاريخ.

قد لا تتحقق كل أهداف الحرب وتمتد إلى أشهر طويلة، وذلك في أسوأ الاحتمالات، هنا قد تغادر أساطيل الولايات المتحدة المنطقة ويستمر النظام يحكم طهران.

مر على الحرب 18 يوماً، حققت فيها واشنطن جزءاً كبيراً من أحد أهدافها، وهو إضعاف قدرات إيران العسكرية.

السؤال نفسه يوجّه للقيادة الإيرانية، هل خسائرها ستضطرها إلى أن تتخلى عن سياساتها العدوانية في المنطقة وترفع الراية البيضاء؟

إيران تعدّ نفسها في حرب بقاء وخطتها انتحارية. رهانها الوحيد أن تطيل أمد المعركة، طامعة في دعم خارجي ومدركة أن الاستسلام في هذه المرحلة قد يؤدي إلى سقوط النظام من الداخل.

ماذا عن وضع دول الخليج أمام سيناريو الانسحاب؟

المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج امتنعت عن الانخراط في الحرب لأنها ليست طرفاً في النزاع منذ البداية. فهي لم تشارك في أي من جولات المفاوضات الأخيرة، ولم تُستشر في الاتفاق النووي الشامل السابق. إضافة إلى أن الرياض سبق أن وقعت على اتفاق بكين الذي خفض حالة التوتر بين البلدين، مع أن طهران خرقت الاتفاق بهجماتها الأخيرة على الداخل السعودي.

الدول الخليجية ليست راغبة في خوض الحروب طالما أنها غير مضطرة لذلك، حتى مع الضغوط عليها مثل نداءات السيناتور ليندسي غراهام التي تطالبهم بدخول المعركة.

كذلك إيران، ففي الوقت التي ترسل آلاف الصواريخ والمسيّرات التي ضد كل دول الخليج، حافظت على لغة دبلوماسية مراوغة على لسان رئيسها ووزير خارجيته وأنها تستهدف ما تعدّها منشآت أميركية. مع أن ذلك كذب، حيث استهدفت مطارات وأحياء مدنية ومنشآت اقتصادية، فإن طهران تهيئ لتصحيح العلاقة معها للمرحلة التالية بعد توقف الحرب.

الشرق الأوسط


حرب الإخضاع والحسابات الخاطئة/ لمى قنوت

لم تبذل إدارة ترامب جهدًا واضحًا لتبرير عدوانها وإسرائيل على إيران، خلافًا لحملة البروباغندا الترويجية التي ساقتها إدارة جورج بوش (الابن) حول امتلاك العراق أسلحة دمار شامل كذريعة لغزوه واحتلاله، ثم، اعترفت بعدم وجودها لاحقًا. لقد بيّن تصريح وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، الذي لعب دور الوسيط في المفاوضات الأمريكية- الإيرانية، بأن المفاوضات أحرزت “اختراقًا” حول برنامج طهران النووي، وأنها، أي إيران، وافقت على التوقف عن تخزين اليورانيوم المخصب، مع تحقق “كامل وشامل” من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأمر الذي يعني أنها لن تمتلك أبدًا كميات كافية منه لصنع سلاح نووي، وستقوم إيران بخلط المخزونات الحالية إلى أدنى مستوى ممكن، وتحويلها إلى وقود، الأمر الذي اعتبره الوسيط العماني بأنه تنازل كبير، وتغيير عن الاتفاق النووي الإيراني في 2015، الذي انسحب منه ترامب في ولايته الأولى، وهو ما يتناقض مع تصريح ترامب، الذي سبق تصريح البوسعيدي بساعات، بأنه “غير راض” عن المفاوضات، وأن إيران “غير مستعدة لمنحنا ما نحتاج إليه”.

عمليًا، ما تريده الولايات المتحدة من النظام الإيراني هو استسلام غير مشروط، بالإضافة إلى مروحة من أهداف تنوعت خلال أيام الحرب، وأخرى تمت مناقشتها في أروقة القرار، كالسيطرة على جزيرة خرج، التي تعتبر شريان الحياة النفطية لإيران، في محاكاة لتكرار عدوانها على فنزويلا بعد خطف رئيسها مادورو وزوجته، والاستيلاء على نفط البلاد، وقد عبّر عن ذلك السيناتور ليندسي غراهام في تصريح لشبكة “فوكس نيوز”، في 8 من آذار الحالي، بأن “فنزويلا وإيران تمتلكان معًا 31% من احتياطيات النفط في العالم. سنقيم شراكة تتحكم في 31% من الاحتياطيات المعروفة، وهو كابوس للصين، واستثمار جيد”. وقد سبق أن عبّر ترامب مرارًا عن هذا المنطق الاستعماري، كتصريحاته بأن ترك نفط العراق للعراقيين كان خطأ ارتكبته الولايات المتحدة حين خرجت من العراق، ونعت من انتقد كلامه بالحمقى.

ينم سلوك وخطاب إدارة ترامب خلال حربها وإسرائيل على إيران بعدم فهم بنية النظام الإيراني، فهو مصمم وفق شبكة كثيفة من الهيئات والمؤسسات المتداخلة لتوفير المرونة، والقدرة على امتصاص الصدمات، وتجنب الانهيار وقت الأزمات، وهي دروس تعلمها القادة الإيرانيون من تاريخ بلادهم الحديث لتجنب الفراغ السياسي، فالفرضيات التي بنت عليها الإدارة الأمريكية وإسرائيل بأن “قطع الرأس” باغتيال المرشد وعدد من القادة سيؤدي إلى سقوط النظام أو ضعضعته، هو تقدير خاطئ، فالنظام قد يبدو بأنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأفراد، لكن بنيته تشكلت وفق ما تلخصه مقولة الخميني: “الحفاظ على الجمهورية الإسلامية أهم من الحفاظ على أي فرد، حتى لو كان ذلك الفرد إمام الزمان”، في إشارة إلى الإمام الثاني عشر لدى الشيعة، والملقب أيضًا بـ”المهدي المنتظر”.

إن انتخاب مجتبي خامنئي، القريب من “الحرس الثوري”، دليل آخر على سوء التقديرات الأمريكية، فإيران تخوض حربًا وجودية، وتظهر استعدادًا وتخطيطًا لها، فهي تستنزف خصميها، بالأسلحة المنخفضة التكاليف كطائرة “شاهد 136” التي يتراوح سعرها بين 20 ألفًا و50 ألف دولار، بينما تستخدم الولايات المتحدة أسلحة مرتفعة الثمن كصاروخ “باتريوت PAC-3” الاعتراضي الذي يقدّر سعره بنحو أربعة ملايين دولار، كما استخدمت إيران سلاح الطاقة، أحد أهم المحركات في الحرب، من خلال إدخال منشآت الطاقة حيز الاستهداف في دول الخليج، وإغلاق مضيق هرمز، والتهديد باستهداف الناقلات، كما تدرك إيران أيضًا أهمية الوقت بالنسبة للإدارة الأمريكية المقبلة على انتخابات نصفية للكونجرس في 3 من تشرين الثاني المقبل، حيث تواجه ارتفاعًا بأعداد الرافضين للحرب، كما تشير استطلاعات الرأي، وانقسامًا في التيار المحافظ وبضمنهم بعض أنصار ترامب من “حركة ماغا”، الذين يعتبرونها حرب نتنياهو بالدرجة الأولى، ولا تصب في مصلحة الأمن القومي الأمريكي، ومخالفة لوعود ترامب الانتخابية.

لا يملك ترامب خطة استراتيجية للحرب، ويتعامل مع تحدياتها ومخاطرها بالقطعة، فمثلًا، وفي ضوء أزمة الطاقة والإمدادات الحالية، ستستفيد موسكو من الضغط الحاصل على سوق النفط، بعد أن أعلن ترامب تخلي واشنطن عن بعض العقوبات المتعلقة بالنفط الروسي كوسيلة لضمان إمدادات نفطية كافية، وقد بدأ ذلك بإعفاء مؤقت لمدة 30 يومًا يتيح بيع النفط الروسي العالق حاليًا في البحر إلى الهند، وقد يسمح لاحقًا لبعض الدول بشراء النفط الروسي دون التعرض للعقوبات التي فرضتها واشنطن على قطاع الطاقة الروسي بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا عام .2022

لا تكتفي إدارة ترامب بتجاهل الأثر الذي تخلّفه الحرب على الشعب الإيراني، ودول المنطقة، وعلى الاقتصاد والأمن الدوليين، بل على العكس من ذلك، هناك تحريض أمريكي ضد السعودية ودول الخليج لعدم استعدادهم للانخراط عسكريًا في هذه الحرب، إذ هدد ليندسي غراهام السعودية بتحمل عواقب عدم المشاركة، بالمقابل، يدرك العديد من مسؤولي تلك الدول بأن الحرب الحالية ضد إيران هي حرب نتنياهو، وأن زعزعة الأمن وتفتيت إيران هدفه تسيّد إسرائيل المطلق على كامل المنطقة.

إن حربًا بدأت بقصف مدرسة ابتدائية للطفلات في مدينة ميناب الإيرانية بصواريخ توماهوك الأمريكية، ارتقى جراءها أكثر من 170 شخصًا، أغلبهم طفلات، وتحريض ودعم مجموعات عسكرية انفصالية لتفتيت الجغرافيا الإيرانية، واستدعاء رضا بهلوي ابن الدكتاتور السابق الذي قامت ضده الثورة الإيرانية، وتصديره على أنه وجه المعارضة الشعبية للنظام الثيوقراطي الإيراني الحالي المعادي للحريات، لا تنم إلا عن العقلية الاستعمارية التي لا تأبه بمصاير وإرادة الشعوب، وكيفما كانت مآلات حرب الإخضاع هذه، فإن الخاسر الأعظم هو الشعب الإيراني، الذي ثار ضد هذا النظام وقُمع مرات ومرات، ويتكبد اليوم الثمن الأكبر.
عنب بلدي


لا وقت للتذاكي خلال الحرب/ أرنست خوري
18 مارس 2026
الحذلقة والتذاكي آخر ما تحتاجه الحروب التي لا تترك لمتابعيها وضحاياها مزاجاً قابلاً لهضم المزاح الثقيل. والحذلقة كما التذاكي يمتهنهما في العادة الطرف الأضعف في المعركة، لأن الأقوى لا يحتاج إلى حيل عقلية ولا لغوية لتبرير مواصلة استعراض قوته. هو يفرض إرادته بالقتل والقصف والأوامر، وليس مضطرّاً إلى اختراع عالم مختيَّل غالباً ما يكون شيّده فعلاً، لكن قبل أن يشنّ الحرب، مثلما فعلت إدارة جورج بوش الابن لاحتلال العراق في مثل هذه الأيام قبل 23 عاماً بمبرّرات كاذبة، ومثلما صنع دونالد ترامب لتبرير شنّ الحرب على إيران قبل أسبوعين. والطرف الأقوى، الأميركي في هذه الحالة، بعد أن يكذب الأكذوبة التأسيسية، ينصرف إلى تحقيق الانتصارات العسكرية في انتظار ترجمتها سياسياً. أما الأضعف، إن كان فاقداً الحكمة والرؤية والصواب السياسي، على ما هو حال القيادة الإيرانية، فغالباً ما يراكم الأخطاء الاستراتيجية المميتة كجعل قصف بلدان الخليج هدفاً حربياً يسمو على إصابة البوارج الأميركية والأهداف الإسرائيلية، ثم اختراع خرافات لا تخفّ وطأتها إن حاول تطويقها بهامش ضئيل من العقلانية اللفظية.

ينطبق التوصيف أعلاه على قول وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في حواره مع “العربي الجديد” الأحد الماضي، إنّ طهران حصلت على معلومات تفيد بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تطلقان هجمات باتجاه دول عربية، وأن الأميركيين طوّروا طائرة مسيّرة مشابهة لـ”شاهد” الإيرانية سموها “لوكاس”، وتُستخدم لقصف دول عربية. أما هامش العقلانية اللفظية أو “خطّ العودة” الذي يحافظ عليه الوزير الإيراني، فيترجمه إغلاق سبقه الصحافي بعبارة “هذه المعلومات قيد الدراسة”، أي أن القيادة الإيرانية شبه واثقة من المعلومات التي وصلت إليها، ولكنها في سبيل المهنية والموضوعية، تمعن في دراستها.

ورواية قصف الحليف (الأميركي) حليفه (بلدان الخليج) مقتبسة من أدبيات عريقة للناطقين باسم المحور الذي تقوده طهران. لا بل إن أعداء القيادة الإيرانية يهوون قتل أنفسهم، كما كان يفعل السوريون حين يقصفون أنفسهم بالفوسفور والأسلحة الكيميائية، لتوريط النظام السوري وحزب الله وحكام طهران في المقتلة. ولطالما أخبرنا مردّدو الرواية الإيرانية في لبنان أن رفيق الحريري وبقية ضحايا الاغتيالات السياسية لسنوات 2005 وما بعدها قتلهم الإسرائيليون، لا النظام السوري ولا حزب الله ولا إيران. وفق المنطق نفسه، تقصف الولايات المتحدة هذه الأيام منشآت نفط وغاز وموانئ وفنادق ومطارات ومباني سكنية في بلدان هي حليفة رئيسية لها في الخليج العربي، لإلصاق التهمة بإيران وتسميم العلاقات الثنائية مثلما يخبرنا الوزير الإيراني. يريد إقناعنا أنه مع كل التطوّر التكنولوجي الذي نعرفه، كل الكوكب غافل عن أنّ من يقصف بلدان الخليج هو أميركا وربما إسرائيل، لا إيران. الأقمار الاصطناعية والمعلومات الاستخبارية والعقل والمنطق، جميعها يجهلها العالم إلا القيادة الإيرانية التي تعلم ما لا يدركه غيرها.

ربما وجب تعديل اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الهادفة إلى الحد من وحشية الحروب، عبر إدخال بنود عليها تفرض على المتحاربين احترام العقول وذكاء البشر. لو قال الوزير عراقجي إن صاحب قرار قصف بلدان الخليج هو الحرس الثوري، وإن ذلك يعكس كره النظام الإيراني جيرانه العرب لأسباب طائفية وسياسية وتاريخية وقومية، ولو أشار إلى أن أيديولوجيا نظامه تقوم على عقدة الذئب الذي يرى نفسه في حرب وجودية دائمة وسط أعداء لا حلّ إلا بالقضاء عليهم وإلا قضوا عليه، ولو جاهر بأن قصف بلدان الخليج لحظة انتظرتها قيادته طويلاً، منذ الحرب الإيرانية ــ العراقية ربما، ولو اعترف بأن قصف الجيران يترجم نظرة حكام طهران لشكل علاقات ما بعد الحرب في حال بقي النظام صامداً فوق الركام، لو قال هذا وغيره من دون مزحة أنّ الأميركيين يقصفون حلفاءهم العرب لتحريضهم على طهران، لنال احتراماً هو بأمسّ الحاجة إليه، حتى من ضحاياه، على صراحته على الأقل.

العربي الجديد


هل ورّط ترامب نفسه في حرب إيران؟/ مروان قبلان
18 مارس 2026
رغم محاولاته تقديم نفسه صانعاً للسلام، وادّعاءاته أنه أوقف ثماني حروب (أملًا في الحصول على جائزة نوبل التي يرى نفسه أحقّ بها من باراك أوباما)، لم يتمكّن دونالد ترامب من مقاومة إغراء الدخول في حربٍ قد تحدد مصير ما تبقى من ولايته. نزعة أن تكون لكل رئيس حربه تكاد تصبح تقليداً في السياسة الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية، بمن فيهم لدى الذين تعهدوا بوقف استنزاف قدرات الولايات المتحدة في حروب خارجية، مثل أوباما الذي انتهى به المطاف بتشكيل تحالف دولي، وإعلان الحرب على “دولة” تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية، في أثناء ولايته الثانية، بعدما كان خرج من المنطقة في ولايته الأولى.

كان للعامل الإسرائيلي، من دون شك، دورٌ مهمٌّ في دفع إدارة ترامب إلى الحرب مع إيران، خصوصاً وأن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، جعل من إسقاط النظام الإيراني هدفاً رئيساً لحياته السياسية، منذ كان نائباً لرئيس البعثة الإسرائيلية في واشنطن، ثم سفيراً لإسرائيل في الأمم المتحدة، في منتصف الثمانينيات. لكن جانبا آخر منها مرتبط بشدة بالمصالح الأميركية التي باتت ترى أن مستقبل الصراع في النظام الدولي سوف تحسمه السيطرة على المصادر الطبيعية، وفي مقدمتها الطاقة والمعادن النادرة، التي تشكل عماد صناعة التكنولوجيا (أشباه الموصلات خصوصا) وسباق الذكاء الاصطناعي. هناك عامل آخر لا يقل أهمية مرتبط بنرجسية ترامب ورغبته في أن يُشار إليه بأنه الرئيس الذي حل العقد العالقة في السياسة الأميركية منذ أيام الحرب الباردة، وفي مقدمتها، بطبيعة الحال، إيران وكوبا. وقد شجعه على ذلك “نجاحه” في حل عقدة فنزويلا.

العامل الأخير الذي تحكم بقرار ترامب بخصوص إيران إغراء “الضعف” الذي بدأ يلمسه في موقفها بعد عودته إلى الحكم. ومعروف عنه أنه يحترم القوة، ويتهيب مواجهتها، ويتراجع، من دون تردّد، في حال وجد مقاومة لسياساته. ولطالما عبّر ترامب عن إعجابه بمن يعدهم زعماء أقوياء، مثل الرؤساء، الروسي فلاديمير بوتين، والصيني شي جين بينغ، والكوري الشمالي كيم جونغ أون. كما أنه تراجع عن موقفه بخصوص السيطرة على غرينلاند عندما قرّر الأوروبيون مواجهته، وأمام الصين عندما ردّت عليه بشأن الرسوم الجمركية. وعليه، من الصعب تخيّل أن يورّط الرئيس ترامب نفسه في حرب مع إيران لو أنها ظلت بقوتها التي كانت عليها خلال ولايته الأولى (2017-2021). لكن الضربات التي تعرّضت لها مصادر القوة الإيرانية، بعد عملية طوفان الأقصى، بما فيها تدمير جزء كبير من قدرات حزب الله العسكرية في لبنان، وإخراجها من سورية بعد سقوط نظام الأسد (2024)، والضربات التي تلقّاها الحوثيون (ربيع 2025) وصولا إلى الحرب الإيرانية-الإسرائيلية الأولى، صيف العام نفسه، ثم الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران (ديسمبر/ كانون الأول 2025- يناير/ كانون الثاني 2026)، أغرت ترامب بشن حرب خاطفة على إيران بطريقة قطع الرأس (نسخة أكثر عنفاً من الطريقة الفنزويلية) تؤدّي إلى شل النظام ودفعه إلى الاستسلام من دون التورّط في حرب طويلة. وقد تشجّع ترامب لتنفيذ هذه الاستراتيجية عندما بلغه خبر الاجتماع الموسع الذي يعقده خامنئي مع كبار قياداته العسكرية والأمنية صباح 28 الشهر الماضي (فبراير/ شباط).

يفكر الرئيس ترامب، ويتصرّف، بطريقة صائد الجوائز الأميركي (Bounty Hunter) الذي يتحيّن الفرص للانقضاض على فريسته وانتزاع جائزته بأقل جهد ممكن. هكذا دخل الحرب الإسرائيلية- الإيرانية الصيف الماضي في يومها الأخير، ووجّه ضربة يتيمة للبرنامج النووي الإيراني، وخرج من دون التورّط في حرب طويلة معها، ظاناً أن هذا يكفي لجلبها إلى الطاولة وانتزاع نصره منها. هذا لم يحصل، فقرّر أن يوجه ضربة أقوى لها. لكن إيران لم تستسلم، بل ردّت بإغلاق مضيق هرمز، ما تسبب في مضاعفة أسعار النفط.

في غياب خيار الغزو البرّي، بدأ ترامب يدرك أن الحرب مع إيران لن تحسم بالضربة القاضية. هذا يعني أنه سيبحث، إذا طالت مقاومة إيران، عن مخرج لوقف الحرب، تليها مفاوضات جديدة، ثم جولة أخرى من القتال، إذا لم تتحقق شروطه، وهو ما لن تقبل به إيران، ما يعني أن ترامب قد ينزلق إلى ما كان يحاول كل الوقت تجنّبه في سنة انتخابية، قد تفضي إذا خسرها إلى محاولة عزله في الكونغرس.


شرق أوسط جديد يتكوّن تحت نار الصراعات/ زكريا ملاحفجي
2026.03.18
تشهد منطقة الشرق الأوسط اليوم مرحلة شديدة الحساسية من تاريخها السياسي، مرحلة تتعرض فيها التوازنات التقليدية التي حكمت الإقليم لعقود طويلة لاهتزاز عميق. فالتصعيد المتزايد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم يعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل بات يشير إلى تحول أوسع قد يعيد صياغة بنية النظام الإقليمي بكامله.

وفي ظل هذا المشهد المتغير، تبرز أسئلة جوهرية: من يملك القدرة على توجيه مسار الأحداث؟ ومن سيحدد ملامح الخريطة السياسية والأمنية المقبلة؟ وما هو موقع الدول العربية في هذه المعادلة المعقدة؟

إن الشكل السياسي لدول الخليج العربية تشكّل، إلى حد بعيد، خلال الحقبة الاستعمارية البريطانية قبل نحو قرن، ثم استقر نسبياً لعقود طويلة. لكن التحولات الكبرى التي أعقبت غزو العراق للكويت عام 1990 أدت إلى توسع الوجود العسكري الأميركي في المنطقة عبر شبكة واسعة من القواعد العسكرية في دول مجلس التعاون الخليجي. واليوم، يبدو أن هذه البنية الأمنية نفسها أصبحت جزءاً من التوتر الإقليمي المتصاعد، خاصة مع تصاعد الدعوات داخل إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، لتوجيه ضربة قاصمة لإيران بهدف تقليص نفوذها الإقليمي وترسيخ تفوق إسرائيل في الشرق الأوسط.

ما يحدث حالياً يتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، فهو يعكس عملية إعادة ترتيب بطيئة ومعقدة لموازين القوى في المنطقة. فالقواعد التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وكذلك الترتيبات التي نشأت بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، لم تعد قادرة على ضبط الإيقاع الإقليمي كما في السابق. بدلاً من ذلك، نشهد نمطاً جديداً من الصراعات يقوم على الحروب غير المباشرة، والضربات المحدودة، وتبادل الرسائل العسكرية من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

سياسياً، بدأت التحالفات التقليدية تشهد تغيرات ملحوظة. فالدول التي كانت تنتمي بوضوح إلى محاور محددة أصبحت تميل أكثر إلى إعادة حساباتها وفق منطق المصالح الوطنية المباشرة، بدلاً من الالتزام الصارم بالتحالفات القديمة. بعض دول الخليج، على سبيل المثال، لم تعد تنظر إلى الصراع الإيراني–الأميركي بالطريقة ذاتها التي سادت خلال العقدين الماضيين. فهي، من ناحية، تشعر بالقلق من توسع النفوذ الإيراني في المنطقة، لكنها، في الوقت نفسه، تخشى أن تتحول أراضيها واقتصاداتها إلى ساحة مواجهة بين القوى الكبرى، خاصة وأن الوجود العسكري الأميركي لم يعد يُنظر إليه كضمانة مطلقة للاستقرار كما كان في السابق.

في المقابل، تسعى إيران إلى الحفاظ على شبكة نفوذها الإقليمي التي بنتها على مدى سنوات طويلة، مستندة إلى مجموعة متنوعة من الأدوات تشمل التحالفات السياسية والقوى العسكرية غير التقليدية، إضافة إلى قدرتها على إدارة صراعات منخفضة الحدة في أكثر من ساحة. أما الولايات المتحدة، فتبدو وكأنها تحاول إدارة التوتر بطريقة دقيقة، تجمع بين الرغبة في احتواء النفوذ الإيراني، وبين الحرص على عدم الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة قد تكون مكلفة سياسياً واقتصادياً، خاصة في ظل التحديات الدولية الأخرى المرتبطة بالصعود الاقتصادي للصين وتوازنات التجارة العالمية.

وفي قلب هذه المعادلة يبرز مفهوم الردع، الذي شكّل لعقود طويلة أحد أعمدة الاستقرار النسبي في الشرق الأوسط. غير أن الواقع الحالي يشير إلى أن هذا المفهوم لم يعد يعمل بالكفاءة ذاتها. فالهجمات المحدودة والضربات المتبادلة أصبحت جزءاً من قواعد اشتباك جديدة تسمح للأطراف بإظهار القوة وإرسال الرسائل دون الوصول إلى مرحلة الحرب الشاملة.

كما يطرح المشهد سؤالاً آخر يتعلق بمن يتحكم بإيقاع التصعيد في المنطقة. فالصراع لم يعد حكراً على إرادة دولة واحدة، بل تحكمه شبكة معقدة من القوى الدولية والإقليمية. صحيح أن الولايات المتحدة ما تزال تمتلك القوة العسكرية الأكبر، إلا أن قدرتها على إدارة مسار الأحداث بشكل كامل تراجعت مقارنة بما كانت عليه قبل عقدين. وفي المقابل، برزت قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين كلاعبين مؤثرين في التوازنات العالمية، حتى وإن كان حضورهما في الصراع الحالي غير مباشر.

في هذا السياق، تكتسب التطورات أهمية خاصة بالنسبة لسوريا. فقد كانت البلاد، خلال العقد الماضي، إحدى الساحات الرئيسية للتنافس الإقليمي والدولي، وما يحدث اليوم قد يعيد تحديد موقعها في الخريطة الجيوسياسية للمنطقة. فمع تراجع حدة المواجهات العسكرية داخل الأراضي السورية نسبياً، أصبحت سوريا جزءاً من معادلة التوازن بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. وأي تصعيد كبير بين هذه الأطراف قد يعيد تحويل الأراضي السورية إلى ساحة لتبادل الرسائل العسكرية.

اقتصادياً، تواجه المنطقة تحديات كبيرة أيضاً. فالشرق الأوسط يشكل مركزاً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية، وتتركز فيه ممرات بحرية شديدة الأهمية مثل مضيق هرمز، والبحر الأحمر، وشرق المتوسط. وأي اضطراب كبير في هذه الممرات قد ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة العالمية، ويرفع أسعار النفط والغاز، ويؤدي إلى ضغوط اقتصادية على الدول المستوردة للطاقة.

أما الدول العربية، فستتأثر بهذه التطورات على أكثر من مستوى. فارتفاع تكاليف الطاقة والنقل البحري قد يؤدي إلى زيادة أسعار الاستيراد، ما يضع ضغوطاً إضافية على الاقتصادات الهشة في المنطقة. وفي مثل هذه الظروف، غالباً ما يعيد اقتصاد الحرب توزيع موازين القوة الاقتصادية، حيث تستفيد بعض الدول المنتجة للطاقة من ارتفاع الأسعار، في حين تتحمل دول أخرى عبء الأزمة.

المستقبل الذي يتشكل اليوم في الشرق الأوسط لن يحدد فقط علاقات القوى بين الدول، بل سيؤثر أيضاً في مصير المجتمعات التي تعيش في قلب هذه الجغرافيا المضطربة.

إقليمياً، تقف عدة دول في مواقع حساسة ضمن هذه المعادلة. لبنان، على سبيل المثال، يعيش حالة من التوتر الدائم نتيجة للتداخل بين الانقسامات الداخلية والضغوط الإقليمية. أما دول الخليج، فهي تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، ورغبتها في تجنب الانخراط المباشر في صراع قد يهدد استقرارها الاقتصادي.

ورغم كل هذه التحولات، تبقى القضية الفلسطينية حاضرة في خلفية المشهد الإقليمي. فقد تبدو أحياناً وكأنها تتراجع في ظل الصراعات الكبرى، لكن كثيراً من التوترات في المنطقة ما يزال مرتبطاً، بشكل مباشر أو غير مباشر، بمستقبل فلسطين وبالتوازنات السياسية المحيطة بها.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبرز تساؤل مهم حول ما إذا كانت التحولات الحالية ستعيد وضع القضية الفلسطينية في قلب النظام الإقليمي الجديد، أم أنها ستبقى مؤجلة في ظل الأولويات الأمنية للدول المختلفة.

في النهاية، يبدو الشرق الأوسط وكأنه يقف أمام منعطف تاريخي حاسم. فالتصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لا يمثل مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل اختباراً حقيقياً لطبيعة النظام الإقليمي ومستقبله. قد تنتهي هذه المرحلة بإعادة رسم خطوط النفوذ وبلورة توازنات جديدة، أو قد تستمر حالة السيولة وعدم الاستقرار لسنوات قبل أن يتشكل نظام إقليمي مختلف.

أما بالنسبة لسوريا، فإن التحدي الأكبر يتمثل في كيفية التعامل مع هذه التحولات من دون أن تتحول البلاد مرة أخرى إلى ساحة صراع مفتوحة بين القوى المتنافسة، خاصة في ظل مؤشرات على محاولات دفعها إلى الانخراط في صراعات إقليمية جديدة، سواء عبر ملف حزب الله أو عبر التطورات المتسارعة في العراق.

فالمستقبل الذي يتشكل اليوم في الشرق الأوسط لن يحدد فقط علاقات القوى بين الدول، بل سيؤثر أيضاً في مصير المجتمعات التي تعيش في قلب هذه الجغرافيا المضطربة.
تلفزيون سوريا


تخبُّط دونالد ترامب في حربه على إيران/ جلبير الأشقر
لقد اجتاز دونالد ترامب حدوداً باتت لا تُحصى في ممارسته للرئاسة، إذ إن الرجل من طرازٍ لم يكن في وسع أي روائي أن يتخيّل وصول مثله إلى البيت الأبيض، وذلك من حيث نرجسيته المرَضية وسلوكه السلطوي المتعارض مع تقاليد الحكم في الولايات المتحدة، لاسيما في طعنه العميق في الفصل بين السلطات الثلاث، ناهيك من هجومه المستمرّ على «السلطة الرابعة»، أي الإعلام. وما هو أسوأ وأخطر بعد مما سبق أن ترامب ينقصه الحد الأدنى من الفطنة والتوازن الضروريين في تولّي الحكم من على سدة أعظم القوى الدولية. وحيث تمكّن من ضبطه خلال ولايته الأولى أعوانٌ من الطراز التقليدي، عاد إلى البيت الأبيض بعنجهية فائقة إثر فوزه الانتخابي الذي فاق فوزه الأول، فحرص على تعيين من هم على شاكلته في إدارته، ومنهم بيتر هيغسيث، وزير الحرب (يصرّ الأخير هو نفسه على تسمية منصبه هكذا عوضاً عن «وزير الدفاع»، وهو على حق في ذلك بلا شك!).
والحال أن ترامب ووزيره أسكرهما نجاح العملية التي أشرفا عليها إزاء فنزويلا، والتي فاقت سهولتها كافة التوقعات، بما فيها توقعاتهما، فظنّا أن تكرارها في إيران ممكنٌ، بل أكيد. بيد أن حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر، حيث اختلفت الظروف تماماً بين ما أمكن أخذه في الحسبان في كلٍ من البلدين. ففي فنزويلا، تبيّن أن إدارة ترامب كانت على صلة ببعض أهل الحكم، بدءاً بنائبة الرئيس مادورو، التي تولّت الرئاسة بالنيابة عنه إثر اختطافه من قِبل القوات الأمريكية، وقد جرى ذلك الاختطاف من خلال عملية قرصنة دولية تمّت وفق الخطة التي وُضعت لها، بلا إشكالات تُذكر. فإن إزاحة الرئيس الفنزويلي من المشهد، مصحوبة بضغط عسكري تجلّى في عمليات قصف لجملة من الزوارق في محيط البلد، وبتهديد بفرض حصار بحري خانق عليه، أدّت إلى «تغيير نهج النظام»، وهو ما سعى إليه ترامب خلافاً لـ«تغيير النظام» الذي رأى فشلَه في تحقيق المصلحة الأمريكية في العراق (أنظر «لا… لم يتبنّ ترامب سياسة تغيير النظام»، القدس العربي، 6/1/2026).
أما في إيران، فكان جلياً أنه ليس لدى إدارة ترامب من اتفاقات سرّية مع أي من أهل الحكم النافذين، الذين بمقدورهم تغيير توجّه النظام. وفي هذه الحال، فإن الظنّ أن القضاء على رأس هرم السلطة الإيرانية، أي «المرشد الأعلى»، مثلما جرت إزاحة رأس هرم السلطة في فنزويلا، مصحوباً بضغط عسكري بالغ العنف وبتهديد بالمزيد، الظنّ أن هذين العاملَين كفيلان بجرّ طهران إلى تلبية شهوات واشنطن، إنما كان بكل وضوح «من باب التمنّي، وليس من باب اليقين مثلما كان في فنزويلا» كما سبق وذكرنا (أنظر «ما هي غاية ترامب في إيران؟»، القدس العربي، 3/3/2026). والتمنّي هنا كناية عن إسقاطٍ للرغبات على الواقع.
فإذ بترامب ورجال إدارته يتصرّفان بتخبّط قلّ مثيله على رأس قوة عظمى، وقد بلغ سلوكهم حداً أقصى من العشوائية بغياب أي خطة جليّة، بل أي تحديد لشروط النصر سوى السيناريو الأفضل، وهو تحقيق الغاية القصوى في تغيير نهج النظام، بغياب أي تحديد لغاية أدنى وأسهل منالاً وبدون أي استعداد للسيناريو الأسوأ، كما ينبغي على أي تخطيط حكيم لعملية حربية ما أن يأخذ بعين الاعتبار. وقد بات ترامب ورجال إدارته يواجهون خيارين لا ثالث لهما، فإما أن يواصلوا تصعيد العدوان بما يؤدّي إلى تصاعد الاحتجاج الدولي، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة بالذات، وفي صفوف مؤيدي ترامب أنفسهم، أو يقبلون بفشل العدوان، ولو حاولوا تغليفه بنصر مزعوم لن ينطلي على أحد. لهذا السبب الأخير، يصعب على ترامب أن يوقف العدوان والأمور على ما هي اليوم، ويعلن أن «المهمة أنجِزت» مثلما أعلن جورج دبليو بوش على متن حاملة طائرات أمريكية بعد إتمام احتلال قواته للعراق في عام 2003. وقد ارتدّ إعلان بوش ضدّه وغدا محطّ سخرية مع تعثّر الاحتلال. لذا سوف يحتاج ترامب في حد أدنى إلى «إنجاز» جديد في حربه على إيران، سواء تعلّق باليورانيوم أو بقطع رؤوس جديدة من رؤوس النظام (بمعونة حليفه الإسرائيلي المختص في شؤون الاغتيال)، كي يعلن بدوره أن «المهمة أنجِزت».
في المقابل، لم ينفكّ الحكم الإيراني يواجه خيارين لا ثالث لهما. فإما أن يواصل رفضه الصارم للشروط الأمريكية المتعلقة بتخصيب اليورانيوم وصناعة الصواريخ البالستية، وقد أضاف الآن شروطاً غير واقعية لوقف الحرب من جانبه، منها أن يتقاضى تعويضاً عن الأضرار التي ألحقها العدوان بإيران، ومنها أن يحصل على ضمانات دولية بأنه لن يتعرّض لعدوان جديد في المستقبل. أو أن يستسلم، ويقبل بشروط ترامب، ويدشّن مرحلة تعاون معه على غرار ما حصل في فنزويلا. ولا شيء على الإطلاق يوحي اليوم بإمكان حصول السيناريو الثاني. فإن الخلاصة من ذلك أننا قادمون على الأرجح على أيام بالغة الحرارة عسكرياً في منطقة الخليج، إلّا إذا فاجأنا ترامب مرة أخرى بإحدى نزواته. هذا وناهيك من حال لبنان، حيث تصعّد الدولة الصهيونية حربها الفتّاكة الرامية إلى تجريد «حزب الله» من السلاح، وقد أعلنت فك الارتباط بين حربها هذه ومشاركتها في الحرب الأمريكية على إيران.

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان
القدس العربي


حريق وضيق ومضيق/ غازي العريضي
17 مارس 2026
يصرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إطلاق تصريحات متتالية يؤكّد فيها “هزيمة إيران وتدميرها بشكل كامل اقتصادياً وعسكرياً”، وأنه “سيجمع العالم على الوئام والأمن والسلام الدائم”، في وقت تتوسّع فيه دائرة الحرب، وتكاد تتحوّل إلى حرب عالمية رغم تردّد عدد كبير من زعماء العالم في الدخول فيها، لكن الإدارة الأميركية تريد توريط الجميع، بعد أن تورّطت مع إسرائيل في حربٍ غير محسوبة نتائجها.
داخل الإدارة الأميركية ثمة من يبدي قلقه من التناقض في التصريحات، والتسرّع في الخطوات. وفي الكونغرس ومجلس الشيوخ أصوات تحذّر من “فقدان السيطرة على الحرب وسوء تقدير ترامب قدرة إيران على الردّ، والمنطقة مشتعلة”، بحسب السيناتور كريس مورفي. ويؤكّد السيناتور ريتشارد بلومنتال “الأهداف الأميركية لن تتحقّق من دون قوات برّية داخل إيران”، ولا اتفاق على هذه الخطوة داخل الإدارة، ويطلق مسؤولون عسكريون وأمنيون سابقون تحذيراتٍ من “الحرب غير المدروسة”، ويضجّ الإعلام الأميركي بانتقادات لا تتوقّف لتهوّر الرئيس و”استعجاله في إعلان هزيمة إيران”، مستندين إلى تقارير استخباراتية أميركية تشير إلى “تماسك القيادة الإيرانية إلى حدّ كبير وليست معرّضة للانهيار في وقت قريب”.

فخرج مستشار ترامب لشؤون العملات المشفّرة والذكاء الاصطناعي ديفيد ساكس بتصريح يعلن فيه: “هذا هو الوقت المناسب لإعلان النصر والخروج من العمليات ضدّ إيران بعملية تفاوضية تؤدّي إلى خفض التصعيد. لم نقل إن أهدافنا تغيير النظام، واستمرار التصعيد من دون نتائج إيجابية قد يدفع الجميع إلى طريق مسدود”. لذلك يجب التفكير في التهدئة وفتح باب التفاوض مع طهران لإنهاء الصراع. وحول تغيير النظام، فالمواقف التي صدرت من ترامب، نزولاً إلى مسؤولين ومساعدين له، كانت متناقضة، وبالتالي يحمل كلام ساكس دلالات كثيرة عن التخبّط والفوضى والضياع، الأمر الذي دفع ترامب إلى القول: “إن إيران تسعى لصفقة، ولا أرغب في إتمامها الآن لأن الشروط المطروحة ليست جيّدة بما فيه الكفاية”. فردّت ابنة شقيقه: “إنه رجل أحمق وفاسد تسبّب بكارثة”.
هذا كله في مكان، وقضية مضيق هرمز في مكان آخر. هنا يمكن القول إن ترامب في ضيق أمام المضيق، وهرمز يرمز. أعلن وزير الطاقة في حكومة نتنياهو أن “السفن الأميركية سترافق السفن المحمّلة بالوقود لعبور المضيق”، ثم عاد وسحب تصريحه، وصدرت مواقف رسمية أميركية تقول: “لن تكون المرافقة ممكنة إلا بعد استقرار الوضع العسكري”، ما الموجب لها في مثل هذه الحالة؟ ثم دعا ترامب شخصياً الدول المعنية بنقل النفط عبر المضيق إلى المبادرة للعبور. فردّت اليابان؛ حليفة أميركا، بالقول: “نحن نقرّر ماذا نفعل ولا ننصاع لأوامر ترامب”. هذا توريط طبعاً لتلك الدول التي بينها من تتعامل إيران معها إيجاباً، وأخرى تنتظر. وهذا فشل وفضيحة كبرى مع تفاقم أزمة ارتفاع أسعار النفط العالمية وتعرّض منطقة الخليج للقصف والتهديد بقصف المنشآت الأميركية في المنطقة، كما هدّدت إيران في حال استهداف منشآتها النفطية، وانعكاس ذلك كلّه على الوضع الاقتصادي المالي المعيشي في أميركا وغيرها، ما سيعرّض ترامب لمواجهات صعبة في ظلّ إصرار إيران على إبقاء مفاتيح هرمز في يديها. هي تتعامل مع الحرب على أساس أنها حرب مصيرية وجودية في وجه الشراكة الإسرائيلية – الأميركية التي لن تقف عند حدود إسقاط النظام، وصدمت إيران إسرائيل أيضاً بحجم ردّها عليها، فأحدثت دماراً كبيراً في الداخل الإسرائيلي وقلقاً، وأطلقت ذراعها اللبنانية (حزب الله) للعمل وفق خطّة معدّة سلفاً تقضي بإطلاق متزامن للصواريخ من لبنان وإيران ضدّ إسرائيل، التي ارتفعت فيها أصوات تطرح تساؤلات حول انكشاف الأجواء أمام الصواريخ الإيرانية النوعية التي وصلت إلى المناطق كلّها تقريباً، وحجم الدمار الذي خلّفته، والإصرار الإيراني على استكمال الحرب ورفض التفاوض ووقف إطلاق النار إلا بعد التعهّد “بدفع التعويضات اللازمة لها، وضمان عدم تجدّد الحرب وربط الاتفاق بلبنان”، بمعنى ألا يستفرد حزب الله فيه، فتتوقّف الحرب ضدّها وتستكمل ضدّه.
أميركا ترامب تعتبر أنها دمّرت إيران اقتصادياً وعسكرياً كما ذكرنا. وإيران تهدّد بتوسيع دائرة الحرب واستهداف كلّ موقع في المنطقة تطلق منه النار ضدّها، أيّاً تكن نوعية الموقع. إذا استهدفت الكهرباء سيعمّ الظلام في المنطقة، وإذا استهدفت مياه التحلية فلن تكون مياه عذبة لدى أحد، وإذا ضربت المنشآت النفطية سيكون حريق شامل في المنطقة، وإذا استهدفت الكابلات البحرية فلن يبقى كابل يعمل.
بدأ الإعلام الأميركي يتعرّض لضغوط وتهديدات بالعقوبات، بمعنى سحب تراخيص البثّ، كما أعلن المسؤول عنها في إدارة ترامب برندن كار، والتهمة “الخداع وتشويه الأخبار”. وترامب يهاجم إعلاميين ومؤسّسات إعلامية ويحذّر المراسلين والمعلّقين، الذين سخر بعضهم من ترامب عندما سمعوا رئيس أوكرانيا فلوديمير زيلينسكي يقول: “اتصلت بنا أميركا عدّة مرّات للحصول على دعمنا في الشرق الأوسط”.
العرب واقعون في دائرة النار عاجزين عن فعل أيّ شيء. الكل يقول: “سنرّد في الوقت المناسب”، ولم يأتِ الوقت بعد. ويتناوبون على القول: “نؤيّد دولة بالإجراءات التي تتخذها لمواجهة العدوان الإيراني”. هذا العدوان مستمرّ ولا إجراءات. هم في دائرة هذه اللعبة الكُبرى، ولا شيء مستغرباً هنا بسبب سوء التقدير والتدبير في إدارة شؤونهم وتقرير مصيرهم وحماية مصالحهم وثرواتهم، والأميركي لا يتردّد في الحديث علناً عن استهدافها وشهوته المفتوحة للاستيلاء على مال العرب: “هم أغنياء لديهم أموال هائلة”، كما يكرر ترامب.
عندما استهدفت دولة قطر في نهاية الحرب السابقة بين إسرائيل وأميركا من جهة، وإيران من جهة ثانية، في يونيو/ حزيران الماضي، عُقدت قمّة عربية، وأكّد العرب تمسّكهم بمعاهدة الدفاع العربي المشترك وتفعيلها، وشُكّلت لجان لبحث وسائل الردّ. فلا معاهدة، ولا معاهدون ومتعهّدون، ولا شيء مشتركاً بينهم للأسف. والكارثة ستكون كبيرة. ثمّة فواتير هائلة ستدفع في الأسابيع والأشهر المقبلة ثمناً لهذه الحرب، والمنطقة مقبلة مع استمرارها على حريق شامل، وظلام كامل، وفق التهديدات المتبادلة المعلَنة.

الحرب الحالية هي حرب الحروب: دينية، مذهبية، قومية، نفطية، مائية، ثروات معدنية، مصرفية، موانئ، اقتصادية، ممرّات ومضائق، حركة نقل، اتصالات فضائية وكابلات بحرية، بنى تحتية، ثقافية، حضارية. وقد أُصيبت صروح تاريخية تعود إلى آلاف السنين، والحبل على الجرّار. لسنا أمام حلول مرتقبة. ربما تكون تسويات مرحلية. الذهنيات الحاكمة هنا وهناك مشحونة بآلاف السنين من النظريات والأفكار الدينية والعقائدية والإيمانية التي لا تتزحزح. أصحابها يتصرّفون وكأنهم وكلاء الله على الأرض. يفعلون ما يفعلونه باسمه. هم مكلّفون إلهياً بإتمام رسالته، وتحت هذا العنوان يتم التكفير والقتل والإبادة والتهجير.
لسنا أمام قادة كبار عرفناهم في الحروب العالمية التي كلّفت كثيراً، لكنهم تمكنوا من الوصول إلى تفاهمات وتسويات وتحالفات وتقاسمات وتوافقات. الموجودون الآن كلّ واحد “ملاك” وعلى الأرض الهلاك. أميركا تتصرّف على أساس أنها الأقوى في العالم، لا تهتز، قادرة على لملمة خسائرها واستيعابها. وإسرائيل تتصرّف على أنها الدولة الأقوى في المنطقة وستتوسّع. وإيران تتعامل معهما على أنها لن تُهزم. والعرب صواريخ فوق رؤوسهم، وغواصات في قعر بحارهم، وأعماق آبارهم مهدّدة، وثرواتهم مبدّدة، وحسابات مفتوحة للتصفية من اليمن إلى السودان والصومال وليبيا، ولا أحد يتحدّث عن غزّة واستباحة الضفة والتهديد الإسرائيلي المفتوح. إنها صورة سوداء سيكتب التاريخ عنها لاحقاً. لا يبدو أن ثمّة من يريد أن يتعلّم من ذلك كلّه.

العربي الجديد


هل تستطيع واشنطن تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز بالقوة العسكرية؟/ محمد البديوي
18 مارس 2026
مع رفض حلفاء الولايات المتحدة، المشاركة في استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، تتصاعد احتمالية شنّ هجوم بري أميركي على إيران؛ ورغم تأكيد الرئيس دونالد ترامب أنه نجح في تدمير قدراتها العسكرية، سيستمر في هذه الحرب لحين تحقيق المهمة بحسب تصريحاته. غير أن هذه العملية قد تمرّ بمخاطر، مع تساؤلات عن مدى قدرة الولايات المتحدة على فتح مضيق هرمز باستخدام القدرة العسكرية فقط.

ووصف الخبير والمحلل العسكري جاسون إتش كامبل، والزميل بمعهد الشرق الأوسط في العاصمة واشنطن، في حديث لـ”العربي الجديد” ما يجري في المنطقة بأنه “يكشف فوضى التحرك الأميركي”. وأرجع كامبل سبب فشل محاولات تشكيل تحالف دولي سريع بدءاً بأعضاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) ثم الصين لفرض مرور آمن عبر المضيق، إلى أنها تتم في “حالة من التسرع والفوضى، من دون استراتيجية شاملة أو خطة واضحة يمكن تسويقها للشركاء”، مضيفاً أن هذا “يجعل من الصعوبة سياسياً على هذه الدول الموافقة على الانضمام إلى مبادرة غير محددة المعالم والتفاصيل بشكل شامل وكاف”.
وحدة مشاة البحرية: ضخمة لاستعادة اليورانيوم وصغيرة لاحتلال خارج

ووصف الخبير الأميركي احتمالية إرسال قوات برية أميركية إلى إيران بأنها “مقلقة للغاية”، لأن “وحدة مشاة البحرية الاستكشافية التي قيل إنها في طريقها إلى المنطقة ضخمة جداً لعملية ميدانية دقيقة، وفي الوقت ذاته صغيرة جداً لاحتلال جزيرة صغيرة في الخليج مثل خارج”. وقال في هذا السياق “هذه القوات ضخمة للغاية، بحيث لا تتناسب مع طبيعة العمليات الميدانية الدقيقة، كما أن هذا النوع من المهام يقع خارج نطاق تخصصها الأساسي، فهي ليست مؤهلة لتنفيذ ضربات دقيقة ومحددة للغاية مماثلة لتلك التي تنفذها عادة قوات العمليات الخاصة، التي تتوجه إلى موقع ما، وذلك في حال تحديد موقع اليورانيوم عالي التخصيب وتقوم بالاستيلاء على المواد المستهدفة، والعودة بها سالمة. هم أيضاً أصغر حجماً من أن يتمكنوا من البدء في السيطرة على بعض الجزر، وتحديداً جزيرة خارج أو الجزر الصغيرة الواقعة في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز”.

تقارير دولية

توجس ألماني من فخ مساندة ترامب في مضيق هرمز
وأضاف نقلاً عن نقاش مع قائد سابق لقوات المشاة البحرية في القيادة المركزية الأميركية، قوله إن “السيطرة على جزيرة خارج تتطلب لواء كاملاً إن لم يكن اثنين أو ثلاثة على الأقل، بينما الوحدة الاستكشافية بحجم كتيبة تقريباً، بما يعادل ثلث لواء إلى نصفه”. وقال: “القوة المرسلة ليست كبيرة أو مجهزة بما يكفي لتتمكن من الصمود وتأمين منطقة جغرافية واسعة مثل جزيرة خارج لفترة زمنية طويلة. هم لا يزالون في طريقهم إلى هناك، ولم يُكشف بعد عن المهمة التي سيقومون بها، أو ما إذا كانت هناك مهمة محددة من الأساس. وقد يكون هذا التحرك مجرد محاولة أخرى من جانب الرئيس ترامب للضغط على الإيرانيين، ومحاولة إجبارهم على القبول بنوع من الاتفاق، أو إبداء الاستعداد لإعادة فتح المضيق أمام حركة الملاحة”.

السيطرة على جزيرة خارج لا تضمن عودة الملاحة

إلى ذلك، يرى كامبل أنه حتى في حالة السيطرة على جزيرة خارج، لا يوجد ضمان لفتح مضيق هرمز بالكامل، بسبب امتلاك إيران سواحل طويلة وطائرات مسيّرة وقدرات صاروخية إضافة إلى التضاريس الجبلية.

وأوضح أن “إيران لا تحتاج إلى إغراق كل شيء، بل مجرد رفع المخاطر بما يكفي لرفض أصحاب السفن التجارية المرور، خوفاً من الهجمات”. وشرح في هذا الصدد “حسناً لقد سيطرت الآن على الجزيرة، ولكن ماذا بعد؟ وهل سيؤدي ذلك إلى فتح المضيق؟ في الواقع، لن يحدث ذلك، لأنك تواجه شريطاً ساحلياً طويلاً جداً هناك، ولا تزال إيران تمتلك القدرات التي تمكنها من تهديد حركة الملاحة البحرية. كما أنهم ليسوا في حاجة إلى إحداث مجازر أو دمار شامل لكي ينجحوا في منع بعض هذه السفن التجارية وسفن الشركات الخاصة من تحمل مخاطرة العبور عبر مضيق لم يعد مفتوحاً وآمناً بالكامل”.
فتح مضيق هرمز عسكرياً.. يستلزم غزواً برياً كبيراً

وعن مدى قدرة واشنطن بالفعل على فتح مضيق هرمز من دون مشاركة الحلفاء أو بالسيطرة على جزيرة خارج بالقوة، أكد كامبل أن المشكلة ليست عسكرية بحتة، وأن ضمان المرور الآمن عبر المضيق عسكرياً يتطلب غزواً كبيراً ووجوداً دائماً على الجانب الإيراني من المضيق، مضيفاً أنه “أمر غير واقعي في الظروف الحالية”. وقال “لا أعتقد أن هذه المشكلة ذات طابع عسكري بحت. بل إنك تشهد الآن تحركات عدد من الدول الأخرى تحاول التواصل مع إيران لضمان مرورها الآمن عبر مضيق هرمز”.

وتابع المحلل العسكري: “أعتقد أنه بالنسبة للولايات المتحدة ولكي تتمكن من خلال القدرة الفعلية، وبكل جدية من ضمان المرور الآمن عبر مضيق هرمز عسكرياً، فإن ذلك سيتطلب عملية غزو كبيرة جداً، بحيث يكون هناك وجود عسكري على الجانب الإيراني من المضيق، وتكون لدى واشنطن بالتالي القدرة على الدفاع، ليس فقط عن القوات نفسها، بل وعن الممر المائي أيضاً في مواجهة أي مقذوفات أخرى قد تطلقها إيران”.

وانتقد كامبل، الذي عمل في مكتب وزير الدفاع في الإدارة الأولى لترامب بشدة أسلوب الرئيس في التعامل مع الحلفاء التقليديين. وقال “تذكر أن ترامب قضى السنة الأولى من إدارته يهدد ويسخر من أعضاء الناتو، ويتحدث عن ضم غرينلاند، ويهاجم الدنماركيين بسبب دورهم الذي وصفه بالمحدود في أفغانستان، والآن بعد ثلاثة أسابيع فقط من حرب بدأها ولا تسير على ما يرام، يبحث عن حلفاء وشركاء”، مشدداً على أنه في الحروب “يجب بناء التحالف أولاً ثم خوض الحرب، لا أن تبدأ الحرب ثم تحاول جمع تحالف عندما تسوء الأمور”. ورأى كامبل أن ترامب يعيش في واقع مغاير لحقيقة الواقع الذي نعيشه، مبيناً أنه “في بعض الأحيان لا يسعك إلا التفكير أنه يعيش في واقع مغاير”، مشيراً إلى تقارير عن تردد مسؤولين في إدارته في إبلاغه أخباراً سيئة خوفاً من ردات فعله الغاضبة.

وعن تهديد ترامب باتخاذ قرار في ما يخص حلف الناتو بعد تأكيده خيبة أمله، قال “عملت على ملف أفغانستان، وأيضاً في ملف حلف الناتو، يبدو أن ترامب يحمل وجهة نظر مشوهة نوعاً ما تجاه ما هو حلف الناتو، وما هي آلية عمله؟ وكيف ساعد الولايات المتحدة؟ بالتأكيد، هو لا يمتلك التقدير الكافي لما يمثله حلف الناتو منظمةً، وكيف كان هذا الحلف مهماً للأمن القومي الأميركي. ففي المرة الوحيدة التي تم فيها تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الناتو كانت عقب أحداث 11 سبتمبر، حيث وقف الحلف إلى جانب الولايات المتحدة طوال فترة عملياتها في أفغانستان. لذا، فمن المؤسف أن نسمع مجدداً تداول بعض تلك الشكاوى أو التحفظات ذاتها، والتي تنطوي في جوهرها على مغالطات وأخطاء”.

العربي الجديد


مضيق هرمز بين وهم الحسم السريع ومخاطر الحرب الطويلة/ صهيب جوهر
2026.03.18
تتجه الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى مرحلة أكثر حساسية وخطورة، مع انتقال مركز الثقل العسكري إلى مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فإعلان البنتاغون إرسال نحو 2500 من جنود مشاة البحرية إلى المنطقة، بالتزامن مع قصف جزيرة خارك الإيرانية، يشير إلى أن المواجهة لم تعد تقتصر على الضربات الجوية، بل قد تتطور إلى محاولات للسيطرة المباشرة على نقاط جغرافية حساسة في الخليج.

تكتسب جزيرة خارك أهمية استثنائية في الحسابات العسكرية والاقتصادية، إذ تمر عبرها ما يقارب 90 في المئة من صادرات إيران النفطية. ولهذا فإن ضرب هذه الجزيرة أو السيطرة عليها يعني عملياً استهداف الشريان الاقتصادي الرئيسي للجمهورية الإسلامية. غير أن مثل هذا الخيار، إذا ما جرى تنفيذه، لن يكون عملية محدودة التأثير، بل قد يدفع الصراع نحو مرحلة جديدة أكثر تعقيداً.

تترافق هذه التطورات مع جهود أميركية لحشد دعم عسكري من الحلفاء. فقد أعلن الاتحاد الأوروبي توسيع المهمة البحرية “أسبيدس” في الخليج، بينما قررت بريطانيا إرسال آلاف المسيّرات الاعتراضية إلى المنطقة. كما استجابت كوريا الجنوبية بإرسال سفن حربية، فيما وافقت أوكرانيا على تزويد الحلفاء بمسيّرات طورتها لمواجهة الطائرات الإيرانية من طراز “شاهد”. ويعكس هذا الحشد متعدد الأطراف إدراكاً متزايداً بأن أمن الملاحة في مضيق هرمز أصبح جزءاً من صراع دولي أوسع يتجاوز المواجهة المباشرة بين إيران وخصومها.

لكن التحرك العسكري في هذه المنطقة يطرح أسئلة استراتيجية معقدة. فالسيطرة على جزيرة خارك أو غيرها من الجزر الإيرانية في الخليج ليست مجرد عملية عسكرية محدودة، بل قد تتطلب انتشاراً واسعاً للقوات وتأمين خطوط إمداد دائمة، وهو ما يفتح الباب أمام احتمال تحول المضيق إلى ساحة قتال مفتوحة.

تشير التجربة التاريخية إلى مدى تعقيد مثل هذا السيناريو. ففي عام 1988، خلال المواجهات البحرية بين الولايات المتحدة وإيران، ناقش البنتاغون فكرة السيطرة على بعض الجزر في الخليج بعد تعرض سفن أميركية لألغام بحرية. إلا أن التقديرات العسكرية حينها خلصت إلى أن العملية ستحتاج إلى آلاف الجنود وإلى انتشار واسع للمعدات العسكرية، مع توقع رد إيراني واسع يشمل استخدام الألغام البحرية والهجمات غير المتكافئة. لذلك تم في نهاية المطاف استبعاد هذا الخيار.

اليوم تعود هذه السيناريوهات إلى الطاولة في سياق مختلف، حيث تترافق مع تقديرات متباينة داخل الإدارة الأميركية بشأن قدرة إيران على تعطيل الملاحة في المضيق. فقد حذر بعض القادة العسكريين من أن طهران قد تلجأ إلى الألغام البحرية والطائرات المسيّرة لعرقلة حركة السفن في أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي. في المقابل، تراهن القيادة السياسية في واشنطن على أن إيران قد تتجنب خطوات من شأنها دفع الصراع إلى مواجهة مفتوحة تهدد مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

تعكس هذه الفجوة بين التقديرات السياسية والعسكرية معضلة أساسية في إدارة الحرب؛ فبينما يسعى صانع القرار إلى تحقيق نتائج سريعة، فإن طبيعة الصراع قد تدفعه إلى مسار أكثر تعقيداً وأطول زمناً. وقد ظهر هذا التناقض في الخطاب السياسي الذي تحدث عن إمكانية تحقيق “نصر سريع”، في حين تشير الوقائع الميدانية إلى أن الحرب قد تتجه نحو نمط استنزافي يفرض تكاليف متزايدة على جميع الأطراف.

من جهة أخرى، يفتح التصعيد في مضيق هرمز الباب أمام سيناريوهات متعددة لمسار الحرب. فقد يقود الضغط العسكري المتزايد إلى تسوية سياسية تسمح لكل طرف بإعلان تحقيق مكاسب معينة، وهو سيناريو شهدته أزمات دولية عديدة. في المقابل، قد يؤدي استمرار العمليات العسكرية إلى توسع المواجهة تدريجياً لتشمل ساحات إضافية في المنطقة.

في هذا السياق، تصبح مسألة البرنامج النووي الإيراني عاملاً حاسماً في تحديد مسار الصراع. فالتقارير التي تحدثت عن مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب تشير إلى أن السيطرة على هذا المخزون أو تحييده قد يشكل هدفاً استراتيجياً رئيسياً للولايات المتحدة. لكن تحقيق مثل هذا الهدف، إن كان مطروحاً بالفعل، يطرح تحديات عسكرية وأمنية كبيرة نظراً لحساسية المواقع المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.

في الوقت ذاته، تجد دول الخليج نفسها أمام معادلة أمنية معقدة. فقد نجحت هذه الدول حتى الآن في احتواء تأثير الهجمات الصاروخية والمسيّرة، والحفاظ على قدر من الاستقرار الداخلي. غير أن استمرار الحرب يفرض عليها التفكير في تطوير منظومات الردع والدفاع بما يضمن حماية البنية التحتية الحيوية وتقليل كلفة أي تصعيد مستقبلي.

أما على المستوى الإقليمي الأوسع، فإن الحرب تضع عدداً من الدول أمام خيارات صعبة بين الحياد والانخراط. فتركيا، على سبيل المثال، بدأت تبدي قلقاً متزايداً من احتمال امتداد تداعيات الحرب إلى محيطها المباشر، خصوصاً في ظل التوترات المرتبطة بالملف الكردي والتنافس الإقليمي مع إيران.

في المحصلة، يبدو أن الحرب الحالية دخلت مرحلة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، لتصبح اختباراً لميزان القوى في المنطقة، ولقدرة الأطراف المختلفة على إدارة صراع معقد تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والسياسية. وفي مثل هذه الظروف، غالباً ما تكون الخطوة الأصعب ليست بدء الحرب، بل إيجاد الطريق الواقعي لإنهائها.

تلفزيون سوريا


كيف يمكن لاغتيال القادة الإيرانيين أن يرتد على أمريكا و”إسرائيل”؟
عربي بوست
2026/03/18
يتفاخر المسؤولون الإسرائيليون يوم الثلاثاء 17 مارس/آذار 2026 باغتيال علي لاريجاني الأمين العام للمجلس القومي الإيراني، والذي يكاد يكون أهم شخصية في إيران بعد اغتيال المرشد آية الله علي خامنئي وعدد من القادة الآخرين٬ باعتباره “إنجازاً استخباراتياً” ودليلاً على “البراعة العسكرية”٬ فيما يقول الإيرانيون إن الرجل لم يكن مختبئاً وكان يتجول في الشوارع خلال الأيام الماضية.

غير أن اغتيال شخصية مخضرمة وبراغماتية وسبق لها أن انخرطت في الحوار مع الغرب عدة مرات مثل لاريجاني٬ يثير أسئلة حول ما إذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة تقتلان قادة إيرانيين -يمكن للنظام ملء الفراغ مكانهم مباشرة- بقادة أكثر تشدداً وتصلباً وتحدياً لواشنطن وتل أبيب٬ حيث يحمل هذا النهج خطراً بأن تنقلب الأمور على أمريكا إسرائيل بطرق غير متوقعة وتأتي بنتائج عكسية تماماً. فكيف ذلك؟

الضربات ترتدّ عليهما: أمريكا وإسرائيل تستبدلان قادة إيرانيين بآخرين أكثر تشدداً

رغم حالة التباهي في تل أبيب وواشنطن بقتل القادة الإيرانيين مثل آية الله علي خامنئي وعلي لاريجاني وعلي شمخاني وغيرهم٬ إلا أن العديد من الخبراء لدى الطرفين حذّروا من ارتداد هذه الضربات على أمريكا وإسرائيل سلباً٬ فبدلاً من إضعاف النظام الإيراني سيزداد قوة وتصلباً وعناداً٬ بناء على سيرة كل قائد جديد يأتي لملء الفراغ.

وتقول صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إن اغتيال هؤلاء القادة لن ينهي الحرب قريباً وسيضعف هامش المناورة الدبلوماسية ويُضعف وجود أصوات يمكن التفاهم معها نسبياً٬ وهذا سيأتي بقادة لا يتفاهمون مع أمريكا وإسرائيل إلا بالمزيد من النار. فمثلاً اغتيال آية الله خامنئي الذي كان يناور كثيراً٬ أو قائد “براغماتي” إيراني مثل علي لاريجاني٫ يرفع حظوظ قادة آخرين أكثر تشدداً ضد أمريكا وإسرائيل٬ مثل المرشد الجديد مجتبى خامنئي٬ وسعيد جليلي٬ ومحمد باقر قاليباف وغيرهم.

وهذا ما تؤكده الاستخبارات الأميركية بالفعل بعد اغتيال لاريجاني٬ أن “الاغتيالات أصبحت تأتي بنتائج عكسية.. النظام الإيراني يتصلّب والحرس الثوري يزداد تشدداً ونفوذًا”٬ وتقول واشنطن بوست٬ إن تقييمات الاستخبارات الأمريكية الحالية هو أن النظام الإيراني من المرجح أن يبقى في مكانه في الوقت الحالي، ربما ضعيفاً لكنه أكثر تشدداً، مع ممارسة الحرس الثوري الإسلامي سيطرة أكبر على القرارات.

وتقول تقييمات الاستخبارات إن الحرب تزداد شراسة وتكاليفها تتزايد، حيث بلغت حتى 16 مارس/آذار ما يقارب 12 مليار دولار أمريكي، بالإضافة إلى مقتل 13 جندياً أمريكياً وجرح عشرات آخرين٬ وتعرض القواعد الأمريكية في المنطقة لأضرار بعضها بالغة. وقد أدى تضييق إيران الخانق على مضيق هرمز إلى تباطؤ حركة الملاحة البحرية بشكل كبير، مما تسبب في اضطراب تاريخي في إمدادات النفط عالمياً.

ويقول مسؤولون ومحللون غربيون أنهم لا يرون احتمالاً يُذكر على المدى القريب لحدوث تغيير في النظام ينهي الجمهورية الإسلامية التي مضى عليها 47 عاماً، أو لظهور حكومة أكثر ديمقراطية بل على العكس تماماً. ويُعدّ هذا الأخير هدفاً ذكره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأحياناً الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي صرّح بأنه سيعرف أن الحرب قد انتهت “عندما أشعر بذلك في أعماقي”٬ على حد تعبيره.

ومع استمرار وتيرة الاغتيالات لكبار القادة في طهران٬ تتوقع تقييمات الاستخبارات الأمريكية الصادرة منذ بدء الحرب أن يبقى النظام الإيراني متماسكاً، بل وربما يزداد قوة وجرأة على أفعال لم تكن في الحسبان، وذلك وفقاً لشخصين مطلعين على هذه التقييمات، نقلت عنهما صحيفة واشنطن بوست.

فيما يقول مسؤول أوروبي إن السيناريو الأرجح لما بعد الحرب هو ظهور “نظام الحرس الثوري الإيراني” في طهران والذي سيحتفظ ببعض القدرات النووية والصاروخية بالإضافة إلى دعم الوكلاء الإقليميين، على الرغم من أن النظام سيكون “متدهوراً بما يكفي لنكون في وضع أفضل مما كنا عليه”٬ بحسب تعبيره.

وقال ريتشارد نيفيو، كبير مستشاري الشؤون الإيرانية في إدارتي بايدن وأوباما، والذي يشغل الآن منصب باحث في جامعة كولومبيا: “يمتلك الحرس الثوري الإيراني قوة اقتصادية، وقوة سياسية، وجهاز أمن داخلي. إنه في جوهره الآن محور نظام السلطة داخل البلاد”. لذلك فإن الحرب والاغتيالات – على عكس ما يُشاع – لم تُرهِق الحرس الثوري الإيراني، بل على الأرجح زادت من عزيمته. لكنه أضاف: “هذا لا يعني أن نقص المياه والطاقة والأزمة الاقتصادية في إيران قد تُجدد الاحتجاجات الشعبية بعد بضعة أشهر”.

الاغتيالات ستصعّب على واشنطن إيجاد مخرج للحرب

اغتيال قادة الصف الأول قد يُربك الإيرانيين لوقت قصير٬ لكنه قد يُعيد تشكيل هرم السلطة داخل طهران بطريقة تُضيّق أي نافذة دبلوماسية. فبينما تراهن إسرائيل على استراتيجية “قطع الرأس” لتفكيك منظومة القرار الإيرانية وإحداث الفوضى في البلاد، سيحدث العكس.

يقول خبراء أمريكيون إن لاريجاني كان يمثل الجناح المتشدد في البلاد لكنه كان يمتلك لغة تواصل مع الغرب لا يمتلكها كثيرون في الدائرة الصلبة. الفارق لدى الأمريكيين وجود شخصية قادرة على إدارة التوازن بين المؤسسات العسكرية والأمنية والواجهات السياسية، وعلى ترجمة رسائل النظام إلى قنوات خارجية، بما يخلق هامش مناورة حين تبحث واشنطن عن مخارج للحرب أو صيغٍ لخفض التصعيد.

وتقول صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية٬ إن دبلوماسيين غربيين وصفوا لاريجاني بأنه جمع بين “الخشونة” والانفتاح على الحوار، وأنه كان من القلائل الذين يمكن أن يدفعوا إلى اتصال مع الغرب في لحظة تسوية. وتقول سانام فاكيل من معهد “تشاتهام هاوس” إن مقتله يفتح الباب لمرشحين “مجهولين أو غير مختبرين قد يكونون أكثر تشدداً ويشكلون المزيد من المشاكل لأمريكا”.

ومن زاوية أميركية بحتة، ربطت صحيفة “التايمز” البريطانية بين اغتيال لاريجاني وبين فرص الرئيس الأميركي في صناعة “صفقة” تُغلق الحرب قبل أن تتحول لحرب استنزاف. فبحسب دبلوماسيين غربيين تحدثوا للصحيفة٬ كان لاريجاني من النوع الذي قد “يمكن التعامل معه” إذا أرادت واشنطن التفاوض.

لكن الصحيفة تضيف: من المرجح أن يُستبدل بوجوه أكثر تصلباً مثل سعيد جليلي الذي عُرف سابقاً بتشدده في التفاوض النووي، وأن الأوروبيين وجدوه في محطات سابقة “صعباً إلى حد الاستحالة”. هنا يصبح استمرار الاغتيالات على طريقة نتنياهو ليس فقط ضربة لرأس النظام في إيران، بل أيضاً ضربة للأدوات التي قد تحتاجها واشنطن لإنهاء الحرب.
إيران تمتلك “مقاعد احتياط واسعة”

في السياق٬ نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مسؤولين إسرائيليين أنهم يرون في استمرار الاغتيالات “فرصة لانهيار النظام وأن يتولى الإيرانيون مصيرهم”، لكن الصحيفة تنقل عن خبراء إسرائيليين قولهم إن اغتيال القادة الإيرانيين مثل لاريجاني “مضاداً للغرض”٬ حيث سيقوي شخصيات أكثر تشدداً داخل الحرس الثوري أو في البرلمان، لأن هؤلاء هم من يديرون الحرب فعلاً، وتقويتهم تعني استمرار المقاومة ورفع سقف التفاوض لاحقاً إلى مستوى غير مقبول لواشنطن وتل أبيب.

وفي المقابل، يذكّر ضابط استخبارات إسرائيلي سابق بأن إيران تمتلك “مقاعد احتياط واسعة”٬ ولن تواجه مشكلة في القادة٬ حتى بعد اغتيال قادة جماعات مثل حماس وحزب الله، بقيت التنظيمات تعمل بدرجات متفاوتة. بمعنى أن الاغتيال يُنتج “فراغاً” يمكن ملؤه سريعاً ولا يضمن تغييراً في الاتجاه أو الاستسلام.

وتشير صحيفة “وول ستريت جورنال” إلى جانب آخر من الصورة٬ وهو أن قتل رئيس قوات الباسيج مع علي لاريجاني قد يدفع القيادات الإيرانية المتبقية إلى الاختفاء وتقليل الاتصالات خوفاً من التتبع ورفع وتيرة الحرب. لكنها في الوقت نفسه تُذكّر بأن النظام كان قد أعدّ بدائل مسبقة، وأن عمق المؤسسة الأمنية -وعلى رأسها الحرس الثوري- يجعل الانهيار بعيداً وغير مرجح.

وتضيف الصحيفة الأمريكية أن طهران تمتلك أسماء كثيراً في الدائرة الصلبة وهم أصحاب خبرات طويلة وشهدوا الثورة الإسلامية منذ بداياتها، مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف٬ وهو أيضاً ذو خلفية في الحرس الثوري٬ ما يوحي بأن انتقال الثقل إلى أجنحة أكثر عسكرة احتمال قوي.
لماذا تواصل واشنطن السير في طريق تعرف أنه قد يرتد عليها؟

إذا كانت أجهزة الاستخبارات تحذر من “نتائج عكسية” ونظام أكثر تشدداً، وحرس ثوري أكثر نفوذاً٬ فلماذا تستمر واشنطن في التمرير لاغتيال تل أبيب للقادة الإيرانيين؟

أولاً: منطق فرض القوة الغاشمة: تتعامل الإدارة الأميركية مع الحرب كحزمة ضغط قصوى: تدمير قدرات الصواريخ والبحرية والبنية القيادية لانتزاع تنازلات تتعلق بالمشروع النووي والصواريخ الباليستية. “واشنطن بوست” تشير إلى أن البيت الأبيض ووزارة الدفاع يفاخران بحجم الأهداف التي ضُربت٬ ومن غير الواضح أن واشنطن ستتراجع قريباً.

ثانياً: استثمار رمزي داخلي وخارجي: اغتيال شخصيات تقف على رأس النظام الذي قال لأمريكا “لا” طوال خمسة عقود٬ أمر تراه إدارة ترامب “ضربة لرأس الشر” الذي يهدد أمريكا ومصالحها٬ وهو يسهل تبرير الحرب أمام الجمهور الأمريكي.

ثالثاً: غياب تصور لمستقبل الحرب: تنقل صحيفة “نيويورك تايمز”، عن آمي أيالون، البالغ 80 عاماً، وهو قائد سابق لجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي وللبحرية الإسرائيلية، انتقاده لغموض الأهداف الأمريكية الإسرائيلية٬ وقابلية النتائج غير المقصودة لإنتاج “فوضى” ستطال الشرق الأوسط برمته.

ويشبّه أيالون الاكتفاء بقتل “الملك” في الشطرنج بسذاجة سياسية حين يكون الصراع أيديولوجياً. وقال: “لنفترض أن نتنياهو على حق٬ سيستغرق الأمر أشهراً أو سنوات لإتمام المهمة في إيران. لكن هناك ملايين من الناس في إيران وخارجها يعتمدون على النظام، وهم يدركون أنه في اليوم التالي للحرب سيتم ذبحهم. وسيقاتلون ويقتلون كي لا يروا ذلك يحدث”. وأضاف: “في الشطرنج، هناك لاعبون أغبياء يظنون أن قتل الملك يكفي للفوز. لكن في حالة الأيديولوجيا، يلعب كل لاعب دوراً رئيسياً في ساحة المعركة”.

رابعاً: إسرائيل أقل اهتماماً بالتفاوض مع طهران: لا تريد تل أبيب العودة إلى أي تفاوض مع النظام الإيراني الحالي٬ فهي لا تبدي اهتماماً سوى بإدامة معادلة تدمير واستنزاف طهران٬ ومنع أي عودة أميركية نحو التفاهمات مع طهران.

وتشير صحيفة “التايمز” تلمّح إلى اختلاف جوهري بين ترامب ونتنياهو حول الغاية: حيث يميل ترمب إلى صفقة تُعلن “نهاية حرب تُسجل كنصر سياسي” ومكاسب اقتصادية، بينما نتنياهو لا يرى أن أي صفقة مع الجمهورية الإسلامية ممكنة أصلاً، وقد بنى مسيرته على مواجهة إيران٬ فهو لن يتوقف قريباً طالما أنه يحظى بالدعم والغطاء الأمريكي.


ماذا يعني سقوط إيران؟/ خالد الحروب
18 مارس 2026
دعمت بريطانيا الدولة العثمانية منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر وصولاً إلى الحرب العالمية الأولى عام 1914، بدافع الخشية من روسيا القيصرية في الشمال وأحلام توسّعها جنوباً نحو المياه الدافئة ومن ثم الوصول الى البحر المتوسط والسيطرة عليه، بما يسدّ الطريق أمام البحريتين البريطانية والفرنسية معاً. كانت موسكو في تنافس مرير مع لندن وباريس حول من يصل أولاً إلى الشرق ويكرّس حضوره هناك. اختلطت الأهداف السياسية والتجارية مع الرغبة الإمبراطورية في بسط النفوذ. لو نجحت روسيا في هزيمة العثمانيين في حروبها ضدهم، وخصوصاً حرب القرم (1853- 1856) وحرب التسعين يوماً بين عامي 1877- 1878، لتغيّر وجه التاريخ. في كلتا الحربين، ساندت بريطانيا (وفرنسا أيضا) العثمانيين، ليس حبّاً في آل عثمان ولا في دولتهم، بل انطلاقا من حساباتٍ براغماتيةٍ وجيواستراتيجية باردة. تبعاً لتلك الحسابات، توجب بذل أقصى ما أمكن لمنع روسيا من التمدّد جنوباً، حتى لو كان هذا عن طريق دعم العثمانيين الذين وصلوا إلى قلب أوروبا في ذروة قوتهم وهدّدوا فيينا وما بعدها. … تعجّ الأرشيفات البريطانية بمواقف احتقار وعنصرية تجاه العثمانيين وثقافتهم ودينهم من السياسيين والقادة الانكليز خلال “عقود الدعم” الطويل (كما قبلها وبعدها بطبيعة الحال). لكن تلك العنصرية والكراهيات الغريزية لم تكن صاحبة القرار في تشكيل الموقف من الدولة العثمانية، التي اعتُبرت جدار دفاع أساسيا ضد روسيا.

المفارقة المثيرة أيضا أن هذا التنافس المرير بين القوى العظمى (بريطانيا، فرنسا، وروسيا) حول الدولة العثمانية، سبقته فترة توافق بينها على محاربة الاسطول العثماني والمصري ايضا الذي بناه محمد علي باشا في معركة نافارين سنة 1827. أي إن التحالفات وتفكيكها وإعادة تشكيلها وبناء تحالفات جديدة خضعت هنا، كما في معظم إن لم يكن في كل تاريخ سياسة العالم، لمعادلات الاعتبارات والمخاطر الجيواستراتيجية، وليس تبعا لنزوات العواطف والحب والكراهية. الانقياد وراء العواطف وحدها يقلص مدى الرؤية، ويقود إلى قرارات تنقصها الحكمة والعمق.

شواهد القرن العشرين غنية هي الأخرى حيث يتقدّم العدو أو الخطر الأبرز على الاعتبارات الأدنى او الأقل خطورة. أوروبا الغربية والولايات المتحدة تحالفا مع العدو الشيوعي الأبرز، والقائد السوفييتي الأكثر قسوة، ستالين، ليكون حاجزا دفاعيا في وجه ألمانيا النازية. ضمن المربّع الشيوعي نفسه، التفّت أميركا على الصين في سبعينيات ذلك القرن، بتخطيط داهية السياسة الأميركية آنذاك هنري كيسنجر، لتعزيز العداء بين بكين وموسكو وموازنه قوة الاتحاد السوفييتي عالميا. … المهم هنا، وسواء أعاد التاريخ نفسه بالكلية، أم كرّر بعض أوجه التشابه فقط مع الماضي، يبقى الدرس الأهم والأبرز أن السياسة الباردة وتمثلاتها وحساباتها غير العاطفية هي ما يجب أن يسود. ليس ثمة اكتشافات جديدة في ذلك كله، أي أولوية براغماتية السياسة وحسابات الجيواستراتيجيا. لكن وسط ضجيج المعارك وطحان الأزمات واندفاع العواطف وغبش الرؤية، تتعرّض حتى الأبجديات للتجاوز والنسيان، ويصير التذكير بها مفيداً.

يفيدنا درس التاريخ المُتكرّر في تقدير الموقف إزاء الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران، والرد الإيراني الذي توسع ليصل إلى دول الخليج، على نحو مُستهجن ومُدان بلا أية تحفظات. تفيد الصفحة الأولى من هذا الدرس بأن الموازنة بين المخاطر والتهديدات الحالية تشترط فتح عدسة النظر والسياق الراهن والمستقبلي على أوسع مدى ممكن (zoom out). معنى هذا، ربط الحرب الحالية بجوهر “المشروعات” المطروحة على المنطقة لإعادة تشكيلها، وفي مقدّمتها مشروع إسرائيل الاستراتيجي (والتوراتي) للسيطرة الإقليمية. … في السنوات القليلة الماضية، يكاد لا يخلو خطاب لأي مسؤول إسرائيلي، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو رئيس وزرائهم نفسه، من تصريحات علنية حول إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق ما تراه إسرائيل. وفي ظهوره الخميس الماضي، دفع نتنياهو هذا الخطاب شوطاً آخر إلى الأمام، قائلاً إن إسرائيل لم تعد القوة الإقليمية الأهم في المنطقة فحسب، بل أصبحت قوة عالمية في بعض المجالات (وربما يقصد الأمن، والتكنولوجيا السيبرانية، وما قاربها).

ما هي، إذن، الشروط التي يجب توفرها كي تكون إسرائيل القوة الإقليمية المسيطرة في الشرق الأوسط، ومرّة أخرى، استنباطا مما تردّده الخطابات الإسرائيلية؟ الشرط الأول هو تدمير أية قوة منافسة (تحت مسوغ التهديد الأمني) في الوقت الراهن، او مُحتمل ان تتطور وتنافس في المستقبل. التدمير العسكري هو الأسلوب الأكثر فجاجة كما يُنفذ الآن ضد إيران، وكما نُفذ ضد العراق سابقا، لكنه ليس الوحيد. هناك أساليب أخرى تتفاوت خشونة ونعومة، بدءً بالتطبيع وتحييد الدول العربية الكبرى كما حصل مع مصر، او بالتدخل في الشؤون المحلية والتفكيك الداخلي كما حصل ويحصل مع سورية، أو عبر إدعاءات السلام الإبراهيمي أخيراً كما استخدم مع بعض الدول العربية، وكما وظف للضغط على السعودية وتوريطها ومن ثم تحييدها.

تدمير إيران هو العتبة الحالية التي تريد إسرائيل تجاوزها حالياً، كي تقطع شوطاً مهما في مسيرة السيطرة الإقليمية. إذا دُمرت إيران وخرجت من المعادلة الإقليمية تبقى هناك دولتان في الجوار القريب تضعهما إسرائيل في مرمى الهدف، تركيا والسعودية، وأخريان في الجوار الأبعد، باكستان والجزائر. عند الإبقاء على عدسة النظر واسعة الإطار، نرى الصورة الإقليمية بوضوح أكبر. دمار كل دولة من هذه الدول يعني أمرين: إزاحة عائق آخر من وجه السيطرة الإسرائيلية، واقتراب الدور على الدولة التالية. على ذلك، وبعيداً عن كل المواقف من إيران، سواء اعتداءاتها المُدانة على دول الخليج راهنا، وممارساتها المُدانة أيضا بالأمس في سورية وغير مكان من المنطقة العربية، فإن سقوطها يعني المزيد من الانكشاف الإقليمي أمام التغول التوسّعي الإسرائيلي، المدعوم بالنزق الأميركي السياسي والديني أيضاً.

عندما تحالفت إيران ضمنا مع الولايات المتحدة لمّا غزت العراق عام 2003، اعتقدت أنها تخلصت من عدوها الأكبر، صدّام حسين، على يد الأميركان. وعمليا، اغتبطت، بوعي أم بدونه، بسياسة إسرائيل القائمة على التدرّج في حروبها ضد دول المنطقة والاستفراد بكل واحدةٍ على حدة. من يكرّرون الرغبة والفرح الخفي بتدمير إيران اليوم ينسخون ما فعلته ويقعون في الفخ نفسه. كأنما الجميع ينقادون، نياماً، وراء إسرائيل التي تقودهم إلى حتفهم واحداً بعد الآخر. ينسون في خضم صراخ الحرب أهم درس عربي – فارسي تعلموه في المدارس الابتدائية، كرّره عليهم ابن المقفع في كليلة ودمنه، قبل ترسيمات كل علوم السياسة والاستراتيجيا الحديثة، يوم تحسّر الثور الأحمر على موته وأدرك متأخّراً أنه كان قد أُكل يوم قدم رفيقه الثور الأبيض هدية مجانية للأسد المفترس.

العربي الجديد،


كيف نعرف إن كنا قد حققنا النجاح في حربنا مع إيران؟
في نهاية حرب الأيام الاثني عشر في حزيران 2025، وصف نتنياهو نتائج الحرب مع إيران بأنها “نصر تاريخي سيبقى خالدًا لأجيال”. وأعلن أن إسرائيل نجحت في إزالة تهديدين وجوديين مباشرين: خطر الإبادة بالقنابل النووية، وخطر الإبادة بعشرين ألف صاروخ باليستي، فضلًا عن توجيه “ضربات ساحقة للنظام الشرير” في طهران. ذهب ترامب إلى أبعد من ذلك حين أعلن أن المنشآت النووية “دُمّرت بالكامل” وأن الولايات المتحدة قد أخرت البرنامج النووي الإيراني لعقود. في المقابل، أعلن المرشد الإيراني علي خامنئي في طهران أن إيران قد هزمت “الكيان الصهيوني الزائف”، الذي انهار تقريبًا تحت وطأة هجمات الجمهورية الإسلامية. كما أعلن الرئيس مسعود بزشكيان “انتصارًا تاريخيًا” في الحرب التي فرضتها إسرائيل على بلاده.

يُمكن الافتراض أنه حتى مع نهاية هذه الحملة، ستعلن الأطراف الثلاثة النصر. وقد بدأ قادة الدول الثلاث بالفعل في الترويج لرواية النصر. فقد صرّح نتنياهو بأن إسرائيل والولايات المتحدة “تسحقان النظام الإرهابي في إيران” وتحققان إنجازات هائلة تُغيّر موازين القوى في الشرق الأوسط وخارجه. وأعلن الرئيس ترامب أن قيادة النظام الإيراني “مُحيت من على وجه الأرض” وأن القدرات العسكرية الإيرانية تلقت ضربة قاضية: فقد دُمّر الأسطول البحري، وسقط سلاح الجو، ودُمّرت أنظمة الصواريخ والطائرات المسيّرة تدميرًا كاملًا. من المرجح أن تُصوّر القيادة الإيرانية بقاء النظام نفسه انتصارًا في مواجهة الهجوم الإسرائيلي الأمريكي المشترك.

في ظل هذا الواقع، لا بدّ لنا من التساؤل عمّا سيُعتبر إنجازًا من وجهة نظر إسرائيل. على الصعيد الداخلي، يبدو أن هناك شكوكًا كبيرة في هذه المرحلة حول إمكانية تغيير النظام في طهران. من الجدير بالذكر أن إسقاط النظام لم يكن هدفًا رئيسيًا للحرب منذ البداية، مع أن إسرائيل سترحب بتحقيقه. وقد أشار نتنياهو نفسه إلى أن الهجمات على إيران تُهيّئ الظروف لإسقاط النظام في طهران، لكنه أكّد على أن الشعب الإيراني هو من يجب أن يقود التغيير. لذا، فإن السؤال المحوري ليس ما إذا كان النظام الإيراني سينهار في نهاية الحرب، بل ما إذا كانت ستُهيّأ على الأقل الظروف التي تُساعد الشعب الإيراني على تحقيق التغيير المنشود. إن الهجمات المستمرة على مقرات وقواعد ونقاط تفتيش الحرس الثوري وقوات الباسيج وقوات الأمن الداخلي تهدف تحديدًا إلى تجريدها من قدراتها بهدف إضعاف قدرتها على الحفاظ على سيطرة النظام وتقويض قدرتها على القمع. وسيظهر الاختبار الحقيقي عندما يخرج الشعب الإيراني إلى الشوارع بأعداد غفيرة، سواء بمبادرة منه أو استجابةً لدعوات خارجية. عندها فقط سيُمكننا التحقق مما إذا كان النظام قد فقد بالفعل قدرته على قمع المتظاهرين بوحشية وفعالية كما فعل قبل شهرين تقريبًا.

ستُمثل قدرة إيران على استعادة منظومتها الصاروخية الباليستية معيارًا هامًا لتقييم نجاحات الحملة. ففي ظل غياب نظام دفاع جوي فعال، نجحت إسرائيل خلال عملية “الأسد الصاعد” في مهاجمة منصات إطلاق الصواريخ وإغلاق مداخل أنفاق قواعد الصواريخ تحت الأرض، ما أدى إلى إضعاف قدرة إيران على إطلاق الصواريخ. إلا أنه فور انتهاء الحملة، سارعت إيران إلى استعادة منظومتها الصاروخية، ووضعتها على رأس أولوياتها، وتمكنت من إعادة تشغيل العديد من منشآت إنتاج الصواريخ الباليستية التي تضررت في الهجمات. ويبدو أن إسرائيل والولايات المتحدة تعملان هذه المرة ليس فقط على إضعاف القدرات الصاروخية الإيرانية، بل أيضاً على تدمير سلاسل الإنتاج بهدف تأخير استعادة المنظومات قدر الإمكان، أو فتح أنفاق التخزين الضخمة التي تم الاستيلاء فيها على مئات الصواريخ ومنصات الإطلاق. ومع ذلك، لن يتضح إلا بعد انتهاء الحرب ما إذا كانت هذه الجهود قد أثمرت بالفعل، وفي أي مدى ستتمكن إيران من استعادة قدراتها هذه المرة، سواء بمفردها أو بمساعدة خارجية، من الصين أو كوريا الشمالية على سبيل المثال.

يتمثل التحدي الأكبر في المجال النووي. فرغم الضرر الذي لحق بالقدرات النووية الإيرانية، إلا أن حرب الأيام الاثني عشر تركت لإيران قدرات يمكن استغلالها في مساعيها لإعادة إحياء البرنامج النووي، بل وحتى الوصول إلى امتلاك أسلحة نووية. لا تزال إيران تمتلك ما لا يقل عن بضع مئات من أجهزة الطرد المركزي المتطورة؛ ومخزوناً يبلغ حوالي 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة وهو ما كان لديها قبل الحرب؛ وكميات إضافية من اليورانيوم المخصب بنسب منخفضة؛ فضلاً عن المعرفة والعلماء النوويين والبنية التحتية للتخصيب، وربما قدرات تحويل اليورانيوم إلى معدن. إذا قررت إيران الوصول إلى امتلاك أسلحة نووية، فبإمكانها أن تصل إلى القدرة على تفجير جهاز بسيط في فترة زمنية قصيرة نسبياً، حتى وإن لم تكن تمتلك القدرة التشغيلية الكاملة، والتي تعتمد أيضاً على القدرة على تركيب جهاز متفجر نووي على الصواريخ الباليستية.

ومن المرجح أن يزداد دافع إيران نحو امتلاك أسلحة نووية في ظل استمرار فشل طهران في ردع أعدائها عن مهاجمتها عبر القدرات التقليدية ووكلائها الإقليميين. فقدت الفتوى المنسوبة إلى علي خامنئي بشأن تحريم تطوير الأسلحة النووية معناها بعد وفاته، لأنه وفقًا للشريعة الشيعية، لا تُعتبر الأحكام الشرعية لكبار العلماء نافذة بعد وفاتهم. ورغم أن خامنئي أقرّ تقدمًا كبيرًا نحو امتلاك قدرة نووية عسكرية، إلا أنه حال دون تحقيق اختراق نووي. وقد تُعزز وفاته تصميم ابنه، ولي العهد، على النظر في تغيير الاستراتيجية النووية التي تبناها والده.

في نهاية المطاف، لن يُقاس نجاح الحرب بإعلانات النصر التي يطلقها القادة، أو بالنجاحات العملياتية والاستخباراتية المبهرة في ساحة المعركة. لا شك أن الجمهورية الإسلامية، التي دخلت الحرب في أضعف حالاتها منذ ثورة 1979، ستخرج منها أضعف. مع ذلك، حتى النظام الضعيف بقيادة مجتبى خامنئي والحرس الثوري قد يكون خطيرًا، لا سيما إذا احتفظ بقدرات قمعية وسيطرة كبيرة تحول دون نضوج الظروف اللازمة للتغيير السياسي، وقدرته على إعادة بناء منظومته الصاروخية، وبنيته التحتية النووية التي يمكن استخدامها للوصول إلى الأسلحة النووية. يكمن الاختبار الحقيقي في ما إذا كانت الحملة ستنجح هذه المرة في تحييد التهديدات التي تشكلها الجمهورية الإسلامية على إسرائيل ودول المنطقة ومواطنيها على المدى البعيد.

د. راز تسيمت

يديعوت أحرونوت/ معهد بحوث الأمن القومي INSS 18/3/2026
القدس العربي


الحروب لا تُحسم في الجبهات فقط… بل داخل المجتمعات أيضاً!/ ملاك عبد الله
الأربعاء 2026/03/18
ما يحدث على الساحة الإقليمية اليوم يضع الجميع دون استثناء في مصاف المراقبين أكثر منهم في مصاف المحللين، وأكثر منهم أيضاً في مصاف المتأمّلين أو الطامحين من هذا الطرف أو ذاك، ذلك أننا أمام حربٍ قد تعيد تشكيل العالم برمته، ما يعني أن التواضع في ترجيح أي من السيناريوهات وحدها على الآخر، سيكون أسلم من أي استعجالٍ في النتائج. ومع ذلك، يمكن الالتفات إلى جملة من الأمور.

أولاً: تختلف أولويات أميركا في هذه الحرب عن تلك التي تريدها إسرائيل. دخلتها الأولى في ظلّ رأي عام داخلي معارض لها في غالبيته، على عكس ما هي عليه الحال في الثانية. يمكن القول هنا إن الحرب بالنسبة لأميركا هي حرب اختيار بينما هي حرب وجود كما سُوّق لها بالنسبة للإسرائيليين. حتى أن الدعاية الإسرائيلية صوّرتها على أنها حرب الفرصة الذهبية التي يتيحها لهم الثقل العسكري الأميركي.

وإذا كانت عين ترامب على السيطرة على الموارد النفطية في العالم ليتحكّم بالخصم الصيني من خلالها وليكرّس تسيّد أميركا كقطب منفردٍ لعقود قادمة، فإن إسرائيل غير معنية إلى هذا الحد ومن هذه الزاوية بالمسألة الإيرانية. نفس الإنهاك الإيراني وتقلّص القدرات العسكرية بشكل كبير يعدّ إنجازاً إسرائيلياً هاماً للحرب. ولئن كان الطرفان قد طمحا بتغيير سريع للنظام في إيران، فإن ما بدت عليه الأمور من تعقيد تختلف من حيث طبيعة تأثيرها ومداه عليهما. هذا يعني أن الضرر الذي يلحقه ارتفاع أسعار الطاقة أو ما يترتب من فوضى داخل إيران أو ما يستتبع الحرب من علاقة مع دول الخليج يتفاوت تماماً. لا يعني إسرائيل بشكل كبير في الوقت الراهن أسعار البترول، كما لا يعنيها أي فوضى إيرانية سيدفع ثمنها دول الجوار ممن تريد لهم أن يغرقوا في المستنقع الشرق أوسطي المتغيّر. لكن دون ارتفاع الأسعار والفوضى ما يقرب حدّ الورطة الكبيرة أميركياً.

يحيلنا هذا التمايز إلى أن التخبط أو الإحباط الأميركيين كما يوصّف بعض الكتاب والمحللين ليس بالضرورة أبداً أن يعني إحباطاً وفشلاً إسرائيلياً، خصوصاً على المدى القصير. واقعاً، قد تعد إسرائيل حتى الآن من أبرز المستفيدين من كل الوضع القائم (على الرغم من ضرورة استقراء الجبهة الداخلية في غضون هذه الحرب ومخزون الصواريخ الاعتراضية في ظلّ التعتيم الإعلامي)، تليها في ذلك روسيا. وإذا كان نتنياهو قد صرح بعد الحرب الفائتة على إيران بالقول: “لقد حققنا نصراً تاريخياً سيستمرّ لأجيال”.. فإن ما تحقّق الحرب الدائرة حتى الآن من تدمير يأمله ويحدّث به على المنابر الرسمية والدولية منذ سنوات يتجاوز النصر عنده إلى المجد ربّما. لكن قد تسوء الحال على المدى البعيد لو سرت الأمور كما هي عليه الآن.

استشرافاً وانطلاقاً من بعض المعطيات الراهنة، من المتوقع أن تُقبل إسرائيل على أزمة حقيقية مرتبطة بعلاقتها بأميركا، تقارب احتمال خسرانها لأهم حليف لها إن لم نقل لسبب وجودها. ما يقوله ويكتبه كبار الأستاذة والمحللين والإعلاميين في أميركا ينبئ بذلك. هم يوصّفون إسرائيل بحرفية الكلام أو بمعناه أنها ليست سوى حالة طفيلية اعتاشت على أميركا حتى ورطتها. يصيغ هذه الملاحظات أسماء معروفة بثقلها من مثل جون ميرشماير وستيفن بانون وتاكر كارلسون وغيرهم. لكن هذا العبء الاسرائيلي المتوقع مرهون بفشل الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران. أما في حال آلت الأمور إلى انتصار واضح لسبب ما غير متوقع، فإن الصورة لن تبدو كذلك حينها. ما ستكون عليه نهاية هذه الحرب كفيلٌ بالإيضاح، إذ ما يزال الراهن مقرون بالمراقبة والمتابعة اليومية للأحداث والتطورات.

ثانياً: ما يعكسه الواقع الآن وما يكشفه من تخبط أميركي ترامبي لا يعني أن أميركا وإسرائيل لم تحققا شيئاً من حملتهما العسكرية. من الواضح أن إيران تجهزت جيداً لحرب استنزاف طويلة تؤكد عليها التصريحات الإيرانية والسلوك العسكري الإيراني يوماً بعد يوم. لكن من جهة هي تلقت ضربات قوية جداً تجعلها أمام تحدٍ غاية في الصعوبة من حيث استعادة التعافي إن صمدت. الهجوم على جزيرة خرج الجمعة الماضي، لا بدّ من التوقف عند آثاره أيضاً ومراقبتها. من جهة أخرى، فإن احتمالية أن تطول الحرب قد تفتح الأمور على سيناريوهات أخرى، تلي مرحلة الكباش. إحدى هذه السيناريوهات المرهون بالمراقبة أن تعجز إيران عن مواصلة الحرب بعد مدة أو تطلب إنهاءً لها من موقف أضعف، لتعلن حينها أميركا انتهاء مهمتها العسكرية، حتى تترك إيران في حالة من التردي تغرقها ومن حولها من الدول في الفوضى، وتستكمل معها واقع الحصار الإقتصادي، ثمّ تستثمر في هذا الخراب لتعيد ترميم المشهد على طريقتها ووفق أهدافها. مع ملاحظة أن ما بعد انتهاء الحرب سواءً في المديين القصير أو الطويل واقع داخلي إيراني وجب فحصه للبناء عليه.

لكن في كل الأحوال يمكن القول أنه أياً تكن عليه نهاية هذه الحرب، فإن تداعياتها ستكون كبيرة جداً على كل من إيران، أميركا أو دول الخليج.

ثالثاً: نجح ترامب مع نتنياهو في الضربات التي ألحقها بإيران في حرب حزيران/يونيو الفائت، في تشتيت المجتمع الإيراني. ما تبع الإثني عشر يوماً تصعيدياً على مستوى تعويم التباينات الداخلية إلى السطح (رغم صورة التماسك الشعبي في خضمّها) يمكن تسجيله كنجاح لترامب ونتنياهو، أدى مع جملة من الأسباب في نهاية المطاف إلى مشهد الاحتجاجات التي شهدتها إيران في كانون الأول/ديسمبر الفائت. وهو نجاح عبّرت عنه الصحافة العبرية بوضوح آنذاك، بحيث نبّهت الكثير من الأقلام حينها إلى سيناريو إستباقي للحرب تخوضه إيران كجزء من استراتيجية الخروج من المأزق الداخلي. وعلى الرغم من أن جزءاً من هذه الكتابات كان يرمي إلى تهيئة الرأي العام لتصعيد مع الجانب الإيراني، غير أن الكثير منها يكشف النقاب عن إنجاز في الدّاخل الإيراني سرّعت به حرب الاثنا عشر يوماً.

ما يستحقّ تسجيله هنا هو أن الحرب الراهنة خسّرت الطرفين المعاديين إنجازهما السابق، وأعادت لحمة الإيرانيين من زاوية انتمائهم إلى أمة لديها عقدة تاريخية من مسألة التدخل العسكري لتغيير الأنظمة بالتحديد. إذ لا يرغب غالبية المعارضين في أن يأخذ أحد منهم النصر على النظام حتى لو كان ضده، ويرون في ذلك إهانة لـ”كبرياء الأمة الفارسية” وفق تعبير أحد الباحثين.

وفي هذا الإطار، أعاد الكاتب المعارض والخبير في الشأن الإيراني فآلي نصر في مقابلة مطولة معه، رسم صورة معقدة للوضع الداخلي والخارجي لإيران اليوم واصفاً كيف أن الحرب الأخيرة أعادت تشكيل المشهد الاجتماعي والسياسي بشكل جذري، واستخلص أن النظام الإيراني الحالي، على الرغم من الضغوط العسكرية والسياسية، يحظى بشعبية واسعة داخل البلاد، ما يجعل أي محاولة لإحداث تغيير سريع في السلطة أو قلب النظام أقل احتمالاً من أي وقت مضى.

رابعاً: يفتخر ترامب بانتمائه لـ”عقيدة الجنون” وهي مدرسة في السياسة ترمي إلى إيهام خصمها بالجنون حتى يصعب عليه توقّع ما سيبدر منه من أفعال. كما أنه يتباهى بانتمائه إلى “مدرسة جاكسون” في السياسة (نسبة إلى الرئيس الأميركي الأسبق أندرو جاكسون الذي علّق صورته في مكتبه في ولايته الأولى)، والتي تتأسس عقيدتها على ركيزة أن العالم سيدير نفسه بنفسه، وليس مهماً لأميركا أن تديره. غير أن العالم لا يستطيع أن يدبر نفسه بنفسه كما تبين. سيحتاج ترامب إلى استجداء تضافر جهود دول عديدة لإدارته.. كما أن عقيدة الجنون هذه، بعد هذه الحرب، ما عادت تبلغ مؤدياتها بقدر ما أضحت صورة عن التناقض المولّد للّاثقة عند الشعب والحلفاء، خصوصاً بفعل الأثر المنكشف لهذه الحرب حتى الآن.. ما كان يراه المراقبون فنّاً منفرداً وناجعاً، أضحى يجني من المتاعب والمشاكل ما يجنيه على صانعه. من الأمثلة البسيطة على ذلك التناقض مثلاً، أنه في يوم واحد ادّعى ترامب تدمير القدرات الإيرانية بنسبة 100%، ثم عاد وأعلن بعد ساعات عن إرسال قوات إضافية إلى منطقة الخليج، ثم استغاث أيضاً في اليوم نفسه بأكثر من دولة في العالم لفتح مضيق هرمز!

بيت القصيد أن الرئيس الأميركي لا يخسر فقط من رصيده الجماهيري، وليس مهدداً فقط في خسارة الانتخابات النصفية التي ستتيح للديمقراطيين وضع فيتو على قراراته إن أرادت، إنما هو يخسر من رأسماله التكتيكي من حيث الاستثمار في “الجنون” كما دأب عليه. وقد عبرت بعض الأصوات الأميركية أن مصير ترامب قد يكون مشابهاً لمصير جيمي كارتر الذي خسر رئاسته نتيجة فشل الكومندوس في تحقيق المهام المرجوة في إيران عام 1980 على خلفية محاولة تحرير الرهائن الأميركيين في طهران.

خامساً: أسهمت الحرب التي أطلقها ترامب على إيران في تعميق الفجوة القائمة أصلاً بينه وبين الدول الأوروبية، التي كانت تعاني قبلها من ضغوط اقتصادية وسياسية متراكمة. فبعد التوترات التي أحدثتها سياسات التعريفات الجمركية، تجد أوروبا نفسها اليوم أمام تداعيات أزمة دولية مرشحة للتفاقم، بما تحمله من أعباء إضافية على اقتصاداتها الهشة وتوازناتها الداخلية. ولا يقتصر الأمر على البعد الاقتصادي، بل يمتد إلى حسابات جيوسياسية معقدة، إذ قد تدفع هذه الظروف بعض الدول الأوروبية إلى إعادة النظر في علاقاتها الطاقوية، بما في ذلك احتمالات العودة الجزئية للاعتماد على روسيا، وما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على موقع أوكرانيا ومستقبل الدعم الأوروبي لها، بل على مستقبل الصراع الروسي الأوكراني برمته.

في هذا الإطار، لا يبدو التباعد عبر الأطلسي مجرد خلاف عابر، بل مؤشراً على تحوّل أعمق في طبيعة العلاقة بين ضفتيه، خصوصاً في ما يتعلق بدور حلف شمال الأطلسي ووظائفه خارج نطاقه التقليدي. ومن شأن هذا الواقع أن يغذّي النزعات الاستقلالية داخل أوروبا، ويدفعها إن استطاعت إلى تسريع البحث عن مقاربات أكثر استقلالاً في إدارة أزماتها الأمنية والاقتصادية، بعيداً عن الارتهان الكامل للقرار الأميركي. وقد تجد بعض الدول منها منفتحة على حلول سلمية ودبلوماسية مع إيران من أجل فتح مضيق هرمز، كما جرى عليه الوضع مع السماح الإيراني لبعض السفن الهندية بالعبور. سيكون لهذا دلالات كبيرة على حجم التحولات الحاصلة في حال حدوثه.

سادساً: سيُكتب الكثير لاحقاً عن طبيعة العلاقة بين دول الخليج والولايات المتحدة، لا بوصفها علاقة ثابتة، بل كمسار يتعرض اليوم لاختبار غير مسبوق. فما دمّرته إيران خلال هذه الحرب من بنية عسكرية أميركية في المنطقة، استغرق بناؤه سنوات طويلة واستثمارات مالية هائلة، ولم يكن مجرد حضور عسكري عابر، بل تعبيراً مادياً عن معادلة استراتيجية حكمت العلاقة لعقود: الأمن مقابل الاقتصاد. غير أن استهداف هذه القواعد، وما كشفه من هشاشة نسبية في منظومات الحماية، يطرح تساؤلات جدية حول جدوى إعادة إنتاج النموذج ذاته، وحول استعداد دول الخليج لتحمّل كلفة إعادة التموضع العسكري الأميركي على أراضيها بالشكل السابق.

في هذا السياق، لا يبدو النقاش مقتصراً على مسألة إعادة البناء بحدّ ذاتها، بل يتجاوزها إلى إعادة تعريف طبيعة الشراكة وشروطها. دول الخليج التي بنت جزءاً كبيراً من استقرارها على فرضية الردع الأميركي، تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف: تهديدات مباشرة وتكاليف اقتصادية متصاعدة، وصورة اهتزت كـ”واحة استقرار” في أعين المستثمرين والأسواق العالمية. وقد بدأت ملامح ذلك تظهر من خلال إغلاق بعض الشركات والمؤسسات المالية، أو إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالعمل في المنطقة.

غير أن هذه الصورة لا تختزل الموقف الخليجي بالكامل، إذ تكشف المعطيات الأخيرة عن مفارقة لافتة. فبحسب ما نقلت وكالة “رويترز”، وأشار إليه أيضاً آفي أشكنازي في “معاريف”، تدفع بعض دول الخليج في اتجاه معاكس ظاهرياً، عبر مطالبة إدارة ترامب بعدم وقف الحملة العسكرية قبل تدمير القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كامل. وهو ما يعكس تحوّلاً من منطق الاحتواء إلى منطق الحسم، انطلاقاً من قناعة متنامية بأن بقاء إيران قوةً هجوميةً، ولو بعد إضعافها، سيجعل هذه الدول رهينةً دائمة لميزان ردع مختل.

وعليه، فإن دول الخليج تجد نفسها أمام معادلة مركّبة: فهي من جهة تدفع كلفة الحرب وتخشى تداعياتها على استقرارها الاقتصادي والأمني، ومن جهة أخرى ترى في استمرارها حتى نهايات قصوى شرطاً ضرورياً لتفادي تهديد أكبر في المستقبل. وهذا التناقض الظاهري لا يعكس ارتباكاً بقدر ما يكشف عن تحوّل في التفكير الاستراتيجي الخليجي، من إدارة المخاطر إلى محاولة إنهائها جذرياً، حتى ولو جاء ذلك بكلفة مرتفعة على المدى القصير.

وبذلك، فإن المرحلة المقبلة قد لا تشهد فقط إعادة تعريف العلاقة مع الولايات المتحدة، بل أيضاً إعادة صياغة جوهر المقاربة الخليجية للأمن الإقليمي، بين خيار الاستقرار السريع وخيار الحسم الجذري. وفي كل الأحوال، فإن ما كسرته هذه الحرب في بنية الثقة المتبادلة لن يكون من السهل ترميمه سريعاً، ما يجعل تداعياتها على هذا المستوى عميقة وبنيوية، تتجاوز اللحظة العسكرية الراهنة إلى إعادة صياغة التوازنات الإقليمية برمتها.

سابعاً: يقف العراق في قلب هذه الحرب بوصفه أحد أكثر المتضررين منها، من دون أن يكون طرفاً مباشراً في قرارها. فهو يتعرض لضربات مزدوجة. من جهة، تستهدفه الولايات المتحدة وإسرائيل عبر قصف الفصائل المرتبطة بإيران على أراضيه، ومن جهة أخرى يتحمل تبعات الرد الإيراني الذي يطال القواعد الأميركية داخله، ما يجعله ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل العسكرية. هذا الواقع لا يفاقم فقط هشاشته الأمنية، بل يضعه أيضاً أمام مأزق اقتصادي خطير، إذ إن أي تهديد لإغلاق مضيق هرمز ينعكس مباشرة على قدرته في تصدير النفط، وهو العمود الفقري لاقتصاده. وإلى جانب ذلك، يأتي هذا التصعيد في ظل انسداد سياسي داخلي مستمر، مع تعثر تشكيل حكومة جديدة، وسط تجاذبات حادة وتدخلات خارجية، من بينها الفيتو الأميركي على بعض الأسماء المطروحة مثل نوري المالكي، وهذا ما يعمّق حالة الشلل المؤسساتي.

هذا المشهد لا يخلو من كونه مساحة استثمار واضحة لإسرائيل، لكنه قد يؤدي إلى انفجار يتماشى مع ما قاله المرشد الجديد مجتبى خامنئي في أول خطاب له، من أن جبهات جديدة قد تُفتح على وسعها في محور المقاومة.

ثامناً: في خضم هذه الحرب الواسعة، يبدو أن حزب الله ينخرط في مسار استنزاف تدريجي لقدراته العسكرية، ويسلم أسلحته الثقيلة عن طريق إطلاقها على إسرائيل، في مواجهة مفتوحة تتجاوز الحسابات التكتيكية المباشرة إلى اعتبارات وجودية مرتبطة بدوره ووظيفته في الإقليم. فهذه الحرب، بالنسبة له، لا تُخاض فقط ضمن منطق الربح والخسارة التقليدي، بل ضمن سردية أوسع تتصل بإعادة تثبيت موقعه كفاعل مركزي في معادلة الصراع مع إسرائيل، حتى وإن ترتب على ذلك كلفة عالية تمسّ جزءاً من بنيته العسكرية.

وفي هذا السياق، يمكن رصد مفارقتين لافتتين آخذتين في التشكل. الأولى تتعلق بتنامي مؤشرات التعاطف الشعبي في مصر مع كل ما يرتبط بمواجهة إسرائيل، سواء في الساحة اللبنانية أو حتى الإيرانية، وهو تعاطف يعكس تحولات في المزاج العام العربي تتجاوز الاصطفافات السياسية التقليدية. أما الثانية، فتتمثل في الخطاب الرسمي التركي الذي أخذ منحى تحذيرياً متصاعداً إزاء اتساع العدوان الإسرائيلي على لبنان، في تعبير عن قلق متزايد من تداعيات إقليمية أوسع.

ولا يمكن فصل هاتين الظاهرتين عن إدراك ضمني لدى كل من القاهرة وأنقرة لاحتمالات تمدد الصراع وتداعياته، بما قد يفرض عليهما تحديات مباشرة أو غير مباشرة في المدى المنظور. من هذا المنطلق، قد يُفهم التقاطع بين التعاطف الشعبي هنا والموقف الرسمي هناك بوصفه تعبيراً أولياً عن إعادة تشكّل تدريجية في أنماط التفاعل مع الصراع، سواء على المستوى الشعبي أو على مستوى السياسات، وهو مسار يستحق المراقبة لما قد يحمله من دلالات على تحولات أعمق في بنية العلاقات الإقليمية.

في المقابل، تبقى الساحة اللبنانية مفتوحة على احتمالات شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الضغوط الخارجية مع هشاشة الداخل، ما يرفع من مخاطر الانزلاق نحو توترات داخلية أو فتن كامنة قد تجد من يغذيها أو يستثمر فيها. وفي حال تداخل المسار اللبناني بشكل أعمق مع مجريات الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، فإن ذلك قد يدفع نحو تدويل أكبر للأزمة، واستدعاء أدوار لقوى دولية لم تكن منخرطة سابقاً بهذا المستوى، بما يعيد وضع لبنان في قلب توازنات تتجاوز قدرته الذاتية على الاحتواء.

في المحصلة، لا يمكن قراءة المشهد الراهن إلا بوصفه متجاوزاً لكل الحسابات التقليدية. التخبط الأميركي الظاهر لا يلغي بالضرورة إمكانية تحقيق أهداف مؤجلة أو غير معلنة، كما أن ما يبدو مكسباً آنياً لبعض الأطراف قد ينقلب عبئاً استراتيجياً في المدى البعيد. وفي هذا الصدد، يبدو لافتاً ما كتبه روبرت كابلين في صحيفة “فورين أفيرز” والذي يمكن تلخيصه في أن الديمقراطيات لا تُقاس قوتها فقط بقدرتها على خوض الحروب، بل بنوع الحروب التي تدخلها، فهي تبدو حاسمة عندما يكون الصراع محدوداً وقابلاً للضبط، أو عندما يتحول إلى معركة وجودية يُعبّئ فيها المجتمع بالكامل. لكن المعضلة تظهر في الحروب المتوسطة التي لا يرى فيها المجتمع قدرة أو بداً من تحمل أكلافها طالما أنها ليست وجودية. في هذا النوع تحديداً، يبدأ التآكل من الداخل قبل أن يُحسم في الميدان، حيث يتقدم الانقسام السياسي على القرار العسكري، ويتحول الرأي العام من عامل دعم إلى عامل ضغط. وعند هذه النقطة تحديداً، لا تعود نتائج الحرب تُحسم في الجبهات، بل في داخل المجتمعات التي تخوضها.

المدن


كيف تكشف حرب إيران عن أربعة مخاوف صينية عميقة/ شيرلي يو
السؤال الذي لا تستطيع بكين تجاهله، فهو ما إذا كانت هذه عمليات تغيير الانظمة تستهدف خصوما بعينهم، أم إنها جزء من مسعى أوسع لتفكيك مجال نفوذ الصين العالمي
آخر تحديث 17 مارس 2026
حين شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات منسقة على إيران في فبراير/شباط 2026، فقتلتا “المرشد” علي خامنئي وألحقتا دمارا واسعا بالبنية التحتية العسكرية في طهران، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوة. وأوحى رد بكين العلني، الذي جمع إدانات أخلاقية محسوبة، والدعوة إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، وإيفاد مبعوث خاص إلى الخليج، ورسالة تصالحية أرسلها وزير خارجيتها إلى واشنطن، رأت بكين أنها ضرورية للحفاظ على ترتيبات قمة ترمب وشي، في نهاية مارس/آذار، بأنها قوة عالمية مستقرة تدير بهدوء اضطرابا جيوسياسيا غير مرغوب فيه، ولا يمس إلا هامشيا مصلحتها المركزية في الأمن القومي، وهي علاقتها بالولايات المتحدة.

ورغم أن بكين بدت حريصة على معايرة ردها على عملية “الغضب الملحمي” بقدر كبير من الانضباط ورباطة الجأش، فإن القلق المستتر خلف هذا الهدوء لم يكن يوحي بأي طمأنينة حقيقية. فخلف هذه الكوريغرافيا الدبلوماسية المحسوبة، برزت أربعة مخاوف عميقة ومتشابكة رسمت حسابات بكين وقيّدت مقاربتها لحرب إيران: الخوف على أمن الطاقة، والخوف من هيمنة الولايات المتحدة على نقاط الاختناق في البنية التحتية للتجارة العالمية التي يقوم عليها الاقتصاد الصيني، والخوف من استمرار استعداد واشنطن لفرض تغيير الأنظمة بالقوة العسكرية وقطع رأس القيادة عبر استهداف قادة دول ذات سيادة معادية لأميركا، والخوف على الطموحات الشخصية والعالمية التي طرحها شي جينبينغ، والتي يقوم جوهرها على بناء نظام عالمي متعدد الأطراف يزيح “باكس أميركانا”. وكل ما فعلته حرب إيران، ببساطة، أنها دفعت هذه المخاوف الأربعة دفعة واحدة إلى الواجهة.
الخوف الأول: فخ الطاقة

لفهم كيف أحدثت الحرب في إيران ارتدادات فورية في حسابات بكين الاستراتيجية، لا يصح الاكتفاء بعناوين الطاقة المتجددة، بل ينبغي النظر إلى السلعتين اللتين تقوم عليهما فعليا الصناعة الصينية وقطاعها البتروكيميائي، وهما النفط الخام والغاز الطبيعي المسال.

وقد بلغت واردات الصين من النفط الخام، وهي أكبر مستورد له في العالم، مستوى قياسيا في عام 2025 وصل إلى 11.55 مليون برميل يوميا. غير أن هذا الرقم، على ضخامته، لا يقدم الصورة كاملة. فقد وجهت بكين نحو 430 ألف برميل يوميا من هذه الواردات إلى التخزين خلال العام نفسه، وهو ما مثّل 83 في المئة من إجمالي الزيادة السنوية في واردات الخام، بما يشير إلى أن نمو الطلب الاستهلاكي الفعلي ظل محدودا للغاية. ويعكس هذا التوسع الكبير في التخزين قلقا وجوديا متجذرا في بكين من احتمال حدوث انقطاع مفاجئ في الإمدادات. فالصين، بوصفها ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم، تعتمد على الاستيراد لتلبية 74 في المئة من احتياجاتها النفطية، في حين لا يغطي إنتاجها المحلي سوى ربع استهلاكها.
تبدو خريطة موردي النفط إلى الصين شديدة التركز جغرافيا على نحو ينبغي أن يثير قلق أي خبير في شؤون الطاقة. فروسيا تتصدر القائمة بحصة تبلغ 20 في المئة، تليها السعودية بنسبة 14 في المئة، ثم العراق بنسبة 12 في المئة، فيما تتراوح حصة إيران بين 11 و14 في المئة. وبهذا المعنى، توفر منطقة الخليج الأوسع نحو 54 في المئة من واردات الصين من النفط الخام. وفي عام 2024، شكلت روسيا وإيران وفنزويلا مجتمعة 33 في المئة من واردات الصين من الخام، وهي ثلاث دول تخضع لعقوبات أميركية، يصل نفطها إلى السوق الصينية عبر أساطيل الظل وصفقات المقايضة وبخصومات كبيرة.
يُباع الخام الإيراني بخصم يتراوح بين 8 و10 دولارات للبرميل مقارنة بخام برنت. ومع بلوغ الواردات 1.3 إلى 1.4 مليون برميل يوميا، فإن انقطاع هذا الإمداد فجأة قد يكلّف شركات التكرير الصينية المستقلة ما يصل إلى 4.7 مليار دولار سنويا. وتعد مصافي “أباريق الشاي” المستقلة في مقاطعة شاندونغ أبرز المشترين لهذا الخام، وهي تشكل نحو ربع طاقة التكرير في الصين، ويعتمد نموذجها القائم على هوامش ربح منخفضة على لقيم رخيص.
يكشف هذا الواقع عن مفارقة جيوسياسية كبيرة. فالعقوبات الأميركية التي فرضت على إيران لسنوات طويلة بهدف عزلها أفضت، على نحو غير مباشر، إلى خدمة اقتصاد الخصم الاستراتيجي الأكبر لواشنطن.

وفي حال تراجع الإمدادات الإيرانية، قد تستطيع روسيا تغطية جزء من النقص. ووفقا لبيانات “فورتكسا”، رفعت الصين وارداتها من النفط الروسي إلى 2.07 مليون برميل يوميا في فبراير/شباط 2026، بزيادة بلغت 370 ألف برميل يوميا قياسا إلى يناير/كانون الثاني، ما عوض جانبا كبيرا من الكميات التي فقدتها من فنزويلا. لكن ضيق الطاقة الاستيعابية لخطوط الأنابيب يحد من قدرة موسكو على الحلول محل النفط الإيراني على نطاق واسع من دون سنوات من الاستثمار في البنية التحتية. ولهذا، فإن انقطاعا ممتدا لواردات الخام الإيراني قد لا يفضي إلى أزمة فورية، لكنه قد يربك ربع طاقة التكرير الصينية ويعمق تبعية بكين البنيوية لروسيا.

وإذا كان النفط يكشف عن هشاشة مزمنة في البنية الطاقية للصين، فإن الغاز الطبيعي المسال يضعها أمام نقطة ضعف أكثر إلحاحا وحدّة. ففي عام 2023، أصبحت الصين أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم، مع اعتمادها على أستراليا لتأمين 34 في المئة من وارداتها، وعلى قطر بنسبة 23 في المئة، ثم روسيا بنسبة 11 في المئة، وماليزيا بنسبة 10 في المئة. ونظرا إلى الثقل الكبير الذي تمثله الإمدادات القطرية في واردات الصين، فقد أفضت الضربات التي شنتها المسيّرات الإيرانية على مجمع رأس لفان، أكبر منشأة في العالم لتصدير الغاز الطبيعي المسال، إلى تداعيات بالغة الخطورة. فقد أسهمت الضربات في رفع الأسعار القياسية في أوروبا وآسيا بنحو 50 في المئة. وإذا اتجهت الصين إلى أستراليا لتعويض خسائرها بشكل سريع، فإنها تخاطر بتعميق اعتمادها على حليف رئيس للولايات المتحدة في المحيط الهادئ، ويمكن اعتراض إمدادات الغاز الطبيعي المسال الآتية منه في حال اندلاع مواجهة أميركية-صينية في المنطقة. وهكذا تعود روسيا، مرة أخرى، إلى موقع الخيار الافتراضي، وهو اعتماد تتحاشاه بكين، لكنها تجد نفسها أقل قدرة على تجنبه.
الخوف الثاني: كابوس نقاط الاختناق

تظل “معضلة ملقا” هاجسا ثابتا في صلب التفكير الاستراتيجي الصيني. ففي عام 2003، حذّر الرئيس السابق هو جينتاو اللجنة الدائمة للمكتب السياسي من أن نحو 80 في المئة من واردات الصين النفطية تمر عبر مضيق ملقا، وهو نقطة اختناق لا تسيطر عليها بكين ولا تملك تجاوزها بسهولة. وفي حال اندلاع صراع مع الولايات المتحدة، تستطيع القوة البحرية الأميركية اعتراض الشحنات المتجهة إلى الصين وخنق ثاني أكبر اقتصاد في العالم في غضون أسابيع. ومنذ ذلك التحذير قبل عقدين، أنفقت بكين عشرات المليارات على تطوير بدائل في البنية التحتية العالمية، لكن حرب إيران كشفت أن هذه البدائل لا تزال بعيدة عن تلبية الحاجة.
لقد أغلق مضيق هرمز فعليا، فانقطع عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية. كما تعطلت قناة السويس لأكثر من عام نتيجة ضربات الحوثيين ضد الملاحة في البحر الأحمر. أما في بنما، فقد نجحت إدارة ترمب في ممارسة ضغط انتهى بقرار من المحكمة العليا يقضي بعدم دستورية امتياز تشغيل الموانئ الذي كانت تتمتع به شركة “سي كيه هاتشيسون”، لتنقل بعد ذلك عمليات المحطات إلى مشغلين غربيين. وفي الوقت ذاته، بقي مضيق ملقا تحت حماية حلفاء الولايات المتحدة بموجب معاهدات نافذة. وبذلك، باتت الشرايين الأربعة التي يتوقف عليها ازدهار الصين خاضعة معا لمدى قدرة واشنطن على التعطيل واستعدادها لاستخدام هذه القدرة.
تشترك بدائل الصين، من ميناء غوادار في باكستان، وميناء هامبانتوتا في سريلانكا، إلى الممر الصيني الميانماري نحو كياوكبيو و”طريق الحرير القطبي” في القطب الشمالي، وخط أنابيب “قوة سيبيريا-2″، في سمة واحدة: فما من واحد منها إلا وتعثر أو تراجعت فاعليته أو اصطدم بعوائق فرضتها الجغرافيا أو السياسة أو النزاعات المالية. فميناء غوادار، جوهرة “الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني”، لا يضم سوى ثلاثة أرصفة، مقابل 33 رصيفا في كراتشي، كما أن حجم الحاويات فيه لا يتجاوز 3.2 في المئة من نظيره في كراتشي. وإلى جانب ذلك، خرج الممر الميانماري من الخدمة منذ انقلاب 2021، فيما يبقى المسار القطبي موسميا، أما خط “قوة سيبيريا-2” فلا يزال غير مشيد حتى الآن.

وفي المقابل، تواصل واشنطن تفكيك البنية التحتية العالمية للموانئ المرتبطة بالصين بصورة منهجية، سواء عبر “قانون الإبلاغ عن الموانئ الاستراتيجية” أو من خلال ممارسة ضغوط مباشرة على حكومات الدول المضيفة. وباتت موانئ “سي كيه هاتشيسون” الإحدى والأربعون المتبقية، المنتشرة عبر أبرز نقاط الاختناق في العالم، هدفا مباشرا لهذا الاستهداف.
وقد أكدت حرب إيران ما كانت بكين تخشاه منذ زمن: أن تجارة الصين العالمية وتدفقات الطاقة المتجهة إليها ما زالت تتحرك داخل مظلة أمنية تقودها واشنطن. والأهم من ذلك أنها أظهرت أن الولايات المتحدة لا تكتفي بالتحكم بهذه البنية، بل تبدو مستعدة أيضا لاستخدامها سلاحا عند الحاجة.
الخوف الثالث: سياسة الإكراه لدى ترمب

يتمثل الخوف الثالث في أمر يناقشه المسؤولون الصينيون بأقصى درجات التحفظ، لكنهم يشعرون بوطأته على نحو أشد: أثر النموذج الذي تجسده عمليات قطع الرأس وفرض تغيير الأنظمة بالقوة بقيادة الولايات المتحدة، بوصفه الأداة الحاسمة الجديدة في إدارة الدولة خلال حقبة ترمب. فخلال ستين يوما فقط، تخطت واشنطن عتبتين غير مسبوقتين. ففي يناير/كانون الثاني، نفذت قوات خاصة أميركية غارة ليلية في كاراكاس انتهت بالقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وتنصيب خليفة مطيع مكانه. وفي فبراير/شباط، قتلت ضربة أميركية-إسرائيلية مشتركة “المرشد” الإيراني في قلب طهران. وبذلك، خسرت بكين اثنين من أقرب شركائها الاستراتيجيين، وكلاهما من الموقعين على “شراكات استراتيجية شاملة” مع الصين.

بالنسبة إلى شي ودائرته الداخلية الضيقة، لا تبدو هذه مجرد وقائع عابرة في السياسة الخارجية، بل ملامح عقيدة أميركية استراتيجية جديدة آخذة في التبلور. فواشنطن تتصرف على أساس أن من حقها إزاحة حكومات تعدها معادية، أو ترى أنها تفتقر إلى وسائل الردع الكافية، أو تمتلك أصولا تعتبرها ذات قيمة استراتيجية. أما السؤال الذي لا تستطيع بكين تجاهله، فهو ما إذا كانت هذه العمليات تستهدف خصوما بعينهم، أم إنها جزء من مسعى أوسع لتفكيك مجال نفوذ الصين العالمي، شريكا بعد آخر. وتمثل فنزويلا وإيران، ومعهما كوبا، عقدا أساسية في شبكة شراكات بكين، ويواجه كل منها إما خطر السقوط أو تهديدا وجوديا.
ولعل أوضح ما يكشف حجم الصدمة التي أحدثتها هذه التطورات في قيادة “الحزب الشيوعي الصيني” هي الأدلة الخفية. ففي 4 يناير/كانون الثاني، بعد يوم واحد من القبض على مادورو، اختفى تشونغنانهاي، المجمّع الرسمي لشي، بالكامل من “خرائط بايدو” و”خرائط إيه ماب” و”خرائط تينسنت”. وبحلول مارس/آذار، أفاد سكان في بكين بوجود أعمال بناء متواصلة على مدار الساعة في متنزه ششان الوطني للغابات، حيث يقع مركز القيادة التابع للمفوضية العسكرية المركزية. ومن شبه المؤكد أن قدرة الولايات المتحدة المثبتة على تنفيذ عمليات قطع الرأس بدقة عجّلت ببناء ما وصفه مراقبون بـ”المدينة العسكرية لبكين”، وهو مجمع تحت الأرض يضم مركز قيادة وملاجئ نووية.
لقد وضع نهج ترمب بكين أمام حقيقة قاسية: فهي تستعد لاحتمال مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، وتسعى في الوقت نفسه إلى فتح باب الانفراج في العلاقات الثنائية.
الخوف الرابع: نظام شي العالمي غير المكتمل

أما الخوف الرابع، فهو الأعمق أثرا في النظام العالمي والأعصى على المعالجة، لأنه لا يتعلق بميزان القوة بقدر ما يتعلق بالمصداقية نفسها. فالصين قد تتمكن من إعادة توجيه مسارات الطاقة، وقد تنجح جزئيا في الالتفاف على نقاط الاختناق، وقد تعزز تحصين ملاجئها تحت الأرض. لكن حرب إيران مزقت الأساس الذي تستند إليه طموحاتها في قيادة الجنوب العالمي: أن الشراكات الصينية تملك وزنا فعليا، وأن الحضارة التي ترفع لواء التعددية القطبية ليست، في نهاية المطاف، مجرد خطاب.

منذ عام 2013، انصرف شي إلى بناء بدائل مؤسسية واسعة للنظام الذي يقوده الغرب، من “مبادرة الحزام والطريق” التي شملت 150 دولة، إلى بنك التنمية الجديد، ومنظمة شنغهاي للتعاون بعد توسعها، و”بريكس” بعد توسيعها إلى كتلة من عشر دول تمثل 55 في المئة من سكان العالم وربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
وشكّلت إيران وفنزويلا ركيزتين أساسيتين في هذه البنية. فأدت إيران دور الجسر البري الذي لا غنى عنه في الامتداد الغربي لممر “الحزام والطريق”، وكانت عضوا في “بريكس+”، و”منظمة شنغهاي للتعاون”. أما فنزويلا، فثبّتت حضور الصين في نصف الكرة الغربي. غير أن الولايات المتحدة فككت الآن، عمليا، هاتين الركيزتين.

دأبت الصين طويلا على القول، بمنطق سليم، إن امتناعها المقصود عن بناء تحالفات أمنية هو ما يميزها عن الولايات المتحدة المفرطة في التمدد. لكن كتلة “بريكس”، وهي تواجه اغتيال “المرشد الأعلى” لدولة عضو على يد الولايات المتحدة، لم تستطع الاتفاق حتى على بيان يسمّي الجهة المسؤولة. وتعيش “منظمة شنغهاي للتعاون” حالة شلل مماثلة.
مع ذلك، تبرز أمام بكين فرصة حقيقية. فانسحاب الرئيس ترمب من منظمة الصحة العالمية، ووقف تمويل برنامج الأغذية العالمي، وإظهاره ازدراء علنيا لمنظومة الأمم المتحدة، كلها أمور تفتح مجالا فعليا أمام الأطر البديلة التي أمضت الصين عقدا في بنائها. وقد لخّص وزير الخارجية وانغ يي هذا المعنى بدقة لافتة في المؤتمر الصحافي للمجلس الوطني لنواب الشعب الأسبوع الماضي، حين قدّم الصين بوصفها “أهم قوة في العالم من أجل السلام والاستقرار والعدالة” في لحظة بدت فيها واشنطن نقيض ذلك. لكن العالم الذي تتآكل ثقته بقيادة الولايات المتحدة لن ينقل هذه الثقة تلقائيا إلى الصين، إذا كان أقصى ما تقدمه لشركائها إدانة قوية تصدر من مسافة آمنة فيما يواجهون هم الحريق.
القمة التي لا تحتمل الفشل

يريد شي أن تنجح القمة، وأن يثبت أن انخراط الصين مع واشنطن قادر على تحقيق نتائج ملموسة، بما يحفظ هدنة التجارة التي أسهمت في تثبيت الأوضاع الاقتصادية في الصين والحيلولة دون مزيد من التدهور، وبما يوجّه في الوقت نفسه رسالة إلى الجنوب العالمي مفادها أن بكين قادرة على إدارة أخطر علاقة في العالم من دون أن ترضخ لها. الجدير ذكره ان الرئيس دونالد ترمب تحدث عن امكان ارجاء القمة مع الزعيم الصيني.
لا ترى الصين جدوى في تصعيد التوتر مع الولايات المتحدة بسبب إيران، وما زالت تضع الحفاظ على هدنة التجارة والاستقرار العام في العلاقة الأميركية-الصينية في قمة أولوياتها. وقد قال وانغ يي صراحة في مؤتمره الصحافي على هامش المجلس الوطني لنواب الشعب إن على الطرفين “إدارة المخاطر القائمة فعلا وإزالة الاضطرابات غير الضرورية”، فيما يوحي بأن إيران ليست في نظر بكين سوى مصدر اضطراب، لا محور اهتمامها الأساسي. لذلك، لن تسعى الصين إلى تعريض الزخم الإيجابي الذي راكمته مع إدارة ترمب خلال العام الماضي للخطر. لكن القمة تضع شي أيضا أمام مفارقة قاسية: أن يجلس وجها لوجه مع رئيس قتل لتوه أحد شركائه الاستراتيجيين، وسجن شريكا آخر، ويكاد يلاحق آخر زعيم شيوعي في نصف الكرة الغربي، فيما يُنتظر منه في الوقت نفسه أن يقدّم تنازلات.

ويقف خلف ترتيب الأولويات هذا دافع داخلي واضح. فاقتصاد الصين يرزح تحت ضغوط متزايدة، وسط توقعات بأن يسجل في عام 2026 نموا يتراوح بين 4.5 و5 في المئة، وهو أدنى مستوى منذ عقود. وفي ظل هذا الوضع، تبدو الصفقة التجارية الناجحة، وتخفيف الرسوم الجمركية، واستقرار العلاقة الأميركية-الصينية، من الأدوات القليلة القادرة على توليد قدر من الثقة الخارجية تعجز السياسة الداخلية وحدها عن توفيره. ومع اقتراب مؤتمر “الحزب الشيوعي” في عام 2027، حيث يرجح أن يسعى شي إلى ولاية رابعة، تصبح مصداقية هذا المسعى رهنا بقدرة الاقتصاد على الصمود، وهي قدرة ترتبط إلى حد بعيد بعلاقة الصين بواشنطن.
وخلف المفاوضات الاقتصادية، هناك طبقة أمنية أعمق تطغى على سائر بنود جدول الأعمال. ففي اتصال مع ترمب في شهر فبراير/شباط 2026، قال شي إن تايوان ما زالت “القضية الأهم” في العلاقة الثنائية، محذرا من أي مبيعات إضافية للسلاح إلى تايبيه. وتمثل تايوان الخط الأحمر للصين، إذ تلتقي عندها الشرعية السياسية والهوية الوطنية وإرث شي الشخصي. لذلك، فإن أي تنازل قد تقدمه بكين بشأن إيران، أو التجارة، أو المعادن النادرة، سيقاس في النهاية بمدى ما يمكن أن يتيحه لها من نفوذ في مضيق تايوان. وفي هذا المعنى، تغدو القمة أداة يسعى شي عبرها إلى إدارة هذه الصفقة الكبرى.
وتكشف حسابات شي، على نحو قاس، أن نظام إيران الثيوقراطي يبقى في نهاية المطاف شريكا يمكن التضحية به، بخلاف العلاقة الأميركية-الصينية. فبكين لا ترى مصلحة في تصعيد التوتر مع واشنطن بسبب طهران قبل القمة، ولن تجازف بالعلاقة الثنائية من أجل شريك عجزت عن حمايته.
لكن إذا انهارت الصفقة الكبرى بين الولايات المتحدة والصين، فقد تنقلب حسابات بكين حيال إيران، وتعيد رسم خريطتها الاستراتيجية العالمية.
وتتوقف جدوى ضبط النفس المحسوب الذي ينتهجه شي على مسار الحرب في إيران، ومصير النظام فيها، وطول أمد إغلاق مضيق هرمز، وحدود قدرة الولايات المتحدة، على احتواء حرب أشعلتها، وقدرتها على حماية واحد من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم وضمان حرية الملاحة فيه.
وقد كتب الرئيس ترمب في منشور على منصة “تروث سوشيال” أنه إذا أغلقت إيران مضيق هرمز، فإن “الموت والنار والغضب سيحلّ عليهم… هذه هدية من الولايات المتحدة الأميركية إلى الصين”. وكانت تلك “الهدية” مغمّسة بالنار والغضب، ووصلت إلى متلق لم يكن يحتاج إليها أصلا، على الأقل حتى 28 فبراير/شباط.
وفي ظل المخاوف الأربعة التي كشفتها حرب إيران، قد تجد الصين نفسها أمام أكثر استنتاجاتها مرارة؛ أنها، في نهاية المطاف، ستظل مضطرة إلى العيش في عالم تصنع أميركا قواعده.

المجلة


أميركا وإسرائيل… التحالف الذي يحتاج إلى إعادة تعريف/ رمزي عز الدين رمزي
حين يُصبح الدعم الشعبي متغيرا لا ثابتا
آخر تحديث 18 مارس 2026
على مدى عقود، مثّل الدعم الأميركي لإسرائيل واحدا من الثوابت النادرة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وتعاملت معه إدارات ديمقراطية وجمهورية على السواء باعتباره مسلّمة استراتيجية، لذلك قلّما واجه تشكيكا داخل واشنطن، كما حظي بقبول واسع لدى الرأي العام الأميركي. غير أن هذا الإجماع أخذ يتعرض لضغوط متزايدة، وتساعد الحرب مع إيران في تسريع وتيرة هذا التحول.

جسّد استطلاع أجرته مؤسسة “غالوب” في فبراير/شباط 2026 تحولا لافتا. فللمرة الأولى منذ أن بدأت المؤسسة قياس هذه القضية، أعرب الأميركيون عن تعاطف أكبر مع الفلسطينيين مقارنة بالإسرائيليين. وقال 41 في المئة إنهم يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقابل 36 في المئة مع الإسرائيليين. وقبل ثلاثة أعوام فقط، كانت هذه النسب شبه معكوسة تماما.

قلّما يشهد الرأي العام تحولا بهذا القدر من الحدة من دون عوامل تدفعه نحو هذا التحول. ولا يقتصر هذا العامل اليوم على الحرب المدمرة في غزة، بل يشمل أيضا تنامي الانطباع بأن الولايات المتحدة زجّت نفسها في صراع جديد في الشرق الأوسط من دون رؤية واضحة لما تسعى إلى تحقيقه.

وحتى قبل أن توجه الولايات المتحدة ضرباتها الأولى إلى إيران، كانت استطلاعات الرأي تشير باستمرار إلى أن أكثرية الأميركيين ترفض الانخراط العسكري المباشر في حرب من هذا النوع. ولم يكن هذا الرفض محصورا في تيار سياسي أو فئة عمرية بعينها، بل امتد عبر مختلف الأحزاب والأجيال. وبعد عقدين من الحروب المكلفة في العراق وأفغانستان، بقي الأميركيون مترددين في خوض مواجهة طويلة جديدة في الشرق الأوسط.

ومع ذلك، تنخرط الولايات المتحدة الآن في صراع من هذا النوع؛ صراع تبدو أهدافه وكأنها تتبدل مع كل مرحلة. ففي البداية، قُدّم التحرك على أنه محدود ومركّز، بوصفه حملة تستهدف إضعاف القدرات النووية الإيرانية ومنع طهران من الاقتراب أكثر من امتلاك سلاح نووي. لكن هذا الوصف لم يلبث أن اتسع، وبدأ مسؤولون يتحدثون عن حمل إيران على تغيير سلوكها الإقليمي.

وفي مراحل مختلفة، عكس النقاش طموحات أوسع، شملت إضعاف شبكة الوكلاء الإقليميين التابعة لإيران، وإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة، بل وحتى تشجيع تغيير سياسي داخلي في طهران. ومؤخرا، عادت الإدارة إلى استخدام لغة الردع، فقالت إن الضغوط المتواصلة ستدفع إيران في نهاية المطاف إلى العودة للمفاوضات.

ويعكس كل هدف من هذه الأهداف مسارا استراتيجيا مختلفا. لكن اجتماعها يكشف مشكلة أعمق، وهي أن الولايات المتحدة لم تحدد بوضوح ما الذي يعنيه النجاح في هذه الحرب.

تعتمد الحملات العسكرية على وضوح سياسي. ويحتاج القادة العسكريون إلى معرفة ما إذا كانت المهمة محدودة أم تنطوي على غاية تغييرية. ويحتاج الدبلوماسيون إلى معرفة ما إذا كانوا يمهدون لتسوية تفاوضية أم يستعدون لمزيد من التصعيد. ومن دون هدف ثابت، قد تنزلق العمليات العسكرية إلى مسار مفتوح لا أفق واضحا له، بدلا من أن تندرج ضمن استراتيجية محددة. وقد بدأت آثار هذا الغموض تظهر بالفعل.

دبلوماسيا، يتعامل شركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بحذر بالغ. فدول الخليج العربية، التي يبقى تعاونها ضروريا لاستقرار المنطقة، لا ترغب في الانجرار إلى مواجهة طويلة مع إيران ما دام مسارها يفتقر إلى الوضوح. كما أبطأت السعودية خطواتها المتحفظة نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل في ظل التوترات الإقليمية. ويخيم القلق نفسه على الحلفاء الأوروبيين، إذ لم تجرِ واشنطن مشاورات وثيقة مع كثير منهم قبل التصعيد، وهم يواجهون الآن تبعات اقتصادية ناجمة عن اضطراب الخليج، ولا سيما في أسواق الطاقة التي تظل شديدة الحساسية لأي توتر قرب مضيق هرمز.

أخذ الأثر الاقتصادي يظهر بوضوح. فقفزت أسعار النفط مع اندلاع الصراع، في انعكاس مباشر للمخاوف من أن تهدد مواجهة أوسع تدفق الطاقة عبر واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. وسرعان ما لمس المستهلكون الأميركيون هذا الأثر في محطات الوقود، ما أضاف عبئا جديدا على اقتصاد يرزح أصلا تحت وطأة تضخم مستمر.

عالميا، بدأت التداعيات تتوالى على نطاق أوسع. فارتفعت أقساط التأمين على السفن العاملة في مياه الخليج ارتفاعا حادا، وبدأت سلاسل الإمداد المرتبطة بمسارات الطاقة في الشرق الأوسط تتعرض لاختناقات متزايدة. كذلك أخذ الإنفاق الدفاعي في الصعود، وهو ما سينعكس في نهاية المطاف على النقاشات المالية في واشنطن.

وفي موازاة ذلك، تعثرت الرؤية الاقتصادية الأوسع التي رافقت الدبلوماسية الأميركية في المنطقة خلال السنوات الماضية، من الاندماج الإقليمي إلى ممرات الاستثمار وتوسيع التجارة بين إسرائيل وجيرانها العرب.

وبذلك أخذ الصراع، الذي كان يفترض أن يظل محدودا، يكتسب شيئا فشيئا ملامح كلفة اقتصادية ترجح امتداده.

وخلف هذه التحديات تبرز معضلة استراتيجية أعمق، قوامها أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تخوضان هذه الحرب بالتصور نفسه ولا بالغايات نفسها. فمنذ البداية، بدت مقاربة واشنطن أكثر تحفظا. إذ تمثل هدفها في إضعاف القدرات النووية الإيرانية ودفع طهران إلى العودة للمفاوضات، من دون الانزلاق إلى اضطراب إقليمي أوسع.

في نظر صناع القرار الأميركيين، لا يقتصر أسوأ ما قد تفضي إليه هذه الحرب على بقاء إيران قوية، بل يشمل أيضا احتمال انهيارها من الداخل. فذلك من شأنه أن يطلق موجات أشد خطرا على استقرار المنطقة، من العراق إلى لبنان، وأن يضع واشنطن أمام تحديات أمنية أعقد بكثير من تلك التي تواجهها اليوم.

أما من المنظور الإسرائيلي، فالحسابات الاستراتيجية مختلفة. فالقادة في إسرائيل يعدّون إيران التهديد الأبرز على المدى البعيد لأمن البلاد. ويظل وقف الطموحات النووية الإيرانية هدفا أساسيا، لكنّ كثيرا من الإسرائيليين يرون أن ذلك وحده لا يكفي، وأن إضعاف النفوذ الإقليمي الإيراني على نحو أعمق صار ضرورة أيضا. ويعني ذلك، في نظرهم، تفكيك شبكة الجماعات المسلحة التي ترعاها طهران، والحد بصورة دائمة من قدرتها على بسط نفوذها في أنحاء الشرق الأوسط.

ولن يكون التوفيق بين هاتين الرؤيتين أمرا سهلا، فإحداهما تقف عند حدود الضغط المحدود، فيما تتطلع الأخرى إلى تغيير أوسع في بنية المشهد. وإذا ظلت الأهداف الأميركية غامضة، فقد يندفع مسار الصراع تدريجيا نحو الأجندة الأوضح والأكثر طموحا.

وتشهد السياسة الداخلية في الولايات المتحدة تحولا أيضا. فالأميركيون الأصغر سنا، على وجه الخصوص، ينظرون إلى المنطقة بمنظور يختلف عن منظور الأجيال السابقة. وتظهر استطلاعات الرأي أن التعاطف مع الفلسطينيين بين من هم دون الخامسة والثلاثين بات يفوق التعاطف مع الإسرائيليين بفارق واضح.

ولا تعكس شكوك هذه الفئة حيال الحرب مع إيران تغيّر نظرة الأميركيين الأصغر سنا إلى إسرائيل فحسب، بل تعكس أيضا إرهاقا أوسع من التدخلات العسكرية المفتوحة التي تتبدل أهدافها مع مرور الوقت.

بالنسبة إلى كثير من الأميركيين، يبدو هذا المشهد مألوفا، إذ تبدأ الحرب بأهداف محدودة، ثم يتسع نطاقها تدريجيا، ويغدو إنهاؤها أكثر صعوبة.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن الشراكة الأميركية-الإسرائيلية توشك على الانهيار. فما تزال الروابط الاستراتيجية بين البلدين راسخة، وما يزال الدعم لإسرائيل يحظى بتأييد قوي من الحزبين في الكونغرس.

لكن التحالفات لا تستند في نهاية المطاف إلى متانة المؤسسات وحدها، بل تحتاج أيضا إلى شرعية من الرأي العام، وإلى وضوح في الغاية الاستراتيجية المشتركة.

ويقدم التاريخ في هذا السياق مثالا واضحا. فالدعم الأميركي لحرب فيتنام لم يتداع فجأة، بل أخذ يتآكل تدريجيا كلما اتسعت الهوة بين الحرب التي اعتقد الأميركيون أنهم يخوضونها، والحرب التي راحت تتكشف أمامهم.

لا تشبه الحرب مع إيران حرب فيتنام. لكن ما ينبغي التوقف عنده هو النمط الذي قد يجمع بينهما، حرب باهظة الكلفة تمضي من دون أهداف واضحة، وهو ما يستدعي من صناع القرار وقفة جادة. فالرأي العام يتبدل، والضغوط الاقتصادية تتصاعد، فيما يظل المقصد الاستراتيجي من هذه الحرب غير واضح.

وعاجلا أم آجلا، ستضطر الولايات المتحدة إلى مواجهة سؤال لا يمكن إرجاؤه إلى ما لا نهاية: ما الذي يراد لهذه الحرب أن تحققه تحديدا، وكيف يفترض أن تنتهي؟


الحرب الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية… ماذا بعد؟/ وحيد عبد المجيد
لم تكن هذه الحرب مفاجئة بأي حال بل كان نشوبها متوقعا سواء في الوقت الذي اندلعت فيه أو بعده بقليل
آخر تحديث 18 مارس 2026
ليس سهلا الجواب عن السؤال المتعلق بنتيجة الحرب الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية الجارية. الخسائر الإيرانية تزداد كل يوم. وقدرة النظام في طهران على الصمود تبدو على المحك. ومع ذلك يظل تحديد ما سيحدث في نهاية الحرب سواء في جولتها الحالية أو في جولة تالية صعبا، لأنه يتعلق بهذه القدرة على الصمود. وهي تتوقف على عوامل عدة لعل أهمها استمرار تماسك النواة الصلبة للنظام الإيراني. فهذه النواة، التي تضم “الحرس الثوري” والجيش والأجهزة الأمنية والاستخباراتية وقوات “الباسيج”، هي عصب النظام. واستمرار تماسكها ووحدتها هو كلمة السر في قدرة هذا النظام على الاستمرار والصمود أياً تكن الخسائر التي يتكبدها كل يوم.

أما انكسار هذه النواة بسبب خلافات على كيفية التعامل مع أي جانب من جوانب الحرب، أو حدوث انشقاق ربما لوصول أحد مكونات هذه النواة إلى استنتاج مفاده أن الوضع لم يعد يتحمل الانتظار، فقد يفتح الباب أمام تفاعلات ربما تُيسّر محاولات تغيير النظام من داخله. وقد نجحت هذه النواة في عبور اختبار اختيار “المرشد الأعلى” الجديد مجتبى خامنئي، ولكنه لم يكن سهلا. فالمعطيات التي تتوافر عن التفاعلات التي أحاطت ذلك الاختبار تشي بأن الجناح الأكثر تشددا في النظام مارس ضغوطا قصوى لتمرير هذا الاختبار ثم للتعجيل بإعلانه.

ويعني هذا أن الحرب على إيران قد لا تُحسم إلا من خلال حالة النظام تماسكا أو تخلخلا لأن إسقاطه بواسطة ضربات جوية وصاروخية واستنزاف يومي يبدو أصعب ما لم يحدث اختلال ما في داخله. وإذا صح هذا الاستنتاج فهو قد يعني أن تغييرا كاملا للنظام ليس ممكنا. فهذا نظام أيديولوجي يقوم على عقيدة صلبة ولديه أتباع في كل مكان من البلاد. ولذا يصعب تصور حدوث تغيير في طبيعته، أي إبطال مفعول العامل الأيديولوجي الذي يرجح أن يستمر في صورة ما حتى في حالة تحقق هذا التغيير.

أما إذا حافظت النواة الصلبة للنظام على تماسكها مهما اشتدت الضربات وازدادت الخسائر، وواصلت الصمود الصعب في مواجهة قوى عاتية، فستخرج إيران من الجولة الحالية خاسرة ولكن غير مهزومة بشكل كامل. وسيكون في إمكان التحالف الأميركي-الإسرائيلي إعلان النصر على إيران. ولكنه لن يكون نصرا حاسما يلغي الرقم الإيراني فى المعادلات الإقليمية، وإن استطاع إضعافه والحد من قدرته على التأثير. ومع ذلك ستكون خسارة إيران أكبر مما كان متوقعا، وخاصة حين تتضح تفاصيل ما فقدته في قدراتها النووية والصاروخية وغيرهما من الخسائر التي كان ممكنا تجنبها لولا الحسابات الخاطئة التي قادت إليها أو قُل حالت دون تفاديها.
فلم تكن هذه الحرب مفاجئة بأي حال. كان نشوبها متوقعا سواء في الوقت الذي اندلعت فيه أو بعده بقليل. فقد كان الإعداد لها مستمرا على قدم وساق فيما المفاوضات تُجرى حول برنامج إيران النووي. وعندئذ لم يعد في إمكان النظام الإيراني أن يتفاداها لأن حساباته كانت خاطئة منذ البداية.
لم تُحسن القيادة الإيرانية باتجاهيها المتشدد والإصلاحي قراءة التغيير الذي يحدث فى الوضع الدولي منذ بدء حرب الإبادة في قطاع غزة ثم فوز الرئيس دونالد ترمب بالرئاسة ودخوله البيت الأبيض ودعمه اللامحدود واللامسبوق لإسرائيل التي اتخذت قرار شن الحرب على إيران وأخذت الولايات المتحدة معها فى ظل صمت دولي شامل تقريبا.
ولو أن القيادة الإيرانية أحسنت قراءة هذا التحول الكبير لربما سعت في وقت مبكر إلى التحرك لتفادي الحرب أو جعل شنها أصعب. وكان أمامها طريق واحد في هذا الاتجاه، وهو التفاهم مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية على صيغة تقدم فيها تنازلات على صعيد إتاحة تفتيش مفاعلاتها النووية وفتحها أمام مفتشي الوكالة سعيا إلى انتزاع اعتراف منها بسلمية البرنامج النووي المتذرَّع به لشن الحرب. فعندما تكون العاصفة شديدة عاتية يحسن الانحناء لها كي تمر. وهي ستمر لا محالة، لو أن الحسابات كانت في محلها، وقادت إلى تفاهم مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وقدمت إيران التنازل الضروري للوصول إليه، حتى إن كان تنازلا مجانيا.
ووفقا للحسابات الرشيدة التي افتقرت القيادة الإيرانية إليها، فإن التنازل المجاني يمكن التراجع عنه حين يتغير الوضع ويصير هذا ممكنا دون المخاطرة بحرب تدمر الكثير مما بنته إيران في عقود. ولكن طهران، التي لم تحسن قيادتها قراءة الوضع، ضيعت فرصة الحصول على “شهادة براءة” من الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ولو أنها حصلت على هذه الشهادة في وقت مبكر، أي في أوائل العام الماضي أو منتصفه، لصار شن الحرب الشاملة عليها أصعب، ولربما تمكنت من تفاديها والحفاظ على قدراتها التي بنتها في عقود وادخارها للحظة تستطيع فيها استخدامها في إطار استراتيجيتها الإقليمية دون التعرض لمخاطر كبيرة.


إيران و “حزب الله”: حرب المصير الواحد/ رفيق خوري
18 مارس ,2026
مفاوضات أو لا مفاوضات، ليست تلك هي المسألة. ولا شيء يتغير في الأولويات. المسألة هي ما يتحكم بالتفاوض واللاتفاوض تحت ضغط الظروف ودقة الحسابات. والأولويات لا تزال كما كانت قبل صواريخ “حزب الله” وردود إسرائيل التصعيدية في تهجير مليون إنسان وتوسيع القصف والاجتياح البري، وكلها جزء من حرب إيران ردًا على الحرب الأميركية – الإسرائيلية المشتركة. فما تطلبه أميركا وإسرائيل وأوروبا والدول العربية كشرط لبدء أي تفاوض لبناني – إسرائيلي برعاية دولية هو سحب سلاح “الحزب” والذي قرره مجلس الوزراء قبل الحرب ومبادرة التفاوض. وما لم تستطع الدولة الذهاب فيه إلى النهاية لأسباب وتقديرات مختلف عليها قبل الحرب، صار فعله أصعب خلال الحرب.

ذلك أن “حزب الله” لم ينتقل، حسب التحليلات الشائعة، من “حرب إسناد” لغزة إلى حرب الإسناد لإيران بمقدار ما انتقل من دعم معركة “حماس” إلى الانخراط في حربه هو. إسناد غزة كان من باب الواجب غلطة استراتيجية دفع هو وبيئته ولبنان ثمنها الباهظ. والمشاركة في حرب إيران هي بالنسبة إليه حتمية استراتيجية دفاعًا عن نفسه والجمهورية الإسلامية في “حرب وجود”. ومن الوهم فك الارتباط بين المعارك في إيران ولبنان لأن المصير واحد والعدو واحد. ولن يتبدل الأمر، ولو توقفت حرب طهران بصفقة أميركية – إيرانية، واستمرت إسرائيل في مطاردة “حزب الله” وسلاحه وأكمل هو حربه في انتظار أن يستعيد نظام الملالي قوته بعد الصفقة المفترضة.

وما كشفته الحرب ليس من أسرار الآلهة بالنسبة إلى الذين تابعوا “حزب الله” من البداية بالقراءة الموضوعية، وإن أدت الوقائع في البلد والظروف والحسابات إلى بعض التغيير في بياناته وخطابه. ففي لقاء مع مسؤول مهم في “الحزب” قبل سنوات قال الرجل لمحادثيه بصراحة: انتم تقولون إننا مرتبطون بإيران أو تابعون لها أو حتى عملاء ووكلاء، وهذا ليس صحيحًا. الصحيح هو “نحن إيران”. حتى ولادة “الحزب” في بعلبك على يد السفير الإيراني في دمشق الشيخ أختري بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، فإن التركيز على مقاومة الاحتلال في “مانيفستو” الإعلان الرسمي للولادة عام 1985 تقدم عليه الولاء للولي الفقيه “الحائز الشرائط” الشرعية، وتحديد الهدف في لبنان، وهو إقامة “الجمهورية الإسلامية”. فمقاومة الاحتلال مهمة على الطريق إلى الهدف الأكبر. وليس أمرًا قليل الدلالات أن يبدأ “الحزب” قصف إسرائيل بعد عام ونصف من اللارد على اعتداءاتها اليومية خشية “أن تتوحش أكثر” حسب الشيخ نعيم قاسم، وهو يعرف أن العدو الصهيوني يمهد الطريق لما سماه نتنياهو “إكمال المهمة” في الشمال. فهو يقاتل على أرض هجّرت إسرائيل بيئته منها، خلافًا لنظرية ماوتسي تونغ حول “السمكة والماء” وبالتالي حاجة المقاومة إلى العمل محوطة ببيئتها كما يتحرك السمك في الماء ولا يعيش خارجه. وهو يتوعد اللبنانيين بحرب أهلية لا طرف آخر فيها، إذا حاولت السلطة تنفيذ قرار سحب السلاح، بحيث يضعهم تحت ضغط حربين: واحدة مع إسرائيل، وأخرى حرب أهلية باردة لكنها مثل سيف مصلت على أكثرية اللبنانيين. حربان هما جبهة مفتوحة في حرب واحدة هي حرب إيران.

والواضح في الظروف الداخلية والخارجية أن المفاوضات لا توقف الحرب، لكنها قد تقود الى حرب أخرى في الداخل. وما تؤكده الوقائع هو قول الدكتور هنري كيسينجر “الدبلوماسية لا تعمل في فراغ، ولا تُصنع ببلاغة المشاركين بل بتجميع توازن بين المخاطر والحوافز”.

*نقلاً عن “نداء الوطن”.


توزيع الأدوار.. كيف تتقاسم واشنطن وتل أبيب خريطة الأهداف في إيران؟
مع استمرار الحرب الأمريكية الإيرانية، برزت معطيات تشير إلى وجود “خطة تقسيم مهام”، حوّلت الأراضي الإيرانية إلى “قطاعات نفوذ عسكري”. إذ تضطلع الولايات المتحدة بما يمكن تسميته بـ”التحطيم الإستراتيجي” للقدرات اللوجيستية والبحرية، بينما تقوم إسرائيل بمهمة الاغتيالات ومحاولة “تفكيك النظام الأمني” في البلد.

ولا يعني هذا حصر مهام كل منهما في أدوار معزولة، بل من الواضح أن تلك الأدوار تتداخل وتتكامل إلى حد كبير، فتقسيم الأدوار أقرب ما يكون إلى تكتيك لتنظيم النيران، واستخدام كل طرف لنقاط قوته التكنولوجية والعسكرية في ظل إستراتيجية واحدة ومتكاملة.

التقسيم الجغرافي.. مَن يضرب وأين؟
أمريكا.. الجنوب والوسط (الساحل ومضيق هرمز)

تتركز الضربات الأمريكية على الجنوب والوسط الإيراني، خاصة المناطق الساحلية المطلة على الخليج العربي ومضيق هرمز، بهدف شلّ قدرة إيران على تهديد الملاحة الدولية.

ووفق ما ذكره قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر، فإن الولايات المتحدة تهدف إلى “تقويض قدرة إيران على وقف حركة الملاحة في مضيق هرمز، وبحسب تقارير معهد دراسات الحرب، استهدفت الولايات المتحدة:

القواعد البحرية للحرس الثوري في بوشهر وبندر عباس وبندر جاسك.
مستودع ذخيرة تابع للبحرية الإيرانية في محافظة بوشهر.
ميناء بندر جاسك في محافظة هرمزغان (مقر المنطقة البحرية الثانية للجيش الإيراني).
قواعد جوية تكتيكية في دزفول (محافظة خوزستان).

كما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنها ضربت أكثر من 6500 هدف في الأيام العشرة الأولى من الحرب، ودمرت أو أتلفت 50 سفينة إيرانية على الأقل.

ومع استمرار الهجمات الأمريكية ارتفعت التقديرات لتصل إلى تدمير أكثر من 100 سفينة وقطعة بحرية، شملت فرقاطات، وزوارق سريعة، وسفن إسناد، وفق تقديرات المعهد البحري الأمريكي.
إسرائيل.. الغرب وطهران (اغتيالات وخلخلة أمنية)

في المقابل، تركز إسرائيل على غرب إيران والعاصمة طهران، مستهدفة قلب النظام وخلخلة السيطرة الأمنية. ووفق ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز، فإن الهجمات الإسرائيلية على إيران “تستهدف أجهزة الأمن الداخلية للبلاد كجزء من إستراتيجية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لزعزعة استقرار الحكومة وخلق الظروف المناسبة لانتفاضة شعبية”.

وفي هذا السياق أعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف:

مقر البحرية التابع للحرس الثوري في طهران.
قواعد ونقاط تفتيش الباسيج في أنحاء طهران.
وحدة الإمام الهادي الأمنية (تتكون من قوات الباسيج والحرس الثوري).
مقر شرطة محافظة فارس.

كما قصفت إسرائيل محافظتي إيلام ولرستان (غرب إيران) لمحاولة فتح ممر بري للقوات الكردية لإشغال النظام في جبهة بعيدة عن العاصمة.

التقسيم النوعي.. مَن يقتل ومَن يدمّر؟
أمريكا تدمر البحرية

تولت الولايات المتحدة مهمة تدمير البحرية الإيرانية بشكل شبه كامل، وبحسب شبكة “سي بي إس نيوز”، دمرت أو أتلفت أمريكا 100 سفينة إيرانية خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب، إضافة إلى:

تحييد سفن زرع الألغام (30 سفينة).
تدمير آلاف الطائرات المسيّرة.
ضرب القواعد العسكرية (36 قاعدة).

إسرائيل تنفذ الاغتيالات

على الجانب الآخر، تولت إسرائيل مهمة اغتيال القيادات، وضرب منظومة الصواريخ الباليستية.

وأعلن جيش الإسرائيلي اغتيال كل من:

المرشد الأعلى علي خامنئي (28 فبراير/شباط).
 أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني (17 مارس/آذار).
قائد الباسيج اللواء غلام رضا سليماني ونائبه غاسم غوريشي (17 مارس/آذار).
وزير الاستخبارات الإيرانية إسماعيل الخطيب (18 مارس/آذار).

ووفق نيويورك تايمز، فإن “الضربات الإسرائيلية استهدفت مراكز القيادة لقوات الأمن الداخلية في إيران على أمل أن يُطيح الإيرانيون بحكامهم”.

كما استهدفت إسرائيل أيضا بكثافة منظومة الصواريخ الباليستية الإيرانية، إذ أعلنت أنها ضربت:

قاعدة صواريخ ومسيّرات تابعة للحرس الثوري جنوب شيراز (محافظة فارس).
قاعدة الصواريخ الإستراتيجية جنوب مدينة يزد (عدة مرات).
أكثر من 200 منظومة دفاع جوي (وفق الجيش الإسرائيلي).
مواقع إنتاج الصواريخ غرب طهران.

التقسيم الوظيفي.. الدفاع الجوي عمل مشترك

ضربت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل منظومات الدفاع الجوي الإيراني بشكل مكثف، إذ أصدرت القيادة المركزية الأمريكية في 17 مارس/آذار مقاطع مصورة لضربات على عدة منظومات دفاع جوي إيرانية في مواقع غير محددة.
تجنيد العملاء.. تخصص إسرائيلي

في جانب الاستخبارات والتجنيد، يبدو أن إسرائيل تتولى المسؤولية الأكبر، إذ أعلنت السلطة القضائية الإيرانية -اليوم الأربعاء- تنفيذ حكم الإعدام بحق شخص أدين بالتجسس لصالح إسرائيل، في وقت تتسع فيه دائرة الحرب التي كشفت عن ثغرات أمنية عميقة داخل إيران.

وخلال الأشهر الأخيرة، أعلنت السلطات الإيرانية تنفيذ سلسلة اعتقالات وأحكام بالإعدام بحق أشخاص أُدينوا بالتجسس لصالح إسرائيل.

وأعلن قائد الشرطة الإيرانية اللواء أحمد رضا رادان قبل أيام أن القوات الأمنية الإيرانية اعتقلت 500 شخص لإرسالهم معلومات إلى أعداء إيران ووسائل الإعلام المعادية للنظام.

الحرب السيبرانية.. تقسيم الاختصاصات
إسرائيل تشل شبكات الاتصال الداخلية

تخصصت الوحدة 8200 الإسرائيلية (وحدة الاستخبارات الإلكترونية) في شل شبكات الاتصال الداخلية للحرس الثوري، وذكر خبير لشبكة “سي إن إن” أن انقطاع الإنترنت في إيران، الذي استمر لأسابيع، تفاقم بدرجة أكبر عندما توقفت ما تبقى من خدمات الاتصال بشكل مفاجئ.
أمريكا تعطيل أنظمة الرادار

في المقابل، عملت الولايات المتحدة على تعطيل أنظمة الرادار والتحكم في منصات الصواريخ، لتسهيل الضربات الجوية.
إعلان

وقال قائد القيادة المركزية الأمريكية إن الولايات المتحدة ضربت منشأة لإنتاج المسيّرات في طهران يوم 11 مارس/آذار، مضيفا أن الجهود الأمريكية “بدأت تركز أكثر على مواقع الصناعات الدفاعية الإيرانية”.
التقسيم ليس مطلقا

وفي كثير من الأحيان يتشارك الطرفان هدفا واحدا، وأحيانا يقوم طرف بالدور المنوط بالطرف الآخر، ولعل من أبرز أحداث هذه الحرب والأكثر دموية، هو الغارة الجوية على مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب (جنوب شرق إيران)، مما أسفر عن مقتل أكثر من 170 شخصا، معظمهم تلميذات، وفق ما ذكرت منظمة الصحة العالمية.

وتشير تقديرات في الولايات المتحدة إلى أن القوات الأمريكية من المحتمل أن تكون مسؤولة عن هذا الهجوم على مدرسة الشجرة الطيبة. ومدرسة الشجرة الطيبة هي مؤسسة غير ربحية، تقوم بتقديم الخدمات التعليمية لأبناء وبنات منتسبي القوة البحرية للحرس الثوري.

ورغم تحذيرات أمريكية قامت إسرائيل باستهداف منشآت نفطية، وضربت 4 مصافٍ ومستودعات نفطية، بينما استهدفت الولايات المتحدة مواقع عسكرية في جزيرة خارك دون ضرب منشآت النفط الإيراني هناك.

اضطراب الأهداف

وفي مقابل الوضوح الإسرائيلي الساعي لتفكيك الدولة الإيرانية وإنهاء نفوذها الإقليمي، تبرز حالة من الارتباك في الأجندة الأمريكية، إذ تراوح واشنطن مكانها بين الرغبة في تحجيم طهران عسكريا وبين غياب تصور نهائي وواضح لطبيعة المرحلة المقبلة.

فالرئيس الأمريكي دونالد ترمب أكد أن الولايات المتحدة وإسرائيل “متفقتان إلى حد كبير في أهدافهما العسكرية”، رغم أنه قال آنفا إن “أهدافهما قد لا تكون متطابقة”.

وعلى الرغم من “توزيع الأدوار” بين واشنطن وتل أبيب، فإن تقديرات إسرائيلية وأمريكية ترجح عدم سقوط النظام الحاكم في إيران في المستقبل القريب، إذ لا يزال يسيطر على زمام الأمور رغم ما أصابه من ضربات، كما أن الظروف على الأرض لإسقاط النظام تبقى مرهونة بقيام “انتفاضة شعبية”.
المصدر: الجزيرة + وكالات


تحذير.. حرب طويلة الأمد في الشرق قد تقوض الاقتصاد العالمي
تنشر هذه المادة في إطار شراكة إعلامية بين عنب بلدي وDW

بعد نحو ثلاثة أسابيع على اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، يحذّر محللون من أن حربا مطوّلة وما يصاحبها من اضطراب في تجارة النفط ستؤدي الى تقويض الاقتصاد العالمي. ويخشى الاقتصاديون مزيجا قاتما من ارتفاع الأسعار بشكل عام وتوقف النمو.

وبدأت الحرب في أواخر شباط/فبراير بضربات أميركية إسرائيلية على إيران، وأدت إلى توقف شبه كامل في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز الحيوي الذي يمر عبره عادة خُمس النفط الخام والغاز الطبيعي المسال العالمي.

نتيجة لذلك، ارتفعت أسعار النفط من حوالى 60 دولارا قبل الأعمال العدائية إلى نحو 100 دولار حاليا، بعدما لامست لفترة وجيزة 120 دولارا.

وشمل رد إيران على الضربات الأميركية الإسرائيلية مهاجمة بنى تحتية استراتيجية للطاقة في أنحاء المنطقة، ما دفع الاقتصادات الكبرى إلى البدء في سحب احتياطياتها النفطية الاستراتيجية.

ويقول المحلل في شركة “إس بي آي” لإدارة الأصول ستيفن إينيس “كلما طال أمد هذا النزاع، كلما تحول إلى صدمة طاقة كلاسيكية تغذي التضخم بشكل مباشر”.

ويضيف “يؤثّر النفط على كل شيء من الشحن إلى الغذاء إلى فواتير الخدمات المنزلية. لذلك فإن التأثير الأول يطال التضخم، لكن التأثير الثاني هو على النمو لأن ارتفاع أسعار الطاقة يكون بمثابة ضريبة على المستهلكين والشركات”.
ركود تضخمي

من جانبها، تقول الخبيرة في بنك “بي إن بي باريبا” هيلين بودشون لوكالة فرانس برس “قبل اندلاع الحرب، كنا نتوقع نموا ثابتا وتضخما أقل إلى حد ما”. لكنها تشير إلى أن الأعمال العدائية قلبت السيناريو إلى مخاوف بشأن ما يسمى الركود التضخمي، حيث يصاحب انخفاض النمو ارتفاع التضخم. وتضيف “لكن إلى أي مدى؟ في هذه المرحلة لا يمكن الحسم، فالأمر سيعتمد على طول ونطاق النزاع”.

في الوقت الحالي، يلتزم بنك “بي إن بي باريبا” بتوقعاته للنمو بنسبة 2,9 في المئة لهذا العام للولايات المتحدة، و4,7 في المئة للصين، و1,6 في المئة لمنطقة اليورو. لكن بودشون ترى مسارين للركود التضخمي يلوحان في الأفق.

في السيناريو الأول، تتراجع حدة النزاع وتنخفض أسعار المحروقات تدريجيا مع بقائها أعلى من مستويات ما قبل الحرب، وهو ما “يبدو قابلا للإدارة بالنسبة للاقتصاد العالمي” الذي ظل حتى الآن مرنا نسبيا حتى في مواجهة الزيادات في التعرفات الأميركية.

أما إذا استمر ارتفاع أسعار النفط عدة أسابيع أو أشهر، فإن ذلك سيكون “أكثر سلبية” وقد يجبر البنوك المركزية على رفع أسعار الفائدة لكبح ارتفاع أسعار المستهلك.

تقول بودشون “كلما طال أمد الحصار (على مضيق هرمز)، زاد عدد المنتجات والمواد الخام المتأثرة، وزادت اضطرابات سلاسل التوريد، وتفاقمت الآثار التضخمية. ولن تقتصر هذه الآثار على أسعار النفط والغاز”.
على غرار ما بعد كوفيد؟

ووفقا لوكالة فيتش للتصنيف المالي، سيؤدي استقرار أسعار النفط عند 100 دولار للبرميل إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 0,4 في المئة بعد أربعة أرباع، وسيضيف “ما بين 1,2 و 1,5 نقطة مئوية إلى التضخم في أوروبا والولايات المتحدة”.

ومن المرجح أن تحيي هذه الآفاق المخاوف من صدمة تضخمية جديدة بعد تلك التي سبّبها التعافي من جائحة كوفيد وبداية الحرب في أوكرانيا عام 2022، حتى وإن كان سياق اليوم مختلفا تماما.

في ذلك الوقت، كان الطلب قويا، وكان العرض مقيدا باضطرابات سلاسل التوريد، وكانت السياسات المالية داعمة. وتتضمن أجندة هذا الأسبوع عدة اجتماعات رئيسية للبنوك المركزية، ومن المتوقع أن يبقي مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي الأربعاء، والبنك المركزي الأوروبي وبنك إنكلترا الخميس، أسعار الفائدة ثابتة.

لكن تعليقات البنوك المركزية على الوضع الحالي ستحظى بمتابعة دقيقة. وقد زاد البنك المركزي الأسترالي بالفعل معدل الفائدة الرئيسي بمقدار ربع نقطة الثلاثاء لمعالجة “الارتفاع الحاد في أسعار الوقود”، ليصبح من أوائل البنوك المركزية الكبرى التي تستجيب لتداعيات النزاع برفع الفائدة.

يقول ستيفن إينيس “بدأت الأسواق تأخذ هذا الخطر (ارتفاع سعر الفائدة) على محمل الجد”. ويذكّر المحلل في بنك “ستاندرد تشارترد” فيليب دوبا-بانتاناكي أن السلطات قللت في البداية من تقدير التأثير التضخمي للتعافي من جائحة كوفيد.

ويشرح أنه “تقليديا، تُعتبر مثل هذه الصدمات الخارجية صدمات مؤقتة، لكن العديد من مسؤولي البنوك المركزية سيضعون فترة التعافي من جائحة كوفيد-19 في اعتبارهم كشيء اعتُبر انتقاليا ولكن انتهى به الأمر إلى أن يكون أكثر تضخما مما كان متوقعا”.


“أكسيوس”: تباين بين ترامب ونتنياهو بشأن تصور نهاية حرب إيران
18 مارس 2026
رغم التنسيق الوثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب المستمرة منذ 19 يوماً على إيران، تشير تقديرات مسؤولين أميركيين إلى وجود تباين محتمل في الأهداف ومستوى تحمل المخاطر بين الطرفين، وهو ما قد ينعكس على مسار العمليات ونتائجها النهائية. وبحسب ما نقل موقع “أكسيوس”، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يتواصلان بشكل شبه يومي منذ اندلاع الحرب، وقد أكد ترامب أنهما “يعملان بشكل رائع معاً”، إلا أن هذا الانسجام لا يلغي وجود فروقات استراتيجية كامنة.

وتفيد المعطيات التي اطلع عليها الموقع بأن ترامب يُعد الأكثر اندفاعاً داخل البيت الأبيض باتجاه مواصلة الحرب، كما يبدو أقرب إلى الأهداف “القصوى” التي يتبناها نتنياهو مقارنة ببعض مستشاريه. ومع ذلك، يرى ثلاثة من مستشاريه، في حديثهم لـ”أكسيوس”، أن ترامب قد يفضل إنهاء العمليات العسكرية قبل نتنياهو في حال تحقيق الأهداف الأساسية التي وضعتها واشنطن، مما يعكس تباينًا في تصور نهاية الحرب.

وبحسب التقرير، تعمل الأجهزة العسكرية والاستخبارية في إسرائيل والولايات المتحدة بشكل منسق، غير أن طبيعة الأهداف تختلف بوضوح، إذ تركز الولايات المتحدة بشكل شبه حصري على الأهداف العسكرية، مثل تدمير البرنامجين الصاروخي والنووي الإيرانيين، وتقويض القدرات البحرية وشبكات التمويل الإقليمي، في حين تمضي إسرائيل إلى ما هو أبعد من ذلك عبر تنفيذ اغتيالات على مستوى عالٍ، والسعي لتهيئة ظروف قد تفضي إلى تغيير النظام في طهران.

ويبرز هذا التباين أيضاً في طريقة إدارة العمليات الميدانية، وفقاً للتقرير، فقد ركزت إسرائيل في الضربة الافتتاحية على استهداف القيادة الإيرانية، بينما ركزت الضربات الأميركية على الصواريخ والطائرات المسيرة التي تهدد قواعدها في المنطقة. كما وسعت إسرائيل نطاق تحركاتها، بما في ذلك محاولات تحريك مجموعات كردية إيرانية انطلاقاً من شمال العراق، وهي خطوات لم تحقق نتائج ملموسة حتى الآن.

ورغم هذا التنسيق، ظهرت نقطة احتكاك واضحة بين الطرفين عندما استهدفت إسرائيل منشآت تخزين النفط الإيرانية، في خطوة أثارت قلق واشنطن التي تضع استقرار أسواق الطاقة العالمية في صدارة أولوياتها. وبيّن “أكسيوس” أن البيت الأبيض طلب من إسرائيل عدم تكرار مثل هذه الضربات من دون تنسيق مسبق، في إشارة إلى اختلاف مقاربة الطرفين لمسألة “الفوضى” مقابل “الاستقرار”.

وفي خلفية ذلك، تبدو العلاقة الشخصية والسياسية بين ترامب ونتنياهو في أقوى حالاتها، خاصة بعد الحرب التي استمرت 12 يوماً في يونيو/حزيران الماضي، والتي اعتبرها ترامب نجاحاً كبيراً ونسب جزءاً منه لنتنياهو. كما دعم ترامب رئيس حكومة الاحتلال سياسياً، بما في ذلك دعوته لإنهاء محاكمته في قضايا الفساد، مما عزز مستوى التقارب بينهما.

إلا أن هذا التقارب لا يخفي وجود حساسيات داخل الإدارة الأميركية، حيث كشفت استقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، جو كينت، عن توترات داخلية في ظل اتهامات بأن إسرائيل دفعت واشنطن نحو حرب لم تكن ضرورية. وفي هذا السياق، أقر أحد كبار مستشاري ترامب لـ”أكسيوس” بوجود إدراك داخل الإدارة لحساسية الانطباع القائل إن الولايات المتحدة تنفذ أجندة إسرائيل، رغم نفي ذلك.

ومع استمرار الحرب، تبرز تساؤلات حول كيفية إدارة هذا التباين بين الحليفين، خاصة في ظل إقرار ترامب نفسه بأن أهداف إسرائيل قد تكون “مختلفة قليلاً”. في المقابل، شدد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث على أن واشنطن هي من ستحدد توقيت إنهاء الحرب، مؤكداً أن “أهدافنا هي أهدافنا، ونحن من يحدد الإيقاع”، في إشارة إلى احتفاظ الولايات المتحدة بهامش القرار النهائي رغم الشراكة الوثيقة مع إسرائيل.
غابارد تحذر من بقاء النظام الإيراني

من جانبها، قالت مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية تولسي غابارد إن مجتمع الاستخبارات الأميركي يقدّر أن “النظام في إيران لا يزال قائماً، لكنه تضرر بشكل كبير نتيجة الضربات التي استهدفت قيادته وقدراته العسكرية”. وأضافت أن “قدرات إيران التقليدية على إسقاط القوة العسكرية تراجعت إلى حد كبير، بعدما دُمّرت معظمها، ما يترك أمامها خيارات محدودة، فيما تدهور موقعها الاستراتيجي بشكل ملحوظ”.

وأشارت غابارد إلى أن حملة الضغوط التي تقودها الولايات المتحدة، إلى جانب “إعادة تفعيل العقوبات الأوروبية”، زادت الضغط على اقتصاد إيراني يعاني أساساً، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات واسعة في وقت سابق من هذا العام، قمعتها طهران باستخدام القوة، ما أسفر عن مقتل آلاف المحتجين. وأضافت: “حتى لو بقي النظام قائماً، فإن تقديرات مجتمع الاستخبارات تشير إلى أن التوترات الداخلية مرشحة للتصاعد مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في إيران”.

كما حذّرت من أن بقاء نظام “معادٍ” في إيران يعني أنه “سيسعى على الأرجح إلى إطلاق جهود طويلة الأمد لإعادة بناء قدراته في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة”. ولفتت إلى أنه قبل اندلاع الحرب الحالية، “كانت إيران تحاول التعافي من الأضرار الكبيرة التي لحقت ببنيتها التحتية النووية خلال حرب الأيام الـ12، كما واصلت رفض الامتثال لالتزاماتها النووية، في وقت لم تتمكن فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية من الوصول إلى منشآت رئيسية”.


الحرب وتوت أحمر بريّ/ عبير داغر اسبر
17 مارس 2026
في “كان يا مكان” يرويها ليف تولستوي، مستقياً روحها من فلاسفة الزن، هناك حكاية تبدو بسيطة حدّ السذاجة، لأن كل الحكايات العظيمة هكذا، ولأنها كذلك، اختصرت بصفاء نادر، المأزق الإنساني كله. في صباح ككل صباح، خرج رجل من مأواه ليرى شمس الحياة، فإذا به يُلاحَق من نمر مفترس. بلا وجهة نحو الخلاص، بارتباك من يبحث عن نجاة، ظل الرجل يجري، حتّى وجد نفسه منزلقاً على حافة هاوية سحيقة، بحسّ نجاة لا بدّ منه، أمسك بغصن شجيرةٍ برّية نبتت في الصخر، تعلّق بها رغم أنه ما زال ملاحقاً بالنمر، وتحته هاوية، وليتم نهاره التعس، يأتيه فأران، أبيض والآخر أسود، يبدآن بقرض الغصن الذي يتشبث به بكلتا يديه. في لحظة الانهيار قبل السقوط نحو الهاوية، تقع عيناه على حبات توت بري شديدة الحمرة، تداعب برائحتها أنفه، وتحتك حباتها الناضجة بخديه. مستسلماً للغواية، مضحياً بأمانه الهش، يمدّ الرجل يده، يقطف واحدة، يأكلها، ثم ثانية، فعاشرة.. ليدرك أنه لم يتذوق في حياته كلها أطيب من تلك الحبات.
في سياق تأملاته الأخلاقية والفلسفية، التي انشغل فيها تولستوي بسؤال المعنى، وربما بشكل أدق، بسؤال اللامعنى أمام حتمية الموت، تبدو هنا حكايته وكأنها العظة التي ألبسها مسوح الحكمة، كتشخيص قاسٍ لوضع الإنسان نفسه: ها نحن كلنا نستفيق ونمر الحياة الجشع آتٍ لالتهامنا، نهرب فنجد أنفسنا معلّقين فوق تلك الهاوية، بينما يقرض فأر الزمن بليله الأسود ونهاره الأبيض حياتنا ببطء، يوماً بعد يوم كما يفعل الفأران. رغم كل هذا نتابع، ننسى هشاشة حياتنا أمام جمال توتة برية حمراء بطعم الفرح.
ها نحن بلا فلسفات الزن، ولا تأملات تولستوي، ننظر اليوم إلى الحروب التي تتسع رقعتها كخلايا سرطان فقدت عقلها، من إيران إلى الخليج، من اليمن إلى العراق، من لبنان إلى فلسطين، من موت إلى موت، من جمر قلب مطفأ، إلى نواحٍ لا يشتفي. ها هي الحكاية تبدو أقل تجريداً مما كانت عليه في زمن تولستوي، حيث ملايين البشر لم يعودوا يقرؤونها كاستعارة فلسفية. ما تغيّر في زمننا ليس وجود الحروب، فالتاريخ لم يعرف زمناً خالياً منها. ما تغيّر أنها لم تعد انقطاعاً بين فترتَي سلم. إنها قماشة السينما التي تُفرد حياتنا فوقها، الخلفية التي تجري حياتنا أمامها. لم نعد نعيش زمناً تقطعه الحرب، بل نعيش زمن حرب ننثر داخله قدراً من الحياة، بعضاً من حبات توتٍ أحمر لذيذ.
بلا فلسفات الزن، أو دروس تولستوي، فهم السوريون فلسفة الحياة، احتفوا بهشاشتها، بقيمتها “الثانيّة” من الثواني، إذ قد تقرر الحرب وجودك من عدمه بتكة من عداد الوقت، قد يلتهمك النمر بقضمة، قد تسقطك الهاوية أيضاً حين تملّ من لعبة التعلّق فتقطع غصن حياتك الغض لمجرد النزق.
مع هذا، أتت الحرب، في مرآة عملاقة ترسل انعكاساتها المتطابقة عبر الحدود، يعي السوريون أن عبارة “العيش بالرغم من الحرب” لم تعد دقيقة كونها تفترض أن الحياة تقف في جهة، والحرب في جهة، بينما الواقع بسورياليته أكثر التباساً. كون كل الحروب، أدارت فوق أرضنا أم لم تفعل، ستأتي بالنهاية لتزورنا: بصاروخ ضال، بشحّ الزيت والطحين، بازدياد العتمة، باشتباك البرد بعظام العجائز. ستزورنا الحرب. سنعيش من جديد تحت سمعها وبصرها. نواصل أعمالنا، نكتب، نحب، نقلق على تفاصيل صغيرة، نخطط، ونحلم. لا لأننا سنعيش بالرغم من الحرب، بل لأننا قررنا، ومنذ زمن، أن نعيش مع الحرب متلذّذين بتوت الحياة الأحمر البري.

العربي الجديد


حقل “بارس” الإيراني يوسّع نطاق الحرب… ما أهميته؟
الأربعاء 2026/03/18
يشكّل حقل بارس الجنوبي أحد أبرز الأصول الاستراتيجية في قطاع الطاقة العالمي، وقد عاد إلى واجهة الأحداث بعد تعرض منشآت تابعة له في منطقة عسلوية لضربات جوية من قبل إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، ما دفع طهران إلى التلويح باستهداف منشآت الطاقة في الخليج، في تصعيد ينذر بما يُوصف بـ”حرب نفط”.

وبحسب تقارير محلية، جرى إخلاء العاملين من المواقع المستهدفة إلى مناطق آمنة، فيما تواصل فرق الإطفاء والإنقاذ جهودها لاحتواء الحرائق، وسط غموض بشأن حجم الأضرار.

ما هو حقل بارس الجنوبي؟

يقع الحقل في مياه الخليج قبالة سواحل إيران الجنوبية، وهو الجزء الإيراني من أكبر حقل غاز طبيعي في العالم، الذي تتقاسمه طهران مع قطر، حيث يُعرف في الجانب القطري باسم حقل الشمال.

تبلغ المساحة الإجمالية للحقل نحو 9700 كيلومتر مربع، منها حوالي 3700 كيلومتر مربع ضمن المياه الإيرانية، مقابل نحو 6000 كيلومتر مربع في الجانب القطري. وقد اكتُشف عام 1971، فيما بدأت عمليات الإنتاج منه أواخر الثمانينيات.

أكبر حقل غاز في العالم

يُصنّف بارس الجنوبي كأضخم مكمن للغاز الطبيعي عالمياً، ما يجعله محوراً رئيسياً في معادلة الطاقة الدولية. ويُعد أهم حقل غازي في إيران من بين 43 حقلاً، ويؤمّن نسبة كبيرة من احتياجات البلاد من الغاز، خاصة لتوليد الكهرباء والصناعات.

تمتلك إيران نحو 17% من احتياطيات الغاز العالمية، باحتياطي يتجاوز 33.7 تريليون متر مكعب، لكنها لا تنتج سوى نحو 5% من الإنتاج العالمي، ما يعكس فجوة كبيرة بين الإمكانات والإنتاج الفعلي.

ونظراً لكونه حقلاً مشتركاً مع قطر، فإن أي استهداف له يحمل تداعيات إقليمية ودولية، ويؤثر على إمدادات الطاقة العالمية.

تداعيات الاستهداف

يأتي استهداف الحقل في لحظة حساسة تشهد تصاعداً في التوترات الإقليمية، ما يرفع المخاوف من اتساع رقعة الهجمات لتشمل بنى تحتية طاقوية في الخليج. كما يعزز ذلك القلق في الأسواق العالمية، في ظل اعتماد كبير على إمدادات الغاز من هذه المنطقة الحيوية.

ومع تهديد إيران بالرد، يبقى حقل بارس الجنوبي في قلب المواجهة، ليس فقط كمنشأة طاقة، بل كأحد أهم مفاتيح أمن الطاقة العالمي.

وفور استهداف الحقل بدأت تتكشّف التداعيات المباشرة ومنها توقف ضخ الغاز الإيراني إلى العراق. فقدأعلنت السلطات العراقية اليوم توقف تدفقات الغاز الإيراني “بشكل كامل” إلى محطاتها الكهربائية بسبب الحرب في الشرق الأوسط، مؤكدة أن ذلك سيؤثر على منظومة الكهرباء في بلد يعاني انقطاعات يومية للتيار.

وقال المتحدث باسم وزارة الكهرباء أحمد موسى لوكالة الأنباء العراقية إنه “نتيجة تداعيات التطورات في المنطقة، توقفت قبل ساعة تدفقات الغاز الإيراني إلى العراق بشكل كامل، ما تسبب بخروج نحو 3100 ميغاواط عن الخدمة”، ما سيؤثر على “المنظومة بالتأكيد”.

ورغم وفرة احتياطات النفط والغاز في العراق، تعتمد محطات توليد الطاقة فيه بشكل كبير على الغاز المستورد من إيران.


حقل بارس الجنوبي أكبر حقل للغاز الطبيعي في إيران
حقل بارس الجنوبي هو أكبر حقل غاز طبيعي في إيران، ويقع في محافظة بوشهر جنوب البلاد، ويمثل النصف الإيراني من أضخم حقل بحري للغاز في العالم تتقاسمه طهران والدوحة (في حقل غاز الشمال) في مياه الخليج العربي.

بدأ إنتاج الغاز منه عام 2002، وتُقدر احتياطاته القابلة للاستخراج بنحو 14 تريليون متر مكعب، مما يجعله دعامة رئيسية لإمدادات الغاز الإيرانية، لكن تطويره تعرّض إلى عرقلة متكررة بسبب العقوبات الأميركية، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018.

استهدفت إسرائيل الحقل بالغارات عامي 2025 و2026 في إطار حربها مع إيران، وتعرّضت بنيته التحتية للأضرار. وهو ما استنكرته قطر وحذّرت من تهديده لأمن الطاقة العالمي وخطورته على شعوب المنطقة والبيئة.
الموقع والاكتشاف

يقع “حقل بارس الجنوبي الإيراني” في محافظة بوشهر جنوب البلاد، وهو جزء من أكبر حقل غاز طبيعي في العالم تتقاسمه إيران وقطر على الحدود المشتركة بينهما في مياه الخليج العربي.

تبلغ المساحة الإجمالية للحقل نحو 9700 كيلومتر مربع، منها 3700 كيلومتر مربع تقع ضمن المياه الإقليمية الإيرانية، بينما تقع 6 آلاف كيلومتر مربع في الجانب القطري، ويُعرف باسم حقل “غاز الشمال”.

وتقول التقديرات إن الحقل الكامل يحتوي على نحو 1800 تريليون قدم مكعب من الغاز القابل للاستخدام، وهو ما يكفي لتلبية احتياجات العالم من الغاز مدة 13 عاما، ويُنتج نحو 700 مليون متر مكعب يوميا، أي ما يعادل 6% إلى 10% من الإنتاج العالمي، وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية.

اكتشفت قطر حقل “غاز الشمال” عام 1971، بينما اكتشفت شركة النفط الوطنية الإيرانية حقل “بارس الجنوبي” عام 1990، وبدأت العمليات التنفيذية لتطوير الجانب الإيراني عام 1996.

ودخلت أولى مراحل الإنتاج من الغاز الطبيعي في حقل بارس الجنوبي عام 2002، وتولت شركة النفط الوطنية الإيرانية مسؤولية تطوير واستغلال الحقل، وأنشأت بدورها شركة “نفط وغاز بارس” التابعة لها لتشغيل المنصات البحرية.
إعلان

ومع نقل الغاز الخام المستخرج من الحقل عبر خطوط الأنابيب إلى اليابسة، أنشئت 13 مصفاة لمعالجة الغاز وتكريره.
الأهمية الإستراتيجية

يمثل حقل بارس الجنوبي أحد أهم المشاريع الإستراتيجية للطاقة في إيران، إذ يشكل نحو ثلث احتياطي الغاز الطبيعي في أكبر حقل غاز بحري في العالم. وتُقدر احتياطات الغاز القابلة للاستخراج في الجانب الإيراني بنحو 14 تريليون متر مكعب، إلى جانب 18 مليار برميل من الغاز الطبيعي المُسال القابل للاستخراج.

تنتج منشآت الحقل قرابة 1.5 مليون متر مكعب يوميا من الغاز، يُوجه معظمه للاستهلاك المحلي، خاصة في محطات الكهرباء والصناعات الثقيلة. وقد بلغ إجمالي إنتاج إيران من الغاز الطبيعي 266.25 مليار متر مكعب في عام 2023، استهلك منها محليا 255.5 مليار متر مكعب.

ويسهم حقل بارس الجنوبي بأكثر من 40% من إجمالي إمدادات الغاز الإيرانية، مما يجعله عنصرا محوريا في دعم الاقتصاد الوطني وتوفير فرص العمل، لا سيما في إقليم بوشهر.

وإلى جانب دوره في توفير الغاز الطبيعي، يُنتج الحقل أيضا مواد الإيثان والبروبان والبيوتان والمكثفات الغازية، وهي منتجات ذات قيمة عالية تُستخدم في الصناعات البتروكيميائية وقطاع الطاقة.
محطات تاريخية

بلغ إنتاج إيران النفطي ذروته في سبعينيات القرن الـ20، إذ سجل نحو 6 ملايين برميل يوميا في عام 1974، وفق بيانات منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، وهو ما مثل أكثر من 10% من الإنتاج العالمي آنذاك.

وفي عام 1979، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على إيران عقب انتصار الثورة الإسلامية، ثم توالت العقوبات الأميركية والأوروبية، مما أثر سلبا على تصدير الغاز من حقل بارس الجنوبي.

وبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018، تراجعت صادرات النفط الإيرانية إلى مستويات قريبة من الصفر في بعض الأشهر، وفق مصادر صحفية.

وتوقف العمل في مشروع تطوير حقل بارس الجنوبي بعد انسحاب شركة “توتال” الفرنسية العملاقة في أغسطس/آب 2018، إثر العقوبات الأميركية. ثم تولت شركة البترول الوطنية الصينية مسؤولية المشروع، لكنها انسحبت أيضا بعد شهرين تحت ضغط العقوبات.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2018، بدأت شركة النفط الوطنية الإيرانية تنفيذ المشروع بدعم من خبراء ومستشارين محليين.

وفي أغسطس/آب 2023، دشن الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي المرحلة النهائية من تطوير حقل بارس الجنوبي، واصفا تشغيل المشروع المتأخر بأنه “مُعقد وفريد من نوعه”.

وأكد رئيسي أن المشروع سيساعد إيران في تأمين حصتها من الحقول المشتركة مع دول الجوار في الخليج العربي. مشددا على أن التنفيذ تم بواسطة الخبراء الإيرانيين بعد انسحاب الشركات الأجنبية.

وفي 13 يونيو/حزيران 2025، وبعد إطلاق الجيش الإسرائيلي عملية “الأسد الصاعد” ضد إيران، تعرضت البنية التحتية لحقل بارس الجنوبي لضربات إسرائيلية أسفرت عن اندلاع حريق واسع، في أول استهداف مباشر للمنطقة الجنوبية من البلاد المحاذية للخليج العربي.

كما استهدفت إسرائيل الحقل أيضا في مارس/آذار 2026 ضمن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، وهو ما استنكرته قطر على لسان المتحدث باسم خارجيتها ماجد الأنصاري الذي أكد أن استهداف منشآت حقل بارس بإيران -الذي يمتد لحقل غاز الشمال بقطر- خطوة خطرة، وتهديد لأمن الطاقة العالمي ولشعوب المنطقة والبيئة.
إعلان
المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية


الفصائل العراقية… ذراع طهران في حرب استنزاف مفتوحة
مسلسل الاغتيالات ينذر بمرحلة جديدة في بغداد
لندن: «الشرق الأوسط»
18 مارس 2026 م
منذ اندلاع شرارة المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط، وضعت الفصائل العراقية الموالية لطهران المصالح الأميركية في مرمى نيرانها، مستهدفة بشكل متكرر القواعد العسكرية التي تضم قوات دولية، والبعثات الدبلوماسية، والمنشآت النفطية الحيوية.

هذه التنظيمات المسلحة، التي تدرجها واشنطن على قوائم الإرهاب، كانت قد أطلقت تحذيرات مبكرة منذ بداية الصراع، مؤكدة أن المواجهة الإقليمية ستتحول إلى «حرب استنزاف» طويلة الأمد.
تداخل «المحاور»

في بيان يعكس الاعتماد على التصنيع المحلي، قالت «حركة النجباء»: «إن إنتاج الطائرات المسيرة والصواريخ ضمن محور المقاومة بات أمراً مألوفاً كصناعة الحلويات في المنازل العراقية».

وتعمل هذه الفصائل تحت مظلة تحالف فضفاض يُعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق»، الذي يتبنى بانتظام هجمات بالمسيرات والصواريخ ضد أهداف وصفها بـ«المعادية» داخل العراق وفي عمق المنطقة.

وتعدّ هذه الجماعات ركناً أساسياً في ما يعرف «محور المقاومة» الذي تقوده إيران، إلى جانب «حزب الله» اللبناني، وحركة «حماس» في غزة، والحوثيين في اليمن.

وقد أعلنت الفصائل العراقية التزامها الكامل بالدفاع عن «الجمهورية الإسلامية» عقب الهجوم الإسرائيلي – الأميركي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.
المشهد العسكري والسياسي

يتشكل المشهد الحالي من عدة قوى متباينة في أدوارها، تشمل «كتائب حزب الله» التي تعد رأس الحربة في استهداف المصالح الأميركية، وقد فقدت العديد من قادتها الميدانيين في ضربات سابقة. ورغم نشاطها العسكري، تغلغلت الكتائب في العمل السياسي عبر دعم كتلة برلمانية تشغل 6 مقاعد.

كذلك «كتائب سيد الشهداء» التي يقودها أبو آلاء الولائي، الممثل في «الإطار التنسيقي»، وهو التحالف الشيعي الحاكم وصاحب الأغلبية البرلمانية، إلى جانب «حركة النجباء» التي تبرز كفصيل يرفض الانخراط في العملية السياسية، مفضلاً المسار العسكري الخالص.

وهناك أيضاً «عصائب أهل الحق» التي لا تزال حتى الآن بعيدة عن الانخراط المباشر في العمليات الحربية الجارية، حيث ينصبّ تركيزها على النفوذ السياسي من خلال كتلتها البرلمانية الوازنة التي تضم 27 مقعداً. ويعتقد على نطاق واسع أنها تغير «ثوبها» المسلح.

استراتيجية الاستنزاف

لم تقتصر الهجمات على السفارة الأميركية في بغداد ومرفقها اللوجستي بمطار العاصمة، بل امتدت لتطول حقول النفط التابعة لشركات أجنبية وإقليم كردستان، الذي يضم قنصلية أميركية كبرى وقوات عسكرية. وامتدت آثار هذه الهجمات إقليمياً، حيث استدعت الكويت في وقت سابق السفير العراقي على خلفية ضربات طالت أراضيها.

وترى لهيب هيجل، الباحثة من «مجموعة الأزمات الدولية»، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، أن انخراط هذه الجماعات يأتي ضمن «معركة وجودية» للنظام الإيراني، معتبرة إياها خط الدفاع الأخير للمحور، خاصة بعد أن كان مقتل المرشد علي خامنئي مؤشراً على أن بقاء هذه الفصائل بات مهدداً بشكل مباشر.

ورغم امتلاك الفصائل لمسيرات وصواريخ باليستية قصيرة المدى، تشير هيجل إلى أن طهران لا تزال تحجب الأسلحة الثقيلة عنهم، مقارنة بما تقدمه لـ«حزب الله» أو الحوثيين، مؤكدة أن الهدف النهائي لهذه الحرب هو «إخراج القوات الأميركية من العراق».

سلسلة اغتيالات

على الجانب الآخر، تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل توجيه ضربات دقيقة ردّاً على التصعيد. فمنذ الساعات الأولى للنزاع، استهدفت غارات معقل «كتائب حزب الله» في جرف الصخر جنوب بغداد، إضافة إلى مقرات تابعة لـ«الحشد الشعبي».

وتشير إحصائيات، نشرتها الأربعاء وكالة «الصحافة الفرنسية»، إلى مقتل ما لا يقل عن 43 مقاتلاً من الفصائل و«الحشد الشعبي» منذ بدء العمليات. ووصلت ذروة التصعيد السبت الماضي، حين استهدف صاروخ منزلاً في قلب بغداد، ما أسفر عن مقتل 3 أعضاء من كتائب «حزب الله»، بينهم قائد بارز، وإصابة زعيم الجماعة «أبو حسين الحميداوي».

ونقلت الوكالة عن مسؤول أمني عراقي قوله إن «فصل الاغتيالات» الذي طال قادة المحور منذ صراع غزة عام 2023، قد انتقل بشكل علني ومباشر إلى الساحة العراقية، ما ينذر بمرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة.
الشرق الأوسط


======================

تحديث 17 أذار 2026


ضرورة الاستعداد السوري في أجواء الحرب/ عبد الباسط سيدا
17 مارس 2026
الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران مستمرّة، والاعتداءات الإيرانية على الجوار، خصوصاً على دول الخليج وإقليم كردستان العراق، متواصلة. ولا تبدو في الأفق معطيات أو مؤشّرات ملموسة (واضحة) يمكن أن يتكهّن المرء، استناداً إليها، بموعد انتهاء الحرب، فالأهداف المعلنة للحرب كبيرة، بل كبيرة جدّاً؛ فالصورة ضبابية، رغم مرور أكثر من أسبوعَين على نشوب هذه الحرب الشرسة التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيران، وحرب إسرائيل على لبنان، بعد أن بدأ حزب الله عملية إسناد للنظام الإيراني. وما زالت الروايات الخاصّة بالانتصارات والنتائج من المتحاربين متعارضةً إلى حدّ التناقض. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير حربه ورئيس أركانه يعلنون في تصريحاتهم المتلاحقة أن ما حقّقوه في إيران يفوق التوقّعات. وربّما كان النظام الإيراني، بناء على تصريحاتهم، في طريقه نحو الانهيار والاستسلام. وكذلك يفعل نتنياهو ووزير دفاعه ورئيس أركانه. وذلك فيما أعلن المرشد الإيراني الجديد (غير المنظور)، مجتبى خامنئي، عبر رسالة تُليت باسمه، أن نظامه مصمّم على الاستمرار في المواجهة والصمود حتى النصر. وقد استقبلت رسالته بتساؤلات وتأويلات كثيرة تراوحت بين التساؤل حول دلالات عدم ظهوره، ووصلت إلى حدّ التشكيك في سلامته، بل حتى شكّ بعضهم في وجوده الفيزيائي.
وبعيداً من الحرب الإعلامية الموازية للحرب الميدانية بين الأطراف المتصارعة، بدأت تلوح أزمة اقتصادية جديدة تُنذر الأوروبيين بأن تبعاتها ستتجاوز ما واجهوه خلال جائحة كورونا، وأكثر وقعاً عليهم من نتائج الحرب الروسية المستمرّة على أوكرانيا. وهذه الأزمة الجديدة تذكّرهم بالأزمة الكُبرى في ميدان الطاقة التي واجهوها في 1973، بعد القرار العربي الخاص بحظر تصدير النفط إلى الدول الغربية والولايات المتحدة تحديداً، من أجل الضغط عليها لوقف دعمها إسرائيل ومساندتها عسكرياً وسياسياً.

فالنظام الإيراني الذي أغلق في واقع الحال مضيق هرمز لمنع وصول شحنات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، بهدف الضغط على تلك الدول وتحريك الرأي العام فيها لدفع الحكومات نحو التدخّل لدى ترامب لإيقاف الحرب، يريد كذلك ممارسة الضغط على دول الخليج التي تُعدّ الطاقة بالنسبة إليها مصدراً أساسياً من مصادر الدخل. وفي هذا السياق، تُطرح أسئلة مشروعة بشأن أسباب عدم تمكّن دول مجلس التعاون الخليجية من بناء الخطوط البديلة الكافية لتصدير النفط والغاز، سواء عبر الأراضي السعودية وصولاً إلى البحر الأحمر، أو عبر الأردن وصولاً إلى الساحل السوري.
إلى جانب الضغط الدولي، يواجه ترامب موقفاً صعباً في الداخل الأميركي، من جهة تراجع شعبيته، والخشية من احتمال النتائج السلبية التي تنتظر الجمهوريين في الانتخابات النصفية القريبة. ومن دون تحقيق نتائج حاسمة واضحة ومقنعة للناخب الأميركي، لن يتمكن ترامب من إقناع الناس بصوابية قراره الحرب ضدّ إيران. أمّا أن يستمرّ في الحرب وسط تذمّر الأميركيين والحلفاء، ومن دون آفاق مطمئنة أو نتائج مشجّعة، فهذا فحواه أن ورطته ستكون أكبر، وستكون خسائر الانتخابات النصفية أفدح.
وفي الضفة الأخرى، يتساءل المتخصّصون والمحلّلون والمتابعون: هل سيتمكّن النظام الإيراني من الصمود والمقاومة والممانعة بناء على الشعارات المعلَنة التي يراهن أصحابها على عامل الوقت وارتفاع منسوب الضغوط على ترامب لإيقاف الحرب؟ والسؤال الآخر المتكامل مع هذا السؤال: هل يمتلك هذا النظام، في ظلّ الخسائر المتلاحقة والفوضى التي تحيط بعملية اتخاذ القرار في الداخل الإيراني، مقومات الصمود؟ وهل يستطيع أن يتحمّل الهجمات الجوية والصاروخية الأميركية والإسرائيلية المتواصلة على مدار الساعة؟ وهل في مقدوره أن يواجه، في الوقت نفسه، تنامي المعارضة الإقليمية والدولية القوية، خصوصاً الأوروبية، لسياساته وتوجّهاته؟ وهل ستبقى الدول الأوروبية على مواقفها الحالية غير الحاسمة بخصوص الدخول أو عدم الدخول في الحرب؟ أم إنها ستتحرّك بناء على مصالحها والتزاماتها تجاه حلفائها وشركائها الإقليميين، وتصبح جزءاً فاعلاً من الحرب إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم برودة العلاقات والتوجّسات من حقيقة نيّات ترامب وتوجهاته؟
ولكن الملاحظ في مشهد هذه الأزمة العالمية، غير المسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، صمت روسيا والصين، أو عدم ارتقاء ردّات فعلهما إلى مستوى التحدّيات التي ستترتّب على ما يجري في منطقة الخليج حالياً، رغم العلاقات الاقتصادية الوثيقة بينهما وبين إيران. فإيران بالنسبة إلى روسيا شريك تجاري رئيس في ميدان الأسلحة والتقنيات العسكرية، بما فيها النووية والطاقة وغيرهما، في حين أن الصين تعتمد على إيران في تأمين قسط كبير من النفط الذي تحتاج إليه مصانعها، بالإضافة إلى تضرّرها من إغلاق مضيق هرمز الذي يضمن لها الكمّيات الأخرى الضخمة التي تأتيها من دول الخليج، وهي كمّيات باتت ضروريةً جدّاً لها بعد الهيمنة الأميركية على النفط الفنزويلي. هل هناك صفقة بين روسيا وترامب بخصوص أوكرانيا؟ وفي السياق نفسه: هل هناك وعود برفع العقوبات بصورة أولية عن النفط الروسي لتخفيف الضغط عن الدول الأوروبية؟
في أجواء اللامعقول الذي نعيشه اليوم نتيجة انهيار النظام العالمي السابق وعدم تبلور ملامح نظام جديد يتناسب مع المتغيّرات الكُبرى التي حصلت وتحصل في مختلف الميادين، سواء المعرفية البحثية أو التكنولوجية أو الاقتصادية والبيئية، ومع تشكّل جماعات من أصحاب الثروات الأسطورية الذين باتوا قادرين على التدخّل في تحديد مسارات سياسات الدول وتركيز استراتيجياتها على مناطق جغرافية من دون أيّ مراعاة لقواعد السيادة الدولية أو الأخلاقية، على صعيد التعامل مع الجماعات والأفراد (وهذا ما تؤكّده فضائح ملفّات إبستين). في هذه الأجواء، باتت كل الاحتمالات مهما بدت غريبة وسريالية ضمن نطاق دائرة الممكن المحتمل، وباتت التحليلات الصائبة ضرباً من ضروب البخت أو الحظ.

ومن الطبيعي، بل من الحكمة في هذه الأجواء الملبّدة بكلّ ما هو فاسد وتدميري، أن يحاول المرء استشراف ما ينتظر بلده في خضمّ صراعات كُبرى دافعها التوسّع والتحكّم، والعمل من أجل الاستئثار بإمكانية تحديد المسارات والمعادلات على المستويَين الدولي والإقليمي. فسورية اليوم في عين العاصفة، رغم حرص إدارتها الجديدة على النأي بنفسها عن الصراع الطاحن الجاري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها في المنطقة من جهة أخرى. وهي ستتأثر حتماً بنتائج هذا الصراع بغض النظر عن ماهيتها. فما يجري سيعيد تشكيل لوحة الاصطفافات والتحالفات في كلّ من العراق ولبنان، بل سيؤدّي إلى تغييرات عميقة في البنيتين السياسيتين في البلدَين، وسينعكس هذا سلباً أو إيجاباً على الواقع السوري بحكم الجوار الجغرافي والتداخل المجتمعي والعلاقات الوثيقة بين هذه البلدان في مختلف المراحل التاريخية. كما ستكون للدور الإسرائيلي المستقبلي في الإقليم انعكاساته على الوضع السوري الداخلي، خصوصاً في الجنوب، وسيكون له تأثيره في التنافس الإقليمي القائم بين إسرائيل وتركيا. وسورية، شاءت أم أبت، ستكون الساحة الرئيسة لعملية التنافس بين الطرفَين، بل ربّما تكون الساحة الأكثر تعقيداً وحساسية بينهما.
من ناحية أخرى، ستتأثر سورية في جميع الأحوال بنتائج الحرب المعنية على المستوى الخليجي، وبطبيعة (ومستوى) العلاقات المستقبلية بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران. وحتى تكتمل الاستعدادات المطلوبة سورياً للتعامل مع مختلف التحدّيات الممكنة، بغض النظر عن درجة احتماليتها، هناك حاجة إلى تعزيز التماسك المجتمعي الداخلي على المستوى السوري العام، وهذا يستوجب حواراً وطنياً واسعاً يضمّ ممثّلي سائر المكوّنات المجتمعية والتوجّهات السياسية والمناطق السورية؛ حوار هدفه التوافق على رؤية وطنية جامعة تكون أساساً لموقف رسمي تجاه ما يجري، وما يمكن أن يجري، نتيجة التفاعل بين المواقف الدولية وأصدائها في منطقتنا.
وعلى الصعيد الإقليمي، هناك حاجة ماسة إلى بلورة موقف عربي فاعل يسهم في التعاون مع القوى الإقليمية والدولية الراغبة في استعادة توازن المعادلات المختلة على مستوى إقليمنا المضطرب، هذا الإقليم، الذي عانت وتعاني مجتمعاته ودوله من صراعات وحروب داخلية بينية نتيجة التدخّلات الخارجية وتراكم وتفاعل سلبيات عقود من الفساد والاستبداد.
سورية اليوم في مركز دائرة مخاطر حقيقية، شأن معظم دول المنطقة. ولتحاشي هذه المخاطر، أو على الأقلّ التخفيف منها ضمن حدود الإمكان، نحتاج إلى رؤية وطنية منفتحة تستوعب الآخر المختلف، وتتقن عملية إدارة التنوّع بكلّ أشكاله؛ رؤية تتكامل مع سياسة خارجية أساسها الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية.

العربي الجديد


الحرب على إيران: فصل جديد من تصدّع الحلف الأطلسي!/ هلا نهاد نصرالدين
17.03.2026
تتوّج الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران فصلاً جديداً من فصول التصدع الأوروبي، إذ تتسع الفجوة بين العواصم الأوروبية. تتباين الرؤى بين القوتين الأكبر في الاتحاد الأوروبي، ألمانيا وفرنسا، حيال التطورات الأخيرة.

بين تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لحلف شمال الأطلسي من واشنطن، والمواقف الأوروبية المتباينة حيال الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، يواجه “الناتو” اليوم تصدعات واختبارات عميقة تطرح تساؤلات وجودية حول مستقبل هذا التحالف وشكل العلاقات الدولية. فمع انسداد شريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز، وضغط طهران لفرض ‘اليوان الصيني’ كبديل للدولار في المعاملات الملاحية، يبدو أن الحرب على إيران قد فتحت أبواباً لصراعات جيوسياسية لن تتوقف عند حدود الشرق الأوسط، بل بدأت بالفعل في رسم ملامح نظام عالمي جديد.

في مؤتمر صحافي لافت، أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن بلاده لن تنجرّ إلى حرب شاملة مع إيران، مشدداً في الوقت ذاته على التزام لندن بالعمل مع الحلفاء لصياغة مخطط استراتيجي يضمن إعادة فتح مضيق هرمز. ويأتي هذا الموقف رداً على سلسلة من الخطابات المباشرة التي وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى حلف الناتو عموماً، وبريطانيا بخاصة، لمطالبته بمساهمة فعلية في تأمين هذا الممر المائي الحيوي.
تحذيرات ترامب و”سياسة المقايضة”

في مقابلة حصرية مع “فاينانشيال تايمز”، حذر ترامب من أن الناتو يواجه مستقبلاً “سيئًا جدّاً” إذا فشل الحلفاء في مساعدة واشنطن على فتح مضيق هرمز، موجهاً رسالة صريحة للدول الأوروبية للانضمام إلى جهوده العسكرية. وبحسب الصحافي الذي أجرى المقابلة، بدت نبرة ترامب قلقة بشكل عام وساعية الى انتزاع دعم الحلفاء، بخاصة بريطانيا.

وقال الرئيس الأميركي بلهجة حادة: “لقد كنا كرماء جداً. لم نكن مضطرين لمساعدتهم في أوكرانيا التي تبعد عنا آلاف الأميال… لكننا فعلنا. الآن سنرى إن كانوا سيردّون الجميل”. في حين أكّد في مقابلة أخرى أنّ الولايات المتحدة لديها الكثير من النفط، وهي ليست مضطرة للتدخل في مضيق هرمز ولكنها تفعل ذلك دفاعًا عن بعض حلفائها في الشرق الأوسط.

على الرغم من الضغوط الأميركية، أبدت دول مثل إسبانيا وإيطاليا وفنلندا رفضاً للمشاركة العسكرية، بينما اقتصرت مساهمات كلّ من بريطانيا وألمانيا على الدعم اللوجستي بدلاً من الانخراط العسكري المباشر. فمثلاً صرّح المتحدث باسم المستشار الألماني، فريدريك ميرز، يوم الإثنين بأن الحرب في الشرق الأوسط التي اندلعت جراء الضربات الأميركية- الإسرائيلية على إيران “لا علاقة لها بحلف الناتو”، مؤكداً أنها “ليست حرب الحلف”، على الرغم من تمسّك ألمانيا بـموقف “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”.
الحرب على إيران: فصل جديد من انقسام القارة العجوز… هل يتفكك الحلف الأطلسي؟

لم يعد خافياً على أحد حالة الوهن والانقسام التي عصفت بالقارة الأوروبية خلال العقود الأخيرة، فمن تداعيات “البريكست” إلى المأزق الجيوسياسي الذي خلّفته الحرب الروسية على أوكرانيا، تبدو دول الاتحاد الأوروبي اليوم مكبلة وعاجزة عن صياغة موقف موحد أمام الأزمات المتلاحقة.

تحت عنوان “The Iran War has divided Europe and Shattered the Atlantic” أي “حرب إيران قسمت أوروبا وحطمت التحالف الأطلسي”، أشارت صحيفة “التلغراف” إلى أن “هذه الحرب، التي أشعلتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، أعادت صراع الحضارات، الذي ظل يغلي ببطء منذ الثورة الإسلامية عام 1979، إلى الواجهة. وأكدت الصحيفة أن أهم التداعيات غير المباشرة هي “الشرخ العميق” بين ضفتي الأطلسي: أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، إذ لم يعد أي طرف يشعر بالالتزام تجاه مصالح الآخر.

تتوّج الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران فصلاً جديداً من فصول التصدع الأوروبي، إذ تتسع الفجوة بين العواصم الأوروبية. تتباين الرؤى بين القوتين الأكبر في الاتحاد الأوروبي، ألمانيا وفرنسا، حيال التطورات الأخيرة. فعلى الرغم من وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذه الحرب بأنها “غير قانونية”، إلا أن باريس اختارت لعب دور عسكري استباقي. فقد شكلت فرنسا، بالتنسيق مع قوى إقليمية أوروبية، قوة مهام بحرية لتسيير دوريات في شرق المتوسط، كما أرسلت قطعاً بحرية للانضمام إلى الأسطول السادس الأميركي في الخليج والبحر الأحمر.

في المقابل، لا تزال ألمانيا تركز ثقلها على الجبهة الأوكرانية، إذ أعلنت أخيراً عن تزويد كييف بمنظومات صاروخية دفاعية جديدة. ومع ذلك، تجد ألمانيا نفسها في موقف محرج، إذ لم يتوانَ ترامب عن تذكير الأوروبيين بـ “الفضل الأميركي” في دعم أوكرانيا، متوقعاً منهم رداً للمجاملة في حرب إيران.

وهنا يبرز المستشار الألماني فريدريك ميرز كأحد أبرز “الصقور” في الساحة الأوروبية، إذ يتبنى موقفاً يرى فيه أن الهجوم على إيران مبرر كجزء من “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”، والذي يتطابق مع الموقف الألماني الداعم دائماً لإسرائيل. ومع ذلك، تظل الأولوية الألمانية مرتبطة بحرب أوكرانيا، وهو الوتر الذي يضغط عليه ترامب باستمرار، مذكراً الأوروبيين بأن استمرار الدعم الأميركي في كييف مرهون بمدى تعاونهم في طهران، أو كما يقول المثل اللبناني: “يمسك ترامب الدول الأوروبية من اليد التي تؤلمها”.

على المقلب الآخر، تبدو دول مثل إسبانيا واضحة في رفضها الحرب باعتبارها “غير قانونية”، وبالتالي هي لا تدعم الولايات المتحدة الأميركية في حربها، فرئيس الحكومة الإسباني قال: “لن نكون متواطئين في أمرٍ يلحق الضرر بالعالم ويتعارض مع قيمنا ومصالحنا، لمجرد الخوف من انتقام شخص ما”.

أما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، فقد اختار الانحياز الى الإجماع الأوروبي الحذر، واضعاً بلاده في ما وصفته صحيفة “التلغراف” بـين “المراقبين من على السياج” (Fence-sitting)، وهو تعبير يجسد حالة التردد وعدم الرغبة في اتخاذ موقف حاسم، ما يعكس الارتباك الأوروبي المستمر منذ مدّة.
الرابحون من الحرب

على ضفة أخرى، تبدو روسيا من أكبر المستفيدين من هذه الحرب، إذ رُفعت العقوبات عن النفط الروسي وسُمح للهند مثلًا، إحدى الدول المتضررة من إغلاق مضيق هرمز، من استيراد النفط من روسيا، وهو أمر أثار حفيظة الأوروبيين، فماكرون مثلًا اعتبر أنّ الحرب على إيران ليست ذريعة لرفع العقوبات عن النفط الروسي.

أما اقتصادياً، فقد فجرت إيران قنبلة من نوع آخر بإعلانها السماح بمرور السفن والناقلات عبر مضيق هرمز مقابل الدفع بالـ “يوان الصيني”. تمثل هذه الخطوة ضربة لمفهوم “البترودولار” الذي ظل لعقود يمثل الركيزة الأساسية لقوة العملة الأميركية، ومن شأن هذا التحول أن يؤدي إلى تغيير في موازين القوى المالية العالمية، ما يضع قيمة الدولار تحت تهديد مباشر.

وبحسب صحيفة “فاينانشيال تايمز”، فمن المرجح أن تؤدي هذه التوترات المتصاعدة إلى تأجيل “قمة بكين” المقررة بعد نحو أسبوعين. ونقلت الصحيفة عن ترامب قوله إن الوقت سيكون قد تأخر أمام الصين للتدخل لفك حصار المضيق.
درج


الحرب على إيران من المنظور الإسرائيلي.. الأهداف والأفق السياسي/ د. مهند مصطفى
شنَّت إسرائيل، بالشراكة مع الولايات المتحدة، عملية عسكرية ضد إيران أطلقت عليها اسم “زئير الأسد”. جاءت العملية بعد نحو نصف عام على حرب الاثني عشر يومًا (13–24 يونيو/حزيران 2025) ضد إيران، والتي عدَّها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، انتصارًا كبيرًا؛ إذ أعلن أن إسرائيل نجحت خلالها في تدمير البرنامج النووي الإيراني والقدرات الصاروخية الإيرانية.

بعد فترة قصيرة من “الاحتفال” الإسرائيلي بالانتصار في الحرب، بدأت التقديرات الإسرائيلية تُشكِّك في أن الضربات الإسرائيلية/الأمريكية أدَّت فعلًا إلى تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل أو القضاء على القدرات الصاروخية الإيرانية، وذلك دون التقليل من الإنجازات الأخرى التي حققتها الحرب.

وفي السياق نفسه، أشار معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، في إحدى أوراقه البحثية، إلى أن المعركة ضد إيران لم تكتمل؛ إذ إن الهجوم الإسرائيلي/الأمريكي على البرنامج النووي أزال التهديد النووي مؤقتًا، لكنه لم يؤدِّ إلى محو التهديد الإيراني. وتؤكد الورقة -الصادرة عن المعهد- أن إزالة التهديد الإيراني إستراتيجيًّا قد تتطلب إسقاط النظام الإيراني أو سقوطه.

وتشير إلى أنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق نووي يُشدِّد الرقابة الدولية على البرنامج النووي الإيراني، ويمنع إيران من الوصول إلى “دولة عتبة نووية”، فإن على إسرائيل التحرك لوحدها لمنع إيران من تطوير برنامجها النووي من النقطة التي وصلت لها نتائج الحرب، سواء من خلال عمليات سرية استخباراتية أو من خلال التدخل العسكري.

هذا وتشير أغلب التحليلات الإسرائيلية التي تناولت تقييم الأضرار التي لحقت بالمشروع النووي الإيراني إلى أن الضربات الأمريكية/الإسرائيلية ألحقت أضرارًا عميقة بالبرنامج النووي الإيراني على مستوى المعرفة التقنية والقدرات البشرية والمنشآت النووية، لكنها لم تدمر المشروع نهائيًّا.
إعلان

وتبقى إرادة النظام الإيراني في إعادة البناء، إلى جانب قدرة إسرائيل على الرصد والمتابعة الاستخباراتية بعد الحرب، العامليْن الأكثر تأثيرًا في مستقبل هذا البرنامج. وبناءً على هذا التقييم، عزَّزت إسرائيل مقاربةً تؤكد أن إنهاء التهديد الإيراني لا يتحقق عبر اتفاق مع “النظام الإيراني”، حتى لو كان يستجيب لمخاوف إسرائيل، بل من خلال تغيير النظام نفسه أو إسقاطه.
الحرب على إيران أصابت المنازل لكنها لم تسقط النظام (غيتي)
عملية “زئير الأسد”

بدأ الاستعداد الإسرائيلي لمعركة جديدة مع إيران في نهاية عام 2025، عندما بدأ الخطاب الإسرائيلي يتغير من مقولة: “لقد دمرنا البرنامج النووي والصاروخي الإيراني” بعد حرب الاثني عشر يومًا، في يونيو/حزيران 2025، إلى خطاب جديد مفاده أن إيران تعيد بناء قدراتها الصاروخية.

وقد جرى تأطير القدرات الصاروخية الإيرانية بوصفها تهديدًا وجوديًّا لإسرائيل. واللافت للانتباه، أن التحضير للعملية الحالية في الخطاب الإسرائيلي ركز أساسًا على البرنامج الصاروخي أكثر من البرنامج النووي، على خلاف الحرب السابقة التي كان تركيزها الأساسي على البرنامج النووي، وانتهت بعد الضربة الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية.

انطلقت الفكرة الإسرائيلية من توجيه ضربة لإيران، بمفردها وبموافقة أمريكية. وعلى ما يبدو، فإن المخطط الإسرائيلي كان يقضي بتوجيه ضربة عسكرية في يونيو/حزيران 2026، كما صرَّح بذلك وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس.

ولم يكن هذا التوقيت بريئًا من الناحية السياسية الداخلية؛ إذ إنه قريب من الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في أكتوبر/تشرين الأول. وكان طموح نتنياهو أن يساعد تنفيذ هذه العملية في هذا التوقيت على تعزيز فرصه في الانتخابات المقبلة.

يعود تبكير العملية العسكرية إلى مجموعة من الأسباب.

أولًا: بدء الاحتجاجات والمظاهرات في إيران، والتي اعتبر نتنياهو أنها نتاج إضعاف النظام خلال حرب الاثني عشر يومًا، والحاجة إلى استغلال هذه الاحتجاجات لإضعاف النظام من الداخل، من خلال عمل عسكري قد يوسعها من جهة، أو يعيدها بزخم أكبر بعد عملية عسكرية تُضعف نقاط قوة النظام الداخلية، ولاسيما الأمنية منها. ثانيًا: تصريحات الرئيس الأمريكي بأن الولايات المتحدة ستساعد المتظاهرين وأن المساعدة قادمة في الطريق.

وأشارت صحيفة نيويورك تايمز إلى أن نتنياهو طلب من ترمب، في مكالمة بينهما، في 14 يناير/كانون الثاني، تأجيل الضربة الأمريكية لإيران، دون أن توضح الصحيفة أسباب هذا الطلب، وهو اليوم نفسه الذي صرَّح فيه ترمب بأن معلومات وصلته تفيد بأن القتل قد توقف في إيران ولن يكون هناك إعدامات للمحتجين.

وظهر تفسير يرى أن الطلب الإسرائيلي كان نابعًا من عدم جاهزية منظومة الدفاع الإسرائيلية بعد حرب يونيو/حزيران، مع وجود تقديرات بأن إيران قد ترد بضرب إسرائيل إذا تعرضت لهجوم أمريكي.

وهنالك من يُرجِع ذلك إلى الشك داخل إسرائيل في أن الضربة الأمريكية قد لا تكون كافية لإسقاط النظام الإيراني أو إضعافه بشكل حاسم، بسبب غياب التحضيرات العميقة لها

والحقيقة أن الطلب الإسرائيلي بتأجيل الضربة جاء في إطار التحضير لعمل عسكري واسع النطاق، وليس لتنفيذ ضربة “تأديبية” محدودة ضد النظام الإيراني، وكذلك بهدف بلورة تحرك عسكري مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ويفسر ذلك مستوى التنسيق العسكري والأمني المرتفع بين البلدين قبل الحرب، والذي جرى في سياق المباحثات الإيرانية-الأمريكية، وتُوِّج بلقاء بين نتنياهو وترمب في فبراير/شباط.

في يناير/كانون الثاني، أجرى قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في واشنطن مباحثات مع نظرائهم الأمريكيين، شارك فيها كل من رئيس الموساد، ديفيد (ددي) برنيع، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، شلومي بيندر. وتُوِّجت هذه اللقاءات بزيارة رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، إلى واشنطن، حيث التقى رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، دان كين، في إطار التنسيق العسكري والأمني المستمر بين البلدين.

وكان براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، قد زار إسرائيل قبل ذلك في سياق التنسيق بشأن الهجوم على إيران. ووصف مصدر إسرائيلي مستوى التنسيق بين الدولتين بأنه غير مسبوق تاريخيًّا، مشيرًا إلى كثافة الزيارات المتبادلة بين الضباط الإسرائيليين والأمريكيين.

تُعد هذه الحرب الأولى التي تشارك فيها الولايات المتحدة وإسرائيل معًا بصورة مباشرة. ففي السابق خاضت إسرائيل جميع حروبها من دون مشاركة الولايات المتحدة، كما خاضت الولايات المتحدة حروبها في المنطقة من دون مشاركة إسرائيل.

وقد ظهر ذلك بوضوح في حرب الخليج، عام 1991، عندما رفضت الولايات المتحدة التدخل العسكري الإسرائيلي لتدمير منصات إطلاق الصواريخ العراقية التي كانت تستهدف إسرائيل، وذلك للحفاظ على التحالف العربي في تلك الحرب.

وحتى في حرب الاثني عشر يومًا كانت المشاركة الأمريكية محدودة بضربة واحدة، وكان هدفها الأساسي إنهاء الحرب عبر تحقيق هدفها المعلن، وهو تدمير البرنامج النووي الإيراني، لكنها لم تكن مشاركة فاعلة في الحرب على مدار الاثني عشر يومًا.

أسهمت الشراكة الأمريكية/ الإسرائيلية في الحرب في زيادة التأييد داخل إسرائيل لها. ففي استطلاع أجراه معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، تبين أن 81% من الإسرائيليين يؤيدون العملية العسكرية المشتركة ضد إيران، وأن 63% منهم يؤيدون استمرار العملية حتى إسقاط النظام الإيراني، بينما أبدى 62% استعدادهم لتحمل الحرب لمدة شهر وأكثر لتحقيق أهدافها.

وفي استطلاع آخر أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، تبين أن 93% من اليهود الإسرائيليين يؤيدون العملية العسكرية ضد إيران. في المقابل، أظهرت استطلاعات سابقة أن عملية عسكرية منفردة ضد إيران كانت تحظى بتأييد 52% من الإسرائيليين فقط.
فرق الانقاذ بمبنى في تل أبيب تعرض للانهيار من جراء قصف صاروخي إيراني
المقاربة الإسرائيلية لأهداف الحرب

تهدف الحرب من وجهة نظر إسرائيل إلى تحقيق هدف إستراتيجي وهو تفكك النظام الإيراني الحالي، ليس بالضرورة أن تكون نهاية الحرب بتحقيق هذا الهدف، ولكنها تعتبر حلقة مهمة في هذا المسار. مع انطلاق العملية، خرج بنيامين نتنياهو متوجهًا إلى الشعب الإيراني داعيًا إياه إلى الخروج لإسقاط النظام، وهو طلب كرره عدة مرات خلال أيام الحرب.

ويشير ذلك إلى أن الرهان الإسرائيلي كان يقوم على عودة الاحتجاجات في إيران بعد العملية الأولى التي استهدفت اغتيال المرشد، وأن تتصاعد هذه الاحتجاجات إلى حدِّ إسقاط النظام.

في هذا الصدد، ولتحقيق هذا الهدف، يمكن إجمال الأهداف الإسرائيلية من الحرب على النحو التالي:

أولًا: تدمير القوة العسكرية الإستراتيجية الإيرانية، وتحديدًا البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي؛ فهذه القوة تمثل مفتاح النفوذ الإيراني في المنطقة، ومصدر التهديد الإستراتيجي لإسرائيل.

لذلك فإن تدمير هذه القدرات، بما في ذلك مراكز التصنيع والإنتاج المرتبطة بها، من شأنه أن يضعف إيران بوصفها قوة إقليمية مؤثرة.

تشير تقديرات الجيش الإسرائيلي إلى أنه مع بداية الحرب كانت إيران تمتلك نحو 2500 صاروخ باليستي، أي أقل بنحو 500 صاروخ مقارنة بما كانت تمتلكه في بداية الحرب، في يونيو/حزيران 2025.

وبحسب هذه التقديرات، فإن حرب يونيو/حزيران منعت إيران من إنتاج نحو 1500 صاروخ جديد، لكنها استطاعت في المقابل إنتاج صواريخ جديدة بمعدل عشرات الصواريخ شهريًّا. ويشير العميد احتياط، ران كوخاف، القائد السابق لمنظومة الدفاع الجوي في الجيش الإسرائيلي، إلى أنه في حرب يونيو/حزيران احتاج الإيرانيون إلى ساعات بعد الهجوم لبدء إطلاق الصواريخ، بينما استغرق ذلك هذه المرة دقائق فقط، وهو ما يدل بحسب تقديره، على أنهم توقعوا الهجوم واستعدوا له جيدًا.

ثانيًا: تدمير مقومات النظام الداخلية على المستويات الأمنية والحكومية وحتى الاقتصادية. وقد ظهر ذلك في استهداف وتدمير مراكز الشرطة، والحرس الثوري، وقوات الباسيج، ومخازن النفط في طهران، إلى جانب تنفيذ هجمات سيبرانية على المؤسسات الحكومية والمالية للنظام.

وتهدف إسرائيل من ذلك إلى إضعاف النظام داخليًّا وتقليص قدرته على مواجهة حالات “التمرد” أو الاحتجاج الداخلي، وكسر هيبته في الداخل، بحيث يبقى في حالة هشاشة وتصدع داخليين، فضلًا عن تعميق الأزمة الاقتصادية تمهيدًا لإضعافه وربما إسقاطه من الداخل.

وقد خرج بنيامين نتنياهو في اليوم الحادي عشر للحرب بتغريدة دعا فيها الشعب الإيراني إلى استغلال الهجمات والخروج ضد النظام.

ثالثًا: خلق حالة من الفوضى الداخلية أو الاقتتال الداخلي من شأنها أن ترهق النظام وتستنزفه بعد الحرب. وقد طالب بعضهم بإسقاط النظام خلال العملية العسكرية، بعد حالة النشوة التي سادت الداخل الإسرائيلي في أعقاب اغتيال المرشد، علي خامنئي، وعشرات القيادات العسكرية والأمنية، وذلك من خلال تسليح ودعم الأكراد وجماعات أخرى معارضة للنظام.

غير أن قدرة النظام الإيراني على الصمود واستمرار القصف على إسرائيل ودول الخليج أدَّيَا إلى تراجع هذه الدعوات، والاكتفاء بالخطاب الأصلي للحرب، وهو إضعاف النظام وتهيئة الظروف الداخلية لإسقاطه.

وتعول إسرائيل على أن إضعاف النظام قد يشجع الإيرانيين على الثورة ضده وإسقاطه، غير أن كثيرين يشككون في إمكانية حدوث ذلك في أعقاب الحرب أو نتيجةً مباشرة لها.

وقد كان التعويل في البداية علىى خروج الإيرانيين إلى الشوارع ضد النظام بعد الضربة الأولى التي استهدفت القيادة الإيرانية إلا أن ذلك لم يحدث.

رابعًا: الاعتبارات الشخصية والانتخابية لنتنياهو. فإلى جانب الحسابات الأمنية، يمثل الهجوم على إيران رهانًا سياسيًّا وانتخابيًّا مهمًّا بالنسبة له في عام الانتخابات، خصوصًا إذا أسفرت الحرب عن إضعاف كبير لقدرات النظام الإيراني. وينظر نتنياهو إلى حرب ثانية على إيران بوصفها حلقة حاسمة في مسعاه لتعزيز موقعه في الانتخابات المقررة في أكتوبر/تشرين الثاني.

وقد بدأ منذ نهاية عام 2025 التمهيد لإمكانية شنِّ هجوم إسرائيلي جديد على إيران. فبعد حديثه المتكرر عن الانتصار الكبير في حرب الاثني عشر يومًا، بدأ الخطاب الإعلامي والسياسي داخل إسرائيل يركز على ضرورة توجيه ضربة ثانية لإيران بسبب برنامجها الصاروخي بعيد المدى.

كما يسعى نتنياهو، من خلال الحرب وتحقيق الانتصار فيها، إلى تجاوز إخفاق السابع من أكتوبر/تشرين الثاني. وهو يرى أن الحرب على إيران، وإضعاف النظام الإيراني وربما إسقاطه لاحقًا، قد تشكِّل لحظة تاريخية في مسيرته السياسية، يمكن أن تطغى على الفشل الكبير المرتبط بأحداث السابع من أكتوبر.

لحظة النهاية من وجهة نظر إسرائيل

ترى إسرائيل أن لحظة النهاية في هذه الحرب هي تحقيق أغلب الأهداف التي وضعتها، وذلك على الرغم من التكلفة العالية للحرب التي تصل كل أسبوع إلى حوالي 20 مليار شيكل (حوالي 6.5 مليارات دولار)، تشمل الإنفاق العسكري، وتكاليف تعطيل الاقتصاد والتعويض عن الأضرار.

خصصت وزارة المالية الإسرائيلية للحرب مبلغ 9 مليارات دولار، وذلك على الرغم من أن موازنة وزارة الدفاع للعام 2026 ارتفعت لتصل إلى 112 مليار شيكل، ومن شأن هذا المبلغ أن يرتفع مع تطور الحرب وأضرارها.

وتعد هذه التكلفة عالية للحرب، لاسيما إذا استمرت شهرًا، وهذا يعني أن تكلفتها ستصل إلى 100 مليار شيكل (حوالي 33 مليار دولار) أي ما يقارب 15% من إجمالي الموازنة العامة الإسرائيلية لعام 2026 البالغة 642 مليار شيكل.

تشير بيانات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى أنها تحتاج إلى أكثر من أربعة أسابيع لتحقيق جميع الأهداف التي وضعتها، واستهداف بنك الأهداف الخاص بالطيران الإسرائيلي. وقد طالب رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، الإسرائيليين بالتحمل طويلًا، في إشارة إلى أن الحرب ستكون طويلة، وربما أطول من حرب يونيو/حزيران 2025.

ويضاف إلى ذلك أن فتح الجبهة مع لبنان وتصعيد الهجمات الصاروخية من قبل حزب الله يزيدان من الضغط على الجمهور الإسرائيلي ويضاعفان الأعباء الاقتصادية للحرب. وبناء على ذلك، يمكن الإشارة إلى سيناريوهين محتملين لمدة الحرب.

الأول: هو التوافق الإسرائيلي/الأمريكي على موعد إنهاء الحرب، بحيث يصل الطرفان إلى موعد محدد متفق عليه لوقف العمليات العسكرية في إيران والإعلان أن العمليات العسكرية حققت أهدافها التي وضعها الطرفان لها. يعزز هذا السيناريو تصريحات الإدارة الأمريكية أن الحرب قد تستغرق أكثر من أربع أسابيعة وهي المدة التي تشير لها إسرائيل، فضلًا عن تصريح ترمب بأن إنهاء العمليات العسكرية سيكون قرارًا مشتركًا مع نتنياهو.

أما السيناريو الثاني فهو إمكانية اتخاذ ترمب قرارًا بإنهاء العمليات العسكرية قبل المدة الزمنية التي تحدث هو عنها، والتي تريدها إسرائيل.

ويعزز من هذا السيناريو الضغط الداخلي الأمريكي على ترمب بوقف الحرب، وارتفاع الأسعار في سوق الطاقة، واستمرار صمود النظام الإيراني وغياب أفق لاستسلامه أو تراجعه، فضلًا عن استنفاد بنك الأهداف العسكرية الأمريكية في إيران، إلى جانب تصريحات ترمب بأن النتائج التي تحققت جاءت في مدة زمنية أقصر من الجدول الزمني المحدد لها.

وفي هذه الحالة، سيكون أمام إسرائيل خياران، إما الالتزام بقرار ترمب ووقف العمليات العسكرية أو مواصلة العمليات بمفردها. ويتحدد القرار الإسرائيلي في هذا الشأن بعدة عوامل، منها:

أولًا: مدى تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية. فعدم تدمير هذه القدرات سيجعل وقف الحرب مشكلة بالنسبة لإسرائيل، لأنها ستعتبر أن أحد الأهداف المركزية للحرب لم يتحقق؛ مما قد يدفعها إلى الاستمرار في العمليات العسكرية بمفردها، لاسيما إذا جاء إعلان ترمب وقف الحرب في ظل استمرار الهجمات الصاروخية على إسرائيل.

ثانيًا: مستوى الضغط الذي قد يمارسه ترمب على نتنياهو. فإذا فرض ترمب وقف الحرب على إسرائيل أيضًا، فإن نتنياهو سوف ينصاع لذلك. وفي المقابل، قد يمنح إسرائيل حرية العمل العسكري في إيران لفترة محدودة دون مشاركة أمريكية، خاصة أن حصر المواجهة بين إسرائيل وإيران قد يؤدي إلى توقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والقواعد الأمريكية، ويسهم في استقرار سوق الطاقة العالمي، مع استمرار الهجوم الإسرائيلي.

وبناءً على ذلك، وتحسبًا لاحتمال اتخاذ ترمب قرارًا بإنهاء الحرب في إيران، كثفت إسرائيل هجماتها في الأيام الأخيرة، وأجَّلت العملية العسكرية البرية في لبنان، من أجل تخصيص معظم مواردها العسكرية للحرب على إيران، بهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من التدمير في بنك الأهداف الذي حددته.

ومن المرجح أن يؤدي قرار ترمب بوقف الحرب إلى إلزام إسرائيل به أيضًا، وهو ما قد يفسِّر موعد زيارة المبعوث الأمريكي، ستيف ويتكوف، إلى إسرائيل في الأسبوع الثالث للحرب. ولا تفضِّل إسرائيل أن تنتهي الحرب من خلال اتفاق مع إيران، بل بإعلان أمريكي/إسرائيلي بتحقيق أهداف الحرب ووقف العمليات العسكرية، بما يسمح باستمرار الضغط الاقتصادي والدولي على إيران، واستغلال حالة الدمار الداخلي للتفكير بخيارات أخرى تُسهم في إسقاط النظام.

خاتمة

تحظى الحرب الحالية بإجماع يهودي إسرائيلي كبير، وتأييد من مختلف أطراف الطيف السياسي الصهيوني، سواء في المعارضة أو الائتلاف. وهناك أهمية للحفاظ على هذا التأييد الداخلي للاستمرار بالحرب لمدة طويلة كما تريد إسرائيل (4-5 أسابيع)، لكنها تعلم أن ذلك مرهون بقرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، الذي قد يفرض عليها وقف العمليات العسكرية.

يرتبط التأييد الكبير للحرب في الداخل الإسرائيلي باستمرار الفجوة بين الإنجازات العسكرية والتكلفة الداخلية. ومع تقدم سير العملية العسكرية، بدأت هذه الفجوة تتقلص بسبب استمرار إطلاق الصواريخ من إيران، وانضمام حزب الله إلى الحرب واستهدافه الشمال الإسرائيلي.

ويبدو أن القدرة التدميرية للهجمات الإيرانية تتصاعد مع الوقت، مقابل الحديث عن عمليات عسكرية في الداخل الإيراني لا توقف عملية إطلاق الصواريخ، وهذا الأمر قد يؤدي إلى تراجع التأييد للعملية العسكرية. وبناءً على ذلك، من المرجح أن تكثف إسرائيل هجماتها على إيران في المرحلة المقبلة، بهدف إلحاق مزيد من الدمار، ولاسيما في طهران، لزيادة العبء على النظام الإيراني بعد الحرب.
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات


الحرب على إيران.. ما السيناريو الأمثل لنهايتها؟/ مصطفى إبراهيم المصطفى
2026.03.17
قبيل بدء الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، كان كثير من المحللين يعتقدون أن أميركا ليست جادة في نيتها شن حرب على إيران، وإنما هو أحد أشكال الضغط والتخويف من أجل إجبار الإيرانيين على توقيع اتفاق مذل يرضي الإدارة الأميركية.

ويبدو أن القادة في إيران كانوا يرجحون هذه الفكرة؛ فالمفكرون والمحللون الاستراتيجيون الأميركيون لطالما عبروا عن آراء ومواقف وتحليلات توحي بأن أميركا، بعد حرب العراق، لا يمكن لها أن تتورط مرة أخرى في حرب طويلة الأمد، ممتدة أو متطاولة كما يسمونها في أدبياتهم.
كيف اقتنع ترمب بشن حرب على إيران؟

كانت الأغلبية في أميركا تعتقد أن التحدي الإقليمي الذي تمثله إيران ليس قابلاً للحل بتوجيه ضربة عسكرية إسرائيلية أو أميركية إلى المرافق النووية الإيرانية. وحتى وقتنا الراهن يبدو أن نظرة كبار القادة في أميركا لم تتغير حيال الحرب مع إيران؛ فمن خلال الاستشارات التي أجراها الرئيس “ترامب” مع كبار قادته العسكريين سمع منهم كلاماً غير مشجع: فهذه الحرب سوف تكون طويلة ولن تكون سهلة، لكن الرئيس بقي مصمماً على موقفه واتخذ قراره بشن الحرب على إيران.

قيل إن “نتنياهو” وبعض الشخصيات اليمينية المتطرفة في الإدارة الأميركية أغوت “ترامب” بأن إيران ليست سوى نمر من ورق، وأن تكاليف مهاجمتها والتخلص من نظامها سوف تكون محدودة، بينما الفوائد لا حصر لها. ولعل ما جعل “ترامب” أكثر جرأة أن إيران، في حرب الاثني عشر يوماً، كان ردها باهتاً لم يرق إلى المستوى الذي يمكن أن يشكل رادعاً لكل من أميركا وإسرائيل ويجعلهما تعيدان الحسابات ألف مرة قبل التفكير في مهاجمتها مرة أخرى.

واكتمل المشهد بنجاح عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي “مادورو”، حيث خرج من داخل النظام من يتفاهم مع الرئيس ترامب دونما عناء يُذكر. وبالتالي، فإن اختطاف رأس النظام الإيراني، إذا كان غير ممكن، فتصفيته مع كبار قادته قد يفي بالغرض، والذي هو في نهاية الأمر إخراج إيران نهائياً من المعادلات الإقليمية، وظهور نظام مقرب من أميركا كحد أدنى، ومن ثم إعادة صياغة جزء من العلاقات الدولية ونسق التحالفات الدولية بما يكرس الهيمنة الأميركية.

كيف يمكن لأميركا أن تنتصر؟

بدأ ما يسميه ترامب بالعملية العسكرية المحدودة باغتيال المرشد وعدد من كبار القادة الإيرانيين، لكن النظام الإيراني لم يتهاوَ كما كان متوقعاً، وأصبح الحديث عن عملية عسكرية محدودة يفتقر إلى الدقة، فما حصل في الأيام التالية وما يزال مستمراً هو حرب مكتملة الأركان. حرب يرى فيها الأميركيون أنفسهم أنها غير شرعية ومخالفة للقوانين والأعراف الدولية، بينما تنظر إليها الأكثرية الواسعة من حلفاء أميركا على أنها سلوك أميركي متطرف جاء أحادياً وملتبساً ونفعياً.

وهكذا بدأ التذمر من قبل الأميركيين وغير الأميركيين مبكراً، وراح كثير من المحللين يتحدث عن فشل هذه الحرب في تحقيق أهدافها. لكن الجميع يعترف بأنه لا يمكن لترامب العودة من منتصف الطريق، ولا بد له من تحقيق إنجاز ما قبل القول إننا انتهينا من هذا الموضوع.

وبهذا المعنى يمكن القول إن العملية أصبحت صعبة ومعقدة ومركبة؛ فمن أجل أن تخرج أميركا منتصرة من هذه الحرب تحتاج إلى: ضبط التصعيد، ومنع توحيد خصومها، وتجنب الاستنزاف.

وتبدو هذه الشروط، إذا ما أضفنا إليها الحفاظ على الشرعية الدولية ولو بالحد الأدنى، صعبة التحقيق، إلا إذا وصلت القوات الأميركية إلى إنجازات مهمة خلال وقت قصير. وهذا يعني أننا سنشهد في المرحلة القادمة زيادة في وتيرة القصف وتنويعاً في اختيار الأهداف وطبيعتها، وربما نشهد بعض العمليات البرية في بعض المناطق الحساسة.

وهذا متوقع إلى حد كبير، لكن غير المتوقع، والذي يصعب توقعه، هو إن كان النظام الإيراني سيبقى صامداً أم سينهار أو يستسلم.
النظام الإيراني الذي نعرفه أصبح من الماضي

يقال إن الدول أجساد ورؤوسها هي القيادات، وتوقع “ترامب” أن ينهار النظام الإيراني بمجرد التخلص من قيادته ليس ضرباً من الخيال؛ ففي الحقيقة ما تلقاه النظام الإيراني باغتيال المرشد هو ضربة قاتلة.

صحيح أن النظام الإيراني ما زال يعمل، إلا أن كفاءته انخفضت كثيراً. وصحيح أن المسؤولين الإيرانيين يحاولون إظهار تماسك بنية النظام، لكن حجم الضربات التي تتعرض لها المنشآت العسكرية وغير العسكرية الإيرانية وكثافتها، وعمق الفجوة التي خلفها اغتيال المرشد وكبار قادته، تثير الشكوك حول مصداقية الصورة التي يحاول الإيرانيون تصديرها عن تماسك نظامهم.

يعتقد بعض المحللين السياسيين أن الهدف المعلن للحرب بإسقاط النظام الإيراني أسهم في تماسك هذا النظام إلى حد ما؛ فالجميع أصبح مهدداً، والجميع أصبح مستعداً للدفاع عن النفس.

وبهذا المعنى أصبح الهدف الحقيقي للنظام الإيراني هو الحفاظ على الذات، وإن استطاع فعل ذلك سيخرج على جماهيره معلناً النصر على ركام بلد يمكن أن يوصف حرفياً بأنه “بلد مطحون”.

أجل، إن بقاء النظام الإيراني إلى ما بعد هذه الحرب أمر وارد، لكنه بقاء مؤقت؛ فالتغيير – غالباً – يأتي بعد الهزائم الكبرى وليس في أثنائها.

ولكن، رغم كل شيء، لم يعد من الممكن الحديث عن النظام الإيراني الذي عرفه العالم خلال العقود الماضية، فذلك النظام رحل مع اللحظات الأولى لاغتيال مرشده الذي طبعه بطابعه، واختار له نهجه وسلوكه، وضبط إيقاع مؤسساته.

وأخيراً ترك لمن يخلفه إرثاً عنوانه العريض هو “الفشل”: فاستراتيجية الدفاع المتقدمة فشلت، وخوض الحروب خارج حدود إيران فشل، وها هي إيران تُدك طولاً وعرضاً من قبل أعتى قوة على وجه الأرض. أما عن الفشل الاقتصادي فحدّث ولا حرج.

السيناريو الأمثل لنهاية الحرب

في مجمل الأحوال، كان فشل العملية العسكرية في تحقيق هدفها بالضربة الأولى بمثابة إطلاق العنان للمحللين للتنبؤ بسيناريوهات نهاية الحرب، وأصبح اليوم يمكننا الحديث عن عشرات السيناريوهات.

ولكن مع مرور الوقت بات بالإمكان الحديث عن سيناريو مختلف ومحبذ؛ فالانتصار السهل لكل من أميركا والكيان الصهيوني في هذه الحرب سوف يدفع الكيان الصهيوني إلى مزيد من الغطرسة والتجبر. ورغم أن الحديث عن نصر حقيقي لإيران يُعد ضرباً من الخيال، إلا أن تحقق مثل هذا السيناريو – مع احتمالاته المنخفضة جداً – سيدفع النظام الإيراني أيضاً إلى مزيد من الغطرسة.

إن السيناريو الأمثل لدول منطقة الشرق الأوسط بالعموم هو أن تنتهي هذه الحرب دون أن يسقط النظام الإيراني؛ لأن ارتدادات سقوطه الفوضوي الحر قد تكون أكثر أذية لدول المنطقة من الحرب ذاتها. ولكن في المقابل يجب أن يكون الطرف الآخر قد وصل إلى مرحلة الإعياء، وخاصة الكيان الصهيوني الذي أصبح بحاجة إلى كبح جماح غطرسته. فأن يخرج الكيان الصهيوني من هذه الحرب وقد أثخنت جراحه سوف يجعل قادته ونخبه يحسبون ألف حساب لأي مغامرة عسكرية جديدة.

ومن جهة أخرى، يمكن للشارع الصهيوني أن يتقبل فكرة النصر رغم ارتفاع التكلفة؛ فالصهاينة ينظرون إلى إيران كتهديد وجودي. ويمكن لنتنياهو بعد الحرب أن يقول: لقد أنهينا كل البرامج والإمكانات التي جعلت من إيران خطراً وجودياً، وجعلناها بلداً مطحوناً يحتاج إلى عقود لترميم جراحه.

ولكن ماذا يمكن لترامب أن يقول؟ سيقال في أميركا إن هذه الحرب حققت أهداف نتنياهو ولم تحقق أهداف ترامب. وبالتالي سوف تتراجع قوة التيار اليميني المتطرف الداعم للكيان، وسوف يُنظر إلى الكيان بوصفه جهة ورطت أميركا في حرب ليست حربها.

يقال إن الصراعات لا تنتهي وإنما تتحول، بمعنى أنه لا يوجد سيناريو يمكن أن يؤدي إلى إنهاء الصراع في منطقة الشرق الأوسط، وإنما يمكن لنهاية ما للحرب أن تحول الصراع من صراع عنيف مدمر إلى صراع كامن يستبعد العنف في وقت ما.

لكن الأهم من هذا وذاك، وبغض النظر عن الشكل الذي سوف تنتهي به هذه الحرب، هو أن تكون دول المنطقة فاعلاً في عملية إعادة تشكيل المنطقة، وألا تكتفي بدور المفعول به.
تلفزيون سوريا


إيران ومعضلة تغيير النظام/ مأمون فندي
17 مارس 2026 م
ليست الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أول حرب تُرفع فيها شعارات كبرى مثل تغيير النظام أو القضاء على أسلحة الدمار الشامل. فقد تكررت هذه الأهداف أكثر من مرة خلال العقود الأخيرة، وفي معظم الحالات لم تتحقق كما تخيلها من أطلقوها، بل انتهت بنتائج ملتبسة وفي الغالب كارثية. تجارب مصر والعراق وليبيا وأفغانستان منذ الخمسينات من القرن الماضي تمثل مختبراً تاريخياً لاختبار هذه المقولة التي تكررت وتحولت إلى ذرائع أكثر منها سياسات أو أهداف حرب قابلة للتحقق.

لطالما ارتبطت التدخلات العسكرية الغربية في الشرق الأوسط بشعارات كبيرة ومبررات أخلاقية أو سياسية جذابة. فمنذ حملة نابليون على مصر التي رُوّج لها باعتبارها «مهمة حضارية»، مروراً بالعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وصولاً إلى الحروب الحديثة في العراق وليبيا وأفغانستان، تتغير الشعارات، لكن الفكرة الأساسية تبقى واحدة: تدخل عسكري لتحقيق هدف سياسي كبير، مثل حماية الأمن الدولي، أو نزع أسلحة خطرة، أو تحرير الشعوب من أنظمتها السياسية.

غير أن رد فعل المجتمعات المحلية كثيراً ما يسير في اتجاه مختلف. فبدل أن يبقى الصراع رأسياً بين شعب وقوة خارجية، يتحول أحياناً إلى صراع أفقي داخل المجتمع نفسه أو بين المجتمعات العربية وبعضها، حيث تتفكك التوازنات الداخلية وتظهر صراعات بين فئات وقوى محلية، فيتحول الضعف إلى صراع بين الأشقاء بدل أن يكون مواجهة مع الخارج.

في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 أعلنت بريطانيا وفرنسا أن الهدف هو حماية الملاحة في قناة السويس ووقف القتال بين مصر وإسرائيل بعد قرار تأميم القناة، لكن إسقاط نظام جمال عبد الناصر كان هدفاً ضمنياً كذلك. شارك في العملية نحو 125 ألف جندي من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وحققت القوات المهاجمة تقدماً عسكرياً سريعاً. ومع ذلك انتهت العملية بانسحاب كامل تحت ضغط دولي شديد، خصوصاً من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. لم يسقط النظام المستهدف، بل خرج عبد الناصر أكثر قوة في الداخل العربي، وأصبحت أزمة السويس بداية انحسار الإمبراطورية البريطانية، إذ لم تمض سنوات حتى سقطت عدن وتراجع النفوذ البريطاني ليحل النفوذ الأميركي تدريجياً محله.

بعد ثلاثة عقود تقريباً انتهت الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، لكن العراق دخل سريعاً في أزمة جديدة عندما غزا الكويت في أغسطس (آب) 1990. يومها انقسم العرب بين مناصر للحق ومدافع عن الباطل بدوافع مختلفة، بعضها سياسي وبعضها ناتج عن العجز أو محاولة التعويض الرمزي.

بعد سبعة أشهر قادت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً ضخماً لتحرير الكويت. تحقق الهدف العسكري بسرعة نسبية، وكان من حكمة الرئيس الأميركي جورج بوش الأب أن يتوقف عند هذا الهدف دون توسيع الحرب إلى إسقاط النظام في بغداد. وحتى عندما أطلق صدام حسين صواريخ «سكود» على إسرائيل، ضغط بوش على تل أبيب كي لا ترد حتى لا تتغير طبيعة الصراع أو تتبدل شرعية الحرب في نظر الرأي العام العربي والدولي.

بعد هزيمة العراق في حرب الخليج بقي نظام صدام حسين في السلطة رغم ضعفه الشديد. وانتهت سلطة صدام بغزو العراق عام 2003 بقيادة الولايات المتحدة في عهد جورج بوش الابن. جاء الغزو بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر وفي أجواء غضب أميركي عارم، تحت شعار القضاء على أسلحة الدمار الشامل وتغيير النظام وإقامة نموذج ديمقراطي في العراق يمكن أن يمتد إلى المنطقة.

دخلت القوات الأميركية بغداد بسرعة وسقط النظام خلال أسابيع في مشهد بدا وكأنه انتصار عسكري حاسم. لكن المرحلة التالية كشفت تعقيدات مختلفة تماماً. فقرارات الحاكم المدني بول بريمر، مثل حل الجيش العراقي وتفكيك مؤسسات الدولة المرتبطة بحزب «البعث»، أدت إلى تفكيك البنية المؤسسية للدولة العراقية.

النتيجة لم تكن مجرد تغيير للنظام، بل انهيار واسع في مؤسسات الدولة، ما فتح الباب أمام تمرد مسلح وصراع طائفي طويل. قُتل أكثر من 4800 جندي من قوات التحالف وسقط عشرات الآلاف من العراقيين، إضافة إلى نحو 120 ألف قتيل مدني موثق. ورغم إسقاط النظام بقيت نتائج الحرب موضع جدل حتى اليوم بسبب الفوضى التي أعقبتها.

وهذا مثال قريب ينبغي التأمل فيه كلما ارتفعت الأصوات التي تتحدث عن احتمال سقوط النظام في إيران. فهناك فرق جوهري بين إسقاط نظام سياسي وتفكيك دولة كاملة. ما حدث في العراق لم يكن مجرد تغيير للسلطة بقدر ما كان انهياراً في بنية الدولة نفسها، وهو ما جعل إعادة الاستقرار عملية طويلة ومكلفة.

تكرر المشهد بصورة مختلفة في ليبيا عام 2011. أعلن حلف شمال الأطلسي أن هدفه حماية المدنيين وفرض منطقة حظر جوي. نفذ الحلف أكثر من 26 ألف طلعة جوية وسقط نظام معمر القذافي خلال ثمانية أشهر. كان الانتصار العسكري مدمراً ومبهراً، لكن ليبيا دخلت بعدها في مرحلة طويلة من الانقسام السياسي والصراع المسلح، وما زالت الدولة حتى اليوم تبحث عن استقرار مؤسسي واضح.

أما الحرب في أفغانستان التي بدأت عام 2001 فقد انطلقت بهدف القضاء على تنظيم «القاعدة»، ومنع استخدام البلاد قاعدة للهجمات بعد أحداث 11 سبتمبر. بلغ عدد القوات الأميركية في ذروة الحرب نحو مائة ألف جندي واستمرت العمليات العسكرية عشرين عاماً. ومع ذلك انتهت الحرب بانسحاب القوات الغربية وعودة حركة «طالبان» إلى الحكم عام 2021، في مشهد يعكس حدود القوة العسكرية عندما لا تتحقق الأهداف السياسية الأوسع.

تكشف هذه التجارب مفارقة واضحة في الحروب الحديثة: سرعة الانتصار العسكري لا تعني بالضرورة تحقيق الهدف السياسي للحرب. ففي كثير من الأحيان تبدأ المرحلة الأصعب بعد انتهاء العمليات العسكرية الكبرى، عندما يصبح السؤال الحقيقي هو كيف يمكن تحويل النصر العسكري إلى استقرار سياسي دائم.

في هذا السياق تبدو المواجهة مع إيران مختلفة في بعض الجوانب ومتشابهة في جوانب أخرى. فهي تشبه حرب العراق عام 2003 في خطاب إزالة التهديد الاستراتيجي ومنع انتشار القدرات العسكرية الخطرة، وتشبه حرب الخليج عام 1991 في الاعتماد الكبير على التفوق الجوي والتكنولوجي.

لكنها تختلف في نقطة أساسية: إيران ليست دولة منهكة أو معزولة بالكامل. فهي تمتلك منظومة صاروخية واسعة، إضافة إلى شبكة من الحلفاء والقوى المتحالفة معها في أكثر من ساحة إقليمية. وهذا يعني أن أي صراع معها قد يتجاوز حدودها الجغرافية ليصبح مواجهة إقليمية أوسع وخلطاً كبيراً للأوراق في المنطقة.

ولهذا ربما يكون الدرس الأهم الذي يقدمه التاريخ الحديث هو أن كسب المعركة العسكرية ليس التحدي الأكبر. التحدي الحقيقي يبدأ في اليوم التالي للحرب: كيف يتحول الانتصار العسكري إلى نظام سياسي مستقر، وكيف يمكن تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي أعلنتها الحرب في البداية.

ستنتهي الحرب قريباً، ولكن تلك لن تكون الزيارة الأميركية الأخيرة لإيران.

الشرق الأوسط


من فنزويلا إلى إيران.. كيف غيّرت إستراتيجية ترمب للقوة حسابات العالم؟/ أحمد حافظ
في 3 يناير/كانون الثاني 2026، نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية في فنزويلا أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، وبعد أقل من شهرين في 28 فبراير/شباط، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا على إيران تجاوز عدد ضحاياها مئات الآلاف بين قتيل ونازح، وعطلت الملاحة في مضيق هرمز، ورفعت أسعار النفط بنسبة 40%. وبين الحدثين رابط يكشف عن تحوّل عميق في طريقة إدارة الشؤون الدولية بعيدا عن الدبلوماسية السياسية والاعتماد على الحدود القصوى للقوة.

وفي مقابلة مع الجزيرة نت، يحلل مدير برنامج القضايا العالمية والمؤسسات الدولية بمجموعة الأزمات الدولية ريتشارد جوان العلاقة بين المسارين قائلا “الاستجابة الدولية الباهتة جدا تجاه اعتقال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للرئيس الفنزويلي أظهرت لواشنطن أنه يمكنها الإفلات من أي خرق صريح للقانون الدولي”، ويعتقد أن “نجاح العمليات في فنزويلا عزز استعداد ترمب لاتخاذ المزيد من المخاطر الأكبر”.

ويرى جوان أن الإدارة الأمريكية الحالية “تستخدم القوة الخام بدلا من الإقناع لتشكيل الدبلوماسية الدولية”، معتبرا أن “هذه الطريقة قد تكون فظة ولكنها على الأقل تعمل على المدى القصير”. وهذا النهج، بحسب هذا التحليل، دفع الدول إلى إعادة النظر في كيفية تعاملها مع الولايات المتحدة وحساباتها الإقليمية والدولية.

وحسب تقرير لمجموعة الأزمات الدولية بعنوان “الصراع والعواقب: التأثير العالمي للحرب الجديدة في الشرق الأوسط”، فإن الحرب على إيران دخلت أسبوعها الثالث دون نهاية واضحة، مع تداعيات واسعة النطاق على الاقتصاد العالمي والاستقرار الإقليمي والقانون الدولي.

فمن بكين إلى موسكو، ومن العواصم الأوروبية إلى نيودلهي، تبحث الحكومات عن صيغ جديدة للتعامل مع الواقع المستجد: كيف توازن بين مصالحها الاقتصادية واعتباراتها السياسية؟ وإلى أي مدى يمكن للقوة القصوى أن تعيد تشكيل قواعد النظام الدولي الذي بُني بعد الحرب العالمية الثانية؟
مجلس الأمن الدولي
ريتشارد جاون: معظم حكومات الدول الكبرى تتحفظ على إبداء مواقف واضحة من الحرب على إيران (رويترز)
موقف القوى الكبرى

تكشف ردود الفعل الدولية على الحرب عن معادلات معقدة تحكم سلوك القوى الكبرى، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحسابات الإستراتيجية والاعتبارات السياسية، فبينما تتحفظ معظم الحكومات على إبداء مواقف واضحة، تعيد كل دولة ترتيب أولوياتها بما يتناسب مع علاقاتها مع واشنطن ومصالحها في المنطقة.
إعلان

ويشرح ريتشارد جوان للجزيرة نت خلفيات هذا التحفظ الدولي بأن “ترمب لديه سجل واضح من الهجوم على الدول التي تنتقده”، مضيفا أنه “في وقت تكافح فيه العديد من الحكومات لمواجهة التأثير الاقتصادي لارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب على إيران، فإن آخر ما تود فعله هو قول أي شيء يؤدي إلى تهديدات ترمب بفرض رسوم جمركية”.

بالنسبة للصين، يوضح مدير برنامج القضايا الدولية بمجموعة الأزمات أنها “من المحتمل أن تكون سعيدة برؤية الولايات المتحدة تركز مواردها العسكرية على الشرق الأوسط بدلا من آسيا”، لكنها في الوقت ذاته “تعطي الأولوية للعلاقات الاقتصادية الجيدة مع الولايات المتحدة” استعدادا لقمة الرئيس ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ المقررة نهاية مارس/آذار الجاري.

وحسب تقرير مجموعة الأزمات، فإن بكين قد دانت العمليات العسكرية على إيران لكن بحذر شديد، بينما تحاول تأمين مرور السفن الصينية عبر مضيق هرمز، وقد حققت بعض النجاح في هذا المسعى.

وفي ما يتعلق بروسيا، فقد أعلنت معارضتها للحرب لكن دعمها الفعلي لإيران بقي “غامضا وقابلا للإنكار”، وفق تقرير المجموعة. وتستفيد موسكو من ارتفاع أسعار النفط والرفع المؤقت لبعض العقوبات الأمريكية.

ويقول جوان إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “عرض التوسط لإنهاء الحرب مع إيران”، ويفترض أنه “يأمل دفع ترمب لتقديم شروط أفضل لموسكو بشأن مستقبل أوكرانيا”.

ويخلص المتحدث نفسه إلى تحليل يرمي إلى أبعاد إستراتيجية في نظرة كل من الصين وروسيا لهذه الحرب ” فالوضع الحالي للحرب يعد ربحا مزدوجا لكل من بكين وموسكو، على الرغم من أن كلا منهما كانت لديه علاقات جيدة مع إيران في الماضي. ويمكنهم مراقبة الولايات المتحدة وهي تستهلك مواردها العسكرية في الخليج، ويمكنهم استغلال الفرصة للحصول على تنازلات دبلوماسية واقتصادية من واشنطن المشغولة”.

أما أوروبا، فقد اختلفت المواقف بين دولة وأخرى، إذ امتنعت معظم الدول عن التعليق على شرعية العمليات العسكرية، باستثناء إسبانيا والنرويج وتركيا التي عبّرت عن قلقها إزاء التداعيات على القانون الدولي، حسب ما جاء في تقرير مجموعة الأزمات.

ويفسر جوان في تصريحاته للجزيرة نت هذا التباين بأن “رد فعل ترمب الغاضب على رفض إسبانيا دعم الحرب أرسل رسالة إلى دول أخرى”، مضيفا أنه “حتى بعض الدول التي خاضت صراعات مع ترمب في الماضي، مثل البرازيل وجنوب أفريقيا، حافظت على موقف منخفض المستوى فيما يتعلق بإيران”.
تصميم خاص – تقرير تحت عنوان حصيلة خسائر كبرى بعد أسبوعين من الحرب على إيران
بعد مرور أكثر من أسبوعين من الحرب على إيران يتحمل العالم خسائر اقتصادية وتصعيدا غير مسبوق بالمنطقة (الجزيرة)
التصعيد ضد دول الخليج

حوّل إغلاق مضيق هرمز منطقة الخليج من مركز إمداد عالمي للطاقة إلى بؤرة أزمة اقتصادية تمتد تداعياتها إلى كل القارات، ومع توقف تدفق النفط والغاز من المنطقة التي تُصدّر خُمس الإنتاج العالمي، وجدت الحكومات نفسها أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة أزمة طاقة غير مسبوقة.

وردت إيران على العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية بضربات صاروخية استهدفت منشآت نفط في دول الخليج، مما أدى إلى تعطل صادرات النفط والغاز والأسمدة من المنطقة، كما ارتفعت أسعار النفط بنسبة 40% منذ بداية الحرب.
إعلان

ودعا الرئيس الأمريكي عدة دول وتحالفات إلى المساهمة في تشكيل قوة بحرية لحماية الملاحة في مضيق هرمز، لكن الاستجابة كانت محدودة، إذ أعلنت اليابان أنه “لا توجد خطط لنشر قواتها البحرية في المضيق”، بينما قدمت بريطانيا وفرنسا دعما دفاعيا لحماية الخليج من دون مشاركة هجومية مباشرة.

ويؤكد تقرير مجموعة الأزمات أن التداعيات الاقتصادية امتدت عالميا في صورة نقص حاد في الوقود في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الأسمدة مما يهدد الأمن الغذائي في عدة مناطق. كما حذّرت الأمم المتحدة من تدهور الأوضاع الإنسانية وتعطل وصول المساعدات إلى لبنان وأفغانستان وباكستان وفلسطين واليمن.
موجة استهداف صاروخي جديدة من إيران باتجاه إسرائيل

موقف القانون الدولي والأمم المتحدة

وتطرح الحرب على إيران أسئلة جوهرية حول مستقبل القانون الدولي ومنظومة الأمم المتحدة؛ فبينما ينص ميثاق الأمم المتحدة على حظر استخدام القوة إلا في حالات الدفاع عن النفس ضد تهديد وشيك، تباينت ردود الفعل الدولية بين التحفظ والصمت، مع قلة من الأصوات التي أشارت إلى الأبعاد القانونية للحرب.

يحلل جوان للجزيرة نت ذلك بأن “الهجمات الإيرانية نفسها على دول الخليج جعلت من السهل على الحكومات تجنب التركيز على الولايات المتحدة وإسرائيل”، موضحا أنه “من السهل والمناسب دبلوماسيا الدعوة لخفض التصعيد من جميع الأطراف بدلا من التركيز على قانونية الضربات الأميركية والإسرائيلية”.

وحسب تقرير مجموعة الأزمات، فإن معظم حلفاء واشنطن تجنبوا الإشارة إلى المواد القانونية في ميثاق الأمم المتحدة. وفي 11 مارس/آذار الحالي، شاركت 135 دولة في رعاية قرار لمجلس الأمن يدين العمليات الإيرانية ضد دول الخليج من دون الإشارة إلى الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، مما يعكس تحولا في الموقف الدولي.

ويلفت جوان إلى مقارنة سريعة بين موقف الحكومات التي كانت تنتقد إسرائيل بصوت عالٍ بشأن غزة وموقفها من الحرب على إيران حيث أصبحت أكثر حذرا”، معتبرا أن ذلك “يميل إلى إثبات فرضية أن قضية فلسطين لها وضع خاص في الرأي العام الدولي”.

أما الأمم المتحدة، فقد كان دورها محدودا، حيث أصدر الأمين العام بيانات تدعو كل الأطراف إلى ضبط النفس، لكن التأثير الدبلوماسي الفعلي بقي ضعيفا. وحذّرت المنظمة الدولية من التداعيات الإنسانية المتصاعدة، دون قدرة حقيقية على التأثير في مسار الأحداث، حسب تقرير المجموعة.

وفي ختام تصريحاته للجزيرة نت، يطرح مدير برنامج القضايا الدولية بمجموعة الأزمات سؤالا محوريا: “ما إذا كانت الحرب ستستمر؟” ويجيب بأنه كلما طالت مدة الحرب زاد احتمال أن تستنتج الحكومات المختلفة أن ترمب قد أخطأ في التقدير”.

وأضاف أن ذلك “لا يعني بالضرورة أن هذه الحكومات ستغير موقفها في إدانة أعمال الولايات المتحدة في الخليج، ولكن ترمب قد يواجه درجة أعلى من الشك إذا شرع في مغامرات خارجية أخرى”.
المصدر: الجزيرة + مجموعة الأزمات الدولية


لماذا قد تنهي حرب إيران مستقبل ترمب السياسي؟/ جون سوبيل
وعد مواطنيه بأنه لن يزج البلاد في صراعات تدور في أراض بعيدة لكن شعار “أميركا أولاً” يبدو أنه أسقط ولو موقتاً لمصلحة حرب لا هدف واضحاً لها
الثلاثاء 17 مارس 2026
يعلن دونالد ترمب نصراً سريعاً في الحرب على إيران، لكن غياب خطة واضحة وبقاء النظام الإيراني وقدرته على تهديد مضيق هرمز يثيران شكوكاً واسعة حول جدوى الحرب. التناقض بين شعار “أميركا أولاً” والانخراط في صراع خارجي مفتوح قد يحول الحرب إلى عبء سياسي يهدد مستقبل ترمب في الداخل الأميركي.

بدا الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أفضل حالاته – أو ربما أسوأها – (اختر الوصف الذي تراه مناسباً) من حيث التفاخر الصاخب والخطاب المبالغ فيه والمربك، عندما تحدث الخميس في هيبرون، تلك التي في ولاية كنتاكي الأميركية، لا في مدينة الخليل في الضفة الغربية. أعلن أمام الحضور أن الحرب في إيران قد حسمت بالفعل. بل ذهب أبعد من ذلك حين أكد أن النصر تحقق خلال الساعة الأولى من اندلاعها. ولم يفوت الفرصة للإشادة بنفسه، متباهياً بابتكار اسم للعملية العسكرية. وقال مازحاً لجمهوره: “الغضب الملحمي… أليس اسماً رائعاً؟”، وكأن شن حرب لا يكتمل من دون ابتكار شعار جذاب لها أولاً.

كان من الطبيعي أن يتوقع المرء، في الأسبوع الثاني من حرب يتعرض فيها رجال ونساء الجيش الأميركي للخطر، التفافاً وطنياً حول العلم. وقف ترمب هنا في ولاية كنتاكي الجمهورية، وبينما كان ينطق بهذه الكلمات، توقعت أن تقابل كل جملة وكل استعراض بلاغي بهتاف مدو من هذا الحشد الموالي لحركة “ماغا”: “يو أس أي!”. لكن ذلك لم يحدث. كان الحضور هادئاً على نحو غريب.

بدا الأمر وكأنهم يدركون ما ندركه جميعاً: لا توجد خطة، ولا يلوح أي نصر في الأفق. فالنظام في طهران لم يسقط، والإيرانيون ما زالوا قادرين بسهولة على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز. وفي المقابل، لا يبدو أن الولايات المتحدة – على رغم قوتها العسكرية الهائلة – تستطيع أن تفعل كثيراً حيال ذلك.

ربما أكون مبالغاً إذا قلت إن هذا المشهد يذكر بتلك اللحظة في الـ21 من ديسمبر (كانون الأول) عام 1989، عندما وقف الزعيم الروماني نيكولاي تشاوشيسكو على شرفة في العاصمة بوخارست ليكتشف أن الحشد لم يعد يهتف لكل كلمة يقولها. وبالتأكيد سأكون قد انجرفت بعيداً في الخيال إذا قارنت ذلك بحكاية هانز كريستيان أندرسن الشهيرة عن الصبي الذي صرخ في وجه حاكم مغرور، كان يحيط نفسه بمتملقين، قائلاً إنه لا يرتدي أي ملابس.

لكن ربما يوجد شيء صغير من ذلك هنا. فعبقرية ترمب على مدى أعوام كانت في قدرته على إطلاق أكثر التصريحات إثارة للجدل، المنفصلة تماماً عن الواقع، بينما يكتفي أنصاره بالإيماء موافقة.

غير أن هذه الحرب في إيران تبدو مختلفة. لقد كان الوعد الذي قدمه ترمب للأميركيين أثناء حملته الانتخابية واضحاً: لن يزج الولايات المتحدة في صراعات بعيدة. كان الشعار “أميركا أولاً”. ومع ذلك، ها هو يقود بلاده إلى حرب اختارها بنفسه. لم يكن هناك أي إعداد للرأي العام لها، ولم يقدم تفسيراً متماسكاً يشرح لماذا تخاض هذه الحرب ولماذا الآن تحديداً. كما لا توجد رواية واضحة للأهداف الاستراتيجية: هل المقصود تغيير النظام في طهران؟ أم تدمير برنامجها النووي؟ أم مجرد تحييد قدراتها جزئياً؟ الرسائل الصادرة كانت متناقضة ومشتتة.

نحن الآن أمام وضع أخذت فيه الأهداف التي يمكن للأميركيين ضربها تتضاءل. فقد عطلوا الدفاعات الجوية الإيرانية، ودمروا بنية تحتية أساسية في البلاد (ومن بينها مدرسة للبنات)، ووجهوا ضربة إلى رأس القيادة الإيرانية – ومع ذلك لا يزال النظام قائماً.

ثم هناك مضيق هرمز الذي يمر عبره 20 في المئة من نفط العالم. ووفقاً للرئيس ترمب، فقد دمرت البحرية الإيرانية بالكامل. لقد أغرقت. لكن المضيق ضيق. وكل ما يتطلبه الأمر مركب شراعي صغير أو زورق خفيف يلقي لغماً بحرياً في المياه (ويعتقد أن لدى الإيرانيين ترسانة تضم نحو 1000 لغم منها)، وهكذا ببساطة يخنق هذا الشريان الحيوي للتجارة العالمية. وعلى رغم القوة الفتاكة للبحرية الأميركية، لا يوجد كثير مما يمكنهم فعله حيال ذلك. فالأمر بسيط للغاية بالنسبة إلى الإيرانيين.

فهل حذر أحد في محيط ترمب من احتمال ترتب عواقب اقتصادية كبيرة؟ وهل فكر في الأمر جيداً؟ ربما حدث ذلك، وربما قرر تجاهله. تذكروا أن هذه ولايته الثانية، والرئيس لا يريد مستشارين يعارضونه أو يتحدونه، بل مشجعين متحمسين يصفقون له قائلين: “أحسنت يا سيدي”.

لذلك فإن إعلان النصر في وقت يضطر فيه الأميركيون إلى دفع المزيد لملء خزانات سياراتهم الشرهة للوقود سيبدو انتصاراً فارغاً. لا أحد يقول إنه عار ولا يرتدي ملابس – وهي صورة لا ينبغي لأحد، ولا حتى ميلانيا، أن يتخيلها – لكنه يبدو وكأنه فقد شيئاً من بريقه.

إنها أوقات مقلقة. لكن دونالد ترمب، رجل الاستعراض الدائم، يستمتع بالمشهد الذي يصنعه من التنافس بين نائبه جي دي فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو، وهما الرجلان الأكثر ترجيحاً لخلافته في انتخابات 2028. الثناء يتجه الآن نحو ماركو. ويبدو أن ترمب أصبح أكثر وداً تجاهه. أما جي دي فيبدو أكثر تشككاً في المغامرة الإيرانية – أو “الرحلة”، كما صار ترمب يسميها الآن. وربما يخدمه هذا التشكيك على المدى الطويل.

وكل ذلك يقودنا إلى الأحذية. فمن المعروف أن هذا الرئيس ينظر بازدراء خاص إلى الأحذية الرديئة. لذلك عندما رأى نائبه ووزير خارجيته ينتعلان أحذية عملية بسيطة، قال إنه سيشتري لهما أحذية جديدة. وقد ظهر روبيو أخيراً في صورة وهو يرتدي حذاءً لا يلامس كعب قدمه مؤخرة الجزء الجلدي من الحذاء.

ولعلكم تتذكرون أن روبيو واجه ترمب في مناظرة رئاسية قبل نحو عقد من الزمن، وقال إن يدي قطب العقارات الصغيرتين قد تكونان علامة على صغر شيء آخر أيضاً. أما النظرية المتداولة الآن فتقول إن روبيو عندما سأله ترمب عن مقاس الحذاء الذي يريده، ابتلع ريقه وقال “المقاس 11″، في حين أن المقاس الحقيقي لقدميه هو 8 فقط.

لذا إذا رأيتم وزير الخارجية على شاشة التلفزيون يتمايل في مشيته كما لو كان طفلة ترتدي حذاء والدتها ذا الكعب العالي، فستعرفون السبب.

هل لدي مصادر موثوقة لكل هذا؟ لا. لكن بعض القصص تكون ممتعة إلى حد يجعل التدقيق فيها أمراً ثانوياً. وكما قلت، هذه أوقات مخيفة، ونحتاج أحياناً إلى ما يرسم ابتسامة.

© The Independent


ترامب ارتكب 3 أخطاء استراتيجية في إيران ولن يكون قادرا على الخروج من هذه الحرب بسهولة
17 – مارس – 2026
نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” افتتاحية ناقشت فيها الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، قائلة إن الرئيس دونالد ترامب لن يكون قادرا على الخروج من هذه الحرب والتملص منها. وقالت إن الرئيس ترامب قرر شن الحرب بدون أن يوضح استراتيجيته للأمريكيين أو العالم، ومن الواضح أنه لم يكن يملك أية استراتيجية على الإطلاق.

فقد مضت ثلاثة أسابيع تقريبا على الحرب، ولا يبدو أنه سينهي النظام الإيراني، وهو أمر قال إنه يرغب بتحقيقه. ولو كانت أهدافه أقل من الإطاحة بالنظام، مثل السيطرة على المخزون النووي الإيراني، فإنه لم يقدم أدلة يمكن الوثوق بها لإنجاز المهمة. كما فشل بالتخطيط للتداعيات الجانبية للحرب في الشرق الأوسط، مثل عرقلة إمدادات النفط والضرر الذي تسببت به للاقتصاد العالمي.

إلا أن الحرب أصبحت مثالا صارخا على طريقة ترامب الفوضوية والمدفوعة بالأنانية في إدارة الرئاسة، فقد اعتمد في إصدار أمره العسكري على نصيحة دائرة صغيرة من مساعديه، مقارنة بالرؤساء السابقين، وتجاهل العملية الدقيقة التي تهدف إلى كشف الاعتراضات والمشاكل المحتملة. وأدلى بتصريحات عامة سخيفة ومتناقضة، بما في ذلك ادعاؤه بأن الحرب قد حققت أهدافها تقريبا. وحاول تضليل العالم بشأن القتل المأساوي لعشرات الأطفال الإيرانيين، والتي نجمت عن صاروخ أمريكي أطلق بشكل خاطئ. ويظهر في كل يوم للجميع أنه شخص لا يمكن الوثوق به في أهم قضايا الحكم والسياسة.

ومع ذلك، تعترف الصحيفة أن النظام الإيراني يبدو أضعف مما هو عليه في السابق، وأن حدس ترامب صحيح من ناحية إمكانية إضعاف النظام عبر مواجهة جديدة. وفي إطار آخر، حققت الحرب بعض النجاحات التكتيكية، ويجب الاعتراف بها حتى وإن لم تكن مرتبطة باستراتيجية محددة.

ومع ذلك، فإن إيران ضعيفة بسبب مجموعة من العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة عليه خلال السنين الماضية، مما أدى لتراجع قيمة عملتها، إلى جانب الهجمات العسكرية، ومعظمها من إسرائيل، وقتل فيها العديد من قادة إيران وعلمائها النوويين، ودمرت معظم دفاعاتها الجوية، وأدت إلى نفاد مخزونها من الصواريخ. وتراجعت قوة اثنين من وكلائها، وهما: حماس وحزب الله. وأطيح بنظام بشار الأسد في سوريا على يد قوات المعارضة قبل عامين تقريبا.

وعندما أعلن ترامب عن هذه الحرب، قبل أسبوعين ونصف، أكد أن أهدافه تتجاوز مجرد احتواء إيران، حيث خاطب الشعب الإيراني بعد وقت قصير من الضربات الأولى قائلا: “أقول لكم الليلة إن ساعة حريتكم قد حانت”. ودعا إلى استسلام الحكومة الإيرانية دون قيد أو شرط، وطالب بدور في اختيار الزعيم المقبل للبلاد، ووعد بإعادة إيران إلى مجدها القديم.

ولم يقدم ترامب أي وسيلة أو معلومات حول كيفية تحقيق أي من هذه الأهداف. ويزعم المدافعون عنه أن غموضه مناورة استراتيجية للحفاظ على خياراته وإبقاء عدوه في حيرة. لكن يبدو أن الحقيقة تتضح أكثر فأكثر، وهي أن رئيس الولايات المتحدة قد أشعل حربا دون أن يملك أي فكرة عن كيفية إنهائها.

ولاحظت الصحيفة أن حرب ترامب تعكس ثلاثة أخطاء استراتيجية:

أولا: كرر ترامب الأخطاء التي ارتكبها رؤساء أمريكيون لعقود، في أفغانستان والعراق وفيتنام، وحتى في إيران نفسها في خمسينيات القرن الماضي، وتوهم أن تغيير النظام سيكون أسهل مما هو عليه في الواقع. وفي هذه الحالة، تقول الصحيفة إن غطرسة ترامب كانت فوق التصور، فمن النادر أن تطيح القوة الجوية وحدها بحكومة، وفقط القوات البرية هي القادرة على الاستيلاء على أدوات السلطة وتنصيب زعيم جديد.

وقالت إن ترامب عاش مع رئيس الوزراء الإسرائيلي أوهام تغيير النظام، مثل تثوير الأقلية الكردية في إيران، أو محاولة دفع نجل الشاه المخلوع رضا بهلوي، الذي عاش طوال حياته في المنفى، ومنذ الإطاحة بوالده في عام 1979، ويعيش الآن في ضاحية راقية بواشنطن.

وفي أحيان أخرى، حاول ترامب تشجيع قوات الأمن الإيرانية على الانشقاق، ودعا في مرات أخرى الشعب الإيراني إلى “السيطرة” على حكومته.

وتقول الصحيفة إنه لا بد من وجود دليل أو أدلة على نجاح أي من هذه المحاولات. فبعد أن شجع ترامب الاحتجاجات الشعبية في كانون الثاني/يناير، قام النظام بقمع المتظاهرين بقوة، وأحكم سيطرته على البلاد، وانتهت عمليا الاحتجاجات.

أما الخطأ الثاني، فهو غياب الاستراتيجية الأمريكية لمنع النظام الإيراني من امتلاك السلاح النووي، فمخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب لا يزال، على ما يعتقد، مدفونا تحت الأرض في مدينة أصفهان. وإذا انتهت الحرب وإيران تحتفظ بهذا المخزون، فستخرج بقدرات لصنع قنبلة نووية. وستحفزها الهزائم العسكرية التي تكبدتها خلال السنوات القليلة الماضية على بناء رادع نووي، كانت قد ترددت في بنائه في الماضي.

وقال وزير الخارجية، ماركو روبيو، إن الاستيلاء على اليورانيوم المشع عالي التخصيب يحتاج إلى الذهاب إلى إيران، وقال: “سيتعين على الناس الذهاب والحصول عليه”. ومع ذلك، عندما سأل مذيع في إذاعة “فوكس نيوز” ترامب عن اليورانيوم الأسبوع الماضي، أجاب: “لا نركز على ذلك”. وتعلق الصحيفة أنه لا توجد إجابات سهلة هنا، إلا أن النهج المشتت في التخطيط للحرب لا يدعو إلى الثقة.

أما الخطأ الثالث، فيتعلق بالاقتصاد العالمي، ذلك أن حروب الشرق الأوسط معروفة بتأثيرها على أسعار النفط. وكانت إيران تعرف كيفية استخدام هذا الشيء وتكراره من خلال خنق حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. ومع ذلك، حاول ترامب تجاهل هذا الأمر، رغم تحذير رئيس هيئة الأركان، جون كين، له، وأن إيران سترد على الأرجح بمهاجمة السفن في المضيق وإغلاقه فعليا. وكما أوردت صحيفة “وول ستريت جورنال”، فقد كان رد ترامب بأن إيران لن تتمكن من إغلاق المضيق، لأنها ستكون سقطت، أو أن الجيش الأمريكي قادر على إبقاء المضيق مفتوحا. وفي كلا الافتراضين كان مخطئا، فقد ارتفع سعر النفط منذ ذلك الحين بأكثر من 40%.

وعندما ارتفع سعر البرميل لما فوق 100 دولار، اتخذ قرارات يائسة، مثل الرفع المؤقت للعقوبات النفطية عن روسيا، وهو ما يعتبر هدية ثمينة لعدو. وخلال عطلة نهاية الأسبوع، توسل إلى بريطانيا وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية، حلفاء أمضى سنوات في احتقارهم، وحتى الصين، لإرسال قوات بحرية لحماية المضيق.

ولأن الحرب لا يقين لها، ولن تختفي أي من الأخطاء الثلاثة أو تقل خطورتها في الأسابيع المقبلة، فما يمكننا التكهن به هو ظهور معارضة إيرانية بطريقة ما، أو أن ينهار النظام الحالي بنفس السرعة التي انهارت بها حكومة الأسد في سوريا أواخر عام 2024. وربما نجحت القوات الخاصة بالسيطرة على اليورانيوم المخصب دون خسائر، وربما يعمل الجيش الأمريكي مع حلفائه لإعادة فتح مضيق هرمز.

ورغم ترحيب الصحيفة بأي من هذه النتائج، إلا أن الأسابيع الأولى من هذه الحرب لا تبعث على الثقة، بل تكشف أن التخطيط الذي جرى خلف الكواليس في البيت الأبيض كان متهورا مثل سلوك الرئيس العلني. فلم يحاول الحصول على موافقة الكونغرس على الحرب كما يقتضي الدستور، ولم ينسق مسبقا مع الحلفاء في أوروبا أو شرق آسيا، ولم يقدم للشعب الأمريكي سوى مبررات سطحية للحرب.

وتقول “نيويورك تايمز” إن ترامب، وطوال مسيرته المهنية والسياسية، سعى إلى خلق واقعه الخاص. وعندما تكون الحقيقة غير ملائمة، يتجاهلها وينشر أكاذيب تخدم مصالحه. وربما مشت الأمور لصالحه، لكن الحرب غير قابلة للتلاعب الإعلامي مثل السياسة أو التسويق. وعليه، فالإشارات الأولى للحرب تكشف أن الواقع لا يتوافق مع تهديدات ترامب.
القدس العربي


حرب إيران.. ثلاثة سيناريوهات محتملة لنهاية نزاع يربك العالم
بعد 17 يوما على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لا يزال السؤال الأكبر في واشنطن والأسواق العالمية هو: متى سينتهي هذا النزاع؟

تناولت صحيفة نيوزويك الأمريكية ومجلة إيكونوميست البريطانية هذا الموضوع بالتحليل، وحددت نيوزويك 3 سيناريوهات محتملة لنهاية النزاع، وقالت إيكونوميست إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لم يستعد للتحديات العملية لمسار الحرب.

وأشارت نيوزويك إلى أن ترمب توقع أن تستمر الحرب بين 4 إلى 5 أسابيع، لكنه أشار لاحقا إلى أن الأهداف الأمريكية تحققت إلى حد كبير، مع إمكانية استمرار النزاع لفترة أطول.

مرتبط بالرئيس

وأكدت وزارة الدفاع الأمريكية أن الجدول الزمني النهائي لإنهاء الحرب مرتبط بالرئيس وحده، فيما تتناقض تصريحات ترمب المتكررة عن النصر المبكر مع استمرار الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة.

وأوضحت نيوزويك أن المعركة تتركز على مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي الذي يمر عبره نحو خمس صادرات النفط العالمية، وهو ما يجعل السيطرة عليه محور النزاع.

وأشارت إلى محاولة ترمب بناء تحالف دولي لإعادة فتح المضيق، مستهدفا بريطانيا وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والصين، إلا أن الاستجابة الأوروبية كانت حذرة، مطالبة بمزيد من الوضوح حول أهداف واشنطن قبل الالتزام بإرسال سفن حربية.

في هذا الإطار، حددت نيوزويك 3 سيناريوهات محتملة لنهاية الحرب:

حرب قصيرة وخروج أمريكي سريع

السيناريو الأول، وهو المفضل للإدارة الأمريكية بحسب نيوزويك، ويتمثل في حملة عسكرية قصيرة وحاسمة، يتبعها إعلان النصر.

فقد نفذت القوات الأمريكية والإسرائيلية موجات من الغارات على إيران، مستهدفة قواعد الصواريخ والمنشآت البحرية والبنية التحتية العسكرية، بما في ذلك مواقع مرتبطة بجزيرة خارك، مركز التصدير النفطي الرئيسي لإيران.
إعلان

وإذا نجحت هذه الضربات في تقويض قدرة إيران على تهديد الشحن البحري وتهديد الحلفاء الإقليميين، يمكن لترمب الادعاء بأن أهداف الحرب تحققت جزئيا، وبدء تقليص العمليات خلال أسابيع، وربما بحلول أوائل أبريل/نيسان المقبل، وفق تقديره المبدئي.

نيوزويك:
النفوذ الإيراني على مضيق هرمز قد يدفع القوى الخارجية، بما في ذلك أوروبا والصين، لتشجيع المفاوضات لتثبيت طرق الشحن وتقليل خطر اندلاع حرب أوسع 

أكثر تعقيدا

لكنّ إعادة فتح المضيق، كما ترى الصحيفة، أكثر تعقيدا من مجرد الضربات الجوية. فإيران تمتلك ألغاما بحرية وطائرات مسيرة وأنظمة صواريخ يمكنها تهديد السفن في الممر الضيق، وقد يتطلب تحييد هذه التهديدات دوريات بحرية مستمرة وتعاونا دوليا، وهو بالضبط ما كان ترمب يحاول تحفيز الحلفاء للانضمام إليه.

وقالت نيوزويك إن تحليلات غولدمان ساكس تحذر من أن انخفاض تدفقات النفط عبر المضيق بنسبة 90% سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية إذا استمر التعطيل.

هدنة تفاوضية

السيناريو الثاني، وفق نيوزويك، يعتمد على الدبلوماسية بدلا من النصر العسكري. فرغم الضربات المكثفة، تحتفظ إيران بقدرتها على تعطيل الإمدادات العالمية من الطاقة، ما يمنحها ورقة ضغط إستراتيجية.

وقالت إن هذا النفوذ الإيراني على مضيق هرمز قد يدفع القوى الخارجية، بما في ذلك أوروبا والصين، لتشجيع المفاوضات لتثبيت طرق الشحن وتقليل خطر اندلاع حرب أوسع.

وإذا تصاعد الضغط الدبلوماسي، فقد تنتهي الحرب بوقف إطلاق نار هش خلال عدة أشهر، يسمح لكل طرف بالانسحاب مع ادعاء تحقيق نجاح جزئي.
صراع إقليمي طويل

السيناريو الثالث: وهو الأكثر خطورة، كما تركز عليه نيوزويك وإيكونوميست، ويتمثل في تحول النزاع إلى مواجهة إقليمية طويلة.

وأوردت الصحيفة والمجلة أن إيران واصلت هجماتها على دول الخليج وأهداف إسرائيلية، وانتشر النزاع بالفعل خارج حدودها، مما أثار مخاوف من حرب أوسع في الشرق الأوسط.

وفي هذا السيناريو، قد يستمر القتال لشهور وربما أكثر، خصوصا إذا وسعت واشنطن أهدافها لتشمل شل البنية التحتية للطاقة الإيرانية أو زعزعة استقرار النظام.

وقد تؤثر السياسة الداخلية الأمريكية، مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية، أيضا على مجريات الحرب، في حين أن تصريحات ترمب المتناقضة حول النصر خلقت حالة من عدم اليقين حول إستراتيجية الإدارة.

لم يكن مستعدا

وترى إيكونوميست أن ترمب لم يكن مستعدا للتحديات العملية لإعادة فتح المضيق. فالسفن المخصصة لمكافحة الألغام تم سحبها في يناير/كانون الثاني، والموارد المتبقية لم تُستخدم في عمليات قتالية فعلية، مما يعني أن أي عملية واسعة لإزالة الألغام قد تستغرق أشهرا، وحتى حماية السفن من الطائرات المسيرة والصواريخ من السواحل الإيرانية ليست سهلة.

وإذا لم يتمكن ترمب من فتح المضيق بالقوة، قد يلجأ إلى تكثيف الضربات على البنية التحتية النفطية لإيران، مما قد يرفع أسعار النفط عالميا ويعود بالفائدة على روسيا من حيث عوائد صادرات الطاقة.

ويشير تحليل إيكونوميست أيضا إلى أن هناك حربا مزدوجة: فمن الناحية العسكرية الإستراتيجية، تحاول أمريكا وإسرائيل تدمير المواقع العسكرية الإيرانية، بينما من الناحية الاقتصادية، تعطل إيران الحياة الطبيعية في دول الخليج وتهدد الاقتصاد العالمي، مما يجعل السيطرة على المضيق صعبة، الأمر الذي يرفع من احتمال تجاوز الحرب للجدول الزمني الذي حدده ترمب في البداية.
إعلان

وتخلص المجلة والصحيفة إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تواجهان معضلة إستراتيجية، والسيناريو الأقرب لتحقيق أهداف واشنطن سريعا هو الحرب القصيرة والخروج المبكر، لكنه يواجه تحديات حقيقية في مضيق هرمز.
المصدر: إيكونوميست + نيوزويك


توتر حول مضيق هرمز.. ترامب يدعو الحلفاء للتحرّك وأوروبا ترفض التدخل العسكري
2026.03.17
أفادت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، بأنّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يجري محادثات مع الحلفاء الأوروبيين والعديد من الدول الأخرى بشأن إعادة فتح مضيق هرمز.

وسبق أن صعّد ترامب الضغوط على الحلفاء الأوروبيين للمساهمة في حماية مضيق هرمز، محذراً من أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) سيواجه مستقبلاً “سيئاً للغاية” إذا لم يبادر أعضاء الحلف لتقديم الدعم العسكري لواشنطن.

من جانبها، رفضت العديد من الدول الأوروبية دعوات ترمب المشاركة في أي عمل عسكري ضد إيران.
رفض دول “حلف الناتو” المشاركة

نقلت وكالة “رويترز” رفض وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، الإثنين، طلب الرئيس ترمب بتقديم دعم عسكري في النزاع، مقلّلاً من شأن تحذير ترمب بأن عدم التعاون قد يضر بحلف شمال الأطلسي.

وقال بيستوريوس في برلين: “ما الذي يتوقعه دونالد ترامب من فرقتين أو ثلاث فرقاطات أوروبية أن تفعله في مضيق هرمز فيما يعجز عنه الأسطول الأميركي القوي؟”، مردفاً: “هذه ليست حربنا، ولم نبدأها”، مشيراً إلى أنّه لا يرى أي خطر بانهيار الحلف بسبب هذه الخلافات.

بدوره، قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في بروكسل، إنّ ألمانيا لا ترى أي دور لـ”الناتو” في التعامل مع إغلاق مضيق هرمز، مشيراً إلى أن الحلف لم يتخذ أي قرار في هذا الاتجاه ولا يمكن أن يتحمل مسؤولية الممر المائي.
موقف بريطانيا وإسبانيا

أوضح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن بلاده لن تنجر إلى حرب واسعة النطاق في إيران، لكنها ستشارك مع حلفائها في وضع “خطة جماعية قابلة للتطبيق” لإعادة فتح مضيق هرمز، مؤكداً أن المهمة ستكون صعبة.

وأشار ستارمر -وفق “رويترز”- إلى أن إعادة فتح المضيق ضرورية لتحقيق الاستقرار في أسواق الطاقة، وأنه يجري محادثات مع الحلفاء في أوروبا والخليج والولايات المتحدة لضمان حرية الملاحة، مؤكداً أن المهمة لن تكون بقيادة حلف شمال الأطلسي.

وأعلن أنّ بريطانيا ستشارك بما لديها من أنظمة آلية لإزالة الألغام في المنطقة، وستعمل مع حلفائها لتحديد الأصول التي يمكن المساهمة بها بشكل جماعي لضمان حرية الملاحة، مشيراً إلى أنّه أجرى محادثة مع الرئيس الأميركي حول مضيق هرمز، مؤكداً أن علاقته مع ترامب لم تتأثر وأن الحوار كان “بالطريقة المتوقعة بين حليفين وقائدين”.

بالنسبة لإسبانيا، فقد أعلن وزيرا الدفاع والخارجية أنّ مدريد لن تشارك في أي مهمة عسكرية في مضيق هرمز، معتبرين الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران غير قانونية، ولن تتخذ إسبانيا أي إجراءات مؤقتة، مشيرين إلى أنّ الهدف يجب أن يكون إنهاء الحرب فوراً.
موقف الاتحاد الأوروبي

نقلت “رويتر” عن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، الإثنين، قولها إنها ناقشت مع الأمم المتحدة إمكانية تسهيل نقل النفط والغاز عبر مضيق هرمز باستخدام نموذج مشابه للاتفاق الذي أتاح تصدير الحبوب من أوكرانيا أثناء الحرب.

وخلال اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل، أوضحت كالاس أنها تحدثت مع الأمين العام أنطونيو غوتيريش حول فتح المضيق، الذي يشهد اختناقاً بسبب الحرب مع إيران، مضيفةً أنّ إغلاق المضيق يمثل خطراً على إمدادات الطاقة في آسيا وعلى إنتاج الأسمدة، ما قد يؤدي إلى نقص الغذاء في العام المقبل.

كذلك، أكدت كالاس أن الوزراء سيناقشون تعديل مهام البعثة البحرية الأوروبية الصغيرة (أسبيدس) في الشرق الأوسط، والتي تركز حالياً على حماية السفن في البحر الأحمر من جماعة الحوثي، مشددة على أهمية الحفاظ على المضيق مفتوحاً وضرورة بحث سبل المساعدة من الجانب الأوروبي، مع الإشارة إلى أن القرار النهائي يبقى للدول الأعضاء.
اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا

قالت رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، إنّ اليابان لا تنوي حالياً إرسال سفن حربية لمرافقة السفن في الشرق الأوسط، مشيرة إلى استمرار البحث في ما يمكن أن تفعله البلاد بشكل مستقل وما هو مسموح به قانونياً. وستسافر تاكايتشي إلى واشنطن لمناقشة الحرب مع إيران مع ترامب.

أمّا مكتب الرئاسة في كوريا الجنوبية، إنّ كوريا ستتواصل عن كثب مع الولايات المتحدة وستتخذ قراراً بعد دراسة دقيقة، مع الأخذ في الاعتبار أن نشر قوات خارج البلاد يتطلب موافقة البرلمان بموجب الدستور.

من جانبها، أكدت الوزيرة الأسترالية كاثرين كينج والعضو في حكومة رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، أن أستراليا لن ترسل سفناً حربية للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز، مشيرة إلى أن هذا لم يُطلب من دولتها ولم تشارك فيه.
ارتفاع أسعار النفط عالمياً

تعكس هذه المواقف حجم التوتر المتصاعد في المنطقة، في ظل استمرار المواجهة العسكرية والتداعيات الاقتصادية المرتبطة بأمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم.

وقد جاءت هذه التصريحات في وقت شهدت فيه أسعار النفط العالمية ارتفاعاً ملحوظاً، إذ وصلت إلى نحو 106 دولارات للبرميل، بزيادة تقارب 45% منذ اندلاع الحرب قبل أسبوعين، ويعود هذا الارتفاع إلى إغلاق إيران لمضيق هرمز فعلياً، الأمر الذي أدى إلى اضطراب حركة إمدادات النفط العالمية.

يذكر أن إيران أغلقت مضيق هرمز في ظل حرب أميركية-إسرائيلية ضدها، دخلت أسبوعها الثالث، حيث هاجمت القوات الإيرانية سفن في الممر المائي، مما أدى إلى توقف نحو خمس إمدادات النفط العالمية، في أكبر انقطاع تشهده الأسواق على الإطلاق.


======================

تحديث 16 أذار 2026


سوريا تحت ظلال الحرب/ فايز سارة
16 مارس 2026 م
احتلت سوريا نقطة مركزية في اهتمامات إيران الاستراتيجية والسياسية على مدار العقود الخمسة الأخيرة، وبالتأكيد فإن الاهتمامات الإيرانية لا تقل أبداً عن اهتمامات إسرائيل بسوريا، التي تشغلها أدق التفاصيل والشؤون المتصلة بسوريا. وإضافة إلى ما سبق، فإن اهتمام الولايات المتحدة على اختلاف موقعها في العالم، واختلاف علاقاتها بالطرفين الإيراني والسوري، فإنها شديدة الاهتمام بالأخير، وهذا ما ظهر حاضراً إلى حد «المرض» بعد سقوط نظام الأسد، وولادة العهد السوري الجديد الذي يقوده الرئيس أحمد الشرع.

ومن الطبيعي أن تتأثر سوريا بانخراط الأطراف الثلاثة بحرب طاحنة على نحو ما يحدث، وأن تلقي الحرب ظلالها على سوريا بكل أبعادها الداخلية والخارجية، وانعكاساتها وتأثيراتها ونتائجها السياسية والاقتصادية والأمنية، وغيرها من ميادين.

ففي الداخل بدأت تلك الظلال تظهر مباشرة في تداعيات الحياة المعيشية التي لا تستند فقط إلى وقائع ارتفاع أسعار السلع والبضائع والخدمات، إنما إلى تعميق ما هو قائم من فقر وبطالة وتضخم… كما تظهر الآثار في القلق الذي تفرضه أجواء الحرب، وقد غدت سوريا في موقعها وموقفها ساحة لبعض مجريات الحرب، بينها سقوط صواريخ ومسيّرات وبقايا من الاثنتين، تسببت في سقوط جرحى وقتلى سوريين. وللأسباب السابقة وغيرها، فإن الحرب تلقي بأعبائها على السلطات السورية في الداخل، ومنها استقبال أعداد كبيرة من لبنان، بينهم سوريون ولبنانيون، تعجز الأوضاع السورية الراهنة في صعوباتها عن قبولهم والتعامل معهم بمرونة كافية.

وباستثناء الظلال المباشرة، فإن أعباء أخرى بدأت تتشكل مع استمرار العمليات العسكرية نتيجة تأثر شبكات الطرق الدولية البرية والبحرية والجوية، مما يعوق حركة البضائع والأشخاص، ويضرب برامج الإمدادات، ويرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويدفع إلى موجة ولو محدودة من هجرة رؤوس الأموال والكفاءات المحلية… وكلها إلى جانب عناصر متصلة يمكن أن تعيد مسار تطور سوريا اللاحق إلى ما كان عليه من بؤس في أواخر أيام نظام الأسد البائد.

أما في المستويات الخارجية، فالأهم في ظلال الحرب أنها نقلت الموضوع السوري إلى هامش الأحداث، ودفعته خارج دائرة اهتمام الفاعلين الدوليين والإقليميين فيه، وهذا يجعله عرضة تأثيرات سلبية على مرحلة تمثل «الأهم» في خط التطور المستقبلي لسوريا، وأبرز ملفات سوريا المقبلة، وهي إعادة البناء وتطبيع الحياة السورية.

وثمة جانب آخر فيما تلقيه الحرب من أعباء على سوريا، وهو جانب أمني عسكري. ففي الحرب التي امتدت بصورة أوتوماتيكية إلى لبنان نظراً لوجود «حزب الله»، وهو ذراع إيران هناك وتابعها، ووسط تداعيات الحرب على العراق وفيه شبكة تناصر سلطة ملالي طهران؛ صار من الطبيعي أن تستنفر السلطات السورية قدراتها العسكرية والأمنية، ليس تحسباً من تدخلات أذرع إيران أو تسللها إلى سوريا فقط، بل منعاً لما يمكن أن تقدمه من دعم لفلول نظام الأسد، التي يمكن أن تتسلل، أو تجبر على النزوح من لبنان تحت ضغط الأوضاع اللبنانية الناتجة عن الحرب هناك.

خلاصة الأمر أن ظلال الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران فرضت ثقلها على سوريا داخلياً وخارجياً في المديين المباشر القريب وفي البعيد، وعلى أصعدة كثيرة، مما يتطلب من السلطات السورية أخذ استراحة مسؤولة، وإجراء تقييم عام للأوضاع جميعاً، وليس فقط الوقوف عند ظلال الحرب وما ينتج عن تداعياتها، ثم الانتقال إلى المهمة الأولى، وهي إعادة ترتيب السياسة السورية في توجهاتها، وفي علاقاتها، وفي أدواتها، ليس لأن الوضع السوري يتغير ويتبدل فحسب؛ إنما لأن الأوضاع الإقليمية والدولية تتغير. والوضع السوري، في ظل قدراته المحدودة، أقل من الصمود والتقدم في مواجهة عواصف عاتية سوف تسببها الحرب إذا استمرت أكثر.

الشرق الأوسط


ضبط الحدود وتجنب الانزلاق.. استراتيجية دمشق في الحرب على إيران/ باسل المحمد
2026.03.16
مع تصاعد التوتر الإقليمي على خلفية الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، عززت الحكومة السورية انتشار قواتها على الحدود مع العراق ولبنان، في خطوة قالت عنها هيئة العمليات في وزارة الدفاع إنها تأتي في إطار إجراءات أمنية تهدف إلى ضبط الحدود ومنع تهريب السلاح، إضافة إلى الحيلولة دون انتقال تداعيات المواجهة الإقليمية إلى الأراضي السورية.

وفي هذا السياق، أعلنت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية أن انتشار وحدات الجيش السوري على الحدود مع لبنان والعراق يأتي في إطار إجراء وقائي يهدف إلى ضبط الحدود وتنظيم الحركة عبرها، في ظل التطورات الإقليمية الراهنة.

كما أكدت مصادر عسكرية سورية لوكالة الأنباء الرسمية “سانا” أن “الخطوة دفاعية وسيادية بحتة، وتهدف إلى توطيد الأمن الداخلي وترسيخ الاستقرار على الشريط الحدودي”، مشددة على أن “دمشق لا تخطط لأي عمل عسكري ضد دول الجوار، لكنها مستعدة للتعامل مع أي تهديد أمني يستهدفها”.

وبحسب ما نقلته الوكالة، فإن التمركز العسكري الجديد يهدف أيضاً إلى فرض القانون في المناطق التي شهدت نشاطاً لشبكات التهريب والجريمة المنظمة، وتعزيز الاستقرار في القرى والبلدات الحدودية، بما ينعكس على أمن السكان ويمتد أثره إلى لبنان والعراق.

ترتيبات أمنية

يرى باحثون أن أي تحرك عسكري في الجنوب السوري غالبا سيرتبط بترتيبات أمنية غير معلنة، تهدف أساسًا إلى ضبط الحدود وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل. ويرى الباحث في مركز مسداد لدراسات الأمن والدفاع معتز السيد أن هذا النوع من الانتشار لا يحدث عادة بشكل أحادي، بل يجري غالبًا ضمن تفاهمات إقليمية غير معلنة هدفها الأساسي تجنب التصعيد مع إسرائيل.

ويضيف السيد في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن تعزيز الوجود العسكري السوري في تلك المناطق قد يكون جزءًا من ترتيبات تهدف إلى ضبط الحدود ومنع أطراف أخرى – مثل جماعات مرتبطة بحزب الله أو مجموعات مسلحة غير منضبطة – من استغلال حالة التوتر الإقليمي.

وتتوافق هذه القراءة مع تقديرات صادرة عن مجموعة العمل الدولية في 18 آب الماضي، والتي أشارت في تحليل حول الجنوب السوري إلى أن التوصل إلى ترتيبات تسمح بانتشار قوات الحكومة السورية في المنطقة مع ضمانات أمنية لإسرائيل قد يشكل صيغة أكثر استقرارًا من استمرار حالة الفراغ الأمني أو التنافس العسكري في المنطقة.

ويرى السيد أن الخطر الأكبر بالنسبة لدمشق يتمثل في احتمال قيام أطراف أخرى بجرّ سوريا إلى صراع لا ترغب فيه، مشيرا إلى أن الانتشار العسكري السوري على الحدود مع لبنان، يبدو أقرب إلى محاولة لضبط الوضع الأمني ومنع استخدام المنطقة كساحة صراع بالوكالة، أكثر من كونه محاولة لتغيير موازين القوى.
رسائل ضبط الحدود

في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع، تبدو دمشق حريصة على إرسال إشارات تؤكد قدرتها على ضبط الحدود ومنع استخدام الأراضي السورية كممر لتهريب السلاح أو كساحة صراع بالوكالة.

وفي هذا السياق أعلنت مديرية إعلام ريف دمشق السبت ضبط شحنة أسلحة كانت معدّة للتهريب عبر الحدود السورية – اللبنانية، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية حول طبيعة الشحنة أو الجهة التي تقف وراءها.

وأوضحت مديرية الأمن الداخلي أن الشحنة ضُبطت في منطقة النبك بالقلمون بريف دمشق، مشيرة إلى أن العملية جاءت في إطار إجراءات تستهدف مكافحة الجرائم المنظمة والتصدي لعمليات تهريب السلاح عبر الحدود.
تلفزيون سوريا


الحرب ليست القصة.. القصة أن الشرق الأوسط يعاد تشكيله/ خالد المطلق
الفكرة الشائعة التي تقول إن الشرق الأوسط يقف على حافة حرب جديدة قد تكون مضللة في جوهرها، فالحروب مهما كانت مدمرة تبقى أحداثًا عابرة في مسار التاريخ، أما ما يحدث اليوم في المنطقة فهو أعمق بكثير، فنحن لا نشهد مجرد ضربات عسكرية أو أزمة سياسية، بل نعيش لحظة تفكك بطيء للنظام الإقليمي الذي حكم الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة.

لقد اعتادت المنطقة طوال العقود الماضية على شكل معيّن من التوازنات تمثل في نفوذ دولي واضح وأدوار إقليمية شبه مستقرة وصراعات تدور داخل حدود يمكن التنبؤ بها، لكن هذه المعادلة بدأت تتصدع تدريجيًا، فالعالم نفسه لم يعد كما كان، ومع تغير موازين القوة الدولية بدأت خطوط النفوذ في الشرق الأوسط تتحرك بدورها كأن الأرض الجيوسياسية التي استقرت طويلًا بدأت تعيد ترتيب طبقاتها من جديد، لهذا السبب فإن محاولة تفسير ما يجري اليوم بمنطق الأزمات اليومية قد تقود إلى قراءة ناقصة، فالمسألة ليست مجرد صراع بين قوى متنافسة، بل جزء من تحول أوسع يعيد تشكيل الخريطة السياسية والاقتصادية للمنطقة.

ساد الاعتقاد لفترة طويلة بأن العولمة أضعفت تأثير الجغرافيا وأن الاقتصاد العالمي أصبح شبكة مفتوحة لا تعترف بالحدود، غير أن السنوات الأخيرة أثبتت عكس ذلك تمامًا، فالموقع الجغرافي عاد ليكون أحد أهم مصادر القوة في العالم، والشرق الأوسط بحكم موقعه الفريد بين آسيا وأوروبا وإفريقيا يجد نفسه في قلب هذا التحول، فالممرات البحرية والمضايق الاستراتيجية وطرق الطاقة العالمية تجعل من المنطقة نقطة اتصال لا يمكن تجاوزها في حركة التجارة الدولية، ولذلك لم يعد التنافس في الشرق الأوسط يدور فقط حول السيطرة السياسية أو العسكرية بل حول التحكم في شبكات الاتصال بين القارات، ومن يملك القدرة على التأثير في هذه الشبكات يمتلك نفوذًا يتجاوز حدود الإقليم نفسه.

وفي عالم اليوم أصبحت الممرات الاقتصادية شبيهة بالشرايين التي تضخ الدم في جسد الاقتصاد العالمي، وكل مشروع بنية تحتية جديد سواء كان ميناء أو خط سكة حديد أو ممرًا للطاقة يمثل خطوة في سباق النفوذ بين القوى الكبرى، ومن هنا يمكن فهم الحراك المتسارع حول المشاريع اللوجستية الكبرى التي تربط الشرق بالغرب، فهذه المشاريع ليست مجرد خطط اقتصادية بل أدوات جيوسياسية تعيد رسم خريطة النفوذ العالمي، وفي هذا السياق يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة تنافس هادئ لكنه عميق حيث تحاول الدول الكبرى والإقليمية تثبيت مواقعها في معادلة التجارة العالمية القادمة.

هذا التحول يضع القوى الإقليمية أمام اختبار تاريخي فالدول التي كانت تعتمد في الماضي على التحالفات العسكرية وحدها بدأت تدرك أن النفوذ في القرن الـ21 يتطلب أدوات مختلفة، أهمها اقتصاد قوي وبنية تحتية متطورة وقدرة على الاندماج في الشبكات التجارية العالمية، ومن الواضح أن بعض الدول في المنطقة بدأ بالفعل بالتحرك في هذا الاتجاه مستثمرة في المواني والمناطق اللوجستية ومشاريع الطاقة، بينما لا تزال دول أخرى عالقة في صراعات تقليدية تستنزف مواردها دون أن تمنحها مكانة حقيقية في النظام العالمي الجديد، وهكذا يتشكل نوع جديد من المنافسة في الشرق الأوسط، منافسة لا تقوم فقط على القوة العسكرية بل على القدرة على التحول الاقتصادي والاستراتيجي.

يجب أن يعلمنا التاريخ أن الفترات التي ينتقل فيها العالم من نظام إلى آخر نادرًا ما تكون هادئة، فعندما يبدأ التوازن القديم بالتراجع قبل أن يتشكل التوازن الجديد تظهر حالة من السيولة السياسية وعدم اليقين، والشرق الأوسط يعيش اليوم هذه اللحظة بالضبط، فالقواعد التي حكمت العلاقات الإقليمية لعقود لم تعد صلبة كما كانت، بينما لم تتبلور بعد القواعد الجديدة التي ستنظم المرحلة القادمة، وهذا ما يفسر كثرة الأزمات والتوترات في المنطقة على أنها أعراض مرحلة انتقالية أكثر منها مؤشرات على صراع نهائي.

خلاصة القول إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، فإما أن تتحول التحولات الجارية إلى فرصة لإعادة بناء نظام إقليمي أكثر توازنًا وانفتاحًا، وإما أن تنزلق المنطقة مرة أخرى إلى دوامة صراعات تستنزف قدراتها لعقود جديدة، والمفارقة أن الإمكانات الاقتصادية والجغرافية التي تمتلكها المنطقة تمنحها فرصة نادرة لتصبح أحد المراكز الحيوية في الاقتصاد العالمي، لكن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب رؤية تتجاوز صراعات الماضي، فالتاريخ لا ينتظر المترددين، والخرائط الجديدة تُرسم غالبًا بهدوء قبل أن يدركها الجميع، والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الشرق الأوسط سيشهد أزمات جديدة، فالأزمات جزء من طبيعة المنطقة، بل ما إذا كانت هذه الأزمات ستكون بداية فوضى طويلة، أم مقدمة لنظام إقليمي مختلف تماماً عمّا عرفناه في العقود الماضية.
عنب بلدي


الحرب على إيران وإعادة هندسة الإقليم (1): تركيا/ خلدون الشريف
الاثنين 2026/03/09
لا تعيش تركيا أفضل أيامها وهي تراقب إعادة ترتيب المنطقة على جبهتين متزامنتين: جبهة الممرات التي تعيد توزيع الاقتصاد والربط بين آسيا وأوروبا، وجبهة الحرب التي تعيد توزيع القوة والشرعية الأمنية وقد تُفضي إلى إعادة صياغة الجغرافيا السياسية نفسها. والنتيجة في أنقرة ليست “قلقًا” بل إحساسًا أشد قسوة: أن هناك من يحاول أن يجعلها مرةً بلدًا يمكن تجاوزه، ومرةً أخرى خصمًا يمكن تحويله بسهولة إلى عدوّ مكتمل الشروط.

الممر الذي يمرّ من فوق تركيا لا عبرها: IMEC

الممر الاقتصادي الهند–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC) طُرح بوصفه رهانًا مدعومًا أميركيًا–أوروبيًا لتعزيز الربط وتقليل الاعتماد على مسارات تُقرأ في الغرب ضمن نفوذ الصين أو ضمن منطق “الحزام والطريق”. لكن ما يهم تركيا ليس اللغة الدبلوماسية الجميلة، بل الخريطة: مسار يربط الهند بالخليج، ثم يعبر نحو شرق المتوسط وأوروبا، في صيغة تضع أنقرة خارج “الخط السريع” الجديد أو على هامشه.

لذلك لم يتأخر أردوغان في الردّ بعبارته الفاقعة: “لا ممرّ من دون تركيا”، معتبرًا أن مشروعًا يتجاوزها “لن يعمل”. هذه الجملة ليست مناكفة؛ إنها تعريف للمسألة كما تراها أنقرة: IMEC ليس مشروع نقل فقط، بل مشروع لإعادة تعريف من هو “الجسر” ومن هو “الهامش”، ومن يمتلك “حق المرور” الذي يتحول تلقائيًا إلى نفوذ سياسي.

الرد التركي: “طريق التنمية” ضرورة دفاعية قبل أن يكون بديلًا اقتصاديًا

عندما تشعر دولة أنها تُستبعد من شبكة، لا تُراهن على حسن النوايا؛ تبني شبكة مضادة. من هنا جاء “طريق التنمية” (العراق–تركيا–أوروبا) كاستجابة سياسية قبل أن يكون استجابة هندسية: ممرٌ يُراد له أن يبدأ من الجنوب العراقي (البصرة/الفاو) ويصل إلى تركيا ثم أوروبا، وقد اكتسب دفعة رسمية مع زيارة أردوغان إلى بغداد عام 2024 وتوقيع تفاهمات مرتبطة بالمشروع.

المغزى هنا أن أنقرة لا تريد أن تُقرأ كطرف “يُستوعَب” في ممرات الآخرين؛ بل كطرف يفرض معادلة: إن تجاوزتموني سأصنع طريقًا يمرّ بي. لذلك قرأت مراكز بحث غربية المشروع بوصفه ردًّا تركيًا-عراقيًا على IMEC ومحاولة لتثبيت “المركزية الجيو-اقتصادية” لتركيا في لحظة تتسارع فيها إعادة توزيع العقد.

الترجمة السياسية قاسية وبسيطة: المنطقة تُدار كشبكة. موانئ ومعابر ومحطات طاقة وسكك وكابلات وخطوط أنابيب ومراكز لوجستية؛ أي “العُقد” التي يتجمّع عندها المرور وتُدار منها الحركة. من يملك نقاط التحكم يملك النفوذ. وقسوتها على تركيا أن الشبكات الجديدة تُبنى بحيث تقلّ حاجتها إلى المرور عبرها، فتخسر “حقّ العبور” الذي كان يمنحها وزنًا تلقائيًا، وتتحوّل من بوابةٍ إلزامية إلى خيارٍ من بين خيارات، أي من مركزٍ يصعب تجاوزه إلى طرفٍ يمكن الالتفاف حوله. وهنا تحديدًا تبرز إسرائيل، في بعض التصوّرات الجديدة للربط الإقليمي، كـَ “عقدة مركزية” يُراد لها أن تصل الهند بالخليج بشرق المتوسط فأوروبا، بما يضاعف حساسية أنقرة تجاه أي هندسة تُعيد توزيع النفوذ من دونها.

الحرب كرافعة: من الاقتصاد إلى الأمن… ومن الأمن إلى سردية العدو

في اللحظة نفسها، اندلعت الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، ومعها ارتفعت كلفة “الحياد” في الإقليم. الحرب لا تغيّر خرائط القوة والسلاح فقط؛ بل تغيّر خرائط الاصطفاف والشرعية وتوزيع الأدوار. لذلك تسمع أنقرة تقول إنها تدفع نحو الدبلوماسية وأن التصعيد انتهاك للقانون الدولي، ليس لأنها لا تفهم حجم القوة الأميركية–الإسرائيلية، بل لأنها تفهم أن الحرب الطويلة تُنتج نظامًا إقليميًا جديدًا يُصاغ من دونها أو ضدّها.

وعندما يصبح الأمن شرطًا للممرات، تصبح الممرات جزءًا من الأمن. هنا تلتقي “حروب الممرات” مع “حروب التهديدات”: ممرٌ يحتاج مظلة، والمظلة تحتاج تعريفًا للخصم، وتعريف الخصم قد ينتهي بتحويل دولٍ بعينها إلى “مشكلات” يجب ضبطها لا شركاء يجب إدماجهم.

في هذا السياق يضيف وزير خارجية تركيا بعدًا أكثر صرامة إلى إدراك بلاده: في ميزان القوى المعاصر لا يكفي أن تختار موقفًا سياسيًا؛ عليك أن تمتلك شروطه المادية. رسالته الضمنية واضحة: من يفكر في صدام مفتوح مع أميركا وإسرائيل وهو عاجز عن تحييد تفوقهما الجوي أو حرمانهما من حرية العمل في السماء، إنما يذهب إلى مغامرة خاسرة سلفًا. لذلك تبدو الدبلوماسية في الخطاب التركي ليست “ترفًا” ولا “تجميلًا”، بل خيارًا دفاعيًا هدفه منع الحرب من التحول إلى آلية تُفرض بها خرائط الأمن الجديدة -ومن ثم خرائط الربط الجديدة- على حساب أنقرة.

“تركيا هي إيران الجديدة”: حين يُسوَّق الخصم قبل إغلاق الملف

هنا يدخل عامل لا يجوز أن يمرّ كتصريح عابر. في منتصف فبراير/ شباط 2026 حذّر نفتالي بينيت علنًا من “تهديد تركي جديد”، وذهب إلى حد القول إن “تركيا هي إيران الجديدة”، واصفًا أردوغان بأنه “محنّك وخطِر” ويسعى إلى “تطويق إسرائيل”.

هذه ليست بلاغة انتخابية فحسب؛ إنها بروفة تعريف خصم: نقل ثقل “التهديد الوجودي” من إيران إلى تركيا، أو على الأقل فتح الباب أمام ذلك. وعندما تُفتح هذه البوابة في خطاب إسرائيلي، يتغير حساب أنقرة تلقائيًا في ثلاثة اتجاهات: تدويل الاحتكاك، تضييق هامش المناورة، وإعادة رسم موقع تركيا داخل منظومة الأمن الإقليمي من لاعب صعب إلى خصم محتمل يجب تحجيمه.

ويزداد هذا الميل وضوحًا حين تُرفَق اللغة الخطابية بمحاولات “تأسيس” سياسية في الإعلام الغربي. ففي مقال بعنوان “الحاجة الملحة إلى احتواء تركيا” في وول ستريت جورنال، يجادل برادلي مارتن بأن إضعاف إيران أو تحييدها بفعل الحرب قد يخلق فراغًا في ميزان القوى، وأن تركيا قد تسعى إلى ملء هذا الفراغ على نحو يشبه ما فعلته إيران في العراق بعد 2003. ويقترح منطقًا واحدًا: تحييد إيران لا يكفي؛ ينبغي منذ الآن منع تركيا من أن تصبح القوة الإقليمية التالية الأكثر قدرة على ملء الفراغ أو إرباك التوازن.

في المشهد، ممرات تُصاغ بحيث تتجاوز تركيا، وحرب تُسرّع إعادة توزيع القوة، وخطابات تُمهّد لتحويل تركيا إلى “تهديد تالٍ”. عندما تتراكم هذه المستويات، يدخل البلد “المنطقة الرمادية”: لا هو مُستبعد بالكامل ولا هو مُدمج بالكامل، بل في موقع يُطلب منه دائمًا أن يثبت أنه لا يزال ضروريًا، بالاقتصاد مرة وبالردع مرة أخرى.

وهنا يصبح أي حادث في البحر أو السماء أو عبر الوكلاء قادرًا على تحويل النقاش من “ممرات وتجارات” إلى “عتبات واشتباك”.

الحرب على إيران وإعادة هندسة الإقليم: تركيا (2)
خلدون الشريف
بعد أن صار الاقتصاد يُدار بمنطق الأمن، وصار الأمن يُدار بمنطق “تعريف العدو”، تجد أنقرة نفسها أمام لحظة لا تسمح بالترف: إما أن تحافظ على دور الوسيط الذي يمنحها هامش حركة، وإما أن تُسحب إلى الحرب عبر حادث سيادي أو سلسلة ردود دفاعية تُقفل مخارج التراجع. فالحرب على إيران لا تهدد توازنات المنطقة فحسب؛ بل تهدد أيضًا موقع تركيا داخلها، في السماء والبحر والممرات.

لم تكن تركيا يومًا متحمّسة للدخول في حرب مع إيران. حسابات الجغرافيا وحدود الأمن القومي وتوازنات الطاقة وتعقيد الساحة السورية-العراقية تجعل الانخراط خيارًا مكلفًا. لكن الحرب التي بدأت في 28 فبراير/ شباط 2026 تضع تركيا أمام سؤالٍ أشد إحراجًا: ليس هل تريد أنقرة، بل هل تستطيع أن تبقى خارج اللعبة إذا تكررت الحوادث وكُسرت العتبات؟

الخطّ التركي الرسمي: وقف الحرب… لا توسيعها

تقول أنقرة منذ البداية إنها “تنخرط مع جميع الأطراف” لإيقاف الحرب والعودة إلى الدبلوماسية، عبر قنوات مع الولايات المتحدة وأوروبا وعُمان ودول الخليج، بحجة حماية “استقرار إيران والمنطقة” ومنع ارتدادات الحرب على الطاقة والاقتصاد.

لكن خلف هذا الخطاب هدفٌ أعمق: منع انزلاق الحرب إلى مسار لا يمكن ضبطه. هنا يظهر “الخط الأحمر السياسي” الذي يلوّح به هاكان فيدان: أمام واشنطن خياران يحكمان مسار الحرب: إما تحييد القدرات العسكرية الإيرانية، أو الذهاب إلى تغيير النظام بالقوة. التحذير التركي من الخيار الثاني ليس تعاطفًا مع إيران؛ بل خوفًا من الفوضى التي يفتحها تغيير النظام على حدود تركيا وفي داخل الإقليم.

وهنا أيضًا تأتي قاعدة فيدان الأكثر صرامة: الصدام مع قوى تمتلك التفوق الجوي والناري الساحق ليس مسألة إرادة؛ إنه مسألة قدرة. من لا يملك أدوات تحييد السماء أو حرمان الخصم من حرية العمل فيها لا يدخل مواجهة مفتوحة؛ يدخل مغامرة خاسرة. لذلك تبدو الدبلوماسية في عقل أنقرة خيارًا دفاعيًا يمنع انتقال الحرب من “حملة على نظام بعينه” إلى “نظام” يُفرض على المنطقة كلها.

حادثة الصاروخ: بوابة الانزلاق التي لا تتحكم بها النيات

في 4 مارس/ آذار 2026 أعلنت أنقرة أن دفاعات تابعة للناتو اعترضت صاروخًا إيرانيًا دخل المجال الجوي التركي، وسقطت بقايا قرب هاتاي دون إصابات. عند هذه النقطة انتقلت الحرب من خارج الحدود إلى داخل “المجال السيادي”، ولو للحظات.

الأهم أن الغموض حول الهدف المقصود لا يخفف الخطر، بل يضاعفه. فطالما أن الهدف غير محسوم، تتحول الواقعة إلى أزمة سياسية: هل كان انحرافًا تقنيًا؟ رسالة ردع؟ اختبارًا لعتبة الناتو؟ في كل الحالات، تكرار الواقعة هو ما يغيّر قواعد اللعبة داخل أنقرة، لا الجدل النظري حول “النية”.

بين المادة 5 والمادة 4: تصعيد بلا إعلان حرب

المادة الخامسة هي قلب الردع الأطلسي: هجوم مسلح على عضو يُعد هجومًا على الجميع، مع التزام كل دولة بتقديم ما تراه ضروريًا من مساعدة، وقد يشمل استخدام القوة. ومع ذلك، ظهر ميل لاستبعاد “التفعيل الفوري” للمادة الخامسة في هذه المرحلة، بالتوازي مع كلام الأمين العام للناتو مارك روته عن أن الغموض حول توقيت التفعيل مقصود للردع، وأن إعلان التفعيل -إن حصل- سيكون فوريًا.

لكن أداة تركيا الأكثر واقعية هنا هي المادة الرابعة: التشاور داخل الناتو إذا رأت أن أمنها أو سيادتها أو استقلالها السياسي مهدد. المادة الرابعة لا تعني الحرب، لكنها تعني أنَّ “الحادثة” تتحول إلى “ملف تحالف”، وأن تركيا تستطيع رفع مستوى الضغط السياسي والمؤسساتي دون القفز إلى قرار لا رجعة عنه. ومع المادة الرابعة تبدأ معضلة أنقرة: كيف توازن بين دور الوسيط الذي تريد الحفاظ عليه، وبين واجب الردع الذي لا تستطيع التفريط به إذا تكرر المساس بأجوائها؟

ما بعد الحادثة: ردع محسوب وخط مفتوح مع طهران

ردّ أنقرة بعد الحادثة اتخذ صيغة “الردع دون القطيعة”: تثبيت السيادة وإظهار الجهوزية، مقابل إبقاء خطوط التواصل قائمة، لأن الوساطة بالنسبة لتركيا ليست زينة سياسية، بل أداة دفاع عن الذات، إطفاء النار قبل أن تصل إلى البيت. غير أن هذا التوازن هش بطبيعته: كل حادثة جديدة تجعل إدارة المفاضلة أصعب وتقلّص هامش المناورة.

وهذا ليس طارئًا على الذهنية التركية. على هامش منتدى أنطاليا في نيسان/أبريل 2025، قال لي دبلوماسي تركي رفيع المستوى في لقاء خاص إن العلاقة بين تركيا وإيران لم تُبنَ يومًا على “عداء صفري” ولن تُبنى عليه، بل على مزيج دائم من التنافس والتعاون والاختلاف في الملفات. وأضاف أن لتركيا مصالح عميقة مع إيران ستسعى إلى صونها وتطويرها، حتى وهي تختلف معها بحدة في ساحات أخرى. وهذا بالضبط ما يفسّر لماذا تفضّل أنقرة إدارة الخلاف مع طهران على حافة الردع، لا كسره إلى قطيعة: لأن القطيعة تُغلق قنوات الضبط… وتفتح أبواب الانزلاق

كيف تُقرأ الحرب داخل تركيا؟ أخطار متشابكة لا ملف عسكري فقط

داخل تركيا تُقرأ الحرب بوصفها سلسلة ارتدادات لا جبهة عسكرية واحدة: طاقة وأسعار، تجارة ومسارات، هجرة وضغط اجتماعي، أمن حدودي، وملفات في سوريا والعراق قد تشتعل تحت الضغط. لذلك لا يبدو الحذر التركي تساهلًا مع طهران، بل حسابًا باردًا: كلفة الانزلاق -عسكريًا وداخليًا- قد تكون أعلى من كلفة التحوط، إلى أن يفرض الواقع خياراتٍ أشد قسوة.

وفي النقاشات القريبة من المزاج التركي تُطرح “عتبات” إذا جرى تجاوزها يصبح التدخل التركي شبه حتمي: هجوم مباشر على تركيا، تمكين جهات مرتبطة بـPKK على الأرض بما يهدد الأمن القومي، أو اضطراب أمني/اجتماعي داخل تركيا أو على حدودها يخلق ضغطًا شعبيًا وسياسيًا على صانع القرار. قيمة هذا الطرح ليست أنه وثيقة رسمية، بل أنه يصف منطق الانزلاق: الانخراط قد لا يأتي بقرار هجومي، بل عبر ردود دفاعية تتراكم. عندها تواجه أنقرة معادلة صعبة وبسيطة: إما ردٌّ قد يوسّع الاشتباك، أو تريّثٌ قد يضعف الردع ويشجّع تكرار الخروقات

واشنطن -اسرائيل ومراكز الضغط: استثمار الحادثة لجرّ أنقرة خطوة خطوة

في الخلفية، تعمل بيئة ضغط سياسية–إعلامية لا تُخفى: بعض مراكز التفكير في واشنطن تعاملت مع حادثة الصاروخ كفرصة لدفع تركيا إلى موقف أكثر صرامة، إمّا عبر توسيع التعاون العملياتي، أو عبر تعزيز منظومات الدفاع الجوي والصاروخي فوقها. هذا المسار لا ينطلق من قراءة تركية بقدر ما يسعى إلى تحويل واقعة سيادية إلى محرّك لإعادة تموضع أنقرة داخل الحرب، ولو بصيغة “دفاعية” شكلًا، لكنها تُضيّق عمليًا هامش مناورتها السياسي.

وفي الاتجاه نفسه، تلعب إسرائيل على مستوى السردية: حين يُسوَّق أن “تركيا هي التهديد التالي”، يصبح أي احتكاك تركي–إسرائيلي في شرق المتوسط أو سوريا أو غزة قابلًا للتدويل تحت عنوان “الخطر الجديد” لا “خلاف المصالح”. عندها تتضاعف حساسية القرار التركي، لأن كل حادثة سيادية تُقرأ اختبارًا لردع أنقرة، وكل تريّث يُقدَّم كضعف. وهو ما يدفعها إلى شدّ العصب، حتى وهي تحاول إبقاء باب الوساطة مفتوحًا

سيناريوهات الانخراط التركي: كيف يمكن أن يحدث ذلك عمليًا؟

يمكن تلخيص مسارات الانزلاق في خمسة سيناريوهات:

1- اشتباك دفاعي محدود إذا تكررت الخروقات الصاروخية/المسيّرات وفرضت ردًا موضعيًا.

2- حرب ظل عبر وكلاء/سيبرانية/تخريب بنى حساسة يرفع الضغط الداخلي على أنقرة للرد.

3- انخراط أطلسي غير معلن عبر تعزيز مظلة الدفاع الجوي/الصاروخي فوق تركيا وشرق المتوسط، بما يجعل أي استهداف لاحق قضية تحالف.

4- تدهور حدودي مرتبط بملف PKK إذا ظهر فراغ أو تمكين على خطوط التماس يُقرأ كتهديد وجودي.

5- تحوّط مستمر بكلفة عالية: البقاء خارج الحرب رسميًا مع دفع ثمن اضطراب الطاقة والتجارة والأمن، وتآكل القدرة على التحمل سياسيًا واجتماعيًا.

وفي المقابل، تُظهر بعض القراءات أن طهران تتجنب حتى الآن استهداف تركيا لأن كلفته الاستراتيجية أعلى من ضرب ساحات أخرى: تركيا عضو في الناتو، واستهدافها قد يفتح آليات تشاور ودفاع ويستدرج ردًا تركيًا، فضلًا عن أن أنقرة تبقى إحدى قنوات التفاوض القليلة المتاحة لخفض التصعيد. لكن هذا “الامتناع” ليس ضمانة دائمة؛ إنه حساب كلفة قابل للتبدّل، كما أن أخطار الانزلاق قد تأتي من الحوادث والغموض والاشتباك بالوكالة أكثر مما تأتي من قرارٍ مقصود باستهداف تركيا.

تركيا لا تبحث عن الحرب… لكن الحرب قد تبحث عنها

تركيا تحاول وقف الحرب والعودة للتفاوض، وتخشى خصوصًا مسار “تغيير النظام” لأنه يفتح فوضى على حدودها. لكن حادثة الصاروخ أظهرت أن “الحياد” قد يصبح قرارًا نظريًا إذا طال الصراع: يكفي تكرار خرق سيادي، أو تصعيد بالوكالة، أو ضغط أطلسي–أميركي لاستثمار الحوادث، أو انتقال السردية الإسرائيلية إلى تسويق تركيا كخصم تالٍ، حتى تتحول أنقرة من وسيط يحاول إطفاء النار إلى طرف يضطر إلى الرد، ثم يجد نفسه داخل دينامية الحرب لا على هامشها.

المدن


حل فنزويلي خيالي لإيران/ بشير البكر
الاثنين 2026/03/16
اختطف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، فجر الثالث من كانون الثاني الماضي، في عملية عسكرية استعراضية. ونصّب في مكانه نائبته، ديلسي رودريغيز، بعد أن أبدت انصياعاً لتنفيذ أوامر واشنطن. وقد عبرت عن ذلك بتغريدة تملق صريح جاء فيها “أشكر الرئيس دونالد ترامب على استعداد حكومته للتعاون”. كانت هذه هي الوصفة التي استخدمها للاستيلاء على نظام فنزويلا، ومن ثم هندسة الوضع في هذا البلد بما يناسب مصالح الولايات المتحدة.

أقصى ترامب الشخص الذي كان يعتبره عقبه في طريق بناء علاقات ثنائية جيدة. ومنذ بداية الحرب على إيران صار يردد بأن هذه الصيغة تناسب واشنطن وطهران، وفي حديثه لصحيفة نيويورك تايمز، قال: “ما فعلناه في فنزويلا، في رأيي، هو… السيناريو الأمثل”. وحسب مخططه فإن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي يمهد الطريق إلى تحقيقها، فهو القائد الذي أوصل العلاقات إلى طريق مسدود بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة ثانية، وذلك بوصفه واضع السياسات التي انتهجها هذا البلد من 37 عاما، وصاحب شعار “الموت لأميركا الموت لإسرائيل”. وبوجوده على رأس فريق من الراديكاليين ما كان يمكن التقدم إلى الأمام بسلاسة، ولذا تشكل إزاحته من المشهد مفتاح الحل، ونهاية للعقدة الرئيسية التي تكونت منذ اليوم الأول لانتصار الثورة الإسلامية قبل 47 عاما. وقال ترامب لموقع أكسيوس “يجب أن أشارك في تعيين خليفته، كما فعلت مع ديلسي في فنزويلا”.

يقوم الحل على مصالح مشتركة بين الولايات المتحدة وإيران التي تمتلك ثاني احتياطي غاز وثالث احتياطي نفط في العالم، وموقعا استراتيجيا مهما. وما تنشده واشنطن ليس تغيير النظام، أو مساعدة الشعب الإيراني في الوصول إلى الحرية والديموقراطية، بل تأمين مصالحها الخاصة، وفتح الطريق لإسرائيل كي تطبع، على الأقل، علاقاتها مع هذا البلد. لكن هذا الحل يتطلب تحقيق شروط عديدة. الأول إلحاق هزيمة كبيرة بإيران تصل حد الاستسلام، وهذا ليس بالأمر السهل، ولا يتوقف عند الخسارة العسكرية، بل يتعلق بمدى تقبل واسع من الشعب الإيراني لهذا الخيار.

والثاني ظهور شخصيات إيرانية قادرة على أن تتفاهم مع واشنطن، وتضمن رضى الرأي العام، وتحقق مصالح الشريحة الأوسع من الإيرانيين، وهذه مسألة تواجهها تراكمات بقدر عمر الثوة الإسلامية التي خلقت شرائح اجتماعية واسعة تلتف حولها لأسباب دينية وسياسية ومنفعية.

والثالث تحلي إدارة ترامب بالتواضع، وعدم تكرار التجارب السابقة التي قامت بها إدارة جورج بوش الابن مع العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين عام 2003، وما ينطبق على الحالة السياسية العراقية التي كانت معارضة في ذلك الوقت، لا ينسحب على إيران، التي لا يبدو أنها لم تنتج معارضة قادرة على استلام الحكم، ولذلك تبدو الاستعانة برجالات النظام الحالي أمرا لا مفر منه.

والرابع هو خفض سقف المطالب والطموحات الإسرائيلية، وتخفيف لهجة التبجح بالنصر، لأن ذلك قابل لأن ينقلب وينعكس إلى ضده، فهزيمة النظام أمام إسرائيل، لا تعني بالضرورة تسليم الشارع الإيراني بتسديد الفاتورة، التي تتجاوز التطبيع إلى زواج مصالح تكون لإسرائيل فيه الكلمة الأولى داخل الشرق الأوسط الجديد، الذي يطمح نتنياهو إلى هندسته.

من الصعب استنساخ تجربة فنزويلا في إيران، لا سيما أن واشنطن وطهران لم تربطهما علاقات دبلوماسية منذ 46 عاماً، وذلك عكس فنزويلا، حيث كانت الولايات المتحدة على علاقة بها حتى العام 2019، بينما قطعت إدارة الرئيس جيمي كارتر العلاقات مع إيران العام 1980، بعدما اقتحم الحرس الثوري السفارة الأميركية في طهران واحتجزوا 52 دبلوماسياً أميركياً كرهائن. تضاف إلى ذلك تعقيدات الوضع الإيراني، ووجود رأي عام يرفض شروط الاستسلام الأميركية، وضد إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل. وحتى لو انتهت الحرب إلى فرض تنازلات على إيران، ونشأت علاقات قائمة على المصالح، من الصعب إنهاء الإرث المعادي لإسرائيل بسهولة. ولذا تحتاج إيران إلى فترة انتقالية، يتم خلالها تفكيك بنية النظام، سواء كانت القيادة التي ستتولى حكم البلد من ضمن التركيبة الحالية أو من خارجها، وفي الأحوال كافة لا يقتصر الأمر على تدمير قدرات النظام العسكرية.

في فنزويلا ذهب مادورو، وبقي النظام، وبسرعة شديدة انحنى للعاصفة من دون أية مقاومة، لكن تحويل إيران إلى نظام دمية مطيع أكثر صعوبة بكثير مما هو عليه الحال في فنزويلا، حيث كانت الحكومة، حتى في عهد مادورو، تميل بالفعل إلى التعاون مع الولايات المتحدة، شريكها التاريخي في مجال الطاقة واللاعب الرئيسي في المنطقة. بل إن فكرة أن تتدخل واشنطن في جميع أنحاء العالم بعد فنزويلا، وتنصب شخصية شبيهة بديلسي رودريغيز أينما ترسو حاملة طائراتها، تبدو فكرة خيالية.

المشكلة في إيران أصعب من ذلك بكثير، وهي تتعلق بعقيدة وجوهر أيديولوجية النظام منذ أن وصف مؤسس الثورة الروحي، آية الله الخميني، الولايات المتحدة بـ”الشيطان الأكبر”، وتقف خلف ذلك مؤسسة دينية كبيرة جدا، لا تبدو في وارد التسليم بالخسارة، وقبول الإملاءات الأميركية والإسرائيلية.

إلى حد كبير، كانت ثورة العام 1979 التي أوصلت النظام الإسلامي إلى السلطة مدفوعةً بالاستياء القومي من التدخل الأجنبي، حيث كان يجري النظر إلى الشاه محمد رضا بهلوي، الحاكم آنذاك والموالي للغرب، على نطاق واسع كدمية في يد أميركا. وقد تجد واشنطن في نهاية المطاف أن التغيير في ظل استمرارية الوضع الراهن، هو الحل الأمثل، وذلك بإيجاد شريك قادر على بناء قاعدة شعبية واسعة في النظام الإيراني بشروط مقبولة لدى الولايات المتحدة.

المدن


هل ينزلق العالم نحو حرب أوسع؟/ كريستوفر فيليبس
16 مارس 2026
هل يقف العالم اليوم على شفير حرب عالمية؟ أثارت هجمات إسرائيل والولايات المتحدة على إيران مخاوف في بعض الأوساط. ففي السابع من مارس/آذار تصدر صحيفة “التلغراف” البريطانية عنوان رئيس حذر من “إمكانية انجرار بريطانيا إلى الحرب العالمية الثالثة”. وفي الوقت نفسه حذر ريتشارد شيريف، نائب القائد الأعلى السابق لقوات حلف “الناتو”، من أن هذا الصراع قد يكون “الشرارة الأخيرة لحرب عالمية ثالثة”. وقبل ذلك بشهر، اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة مع “هيئة الإذاعة البريطانية” (BBC)، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإشعال فتيل الحرب العالمية الثالثة.

والحديث عن “حرب عالمية” صار لازمة مألوفة في خطاب المحللين منذ انتهاء آخر صراع عالمي عام 1945، فهل الوضع مختلف هذه المرة؟

على الرغم من حجم المأساة التي ينطوي عليها كلا الصراعين في أوكرانيا وإيران بالنسبة للمتضررين، ما زال نطاق التدخل العالمي فيهما محدودا مقارنة بالحروب العالمية السابقة. ولكن، هل يمكن أن يكون شيريف محقا في أن ما يشهده العالم اليوم قد يشعل شرارة حرب أوسع نطاقا؟ وهل لعبت التغيرات الجيوسياسية العالمية الأخيرة دورا في زيادة فرص تحول هذه الصراعات إلى “حروب عالمية؟”.
الانزلاق نحو حرب عالمية

في معظم مراحل التاريخ البشري، كانت الحروب العالمية مستحيلة، نظرا لضعف الاتصالات والقدرات الصناعية. وحتى لو كانت الصراعات مروعة في منطقة ما، كحرب الممالك الثلاث في الصين، أو الغزوات المغولية في آسيا، أو حرب الثلاثين عاما في أوروبا، فتلك الحروب لم تكن “عالمية”. لكن ذلك تغير عندما أتاحت القدرات اللوجستية والصناعية هذا الاتساع. وعلى الرغم من أن حرب 1914-1918 كانت أول حرب تسمى “حربا عالمية”، فإن الصراعات الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كحرب السنوات السبع والحروب النابليونية، امتدت لتشمل أميركا الشمالية والجنوبية والهند ومنطقة الكاريبي، واتخذت منحى عالميا، وبلغت تلك الصراعات ذروتها الدموية في الحرب العالمية الثانية، التي شارك في القتال فيها أكثر من 70 دولة، وحصدت أكثر من 75 مليون شخص، معظمهم من المدنيين.

ومما لا شك فيه أن هذه الحروب تحولت إلى العالمية بمساعدة التكنولوجيا المتطورة التي سمحت للسفن، ولاحقا للطائرات، بالوصول إلى أقصى بقاع الأرض، غير أن العامل الأساسي الذي وسع نطاق تلك الحروب كان التحالفات التي سمحت لنزاع بين طرفين متحاربين بجذب المزيد من الأطراف. فعلى سبيل المثال ضمنت مثل تلك التحالفات أن لا يقتصر التنافس بين فرنسا وبريطانيا على مستعمراتهما في أميركا الشمالية عام 1756، بل رأينا بروسيا، حليفة لندن، تخوض حروبا ضد حلفاء باريس، روسيا والنمسا، في أوروبا. ومن جهة أخرى خاضت القوات الهندية الخاضعة للقيادة البريطانية معارك ضد القوات الهندية الخاضعة للقيادة الفرنسية في الهند. كما أن شبكة التحالفات الأوروبية المعقدة كانت السبب في أن يشعل اغتيال دوق نمساوي في البوسنة عام 1914 فتيل صراع على مستوى القارة، وأن يكون غزو ألمانيا لبولندا عام 1939 بداية الحرب الأكثر تدميرا في التاريخ.

لكن منذ نهاية تلك الحرب في عام 1945، بذل قادة العالم جهودا واعية لتجنب مثل هذه الصراعات العالمية المدمرة. إن الخوف من الدمار المتبادل المؤكد عبر الأسلحة النووية، وظهور نظام سياسي ثنائي القطب تهيمن عليه الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وإنشاء الأمم المتحدة، كانت كلها عوامل أساسية لعبت دورا هاما في تعزيز تلك الجهود. لم تختف الحروب كليا، وكان الكثير منها مروعا، إلا أن معظمها ظل محصورا في مناطق محددة. وعندما امتدت، كان ذلك داخل المنطقة المرتبطة وليس على مستوى العالم. ففي عام 1962 على سبيل المثال، تمكنت واشنطن وموسكو، بصعوبة بالغة، من تجنب صراع مباشر حول كوبا. وبدلا من ذلك، فضلت القوى العظمى خوض الحروب بالوكالة، ودعم الأطراف المتنافسة في الحروب الأهلية حول العالم، في أماكن مثل فيتنام وأفغانستان وأنغولا.

لم تعاود الحروب العالمية الظهور بعد انتهاء الحرب الباردة. شهدت فترة ما بعد عام 1991، التي تميزت بالهيمنة الأميركية “أحادية القطب” عددا من الحروب، أشعلت واشنطن معظمها في سعيها لفرض هيمنتها العالمية. لكن ومع قيام الولايات المتحدة بدور الحكم العالمي، لم يكن ثمة مجال أمام أي تحالف منافس لتحديها بشكل فعلي، وبقيت الصراعات محصورة في نطاق محلي كما كان الحال أيام الحرب الباردة.
هل تتزايد المخاطر في عالم متعدد الأقطاب؟

إن التحول إلى عالم متعدد الأقطاب اليوم ينبغي أن يقرع أجراس الخطر. فقد كانت التعددية القطبية هي النموذج السائد الذي اندلعت في ظله الحروب العالمية قبل عام 1945. ويرى الباحثون في العلاقات الدولية أن التعددية القطبية تزيد من فرص نشوب صراعات واسعة النطاق، بسبب وجود تنافسات متعددة بين كتل القوى التي يمكن أن تشعل فتيل الصراع، أكثر مما قد تتسبب به الثنائية أو الأحادية القطبية حيث تقل هذه النزاعات. لا بد من القول إنه وعلى الرغم من كل هذه المخاوف، لم يشهد عصر تعدد الأقطاب بعدُ صراع “القوى العظمى” الذي يحذر منه خبراء العلاقات الدولية.

تشبه الحرب الأوكرانية حتى الآن، على الرغم من طول مدتها وقسوتها، الصراعات بالوكالة التي شهدتها الحرب الباردة. فقد امتنع داعمو أوكرانيا: الولايات المتحدة والقوى الأوروبية، عن الانخراط في الحرب بشكل مباشر. واكتفوا بتقديم الأموال والأسلحة إلى كييف، في عمل يشابه ما قامت به واشنطن من تسليح للمجاهدين الأفغان في ثمانينات القرن الماضي، أو تسليح الصين والاتحاد السوفياتي للفيتكونغ وتدريبهم. وعلى نحو مماثل، تشبه الحرب على إيران حتى الآن الصراعات الأميركية خلال مرحلة الهيمنة الأحادية. فكما كان الحال مع غزوها للعراق وأفغانستان، أو قصفها لصربيا عام 1999، تعد الحرب على إيران صراعا غير متكافئ، حيث تتمتع الولايات المتحدة ومعها حليفتها إسرائيل بتفوق عسكري ساحق، وتسعى إلى فرض هيمنتها على قوة إقليمية أضعف بكثير، ولا تخوض حربا ضد منافس من القوى العظمى.

لكن وخلافا للحرب في أوكرانيا، فقد امتد الصراع مع إيران بالفعل خارج حدود الدولة المستهدفة. حيث وصل رد طهران إلى دول الخليج وجهات إقليمية أخرى باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ، في حين دفعت الضربات الداعمة لـ”حزب الله” إسرائيل إلى شن حملة واسعة وضعت لبنان في قلب الصراع. ومن المحتمل أن يرى حلفاء إيران من الحوثيين وقوات “الحشد الشعبي” و”حماس”، في كل من اليمن والعراق وفلسطين ساحات لتوسيع رقعة الصراع، إلا أنه لن يرقى إلى صراع عالمي، على الرغم من آثاره المدمرة على الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. وللوصول إلى هذا المستوى من الصراع، لا بد من تدخل قوى عالمية، وهو ما يبدو مستبعدا في الوقت الراهن.

تحظى إيران بعلاقات وثيقة مع كل من روسيا والصين، إلا أنها لا تمتلك تحالفا عسكريا مماثلا للتحالفات التي جمعت بريطانيا وفرنسا عام 1756 أو القوى الأوروبية عام 1914. وعلى الرغم من أن روسيا تبادلت مع طهران الخبرات المتعلقة بقيادة الطائرات المسيرة، فإن هذا لا يجعل الحربين الأوكرانية والإيرانية جزءا من صراع واحد مترابط، كما كان الحال على سبيل المثال في الحرب الصينية-اليابانية التي أصبحت جزءا من الحرب العالمية الثانية بعد عام 1941. حتى إن الرئيس دونالد ترمب قد عرض تخفيفا مؤقتا للعقوبات على موسكو لتسهيل إدخال النفط الروسي إلى السوق؛ وهذا لا يوحي بسلوك حكومة ترى إيران وروسيا عدوا واحدا.
تحطيم المعايير

يصعب في الوقت الراهن أن نتصور كيف يمكن للحرب في أوكرانيا أو الحرب على إيران أن تتوسع لتتحول إلى صراعات عالمية. يكمن الخطر الأكبر في أن تمهد هذه الحروب الطريق لعصر جديد من الصراعات التي يمكن أن تتصاعد بدورها. لقد تجاهل كل من بوتين وترمب الأعراف الدولية عندما شنا حربيهما. ولم يبدِ أي منهما محاولات لعرض مظالمهما في الأمم المتحدة، أو لحشد الدعم الدولي، كما كان الحال في معظم الصراعات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من أن كليهما وجد مبررات لإضفاء الشرعية على أفعاله، لم يقتنع بتلك المبررات إلا قلة قليلة، ويرى معظم الناس في ذلك استعراضا للقوة من قبل القوى العظمى. وهذا يزيد من احتمال أن تحذو قوى عالمية أخرى حذوهما لتحقيق مصالحها الخاصة.

هل يمكن أن نرى الصين تستهدف تايوان بطريقة ما، أو إثيوبيا تضغط على إريتريا، أو هل نشهد توغلا أعمق للهند في كشمير؟ وإذا نجح ترمب في إيران، أو بوتين في أوكرانيا، فهل ثمة احتمال متزايد في لجوئهم أو لجوء من يأتي بعدهم إلى نفس الأسلوب في أماكن أخرى؟ يشير باحثو العلاقات الدولية إلى أنه في نظام عالمي متعدد الأقطاب، كلما زاد عدد الجهات الفاعلة المستعدة لاستخدام القوة لتحقيق أهدافها، زادت احتمالات اندلاع الصراع. وفي مثل هذه البيئة، من المرجح أن تسعى الدول، للدفاع عن نفسها في المستقبل، إلى إقامة تحالفات عسكرية كتلك التي شهدها عام 1914، والتي تفتقر إليها إيران حاليا. وهذا كله يزيد من فرص اندلاع حرب عالمية في المستقبل، حتى وإن بدت بعيدة الآن.
المجلة


حرب إيرانَ والمخطط ضد الصين!/ عبد الرحمن الراشد
16 مارس 2026 م
تجارُ الإشاعاتِ ومنظرو المؤامراتِ مثل تجارِ الحروب، يقتاتونَ على خوفِ النَّاس وهواجسهم.

معَ أوَّلِ رصاصةٍ في المعركة، انطلقتْ نظرياتٌ أبرزُها أنَّ الحربَ ليست إلَّا مخططاً استراتيجيّاً أميركيّاً ضد الصّين للسَّيطرةِ على بترولِ الخليج وممراتِه البحرية. الثَّانيةُ تقولُ إنَّ ترمب ورَّطَ المنطقةَ في حربٍ مدمّرةٍ، وسيهربُ تاركاً دولَ الخليج تواجهُ مَصيرَها. وهناكَ من يرَى أنَّ نتنياهو هو من ورَّطَ ترمب وسيفرُّ الاثنانِ من المواجهة. والثالثةُ أنَّ الحربَ شُنَّت من أجلِ منحِ إسرائيلَ دوراً إقليمياً وتصفيةِ القضيةِ الفلسطينية.

كلُّها يمكنُ أن نتجادلَ حولها، والحقيقةُ ليست مؤكدة، لكنْ لماذا لا تكونُ الحقيقة أبسطَ من ذلك؟

الحربُ على إيرانَ نتيجة توترٍ طويل وحروبٍ غير مباشرة، وليس مفاجئاً أن ينتهيَ الأمرُ بالحرب لتغيير النظام، أو تحجيم قدراته.

وهناك كثيرٌ من الطروحاتِ المتناقضة عند المنظّرين. لعقودٍ كانوا يتحدَّثونَ عن «التَّخادم الإسرائيلي الإيراني» المزعوم. إنَّه طرحٌ ساذَجٌ تبرهن الحربُ عليه اليومَ؛ إذ أظهرت حجمَ العداءِ بين الدولتين، إسرائيل تقصف إيرانَ بأكثر ممَّا استخدمته في حروبها العربيةِ مجتمعة!

أيضاً، ولسنواتٍ كان يُقال من باب الارتياب أو الإنكار: لماذا كلُّ هذا العداء ولا تهاجم أميركا إيران؟ اليومَ تفعل واشنطن تماماً ذلك، فلماذا الاستغراب؟

أكثرُ النظريات رواجاً، خاصةً بين فئة من المثقفين، تقول إنَّ الحربَ فصل في الصراع الأميركي الصيني، وإنَّ هدف واشنطن السيطرةُ على مصادر الطاقة وممراتها البحرية لحرمان منافِستِها بكين من الهيمنةِ عليها. نظريةٌ من بطن منهجِ العلوم السياسية، ولا تتناقضُ مع السيناريوهات في لعبة الأمم الكبرى. العيبُ الوحيد فيها أنَّ الولايات المتحدة أصلاً مسيطرةٌ على الممرات في المحيط والخليج ولها قواعدُ عسكرية على الماءِ واليابسة. وهي كذلك مهيمنةٌ على صناعة النفط وحركتِه من أعلى السّلسلة من شركاتها إلى قطع الغيار والتأمين، علاوة علَى أنَّها تسيطر بعملةِ التعاملاتِ البترولية التي يتمُّ معظمُها بالدولار، السّلاح الأخطر من حاملة للطائرات. أمَّا الصين فلا يوجد لها قواعدُ ولا بوارجُ ولا شركات إنتاجٍ أو نقل، والقليلُ من النفط يُباع باليوان. الهيمنةُ شبهُ كاملةٍ للأميركيين في هذه المناطق والمرافق الحيوية، فلماذا يشنُّونَ حرباً للسيطرة على ما يسيطرونَ عليه؟ لحربِ إيرانَ أسبابٌ عديدةٌ وهدف رئيس. أهمُّ الدوافع تزايدُ خطرِ طهرانَ… النووي والصواريخ والميليشيات عابرة الحدود، وتعتقد أميركا أنَّه لا بدَّ من لجمه. وللحربِ هدفٌ تقول واشنطن إنَّه تحجيمُ خطرِ نظام إيران.

خطرُ النّظام على إسرائيلَ كبير، لكنَّ خطرَه أعظمُ على دول الخليج والمشرق العربي. يتمتَّع الإسرائيليون بقدراتِ ردعٍ تفوق الدولَ العربية، أهمُّها مظلةٌ نووية تهدّد بمسحِ إيرانَ من الخريطة عندما يصبحُ الخطر وجوديّاً، ويحظَى الإسرائيليون كذلك بحمايةٍ أميركية. الذي لا ينتبه له كثيرون أنَّ هذا يجعل الدولَ الخليجية المستفيدَ الأكبرَ من تحجيم قوة ايرانَ؛ لأنَّها لا تملك وسيلةَ ردعٍ استراتيجية أو حمايةَ أميركية مؤكدة.

ألا تريدُ واشنطن السيطرةَ على مصادر الطاقة وممراتها البحرية ضد منافستها الصين؟ نعم، إنَّما ليس بالمفهوم البسيط؛ فالتَّنافس لعبةُ شطرنج على خريطة العالم.

الأفضلُ أن نقرأَ العبارات في سياقاتها عندمَا يُقال هناك مخططٌ للهيمنة على مصادرِ الطاقة والممرات البحرية.

التنافسُ الصيني الأميركي موجود وبقوة في آسيا وأفريقيا، وهو شأنٌ مختلفٌ عن التهديدات الخطيرة التي خلقها نظامُ طهران للمنطقة والعالم، ووصلت إلى نقطةٍ تعتقد واشنطن معها أنَّه باتَ يستوجب وقفه وردعه.

التنافسُ حادٌّ بين القوتين الكبريين على الموارد والأسواق والتقنية، ولا يعني ذلك الدخولَ في حروب شبه مباشرة.

واشنطن، بما يناقض ذلك، خلال الصدمة البترولية الحالية رفعتِ الحظرَ، وسهَّلت للصين شراءَ نفوطِ إيرانَ وروسيا، حتى لا تتسبَّب الحربُ في انهيارات اقتصادية عالمية. أيضاً، ترمب حثَّ الصينَ على أن ترسلَ قواتٍ صينية لتشاركَه في حمايةِ ناقلات البترول من أجل إفشال مخطط طهرانَ برفع تكلفة الحربِ على العالم. التنافسُ الأميركي مع الصين كثيرٌ منه تحوُّطٌ استراتيجي؛ فالولاياتُ المتحدة ما زالت القوة الكبرى التي تحمي طرقَ الطاقة. والمفارقة أنَّ الصينَ المستفيد من حماية واشنطن وهي، أي الصين، كذلك المتضرر الأكبر من نشاطات إيرانَ العسكرية التي منعت مرورَ النّفط والغاز الخليجي والعراقي واستهدفت منشآته!

التكلفةُ عالية على الصينيين؛ لأنَّهم أكبرُ مستورد للطاقة، وبالمقابل فالأميركيون اليوم هم أكبرُ منتجٍ للنفط والغاز في العالم.

أمَّا لماذا الحرب؟ فتقول واشنطن إنَّها تريد تعزيزَ نفوذها بالتَّخلص من الخطر الإيراني الذي يهدّد مصالحَها وأمنَ أصدقائها، وليس حرمان الصّين من استيرادِ نفطِ السعودية اليومَ أو إيران مستقبلاً.

تبعاتُ الحربِ الحالية على واشنطن أيضاً عالية نتيجةَ التَّضخمِ والتأثير على الانتخاباتِ بين الحزبين.

لحديثِ المؤمرات بقيةٌ.

الشرق الأوسط


الحرب وثمن الصورة/ غسان شربل
16 مارس 2026 م
الزمان: 9 يناير (كانون الثاني) 1991.

المكان: فندق «إنتركونتيننتال» في جنيف.

تركزتْ أنظارُ العالمِ علَى هذَا المَكان وتوافدَ الصّحافيون إليهِ من أماكنَ قريبةٍ وبعيدة. كانَ قرارُ مجلسُ الأمنِ واضحاً لجهةِ مطالبةِ العراقِ بانسحابٍ فوريّ وَكاملٍ من الكويت التي اجتاحَها وكانتِ المهلةُ علَى وشكِ النَّفاد. أعطَى جورج بوش الأب فرصةً أخيرةً لإقناعِ صاحبِ القرارِ فِي بغدادَ بأنَّ العالمَ مُصرٌّ على طَي صفحةَ الغزو. وسادَ الاعتقادُ في عواصمِ الشَّرقِ الأوسطِ وخارجَه، بأنَّ الاستحقاقَ كبيرٌ وخطرٌ، وأنَّ النَّارَ تنتظرُ إشارةً للاندلاع.

دخلَ وزيرُ الخارجيةِ الأميركي جيمس بيكر من جهةٍ، ودخلَ نظيرُه العراقي طارق عزيز من الجهةِ المقابلة وجلسَا. ألحَّ الصّحافيون على صورةِ مصافحةٍ فَمُنحت لهم. ابتسمَ عزيز قليلاً وأصرَّ بيكر على وجهٍ بلا تعبير. في الخَارج بلغتِ الإثارةُ أقصاها. طالتِ المفاوضاتُ وثمةَ من توهَّمَ أنَّ الوزيرين انهمكَا في صياغةِ بنودِ الحل. بعد نحوِ سبعِ ساعاتٍ انتهَى اللقاءُ «التاريخيّ» باستحالةِ التَّفاهمِ، وبعدَ ثمانيةِ أيَّامٍ ستنطلقُ حربُ تحريرِ الكويت.

الزمان: 26 فبراير (شباط) 2026.

المكان: القنصلية العمانية في جنيف.

علَى جانبٍ من الطَّاولةِ جلسَ وزيرُ الخارجيةِ الإيراني عباس عراقجي، وجلسَ في الجهة المقابلةِ ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. في أوساطٍ كثيرةٍ سادَ انطباعٌ أنَّ المفاوضَ الإيرانيَّ سيؤكّد الصورةَ الشائعةَ عن براعته وسيأخذ في الاعتبارِ عنصراً مهماً. والعنصرُ أنَّ صاحبَ القرارِ في البيت الأبيض هو دونالد ترمب الذي أمرَ بقصفِ المنشآت النووية الإيرانية بعدمَا كانَ أمرَ قبل سنوات بقتلِ الجنرال قاسم سليماني قربَ مطار بغداد.

لم تصدق توقعاتُ المتفائلين. لا عزيز استقبلَ بيكر بالمرونةِ الضرورية لتفادي الحرب، ولا عراقجي فعل. في اللقاء الأولِ طالبَ عزيز بتسويةِ كلّ نزاعات المنطقة ورفضَ نقلَ رسالة بوش إلى صدام حسين لأنَّه شمَّ رائحةَ تهديد فيها. وفي اللقاءِ الثاني امتنعَ عراقجي عن تقديمِ أي هديَّةٍ يمكن أن تساعدَ ترمب على القول إنَّه نجحَ في إحداث تغيير ما في الموقف الإيراني. ويقول ويتكوف إنَّ عراقجي لم يُظهر حسنَ نيَّةٍ وتباهَى بقوةِ بلادِه، ولجأ أيضاً إلى الصّراخ. فشلَ اللقاءُ وبعدَ يومين انطلقتِ الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران.

أعرف تماماً الفرقَ بين الحقبِ والرجال والإطار. نظام «الثورة الإسلامية» في إيرانَ لا يشبه نظام «البعث» العراقي، والمرشدُ علي خامنئي جاءَ من قاموس بعيدٍ تماماً عن القاموس الذي جاءَ منه صدام حسين، وإيرانَ عراقجي بعيدة تماماً عن عراق طارق عزيز. ما دفعني إلى المقارنة شيء مختلف. هالني بعد لقاء جنيف أن يكونَ رجل مثل طارق عزيز بخلفية صحافية ودبلوماسية لم يستطع المشاركةَ في تفادي الحرب. لهذا حرصتُ على طرح السؤال على مجموعةٍ من الذين عملوا مع صدام، وبينهم من عملوا في قصره نفسِه وربطتهم علاقةُ صداقةٍ مع عزيز. وفاجأني الجواب أنَّ عزيز كانَ مدركاً للأخطار التي يمكن أن تترتَّبَ على العراق إذا تمسك بموقفه، لكنَّه لم يستطع إقناع صاحبِ القرار بذلك، أو لم يتمكَّن من التعبير بصراحة كاملة أمام صاحب القرار، لا سيما في اجتماع القيادةِ القطرية للحزب.

وسمعت من الرَّجل الذي استمعَ إلى أوَّل اتصالٍ بعد الغزو بين الملكِ حسين والرئيسِ العراقي، أنَّ العاهل الأردني لفته بدبلوماسيةٍ إلى خطورةِ الوضع، وكأنَّه يلمح إلى أنَّ المخرج بالانسحاب إلى الحدود الدولية.

هل كانَ عراقجي في وضعٍ يشبه وضعَ عزيز وفضّل ألَّا يُتّهم بالخيانة أو التفريط فوقعت المنطقة في دائرة النار التي لا تزال مشتعلة؟ وهل دفع العراق ثمن خوف صدام من أن تنزلَ صورته في التاريخ كرجل انحنَى أمام شروط «الشيطان الأكبر»؟ وهل دفعت إيرانُ والمنطقةُ ثمنَ رفض المرشد أن تلحق بصورته الأضرار التي يمكن أن يرتبَها التنازلُ عن الحلم النووي والقبول بمناقشة مدى الترسانة الصاروخية والعلاقة بـ«الأذرع»؟

ثمة من يعتقد أنَّ هاجسَ الصورة لعب دوراً في اندلاع الحرب، وأنَّ سيد البيت الأبيض شعر بعد الاستماع إلى ويتكوف، بأنَّ حائكَ السّجاد الإيراني يعامله كأسلافِه، ويحاول استنزاف صورته وصورة «أميركا العظيمة». ولا مبالغة في القول إنَّ عقدةَ الصورة قد تعقد جهود وقف النار. كيف ستبدو صورة إيرانَ بعد وقف النار وهي التي خسرت في لحظة انطلاق الحرب مرشدَها وعدداً من قادتها، وخسرت بعدَهم أجزاءَ من ترسانتها ومصانعها وقدراتها؟ وهل يستطيع مجتبَى خامنئي المرشدُ الجديدُ والجريحُ، القَبولَ بصورةٍ ضعيفة له ولنظامه وبلاده؟ وهل يستطيع «الحرس الثوري» القبولَ بصورة الضعيفِ أو المنكسر وهو عملياً العمود الفقري للنظام خصوصاً في ظلّ المرشد الجديد؟

من المبكر التكهن بصورة ما بعد حرب لا تزال مفتوحةً على مصراعيها. هل تدفع الصورةُ إيرانَ الجريحة أو المنهكة إلى استنتاج أنْ لا مظلة تحميها إلا القنبلة النووية؟ وماذا عن القوى الأخرى في المنطقة خصوصاً بعدما ارتكب النظامُ الإيراني خطيئةَ الاعتداء على دول رفضت الانخراطَ في الحرب أو تسهيلها؟

ثم كيفَ ستكون صورةُ إسرائيلَ وصورةُ بنيامين نتنياهو الذي جنَّب إسرائيل أخطار مواجهة إيران منفردة؟ وكيف تكون صورةُ نتنياهو نفسِه إذا اختار ترمب إعلانَ الانتصار وإبعاد الأساطيل؟ وإلى متى يستطيع الشرقُ الأوسط احتمالَ صور القاذفات والصواريخ والمسيرات والنَّار الجوالة في منطقة تحتضن شرايين الطاقة التي لا يستطيع العالمُ العيشَ من دون تدفقها؟ عندمَا يُعلن وقفُ النار سيدَّعِي كل فريق أنَّه انتصر. إنَّه الشّرقُ الأوسط الرهيب. يعالجُ اللاعبون خسائرَهم بمضاعفتها.

الشرق الأوسط


إيران المتعددة: القوميات والجغرافيا وحدود تماسك الدولة/ مها غزال
الاثنين 2026/03/16
في الخطاب السياسي والإعلامي السائد تُقدَّم إيران غالباً بوصفها دولة فارسية شيعية متجانسة، لكن هذه الصورة المبسطة تخفي واقعاً ديموغرافياً وجغرافياً أكثر تعقيداً. فإلى جانب الأغلبية الفارسية تعيش في البلاد جماعات قومية ولغوية متعددة، أبرزها الأذريون والأكراد واللور والعرب والبلوش والتركمان، وهو ما يجعل إيران واحدة من أكثر دول الشرق الأوسط تنوعاً من الناحية الإثنية واللغوية.
وبسبب غياب إحصاءات إثنية رسمية في التعدادات السكانية الإيرانية، تعتمد معظم الدراسات على تقديرات لغوية وثقافية. وتشير هذه التقديرات إلى أن الفرس يشكلون ما بين 55 و65% من السكان، بينما تتوزع النسبة المتبقية بين جماعات قومية متعددة، في مقدمتها الأذريون والأكراد.
لكن أهمية هذا التنوع لا تكمن فقط في البعد الديمغرافي. فمعظم هذه الجماعات تتركز في الأقاليم الحدودية التي تحيط بالهضبة الإيرانية، حيث تتقاطع الهوية القومية مع الموارد الاقتصادية والممرات الجيوسياسية. ومن هنا يكتسب ملف القوميات في إيران أهمية تتجاوز مسألة التنوع الثقافي، ليصبح جزءاً من معادلة الأمن القومي وإدارة الأطراف في الدولة الإيرانية.

الجذور القومية في إيران
ولا تعود التعددية القومية في إيران إلى مرحلة الجمهورية الإسلامية فقط، بل ترتبط بتاريخ أطول من تشكل الدولة المركزية الحديثة. فمع صعود رضا شاه بهلوي إلى السلطة عام 1925، تبنت الدولة مشروعاً سياسياً يهدف إلى توحيد الإدارة وتعزيز الهوية الوطنية الإيرانية حول اللغة الفارسية، في إطار بناء دولة مركزية قوية على غرار النماذج القومية الحديثة.
أدت هذه السياسات إلى تقليص استخدام اللغات المحلية في التعليم والإدارة، ما ساهم في ترسيخ الفارسية بوصفها اللغة الرسمية للدولة، وأداة رئيسية لبناء الهوية الوطنية. ومع ذلك بقيت المناطق الطرفية التي تقطنها جماعات قومية مختلفة تحتفظ بخصوصياتها الثقافية واللغوية.
وفي أربعينيات القرن العشرين، ظهرت أولى الحركات القومية الحديثة في إيران. فقد أُعلنت عام 1946 جمهورية مهاباد الكردية في شمال غرب البلاد بدعم سوفياتي، كما شهدت مدينة تبريز في العام نفسه، قيام حكومة أذرية محلية. وعلى الرغم من أن هاتين التجربتين لم تستمرا طويلاً، فإنهما كشفتا مبكراً عن التوتر الكامن بين الدولة المركزية وبعض الأطراف القومية.
وهكذا فإن المسألة القومية في إيران ليست ظاهرة حديثة، بل جزء من تاريخ تشكل الدولة الحديثة وعلاقتها بالمجتمعات المحلية المختلفة.

البنية الديمغرافية لإيران
وتشير التقديرات الأكاديمية المتداولة إلى أن المجتمع الإيراني يتكون من طيف واسع من الجماعات القومية. وبسبب غياب بيانات رسمية حول الانتماء الإثني، تعتمد معظم الدراسات على مؤشرات لغوية وثقافية لتقدير هذا التنوع.
وبحسب هذه التقديرات التقريبية يمكن تلخيص التوزع القومي للسكان على النحو الآتي: الفرس بين 55 و65%، والأذريون بين 15 و20%، والأكراد بين 8 و10%، واللور والبختيارية نحو 5 إلى 6%، والعرب نحو 2 إلى 3%، والبلوش نحو 2 إلى 3%، إضافة إلى التركمان وجماعات أخرى الذين يشكلون أقل من 2%، لكن هذه الأرقام تبقى تقديرات تقريبية، إذ يعيش كثير من الإيرانيين في المدن الكبرى خارج مناطقهم القومية التقليدية.
كما شهدت العقود الأخيرة حركة هجرة داخلية واسعة نحو المدن الكبرى، ولا سيما طهران وأصفهان ومشهد. ونتيجة لذلك يعيش ملايين من أبناء القوميات المختلفة في بيئات حضرية مختلطة، ما يعزز التداخل الاجتماعي والاقتصادي بين الجماعات القومية ويجعل الحدود الإثنية التقليدية أقل وضوحاً مما كانت عليه في الماضي.

الجغرافيا القومية لإيران
ومن أبرز سمات التركيبة القومية الإيرانية أن معظم الجماعات غير الفارسية تتركز في المناطق الحدودية التي تحيط بالهضبة الإيرانية. في المقابل يتركز الثقل الديمغرافي الفارسي في قلب البلاد الممتد من طهران إلى أصفهان وفارس ويزد.
ويعيش الأذريون في الشمال الغربي، وهم أكبر جماعة غير فارسية في إيران، ويتركزون في محافظات أذربيجان الشرقية وأذربيجان الغربية وأردبيل وزنجان، إضافة إلى حضور واسع في العاصمة طهران.
أما الأكراد فينتشرون في غرب إيران، خصوصاً في محافظات كردستان وكرمانشاه وإيلام، ضمن منطقة جبلية تقع في سلسلة جبال زاغروس التي تمتد على طول الحدود الغربية للبلاد.
وفي الجنوب الغربي تقع محافظة خوزستان التي تضم نسبة مهمة من العرب الإيرانيين، وتعد من أهم المناطق الاقتصادية في البلاد بسبب احتياطيات النفط والغاز الكبيرة التي تحتويها.
أما الجنوب الشرقي فتقع فيه محافظة سيستان وبلوشستان، وهي أكبر محافظات إيران مساحة وأقلها تنمية، ويقطنها البلوش الذين يشكلون غالبية سكانية في هذه المنطقة الحدودية مع باكستان وأفغانستان. وفي الشمال الشرقي يعيش التركمان في منطقة تركمان صحراء، ضمن محافظة كلستان وأجزاء من خراسان الشمالية. ويجعل هذا التوزع الجغرافي من التعدد القومي في إيران مسألة ترتبط مباشرة بالحدود والموارد والممرات الاستراتيجية.

الاقتصاد السياسي للأطراف
ولا تقتصر أهمية المناطق التي تقطنها الجماعات القومية في إيران على بعدها السكاني، بل ترتبط أيضاً بموقعها في شبكة الموارد الاقتصادية والممرات الاستراتيجية للدولة. فمحافظة خوزستان تمثل القلب الرئيسي لإنتاج النفط والغاز في إيران، بينما يشكل ميناء تشابهار في سيستان وبلوشستان بوابة استراتيجية نحو بحر العرب والمحيط الهندي. وفي الشمال الغربي تلعب أذربيجان الإيرانية دوراً مهماً في التجارة والصناعة والربط البري مع تركيا والقوقاز.
هذا التقاطع بين الجغرافيا القومية والموارد الاقتصادية، يمنح المناطق الطرفية أهمية خاصة في حسابات الدولة الإيرانية المتعلقة بالأمن القومي والتنمية الاقتصادية. كما أن التحديات الاقتصادية التي تواجهها إيران، ولا سيما تأثير العقوبات الدولية، انعكست بدرجات مختلفة على المناطق الطرفية. ففي بعض المحافظات الحدودية التي تعاني أصلاً من ضعف التنمية يمكن أن تؤدي الضغوط الاقتصادية إلى زيادة الشعور بالتهميش المحلي.

الحركات القومية والتحديات الداخلية
وشهدت إيران منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، توترات سياسية وأمنية في بعض المناطق التي تقطنها جماعات قومية غير فارسية. ففي السنوات الأولى بعد الثورة اندلع تمرد كردي واسع في غرب البلاد قادته أحزاب كردية طالبت بالحكم الذاتي وحقوق ثقافية وسياسية أوسع، وشهدت مدن مثل مهاباد وسنندج مواجهات مسلحة استمرت عدة سنوات قبل أن تستعيد الدولة سيطرتها العسكرية في منتصف الثمانينيات.
وفي الفترة نفسها دخلت منظمة مجاهدي خلق، وهي حركة معارضة ذات طابع أيديولوجي، في صراع مسلح مع النظام عام 1981 ونفذت سلسلة هجمات داخل البلاد قبل أن تنتقل قيادتها لاحقاً إلى خارج إيران.
بعد نهاية الحرب العراقية–الإيرانية، تراجع النشاط المسلح الواسع داخل البلاد، لكنه لم يختفِ تماماً. فمنذ مطلع الألفية الجديدة شهدت بعض المناطق الحدودية نشاطاً متقطعاً لجماعات مسلحة ذات خلفيات قومية أو مذهبية.
ففي كردستان الإيرانية ظهرت جماعات مرتبطة بحزب الحياة الحرة الكردستاني، بينما برزت في سيستان وبلوشستان جماعة جند الله في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، قبل أن تظهر لاحقاً جماعة جيش العدل. كما شهدت محافظة خوزستان بعض العمليات المحدودة التي تبنتها تنظيمات عربية معارضة.
وإلى جانب هذه الأنشطة المسلحة، شهدت إيران منذ مطلع القرن الحادي والعشرين موجات متكررة من الاحتجاجات السياسية والشعبية، مثل احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009، والاحتجاجات الاقتصادية في أعوام 2017 و2019، إضافة إلى الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت عام 2022 بعد وفاة الشابة مهسا أميني.
وعلى الرغم من تنوع هذه الحركات، فإنها بقيت متفرقة جغرافياً وسياسياً، ولم تتحول إلى جبهة موحدة قادرة على تهديد تماسك الدولة الإيرانية.

سياسات الدولة الإيرانية تجاه القوميات
وتعتمد الدولة الإيرانية في تعاملها مع التعدد القومي على مزيج من الأدوات السياسية والأمنية والأيديولوجية. وعلى المستوى الأمني تلعب مؤسسة الحرس الثوري الإيراني دوراً مركزياً في إدارة المناطق الحدودية، خصوصاً في المحافظات التي شهدت نشاطاً مسلحاً.
وفي الوقت نفسه تبنت الدولة سياسة إدماج سياسي لبعض الجماعات القومية داخل مؤسسات الحكم، حيث شغل عدد من الشخصيات ذات الأصول غير الفارسية مناصب مهمة في الدولة. كما استخدمت الجمهورية الإسلامية الهوية الشيعية بوصفها إطاراً جامعاً يتجاوز الانتماءات القومية، وهو ما ساعد على دمج بعض الجماعات غير الفارسية التي تشترك مع الأغلبية في الانتماء المذهبي.

الامتدادات الإقليمية للقوميات الإيرانية
وتتميز معظم الجماعات القومية في إيران بامتدادات بشرية وثقافية خارج حدود الدولة. فالأكراد يعيشون أيضاً في العراق وتركيا وسوريا، بينما يمتد الأذريون عبر الحدود إلى جمهورية أذربيجان، ويعيش البلوش في مناطق واسعة تمتد بين إيران وباكستان وأفغانستان.
هذه الامتدادات لا تعني بالضرورة وجود مشاريع انفصالية عابرة للحدود، لكنها تضيف بعداً جيوسياسياً مهماً إلى العلاقة بين الدولة الإيرانية وهذه المجتمعات.

كيف ينظر الخارج إلى هذه المسألة؟
ويظهر ملف القوميات الإيرانية في النقاشات الغربية من زاويتين رئيسيتين. ففي الخطاب الرسمي الأميركي يُطرح الموضوع أساساً ضمن تقارير حقوق الإنسان والتمييز ضد الجماعات الإثنية والمذهبية.
أما في الأدبيات الاستراتيجية لبعض مراكز التفكير، فقد جرى تناول التعدد القومي في إيران باعتباره أحد عناصر الهشاشة المحتملة في بنية الدولة. وقد ناقشت دراسة صادرة عن مؤسسة “بروكينغز” بعنوان “أي طريق إلى فارس؟”، إمكانية استثمار التوترات الداخلية كأحد أدوات الضغط على النظام الإيراني، مع التحذير في الوقت نفسه من أن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة وقد يؤدي إلى نتائج عكسية.

حدود التماسك الإيراني
وعلى الرغم من التعدد القومي الكبير، لم تتحول التوترات في إيران إلى حركة سياسية موحدة تهدد وحدة الدولة. ويرى عدد من الباحثين أن هذا الاستقرار النسبي يعود إلى عدة عوامل، أبرزها قوة الدولة المركزية، ووجود مؤسسات أمنية قوية، إضافة إلى الهوية الوطنية الإيرانية التي تشكلت عبر قرون من التاريخ المشترك.
فالهوية الإيرانية الحديثة لم تُبنَ على أساس عرقي صرف، بل على مزيج من التاريخ والثقافة والمؤسسات السياسية، ما سمح باستيعاب جماعات قومية مختلفة داخل إطار وطني واحد.

مستقبل العلاقة بين المركز والأطراف
وفي ضوء المعطيات الحالية يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل العلاقة بين الدولة الإيرانية والأطراف القومية. المسار الأول هو استمرار النموذج القائم، حيث تواصل الدولة إدارة التنوع القومي عبر مزيج من السيطرة الأمنية والإدماج السياسي والتنمية الاقتصادية التدريجية.
أما المسار الثاني فيتمثل في احتمال تصاعد التوترات المحلية في بعض المناطق الطرفية، خصوصاً إذا تفاقمت التفاوتات التنموية أو اشتدت الضغوط الاقتصادية والسياسية على الدولة الإيرانية.
في المقابل يطرح بعض الباحثين سيناريو ثالثاً يقوم على توسيع الإدماج السياسي والثقافي، سواء عبر تنمية اقتصادية أوسع في الأقاليم الطرفية أو عبر منح هامش أكبر للغات والثقافات المحلية ضمن إطار الدولة الوطنية.
وتكشف دراسة التعدد القومي في إيران، أن البلاد تقوم على توازن معقد بين مركز سياسي قوي وأطراف متعددة الهويات. وقد نجحت الدولة الإيرانية حتى الآن في الحفاظ على هذا التوازن عبر مزيج من الهوية الوطنية والدينية والمؤسسات الأمنية والإدماج السياسي لبعض الجماعات.
ومع ذلك فإن استمرار التفاوت التنموي والتوترات الإقليمية يعني أن العلاقة بين المركز والأطراف ستظل عاملاً أساسياً في فهم مستقبل الاستقرار الإيراني ودور إيران في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط.

المدن


مجتبى خامنئي ومشروع إيران الكبرى/ مهند مبيضين
يمكن فهم المشروع الإيراني في المنطقة ليس بوصفه مجرد سياسة خارجية تقليدية، بل باعتباره رؤية استراتيجية متكاملة
16 مارس 2026
في السياسة، كما في التاريخ، لا تختفي الصور بسهولة، بل تبقى عالقة في الذاكرة زمناً طويلاً قبل أن تتراجع أو تُستبدل بصورة أخرى. ومن بين الصور التي ما تزال تلقي بظلالها على المشهد الإيراني صورة “المرشد” علي خامنئي. فالرجل وإن غاب، إلا أن الإرث السياسي والفكري الذي تشكل خلال عقود من قيادته سيظل حاضراً في بنية النظام الإيراني، وفي الطريقة التي يفكر بها هذا النظام في الداخل والخارج.

مضى “المرشد” علي خامنئي، غير أن ظله سيبقى حاضراً في المشهد الإيراني. فالصورة السياسية لا تختفي سريعاً، بل تعيش أحياناً ردحاً طويلاً من الزمن قبل أن يتم تجاوزها. وفي هذا السياق يبرز اسم ابنه مجتبى خامنئي، الذي لم يكن بالضرورة كامل الأهلية الدينية لخلافة والده، غير أن حسابات “الحرس الثوري” والفريق المتشدد داخل النظام الإيراني دفعت به– بحكم الضرورة السياسية– من لقب “حجة الإسلام” إلى لقب “آية الله”، وأدخلت إيران في باب التوريث على الطريقة البهلوية.

وعند الشيعة فإن لقب “حجة الإسلام” يشير إلى درجة علمية عالية تعرف باسم السطوح العالية في الرتب العلمية الحوزوية للبدء لاحقاً بالاجتهاد، وهي مرتبة علمية متقدمة لكنها لا تعني الوصول إلى مرتبة المرجعية العليا. وهي ليست مقابلة للقب “حجة الله” الذي يرتبط بالإمام المعصوم، الذي يعني أن الإمام هو “حجة الله” والوسيط بين البشر وبين الله، وهو المرجع الأعلى للعلوم الإلهية الذي لا يصح دين الناس إلا به.

أما لقب “آية الله”، فهو لقب ديني رفيع المستوى في الحوزة الشيعية، ويستخدم للإشارة إلى كبار المراجع والفقهاء الذين بلغوا أعلى درجات الاجتهاد في الفقه والتقوى. ويعني اللقب حرفياً “علامة الله” أو “آية الله العظمى”، ويشير إلى المكانة العلمية والدينية التي تخول صاحبها إرشاد المؤمنين وتفسير الأحكام الشرعية وفق المذهب الجعفري.

لكن السيد مجتبى خامنئي، وفق هذا التصنيف الحوزوي، لا يعد مجتهداً كاملاً. فقد درس في السنوات الأخيرة ما يعرف بـ”البحث الخارج”، وهي المرحلة المتقدمة من الدراسة الحوزوية، لكنه لم يصل إلى درجة الاجتهاد المطلق. ولذلك فإن تنصيبه أو التعامل معه بصفته مرجعاً دينياً يمثل خرقاً للأعراف العلمية الحوزوية، التي استقرت عليها المؤسسة الدينية الشيعية عبر قرون طويلة.

وفي سياق آخر من قراءة المشهد الإيراني، يطرح احتمال آخر يتم تداوله في بعض التحليلات السياسية. فغياب علي خامنئي أو قتله، صعّد ابنه مجتبى ليكون وريثاً لقيادة النظام، الذي استحدث له الأب “مجلس خبراء” يولدون من كُم عباءته. ومثل هذا الواقع المتشدد سيوفر استدامة لفكرة الشهيد في الموروث الشيعي، وهو مفهوم راسخ في الثقافة الشيعية التي حفلت عبر التاريخ بألقاب الشهداء.

في الراهن الإيراني، الذي تمأسس على فكرة قومية دينية متشددة لا مثيل لها في قاموس الدولة المعاصرة، لن يكون الأب والابن إلا نموذجين للتطرف والتشدد ومحاربة السنة، وفقاً للتنظير السياسي الذي ساد في إيران خلال العقود الأخيرة، والذي طرحه عدد من العلماء والباحثين الفاعلين في المشهد الإيراني الراهن.
ومن هنا، يمكن فهم المشروع الإيراني في المنطقة ليس بوصفه مجرد سياسة خارجية تقليدية، بل باعتباره رؤية استراتيجية متكاملة تشكلت عبر عقود داخل بنية النظام الإيراني. إذ تقدمت إيران في مشروعها الإقليمي من خلال ثلاثة مسارات رئيسة.
المسار الأول يتمثل في المهدوية الثورية، وهي فكرة تقوم على طرح تصور حكومة عالمية مرتبطة بظهور المهدي، وتسعى إيران إلى حماية هذه الفكرة وصناعة ثقافة حاضنة لها. ويُنظر إلى التمدد الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن بوصفه تطبيقاً عملياً وتمهيداً لقيام تلك الحكومة المهدوية التي يؤمن بها السيد مجتبى خامنئي.
أما المسار الثاني، فهو نظرية أم القرى التي قدمها الفيزيائي محمد جواد أردشير لاريجاني، رئيس مركز الأبحاث وأمين لجنة حقوق الإنسان ومساعد وزير الخارجية سابقاً، والمنتمي إلى أسرة لاريجاني ذات النفوذ القوي في السلطة الإيرانية. وتقوم هذه النظرية على اعتبار إيران مركزاً للأمة الإسلامية التي ينبغي أن تكون منضوية تحت ولاية الفقيه.
وبحسب هذه النظرية فإن إيران تمثل “أم القرى”، أي مركز العالم الإسلامي. ويقول لاريجاني في كتابه “مقولات في الاستراتيجية الوطنية” الصادر عام 1987 والمترجم إلى العربية عام 2008: “إذا اعتبرنا إيران اليوم مركز الإسلام، فإنه يجب أن يخضع المواطنون لإرادة الولي الفقيه وأن يبايعوه في كل ما يريد”.
وقد سبقت هذه الرؤية، في بعض جوانبها، الرؤية التركية التي قدمها أحمد داود أوغلو في كتاب “العمق الاستراتيجي”، والذي اعتمد سياسة “صفر مشاكل مع الجيران” ومهّد لصعود الدور التركي في المنطقة المرتبط بإرث عميق. ومع ذلك، يبقى الفارق واضحاً؛ فتركيا بقيت منفتحة على الغرب رغم مشروعها القومي، بينما اتخذ المشروع الإيراني مساراً مختلفاً يقوم على المواجهة والصراع مع الغرب.
أما المسار الثالث فهو جيوبوليتيك الشيعة، وهو مفهوم يقوم على خلق فضاء شيعي سياسي وثقافي خارج حدود إيران ليكون حاضنة للزعامة الإيرانية. فالعراق وسوريا ولبنان أصبحت ضمن النفوذ الإيراني، ولم يبق في المنطقة- وفق هذه القراءة– إلا الأردن الذي يُنظر إليه باعتباره ساحة مستهدفة بشكل غير مباشر.
ولهذا تسعى إيران إلى خلق أرضية ثقافية تدعي وجود امتداد عقائدي قريب من الأردن عبر فكرة “تسكين الشيعة”. وقد ظهر ذلك في الحديث عن حماية المراقد المقدسة في سوريا خلال فترة حكم بشار الأسد، وابتكار مصطلح الحرم الزينبي في دمشق، وهو خطاب استُخدم لحشد المقاتلين باسم الدفاع عن الشيعة وآل البيت وبحجة حماية المقدسات وهو فكر ملتحف بالماضي.
وفي المحصلة، فإن فهم المشروع الإيراني في المنطقة، لا يمكن أن يقتصر على متابعة تحولات القيادة داخل النظام أو على خيار انتقال السلطة من الأب إلى الابن. فالقضية تتعلق أيضاً بمنظومة فكرية وسياسية تشكلت داخل الدولة الإيرانية وتسعى إلى إعادة صياغة موازين القوة في الشرق الأوسط، وهي منظومة على الأرجح ستظل تلقي بظلالها على السياسة الإيرانية مستقبلاً.


وداعاً مضيق هرمز: ممر الأمن الغذائي السريع بين السعودية وسوريا/ أسامة قاضي
مارس 16, 2026
تستورد دول مجلس التعاون الخليجي نحو 85% من احتياجاتها الغذائية (حسب المنتدى الاقتصادي العالمي 2025)، مما يجعلها عرضة للصدمات في سلاسل الإمداد العالمية، وتشير التقديرات إلى أن الاستثمار في الأمن الغذائي والاستدامة يمكن أن يضيف ما يقارب 30.5 مليار دولار إلى اقتصاد الخليج، وتعتمد استراتيجية الأمن الغذائي في دول الخليج على عدة محاور تشمل المبادرات الحكومية، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، ودعم التكنولوجيا والابتكار وريادة الأعمال.

مؤشر الأمن الغذائي العالمي لعام 2022 أن جميع دول المجلس الست – البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة- أظهر أنها تقع ضمن أفضل 50 دولة في العالم من حيث الأمن الغذائي، ويرجع ذلك إلى قدرتها المالية وسياساتها الاستراتيجية في الاستيراد، ومع ذلك تواجه هذه الدول معضلة تكمن في أنه يتم استيراد معظم الغذاء من الخارج، بما في ذلك المواد الأساسية مثل الأرز والحبوب، إضافة إلى جزء كبير من اللحوم والخضروات.

يشهد الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية واقتصادية عميقة، وتهديدات إيران في زعزعة استقرار المنطقة، من هنا تبرز أهمية “ممر الأمن الغذائي السريع بين السعودية وسوريا” كإحدى الأفكار الاستراتيجية، وهو بمثابة مشروع جيو-اقتصادي ضخم.

تقوم فكرة المشروع على إنشاء خط سكة حديد سريع يربط شمال المملكة العربية السعودية بسوريا عبر الأردن، ينطلق من مدينة عرعر في شمال السعودية باتجاه أقرب المدن السورية، بسرعة تشغيلية قد تتجاوز 200 كم في الساعة، والهدف من هذا الخط هو نقل المنتجات الغذائية الطازجة والبضائع بين البلدين بسرعة وكفاءة، بما يخلق شبكة إمداد إقليمية جديدة للغذاء والتجارة.

هذه الفكرة تعالج مشكلة حقيقية تواجه دول الخليج، وهي هشاشة سلاسل الإمداد البحرية والاعتماد الكبير على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية يومياً، إضافة إلى جزء كبير من تجارة السلع بما فيها الغذائية المتجهة من وإلى الخليج.

أي اضطراب في هذا المضيق يؤدي فوراً إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري وتأخر وصول السفن، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية داخل السوق الخليجية، خصوصاً المواد الغذائية، وتشير التقديرات إلى أن دول الخليج تستورد مواد غذائية تزيد قيمتها عن 40 مليار دولار.

وتعتمد دول الخليج بدرجة كبيرة على استيراد الخضار والفواكه من دول مثل الهند وباكستان وتركيا ومصر والأردن وإيران، وعندما ترتفع تكاليف النقل البحري نتيجة التوترات في مضيق هرمز، ترتفع الأسعار مباشرة في الأسواق الخليجية، كما أن الخضار والفواكه سلع سريعة التلف، وأي تأخير في النقل البحري قد يؤدي إلى تلف جزء من الشحنات أو نقص مؤقت في المعروض، وهو ما يسبب اضطرابات في الأسعار وسلاسل التوزيع.

تكمن المشكلة أيضاً في أن ثماني موانئ من الموانئ الخليجية يعتمد على الملاحة عبر مضيق هرمز، بما فيها ميناء جبل علي وميناء خليفة في الإمارات، ميناء حمد في قطر، ميناء الشويخ والشعيبة في الكويت، ميناء خليفة بن سلمان في البحرين، إضافة إلى ميناء الملك عبد العزيز في الدمام وميناء الجبيل الصناعي في السعودية، وتشير التقديرات إلى أن 60 -70 % من واردات الغذاء إلى الخليج تمر عبر مضيق هرمز.

في المقابل، هناك عدد من الموانئ التي تقع خارج الخليج ولا تتأثر مباشرة بأي اضطراب في المضيق، مثل ميناء جدة الإسلامي وميناء ينبع على البحر الأحمر في السعودية، وميناء خورفكان وميناء الفجيرة في الإمارات، إضافة إلى ميناء صحار وميناء صلالة في سلطنة عمان، لكن حتى مع وجود هذه الموانئ، يبقى الاعتماد على النقل البحري كبيراً، وهو ما يبرز أهمية تطوير مسارات برية بديلة.

هنا تظهر أهمية سوريا، التي تتمتع بتنوع مناخي وإنتاج زراعي كبير وقرب جغرافي من الخليج، فإذا تم ربطها بشبكة نقل سريعة مع السعودية، يمكن أن تتحول إلى قاعدة إنتاج غذائي لدول الخليج، فبدلاً من استيراد الغذاء من قارات بعيدة، يمكن نقل المنتجات الزراعية السورية الطازجة إلى الأسواق الخليجية خلال ساعات عبر خط سكة حديد سريع، ولا يقتصر دور هذا الخط على نقل الغذاء فقط، بل يمكن أن يستخدم أيضاً لنقل البضائع والصناعات المختلفة، إضافة إلى نقل الركاب، مما يعزز السياحة والتبادل التجاري بين البلدين.

كما يمكن أن يساهم المشروع في إطلاق نهضة زراعية واقتصادية في سوريا، حيث سيؤدي ارتفاع الطلب على المنتجات الزراعية إلى إنشاء مناطق زراعية تعاقدية مخصصة للتصدير، ومراكز فرز وتوضيب، ومستودعات تبريد، ومختبرات جودة، إضافة إلى منصات تحميل حديثة على خطوط السكك الحديدية، وإعمار كل المناطق المحيطة بمحطات القطار داخل سوريا، لأن القطار ممكن أن يبدأ داخل سوريا من دير الزور مروراً بحلب وبقية المحافظات وصولاً إلى دمشق ودرعا.

وعلى الحدود يمكن إنشاء ممر جمركي سريع يعتمد على أنظمة رقمية للتخليص الجمركي والتفتيش الصحي والزراعي، بحيث يتم عبور البضائع خلال ساعات بدلاً من أيام، أما داخل السعودية، فيمكن إنشاء مراكز توزيع غذائي مرتبطة بالسكك الحديدية، وأسواق جملة حديثة، وسلاسل تبريد متطورة تربط الخط بالمدن الكبرى في المملكة، ويمكن أن يمتد للدول الخليجية الستة.

كما أن المشروع يتكامل مع أحد أهم المشاريع الاقتصادية العالمية الجديدة، وهو الممر الاقتصادي الهندي أو ممر بهارات الذي يهدف إلى ربط الهند بأوروبا عبر الخليج والشرق الأوسط الذي أقرّ في قمة العشرين 2023 بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي.

وفي هذا السياق يمكن أن يصبح الممر السوري–السعودي فرعاً لهذا المشروع العالمي، بحيث يعمل المسار التجاري من الهند، ثم الخليج، ثم السعودية، ثم القطار السعودي–السوري، ثم سوريا، ثم موانئ البحر المتوسط السورية في اللاذقية وطرطوس، ثم أوروبا، وبذلك تعود سوريا كجزء من خط الحرير تاريخياً، لأنها ستشكل جسراً تجارياً يربط آسيا بأوروبا، لكن هذه المرة ليس لنقل الحرير، بل لنقل كل البضائع والصناعات والسلع الزراعية والغذائية عموماً.

تعاني المنطقة العربية منذ عقود من ضعف الترابط الاقتصادي البري رغم قربها الجغرافي. ويمكن لهذا المشروع أن يمثل نموذجاً عملياً لتكامل اقتصادي عربي قائم على المصالح المشتركة بين الإنتاج الزراعي في بلاد الشام والأسواق الاستهلاكية في الخليج والممرات التجارية نحو أوروبا.

ومن المرجح أن يشهد العالم خلال العقود القادمة اضطرابات متزايدة في سلاسل الإمداد نتيجة التوترات الجيوسياسية وأزمات الطاقة والغذاء والتغيرات المناخية، وفي مثل هذا العالم، ستكون الدول التي تمتلك مسارات نقل متعددة ومرنة أكثر قدرة على حماية اقتصاداتها، لهذا السبب يمكن أن يصبح ممر الأمن الغذائي السريع بين السعودية وسوريا أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في الشرق الأوسط خلال العشرين عاماً القادمة، وهذا المشروع الضخم يتناغم مع رؤية 2030 للمملكة العربية السعودية التي تريد شرق أوسط ناهض وصاعد وعامر بالنشاطات الاقتصادية.

هذا المشروع لا يقتصر على كونه خط سكة حديد، بل يمثل رؤية جيواقتصادية متكاملة تحقق أربعة أهداف في وقت واحد: تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، تعزيز الأمن الغذائي في الخليج، دعم إعادة دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي، وربط بلاد الشام بالممر التجاري العالمي بين الهند وأوروبا، وبذلك يمكن لهذا الممر أن يسهم في إعادة رسم خريطة التجارة والاقتصاد في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة، ومع ربطه بالمشروع العملاق الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا ( آي إم إي سي) ستكون سوريا جزءاً من مبادرة رائدة تُعيد تشكيل التجارة العالمية والترابط والتعاون عبر ثلاث قارات من أجل تعزيز تطوير بنية تحتية متينة، وتسهيل الخدمات اللوجستية، وتحقيق نمو مستدام.
الثورة السورية


هل تُورّط مواجهة هرمز أمريكا بغزو بري؟
رأي القدس
بالتزامن مع إعلان البنتاغون قرار إرسال 2500 من جنود البحرية إلى مضيق هرمز قام التحالف الأمريكي – الإسرائيلي بقصف جزيرة خارك في ما يمكن اعتباره تمهيدا لخيار الاستيلاء على الجزيرة التي تعالج 90 في المئة من صادرات إيران النفطية.
تواردت، في سياق طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الدول الحليفة لبلاده المشاركة في الجهد الحربيّ أنباء عديدة منها قرار الاتحاد الأوروبي “توسيع المهمة البحرية أسبيدس” وتعزيزها في منطقة الخليج، وإعلان بريطانيا إرسال آلاف المسيّرات الاعتراضية إلى المنطقة، واستجابة كوريا الجنوبية لإرسال سفن حربية إلى الخليج وتفكيك منظومات باتريوت كانت منشورة فيها لنقلها إلى الخليج وحتى إعلان أوكرانيا، التي تخوض حربا وجودية مع روسيا، موافقتها على تقديم مسيّرات طورتها لمواجهة المسيّرات الإيرانية “شاهد”!
يشير قرار استدعاء جنود المارينز إلى أن إدارة ترامب تتجهز للانتقال من فكرة تدمير الجزيرة عبر القصف الجوي إلى إخضاعها لاحتلال أمريكي مباشر بهدف وقف شريان الاقتصاد الإيراني، وذلك بعد نشر معلومات عن نقاش داخل الإدارة الأمريكية عن جدوى السيطرة على الجزيرة، وحديث ترامب عن أن شروط وقف الحرب لم تُنجز بعد.
ترفع وقائع فشل أمريكا وحلفائها تأمين سلاسل التوريد والسفن العابرة لمضيق هرمز وتيرة مخاطر التورّط في سيناريو إشراك جنود البحرية في عملية السيطرة على خارك، والجزر الأخرى، التي تضم لارك وهرمز وقشم وهنغام لتطويق بندر عباس ثم اختراق السيطرة الإيرانية على المضيق، ومن ثم السيطرة على جزر طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى وسيري وكيش.
حصل نقاش داخل الإدارة الأمريكية في عام 1988 حين حاولت إيران إغراق سفن أمريكية بالألغام البحرية، مما دفع البنتاغون للتفكير في احتلال تلك الجزر فخلصوا إلى أن العملية ستتطلب آلاف الجنود، ونشر معدات عسكرية لكافة الأصناف الحربية لتوزيعها على الجزر، وأن تتوفر لها خطوط إمداد من دول الخليج العربي، أو عبر مضيق هرمز نفسه. افترض القادة العسكريون، في المقابل، أن يتحول المضيق إلى منطقة قتالية مفتوحة، ومشاركة مئات الآلاف من عناصر الحرس الثوري وقوات الباسيج بمهاجمة تلك الجزر، وقصفها، وتعرّض القوات الأمريكية لهجمات انتحارية.
حسب وسائل إعلام أمريكية فإن الرئيس الأمريكي تجاهل تحذيرات قادة في الجيش، بينهم رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، من أن الهجوم على إيران قد يدفع طهران لاستخدام الألغام والمسيرات لتعطيل الممر الملاحي الأكثر أهمية في العالم، لكن ترامب أخبر فريقه أن من المرجح أن تستسلم طهران قبل إغلاق المضيق، وأنه حتى لو حاولت ذلك، فإن الجيش الأمريكي “يمكنه التعامل مع الأمر”.
كشف احتدام المواجهة على مضيق هرمز تهافت المنطق الرغبوي لدى ترامب في تحقيق انتصار سريع، وهو أمر اشترك في ترويجه رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، الذي اعتمد في إقناع ترامب مباشرة الحرب الجارية على إيران على “نجاح” الحملة المشتركة الأمريكية – الإسرائيلية السابقة على إيران في حزيران/ يونيو الماضي، وكذلك عملية أسر الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو، والتوقعات التي بناها المسؤولان على القضاء على علي خامنئي، المرشد الأعلى لإيران، وكبار القادة العسكريين فيها.
تدفع هذه الفجوة الواضحة بين آمال أمريكا وإسرائيل في “انتصار سريع” على إيران، واحتمالات انقلاب كل ذلك إلى حرب استنزاف، بتداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي يتحمّل ترامب ونتنياهو، بشكل شخصي، مسؤوليتها، إلى سيناريوهات تتراوح بين “إعلان النصر والانسحاب”، كما اقترح دافيد ساكس، مستشار ترامب للذكاء الصُنعي والعملات المشفرة، أو التورّط التدريجي بالغزو البرّي.


الأسبوع الثّالث: تصعيد قبل الحسم ثم التّفاوض/ عبدالوهاب بدرخان
عبدالوهاب بدرخان
16 مارس ,2026
بدا واضحاً أن صقور الإدارة ورئيس الوزراء الإسرائيلي تمكنوا من تأجيل قرار وقف الحرب، لأنهم مثل ترامب لا يزالون يبحثون عن أي سبيل لإسقاط النظام.

الأسبوع الثالث للحرب هل يكون الحاسم والأخير؟ هذا ما يأمله العالم، لكنه لا يتحكّم بالقرار العسكري ولا السياسي. كان الأسبوع الثاني قد شهد الضربات الأميركية الأشدّ لإيران، لدفعها إلى ما سمّاها الرئيس الأميركي “نقطة الهزيمة”، إذ لا يزال ينتظر بل يتوقع استسلامها، رغم أن أحدث التقارير الاستخبارية أبلغه أن نظامها بعيدٌ عن الانهيار. ثم إن مرشدها الجديد توعّد، في بيانه الأول من دون أن يظهر، بالثأر وبإغلاق مضيق هرمز “كورقة ضغط”. كما أنه خاطب “الوكلاء” في لبنان والعراق واليمن، مجدداً الاعتماد عليهم، فيما بدا مبارِكاً الاعتداءات الموجهة ضد دول الجوار الخليجي، بعد أيام من “الاعتذار” الذي قدّمه الرئيس الإيراني إليها.

الحرب كشفت ما كان معروفاً، وما كانت طهران تغطّيه بالمظاهر الشكلية: فلا سلطة إلا للمرشد و”الحرس الثوري”، وقد أصبحا الآن جسماً واحداً.
بذل دونالد ترامب جهداً كبيراً لطمس “أزمة الطاقة” التي أقلقت دول مجموعة ال7 وسائر الدول شرقاً وغرباً، ثمّ اضطرّ للاعتراف بها بعدما تأكد من أن الأسعار ترتفع باستمرار، وهذه مسألة مؤثّرة في اتجاهات الناخب الأميركي، لكنه حاول تغطيتها بأن “ارتفاع الأسعار يعني الكثير من المال للمنتجين الأميركيين”. لم يبدِ ترامب الاهتمام الخاص والاستثنائي المفترض بما تتعرّض له دول الحلفاء والأصدقاء في الخليج العربي من خسائر وأضرار، بما في ذلك التهديد باستهداف محطات تحلية المياه، إذ بات مؤكّداً أن إيران تتعمّد شن حربٍ عليهم كتعويض عن عجزها حيال التفوق العسكري والإسرائيلي.

كل مؤسسات الإدارة في واشنطن وكل العواصم المعنية علمت أن الرئيس وأركانه يتداولون السيناريوات الممكنة لوقف الحرب، سواء لأنها حققت معظم أهدافها العسكرية، أو لأن إيران كانت تتوقع الأكثر سوءاً وظلّت جاهزة للحرب فلم ترتبك ردودها العسكرية بعد “قطع رأس” قيادتها. وبعدما قال الرئيس إنه سيتشاور مع بنيامين نتنياهو في شأن إنهاء الحرب و”سيُشركه في رسم أي تسوية”، بدا واضحاً أن صقور الإدارة ورئيس الوزراء الإسرائيلي تمكنوا من تأجيل قرار وقف الحرب، لأنهم مثل ترامب لا يزالون يبحثون عن أي سبيل لإسقاط النظام. ومع أن خيار تحريك الأقليات (المسلحة) ضد النظام طُرح بقوّة منذ نهاية الأسبوع الأول، إلا أنه غاب تلقائياً من التداول بعدما رفضه ترامب، وقد يكون رفضه خدعة أو تأجيلاً، إذ إن واشنطن أشارت مراراً في أعوام سابقة إلى هذه الأقليات، وبالأخص فصائل الكرد شبه الجاهزة للقتال، لكن عدم وجود خطة ل”اليوم التالي” كشف أنها لم تشتغل بطريقة مدروسة على تجنيد الآذريين والبلوش وعرب الأحواز وإعدادهم للمهمّة.

أخيراً، وُجدت “نقطة الضعف” الإيرانية المفصلية: إنها النفط أولاً وأخيراً. فالإيرانيون كثّفوا الاعتداءات على دول الخليج للضغط عليها كي تضغط بدورها على ترامب ليبادر إلى وقف الحرب. الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون، الأكثر صراحة حالياً، قال في إحدى مداخلاته إن الاعتداءات الإيرانية “أضرّت بأصدقائنا في دول الخليج، لكنها حققت هدفاً لإسرائيل التي تريد إلحاق الضرر ونشر الفوضى في هذه الدول”. حاربت إيران ب”سلاح” قطع الإمدادات النفطية لافتعال أزمة عالمية تُحمَّل أميركا – ترامب مسؤوليتها، وهاجمت ناقلاتٍ في الموانئ الخليجية أو بالقرب منها، مهدّدةً بمنع مرور “ليتر نفط واحد” عبر مضيق هرمز، ما لم تتوقف الحرب.

مطلع الأسبوع الثالث، وبعد ضرب الأهداف العسكرية في جزيرة خرج (خارك) الإيرانية، اتضحت خريطة المقايضة الترامبية: مرور ناقلات النفط والسفن التجارية بأمان عبر مضيق هرمز مقابل الامتناع عن تدمير البنية التحتية في خرج – “درّة التاج النفطي” الإيراني. هذا تهديد واضح لا يمكن طهران أن تقلّل من أهميته أو تقرّر مواجهته ب”الانتحار الاقتصادي”، وقد جاء غداة تأكيد مسؤولين إيرانيين أنهم أبلغوا وسطاء إقليميين حاولوا فتح قناة حوار لوقف إطلاق النار، وكان جوابهم أن “لا وقف للنار ولا محادثات ولا اتفاق” قبل أن يوقف الأميركيون والإسرائيليون هجماتهم. وفي الأثناء اعتمد ترامب هذه اللاءات الثلاث، وقطع الاتصال مع الوسطاء، وبعدما كان قد حظر على إسرائيل مهاجمة المنشآت النفطية الإيرانية فإنه قد يأمر القوات الأميركية بالسيطرة على جزيرة خرج.

قبل ذلك هوجمت المواقع العسكرية في الجزيرة، وقد تكون دُمّرت فعلاً، كما أعلن ترامب نفسه، أي أن الوجود الإيراني فيها يقتصر الآن على مَن يديرون المنشآت. أرسل البنتاغون قوات إضافية من المارينز إلى المنطقة، ما يعزز التوقعات بأن تتضمن الخطة إنزالاً للقوات كي تتحكّم بالجزيرة وتفرض حماية للسفن العابرة مضيق هرمز. كيف يمكن للإيرانيين أن يردّوا على هذا الاختراق الاستراتيجي؟ الصواريخ والمسيّرات لن تكون مجدية إذا أُخرجت خرج عن سيطرتهم، والشروط التي حدّدوها للمرور عبر المضيق لن يستطيعوا فرضها إذا كانت هناك مرافقة أميركية للسفن “غير المرغوب فيها”. لن يبقى سوى التفاوض، فهل تطلبه طهران؟

  • نقلا عن “النهار”

ترمب بين وهم الحسم وأوراق إيران الثقيلة/ علي بابكر
بعد أسبوعين من الحرب التي أعلنها ضد إيران، يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب واقعا مزدوجا: توقه لإعلان النصر نتيجة النجاحات العسكرية المبكرة، وتحديات إستراتيجية صعبة تفرضها إيران.

وتناولت صحيفتا واشنطن بوست ونيويورك تايمز حماسة ترمب لإعلان النصر وما تمتلكه إيران من أوراق في مواجهته.

تقول واشنطن بوست، إن الضربات الأمريكية والإسرائيلية تمكنت من تحييد الجزء الأكبر من البحرية الإيرانية وتدمير مخزون الصواريخ، واغتيال القيادات العليا، ما يقترب من تحقيق أهداف الحرب المباشرة، بينما تشير نيويورك تايمز إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بأوراق قوية، أبرزها مخزون اليورانيوم المخصب الذي يمنحها قدرة على الضغط والرد، فضلا عن إمكاناتها لزعزعة استقرار مضيق هرمز وتهديد إمدادات الطاقة العالمية.

خيارات حاسمة

هذا المزج بين الانتصارات العسكرية المبكرة والإمكانات الإيرانية غير المتضررة بالكامل يضع ترمب أمام خيارات حاسمة: هل يعلن النصر ويبدأ بالانسحاب؟ أم يستمر في الحرب لتحقيق أهداف أكبر تشمل السيطرة على صادرات النفط الإيرانية واحتواء التهديد النووي؟ وكلا الخيارين، بحسب الصحيفتين، يحمل عواقب كبيرة على السياسة الأمريكية، والاقتصاد العالمي، والأمن الإقليمي، مما يجعل القرار أمام ترمب أكثر تعقيدا من مجرد إعلان انتصار سريع.

ووفقا لواشنطن بوست، يقترب ترمب من تحقيق الأهداف العسكرية المحددة منذ بداية الحرب، مما منحه شعورا بالسيطرة على الميدان العسكري. لكنه يواجه مفارقة إستراتيجية: رغم ذلك، تواصل إيران خلق تحديات، إذ لا تزال الأسواق العالمية للنفط مضطربة نتيجة قدرتها على إغلاق مضيق هرمز الحيوي، ما يعرقل حركة شحن النفط من الخليج ويؤثر على الأسعار عالميا.

وفي ذلك، تشير واشنطن بوست إلى أن قدرة إيران على الضغط الاقتصادي تمنحها ورقة مساومة كبيرة، حتى بعد تلقيها ضربات عسكرية كبيرة.
إعلان

أما نيويورك تايمز، فترى أن ترامب يواجه خيارات حاسمة مرتبطة بالقدرات الإيرانية غير المتضررة. فالاحتفاظ بمخزون يورانيوم مخصب قرب مستوى الأسلحة النووية يمنح إيران إمكانية الرد أو التهديد مستقبلا، بينما تحافظ قوات الحرس الثوري والمليشيات على قدرتها على شن هجمات غير متكافئة عبر الهجمات السيبرانية والزرع البحري للألغام وصواريخ قصيرة المدى.

نيويورك تايمز:
الواقع الراهن يخلق ضغطا على ترمب لاتخاذ قرار بشأن استمرار الحرب أو البحث عن انسحاب متدرج 

واقع يضغط على ترمب

وهذا الواقع، حسب نيويورك تايمز، يخلق ضغطا على ترمب لاتخاذ قرار بشأن استمرار الحرب أو البحث عن انسحاب متدرج، مع الأخذ بعين الاعتبار المخاطر المتزايدة على القوات الأمريكية والأمن الإقليمي.

وتورد واشنطن بوست، أن ترمب يتحدث علنا عن شعوره بالسيطرة على مسار الحرب، مؤكدا أنه سيقرر توقيت إعلان النصر “حسب شعوره”، كما صرح لراديو “فوكس نيوز”، معربا عن ثقته بأن الولايات المتحدة تقدمت بسرعة في تدمير القدرات العسكرية الإيرانية.

ومع ذلك، تشير واشنطن بوست، إلى أن ترمب يدرك الضغوط الداخلية، إذ ارتفعت أسعار البنزين 25% منذ بداية الحرب، وزادت تكاليف الأسمدة للمزارعين الأمريكيين، كما ارتفعت خسائر القوات الأمريكية، مما يضيف عامل ضغط اقتصادي وسياسي إضافي.

خياران حاسمان

وتقول نيويورك تايمز، إن ترامب يدرس بشكل خاص خيارين حاسمين: السيطرة على جزيرة خارك، الميناء الرئيسي لصادرات النفط الإيراني، أو شن عملية خطرة للاستيلاء على مخزون اليورانيوم المخصب المخزن في منشآت أصفهان تحت الأرض.

وكلا الخيارين يحمل مخاطره الخاصة؛ فالسيطرة على خارك قد تفرض انتشارا طويل الأمد في الخليج وتعرض القوات لهجمات الحرس الثوري، بينما عملية الاستيلاء على اليورانيوم تتطلب قوة دقيقة وحذرا شديدا لتجنب كارثة إشعاعية محتملة.

وتحذر واشنطن بوست، من أن إيران لا تزال تملك القدرة على زعزعة استقرار مضيق هرمز. حتى مع تدمير البحرية، يمكن لأي عنصر إيراني استخدام الزوارق أو الألغام لتقويض حركة السفن، مما يهدد التجارة العالمية للنفط.

عقدة هرمز

وأجبر هذا الواقع الولايات المتحدة على طلب دعم من حلفاء مثل الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا لتأمين مرور السفن، مما يعكس أن السيطرة على الممر البحري الحيوي ليست عملية بسيطة رغم التفوق العسكري الأمريكي.

وتقول نيويورك تايمز، إن التحديات الأمنية تتصاعد أيضا على الصعيد السيبراني و”الإرهابي”، إذ كثفت إيران استخدام خبرائها في الهجمات الإلكترونية ضد أهداف أمريكية وإسرائيلية، بما في ذلك توقف أنظمة شركة “سترايكر” الأمريكية لتصنيع الأجهزة الطبية، بينما شهدت الولايات المتحدة هجمات محدودة نسبت إلى متأثرين بالصراع الإيراني، مما يضيف بعدا أمنيا داخليا للقرار العسكري.

وتضيف واشنطن بوست أن ترامب يواجه أيضا تفاوتا في الإستراتيجية مع إسرائيل، حيث أصرت الأخيرة على استهداف خزانات النفط خارج طهران رغم تحذيرات البيت الأبيض من أن هذا قد يؤدي إلى هجمات إيرانية مضادة على المنشآت الإقليمية للطاقة.

نتنياهو يزيد التعقيد

وبينما يركز ترامب على تحقيق الانتصار السريع وتقليل الوقت المستغرق للسيطرة على الوضع، يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الضغط لاستغلال التحديات الإيرانية لتعميق الفوضى داخليا في طهران، ما يوضح صعوبة التنسيق بين الحلفاء في إطار حرب معقدة.
إعلان

وبحسب نيويورك تايمز، فإن استمرار الحرب يفرض على ترامب إدارة آثارها الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار النفط، وتعطل مضيق هرمز، وزيادة القلق الدولي بشأن استقرار المنطقة.

لذلك، فإن خيارات ترمب تتراوح بين استمرار العمليات العسكرية لاستكمال أهدافه، أو الانسحاب الجزئي مع ترك إيران محتفظة بأوراقها الأساسية، وهو خيار محفوف بالمخاطر الإستراتيجية.

زيادة عدد القوات

وتشير واشنطن بوست إلى أن ترمب يراقب عن كثب أعداد القوات والمعدات الإضافية المرسلة إلى المنطقة، بما في ذلك 2500 من مشاة البحرية الإضافيين و20 ألف عنصر أمريكي، لتعزيز القدرات العسكرية، بينما لا تزال إيران قادرة على استخدام إستراتيجيات غير متكافئة للضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

وبينما تتواصل الهجمات على السفن التجارية في مضيق هرمز، يدرس ترمب إقامة تحالف دولي لضمان حرية الملاحة، في تحول واضح من موقفه السابق الرافض لمشاركة القوات الحليفة بعد بدء الحرب.
لكل قرار تداعيات كبيرة

في المحصلة، تقول الصحيفتان إن كل قرار يتخذه ترمب يحمل تداعيات كبيرة على الحرب، السياسة الأمريكية، والتحالفات الدولية.

وتتضح الحاجة إلى تحقيق توازن بين الانتصار العسكري والتحديات الاقتصادية والإستراتيجية، مع الحفاظ على الضغط على إيران دون الانزلاق إلى صراع طويل الأمد قد يكون مكلفا للغاية، مع ضرورة التنسيق مع الحلفاء وتقدير المخاطر الداخلية والخارجية التي تهدد صورة الولايات المتحدة وقدرتها على التحكم في الأوضاع.
المصدر: الجزيرة + نيويورك تايمز + واشنطن بوست


حرب المضائق وناقلات النفط… من يدق أولا أبواب الآخر في البحر الأحمر؟/ أنور العنسي
الحوثيون بانتظار الضوء الأخضر من طهران للمشاركة في الحرب؟
آخر تحديث 16 مارس 2026

في توقيت ومكان يثيران الكثير من الأسئلة ترسل الولايات المتحدة حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد فورد” إلى البحر الأحمر، الأمر الذي رأى فيه “الحرس الثوري” الإيراني تهديدا لإيران، قائلا في بيان له إن “المراكز اللوجستية ومراكز تقديم الخدمات في البحر الأحمر تعد هدفا لنا”.

تزامن ذلك مع بيان خليجي-بريطاني مشترك يدين تهديدات “الحرس الثوري” الإيراني بإغلاق أو عرقلة الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب والإضرار بالاقتصاد العالمي.

البيان الذي صدر في ختام اجتماع لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي وبريطانيا، أكد على “أهمية حماية المجال الجوي الإقليمي والممرات البحرية وحرية الملاحة، إضافة إلى ضمان سلامة وأمن سلاسل الإمداد وعمليات الشحن والتجارة، واستقرار أسواق الطاقة العالمية”.
استعداد أم استعراض للقوة فقط؟

اللافت في هذا أن الخطوات التي تتخذها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا والتهديدات التي تطلقها إيران بشأن البحر الأحمر ومضيق باب المندب لم تعد مجرد تصريحات بل احتمال لمواجهة وشيكة الحدوث تنتظر من يقرع باب الآخر في جنوب البحر الأحمر في هذه المرحلة من حرب الشرق الأوسط، إلى جانب الصراع المحتدم بخصوص مضيق هرمز.

تتنافى هذه التطورات مع ما يعتقده الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن التهديدات الإيرانية ليست أكثر من “الرقصة الأخيرة للطائر المذبوح”!

إحدى وسائل الإعلام الخليجية كانت نسبت قبل يومين إلى “مسؤول عسكري إيراني رفيع” قوله: “إذا ارتكبت واشنطن خطأ استراتيجيا فإن مضيقا آخر سوف يكون في وضع مماثل لمضيق هرمز”.

المسؤول الإيراني “الرفيع” هذا لم يوضح طبيعة “الخطأ الاستراتيجي” الذي يعنيه، لكنه لا شك يقصد بالمضيق الآخر مضيق باب المندب جنوب البحر الأحمر الواقع في مرمى صواريخ ومسيرات ميليشيات الحوثيين المتحالفة مع طهران حيث تردد أن الجماعة وضعتها على أهبة الاستعداد إلى جانب دفاعاتها الجوية في المرتفعات والسهول الواقعة في مناطق سيطرتها شمال غرب اليمن.
مهمة “جيرالد فورد”

يرى محللون عسكريون وخبراء استراتيجيون أن مهمة هذه المنصة القتالية الضاربة لن تخرج عن أمرين رئيسين اثنين: أحدهما تأمين مزيد من الدعم والحماية لكل من حاملتي الطائرات “إبراهام لينكولن” المرابطة في المحيط الهندي بالقرب من بحر العرب خلال ما تبقى من مهامها العسكرية الجارية مع إيران و”يو إس إس جورج بوش” المقرر أن تتموضع قريبا في مياه البحر المتوسط بحسب بيانات البحرية الأميركية.

وثانيهما، في رأي أولئك المحللين والخبراء تأتي تحسبا لمرحلة ما بعد انتهاء الحرب في مهمة أخرى تالية قد تتجاوز إيران إلى إعادة بناء وترتيب الوضع الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط بوجه عام في ضوء نتائج هذه الحملة الجوية الواسعة النطاق التي شملت كذلك هجوم إسرائيل على قواعد “حزب الله” في جنوب لبنان، وما سبق ذلك من نتائج الحرب الإسرائيلية على حركة “حماس” الفلسطينية في قطاع غزة.

وتصف البحرية الأميركية حاملة الطائرات هذه التي استغرق بناؤها 12 عاما من التخطيط والعمل، بأنها “أعجوبة تكنولوجية” وأكبر قاعدة حربية عائمة في العالم، إذ يبلغ طولها نحو 333 مترا، بينما يصل عرضها إلى 40.8 مترا، أي إن طول سطح مدرج إقلاع المقاتلات الحربية منها بحدود 78 مترا، أما وزنها عند شحن حمولتها كاملة فيبلغ نحو 100 ألف طن.

هذا بينما يعتقد البعض أنه ربما يكون ضمن (أو) في ذيل قائمة مهمة الحاملة النووية “جيرالد فورد” التصدي لأي مغامرة جديدة لمساندة طهران قد يقدم عليها المتمردون الحوثيون الموالون لإيران.

ما يعزز هذا الاعتقاد هو تهديد زعيم ميليشيا الحوثيين، عبدالملك الحوثي، مساء الخميس الماضي، بأن جماعته قد تتدخل عسكريا في أي لحظة نتيجة الحرب على إيران، قائلا إن “أصابعنا على الزناد”.

الحوثي قال في كلمة مصورة بثتها قناة “المسيرة” الفضائية التابعة للجماعة: “نحن نتحرك في مختلف الأنشطة وأيدينا على الزناد فيما يتعلق بالتصعيد، والتحرك العسكري في أي لحظة تقتضي التطورات ذلك، ونحن نعتبر المعركة معركة الأمة بكلها”.

ويعتقد مراقبون يمنيون وعرب أن الحوثيين “لم يستوعبوا حتى الآن الدرس والعبرة” مما جرى ويجري في إيران ولبنان، وأنهم الآن بانتظار الضوء الأخضر من القيادة المؤقتة في طهران للمشاركة في هذه الحرب.
ما سيناريوهات مشاركة الحوثي؟

مع قدوم “جيرالد فورد” القوة الأميركية الضاربة إلى البحر الأحمر يفترض أن الحوثي بات يدرك أنه سوف يكون الهدف الثاني للولايات المتحدة وإسرائيل بعد إيران و”حزب الله” اللبناني، وربما قبل العراق الذي بادرت فصائله الشيعية الموالية لطهران باستهداف القواعد والمصالح الأميركية هناك، ولا بد أن المواجهة اليوم سوف تكون أكثر خطورة وصعوبة سيما أن قواعد الاشتباك اختلفت هذه المرة.

لكن من المتوقع أن الحوثيين، رغم استكانتهم حتى الآن، قد يتعامون عن إدراك ذلك ويخاطرون مرة أخرى للعبث بأمن البحر الأحمر الذي كان بمثابة المربع المريح لهم لتهديد أمن الملاحة الدولية، أي إنهم قد يجازفون بإطلاق ما بقي متاحا في مستودعاتهم من صواريخ ومسيرات إيرانية تعد في الأساس سلاحا مملوكا لإيران احتفظت به في مناطق سيطرتهم بإشراف مباشر من قبل خبرائها ونظرائهم من “حزب الله” اللبناني.
حدود وطبيعة المجازفة

‏يؤكد تقرير لمركز “المخاء” اليمني للدراسات أن الحوثيين باتوا خلال العامين الماضيين الذراع الأكثر “استقلالية” في المحور الإيراني ليس فقط بسبب بعدهم الجغرافي عن إسرائيل، ولكن أيضا لقدرتهم على “المناورة”، لكن التقرير يرى أن مقتل “المرشد الأعلى” لإيران علي خامنئي يعد بمثابة “غياب للبوصلة الاستراتيجية التي كان يمثلها”، ما قد يجعل تحركات الحوثيين القادمة أكثر “عشوائية” أو “انتحارية”، وذلك اعتمادا على الجناح المسيطر داخل الجماعة في اللحظات الحاسمة.

‏لكن ثمة من يشكك في احتمال انخراط ميليشيا الحوثيين في الحرب، بل ويقلل من أهمية العلاقة بين إيران والحوثيين، ويعتقد الخبير اللبناني في الشؤون العسكرية والتسلح رياض قهوجي ‏أن تلك العلاقة كانت مجرد “زواج مصلحة” أي إن الحوثيين استفادوا من الدعم العسكري واللوجستي والخبرة والتدريب من قبل إيران في تعزيز سلطاتهم على مناطق سيطرتهم في اليمن، لكن الحوثي ربما يكون الآن بصدد مراجعة هذه العلاقة في ضوء انعكاسات هذه الحرب على مستقبل إيران.

يجانب الصوابَ كثيرٌ من المهتمين بالشأن اليمني في الاعتقاد بأن “العلاقة الروحية بين إيران و(حزب الله) اللبناني أقوى مما كانت عليه مع الحوثيين”، فالحوثيون بدوا كأنهم ابنٌ بالتبني لخامنئي و”حرسه الثوري”.

ربما كان الحوثيون يتمتعون بنوع من الأريحية في خدمة الأجندة الإيرانية بحكم عدم وقوع مناطق سيطرتهم على التماس جغرافياً مع إسرائيل بخلاف حال “حزب الله”، لكنهم من الناحية الروحية لم يكونوا أقل من “الحزب” في علاقتهم بـ”المرشد” الإيراني الأعلى وذراعه العسكرية المتمثلة في “الحرس الثوري”، ويكفي أن نستعيد تلك المشاهد الغريبة للمظاهرات التي حشدها الحوثيون في شوارع صنعاء لتأييد إيران وكيف رفعت خلالها أعلام إيران وصور الخميني وخامنئي وقائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري” قاسم سليماني وكذلك صور زعيم “حزب الله” اللبناني الراحل حسن نصرالله.

وفي التحليل النهائي لكل المعطيات السالف ذكرها فإن حاملة الطائرات “جيرالد فورد” والمجموعات القتالية التابعة لها لم تأت إلى مياه البحر الأحمر المضطربة بقصد “النزهة” أو لمجرد التحوط من شيء محتمل الحدوث من قبل الحوثيين خلال الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران بل لهدف تال أثناء أو بعد هذه الحرب ويتمثل في بتر دابر العلاقة بين إيران وذراعها الحوثية الأخيرة في ما عرف بـ”محور المقاومة”.

كلٌ من واشنطن وتل أبيب لا شك تتذكران انخراط الحوثيين في حرب ضد إسرائيل وضد خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن منذ نهاية 2023 حتى أكتوبر/تشرين الأول 2025، وتدركان أن كل الهجمات التي استهدفت في المقابل مناطق سيطرة ميليشياتهم لم ولن تكون كافية لدرء الخطر الذي يمثلونه على الأمن والسلم العالميين في منطقة جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وتعلمان أنهما أمام فرصة لإنهاء هذا الخطر، فما لم يتم وضع نهاية له الآن فقد لا تكون هناك فرصةٌ أخرى في المستقبل.

المجلة


معجزتان: إيرانية وسورية/ إسلام أبو شكير
مارس 16, 2026
تحتفظ الذاكرة التاريخيّة بردٍّ شهير للخميني على المطالبات بتحسين الوضع المعيشيّ في بدايات الثورة في إيران، حين قال: “لقد قمنا بالثورة من أجل الإسلام، لا لكي نجعل سعر البطّيخ رخيصاً”. تختصر هذه العبارة مأزق النظام الإيرانيّ كلّه، فهي تحمل استخفافاً متعمّداً بمتطلّبات البناء والتنمية، لكنّها قبل ذلك تكشف عن هوس بنشر الإيديولوجيا، والانتقال بالحلم الإيرانيّ من بعده الوطنيّ الداخليّ ليكون حلماً عدوانيّاً يتطلّع إلى التهام ما حوله.

في مطلع عام 1979 كان العالم يراقب بذهول مشهداً يتجاوز حدود التوقّعات: نظام الشاه محمّد رضا بهلوي الذي كان يومها شرطيّ المنطقة، وصاحب خامس أقوى جيش في العالم، يتهاوى أمام أمواج بشريّة اجتاحت إيران من أقصاها إلى أقصاها. وُصف هذا التحوّل بأنّه معجزة، ذلك أنّ البنية الداخليّة لنظام الشاه القائمة على قبضة أمنيّة حديديّة (السافاك)، وتحالفاته الدوليّة العميقة مع القوى العظمى، جعلت من زواله فكرةً مجنونةً لا يمكن تصديقها.

لكنّ المعجزات في السياسة تتحقّق، والتاريخ يقدّم قصصاً تؤكّد أنّ حركته ليست مرتبطة على الدوام بحسابات وأرقام وإحصاءات، بل بعوامل معقّدة يصعب التقاطها والبناء عليها.

لقد كان الصدع أعمق ممّا تخيّله الكثيرون بين حداثة سطحيّة طالما تفاخر الشاه بها، وقدّم نفسه إلى العالم عبرها، وظلم اجتماعيّ وصل حدوده القصوى، وكان هذا الصدع أحد أهمّ العوامل التي تفسّر الانهيار السريع للنظام، وانتقال الحلم الإيرانيّ من خانة الأحلام المستحيلة إلى خانة الأمر الواقع.

وكان ذلك فرصة استثنائيّة أمام الإيرانيّين لبناء مجتمعهم، والاتّجاه نحو بناء دولة الرفاه والقانون، وتسخير موارد النفط والذكاء البشريّ لاستعادة البلد بوصفه فضاء للتنمية والنهضة الوطنيّة.

غير أنّ الطاقة الحالمة التي غذّت الثورة في إيران، ومنحتها الدفعة الأولى، سرعان ما انحرفت عن مسارها الطبيعيّ.

فبدلاً من أن تتحوّل موارد البلد إلى أرغفة خبز ومستشفيات وجامعات ومساكن كريمة وخدمات مناسبة تليق بطموح الشعب الثائر، جرى تحويلها إلى وقود لآلة تصدير الثورة، وأخذت ملامح الدولة الوطنيّة تتآكل لصالح المشروع المذهبيّ العابر للحدود.

يقول الخميني في تصريح يؤصّل لهذا التوجّه: “نحن لا نهدف من وراء ثورتنا الوصول إلى السلطة في إيران فحسب، بل إنّ ثورتنا هي نقطة الانطلاق لثورة الإسلام الكبرى في العالم أجمع”، كما أنّ الدستور الإيراني نصّ صراحة على دعم “المستضعفين ضدّ المستكبرين في أيّة نقطة من العالم”.

من هنا بدأت طاقة الحلم تأخذ طابعاً عدوانيّاً تجاه الجغرافيا القريبة والبعيدة، وأخذ النظام يستثمر في إنشاء الميليشيات وزعزعة استقرار كثير من الدول، وبذلك تجاوزت الثورة حجمها الطبيعيّ، ولم تعد إيران هي الوطن الذي يجب إعماره، بل أصبحت منصّة صواريخ باليستيّة وفرط صوتيّة تستهدف العالم كلّه، أو جزءاً كبيراً منه على الأقلّ.

أزمة النظام الإيرانيّ بدأت منذ اللحظة التي استخفّ فيها الخميني بسعر البطّيخ، مقدّماً عليه حجم الرعب والقلق والاضطراب الذي يخلقه من حوله كمقياس للنجاح، فكلّما تصاعدت أعمدة الدخان في مدن الخليج وأربيل وأذربيجان وتركيا، وكلما اشتدّ ازدحام السفن المهدّدة عند مضيق هرمز، وكلّما زادت غزارة الدم المسفوك في سوريا ولبنان والعراق واليمن، كان ذلك دليلاً على انتصار المشروع، وشاهداً على مزيد من النجاحات التي تسجّل له.

إنّ النظام الإيرانيّ يقدّم بسلوكه هذا نموذجاً لفكر سياسيّ منحرف يحفل التاريخ بأمثلة لا حصر لها، لا على خطورته على من حوله فقط، بل على ذاته أيضاً وقبل كلّ شيء، الأمر الذي نعيش وقائعه هذه الأيّام من خلال موجة الدمار التي اجتاحت إيران، وما سيليها من موجات قد لا تكون عسكريّة مباشرة، بل اقتصاديّة تخنقها ببطء مؤلم، أو سياسيّة تعزلها عن العالم، أو اجتماعيّة تصيب البنية من الداخل.

لكنّ الأهمّ من ذلك بالنسبة لنا هو الدرس الذي ينبغي التوقّف عنده سوريّاً، لا سيّما أنّنا نعيش لحظة انعطاف جذريّ تشبه اللحظة التي عاشها الإيرانيّون مع سقوط نظام الشاه.

الدرس الإيرانيّ هو تحذير استراتيجيّ من خطورة تحويل البلد إلى منصّة لقضايا كبرى على حساب الخبز والكرامة والبيت الداخليّ. فأيّ مشروع يتجاوز حدود الجغرافيا الوطنيّة، سواء أكان دينيّاً، أو قوميّاً، أو إيديولوجيّاً حزبيّاً، هو استنزاف للطاقة، وتبذير لفرص عظيمة متاحة للتنمية والنهوض.

لقد استنزف نظام الأسدين (الأب والابن) موارد هائلة في محاولة لعب دور اللاعب الإقليمي، أو قلب العروبة النابض، أو جبهة الصمود، أو رأس الحربة الممانع… والنتيجة كانت جسداً محطّماً سياسيّاً واقتصاديّاً واجتماعيّاً..

عقودٌ من العزلة والحرمان عاشها الإنسان السوريّ، (والإيرانيّ بطبيعة الحال)، ودم، وخراب، وعبوديّة، وقهر، وفقر.. كلّ ذلك باسم شعارات مجرّدة فارغة، وأفكار أنانيّة ضيّقة، وتطلّعات مريضة نحو إثبات الحضور عبر الاستعراض والمتاجرة الرخيصة بالقيم.. وقد حان الوقت للتخلّص منها، والالتفات إلى الإنسان بوصفه كياناً من لحم ودم، له الحقّ في أن يعيش حياته في حدّ أدنى من الحرّيّة والكرامة.

والخلاصة:

إذا كان حدث 11 فبراير 1979 معجزة إيرانيّة، فإنّ حدث 8 ديسمبر 2024 معجزة سوريّة لا تقل أهّميّة ولا تأثيراً عنها. غير أنّ معجزة إيران انتهت بانقلابها على ذاتها، وتحوّلها إلى عبء على الإيرانيّين أنفسهم، فيما يُنتظَر من المعجزة السوريّة أن تكون النموذج الجاذب المنفتح على المستقبل، والذي يقدّم نفسه إلى العالم عبر السلام والتنمية وكرامة الإنسان وفرص النموّ ووفرة البطّيخ والبرتقال والتين والزيتون، دون الحاجة إلى إرسال صواريخ تضرب أبوظبي ودبي أو الكويت أو المنامة أو الرياض أو مسقط، أو دون ادّعاء الرغبة في إصلاح العالم وإنقاذه..

الثورة السورية


خمسة مظاهر للحرب في طهران، أمیر دبیری مهر
16 أذار 2026
مرّ 16 يوماً على الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيران، ولا يلوح في الأفق أي مؤشرٍ واضح على توقف هذه المواجهة. ويتحدث أطراف هذه الحرب باستمرارٍ عن انتصارهم، ولا يبدو أنهم في وارد التراجع عن نهجهم التصعيدي.

وتقول الولايات المتحدة إنها استهدفت القوات البحرية الإيرانية وضربت ستة آلاف هدفٍ عسكري. كما أعلن رئيسها دونالد ترامب أنّ الجيش الأميركي دمّر، في آخر هجومٍ واسع النطاق، أهدافاً عسكرية في جزيرة خرج – باستثناء المنشآت النفطية – وهي الجزيرة التي يُصدَّر منها نحو 90٪ من نفط إيران.

في الوقت نفسه ركّزت إسرائيل معظم هجماتها على طهران. ورغم أنّ عدد هذه الضربات قد تراجع في الأيام الأخيرة، فإنها لا تزال مستمرة. كما تواصل إيران إطلاق الصواريخ نحو الأراضي المحتلة والقواعد الأميركية في الدول العربية، فيما يؤكد الأطراف الثلاثة المتحاربة أنهم سيكثفون هجماتهم في الأيام المقبلة.

لكن ما يجري في العاصمة طهران، التي تعرضت لأكبر الضربات الجوية وأكثرها تأثيراً، يقدّم صورةً لافتة ومثيرة للاهتمام. فالمدينة التي يبلغ عدد سكانها العائم نحو 15 مليون شخص، كانت دائماً مدينةً مزدحمة بالحركة والازدحام، نابضةً بالحياة والعمل والنشاط. لكنها تعيش الآن أياماً غير مألوفة، وباتت تعكس حال إيران كلها، التي يبلغ عدد سكانها نحو 90 مليوناً.

وفي هذا التقرير نستعرض خمسة مظاهر من الحياة في طهران في ظل الحرب:

1- الإنترنت واتصال الإيرانيين بالعالم
انقطع الإنترنت في إيران منذ بداية الحرب، ولا تعمل إلا شبكات التواصل المحلية ذات الإمكانات المحدودة والجودة المتواضعة، مثل تطبيقي “بله” (Bale) و”إيتا” (Eita)، وحتى البحث في “غوغل” لم يعد ممكناً، كما يتعذر تثبيت التطبيقات أو تحديثها.

وقد أثار هذا الوضع غضباً واسعاً بين المواطنين، إذ يحاول الجميع، بشتى الوسائل، الوصول إلى الإنترنت عبر خدمات الـVPN أو أدواتٍ تجاوز الحجب (Proxy). ويزداد استياء الناس عندما يرون أن مسؤولي الجمهورية الإسلامية وبعض مؤيدي النظام ما زالوا يتمتعون بإمكان الوصول إلى الإنترنت ويكتبون تغريداتٍ تؤيد استمرار الحرب وتهاجم الولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية.

ويقول كثيرون من المواطنين إن قطع الإنترنت لم يقتصر على إلحاق خسائر كبيرة بالاقتصاد ووضع المجتمع في حالة من انعدام المعلومات فحسب، بل يشكّل أيضاً نوعاً من الحصار الإعلامي وتعطيلاً للرأي العام، بما يمنع الناس من نقل حقائق هذه الحرب المدمّرة إلى العالم وإلى دعاة السلام، وخصوصاً الأضرار التي تلحق بالمدنيين وبالموارد الوطنية.

في المقابل، يقول المسؤولون الإيرانيون إن قطع الإنترنت إجراء ضروري، لأن إسرائيل قد تكون أكثر قدرة على تنفيذ هجماتها إذا عاد الاتصال بالإنترنت. وفي الحرب التي استمرت 12 يوماً في حزيران/يونيو الماضي، وكذلك خلال قطع الإنترنت لمدة 20 يوماً قبل شهرين إثر الاحتجاجات، لم يُظهر المسؤولون اهتماماً يُذكر بالانتقادات والاعتراضات على هذه السياسة.

2- انقطاع الاتصالات والتشويش على القنوات الفضائية
لا يقتصر انقطاع الاتصالات في إيران على الإنترنت فقط. فمنذ بداية الحرب تتعمّد المؤسسات العسكرية والأمنية التشويش على القنوات الفضائية الناطقة بالفارسية.

ويتركّز القدر الأكبر من هذا التشويش على قناة “إيران إنترناشونال”، التي تغطي أخبار الحرب تحت عنوان العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية الداعمة للشعب الإيراني.

وتتبنى هذه القناة موقفاً واضحاً ضد الجمهورية الإسلامية وتدعم الهجمات الأميركية والإسرائيلية، الأمر الذي يدفع كثيرين إلى اتهامها بالخيانة، رغم امتلاكها جمهوراً واسعاً. كما تشهد إيران ما يمكن وصفها بأنها “حرب الترددات”، إذ تشن الحكومة هجماتٍ إلكترونية على ترددات هذه القناة، بينما يحاول المواطنون يومياً ضبط تردداتٍ جديدة لمتابعة أخبار الحرب.

كذلك، تتعرض قناتان أخريان للتشويش الإلكتروني من الجمهورية الإسلامية، هما “بي بي سي فارسي” و”صوت أميركا”. غير أن قلق السلطات الإيرانية من “إيران إنترناشونال” يبدو أكبر بكثير، إلى درجة أن الأجهزة الأمنية في طهران أعلنت أن أي شخص يرسل صوراً أو معلومات إلى هذه القناة أو يتعاون معها سيُعامل باعتباره جاسوساً لإسرائيل.

3- ليالٍ غير مسبوقة في طهران
تشهد طهران ليالي هادئةً على نحو غير مسبوق. فقد تراجعت الحركة مساءً بشكل ملحوظ خوفاً من الهجمات الإسرائيلية. وتحاول قوات الحرس الثوري والباسيج، عبر إقامة نقاط تفتيش، الحد من احتمال نقل الأسلحة بين الجماعات المعارضة للنظام.

لكن منذ بضع ليالٍ، وبعد أن تعرض بعض هذه النقاط لهجماتٍ بطائرات مسيّرة إسرائيلية قُتل خلالها عدد من عناصر الباسيج، انخفض عدد نقاط التفتيش. وأصبحت تلك القوات تحاول العمل في الشوارع المظلمة لتفادي رصدها من الطائرات المسيّرة الإسرائيلية.

ويبدو أن قلق الجمهورية الإسلامية من احتمال عودة الاحتجاجات الداخلية بالتزامن مع الحرب يفوق قلقها من المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولهذا لا تزال نقاط التفتيش منتشرة في أنحاء طهران.
من جهته، دعا رضا بهلوي، نجل الشاه الإيراني المخلوع، المواطنين إلى البقاء في منازلهم إلى حين صدور دعوة عامة للنزول إلى الشوارع. لكنه أعلن السبت أن بعض القوات المسلحة التابعة له، والتي يطلق عليها اسم “الحرس الخالد” (الحرس جاويدان)، قد تبدأ قريباً بعملياتٍ ضد القوات الأمنية والعسكرية.

في المقابل وصف الحرس الثوري المعارضين الداخليين بأنهم “داعشيون جدد”، وأعلن أنه سيقمع بشدة أي تحركٍ مسلح داخل البلاد. بل إن بعض أنصار النظام يطالبون بقتل هؤلاء المعارضين في الشوارع، وإذا اعتُقلوا “يجب إعدامهم ومصادرة ممتلكاتهم”.

وتشير هذه المواقف إلى أن أياماً خطيرة قد تكون بانتظار طهران، فيما يخشى كثيرون من المواطنين، رغم استيائهم من الوضع القائم، من احتمال انزلاق البلاد إلى حربٍ أهلية وسفك دماء.

4- الوضع الاقتصادي في طهران
تعيش طهران شبه شلل اقتصادي. فالمؤسسات الحكومية تعمل بنحو 20٪ فقط من طاقتها، وحتى البنوك لا تقدّم خدماتها إلا عبر عددٍ محدود من الفروع ولساعاتٍ محدودات.

كذلك، تعرضت تطبيقات مصرفين حكوميين، “بنك سپه” و”بنك ملي”، لهجماتٍ سيبرانية أدت إلى خروجهما عن الخدمة. وتكمن أهمية هذين المصرفين في أن حسابات القوات المسلحة موجودة في “بنك سپه”، بينما تتركز الحسابات الحكومية في “بنك ملي”.

ومع ذلك لا تزال شبكة إمداد المواد الغذائية وتوزيعها تعمل بشكلٍ جيد في طهران، ولا يوجد نقص في السلع الأساسية. كما أن عدداً كبيراً من سكان طهران غادروا إلى مدنٍ أخرى لتجنب مخاطر الضربات الجوية.

وفي الليل لا يزال عدد محدود من المقاهي والمطاعم مفتوحاً، مع عددٍ قليل من الزبائن. فبعد 16 يوماً من البقاء في المنازل بدأ بعض الناس، ولاسيما منهم الشباب، يترددون على المقاهي للقاء أصدقائهم والحديث عن الحرب والمستقبل. أما خلال النهار، فقد شهدت الحركة والنشاط الاقتصادي بعض الانتعاش مقارنةً بالأسبوع السابق.

5- رمضان ونوروز تحت ظل الحرب
المظهر الأخير من مظاهر الحياة في طهران في ظل الحرب، هو تأثيرها الكبير على تقليدين مهمين: أحدهما ديني والآخر وطني: شهر رمضان واقتراب عيد نوروز.

هذا العام، للمرة الأولى، تأثر شهر رمضان وحتى ليالي القدر بشكل كامل بأجواء الحرب. فلم تعد هناك موائد إفطار ٍعائلية أو عامة في المطاعم كما في السابق، وأصبح اهتمام الصائمين في ساعات الليل المتأخرة منصرفاً أكثر إلى احتمال القصف وتحذيرات وسائل الإعلام، بدلاً من الانشغال بالعبادة وقراءة القرآن.

أما بالنسبة الى عيد نوروز، فلطالما كانت هذه الأيام في إيران مليئةً بالحركة والاستعدادات لبدء عطلة العام الجديد والاحتفال بالعيد. لكن هذا العام لا تبدو طهران إطلاقاً مدينةً تستعد لاستقبال عامٍ جديد. فقد كسدت الأعمال المرتبطة بموسم العيد، والأسواق التي كانت تشهد عادةً ذروة نشاطها في الأسابيع الأخيرة من السنة تكاد أن تخلو من الحركة هذا العام.

وحتى لو توقفت الحرب غداً، فإن تعويض هذه الخسائر لن يكون أمراً سهلاً.

في الخلاصة، يعيش الإيرانيون – ولا سيما منهم سكان طهران – لحظةً تاريخية غامضةً ومفتوحة على احتمالاتٍ متعددة. فبعد 16 يوماً من الحرب لا أحد يعرف إلى أين تتجه الأمور، هل ستتوقف المواجهة قريباً أم أنها مرشحة للاستمرار والتصعيد؟ وهل ستبقى هذه الحرب في إطارها العسكري الحالي أم ستفضي إلى تحوّلات سياسيةٍ داخلية أعمق؟

وتبقى أسئلة كثيرة معلّقة حول قدرة الجمهورية الإسلامية على الصمود أمام الضربات الأميركية والإسرائيلية، وعما إذا كانت مرحلة ما بعد الحرب ستقود إلى مزيدٍ من التشدد والراديكالية في النظام، أم إلى إصلاحاتٍ سياسية واقتصاديةٍ جوهرية.

وفوق كل ذلك يظل السؤال الأكبر متعلقاً بمستقبل إيران نفسها: كيف ستتعامل البلاد مع الخسائر الهائلة التي خلّفتها الحرب، وما هو المسار الذي سيسلكه الاقتصاد الإيراني في ظل وضعٍ اقتصادي كان يعاني أصلاً قبل اندلاع هذه المواجهة؟

هذه أسئلة كبرى لا تزال بلا إجابات واضحة.
النهار العربي


خامنئي يرسخ القيادة العسكرية ولاريجاني ينتقد العالم الإسلامي
الاثنين 2026/03/16
أصدر المرشد الإيراني مجتبى خامنئي قراراً بتعين القيادي في الحرس الثوري محسن رضائي مستشاراً عسكرياً له، في خطوة تعكس تعزيز الطابع الأمني والعسكري لهيكلية صنع القرار في طهران خلال المرحلة الحالية.

وأكد استمرار عمل المسؤولين الذين عيّنهم القائد السابق علي خامنئي، مشدداً على أنهم سيواصلون مهامهم من دون الحاجة إلى إصدار قرارات جديدة، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها تهدف إلى الحفاظ على استمرارية مؤسسات الحكم في ظل التصعيد العسكري والسياسي الذي تواجهه إيران.

لاريجاني ينتقد صمت الدول الإسلامية

بدوره، نشر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني رسالة عبر حسابه في منصة “إكس”، قال إنها موجهة إلى المسلمين في أنحاء العالم وإلى حكومات الدول الإسلامية، منتقداً ما وصفه بغياب الدعم لإيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

واعتبر لاريجاني أن إيران تعرضت لـ”عدوان أميركي صهيوني مخادع وقع أثناء المفاوضات وكان الهدف منه تفكيك إيران”، على حد تعبيره، مضيفاً أن “أي دولة إسلامية لم تقف إلى جانب الشعب الإيراني، باستثناء حالات نادرة وفي حدود المواقف السياسية فقط”.

وأشار إلى أن الشعب الإيراني “تمكن بإرادته من قمع العدو حتى بات عاجزاً عن إيجاد مخرج من المأزق الاستراتيجي”، مؤكداً أن طهران “ماضية في طريق المقاومة ومواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل”.

كما انتقد لاريجاني بعض الدول الإسلامية التي اعتبرت إيران “عدواً لها” بسبب استهدافها قواعد ومصالح أميركية وإسرائيلية على أراضي تلك الدول، متسائلاً: “هل يُطلب من إيران أن تقف مكتوفة الأيدي بينما تُستخدم القواعد الأميركية في هذه البلدان للاعتداء عليها؟”.

وختم رسالته بالقول إن الولايات المتحدة “لا يمكن الوثوق بها”، وإن إسرائيل “عدو للمنطقة”، داعياً في الوقت نفسه إلى تعزيز وحدة الدول الإسلامية باعتبارها، وفق تعبيره، الطريق لضمان الأمن والتقدم والاستقلال.

عراقجي: مئات المدنيين قُتلوا

من جهته، اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بعض “الدول المجاورة” التي تستضيف القوات الأميركية بالسماح باستخدام أراضيها لشن هجمات على إيران.

وقال عراقجي، في منشور عبر منصة “إكس”، إن تلك الدول “تشجع بنشاط على قتل الإيرانيين”، مضيفاً أن مئات المدنيين الإيرانيين قُتلوا في غارات جوية إسرائيلية أميركية، بينهم أكثر من 200 طفل.

وشدد على ضرورة توضيح مواقف هذه الدول “على الفور”، في إشارة إلى مطالبة طهران بحسم المواقف الإقليمية من التصعيد العسكري الجاري.

الحرس الثوري يعلن موجة صاروخية جديدة

وفي السياق العسكري، أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ الموجة السادسة والخمسين من عملية “الوعد الصادق”، مؤكداً أنها استهدفت مواقع عدة، من بينها مستودع “رفائيل” للصواريخ الاستراتيجية.

وأوضح أن الموجة الأخيرة استخدمت فيها صواريخ ثقيلة من طراز خرمشهر وعماد وقدر، مشيراً إلى أن الضربات استهدفت مواقع في الأراضي الإسرائيلية إضافة إلى أهداف في أربيل وقاعدة العديد في قطر.

وتعكس هذه التصريحات المتتالية من المسؤولين الإيرانيين تصعيداً في الخطاب السياسي والعسكري، بالتوازي مع استمرار المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وسط دعوات إيرانية للدول الإسلامية لاتخاذ موقف واضح من هذا الصراع.


من يقود إيران؟… مصادر ترسم لـ«الشرق الأوسط» خريطة حلقة المرشد الجديد
أكدت أن «شعور النظام بالإنهاك» شرط للتقدم نحو وقف النار… وتوقعت «نتيجة عكسية» لاستهداف المدنيين في الخليج
لندن: «الشرق الأوسط»
16 مارس 2026 م
رسمت مصادر دبلوماسية غربية لـ«الشرق الأوسط» خريطة الحلقة الضيقة المحيطة بالمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي. وأكدت أن أي بحث جدي في وقف إطلاق النار الكامل في حرب إيران الدائرة حالياً لن يبدأ فعلياً قبل شعور هذه الحلقة بأن بلاده أنهكت عسكرياً، وأن إطالة الحرب ستعمق مأزقها.

وقالت المصادر إن الحديث عن المرشد الجديد وكأنه طارئ على حلقة صناعة القرار «ليس صحيحاً، فهو كان منخرطاً في عملية صنع القرار في مكتب والده المرشد الراحل علي خامنئي، وله علاقات واسعة بأوساط القيادة العسكرية، خصوصاً في الحرس الثوري».

ولفتت إلى أن محسن رضائي الذي عينه مجتبى في منصب كبير مستشاريه العسكريين هو صاحب دور بارز. فرضائي الذي يوصف بأنه «رجل الحرب» يتردد أيضاً أنه كان من نصح الخميني بتجرع سم وقف إطلاق النار مع العراق بعدما شعرت القوات الإيرانية بالإنهاك.

وفصّلت المصادر الحلقة الضيقة حول المرشد الجديد، مشيرة إلى أن «الدور الأبرز» في الحلقة حالياً هو لرئيس البرلمان القيادي السابق في «الحرس» محمد باقر قاليباف الذي قاد البلاد في حرب الـ12 يوماً، وإن كان دور علي لاريجاني الأمين العام لمجلس الأمن القومي أكثر ظهوراً في الإعلام.

ثم يأتي دور الجنرال أحمد وحيدي قائد «الحرس الثوري» الذي كان وزيراً في عهدي إبراهيم رئيسي، وأحمدي نجاد، وكان أيضاً أول قائد لـ«فيلق القدس». ويمكن إضافة أدوار الجنرال رحيم صفوي كبير المستشارين في عهد خامنئي الأب، والجنرال علي عبد اللهي قائد العمليات في هيئة الأركان.

كما تضم حلقة أصحاب الأدوار المؤثرة الجنرال مجيد موسوي قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس»، واللواء علي رضا تنكسيري قائد الوحدة البحرية في «الحرس».

وسجلت المصادر أن النظام الإيراني نجح رغم الضربات القوية التي تلقاها حتى الآن في الحيلولة دون أي تفكك في الهرم التسلسلي لآلته العسكرية، والقيادية. وأظهرت التطورات أن القيادة العسكرية الإيرانية أعدت سلفاً خطة «لجعل أي حرب عليها باهظة التكاليف للمنطقة، وللاقتصاد العالمي».

ولاحظت أن تدفيع المنطقة والعالم ثمن الحرب يرتكز على نقطتين؛ الأولى: «إغراق دول الخليج في جو الحرب عبر الصواريخ والمسيرات بذريعة استهداف الوجود الأميركي»، والثانية: «إثارة اضطراب واسع أو كامل في حركة عبور السفن عبر مضيق هرمز».

وأكدت المصادر أن النظام الإيراني يراهن على «قصر نفس» ترمب في الحرب، خصوصاً في ضوء ارتفاع أسعار النفط، وتطلع طهران إلى تقريبها من حافة 200 دولار، واقتراب الانتخابات النصفية، وافتقار الحرب إلى تغطية شعبية واسعة.

وفي المقابل ترفع القوات الأميركية والإسرائيلية مستوى الضربات لإشعار الجانب الإيراني بحجم الدمار اللاحق بترسانته، ومصانعه الدفاعية، خصوصاً بعدما بدا أن فكرة إسقاط النظام تراجعت لمصلحة الإنهاك الذي «يمكن أن يؤدي إلى تراجع النظام عن سلوكه الانتحاري».

وقالت إن «المرشد الجديد قد يجد صعوبة في تقبل موقف مرن أو ضعيف في تجربته الأولى في عهده، لكن الشعور بأن الإنهاك قد يفتح باب الاضطرابات الداخلية، أو طرح مصير النظام نفسه سيجعل كبار العسكريين يستنتجون أن إنقاذ النظام يستحق تجرع قدر من السم».

وسجلت المصادر أن الصواريخ والمسيرات التي استهدفت دول مجلس التعاون الخليجي «قد تعود بنتائج عكسية تماماً، خصوصاً بعدما تركزت عملياً على أهداف مدنية».

وقالت إن «الرصيد الواسع لدول مجلس التعاون إقليمياً ودولياً قد يشكل في النهاية قاعدة لموقف دولي ضاغط على إيران من أجل وقف إطلاق النار، وهي ستكتشف بعده أن الحرب أعادتها سنوات إلى الوراء».


======================

تحديث 15 أذار 2026


سوريا.. “حياد إيجابي” لا يمنع المخاطر/ أمير حقوق | ركان الخضر | مجمد جفال

تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة من التصعيد غير المسبوق مع اتساع دائرة المواجهة العسكرية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وهو صراع لم يعد محصورًا في حدود الأطراف المتحاربة، بل باتت تداعياته تمتد إلى دول عدة في الإقليم.

وفي قلب هذه الجغرافيا المتوترة تقف سوريا، التي تجد نفسها مرة أخرى أمام تحديات مركبة تفرضها بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

ورغم أن دمشق تحاول تجنب الانخراط المباشر في هذا الصراع، فإن موقعها الجغرافي، وتشابك حدودها مع لبنان والعراق، إضافة إلى إرث سنوات طويلة من النفوذ الإقليمي والصراعات الداخلية، يجعلها عرضة لتداعيات أمنية وسياسية واقتصادية متزايدة.

عنب بلدي تناقش في هذا الملف، تداعيات الهجمات العسكرية بين إسرائيل وإيران على المشهد السوري من ثلاثة جوانب، أولها المشهد الأمني الذي يفرض عدة مخاطر أمنية، أما الثاني فيتناول المشهد السياسي السوري في خضم هذه التحولات، والتحرك السياسي للحكومة السورية وما ينتج عنه، وأخيرًا، التداعيات الاقتصادية في ظل اقتصاد لم يتعافَ بعد.
المخاطر الأمنية المترتبة على سوريا

لا تبدو الارتدادات الأمنية الناتجة عن المواجهة العسكرية التي اندلعت في الإقليم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بعيدة عن سوريا التي تتموضع في منتصف المواجهة بين الطرفين.

المواجهة العسكرية التي أحدثت اضطرابات أمنية في دول إقليمية عدة بالشرق الأوسط، لم تكن سوريا استثناء منها، فالطائرات الحربية الإسرائيلية تعبر الأجواء السورية، كما أن كثيرًا من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية تسقط في الأراضي السورية نتيجة اعتراضها من الدفاعات الإسرائيلية.

إلى جانب ذلك، تشكّل المجموعات المسلحة التابعة لإيران على الحدود السورية في لبنان والعراق ضغطًا أمنيًا إضافيًا على دمشق، الأمر الذي دفع الحكومة السورية لاتخاذ بعض الإجراءات لحماية نفسها من تداعيات الحرب الدائرة في الإقليم.

أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عملية “زئير الأسد” ضد إيران، لإزالة التهديد الوجودي الذي يشكّله ما وصفه بـ”النظام الإرهابي” بإيران، وذلك في 28 من شباط الماضي.

وأعلن الرئيس الأمريكي بدء “عمليات قتالية كبيرة” في إيران، موضحًا أن الهدف هو حماية الشعب الأمريكي من خلال القضاء على التهديدات الوشيكة التي يشكّلها النظام الإيراني.

إيران بدأت برد عسكري على الهجوم عليها، من خلال استهدافها عدة مواقع عسكرية في إسرائيل، والقواعد الأمريكية في دول الخليج.

إجراءات احترازية لضبط الحدود

عزز الجيش السوري انتشاره على الحدود مع لبنان والعراق، في خطوة قال إنها تهدف إلى مراقبة الأنشطة الحدودية ومكافحة التهريب، وسط التصعيد الإقليمي والغارات الإسرائيلية التي توسعت لتشمل لبنان، بعدما استأنف “حزب الله” اللبناني، في 2 من آذار الحالي، إطلاق الصواريخ على إسرائيل، التي ردت بغارات جوية على مناطق لبنانية متفرقة في الجنوب وضاحية بيروت والبقاع.

الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن عمار جلو، يرى أن المخاوف الأمنية السورية كبيرة من اختراق الحدود أو تموضع بعض الجماعات التابعة لإيران بالقرب من الحدود السورية، نظرًا إلى التكلفة الكبيرة على الدولة السورية من خلال ضربات جوية ستجد إسرائيل مبررًا لها حينها.

ونوه إلى تخوف آخر تمثل في احتمالية إعادة بناء جسر للإمداد اللوجستي والعسكري لـ”حزب الله” عبر الأراضي السورية، تضع سوريا في مكان لا ترغبه.

فالحكومة، بحسب تعبيره، انتهجت منهج الحياد بصفته الخيار الأفضل، لأن الحرب بين طرفين عدوين للحكومة السورية، مشيرًا إلى احتمالية دخول هذه الفصائل للجغرافيا السورية مستغلة الوضع الأمني الهش إلى الآن في حال توسع الحرب.

من جهته، يرى الباحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” معتز السيد، أن تكثيف الانتشار العسكري على الحدود، يأتي كإجراء احترازي في ظل التوتر الإقليمي، بهدف منع تسلل جماعات مسلحة قد تحاول استخدام الأراضي السورية كمنصة لمهاجمة إسرائيل، أو تسلل خلايا تابعة لـ”حزب الله” أو لبعض “الميليشيات” العراقية المرتبطة بإيران.

وبيّن السيد أن مثل هذه التحركات قد تجر سوريا إلى صراع لا ترغب بالانخراط فيه، لذلك تحاول دمشق ضبط حدودها بشكل أكبر ومنع أي نشاط عسكري غير منضبط.

الإجراء السوري يعتبر طبيعيًا لأي دولة في مثل هذه الظروف، حيث تسعى الحكومات عادة إلى تشديد الرقابة على الحدود خلال الأزمات الإقليمية لتفادي انتقال التوترات إلى داخل أراضيها، وفقًا للسيد.

أزمة نزوح تحمل أخطارًا أمنية

أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء طالت معظم جنوبي لبنان، ما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف، وارتفع عدد النازحين نتيجة المواجهة العسكرية بين إسرائيل و”حزب الله” إلى أكثر من 800 ألف شخص منذ بداية العمليات العسكرية في 2 من آذار الحالي حتى 12 من الشهر نفسه، بحسب وحدة إدارة مخاطر الكوارث التابعة للحكومة اللبنانية.

الأمر الذي يهدد بموجة نزوح كبيرة باتجاه الحدود السورية، خاصة في ظل وجود أكثر من مليون سوري داخل الأراضي اللبنانية، بالإضافة إلى أن سوريا تمثل المنفذ البري الوحيد للبنان إلى العالم الخارجي.

الباحث عمار جلو، أوضح أن الدولة السورية غير قادرة على إعادة اللاجئين السوريين سواء من حيث البنية التحتية والظروف الخدمية الضعيفة، والاحتمال الأخطر برأيه، يتمثل في إمكانية دخول بعض الأشخاص التابعين لـ”حزب الله” بين اللاجئين، بهدف إجراء عمليات وتنفيذ جسر بري عبر الأراضي السورية، الأمر الذي سيمس بأمن الدولة السورية ويخلط الأوراق على الساحة السورية من جديد.

بينما رجح الباحث معتز السيد، أن تتجه الحكومة السورية إلى تنظيم الدخول عبر المعابر الرسمية ومنع التهريب في حال حدوث أزمة نزوح من لبنان، مع توجيه النازحين نحو مناطق محددة لتجنب أي احتكاك مع السكان المحليين، نتيجة الحساسية الاجتماعية لدى بعض السوريين الذين يرون أن لبنان أساء سابقًا في تعامله مع اللاجئين السوريين، ما قد يخلق توترًا داخليًا إذا لم تتم إدارة الملف بحذر.

أهداف الحزب من استهداف سوريا

أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري، في 10 من آذار الحالي، عن سقوط قذائف مدفعية على الأراضي السورية قرب بلدة سرغايا غرب دمشق، أطلقت من الأراضي اللبنانية.

واتهمت هيئة العمليات في تصريح لوكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، “حزب الله” اللبناني بالوقوف وراء إطلاق القذائف باتجاه نقاط للجيش السوري قرب سرغايا.

وأضافت الهيئة أنها رصدت وصول تعزيزات لـ”حزب الله” إلى الحدود السورية- اللبنانية، مشيرة إلى أنها تقوم بمراقبة وتقييم الموقف، والتواصل مع الجيش اللبناني ودراسة الخيارات المناسبة للقيام “بما يلزم”، دون إيضاح هذه الخيارات.

وبيّنت هيئة العمليات أن الجيش السوري “لن يتساهل مع أي اعتداء يستهدف سوريا”.

وفي هذا السياق، يعتقد الباحث معتز السيد أن استهداف “حزب الله” اللبناني للأراضي السورية يمكن فهمه في سياق التصعيد العسكري الأخير بالمنطقة بعد أن شهدت المناطق التي تعرضت للقصف عملية عسكرية نفذتها القوات الإسرائيلية في سهل سرغايا، استهدفت مواقع مرتبطة بالحزب في الجانب اللبناني، مما دفع “حزب الله” لرد انتقامي داخل الأراضي السورية أكثر منه خطوة عسكرية محسوبة.

لكن في الوقت نفسه، قد يكون الهدف، وفق السيد، محاولة من الحزب لنقل جزء من التوتر إلى الساحة السورية، خاصة في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها في لبنان، مثل الاستهدافات الإسرائيلية المتكررة، ونزوح مئات الآلاف من جنوبي لبنان، إضافة إلى الأزمة السياسية بعد إعلان حظر أنشطته هناك، محاولًا نشر التوتر في مناطق جديدة لتخفيف الضغط عنه داخليًا أو إعادة خلط الأوراق في المشهد الإقليمي.

من جانبه، يرى الباحث عمار جلو، أن أهداف “حزب الله” من استهداف الأراضي السورية تتمثل على الأغلب في جس نبض الحكومة السورية في مسألة الحياد الذي اتخذته دمشق من الحرب الإقليمية، ومحاولة الوقوف على مدى جدية الدولة السورية في موقفها.

وأوضح جلو أن الهدف ربما يكون “عملية خبيثة” من الحزب لدفع الحكومة السورية للرد وخلط الأوراق في سوريا والإقليم ككل، معتبرًا أن أي عمل عسكري ضد الحزب قد يستدعي تدخلًا سوريًا في الأراضي اللبنانية، سيسهم في خلط الأوراق على الساحة اللبنانية ككل سواء على مستوى المؤيدين لـ”حزب الله” أو المعارضين له.

دخول دمشق في عملية عسكرية بلبنان سيكون شديد الحساسية، “نتيجة الذاكرة التاريخية السلبية من التدخل السوري أيام الحرب الأهلية، بحسب تعبير جلو، بالإضافة إلى احتمالية أن تكون الحكومة السورية ضحية لاصطفافات إقليمية ودولية في حال التدخل بلبنان”.
ردود محسوبة وخيارات ضيقة

قال الباحث معتز السيد، إن الرد السوري على “حزب الله” يبدو محسوبًا ومحدودًا حتى الآن، فقد قامت القوات السورية بالرد على مصادر النيران بشكل مباشر لاحتواء الحادثة ميدانيًا، وفي الوقت نفسه أجرت دمشق عدة اتصالات مع القيادات اللبنانية لمعالجة الموضوع عبر القنوات السياسية والأمنية، الأمر الذي يشير إلى أن سوريا لا ترغب في تصعيد الموقف.

واستبعد السيد أن تذهب سوريا نحو مواجهة أوسع، مرجحًا أن تكتفي الحكومة السورية بضبط الوضع ميدانيًا والتأكيد على عدم تكرار استخدام أراضيها في أي تصعيد عسكري قد يجرها إلى صراع لا تريده.

ممارسة الضغوط على لبنان

الباحث عمار جلو، يرى أن الخيارات المطروحة أمام دمشق ستقتصر على ممارسة الضغوط على الحكومة اللبنانية لمنع “حزب الله” من تكرار هذه التصرفات، الأمر الذي يجعلها خيارات ضيقة ومحدودة.

فالحكومة اللبنانية عاجزة أصلًا عن تحجيم “حزب الله”، ولو كانت قادرة على نزع سلاح الحزب لفعلت ذلك منذ زمن، بحسب جلو.

وأضاف الباحث خيارًا آخر أمام الحكومة السورية، يتمثل برأيه في التنسيق بشكل أكبر مع المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية لمنع هذه العمليات وممارسة جهود مشتركة لمواجهتها.

سياسيًا..
تجنب الانخراط بالصراع الإقليمي.. تعزيز الحضور بالمحيط العربي

مع تصاعد المواجهة بين طرفي الصراع، تحاول سوريا إدارة موقعها في بيئة إقليمية شديدة الحساسية، خاصة بعد التحول السياسي الكبير الذي شهدته البلاد مع سقوط نظام بشار الأسد في أواخر عام 2024، وتشكيل حكومة جديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع.

هذا التحول السياسي ترافق مع تغيير واضح في توجهات السياسة الخارجية السورية، إذ أنهت دمشق علاقاتها مع إيران، في مقابل تعزيز علاقاتها مع الدول العربية، ولا سيما دول الخليج.

وفي ظل هذه المعطيات، تبرز تساؤلات حول كيفية تموضع سوريا في خضم الصراع الإقليمي الحالي، والجهود السياسية التي تبذلها لتجنب تداعياته.
التحول في موقع سوريا الإقليمي

يرى الباحث في العلاقات الدولية محمد اليمني، أن التحول السياسي الذي شهدته سوريا بعد عام 2024، غيّر بشكل ملحوظ طريقة قراءة الفاعلين الإقليميين لموقف دمشق من الحرب.

فبعد سنوات كان يُنظر إلى سوريا خلالها باعتبارها إحدى ساحات النفوذ الإيراني في المنطقة، بدأت اليوم تحاول تقديم نفسها كجزء من البيئة العربية الساعية إلى احتواء الصراع ومنع توسعه.

وأشار اليمني إلى أن هذا التحول يرتبط أيضًا بالمرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، ما يدفع القيادة السورية إلى إعطاء أولوية للحفاظ على الاستقرار الداخلي ومنع انتقال تداعيات الحرب إلى الأراضي السورية.

من جهته، وصف الصحفي والباحث السوري صبحي فرنجية، هذا التوجه بأنه شكل من “الحياد الإيجابي”، إذ تحاول دمشق الابتعاد عن الانخراط المباشر في الحرب، مع تأكيد موقفها الداعم للدول العربية التي تعرضت لهجمات إيرانية، والعمل في الوقت نفسه على منع استخدام الأراضي السورية في أي عمليات عسكرية مرتبطة بالصراع.

التقارب مع دول الخليج وإعادة التموضع العربي

شنت إيران هجمات صاروخية على دول الخليج العربي، مستهدفة القواعد الأمريكية الموجودة فيها، وذلك منذ إعلان أمريكا وإسرائيل بدء هجمات واسعة على إيران.

الرئيس السوري، أحمد الشرع، كثف اتصالاته الهاتفية مع عدد من قادة الخليج العرب، شملت قيادات الكويت والإمارات والبحرين وقطر والسعودية، مؤكدًا تضامن سوريا الكامل مع الدول الشقيقة في مواجهة أي اعتداءات تمس سيادتها وأمنها.

يعتبر الباحث محمد اليمني، أن التقارب الذي شهدته العلاقات السورية مع عدد من دول الخليج، مثل السعودية والإمارات وقطر، يمثل أحد أبرز ملامح إعادة تموضع سوريا في الإقليم.

فدمشق تسعى، بحسب تقديره، إلى تعزيز حضورها داخل النظام العربي وإعادة دمج نفسها في محيطها بعد سنوات من العزلة السياسية.

ويعتقد الباحث أن هذا التقارب قد يدفع سوريا إلى تبني خطاب سياسي أقرب إلى المواقف العربية في الأزمة الراهنة، خصوصًا في ظل التوتر المتزايد بين إيران وعدد من الدول العربية، مع استمرار حرص دمشق على تبني سياسة حذرة تمنع انتقال الصراع إلى أراضيها.

بدوره، يرى فرنجية أن هذا الانفتاح على دول الخليج يعكس تحولًا مهمًا في النظرة السورية لدورها الإقليمي، إذ باتت دمشق، بحسب تعبيره، ترى نفسها اليوم جزءًا من الموقف العربي في مواجهة التحديات الإقليمية، رغم محدودية إمكاناتها ووقوعها في منطقة جغرافية حساسة بين إيران ولبنان.
التحركات السياسية السورية تجاه لبنان

فيما يتعلق بالساحة اللبنانية، أجرى الرئيس الشرع عدة اتصالات مع عدد من الشخصيات السياسية اللبنانية، من بينهم وليد جنبلاط وسامي الجميّل.

ويرى الباحث محمد اليمني أن هذه الاتصالات تعكس إدراكًا سوريًا لحساسية الوضع في لبنان، الذي قد يتحول إلى ساحة تصعيد في حال توسعت الحرب الإقليمية.

ويعتقد اليمني أن دمشق تسعى من خلال هذا التواصل إلى دعم الاستقرار اللبناني ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة واسعة قد تنعكس مباشرة على الداخل السوري، سواء عبر تداعيات أمنية على الحدود أو من خلال موجات نزوح محتملة.

أما الباحث صبحي فرنجية فيرى أن هذه الاتصالات تأتي أيضًا في إطار تأكيد الموقف السوري الرافض لاستخدام الأراضي السورية في أي نشاط عسكري مرتبط بالصراع، إضافة إلى محاولة احتواء تداعيات الحرب ومنع امتدادها إلى لبنان أو إلى الحدود السورية.
التنسيق مع العراق وضبط الحدود

لا يقتصر الحراك السياسي السوري، وفق قراءة اليمني، على لبنان فحسب، بل يمتد أيضًا إلى العراق، حيث تسعى دمشق إلى تعزيز التواصل مع الحكومة الاتحادية في بغداد ومع قيادات إقليم كردستان العراق.

ويهدف هذا التواصل، بحسب تقديره، إلى تعزيز التنسيق السياسي والأمني بين الدول المجاورة ومنع تحول الحدود المشتركة إلى ممرات لتصعيد الصراع.

وقال فرنجية، إن الحكومة السورية كثفت بالفعل تواصلها مع الأطراف العراقية، إلى جانب إرسال تعزيزات عسكرية إلى المناطق الحدودية، في محاولة لمنع استخدام الحدود السورية كممر لدعم الميليشيات المرتبطة بإيران.

كما أشار إلى أن السلطات السورية تبذل جهودًا لضبط الحدود مع لبنان والعراق، ومنع تهريب السلاح أو استخدام الأراضي السورية كخط دعم لـ”حزب الله” أو الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران.
التحديات الأمنية الداخلية

رغم هذه التحركات الإقليمية، يلاحظ عدة تحديات أمنية داخلية، تؤثر على سياسة الحكومة السورية المتبعة.

وهنا، لفت فرنجية إلى أبرز هذه التحديات، وهي ملف العلاقة مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وتعقيدات الوضع في السويداء، إضافة إلى تهديدات تنظيم “الدولة الإسلامية” ومحاولاته إعادة تنشيط خلاياه.

ويرى أن هذه الظروف تجعل الأولوية لدى دمشق هي تثبيت الاستقرار الداخلي، وهو ما يفسر حرصها على منع انتقال الحرب إلى أراضيها.

حدود التأثير السوري في مسار الصراع

يخلص اليمني إلى أن التحركات الدبلوماسية السورية مع لبنان والعراق قد تسهم في تقليل احتمالات انتقال المواجهة إلى دول الجوار، لكنها تبقى محدودة التأثير في ظل طبيعة الصراع المعقدة التي تتداخل فيها العوامل الإقليمية والدولية.

وفي المقابل، يرى فرنجية أن هذه التحركات تحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن سوريا تسعى إلى تثبيت موقعها ضمن المحيط العربي، مع التركيز في الوقت نفسه على إدارة التحديات الداخلية التي تواجهها البلاد.

تداعيات اقتصادية تضغط على الاقتصاد السوري الهش

لم تعد تداعيات الحرب بين إيران وإسرائيل تقتصر على البعد الأمني أو السياسي في المشهد الدولي، إذ بدأت آثارها الاقتصادية تظهر بوضوح في دول المنطقة.

ومع اتساع نطاق المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط، تبرز سوريا كإحدى الدول الأكثر تأثرًا بالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية الناتجة عن الحرب، فاقتصادها الذي لم يتعافَ بعد من آثار أكثر من عقد من الصراع الداخلي، يجد نفسه أمام ضغوط جديدة تزيد من تعقيد المشهد المعيشي.
صدمة خارجية تضرب اقتصادًا هشًا

في هذا السياق، يبرز التساؤل حول طبيعة الانعكاسات الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة لهذه الحرب على الداخل السوري.

الباحث والمحلل الأول في مركز “كرم شعار للاستشارات” بنجامين فيف، يرى أنه حتى لو بقيت سوريا خارج المواجهة العسكرية المباشرة، فإنها ستتأثر اقتصاديًا عبر ثلاث قنوات رئيسة:

ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.
اضطراب التجارة وسلاسل الإمداد.
تراجع الاستثمارات والمساعدات الخارجية، خصوصًا من دول الخليج التي تشكل مصدرًا أساسيًا للتمويل والاستثمار في سوريا.

هذه العوامل، برأيه، قد تبطئ التعافي الاقتصادي الهش وتزيد الضغوط على الأسعار والميزانية العامة.

أما الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي الدكتور عبد الرحمن محمد، فقال إن انعكاس الحرب الإيرانية- الإسرائيلية على سوريا يمكن توصيفه اقتصاديًا بأنه “تأثير تراكمي لصدمة خارجية على اقتصاد هش”.

ويشاطر عبد الرحمن فيف في رأيه، بأن سوريا ليست طرفًا مباشرًا في الحرب بقدر ما هي ساحة تتأثر بنتائجها، مشبهًا الاقتصاد السوري بمريض يعاني مرضًا مزمنًا ثم يتعرض لصدمة جديدة تعطل وظائفه الحيوية.

وأشار إلى أن أبرز مظاهر هذا التأثير تتمثل في تعميق حالة الركود الاقتصادي، حيث تتراجع الأنشطة التجارية والصناعية في المناطق القريبة من خطوط التوتر أو المعرضة للقصف.

كما يترافق ذلك مع تسارع تدهور الليرة السورية نتيجة ازدياد الطلب على العملات الأجنبية.
أسعار الطاقة العالمية وانعكاسها على السوق السورية

تعد أسواق الطاقة من أكثر القطاعات حساسية تجاه الصراعات الإقليمية، إذ ترتبط أسعار النفط والغاز بدرجة الاستقرار في مناطق الإنتاج وخطوط الإمداد، خاصة أن إيران أغلقت مضيق هرمز، الذي تمر عبره 20% من صادرات الطاقة في العالم.

وأشار الدكتور عبد الرحمن محمد إلى أن تأثير الحرب على أسعار الطاقة عالميًا ارتبط أساسًا بمخاطر توسع الصراع أكثر من ارتباطه بتعطل الإنتاج الفعلي.

لكن بالنسبة إلى سوريا، فإن تأثير هذه الارتفاعات يكون مضاعفًا، فبحسب محمد، تعتمد سوريا بشكل كبير على استيراد المشتقات النفطية مثل المازوت والبنزين، ما يجعلها أكثر تأثرًا بأي ارتفاع في الأسعار العالمية.

وأضاف أن الحرب قد تؤدي أيضًا إلى تعقيد طرق الإمداد، خاصة إذا تأثرت المواني أو خطوط النقل عبر لبنان، ما يزيد من التكاليف اللوجستية ويضغط على السوق المحلية.

ويقدّر الخبير الاقتصادي أن ارتفاع سعر برميل النفط عالميًا بنحو 30 دولارًا قد ينعكس سريعًا على السوق السورية، حيث يمكن أن ترتفع أسعار المشتقات النفطية في السوق السوداء بنسبة تتراوح بين 20 و35% نتيجة هشاشة سلاسل التوريد وغياب الدعم الكافي.

ويوافقه الرأي الباحث بنجامين فيف، ويعتبر أنه بالنسبة لسوريا، التي تعتمد جزئيًا على الإمدادات الخارجية وتعاني أصلًا من ضعف في قطاع الطاقة، فإن أي ارتفاع عالمي قد يُترجم إلى زيادة ملموسة في تكاليف الطاقة وانخفاض ساعات الكهرباء.

وتوقع أنه قد تتراوح الزيادة الفعلية في التكلفة بين نحو 10 و25% إذا استمر التصعيد لأسابيع.

قطاعات اقتصادية تحت الضغط.. الطاقة أولها

مع اتساع رقعة التوتر الإقليمي، تتأثر عدة قطاعات اقتصادية في سوريا بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما ينعكس على الأسعار ومستوى المعيشة.

الباحث والمحلل الأول في مركز “كرم شعار للاستشارات” بنجامين فيف، قال إن أكثر القطاعات تأثرًا هي الطاقة والكهرباء، والغذاء والزراعة، والنقل والتجارة، إضافة إلى الاستثمار والمشاريع الكبرى.

وأضاف أن ارتفاع أسعار الوقود والنقل ينعكس مباشرة على أسعار السلع والإنتاج الزراعي، بينما قد تتردد بعض الاستثمارات الخارجية في ظل عدم الاستقرار الإقليمي.

لذلك من الضروري إعطاء الأولوية لتأمين الطاقة والمواد الأساسية، ومراقبة الأسعار لمنع الاحتكار، وتنويع مصادر الاستيراد والتمويل لتقليل المخاطر.

الاستيراد والتصدير.. رهينة تعطل حركة الحدود

بدوره، أكد الدكتور عبد الرحمن محمد، أن قطاع الطاقة يأتي في مقدمة القطاعات الأكثر تأثرًا، كما يتأثر قطاع التجارة والاستيراد والتصدير نتيجة إغلاق بعض الطرق الحيوية أو تعطل حركة النقل عبر الحدود والمواني، ما يؤدي إلى ما يشبه “المنع غير المباشر للاستيراد”.

ولا يقل القطاع الزراعي تأثرًا بهذه التطورات، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة إلى زيادة تكاليف الإنتاج الزراعي، إضافة إلى صعوبات تصدير المنتجات إلى الأسواق التقليدية.

أما قطاع النقل والخدمات اللوجستية فيواجه بدوره تحديات كبيرة مع توقف العديد من الشاحنات وارتفاع أجور النقل، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع في الأسواق.

وللتخفيف من هذه التداعيات، يقترح الخبير الاقتصادي عبد الرحمن محمد:

تقديم دعم لوجستي مباشر لعمليات نقل المواد الغذائية والدوائية الأساسية.
تشجيع الإنتاج المحلي عبر دعم المزارعين والصناعيين لتعويض جزء من نقص السلع المستوردة.

النزوح من لبنان وتأثيره الاقتصادي على سوريا

من بين التداعيات غير المباشرة للحرب، تصاعد التوتر في لبنان وبدء موجات نزوح جديدة باتجاه سوريا، سواء من السوريين المقيمين في لبنان أو من بعض اللبنانيين.

ويرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أن هذه الظاهرة يمكن قراءتها اقتصاديًا بوصفها نقلًا للأعباء الاقتصادية والبشرية من لبنان إلى سوريا.

وقال إن عودة أعداد كبيرة من السكان بشكل مفاجئ قد تشكل ضغطًا إضافيًا على الخدمات العامة والبنية التحتية، خصوصًا في المناطق التي تستقبل الوافدين، مثل ريف دمشق وحمص والمناطق الحدودية.

كما يؤدي ارتفاع عدد السكان إلى زيادة الطلب على السلع الأساسية والسكن والخدمات، وهو ما قد يدفع الأسعار نحو الارتفاع ويزيد من معدلات التضخم في الأسواق المحلية.
نشاط بعض القطاعات وضغط على الأخرى

أما الباحث بنجامين فيف، فيرجح أن عودة أعداد من السوريين من لبنان أو دخول بعض اللبنانيين إلى سوريا قد تنشط بعض الأنشطة الاقتصادية المحلية على المدى القصير، مثل الإيجارات والاستهلاك، لكنها في المقابل تزيد الضغط على الخدمات العامة وسوق العمل والبنية التحتية في بلد يعاني من محدودية الموارد.

وإذا استمرت هذه الموجة، بحسب تعبيره، فقد تؤدي إلى زيادة الطلب على الغذاء والطاقة والمساعدات الإنسانية في وقت يواجه فيه الاقتصاد السوري أصلًا ضغوطًا كبيرة.

كشفت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، أن 65 ألف سوري عادوا من لبنان منذ مطلع آذار الحالي، على خلفية التصعيد الإسرائيلي الأخير على لبنان.

عنب بلدي


من بشار الأسد إلى مجتبى خامنئي/ إبراهيم حميدي

الدرس الأهم الذي تقدمه تجربة سوريا ليس أن “الجملوكية” تسقط سريعاً بالضرورة، بل أن التناقض الذي تولده داخل “الجمهورية” يبقى حياً حتى عندما يبدو كل شيء مستقراً

14 مارس 2026

كان بشار الأسد يعيش في لندن مطلع التسعينات. يتعلم في المختبرات ويقتل وقته في المقاهي والملاهي. لم يكن “الدكتور” يرى نفسه سياسيا، ولا أن يكون حاكما. هو الابن الثاني للرئيس. في تلك السنوات كان الوريث المنتظر هو شقيقه الأكبر “الفارس” باسل، الذي زُرع بعناية في ثكنات الجيش وقاموس الحزب. لكن حادث السيارة الذي أودى بحياته في عام 1994 على طريق المطار فتح فجأة طرقا لم تكن في الحسبان.

استُدعي بشار من لندن، ودخل بسرعة مدرسة الخلافة وارتدى النياشين وفُصّلت له القواميس. ومع وفاة الأسد الأب عام 2000، لم يذهب الكرسي إلى أحد نواب الرئيس، كما لم تذهب الرتب إلى قادته العسكريين، ولا المناصب إلى رفاقه الحزبيين. عُدل الدستور على مقاس بشار كي يهبط في كرسي القصر.

هكذا تحولت سوريا عملياً إلى “جمهورية وراثية” أو “جملوكية”. ولم يكن ذلك تعديلا في النصوص بل قرار غيّر المسارات. تنصيب دق إسفيناً في سفينة نظام قفز منها الرفاق المؤسسون. وفي عام 2011 انفجرت الاحتجاجات وتحولت إلى شلالات من الدم وكومات من الـجماجم وبحور من الأشلاء. وبعد أكثر من عقد من الحرب والانهيار والتشظي والعزلة، هرب الأسد الصغير في 2024 وانتهت سلالة خطفت “الجمهورية” لأكثر من نصف قرن.

اليوم تقف إيران أمام منعطف. فبعد أكثر من ثلاثة عقود من حكمه، قُتل “المرشد” علي خامنئي في 28 فبراير/شباط بضربة أميركية-إسرائيلية. وبعد أيام أعلن “مجلس خبراء القيادة” تسمية نجله وحارس أبوابه، مجتبى “مرشدا أعلى”. وهكذا انتقل المنصب من الأب إلى الابن داخل نظام كانت إحدى سردياته، ثورة “المرشد المؤسس” الخميني على حكم العائلة الشاهنشاهية قبل حوالي نصف قرن.

تعيين خامنئي الابن، الذي يفتقد إلى الشرعية الدينية، يعكس ميزان القوة داخل النظام. فـ”الحرس الثوري” تحول إلى مؤسسة عسكرية واقتصادية وسياسية ضاربة وبات اللاعب الأكثر تأثيراً في المعادلة. ولهذا يرى البعض أن مجتبى قد يلعب دوراً شبيهاً لما نُسب إلى بشار في سنواته الأولى: واجهة لنظام تقوده مراكز “الحرس القديم”.

المفارقة أن خيوط الوريثين تمر عبر المدينة نفسها. فكما عاش بشار سنوات في لندن طالباً قبل أن يعود فجأة إلى دمشق، أمضى مجتبى فترات في العاصمة البريطانية خلال منتصف العقد الأول من الألفية، حيث أقام هناك أشهراً للاستثمار والعلاج.

لندن، التي كانت في الحالتين محطة عابرة في حياة الاثنين ومكاناً للعلاج، تحولت إلى بداية لمسار وسيرة. مع ذلك، تبقى الفروق كبيرة بين النظامين اللذين ارتبطا بعلاقة تحالف. فسوريا ليست إيران. و”السيد الرئيس” ليس “المرشد الأعلى”. و”قائد المسيرة” ليس “الولي الفقيه”. لكن العطب في التوريث لا يتعلق بما يُوَرَّث بقدر ما يتصل بطبيعة الوريث. هنا لم يصل إلى السلطة رجل صنع نفسه عبر المنافسة أو الخبرة، بل ابنٌ وُلد داخل عالم من الامتيازات والمال والنفوذ، بعيدا عن الاختبارات والمؤامرات. وحين يجد الوريث نفسه فجأة على قمة الدولة، يصبح عليه إدارة نظام معقّد وسط أعاصير من التحديات قبل أن يكون قد اختبر فعلياً حدود السلطة أو مخاطرها.

هذه المفارقة لا تخلق فجوة وحسب، بل تفتح أيضاً شقوقاً داخل النظام نفسه. فالأنظمة السلطوية لا تقوم عادة على شخص واحد يدير التوازنات، بل على تحالف واسع من الضباط والبيروقراطيين ورجال الأمن والحزب وشبكات المصالح. هؤلاء بنوا النظام مع “القائد الأول” و”المرشد الأعلى” وتوقعوا أو توهموا أن يكونوا شركاء في مستقبله.

لكن عندما تنتقل السلطة إلى الابن، يصبح الرفاق تابعين، والشركاء رعيةً في بلاط الوريث، والجنرالات متقاعدين في أروقة الثكنات، والطامحون عراةً من الوهم. ومن تلك اللحظة تبدأ الانشقاقات الصامتة داخل النظام، حيث يتحول الطموح الشخصي شعورا بالمهانة والتهميش. لهذا السبب كثيراً ما تبدو الجمهوريات الوراثية مستقرة ظاهرياً لكنها هشة وراء الجدران. فهي تبدو قوية لأن السلطة تركزت في يد عائلة، لكنها في الوقت نفسه تهز شبكة التوازنات التي أبقت النظام متماسكاً والعداوات مضبوطة.

مع ذلك، لا يعمل التاريخ دائماً وفق مسار واحد والأنظمة لا تنسخ بعضها. فبشار الأسد، الذي بدا في بداية حكمه وريثاً مؤقتاً، أقام على سيف السلطة أربعة وعشرين عاماً. وقد يتمكن النظام الإيراني- المعجون بذخيرة عقائدية أكثر من النظام السوري- من تثبيت الانتقال وإعادة إنتاج نفسه.

لكن حتى لو نجح مجتبى خامنئي في البقاء سنوات طويلة في الحكم ونجا من مراوح الاغتيال، فإن الطريقة التي وصل بها إلى السلطة ستترك جرحاً سياسياً عميقاً داخل “الجملوكية الإسلامية”. فكل توريث في نظام يرفع شعار الجمهورية يفتح سؤالاً صعباً حول الشرعية .

الدرس الأهم الذي تقدمه تجربة سوريا ليس أن “الجملوكية” تسقط سريعاً بالضرورة، بل أن التناقض الذي تولده داخل “الجمهورية” يبقى حياً حتى عندما يبدو كل شيء مستقراً.

المجلة


الاقتصاد السوري تحت ضغط الحرب الإقليمية الجديدة/ مازن الشاهين
الحرب الإقليمية تعصف بالاقتصاد السوري: الليرة تحت الضغط والأسواق على صفيح ساخن

في الثامن والعشرين من فبراير 2026، ومع انطلاق أولى الضربات الأميركية والإسرائيلية على المنشآت العسكرية والنووية الإيرانية، كانت جمعية الصاغة في دمشق تُصدر تسعيرتها الثانية خلال ساعات قليلة، في مؤشر واضح على التوتر الذي يعيشه السوق المحلي. ومع صباح اليوم التالي، شهدت الليرة السورية تراجعاً حاداً، فيما اجتاحت أسواق المواد الغذائية موجة شراء مدفوعة بالذعر. عشرة أيام مرت على اندلاع التوتر الإقليمي، وسوريا تدفع ثمن حرب لم تختَرها، بينما هي بالكاد تتعافى من صراعاتها الداخلية المستمرة منذ أكثر من عقد. في منطقة لم تعرف الاستقرار منذ سنوات، تضيف الحرب الإقليمية طبقة جديدة من التعقيد على المشهد الاقتصادي السوري، إذ يحاول الاقتصاد التعافي تدريجياً من آثار أكثر من عقد من الحرب والعقوبات والتراجع الإنتاجي، إلا أن الصدمات الجديدة تعيده أمام تحديات قاسية قد تعمّق أزماته المالية والمعيشية.

ويجمع الخبراء على أن الاقتصاد السوري يعدّ من أكثر اقتصادات المنطقة هشاشة أمام الصدمات الخارجية، نظراً لاعتماده الكبير على الاستيراد، وضعف الإنتاج المحلي، وتذبذب الموارد المالية. أي توتر إقليمي ينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية، حركة التجارة، وسعر صرف الليرة السورية. والسؤال الأهم يبقى: هل يستطيع الاقتصاد السوري الصمود أمام موجة جديدة من الضغوط الإقليمية، أم أن هذه الأزمة ستدفعه إلى مرحلة أكثر صعوبة؟

اقتصاد هش أمام الصدمات

يرى الخبراء أن قدرة الاقتصاد السوري على الصمود تعتمد على تعزيز الإنتاج المحلي، تقليل الاعتماد على الخارج، وخلق مسارات تنموية قادرة على مواجهة الأزمات المتكررة في المنطقة. خلال السنوات الأخيرة، تعرض الاقتصاد السوري لسلسلة من الضغوط: تراجع الإنتاج الصناعي والزراعي، ضعف الاستثمار وتقلص الصادرات، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. ومع اندلاع توترات عسكرية جديدة، تعود المخاوف من موجة تضخم جديدة وارتفاع تكاليف المعيشة.

ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور حسان مراد لـ “963+”: “الاقتصاد السوري يعيش منذ سنوات في حالة هشاشة بنيوية، لذا فإن أي اضطراب إقليمي ينعكس سريعاً على الأسواق المحلية، سواء عبر أسعار الطاقة، تكاليف النقل، أو اضطراب سلاسل التوريد. الحروب الإقليمية غالباً ما تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً، ما يزيد كلفة النقل والإنتاج، ويترجم مباشرة على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية”.

ويضيف مراد: “الطاقة أول المتأثرين، إذ تعتمد سورية بشكل كبير على استيراد النفط، وأي اضطراب في أسواق الطاقة يزيد الضغط على الموازنة، ويرفع أسعار الوقود، ما ينعكس على ساعات التقنين الكهربائي وتكاليف النقل والإنتاج الصناعي، وبالتالي على أسعار السلع الأساسية. المواطن السوري، الذي يعتمد على المولدات الخاصة بالمازوت، يتلقى الضربة مباشرة في جيبه”.

ويشير مراد أيضاً إلى أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً يضاعف فاتورة الاستيراد، ويزيد الضغط على المالية العامة وسوق القطع الأجنبي، ما يخلق حلقة من التضخم الذاتي، يضاف إلى صعوبات الحياة اليومية التي يعيشها المواطن، خصوصاً مع استمرار أزمة الكهرباء والاعتماد على مصادر طاقة مكلفة.
سوريا بين مطرقتين

المحلل السياسي نجم العبدالله لـ”963+” يرى أن الوضع السوري يزداد تعقيداً بسبب تبعات الحرب الأمريكية ـ الإيرانية، التي تعكس آثارها على صرف الطاقة، سلاسل الإمداد، الأمن، والاستثمار. سوريا، التي يقودها اليوم نظام جديد يسعى لإعادة الاندماج مع الغرب ودول الخليج، تواجه تهديداً مزدوجاً: من إيران التي ردّت على الضربات بهجمات في دول الخليج والعراق، ومن خلايا الميليشيات الموالية لطهران داخل البلاد.

وزارة الداخلية السورية أعلنت في 5 مارس 2026 إحباط “مخطط إرهابي” في دمشق بالتنسيق مع الاستخبارات التركية، ما يبرز تأثير التوترات الإقليمية على الأمن الداخلي، شرط أساسي لأي انتعاش اقتصادي. كما أن إعادة تفعيل نشاط “حزب الله” العسكري يضع لبنان ـ البوابة التجارية الغربية لسوريا ـ في دائرة عدم استقرار جديدة.

ويشير العبدالله إلى أن هذه الأزمة تضع سوريا في موقف بالغ الحساسية: “سوريا تدفع الثمن مرة أخرى لوجودها في قلب المنطقة، لكنها هذه المرة تدفعه في لحظة كانت تحاول فيها النظر إلى الأمام. كل حركة في المنطقة لها انعكاس مباشر على الأسواق المحلية، وعلى الاستثمارات المستقبلية، وحتى على الحياة اليومية للمواطنين”.

التجارة والنقل تزيد المشهد تعقيداً

التوترات العسكرية تؤثر مباشرة على حركة التجارة وخطوط النقل الدولية، حيث تتعرض الممرات البحرية والبرية للاضطراب وارتفاع تكاليف التأمين والشحن. الهجمات الإيرانية على دول الخليج، بما فيها الإمارات والبحرين وقطر والكويت، أثرت على شرايين التجارة الأساسية لسوريا، ورفعت شركات التأمين أقساطها على مسارات البحر الأحمر والخليج العربي، ما زاد فاتورة الاستيراد السورية، فيما رفع تجار الجملة أسعار السلع احترازياً.

ويشير الخبير في التجارة الدولية الدكتور محمد يوسف في تصريحات لـ”963+” إلى أن ما يُعرف بـ “توقعات التضخم” أصبحت عاملاً مؤثراً في الاقتصاد السوري، إذ أن ارتفاع تكاليف النقل أو التأمين ينعكس فوراً على أسعار السلع المستوردة، من القمح والزيوت إلى الأدوية والمواد الأولية للصناعة. كما تتأثر حركة الترانزيت عبر بعض الدول المجاورة، ما يزيد صعوبة الاستيراد ويجعل الأسواق أكثر حساسية تجاه أي توتر إقليمي.

ومع اشتداد القصف الإقليمي، تراجعت الإمدادات التجارية وارتفعت الأسعار بسرعة، لتزيد معاناة السوريين الذين أنهكتهم الحروب السابقة. عادت طوابير الغاز والخبز في دمشق ومدن عدة، لتذكّر المواطنين بأزمات سابقة. يقول التاجر أبو محمود لـ”963+”: “الأسواق أصبحت شديدة الحساسية لأي خبر سياسي أو عسكري، فمجرد الحديث عن توتر إقليمي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار”.

المواطن السوري، الذي خرج من أتون حرب دمرت نصف بنيته التحتية، يجد نفسه اليوم يدفع فاتورة حرب لم يختَرها. تقول سناء جابر، موظفة حكومية: “رواتبنا بالكاد تكفي أساسيات الحياة، وأي ارتفاع جديد في الأسعار يزيد الضغط على العائلات، فالغلاء طال كل شيء، من الخبز المدعوم إلى الأدوية، ومن أجرة المواصلات إلى أجور الأطباء”.
سعر الصرف تحت الضغط

أصدرت جمعية الصاغة في دمشق أربع تسعيرات متتالية خلال ثلاث ساعات ونصف، فيما سجّل سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية في السوق الموازية 11,870 ليرة، مقابل السعر الرسمي 11,000 ليرة.

ويشير الخبير المالي الدكتور عبدالعزيز العثمان، في تصريحات لـِ”963+” إلى أن استمرار الحرب الإقليمية يزيد الضغط على سوق الصرف، خصوصاً في ظل اقتصاد يعتمد على الواردات ويعاني نقصاً في القطع الأجنبي. المصرف المركزي لجأ إلى تقييد السحوبات وتحجيم الطلب على الدولار، إجراءات “تؤجل الانفجار ولا تحل المشكلة”، مؤكداً أن أي استقرار حقيقي يتطلب زيادة الإنتاج والصادرات، وهو تحدٍ كبير في الظروف الحالية.

بدوره، القطاع الخاص، الذي يحاول التعافي منذ سنوات، يواجه اليوم ضغوطاً إضافية. يقول الصناعي الحلبي سامر نصار: “التوترات الإقليمية تجعل المستقبل غير واضح بالنسبة للمستثمرين، والقطاع الصناعي يحتاج إلى بيئة مستقرة للتخطيط للإنتاج والتصدير”. ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والمواد الأولية يزيد من صعوبة استمرار المشاريع.

في المقابل، يرى الخبير عدنان الجاسم في تصريحات لـ”963+” أن الأزمات الإقليمية قد تتيح فرصاً محدودة للزراعة، إذا تمكنت سوريا من تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد. تعزيز الأمن الغذائي، وفق الجاسم، قد يخفف أثر اضطرابات التجارة الدولية، شريطة توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة ودعم المزارعين وتطوير البنية التحتية للقطاع.
الاستثمار المؤجّل.. ثمن باهظ

سوريا كانت تستعد لموسم استثماري بعد مسيرة التطبيع الديبلوماسي الأخيرة وفتح حساب لدى الفيدرالي الأميركي، ما كان يشكل بيئة محفّزة لرؤوس الأموال. لكن الحرب أوقفت هذا المسار.

الباحثة الاقتصادية خلود السلامة تحذر في تصريحات لـ”963+”: “عدم اليقين الاستثماري سيؤدي إلى تأجيل المشاريع وتراجع فرص العمل، خصوصاً في بلد يُقدّر معدل البطالة فيه بأكثر من 55%”. لكنها تشير إلى عوامل تخفف الصدمة، مثل ضعف الارتباط الاقتصادي المباشر مع إيران والتوجه نحو الشراكة مع تركيا، شريطة استمرار الاستقرار الأمني الداخلي.

وتقول الحكومة السورية إنها تتابع “الإجراءات الاحترازية”، لكن الواقع يفرض تحديات كبيرة: الرواتب الحكومية لم تُسلّم، الدعم التمويني تقلص، والمساعدات الإنسانية أقل من المتوقع.

الخبير الاقتصادي الدكتور خليل إبراهيم يوضح لـ”963+” أن الخيارات تشمل: تعزيز الإنتاج المحلي، دعم القطاعات الزراعية والصناعية لتأمين السلع الأساسية، تحسين إدارة الموارد المالية، تشجيع الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الشراكات مع الدول الصديقة. التركيز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة يشكل مساراً واقعياً لتحريك الاقتصاد وخلق فرص عمل، خصوصاً مع محدودية الموارد. ويرى إبراهيم أن التعافي سيكون بطيئاً ومعقداً، ويتطلب استقراراً سياسياً وإقليمياً إلى جانب إصلاحات داخلية تعزز الإنتاج والاستثمار.

+963


البنتاغون ضدّ CNN: نزهة داخلية؟/ صبحي حديدي
يصرّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إبقاء الحرب الأمريكية الراهنة ضدّ إيران، التي تتواصل بشراكة تامة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، تحت تسمية «النزهة الخارجية». وليس هذا بسبب بؤس مأثور في استخدامه للمفردات خصوصاً، أو إدقاع مريع في قاموسه اللغوي عموماً، فحسب؛ بل كذلك، وجوهرياً ربما، ضمن سلسلة مساعيه اللفظية للتغطية على مسارات فاضحة اتخذتها تلك الحرب، وتتخذها تباعاً بعد نحو أسبوعين على اندلاعها، والعجز المريع عن تلمّس منفذ نحو «سياسة الخروج» الشهيرة لدى مخططي حروب الولايات المتحدة.
والأرجح أنه تعمد تكرار حكاية النزهة هذه أمام أعضاء الكونغرس الجمهوريين في فلوريدا، ثمّ خلال اجتماع «بزنس» في أوهايو؛ وكأنه أراد التشديد على أنّ واجب الاستخفاف بالحرب مُلقى على عاتق ممثلي هاتين الشريحتين تحديداً: السلطة التشريعية المرتهنة لإرادته، واقتصاد تصنيع السلاح والإتجار به وتكديس مليارات الأرباح. ولم يغبْ عن الكثيرين أنّ ترامب قد يكون وقع في خلط معجمي ولفظي بين معنى النزهة Excursion ومعنى الاقتحام Incursion الذي يجري عادة على ألسنة العسكر.
وبصرف النظر عن حال الالتباس الدلالي، فالثابت أن البيت الأبيض منشغل بسلسلة نزهات/ اقتحامات في سياق الحرب ذاتها، بينها نموذج تكشفت تفاصيله على لسان وزير الحرب بيت هيغسيث؛ ليس ضدّ إيران هذه المرّة، بل صوب وسائل إعلام أمريكية «ناقصة الوطنية»، على رأسها شبكة CNN دون سواها، ثمّ نفر من مصوّري الصحافة الذين لا تعكس صورهم جوانب مضيئة وظافرة من أنشطة البنتاغون، خلال المؤتمرات الصحفية (إذْ لا سبيل، أصلاً، لتغطية الحرب الراهنة بواسطة العدسات الأمريكية).
وهكذا لم يجد هيغسيث أيّ حرج، وهو الإعلامي خريج مدرسة «فوكس نيوز»، في التصريح بأنه ينتظر على أحرّ من الجمر انتقال ملكية الـCNN إلى دافيد إليسون، نجل الملياردير المقرّب من ترامب لأنه ببساطة أحد أسخى المتبرعين لحملاته الانتخابية. ولأنّ الرئيس الأمريكي لا يخفي كراهيته للشبكة إياها، لأنها لا تسير على هواه في كامل سياساته، فإنّ تقارير جادة تحدثت عن ضغط ترامب شخصياً على شركة نيتفلكس كي تسحب عرضها لشراء الـCNN، بما يمهد السبيل أمام آل إليسون للفوز بالصفقة؛ بالرغم من ملابسات إجرائية فاضحة، واحتجاجات صدرت عن قضاة ومشرّعين بصدد قانونية العرض والطلب.
وليس خافياً أنّ البيت الأبيض لا يقصد بهذه النزهة/ الاقتحام السيطرةَ على شبكات وشركات أفلام من عيار الـCNN والـ HBO وسواها، فقط؛ بل ترويض، إذا لم يذهب المرء إلى الأقصى: إخضاع، الرأي الآخر، المعارض أو المختلف أو الملتزم بالحدود الدنيا للمصداقية المهنية. ذلك ما يتخوّف منه مارك شويف رئيس «نادي الصحافة الوطنية»، الذي اعتبر أنّ حرب البنتاغون ضدّ وسائل الإعلام غير السائرة في ركاب البيت الأبيض «تتنافى مع مبادئ أساسية للشفافية والمجتمع الديمقراطي»، و«حين تقرر الحكومة أيّ الصور يُسمح للجمهور بمشاهدتها، فإنّ الشفافية تُستبدل بالرقابة. فالمحاسبة لا تجري خلف أبواب موصدة».
هذا بافتراض أنّ المحاسبة يمكن أن تجري بالفعل عن طريق وسائل الإعلام الأمريكية، في ظلّ البلدوزر الزاحف الذي تقوده عائلة الملياردير إليسون وتستولي فيه تباعاً على شبكات الأخبار، أو تحت رقابة كونغرس قد صوّتت أغلبيته على منح ترامب تفويضاً بمواصلة الحرب من دون الرجوع إلى السلطة التشريعية، أو إلى الاشتراطات الدستورية التي تقيّد صلاحيات الرئيس الأمريكي فس إعلان الحرب أو خوضها.
وكلّ هذا ضمن فرضية لا تقلّ كارثية، ترجح على الدوام احتمالية أنّ نزهات إدارة ترامب واقتحاماتها لن تتكرر هنا وهناك، أو لن تذهب أبعد؛ نحو كوبا مثلاً، بعد إيران، وفي أية عاصمة ذات سيادة بعد كراكاس!
القدس العربي


ماذا ينتظر سوريا بعدما نجت من التورط في الحرب؟/ عبد الرحمن الحاج
مارس 15, 2026
نجت سوريا حتى الآن من تداعيات مباشرة من الحرب الإيرانية المندلعة منذ الهجوم الأميركي- الإسرائيلي يوم 28 شباط/فبراير الفائت، بالرغم من أن التحديات لا تزال قائمة. حتى الآن لم تتحقق معظم أهداف العملية العسكرية، وما تحقق منها لا يبدو حتى الآن أنه يساعد على تنازل الإيرانيين أكثر مما قدموه في مفاوضات ما قبل الهجوم، بل ربما يصبحون أكثر تشدداً.

طول الحرب بلا نتائج استراتيجية يجعل تكلفتها أكبر سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وثمة مؤشرات على ميل الولايات المتحدة إلى وضع حد لنهاية الهجوم وإيجاد سيناربو للخروج يحول الحرب إلى نصر أميركي-إسرائيلي.

كما عملت إيران على استراتيجية توزيع الكلفة على الجميع، لجعل الإقليم يعاني أولاً ثم العالم. أطلقت الصواريخ على دول الخليج المجاورة ضد أهداف مدنية بحتة ووصلت صواريخها إلى كل دول الإقليم غرباً وشمالاً، أرادت إيلام حلفاء واشنطن في المنطقة للضغط عليها لإيقاف الحرب، ولكن الأهم محاولتها توسيع نطاق الحرب وإدخال دول الإقليم فيها.

فشلت الاستراتيجية هذه في تحقيق هذه الأهداف، لكنها نجحت في توليد أزمة عالمية على النفط والطاقة آخذة بالتنامي، بعد إغلاق مضيق هرمز والبدء بتلغيم البحر، ووقف حركة الملاحة البحرية في الخليج، ويبدو أن مسار الضغط على الطاقة سيؤثر في قرار استمرار الحرب أو إيقافها أو توسعتها، فمن الصعب توقع أن يترك الأميركيون المضيق بيد دولة معادية تتحكم فيه وقتما تشاء. هذا ممر يؤثر على الولايات المتحدة وعلى العالم، وستكون سابقة إن أدى التصرف الإيراني في إغلاق المضيق إلى إيقاف الحرب فعلاً.

الارتدادات الأولى للحرب في إيران تأتي من هنا، أولاً في الطاقة، حيث أدى تعطيل سلاسل التوريد للنفط والغاز إلى رفع أسعار النفط عالمياً بشكل كبير، وأوقف تدفق الغاز المصري إلى سوريا. وجدنا في سوريا على الفور آثارها في ظاهرة طوابير الغاز التي عولجت سريعاً. صحيح أن سوريا منتجة للنفط لكن النفط السوري لا يزال في مراحل مبكرة من الإنتاج، وبنيته التحتية متهالكة أو مدمرة كلياً وعاجز عن تلبية الاحتياج المحلي، وأزمة الغاز بدورها أدت إلى انخفاض القدرة على توفير الكهرباء، وظهر بشكل ملحوظ تزايد ساعات انقطاع الكهرباء.

الارتداد الثاني هو النازحون، وما يمثله ذلك من خطر أمني محتمل بتسرب عناصر من حزب الله إلى سوريا، بعد أن نجحت قوات الأمن والاستخبارات في استئصال خلايا حزب الله والخلايا المرتبطة به من فلول نظام الأسد، وآخرها خلية المزة في نهاية شباط/فبراير.

موضوع النازحين المدنيين موضوع أخلاقي وسياسي وأمني معاً، لكن أزمة النازحين يمكن استيعابها في لبنان، فليس لبنان كله تحت القصف، الواقعون تحت القصف هم الساكنون في الضاحية وفي قرى الجنوب الشيعية أو بتعبير لبناني “بيئة حزب الله”، بمعنى آخر ليس على سوريا أن تتحمل عبء هؤلاء اللاجئين ما دامت لديهم فسحة في الأراضي اللبنانية، يمكن لسوريا استقبال حالات إنسانية استثنائية، هذا واجب الدولة، ولا يلقى اعتراضا شعبياً عموماً، لكن من حيث المبدأ يجب تفادي أزمة النزوح وحصرها داخل الأراضي اللبنانية.

القصف الإسرائيلي الأخير للبنان يأتي في سياق رد على محاولة إيران تحريك حزب الله في معركة “إسناد” لها، وقد بدأ بالفعل ذلك، لكن فائض القوة الإسرائيلي الكبير دفعها لرد فعل (مدروس مسبقاً) لعملية عسكرية واسعة النطاق في الجنوب والضاحية. أثار تصرف حزب الله انقساماً واسعاً بيئته وغضباً في عموم لبنان لأن حزب الله جعلهم يدفعون ثمن معركة ليست معركتهم، لماذا يدفع لبنان ثمن معركة إيرانية؟ من الذي خول حزب الله أن يدفع لبنان لدفع هذا الثمن؟

الطبقة السياسية استغلت اللحظة وأصدرت الحكومة قراراً بسحب سلاح حزب الله بالقوة وحصره بيد الدولة. الواقع كانت إيران تتوقع رد فعل مثل هذا، فوضعت نصب عينيها منذ البداية محاولة توريط سوريا وتوسيع رقعة التهديد، فروجت قبل الحرب لإشاعة تقول إن القوات السورية (تستخدم في التعبئة وصف “الأموية” بهدف الشحن الطائفي) ستدخل العراق ولبنان لإنهاء الحشد الشعبي وحزب الله.

الغرض واضح من التعبئة بهذه الإشاعة، وهو جر سوريا إلى فوضى عبر الحدود بما يسمح لحزب الله وربما الميليشيات الشيعية العراقية (الحشد) المرتبطة بإيران باستغلال الهشاشة الأمنية لتحويل سوريا إلى ساحة حرب امتداداً للحرب الإيرانية. لا شك أن حزب الله يسعى للوصول إلى الجنوب السوري لاستخدامه لإطلاق صواريخه، لكن الإجراءات التي قامت بها الحكومة السورية والانتشار العسكري على الحدود لضبطها ومراقبتها أدى إلى منعه من الوصول. لكن الحزب يبدو أنه يسعى لاستدراج رد فعل من القوات السورية للتدخل لإثبات إشاعة أن أنها ستدخل إلى لبنان. في 10 آذار الجاري أطلق حزب الله قذائف على مدينة سرغايا الحدودية بهدف استجلاب رد فعل.

لكن الحكومة السورية عملت على التنسيق مع الحكومة اللبنانية لاحتواء الأمر وضبط الحدود، والواقع أن سردية حزب الله عن نية الرئيس الشرع التدخل في لبنان لها ثلاثة أغراض: شد عصب الطائفة بعد الانقسام في بيئته، وإضعاف التوافق اللبناني حول نزع سلاح حزب الله بإظهار أنه حامي الحدود اللبنانية من أي هجوم سوري، مستفيداً من الذاكرة اللبنانية المؤلمة عن تدخل القوات السورية في عهد الأسدين، وتبرير توسيع عمليات حزب الله على الحدود السورية. ويدرك المسؤولون السوريون أهمية أن تكون الردود عن أية انتهاكات محسوبة، ولا تسمح لحزب الله بالوصول إلى هدفه.

التداعي الرابع قد يكون تباطؤ إعادة الإعمار، فالرؤية الحكومية كما أعلنها الرئيس الشرع تعتمد على استثمارات ضخمة في القطاع العقاري والبنية التحتية، ولكن تبدل الأحوال في الخليج بعد الحرب قد يؤخر الاستثمارات خصوصاً كلما طالت الحرب، ولأن الخليج يمثل المصدر الرئيسي للتمويل الاستثماري.

بنهاية الحرب الإيرانية سيكون الشرق الأوسط قد تغير، فقد أصبحت مسألة أمن الخليج على الطاولة كما لم تكن من قبل، وستكون سوريا جزءاً من أية ترتيبات تتعلق بأمن المنطقة. وهذا يعني أن الظروف لا تزال تخدم الاستراتيجية التي ينتهجها الشرع في العلاقات الدولية، حيث ستكون سوريا رهان الاستقرار في المنطقة وستزداد أهميتها في المرحلة المقبلة، وعلى عكس بعض التوقعات فإن موقع سوريا الجيو-استراتيجي سيفرض اهتماماً متزايداً بدعم استقرارها.

من جهة أخرى، يصادف انتهاء الحرب شبه إغلاق لمعظم الملفات العسكرية الداخلية، باستثناء جيب جبل العرب في الجنوب في محافظة السويداء، هذا يعني أن الملفات الداخلية يفترض أن تأخذ معظم الجهد، وفي شكل خاص الملفات الرئيسية الأربعة: الاقتصاد، العدالة الانتقالية، إعادة الإعمار، المجلس التشريعي، وهي ملفات مترابطة بقدر ما تبدو منفصلة، والنجاح في التقدم فيها في السنة الحالية هو نجاح لها، وسيبقى تنظيم داعش وحزب الله أبرز خطرين للسنوات القادمة.

الثورة السورية


سوريا والبقاع وجهاً لوجه/ أنس وهيب الكردي
الأحد 2026/03/15
أشعل الفراغ الذي خلفه تراجع القوة المصرية بعد نكسة حزيران/يونيو 1967، وعمقته سياسات الرئيس المصري الراحل أنور السادات الانسحابية من الشؤون العربية بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر، شرارة تنافس من أجل الهيمنة على الهلال الخصيب بين عدد من القوى الطامحة في وقته: (إيران، سوريا، إسرائيل، العراق والسعودية)، في صراع ملحمي لا تزال فصوله تتوالى.

في حينه، أغرى انتهاء الحقبة الناصرية في السياسة العربية وانكفاء القاهرة على نفسها، بغداد ودمشق للمطالبة بإرث الزعامة المصرية الآفلة.

البقاع.. منطلق الدور الإقليمي لحافظ الأسد

اقتحم الرئيس السوري حافظ الأسد المشهد اللبناني. أراد أن يشرف على “الساحة اللبنانية” كي يمنع أي تهديد لحكمه عبرها، وفي الوقت نفسه ليمهد الطريق أمام انطلاقة الدور السوري الإقليمي. منذ ذلك الحين، تحول البقاع إلى إحدى المواقع الحساسة على رقعة الشطرنج الإقليمية، واشتبكت فصول حكايته مع ذاك الوافد السوري.

باتت هذه المنطقة اللبنانية الممتدة بوداعة بين سلسلتين من الجبال، المنطلق الحصين لدور الأسد الأب في لبنان، والحاضنة للقوى المسلحة التي أنشأها، بهدف تحويلها إلى “أوراق” على طاولة صراعاته المفتوحة مع إسرائيل، العراق وتركيا وأحياناً السعودية. بنيت المخازن والمعسكرات بين القرى، وكان المشرفون على التدريب ضباط من جنسيات متعددة، إلا أن الأسد ظل دائماً محكماً قبضته على مفاتيح الوادي، رافضاً تسليمها لأي قوة مهما كانت حليفة أو صديقة.

وعلى الرغم من أن جيش الأسد خسر دفاعاته الجوية وفقد عشرات الطائرات في الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، إلا أنه تمترس في البقاع. ومن هذا الحصن، عدّل الأسد، عندما تبدلت الأجواء الإقليمية والدولية، موازين القوى التي مالت بشدة ضده بعد خروج جيشه ومنظمة التحرير الفلسطينية من العاصمة اللبنانية بيروت. في كنف الحماية السورية، أقام حزب الله اللبناني بنيته التحتية في البقاع، وتحديداً في أعماق المناطق المتداخلة من الحدود والملتبسة الهوية ما بين لبنان وسوريا. بنيان الحزب العسكري أتى وفقاً للترتيب التالي: العقل التنظيمي في الضاحية الجنوبية، مراكز العمليات بين نهري الليطاني والأولي، الجبهة في الجنوب، والعمق الاستراتيجي في البقاع المفتوح على سوريا وإيران.

البقاع.. حيث عمق الحزب الاستراتيجي

قلّص هذا الترتيب قدرة إسرائيل على فك الشيفرة العسكرية لحزب الله، خصوصاً خلال اشتباكات عامي 1993 و1996، وحرب تموز 2006. وبالرغم مما تعرض له من خسائر خلال تلك الحرب، إلا أن الحزب تمكن بفضل سيطرته على وادي البقاع وتدفق الإمدادات من نظام الأسد وإيران إليه، من إعادة بناء نفسه. استنتجت إيران ونظام الأسد أن الظروف المتشكلة بعد حرب تموز تسمح لهما بنشر صواريخ بعيدة المدى في منطقة البقاع، فلم يتأخرا.

انقلبت الآية بين نظام الأسد وحزب الله مع اندلاع الثورة السورية، حيث طلب النظام مساعدة الحزب. استعمل حزب الله البقاع منطلقاً لمهمته القتالية في سوريا، حتى غاص في أقصى مجاهلها. تعويضاً عن انتقال الكتلة الأكبر من مقاتلي الحزب إلى سوريا، واضمحلال المخزونات السورية من الصواريخ، قرر حزب الله وإيران مضاعفة الرهان على ترسانة الصواريخ الموجودة في البقاع، فزادا مدياتها ودقتها، وأضافا إليها المسيرات بعيدة المدى. وفي مرحلة من المراحل، وطّنت إيران صناعة الصواريخ المخصصة لحزب الله في موقعين سوريين على الأقل (مركزي البحوث العلمية في مصياف وجمرايا).

هزيمة حزب الله أمام إسرائيل في حرب عام 2024 وخروجه من سوريا بعد سقوط نظام الأسد على يد فصائل “ردع العدوان”، أجبرتا الحزب على الانكماش بعد عقدين من التمدد الاستراتيجي. خلال هذين العقدين، مد الحزب عمقه الاستراتيجي في البقاع نحو منطقتي القلمون غربي العاصمة دمشق، والقصير بمحافظة حمص. انسحاب الحزب من سوريا، تبعه عودة خبرائه ومقاتليه من اليمن والعراق، فضلاً عن لجوء مقاتليه السوريين ومعهم قسم من بقايا جيش واستخبارات الأسد المنحلين. هؤلاء العناصر والمقاتلون تجمعوا في مساحة ضيقة من الأراضي لا تتجاوز نصف مساحة لبنان الإجمالية، مع قدرات قتالية هائلة قياساً إلى عديدهم.

نتنياهو.. يسترهن لبنان لضبط ترامب

والآن، أكثر ما يضغط على اللبنانيين وإلى حد ما السوريين حالياً، هو حراجة الموقف الإسرائيلي بعد سعي واشنطن لفتح نافذة تفاوض مع طهران؛ فبينما يستكشف الجانبان فرص عقد مفاوضات جديدة لوقف الحرب، لا يجد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أمامه من خيار سوى الانقضاض على لبنان وأخذه رهينة لمنع ترامب من التضحية بمصالح حليفته إسرائيل، إذ أن طهران ستطالب بوقف الحرب ليس فقط في إيران وإنما في لبنان، الأمر الذي يسمح لنتنياهو التلاعب بالمفاوضات بل وحتى تخريب هذه المحادثات التمهيدية.

ومع انطلاق آلة العدوان الإسرائيلي في اجتياح لبنان، عاد الحزب إلى انتشاره القتالي المجرب سابقاً والذي سمح له بالصمود في حرب تموز، حيث جبهة مرنة في جنوب الليطاني، تتصلب كلما اتجهنا نحو الشمال، خصوصاً ما بين نهري الأولي والليطاني، عوض الجبهة الصلبة في القرى الأمامية التي دمرها الجيش الإسرائيلي في حرب 2024. في هذا الانتشار يحتل وادي البقاع أهمية حاسمة بالنسبة لحزب الله ولنتيجة المعركة، إذ لا يزال يشكل عمق الحزب الاستراتيجي، على الرغم من أنه لم يعد ممراً لتدفق السلاح القادم من إيران عبر سوريا كما كان سابقاً، كما لم يعد مسار نزوح آمن للمهجرين من الحرب الغاشمة التي تشنها إسرائيل على لبنان، نحو الملاذ الآمن في سوريا.

فرصة سانحة وتهديدات وشيكة لدمشق

أما السلطة السورية، التي تتراءى لها الأخطار، تتحسس الأرض تحت أقدامها قبل أن تقدم على أي خطوة. فمخاطر اختراق الجيش الإسرائيلي البقاع الغربي للوصول إلى بنية الحزب التحتية في البقاع تبقى ماثلة، بما يمكّن إسرائيل من الإطباق بفكي كماشة على دمشق من جبل الشيخ ومن البقاع، ويمحنها موقعاً لا يبارى لفرض إملاءاتها على سوريا. إلى هذا، قد تقرر إسرائيل الالتفاف حول مواقع الحزب الحصينة ما بين نهري الليطاني والأولي عبر اختراق الأراضي السورية لتصل منها إلى معبر المصنع ومنه إلى البقاع، أو إلى معبر القلعة ومنه إلى راشيا وحاصبيا. وإلى هذه اللحظة، يحول الرفض الأميركي دون إتباع تل أبيب هذا السيناريو.

على الضفة الأخرى من خط التقسيم، تفاقم استراتيجية حزب الله وإيران حيال البقاع، الأخطار على الأمن السوري؛ فقد ملأ الحزب فراغات دفاعاته في المنطقة عبر تجنيد سوريين فروا بعد هزيمة بشار الأسد، غالبيتهم ملاحقين من قبل حكومة الشرع لكونهم من “فلول النظام”. من جهة أخرى، نشرت إيران عدداً غير معروف من الصواريخ متوسطة المدى والدقيقة في كل من العراق، لبنان واليمن، بطريقة هندسية تسمح بتعظيم تأثيرها إذا ما جرى إطلاقها بتناغم مع الصواريخ الإيرانية. زرعت طهران غالبية الصواريخ المخصصة للبنان في منطقة البقاع، الأمر الذي لا يمكنها فقط من إصابة إسرائيل، بل وأيضاً تهديد المواقع الاستراتيجية ومراكز البنى التحتية في دمشق أو حمص أو طرطوس، وهو أمر لم يعد مستبعداً بعد ما فعله الحرس الثوري في الدول المطلة على الضفة الجنوبية من الخليج. ومع نشر دمشق وحدات الجيش على الحدود مع لبنان، نصبح أمام سباق من نوع خاص، بين سرعة طواقم الحزب الصاروخية في تجهيز وإطلاق الصاروخ نحو أهدافه داخل الأراضي السورية مقابل سرعة المشاة السوريين في الوصول إليهم قبل حصول عملية الإطلاق.

على أية حال، تتحسّس دمشق مخاطر الانتصار الكامل لإسرائيل على حزب الله، لكنها تخشى أيضاً أن ينقلب حزب الله، إذا ما نجح بالصمود في مواجهة إسرائيل، إلى التصعيد ضدها (أو ضد الحكومة اللبنانية) من أجل تثمير “انتصاره”، متبعاً ذلك بتوجيه صواريخه نحو دمشق لابتزازها وانتزاع تنازلات منها. ومما يزيد من تعقيد الأمور أن الحكومة اللبنانية لن تقدر على توفير ضمانة فعلية بشأن أماكن تخزين هذه الصواريخ ومدياتها، أسوة بما هو متعارف عليه في الحالات المشابهة بين الدول المتجاورة، وأن الحزب سيحيل أي مفاوضة بخصوص هذه الصواريخ إلى ملاكها الأصليين: الإيرانيين، وهؤلاء لديهم الكثير الكثير من الحسابات مع حكومة الشرع لتصفيتها، فضلاً عن القضايا العالقة بينهما.

الأوراق السورية.. تتعزز

رأى المسؤولون السوريون، أن الأولوية في الوقت الراهن تتمثل في تحييد الضغوط التي تمارسها إسرائيل وإيران وحزب الله على سوريا. فبينما تدفع تل أبيب دمشق والحزب إلى الاقتتال فيما بينهما وصولاً إلى تفجير لبنان برمته، وضمناً سوريا، تريد إيران وحزب الله أن يورطاها في الحرب ضد إسرائيل، وأن يجبراها على فتح الحدود أمام تدفق اللاجئين اللبنانيين نحو سوريا، والسلاح الإيراني إلى الحزب. مثل الاصطفاف خلف موقف الشرعية اللبنانية المطالب بنزع سلاح حزب الله، الأداة المتاحة للحكومة السورية لتحييد الضغوط المتعارضة. لذلك، حرص الشرع على بث التطمينات في أوساط المسؤولين اللبنانيين بأن الحشود السورية ذات طبيعة دفاعية بحتة وأنها تستهدف ضمان الأمن الداخلي في سوريا. مع ذلك تضج الكواليس بما يوحي بأن دمشق قد تعدل موقفها. في هذا السياق، بات المناخ العام أكثر قبولاً باتخاذ دمشق خطوة لمواجهة تعقيدات الحرب بين إسرائيل وحزب الله، بل أصبح احتمال التدخل العسكري السوري المحدود داخل الجانب اللبناني من الحدود، أحد الخيارات المطروحة على طاولة البحث على الصعيدين الإقليمي والدولي.

وإذا ما استعرضنا الأوراق الموجودة بيد الحكومة السورية سنجد أنها تعززت بعد إعلان حزب الله الحرب على إسرائيل إسناداً لإيران. تحول الموقف الفرنسي المناوئ للشرع إلى النقيض، إذ عادت باريس إلى التعاون مع دمشق وفي ذهنها تحقيق هدفين، الأول: حماية التركيبة اللبنانية المهددة بحرب إسرائيلية لا تبقي ولا تذر، والثاني، منع واشنطن وتل أبيب من الاستفراد بلبنان ما من شأنه أن يهمش الدور الفرنسي. بدورها، استاءت بريطانيا من إطلاق حزب الله مسيرات على قواعدها في قبرص، وبات المسؤولون القبارصة المنخرطون في تحالف مع تل أبيب وأثنيا، معادي بجوهره، لأنقرة ودمشق، يرون في سوريا عاملاً يمكن اللجوء إليه لتخليص الجزيرة من التهديدات القادمة من لبنان. أما الدول العربية الخليجية، التي ذاقت الأمرين من الصواريخ والمسيرات الإيرانية المنطلقة سواء من إيران أو من العراق، فستجد في إطلاق يد الشرع لنزع ترسانة الصواريخ في البقاع، خطوة تمهيدية نحو تجريد الفصائل العراقية الولائية من صواريخها المصوبة في اتجاه دول الخليج. وهي مهمة، تبدو مصممة على مقاس السوريين. ومن نافل القول إن الأميركيين يدعمون بقوة تدخل دمشق في منطقة البقاع، بعدما اتضح أنه الخيار الأكثر واقعية لنزع الصواريخ منها والتي تشكل آخر خط دفاعي عن بقايا الدور الإيراني في بلاد الشام، إذ لن تتخلى طهران بسهولة عن نصيبها على التراب اللبناني، بعدما اتضحت فائدتها في زيادة فعالية الصواريخ المنطلقة من إيران على إسرائيل.

واقع الحرب وظلال التاريخ

وإذا كان التعامل مع أخطار الحرب الدائرة يتطلب تحركاً سورياً يمنع إسرائيل من وضع يدها على البقاع، أو حزب الله من الاستمرار في تخزين الصواريخ داخل منطقة تطل على المراكز الحيوية للدولة السورية، فإن دروس التاريخ تلقي أيضاً بظلالها على لحظة الحرب الراهنة. لقد دارت الأيام دورة كاملة منذ انحسرت الحقبة المصرية عن السياسة العربية إبان السبعينات من القرن الماضي، والآن، تقترب الحقبة الإيرانية في بلاد الشام من الأفول لتصبح أثراً بعد عين، الأمر الذي ينذر بتشكل فراغ لا بد من ملئه. يتزامن الفراغ مع تحدي زيادة طوق الأمان حول العاصمة دمشق، وتفكيك مخططات حزب الله وإيران الرامية إلى زعزعة استقرار وسط سوريا والساحل، بما يسمح للشرع بإرساء إعادة إعمار سوريا على أسس متينة، وتوفير الاستقرار اللازم لتحويل بلاده إلى ممر تجاري يربط المتوسط بالخليج.

لذلك، فإن الشرع بوقوفه خلف الموقف اللبناني الرسمي المنادي بنزع سلاح حزب الله، تمكن من تنفيس ضغوط تل أبيب وحزب الله عليه، إلا أن مناورته ستكسبه وقتاً محدوداً للغاية، بينما تدنو لحظة اتخاذ القرار.

المدن


إيران والعودة إلى الحكم “الملكي” الثيوقراطي/ عمار ديوب
15 مارس 2026
تجنّب المرشد الإيراني الأعلى الراحل، علي خامئني، وصول نجله مجتبى إلى منصب المرشد. فهذا يذكّره، ومعه قادة إيرانيون كثر، دينيون خصوصاً، بالشاهنشاهية، التي قامت الثورة الإسلامية ضدها 1979، ولكن الشعب أيضاً سيقول إن الحكم أصبح ملكيّاً. مجتبى الغائب عن الأضواء، وعقوداً كان شديد الحضور وأمسك بكثير من خيوط الاقتصاد والدين والحرس الثوري والأمن، وكان على اضطلاع دقيق بكل مفاصل السلطة، واجتهد دينياً، وصولاً إلى رتبة حجة الإسلام، ورُفِع إلى رتبة آية الله.

جاء اختياره مرشداً للتعبير عن ميل كفّة الكتلة الأكثر تشدّداً في السلطة، الحرس الثوري، والمراجع الفقهية المؤمنة بولاية الفقيه، ومستفيداً من مظلومية اغتيال والده، ومن ثم هي من تحكم إيران. صحيحٌ أنه لم يعرف إلّا من التلفاز مسألة انتخابه، ولكن، ومع بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية، ومقتل كثيرين من القادة، تسلّم تقريباً الحرس الثوري، الموالي له، المواجهة ضد العدوان على بلاده.

لا توجد في جعبة الرجل اعتباراتٌ لمطالب الشعب، بل لعب دوراً قيادياً في قمع الحركة الخضراء في 2009، ولاحقاً كان من المتشدّدين ضد الاحتجاجات الشعبية. وهذا يعني أن انتخابه لم يراعِ مصالح قطاعات شعبية واسعة. وهناك تيار ديني أميل إلى الإصلاحيين سيجد نفسه، خصوصاً مع توقف الحرب، في مواجهة سياسات المرشد التي ستتابع، وفقاً لنص بيانه الأول، سياسات والده، في طرد القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة ودعم الأذرع الإقليمية. وطبعاً لن يقبل إنهاء صناعة الصواريخ الباليستية. وبخصوص البرنامج النووي، ربما يخوض مفاوضات طويلة، تفضي إلى تأبيد سلطته!. ولكن هل ستترك الدولة الصهيونية أو الإدارة الأميركية إيران للمرشد الجديد ولن تغتاله؟ هذا تحدٍّ كبير يواجه كتلته في النظام الإيراني، والتي تتمسّك بولاية الفقيه وبمواجهة العدوان وبالسلطة وبخيارات الحرب.

مجتبى حالياً هو “وارث” أبيه، ومهما قيل عن قصة الانتخابات من مجلس خبراء القيادة. هذا، وعكس الكلام أعلاه، يعطي الرجل إمكانية التفاوض مع الخارج، ولكن هل في مقدوره تجاوز أزمات الداخل، الاقتصادية، وفرص العمل، ومسألة الحرّيات، والتحوّل الديمقراطي. وإقليمياً، إقامة علاقات متكافئة، “دافئة وبنّاءة” كما قال، في ظلِّ تذمرٍ خليجي واسع بسبب القصف الإيراني المستمر على بلدان الخليج العربي، والذي لا يقتصر على القواعد العسكرية الأميركية.

ربما تفترض قيادة الحرب والمواجهة رجلاً قوياً، وربما هذا ما أدّى إلى انتخاب مجتبى، وبيانه يشير إلى ذلك. ولكن سيرته وعدم مراعاته المطالب الشعبية، وربما، سيكون وصوله إلى منصب المرشد سبباً في احتجاجات واسعة حالما تنتهي الحرب، فكل الاحتجاجات السابقة كانت ضد سياسات السلطة. وبوصول مجتبى ستتعزّز السياسات ذاتها، ومن ثم، سيتعقّد المشهد الإيراني كثيراً، ولا سيما أن البلاد ستكون مدمّرة بصورة رهيبة. فما العمل؟

ستكون إيران بعد هذه الحرب أضعف بكل المقاييس، وهي بالأصل ضعيفة، وتعاني أزمات ضخمة اقتصادية واجتماعية وسياسية، وفي حاجة إلى التغيير الشامل. استعراض القوة والرمزية (الاحتفال بيوم القدس) والتشدّد في شوارع إيران ليس هو الحل لمواجهة تلك الأزمات. سياسات السلطة، وتشدّدها، وبغياب دعمين، صيني وروسي حقيقيين، وبرفضهما أميركيّاً، إيران في طريقها إلى أزمات أكبر مما هي فيها قبل الحرب. ومن ثم، هناك ضرورة لمقاربة جديدة للسلطة بعد وصول مجتبى، ولكن السلطة الحالية هي محض استمرار لمرحلة المرشد علي خامنئي. ومن هنا، ستكون إيران معرّضة لأزمات داخلية كبيرة، وهناك مظالم القوميات التي تعمل عليها دول العدوان، و”العدائية” تجاه دول المنطقة. إيران بتأكيدها شكر “محور المقاومة” تدفع دول الخليج إلى الابتعاد عنها أكثر فأكثر، وتتجاهل الطموح الصهيوني للسيطرة على المنطقة، وبتخطيطٍ أميركي لفرض هيمنتها على المنطقة، ومن ثم، الحرب ضد إيران أميركية أولاً، وصهيونية ثانياً.

بيان مجتبى “الناري” أغلق إمكانية إيقاف الحرب، وأوساط سلطته تؤكد أنها تستطيع المواجهة ستة أشهر، راغبة في إحداث أزمة اقتصادية عالمية، تُجبر أميركا والدول العظمى على التدخّل لإيقاف الحرب، ولا سيّما أنها ستسعى إلى إغلاق مضيق هرمز، وتكثيف القصف على القواعد الأميركية في الخليج، وربما على صناعة النفط والغاز، وهذا ما قد يدفع إلى إيقاف الحرب.

تؤكّد تصريحات أميركية توسيع الحرب، وقطع كل الأذرع الإقليمية، وهو ما نراه في لبنان والعراق، وربما في اليمن لاحقاً. وبالطبع، هناك تدمير واسع لقدرات إيران العسكرية. وهذا يعني أن احتمال مقتل مجتبى قائم، وكذلك احتمال دعم قوات برّية مجموعات قومية كذلك، وربما أيضاً حراك شعبي مناهض، لم يبرز بعد… ولكن هل تريد الإدارة الأميركية فعلاً تغيير النظام الإيراني؟ الدولة الصهيونية أداة للدولة الأميركية في المنطقة، وما دامت الصهيونية تتحدث عن هدف كهذا، هو لا شكَّ على طاولة البيت الأبيض، الذي يصرح صاحبه بكلامٍ كثيرٍ يومياً، ومتناقض أحياناً، ولكن حرباً بهذا الحجم، وبمواجهة التمدّد الصيني والروسي، تتطلب الكثير من التغيير في النظام الإيراني لإيقافها، وبتعذّر هذا، سيظلّ هدف تغييره قائماً.

هل يمكن للإدارة الأميركية أن توقف الحرب منفردة؟ مجدّداً، هذه الحرب ليست فقط ضد إيران؛ وباعتبار السلطة الإيرانية تتبنى الخيار الصفري، فهي مفتوحة على خيارات كارثية. ويشير بعضهم إلى الخيار النووي حتى… تفيد الاستنتاجات أعلاه بأن تغيير النظام لا يزال هدفاً للعدوان، واعتماد التفاوض وفقاً لشروط دول العدوان يبدو مستبعداً من السلطة الإيرانية، وإن سيناريو إيقاف الإدارة الأميركية الحرب ليس على طاولة ترامب في هذه اللحظة. وخيار الحرب واستبعاد التفاوض هو السائد بين دول العدوان وإيران، وهذا يعني مزيداً من التأزم بين هذه الدول، ومع دول المنطقة، ولا سيما أن إيران تتبنّى تأزيم كل المنطقة، للوصول إلى تفاوضٍ نديٍّ، وقد أشار مجتبى إلى “تدمير” أموال الأميركان وطلب التعويضات، من شروط للتفاوض، ومن ثم الحرب مستمرّة إلى أسابيع إضافية وربما أشهر، ريثما تتغيّر معطياتٌ عديدة؛ إيرانية، ودولية، وإقليمية، لا يمكن تخمينها بدقة، وتؤدّي إلى إيقاف الحرب.

ما هو أكيد أن السلطة بشكلها “الملكي” الثيوقراطي لن تلقى ترحيباً لدى الأكثرية الإيرانية. وقد أضاعت قوى النظام، بانتخاب مجتبى، فرصة دفع الإصلاحيين إلى أن يصبحوا هم “الدولة العميقة” في البلد، والاستعانة بمير موسوي مثلاً، وإخراجه من الإقامة الجبرية منذ 2009، وطرح مبادرات جادّة نحو التفاوض مع الإدارة الأميركية والاستجابة للمطالب الشعبية القديمة في التغيير.

الحرب مستمرّة، والاغتيالات ممكنة، وتغيير سياسات النظام المدخل نحو إعادة تكوين إيران دولة موحّدة وغير عدائية لجيرانها، فهل تسمح بذلك أميركا؟ وهل تدعم ذلك الصين وروسيا؟ صراع دول “الاستكبار” العالمي على تقاسم العالم وضده يقتضي العودة إلى الشعب، وتحقيق مطالبه، وهذا هو المدخل الحقيقي لإنقاذ هذا البلد والعالم.

العربي الجديد


أبعد من الحرب… أبعد من ايران/ سمير الزبن
15 مارس 2026
لن يساهم ما يجري في إيران في رسم صورة المنطقة فحسب، بل سيساهم في رسم صورة العالم أيضاً، وقد بدأت هذه المساهمة قبل الحرب، ولن تنتهي بانتهائها، فأرض إيران تشكل، عند الإدارة الأميركية، المكان التجريبي لسياسة فقدت صوابها وخرجت عن كل منطق، غير عابئة بالقوانين، ولا بحياة البشر ودماء الضحايا البريئة في حربٍ عدوانيةٍ لم تُقنع مبرّراتها أحداً. فهنا تكشف السياسة الأميركية وشريكتها الإسرائيلية عن وجهها، الوجه الذي تعكسه سياسة لا تعبأ برأي الشارع العالمي ولا المحلي ولا برأي الدول الأخرى، بما فيها الدول الحليفة للولايات المتحدة، والانطلاق وراء سياسة أحادية الجانب لا ترى إلا نفسها، ولا تتبع إلا أسوأ الغرائز التدميرية، من دون أهداف واضحة. إنها نتاج سياسات الرئيس دونالد ترامب الإمبراطورية، المغرورة بقوتها التي تتفوق على الجميع.

بدأت هذه السياسة تتكشّف مع نجاح ترامب في الانتخابات الأميركية، ومعه صعود أقصى اليمين الأميركي الشعبوي المتطرف، بهذا الصعود وجد العالم نفسه في ورطة، وقد ازدادت هذه الورطة تعقيداً مع سياسةٍ أميركيةٍ تعتبر أن مصالح الولايات المتحدة ومهما تناقضت مع الدول الأخرى، حتى الحليفة، هي سياسة محقّة، ليس لقدرتها على الإقناع، بل لأنها القوة الأضخم في العالم، وسرعان ما اعتمد ترامب السياسات الفجّة بتهديد الجميع، الحلفاء قبل الأعداء. وقد قسّم العالم إلى ثنائية مبسّطة، من ليس معي فهو ضدّي بالمعنى الشخصي، وكأن السياسة صراع في الشارع، ولم يتورّع عن القول إنه سيقطع كل العلاقات مع إسبانيا لأنها رفضت الحرب، ولم تسمح باستخدام أراضيها في الحرب القائمة. توغلت أكثر في الثنائية المبسّطة مستندة إلى سياسة “القوة العارية” من أي غطاء قانوني.

ولأن السياسة أكثر تعقيداً من هذا التسطيح، ولأنه لا يمكن إدارة العالم على هذا التبسيط الشديد الذي يقسم العالم قسمة لا رجعة عنها. ولأنه لا يمكن ممارسة هذه السياسة على هذا الشكل من دون دفع العالم إلى الكارثة، ما دامت الدولة التي تمارسها هي القوة الأكبر في العالم، وفي مثل هذه الظروف وجد العالم نفسه في ورطةٍ من سياسات القطب الأقوى الإمبراطورية.

لقد اعتبرت إدارة ترامب أنها تحارب “الشر”، ومن حقّها أن تفعل ما تشاء، بمن تشاء، في الوقت الذي تشاء، وبالطريقة التي تختارها، وليس على العالم سوى التهليل لها ومباركتها، من دون أية معارضة، ما دامت تريد هذا. وعلى هذه الخلفية، أخذ ترامب يهدّد الدول الكبيرة والصغيرة في سياق سياسات رعناء تجاه الجميع. وبدل أن يواجه العالم هذه الرعونة، قدّم الجميع، وفي مقدّمتهم الدول الأوروبية التنازلات وراء التنازلات لإدارةٍ قرّرت ألا تتوقف عن طلب تحقيق رغباتها، بصرف النظر عن مشروعية هذه المطالب وقانونيتها أو توافقها مع الشرعية الدولية. وقد جاءت الحرب على إيران متناقضة مع القانون الدولي، الذي اعتبر ترامب نفسه غير معني بها، وليس مضطراً إلى تبرير العمل العسكري ضد إيران.

التفرّد الأميركي والابتزاز والعدوانية التي مورست على العالم لمصالح أميركية فجّة أوقف العالم على حقيقة أن الاستجابة للطلبات والابتزازات الأميركية سيجر العالم إلى مزيدٍ من التنازلات من دون توقف. وكان لا بد من ممانعة دولية والوقوف بوجه هذه الشره الأميركي لتركيع العالم بكل أقطابه عند الأقدام الأميركية. لكن السياسات الجبانة لدول كثيرة جعلت حكوماتها تتملق ترامب شخصياً أو تتجنب أذاه، والاستثناءان الكندي والاسباني يؤكّدان القاعدة.

خرقت الحرب الأميركية على إيران القانون الدولي واستهترت بالمؤسسات الدولية، وذهبت إلى حرب فائضة عن الحاجة، لتقول إدارة ترامب إنها تستطيع أن تفعل ما تشاء، وأن ما تقوم به في إيران، وسبق أن قمنا به في فنزويلا، هذه الطريقة في التعامل مع الآخرين جعلت ترامب يهدّد كوبا، بأنها ستلقى المصير نفسه، والقضية “مسألة وقت”، كما قال في أثناء استقباله فريق كرة القدم الفائز بالدوري الأميركي.

إنها سياسة “أزعر الحارة” المتجاوز لكل القواعد، لذلك يقوم نموذج الحرب على إيران على أن رجلاً واحداً منفلتاً من كل الضوابط، خارج الولايات المتحدة وداخلها، يضع القواعد بحسب مزاجه. ليست المشكلة إيران الملالي الدكتاتورية التي تقتل المتظاهرين. والتصدّي لهذا النوع من السياسة ليس دفاعاً عن النظام الإيراني، فهي ضرورة تاريخية لوقف تدهور العالم وتحويله إلى غابة، لها سيدٌ واحدٌ يحكمها بوصفه الإمبراطور.

لا يشكل الصراع على القواعد مسألة إجرائية في العالم، فقد وضعت السياسة الأميركية الآخرين في مأزق حقيقي، لأنها تريد الآخرين عبيداً للسياسة الأميركية في تشكيل العالم، وليسوا شركاء في عالم ملك الجميع، فأن يجري الاستناد إلى قواعد الشرعية الدولية لإنجاز وحدة للمجتمع الدولي مسألة جوهرية وحاسمة، مقابل التفرّد وفرض السياسة على الجميع.

لقد تضرّرت الأمم المتحدة بشدة جرّاء السياسة الأميركية التي يتعامل معها ترامب باحتقار، ويعمل على تقويضها من خلال الانسحاب من عشرات الهيئات الدولية ووقف تمويلها. والحرب على إيران ليست نهاية المطاف، فإذا لم يتم قول لا لإدارة ترامب وشكل علاقتها مع العالم، فإن الحرب الحالية مدخل لكوارث كبرى فيما تبقى من سنوات لإدارة هذا الرجل، والتي يمكن أن تكون الأساس الذي تُبنى عليه السياسات الأميركية بعد رحيلها. لذلك بات ضرورياً، وعلى مستوى العالم، ولأن الجميع متضرّر من السياسات العدوانية لإدارة ترامب من الضروري الوقوف في مواجهة هذه السياسة، التي تؤسّس لزمن “إمبراطوري أميركي”.

ليس الهدف من مقاومة سياسات ترامب الصدام مع الولايات المتحدة، بل مقاومة رؤية إدارة أميركية تعتقد أنها تملك العالم، وليست أحد الشركاء في هذا العالم الذي هو ملك الجميع. سياسة “القوة العارية” التي تتبعها إدارة ترامب، والتي تُظهر هذه الإدارة بوصفها “بلطجي العالم”، لا يمكن لها أن تمر، حتى لو كانت الولايات المتحدة تملك نصف القوة العسكرية في العالم، فالقوة وحدها لا تصنع السياسة، ولا يمكنها أن تشكل قواعد دولية لعالم معقد ومتنوّع، لأنها في نهاية المطاف ومن دون استنادها إلى دبلوماسية وقواعد دولية يتوافق عليها الجميع تبقى قوة هشّة، لها من مواقع الضعف ما يكفي لتوجيه الضربات القاسية إليها. والفرق هائل بين سياسة مستندة إلى قوة كبيرة وقوة عارية، الأولى تدير اللعبة وفق القواعد التي يتفق عليها الجميع مستعينة بقوتها الهائلة، والثانية تدير سياسة تحطّم القواعد، وتتحول في مطلق الأحوال إلى سياسة مدمّرة.

العربي الجديد


إيران.. بين الاحتواء والمواجهة الشاملة/ أحمد عيشة
2026.03.15
على مدى العقود الماضية شهدت العلاقات بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى تحولات مهمة تأرجحت بين التعاون والحروب بقصد فرض الهيمنة على المنطقة وتقاسم النفوذ فيها، غير أن المرحلة الراهنة تبدو أكثر حدة، إذ تخوض هذه القوى اليوم أعنف حرب بينها، حرب تحصد أرواح الآلاف في سياق محاولات لإعادة رسم الأدوار الإقليمية وربما تعديل بعض التوازنات الجغرافية والسياسية، وهو ما ينذر بدخول المنطقة مرحلة جديدة من عدم الاستقرار قد تكون شعوبها الأكثر تضرراً من تداعياتها.

منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، تبنّت إيران استراتيجية إقليمية تقوم على توسيع مجال نفوذها خارج حدودها الوطنية، مستندة إلى مبدأ تصدير الثورة، الذي كرسته دستورياً، وقد تجسد هذا من خلال بناء شبكة من القوى الحليفة أو الوكيلة في عدة بلدان عربية، مثل لبنان والعراق وسوريا واليمن. وفي هذا السياق، لعب فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني دوراً محورياً في بناء هذه الشبكة، التي ستوظفها إيران من أجل تطبيق ما يمكن وصفه بـ “الدفاع المتقدم”، أي نقل ساحة المواجهة مع خصومها بعيداً عن أراضيها، وتحويل المنطقة إلى مجال نفوذ استراتيجي يحمي النظام الإيراني ويمنحه أدوات ضغط متعددة. وخلال تلك الفترة تعاملت الولايات المتحدة وإسرائيل مع تلك السياسة وفق استراتيجية التعاون والاحتواء بمواجهة خطر آخر، كان متمثلاً بالعراق ومن بعده الحركات الإسلامية الجهادية.

انتهت الحروب التي شنتها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، التي رُوّج لها باعتبارها بداية إعادة تشكيل المنطقة، عملياً إلى تعزيز النفوذ الإيراني بدلاً من تقويضه، وخاصة في العراق، حيث ساهم هذا النفوذ المترافق مع سياسة الولايات المتحدة بإعادة تشكيل “الدولة” في العراق بخلق الحركات الجهادية الإسلامية كرد فعل على المظالم والسياسات الطائفية لإيران من جهة وعلى سياسة التهميش والعداء الأميركية تجاه “السنة”، وهو ما خلق للطرفين “عدواً” مشتركاً كان أحد أسباب التهادن والتعاون بينهما، تجلى فيما بعد بالانسحاب الأميركي التدريجي من العراق بما يعكس توجهاً معاكساً لفكرة الانخراط في مواجهة مباشرة وشاملة مع إيران في تلك المرحلة.

شكلت الحرب الإبادية التي شنتها إسرائيل ولا تزال -في إثر العملية التي قامت بها حركة حماس في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، على الشعب الفلسطيني في غزة نقطة تحول مفصلية في تاريخ الشرق المتوسط، وخاصة المنطقة العربية. فالحرب هذه لم تقتصر آثارها على الدمار الهائل والخسائر البشرية التي لحقت بالفلسطينيين، حيث قُتل عشرات الآلاف ودُمّرت مدن ومخيمات بأكملها، بل سرعان ما تحوّلت إلى لحظة مفصلية لإعادة صياغة الاستراتيجية الإقليمية للولايات المتحدة وإسرائيل تجاه إيران وشبكة حلفائها في المنطقة، استراتيجية تعتمد توجيه الضربة إلى إيران بقصد تفكيك شبكاتها وبالتالي تقليص نفوذها، ودفع النظام الإيراني لإجراء تغييرات عميقة في سياساته الإقليمية، من دون استبعاد الخلاص من نظامها بالكامل وإقامة نظام موالٍ لها.

يعكس هذا التحول تصميم الولايات المتحدة وإسرائيل على إنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة، والتحرر من قواعد اللعبة التي سادت خلال العقود الماضية التي اتسمت بغض الطرف عن تمدد شبكتها المعروفة بـ “محور المقاومة”، والانتقال لتحجيمها أو الخلاص من نظامها اللصوصي، كما يعكس قناعة متزايدة لدى صناع القرار في واشنطن وتل أبيب بأن استراتيجية “الحرب عبر الوكلاء” التي اعتمدتها إيران طوال العقود الماضية أصبحت تهديداً استراتيجياً يجب تفكيكه. فوجود شبكة عسكرية عقائدية عابرة للحدود يمنح إيران قدرة على تعطيل التوازنات الإقليمية، وخلق بؤر توتر دائمة تهدد مصالح الغرب وحلفائه. ومن هنا، يبدو أن المرحلة الحالية تتجه نحو تفكيك تدريجي لهذه الشبكة، من خلال المواجهات العسكرية المباشرة وعبر إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية بما يقلّص المساحة السياسية والعسكرية التي تتحرك فيها القوى المرتبطة بطهران.

في الوقت نفسه، يبدو أن الاستراتيجية الأميركية تسير في مسارٍ موازٍ، يتمثل في إعادة ترتيب العلاقات مع بعض قوى الإسلام السياسي السني، بعد أن تتبنى مواقف محافظة بعيدة عن طروحات القاعدة وداعش اللتين تحلمان بـ “فتح” روما وما ترمز إليه، ويمكن لهذه القوى أن تشارك حتى بقتال تلك الأطراف المتطرفة من تيارات الإسلام السياسي الجهادي، ومن باب أولى أن تشارك بالوقوف بوجه إيران ومطامعها التوسعية، خاصة أن لإيران سجل من الفظائع بحق شعوب المنطقة من بغداد إلى دمشق وبيروت واليمن، يكفي لتسعير كثير من الأحقاد.

صحيح أنه خلال العقود الماضية، عرفت تلك العلاقة بين الغرب وهذه الحركات توتراً كبيراً، وشهدت معارك كبيرة وتغييرا لأنظمة سياسية تحت ذرائع متعددة، لكن التحولات السياسية الحالية قد تدفع إلى تبني نوع من البراغماتية السياسية التي تميّز بين الحركات الإسلامية المختلفة وفق موقعها في الصراع الإقليمي. ويعكس ذلك تحوّلاً في مقاربة الغرب للإسلام السياسي، حيث لم يعد يُنظر إلى هذه الحركات باعتبارها كتلة واحدة، بل بوصفها تيارات متباينة يمكن التعامل مع بعضها في إطار التوازنات الإقليمية الجديدة.

تعكس الحرب الدائرة اليوم بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران وحلفائها من جهة أخرى الصراع على الشرق الأوسط، وفي قلبه منطقتنا، صراع لا يزال مفتوحاً رغم الضربات العسكرية الموجعة لإيران، لكنها لا يمكن أن تضمن إمكانية تغيير نظام بطبيعة نظام الملالي، نظام متجذر يجمع بين البُعد العقائدي والمصلحة السياسية، ويستلهم الحلم الفارسي الإمبراطوري. وفي الطرف المقابل إسرائيل وأميركا اللتان تسعيان لتكريس زعامة جديدة كاملة للمنطقة من خلال الحلف الإبراهيمي وصفقة ترامب للقرن الحادي والعشرين. ويبقى السؤال الأهم، عن موقع العرب في ظل هذه التحولات الكبرى، فكلا المنتصرين سيفرض هيمنته ومصالحه أولاً، مما يفتح الباب أمام دورة جديدة من الصراعات الأكثر اتساعاً وخطورة؟

تكشف التجارب السياسية للمنطقة أن كل محاولة لإعادة ترتيب الشرق الأوسط بالقوة غالباً ما تنتج أشكالاً جديدة من عدم الاستقرار، ما يجعل مستقبل هذه الاستراتيجية رهناً بتوازنات معقدة تتجاوز حدود الصراع الحالي. وربما يكون الاستنتاج الأكثر واقعية هو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة طويلة من السيولة السياسية، حيث تتداخل الصراعات المحلية مع التنافسات الإقليمية والدولية دون أن تلوح في الأفق تسويات حاسمة. صحيح أن نفوذ إيران سيتضاءل، لكنه لن ينتهي دورها بالكامل، فالولايات المتحدة أو إسرائيل غير قادرتين على إعادة تشكيل المنطقة وفق رؤيتهما الخاصة، فالبنى التي أسستها إيران قائمة على العقيدة من جهة وعلى بلطجة أميركا وإسرائيل عميقة، وهو ما سيبقي البلاد عرضة للحروب الصغيرة والصراعات بالوكالة، بينما تبقى الشعوب هي الخاسر الأكبر.

في ظل هذه التحولات، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً متعلقاً بموقع الدول العربية في هذا المشهد المتغير. فالتوازنات الجديدة التي قد تنشأ عن الصراع بين القوى الإقليمية والدولية لن تتحدد فقط بنتائج المواجهات العسكرية، بل أيضاً بقدرة الفاعلين الإقليميين على صياغة تحالفات جديدة عربية -إسلامية يمكنها أن تحمي مصالحهم وتجنب المنطقة عواقب صراع وحروب قوى لصوصية تسعى لتقاسم النفوذ في منطقتنا.


المغالطات والتمويه جزءاً من الحرب/ فاطمة ياسين
15 مارس 2026
خاضت الولايات المتحدة منذ بداية القرن الحالي ثلاث حروب يمكن أن تعتبر طويلة، استخدمت فيها القوات التقليدية بما في ذلك الوجود الفعلي على البر، بعد أن واجهت تحدّياً إرهابياً في “11 سبتمبر” (2001)، فحشدت قواتها وغزت أفغانستان وأسقطت حكم حركة طالبان بسرعة قياسية، ولكنها تورّطت بعد ذلك في إدارة مرحلة ما بعد الحرب ولم تخرج إلا في العام 2021 مخلفةً “طالبان” في الحكم. بعد حرب أفغانستان، أسقطت الولايات المتحدة حكم الرئيس العراقي صدّام حسين في حربٍ استمرت 21 يوماً، ثم تكرّرت الصعوبات الإدارية التي واجهتها في أفغانستان، ولم تستطع أن تحقق الديمقراطية المنشودة في العراق. كانت حربها الثالثة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، قد أدخلت الولايات المتحدة فيها تعديلات استراتيجية على طريقة تعاملها العسكري، فاعتمدت على وكيل محلي ليقوم بالمهام البرّية بدلاً منها، مع الاحتفاظ بطاقم عسكري محدود على الأرض، والاعتماد بكثافة على الطيران والقصف الجوي لمساندة الوكيل. نجحت هذه التجربة رغم أنها استهلكت، نسبياً، وقتاً طويلاً، ولكنها قلّلت من خسائر أميركا البشرية بشكل كبير. أظهرت هذه الحروب الطويلة أن التفوّق العسكري لا يكفي لتحقيق نجاح سياسي مهم، ولذلك بدأت الولايات المتحدة تميل إلى تقليل التدخلات البرّية الواسعة والتركيز على العمليات المحدودة، والقوات الخاصة، والتكنولوجيا العسكرية المتقدّمة، وقد جاءت عملية خطف الرئيس الفنزويلي مادورو في هذا السياق، حيث بدأت بتخطيط استخباري حاذق، تلته عملية قصيرة نفّذتها وحدات خاصة سريعة، جاءت تكاليفها بالحد الأدنى مع تحقيق انتصار سياسي شديد التأثير.

سلكت الولايات المتحدة قبلها شيئاً مشابهاً في هجوم الـ12 يوماً في يونيو/ حزيران 2025، حيث نفّذت هجمات جوية وصاروخية كثيفة وقوية على إيران، لدعم هجوم إسرائيلي، واستعملت أميركا أسلحة نوعية خارقة للتحصينات، ثم هدأ كل شيء، ليعلو الحديث عن مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. وبالفعل، أُنجزت عدة جولات من المباحثات في مسقط وجنيف، وجرى الحديث عن أجواء إيجابية، ثم تبيّن أن ذلك كله مجرد تمويه، ليبدأ هجوم آخر في 28 الشهر الماضي (فبراير/ شباط) على إيران، بناءً على معلومات عسكرية واستخبارية جديدة استخدمتها الولايات المتحدة، وهي ترجو منها تحقيق كسب سياسي.

بدأت الحرب بضربة دقيقة، تضمّنت قتل المرشد العام شخصياً، وكانت أميركا قد تجنبت قتله في الهجوم الماضي، لما يمثله من حضور ديني، ثم تجاوزت هذا ضمن استراتيجية القضاء على الصف القيادي الأول، لزرع موجة من الإرباك في صفوف القيادات الدنيا وحمْلها على الاستسلام، ثم أكملت العمل العسكري بتفعيل سلاح الجو مع إسناد تكنولوجي واسع، ذي طبيعة هجومية صرفة، وقد تركت الولايات المتحدة لإسرائيل ومجموعة دول الخليج التي تعرّضت للهجمات الإيرانية مهمّة اعتراض العدد الأكبر من المسيّرات والصواريخ الإيرانية، وركّزت ضرباتها لتنفيذ إصابات محقّقة على أهدافها المنتقاة في إيران، ولكنها في النهاية ترغب في إنجاز سياسي، وهو الهدف النهائي من هذه الحرب.

لم يتحدّث ترامب عن إنهاء النظام رغم تصريحاته الكثيرة التي يحمل بعضها تناقضاً، وترغب الولايات المتحدة بوجود قوةٍ في إيران مجال تحرّكها ضمن الحدود، وقيادةٍ سياسية كليلة ذات باع قصير، ونسيان البرامج النووية والصواريخ الاستراتيجية والباليستية و”تصدير الثورة”، وتتبِّع أميركا لتحقيق ذلك استراتيجيتها الجديدة في الحرب “عن بعد” باستخدام التكنولوجيا للوصول إلى الهدف، لتتجنّب الخسائر البشرية، مع عدم إبداء اكتراث كبير لمؤشّرات الاقتصاد التي تتراجع في المنطقة والعالم من تبعات هذه الحرب… يمكن أن تُثبِت استراتيجية حرب المعلومات والتكنولوجيا أفضليتها بقدرتها على تحقيق أهداف المعركة على إيران بأقل الخسائر الأميركية. ويمكن الحديث عن أن أسابيع تالية بالسوّية نفسها من الاستهداف العسكري قد تحقق النتيجة المطلوبة، وهو ما يؤكده ترامب بين الفينة والأخرى، مع تعمّده دسّ بعض المغالطات والتمويه في لقاءاته الصحفية، هي جزء، ربما، من تكتيك استخباري جديد.

العربي الجديد


الحرب على إيران “تدخل مرحلة حاسمة” وتحركات فرنسية لإنهاء التصعيد في لبنان
2026.03.15
يتواصل التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لليوم السادس عشر على التوالي، وسط تبادل للضربات الجوية والصاروخية. وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية أن الحرب “دخلت مرحلة حاسمة”، فيما يستمر القصف على لبنان وسط مواجهات على الأرض، ومقترح فرنسي لإنهاء التوتر.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأحد، إنه غير مستعد لإبرام اتفاق مع إيران، مشيراً إلى أن “الشروط ليست جيدة بما فيه الكفاية بعد”.

وأضاف ترمب: “أسمع أن الزعيم الأعلى الإيراني الجديد قد لا يكون على قيد الحياة”.

بدوره قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إنَّ الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران “تتصاعد وتيرتها، وتدخل مرحلة حاسمة ستستمر ما دام ذلك ضرورياً”.

وأضاف في تصريح مصوّر وُزِّع على وسائل الإعلام: “ندخل المرحلة الحاسمة من النزاع، بين محاولات النظام (الإيراني) الصمود مع تسببه في معاناة متنامية للشعب الإيراني، واستسلامه”، وفق ما أفادت “وكالة الصحافة الفرنسية”.

وأضاف كاتس أنَّ سلاح الجو الإسرائيلي يواصل تنفيذ موجة مكثفة من الهجمات على طهران وعلى أنحاء إيران بشكل عام، ودعا الإيرانيين إلى معارضة قيادتهم.

بدوره، أعلن “الحرس الثوري الإيراني” إطلاق الموجة الـ50 على قواعد أميركية في الظفرة والفجيرة والجفير والأسطول الخامس.
ترمب يجدد دعوته لـ”دول أخرى” لتقديم المساعدة في تأمين مضيق هرمز

وجدّد الرئيس الأميركي دعوته دولاً أخرى إلى تقديم المساعدة في تأمين مضيق هرمز، قائلاً إن الولايات المتحدة ستنسّق مع هذه الدول في ظلّ الحرب الأميركية – الإسرائيلية مع إيران.

وكتب ترمب على منصة تروث سوشال: “الولايات المتحدة الأميركية هزمت وبشكل تام، إيران، سواء عسكرياً أو اقتصادياً وعلى كل صعيد آخر، غير أن دول العالم التي تتلقى نفطاً عبر مضيق هرمز يتعيّن عليها الاعتناء بهذا الممرّ، وسنساعد بالكثير”.

كما ذكر ترمب في تصريحات أن عدة دول سترسل سفناً حربية بالتنسيق مع أميركا لإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً.

ومنذ بدء الولايات المتحدة وإسرائيل حملة القصف على إيران، علّقت طهران معظم عمليات الملاحة عبر المضيق المحاذي لساحلها، الذي يمر منه نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال المنقولة بحراً في العالم.
التصعيد في لبنان والتدخل الفرنسي

وفي المقابل، يستمر القصف الإسرائيلي على مناطق متفرقة من لبنان، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى.

وقال “حزب الله”، السبت، إنه يخوض اشتباكات “مباشرة” مع الجيش الإسرائيلي في بلدة الخيام المحاذية للحدود في جنوب لبنان، حيث ينفذ الجيش الإسرائيلي “عمليات توغل” منذ اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية مع إيران قبل أكثر من عشرة أيام.

وأفاد الحزب في بيان عن “اشتباكات مباشرة مع قوات جيش العدو الإسرائيلي في مدينة الخيام بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة والقذائف الصاروخية، ولا تزال الاشتباكات مستمرة”.

وفي السياق، نقل موقع “أكسيوس” الأميركي عن ثلاثة مصادر مطلعة أن الحكومة الفرنسية صاغت مقترحاً لإنهاء الحرب على لبنان يتضمن خطوة غير مسبوقة تتمثل في اعتراف الحكومة اللبنانية بإسرائيل، مشيراً إلى أن كلاً من تل أبيب وواشنطن تراجعان المقترح حالياً.

وبحسب الموقع، ينص المقترح الفرنسي على بدء مفاوضات بين إسرائيل ولبنان بدعم من الولايات المتحدة وفرنسا للتوصل إلى “إعلان سياسي” خلال شهر واحد. وستبدأ هذه المفاوضات على مستوى كبار الدبلوماسيين قبل أن تنتقل لاحقاً إلى مستوى القادة السياسيين.


حرب إيران وفوضى القيادة.. هل يحول ترمب أمريكا إلى دولة مارقة؟
في مقالين بصحيفة نيويورك تايمز، أثار كاتبان أمريكيان تساؤلات حادة حول سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، محذرين من أن قراراته في الحرب على إيران وطريقة إدارته للسلطة قد تدفع الولايات المتحدة إلى تقويض النظام الدولي الذي ساهمت هي نفسها في بنائه بعد الحرب العالمية الثانية، بل وربما تقودها -في نظر بعض المنتقدين- إلى الاقتراب من سلوك ما يسمى “الدولة المارقة”.

ويطرح الكاتبان نيكولا كريستوف وجمال بوي في عمودين منفصلين قراءتين متكاملتين: الأولى تركز على التداعيات القانونية والإنسانية للحرب، والثانية على طبيعة القيادة السياسية داخل البيت الأبيض، وما إذا كانت قرارات ترمب تعكس إستراتيجية مدروسة أم مجرد اندفاع سياسي قصير النظر.

ففي مقاله، يحذر كريستوف من أن الضربات الأمريكية في إيران قد تمثل تراجعا خطيرا عن المبادئ التي حاولت واشنطن ترسيخها لعقود في قوانين الحرب، خصوصا ما يتعلق بحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية.
مدرسة بنات أصابها القصف الأميركي في ميناب بإيران وقتلت فيها عشرات من الطالبات (وكالة الأناضول)

ويستهل مقاله بفرضية معكوسة: ماذا لو أطلقت إيران صاروخا من الأراضي المكسيكية فأصاب قاعدة أمريكية قرب تكساس لكنه دمّر مدرسة وقتل 175 شخصا؟ عندها -كما يقول- “سيستشيط ترمب وكل الأمريكيين غضبا من الهجمات على المدنيين الأبرياء، وسيكونون محقين”، لكن الكاتب يرى أن هذا السيناريو الافتراضي يعكس تساؤلات مماثلة حول سلوك الولايات المتحدة في الحرب الجارية.

ويشير كريستوف إلى أن المجتمع الدولي حاول بعد الحرب العالمية الثانية كبح “الوحشية الصناعية” للحروب عبر اتفاقيات مثل البروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف التي تحظر استهداف البنية التحتية الحيوية للمدنيين، مثل منشآت المياه. غير أن هذه القواعد -بحسب رأيه- بدأت تتآكل في السنوات الأخيرة مع استهداف المدنيين في نزاعات عدة، من بينها أوكرانيا وغزة والسودان.

ويرى الكاتب الذي اختار لمقاله عنوان: “هل يخاطر ترمب بتحويل أمريكا إلى دولة مارقة؟” أن الضربات الأمريكية لإيران قد تثير تساؤلات قانونية، خصوصا أنها لم تحصل على تفويض من الأمم المتحدة ولم تكن دفاعا فوريا عن النفس.

كما أن التقارير حول قصف مدرسة للبنات ومقتل نحو 175 شخصا أثارت مخاوف من احتمال وقوع جرائم حرب، خاصة إذا ثبت أن تحديد الهدف اعتمد على معلومات قديمة أو غير دقيقة.

وتحدث تقارير أخرى كذلك عن استهداف منشآت مدنية مثل محطة لتحلية المياه في إيران تخدم قرى عدة، إضافة إلى إحداث أضرار واسعة في المنازل والمدارس والمراكز الطبية.

وفي هذا السياق، يشير الكاتب إلى أن الخطاب السياسي لإدارة ترمب يزيد القلق، مستشهدا بتصريحات للرئيس قال فيها: “سنضربهم بقوة بدرجة لن يتمكنوا بعدها هم أو أي طرف يساعدهم من التعافي”، فضلًا عن تحذيره من أن إغلاق مضيق هرمز سيقابله رد يجعل من “المستحيل تقريبا إعادة بناء إيران كدولة مرة أخرى، الموت والنار والغضب ستهيمن عليهم”، على حد تعبيره.

ويرى محللون أن مثل هذه التهديدات قد تعني توسيع نطاق الحرب ليشمل بنى تحتية مدنية واسعة، وهو ما قد يفتح الباب أمام انتقادات دولية أوسع، فقد وصف قادة أوروبيون الهجمات بأنها متهورة أو مخالفة للقانون الدولي، بينما حذر مراقبون من أن الحرب قد لا تحقق أهدافها السياسية، إذ لم تؤد حتى الآن إلى إسقاط النظام الإيراني، بل ربما ساهمت في تقويته.

أما بوي فيتناول المسألة من زاوية مختلفة، إذ يتساءل عمّا إذا كان سلوك ترمب يعكس خطة إستراتيجية بعيدة المدى أم مجرد فوضى سياسية، ويجيب بوضوح: “لا، ليس هناك أي منهج في هذا الجنون”.

ويقول الكاتب إن قرارات الرئيس تبدو قائمة على توقع نجاح سريع من دون حساب للعواقب، مشيرًا إلى أن ترمب ربما اعتقد أن الحرب ستقود بسرعة إلى تغيير النظام في إيران، ويضيف: “لا يوجد دليل على أن ترمب قادر على التفكير أبعد من المدى القصير”.

ويرى بوي أن المشكلة تكمن أيضًا في طريقة إدارة البيت الأبيض، حيث أحاط الرئيس نفسه -بحسب وصف الكاتب- بمساعدين يفضلون إرضاءه بدل تحدي قراراته أو تقديم معلومات قد تعارض تصوراته.

بوي: ترمب يفضل أن يتصرف بدافع حدسه، أي بدافع أكثر غرائزه ابتذالا

ويقول إن الرئاسة تعتمد على تدفق معلومات دقيقة لاتخاذ قرارات رشيدة، لكن ترمب -وفق رأيه- “يفضل أن يتصرف بدافع حدسه، أي بدافع أكثر غرائزه ابتذالًا”.

كما ينتقد الكاتب ما يصفه بثقافة الإطراء داخل الإدارة، حيث يُظهر المسؤولون -بحسبه- مبالغات في المديح للرئيس، في ظاهرة تشبه “عبادة الشخصية”، وهو ما قد ينعكس سلبًا على إدارة الأزمات الكبرى مثل الحروب.

ويستشهد المقال بطرح عالم السياسة ريتشارد نيوستادت في كتابه السلطة الرئاسية (Presidential Power)، إذ يؤكد أن “الرئاسة ليست مكانا للهواة”، محذرا من أن السياسي الذي يسعى إلى “نتائج سريعة ونجاح مضمون قد يفسد كل شيء، بما في ذلك قوته نفسها”.

بوي: لا يوجد أي منهج في هذا الجنون… بل رجل بعقل من الدرجة الرابعة ومزاج من الدرجة الخامسة يتعامل مع الواقع كما لو كان برنامجا تلفزيونيا هو نجمه المدلل

ويخلص الكاتب إلى أن المشكلة ليست في وجود خطة سرية خلف قرارات ترمب، بل في غياب أي خطة أصلا، ويضيف الكاتب بلهجة حادة: “لا يوجد أي منهج في هذا الجنون… بل رجل بعقل من الدرجة الرابعة ومزاج من الدرجة الخامسة يتعامل مع الواقع كما لو كان برنامجا تلفزيونيا هو نجمه المدلل”.

وفي ختام المقال يحذر بوي من أن قرارات الرئيس ليست مجرد عرض سياسي يمكن تغييره أو إيقافه، بل لها عواقب حقيقية على العالم. ويقول: “لا توجد قناة لتغيير المشهد ولا يمكن إعادة اللقطة… لقد اتخذ ترمب قراره المتهور، والآن علينا أن نعيش مع نتائجه”.
إعلان

وهذا لا يختلف كثيرا عما ختم به كريستوف مقاله حيث يقول: “باختصار، بعد انقضاء هذه الحرب بزمن طويل، قد نتذكرها كجزء من إنكار الجهد التاريخي النبيل الذي بذلناه في الماضي للحد من أهوال الحروب وإذا حصل ذلك، فإن البشرية جمعاء هي الخاسرة”.

وبين التحذيرات القانونية التي يطرحها كريستوف والانتقادات السياسية التي يقدمها بوي، يتقاطع المقالان في خلاصة واحدة وهي أن القرارات الأميركية الحالية قد لا تؤثر فقط في مسار الحرب، بل في صورة الولايات المتحدة نفسها والنظام الدولي الذي ساهمت في تشكيله.
المصدر: الجزيرة + نيويورك تايمز


الاختبار الأصعب: الداخل التركي يطالب بالرّد على إيران؟/ سمير صالحة
2026-03-15
تعيد الحرب الدائرة على إيران اليوم، بشقّها الإقليميّ، اختبار واحد من أقدم التوازنات السياسيّة في الشرق الأوسط، وهو العلاقات التركيّة – الإيرانيّة. على الرغم من حالات التوتّر والتنافس الحادّ والصراعات غير المباشرة في أكثر من ساحة ثنائيّة وإقليميّة، لم يشهد البلدان مواجهة عسكريّة مباشرة منذ نحو أربعة قرون، واتّفاقيّة قصر شيرين عام 1639 التي أنهت آخر الحروب بين العثمانيّين والصفويّين.

مع اشتداد المواجهة على الجبهة الإيرانيّة ورغبة البعض في توسيعها ونقلها إلى أماكن جديدة في المنطقة، ووسط توازنات إقليميّة شديدة العطب، وبعد صاروخين بالستيَّين أُطلقا من الداخل الإيرانيّ نحو الأراضي التركيّة وتمّ إسقاطهما من قبل الشريك الأطلسيّ، تبرز أسئلة مركزيّة: هل اقترب موعد نهاية هذه الهدنة المزمنة بين الجانبين أم تصغي إيران لأنقرة وتعود إلى طاولة الحوار والتفاوض مع واشنطن؟ هل تتقدّم طاولة إعادة توزيع النفوذ وتقاسم الجغرافيا على بقيّة السيناريوات؟

محاولات لتوسيع الصّراع

علّمتنا لعبة الكرّ والفرّ السياسيَّين والأمنيَّين بين أنقرة وطهران أنّ العلاقات بين هذين الجارين لا تُقاس بالعداء أو التحالف اللحظيّ، ولا بالانجرار إلى مصيدة الاحتراب بمثل هذه البساطة، بل بتركيبة النفوذ البعيدة المدى، والحسابات التي لن تتغيّر إلّا مع تحوّلات جذريّة في الجغرافيا السياسيّة وتبدّل حقيقيّ في البيئة الإقليميّة. هذا ما يريد الطرفان تجنّبه وسط محاولات فرضه بالقوّة عليهما. فهل ينجحان في ذلك على الرغم من تباعد التحالفات ودخول عوامل إضافيّة جديدة تفتح الطريق أمام السيناريو السوداويّ؟

تتجلّى، بعد أيّام من اندلاع الحرب على إيران، محاولات دوليّة وإقليميّة لتوسيع الصراع وجذب أطراف جديدة، بما في ذلك تركيا، إلى دائرة الاشتباك. من هنا تواجه أنقرة اليوم تحدّياً مزدوجاً: حماية مصالحها الوطنيّة وأمن حدودها، مع مراقبة تأثيرات التصعيد في أكثر من جبهة مجاورة لإيران حيث تختلط الحسابات بين الواقعيّة واستغلال الفرص التي قد لا تعوَّض، كما حدث عشيّة الحرب العالميّة الثانية، وبين الاستجابة لحسابات المصالح بعد دروس الحرب العالميّة الأولى المكلفة والقاسية.
يمكن لتركيا الدخول في سيناريو الردّ العسكريّ المحدود على رسائل الصواريخ الإيرانيّة، لكنّها لن تسمح بجرّها إلى حرب مفتوحة وشاملة

يحاول البعض جرّ تركيا إلى ساحات القتال ودفعها نحو فتح جبهتها من الخاصرة الإيرانية. قد تكون صواريخ طهران البالستيّة وسيلة وذريعة، لكنّ ما بعد ذلك هو ما يقلق صانعي القرار في أنقرة. تتعلّق المعادلة الصعبة والمعقّدة بحسابات الفرص وقلق المخاطر والتهديدات، على الرغم من أنّ الموقف التركيّ حتّى الساعة هو اقتناص لحظة حاجة طرَفي النزاع إلى جمعهما إلى طاولة الحوار والتفاوض عند اللزوم.

تختبر إيران حدود صبر أنقرة، وترصد أميركا مدى قدرتها على الموازنة بين الأمن الداخليّ والضغط الإقليميّ، وتحاول إسرائيل اقتناص فرص توريطها لاصطياد عصفورين بحجر واحد. هناك مؤشّرات واضحة إلى أنّ محاولة جرّ تركيا إلى ساحة القتال لن تكون سهلة وتلقائيّة، لكنّ الداخل التركيّ لا يريد أيضاً أن يرى هذه الاستفزازات والخروقات الإيرانيّة دون ردّ، حتّى لو تبنّى البعض نظريّة المؤامرة في تحديد الجهة التي تطلق الصواريخ.

ترتكز استراتيجية تركيا المستقبليّة على إدارة الأزمة بجهد استباقيّ، عبر تحييد الاستفزازات واستثمار مركزيّتها الجيوسياسيّة لتعظيم نفوذها في المعادلات الإقليميّة دون الانخراط المباشر في القتال. ستحتاج تركيا، إذا استمرّت الضغوطات، إلى اتّخاذ خطوات مدروسة لضمان حماية مصالحها، بما في ذلك الدفاع عن حدودها وشبكة العلاقات الإقليميّة التي شيّدتها في الأعوام الأخيرة. يشكّل الحفاظ على قدرة الردع الاستراتيجيّ واستخدام الحراك الدبلوماسيّ لتعزيز مركزها الإقليميّ الخيار الأكثر أماناً، مع إبقاء احتمالات التحرّك العسكريّ المحدود مفتوحة كوسيلة دفاعيّة.

تدرك أنقرة أنّ أيّ اضطراب داخليّ كبير في إيران قد يحمل تداعيات مباشرة على تركيا، سواء من خلال موجات هجرة جديدة أو عبر تحريك أوراق المكوّنات على أكثر من جبهة حدوديّة. لذلك الاستقرار الشعبيّ والأمنيّ داخل إيران، حتّى في ظلّ الخلافات السياسيّة، يبقى بالنسبة لتركيا خياراً أقلّ كلفة من سيناريوات التفكّك أو الفوضى.
تستفيد تركيا من قدرتها وخبرتها في قراءة موازين القوى وتقدير تحرّكات الخصوم مسبقاً

تستفيد تركيا من قدرتها وخبرتها في قراءة موازين القوى وتقدير تحرّكات الخصوم مسبقاً. يمكن لتركيا الدخول في سيناريو الردّ العسكريّ المحدود على رسائل الصواريخ الإيرانيّة، لكنّها لن تسمح بجرّها إلى حرب مفتوحة وشاملة. تستخدم القوى الإقليميّة والدوليّة كلّ أزمة للضغط على تركيا، لكنّ الحسابات الدقيقة لأنقرة قد تحوّل هذا الضغط إلى ورقة تفاوضيّة معاكسة لتعزيز نفوذها.

النفس التركي الطويل..

تقوم خصوصيّة التفوّق التركيّ على النفَس الطويل والصبر الاستراتيجيّ والتحرّك المدروس في كلّ مواجهة دون الانجرار إلى صراع مجهول المسار. تركيا، كما أظهرت التجارب السابقة مع إيران وسواها، يمكنها تحويل كلّ محاولة استفزاز إلى درس لتقوية موقعها الإقليميّ دون التسرع في اتّخاذ القرارات. تمثّل القدرة على التوازن بين الضغوطات الخارجيّة والمصالح الوطنيّة محور قوّة تركيا، وهو ما يجعل أيّ محاولة لجرّها إلى ميدان الحرب مستحيلة ما دامت لا تريد ذلك.

تتقدّم المسارات الإقليميّة نحو محصّلة أولى تقوم على أنّ إيران ستفقد الكثير من أوراقها في مناطق نفوذها، لكنّ ذلك قد لا يصبّ بالضرورة في مصلحة تركيا، خصوصاً إذا ما خسرت طهران الحرب مع أميركا وإسرائيل.

لذلك لا تقوم حسابات أنقرة على فكرة إضعاف إيران بقدر ما تقوم على منع انهيار التوازن الإقليميّ الذي استفادت منه تركيا طوال العقود الماضية.

إقناع طهران من قبل أنقرة هو الفرصة الباقية لحماية الثقل والدور الثنائيّ أمام طاولة توزيع النفوذ التي يحتاجان إليها وتشمل العواصم العربيّة والإسلاميّة الفاعلة في المنطقة.

لا بدّ من عدم إغفال الدور الروسيّ والصينيّ والأوروبيّ إلى جانب الدول العربيّة المؤثّرة في المنطقة. تحتاج تركيا إلى دعم هذه الدول في حراكها السياسيّ وربّما التنسيق المباشر معها للضغط على أطراف النزاع.
ترتكز استراتيجية تركيا المستقبليّة على إدارة الأزمة بجهد استباقيّ، عبر تحييد الاستفزازات واستثمار مركزيّتها الجيوسياسيّة لتعظيم نفوذها

تجد تركيا نفسها اليوم في موقع صعب وحرج، فهي ملزمة بالحفاظ على أمنها الإقليميّ وعدم التفريط بما تملكه من أوراق توازنات استراتيجيّة، لكنّ الهجمات الاستفزازيّة بالصواريخ على أراضيها لا تُزيح احتمال تدخّل حلف شمال الأطلسي عبر تفعيل المادّة الخامسة من اتّفاقيّة الحلف والتحرّك الجماعيّ ضدّ إيران المعتدية على دولة أطلسيّة. يضع كلّ هذا أنقرة أمام خيارات صعبة بين الردّ المحدود والتحرّك الواسع عبر الناتو أو ضمان استمرار حيادها الاستراتيجيّ.

ليست تركيا اليوم مراقباً وحسب، بل لاعب يزن خطواته بدقّة وحذر. قد يُعقّد الانخراط المباشر ضدّ إيران حساباتها الإقليميّة ويضعها في خندق واحد مع إسرائيل ضدّ جارتها التاريخيّة، وهذا ما تحرص على تفاديه. صواريخ الاستفزاز هي المسألة الواجب الردّ عليها.

أيّ تصعيد عسكريّ على الأرض لا يهمّ تركيا إلّا بقدر ما يوفّر لها فرصة لإعادة ترتيب أولويّاتها وتخفيف العبء الاستراتيجيّ. ما يحدث اليوم يفتح الطريق أمام إعادة رسم التحالفات والحسابات والمصالح. أنقرة أمام فرصة لإعادة تأكيد استقلال قرارها بعيداً عن أيّ حسابات خارجيّة تحاول جرّها إلى الصراع. لكنّ المعضلة تكمن في استشراف الخطوات الإيرانيّة تحديداً، وليس الأميركيّة أو الإسرائيليّة.

يكشف مسار التاريخ الجيوسياسيّ بين تركيا وإيران أنّ العلاقات بين الجارتين ستظلّ تحت تأثير التوازنات الإقليميّة، وأنّ المصالح الوطنيّة ستبقى المعيار الأوّل في اتّخاذ القرارات السياسيّة الحاسمة. لكنّ ما يحدث اليوم قد يضع هذا التوازن التاريخيّ أمام أحد أصعب اختباراته منذ عقود. فهل تنجح أنقرة في إبقاء الصراع خارج حدودها أم تطوّرات الحرب ستفرض معادلة جديدة لم تشهدها المنطقة منذ قرون؟
أساس ميديا


لقد انكشفت حسابات دونالد ترامب الخاطئة بشأن إيران – الإندبندنت
بي. بي. سي.
تستعرض جولة الصحف لهذا اليوم افتتاحية لصحيفة الإندبندنت البريطانية حول “حسابات ترامب الخاطئة بشأن إيران”، وأخرى من لوموند الفرنسية عن “مخاطر الضربات الإسرائيلية على لبنان”، وأخيراً مقال رأي يلقي الضوء على “القلق من أن تطغى الإجراءات الأمنية” في الولايات المتحدة على كأس العالم لكرة القدم 2026.

جاءت افتتاحية الإندبندنت تحت عنوان: “انكشفت تقديرات دونالد ترامب الخاطئة”.

ترى الصحيفة أنه بعد أسبوعين من بدء الحرب على إيران، بات من الواضح أكثر من أي وقت مضى أن دونالد ترامب أخطأ في حساباته، إذ يبدو أنه لم يخطر بباله أن قصف إيران سيرفع أسعار البنزين في الولايات المتحدة، رغم أنها مُصدّر صافٍ للنفط. وأن ترامب إذ كان قد حُذِّر من احتمال إغلاق إيران لمضيق هرمز، فإنه قد تجاهل التحذير، وفقاً للصحيفة.

ويرجّح المقال أن ترامب لم يفكر في احتمال أن تعزز أزمة إمدادات النفط موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بل وربما تمنحه شريان حياة في لحظة كانت فيها الأعباء الاقتصادية التي تتحملها روسيا من أجل مواصلة الحرب في أوكرانيا تقترب من حدٍّ لا يُحتمل.

وبعد 14 يوماً من الضربات على إيران، لا تزال أسباب الرئيس الأمريكي لشنّ العمل العسكري “غامضة” وفق الصحيفة، التي تنتقد “موقف ترامب المتذبذب، إذ يدعو الآن دولاً أخرى لإرسال سفن حربية، في تحول مفاجئ في لهجته، منذ أن صرّح بأنه لا يحتاج إلى مساعدة من بريطانيا، متهماً إياها بالسعي إلى الانضمام إلى حروب بعد أن يكون النصر قد تحقق فيها”.

وكتبت الصحيفة: “لو وُجدت أدلة على أن النظام الإيراني كان على وشك امتلاك سلاح نووي، لكان للشعب الإسرائيلي الحق في الدفاع عن نفسه ضد هذا التهديد الوجودي، ولكان على حلفائه واجب مساعدته. لكن لم تُقدّم أي أدلة من هذا القبيل، لا من قِبل الحكومة الإسرائيلية ولا من قِبل الإدارة الأمريكية، التي استخدمت قنابل خارقة للتحصينات في يونيو/حزيران، فيما وصفته حينها بأنه ضربة ناجحة للبرنامج النووي للنظام”.

وترى الإندبندنت أن السبب الرئيسي لانضمام الرئيس ترامب إلى الضربات الإسرائيلية ربما يكون اعتقاده بأن النظام الإيراني على وشك السقوط. ومع ذلك فإنها تشكك في جدوى الضربات الجوية في تحقيق ذلك الهدف.

وترى الصحيفة أن النظام الإيراني قد أثبت “مرونة أكبر مما توقع ترامب”، وتضيف: “يبدو أن تكتيك قطع الرأس باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي قد سار كما حذرنا منه. فلم ينجح إلا في استبدال متشدد أصغر سناً وأكثر تطرفاً بمتشدد مُسنّ”ً.

وتقول الإندبندنت إنها ترجّح أن ترامب يتحرّك مدفوعاً بطموحات تتجاوز مجرد تعظيم المكاسب الانتخابية، إذ إنه يصدق دعايته الخاصة عن إحلال السلام في العالم، ويسعى إلى تثبيت مكانه في التاريخ.

وتضيف الصحيفة أن هذا هو التفسير الوحيد الذي يجعل خيارات ترامب مفهومة، رغم ما قد تنطوي عليه من سوء تقدير، فهو يريد صنع السلام في أوكرانيا، غير مدرك أن استرضاء الرئيس بوتين يطيل أمد الحرب، ويريد صنع السلام في الشرق الأوسط، وقد أقنعه بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بأن بيت النظام الإيراني هش ولا يحتاج إلا إلى نفثة من المتفجرات الشديدة حتى ينهار، لكنّ ما فعله كان تكثيف “الحرب الأبدية” في المنطقة، وزجّ الولايات المتحدة فيها على نحو أعمق، وفقاً لوصف الصحيفة.
“التعلم من دروس التاريخ في لبنان”

ننتقل إلى صحيفة لوموند الفرنسية، وافتتاحية بعنوان “حسابات إسرائيل الخطيرة في لبنان”. تعلق الصحيفة على القصف الإسرائيلي للبنان، رداً على ما يوصف بانحياز حزب الله لإيران في الحرب الجارية.

وكتبت الصحيفة: “أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، يوم الجمعة 13 مارس/ آذار، أن الحكومة اللبنانية ستدفع ثمناً باهظاً يتمثل في إلحاق أضرار بالبنية التحتية الوطنية اللبنانية، التي يستخدمها إرهابيو حزب الله، إذا لم تُجرّد حزب الله من سلاحه فوراً”.

ترى الصحيفة أن هذا التهديد “قصير النظر”. فمن غير الواقعي إطلاق مثل هذه العملية في خضم حرب أودت بحياة أكثر من 700 لبناني، مضيفة أن رودولف هيكل، القائد العام للجيش اللبناني الذي يعاني من نقص الموارد، رفض ذلك، مُشيراً إلى خطر نشوب صراع داخلي وتقويض مصداقية حكومته. وبالتالي، وصل الوضع إلى طريق مسدود.

تشير الصحيفة إلى أنه بعد نهاية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، كان حزب الله هو الجماعة الوحيدة التي سُمح لها بالاحتفاظ بأسلحتها. وبرّر حزب الله هذا الاستثناء بقتاله ضد إسرائيل، التي كانت آنذاك تحتل جنوب لبنان بمساعدة فصائل محلية.

“احتفظ حزب الله، الخاضع كلياً لطهران، بأسلحته أيضاً بعد الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب عام 2000، ما أكسبه شعبية واسعة”، لكن هذه الشعبية تراجعت سريعاً بعد تورط الحزب في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005، ثم في حرب صيف 2006 ضد إسرائيل، التي ألحقت دماراً هائلاً بالبلاد. كما أن استعراض القوة في بيروت عام 2008 ضد سلطات عاجزة عن فرض أي قيود على حزب الله، كانت عوامل زاد من تشويه صورته، حسب لوموند.

وتضيف الصحيفة أنه “رغم إضعاف حزب الله بعد الهجوم الإسرائيلي في خريف 2024… قلا يمكن للغضب الذي أثارته اليوم تصرفات الميليشيا الشيعية – التي أجبرت مجدداً خُمس السكان على الفرار تحت نيران إسرائيلية – أن يُخفي صعوبة نزع سلاحها”.

وترى الصحيفة أن إنهاء وضع حزب الله كـ “دولة داخل الدولة أمر بالغ الأهمية، لكن السبيل الوحيد لتحقيق ذلك هو تعزيز المؤسسات اللبنانية.

وتدعو لوموند الولايات المتحدة إلى “التعلُم من دروس التاريخ”، وعدم الانحياز مجدداً لإسرائيل في نهجها إزاء لبنان.

واختتمت: “إن قصف لبنان مجدداً – وهو بلد يقف على حافة الهاوية – سيُضعف سلطاته وهو لا يزال في مرحلة بعيدة عن قدرته على إخضاع حزب الله. كما أن إنشاء منطقة عازلة إسرائيلية على الأراضي اللبنانية لن يؤدي إلا إلى إحياء خطاب المقاومة، الذي استغلته الميليشيات بعد انسحاب عام 2000، والوقت ينفد لتجنب تكرار أخطاء الماضي”، وفقاً للوموند.


“وول ستريت جورنال”: واشنطن تدرس خططاً لتأمين الملاحة في مضيق هرمز
15 مارس 2026
ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعهد بإعادة فتح مضيق هرمز، الشريان الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية الذي أغلقته إيران، إلا أن تنفيذ ذلك لن يكون مهمة سهلة. وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب ووزير الحرب بيت هيغسيث تعهدا مراراً بأن السفن الحربية سترافق ناقلات النفط والسفن الأخرى عبر المضيق، فيما قال ترامب الخميس إن عمليات المرافقة ستبدأ “قريباً جداً”. ودعا الرئيس في منشورين على وسائل التواصل الاجتماعي السبت دولاً أخرى إلى المساعدة.

وبحسب التقرير، تمتنع الولايات المتحدة حالياً عن إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز، الذي يبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو 21 ميلاً، إذ يحذر ضباط في البحرية من أن الطائرات المسيّرة والصواريخ المضادة للسفن الإيرانية قد تحول المنطقة إلى “منطقة قتل” للبحارة الأميركيين.

وأوضحت الصحيفة أن أحد الخيارات لتمهيد الطريق لعمليات المرافقة يتمثل بتكثيف استخدام القوة الجوية لتعقب الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية وتدميرها قبل إطلاقها على السفن في المضيق، فيما يتمثل خيار آخر باستخدام قوات برية للسيطرة على الأراضي المحيطة بالممر المائي. وقالت الإدارة الأميركية إنها تبقي جميع الخيارات مطروحة، بما في ذلك استخدام القوات البرية، مشيرة إلى أن ترامب أمر الجمعة بإرسال وحدة استكشافية من مشاة البحرية إلى الشرق الأوسط، وهي قوة تضم عادة سفناً حربية وآلاف البحارة وطائرات هجومية ونحو 2200 من مشاة البحرية.

خطة أميركية لمرافقة ناقلات النفط

وفي ما يتعلق بعمليات المرافقة، أوضحت الصحيفة أن السفن الحربية الأميركية، وربما بالتعاون مع بحريات حليفة، قد ترافق ناقلات النفط عبر المضيق لإزالة الألغام والتصدي للهجمات الإيرانية الجوية وكذلك لهجمات “أسطول البعوض” الإيراني من الزوارق السريعة الصغيرة. ويقدّر خبراء أن العملية قد تتطلب سفينتين لكل ناقلة نفط، أو نحو 12 سفينة لحماية قوافل تضم بين خمس وعشر ناقلات، لتوفير الدفاعات الجوية اللازمة، في حين أن المسافات القصيرة تجعل إسقاط الصواريخ والطائرات المسيّرة أكثر صعوبة.

وأضافت الصحيفة أنه رغم أسابيع من الهجمات الأميركية والإسرائيلية التي أضعفت البحرية الإيرانية وقدراتها العسكرية، فإن قادتها ما زالوا يظهرون القدرة على تنفيذ هجمات. ونقلت عن براين كلارك، الزميل البارز في معهد هدسون والضابط البحري السابق، قوله إن الأمر سيتطلب إلى جانب السفن الحربية ما لا يقل عن 12 طائرة مسيّرة من طراز MQ-9 ريبر تحلق في الأجواء وتستهدف منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية عند ظهورها على الساحل.

وقال كلارك: “هذا يعني آلاف الجنود والبحارة واستثماراً مالياً كبيراً، وقد تضطر إلى الاستمرار في ذلك لأشهر”. واقترح خبراء عسكريون استخدام طائرات أخرى، مثل طائرة “هارير” التابعة لمشاة البحرية، لدعم عمليات المرافقة.

وأشارت الصحيفة إلى أن تخصيص السفن لمرافقة الناقلات يعني سحبها من مهام هجومية أو من مهام الدفاع الصاروخي الأوسع، فيما قال ترامب السبت إنه يأمل أن ترسل دول مثل الصين وفرنسا والمملكة المتحدة سفناً للمساعدة في هذه المهمة. وبحسب شركة “لويدز ليست إنتليجنس” المتخصصة في تحليل الشحن البحري، فإن التأخيرات الناتجة من الإجراءات الأمنية وعدد السفن الحربية المتاحة قد تخفض حركة ناقلات النفط عبر المضيق إلى 10% فقط من مستواها الطبيعي.

وعند هذا المعدل، قد يستغرق الأمر أشهراً لمعالجة تراكم يزيد على 600 سفينة تجارية دولية عالقة في منطقة الخليج. وأضافت الصحيفة أنه رغم كل هذه الجهود، سيبقى خطر توجيه إيران ضربات مؤلمة قائماً، إذ قد تتسبب في إلحاق أضرار أو حتى إغراق سفن حربية وتجارية، في ظل امتلاكها صواريخ كروز مضادة للسفن يمكن نقلها بسرعة لتنفيذ هجمات خاطفة.

وفي خيار عسكري أوسع، قد تلجأ الولايات المتحدة إلى تنفيذ غارات أو السيطرة على جزء من جنوب إيران لضمان عدم تمكن قواتها من إطلاق النار على السفن في المضيق. وأوضحت الصحيفة أن مثل هذا الخيار سيحتاج على الأرجح إلى آلاف الجنود والتزام بعمليات قد تمتد لأشهر، في وقت ستكون فيه القوات الأميركية عرضة لهجمات من نظام يقاتل من أجل بقائه. وبحسب التقرير، قد يبدأ هذا الخيار بضربات جوية مكثفة على طول الساحل، يتبعها إنزال قوات أميركية في جنوب إيران، على الأرجح من مشاة البحرية عبر هجوم برمائي في منطقة جبلية وعرة.

العربي الجديد


مثل استحالة استيلاء كوماندوز على يورانيوم إيران.. لا يمكن للمارينز ضمان الملاحة في مضيق هرمز/ حسين مجدوبي
أعلنت الولايات المتحدة عن إرسال 2500 من قوات المارينز بهدف السيطرة على مضيق هرمز وتحرير الملاحة الدولية، غير أن الواقع العسكري يشير إلى صعوبة تنفيذ هذه المهمة التي قد تكون نظرية على شاكلة تنفيذ كوماندوز الاستيلاء على اليورانيوم الإيراني المخصب.

كشفت واشنطن لوكالة “أسوشيتد برس” أن نحو 2500 جندي من مشاة البحرية الأمريكية، التابعين للوحدة الاستكشافية الحادية والثلاثين لمشاة البحرية، إضافة إلى السفينة الهجومية البرمائية USS Tripoli، قد تلقوا أوامر بالانتشار في منطقة الشرق الأوسط، وتحديدًا بالقرب من مضيق هرمز، قادمين من المياه اليابانية.

ومن باب التاريخ، تسمى سفينة المارينز “طرابلس” وأخذت التسمية من معركة طرابلس الشهيرة سنة 1804 التي وقعت بين القوات الأمريكية وقوات البحرية في طرابلس في ليبيا، بسبب رفض واشنطن تأدية أموال حتى لا تتعرض سفنها للهجوم. ويتم ذكر هذه العملية في نشيد المارينز. وهذه السفينة هي بمثابة حاملة طائرات صغيرة تحمل 1600 من الجنود وقرابة 25 من الطائرات والمروحيات.

وتعدّ قوات المارينز من نخبة القوات العسكرية في الولايات المتحدة، إذ تتلقى تدريبًا عالي المستوى أقرب إلى تدريب قوات الكوماندوز، وليس التدريب العسكري التقليدي، ما يمكّنها من الانتشار السريع، وتنفيذ عمليات الإنزال البرمائي، وخوض العمليات القتالية الخاطفة، لكن في حالة مضيق هرمز يختلف الوضع.

لعل أول معطى واقعي هو ما نقلته جريدة وول ستريت جورنال اليوم الأحد أن رئيس الأركان العسكرية المشتركة الجنرال دان كاين أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرضية قيام إيران إغلاق مضيق هزمز في حالة تعرضها للهجوم. وعمليا، هو ما تحقق الآن وإن كان الإغلاق انتقائيا بحكم أن سلطات طهران تسمح لبعض الدول بمرور سفنها مثل الصين والهند وتمنع أخرى. والتحذير الصادر عن الجنرال مبني على معطيات الميدان وهو تلميح مسبق بأن إيران لديها القدرة على إغلاق مضيق هرمز، واعتراف بأن عملية السيطرة الأمريكية على المضيق سيكون عملية صعبة جدا إن لم تكن مستحيلة. وتتجلى هذه الصعوبة في المعطيات التالية:

أولا، كان البنتاغون يدرك هذه الفرضية الواقعية لأنها سلاح في يد طهران، وفق وول ستريت جورنال، ورغم ذلك لم يضع البنتاغون خطة مسبقة لتحرير المضيق. بل أن استدعاء قوات المارينز جاء بعد عملية الإغلاق في حين أن المنطق يتطلب وجوده في المنطقة. ربما قد يدل هذا على أن اتخاذ قرار الحرب جاء بسرعة دون انتظار الاستعدادات الكافية، أو نتيجة سوء تقدير القوة الإيرانية.

ثانيا، تتواجد في البحرين مقر الأسطول الخامس، وفق مجلة المعهد البحري المتخصص في البحرية الأمريكية ثلاث مدمرات وهي السفن القتالية الساحلية USS Canberra (LCS-30) وUSS Tulsa (LCS-16) وUSS Santa Barbara (LCS-32) حيث تشارك في أول مجموعات مهام عملياتية لمكافحة الألغام تابعة للبحرية الأمريكية، وهي تقوم بمهام تشبه المارينز بل على متنها قوات المارينز، ولكنها لا تجوب مياه الخليج حاليا بل متمركزة لمواجهة الصواريخ والمسيرات الإيرانية لأن عملية الإبحار ستعرضها للخطر. وهذه المدمرات الصغيرة لديها العدد الكافي من الجنود والقوة النارية، وبالتالي ليس بالضرورة انتظار قدوم المارينز. ويوجد حاليا قرابة 30 ألف جندي أمريكي منتشرين في الشرق الأوسط، ومنهم قوات المارينز في عدد من دول الخليج خاصة الإمارات والبحرين.

ثالثا، ابتعدت كل السفن الأمريكية عن مضيق هرمز تجنبا لهجمات إيرانية ومنها حاملة الطائرات أبراهام لنكولن التي ابتعدت كثيرا عن بحر العرب، بينما تزعم طهران أنها أصابتها بصواريخ. وعليه، فدخول سفينة طرابلس إلى المضيق سيكون عملية صعبة.

رابعا، النزول البري لعناصر المارينز في الأراضي الإيرانية يعتبر مقامرة حقيقية بحكم الانتشار القوي للقوات العسكرية الإيرانية، كما أنه حتى في حالة السيطرة على سواحل مضيق هرمز من الجانبين، لن يجدي كثيرا بحكم أن الإيرانيين يملكون صواريخ ومسيرات يقومون بتسييرها من مسافات بعيدة جدا لاستهداف أي ناقلة للنفط نظرا لتغيير تكتيكات الحرب غير المتكافئة.

ويكفي الاطلاع على التجربة في باب المندب، حيث عجز الغرب في مواجهة الحوثيين على تأمين فعلي لمرور السفن التجارية وحاملات النفط رغم وجود بعثتين عسكريتين دولتين وهما “أسبديس” الأوروبية بقيادة ألمانيا وفرنسا وبعثة “حارس الرفاهية” بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا. وكل عملية لضمان أمن المضيق ستتطلب مشاركة البحرية بعدد من السفن والقوات البرية للتمشيط وليس فقط المارينز، وهذا يعني وجود قوات في الأراضي الإيرانية، الأمر الذي لا يدخل ضمن مخططات البنتاغون ولا البيت الأبيض، هذا الأخير الذي يسعى إلى وقف الحرب.

وأخيرا، لا يمكن لأي شركة تأمين توفير التأمين لناقلة نفط ستمر من منطقة تشهد الحرب، لأن تكرار سيناريو الثمانينات عندما كانت البحرية الأمريكية تحمي السفن في هذا المضيق قد ولى بحكم تقدم السلاح.

وعلى ضوء هذا، يعد وصول قوات المارينز دعما للعمل العسكري نظرا لخبرته ولكنه من الصعب تحرير الملاحة في مضيق هرمز، وقد تنتهي الحرب قبل وصوله إلى المنطقة نهاية الشهر الجاري. ومن باب المقارنة، الحديث بتحرير الملاحة مثله مثل الأخبار التي تحدثت عن فرضية قيام كوماندوز بالاستيلاء على اليورانيوم المخصب من مخازن إيرانية، حيث تبين استحالة هذه العملية العسكرية. وكان قد تم نشر هذا الخبر منذ أيام وجرى التركيز عليه في وسائل الإعلام والبرامج التلفزيونية، وتبين لاحقا استحالة تنفيذه ولم يعد أحد يتحدث عنه.


======================

تحديث 14 أذار 2026


العِبرة السورية في قصة إيران/ مضر رياض الدبس
2026.03.14
في أواخر حكم الشاه، تحديدًا في عام 1978، كتب ميشيل فوكو جملةً مهمةً تقول إن “التخلف في إيران هو النظام بذاته”.

وبطبيعة الحال كان فوكو يرى ما يراه الإيرانيون؛ فحكم الشاه لم يكن بأي حالٍ حكمًا يليق بإيران، وكانت فكرة الثورة محقَّةً كلَّ الحق لمواجهة انتهاك حقوق الإيرانيين وهدر ثوراتهم، ووضع حدٍ لممارسات جهاز السافاك الذي كان يشبه منظومة مخابرات الأسد. وبطبيعة الحال، انبهر هذا الفيلسوف لاحقًا بالثورة التي غطَّى أحداثها بوصفه صحفيًا في حينها، وأبدى إعجابه تحديدًا بما سمَّاه “محاولة فتح بُعدٍ روحاني في السياسة”. كان ذلك بعد فترة قصيرة من مقولةٍ للرئيس الأميركي جيمي كارتر في ليلة رأس السنة عام 1977 عندما كان يشرب نخب السنة الجديدة مع الشاه محمد بهلوي حيث قال: “إن إيران جزيرةُ الاستقرار في منطقةٍ مضطربة”. ثم انتصرت الثورة الإيرانية وحوَّلت قبر أبي محمد، رضا بهلوي، إلى مرحاضٍ عمومي، في وقتٍ كان يقول فوكو إن الثورة الإيرانية جعلت رأيه أقرب إلى رؤية الحداثة بوصفها “دانديزم” (Dandysme)، كما كان يراها بودلير، أي إنَّها الأناقة، والجمال الأنيق بذاته. فإذا بهذا الدانديزم، ويا للصدمة، قد اقترن بفكرة المرحاض أولًا، ثم شيئًا فشيئًا، عاد التخلف في إيران هو النظام ذاته، وتمَّ التخلص من أي أحدٍ قد “يُشتبه” بأنَّ له علاقة بالجمال، أو الأناقة، أو الحداثة بوصفها دانديزم، مثل شابور بختيار، ومهدي بازاركان، وكريم سنجابي، وآية الله شريعة مداري، وحتى أبو الحسن الصدر الذي عاد مع الخميني على الطائرة نفسها. وتمَّ استبدال الحرس الامبراطوري بالحرس الثوري الذي صار أكثر سوءًا وإجرامًا. وفي سياق نفي تهمة الدانديزم، وإثبات التخلف، تمَّ قمع أوَّل تظاهرة نسائية في طهران نادت “يسقط الخميني” بعد أقل من شهرين من عودته من باريس، تحديدًا في الثامن من مارس عام 1979، وكانت هذه المدة كافية لإعدام المعارضة. هذا التخلف بالتحديد هو الذي يُعاد إنتاجه، في بلدٍ أبناؤه بعيدون كلَّ البعد عن التخلف، وقريبون بالفعل من الجمال والروح الجميلة وحب الحياة. ويكفي أن يزور المرء إيران مرةً واحدة ليلمس هذه الفجوة بين تخلف النظامين، الشاه والخمينية، من جهة، وبين جمال الإيرانيين من جهةٍ أخرى. ويبدو أن الصراع لم يلغِ هذا التوتر العالي، ولم يضع حدًا لاستمرار التعايش بين النفط والبؤس في هذا البلد الكبير.

وعلى أي حال، صارت إيران الآن مضطربة، بعكس ما قاله كارتر؛ ويبدو أن ترمب يحلم في أن يعيدها إلى ما كانت عليه، ليس إلى جزيرة استقرارٍ وفق الفهم الأميركي فحسب، بل إلى جزيرةٍ تعيش في منطقةٍ يريد ترمب أن يجعلها مضطربةً مرةً أخرى ما لم يصبح النفط ثمنًا للاستقرار، وما لم يصبح السلام مربوطًا بطاعة إسرائيل من دون شروطٍ، والموافقة على سلوكها في فلسطين، وفي المنطقة كلها؛ ومن ثم الرضوخ لطريقة هندستها للإقليم بالطريقة التي تريد. وبطبيعة الحال، ما من شيءٍ يدعونا، نحن السوريين، إلى تغيير نظرتنا إلى النظام الإيراني لأنّ إسرائيل تقصفه اليوم، وما من شيءٍ يدعونا لتغيير آرائنا بإسرائيل الإرهابية لأنها تعادي الإيرانيين، بل إن من يكون ضد التخلف والمتخلفين، والإجرام والمجرمين، لا يمكن أن يتحالف مع إرهابيين، وأبناء عصابات.

أهمُّ ما في الموضوع بالنسبة لنا، نحن الشعوب التي لا ناقة لها في هذه الحرب ولا جمل، ألّا يتم بناء التحالفات الجديدة على أسسٍ طائفيةٍ مرةً أخرى؛ فلا يتم العمل على تأسيس “منظومةٍ سنية” للسياسة مثل “المنظومة الخمينية الشيعية” التي تتلقى ضرباتٍ قاصمة في هذه الأيام، فهذه الذهنية في العمل والتفكير هي بالتحديد الحقل السياسي الذي تشعر فيه إسرائيل بالراحة التامة، وهذا الحقل ملعبُها المفضَّل ومنطقةُ شقائنا الدائم. وفي هذا السياق قال نتنياهو استنادًا إلى فهمه الخاص للمنطقة إنّه يسعى إلى التصدي إلى الاثنين معًا.

ويبدو الآن واضحًا أكثر من أي وقتٍ مضى أن الذهنية العقائدية التي تتسلل إلى الذهنيات السياسة على حساب مصلحة الإنسان ورفاهه وسلامة أبنائه في المستقبل، هي بالضبط ذاك البعد الروحاني في السياسة الذي رآه فوكو في إيران وانبهر به، فيما كان هو مصدر الكوارث في الماضي، وسيكون، على الأرجح، الشيء الأبرز الذي يهدد المنطقة في المستقبل ما لم نعتبر. وبطبيعة الحال، هذه ليست إدانةً لفوكو أو ملامةً، فالمسألة بالنسبة لشخصٍ غربي التكوين مغرية ولافتة، كما كانت “الروحانية السنيَّة” مغريةً ولافتةً بالنسبة للكثير من مثقفي سورية، الذين يرون انتصار الشعب السوري على بشار الأسد في أحد أوجهه انتصارًا للسنيَّة السياسية على الخمينية أيضًا. ولكن، يرى كاتب هذه السطور أننا قد عانينا ما يكفي لنقول إنَّ إغلاق البعد الروحاني في السياسة هو أهم ما يمكن أن نقوم به بوصفنا شعوبًا تريد الحياة الكريمة، والسلام العادل، ولا تمتلك إمكانية فرض إرادتها هذه بالقوة العسكرية، أو التكنولوجية، في عصر الحروب الهجينة والذكاء الاصطناعي.

تضعنا الروحانية السياسية دائمًا موضع المفعول به في السياسة الدولية الراهنة. وإضافةً إلى أنها صارت مجربةً، وأنها أنتجت مشروعًا طائفيًا كارهًا للبشر في إيران وكانت سببًا في معظم كوارث الإقليم؛ فإن إرادة إسرائيل وأميركا هي أن تبقى هذه الروحانية، وتمتد لتصبح مشروعًا لبداية “السياسة السنية” في المنطقة أيضًا. ويبدو اليوم أن إسرائيل لديها قناعة بأنَّنا سوف نستمر في اللعب في ملعبها المفضَّل هذا، ولذلك بدأت فعلًا بنسج تحالفاتٍ مع “كارهي الإسلام” من أمثال ناريندرا مودي، رئيس وزراء الهند، الذي بدا في زيارته الأخيرة إلى إسرائيل مُمثلًا استعراضيًا يؤدي دور الصهيوني أكثر ممّا بدا رئيسَ وزراء، وهذا ليس غريبًا فالرجل كارهٌ للإسلام، وصاحب مشروع قومي هندوسي، وكان فاعلًا في حركة رام التي حشدت لهدم مسجد بابري عام 1992، وهو مسجد أثري، تمَّ بناؤه في بدايات القرن السادس عشر.

على أي حال، في النهاية أضعفت الروحانية السياسية إيران، وأنهت فاعلية نفطها، وجيشها، وتركتها مهدمةً يشمت فيها الصديق قبل العدو؛ فإيران الشيعية الخمينية حطَّمت إيران القوية، وهذه الحالة نفسها ستبدأ بالظهور أكثر في إسرائيل اليهودية. فإذا تنبهنا نحن إلى ذلك، وتنازلنا عن البعد الروحاني في السياسية، وأبدلنا به بُعدًا عقلانيًا جماليًا لا ينكر الدين، بل يحترمه أكثر، ويسمو به فينأى به عن الكراهية، وينأى بالدولة عن مفهوم الخلاص، يومها، وبهذا الفهم، نتسلح استراتيجيًا بالسياسة، نحن أبناء المنطقة الذين يرون الحداثة “دانديزم”، وحبًا للحياة، وسعيًا إلى التطور والتنمية، ومستقبلًا جميلًا لأبنائنا. إذًا، لنترك الروحانية في السياسة لإسرائيل ومنتفعاتها، وستكون هذه الروحانية كفيلةً بإضعافها وإنهائها في يومٍ من الأيام.

تلفزيون سوريا


سوريا وفلسفة الحياد في منطقة الحروب/ حمدان العكله
2026.03.14
منذ سقوط النظام الديكتاتوري، دخلت سوريا مرحلة جديدة من تاريخها، مرحلة تحاول فيها الإدارة الجديدة ألا تكون قرارات الدولة امتداداً لمحاور إقليمية، فسوريا اليوم أصبحت ميداناً سياسياً لاختبار مفهوم الحياد في أكثر مناطق العالم تعقيداً وصراعاً.

وفي قلب هذه المنطقة، حيث تتصارع القوى الإقليمية والدولية وتتقاطع مصالحها، يبرز السؤال الحاسم، ألا وهو: هل تستطيع سوريا الجديدة أن تنأى بنفسها عن الحروب القائمة، أم أنَّ منطق الصراعات الإقليمية سيسحبها مجدَّداً إلى فوضى المحاور؟ إنَّ الإجابة على هذا السؤال تكمن في قدرة الدولة على تحويل الحياد إلى استراتيجية فلسفية حقيقية، تجعلها مستقلة عن إرادات الآخرين، وفي الوقت نفسه قادرة على حماية مصالح شعبها وبناء الدولة الحديثة.

أولاً- الحياد بوصفه خياراً فلسفياً واستراتيجياً

الحياد السياسي هو في جوهره خيار فلسفي واستراتيجي يفرضه الواقع الجديد على سوريا بعد الثورة؛ لأنَّه يمثِّل محاولة واعية لإعادة تعريف موقع الدولة في خريطة الصراعات الإقليمية، فهو تجربة تأسيسية للدولة الجديدة في مواجهة التحديات المعقَّدة التي تحيط بها. إذ إنَّ الدولة خرجت من مرحلة طويلة من الارتباط بمحاور إقليمية لم تعد معنية بإعادة إنتاج السياسات القديمة، فقد أصبحت مدفوعة للبحث عن صيغة مختلفة لعلاقتها بالعالم. فسوريا اليوم لم تعد جزءاً من محور إقليمي تقوده إيران، وتتحكَّم بسياستها، ولم تعد رهينة المصالح والتحالفات التي كانت تحدِّد في السابق اتجاهات القرار السياسي. هذا الانفصال عن الماضي لا يمثِّل تحولاً في فلسفة السياسة الخارجية؛ لأنَّه يفتح المجال أمام إعادة صياغة العلاقات مع مختلف القوى، سواء الإقليمية، أو الدولية، على قاعدة أكثر وضوحاً، تتلَّخص بمصلحة الدولة السورية واستقرار المجتمع السوري قبل أيِّ اعتبارات أخرى.

إنَّ قرار سياسة الحياد، رغم عقلانيته، ليس خياراً سهلاً في منطقة يتبين فيها أنَّ الدول التي حاولت البقاء خارج المحاور غالباً ما وجدت نفسها أمام ضغوط سياسية واستراتيجية كبيرة؛ لأنَّ بنية الصراع الإقليمي تميل بطبيعتها إلى استقطاب الدول ودفعها نحو أحد الأطراف. لذلك تدرك سوريا الجديدة أنَّ موقعها الجغرافي يمنحها أهمية استراتيجية، ويضعها أيضاً في قلب شبكة معقَّدة من التوازنات الجيوسياسية،

وبالتالي فإنَّ أيَّ ضعف في رسم سياسات واضحة أو أيَّ تردُّد في تحديد الأولويات قد يستغل من قِبَل القوى الكبرى لتوجيه الدولة نحو مسارات تخدم مصالحها بعيداً عن مصالح السوريين. ولهذا فإنَّ السياسة السورية الجديدة تحتاج إلى بناء رؤية متكاملة تجمع بين الفلسفة السياسية والحنكة الاستراتيجية. والمطلوب هو الابتعاد عن النزاعات، والقدرة على إدارة العلاقات الإقليمية والدولية بوعي ومرونة؛ من خلال معرفة متى تبتعد الدولة عن صراعات الآخرين، ومتى تستخدم أدوات الدبلوماسية والتوازنات الإقليمية لتعزيز مصالحها، ومتى تدافع عن سيادة القرار السوري بثقة من دون الانجرار إلى دوامة الحروب. في هذا الإطار، يصبح الحياد السوري اختبار عميق لقدرة الدولة على بناء استقلالها الحقيقي.

ثانياً- الحياد السوري بين التحدِّيات واختبار الواقع

تواجه سوريا اليوم تحديات متعدَّدة تجعل من تحقيق الحياد اختباراً حقيقياً للسياسة وللفلسفة العملية في آنٍ واحد، فإلى جانب موقعها الجغرافي الاستراتيجي في قلب التوازنات الإقليمية، هناك تاريخ طويل من النفوذ الإقليمي والدولي داخل البلاد، إضافة إلى تشابك المصالح بين قوى متعدَّدة اعتادت النظر إلى الساحة السورية بوصفها جزءاً من حساباتها الاستراتيجية. لذلك فإنَّ أيَّ محاولة لبناء سياسة حياد لا يمكن أن تكون مجرد قرار دبلوماسي عابر، إنَّما هو عملية دقيقة تتطلَّب قراءة عميقة لموازين القوى في المنطقة، وفهماً لطبيعة الصراعات التي تشكِّل المشهد الإقليمي.

ومن جهة أخرى، هناك رغبة واضحة لدى سوريا الجديدة في الابتعاد عن إرث المحاور القديمة، وخصوصاً رفض العودة إلى التحالف الذي كان قائماً مع إيران في المرحلة السابقة، هذا الموقف يعكس تغييراً في التحالفات، ويعبِّر عن تحوُّل في إدراك معنى السيادة والاستقلال السياسي. غير أنَّ هذا التوجُّه نحو الاستقلال يواجه في الوقت نفسه ضغوطاً متجدَّدة من القوى الإقليمية والدولية التي قد تحاول استغلال مرحلة التحوُّل في سوريا لدفعها نحو صراعات أو اصطفافات لا تخدم مصالحها.

لذلك تتحوَّل سوريا إلى حالة اختبار لفكرة الحياد في منطقة تتمُّ إدارة سياساتها غالباً بمنطق الحروب والتحالفات المتنافسة، لتختبر قدرتها على تجنُّب المشاركة المباشرة في النزاعات، وقدرتها على بناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف من دون الانجرار إلى محور معين، وهذا يعني أنَّ الحياد السوري يتطلَّب سياسة خارجية مرنة تقوم على إدارة التوازنات الإقليمية بحذر ووعي، مع الحفاظ على التوازن بين متطلبات الاستقرار الداخلي وإعادة الإعمار من جهة، واستقلال القرار السياسي من جهة أخرى.

لهذا السبب يبدو الحياد السوري أكثر من مجرد موقف استراتيجي مؤقَّت؛ إنَّه محاولة لبناء فلسفة عمل للدولة الحديثة، فنجاح سوريا في الحفاظ على هذا التوازن في بيئة إقليمية مضطربة سيكون دليلاً على قدرتها على حماية سيادتها وصياغة دورها السياسي بإرادة مستقلة، حتى في منطقة تبدو الحروب فيها في كثير من الأحيان القاعدة أكثر من الاستثناء.

ختاماً، تقف سوريا اليوم أمام اختبار مختلف، وهو القدرة على الإفلات من الحروب والخوض فيها، فالحياد هنا ليس تراجعاً عن السياسة، بل محاولة لإعادة تعريفها؛ من خلال سياسة مبنية على حماية المجتمع قبل الانخراط في صراعات الآخرين. وإذا نجحت سوريا في ترسيخ هذا الخيار قد تكون أعادت طرح سؤال عميق، ألا وهو هل يمكن للدولة أن تثبت قوتها بالابتعاد عن الحرب، لا بالدخول فيها؟

تلفزيون سوريا


كيف يمكن لحرب إيران أن تؤثر على سوريا؟/ عمر أوزكيزيلجيك
2026.03.14
نجم عن الحرب التي تورطت بها إيران تداعيات متتابعة رسمت من جديد معالم الديناميات السياسية والاقتصادية والأمنية في المنطقة.

يتندر معظم السوريين بالقول إن سوريا حالياً هي الدولة الشرق أوسطية الوحيدة التي لم تدخل الحرب، إلا أن هذا لا يعني بأن سوريا محصنة أمام عواقبها، كما أن العواقب غير المباشرة التي يمكن أن تترتب على حرب كهذه ستكون وخيمة بالنسبة لسوريا التي ماتزال تسعى لنشر الاستقرار بعد عقد ونيف من النزاع.

وهنا تبرز ثلاثة عواقب غير مباشرة محتملة، أولها: أثر ذلك على الاستثمارات، واحتمال ظهور موجة هجرة جديدة، والتداعيات التي ستترتب على عملية دمج وحدات حماية الشعب الكردية، لأن كل دينامية من هذه الديناميات بوسعها رسم شكل سوريا بطريقة مختلفة، ونقلها من وضع إيجابي إلى سلبي.
أثر الحرب على الاستثمارات

أضحت العواقب الاقتصادية المترتبة على قيام حرب إقليمية موسعة واضحة، فقد تفاعلت الأسواق العالمية بتقلبات جلية، كما أظهرت أسعار الطاقة مؤشرات لتأرجح كبير. فعلى مر التاريخ، تميل الحروب التي تتورط فيها عناصر فاعلة إقليمية كبرى إلى خلق حالة تشكيك في الأسواق العالمية تمتد لأمد طويل، ناهيك عن أنها تحبط الاستثمارات وتتسبب بإبطاء وتيرة النشاط الاقتصادي.

وهذه الديناميات الثلاث لها وزن كبير بالنسبة لسوريا على وجه الخصوص، إذ بعد عقد ونيف من الحرب والعقوبات وتدمير المؤسسات، مايزال الاقتصاد السوري ضعيفاً إلى أقصى الحدود. لذا، فإن أي ارتفاع في أسعار الطاقة سيزيد من معاناة معظم أبناء وبنات الشعب السوري والذين يعيشون بالأصل تحت خط الفقر.

غير أن النقطة الأهم على المستوى الاستراتيجي هي ملف الاستثمارات، وذلك لأن عملية إعادة الإعمار واستقرار الاقتصاد في سوريا تعتمد بشكل كبير على استقطاب استثمارات أجنبية، وخاصة من الدول الخليجية التي تعهدت بتنفيذ مشاريع استثمارية.

كما يمكن للحرب على إيران أن تؤخر أو تعطل هذه العملية، إذ يمكن للحكومات وللمستثمرين من القطاع الخاص في دول الخليج أن يعيدو ترتيب أولوياتهم بالنسبة لهذه الاستثمارات، ومن المتوقع للدول العربية بعد الحرب أن تركز بشكل أكبر على شؤونها الداخلية وعلى الاستعانة بثرواتها لترسيخ أمان شعوبها، فقد أدركت كثير من دول الخليج الآن بأنها لا يمكنها أن تثق بأمنها وهو بين يدي الولايات المتحدة، ولهذا قد تُؤجل حتى تلك المشاريع التي تمت مناقشتها إلى أن تتضح الصورة الاستراتيجية الأكبر.

وهذا الإرجاء أو الإلغاء قد تترتب عليه عواقب سياسية بالنسبة لسوريا، فاستراتيجية الحكومة السورية الساعية لترسيخ سلطتها ونشر الاستقرار في البلد لا تعتمد على السيطرة العسكرية فحسب، بل أيضاً على عودة الاقتصاد لطبيعته. ومن دون تحقيق تحسن جلي في ظروف المعيشة والبنية التحتية، لابد لنقمة الشارع السوري أن تزداد، مما قد يؤدي إلى ظهور خطوط للتوتر في هذا البلد.
خطر ظهور موجة هجرة جديدة

ثمة نقطة أخرى مثيرة للقلق وتتصل باحتمال توسع النزاع جغرافياً، بعد أن وصل القتال إلى لبنان، وهنالك خوف كبير من تحول جنوبي لبنان إلى ساحة لعملية برية كبرى تنفذها إسرائيل.

ومما زاد من حدة تلك المخاوف التحذيرات التي وجهت مؤخراً للمدنيين في مناطق بالضاحية الجنوبية، بعد أن توعدت التصريحات الإسرائيلية بتحويل مناطق معينة إلى ساحة حرب كمثيلاتها في غزة، وهذا ما سلط الضوء على الحجم المحتمل للدمار الذي يمكن أن يحدث في حال تصعيد النزاع بنسبة أكبر.

ولبنان بالأصل يؤوي الآلاف من اللاجئين واللاجئات السوريين، على الرغم من معاناته من أزمة اقتصادية حادة. لذا فإن أي تصعيد كبير قد يدفع كلاً من المدنيين اللبنانيين واللاجئين السوريين إلى النزوح من البلد، وقد تبدو سوريا بالنسبة لكثير منهم الوجهة الأسهل.

غير أن سوريا نفسها غير مستعدة لاستقبال أعداد كبيرة من الوافدين والوافدات، بما أن بنيتها التحتية ماتزال مدمرة، وخدماتها العامة محدودة، وظروفها الاقتصادية غاية في الصعوبة. كما أن أي تدفق مفاجئ للاجئين واللاجئات قد يزيد من الضغط على المجتمعات التي تعاني الأمرّين بالأساس.

بيد أن التبعات الاجتماعية لهذه الهجرة قد تكون حساسة جداً كونها أشد تعقيداً من كل ما ذكر، وذلك لأن المناطق المهددة بالتصعيد في لبنان هي المناطق ذات الغالبية الشيعية، لذا في حال نزوح أعداد كبيرة من سكان تلك المناطق باتجاه سوريا، عندئذ يمكن لحالات توتر محلية أن تظهر، كما أن تدفق الوافدين والوافدات قد يؤدي إلى ظهور حالات توتر جديدة في الداخل السوري بين مختلف الطوائف، ناهيك عن أن ذلك قد يفتح مجالاً جديداً أمام التنظيمات الإرهابية لتنفذ هجمات هي أيضاً.
التداعيات المترتبة على دمج وحدات حماية الشعب

ليست كل التبعات سلبية، فقد بحثت إدارة ترمب إمكانية تأييد الجماعات الكردية في إيران للحملة ضد طهران، ومن الجماعات التي ذكرت في هذا السياق، حزب الحياة الحرة لكردستان، وهو الفرع الإيراني لحزب العمال الكردستاني. وفي الوقت الذي وافقت وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبر الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني على اتفاق الدمج، فإن هذا التطور أصبح مثار قلق كبير بالنسبة لوحدة الأراضي السورية.

غير أن هذا المشروع لم يتحقق، فقد تحدثت تقارير عن رفض حزب العمال الكردستاني للمقترح الأميركي، في حين شككت عناصر فاعلة كردية بديمومة هذه الاستراتيجية. وفي الوقت ذاته، حذرت وحدات حماية الشعب في سوريا الجماعات الكردية في إيران من مغبة وضع ثقتها بالوعود الأميركية، وذلك انطلاقاً من تجاربها السابقة مع واشنطن التي تخلت عنهم.

وفي نهاية الأمر، تخلت إدارة ترمب عن الفكرة، فلم يتجاوز المقترح حدود النقاش.

تعتبر هذه الحادثة مؤشراً مهماً على تطور الحسابات داخل حزب العمال الكردستاني وفروعه، إذ إن رفض حزب العمال وفرعه الإيراني للتورط في نزاع جديد بالوكالة، إلى جانب الحذر الذي أبدته قيادة وحدات حماية الشعب، يوحي بقيامهم بعملية إعادة تقييم استراتيجية بنسبة معينة.

أما بالنسبة لسوريا، فإن هذا التطور قد يحمل بين طياته نتيجة إيجابية، كونه يظهر بأن هنالك على الأقل أقسام لدى حزب العمال الكردستاني تعلمت من دروس الماضي، وهذا السلوك إن دل على شيء فإنما يدل على أن وحدات حماية الشعب باتت تدرك بشكل فعلي وكامل بأن الاستقرار على المدى البعيد لا يمكن أن يقوم على دعم دولي غير مضمون، بل على ترتيبات وإجراءات داخل الإطار السياسي لسوريا نفسها. وهذا التحول الواضح يمنحنا أملاً بعملية الدمج المستمرة بين وحدات حماية الشعب في شمال شرقي سوريا والحكومة المركزية في دمشق.

تلفزيون سوريا


الحرب تُربك الاستثمارات وتعيد ترتيب الأولويات في سوريا/ ناظم عيد
السبت 2026/03/14
لم تظهر تأثيرات الحرب الإسرائيلية والأميركية ـ الإيرانية على نحوٍ كبير على سلاسل الإمداد الغذائي والنفطي للأسواق السورية.
وإن كانت حالة الهلع التقليدية في مثل هذه الظروف تتسبب ببعض الاختناقات والطلب الزائد – ظهر ذلك بارتفاع أسعار المواد الغذائية والغاز المنزلي – إلا أن الجهات الرسمية أرجعت الموقف لطقوس شهر رمضان في سوريا. وبالفعل اعتاد السوريون على ارتفاع الأسعار في هذا الشهر، بالتالي لا يمكن الجزم بأن ماحصل من تعقيدات يعود إلى ظرف الحرب كانعكاس مباشر.

اطمئنان نسبي
لكن من الإنصاف هنا الإشارة إلى الإدارة الرسمية للسوق، والنجاح في تبديد حالة القلق ـ كما حصل في مادتي الغاز والبنزين ـ لأن العامل النفسي غالباً يكون نصف المشكلة عندما يتعلق الأمر بالأسواق وأزماتها.
وبالفعل أسهمت تأكيدات الرسميين حول وفرة المخازين من السلع الأساسية “احتياطي قمح لثمانية أشهر” وتصريحات التجار غير المتشائمة، إضافة لتكثيف بث مشاهد نقل النفط الخام من مناطق الجزيرة السورية إلى المصافي، وغير ذلك، في طمأنة السوريين بشأن توفر احتياجاتهم الأساسية.

درس الحرب
لكن على المدى الطويل، إن طالت الحرب أو توقفت وبقيت آثارها لفترة، يبقى على الحكومة السورية مهام أكثر استراتيجية لا بد من الشروع بها ـ بحرب أو بلا حرب ـ أي الاستفادة من “درس الحرب” الذي ربما يتكرر كثيراً في منطقة هي الأكثر قلقاً وتوتراً في هذا العالم “منطقة الشرق الأوسط”. إذ مازال كل من يراقب المجريات على الأرض ينتظر إنجازات حقيقية على مستوى تفعيل مقومات الكفاية المحلية في بلد متنوع الموارد ويمكن أن ينعم بالاكتفاء الذاتي، ثم على مستوى الاستثمار ورؤوس الأموال المطلوبة لمعاودة النهوض.
فالحقيقة التي لم ينظر إلبها خبراء الاقتصاد والتنمية بعين الارتياح. هي أن معظم الاستثمارات الكبيرة المعلن عنها منذ التحرير وحتى اليوم، تعود لشركات غير سورية، سعودية وقطرية بالدرجة الأولى، ثم تركية وإن لم تجرِ للأخيرة مراسم احتفاء معلنة.

ضريبة الجغرافيا
في المجمل وكما يظهر من التطورات الأخيرة، هذه الحرب لن تطول بشكلها الحالي، ولا يتوقع أن تتحول إلى حرب تقليدية طويلة الأمد، فمن وجهة نظر الخبير الاقتصادي والأكاديمي د. فادي عياش، التكلفة تبدو باهظة جداً على كافة الأطراف، وكما هو معروف فالحروب هي من أساليب التفاوض الخشن.
لكن رغم ذلك يرى عياش في حديثه مع “المدن” أنه سيكون لهذه الحرب تداعيات مؤثرة على المدى القريب والمتوسط، على مستوى المنطقة والعالم، ولكن سيكون التأثير أكبر على الاقتصادات المستوردة للطاقة وعلى الاقتصادات الهشة من حيث سلاسل الإمداد والتموين والتأمين.
في سوريا يتوقع الخبير عياش أن يكون التأثير كبير لاعتبارات الموقع الجغرافي في منطقة الصراع وتأثر دول الجوار المباشر في الحرب من جهة، وكذلك بسبب طور التعافي السوري الذي لم يكتمل بعد من جهة أخرى مما يزيد مخاطر تلك التداعيات.
ولذلك يتطلب الموقف إدارة محكمة للمخاطر وإعداد سيناريوهات لإدارة البدائل لتخفيف الآثار المتوقعة على الأقل في الأمدين القريب والمتوسط، سواء استمرت الحرب أو توقفت.
وهنا تبرز أهمية الموقع الجغرافي الإستراتيجي لسوريا حيث يمكنها تفعيل موانئها الهامة والآمنة على المتوسط، وكذلك التفعيل الأعظمي للمعابر البرية مع المحيط والنقل الجوي لتأمين مسارات بديلة لتأمين السلع الرئيسة ذات الأولية كالغذاء والدواء وحوامل الطاقة… وهذا يتطلب تسهيلات و تيسيرات إجرائية استثنائية في هذه المرحلة.

كفاية ذاتية!
يرى د. عياش أن سوريا تتمتع بقدرات ذاتية مؤثرة يمكن، في حال استثمارها بكفاءة، أن تلبي معظم الاحتياجات المحلية على المستوى الغذائي والطاقوي.
فموسم الأمطار يبشر بإنتاج زراعي وفير مما يتطلب تقديم تسهيلات ودعم كبير للمحاصيل الإستراتيجية وذات التأثير المباشر على الأمن الوطني كالغذاء والمحاصيل الصناعية.
كما أن استعادة حقول الطاقة في المنطقة الشرقية ورغم عدم جاهزيتها الكلية وتضرر شبكات الأنابيب إلا أنها ستكون داعمة وقادرة على تخفيف تأثير الحرب على تأمين المشتقات النفطية على الأقل وبمستوى مقبول.
مع التنويه بأن التأثير الفعلي المتوقع لا يتعلق بقلة التوريدات المحتملة أي النقص في المواد بقدر ما يتوقع أن يكون ارتفاع في تكاليف تأمينها كأثر غير مباشر لتضرر سلاسل الإمداد واللوجستيات الدولية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين. وهذا يتطلب وعياً مجتمعياً لتجنب السلوكيات التي تضاعف الطلب وتزيد من الضغط على الموارد، وكذلك تفعيل أجهزة حماية المستهلك لتأمين استقرار وتوازن العرض السلعي ومنع الاحتكار وتوازن الأسعار.

مخاوف استراتيجية
لكن ماذا عن البُعد الإستراتيجي الآخر في “الاستحقاق السوري الكبير”، ماذا عن الاستثمار والتدفقات الرأسمالية الموعودة؟ كانت الأنباء عن تبدّل الأولويات الاستثمارية في دول الخليج العربي و”تأخر ترتيب الوجهة السورية كأولوية” مثيرة لقلق السوريين الذين يعولون عليها كثيراً.
هنا يرى الخبير عياش، أن دول الخليج ستتأثر بشكل مباشر من تداعيات الحرب في منطقتها وسوف يؤدي إلى تغييرات مؤثرة في أولوياتها الاستثمارية ولا سيما في حال زادت وتيرة القصف والتدمير للبنى الأساسية. وربما من الطبيعي أن ينعكس ذلك على أولوياتها الاستثمارية الخارجية، ولا سيما في سوريا التي تعول كثيراً على الاستثمارات الخليجية بالعموم والسعودية بالخصوص.
لكن الاستقرار النسبي لسوريا وتحييدها عن الصراع الدائر بالتزامن مع رفع العقوبات وتحسن الاستقرار الداخلي قد يكون فرصة بديلة لتشجيع وجذب استثمارات هامة أخرى من دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي عبرت عن اهتمامها بالاستثمار في إعادة الإعمار في سوريا، كفرص متممة أكثر منها بديلة. وهذا يتطلب جهوداً مكثفة لتذليل كافة العقبات والمخاوف المرتبطة بالاستثمار لتحسين البيئة الجاذبة لهذه الاستثمارات المحتملة ولا سيما المتعلقة في البنى التحتية والطاقة.
وربما علينا ألا نغفل عن حتمية تفعيل أكبر لدور قطاع الأعمال المحلي والمغترب وتفعيل التشاركية الاقتصادية.

المدن


ضغوط الحرب الإقليمية على الاقتصاد السوري.. مسارات للمعالجة/ وعد ديب
مارس 13, 2026
يواجه الاقتصاد السوري ضغوطاً متزايدة مع تصاعد تداعيات الحرب الإقليمية، ما ينعكس مباشرة على الأسواق المحلية ومستوى معيشة المواطنين. ويتوقع خبراء اقتصاديون أن يشهد التضخم قفزة كبيرة مدفوعاً بارتفاع أسعار الكهرباء والمحروقات والمواد الأساسية، إلى جانب اضطراب سلاسل الإمداد.

كما تشير التقديرات إلى احتمال انكماش النمو الاقتصادي وتراجع الاستثمار، مع مخاوف من ارتفاع البطالة إلى نتيجة ركود الأنشطة الإنتاجية.

وفي ظل هذه المعطيات، تتجه الأنظار إلى قدرة السياسات الاقتصادية على الحد من التداعيات، ودور القطاعات الإنتاجية وتحويلات المغتربين في تخفيف الضغوط على سعر الصرف ودعم الاستقرار الاقتصادي.
تأثير الحرب

تأتي الحرب الإقليمية المستمرة بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى لتلقي بظلالها على الاقتصاد السوري.

وأوضح المحلل الاقتصادي رضوان الدبس، لصحيفة “الثورة السورية” أن التأثيرات الاقتصادية بدأت تظهر بشكل واضح على المواطنين، من تقنين الكهرباء بسبب نقص الغاز، وارتفاع الأسعار نتيجة توقف بعض مصادر الاستيراد، إلى تخوفات من تأثيرات الحرب على سلاسل الإمداد، مما يعمق المعاناة.

وأضاف أن هذا الوضع قد يؤدي إلى تضخم اقتصادي حاد يترافق مع ضعف الإنتاج وارتفاع الأسعار، وبالتالي ضعف قيمة العملة الوطنية. ومع انقطاع التيار الكهربائي وتأخر وصول الغاز للمصانع، ارتفعت أسعار المواد الأساسية بشكل ملحوظ، مما أثر في قدرة المواطن على تلبية احتياجاته اليومية.
البطالة وأبعادها الاجتماعية

في ظل الظروف الراهنة، تشير توقعات الخبراء إلى أن معدلات البطالة قد ترتفع بسبب انكماش النمو الاقتصادي، ما يهدد الاستقرار الاجتماعي.

وأوضح الدبس أن هذا الوضع سيؤدي إلى زيادة البطالة نتيجة تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليفه، مما قد يضطر الشركات لتقليص العمالة أو إغلاق مصانعها.

من جهته، أكد المحلل الاقتصادي مختار الإبراهيم، أن استمرار البطالة لفترة طويلة سيؤدي إلى تداعيات اجتماعية خطيرة، مثل اتساع دائرة الفقر وزيادة الهجرة الجماعية، ما يفاقم الضغوط على المجتمع.

وشدد الإبراهيم على ضرورة تبني سياسات نشطة لسوق العمل، مثل دعم المشروعات الصغيرة، وتحفيز الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وتسهيل إجراءات تأسيس الشركات المحلية لتوفير فرص عمل جديدة. كما لفت إلى أهمية توسيع برامج التدريب المهني لتحسين مهارات المواطنين، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية لدعم الفئات الأكثر هشاشة.
سعر الصرف

توقع الدبس أن تتعرض الليرة السورية لضغوط شديدة نتيجة التضخم والانكماش في القطاعات الإنتاجية، مع قلة السيولة الأجنبية في البنك المركزي، مما قد يؤدي إلى انخفاض قيمة العملة الوطنية وتفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار.

وأشار إلى وجود بعض الحلول الجزئية، مثل تحفيز الصناعات الوطنية ودعم المشاريع الصغيرة لتقليل الاعتماد على الواردات وتحقيق بعض الاستقرار.

من جانبه، شدد الإبراهيم على أهمية استعادة النشاط الإنتاجي المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، مع تحسين بيئة الأعمال وجذب رؤوس الأموال المحلية والخارجية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي على المدى المتوسط.
التحويلات المالية

عن دور المغتربين في دعم الاقتصاد المحلي، اتفق الدبس والإبراهيم على أن التحويلات الخارجية تعد من المصادر الأساسية للقطع الأجنبي حالياً. وأكد الدبس أهمية توجيه هذه التحويلات من مجرد دعم استهلاكي إلى استثمارات في مشاريع إنتاجية لتحفيز الاقتصاد المحلي.

وأضاف الإبراهيم أن تحويلات المغتربين تسهم في دعم الاستهلاك المحلي وتخفيف الضغوط المعيشية، مع ضرورة توجيهها لدعم فرص العمل عبر تشجيع الاستثمار في القطاعات الإنتاجية وتوفير بيئة قانونية ومالية جاذبة.
تدابير عاجلة

في سياق الحديث عن مسارات المعالجة، يرى الدبس أن الحكومة يجب أن تتخذ تدابير فورية، مثل ضبط الكتلة النقدية المتداولة من خلال الحد من طباعة العملة وضبط تداولاتها، مشدداً على ضرورة مكافحة الفوضى في السوق السوداء ومنع ضخ المزيد من الأوراق النقدية لاحتواء التضخم.

من جهته، أكد الإبراهيم، أن الاقتصاد المحلي، رغم هشاشته نتيجة سنوات الحرب والعقوبات، ما زال قادراً على الصمود في حال اتخاذ تدابير فعالة.

وأوضح أن أبرز القطاعات التي ينبغي التركيز عليها حالياً تشمل الزراعة والصناعات الغذائية، إلى جانب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتي تعد قادرة على تأمين جزء مهم من الاحتياجات المحلية، وتوليد فرص عمل بموارد محدودة، وبالتالي تخفيف الضغط على الاستيراد وتقليل الاعتماد على القطع الأجنبي.

وأشار الإبراهيم إلى أن تركيز الحكومة على هذه القطاعات سيقلل الضغط على الاستيراد ويوفر القطع الأجنبي، مع أهمية تقديم التسهيلات الضريبية والجمركية لدعم هذه القطاعات.

وأكد الدبس أن التحديات الاقتصادية الحالية تتطلب تعاوناً شاملاً بين الحكومة والقطاع الخاص، إضافة إلى وضع رؤية وطنية شاملة للتعامل مع آثار الحرب. وأضاف: “الواقع اليوم مرير، لكن هناك حلول يمكن أن تخفف الأثر المباشر على المواطن، ولا يمكننا رهن مستقبلنا فقط على المساعدات الخارجية أو التحويلات المالية من المغتربين”.


الحرب على إيران تعمق الغلاء في سوريا/ شام السبسبي
دمشق- انعكست الحرب الإسرائيلية الأميركية الإيرانية سريعا على الأسواق السورية، مع ارتفاعات طالت معظم السلع الغذائية والاستهلاكية والمواد الأساسية، في وقت يعاني فيه السكان أصلا من ضعف السيولة وتراجع القدرة الشرائية، مما عمّق الضغوط المعيشية على الأسر.

في أسواق دمشق، بدت آثار التصعيد واضحة على أسعار المواد الغذائية، من اللحوم والدجاج إلى الزيت والخضار والمعلبات. ويقول مازن بيرقدار (64 عاما)، وهو متقاعد من القطاع العام، إن تأثير الحرب لم يقتصر على صنف دون آخر، بل شمل الأغذية والغاز المنزلي والمازوت.

ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن الناس لا يملكون سيولة كافية، فيما تتراجع قدرتهم الشرائية بصورة ملحوظة، لتتجه الأوضاع الاقتصادية “من سيئ إلى أسوأ”.
قفزة الأسعار

وأثناء جولة ميدانية رصدت الجزيرة نت ارتفاعا متفاوتا في أسعار السلع، ويقدّر تاجر المواد الغذائية في سوق سريجة بدمشق عماد الدين علايا الزيادة بنسب تراوحت بين 10% و50% منذ بداية الحرب في نهاية فبراير/شباط الماضي.

ويشير إلى أن سعر كيلو صدور الدجاج ارتفع في بعض مناطق دمشق من 350 ليرة (3.18 دولارات) إلى 550 ليرة (5 دولارات)، فيما صعد سعر كيلو لحم الخاروف من 1600 ليرة (14.55 دولارا) إلى 2500 ليرة (22.73 دولارا)، كما ارتفع سعر كيلو الطماطم من 40 ليرة (0.36 دولار) إلى 150 ليرة (1.36 دولار)، ووصل سعر كيلو الكوسا إلى 150 ليرة (1.36 دولار).

ويرى علايا أن هذه القفزات لا ترتبط باحتكار أو نقص مباشر في المعروض، بل بما يسميه “الوضع السياسي العام في المنطقة”. لكن التاجر في سوق الميدان بدمشق عدنان جناب يقدم تفسيرا إضافيًا، إذ يقول إن زيادة تصدير بعض المحاصيل والبضائع المحلية إلى دول الجوار السوري خفّضت الكميات المتاحة في السوق المحلية، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الشحن منذ اندلاع الحرب.
إعلان

ولا تقف الضغوط عند حدود الأسعار، إذ يقول الموظف المتقاعد علي محفوظ إن الأزمة امتدت إلى نقص في مواد أساسية، وفي مقدمتها الغاز المنزلي، مما ضاعف المتاعب اليومية للأسر.

ويوضح في حديثه للجزيرة نت أن الموظف أو المتقاعد كان يعيش في السنوات الماضية على نحو 300 ألف ليرة قديمة، وهي قيمة لم تكن تتجاوز آنذاك 15 دولارا، ورغم تحسن الرواتب مؤخرا، فإن إعداد وجبة غداء بسيطة بات يحتاج إلى ما لا يقل عن 100 ألف ليرة قديمة، أي نحو 9 دولارات.

ويضيف أنه حتى بعض النباتات البرية التي كانت تعد خيارا رخيصا، مثل “الخبيزة”، وصل سعرها إلى 10 آلاف ليرة.

ومن جهتها، تقول سمر منذر (42 عاما) إن الارتفاعات الحالية تعيد إلى الأذهان موجات الغلاء التي تتكرر عادة مع اقتراب شهر رمضان، لكن وقعها هذه المرة أشد بسبب الحرب وتآكل الدخول.

وتشير إلى أن السوريين شعروا بشيء من التفاؤل بعد سقوط نظام السابق، وانخفضت الأسعار لفترة محدودة، قبل أن تعاود الصعود، ولا سيما بعد اندلاع الحرب على إيران.

وتضيف أن كثيرا من الأطباق التقليدية التي اعتادت العائلات الدمشقية إعدادها في الشهر الفضيل باتت خارج متناول عدد واسع من الأسر، سواء لتحضيرها داخل المنزل أو لدعوة الأقارب إليها.

وترفض سمر الانطباع السائد بأن معظم الأسر السورية تتلقى دعما ماليا من الخارج، معتبرة أن هذا الاعتقاد مبالغ فيه، لأن شريحة واسعة من الناس ما تزال تعتمد على رواتب محلية محدودة.

وتعرب عن أملها في أن تتدخل الحكومة لمعالجة الأزمة، لكنها ترى أن “الجهات المعنية لم تدرك بعد الحجم الحقيقي للضغوط المعيشية التي يواجهها المواطنون”.
اقتصاد هش

يقول الخبير الاقتصادي إبراهيم قوشجي إن سوريا ليست بمنأى عن التوترات الإقليمية، وإن البلاد دخلت عام 2026 تحت تأثير مباشر لصراع يتوسع بين قوى إقليمية ودولية، انعكس بسرعة على الأسواق والمعيشة.

ويوضح في حديثه للجزيرة نت أن حالة من ارتباك الأسعار سادت السوق منذ بداية التصعيد، مع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع المعروض من بعض السلع، إذ تراوحت الزيادات في عدد من القطاعات الحيوية بين 20% و40%، كما تعرضت الليرة السورية، بحسب قوله، لضغوط إضافية نتيجة تراجع التحويلات الخارجية وزيادة الطلب على العملات الأجنبية، مما أدى إلى تباطؤ نسبي في الحركة التجارية بانتظار اتضاح مسار الأحداث.

ويحذر قوشجي من أن المخاطر لا تقتصر على الأثر الفوري، بل تمتد إلى المدى المتوسط مع احتمال تعطل سلاسل التوريد بسبب تأثر الموانئ وطرق التجارة البرية التي تربط سوريا بدول الجوار، وهو ما قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين أو يؤخر وصول الإمدادات، أما في حال استمرار التوتر، فإنه يرجح أن تتفاقم المخاطر على الاستثمار ورؤوس الأموال، بما يفتح الباب أمام ركود تضخمي طويل الأمد وهجرة إضافية للكفاءات.

وفي ما يتعلق بالأمن الغذائي، يشير قوشجي إلى أن الجهود المبذولة لرفع إنتاج القمح المحلي إلى نحو 3 ملايين طن توفر هامشا من الحماية، لكنها لا تلغي الحاجة إلى الاستيراد لتغطية الطلب.
إعلان

ويضيف أن المخزونات الحالية تمنح البلاد حماية مؤقتة لأشهر معدودة فقط. أما في قطاع الطاقة، فيشير إلى أن الإنتاج المحلي يقل عن 15 ألف برميل يوميا، في حين تتجاوز الحاجة الفعلية 120 ألف برميل يوميا، مما يبقي سوريا معتمدة بدرجة كبيرة على الواردات ويجعل أي اضطراب في خطوط الإمداد تهديدا مباشرا لقطاعات النقل والتدفئة والصناعة.

ويخلص قوشجي إلى أن الاقتصاد السوري يعيش اليوم مرحلة “إدارة أزمات” أكثر من كونه في مسار تعاف، إذ تحاول الحكومة التعامل مع الضغوط المتزايدة بموارد محدودة، فيما يظل تحقيق استقرار اقتصادي حقيقي مرهونا بتهدئة سياسية أوسع في المنطقة.
المصدر: الجزيرة


في ظل التصعيد الإقليمي: هل تمتد الحرب إلى الساحة السورية؟/ أحمد الكناني
14 مارس 2026
مع تصاعد حدة الحرب الإقليمية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، تبدو الجبهات مرشحة إلى مزيد من التوسع، ولقد وضعت طهران دول الخليج العربي في مرمى صواريخها، وشلت الحركة الاقتصادية بإغلاق مضيق هرمز، محاولةً بذلك رفع قيمة الفاتورة الأميركية ــ الإسرائيلية بالاعتداء عليها.

وشكلت توسعة الجبهات جزءًا أساسيًا من الاستراتيجية الإيرانية، إذ سبق أن استخدمت ساحات العراق واليمن ولبنان كطوق لإبقاء الحرب بعيدة عن أراضيها، إلا أن الضربات الأميركية جاءت في العمق الإيراني في الحرب الحالية، ما يطرح التساؤلات حول أوراق طهران الإقليمية، ومدى فاعليتها، والأدوار التي يمكن أن تلعبها، ولا سيما في الساحات القربية من إسرائيل، حيث الحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان. ولأن هذه تشكل جزءًا من الحدود السورية، فقد باتت الأنظار موجهة أيضًا إلى الساحة السورية وكيفية استجابتها للتطورات.

دمشق تلوح بالنار

بات واضحًا أن دمشق استجابت بشكل مباشر لمسرح العمليات العسكرية الإقليمية، إذ عززت انتشار جيشها على الحدود بمدرعات، قاذفات صواريخ، كتائب استطلاع لمراقبة الأنشطة الحدودية، وفرق مكافحة التهريب في إجراء وُصف بالوقائي يهدف إلى ضبط الحدود، وذلك بالتزامن مع تصاعد الحرب على إيران حسب وزارة الدفاع السورية.

إلا أن مسار العمليات الإسرائيلية المتصاعدة على حزب الله في لبنان رفع من احتمالية زج الأراضي السورية في خضم المعركة، إذ سبق أن استخدم “الحزب” الأراضي السوري كمنصة لإطلاق الصواريخ، وهو ما تذرعت به إسرائيل للتوغل في سوريا، كما سبق وأن اندلعت اشتباكات عنيفة في آذار/مارس 2025 بين القوات السورية وعناصر من “حزب الله” على الحدود ما رفع من احتمالية إشعال الفتيل بين الطرفين.

تعتقد أوساط مقربة من حزب الله في لبنان إمكانية دخول الجيش السوري في الحرب، إذ أن دمشق لن تستطيع رفض المطالب الأميركية -قائد العملية العسكرية على إيران- على اعتبار أن دمشق جزء من قوات التحالف الدولي، وبالتالي ستنفذ الأجندة الأميركية في المنطقة لضرب الحزب في لبنان والدخول بريًا لهذه المهمة.

هذه التحليلات اللبنانية تعززت بعد إعلان الرئيس السوري أحمد الشرع دعم حكومته للرئيس اللبناني جوزاف عون في جهوده الرامية إلى نزع سلاح “حزب الله”، إضافة إلى دعم الخطوات التي تتخذها حكومتا العراق ولبنان لإبعاد المخاطر الأمنية عن بلديهما، في إشارة من الرئيس الشرع إلى ميليشيات الحشد الشعبي في العراق.

انزلاق إلى المواجهة

بدأ الجيش السوري اتصالاته المكثفة مع الجيش اللبناني عقب سقوط عدة قذائف من الأراضي اللبنانية على منطقة سرغايا بريف دمشق الغربي، وبحسب هيئة العمليات في الجيش، تزامن سقوط هذه القذائف مع وصول تعزيزات من ميليشيا الحزب تجاه الحدود مع سوريا.

ينفي الخبير العسكري اللبناني هشام جابر أن يكون “الحزب” استهدف أو تقصّد استهداف الأراضي السورية، على اعتبار أن ذلك لا يدخل في مصلحته، لافتًا إلى أن المنطقة الحدودية بين سوريا ولبنان تشهد عمليات اشتباكات دورية مع المهربين والعشائر في بعض الأحيان، وقد يكون هذا هو مصدر القذائف.

تشير التقديرات الأمنية بعيدًا عن مصدر القذائف، إلى أن “حزب الله” حشد مقاتليه تخوفًا من عملية عسكرية سورية مباغتة لعناصره قد تربكهم وتشتت منظوماتهم الدفاعية أمام إسرائيل، في ظل صمت سوري لدراسة الموقف وأبعاده ومخاطر تطور سقوط مثل هكذا قذائف داخل الأراضي السورية.

اعتبارات سياسية عسكرية

تدرك دمشق أن دخولها في صدام عسكري لنزع سلاح حزب الله سيكلفها فاتورة أكبر بكثير مما ستحصل عليه في حال طلب منها القيام بهذا الدور، كما أن دمشق لا تضع نفسها بشكل مباشر أو غير مباشر في جبهة إسناد عسكرية لإسرائيل في حربها مع الحزب، على اعتبار ذلك سابقة لم تفعلها أي دولة عربية في هذه الحرب تجاه إيران حتى، فكيف تجاه لبنان؟!

كما تضع دمشق في حساباتها العسكرية أن خارطتها “مرمى بلا حراس” ومفتوحة أمام منصات الصواريخ الإيرانية، خاصة عدم امتلاكها لمنظومات الدفاع الجوية، الأمر الذي سيفاقم الكارثة، على اعتبار أن إيران لن تستثني سوريا من ضرباتها في حال ضغطت على الحزب في لبنان.

يؤكد الخبير العسكري هشام جابر استعداد الصواريخ الإيرانية لاستهداف الأماكن الحساسة والعسكرية في سوريا في حال تدخلت ضد حزب الله في لبنان، كونها بذلك اعتبرت نفسها جزءًا رئيسيًا من محور العمليات الأميركية على إيران، وبالتالي لن تستثني إيران الأهداف المعادية لها في دمشق، كذلك لن يقف الجيش اللبناني متفرجًا على مثل هذه التدخلات.

الخبير العسكري جابر لفت إلى أن الأتراك ودول الخليج، حلفاء دمشق، لن يوافقوا على مثل هذا التدخل، وسيكون لهم ضغط كبير على دمشق في حال طُلب منها ذلك، عدا عن الشرخ السياسي والاجتماعي الناتجين عن مثل هكذا تدخل.

وعليه تشير التقديرات السياسية والعسكرية إلى أن دمشق لن تمضي في أي خيار تصعيدي مع لبنان، إلا أن ذلك لا يستبعد أن ترد المدفعية السورية على مصادر القذائف في حال تكررت الحادثة، وعليه تكون دمشق قد حافظت على نفسها وموقعها السياسي والإقليمي أيضًا بعيدًا عن صراعات غير مضمونة النتائج.


لماذا لا يُحكى عن نهاية هذه الحرب؟!/ عمر قدور
السبت 2026/03/14
منذ اندلعت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، ثم لبنان، كان أهم ما يصدر عن قادتها يشير إلى كونها مرنة الأهداف، لجهة التعاطي مع ردود الأفعال الصادرة عن إيران وحلفائها في المنطقة. أما الهدف الأساسي المُعلن فهو تدمير القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، مع التأكيد على أن الضربة أتت استباقية، وقد راح التأكيد يزداد ترهيباً مع ترويج روايات عن أن طهران كانت على بعد أسبوع من امتلاك السلاح النووي، بخلاف حديث المصادر نفسها عن إرجاع البرنامج النووي سنوات إلى الوراء بغارات شهر حزيران الفائت.

في الحديث عن العوامل التي قد تستعجل إنهاء الحرب تقفز كلفتها المالية على واشنطن وتل أبيب، من دون الخوض في كلفتها على إيران، ثم لبنان، فضلاً عن كلفتها على دول الخليج، والتي لا تُختزل بتوقف إمدادات النفط. والملاحظ أن ترامب لا يكفّ عن الحديث وعن إرسال الإشارات المتناقضة، إلا أنه لا يشير إلى ما بعد الحرب، تحديداً من منظور المقاول الذي لطالما كان حاضراً في حديثه. وقد أشار مرة، ضمن التناقضات، إلى جعل إيران عظيمة من جديد بعد إسقاط النظام. إلا أن كلامه لم يؤخذ على محمل الجد، لأنه لم يأت ضمن سياق يوحي بالجدية، ولأن تجارب بلاده في أفغانستان والعراق لا تشجّع على حسن الظن.

ولئن كانت إشارات ترامب إلى ما بعد الحرب غير مطمئنة، وآخرها ما طرحه لما بعد الحرب على غزة، فإن الغياب الكلي للحديث عن نهاية الحرب الحالية أسوأ، بسبب ما قد يضمره وما لا يضمره. المضمر يكون في أن تنتهي الحرب بصورتها الحالية، من دون أن تنتهي تماماً. فلا تُعلن خاتمة للاشتباك حول البرنامجين النووي والصاروخي الإيراني، وحول الجناح العسكري لحزب الله، ولا تُعلن نهاية للحرب، ما يجعل احتمال تجددها قائماً في كل لحظة، ويوجب الإعداد الحثيث لجولة مقبلة لدى الأطراف المنخرطة فيها، طوعاً أو كرهاً.

السيناريو المرجَّح وفق ذلك هو أن تعمل واشنطن وتل أبيب على تحييد الخطر الإيراني الذي تتحدثان عنه، من دون تحييد التهديد الإيراني لدول الجوار، وقد امتلك منذ بدأت الحرب حجة قوية بسبب إطلاق الصواريخ الإيرانية والمسيَّرات على هذه البلدان. والتصور الكلاسيكي ينص على استفادة شركات الأسلحة الأميركية من عقود تسليح ضخمة، في وقت ليست فيه ميزانيات البلدان المعنية في أحسن أحوالها، ومن المحتمل جداً أن تؤثّر خسائر الحرب والنفقات الدفاعية التالية لها على الإنفاق الخارجي، ما قد ينتقص تالياً من الدور الإقليمي والدولي للبعض منها.

ليس الآن وقت إحصاء الخسائر الإيرانية، ومن المرجَّح بقاؤها في حيّز التخمين ما بقي النظام الحالي. المؤكد أن قدرته أيضاً على الإنفاق الخارجي ستكون متدنية جداً، وهذا ما سينعكس على نفوذه في لبنان واليمن والعراق. الأهم أن إيران نفسها ستكون في وضع كارثي بعد حصار مديد أودى باقتصادها إلى مستويات غير مسبوقة من التراجع، تلته حربان دُمِّر بهما الكثير من المرافق الحيوية. وإذا بقيت العقوبات مع بقاء النظام فمن المؤكد أنها ستؤذي الأخير، إلا أنها كالمعتاد ستؤذي الإيرانيين أولاً، وتنال حتى من قدرتهم على تغيير نظامهم.

نستطيع منذ الآن النظر إلى لوحة ما بعد الحرب، وجزء ضخم منها سابق على مجريات الحرب الأخيرة. من إيران إلى اليمن إلى سوريا ولبنان، مروراً بالعراق، ثمة لوحة للخراب الذي تم تجاهله خلال عقد ونصف أو أبعد، وقد يجعل الخرابَ المُضافَ تجاهله متعذّراً على النحو السابق. ولا خطأ في إضافة السودان وليبيا إلى بؤر الخراب نفسها، بما أن البلدين واقعين تحت ظروف مشابهة.

كانت التقارير الأممية تشير قبل سنوات إلى حاجة سوريا لحوالى 500 مليار دولار من أجل إعادة الإعمار وإطلاق الاقتصاد من جديد. هذا الرقم نموذج عن الاستحقاقات الموجودة في المنطقة، ويمكن القياس عليه حتى لبنانياً، فرغم عدم وقوع حرب كالتي وقعت في سوريا إلا أن الاقتصاد اللبناني تعرض لضربات كبرى أدت إلى انهيار قطاعه المصرفي، ثم لخسائر لم تُعرف بدقة تسببت بها حرب الإسناد، وصولاً إلى الخسائر الباهظة في الحرب الحالية.

لبنان يبدو مهيَّأ لحرب أهلية، قد تزاد أسباب اشتعالها مع تفاقم الخيارات الانتحارية وتراجع الحوافز المضادة، العراق أيضاً قد لا يبقى بعيداً عن سيناريو الفوضى. أي أن تضافر الخراب السياسي والاقتصادي مرشَّح للمزيد في جميع البلدان المذكورة، من دون تواجد إقليمي ودولي يضبط بؤر الفوضى على النحو الذي حدث عندما ضُبطت تأثيرات الصراع السوري ضمن الحدود السورية، وكذلك الصراع في اليمن وليبيا والسودان.

الجديد مؤخراً، وفيما لو انتهت الحرب وفق هذا السيناريو، أن اللاعبين الدوليين والإقليميين سيكونون في طور انكماش، بمن فيهم اللاعب الإسرائيلي الذي ستظهر علائم إنهاكه في الحرب على غزة والحروب على إيران ولبنان. وما يُحكى عن سيطرة إسرائيلية مقبلة على المنطقة فيه مبالغة كبيرة، باستثناء السيطرة التي يتيحها التفوق العسكري المباشر، وهي غير كافية لإحداث تغيير استراتيجي كبير في المنطقة، ويحدّ منها أيضاً عدم واقعية الإبقاء على جاهزية عسكرية مستمرة تقارب حالة الاستنفار منذ عملية طوفان الأقصى.

الحديث هو عن العديد من البلدان التي تشهد خراباً ضخماً، مع فائض من العسكرة الفاعلة داخلياً ومستوى من الاقتصاد يجعلها دون السياسة. هي عوامل تدفع بمجموعها إلى عدم توقع حلول وفق المفهوم الكلاسيكي للثورات، خصوصاً أن تجارب شعوبها مع الثورات غير مشجِّعة على التكرار ضمن المدى المنظور. وليس من مشروع عالمي يساعد هذه البلدان على السير فيه، أو اشتقاق ما يناسبها منه، فضمن المدى المنظور أيضاً تهيمن النزعات اليمينية الانعزالية على المراكز العالمية من الشمال والغرب الأوروبيين إلى الشرق الأقصى. ولعل غياب المشروع يفسّر جزئياً بقاء العديد من الجبهات والبؤر مفتوحة، رغم ما تستنزفه من مقدرات الأطراف المنخرطة فيها.

أغلب الظن أن البلدان التي كانت مشمولة بحسابات الصراع مع إيران ستلاقي الإهمال الدولي مع تدني الخطر الإيراني على إسرائيل، ولا يُستبعد أن تُترك وشأنها إلى حد كبير لتتدبر بنفسها شؤون الخراب الذي آلت إليه. بلدان مثل سوريا ولبنان واليمن من المرجَّح أن تُترك بلا اهتمام، في وقت تعاني فيه من شحّ شديد في الموارد واستحقاقات عاجلة وضرورية لإعادة القليل من الإعمار، واستعادة الحد الأدنى المقبول من التعافي الاقتصادي.

لقد اعتدنا على أن تُجَمَّل أسوأ الحروب بشعارات برّاقة، وأن لا يواكب الحرب الراهنة أي شعار، ولا أي حديث عما بعدها فهذا يُنذر بأنها أسوأ من سابقاتها. ما يظهر حتى الآن هم ضحاياها المباشرون، لكن عندما ستتوقف ستطال آثارها من يعتقدون أنهم على مقاعد المتفرجين؛ أولئك الذين يظنون أنهم بغنى عن التفكير فيما بعدها.

المدن


ربع قرن من التواطؤ الأمريكي الإيراني المرير/ وسام سعادة
بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 أعانت إيران الولايات المتحدة في حربها على حركة طالبان. كيف لا وذكرى قتل الطالبان للديبلوماسيين الإيرانيين في مزار شريف 1998 والمذابح ضد الشيعة من الهزارة كانت لا تزال جرحاً نازفاً.
عمل مستشارون عسكريون إيرانيون جنباً إلى جنب مع أفراد من القوات الخاصة الأمريكية والمخابرات المركزية داخل الأراضي الأفغانية. ثم لعب الدبلوماسيون الإيرانيون، وعلى رأسهم محمد جواد ظريف في ذلك الوقت، دوراً محورياً في مؤتمر بون لإقناع الفصائل الأفغانية، لا سيما المنتمية الى قوميتي الطاجيك والأوزبك، بقبول الباشتوني حامد كرزاي رئيساً للحكومة الانتقالية. مع هذا، لم يصمد التقاطع الإيراني الأمريكي من البوابة الأفغانية، وبمعية كل من ظريف والمبعوث الأمريكي جيمس دوبينز طويلا. كان لإسرائيل إسهامها في إحباط هذا التقاطع بعد استيلائها على باخرة “الكارين إي” في البحر الأحمر المحملة بالأسلحة المنقولة إلى السلطة الفلسطينية – أبو عمار – وليس حماس! وجد رئيس الوزراء المنتدب لقمع الانتفاضة الثانية أرييل شارون ضالته مع هذه الشحنة، لإظهار أن عرفات يتعاون مع نظام يجاهر بالعمل على تدمير دولة إسرائيل، وبالتالي لا مصداقية له للسير بأي عملية سلام، واغتنمها الصقور في الولايات المتحدة مناسبة للتعميم بأن الخط البراغماتي الإصلاحي المحيط بالرئيس محمد خاتمي في إيران يعطي صورة مضللة عن واقع الحال في إيران، التي يمسك متشددو الحرس الثوري بالنظام الحقيقي فيها وينتهجون السياسات المعادية لكل من أمريكا وإسرائيل. بعد خمسة وعشرين يوما فقط على مصادرة الكارين أي سيلقي الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن خطاب حال الاتحاد الذي جاء لينسف التجربة التقاطعية مع الجمهورية الإسلامية. إذ جمل بوش إيران مع كل من العراق وكوريا الشمالية في “محور شر” يتسلح لتهديد العالم، من خلال امتلاك أسلحة الدمار الشامل. ويظهر أن إقحام إيران لم يكن مطروحا بهذه الحدة في المسودة الأولى لهذا الخطاب. صدم المبعوث جوبينز مثلا عندما ألقى بوش الخطاب. انقسمت المؤسسة الحاكمة في إيران بين من اعتبره جحودا أمريكيا بالجهود المشتركة في أفغانستان، وبين من تلقفها مناسبة للهزء بأوهام الإصلاحيين حول الانفراج مع واشنطن. حتى تلك اللحظة كان الارتياب الأمريكي الإسرائيلي محصورا سلاحياً بالصواريخ الباليستية الإيرانية وبمخزونات غاز الأعصاب. وحده بنيامين نتنياهو “اكتشف” المشروع النووي الإيراني وهو ما يزال جنينيا في المهد، عندما ألقى كنائب في الكنيسة كلمة عام 1992 حذر فيها من تسرب العلماء والمواد المشعة من الاتحاد السوفياتي المنهار إلى إيران بما يعطي المجال للأخيرة لإنتاج رؤوس نووية في بضع سنين. وعاد نتنياهو ليكرر هذه المخاوف في كتابه “مكان بين الأمم”. لكن جلاء الصورة حول المنشآت النووية لم يحدث إلا بعد ذلك بعشر سنوات. وتحديدا في أغسطس 2002 عندما كشف التعاون مع مجاهدي خلق والموساد عن وجود منشأتي نطنز وآراك السريتين، لتبدأ بعد ذلك الضغوط لأجل تعاون إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وبينما ادعت إيران أن برنامجها سلمي بحت، جرى اكتشاف أن شبكة الباكستاني عبد القدير خان باعتها أجهزة طرد مركزي ومكونات جاهزة لتخصيب اليورانيوم ولصبه في قوالب كروية، وكل هذا يتجاوز معزوفة “النووي السلمي.” تسليم معمر القذافي برنامجه النووي بالكامل للولايات المتحدة سمح بالإيقاع بخان، أب القنبلة الباكستانية، ووضعه تحت الإقامة الجبرية لسنوات.
رغم القمع الوحشي للانتفاضة الثانية في المناطق الفلسطينية، ورغم الشروع في تدويل ملفها النووي من بعد تسجيلها في ثلاثي محور الشر، فقد عادت إيران للتعاون مع الأمريكيين إبان وفي أعقاب غزوهم العراق. أوعزت طهران لحلفائها من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الى حزب الدعوة للانخراط في النظام العراقي الجديد المهندس أمريكيا. من ناحية، نظرت إلى الوجود الأمريكي على حدوها الشرقية – أفغانستان – والغربية – العراق – كفكي كماشة، ومن ناحية ثانية أدركت أن اسقاط نظام صدام حسين وإخراج الفكرة القومية العربية من التداول – وهو ما تعاون الليبراليون العرب مع الخمينيين والإسلاميين عموما عليه – يفتحان المجال لتمدد غير مسبوق في الإقليم. توسلت النموذج اللبناني، أي حزب الله، أي حسن نصر الله، كمنطلق للربط بين اعتباراتها الجيوسياسية وتلك الأيديولوجية. اعتمدت على التكتيك المزدوج في العراق: التعاون مع الأمريكيين على بناء النظام الجديد وتجهيز الجماعات المتنقلة بين تنفيذ العمليات ضد الأمريكيين وبين التقاتل المذهبي مع الفصائل السنية. ولد العراق الجديد كشركة مساهمة بين “المستكبرين والمستضعفين”. وكان إعدام صدام صبيحة عيد الأضحى أواخر العام 2006 كلحظة تغلب قصوي مذهبي قصوى. عمليا كانت تعني هذه اللحظة أن أمريكا عادت و”ربّحت” إيران حربها مع العراق من بعد هزيمتها أمامه في الفاو وشلمجة. سبق ذلك في المقابل نجاح السيد نصر الله في حرب يوليو 2006 مع إسرائيل في تظهير مشهد قتالي “عابر للمذاهب” ومشتهى لدى الجماهير العربية.

يأتي مصرع المرشد الإيراني علي خامنئي بعد عشرين عاما على إعدام صدام بمؤثرات مذهبية مستقوية بالغزاة. عقدان شهدا حربا أمريكية – إيرانية/شيعية عراقية مشتركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وتدخلا إيرانيا يلاقيه، وأحيانا ينافسه، تدخل روسي، في سوريا، إلى جانب النظام الأسدي في سني الثورة والحرب الأهلية. وفي الموازاة، رعاية من الحرس الثوري لإمبراطورية من الميليشيات المهدوية في لبنان والعراق واليمن، والتفاخر الطاووسي بالاستيلاء على العواصم العربية، ورهاب عربي في المقابل من الانفراج النووي بين إيران وأمريكا كما حدث في عهد باراك أوباما. أعوام طويلة من اختلاط الحابل بالنابل، تعاونت كل من واشنطن وطهران على هندسة الفوضى الإقليمية في أكثر من مفصل. أو لاحتوائها كما في الحرب على داعش. لم تتطبع واشنطن رغم كل هذه التحولات مع عدائيتها تجاه حزب الله، لكنها تساهلت إلى حد كبير مع التطبيق المحدود للقرار 1701 الصادر أواخر حرب 2006، وأجازت تكريس تغلبية الحزب في الداخل اللبناني في صلح الدوحة 2008 من بعد استخدامه للسلاح في الداخل، ودام “غض الطرف” الاستراتيجي عن حزب الله إلى سنوات طويلة من هذه الناحية. وعلى الرغم من “مشروع كاساندرا” بدءا من 2008 لحصر وتقويض الشبكات العالمية لتمويل الحزب إلا أن إدارة أوباما عادت وميعت هذا الضغط على الحزب إبان الاتفاق مع إيران، لتعود الهجمة الأمريكية من هذه الناحية عام 2019 في لبنان مع إدراج مصرف جمال ترست تحت لائحة العقوبات بتهمة تقديم خدمات مؤسسة الشهيد وجمعية “القرض الحسن”، وجاءت تصفية هذا البنك لتسرع من الانهيار المالي، بالقدر نفسه الذي أخذ يظهر فيه عمق التداخل بين الأوليغارشية المصرفية اللبنانية، وبخاصة تلك المناهضة شعاراتيا لحزب الله، مع الاقتصاد السري التابع أو المستظل به.
كانت تجربة ربع قرن من التعاون الأمريكي الإيراني المأزقي. المنطلق في أفغانستان، المجهض من بعدها بحجة التعاون الإيراني العرفاتي، والمستعاد من ثم من بوابة غزو العراق، والإدارة المشتركة للبنان كما للعراق، والتعاون بين الحشد الشعبي على الأرض والمقاتلات الجوية الأمريكية في السماء ضد داعش، والتعاون عمليا على فصل قطاع غزة عن الضفة، وموجات صعود وهبوط في الموضوع النووي، توجت بالاتفاق مع أوباما، وتمزيقه مع ترامب، وصولا إلى قتل قاسم سليماني بقرار من الأخير 2020 وإخفاق الديمقراطيين من ثم في إعادة رتق الاتفاق الممزق. تعايش في هذا الربع قرن منطق التقاطع كما منطق التواجه بين واشنطن وبين طهران، إلى أن كتبت الغلبة للمنظار الذي يعتبر أن إيران وحزب الله يتحملان مثل حماس المسؤولية عن هجمات 7 أكتوبر، وأن الإيرانيين لا يفقهون التفاوض حول الملف النووي إلا من قبيل التسويف والمراوغة. لأجل هذا، لا يمكن توهم أنه في هذا الربع القرن كانت الإمبريالية الأمريكية والثيوقراطية الإيرانية طول الوقت بالمرصاد لبعضهما البعض. بالعكس تماما، أدارا حروبا مشتركة عديدة، وتوليفات حكم في العراق ولبنان. فهل بالمجال عندما تحتدم المواجهة الكاملة التعامل مع تراكم ربع قرن كأنه لم يكن؟ والسؤال يطرح فيما التركيبة العراقية التي تعكس التعاون المرير بين أمريكا وإيران لم تزل قائمة، هذا في مقابل وضع لبناني ما عاد بمستطاعه عيش هذا النوع من التساكن بين النفوذين الأمريكي والإيراني، فمالت الدولة بكليتها الى الأول، وضرب الثاني عرض الحائط بالدولة.

٭ كاتب من لبنان
القدس العربي


العرب بين حروب إسرائيل وإيران/ بشير البكر
14 مارس 2026
يتعامل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الشرق الأوسط كمزرعة بلا بوّاب، أو كأنّ هذه المنطقة بلا أهل أو تاريخ أو حضارة، وهو سيغيّر وجهها ويشكّلها وفق رؤيته ومصالحه. يهدّدها منذ أعوام بمصير كارثي، ويطمح إلى أن يقرّر حاضرها ومستقبلها، وأن يتحكّم بمقدراتها، من فلسطين وسورية ولبنان والأردن إلى الخليج العربي، وصولاً إلى إيران التي تُعدّ قارّةً متنوعةً بشريةً ومترامية الأطراف. ينام ويصحو على حلم وحيد لا يفارقه، توسيع مساحة إسرائيل وتحويلها إلى القوة الوحيدة في الشرق الأوسط بتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية وغزّة، وبالتمدّد في سورية ولبنان ووصولاً إلى الخليج العربي وإيران.

في الضفة الأخرى، هناك مشاريع إيران وما سبّبته لهذه المنطقة من كوارث منذ انتصار ما سمّيت “الثورة الإسلامية” (1979) التي كان أول ما طرحته تصدير الثورة إلى الجوار العربي، وبذلك أشعلت شرارة حرب مدمّرة مع العراق. ولم تخفِ طهران طموحها في استعادة دور “شرطي الخليج” الذي لعبه الشاه محمد رضا بهلوي. وليس بعيداً من أحلام السيطرة والعظمة تصميمُها وإصرارُها في العقدَين الماضيَين على بناء مشروع نووي تحوّل إلى سبب للنزاع الإقليمي، وتولّدت منه حروب كثيرة لم تقتصر تداعياتها السلبية على إيران وحدها، بل أصابت منطقة الخليج العربي والعراق واليمن وسورية ولبنان. وبدلاً من أن تخصّص إيران القسط الأكبر من عائدات نفطها وغازها للتنمية والتطوير ورفاهية شعبها، صرفتها على البرنامج النووي وبرامج الصواريخ وبناء المليشيات العابرة للحدود، ودخلت في نفق طويل من العقوبات والحروب التي لم توصلها إلى نتيجة، بل انعكست دماراً عليها وعلى العرب. وعلى نقيض الادّعاءات كلّها، لم تستفد القضية الفلسطينية من ممانعة إيران وحلفائها إلا الشعارات والدمار، واحتلال إسرائيل أجزاء من أراضي لبنان وسورية.

العالم العربي خارج المعادلة، منقسم بين مصالح وحسابات ضيّقة، بلا مشروع يحمي به نفسه من النزاع الإسرائيلي الإيراني. وقد تخلّت الدول العربية الكبرى: مصر والسعودية وسورية والعراق، عن دورها في حماية الأمن القومي العربي المُهدَّد من إسرائيل وإيران، وانخرطت في نزاعاتٍ حوّلت الدول العربية إلى ملعب للطرفَين المتحاربَين، ما سمح لهاتَين القوّتَين باختراقها وتقسيمها بين ممانع ومطبّع ومتفرّج. وتعيش الدول العربية اليوم وضعاً لا تُحسد عليه وسط حرب مدمّرة تدور في أجوائها وداخل مياهها، في وقت تبدو فيه عاجزةً عن التدخّل في مجرياتها، أو حتى الدفاع عن نفسها.

الولايات المتحدة حاضرة في هذا النزاع المفتوح، وهي طرفٌ أساسٌ فيه منذ البداية، وكان لها الدور الفاعل في الحرب العراقية الإيرانية وما تفرّع منها من انهيارات أصابت الأمن القومي العربي في الصميم، بدءاً من احتلال العراق عام 2003 ثم تسليمه لإيران، التي تحكّمت بثرواته، وحوّلته إلى ساحة سياسية وأمنية خاصّة بها. وقامت سياسات ومواقف الإدارات الأميركية المتعاقبة حيال العالم العربي على أساس الحفاظ على مصالح وأمن إسرائيل أولاً، ولهذا بات بعض العرب يسدّدون فاتورة النزاع بين إسرائيل وإيران، يتلقّون الصواريخ الإيرانية رغم أن الحرب ليست حربهم.

وسواء انتصرت إسرائيل أم إيران، فإن بلدان الخليج العربي شريكة في الخسارة. وإضافة إلى أن اقتصاداتها باتت في دائرة الخطر، وأراضيها بين مرمى النيران، فإن مستقبلها مهدَّد من الطرف المنتصر الذي يطمح إلى فرض نفوذه ومعادلته على المنطقة. وهنا لا يبدو أن الوقت متأخرٌ على وقفة عربية ضمن إطار جامعة الدول العربية، ومن منظور التضامن العربي، بهدف بناء موقف عربي مشترك يجنّب الخليج العربي وسورية ولبنان والعراق نتائج هذه الحرب. لا سبيل أمام العرب سوى هذا الطريق، طال أم قصر.
العربي الجديد،


كيف انطلت الخديعة الأمريكية على حائك السجاد/ د. فيصل القاسم
لا شك أن عالم المستقبليات الأمريكي جورج فريدمان القادم من وكالة الاستخبارات الأمريكية كان يعي ما يقول عندما أعلن في بداية هذا القرن قبل حوالي ستة وعشرين عاماً أن أهم تحالف في المنطقة سيكون التحالف الإيراني الأمريكي الإسرائيلي. لم يتحدث الكاتب كثيراً عن مآلات التحالف وتفاصيله وقتها، لكن ما نذكره جيداً أنه أطلق تلك النبوءة التي أثارت وقتها الكثير من اللغط والجدل لأنها بدت آنذاك غريبة ولا يمكن تصديقها بناء على المواقف الإيرانية المعادية للشيطان الأكبر وشركاه. لكن ليس مهماً طبعاً إذا كان ذلك الاتفاق مكتوباً أو معلناً أبداً، فليس المهم الإعلان، بل الأهم ما بدأنا نراه في ذلك الوقت على الأرض. ففي عام ألفين وثلاثة لم يتردد نائب الرئيس الإيراني آنذاك محمد علي أبطحي في التصريح بأنه لولا الخدمات الإيرانية لما نجحت أمريكا في غزو أفغانستان والعراق. ولا يمكن لأحد أن ينفي ذلك التصريح الشهير.
ولو تركنا التصريح جانباً ونظرنا إلى أرض الواقع لوجدنا أن التشارك بين واشنطن وطهران في تقاسم العراق كان فاقعاً للغاية بعد التواطؤ في إسقاط نظام صدام حسين ومن ثم إعدامه على أيدي عملاء إيران في يوم عيد الأضحى المبارك بمباركة أمريكية. وكلنا يذكر كيف سلمت أمريكا مقاليد الحكم لأتباع إيران وحلفائها من الأحزاب الشيعية لتصبح طهران منذ ذلك الحين الآمر الناهي في الشأن العراقي. وقد لاحظنا كيف تطورت الأوضاع في العراق تحت الهيمنة الإيرانية المدعومة والمباركة أمريكياً. ولا نحتاج للكثير من الأدلة والبراهين على الشراكة الأمريكية الإيرانية في العراق. يكفي أن قاسم سليماني كان يقاتل في العراق ذات تحت حماية الطائرات الامريكية ذات يوم.
وفي سوريا لم يكن لإيران والعشرات من ميليشياتها أن تدخل سوريا لتناصر النظام السوري وتستولي على سوريا لولا الضوء الأخضر الأمريكي الإسرائيلي. ومن المعروف للجميع أن إسرائيل لا يمكن أن تسمح حتى للطيور أن تدخل سوريا إذا كانت تعلم أنها يمكن أن تهدد أمنها، فما بالك أن تسمح لكل ميليشيات إيران المتطرفة بأن تصول وتجول في عموم سوريا وتفعل ما تشاء، لا بل إن بعضها وصل إلى الحدود السورية الإسرائيلية، وكان قاسم سليماني قائد فيلق القدس يتفاخر بأنه شرب الشاي أكثر من مرة على مقربة من بحيرة طبريا السورية المحتلة إسرائيلياً. لا يمكن طبعاً لسليماني وميليشياته أن تصل إلى تلك المنطقة الحساسة جداً لو لم تكن إسرائيل راضية ومطمئنة. وحتى حزب الله اللبناني الذي كانت تعتبره إسرائيل ألد أعدائها دخل سوريا وفعل الأفاعيل دون أن نسمع من إسرائيل أية معارضة. والسبب طبعاً معروف، فلا بأس أن تدخل إيران وميليشياتها إلى سوريا وتعيث فساداً وخراباً ودماراً وفوضى وتحريضاً مذهبياً طالما أن ذلك يخدم المصلحة الإسرائيلية التي تقوم على مبدأ “فرق تسد” وضرب الطوائف والمكونات والمذاهب بعضها ببعض. وقد أدت الميليشيات الإيرانية الدور على ما ترغب إسرائيل وأكثر في العراق وسوريا ولبنان.

ولطالما سمعنا المسؤولين الإيرانيين وهم يتباهون بأنهم يسيطرون على أربع عواصم عربية، ولم يكن ذلك ليحدث لو لم تكن واشنطن راضية عن هذا التغلغل الإسرائيلي في المنطقة الذي يخدم المصلحتين الإسرائيلية والأمريكية.
بعبارة أخرى، فإن أمريكا وإسرائيل استخدمتا النظام الإيراني وميليشياته طائفياً ومذهبياً كمخلب قط ضد الأكثرية السنية في العالم العربي لحوالي عقدين ونصف، فعاث الإيرانيون إجراماً وقتلاً وذبحاً وتدميراً وتخريباً وفساداً وتهجيراً في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وكانوا يحلمون دائماً بتوسيع دائرة التشييع والتخريب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فظن نظام الملالي وميليشياته أنهم صاروا مع الأمريكيين والإسرائيليين حلفاء، بينما كانت أمريكا تستخدم النظام الإيراني وعصاباته لضرب العالم الإسلامي بعضه ببعض فقط لا غير كي يسهل اختراقه وإضعافه وتدميره وتفتيته بأيد إسلامية. هل خطر ببال النخب الحاكمة في طهران ذات يوم أنها كانت مجرد أدوات وعصابات استخدمها الأمريكي والاسرائيلي لعبور المستنقعات القذرة وتخريب المنطقة، ومن ثم سيلاحقها ويشيطنها ويقضي عليها مثلما فعل مع كل أدواته التقليدية كالجهاديين مثل الدواعش وأشباههم؟
لا أدري لماذا لم تتعلم إيران من تجربة الجهاديين مع أمريكا. لماذا لم تتذكر مثلاً أن الرئيس الامريكي رونالد ريغان استقبل المجاهدين الأفغان والعرب في البيت الأبيض ذات يوم ووصفهم بمقاتلين من أجل الحرية، ثم انقلب الأمريكيون عليهم بعد أن انتهت مهمتهم، ولاحقوهم في كل بقاع الأرض كإرهابيين، ووضعوا بعضهم في معسكر غوانتانامو سيئ الصيت، فقام المجاهدون سابقاً والإرهابيون حالياً بالمفهوم الأمريكي بدورهم بالانقلاب على الامريكي. واليوم تنقلب أمريكا على إيران بنفس الطريقة بعد تحالف غير مباشر لأكثر من عشرين عاماً.
قد يرى البعض أنه من التبسيط مقارنة الدور الذي لعبته إيران لصالح أمريكا بالدور الذي لعبه المجاهدون الأفغان والعرب في أفغانستان. لكن أليست العبرة بالخواتيم؟ ألم تنقلب أمريكا على إيران كما انقلبت على المجاهدين بعد أن أدوا دورهم وانتهت وظيفتهم وصار خطرهم أكبر من نفعهم؟
بالتأكيد لا نريد هنا أن نقول إن التجربتين الجهادية والإيرانية نسخة طبق الأصل عن بعضهما. لا أبداً، فإيران ليست مجرد جماعات ساذجة متفرقة، بل كان لها مشروع حقيقي في المنطقة. ولا يمكن أيضاً مقارنة القوة الجهادية بقوة إيران التي تواجه اليوم أعتى قوتين بالمعمورة بطريقة لم يسبقها عليها أحد في العالم. بعبارة أخرى، فإن الانقلاب الأمريكي على إيران له عواقب وخيمة كبرى على أمريكا والمنطقة وربما العالم أجمع. مع ذلك أليس من حقنا أن نسأل: كيف انطلت اللعبة الأمريكية على حائك السجاد الإيراني؟

٭ كاتب واعلامي سوري
القدس العربي


مرشد الملالي الثالث … والأخير؟/ بسام مقداد
السبت 2026/03/14
يُجمع المراقبون على أن “الثأر” كان عنوان وجوهر الكلمة الأولى التي وجهها للإيرانيين والعالم، المرشد الأعلى الجديد للجمهورية الإسلامية، مجتبى خامنئي. ويبرر البعض للرجل أن من فقد للتو والده وزوجته وابنته وأصيب برجليه، يستحيل عليه أن يفكر إلا بالثأر. ويتوسع آخرون في التبرير، بأن المرشد لم يفقد أعضاء أسرته الخاصة فقط، بل فقد أفراد أسرته الأوسع من كبار ساسة إيران وعسكرها، الذين كان يفترض أن يقفوا إلى جانبه في مهمة قيادة النظام، الذي يخوض حرباً وجودية ضد أعدائه الخارجيين. ويستعين أصحاب هذا التبرير المفترضين بحالة الرجل الجريح واضطراره للتخفي وعدم الظهور العلني، على الأقل ليلقي كلمته بنفسه، لكونه أصبح الهدف الأول للتصفية بمجرد إعلانه مرشداً أعلى، قد يكون الأخير من مرشدي نظام الملالي.

القول بتبرير اعتماد الثأر نهجاً إستراتيجياً لولاية المرشد الجديد، والتي تمتد لمدى الحياة، يفترض وجود آخرين وسط متطرفي نظام الملالي لا يؤيدون نهج الثأر، بل يسعون لإنقاذ الإيرانيين من ويلات هذه الحرب المدمرة. لكن اختيار مجتبى خامنئي دون سواه من قبل الحرس الثوري، ينفي احتمال وجود مكان لغير القائلين بالثأر في القيادة المقبلة لنظام الملالي. هذه القيادة المتمثلة بالحرس الثوري، لم تحتمل مبادرة الرئيس مسعود بيزشكيان للاعتذار من دول الخليج، وأجبرته على التراجع عن اعتذاره، واعتبرته استسلاماً أمام الأعداء. ولم تتوان عن إلغاء أي دور للمجلس الثلاثي الذي تم تعيينه لإدارة البلاد في الفترة الفاصلة عن تعيين المرشد الأعلى الجديد.

إستراتيجية “الثأر” التي أعلنها مجتبى خامنئي بإسم القيادة الجديدة التي لا يختصرها، لا تعد الإيرانيين والمنطقة بوضع نهاية قريبة للحرب الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. بل، وكما عادة نظام الملالي و”محور المقاومة” الذي يقوده، يقدم الذرائع لكل من ترامب ونتنياهو للتصعيد والوقوف بوجه المطالبين بإنهاء هذه الحرب التي أصبحت حرب استنزاف تهدد بالتمدد لأسابيع بل وأشهر أخرى. ونظام الملالي لا يخفي سعيه لتمديد أمد الحرب، بل ويعلن أنه على استعداد لخوضها على مدى الأشهر الستة المقبلة. ووفق ما يعلنه دائماً، يعمل على توسيع رقعة الحرب لتشمل المنطقة باسرها. ويستثمر في هذا السياق كل توظيفاته السابقة في أذرعه بالمنطقة، ويعتبر أن معركته الوجودية الحالية تفرض استغلال كل طاقات هذه الأذرع التي ترهن شعوب البلدان المقيمة بينها لمصلحة نظام الملالي. وقد مهدت هذه الأذرع بقيادة نظام الملالي لهذه اللحظة، بشل قدرة هذه الشعوب على الحركة، وأفرغت دولها ومؤسساتها من أي محتوى، واستقرت في قاع “الدولة العميقة” لهذه البلدان، حيث تفاجئ القيادات والحكومات بأنها صاحبة القرار الفعلي في اللحظات المصيرية، كما شأن لبنان والعراق حالياً.

ثمة رأي شائع يصف بالصمود تعنت نظام الملالي وإصراره على جر الإيرانيين إلى الانتحارمعه. بل ويرى في هذا “الصمود” إرثاً متوارثاً من الحضارة الفارسية، وسمة مميزة للعقلية الإيرانية. ويعتبر أن هذه الميزة تقف وراء فشل الأميركيين والإسرائيليين في تفكيك نظام الملالي حتى الآن والإطاحة به.

المستغرب في هذا الرأي، اعتباره نظام الملالي الديني المتطرف وريثاً للحضارة الفارسية العريقة التي كانت تنافس في حينها الحضارة الإغريقية العظيمة. كما من المستغرب أيضاً أن يعتبر هذا الرأي أن نظام الملالي يمثل كل الإيرانيين، الذين لم يمض أكثر من شهرين على انتفاضتهم ضد هذا النظام الذي حصد منهم عشرات آلاف الضحايا في غضون أيام. كما أن القائلين بهذا الرأي يتجاهلون أن نظام الملالي يعتبر أن تجدد إنتفاض الإيرانيين ضده لا تقل مخاطره عن الغزو لأميركي الإسرائيلي الحالي، وينذر كل إيراني يفكر بالخروج إلى الشارع معترضاً، باعتباره عميلاً للغزاة وسيواجه بإطلاق النار عليه كما على العدو.

يتباهى الملالي بعزلتهم، ويعتبرونها شهادة على أن نظامهم يكاد يكون النظام الوحيد الذي يناصر الضعفاء وقضاياهم، ويتصدى للظلم والقهر واللامساواة وسواها من المفردات التي تفقد معناها في تبنيه لها. بل يسعى لتشديد هذا العزلة التي يتفرد بها (مع كوريا الشمالية)، ويعمل على إبعاد الدول التي تحاول الاحتفاظ بعلاقات طبيعية معه. فقد أثار قصفه لدول الخليج دهشة من كان على صداقة معه، مثل عُمان، ومن كان يحتفظ بعلاقات طبيعية معه. بل ودفع هذه الدول التي سعت لمنع الحرب الأميركية الإسرائيلية عليه إلى حافة الانضمام إلى هذه الحرب.

لم يلتفت نظام الملالي إلى موقف “شريكته الإستراتيجية” روسيا في مجلس الأمن الدولي أمس، حين امتنعت عن ممارسة حق الفيتو للتصويت ضد قرار إدانته جراء قصفه لدول الخليج. وقد علق الخبير الروسي بالشؤون الإيرانية نيكيتا سماغين على موقعه في الفايسبوك على موقف روسيا هذا، الذي أثار دهشته. وأشار ساخراً إلى أن روسيا، وبدلاً من مساندة إيران، تقدمت بمشروع قرار تضمن عموميات على غرار: كل ما يجري في الشرق الأوسط سيء، الحرب سيئة، المدنيون والبنية التحتية يعانون، وأحوالهم سيئة أيضاً. وهذا يقتضي من جميع الأطراف التوقف فوراً عن العمليات القتالية والامتناع عن التصعيد.

وأضاف سماغين بالقول إن الولايات المتحدة، وكما كان متوقعاً، استخدمت حق النقض ضد هذا القرار. فهي لا تخطط لإنهاء الحرب بعد، ولذا فمن غير المرجح أن يكون هذا الأمر قد فاجأ أحداً.

يواصل الخبير سخريته ويقول إن روسيا، شكلياً، هي ضد أعمال الولايات المتحدة وإسرائيل، وتقف كلياً إلى جانب “أشقائها الإيرانيين”. لكنها في الواقع، حتى على المستوى الدبلوماسي لم تقف حجر عثرة ضد ما يجري. فالعلاقات العملية مع الدول العربية وإسرائيل وترامب لا تقل أهمية عن العلاقات مع إيران، حتى وإن كانت علاقات ودية في الظاهر.

صحيفة الكرملين vz نشرت في 13 الجاري نصاً استعرضت فيه ما جاء في كلمة المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي. ورأت الصحيفة أن الثأر كان الموضوع الرئيسي لكلمة المرشد الأولى للإيرانيين.

رأت الصحيفة أن الثأر الذي وعد به مجتبى خامنئي، هو محض انتحار. الإيرانيون يريدون الإنتقام، والأميركيون يخشونه، كما تشير الاستطلاعات حول الحرب الأقل شعبية في تاريخ الولايات المتحدة. أما بالنسبة للإسرائيليين، فهم لا يخفون حقيقة أنهم سيحاولون القضاء على المنتقم المحتمل. فقد صرح نتنياهو أن السبب في عدم ظهور المرشد الجديد علنًا هو تحديدًا خطر التصفية.

وبعد أن تشير الصحيفة إلى إصابة المرشد الجديد بقدميه كسبب آخر لعدم ظهوره علناً، تقول بأن بقاءه على قيد الحياة يمكن تأويله على أنه نعمة إلهية ضمنت له تبوأ أرفع منصب في إيران. وترى أن حظوظه قبل ذلك بخلافة والده كمرشد أعلى، كانت بحت نظرية. وتستنتج من ذلك أن الأميركيين والإسرائيليين قد “توجوه ملكاً” عملياً.

وتشير الصحيفة إلى أن خامنئي الابن كان يُعتبر المرشح الأوفر حظاً في تحليلات وسائل الإعلام الإيرانية في الخارج، والتي كانت أقرب إلى الدعاية المبتذلة منها إلى التنبؤات التحليلية. فقد كانت صورته كخليفة للمرشد في هذه الصحافة مثيرة للاشمئزاز، إذ كانت توحي بالثورة وبكل الخطوات العملية المؤدية للإطاحة بالسلطة. ورأت هذه الصحيفة أن لا جدوى من الانتظار وترقب تغيير إيجابي في ظل المرشد الجديد، فهو ليس سوى المرشد القديم، لكنه أصغر سناً.

المدن


أخطار ضعف إيران: كيف لجمهورية إسلامية جريحة أن تظل خطراً يهدد العالم؟/ أفشون أوستوفار
السبت 14 مارس 2026
إيران ستخرج من الضربات الأميركية والإسرائيلية أضعف من أي وقت مضى، بعد خسارة قادتها وتضرر قدراتها العسكرية والنووية. لكن ضعفها لا يعني زوال خطرها، فالنظام قد يلجأ إلى الإرهاب أو تسريع برنامج نووي للردع، مما يجعل جمهورية جريحة أكثر ميلاً إلى المغامرة والانتقام.

بعد ما يقارب أسبوعين من الهجمات المدمرة، أصبحت الجمهورية الإسلامية أضعف مما كانت عليه في أي وقت مضى في تاريخها. فقد أسفرت الضربات الأميركية والإسرائيلية عن مقتل كثير من قادتها، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وتدمير جزء كبير من أسطولها البحري، وإضعاف برنامجها الصاروخي بصورة كبيرة، ودفن منشآتها النووية تحت الأنقاض. وأدت عمليات القصف إلى تدمير وزارات حكومية ومراكز شرطة ومبان عسكرية. وحتى مقر الحرس الثوري الإيراني، أقوى مؤسسات الدولة، تحول إلى أنقاض.

ولكن، على رغم أن الجمهورية الإسلامية قد تلقت ضربة قاسية، فإنها لم تهزم بعد. فقد اختار النظام مجتبى خامنئي، نجل خامنئي المتشدد، ليخلف والده كمرشد أعلى، مفضلاً الاستمرارية في أهم منصب في النظام الثيوقراطي. ويقف المسؤولون الحكوميون صفاً واحداً خلف الحملة الانتقامية التي تشنها إيران الآن ضد الولايات المتحدة وشركائها، ولا يزال الحرس الثوري فعالاً وجاهزاً للعمل. وما زالت الجمهورية الإسلامية قادرة على ممارسة العنف ضد خصومها وجيرانها، وحتى ضد شعبها.

وإذا تمكن النظام من البقاء في السلطة، فإنه سيكون بلا شك في وضع شديد الصعوبة. فالبرامج الاستراتيجية التي أمضى عقوداً في تطويرها (مثل البنية التحتية للصواريخ وتخصيب اليورانيوم) قد تضررت بشدة. وعلاقاته مع جيرانه تمر بأزمة، واقتصاده ينزف. ومع ذلك، وحتى في هذه الظروف الصعبة، من المرجح أن يتمسك المسؤولون بالنهج الذي اعتادوا عليه والمتمثل في المقاومة والعدوان. فمع ضعفهم وتراجع قدراتهم، سيعودون على الأرجح إلى عاداتهم القديمة ويقدمون على خوض أخطار جديدة. وهذا يعني أنهم قد يردون بتنفيذ مزيد من الأعمال الإرهابية، وهي أداة منخفضة الكلفة أتقنها النظام بالفعل. وعلى المدى الطويل، قد يسارع المسؤولون الإيرانيون أخيراً إلى صنع سلاح نووي. وبعبارة أخرى، فإن إيران الضعيفة ستبقى شديدة الخطورة.
كما تزرع تحصد

منذ تأسيسها عام 1979، عملت الجمهورية الإسلامية على أن تصبح القوة المهيمنة في الشرق الأوسط. وقد ضخ قادتها مليارات الدولارات في الميليشيات الوكيلة، وبرامج الصواريخ الباليستية، والقوات البحرية، والمنشآت النووية، أملاً في قلب النظام الإقليمي الذي تمحور حول الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط ليصبح معقلاً للمقاومة الإسلامية.

ومن أجل تحقيق طموحات النظام، أنشأ قادته سلسلة من المؤسسات المتداخلة في كثير من الأحيان، وأهمها الحرس الثوري. وتحت سلطة علي خامنئي، منح الحرس صلاحية بناء شبكة الوكلاء الإيرانيين، وتأسيس قوات الصواريخ والطائرات المسيرة، وتطوير قدراته البحرية في الخليج العربي. واكتسب الحرس الثوري نفوذاً كبيراً على السياسة الخارجية الإيرانية والأمن الداخلي. وفي نهاية المطاف، أصبح يهيمن حتى على المشهد السياسي الداخلي للبلاد. فهو يقود قوات الباسيج شبه العسكرية، المكلفة ضمان بقاء الإيرانيين موالين للنظام. وفي سبيل تحقيق ذلك، أنشأت الباسيج قواعد لها في مختلف المدن والبلدات الإيرانية، وأحياناً داخل المساجد أو المباني الدينية الأخرى. وينشر عناصر الباسيج بشكل روتيني في أوقات الاضطرابات الشعبية، ليشكلوا قوة الخط الأمامي لقمع المعارضة.

على مدى عقود، كانت هذه الجهود ناجحة إلى حد كبير. فقد استغل الحرس الثوري الفوضى التي خلفتها حروب الشرق الأوسط لتشكيل جماعات مسلحة في جميع أنحاء المنطقة. واستخدم الصواريخ والطائرات المسيرة لإكراه جيرانه العرب وتهديد إسرائيل والقوات الأميركية. ولم يستفد الإيرانيون العاديون من هذه البرامج، بل على النقيض من ذلك، أدى الإنفاق العسكري والعقوبات التي استهدفت البرنامج النووي الإيراني إلى إفقار الشعب الإيراني. ومع ذلك، فإن نهج الحرس الثوري حول الجمهورية الإسلامية إلى لاعب قوي، بحيث أصبحت بحلول عام 2023 تسيطر فعلياً على مساحة واسعة من الشرق الأوسط من لبنان إلى العراق.

إلا أن عناد النظام واستعداده للمخاطرة أثبتا أنهما سيف ذو حدين. فربما يكون العدوان المستمر قد وسع نفوذ إيران، لكنه أدى إلى إضعاف اقتصادها وأثار حرباً مع إسرائيل. وشكلت هجمات حركة “حماس”، حليفة إيران في غزة، على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، نقطة التحول. إذ لم تكتف إسرائيل بتوجيه أسلحتها نحو “حماس”، بل دمرت أيضاً وكلاء إيران في لبنان ومواقع الحرس الثوري الإيراني في سوريا. وردت طهران على ذلك العدوان بطائرات مسيرة وضربات صاروخية ضخمة ضد الأراضي الإسرائيلية في أبريل (نيسان) وأكتوبر 2024. لكن إسرائيل اعترضت معظم هذه الهجمات واستخدمت تفوقها العسكري لتعطيل الدفاعات الجوية الإيرانية. وفي يونيو (حزيران) 2025، شنت إسرائيل حرباً استمرت 12 يوماً ضد إيران، توجت بعملية قصف أميركية دمرت أكثر مواقع تخصيب اليورانيوم الإيرانية تحصيناً تحت الأرض.

وفي الأشهر التالية، أصلحت طهران أكبر قدر ممكن من هذه القدرات. وبمساعدة الصين، أعاد النظام تشغيل صناعة الصواريخ. علاوة على ذلك، بدأت إيران في بناء مواقع جديدة يمكن استخدامها لأنشطة نووية، بيد أن هذه التحركات بعثت برسالة خاطئة إلى خصومها، وبحلول نهاية فبراير (شباط) الماضي بدأت القوات الأميركية والإسرائيلية هجوماً واسعاً لإكمال ما بدأته، وهو التدمير الكامل للقدرات النووية والعسكرية الرئيسة لإيران.

وبما أن طهران لم تعد قادرة على الدفاع عن أجوائها (بسبب تدمير دفاعاتها الجوية)، فقد كانت غير قادرة على وقف هذه الضربات. ونتيجة لذلك، اختار النظام جر المنطقة بأكملها إلى الحرب على أمل أن تؤدي الهجمات على دول الخليج العربية وتعطيل صناعة النفط إلى الضغط على واشنطن للتراجع. لكن طهران لن تتمكن من مواصلة ضرب جيرانها إلى أجل غير مسمى، لأن لديها عدداً محدوداً من الطائرات المسيرة والصواريخ. وحتى لو نجحت استراتيجيتها، فإن الأضرار التي لحقت بها ستكون قد أضعفت الجمهورية الإسلامية بشدة.
عهد الإرهاب

تدرك إيران أنها لا تستطيع هزيمة إسرائيل والولايات المتحدة عسكرياً. ولذلك تبنت هدفاً أبسط وأكثر قابلية للتحقيق بكثير، وهو البقاء. وعلى رغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعا المواطنين الإيرانيين إلى الانتفاض، فإن حملة جوية وحدها لا يمكنها القضاء على الأفراد والأسلحة الخفيفة التي يستخدمها النظام لقمع الاحتجاجات. وفي الوقت نفسه أظهر أنصار الجمهورية الإسلامية، بمن فيهم المسؤولون المدنيون وقادة قوات الأمن والجنود والمتطوعون في الباسيج، وحدة وصموداً مثيرين للإعجاب.

وإذا استطاع النظام الصمود في وجه الحملة التي تقودها الولايات المتحدة، فمن المرجح أن يعلن النصر. وسيستند في هذا الإعلان إلى مبررات أخلاقية، مدعياً أنه نجح في الصمود في حرب خاضتها قوتان من أقوى الجيوش في العالم بهدف إنهاء النظام الإسلامي. ومثل هذه الادعاءات هي التي حافظت على تماسك النظام خلال حربه التي استمرت قرابة ثمانية أعوام مع العراق في ثمانينيات القرن الـ20، ومكنته من اعتبار ذلك الصراع الكارثي، الذي أودى بحياة مئات الآلاف من الإيرانيين، انتصاراً للثورة الإسلامية عام 1979.

بعد تلك الحرب، اتجه النظام إلى الانتقام، مستهدفاً الداخل والخارج على حد سواء. كانت البنية التحتية للبلاد تتداعى، وكان الاقتصاد في حال يرثى لها، وكان الشعب مرهقاً، لكن الحرس الثوري كان في صعود، واستغل الصراع لإضفاء الشرعية على توسيع نفوذه السياسي وقمع حركة إصلاحية ناشئة. وكان قادة إيران أيضاً مدفوعين بالتعطش للانتقام، فلجأوا إلى الإرهاب للرد. ففي عام 1994، على سبيل المثال، فجر وكلاء إيران مبنى الجمعية التعاضدية اليهودية الأرجنتينية (آميا) في بوينس آيرس، مما أدى إلى مقتل 85 شخصاً.

وقد يسلك النظام مساراً مشابهاً إذا نجا من حربه الحالية. ففي نهاية المطاف، سيكون مثقلاً بالمرارة والإهانة والرغبة في الانتقام، ولن يكون لديه كثير ليخسره. لذا قد يقدم النظام على سلسلة من الهجمات الانتقامية ضد الأميركيين، أو الإسرائيليين، أو الكنديين، أو الأوروبيين المقيمين في دول غير معنية مباشرة بالنزاع. وغالباً ما تستطيع أجهزة الاستخبارات إحباط مثل هذه المحاولات، ولكن ليس دائماً، فعلى سبيل المثال، قتل “حزب الله” سياحاً إسرائيليين في مطار بورغاس في بلغاريا عام 2012. وإذا كثف النظام محاولاته لتنفيذ هجمات إرهابية، فسينجح عدد أكبر منها. وعلى رغم مواردها المتضائلة، فمن المرجح أن إيران قادرة على تنظيم مثل هذه العمليات. وكما أظهرت هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول)، فإن الإرهابيين لا يحتاجون إلى صواريخ أو طائرات مسيرة أو أسطول بحري لارتكاب مجازر جماعية، بل يحتاجون فقط إلى الإرادة والقضية.

وهناك أيضاً خطر أن تسعى إيران جاهدة إلى امتلاك أسلحة نووية إذا احتفظت بمخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب. فقد تحدث المسؤولون الإيرانيون كثيراً عن الفتوى الدينية الرسمية التي أصدرها خامنئي لحظر التسلح النووي، باعتبارها سبباً لعدم سعي طهران إلى إنتاج قنبلة نووية. ولكن الآن، وبعد وفاة خامنئي، لم تعد تلك الفتوى ملزمة. وبدلاً من ذلك، يعود الأمر إلى مجتبى خامنئي ليصدر حكمه الخاص. ونظراً إلى ضعف إيران العسكري العميق حالياً، فقد يقرر أن الأسلحة النووية ضرورية لاستعادة قوة الردع.
أقصى درجات العدوان

ومع ذلك، ليس من المؤكد أن تكون النتيجة سيئة بالنسبة إلى إيران. فمن الممكن أن تتمكن العناصر البراغماتية داخل النظام من إقناع زملائها بعقد صفقة مع واشنطن يتخلون بموجبها عن عقود من العدوان وعن طموحاتهم النووية مقابل تخفيف العقوبات. من غير المرجح أن يكون المرشد الأعلى الجديد، الذي قتل والده ووالدته وزوجته في الحرب، متقبلاً لمثل هذا التنازل. لكن ذلك سيكون أفضل وسيلة له لتأمين نظامه وفتح الطريق نحو اكتساب قدر من الشرعية الشعبية. وربما يكون أيضاً الخيار الأكثر حكمة على المستوى الشخصي بالنسبة إليه وإلى النخب الحكومية الأخرى، الذين يواجهون جميعاً خطر القتل على يد القوات الإسرائيلية والأميركية. ومهما كان توقيت نهاية الحرب وما سيحدث بعدها، فإن أمن إيران قد تحطم بالكامل، وسيظل مسؤولو البلاد مكشوفين ومعرضين للخطر.

لكن الحكمة لم تكن يوماً من سمات الجمهورية الإسلامية. فقد أثبت النظام الثيوقراطي مراراً أن هدفه هو دفع أجندته الأيديولوجية الضيقة إلى الأمام، وليس مساعدة الشعب الإيراني. وبدلاً من التوصل إلى تسويات، أدى سلوكه إلى إفقار البلاد، وقتل آلاف من مواطنيه، والدخول في مواجهات مع جيوش أقوى بكثير منه. ومن غير المرجح أن يقوم النظام بتغييرات جوهرية إذا نجا من هذه الحملة. وبدلاً من ذلك، فإن النخبة المتبقية في الحكم والمثقلة بالمرارة قد تقود إيران إلى مسار أكثر ظلمة.

أفشون أوستوفار هو أستاذ مشارك بكلية الدراسات العليا البحرية، وزميل بارز غير مقيم في معهد أبحاث السياسة الخارجية، ومؤلف كتاب “حروب الطموح: الولايات المتحدة وإيران والصراع في الشرق الأوسط”.

مترجم عن “فورين أفيرز”، 12 مارس (آذار) 2026


لماذا أمر ترمب بقصف جزيرة خرج الإيرانية؟/ جون هالتوانغر
14 مارس 2026

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساء الجمعة أنه أمر بتنفيذ ضربات على جزيرة خرج الإيرانية، وهي جزيرة صغيرة لكنها ذات أهمية استراتيجية كبيرة في الخليج، إذ يمر عبرها 90 في المئة من صادرات إيران من النفط الخام.

وقال ترمب في منشور على منصة “تروث سوشيال”: “قبل لحظات، وبناءً على توجيهاتي، نفذت القيادة المركزية الأميركية واحدة من أقوى عمليات القصف في تاريخ الشرق الأوسط، وتم تدمير كل الأهداف العسكرية بالكامل في جوهرة إيران، جزيرة خرج”.

وقال ترمب إنه “لدواعٍ تتعلق باللياقة” اختار “عدم تدمير البنية التحتية النفطية في الجزيرة”، لكنه أضاف أنه “إذا قامت إيران، أو أي جهة أخرى، بأي عمل يعرقل المرور الحر والآمن للسفن عبر مضيق هرمز، فسأعيد النظر فوراً في هذا القرار”.

تُعد جزيرة خرج محطة إيران الرئيسية لتصدير النفط، وتشكل منشآت المعالجة فيها عنصراً حيوياً للاقتصاد الإيراني. وتقع الجزيرة على بعد 15 ميلاً فقط من الساحل الإيراني، وتعالج نحو 950 مليون برميل من النفط الخام سنوياً.

وجاءت الضربات على خرج بعد نحو أسبوعين من بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. وكانت طهران قد استهدفت أكثر من اثنتي عشرة سفينة في مضيق هرمز، الممر البحري الضيق الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من تجارة النفط الخام والغاز الطبيعي المسال في العالم، ما أدى فعلياً إلى توقف حركة الملاحة في هذا الممر البحري الحيوي، في محاولة لرفع أسعار النفط وزيادة الضغط على واشنطن بسبب الحرب.

وبلغ سعر خام برنت، وهو المعيار العالمي للنفط، أكثر من 100 دولار للبرميل يوم الجمعة، بزيادة تجاوزت 40 في المئة منذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير.

وخلال الأيام الماضية، سادت تكهنات بأن الولايات المتحدة قد تقدم على استهداف أو السيطرة على جزيرة خرج للحصول على نفوذ أكبر على إيران. لكن خبراء حذروا من أن السيطرة على خرج تنطوي على مخاطر كبيرة، وهو ما قد يفسر اتخاذ ترمب خطوة أكثر محدودية عبر شن ضربات فقط.

وقال غريغوري برو، الخبير في الشأن الإيراني والمحلل البارز في مجموعة “أوراسيا”، لمجلة “فورين بوليسي” يوم الخميس: “هناك مزايا واحتمالات إيجابية للسيطرة على جزيرة خرج. فمن الناحية النظرية سيضع ذلك الولايات المتحدة في موقع يمكنها من عرقلة صادرات النفط الإيرانية. كما سيمنح ترمب فرصة الادعاء بتحقيق انتصار أكثر حسماً، لأنه سيكون قادراً على القول إن الولايات المتحدة بات لديها نفوذ أكبر على إيران. كما سيضعف النظام الإيراني، لأنه لن يتمكن من مواصلة تصدير النفط بالكميات التي يصدرها حالياً”.

وأضاف برو: “لكن هناك أيضاً سلبيات كبيرة. فإيران لن تفقد قدرتها على التصدير بالكامل. لديها مرافق تصدير أخرى، ولديها أيضاً محطة تصدير في جاسك، شرق مضيق هرمز، وقد بدأت بالفعل باستخدامها بشكل أكبر. لذلك إذا خسرت خرج، فإنها لن تفقد القدرة على التصدير، بل ستواصل ذلك على الأرجح، وإن كان بكميات أقل، على الأقل في البداية”.

كما أن السيطرة على خرج قد تنطوي على مخاطر كبيرة بالنسبة إلى أي قوات أميركية تشارك في العملية. فمثل هذه الخطوة داخل الأراضي الإيرانية قد تؤدي إلى رد “عدواني جداً” من النظام الإيراني، وتضع تلك القوات “في مرمى الخطر”، بحسب برو، إذ قد تتعرض لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، على نحو لم تتعرض له القوات الأميركية في قواعدها الموجودة في مواقع أخرى أكثر تحصيناً.

وأفادت تقارير عدة يوم الجمعة بأن البنتاغون أمر بإرسال قوات وسفن حربية إضافية إلى المنطقة مع استمرار الحرب، من بينها سفينة الهجوم البرمائي “يو إس إس تريبولي” ونحو 2500 من مشاة البحرية، ما يمنح ترمب خيارات إضافية إذا قرر اتخاذ خطوات أخرى ضد جزيرة خرج.

وكان ترمب قد تحدث منذ زمن طويل عن فكرة السيطرة على جزيرة خرج، تعود على الأقل إلى عام 1988. وقد أشار مقدم برنامج “فوكس نيوز راديو” براين كيلميد إلى هذه النقطة خلال مقابلة مع ترمب مساء الخميس بُثّت يوم الجمعة، وسأله عما إذا كان يفكر في اتخاذ مثل هذه الخطوة الآن.

وجاء رد ترمب متوتراً على نحو مفاجئ، بعدما كانت المقابلة حتى تلك اللحظة ودية إلى حد كبير. فقال: “براين، لا أستطيع الإجابة عن سؤال كهذا، ولا ينبغي لك أن تطرحه أصلاً. إنه واحد من أشياء كثيرة مختلفة. ليس في أعلى القائمة، لكنه أحد الخيارات العديدة، ويمكنني أن أغيّر رأيي خلال ثوانٍ”.

وأضاف: “لكن، كما تعلم، عندما تطرح سؤالاً كهذا، من الذي سيجيب عنه؟ أعني أنك تسألني: جزيرة خرج، هل أفكر في ذلك؟ من الذي يطرح سؤالاً كهذا، وأي أحمق سيجيب عنه؟ حسناً؟ لنفترض أنني سأفعل ذلك، أو لنفترض أنني لن أفعل. لماذا سأخبرك؟ هل سأقول: نعم يا براين، أفكر في ذلك، دعني أخبرك في أي وقت ومتى سيحدث؟ إنه سؤال غير حكيم إلى حد ما، وهذا مستغرب منك لأنك رجل ذكي”.
Foreign Policy
فورين بوليسي

ينشر بموجب اتفاق مع مجلة “فورين بوليسي”
المجلة


هجوم على الاقتصاد العالمي
مهما تكن نهاية ما يجري في مضيق هرمز فإن أسواق الطاقة تبدلت إلى الأبد
14 مارس 2026

في السابق اكتشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب كلفة الرسوم الجمركية، وها هو الآن يكتشف كلفة الحرب. ففي 9 مارس/آذار، أعلن أن حملته على إيران ستنتهي “قريبا جدا”، فهوت أسعار النفط، التي كانت قد لامست في اليوم السابق نحو 120 دولارا للبرميل، إلى ما يقارب 80 دولارا، وقبل اندلاع الحرب كانت عند 70 دولارا. ولكن الإغلاق الإيراني الفعلي لمضيق هرمز عطل نحو 15 في المئة من الإمدادات النفطية العالمية. وترمب، الذي يواجه انتخابات تجديد نصفي وناخبين أنهكهم التضخم، يبعث بإشارة واضحة مفادها أنه لا يستطيع تحمل هذه الكلفة، تماما كما تراجع عن حربه التجارية حين ترنحت الأسواق تحت وطأتها في الربيع الماضي.

ومع ذلك، فإن ترمب في مسائل الحرب والسلم لا يقل اضطرابا عنه في السياسة الاقتصادية. ففي وقت نشر هذا المقال، كان مضيق هرمز لا يزال شبه مغلق بعد الضربات الإيرانية التي استهدفت الملاحة فيه. وكان سعر النفط قد ارتد من جديد إلى حدود 100 دولار. وفي الأثناء، ظلت اللهجة الأميركية مشحونة بالتصعيد، مع تعهد بيت هيغسيث، وزير الحرب، بالمضي في القتال بوتيرة أشد من ذي قبل.

هذا الارتباك يكشف ضيق الخيارات المتاحة أمام الرئيس، فخفض التصعيد في الحرب التجارية كان، إلى حد بعيد، أمرا يملكه بقراره. أما إعادة سوق الطاقة إلى ما كانت عليه، فليست في متناوله. ومهما يكن المسار الذي ستسلكه الأحداث، فإن العالم يدخل طورا جديدا من انعدام الأمن الطاقوي.

وقد تكون الصدمة التي أطلقتها هذه الحرب هائلة. صحيح أن العالم بات أقل اعتمادا على النفط مما كان عليه في عام 1973، حين أدى الحظر العربي إلى تضاعف أسعار الخام أربع مرات، أو في عامي 1979 و1980، حين ضربت الثورة الإيرانية ثم الحرب العراقية-الإيرانية الإمدادات. ففي تلك الحقبة، كان إحراق النفط لتوليد الكهرباء أمرا شائعا. أما اليوم، فقد انحسر هذا الاستخدام، وبات النفط يذهب أساسا إلى تشغيل وسائل النقل وصناعة البتروكيماويات.

على أن هذا التحول ينطوي على حدين. فمع أن النفط لم يعد يحتل الموقع نفسه الذي كان يشغله في الاقتصاد العالمي قبل عقود، فإن الطلب المتبقي عليه بات أكثر صلابة وأقل قابلية للتراجع السريع. وهذا يعني أن أي نقص في الإمدادات لا يمكن امتصاصه بسهولة، بل يدفع الأسعار إلى الارتفاع الحاد حتى ينكمش الطلب ويقترب من مستوى المعروض. وتزداد خطورة الأزمة الحالية لأن حجم الإمدادات المفقودة يفوق ما شهده العالم في أزمتي النفط في سبعينات القرن الماضي. ومع ذلك، فإن الأسواق، حتى في أشد لحظات التوتر، لم تذهب إلى حد تسعير احتمال إغلاق المضيق لفترة طويلة. ولو حدث ذلك فعلا، فقد تضطر أسعار النفط إلى تجاوز 150 دولارا للبرميل حتى يعود التوازن بين العرض والطلب.

وتستطيع الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية السحب من مخزونات طارئة تبلغ 1.8 مليار برميل، وقد شرعت بالفعل في الإفراج عن 400 مليون برميل منها. لكن الوصول إلى هذه الكميات كثيرا ما تعرقله خطوط الأنابيب أو قيود أخرى. وحتى الصين، التي راكمت مخزونا منفصلا وضخما، وجدت نفسها مضطرة إلى وقف صادرات بعض المنتجات المكررة. ولأن النقل عنصر أساسي في قطاعات واسعة من الاقتصاد العالمي، فإن أي اختناقات في هذا المجال قد تلحق أضرارا جسيمة.

ولا تقف الصدمة عند حدود النفط. فالمرفق الرئيس لتصدير الغاز الطبيعي المسال في قطر لا يزال مغلقا بعد ضربه بطائرة مسيرة، ما أخرج من السوق ما يقارب خُمس الإمدادات العالمية. كما أرجئ التوسع في إنتاجه. وأشعل غياب الصادرات القطرية سباقا محموما في آسيا. وفي أوروبا- حيث تبدو خزانات الغاز أقل امتلاء من المعتاد في هذا الوقت من السنة- ارتفعت الأسعار بأكثر من النصف. وكان في مقدور الولايات المتحدة أن تصدر مزيدا من الغاز الطبيعي المسال، غير أن طلبها المحلي على الغاز آخذ في الارتفاع هو الآخر، مدفوعا بازدهار مراكز البيانات الشرهة إلى الطاقة.

وتسعى إيران إلى إطالة أمد الحرب لتوحي بأنها هي، وليس العم سام، من يمسك بزمام الأمور. واستهدفت إيران في 11 مارس/آذار ثلاث سفن شحن في مضيق هرمز، ثم ناقلتي نفط قرب العراق لاحقا. وكما فعل الحوثيون في اليمن، الذين نجحوا في ضرب الملاحة في البحر الأحمر بأسلحة متواضعة الكلفة، رغم المحاولات عالية التقنية التي بذلها أعضاء حلف شمال الأطلسي لوقفهم، أدرك النظام الإيراني أنه قادر على قذف السفن ومنشآت الطاقة بالطائرات المسيرة، حتى وهو يتعرض لوابل من القصف.

وحتى حين تضع الحرب أوزارها، فإن العالم لن يعود كما كان. فالزعيم الأعلى الإيراني الجديد، المتشدد مجتبى خامنئي، بات يدرك أن أسعار الطاقة هي نقطة الضعف الأميركية. وفي أوكرانيا، التي خضعت فيها دفاعات الطائرات المسيرة لاختبار قاس، ما زالت بعض المسيرات ذات الطراز الإيراني تنجح في العبور. وليس من المرجح أن تحتل القوات الأميركية إيران لوقف هذه الهجمات. كما أن واشنطن لا تملك القدرة على حماية كل ناقلة، حتى لو وفرت لها تغطية تأمينية زهيدة الكلفة. ولهذا، فإن اضطراب أسواق الطاقة سيظل يتقدم ويتراجع مع التوترات الجيوسياسية، ولا سيما إذا انتهت إيران إلى قناعة مفادها أن امتلاك سلاح نووي هو السبيل إلى الأمان.

تلك هي الحقيقة الجديدة التي سيتعين على المستثمرين والشركات وصناع السياسات التكيف معها في المرحلة المقبلة. أما في نظر المستثمرين، فقد غدا التناقض أكثر حدة بين عالم يزداد تقلبا وأسواق أسهم ما تزال متماسكة. وتضاف فوضى الشرق الأوسط إلى قائمة طويلة من الأخطار التي تثقل كاهل الأسواق، من السيناريوهات القاتمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى الاضطرابات في الائتمان الخاص، وصولا إلى تآكل الثقة في الحكومات المثقلة بالديون. وارتفعت عوائد السندات الحكومية منذ اندلاع الأزمة، ولا سيما في جنوب أوروبا وبريطانيا التي تعتمد على واردات الغاز الطبيعي المسال.

أما الشركات والأعمال فباتت تواجه كلفة أعلى للعمل في بيئة تسعر فيها الأسواق المخاطر على نحو أشد، إذ تعكس أسعار الطاقة خطر الاشتعال الواسع الحاضر على الدوام. وكما حدث بعد الجائحة ومع بداية الحرب في أوكرانيا، تجد نفسها مضطرة مرة أخرى إلى التدقيق في مخاطر سلاسل التوريد، بما في ذلك انكشافها على اقتصادات المنطقة، التي اهتزت سمعتها في الاستقرار، ويمكن أن تواجه تراجعا في الاستثمارات وتناقصا في أعداد السياح.

وبالنسبة إلى صناع السياسات، فإن قرارات موجعة تلوح في الأفق، ويشكل تخزين الطاقة جزءا من الحل. وكان من قلة التبصر أن لا يبادر ترمب إلى إعادة ملء الاحتياطي النفطي الأميركي حين كانت الأسعار منخفضة قبل الحرب. أما الآن، فإن تعزيز المخزونات الطارئة سيكلف أكثر. ومن المرجح أن تدفع الأسعار المرتفعة إلى زيادة الإمدادات من خارج الشرق الأوسط. وإلى أن يحدث ذلك، قد تجد دول مثل الولايات المتحدة صعوبة في مقاومة إغراء الحمائية في مجال الطاقة. وحين يبدأ المنتجون والمكررون، ومنهم الصين والهند، في تقييد الصادرات سعيا إلى حماية مستهلكيهم من الأسعار المرتفعة، فإن الضرر الذي يلحق بالدول الأخرى قد يكون فادحا.

وستجد البنوك المركزية نفسها في مواجهة تهديد تضخمي متجدد، يزيد من احتمالات الركود ومن دوامات الأجور والأسعار. كما سيجد الساسة أنفسهم في مواجهة ناخبين يطالبون بإعانات للطاقة، على غرار أشكال الدعم التي أُغرقت بها دول العالم الغني بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، والتي تجاوزت 2.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في كثير من الدول الأوروبية، ما زاد من أعباء ديونها. وهذا من شأنه أن ينقل وطأة الألم إلى الدول الأفقر، ولا سيما في آسيا. ففي عام 2022، عانت بنغلاديش انقطاعات في الكهرباء. ومن العسير التنبؤ بكيفية انتهاء هذه الأزمة. لكن حتى لو أحسنت الدول إدارة سياساتها، فقد بات واضحا أن هذه الحرب جعلت الاقتصاد العالمي أقل رخاء، وأكثر تقلبا، وأعقد على صناع القرار.
ينشر بموجب اتفاق مع مجلة “الايكونومست”

© 2026 The Economist Newspaper Limited. All rights reserved
المجلة


عن المرشد المقيم في عالم الغيب/ ساطع نورالدين
إما ان يكون الزعيم الديني لايران مجتبى خامنئي مرشداً وهمياً، مؤقتاً، أقرب الى دمية في يد الحرس الثوري، على ما يقول الاميركيون والإسرائيليون، أو ان الغيب “إصطفاه” لمهمة خاصة، لا تستدعي الظهور العلني، ولا الكشف الطبي..عبرت عن نفسها في البيان الرسمي الأول الذي صدر بإسمه، يوم الخميس الماضي، وألقته سيدة إيرانية، وجرى بثه في وسائل الاعلام.
احتجاب المرشد الجديد، كان بحد ذاته أمراً غريباً. داعي الإصابة الحرجة التي تعرض لها لدى إغتيال والده المرشد السابق السيد علي خامنئي، لم يكن كافياً لتبرير تلك “الاطلالة” الخفية لمجتبى، التي كان يمكن استبدالها ببيان مكتوب وموقع بإسمه ، يذاع ويعرض على الشاشات، مثل أي بلاغ (عسكري) يحمل “الرقم واحد”، بل لعله أساء الى صورة ولي الفقيه، والى الولاية نفسها بما هي بديل لحالة الانتظار المهدوية التي يعيشها غلاة الشيعة الاثني عشريين، منذ تكوين المذهب الجعفري. والايحاء بأن المرشد الجديد سيحكم من دون ان يظهر الى العلن، يقود الى استنتاج وحيد، هو أنه مجرد عمامة رمزية يستعان بها لتغطية الانقلاب العسكري الذي ينفذه الحرس الثوري، ليس إلا.
لكن الحيرة تتفاقم لدى قراءة ذلك النص الافتتاحي لولاية المرشد الجديد، وتطرح السؤال عما إذا كان مجتبى هو من كتب البيان، من سريره في غرفة العناية الفائقة في المستشفى، أم أنه قرىء عليه وإستشير في إصداره من قبل كبار قادة الحرس، أم أنه لم يعلم به أصلا إلا بعد صدوره.. نظراً لأن مؤسسات الدولة الإيرانية، تدار هذه الأيام، عبر شبكة الانترنت، وتنعقد الاجتماعات والمشاورات على تلك الشبكة، وبينها جلسة انتخاب المرشد التي لم تكون حضورية.
ما يهم الآن أن النص ينتمي بالفعل الى عالم الغيب السياسي، الذي لا يمكن اخضاعه الى أي معايير واقعية، تساعد في تفسير مطالب الحد الأقصى التي حددها مجتبى وحملت إسمه وحده برغم أنها لم تتضمن “بصمة صوته”، وهي مناقضة لواقع “الاحتجاب” الراهن، ومنافية لوعد “الظهور” الموعود، ومتعارضة مع أبسط قراءة موضوعية لنتائج الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وتصنف الردود الإيرانية على تلك الحرب، في مرتبة “الخبط العشوائي”، الذي يؤذي المصالح الإيرانية أكثر بكثير مما يؤذي المصالح الأميركية والإسرائيلية والعربية الخليجية.
المطالب الواردة في النص لا تحتمل التأويل، ولا التحوير. هي تدعو العدو الى اعلان الاستسلام، وإغلاق قواعده العسكرية في الدول الخليجية، وإلا فإن الهجمات على تلك الدول ستستمر، ومضيق هرمز سيتم إغلاقه، وسيتم تفعيل جبهات ليس للعدو خبرة فيها، وسيشمل التحرك جميع الميادين الرخوة للاعداء، الى ان تحصل إيران على التعويضات من العدو، أو تدمر ممتلكاته بالقدر نفسه.
وأمام هذه المطالب الإيرانية القصوى، التي توحي بأن الدولة الإيرانية تخوض عملية إعادة تأسيس صعبة وتبحث عن عقد سياسي جديد بين مراكز القوى المختلفة، الدينية والعسكرية، يجوز التساؤل عما إذا كان المرشد الجديد بكامل وعيه، او قادة الحرس بكامل رشدهم، أم أن احد الجانبين يورط الآخر في معركة قاضية تطيح بهما..وتفتح الباب أمام البديل الثالث من داخل الحرس وموقع المرشد.
غريزة البقاء لا تفسر أي سلوك إيراني راهن، ولا تجد حجتها إلا في الهذيان الذي يعبر عنه يومياً الرئيس الأميركي دونالد ترامب وشريكه الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ما يصدر عنهما ليس سوى تأجيج لنيران حرب لم يكن لها مبرر، ولا هدف، ولا مخرج.. لكنها تكاد تتحول الى قدرٍ يتحكم بمصير تلك البقعة المعذبة من العالم.
بيروت في 14 / 3 / 2026


الحرب على إيران.. هل يصمد الحياد التركي؟/ سمير صالحة
2026.03.14
تحولت تركيا بحكم موقعها الجيوسياسي، إلى نقطة ارتكاز لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، الأمر الذي يضعها أمام معادلة معقدة تفرض عليها تبني مقاربات متوازنة ومرنة قادرة على إدارة هذه التحديات، واستثمار الفرص المتاحة لتعزيز مصادر قوتها وحماية مصالحها. تواجه تركيا اليوم تحديات استثنائية في محيط إقليمي مضطرب يتسم بتعدد الصراعات وتداخل الأزمات.

لم يعد الحياد التركي في الحرب على إيران مجرد خيار تكتيكي مؤقت، بل تحول إلى أداة تمنح أنقرة هامشًا واسعًا للمناورة بين الردع العسكري والدبلوماسية النشطة، بما يمكّنها من التعامل مع إدارة الضغوط الإيرانية والأطلسية، في ظل تصاعد السياسات الإسرائيلية الاستفزازية في المنطقة.

مع تكرار محاولات الاستهداف الصاروخي لأراضيها، وبروز مؤشرات على مخطط لجرّ تركيا إلى مواجهة مباشرة، يبرز سؤال محوري: كيف يمكن لسياسة الحياد أن تمنح أنقرة فرصة للتحرك بذكاء استراتيجي بعيدًا عن أي انخراط مباشر في الحرب، مع الاحتفاظ بخيار الرد المحدود إذا اقتضت الضرورة لحماية أراضيها ومصالحها الحيوية؟

تتضح بعد أسبوعين على اندلاع الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران، رغبة تركيا في الحفاظ على صبرها الاستراتيجي بما يتوافق مع مصالحها الوطنية ويحصن دورها الإقليمي على طريق التهدئة. وهو ما يستدعي إدارة ملف بالغ التعقيد عبر توظيف حيادها للاستفادة من مركزيتها الجيوسياسية واستثمار ثقلها الدبلوماسي للتنقل بين الأطراف وإقناعهم بالعودة إلى الحوار دون الانجرار إلى المزيد من المغامرات العسكرية.

وهنا تبرز أسئلة استراتيجية يتقدمها: ماذا يعني الحياد التركي عمليًا في هذه المرحلة، وكيف يوازن بين السياسة والأمن القومي؟ ومن يسعى لجر تركيا إلى المواجهة المباشرة، وما هي مصالحهم في ذلك؟ وكيف يمكن لأنقرة تحويل موقعها المركزي ومركزية الأزمة لصالح تعزيز نفوذها الإقليمي دون الانخراط المباشر في الحرب؟

منحت التجارب التاريخية تركيا القدرة على تحويل الحياد إلى أداة استراتيجية في سياستها الخارجية، لأنه يتيح لها استخدام أوراقها الاقتصادية والأمنية والسياسية بمرونة أكبر لحماية مصالحها على المدى البعيد. ولهذا حافظت أنقرة، التي لعبت مرارًا دور الوسيط في ملفات المنطقة الحساسة، على سياسة الحذر تجاه إيران قبل اندلاع موجة التصعيد الأخيرة.

لكن تركيا وجدت نفسها، بعد إطلاق الصاروخ الثاني نحو أراضيها، أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة: الرد العسكري المحدود، التمسك بنهج الحياد في الصراع الدائر، أو محاولة تحويل المشهد إلى فرصة لتفعيل جهود الوساطة بالتنسيق مع عدد من العواصم الفاعلة.

تشير التجارب السابقة في العلاقات بين تركيا وإيران إلى أن مسار التأزيم يكون مكلفًا، ويترك آثارًا سلبية طويلة الأمد على مصالحهما وعلى المشهد الإقليمي برمته.

وقد حاولت طهران النأي بنفسها عن الضربات الصاروخية المنطلقة من داخل أراضيها باتجاه الحدود التركية، لكن رسائل أنقرة لم تستبعد احتمال الرد المحدود في إطار المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، أو التحرك الجماعي مع شركاء الأطلسي تحت مظلة المادة 5 من اتفاقية الحلف.

فهل تتمسك تركيا بنهج الحياد الإيجابي والمناورة السياسية الهادئة لمنع الحرب من التمدد واستثمار مركزيتها الجيوسياسية لحماية نفوذها الإقليمي؟ أم أن الاستفزازات الإيرانية قد تدفعها إلى رد مغاير تفرضه اعتبارات الأمن القومي وضغوط الداخل التركي؟

يرى العديد من القوى الإقليمية والدولية في تركيا لاعبًا محوريًا يمكن الاستفادة من موقعها الجغرافي وقدرتها العسكرية والاقتصادية لتعزيز أهدافه.

ترى تل أبيب بالمقابل، أن انخراط تركيا في الصراع ضد إيران قد يمنحها أكثر مما تريد، باتجاه توسيع رقعة المواجهة وتغيير التوازنات العسكرية، وزرع قنبلة موقوتة في حضن أنقرة وطهران على السواء.

أما طهران، فمن جانبها تدرك أن أي انزلاق تركي إلى المواجهة المباشرة قد يسرّع الحسم العسكري، ولن يخدم مصالحها وحساباتها، بل على العكس من ذلك، قد يحمل تداعيات ثقيلة على علاقات البلدين وعلى المعادلات الإقليمية الشديدة العطب.

من هنا فإن قدرة تركيا على قراءة موازين القوى واستباق تحركات الخصوم ،هو ما يمنحها فرصة توظيف كل محاولة استدراج كمساحة إضافية لتعزيز موقعها وإعادة صياغة ديناميكيات التوازن بين إيران وأطراف النزاع الأخرى.

حفاظ أنقرة على موقعها كقوة توازن هو الذي مكنها من الجلوس أمام أكثرمن طاولة استراتيجية، وقد يكون في هذه المرحلة أكثر تأثيرًا من الانخراط في معادلات الحرب نفسها.

ما تريده تركيا هو الابتعاد قدر المستطاع عن المحور الأميركي–الإسرائيلي في مواجهة إيران، ودعوة طهران لعدم تعريض أمنها ومصالحها لاختبار صعب يرتد على مسار ومستقبل العلاقات. الهدف هو عدم الانزلاق إلى لعبة استفزاز تتحول إلى معركة تطيح بالمعادلات والتوازنات التي بنتها بصعوبة في العقود الأخيرة.

جر تركيا إلى النزاع القائم ودفعها نحو رد فعل عسكري يتحول إلى مواجهة مفتوحة لا تصب في مصلحتها وليست بين حساباتها. أفضل خياراتها هو استراتيجية مرنة تجمع بين الدفاع عن أراضيها ومصالحها الحيوية، مع ترك مسافة أمان في النزاع الإقليمي لضمان قابلية المناورة عند الضرورة.

تتبادل تركيا وإيران الرسائل في محاولة لرسم حدود كل طرف والحفاظ على مصالحه، في حين يراقب اللاعبون الإقليميون والدوليون هذه الحركة عن كثب:

تسعى أنقرة إلى تعزيز حضورها العسكري والدبلوماسي، وتثبيت قواعد ردع فعالة، مع الاحتفاظ بخيارات التحالفات الإقليمية والدولية كأداة لتخفيف التوتر وخلق مساحة أمان لمناورتها السياسية.

في المقابل، تبحث طهران عن توسيع رقعة الجبهات ونقل الصراع إلى مناطق جديدة عبر أذرعها الإقليمية، بما يخدم أهدافها الاستراتيجية ويشكل ضغوطًا على تركيا وحلفائها.

ما تريده طهران يتقاطع غالبًا مع مصالح تل أبيب في الحد من نفوذ أنقرة وتعميق الاختلالات في التوازن الإقليمي، بينما الموقف التركي يتقارب مع الموقف الأميركي في الحفاظ على دائرة النزاع محدودة ومنع توسعها.

تقوم الاستراتيجية التركية في إطار المناورة الواقعية على ثلاثة أبعاد متكاملة: حماية الأراضي والمصالح الحيوية، منع توسع رقعة الصراع، واستثمار مركزية أنقرة الدبلوماسية والسياسية لإقناع الأطراف بالعودة إلى طاولة الحوار.

هنا تبرز أهمية قدرة تركيا على استشراف السيناريوهات السوداوية المحتملة والتحرك استباقيًا لقطع الطريق عليها واستثمار مركزيتها الجيوسياسية.

الحفاظ على موقع أنقرة كقوة توازن في هذه المرحلة يبدو أكثر تأثيرًا وأمنًا من الانخراط المباشر في مواجهة مفتوحة مع إيران غير محسوبة النتائج.

يتحول الموقف التركي المتحفظ في هذا السياق إلى أداة ديناميكية تمكّن أنقرة من المساهمة في إعادة رسم التوازنات الإقليمية، وتحويل التهديدات المحتملة إلى أوراق قوة في يدها. كما يمنح هذا التوجه تركيا مساحة واسعة للمناورة والمرونة في إعادة ترتيب أولوياتها والإسهام في ضبط التحالفات في المنطقة بما يخدم مصالحها، في حين يبقى خيار التحرك العسكري المحدود احتمالًا أخيرًا فقط.

ليس هذا النهج بالنسبة لتركيا مجرد موقف تكتيكي، بل خيار استراتيجي راسخ يحمي استقلال القرار، ويوازن بين المخاطر والفرص، ويضع أنقرة في موقع مؤثر ضمن معادلة الاستقرار الإقليمي.

تكشف تجارب التاريخ السياسي في العلاقات التركية–الإيرانية أن خيارات البلدين لم تتوقف طويلًا عند التوترات الظرفية، وأن الانخراط المباشر في النزاعات لم يكن يومًا في صالحهما، بل كان يفضي غالبًا إلى إرباك توازناتهما وتحالفاتهما، ويصب في صالح أطراف أخرى.


سوريا… الحلقة التاريخية السابقة بين إيران و”حزب الله” في مرحلة ما بعد الأسد/ عمار عبد اللطيف
هل ينتهي الممر الاستراتيجي بين إيران و”حزب الله”؟
2026-03-14
على مدى عقود، شكلت سوريا حلقة وصل تاريخية واستراتيجية بين إيران و”حزب الله” في لبنان، إذ لم تكن مجرد جغرافيا عبور، بل كانت مسرحاً رئيسياً لنقل الدعم السياسي والعسكري واللوجستي الذي قدمته طهران لـ”حزب الله” عبر الأراضي السورية.

وجعلت هذه العلاقة المتشابكة، التي امتدت جذورها إلى ما قبل الحرب السورية، دمشق مركز ثقل للتنسيق بين إيران وحليفها اللبناني، وأحد أعمدة التوازن الإقليمي في المنطقة.

مع اندلاع الحرب في سوريا، تعمقت هذه العلاقة التاريخية، إذ تحولت البلاد إلى ساحة نفوذ متعددة المستويات بين قوى إقليمية ودولية، كان أبرزها التحالف الذي جمع دمشق بطهران، والذي سمح للحزب اللبناني بالحفاظ على خطوط الاتصال والدعم الأساسية، وتكريس نفوذه في لبنان عبر دعم مستمر بالسلاح والخبرات والخدمات اللوجستية.

لكن سقوط النظام أعاد خلط الأوراق وأثار تساؤلات جوهرية حول مصير هذا الممر التاريخي بين إيران و”حزب الله”، إذ لم تعد دمشق في ظل واقع سياسي وأمني جديد، الضمانة التقليدية التي كانت تؤمن استمرارية الدعم، بل أصبحت سوريا ساحة مفتوحة لتحولات جيوسياسية معقدة وظهور قوى إقليمية ودولية جديدة تؤثر على شبكة النفوذ الإيرانية.

وحملت الأسابيع الأخيرة تغييرات غير مسبوقة، ففي ظل حرب إقليمية أشد تعقيداً، تواجه إيران صعوبات كبيرة في الحفاظ على خطوطها التقليدية للدعم، وتترافق هذه الضغوط مع خسائر في صفوف قيادتها العسكرية العليا، ما أثر في قدرة المؤسسة الإيرانية على الحفاظ على وحدتها وكفاءتها في إدارة شبكاتها الخارجية، بما في ذلك تلك المرتبطة بـ”حزب الله” عبر سوريا.

ويُنظر إلى هذه الخسائر، التي طالت قادة بارزين في الأجهزة العسكرية والاستخبارية، كعامل أضعف قدرة إيران على الاستمرار في استخدام سوريا كبوابة آمنة لدعم حلفائها، في وقت تتكثف التحديات الأمنية داخل الحدود الإيرانية نفسها.

في لبنان، يتقاطع وضع “حزب الله” بعمق مع ما يجري في إيران، لطالما شكل الحزب امتداداً عملياً لسياسات طهران الإقليمية، مستفيداً من البنية اللوجستية التي وفرتها له سوريا منذ عقود، لكن التغيّرات الأخيرة في سوريا أضعفت هذه العلاقة التقليدية.

ويواجه “حزب الله” ضغوطاً متزايدة على مستويات متعددة، سياسية وعسكرية ولوجستية، فالمطالب المتصاعدة بالتخلي عن السلاح تتقاطع مع حملات جوية إسرائيلية تستهدف مواقع يُعتقد أنها تابعة له في لبنان، بينما انقطع جزء من الدعم الذي كان يمر عبر الأراضي السورية، ما يعيد طرح أسئلة حول قدرة الحزب على الحفاظ على جاهزيته القتالية واستمرارية نفوذه السياسي في لبنان.
خطوات الإضعاف

يقول مدير شبكة فكر الليبرالي الكردي مسلم أحمد، إن أحد أهداف إسقاط النظام المخلوع كان محاربة النفوذ الإيراني، وقد جاء ذلك على مراحل متتابعة بدأت بإضعاف حركة “حماس”، ثم سقوط النظام، ثم إضعاف “حزب الله”، وصولاً إلى الضربات الجوية ضد الحوثيين، التي شكلت المرحلة الأخيرة من استهداف مصالح إيران المباشرة في المنطقة.

ويضيف أحمد في حديث لـ”963+”، أن الهجوم الذي نفذته حركة “حماس” في تشرين الأول/ أكتوبر 2023 كان حدثاً فاصلاً في الشرق الأوسط، وأعاد رسم الخارطة السياسية للمنطقة بشكل كامل، إذ أنه تسبب في مزيد من العزلة الدولية لإيران وأضعف أدوات نفوذها الإقليمية، بما في ذلك “حزب الله”.

ويؤكد أحمد أن النظام الإيراني قضى عملياً على نفسه وعلى أذرعه بعد دعمه لهجوم “حماس”، وأصبح نفوذه في المنطقة محدوداً للغاية، وفقد قدرته على السيطرة وإدارة استراتيجياته الإقليمية، وأصبحت أوراقه السياسية والاستراتيجية شبه معدومة، وأن وجود النظام الإيراني أصبح رهيناً بالسياسات الأميركية، وأن بقائه في السلطة معرض للسقوط في أي لحظة.

ويضيف أن “حزب الله” اللبناني يعاني حالياً من ضغوط مماثلة لما يعيشه النظام الإيراني، إذ أصبح منبوذاً داخل الشارع اللبناني، وحتى بين أنصاره التقليديين، ما يضعه في موقف ضعف غير مسبوق، وأن إسرائيل تستغل هذه الحالة لإعادة تشكيل الخارطة السياسية في الشرق الأوسط، وتهدف إلى إيجاد تيار شعبي محلي يمكن قبوله وجودها في المنطقة.

ويرى أحمد أن أي انهيار محتمل للنظام الإيراني سيكون له انعكاسات مباشرة على “حزب الله”، وقد يؤدي إلى تقليص كبير لقدراته العسكرية والسياسية، ما يجعل دوره الإقليمي تحت اختبار تاريخي حقيقي، وأن الأحداث الأخيرة في المنطقة تؤكد أن تحولات السياسة الإقليمية ليست محلية فحسب، بل جزء من استراتيجية أوسع لإعادة توزيع النفوذ في الشرق الأوسط.
مخزون سلاح “حزب الله”

يشير عصمت العبسي، أكاديمي ومحلل سياسي في دمشق إلى أن “سقوط النظام السوري وانتصار الثورة أدى إلى انهيار فعلي للمشروع الإيراني في سوريا والمنطقة، وتدمير ما كان يعرف بـ”الهلال الشيعي”، الأمر الذي قطع خطوط الإمداد عن “حزب الله”، وأن الحزب رغم ذلك يمتلك مخزوناً كبيراً من الأسلحة، بما فيها تلك التي استحوذ عليها عقب الانهيار السريع للنظام، وذلك بفضل معرفته الجيدة بمواقع تخزين هذه الأسلحة داخل سوريا.

ويؤكد العبسي في حديث لـ”963+”،أن النفوذ الإيراني في المنطقة تراجع بشكل ملموس، ليس فقط في سوريا، بل أيضاً في الدول الأخرى التي كانت لإيران فيها نفوذ قوي مثل العراق ولبنان وحتى اليمن، ما يعكس فقدان طهران لجزء كبير من أدواتها الإقليمية التقليدية.

ويضيف أن التغيير واضح فيما يتعلق بموازين القوى بين إيران والدول الخليجية، والتي تعتبر حليفة للحكومة السورية التي تشكلت بعد سقوط النظام، وهو ما يمهد لظهور محور جديد في المنطقة أكثر قوة ويحظى بقبول دولي، ويملك قدرة أكبر على المناورة والتأثير في السياسة الإقليمية.

ويشير العبسي إلى أن التحركات الإسرائيلية تعرقل هذا المسار بشكل كبير، وتترك أثراً واضحاً على الحاضنة الشعبية في المنطقة، ما يخلق حالة من التوتر بين إسرائيل وبعض دول هذا المحور، لا سيما تركيا.

ويشدّد على أن الأحداث الحالية تؤكد أن التحولات في موازين القوى ليست محلية فحسب، بل جزء من إعادة تشكيل أوسع للسياسات الإقليمية، مع اختبار قدرة المحاور الجديدة على الحفاظ على توازنها أمام التحديات الإسرائيلية والدولية.

+963


الحشد الشعبي بين الضربات الأميركية الإسرائيلية ومرحلة إعادة التموضع/ حسن العلي
واجهة وجودية للحشد الشعبي وسط صراع إقليمي محتدم

2026-03-14
مع تصاعد المواجهة الإقليمية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يبدو العراق مرة أخرى على حافة التحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فالضربات الجوية التي استهدفت مواقع للحشد الشعبي في عدة محافظات خلال الأيام الأولى من آذار لم تكن، وفق تقديرات عسكرية وميدانية، مجرد ردود فعل تكتيكية، بل جزءاً من محاولة أوسع لإعادة رسم موازين القوة داخل العراق والمنطقة بعد اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي.

وتشير معطيات ميدانية إلى أن الضربات ركزت على قيادات وفصائل بعينها، في رسالة تهدف إلى إضعاف القوى الأكثر ارتباطاً بإيران وإرباك بنيتها القيادية، في وقت تعيد فيه الفصائل المسلحة انتشارها على الحدود السورية وسط مخاوف المدنيين من اتساع رقعة المواجهة. وبين ضغوط دولية متزايدة وخيارات عسكرية وسياسية معقدة، يقف الحشد الشعبي أمام مرحلة مفصلية قد تحدد مستقبله ودوره في المعادلة الأمنية العراقية خلال السنوات المقبلة.

وتتسارع الأحداث في منطقة الشرق الأوسط بشكل غير مسبوق، حيث تتداخل الأبعاد السياسية والعسكرية في مشهد معقد ومتشابك، مع تصاعد القصف الأمريكي والإسرائيلي ضد أهداف إيرانية في المنطقة، والذي بلغ ذروته باغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في 28 فبراير الماضي. يجد الحشد الشعبي العراقي نفسه في موقف بالغ الصعوبة.

فخلال الأسبوع الأول من مارس العام الجاري، سُجّلت في عدة محافظات مثل ديالى وبابل ونينوى والأنبار والقائم سلسلة ضربات جوية استهدفت مقارّ وأفراداً من الحشد، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى. هذا التصعيد الدراماتيكي يعيد طرح أسئلة مصيرية حول مستقبل الحشد الشعبي؛ هذه القوة التي تشكلت قبل 12 عاماً استجابة لفتوى الجهاد الكفائي لمواجهة “داعش”، وأصبحت اليوم تواجه تحديات وجودية على أكثر من جبهة. فبين اغتيال قادتها البارزين، وتصاعد الضغوط الدولية، وإعادة تمركزها الاستراتيجي على الحدود السورية، تقف هذه الفصائل عند منعطف تاريخي قد يحدد مصير ومستقبل العراق ككل.

“إعادة تشكيل”

يقول أبو حسين، مواطن من مدينة القائم السورية (وهو يعمل في إحدى المزارع القريبة من مقرات الحشد الشعبي) لـ”963+”: “الوضع هنا لا يطاق. قبل أيام كنا نسمع دوي انفجارات بعيدة، لكن هذه المرة كان الأمر مختلفاً. الطائرات كانت فوق رؤوسنا مباشرة، ثم فجأة اهتزت الأرض تحت أقدامنا. كنا في المزرعة وأولادنا معنا، والحمد لله أنهم بخير، ولكن عندما ذهبنا لنرى شاهدنا سيارة محترقة وأشلاء شباب نعرفهم. هم من استُهدفوا”.

ويضيف: “هذه المنطقة تشهد توتراً دائماً، لكن منذ بداية مارس تغير كل شيء. القوات الأمنية تنتشر بكثافة، والطائرات المسيّرة تحلق في السماء ليل نهار. نحن كمدنيين لا نعرف من يضرب من. الأهم بالنسبة لنا هو سلامة عائلاتنا. توقفت المدارس، وتوقف النوم في أعيننا، وأغلقت الأسواق خوفاً من الضربات”.

ويختتم حديثه: “لا أعرف ماذا سيحدث غداً. البعض يفكر في ترك المنطقة والانتقال إلى بغداد أو حتى إلى إقليم كردستان. لكن أين نذهب؟ الأرض هنا هي مصدر رزقنا الوحيد. كل ما نتمناه هو أن يتوقف هذا الجنون، وأن يعود الأمن إلى هذه الأرض التي رويت بدماء الكثيرين من الطرفين”.

ويقول العميد والخبير العسكري نور الفريح لـ”963+”: “ما نشهده منذ نهاية شهر فبراير ليس مجرد تصعيد عابر، بل إعادة تشكيل جذرية للمشهد الأمني في العراق والمنطقة. اغتيال خامنئي شكل نقطة تحول كبرى، والضربات التي تلت ذلك ضد الحشد الشعبي تحمل رسائل متعددة المستويات. لاحظنا أن الضربات ركزت على قيادات الصف الثاني في فصائل محددة، خصوصاً كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق. هذا ليس عشوائياً. الولايات المتحدة وإسرائيل تعلمان تماماً أن الحشد الشعبي ليس كتلة واحدة، بل هو تحالف هش من فصائل ذات ولاءات ومرجعيات مختلفة. هناك ما يقارب 40 فصيلاً يقلدون المرشد الإيراني، مقابل 15 فصيلاً يقلدون السيستاني. استهداف الفصائل الولائية يهدف إلى تعميق الانقسام داخل الحشد ودفع الفصائل الأخرى إلى الابتعاد عن المواجهة”.

ويضيف: “أما من ناحية الحدود السورية العراقية، فالحكومة السورية تنشر قوات إضافية على الحدود لمنع تسلل أي فصائل مسلحة، بما في ذلك الحشد الشعبي أو حزب الله اللبناني. وفي المقابل، الحشد الشعبي يزيد تواجده على الجانب العراقي. هذا يخلق منطقة شديدة الحساسية قد تتحول إلى ساحة مواجهة جديدة إذا استمر التصعيد. الرسالة الأمريكية واضحة: لن يُسمح باستخدام الأراضي العراقية أو السورية لتهديد المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية”.

ويرى أن “الحشد الشعبي اليوم أمام ثلاثة خيارات صعبة: الأول، الانخراط الكامل في المواجهة إلى جانب إيران، وهذا يعني استهدافاً أوسع نطاقاً قد يصل إلى تصفية قياداته. الثاني، الانسحاب من المواجهة والتركيز على دوره كقوات مسلحة عراقية، وهذا خيار صعب للفصائل الولائية لأنه يعني خسارة الدعم الإيراني. ثالثاً، محاولة التوفيق بين الأمرين، وهذا مرشح للفشل لأن الضغوط الدولية كبيرة جداً. فنلاحظ تصريحات للحشد تتوعد بالرد القاسي، لكن غالبية القيادة الأكثر خبرة تدرك كلفة هذه المغامرة”.

إعادة تموضع

ويقول سعد (اسم مستعار لأحد قيادات الحشد الشعبي على الحدود السورية العراقية): “ما يحدث الآن هو إعادة تموضع استراتيجي وليس انسحاباً تحت النار. صحيح أن الضربات كانت موجعة واستشهد عدد من إخواننا وقياداتنا، خاصة في بابل وديالى والقائم، لكن هذا لا يكسر إرادتنا. نحن ننسق مع قيادة العمليات المشتركة لإعادة توزيع قواتنا بشكل يحميها من الاستهداف ويحافظ في نفس الوقت على جاهزيتها. فالحدود مع سوريا منطقة حساسة للغاية. صحيح أن هناك تعزيزات سورية على الجانب الآخر، وهذا حقهم السيادي، لكن تواجدنا على الجانب العراقي ضروري لمنع تسلل أي تهديد، سواء من فلول داعش أو من أي جهة أخرى. نراقب الوضع عن كثب ونتنسق مع الجيش العراقي وقوات حرس الحدود. أي حديث عن نية الحشد اجتياز الحدود إلى سوريا هو كلام عارٍ عن الصحة، ونحن نلتزم بالقانون العراقي والسيادة السورية”.

ويضيف: “لا يمكن إنكار أن رحيل السيد خامنئي شكل صدمة كبيرة لنا، فهو رمزنا وداعم كبير لمقاومتنا في كل مكان. لكن إيران مستمرة بقيادة جديدة، وعلاقتنا معها علاقة أخوة وتعاون، وقرارنا عراقي ونابع من قناعاتنا الوطنية ونلتزم بتوجيهات القائد العام. فالعدو يظن أن اغتيال قادة المقاومة سيثنينا، وهذا وهم. الدماء التي استشهد بها قادتنا تزيدنا إصراراً، وخلفهم الآلاف المستعدون للسير في نفس الدرب. نحن لا نبحث عن الحرب، لكننا لا نخافها أيضاً. إذا استمر الاستهداف فسيكون الرد موجعاً، وسيدفع المحتل الثمن غالياً”.

كما قالت حركة النجباء في بيانها: “لغة الديبلوماسية الهشة لم تعد تجدي نفعاً”.

ختاماً، وفي خضم هذا المشهد المتأزم، يبقى السؤال الأهم: ما مستقبل الحشد الشعبي في العراق؟ من الواضح أن الحشد يواجه تحديات وجودية غير مسبوقة. فمن ناحية، الضربات الجوية الموجعة التي تستهدف قياداته وكوادره تهدف إلى تقويض قدراته العسكرية وإرباك هيكله القيادي. ومن ناحية أخرى، الضغوط السياسية الدولية، وتحديداً الأمريكية، تسعى إلى منع أي تقنين أو تعزيز لوضعه الرسمي داخل الدولة العراقية. في المقابل، تعيد الفصائل تموضعها على الحدود السورية، ليس بالضرورة بهدف التوسع، بل ربما بحثاً عن مناطق أقل عرضة للاستهداف، أو استعداداً لمرحلة جديدة قد تشهد مواجهات أوسع إذا استمر التصعيد.

أما الشارع العراقي، فيعيش حالة من الترقب والقلق، بين مؤيد للحشد ومنتقد له، لكن الجميع يتفق على أن استمرار تحول العراق إلى ساحة صراع إقليمي هو الخيار الأسوأ للجميع. في النهاية، يبدو أن الأيام القادمة ستكون حاسمة: فإما أن تنجح الجهود السياسية في احتواء الأزمة وإبعاد العراق عن دائرة النار، أو نجد أنفسنا أمام جولة جديدة من العنف قد تطال الجميع، ولا أحد يعرف متى وكيف تنتهي.

+963


هل همس الأردن في أذن الشرع… تجنب منزلق لبنان: العقبة ـ طرطوس في التفعيل بعد احتواء «أزمة الشاحنات»/ بسام البدارين
الزيارة السريعة التي قال وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، الخميس، إنه قام بها إلى دمشق وتضمنت مقابلة خاصة مع الرئيس السوري أحمد الشرع، تظهر مجدداً بأن الدبلوماسية الأردنية تتحرك في كل المسارات الممكنة على أساس التنويع والسعي قدر الإمكان لـ «تحييد» سوريا عن تداعيات المعركة الساخنة الجارية حالياً في الإقليم.
لم يكشف الصفدي عن الخلفيات والتفاصيل، وأشار إلى «نقل تحيات جلالة الملك إلى أخيه الرئيس أحمد الشرع»، ثم صرح بأن «العلاقات الثنائية تمضي قدماً» برؤية واضحة وإرادة قوية».
لم يتضح بعد عن ماذا يتحدث الوزير الصفدي بصيغة محددة، لكن لوحظ عموماً أن ملفين على الأقل في الإطار الثنائي شهدا تطوراً على الهامش المتسارع إقليمياً:
الأول، ملف «حركة الشاحنات» العالق بين البلدين، الذي استوجب حلاً سريعاً بسبب أجواء التصعيد العسكري في المنطقة مع إيران، حيث أعلن وزارة الصناعة والتجارة الأردنية التفاهم على بروتوكول جديد يتجاوز خلافات فنية.
ما فهم ضمناً هنا أن سوريا ستسمح بعبور الشاحنات الأردنية بصيغة «ترانزيت»، وعمان ستسمح بالمقابل للشاحنات السورية بالعبور والمناولة عبر ميناء العقبة إذا تعرقت الواردات عبر المتوسط.
في الأثناء، ثمة مقترحات عند جهات اختصاص بإنتاج آلية لإنهاء حصرية الاستيراد عبر ميناء العقبة بسبب الحرب وسيناريو لاستعمال «ميناء طرطوس» عند الحاجة لصالح الأردن إذا تفاعلت أزمة «سلاسل التزويد والشحن» بسبب الحرب وتعطل العمل على البحر الأحمر.
ما يعنيه ذلك عملياً، أن عمان ودمشق وضعتا بروتوكولاً طارئاً للتعايش والتكيف في حركة الشحن البري باعتباره بديلاً آمناً إذا ما استمرت مناخات التصعيد العسكرية، وذلك على قاعدة التعاون الأخوي المنتج، كما يقدر رئيس غرفة تجارة الأردن خليل الحاج توفيق، وهو يتحدث لـ «القدس العربي» عن أهمية التشاور الدائم مع «الشقيق السوري» في ظل الظروف الحالية.
لكن تلك مهمة أطقم وزارية ثنائية لا تقف عن حدودها حركة الوزير الصفدي النشطة في الاتجاه السوري؛ فالأردن مهتم جداً وللغاية في عزل النظام السوري الجديد عن سياقات الأحداث وبقاءه ضمن «الرؤية العربية» التي تتبلور حالياً في ظل السيناريوهات التي تثيرها الحرب مع إيران… المرجح تلك هي الرؤية التي يلمح لها الوزير الصفدي.
عملياً، ما تريده عمان في هذه المرحلة الحرجة إقليمياً هو مساعدة الدولة السورية والرئيس الشرع في إدارة توازنات لا تدفع بدمشق للتورط في أي سيناريو صراع مباشر حتى «ضد إيران»؛ لأن الوضع «هش في الإقليم وفي العمق السوري»، واليمين الإسرائيلي يترصد بالجميع، كما فهمت «القدس العربي» من مسؤول أردني رفيع المستوى في المنظومة العميقة.
زيارة الصفدي السريعة لدمشق قد تكون في سياق «النصح بتجنب التوجيه» الإسرائيلي والأمريكي بعنوان «التصعيد بين لبنان وسوريا» في مرحلة تتميز بما يسميه السياسي المخضرم طاهر المصري «سيولة استراتيجية مفتوحة الاحتمالات».
لإنجاز ذلك، تنصح عمان ضمناً، الرئيس الشرع بالبقاء في «المركز العربي» الذي يتفاعل الآن رداً على «اعتداءات إيران» بدلاً من الانفراد بموقف اشتباكي تحريضي يؤسس لنزاع مع قوة فاعلة ونشطة الآن في لبنان.
في أفق تلك «النصيحة الخاصة» تصور استراتيجي أردني يحذر من الخضوع سورياً لأي أجندة يخطط لها في لبنان كل من يمين إسرائيل والمبعوث توماس براك، بهدف خلط الأوراق على أساس أن التجربة برمتها «وليدة وجديدة» في دمشق، والاندفاع ضد إيران سورياً قد يؤذيها ويصنع إشكالية في لبنان يخطط لها -برأي الأردن- يمين تل أبيب.
تلك نصيحة ثمينة جداً، يفترض أنها تعرض مع توفير «بدائل» أمام الرئيس الشرع، عنوانها اجتماعات القاهرة لوزراء الخارجية العرب، والحرص الشديد على تماسك المجموعة العربية في السعي إلى «خفض التصعيد» وحرمان اليمين الإسرائيلي من حرب طويلة ومعقدة يستغلها في فلسطين وجنوبي لبنان وسوريا.
لاحظ الجميع أن الصفدي تحدث عن زيارة وتحية ملكية للشرع مباشرة بعد صدور «بيان سوري رسمي» يدعو إلى «نزع سلاح حزب الله»، الأمر الذي قرع في كل حال أجراس الإنذار الأردنية خشية تورط دمشق.
عمان «ضد اعتداءات إيران» على المملكة والدول العربية، وتقول ذلك بكل اللهجات ومن اللحظة الأولى، لكنها حريصة بحساسية مرتفعة للغاية على أن لا يستغل بنيامين نتنياهو وطاقمه حالة الحرب لـ «فرض وقائع» جديدة في المنطقة، ليس في الضفة الغربية فقط، ولكن جنوبي لبنان وسوريا أيضاً.
السياسات الإسرائيلية المختلطة بالأطماع في الجنوبين اللبناني والسوري تؤسس لـ «حصار جيوسياسي» على الأردن، برأي الفريق الركن المتقاعد قاصد محمود، الذي طالب بالانتباه مبكراً عبر «القدس العربي».
ونتنياهو -برأي الخبير الدكتور دريد محاسنة- توجهاته واضحة ومفهومة في «السيطرة على موارد ومصادر المياه» في لبنان وسوريا.
عملياً، ما دام الخبراء الأردنيون يحذرون من «الاستغلال الإسرائيلي» لمسار الأحداث، يمكن القول إن «الرسالة التي همس بها» في أذن الرئيس الشرع قد تكون على الأرجح مرتبطة بالنصيحة الأردنية المركزية التي اهتمت أيضاً بـ «تصليب وتعزيز» الأمن السوري في مناطق جنوبي سوريا وفي محيط درعا والسويداء، حتى لا يحاول الإسرائيلي التموقع في المنطقة بذرائع أمنية.
لذلك، وفي إطار قواعد الاشتباك الأردنية المرسومة بدقة، فإن البقاء قرب سوريا ودمشق والشرع وسط فوضى الصواريخ والأجندات، يصبح استراتيجية تحظى برعاية رفيعة في عمان؛ لأنها أولاً، تساعد في «تأمين» تعاون لوجستي مثمر خلال الحرب برياً وبحرياً وتجارياً. وثانياً، لأنها تخطط أو تحاول التخطيط لرسم صورة منهجية تمنع انزلاق سوريا الجديدة في منحنيات إسرائيلية تمتد فيها الحرب على إيران لتتحول إلى حرب عربية ـ عربية بين سوريا وقوى أساسية في لبنان.


فريد زكريا: إيران فخ إمبراطوري وقعت فيه أمريكا
تناول الكاتب فريد زكريا فكرة أن الحرب الأمريكية على إيران قد تكون مثالا جديدا لما يسميه “الفخ الإمبراطوري”، حيث تنجذب القوى العظمى إلى صراعات إقليمية مكلفة تستهلك طاقتها وتشتت تركيزها عن التحديات الإستراتيجية الأهم.

وينبه الكاتب -في زاويته بصحيفة واشنطن بوست- إلى أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالعودة عسكريا إلى الشرق الأوسط، يعكس نمطا تاريخيا سبق أن وقعت فيه قوى عظمى أخرى، وعلى رأسها بريطانيا في ذروة قوتها العالمية.

ويذكّر زكريا بأن صناع القرار في الولايات المتحدة كان لديهم إدراك متزايد -منذ نحو 15 عاما- بأن بلادهم أصبحت متورطة بشكل مفرط في محاولة إعادة تشكيل الأنظمة والمجتمعات في الشرق الأوسط، خاصة بعد تجارب العراق وأفغانستان وليبيا.

وقد ساد اعتقاد بأن الأولويات الحقيقية لأمريكا ينبغي أن تكون في الداخل، عبر إعادة بناء قاعدتها الصناعية، وفي الخارج عبر التركيز على التحدي الإستراتيجي الأكبر المتمثل في صعود الصين، كما يقول الكاتب.

واستغرب الكاتب أن تعود الولايات المتحدة مرة أخرى إلى خوض حرب في المنطقة، في خطوة يظهر أنها قد تكرر نتائج التدخلات السابقة التي لم تحقق الأهداف المرجوة منها.

ولتفسير هذه الظاهرة، استحضر المقال تجربة الإمبراطورية البريطانية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حين كانت القوة العظمى الوحيدة في العالم وتمتلك نفوذا اقتصاديا وسياسيا هائلا.
خطأ مشابه

ففي تلك الفترة كانت بريطانيا تسيطر على نحو ربع الاقتصاد العالمي، وكانت لندن المركز المالي الأول عالميا، وقد نجحت في مواجهة قوى أوروبية كبرى مثل فرنسا في عهد نابليون وروسيا القيصرية، وأدارت إمبراطورية واسعة امتدت عبر قارات عدة.
إعلان

غير أن بريطانيا وجدت نفسها خلال تلك الحقبة تنخرط باستمرار في صراعات وأزمات محلية في مناطق بعيدة من آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، حيث تدخلت عسكريا في أماكن مثل السودان والصومال والعراق والأردن.

ورغم أن تلك التدخلات بدت ضرورية في حينها، فقد استنزفت الموارد البريطانية وأبقت القيادة السياسية والعسكرية منشغلة بأزمات هامشية، في وقت كانت القوى المنافسة تبني قوتها الأساسية.

ويرى الكاتب أن الولايات المتحدة اليوم قد تكون معرضة لخطأ مشابه، لأن التدخل في الشرق الأوسط قد يبدو مبرَّرا من الناحية السياسية والأخلاقية والأمنية، ولكنه يستهلك قدرا كبيرا من الموارد العسكرية والاقتصادية والاهتمام السياسي.

ويؤكد الكاتب أن التحدي الإستراتيجي الحقيقي أمام الولايات المتحدة يتمثل في مواجهة طموحات الصين وروسيا، لأن الصين تركز بشكل مكثف على تطوير التكنولوجيا المتقدمة التي يُتوقع أن تحدد ميزان القوة العالمي مستقبلا، أما روسيا فتواصل العمل على تقويض الأمن الأوروبي والنفوذ الغربي عبر أساليب الحرب الهجينة التي تجمع بين الأدوات العسكرية والسياسية والإعلامية.

وفي ظل هذه التحديات الكبرى، يرى الكاتب أن انخراط الولايات المتحدة مجددا في نزاعات الشرق الأوسط قد يؤدي إلى استنزافها على المدى الطويل، خاصة أن مثل هذه “الحروب الصغيرة” غالبا ما تبدو سهلة وسريعة في بدايتها لكنها تتحول مع الوقت إلى التزامات طويلة ومعقدة.

ويخلص المقال إلى درس تاريخي واضح مفاده أن القوى العظمى نادرا ما تسقط بسبب هزيمة عسكرية مباشرة، بل بسبب الإفراط في التوسع والانخراط في صراعات هامشية تستنزف مواردها وتمنعها من التركيز على مصادر قوتها الأساسية.
المصدر: واشنطن بوست


======================

تحديث 13 أذار 2026


سوريا ولبنان: اختبار للعلاقات وسط التصعيد في المنطقة
الشرع يطمئن قيادات لبنانية أن لا نية عدائية من نشر الجيش السوري على الحدود
لندن: «الشرق الأوسط»
13 مارس 2026 م
قبل الاتصال الهاتفي من الرئيس السوري أحمد الشرع، بالرئيس اللبناني جوزيف عون، في 10 مارس (آذار) الحالي، لبحث التطورات الإقليمية الراهنة وانعكاساتها على أمن واستقرار بلديهما والمنطقة، بدا كأن هناك مشكلة في التواصل بين الرئيسين منذ تسلم كل منهما مسؤوليته الرئاسية قبل عام ونيف.

قبل هذه المكالمة، اتصل الرئيس السوري برئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وبالرئيس السابق للحزب «الاشتراكي» وليد جنبلاط، في السادس من الشهر الحالي، وبرئيس حزب «الكتائب» سامي الجميل، في الثامن منه. وأعرب الشرع في اتصالاته هذه عن «تضامنه مع الشعب اللبناني في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان». وأوضح أن «تعزيز الوجود العسكري على الحدود السورية – اللبنانية في 3 مارس، لا يهدف إلا إلى تعزيز ضبط الحدود والحفاظ على الأمن الداخلي السوري؛ وهي إجراءات مماثلة لتلك المتخذة على الحدود السورية مع العراق».

وجاءت اتصالات الرئيس السوري على خلفية الحرب الدائرة في المنطقة والتطورات الإقليمية، وتطرقت إلى مستقبل العلاقات بين لبنان وسوريا. وأشار الشرع إلى «أهمية استمرار التنسيق بين البلدين».

وحسبما أعلن حزب «الكتائب» على موقعه الرسمي، ساد الاتصال بين الشرع وسامي الجميل أجواء إيجابية، مع بحث إمكانية فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين خلال المرحلة المقبلة. وأكد الشرع، خلال الاتصال، أن العلاقة بين سوريا ولبنان يجب أن تقوم على «الاحترام المتبادل بين الدولتين»، إلى جانب تعزيز التعاون والتكامل الاقتصادي بما يخدم مصالح الشعبين. غير أن اليومين التاليين للثامن من مارس فتحا الباب أمام تكهنات حول ما إذا كانت العلاقات بين البلدين تشهد ارتباكاً بفعل حمولات الماضي والحاضر معاً. وقطع الرئيس السوري هذه التكهنات باتصاله بنظيره اللبناني؛ مرة بشكل مباشر بينهما فقط، ومرة في اليوم التالي بمبادرة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي صرّح بأنه أجرى محادثات مع نظيريه اللبناني والسوري، وأن «التنسيق الذي بدأته القيادتان اللبنانية والسورية أمر مهم، وأن فرنسا ستواصل دعمه».

في الخلاصة، رفعت الاتصالات من منسوب التفاؤل حيال علاقات الجوار في هذا الوقت الحساس.

سألت «الشرق الأوسط» محللين سوريين عن رؤيتهم للعلاقات بين البلدين في المستقبل القريب، في ظل كل التطورات الإقليمية الحالية.
أسس ترتكز عليها العلاقة

يقول السفير بسام بربندي، وهو دبلوماسي سوري مقيم في واشنطن، إن المقاربة السورية للعلاقة مع لبنان ترتكز على أسس عدة: أولاً، عدم التدخل في السياسة الداخلية اللبنانية. ثانياً، أمن الحدود، خصوصاً منع «حزب الله» من أي نشاط داخل سوريا أو نقل السلاح عبرها، ومنع تصدير المخدرات عبر سوريا، وهذا يتطلب تعاوناً مباشراً مع لبنان. ثالثاً، ملف السوريين في السجون اللبنانية، وهو قيد الحل.

ويتابع أنه نتيجة الاتصالات بين البلدين، بما في ذلك الاتصال بين الرئيس الشرع والرئيس عون، تم التفاهم على عدة أسس؛ أبرزها: عدم التدخل من الطرفين في الشؤون الداخلية، ومعالجة ملف الديون، إضافة إلى ملف المطلوبين السوريين في لبنان وموضوع اللاجئين السوريين.

ويقول إن «للبنان خصوصية في طريقة التعامل السياسي؛ إذ إن رئيس الجمهورية هو جزء من منظومة حكم أوسع. لذلك، فإن إيصال التطمينات أو التصور السوري إلى المكونات اللبنانية يتطلب تواصلاً مع القيادات السياسية المختلفة. في هذا الإطار، جرى التواصل مع سامي الجميّل، نظراً لدوره في تسريع حل قضايا السوريين (المسجونين في لبنان)؛ إذ بادر الرئيس (الشرع) بالاتصال به لشكره على هذه المبادرة، إضافة إلى ما يمثله الجميّل من إرث سياسي ومسيحي في لبنان. كما جرى الاتصال بوليد جنبلاط، نظراً إلى البعد الدرزي في المعادلة اللبنانية. وقد تكون هناك اتصالات لاحقة مع شخصيات رمزية أخرى إذا اقتضت الحاجة. ومن الضروري الإشارة إلى أن الحكومة السورية تدعم كل ما تقوم به الحكومة اللبنانية فيما يتعلق بموضوع (حزب الله)، خصوصاً ما يتعلق بملف نزع سلاحه».

توسيع هامش الحوار

يقول جمعة محمد لهيب، مدير قسم البحوث والدراسات في «تيار المستقبل السوري»: «يمكن تلخيص المشهد الراهن بين دمشق وبيروت في معادلة مزدوجة: تنسيق أمني – سياسي متقدّم نسبياً، يقابله ارتباك واضح في مستوى الثقة السياسية، ينعكس مباشرة على الملفات الأشد حساسية، وفي مقدمتها ملف المعتقلين. وفي هذا السياق، يمكن فهم اتصال الرئيس السوري أحمد الشرع برئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام». ويتابع: «يندرج الاتصال بسلام، وتأكيد دعم سوريا للبنان في ظل التصعيد الإقليمي، في إطار إدارة ملفين أساسيين: ضبط الحدود، وطمأنة الحكومة اللبنانية بأن الانتشار العسكري السوري هدفه تعزيز السيطرة داخل الأراضي السورية لا توتير الساحة اللبنانية. هذا النمط من التواصل يؤكد وجود قنوات عملانية فعّالة بين الحكومتين، خصوصاً بعد تفاهمات السنوات الأخيرة حول التهريب، وحركة المعابر، والتنسيق الميداني على الحدود. لكن هذه القنوات، على أهميتها، لا تكفي لحسم ملفات ذات حمولة سياسية وتاريخية كثيفة مثل المعتقلين والمفقودين».

ويضيف: «هنا يظهر عنصر الخلاف: الرئاسة اللبنانية تمثّل مؤسسة دستورية تقع في قلب توازنات داخلية معقّدة، يتداخل فيها نفوذ (حزب الله)، والاعتبارات السيادية، وحسابات الأطراف المسيحية والسنّية والدرزية. وإحجام الشرع (بداية) عن مبادرة اتصال مباشر بعون، مقابل فتح خطوط مع شخصيات مثل وليد جنبلاط وسامي الجميل، يعكس توجهاً سورياً لتوسيع الهامش اللبناني الذي تتحاور معه دمشق، بحيث لا تبقى أسيرة مقاربة أحادية عبر حلفاء محور إيران، إضافة إلى توسيع علاقاتها نحو القوى اللبنانية، دون الاكتفاء بالعلاقة الأحادية بين الدول. لا يلغي هذا التوسّع في دوائر التواصل – برأيي – الارتباك؛ بل سيكشفه، فدمشق تريد تحسين شرعيتها الإقليمية عبر الانفتاح على قوى معارضة لهيمنة (حزب الله)، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع القفز فوق حقيقة أن القرار النهائي في ملفات كبرى – كالمعتقلين واللاجئين وسلاح الحدود – يمرّ من بوابة التوازنات التي يمسك الحزب بجزء معتبر منها».

ويختم قائلاً: «يبقى الملف الأمني – الإنساني للمعتقلين ورقة تفاوضية وليس أولوية إنسانية خالصة، ما يفسر التلكؤ، واللجوء إلى حلول جزئية وانتقائية بدلاً من تسوية شاملة. باختصار، غياب الاتصال السابق (بين الشرع والرئيس اللبناني) هو تجسيد لـ3 عناصر خلاف: حدود استقلال الرئاسة عن محور (حزب الله)، وحدود استعداد دمشق للذهاب بعيداً في تطبيع كامل مع المؤسسات اللبنانية، وحدود استعداد الطرفين لتحويل ملف المعتقلين من ورقة نفوذ إلى استحقاق قانوني وأخلاقي ملزم. وما لم تُحسم هذه العناصر، سيبقى التنسيق قائماً لكنه منقوص».
اختبار العلاقة مع دمشق

ويعرب الباحث السوري أحمد أبازيد عن اقتناعه بأن «الحكومة السورية لا تريد التورط في الحرب الحالية، ولا التدخل العسكري المباشر ضد (حزب الله) اللبناني، ولكنها وضعت منذ البداية دعم الدولة اللبنانية أساساً لعلاقتها مع لبنان، إضافة إلى العداوة الحقيقية مع (حزب الله)، لذلك من الطبيعي دعم مبادرة عون لنزع سلاح الحزب».

ويتابع: «في الوقت نفسه، فإن (حزب الله) سيكون الطرف الأضعف في أي حرب ضد الجيش السوري الجديد، خصوصاً أن تاريخ العلاقة بين الحزب والثوار السوريين، سيدفع كثيرين للتوجه نحو قتال الحزب لو نشأت معركة مشابهة».

ويلفت إلى أن الحزب «ركَّز على أن الأراضي السورية (كانت) مصدر الإنزال والهجوم الإسرائيلي الثاني في النبي شيت (البقاع اللبناني)، قبل أن يعلن الجيش السوري أن الحزب ضرب قذائف مدفعية على سهل سرغايا (غرب سوريا). ويمكن قراءة هذا التصعيد في احتمالين: الأول هو التوجه الإيراني لتعميم الفوضى وحالة انعدام الأمان في المنطقة منذ بدء الحرب لزيادة الضغط على الجميع، خصوصاً على الدول العربية. والثاني أن الحزب يشعر بتهديد من الطرف السوري، خصوصاً مع انكفاء الأطراف اللبنانية عن المبادرة العسكرية ضد الحزب، والتلميحات السابقة للمبعوث الأميركي توم برّاك عن تدخل سوري في لبنان (إذا لم يتحرك لبنان فقد يعود ليصبح جزءاً من «بلاد الشام»)». وينهي أبازيد كلامه بالقول: «ربما يذهب (حزب الله) اللبناني باتجاه استفزاز محدود، للحصول على تواصل مع الجانب السوري، أو لفهم شكل العلاقة والنوايا السورية».
الشرق الأوسط


الحرب على إيران من المنظور الإسرائيلي: الأهداف والأفق السياسي/ مهند مصطفى
تحلِّل الورقة المقاربة الإسرائيلية للحرب على إيران في إطار عملية “زئير الأسد”، مبينةً أهدافها الإستراتيجية، من ضرب القدرات العسكرية الإيرانية إلى إضعاف النظام، وتبحث أفق الحرب وحدودها المرتبطة بالدور الأميركي.

13 مارس 2026
مقدمة

شنَّت إسرائيل، بالشراكة مع الولايات المتحدة، عملية عسكرية ضد إيران أطلقت عليها اسم “زئير الأسد”. جاءت العملية بعد نحو نصف عام على حرب الاثني عشر يومًا (13–24 يونيو/حزيران 2025) ضد إيران، والتي عدَّها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، انتصارًا كبيرًا؛ إذ أعلن أن إسرائيل نجحت خلالها في تدمير البرنامج النووي الإيراني والقدرات الصاروخية الإيرانية.

بعد فترة قصيرة من “الاحتفال” الإسرائيلي بالانتصار في الحرب، بدأت التقديرات الإسرائيلية تُشكِّك في أن الضربات الإسرائيلية/الأميركية أدَّت فعلًا إلى تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل أو القضاء على القدرات الصاروخية الإيرانية، وذلك دون التقليل من الإنجازات الأخرى التي حققتها الحرب(1).

وفي السياق نفسه، أشار معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، في إحدى أوراقه البحثية، إلى أن المعركة ضد إيران لم تكتمل؛ إذ إن الهجوم الإسرائيلي/الأميركي على البرنامج النووي أزال التهديد النووي مؤقتًا، لكنه لم يؤدِّ إلى محو التهديد الإيراني. وتؤكد الورقة -الصادرة عن المعهد- أن إزالة التهديد الإيراني إستراتيجيًّا قد تتطلب إسقاط النظام الإيراني أو سقوطه(2).

وتشير إلى أنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق نووي يُشدِّد الرقابة الدولية على البرنامج النووي الإيراني، ويمنع إيران من الوصول إلى “دولة عتبة نووية”، فإن على إسرائيل التحرك لوحدها لمنع إيران من تطوير برنامجها النووي من النقطة التي وصلت لها نتائج الحرب، سواء من خلال عمليات سرية استخباراتية أو من خلال التدخل العسكري.

هذا وتشير أغلب التحليلات الإسرائيلية التي تناولت تقييم الأضرار التي لحقت بالمشروع النووي الإيراني إلى أن الضربات الأميركية/الإسرائيلية ألحقت أضرارًا عميقة بالبرنامج النووي الإيراني على مستوى المعرفة التقنية والقدرات البشرية والمنشآت النووية، لكنها لم تدمر المشروع نهائيًّا.

وتبقى إرادة النظام الإيراني في إعادة البناء، إلى جانب قدرة إسرائيل على الرصد والمتابعة الاستخباراتية بعد الحرب، العامليْن الأكثر تأثيرًا في مستقبل هذا البرنامج. وبناءً على هذا التقييم، عزَّزت إسرائيل مقاربةً تؤكد أن إنهاء التهديد الإيراني لا يتحقق عبر اتفاق مع “النظام الإيراني”، حتى لو كان يستجيب لمخاوف إسرائيل، بل من خلال تغيير النظام نفسه أو إسقاطه.
عملية “زئير الأسد”

بدأ الاستعداد الإسرائيلي لمعركة جديدة مع إيران في نهاية عام 2025، عندما بدأ الخطاب الإسرائيلي يتغير من مقولة: “لقد دمرنا البرنامج النووي والصاروخي الإيراني” بعد حرب الاثني عشر يومًا، في يونيو/حزيران 2025، إلى خطاب جديد مفاده أن إيران تعيد بناء قدراتها الصاروخية. وقد جرى تأطير القدرات الصاروخية الإيرانية بوصفها تهديدًا وجوديًّا لإسرائيل. واللافت للانتباه، أن التحضير للعملية الحالية في الخطاب الإسرائيلي ركز أساسًا على البرنامج الصاروخي أكثر من البرنامج النووي، على خلاف الحرب السابقة التي كان تركيزها الأساسي على البرنامج النووي، وانتهت بعد الضربة الأميركية على المنشآت النووية الإيرانية.

انطلقت الفكرة الإسرائيلية من توجيه ضربة لإيران، بمفردها وبموافقة أميركية. وعلى ما يبدو، فإن المخطط الإسرائيلي كان يقضي بتوجيه ضربة عسكرية في يونيو/حزيران 2026، كما صرَّح بذلك وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس(3). ولم يكن هذا التوقيت بريئًا من الناحية السياسية الداخلية؛ إذ إنه قريب من الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في أكتوبر/تشرين الأول. وكان طموح نتنياهو أن يساعد تنفيذ هذه العملية في هذا التوقيت على تعزيز فرصه في الانتخابات المقبلة.
يعود تبكير العملية العسكرية إلى مجموعة من الأسباب.

أولًا: بدء الاحتجاجات والمظاهرات في إيران، والتي اعتبر نتنياهو أنها نتاج إضعاف النظام خلال حرب الاثني عشر يومًا، والحاجة إلى استغلال هذه الاحتجاجات لإضعاف النظام من الداخل، من خلال عمل عسكري قد يوسعها من جهة، أو يعيدها بزخم أكبر بعد عملية عسكرية تُضعف نقاط قوة النظام الداخلية، ولاسيما الأمنية منها. ثانيًا: تصريحات الرئيس الأميركي بأن الولايات المتحدة ستساعد المتظاهرين وأن المساعدة قادمة في الطريق. وأشارت صحيفة نيويورك تايمز إلى أن نتنياهو طلب من ترامب، في مكالمة بينهما، في 14 يناير/كانون الثاني، تأجيل الضربة الأميركية لإيران، دون أن توضح الصحيفة أسباب هذا الطلب، وهو اليوم نفسه الذي صرَّح فيه ترامب بأن معلومات وصلته تفيد بأن القتل قد توقف في إيران ولن يكون هناك إعدامات للمحتجين(4).

وظهر تفسير يرى أن الطلب الإسرائيلي كان نابعًا من عدم جاهزية منظومة الدفاع الإسرائيلية بعد حرب يونيو/حزيران، مع وجود تقديرات بأن إيران قد ترد بضرب إسرائيل إذا تعرضت لهجوم أميركي(5). وهنالك من يُرجِع ذلك إلى الشك داخل إسرائيل في أن الضربة الأميركية قد لا تكون كافية لإسقاط النظام الإيراني أو إضعافه بشكل حاسم، بسبب غياب التحضيرات العميقة لها(6).

والحقيقة أن الطلب الإسرائيلي بتأجيل الضربة جاء في إطار التحضير لعمل عسكري واسع النطاق، وليس لتنفيذ ضربة “تأديبية” محدودة ضد النظام الإيراني، وكذلك بهدف بلورة تحرك عسكري مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ويفسر ذلك مستوى التنسيق العسكري والأمني المرتفع بين البلدين قبل الحرب، والذي جرى في سياق المباحثات الإيرانية-الأميركية، وتُوِّج بلقاء بين نتنياهو وترامب في فبراير/شباط.

في يناير/كانون الثاني، أجرى قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في واشنطن مباحثات مع نظرائهم الأميركيين، شارك فيها كل من رئيس الموساد، ديفيد (ددي) برنيع، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، شلومي بيندر. وتُوِّجت هذه اللقاءات بزيارة رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، إلى واشنطن، حيث التقى رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، في إطار التنسيق العسكري والأمني المستمر بين البلدين.

وكان براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية، قد زار إسرائيل قبل ذلك في سياق التنسيق بشأن الهجوم على إيران. ووصف مصدر إسرائيلي مستوى التنسيق بين الدولتين بأنه غير مسبوق تاريخيًّا، مشيرًا إلى كثافة الزيارات المتبادلة بين الضباط الإسرائيليين والأميركيين(7).

تُعد هذه الحرب الأولى التي تشارك فيها الولايات المتحدة وإسرائيل معًا بصورة مباشرة. ففي السابق خاضت إسرائيل جميع حروبها من دون مشاركة الولايات المتحدة، كما خاضت الولايات المتحدة حروبها في المنطقة من دون مشاركة إسرائيل.

وقد ظهر ذلك بوضوح في حرب الخليج، عام 1991، عندما رفضت الولايات المتحدة التدخل العسكري الإسرائيلي لتدمير منصات إطلاق الصواريخ العراقية التي كانت تستهدف إسرائيل، وذلك للحفاظ على التحالف العربي في تلك الحرب.

وحتى في حرب الاثني عشر يومًا كانت المشاركة الأميركية محدودة بضربة واحدة، وكان هدفها الأساسي إنهاء الحرب عبر تحقيق هدفها المعلن، وهو تدمير البرنامج النووي الإيراني، لكنها لم تكن مشاركة فاعلة في الحرب على مدار الاثني عشر يومًا.

أسهمت الشراكة الأميركية/ الإسرائيلية في الحرب في زيادة التأييد داخل إسرائيل لها. ففي استطلاع أجراه معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، تبين أن 81% من الإسرائيليين يؤيدون العملية العسكرية المشتركة ضد إيران، وأن 63% منهم يؤيدون استمرار العملية حتى إسقاط النظام الإيراني، بينما أبدى 62% استعدادهم لتحمل الحرب لمدة شهر وأكثر لتحقيق أهدافها(8). وفي استطلاع آخر أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، تبين أن 93% من اليهود الإسرائيليين يؤيدون العملية العسكرية ضد إيران(9). في المقابل، أظهرت استطلاعات سابقة أن عملية عسكرية منفردة ضد إيران كانت تحظى بتأييد 52% من الإسرائيليين فقط.
المقاربة الإسرائيلية لأهداف الحرب

تهدف الحرب من وجهة نظر إسرائيل إلى تحقيق هدف إستراتيجي وهو تفكك النظام الإيراني الحالي، ليس بالضرورة أن تكون نهاية الحرب بتحقيق هذا الهدف، ولكنها تعتبر حلقة مهمة في هذا المسار. مع انطلاق العملية، خرج بنيامين نتنياهو متوجهًا إلى الشعب الإيراني داعيًا إياه إلى الخروج لإسقاط النظام، وهو طلب كرره عدة مرات خلال أيام الحرب. ويشير ذلك إلى أن الرهان الإسرائيلي كان يقوم على عودة الاحتجاجات في إيران بعد العملية الأولى التي استهدفت اغتيال المرشد، وأن تتصاعد هذه الاحتجاجات إلى حدِّ إسقاط النظام.

في هذا الصدد، ولتحقيق هذا الهدف، يمكن إجمال الأهداف الإسرائيلية من الحرب على النحو التالي:

أولًا: تدمير القوة العسكرية الإستراتيجية الإيرانية، وتحديدًا البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي؛ فهذه القوة تمثل مفتاح النفوذ الإيراني في المنطقة، ومصدر التهديد الإستراتيجي لإسرائيل. لذلك فإن تدمير هذه القدرات، بما في ذلك مراكز التصنيع والإنتاج المرتبطة بها، من شأنه أن يضعف إيران بوصفها قوة إقليمية مؤثرة. تشير تقديرات الجيش الإسرائيلي إلى أنه مع بداية الحرب كانت إيران تمتلك نحو 2500 صاروخ باليستي، أي أقل بنحو 500 صاروخ مقارنة بما كانت تمتلكه في بداية الحرب، في يونيو/حزيران 2025. وبحسب هذه التقديرات، فإن حرب يونيو/حزيران منعت إيران من إنتاج نحو 1500 صاروخ جديد، لكنها استطاعت في المقابل إنتاج صواريخ جديدة بمعدل عشرات الصواريخ شهريًّا(10). ويشير العميد احتياط، ران كوخاف، القائد السابق لمنظومة الدفاع الجوي في الجيش الإسرائيلي، إلى أنه في حرب يونيو/حزيران احتاج الإيرانيون إلى ساعات بعد الهجوم لبدء إطلاق الصواريخ، بينما استغرق ذلك هذه المرة دقائق فقط، وهو ما يدل بحسب تقديره، على أنهم توقعوا الهجوم واستعدوا له جيدًا(11).

ثانيًا: تدمير مقومات النظام الداخلية على المستويات الأمنية والحكومية وحتى الاقتصادية. وقد ظهر ذلك في استهداف وتدمير مراكز الشرطة، والحرس الثوري، وقوات الباسيج، ومخازن النفط في طهران، إلى جانب تنفيذ هجمات سيبرانية على المؤسسات الحكومية والمالية للنظام. وتهدف إسرائيل من ذلك إلى إضعاف النظام داخليًّا وتقليص قدرته على مواجهة حالات “التمرد” أو الاحتجاج الداخلي، وكسر هيبته في الداخل، بحيث يبقى في حالة هشاشة وتصدع داخليين، فضلًا عن تعميق الأزمة الاقتصادية تمهيدًا لإضعافه وربما إسقاطه من الداخل.

وقد خرج بنيامين نتنياهو في اليوم الحادي عشر للحرب بتغريدة دعا فيها الشعب الإيراني إلى استغلال الهجمات والخروج ضد النظام.

ثالثًا: خلق حالة من الفوضى الداخلية أو الاقتتال الداخلي من شأنها أن ترهق النظام وتستنزفه بعد الحرب. وقد طالب بعضهم بإسقاط النظام خلال العملية العسكرية، بعد حالة النشوة التي سادت الداخل الإسرائيلي في أعقاب اغتيال المرشد، علي خامنئي، وعشرات القيادات العسكرية والأمنية، وذلك من خلال تسليح ودعم الأكراد وجماعات أخرى معارضة للنظام. غير أن قدرة النظام الإيراني على الصمود واستمرار القصف على إسرائيل ودول الخليج أدَّيَا إلى تراجع هذه الدعوات، والاكتفاء بالخطاب الأصلي للحرب، وهو إضعاف النظام وتهيئة الظروف الداخلية لإسقاطه(12). وتعول إسرائيل على أن إضعاف النظام قد يشجع الإيرانيين على الثورة ضده وإسقاطه، غير أن كثيرين يشككون في إمكانية حدوث ذلك في أعقاب الحرب أو نتيجةً مباشرة لها. وقد كان التعويل في البداية على خروج الإيرانيين إلى الشوارع ضد النظام بعد الضربة الأولى التي استهدفت القيادة الإيرانية إلا أن ذلك لم يحدث.

رابعًا: الاعتبارات الشخصية والانتخابية لنتنياهو. فإلى جانب الحسابات الأمنية، يمثل الهجوم على إيران رهانًا سياسيًّا وانتخابيًّا مهمًّا بالنسبة له في عام الانتخابات، خصوصًا إذا أسفرت الحرب عن إضعاف كبير لقدرات النظام الإيراني. وينظر نتنياهو إلى حرب ثانية على إيران بوصفها حلقة حاسمة في مسعاه لتعزيز موقعه في الانتخابات المقررة في أكتوبر/تشرين الثاني.

وقد بدأ منذ نهاية عام 2025 التمهيد لإمكانية شنِّ هجوم إسرائيلي جديد على إيران. فبعد حديثه المتكرر عن الانتصار الكبير في حرب الاثني عشر يومًا، بدأ الخطاب الإعلامي والسياسي داخل إسرائيل يركز على ضرورة توجيه ضربة ثانية لإيران بسبب برنامجها الصاروخي بعيد المدى. كما يسعى نتنياهو، من خلال الحرب وتحقيق الانتصار فيها، إلى تجاوز إخفاق السابع من أكتوبر/تشرين الثاني. وهو يرى أن الحرب على إيران، وإضعاف النظام الإيراني وربما إسقاطه لاحقًا، قد تشكِّل لحظة تاريخية في مسيرته السياسية، يمكن أن تطغى على الفشل الكبير المرتبط بأحداث السابع من أكتوبر.
لحظة النهاية من وجهة نظر إسرائيل

ترى إسرائيل أن لحظة النهاية في هذه الحرب هي تحقيق أغلب الأهداف التي وضعتها، وذلك على الرغم من التكلفة العالية للحرب التي تصل كل أسبوع إلى حوالي 20 مليار شيكل (حوالي 6.5 مليارات دولار)، تشمل الإنفاق العسكري، وتكاليف تعطيل الاقتصاد والتعويض عن الأضرار(13). خصصت وزارة المالية الإسرائيلية للحرب مبلغ 9 مليارات دولار، وذلك على الرغم من أن موازنة وزارة الدفاع للعام 2026 ارتفعت لتصل إلى 112 مليار شيكل، ومن شأن هذا المبلغ أن يرتفع مع تطور الحرب وأضرارها(14). وتعد هذه التكلفة عالية للحرب، لاسيما إذا استمرت شهرًا، وهذا يعني أن تكلفتها ستصل إلى 100 مليار شيكل (حوالي 33 مليار دولار) أي ما يقارب 15% من إجمالي الموازنة العامة الإسرائيلية لعام 2026 البالغة 642 مليار شيكل.

تشير بيانات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى أنها تحتاج إلى أكثر من أربعة أسابيع لتحقيق جميع الأهداف التي وضعتها، واستهداف بنك الأهداف الخاص بالطيران الإسرائيلي. وقد طالب رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، الإسرائيليين بالتحمل طويلًا، في إشارة إلى أن الحرب ستكون طويلة، وربما أطول من حرب يونيو/حزيران 2025(15). ويضاف إلى ذلك أن فتح الجبهة مع لبنان وتصعيد الهجمات الصاروخية من قبل حزب الله يزيدان من الضغط على الجمهور الإسرائيلي ويضاعفان الأعباء الاقتصادية للحرب. وبناء على ذلك، يمكن الإشارة إلى سيناريوهين محتملين لمدة الحرب.

الأول: هو التوافق الإسرائيلي/الأميركي على موعد إنهاء الحرب، بحيث يصل الطرفان إلى موعد محدد متفق عليه لوقف العمليات العسكرية في إيران والإعلان أن العمليات العسكرية حققت أهدافها التي وضعها الطرفان لها. يعزز هذا السيناريو تصريحات الإدارة الأميركية أن الحرب قد تستغرق أكثر من أربع أسابيعة وهي المدة التي تشير لها إسرائيل، فضلًا عن تصريح ترامب بأن إنهاء العمليات العسكرية سيكون قرارًا مشتركًا مع نتنياهو(16).

أما السيناريو الثاني فهو إمكانية اتخاذ ترامب قرارًا بإنهاء العمليات العسكرية قبل المدة الزمنية التي تحدث هو عنها، والتي تريدها إسرائيل. ويعزز من هذا السيناريو الضغط الداخلي الأميركي على ترامب بوقف الحرب، وارتفاع الأسعار في سوق الطاقة، واستمرار صمود النظام الإيراني وغياب أفق لاستسلامه أو تراجعه، فضلًا عن استنفاد بنك الأهداف العسكرية الأميركية في إيران، إلى جانب تصريحات ترامب بأن النتائج التي تحققت جاءت في مدة زمنية أقصر من الجدول الزمني المحدد لها.

وفي هذه الحالة، سيكون أمام إسرائيل خياران، إما الالتزام بقرار ترامب ووقف العمليات العسكرية أو مواصلة العمليات بمفردها. ويتحدد القرار الإسرائيلي في هذا الشأن بعدة عوامل، منها:

أولًا: مدى تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية. فعدم تدمير هذه القدرات سيجعل وقف الحرب مشكلة بالنسبة لإسرائيل، لأنها ستعتبر أن أحد الأهداف المركزية للحرب لم يتحقق؛ مما قد يدفعها إلى الاستمرار في العمليات العسكرية بمفردها، لاسيما إذا جاء إعلان ترامب وقف الحرب في ظل استمرار الهجمات الصاروخية على إسرائيل.

ثانيًا: مستوى الضغط الذي قد يمارسه ترامب على نتنياهو. فإذا فرض ترامب وقف الحرب على إسرائيل أيضًا، فإن نتنياهو سوف ينصاع لذلك. وفي المقابل، قد يمنح إسرائيل حرية العمل العسكري في إيران لفترة محدودة دون مشاركة أميركية، خاصة أن حصر المواجهة بين إسرائيل وإيران قد يؤدي إلى توقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والقواعد الأميركية، ويسهم في استقرار سوق الطاقة العالمي، مع استمرار الهجوم الإسرائيلي.

وبناءً على ذلك، وتحسبًا لاحتمال اتخاذ ترامب قرارًا بإنهاء الحرب في إيران، كثفت إسرائيل هجماتها في الأيام الأخيرة، وأجَّلت العملية العسكرية البرية في لبنان، من أجل تخصيص معظم مواردها العسكرية للحرب على إيران، بهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من التدمير في بنك الأهداف الذي حددته(17). ومن المرجح أن يؤدي قرار ترامب بوقف الحرب إلى إلزام إسرائيل به أيضًا، وهو ما قد يفسِّر موعد زيارة المبعوث الأميركي، ستيف ويتكوف، إلى إسرائيل في الأسبوع الثالث للحرب. ولا تفضِّل إسرائيل أن تنتهي الحرب من خلال اتفاق مع إيران، بل بإعلان أميركي/إسرائيلي بتحقيق أهداف الحرب ووقف العمليات العسكرية، بما يسمح باستمرار الضغط الاقتصادي والدولي على إيران، واستغلال حالة الدمار الداخلي للتفكير بخيارات أخرى تُسهم في إسقاط النظام.
خاتمة

تحظى الحرب الحالية بإجماع يهودي إسرائيلي كبير، وتأييد من مختلف أطراف الطيف السياسي الصهيوني، سواء في المعارضة أو الائتلاف. وهناك أهمية للحفاظ على هذا التأييد الداخلي للاستمرار بالحرب لمدة طويلة كما تريد إسرائيل (4-5 أسابيع)، لكنها تعلم أن ذلك مرهون بقرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي قد يفرض عليها وقف العمليات العسكرية.

يرتبط التأييد الكبير للحرب في الداخل الإسرائيلي باستمرار الفجوة بين الإنجازات العسكرية والتكلفة الداخلية. ومع تقدم سير العملية العسكرية، بدأت هذه الفجوة تتقلص بسبب استمرار إطلاق الصواريخ من إيران، وانضمام حزب الله إلى الحرب واستهدافه الشمال الإسرائيلي. ويبدو أن القدرة التدميرية للهجمات الإيرانية تتصاعد مع الوقت، مقابل الحديث عن عمليات عسكرية في الداخل الإيراني لا توقف عملية إطلاق الصواريخ، وهذا الأمر قد يؤدي إلى تراجع التأييد للعملية العسكرية. وبناءً على ذلك، من المرجح أن تكثف إسرائيل هجماتها على إيران في المرحلة المقبلة، بهدف إلحاق مزيد من الدمار، ولاسيما في طهران، لزيادة العبء على النظام الإيراني بعد الحرب.
نبذة عن الكاتب

مهند مصطفى

رئيس قسم التاريخ في المعهد الأكاديمي العربي بيت بيرل، ومحاضر مشترك في الكلية الأكاديمية بيت بيرل. مدير عام مدى الكرمل-المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية، حيفا
مراجع

رفيف دروكر، كيف لحرب لم تحقق أي شيء من أهدافها أن تُصنف على أنها حرب ناجحة؟، هآرتس، 30 يونيو/حزيران 2025 (تاريخ الدخول: 12 مارس/آذار 2026)،  https://shorturl.at/Kqfmp
راز تسيمت، حرب إسرائيل-إيران: انتهت ولم تكتمل، معهد دراسات الأمن القومي، 24 يونيو/حزيران 2025 (تاريخ الدخول: 12 مارس/آذار 2026)،  https://www.inss.org.il/he/publication/israel-iran-war/
كوبي فينكلر، وزير الدفاع يكشف: لماذا تم فجأة تبكير العملية في إيران، موقع "إمس"، 4 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 12 مارس/آذار 2026)، https://www.emess.co.il/radio/1835508
David Halpfinger, Why Israel is Wary of Intervening in Iran,  The New York Times, 15  January 2026, https://www.nytimes.com/2026/01/15/world/middleeast/israel-iran-protest…
يهوناتان ليس، إسرائيل طلبت من الولايات المتحدة تأجيل الهجوم على إيران بسبب التخوف من وضع منظومات الدفاع، هآرتس، 16 يناير/كانون الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 12 مارس/آذار 2026)، https://www.haaretz.co.il/news/politics/2026-01-16/ty-article/.premium/…
عاموس هرئيل، بين الشكوك الأميركية والقلق الإسرائيلي وراء القرار الأميركي بتجميد الهجوم في إيران، هآرتس، 16 يناير/كانون الثاني 2026 (تاريخ الدخول: 12 مارس/آذار 2026)، https://www.haaretz.co.il/news/politics/2026-01-16/ty-article/.highligh…
إيتمار إيخنر وليئور بن أري، انفجار المحادثات بين إيران والولايات المتحدة. ترامب: على خامنئي أن يكون قلقًا، موقع ynet، 4 فبراير/شباط 2026 (تاريخ الدخول: 12 مارس/آذار 2026)، https://www.ynet.co.il/news/article/b1tjgb11vbg
موران ديتش وآخرون، نتائج استطلاع "زئير الأسد"، معهد دراسات الأمن القومي، 3 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 12 مارس/آذار 2026)، https://www.inss.org.il/he/publication/survey-lions-roar/
المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، استطلاع "زئير الأسد": 82% من الجمهور يؤيدون العملية ضد إيران، المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، 5 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 12 مارس/آذار 2026)،  https://www.idi.org.il/articles/63630
عوديد يارون، عدد الصواريخ الإيرانية يبين الفجوة بين تصريحات يونيو والواقع الحالي، هآرتس، 2 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 12 مارس/آذار 2026)، https://www.haaretz.co.il/news/politics/2026-03-02/ty-article/0000019c-…
المصدر السابق.
إيتمار إيخنر، التقييم في إسرائيل: الحرب تستمر على الأقل لأسبوعين. ويتكوف: كيف ينتهي ذلك؟ لا أعرف، موقع ynet، 10 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 12 مارس/آذار 2026)، https://www.ynet.co.il/news/article/sk1xgdtywx
سامي بيرتس، إذا كان ترامب يقول الحقيقة فإن الحرب مع إيران ستكلف أكثر من 100 مليار شيكل، ذا-ماركر، 8 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 12 مارس/آذار 2026)، https://www.themarker.com/news/macroeconomics/2026-03-08/ty-article/.pr…
ناتي طوكر، المالية خصصت مبلغ 9 مليارات شيكل لحرب إيران، وسيرتفع المبلغ، العجز المالي سيرتفع إلى 3.9%، هآرتس، 1 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 12 مارس/آذار 2026)، https://www.themarker.com/news/macroeconomics/2026-03-01/ty-article/.pr…
مكور ريشون، رئيس هيئة الأركان: نحن في حرب مصيرية ستستمر مدة طويلة، مكور ريشون، 8 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 12 مارس/آذار 2026)، https://www.makorrishon.co.il/news/defence/article/313736
معاريف، ترامب يكشف: هكذا سيتخذ القرار حول إنهاء الحرب، معاريف، 9 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 12 مارس/آذار 2026)، https://www.maariv.co.il/news/world/article-1293836
رون بن يشاي، الإستراتيجية الإسرائيلية: أولوية الهجوم على إيران، والباقي ينتظر، موقع ynet، 9 مارس/آذار 2026 (تاريخ الدخول: 12 مارس/آذار 2026)، 

مركز الجزيرة للدراسات


إيران الشارع الشعبي: منظومة الاستبداد وتراث الثورة/ صبحي حديدي
إذا جهد المرء للوقوف على رأي رصين معمّق وموضوعي حول حال الجمهورية الإسلامية في إيران الراهنة، واجتهد خصيصاً أن يكون صاحب ذلك الرأي باحثاً مشهوداً له بالكفاءة ويتمتع بهذه الصفات الرصانة والتعمق والموضوعية؛ فإنّ حميد دباشي (1951 ــ ) قد يكون أحد أفضل المرشحين، إنْ لم يكن الأفضل في صفّ الأحياء وضمن قائمة الحاضر. تعريفه الموسوعي يقول إنه مؤرّخ ومفكر وناقد ثقافي، وهو أستاذ الدراسات الإيرانية في جامعة كولومبيا ــ مدينة نيويورك؛ ومؤلفاته تغطي مسائل السلطة في الإسلام وعقائد التشيع الحديثة، والتصوّف والاستشراق، فضلاً عن أبحاث نقدية وتنظيرية في الآداب والفنون (له كتاب لافت حول السينما الإيرانية، مثلاً).
لكنّ كتابه “إيديولوجيا السخط: الأساس الإيديولوجي للثورة الإسلامية في إيران”، الصادر بالإنكليزية في الطبعة الأولى سنة 2006 ضمن منشورات راوتلدج، لندن ونيويورك؛ يواصل، حتى إشعار آخر، احتلال موقع المرجع الأفضل حول سلسلة الركائز الفكرية والفقهية والدينية، الثورية منها والإصلاحية والمحافظة، التي صنعت وتصنع معمار السلطة الحالية في إيران، التي لا غبن ولا تعسف في تعريفها تحت توصيف نظام آيات الله الملالي.
ليس هذا المقال هو المقام المناسب لاستعراض فصول الكتاب، بالطبع، ولكن الغاية من اقتباسه في هذه السطور هو الإشارة، الوجيزة تماماً هنا، لثماني شخصيات صنعت ما يسميه دباشي “القوى التكوينية” للإيديولوجيا الإسلامية في إيران؛ حيث سيكون لافتاً، ومفاجئاً في اعتبارات غير قليلة، مقادير هيمنة المنحى الإصلاحي، وأحياناً العصري والحداثي، لهؤلاء. هنا الأسماء، وعناوين الفصول المقترنة لها، حسب دباشي:
ــ جلال آل أحمد، فجر “الإيديولوجيا الإسلامية”؛
ــ علي شريعتي، المنظّر الإيديولوجي بامتياز؛
ــ مرتضى مطهري، المنظّر الإيديولوجي الرئيس للثورة الإسلامية؛
ــ سيد محمد طالقاني، أبُ الثورة؛
ــ العلامة سيد محمد حسين طباطبائي، البُعد الفلسفي لـ”الإيديولوجيا الإسلامية”؛
ــ مهدي بازركان، المهندس التقيّ؛
ــ أبو الحسن بني صدر، الاقتصادي التوحيدي؛
ــ آية الله الخميني، لاهوتيّ السخط.
معظم هؤلاء هم، في يقين هذه السطور (التي لا تُناقض خلاصات دباشي نفسه)، ورثة تراث ديني وفقهي وسياسي ــ اجتماعي إصلاحي بمعدلات عالية، وثوري بمعنى الانتصار لمظالم سواد الشعب الإيراني خلال عقود حكم الشاهنشاهية والأسرة البهلوية. وليس أقلّ أهمية، تالياً، أنهم دعاة تحرير وتطوير وحُسن تفسير وتنوير لتيارات التشيّع المختلفة عموماً، ولمواقف آيات الله في قم الإيرانية والنجف العراقية على وجه الخصوص.
في عبارة أخرى، تتوقف هذه السطور عند استحضار هؤلاء الثمانية في كتاب دباشي، بغرض التساؤل عمّ بقي من إرثهم في الحاضر الإيراني، الفقهي والسياسي والتنظيري، من جانب أوّل؛ وكم يحضر، في طيات ذاك المتبقي، من منجزات الثورة الدستورية الإيرانية، أو “حركة المشروطة”، سنوات 1905 ــ 1911، من جانب ثانٍ؛ وما إذا كان صعود علي خامنئي، بعد وفاة الخميني سنة 1989، وابنه مجتبى اليوم، بمثابة ردّة إلى الوراء قد تعادل انتكاسة في حصيلة الشخصيات الثماني، من جانب ثالث.
وكانت انتفاضة المشروطة قد انطلقت أصلاً ضدّ الشاه مظفر الدين، بقيادة فقهاء شيعة بارزين أمثال محمد الطباطبائي وعبد الله البهبهاني وكاظم الخراساني (بين أنسب ألقاب الأخير أنه الأب المؤسس للدستور والنهضة والإصلاح السياسي في إيران) وعبد الله المازندراني ومحمد حسين النائيني… ولكن ليس عجيباً، ولا طارئاً، أنّ الصف المناهض لهؤلاء، أي ذاك الذي يوالي الشاه عملياً وعلانية، شكّله نفر من رجال الدين وآيات الله أيضاً؛ فاستحقوا بالفعل تسمية “أنصار المستبدّة”، ولم يتحرّج النائيني في وضعهم ضمن فريق ذي مواصفات متدنية ومخزية: “عَبَدة الظالمين”، “علماء السوء”، “لصوص الدين”، و”مُضلّي ضعفاء المسلمين”.
والحال أنّ النائيني استلهم جمال الدين الأفغاني وروحية كتابه الرائد “طبائع الاستبداد”، ولكن في ميدان سياسي فقهي شائك هو الإمامة الغائبة، ومدى حقّ الأمّة في ولاية نفسها وتشكيل حكومة زمنية عادلة (أي: ديمقراطية، حسب النائيني)؛ بدل الركون إلى حكومة لازمنية مطلقة (ومستبدة بالضرورة، لأنها جزء من شعبة الاستبداد الديني، حسب النائيني أيضاً). وإذْ تعلن الولايات المتحدة ودولة الاحتلال أنّ أحد أبرز أهداف الحرب الراهنة ضدّ إيران، هو “تحرير” الشعب الإيراني وتشجيع الانتفاض ضدّ سلطة آيات الله؛ وإذْ يُنتخب مجتبى خامنئي، في سياقات هذه الحرب، مرشداً أعلى وريثاً لوالده القتيل بضربة إسرائيلية؛ فإنّ استلهام تراث “المشروطة” قد يُستردّ اليوم من جانب الشارع الشعبي الإيراني لتسفيه المقاربتًين معاً: الإسرائيلية/ الأمريكية من جهة، وتوريث موقع الولي الفقيه من جهة مقابلة.
ذلك لأنّ مصائر أمثال آل أحمد وشريعتي ومطهري وطالقاني وطباطبائي وبازركان وبني صدر كانت بمثابة فصول سبقت انزلاق إيران الثورة الإسلامية إلى نمط في الحكم والتسلط والاستبداد عنوانه ولاية الفقيه من حيث التغطية الشرعية الدينية، ومضامينه تتراوح بين تغليب تيارات التشدد والمحافظة وتمكين أجهزة الاستخبارات في الداخل، و”تصدير الثورة” عن طريق “الحرس الثوري” و”فيلق القدس” في الخارج. ولعلّ بين أوضح مفارقات هذا الانحدار، الجدير أيضاً بصفة الانحطاط، أنّ شخصية مثل علي لاريجاني، يتزعم اليوم تيار التشدد والقمع والمحافظة بمباركة من المرشد الأعلى القتيل نفسه، عُدّ ذات يوم “ليبرالياً” موالياً للغرب؛ وتوجّب أن يستقيل من أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي (ذاته، الذي عاد إلى ترؤسه اليوم!)، وأن يُستبعد من ملفّ المفاوضات النووية مع الغرب، ويُستبدل بالدبلوماسي الشاب سعيد جليلي أحد إمعات الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد.
مفارقات من هذا الطراز ليست، البتة، في صالح الشارع الشعبي الإيراني، خاصة خلال أطوار الحرب الأمريكية/ الإسرائيلية الراهنة ضدّ إيران الشعب والبنى التحتية والاقتصاد والاجتماع والتاريخ؛ كما أنها، في استطراد منطقي بسيط، ليست في صالح شعوب المنطقة أيضاً، أياً كانت مظالمها المستحقة في ذمّة آيات الله حكام إيران. وهذه مفارقات تؤكد الإمعان في النكوص، ليس إلى ما قبل رئاسة محمد خاتمي الأولى، 1997، حين لاح أنّ التيّارات الإصلاحية توشك على إحراز تقدّم، فحسب؛ بل، كذلك، على أنقاض ما تبقى من تراث أمثال آل أحمد وشريعتي ومطهري وطالقاني وطباطبائي وبازركان وبني صدر.
وما يتيح تعزيز تيارات التشدد والمحافظة والنكوص، على شاكلة تتويج مجتبى خامنئي وتشديد تطبيقات مبدأ الولي الفقيه، هو هذا بالذات: أنّ ثوابت الاستبداد الإيرانية الراهنة اقتضت وتقتضي دفع شرائح عريضة من الشارع الشعبي الإيراني إلى موقع المعارضة، على اختلاف مجموعاتها وتباين أجنداتها؛ وأنّ ردود منظومة آيات الله سوف تأخذ منحى التشدد في مسائل السياسة الداخلية والحقوق والحريات والعقيدة، مثلما تستدعي البطش والقمع والتنكيل.
وإذْ تستدعي هذه المواجهة قسطاً غير ضئيل من تراث “المشروطة”، ولعلها سوف تفرز مجدداً نماذج معاصرة وعصرية من شخصيات النائيني والبهباني والخراساني، في قلب التديّن الشعبي، العابر لمذاهب وإثنيات شتى تشكل النسيج الإيراني عالي التنوّع؛ فإنّ الحرب الأمريكية/ الإسرائيلية الراهنة، وآمال استخبارات واشنطن وتل أبيب في تفكيك البلد وتشظية مكوناته، هي أغلب الظنّ في ذيل معادلات تلك المواجهة، إذا اندرجت في عدادها أصلاً!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
القدس العربي


سوريا وسط الحرب.. هواجس المستقبل وأشباح الماضي/ سلمان عز الدين
13 مارس 2026
تبدو سوريا آمنة وسط الحرب الدائرة في المنطقة اليوم. لا صواريخ إيرانية تستهدف مواقع في أراضيها، ولا هي في “محور المقاومة” بعد، حتى تكون عرضة لغارات أميركية إسرائيلية مباشرة. كل ما هنالك بقايا صواريخ ومسيرات تسقط على أماكن هنا وهناك، دون أن توقع ضحايا، لحسن الحظ، حتى اللحظة.

غير أن كثيرين يرون أنه أمان زائف ومؤقت، مؤكدين أن سوريا، مثل بقية دول المنطقة، هي في قلب العاصفة. فمن جهة، لا يبدو أن الحرب على إيران تعطل إسرائيل عن توغلاتها المستمرة في الجنوب السوري، حتى صار التوغل واعتقال مدنيين سوريين، في محافظتي القنيطرة ودرعا، خبرًا يوميًا يكاد أن يتحول إلى واحد من تلك الأخبار التي لا تلفت الأنظار ولا تثير كثيرًا من الاهتمام. ومن جهة ثانية فإنه بات واضحًا أن الحدود السورية اللبنانية تحتل مكانًا حيويًا ومهمًا في الحسابات الإسرائيلية لحربها الراهنة.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، مطلع الشهر الجاري، أنه أقام غرف عمليات متقدمة على الحدود مع لبنان وسوريا، قائلًا إن الهدف من ذلك هو “متابعة الأوضاع وحماية الإسرائيليين”. وفيما بعد حملت الأنباء ما يشرح هذا الإعلان وأبعاده، إذ كشفت عن محاولات إنزال إسرائيلية في الجنوب اللبناني انطلاقًا من الحدود السورية، مع حديث متصاعد عن احتمال اجتياح بري واسع سوف ينطلق من هذه الحدود.

وإذا كان جزء من حدود سوريا قد صار واحدًا من مسارح الحرب، فمن الصعب، بالنسبة للبعض، التصديق بأن البلاد سوف تستطيع البقاء بمنأى.

العودة إلى “زمن الطوابير”

والوضع الاقتصادي حاضر في المخاوف أيضًا. ذلك أن دول الخليج العربي هي مورد الإنعاش الأساس، إن لم يكن الوحيد حاليًا، لما تبقى من الاقتصاد السوري. وإذا كانت هذه الدول لا تزال تظهر تماسكًا ملحوظًا في مواجهة الحرب، وتطوق آثارها، فإن المسارات والمآلات، المفتوحة على كل الاحتمالات، تجعل التوقعات الحذرة، بل والسيئة، أمرًا مشروعًا.

وبدون انتظار الأسوأ، فقد بدأت التداعيات السلبية بالظهور في أسواق السوريين وبيوتهم، وإذا كانت أزمة الغاز المنزلي قد بدأت قبل الحرب، فإنها تفاقمت بعدها، وكل التصريحات الحكومية التي تقلل منها لم تنفع في إنهاء مظاهرها الماثلة في كل مكان.

وشهدت المدن والبلدات السورية عودة الطوابير الطويلة أمام مراكز التوزيع، ما أدى إلى انتعاش السوق السوداء حيث تباع جرة الغاز المنزلي بضعف ثمنها، وأحيانًا أكثر من ذلك، وفق ما يقول مواطنون.

وكذلك الأمر بالنسبة للمشتقات النفطية، المازوت والبنزين، فقد شهدت محطات الوقود ازدحامًا شديدًا، الشيء الذي فسرته وزارة الطاقة بـ “مخاوف المواطنين من انقطاع الوقود نتيجة التصعيد الإقليمي في المنطقة”، مشيرة إلى ارتفاع غير مسبوق في حجم الطلب، إذ “تجاوزت نسبة المبيعات 300% مقارنة بالمعدل اليومي الطبيعي، نتيجة التخوف من التطورات الإقليمية وانتشار الشائعات، وليس بسبب نقص فعلي في المادة”.

وعاد تفنين الكهرباء ليسجل ازديادًا ملحوظًا، ملامسًا الوضع السابق، وأوضحت وزارة الطاقة أن السبب الرئيسي خلف تقليل عدد ساعات التغذية الكهربائية يعود إلى انخفاض كميات إمدادات الغاز الطبيعي الواردة عبر الأردن، والمخصصة لتشغيل محطات توليد الكهرباء، إضافةً إلى توقف ضخها فى بعض الأحيان. معيدة ذلك إلى “التصعيد الإقليمي الراهن وما ترتب عليه من تعذر استمرار ضخ الغاز مؤقتًا وفق الاتفاقات السابقة”.

وتواصل أسعار الكثير من المواد الاستهلاكية ارتفاعها المستمر، وفي جولة على الأسواق، رصد “الترا سوريا” آراء المواطنين حول انخفاض قدرتهم على الشراء في ظل تقاضي دخول متدنية، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الخضار والفواكه والدجاج واللحوم. وأوضح أصحاب المحال أن ارتفاع أثمان المحروقات وفواتير الكهرباء كان عاملًا أساسيًا في رفع الأسعار.

والأهم هو أن الحديث عن “انطلاق إعادة الإعمار” غدا، في أجواء الحرب، معلقًا حتى إشعار آخر، إشعار ربما صار أبعد فأبعد.

متفرجون مرتبكون

بالنسبة للسوريين، فقد أثارت هذه الحرب ما تثيره كل الحروب من مشاعر توتر وقلق وغضب، غير أن شعورًا إضافيًا استجد هذه المرة، ربما يصح وصفه بالارتباك. ذلك أن النظام الإيراني ترك، قبل انسحابه القسري من سوريا، جراحًا عميقة لم تندمل بعد، فهو لم يدعم نظام الأسد بكلام السياسة، ولم يمده بالمال فقط، بل قاتل إلى جانبه بضراوة، لينال نصيبًا وافرًا من قتل السوريين. حتى إن كاتبًا سياسيًا سوريًا كان قد وصف نظام إيران بأنه “سرطان يجب اجتثاثه ليس من سوريا وحسب، بل من المنطقة بأسرها”، ولكن المفارقة المأساوية هي أن من يتصدى لهذه المهمة الآن هو بنيامين نتنياهو، والذي يتصدر المرتبة الأولى بين أشد كوابيس السوريين رعبًا.

ولا يقتصر الأمر على أن إسرائيل تبقى العدو التقليدي، بل إن مخاوف مستجدة طرأت بعد سقوط النظام في ديسمبر 2024، إذ كشف الإسرائيليون عن وجه أكثر جشعًا وصلافة، وأظهروا شهية مفتوحة، يخشى السوريون معها من التهام قطعة أخرى من أرضهم.

ويميل الكثيرون إلى الاعتقاد بأن إسرائيل ما أن تفرغ من حربها هذه حتى تباشر في إعادة ترتيب المنطقة، ولا يشك هؤلاء بأن حصة سوريا من الترتيب الجديد سوف تكون كارثية.

ولذلك، لكل ذلك، فإن الريبة باتت تسود أوساط واسعة من السوريين، يعبرون عنها بإبداء الخوف من الجميع، من الأعداء السابقين واللاحقين، وكذلك من الأصدقاء المستجدين، ولا سيما الإدارة الأميركية ورئيسها غريب الأطوار.

وثمة، في هذا السياق، صيغة معبرة تتردد بكثرة، مفادها: “في هذه الحرب نحن متفرجون، ولقد أخذنا نصيبنا من الحروب والمآسي، فلنبق متفرجين ولنأمل أن تنتهي الأمور على خير”.

شبح “الدور الإقليمي”

بعد الأخبار عن توترات أمنية على الحدود السورية اللبنانية، وتصريح الجيش السوري بأن قذائف مصدرها حزب الله سقطت على مواقعه قرب سرغايا، بات بعض السوريين يخشون من تغيير “وضع المتفرج” بأن تلعب حكومتهم دورًا ما في هذه الحرب، وخاصة مع صعود سيناريو يقول إن “القوات السورية سوف تساعد بالقضاء على حزب الله اللبناني بطلب أميركي”.

ويبدي مراقبون ومهتمون خوفهم من عودة شبح “الدور الإقليمي” الذي جثم فوق صدور السوريين طيلة عهد النظام السابق، عندما اختزل الأسدان سوريا بوصفها لاعبًا إقليميًا، وأخذا شرعيتهما من الدور الوظيفي في المحيط، مع طمس الداخل بحراكه وطموحاته وتناقضاته، لتغدو السياسة في زمنهما مقتصرة على معنى وحيد، وهو اللعب في الإقليم، في مواجهة دوله وعلى هوامش القوى الكبرى وتحت رعايتها. أما السياسة في الداخل فقد تم إعدامها، فلا أحزاب ولا معارضة ولا صحافة ولا برلمان، ولا حتى شعب.

ويقترح هؤلاء على “سوريا الجديدة” سلوك الطريق المعاكس: الالتفات إلى الداخل، وبناء مؤسسات الدولة السورية لتغدو دولة القانون ودولة جميع مواطنيها، وفتح المجال السياسي أمام الجميع، والسعي لإنشاء توافقات وطنية تساهم في تشييد داخل متين وينعم بالصحة، ما يكفل صيانة سياسة خارجية متوازنة بعيدة عن المحاور والاستقطاب، وأمينة على مصالح كل السوريين.


مجتبى مرشداً… رسائل إيرانية/ حسين عبد العزيز
13 مارس 2026
أن يختار مجلس الخبراء الإيراني مجتبى خامنئي مرشداً أعلى خلفاً لوالده، فهذا فيه قولٌ كثيرٌ في لحظة فارقة تمرّ فيها إيران، هي الأشدّ منذ قيام الثورة عام 1979، فلم تتعرّض إيران، دولةً ونظاماً سياسياً ومجتمعاً، من قبل، إلى هذا الضغط العسكري والسياسي والاقتصادي الهائل. عند هذا المفترَق، لم يكن اختيار مجتبى مجرّد تفصيل عادي يندرج ضمن عملية انتخاب طبيعية، فلا الطريقة التي غاب فيها المرشد السابق كانت طبيعية، ولا المرحلة التي تمرّ فيها البلاد طبيعية، ولا حتى مؤهّلات مجتبى الدينية والسياسية تؤهّله لمنصب المرشد.

أحد الشروط الرئيسية لولاية الفقيه هو الاجتهاد المطلق في الفقه، والأعلمية الفقهية في المسائل المتعلّقة بالحاكمية الإسلامية، ولا يمتلك مجتبى الدرجة العلمية التي تؤهّله لهذا المنصب، فهو وصل إلى مرتبة حجّة الإسلام، وهي متوسّطة. ولا يمتلك الرجل خبرةً سياسيةً وإدارية بحكم عدم توليه أيَّ منصب، وإنْ يتمتّع بنفوذ قوي في أروقة النظام بحكم ما أصبح عليه خلال السنوات الماضية بوابةً يمكن من خلالها الوصول إلى الأب علي خامنئي، وهذا يعني أن قوّته ليست في ذاته، وإنما في والده. ولهذا، حمل اختياره مرشداً أعلى رسائل عدّة في غاية الأهمية. الأولى أن اختياره رسالة قوية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، أن النظام الإيراني متماسك، على الأقلّ على مستوى النُّخبة العليا الحاكمة، وهذا يعني أن حربهما لم تنجح في ضعضعته، أو في إحداث ثغرة يمكن لأعداء النظام من الإيرانيين اختراقها.

والثانية، إذا كانت أميركا وإسرائيل قد انتصرتا عسكرياً بتدمير قوى إيران الحربية، فإنهما خسرتا الحرب على المستويين، السياسي والاستراتيجي، من وجهة نظر أصحاب العمائم، طالما أن النظام لم يسقط. وبالتالي، الهدف البعيد من الحرب لم يتحقّق. والرسالة الثالثة أن تعيين مجتبى يعكس إجماعاً على مستوى النُّخبة العليا الحاكمة على تحدّي الولايات المتحدة وإسرائيل، والاستمرار في الخطّ المتشدّد الذي كان يعتمده والده على مستوى السياسة الخارجية، وهذا أيضاً يعتبر فشلاً سياسياً للولايات المتحدة وإسرائيل، وهي رسالة تلقّفتها واشنطن، فقد أعلن الرئيس ترامب رفضه مجتبى مرشداً أعلى. وأخيراً، حمل الاختيار رسالةً إلى الداخل الإيراني، أن النظام متماسك، وأن ولاية الفقيه مستمرّة، في محاولة لقطع الطريق، ليس على التيار الإصلاحي، وإنما على الراغبين في الداخل والخارج في التخلّص من نظام ولاية الفقيه. فقد أعلنت الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، مريم رجوي، أن المقاومة الإيرانية ستنقل السيادة إلى الشعب الإيراني وتنهي أربعة عقود من حكم ولاية الفقيه.

يتمتع المرشد الأعلى، بموجب المادة 110 من الدستور، بصلاحيات واسعة تجعله المشرف على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وعلى رسم السياسات العامة، إلا أن مخاطر تولّي شخص بمواصفات مجتبى في مثل النظام الإيراني، خصوصاً في بداية سلطته، تكمن في أنه، وبحكم فقدانه للمؤهّلات العلمية والسياسية، سيكون أسير المؤسّستَين العسكرية والأمنية، سيّما الحرس الثوري الإيراني الذي انضم إليه عام 1988، وربّما ينعكس هذا سلباً على الوضع الداخلي، سواء في التعامل مع الأصوات السياسية المعتدلة، أو التعامل مع مطالب الشارع، وهي مطالب تجاوزت أخيراً القضايا المعيشية إلى بنية النظام السياسي ونظام ولاية الفقيه الذي يستأثر بالسلطتَين السياسية والدينية.

وقد ظهرت متغيّرات في التكتيك الحربي مع وصول مجتبى إلى منصب المرشد، فقد رفعت إيران من وتيرة قصفها إسرائيل التي تلقّت سبعَ موجات من القصف الصاروخي، تضمّنت صواريخ انشطارية تحمل رؤوساً حربية متعددة وذخائر عنقودية، ومعها سبع موجات أخرى من حزب الله. ولم يكن هذا التغيير على مستوى الكم، بل أيضاً على مستوى النوع، إذ أطلق حزب الله صواريخ ثقيلة وأكثر دقة، وصلت إلى بيت شيمش غربي القدس المحتلة، واللد جنوبي تل أبيب، أي قطعت نحو 200 كيلومتر من دون أن تتمكّن الدفاعات الإسرائيلية من رصدها، ولا من إطلاق صافرات الإنذار إلا في الدقائق الأخيرة. وبحسب تقرير نشره موقع صحيفة وول ستريت جورنال، استهدفت إيران أنظمة الرادار في الشرق الأوسط، ما أدّى إلى إضعاف قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على تتبع الصواريخ الإيرانية.

كما استخدمت إيران صواريخ باليستية تتمتّع بمميّزات عدّة: زيادة وزن الرأس المتفجّر الذي وصل إلى طنّ، ورؤوس متفجّرة عنقودية – متشظّية، ودقّة في إصابة الأهداف. وقال قائد القوة الجو – فضائية في الحرس الثوري الإيراني، العميد مجيد موسوي، لن يتم إطلاق أي صاروخ برأس حربي يقلّ وزنه عن طنّ. يفيد هذا كلّه بأن إيران صعّدت من هجماتها العسكرية في الأيام الماضية التي اختير فيها مجتبى. صحيح أن لدى إيران استراتيجية للحرب معدّة مسبقاً، تقوم على مبدأ الردع التراكمي، وعلى استراتيجية إطالة الحرب، لكن في استخدام موجة الصواريخ المتطوّرة بعد وصول مجتبى، أو في فترة اختياره، دلالة على قرار إيران بالتصعيد وليس بالتهدئة. وقد أدّت هذه الاستراتيجية إلى تغيير الأدوار بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ففي الأسبوع الأول من الحرب كانت الهجمات الأميركية على إيران الأكبر، بعد ذلك حدث العكس، إذ تراجعت وتيرة الهجمات الأميركية فيما تضاعفت الهجمات الإسرائيلية. ويعود ذلك إلى أن الولايات المتحدة تريد مشاركةً دوليةً في الحرب، فيما إسرائيل لا تمتلك ترف الوقت.

وبغض النظر عن مجريات الحرب ونتائجها، لا تمتلك إيران خياراً آخر سوى التشدّد والمضي إلى نهايتها، مهما كانت نتائجها باهظة على المستويين العسكري والاقتصادي، فمن دون هذا ستكون إيران خارج الخريطة الجيوسياسية سنوات عدّة إن أعلنت استسلامها.


أمريكا وإسرائيل.. الأولى تتخبط في أهدافها والأخرى تعاني “أزمة أولويات” بين “حزب الله” وإيران
حسب الخطة الأصلية، مثلما كشف وزير الدفاع يسرائيل كاتس في هذا الأسبوع، كانت النية مهاجمة إيران في حزيران. بعد الحرب الأولى التي استمرت 12 يوماً مع إيران في حزيران الماضي، تفاخر نتنياهو بنجاحه في إزالة تهديدات وجودية مباشرة – تدمير إسرائيل بواسطة السلاح النووي، والتدمير بواسطة 20 ألف صاروخ بالستي. وأوضح نتنياهو في حينه “لقد حققنا نصر تاريخي سيستمر لأجيال”. وأعلن ترامب عن القضاء الكامل على المشروع النووي الإيراني.

في الواقع، كان الخبراء في الدولتين على دراية تامة بذلك. وأوضحوا في حينه بأن هذا الكلام لا أساس له من الصحة، وقد تسبب المس بالمشروع النووي، لا سيما القصف الأمريكي للمنشأة تحت الأرض في فوردو، واغتيال إسرائيل لكبار مسؤولي المشروع، بضرر كبير لإيران. ولكن هناك قضية شائكة أخرى تتمثل بكمية الـ 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة، التي وزعتها إيران على ثلاثة مواقع محصنة. والعجز عن تدميرها أبقى إيران على مسافة غير بعيدة عن إنتاج سلاح نووي بدائي. مع ذلك، بعد أسابيع قليلة على انتهاء القتال، تبين إن إيران قد استأنفت برنامج الصواريخ البالستية وزادت من وتيرة إنتاجها. ونتيجة لذلك، ستمتلك في غضون سنتين تقريباً آلاف الصواريخ التي يمكنها ضرب إسرائيل.

لقد بدأ الجيش الإسرائيلي والجيش الأمريكي الاستعداد لهجوم مماثل. لم يظهر ترامب سوى اهتمام محدود بالأمر إلى حين اندلاع الاحتجاجات في إيران في بداية كانون الثاني الماضي. وبعد نجاحه في فرض تغيير الحكم في فنزويلا زاد اهتمام الرئيس الأمريكي بالأمر. وكان من وراء ذلك الرغبة في السيطرة على أجزاء رئيسية من سوق النفط العالمية وترسيخ مكانة بارزة في التنافس على النفوذ مع الصين. لقد وعد ترامب المتظاهرين في إيران بأن “المساعدة قادمة”، لكنه واجه صعوبة في الوفاء بوعده في الوقت المحدد. في الواقع تمت إبادة وذبح المتظاهرين بالآلاف على أيدي زعران النظام في الشوارع. وحتى عندما اقتنع الرئيس بالتحرك في 14 كانون الثاني، أجل الهجوم بستة أسابيع من أجل تنفيذ خطة أكثر طموحاً.

مع ذلك، يبدو أنه رغم التنسيق غير المسبوق بين الولايات المتحدة وإسرائيل والتقدم الكبير الذي أحرزه جيش الدولتين في تحديد الأهداف ومهاجمتها، فإن الخطة لم تكن قد اكتملت بعد. فقد انطلقت الدولتان مع الإدراك بأن بعض أهداف العملية ستكون صعبة على التحقق، وأنهما ستحتاجان إلى بضعة أشهر أخرى من الاستعداد الدقيق حسب الجدول الزمني الأصلي.

على وجه الخصوص، استند أمل إسقاط النظام إلى تفكير متفائل جدا: إذ كان الاعتقاد أن الضرر الذي سيلحق بأجهزة القمع في الجمهورية الإسلامية (الباسيج، الأمن الداخلي، الشرطة والحرص الثوري) سيكون كبيراً جداً إلى درجة خروج الإيرانيين مرة أخرى إلى الشوارع لإعطاء صرح النظام المتداعي الدفعة الأخيرة والضرورية لسقوطه. وبدلاً من ذلك، يهدد النظام بإطلاق النار على الفور على أي متظاهر يشارك في الاحتجاج. وبعد أسبوعين على اندلاع الحرب، لم يتم استئناف الاحتجاج بعد (حتى مساء أمس).

كان الأمل الذي تبدد معلق على الأكراد. فمنذ ستينيات القرن الماضي، يتم نشر تقارير عن علاقات وثيقة بين الاستخبارات الإسرائيلية والأقليات التي تنتشر في إيران، العراق، تركيا وسوريا. لطالما ادعى الإيرانيون، حتى في السنوات الأخيرة، بأن كردستان العراق على الحدود الشمالية الغربية لإيران، تستخدم كقاعدة متقدمة للعمليات الإسرائيلية.

قبل أسبوع تقريباً ظهرت في قنوات التلفزيون في إسرائيل نظرية مؤامرة حول معجزة كان من المفروض أن تحدث في القريب: نزول شركاؤنا الأكراد الشجعان من الجبال وإشعال شوارع المدينة بالنار وتحفيز المتظاهرين على اقتحام النظام مرة أخرى. البعض تحدثوا عن مناورات تشبه مناورات جيمس بوند، من شأنها أن تفاجئ السلطات الإيرانية. في غضون ذلك، لم يتحقق أي شيء من ذلك. ويبدو أن خلافات شديدة تتصاعد، وبشكل ملحوظ، بين أجهزة المخابرات. بالمقارنة مع حرب الـ 12 يوماً نحن لا نسمع أي شيء عن إنجازات أجهزة الاستخبارات ونجاحها. حالياً، يقتصر الأمر على استعراض القوة الجوية والاستخبارات العسكرية في الدولتين.

يتمتع الرئيس ترامب بشكل عام بحس سليم – مهما كان تعريفه – في التعامل مع المنظمات الإرهابية والطغاة، الذين حسب رأيه، يهددون مصالح الولايات المتحدة والسلام العالمي (موقفه من روسيا والصين سلبي جدا بالطبع). بالمقارنة مع أسلافه بايدن وبراك أوباما، يبدو أن ترامب مصمم أكثر على إظهار القوة العسكرية لبلاده وعدم التردد في استخدام القوة ضد من هم أضعف منه. وحسب وجهة النظر الإسرائيلية، ينعكس هذا إيجاباً في موقفه من إيران وحماس وحزب الله. لكن الحرب الجديدة تظهر أيضاً عيوبها؛ فقد ذكرت وسائل الإعلام الأمريكية بأن ترامب تجاهل قبل شن الهجوم التحذيرات من أن الهجوم لن يؤدي إلى تغيير النظام (الأمر الذي لم يتم الإعلان عنه كهدف رسمي للحرب). وعند اندلاع الحرب بدأ في إطلاق تصريحات لانهائية، ويناقض نفسه ويحدث فوضى عارمة، ويثقل على كاهل فريقه المقرب من المستشارين بأعباء العمل في محاولة التوسط في عدة نزاعات دولية في الوقت نفسه، والمكافحة لفهم التفاصيل، ويفتقرون أحياناً للمعرفة والخبرة المطلوبة لاقتراح حل.

أما بالنسبة للحرب نفسها، فيمكن ملاحظة نمط متكرر مشترك بين الطرفين الإسرائيلي والأمريكي. تبدأ الحملة بمفاجأة بفضل تخطيط وإعداد محكم، لكن سرعان ما يتبين أن للعدو خطط أيضاً، فينجح في توسيع نطاق الحملة وجعلها أكثر ضراوة. وتواجه إسرائيل والولايات المتحدة صعوبة في إنهائها في وقت معقول. والنتيجة صراع طويل الأمد، وتفاقم الأضرار على الجبهة الداخلية في إسرائيل وفي دول الخليج في مواجهة خصم قوي نسبياً (إيران) وخصم آخر أقل ضعفاً مما اعتقدوا في البداية (حزب الله).

ترامب سيقرر كيف ومتى سينهي الحملة في إيران. ولكن لبنان قد يبقى جبهة مفتوحة، حيث يتحدى حزب الله إسرائيل من جديد بعد سنة وثلاثة أشهر من الامتناع عن ذلك، منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024. الحرب الجديدة ستكلف الاقتصاد عشرات مليارات الدولارات. ونتنياهو يمرر الميزانية بسرعة، بينما يرضي شركاءه الحريديم ويستجيب لابتزازهم ويعلن عن زيارة كبيرة لميزانية الدفاع التي يقول الجيش الإسرائيلي بطبيعة الحال بأنها غير كافية.

لقد تم تعلق الإجراءات القانونية في قضية رئيس الحكومة. ويكرس ترامب كل جهوده لمحاولة إلغاء محاكمته. في غضون ذلك، يعودون المواطنين في إسرائيل على واقع التهديد المستمر للجبهة الداخلية، الذي يوصف بأنه قدر مصيري. ويوصف كل من يتجرأ على طرح الأسئلة بأنه يساري ضعيف ومرتبك ولا يعرف خطورة الموقف وندرة الفرصة التاريخية.

حرب الناقلات 2

كان إغلاق مضيق هرمز والتقارير الواردة عن زرع ألغام تعيق حركة السفن والناقلات فيه، الحدث الأبرز في الحملة في هذا الأسبوع. ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد، وأعربت إدارة ترامب عن القلق الكبير من أن يؤدي ارتفاع الأسعار على المستهلك الأمريكي إلى مزيد من تراجع الدعم الشعبي للحرب وتشويه شعبية الرئيس. ويمكن للحوثيين في اليمن، الذين لم يدخلوا إلى المعركة بعد، تعطيل حركة الملاحة في ممر آخر للملاحة عبر مضيق باب المندب.

وصرح البروفيسور شاؤول حوريف، مدير معهد السياسة والاستراتيجية البحرية، لـ “هآرتس” بأن تحركات إيران تعتبر عودة إلى “حرب الناقلات” التي شنتها في الخليج الفارسي ضد الولايات المتحدة في نهاية الحرب بين إيران والعراق في نهاية ثمانينيات القرن الماضي. ووفقاً له، فقد أدى هذا الإجراء بالفعل إلى زيادة رسوم التأمين على ناقلات النفط التي تريد الإبحار عبر مصر بـ 12 ضعفاً. وكان لذلك نفس الأثر على أسعار النفط. “لقد أدركوا أن هذه قدرة غير متكافئة. ويمكن للطرف الضعيف استغلالها ضد نقاط ضعف الغرب”. مسؤول أمني إسرائيلي اعترف أمس بأن “الإنجازات العملياتية ضد الصواريخ والسلاح النووي لا تشير في هذه المرحلة إلى اقتراب إنهاء الحرب، وقال إن هذا الأمر يعتمد كلياً على انطباع ترامب. واقترح خفض التوقعات بشأن فرصة إسقاط النظام في إيران والتركيز على ما وصفه بأنه أكثر قابلية للتحقق – اتفاق يمكنه حل مشكلة الـ 440 كغم يورانيوم وفرض قيود صارمة. يواجه الإيرانيون قيوداً صارمة في السعي إلى الحصول على السلاح النووي. “في غضون ذلك، واجهنا أزمة طاقة، وواجهنا مشكلة مع لبنان. لقد نشأت هنا معضلة تحتاج إلى حل، وللأسف، فإن الأمل بإسقاط النظام لا يؤدي سوى إلى حرف الانتباه عن القضايا الأكثر إلحاحاً على جدول أعمال الحرب”. الشخص الذي كان من يساعد نتنياهو على حل هذه المعضلة هو الوزير السابق رون ديرمر، أحد معاونيه الذي عاد إلى نشاطه الكثيف خلال الحرب بعد أشهر قليلة على استقالته.

عاموس هرئيل

هآرتس 13/3/2026
القدس العربي


روسيا والصين وإيران: نفوذ واستراتيجيات في أزمة الطاقة/ أحمد الجابر
روسيا والصين وإيران: استراتيجيات النفوذ والتوازن في ظل أزمة الطاقة العالمية
2026-03-13
يواجه الشرق الأوسط في شباط/فبراير، آذار/مارس 2026 تصعيداً غير مسبوق في الصراع الذي انطلق من حرب واسعة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بعد ضربات جوية مشتركة استهدفت مواقع إيرانية متعددة في 28 فبراير 2026، مما أدى إلى تحول الأزمة إلى صراع عسكري إقليمي وتأثيرات عالمية على أسواق الطاقة ومتغيرات جيوسياسية معقدة.

كان لهذا التصعيد انعكاسات واسعة على مضيق هرمز الحيوي، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، حيث توقفت حركة الملاحة تقريباً بسبب تهديدات تمتد إلى إغلاقه، ما دفع أسعار النفط العالمية إلى مستويات قياسية وزاد من مخاطر الركود والتضخم على الاقتصاد العالمي.

في هذه الأجواء المتوترة، تبقى سياسات القوى الكبرى ذات تأثير بالغ على مسارات التطورات، لا سيما مواقف روسيا والصين تجاه الصراع وكيفية تعامل كل منهما مع الإيرانيين والضغوط الأميركية المتزايدة. وعلى الرغم من إعلان موسكو وبكين معارضتهما لتوسع الحرب، فإنهما تسعيان للحفاظ على مصالح استراتيجية وسياسية في المنطقة، عبر تعزيز دورهما الدبلوماسي والاقتصادي، ومحاولة منع انزلاق الأزمة إلى حرب شاملة تهدد الاستقرار الدولي.

في الوقت نفسه، تتواصل الاتصالات السياسية بين موسكو وطهران، حيث ناقش وزيرا خارجية البلدين الوضع الإقليمي الحرج في اتصال هاتفي، مؤكداً استعداد روسيا لدعم جهود خفض التصعيد والعودة إلى الحلول الدبلوماسية. كما اتسعت الأزمة لتشمل ردود فعل دولية متعددة، بما في ذلك سحب بعثات دبلوماسية من بعض الدول وتحذيرات من سباق تسلح نووي محتمل في حال امتلاك طهران قدرات أكثر خطورة.
التحركات الروسية في إيران

يقول الدكتور مصطفى خالد المحمد، المستشار السياسي المقرب من الكرملين في موسكو لــ”963+”، إنّه في حال حدوث فوضى أو انفصالات في إيران، فقد ترسل روسيا قوات خاصة إلى المناطق ذات الغالبية العرقية الموالية لها، مثل بعض مناطق الشمال، بدعوى “حماية المدنيين” أو “منع الإبادة”. ويضيف أن هذا التحرك يخلق مناطق نفوذ فعلية على الأرض دون خوض حرب معلنة مع واشنطن.

ويشير الدكتور خالد إلى أن روسيا تركز على تأمين مصالحها الحيوية فقط، ويعلل أن التحرك سيقتصر على حماية قاعدتها البحرية في بندر عباس المطلة على مضيق هرمز، أو المناطق الشمالية على بحر قزوين، وهو ما يختلف عن فرض السيطرة على كامل الأراضي الإيرانية. ويرى أن روسيا لا تهتم بمن يحكم طهران أو أصفهان، طالما أن هؤلاء الحكام لا يهددون بندر عباس ولا يسمحون بوجود أميرك على حدود روسيا الجنوبية.

ويضيف أن روسيا ستستخدم موقعها كوسيط لدعم أطراف محددة داخل إيران مقابل الحفاظ على امتيازاتها. ويستطرد موضحاً أن موسكو قد ترسل أموالاً أو سلاحاً لبعض الميليشيات الشيعية الموالية في الجنوب لتكون حاجزاً بشرياً حول قواعدها. ويعتبر هذا ما يمثل جوهر الاستراتيجية الروسية الواقعية، أي “التوسع الانتهازي المحدود” بدلاً من “الاحتلال الشامل المكلف”. ويشير إلى أن روسيا تتعلم من أخطاء الغرب في أفغانستان والعراق وليبيا، وتفضل تحقيق أقصى استفادة بأقل قدر من الالتزام العسكري المباشر.
كيف ستنفذ روسيا السيطرة؟

يشير الدكتور خالد إلى أن هناك آليتين أساسيتين: الإنزال المحدود، حيث قد تنزل وحدات من مشاة البحرية الروسية لتأمين المرافق الحيوية في القاعدة، مثل الأرصفة ومستودعات الذخيرة ومنظومات الرادار. وتأمين اللوجستيات، حيث قد تكتفي روسيا بحماية مستشاريها العسكريين الموجودين أصلاً في القاعدة، بينما تترك إدارة المدينة للميليشيات المحلية الموالية.

ويوضح أن ما قد نراه عند حدوث انهيار في إيران يشمل عدة مراحل. المرحلة الأولى هي حماية المصالح، حيث تعلن موسكو فجأة عن وجود “مصالح حيوية” لها في بندر عباس وأن أمن طاقم سفارتها وقاعدتها مهدد، فتتحرك قوة إنزال بحرية لتأمين محيط القاعدة. المرحلة الثانية هي الدعوة، إذ قد تدعو الحكومة المحلية الجديدة أو مجلس عسكري محلي الروس للبقاء “للاستقرار”، مما يعطي شرعية للوجود الروسي. أما المرحلة الثالثة فهي الردع، حيث يتم نشر أنظمة دفاع جوي مثل S-400 لحماية القاعدة من أي هجمات صاروخية أو جوية.

ويستطرد الدكتور خالد موضحاً أن موسكو تعلن مسبقاً عن مثل هذه العمليات، كما حدث في فنزويلا، ويضيف أن هناك تنسيقاً كبيراً بين الروس والأميركي حول أي عملية تقوم بها موسكو. ويعلل أن الهدف سياسي وإعلامي، بحيث يظهر الروس أنهم معرضون لأي اعتداء، بينما يتفق الأميركي معهم على كل شيء.

ويشير إلى أن اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط يصب في مصلحة الروس. كما يوضح أن بكين تدعم الإيرانيين سرّياً مالياً وفي التكنولوجيا، مع دعم دبلوماسي وسياسي واقتصادي محدود، وهو دعم قد يكون أقوى أحياناً من الدعم الروسي، لكنه محدود بسبب الاستنزاف الجاري في أوكرانيا.
دور الصين وروسيا في الاستقرار والطاقة

يقول رامي الدباس، كاتب ومحلل سياسي لــ”963+”، إن الصين وروسيا تعلنان معارضتهما للحرب، لكنهما تحاولان منع توسعها إلى صراع عالمي. ويضيف أن الدولتين تدعوان إلى وقف إطلاق النار والحلول الدبلوماسية، لأن توسع الحرب قد يهدد الاستقرار الدولي ويؤثر على الاقتصاد العالمي.

ويشير الدباس إلى أن الصين تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط، بما في ذلك النفط الإيراني، ولذلك فهي تفضل الاستقرار في المنطقة. ويرى أن أي حرب واسعة قد تؤدي إلى تعطّل إمدادات الطاقة وارتفاع الأسعار عالمياً، وهو ما يضر بالاقتصاد الصيني.

ويفسر الدباس أن بكين وموسكو ترى أن الحروب التي تقودها الولايات المتحدة قد تستنزف واشنطن سياسياً واقتصادياً. لذلك تحاول الدولتان الاستفادة من الأزمة دون الانخراط عسكرياً، مع الحفاظ على خطاب دبلوماسي ينتقد الحرب ويطالب بوقفها. ويضيف أن العلاقات الوثيقة بين روسيا وإيران، وكذلك التعاون الاقتصادي بين الصين وإيران، لا تعني تحالفاً عسكرياً كاملاً، بل الدولتان تدعمان إيران سياسياً في مجلس الأمن أو عبر التصريحات، بينما تتجنبان التدخل العسكري المباشر.

يشير الدباس إلى أن روسيا تسعى إلى تعزيز التحالف الدفاعي عبر تعميق الشراكة العسكرية الاستراتيجية مع طهران، مثل تبادل التقنيات والأسلحة. كما يرى أن روسيا تستخدم علاقاتها القوية للعب دور الوسيط الدبلوماسي وإضعاف التأثير الأميركي. ويضيف أن روسيا تعمل على تأمين ممر الشمال-الجنوب الذي يربطها بآسيا عبر إيران لضمان مصالحها الاستراتيجية.

يوضح الدباس أن الصين تهدف إلى حماية أمن الطاقة وضمان تدفق النفط الإيراني، وشراء النفط بأسعار مخفضة في ظل العقوبات. كما تسعى لتعزيز نفوذها عبر اتفاقية الـ25 عاماً في قطاعات الطاقة والبنية التحتية الإيرانية، مع تقويض النفوذ الأميركي باستخدام إيران كحائط صد ضد التمدد الغربي. ويستطرد موضحاً أن روسيا تدعم إيران عسكرياً وسياسياً، بينما تلعب الصين دور “طوق النجاة الاقتصادي”، والهدف المشترك هو جعل إيران شريكاً قوياً ومستقراً في المشروع الأوراسي لمواجهة الغرب.

ويضيف أن الصين وروسيا تقدمان دعماً اقتصادياً ودبلوماسياً لإيران، لكنه يبقى غير مباشر ومحسوب بعناية لتجنب مواجهة عسكرية مباشرة مع الأميركي. ويشير إلى أن الصين تشتري حوالي 90% من الصادرات النفطية الإيرانية، ما يوفر لطهران شرياناً اقتصادياً، بينما تقدم روسيا دعماً عسكرياً وتقنياً واستخباراتياً يشمل أنظمة الدفاع الجوي وقطع الغيار العسكرية، ويضيف أن التعاون يهدف لتعزيز القدرات الدفاعية دون التدخل المباشر.

ويؤكد أن الصين وروسيا تعملان كنوع من المظلة السياسية لإيران داخل مجلس الأمن، باستخدام حق النقض أو التلويح به لمنع قرارات قد تزيد من عزلة طهران أو تؤدي لتصعيد عسكري. ويشير إلى أن الدولتين تحرصان على وضع حدود واضحة لدعم إيران لتجنب مواجهة مباشرة مع الأميركي، مع الحفاظ على التوازن الإقليمي ومنع سقوط إيران في المعسكر الغربي.

يفسر الدباس أن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية يحقق مكاسب مختلفة لكل من روسيا والصين. فروسيا تستفيد مباشرة لتعزيز إيرادات الميزانية ودعم قيمة الروبل، بينما تحرص الصين على ضمان أمنها الطاقوي عبر تنويع المصادر، بما في ذلك روسيا، والحصول على النفط بأسعار مخفضة. ويضيف أن الصين تحاول موازنة الاستفادة من الطاقة الروسية مع إدارة تأثير الأسعار المرتفعة على اقتصادها الصناعي.

يشير الدباس إلى أن النظام الدولي يشهد تقارباً متزايداً بين روسيا والصين، يهدف إلى تقليص النفوذ الأميركي وإعادة ترتيب موازين القوى نحو نظام متعدد الأقطاب. ويضيف أن هذا التقارب يعتمد على التعاون الاقتصادي والتنسيق السياسي والعسكري، ويخلق محوراً استراتيجياً يضغط على الأميركي في مناطق حساسة مثل الشرق الأوسط وأوكرانيا وتايوان.

ويتابع أن التنسيق الاستراتيجي بين القوتين النوويتين الكبيرتين يضع تحديات أمام التحالفات الغربية ويزيد صعوبة الحفاظ على الهيمنة الأميركي. ويختتم الدباس بأن التقارب الروسي-الصيني لم يعد مجرد توافق سياسي، بل أصبح شراكة استراتيجية لإعادة ترتيب موازين القوى الدولية، ويضيف أنه رغم عدم وجود تحالف عسكري رسمي، فإنه يخلق بيئة دولية أكثر تعقيداً.


تصعيد “الحزب” ضدّ سوريا: رسائل إلى الدّاخل اللّبنانيّ؟/ منهل باريش*
2026-03-13
للمرّة الثانية في أقلّ من أسبوع، تُنتزع تصريحات الرئيس السوريّ أحمد الشرع من سياقها، تارةً عبر “بروباغندا” إسرائيليّة مضلّلة، وتارةً أخرى عبر توظيفها بوصفها إعلان حرب ضدّ “الحزب” في لبنان. والحقيقة أنّ موقف دمشق الجديد، الذي تبلور في القمّة الافتراضيّة التي دعا إليها الاتّحاد الأوروبيّ، ليس إلّا دعماً صريحاً لمبادرة الرئيس اللبنانيّ جوزف عون لاستعادة سيادة الدولة.

بدأت موجة اللغط حين نقلت هيئة البثّ الإسرائيليّة، عن مصادر عربيّة، نيّة الرئيس أحمد الشرع استهداف مواقع لـ”الحزب” على طول الحدود في سهل البقاع. وقد دفع هذا التسريب الشرع إلى إجراء سلسلة اتّصالات عاجلة شملت كلّاً من الرئيس نوّاف سلام، الزعيم وليد جنبلاط، وقائد حزب الكتائب سامي الجميّل.

في هذه الاتّصالات، أعرب الشرع عن تضامنه الواضح مع لبنان في محنته، مؤكّداً أنّ تعزيز الانتشار العسكريّ السوريّ على الحدود يهدف حصراً إلى “ضبط الحدود والحفاظ على الأمن الداخليّ السوريّ”، تماماً كما فعلت دمشق على حدودها مع العراق لمراقبة أيّ اختراقات أمنيّة، مشدّداً على أنّ التنسيق السوريّ سيكون مع مؤسّسات الدولة اللبنانيّة الشرعيّة فقط.
للمرّة الثانية في أقلّ من أسبوع، تُنتزع تصريحات الرئيس السوريّ أحمد الشرع من سياقها، تارةً عبر “بروباغندا” إسرائيليّة مضلّلة، وتارةً أخرى عبر توظيفها بوصفها إعلان حرب ضدّ “الحزب” في لبنان

مبادرة عون لوقف التّصعيد1

خلال الاجتماع الافتراضيّ الذي دعا إليه الاتّحاد الأوروبيّ، بمشاركة رئيس المجلس الأوروبيّ أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضيّة الأوروبيّة أورسولا فون دير لاين، طرح الرئيس اللبنانيّ جوزف عون مبادرة جديدة من أربع نقاط لوقف التصعيد هي:

إرساء هدنة كاملة لوقف الاعتداءات الإسرائيليّة على لبنان.
تقديم الدعم اللوجستيّ الضروريّ للقوى المسلّحة اللبنانيّة.
سيطرة الجيش اللبنانيّ على مناطق التوتّر ومصادرة السلاح فيها، بما في ذلك سلاح “الحزب” ومستودعاته وفق المعلومات المتوافرة.
بالتوازي مع ذلك، بدء مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية دوليّة للتوصّل إلى تنفيذ تفاصيل البنود السابقة.

لاقت مبادرة عون دعماً عربيّاً ودوليّاً، وكان من بين أبرز الداعمين الرئيس السوريّ أحمد الشرع، الذي قال: “نقف إلى جانب الرئيس اللبنانيّ جوزف عون في مسار نزع سلاح الحزب”.

أشار في كلمته المقتضبة إلى أنّ الجيش السوريّ عزّز قوّاته الدفاعيّة على الحدود كإجراء احترازيّ لمنع انتقال تداعيات الصراع إلى الأراضي السوريّة، ولمكافحة التنظيمات العابرة للحدود ومنعها من استخدام الأراضي السوريّة.

“رواية سرغايا”: اتّهامات غير واقعيّة

في المقابل، صعّد “الحزب” من لهجته ضدّ دمشق، متدثّراً بعباءة “المظلوميّة”، إذ اتّهم سوريا بالتواطؤ في عمليّة إنزال إسرائيليّ فجر الإثنين الماضي في سهل سرغايا، زاعماً أنّ 15 مروحيّة تسلّلت عبر الأجواء السوريّة لتنفيذ إنزال لمشاة اتّجهوا نحو بلدة النبي شيت.

من الناحية العسكريّة، يبدو اتّهام “الحزب” واهياً وغير واقعيّ، فأقرب نقطة حدوديّة سوريّة من جهة سهل سرغايا تبعد أكثر من خمسة كيلومترات عن أوّل منازل النبي شيت. في المقابل، تشكّل السلسلة الشرقيّة الجرداء المحيطة بالبلدة بيئة مثاليّة لأيّ إنزال مروحيّ لأنّها تجنّب المروحيّات وقوّات المشاة الانكشاف من دون الحاجة إلى المرور عبر “ممرّ” سرغايا السوريّ.

في أعقاب حادثة سرغايا، عزّزت الحكومة السوريّة انتشارها في المنطقة عبر إرسال وحدات إضافيّة من الحرس الجمهوريّ، خشية أن يقدم “الحزب” على تصعيد ميدانيّ يهدف لجرّ سوريا إلى دائرة الصراع الإقليميّ.
لا تبدو حكومة الشرع مستعدّة لشنّ عمليّة عسكريّة ضدّ “الحزب”، فهي ملتزمة الموقف العربيّ الذي بات أكثر حزماً في رفض توسيع دائرة الحرب، والدعوة إلى ضبط النفس

توسيع دائرة الحرب

تشير الاعتذارات التي قدّمها الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان ووزير خارجيّته عبّاس عراقجي، عقب القصف الذي طال عدداً من الدول العربيّة إضافة إلى أذربيجان وتركيا، إلى أنّ الحرس الثوريّ الإيرانيّ هو من يقود فعليّاً القرارين السياسيّ والعسكريّ في طهران.

منذ بداية التصعيد، عمل الحرس الثوريّ على توسيع نطاق المواجهة عبر فتح جبهات متعدّدة، سواء من خلال تحريك الفصائل العراقيّة الموالية له التي استهدفت الكويت والمملكة السعوديّة وحتى داخل العراق، أو عبر محاولة إشعال جبهة بين لبنان وإسرائيل من خلال رشقات صاروخيّة قيل إنّها أُطلقت من دون الرجوع إلى القيادة السياسيّة لـ”الحزب”.

ماذا يريد “الحزب”؟ وما هي حسابات دمشق؟

كان المفاجئ تصعيد “الحزب” ضدّ سوريا واتّهامها بتسهيل مرور المروحيّات الإسرائيليّة. يدرك “الحزب” أنّ إدارة الشرع لن تتورّط في الدخول إلى لبنان أو خوض معركة ضدّه، وهو ما تعهّد به الشرع مراراً أمام القادة اللبنانيّين.

لذلك قد يكون الهدف من هذا التصعيد موجّهاً أساساً إلى الداخل اللبنانيّ، في محاولة لتخفيف الضغط السياسيّ والشعبيّ المتزايد على “الحزب”، وربّما أيضاً لإثارة مخاوف بعض المكوّنات اللبنانيّة من احتمال عودة “النفوذ السوريّ” بصيغة جديدة.

من جانبها، لا تبدو حكومة الشرع مستعدّة لشنّ عمليّة عسكريّة ضدّ “الحزب”، فهي ملتزمة الموقف العربيّ الذي بات أكثر حزماً في رفض توسيع دائرة الحرب، والدعوة إلى ضبط النفس وعدم الانزلاق إلى الرغبة الإسرائيليّة في جرّ الدول العربيّة إلى مواجهة مباشرة مع طهران، والاكتفاء بحقّ الدفاع عن النفس واحتواء تداعيات الصراع.

أساس ميديا


ليست حرب العرب/ أسامة أبو ارشيد
13 مارس 2026
خرج العجوز الخبيث، السيناتور عن ولاية ساوث كارولاينا، ليندسي غراهام، مهدّداً بشكل مبطّن دول مجلس التعاون الخليجي بأنه “ستكون هناك عواقب” إن لم تنخرط بشكل أكبر في الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران. وفي تدوينة في منصة إكس في التاسع من مارس/ آذار الجاري، كتب غراهام أن “هذه المعركة تدور في فنائهم الخلفي”، موجّهاً انتقاداته إلى السعودية بشكل خاص، قائلاً: “الأميركيون يموتون، والولايات المتحدة تنفق مليارات الدولارات لإزاحة النظام الإيراني الإرهابي. وفي المقابل، يبدو أن السعودية تكتفي بإصدار بيانات، والقيام بأمور خلف الكواليس لا تتجاوز أنها مساعدة هامشية”. لم يكتفِ غراهام بهذا المستوى من الفجاجة والوقاحة، بل دعا إلى أن تعيد واشنطن النظر في جدوى توقيع اتفاقية دفاعية مع السعودية تسعى إليها الرياض منذ أكثر من عقد، من دون تقدّم يذكر، جرّاء الاشتراطات الأميركية الكثيرة والمعقّدة، والتي في حال التزمت بها السعودية ستفقد الاتفاقية أيّ معنى لها. وفي اليوم نفسه، كرّر غراهام عبر قناة فوكس نيوز (اليمينية) مطالبه قائلاً إنه يريد من الإمارات والسعودية أن “تنخرطا في القتال.. نحن نبيعهم الأسلحة، وإيران تضرب بلديهما، ولديهما قدرات جيّدة”.

غراهام هذا جمهوري يميني متطرّف، ومن أكثر المقرّبين من الرئيس دونالد ترامب، وعلاقاته العميقة بإسرائيل ودفاعه الدائم المستميت عنها أثارا كثيراً من اللغط داخل قاعدة “ماغا” (لنجعل أميركا عظيمة مرّة أخرى) حول حقيقة أولويات ولائه، أهو لأميركا أولاً أم لإسرائيل أولاً. ومعروف عن غراهام أنه من أكثر السياسيين الأميركيين تلقياً للدعم المالي من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك)، لوبي إسرائيل في واشنطن. ووفقاً لتقرير لصحيفة وول ستريت جورنال (6 مارس الجاري)، يضغط غراهام على ترامب منذ نجاحه في الانتخابات الرئاسية في خريف عام 2024 لضرب إيران، كما أنه قام برحلات متكرّرة إلى إسرائيل، وتحدّث مع ولي العهد السعودي، محمّد بن سلمان، ليبلغه بأن الضربات الأميركية باتت مرجّحة. وحسب اعترافات غراهام نفسه، فإنه قدّم نصائح لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حول كيفية التعامل مع ترامب، مضيفاً أن مسؤولين إسرائيليين كانوا يشاركونه أحياناً معلومات “لا تخبرني بها حتى حكومتي”. ولا يكتفي غراهام بهذا القدر من التباهي الفجّ بالتحريض من أجل حرب أميركية أخرى مدمّرة في الشرق الأوسط، بل يقول إنه عمل مع الجنرال الأميركي المتقاعد جاك كين، ومع كاتب العمود في صحيفة واشنطن بوست، مارك ثيسن، الذي شغل سابقاً منصب كبير كتّاب الخطابات للرئيس جورج دبليو بوش، لجذب انتباه ترامب إلى ضرورة شنّ حرب على إيران. وفعلاً، شارك ترامب بعض المواد التي عمل عليها هذا الفريق الخبيث في “تروث سوشال”.

ليس سرّاً ولا جديداً في القول إن هذه حرب أرادتها إسرائيل لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بناء على مصالحها وحدها، وهو أمر فصّل فيه كاتب هذه السطور في مقال الأسبوع الماضي (“إيران محطّة في مخطّط إعادة صياغة الشرق الأوسط”، “العربي الجديد”، 6/3/2026). وقطعاً، لن تكون إيران آخر حبّة، كما أنها لم تكن أوّلها، في مسبحة المنطقة التي يراد الحفاظ على انفراط عقدها. وواضح من تصريحات غراهام، حليف إسرائيل وأحد أدواتها في واشنطن، أنهم يريدون توريط المنطقة كلّها في الحرب مع إيران لضمان التدمير المتبادل بين العرب، وتحديداً دول الخليج العربي، وإيران، كي تخرج إسرائيل وحدها منتصرة من هذه الحرب عبر الدعم الأميركي. ولمن أراد دليلاً على ذلك، ليدقّق في أن معظم أنظمة الدفاع الجوي الأميركية في المنطقة مسخّرة لحماية إسرائيل لا الدول الخليجية التي يفترض أنها حليفة، بل إن حتى القواعد العسكرية الأميركية في الخليج لا تحظى بالحماية الاعتراضية الجوية التي تحظى بها إسرائيل. صحيحٌ أن إيران تشنّ اعتداءات متكرّرة على الدول الخليجية، وهذا مدان ومرفوض، بعيداً عن أيّ تبريرات، ومن دون الحاجة للخوض في التحليل السياسي الذي يؤطّر المسألة، وفق المقاربة الإيرانية، لكن إعلان دول الخليج حرباً على إيران، قد يستتبعه انسحاب أميركي من العدوان الذي بدأته واشنطن مع تل أبيب، وترك تلك الدول وحدها تخوض حرب استنزاف مع بيعها الأسلحة، وإتخام الخزينة الأميركية. ولمن أراد دليلاً إضافياً، يكفي أن يتابع تصريحات ترامب المتناقضة حول أهدافه من الحرب، من إسقاط النظام، إلى الدفع بقيادات أكثر مرونة من داخله، إلى احتمال الإعلان عن نهاية الحرب على أساس أن الولايات المتحدة “انتصرت” عبر تحييد عدد كبير من القيادات الإيرانية، وفي مقدّمتهم المرشد السابق علي خامئني، وتدمير البرنامج النووي الإيراني، وكذلك سلاح البحرية، وإضعاف قدرات طهران الصاروخية.

واضح أن عدة دول خليجية تفهم هذه المعادلة جيداً، وترفض الانسياق وراء إغواء الذئبين، غراهام ونتنياهو. وربّما كان هذا ما قصده رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، عندما قال إن الهجمات الإيرانية على قطر “تُشعرنا بخيانة كبيرة”، واعتبر أن الهجمات على دول الخليج “خطأ فادح”، لكنه أكّد، في الوقت نفسه، أن الدوحة “أوضحت بشكل جلي أنها لن تخوض أيّ حروب ضدّ جيرانها”، لأن التصعيد العسكري “لن يؤدّي إلا إلى تفاقم الأزمة”. نتمنّى أن يكون هذا موقفاً خليجياً وعربياً موحّداً، وأن تنتهي هذه الحرب العدوانية العبثية المدمّرة للمنطقة كلّها، ولا تريدها إلا إسرائيل ومجانينها في واشنطن.


ماذا تريد إيران وهل تغيّر الحرب السياسات؟/ رضوان السيد
13 مارس 2026 م
يفكر الإيرانيون بالنووي منذ أيام الشاه. ويومها كانوا أشدّ أنصار الولايات المتحدة حماسة، لكن الاعتبارات القومية والإسلامية حالت دون أن يخطوا خطوة الأتراك الحاسمة باتجاه الانضمام إلى «الأطلسي» في الحرب الباردة. الأتراك تولوا مهامّ في مواجهة الاتحاد السوفياتي، والأميركيون والبريطانيون حاولوا إعطاء إيران دوراً زعامياً في «حلف السنتو (CENTO)» الذي انهار بالتغيير في العراق عام 1958. هل كان النووي دليل قوة وانضمامٍ إلى القوى الكبرى، أم كان حماية من المطامح والعدوان وسط صراعات القوى الكبرى؟ في كل الأحوال الدولتان القوميتان الكبيرتان (تركيا وإيران) ما كانتا تشعران بالراحة داخل المعسكر الغربي، ولأسباب داخلية تتعلق بمسائل الأقليات، وطموحات مثال الحريات ومخاضاتها، ولمجاورتهما للسوفيات ومساعيهم لنفوذٍ في داخلهما، كما كان عليه الأمر في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين. وينبغي ألا ننسى أن ثورة عام 1979 بإيران، التي غيَّرت وجه البلاد والمنطقة، تلاها في عام 1980 انقلاب عسكري صارم بتركيا، هو الثاني أو الثالث في النصف الثاني من القرن العشرين. أتت الانقلابات في تركيا للحفاظ على البقاء في التحالف الغربي ضد الرغبات الشعبية، وقامت ثورة عام 1979 بإيران للتحرر من الاحتضان الغربي!

في إيران وفي تركيا إذن هموم التكون القومي المكتمل، والموقع والدور في المنطقة والعالم. تركيا يحميها «الأطلسي» على كُره، وإيران تطمح لحماية ذاتية بالنووي كانت تسعى إليها في السبعينات ولا تزال تبحث عنها إلى اليوم، تحت عنوان النووي السلمي!

من القوى الإسلامية ما حصلت دولة على النووي غير باكستان. لكنّ باكستان عندها عداوة مع الهند، الجارة الجبارة، والأميركيون هم الأشد ندماً على السماح لباكستان بذلك؛ فهل كانت إيران في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي تواجه أخطار الغزو؟ لديها حجة الحرب مع العراق التي انتهت بسقوط النظام العراقي ووقوع البلاد تحت النفوذ الإيراني؛ فلماذا ظلّت الحاجة للنووي قائمة؟ لأنّ إيران الجمهورية الإسلامية غير إيران الشاهنشاهية. إيران الإسلامية دولة قومية وزيادة كبيرة جداً. طوال الثمانينات والتسعينات (بل وما بعد) ما كنا، ونحن نتأمل تغلغل إيران في البلاد العربية، نأخذ على محمل الجدّ دعواتها وميليشياتها لإزالة إسرائيل. ونعتبر أنها دعايات للحطّ على العرب وعلى السنّة الذين لم يرعوا (بحسب معسكر إيران) القضية حق رعايتها!

إنّ الذي يتأمل المشهد الهائل للحروب الإسرائيلية والأميركية على إيران اليوم وبالأمس وأول من أمس، يدرك أن إسرائيل وأميركا ونصف العالم الغربي يعتقدون أن إيران الإسلامية التي حكمها الملالي هي عدوٌّ أصيل لإسرائيل: هل كانت كذلك منذ البداية أم تطور الأمر على هذا النحو بسبب تفاقم الخصومة مع الولايات المتحدة وحلفائها؟ لقد وصل الأمر إلى ألا تسلّم دولة ولاية الفقيه بوجود إسرائيل، وألا تسلّم إسرائيل بنظام الجمهورية الإسلامية ومطامحها.

ولماذا ما استطاعت إيران الإسلامية تكوين تحالفات وثيقة؟

ما استطاعت الجمهورية الإسلامية ذلك مع أنه كان أمراً متاحاً. هناك حديث كثير عن براغماتية صنّاع السجاد وتخطيطهم للمديات الطويلة، لكنه غير دقيق. فشعار «لا شرقية ولا غربية» تحكّم بالجمهورية طويلاً. ورغم العداء الشرس مع الولايات المتحدة ما توثقت علاقات إيران بروسيا والصين إلا في السنوات الأخيرة. وبعد انقضاء الحرب مع العراق كان يمكن أن تقوم علاقات ممتازة مع العرب، خصوصاً أن الأهداف الاستراتيجية واحدة أو متقاربة. لكنّ سياسات الجمهورية ظلّت دائماً العمل على إحداث انشقاقات داخل المجتمعات والدول، وتكوين «محور المقاومة»، وزعم الاستيلاء على أربع عواصم عربية. تقول للعرب إنها تريد تحرير فلسطين لكن بطريقة الميليشيات في كل دولة، ومجاملات من دون شراكات. ولكي يبدو واضحاً أن إيران ما تعلمت من تجاربها وحروبها، نجدها تعامل دول الخليج في هذه الحرب كما تعامل إسرائيل! لقد أطالت أميركا للإيرانيين الحبل فازداد إيمانهم بصوابية سياساتهم تجاه الجوار وتجاه العالم. فلما قررت أميركا قطع الحبل وجدوا أنفسهم في المكان الذي كانوا فيه عام 1988، تاريخ نهاية الحرب مع العراق.

أفادت إيران الإسلامية من قضيتين كبيرتين: قضية المستضعفين، وقضية فلسطين، لكنها في الحالتين تابعت العمل بمعزلٍ عن أصحاب القضيتين. فما برز كفاحها في الأولى، ووقعت ضحية سوء التقدير في القضية الثانية. قد ينجو النظام هذه المرة أيضاً، لكنه إن لم يتخلَّ عن الانحشار دائماً بين الموقع والدور وجمرات المهدويات، فسوف يظلُّ معرَّضاً للحروب التي لا تأتي من أميركا وإسرائيل فقط.

نعاني نحن العرب من الافتقار إلى السكينة في الدين، لكن الإيرانيين أكثر معاناة منا. وما يحتاجون إليه أكثر منا أيضاً الإصغاء أخيراً لأدبيات وأعراف الدولة الوطنية، ومن قبل ومن بعد: العلاقات الطبيعية مع الجوار والعالم.

الشرق الأوسط


إيران تنصّب «مرشداً أعلى» جديداً/ أمير طاهري
13 مارس 2026 م
«إنه مصاب، لكنه على قيد الحياة!»؛ تلك كانت الرسالة التي مررتها سلطات الجمهورية الإيرانية بشأن مجتبى خامنئي، «المرشد الأعلى» الذي جرى تنصيبه حديثاً، والذي نجا من هجوم جوي إسرائيلي أودى بحياة والديه وزوجته في بداية الحرب الراهنة.

إن التكهنات حول خلافة مجتبى لوالده، آية الله علي خامنئي، في تحول جديد نحو توارث السلطة ليست بالأمر الجديد؛ فقد بدأت قبل نحو عشر سنوات عندما أُطلقت حملة لتوصيف علي خامنئي بـ«الإمام»، بدلاً من مجرد لقب «آية الله». واستمدت تلك الحملة إلهامها من حقيقة أن الأئمة الاثنى عشر في المذهب الشيعي الاثنى عشري يدينون بمكانتهم لسلالتهم، على عكس الإسلام التقليدي الذي يمنح لقب الإمام للفقهاء المتبحرين في العلوم الدينية، بصرف النظر عن نسبهم.

وقد تصاعد الضجيج حول مجتبى كخليفة لوالده عندما أشار أحد الملالي، في محفل عام حضره خامنئي، إلى مجتبى بلقب «آغا زاده» (ابن السيد)، وهو لقب مخصص لأبناء كبار آيات الله. حينها رد علي خامنئي، الذي بدا عليه الانزعاج الواضح، بأن مجتبى «آغا زاده»، لكنه «آغا» (سيد) في حد ذاته. وبعد ذلك، صدرت الأوامر لوسائل الإعلام الرسمية باستخدام لقب «آية الله» عند ذكر مجتبى.

وبصورة ما، يستحق مجتبى هذا اللقب أكثر من والده، الذي حال انخراطه في السياسة من دون استكماله للدراسات الدينية التقليدية التي قد تستغرق عشرين عاماً.

كما أن المرشد الأعلى الراحل لم ينشر رسالة أو أطروحة علمية، وهي شرط ضروري للمطالبة بلقب «مجتهد». كما افتقر علي خامنئي إلى شرط آخر من ضرورات «المرشدية الدينية»: الحصول على تزكية من أربعة من «مراجع التقليد» المعترف بهم دينياً.

بيد أن مجتبى يستوفي هذه المؤهلات – أما كيفية حصوله عليها فمسألة أخرى – وبذلك كان بإمكانه الدخول في أي منافسة على منصب المرشد الأعلى.

ومع ذلك، لو طُرحت هذه المسألة في ظروف طبيعية، فإنني أشك في أنه كان سيبحر بمثل هذه السلاسة إلى قمة هرم السلطة. إذ كان سيواجه دزينة أو أكثر من المنافسين الذين يمتلكون ادعاءات أقوى تدعم استحقاقهم لهذا المنصب الرفيع.

إلا أن الظروف الراهنة في إيران ليست طبيعية بأي حال من الأحوال.

إن المطالبة بـ«العمامة العليا» (منصب المرشد الأعلى) هي مقامرة لا يرغب الكثيرون في خوضها. وتُقِر الروايات الرسمية حول كيفية «انتخاب» مجتبى بأن 15 في المائة من أعضاء مجلس الخبراء – الهيئة المنوط بها اختيار «الولي الفقيه» – لم يصوتوا لصالحه.

علاوة على ذلك، كان المجلس بالأساس غير مكتمل النصاب؛ لأن تسعة من أعضائه الثمانية والثمانين، الذين فارقوا الحياة لم يُستبدلوا بغيرهم. ومن بين الأعضاء الواحد والثمانين المتبقين، تعذر الوصول إلى أعضاء عدة بسبب التعقيدات التي خلفتها الحرب. كما رفض اثنان على الأقل إعلان ترشحهما. وحسبما نعلم، فإن القائمة النهائية التي طُرحت للتصويت عبر الفضاء السيبراني ضمت ثلاثة أسماء، من بينها اسم مجتبى.

فهل يكون من قبيل التجاوز، الافتراض بأن مجتبى قد يدين بصعوده إلى سُدة السلطة، لحرب أشعل فتيلها أولئك الذين قتلوا والده؟

على أي حال، يمكن اعتبار مجتبى الخيار المنطقي الوحيد لنظام عصفت به الحرب والانقسامات الداخلية.

تتمثل ميزته الأولى في «شهرة الاسم»؛ وهو أمر لم يتمتع به أي من الأسماء الأخرى التي طُرحت كقادة محتملين. فـ«ولي فقيه» جديد غير معروف كان سيحتاج إلى وقت – ربما سنوات – لضمان الاعتراف اللازم بأحقيته في السلطة.

أما الميزة الثانية لدى مجتبى، فهي أنه رغم عدم تبوئه منصباً رسمياً، فإنه بصفته الابن المفضل لوالده، كان منخرطاً بشكل وثيق في الواقع السياسي وعلى دراية واسعة بجوانبه الجوهرية كافة، طوال الخمسة عشر عاماً الماضية على الأقل. وبناءً عليه؛ يمكنه – في حال تعافيه من إصابته – الانضمام سريعاً إلى عملية صنع القرار داخل نظام متزعزع.

وتكمن ميزته الثالثة في معرفته الكاملة بـ«النخبة» الخمينية؛ السياسية والعسكرية والتجارية، وهم بضع مئات من كبار اللاعبين والشخصيات البارزة في النظام.

وأخيراً، يتفوق مجتبى على والده بامتلاكه معرفة أوسع بالعالم الخارجي.

لقد قضى خامنئي الراحل جُلّ حياته داخل «شرنقة»؛ بدأها طالبَ علومٍ دينية، ثم ناشطاً سياسياً مغموراً في «مشهد»، تلى ذلك نفي داخلي لمدة عامين في «بلوشستان» الإيرانية، قبل أن يقفز فجأة ليصبح عضواً في مجلس الثورة التابع للخميني. وفي غضون عامين، ارتقى من منصب نائب وزير الدفاع إلى رئاسة الجمهورية الإيرانية، ويعود ذلك إلى حد كبير – من دون التقليل من مواهبه الخطابية – إلى أنه كان «تحت الطلب» فحسب. وإثر بقائه حبيس المناصب العامة، لم يتمكن خامنئي من اكتساب فهم مباشر للعالم الخارجي؛ فخلال فترة رئاسته، زار عدداً قليلاً من الدول، لا سيما كوريا الشمالية وصربيا وزيمبابوي. أما بصفته «مرشداً أعلى»، فنادراً ما خرج من شرنقته في طهران، وبمرور الوقت، أحاط به بضع عشرات من جوقة «المطيعين للغاية»، الذين لزم بعضهم مكانه لأكثر من 30 عاماً.

في المقابل، جاب مجتبى خامنئي أنحاء إيران كافة لتأسيس شبكة شخصية من الاتصالات الاجتماعية والسياسية والتجارية. كما تعلَّم اللغة الإنجليزية، وكان زائراً متكرراً للندن، ويتابع وسائل الإعلام العالمية من كثب، بل ودخل في استثمارات في بلدان غربية مختلفة.

ويتساءل الكثيرون عما إذا كان مجتبى أكثر «تشدداً» من والده. والإجابة أن والده بدأ حياته «معتدلاً» مقارنة برؤوس التشدد في ذلك الوقت، مثل رئيس الوزراء مير حسين موسوي، لكنه تحول إلى التشدد عندما أدرك أنه لا يمكن للمرء أن يكون معتدلاً في نظام غير معتدل. ويتولى مجتبى زمام الأمور – إن حدث ذلك فعلاً – في وقت لم يعد فيه نهج «التشدد» بلا ثمن.

وبالنسبة لما تبقى من النخبة الحاكمة في طهران، يظل مجتبى الخيار الأكثر منطقية؛ فهذه النخبة تدرك أنها ستضطر في مرحلة ما إلى تعديل مسار أشرعتها، إن لم ترفع الراية البيضاء بالفعل، لضمان الاستمرار فيما أسماه الشاعر تي. إس. إليوت: «البقاء بين الحياة وشبه الحياة».

إن «مرشداً أعلى» جديداً وغير معروف لم يكن ليناسب دور المروج لفكرة قد تشبه الاستسلام. على سبيل المثال، عام 1988، لم يكن لأحد في إيران أن يقبل النهاية المهينة للحرب مع العراق، ما كان لأحد أن يفعل ذلك سوى آية الله الخميني.

تقديري أن خامنئي الراحل، الذي صمم «خيار شمشون» الحالي، كان قد تصور أيضاً نوعاً من «التراجع البطولي» من حافة الهاوية. والآن، وبما أنه غادر المشهد، يرث ابنه هذه المهمة؛ إذ لا يمتلك أي من الأقزام الباقين تحت الأضواء في طهران المكانة اللازمة للاضطلاع بذلك.

أما مسألة ما إذا كان سيتحول لاحقاً كبشَ فداء لهؤلاء «الأقزام» من عدمه، فذلك أمر يكشفه المستقبل.

الشرق الأوسط


كيف تفكّر طهران بالتسوية لإعلان انتصارها؟/ حسن فحص
2026-03-13
بعد مرحلة من المواجهة العسكرية غير المسبوقة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، تعود أسئلة التسوية إلى الواجهة. فبين خطاب أميركي يطالب باستسلام كامل للنظام الإيراني، ومحاولات إيرانية لإظهار القدرة على الصمود واستعادة التوازن الداخلي، تبدو ملامح مرحلة تفاوضية محتملة في طور التشكّل. فكيف تفكّر طهران في شروط التسوية؟ وما هي الأوراق التي قد تحاول استخدامها قبل العودة إلى طاولة المفاوضات؟

وسط الضجيج السياسي والعسكري الذي يرافق الحرب الدائرة في المنطقة، يصرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تقديم نتائج المواجهة باعتبارها انتصاراً حاسماً لواشنطن. فبحسب الرواية الأميركية، أدت الضربات العسكرية واغتيال رأس النظام وعدد من كبار القادة العسكريين والسياسيين إلى إضعاف بنية النظام الإيراني وإدخاله في مأزق عميق يصعب تعويض خسائره سريعاً.

استعادة التوازن الداخلي وتثبيت موقع القيادة

من هذا المنطلق، ترى الإدارة الأميركية أن القيادة الجديدة في طهران مطالبة بالقبول بالشروط التي تضعها واشنطن لإنهاء الحرب، وفي مقدّمها تغيير قواعد اللعبة الإقليمية والتخلي عن أدوات النفوذ الخارجية التي اعتمدتها إيران خلال العقود الماضية.
وسط الضجيج السياسي والعسكري الذي يرافق الحرب الدائرة في المنطقة، يصرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تقديم نتائج المواجهة باعتبارها انتصاراً حاسماً لواشنطن

لكن في المقابل، تحاول طهران إظهار صورة مختلفة. فالنظام الإيراني سارع إلى احتواء تداعيات اغتيال المرشد الأعلى عبر انتخاب مرشد جديد، هو مجتبى خامنئي، في خطوة بدت وكأنها جرت ضمن ترتيبات أعدّتها مسبقاً دوائر القرار العميقة داخل الدولة، وخصوصاً داخل الحرس الثوري الإيراني.

هذا الانتقال السريع في السلطة سمح للنظام باستعادة حدّ أدنى من التماسك الداخلي، بعد مرحلة من الارتباك رافقت التصريحات المتباينة التي صدرت خلال الفترة الانتقالية، ومن بينها مواقف للرئيس مسعود بزشكيان أوحت بوجود اختلافات داخلية في تقدير الموقف.

في الوقت نفسه، تسعى طهران إلى إظهار قدرتها على الانتقال من موقع تلقي الضربات إلى موقع الرد وإلحاق الخسائر بخصومها وأصدقائها في مجلس التعاون الخليجي، خصوصاً على الجبهة الإسرائيلية التي تعدّها الحلقة الأضعف في معادلة الصراع مع واشنطن.

رغم غياب الظهور العلني للمرشد الجديد حتى الآن، سواء لأسباب أمنية أو صحية أو ضمن سياسة متعمدة لإدارة المواجهة من خلف الستار، فإن الرسالة التي تحاول القيادة الإيرانية إيصالها هي أن الاستراتيجية التي رسمها المرشد السابق ما تزال قائمة، وأن المواجهة ستستمر ضمن الخطوط نفسها وبوتيرة أعلى.

شروط طهران قبل العودة إلى طاولة التفاوض

على الرغم من الخطاب المتشدد الذي يكرره بعض المسؤولين الإيرانيين، ومنهم وزير الخارجية عباس عراقجي، حول عدم جدوى الحوار مع واشنطن، فإن القراءة الواقعية داخل دوائر القرار في طهران تدرك أن خيار القطيعة الكاملة مع الولايات المتحدة يحمل مخاطر كبيرة.

فالاستمرار في المواجهة المفتوحة قد يقود إلى استنزاف طويل الأمد، وهو ما قد يهدد الاستقرار الداخلي للنظام، خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها البلاد.
تحاول طهران إظهار صورة مختلفة. فالنظام الإيراني سارع إلى احتواء تداعيات اغتيال المرشد الأعلى عبر انتخاب مرشد جديد، هو مجتبى خامنئي، في خطوة بدت وكأنها جرت ضمن ترتيبات أعدّتها مسبقاً دوائر القرار

لهذا السبب، تشير تسريبات متداولة في الأوساط السياسية الإيرانية إلى أن دوائر القرار بدأت فعلياً التفكير في شكل التسوية الممكنة مع واشنطن، وفي النقاط التي قد تشكّل أساساً لأي مفاوضات مستقبلية بعد توقف العمليات العسكرية. ومن بين أبرز الأفكار التي يجري تداولها في هذا السياق:

التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار من دون شروط مسبقة، مع إنهاء التهديد الدائم باستئناف الحرب.
الاعتراف بحق إيران في امتلاك برنامج نووي سلمي يشمل تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها تحت رقابة دولية وإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
استبعاد البرنامج الصاروخي والمسيرات من أي مفاوضات، باعتباره جزءاً من منظومة الردع الاستراتيجي الإيرانية.
رفع كامل العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران.
بحث مستقبل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، بما في ذلك القواعد المنتشرة في الدول المجاورة.
عدم تقديم التزامات مباشرة تتعلق بالصراع مع إسرائيل.
البحث في آليات إقليمية جديدة لتنظيم التوازنات الأمنية في الخليج.

كما يبرز في النقاش الإيراني ملف مضيق هرمز، حيث يجري الحديث عن احتمال طرح فكرة إنشاء آلية إدارة مشتركة للمضيق بالتعاون مع سلطنة عُمان، وربما بمشاركة صينية في الإشراف على حركة الملاحة، في إطار ترتيبات أمنية واقتصادية أوسع.

تشمل بعض الطروحات أيضاً ملفات إقليمية أخرى، من بينها مستقبل دور حلفاء إيران في المنطقة، وخصوصاً في لبنان، حيث ترى طهران أن معالجة قضايا مثل سلاح الحزب يجب أن تبقى شأناً لبنانياً داخلياً.

بين سقوف مرتفعة وتسوية وسط

بطبيعة الحال، تبدو هذه الشروط الإيرانية ذات سقف يصل إلى السماء إعلان انتصارها، وتعكس محاولة لإظهار أن طهران ما تزال قادرة على التفاوض من موقع قوة، أو على الأقل من موقع يمنع فرض استسلام كامل عليها.

لكن منطق التفاوض يقوم عادة على خفض سقوف المطالب المتبادلة تدريجياً للوصول إلى نقطة وسط تسمح لكل طرف بتقديم النتيجة أمام جمهوره الداخلي باعتبارها إنجازاً.

لهذا، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالاً تدريجياً من منطق المواجهة العسكرية إلى منطق المساومات السياسية، حيث سيحاول كل طرف تعزيز أوراقه قبل الجلوس إلى الطاولة.

في نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت التسوية ستحدث، بل متى وكيف، ومن سيتمكن من تسويق نفسه بوصفه الطرف الذي خرج من هذه الحرب بأقل الخسائر وأكثر المكاسب.
اساس ميديا


حرب قد ينتصر فيها الجميع إلا من تخاض الحروب باسمهم/ بلال خبيز
الجمعة 2026/03/13
حتى اللحظة هناك منتصران في هذه الحرب. وقد يخرج منها منتصر ثانوي. أميركا منتصرة بلا شك، وإيران أيضاً. إسرائيل من جهتها ما زالت تبحث عن انتصارها وتحديد معناه. حتى اللحظة، وبخلاف كل التحليلات السهلة والمتوارثة، لا يمكن الحديث عن انتصار إسرائيلي في هذه الحرب. والأرجح أن قادة إسرائيل يبحثون عن انتصار في لبنان، لأن الانتصار في إيران صعب التحقق.

بالنسبة لترامب يبدو انتصاره غير قابل للتشكك. لقد نجحت قواته في تدمير معظم البنية العسكرية الإيرانية، وطائراته تجوب السماء الإيرانية من دون رقيب. وهذا انتصار عسكري، بمنطق الدول، لا غبار عليه، ولا يمكن لأي كان التشكيك فيه. لكن هذا الجانب ليس الوحيد في تعريف هذا النصر. إذ نجحت هذه الحرب منذ أيامها الأولى في تحويل إيران من دولة تقيم علاقات متشابكة مع محيطها القريب والبعيد، إلى دولة لم تعد صالحة للاستثمار في استقرارها وازدهارها. فحتى لو انتهت الحرب اليوم، وامتنعت إيران عن تهديد الملاحة في مضيق هرمز، فإن فائدتها للدول التي كانت تجد فيها فائدة (الصين وروسيا والهند) لم تعد مضمونة. وقف إطلاق النار اليوم يعني أن إيران لن تكون قادرة على أن تكون مفيدة على المستوى الجيواستراتيجي لروسيا، الغارقة هي الأخرى في حرب استنزاف لا تنتهي. ولن تكون أيضاً مفيدة للصين، التي كانت ترى فيها مورداً لما تحتاج إليه من نفط منخفض التكلفة، لأن شرط استمرار تدفق النفط وإنتاجه وتكريره، يعتمد من دون شك على استقرار المنطقة أمنياً، بحيث يمكن للنفط الإيراني أن يعبر المضائق، حتى لو كانت السفن التي تنقله ترفع أعلاماً غير إيرانية (عراقية على سبيل المثال). بكلام آخر، إن شرط تصدير النفط الأهم هو زوال التهديد الأمني عن الجميع.

هذا الواقع المستجد يثبت لترامب أن انتصاره تحقق. وأن هذه الحرب أدت في ما أدت إليه من نتائج، إلى إضعاف القدرة العسكرية الإيرانية إلى حد بعيد، وتحويل سلاحها من سلاح دولة إلى سلاح عصابات. وبين الصراع مع الدولة والصراع مع العصابة ثمة فارق جوهري، يسمح لأميركا أن تتابع ضغطها العسكري والاقتصادي على إيران، من دون أن تلقى أي اعتراض.

إيران أيضاً منتصرة. ذلك أن الانتصار الإيراني، وفق ما يعلنه مسؤولوها، يعني ببساطة، أن هذه الدولة لم تستسلم. لم يعد الانتصار يعني فك الحصار الاقتصادي، ولم يعد يعني معالجة المصاعب الاقتصادية، ولم يعد يعني، أيضاً، أن تظن إيران نفسها دولة كبرى، أكبر من جيرانها طبعاً، وتوازي الصين والبرازيل والهند.

الانتصار بالتعريف الإيراني هو النجاح في تجنب الاستسلام لأقوى قوة في التاريخ. وما يترتب على هذا الانتصار والتأكيد عليه، يغذي فكرة ترامب عن الانتصار عليها. ذلك أن إيران ستحاول لوقت طويل أن تثبت أنها ما زالت قوة يحسب لها حساب، من خلال ولوغها في أعمال القرصنة التي تهدف إلى تعطيل دور الاقتصاد العالمي، على الأقل في بعض جوانبه. وهذا ما ينقلها من خانة الدولة المهزومة إلى خانة العصابة المنتصرة. لهذا لم تتأخر كثيراً في البدء بتنفيذ سياسات ما بعد انتصارها. وأعلنت بوضوح أنها ستهدد بكل ما تملكه دول المنطقة واستقرارها. ما يعني أن الخلفية التي تحكم هذا السلوك، تفترض أن فرض التوتر الأمني على المنطقة المحيطة بحدودها يعني أن الهيمنة الأميركية غير متحققة فيها. وهذا يساعدها على الظن بأنها تؤدي خدمة جليلة لمنافسي أميركا على موقع الدولة الأقوى، لكنه ينهي، بالضربة القاضية، أي أمل في عودة إيران إلى حلم الاندراج في ماكينة توازنات عالمية تلحظ لها دورا ما.

باختصار إيران منتصرة لأنها خرجت على نحو شبه تام من الانتظام العالمي، الذي يؤمن الاستقرار الهش الذي يحكم طبيعة السياسات الدولية منذ عقود.

من جهتها إسرائيل لم تحقق أي إنجاز في هذه الحرب. ذلك أن تحقيق طموحاتها يشترط إقراراً إيرانياً بالهزيمة. في هذه الحال تصبح الدولة الوحيدة التي شاركت أميركا نصرها. وعليه، فإن ذلك ينعكس حكماً على صلابة موقعها في المنطقة في مواجهة القوى الإقليمية التي تهدد هيمنتها عليها وتمنعها من تحقيقها، وفي مقدمها تركيا والمملكة العربية السعودية.

والحال، فإن النتيجة الماثلة للعيان المترتبة على هذه الحرب تثبت أن إسرائيل لم تنجح في صناعة دور أكبر مما كان عليه دورها في المنطقة. ومرة أخرى ستجد نفسها مدفوعة، بسبب هذا الإحباط المعنوي، إلى محاولة تحقيق نصر في لبنان. فإن لم تنجح في اكتساب صفة الدولة الإقليمية الكبرى، فربما تنجح في اكتساب صفة الجندي الذي ينجح في ربح معاركه، لكنه يعجز أن يصبح ملكاً. والفارق بين ربح المعركة والتنصيب الإمبراطوري لا يخفى على أحد.

يبقى أن الخاسرين في هذه الحرب لا يحصون عدداً.

لنبدأ من تركيا التي أنتجت هذه الحرب لها جارا متمرداً ومتقلقلاً، إلى الخليج العربي الذي تستهدفه النار الإيرانية، لا لسبب، إلا لأن هذه النار لا تستطيع أن تصل إلى أهدافها، فتقرر حرق ما تطاله ألسنتها. إلى الصين التي خسرت مورداً للطاقة وعليها أن تبحث من جديد على بدائل. وروسيا التي تجد نفسها اليوم على الحافة التي سقطت عنها إيران. لكن هذه القوى جميعاً، قادرة على تقليص خسائرها. في حين أن المهزوم الفعلي في هذه الحرب هو شعوب إيران ولبنان وربما العراق، الذين أصبحوا مجرد رهائن، وباتوا مهددين في سلامتهم وقوت يومهم. ذلك أن هذه الحرب نزعت عنهم كل حصانة. وجعلتهم هدفاً معلناً لطرفي هذه الحرب.
المدن


من الزوارق المسيرة إلى القراصنة.. طهران تنتقل إلى الخطة ب
الرياض – العربية.نت
12 مارس ,2026
بعد مضي أقل من أسبوعين على الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأميركية، يبدو أن طهران انتقلت إلى المرحلة الثانية أو الخطة “ب”.

فبعد إطلاق كميات كبيرة من المسيرات والصواريخ التي لم تؤدِ إلى تحقيق نتائج تذكر في ميزان القوة، انتقلت طهران إلى مرحلة جديدة.

فقد أغلقت مضيق هرمز البحري المهم عالمياً، عبر التلويح باستهداف سفن الشحن سواء بالطائرات المسيرة أو الزوارق المسيرة المفخخة. فقد أكدت سلطات بحرية ومحللون أمس الأربعاء أن زوارق مسيرة استُخدمت في هجومين على الأقل على ناقلات نفط منذ اندلاع الحرب، ما أشار إلى تهديد جديد وخطير في ممر الشحن الرئيسي، وفق ما نقلت وكالة رويترز.

كذلك هدد الجانب الإيراني بإمكانية استهداف مصارف أميركية أيضاً في المنطقة.
قراصنة إيرانيون

كما أفيد عن مهاجمة قراصنة مرتبطين بإيران شركة “سترايكر” الأميركية للمعدات الطبية. وأعلنت مجموعة قرصنة تدعى “حنظلة” Handala، مرتبطة بإيران، عبر قناتها في تليغرام مساء أمس مسؤوليتها عن الهجوم الذي استهدف شركة Stryker الأميركية المتخصصة في الأجهزة والخدمات الطبية، قائلة إنّه جاء رداً على الضربة التي استهدفت مدرسة ميناب في جنوب إيران، فضلاً عن “الهجمات السيبرانية المستمرة”.

فيما أكدت سترايكر، التي تتخذ من ولاية ميشيغان مقراً لها ويعمل لديها 56 ألف موظف وتُدير عمليات في 61 دولة، حصول الهجوم. وأوضحت الشركة في إشعار قدّمته إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية (SEC) أن الهجوم تسبب في اضطرابات وحدّ من الوصول إلى بعض الأنظمة.

كما نشر موظفون ومتعاقدون مع الشركة منشورات على شبكات التواصل الاجتماعي، كشفوا فيها أن شعار مجموعة القرصنة ظهر على صفحات تسجيل الدخول الخاصة بالشركة، حسب رويترز.
“هجمات انتقامية”

وكانت المخاوف من أن تلجأ إيران، التي تمتلك قدرات متقدمة في مجال التجسس السيبراني، إلى شن هجمات انتقامية على كيانات أميركية أو إسرائيلية تزايدت بعد بدء البلدين بشن ضربات جوية ضدها.

فيما أوضحت سينثيا كايزر، نائبة الرئيس الأول في مركز أبحاث الفدية التابع لشركة Halcyon والمسؤولة السابقة في مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) أن “هذا النوع من الهجمات كان مثار قلق عدة جهات أميركية”، في إشارة إلى استخدام وكلاء إيران هجمات سيبرانية ضد شركات أميركية.

في حين أكد مسؤول في البيت الأبيض أن “إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تراقب دائماً، وبشكل استباقي التهديدات السيبرانية المحتملة، وتوجّه الاستجابة عبر البنية التحتية الحيوية والجهات التنظيمية ووكالات إنفاذ القانون ذات المستوى العالمي”.

يذكر أن شركة الأمن السيبراني الإسرائيلية “تشاك بوينت” Check Point، كانت أشارت في تقرير صدر الثلاثاء الماضي إلى أن مجموعة” حنظلة” ارتبطت بعدة عمليات اختراق وتسريب بيانات، بالإضافة إلى هجمات تخريبية شملت تدمير بيانات. وقال جيل ميسنغ، رئيس العمليات في الشركة الإسرائيلية “إنهم المجموعة الأكثر شهرة المرتبطة بالنظام الإيراني”. وأضاف أن شركة Check Point تتبع المجموعة منذ سنوات، وتعتقد أنها تعمل تحت إشراف وزارة الاستخبارات الإيرانية”.


ماذا ستفعل إسرائيل إذا تركتها أمريكا وحيدة في حرب إيران؟
تستعد إسرائيل لإعادة ترتيب مخططاتها العسكرية لمواجهة احتمال انسحاب الولايات المتحدة من الحرب على إيران، مع الحفاظ على قدرتها على اتخاذ القرار العسكري بشكل مستقل.

وكانت وكالة رويترز قد أفادت -نقلا عن مستشار للرئيس الأمريكي دونالد ترمب– بوجود صراعات داخل البيت الأبيض تؤثر في تصريحاته المتغيرة بشأن مسار الحرب، إذ يتباحث مساعدو الرئيس في توقيت إعلان النصر على إيران وكيفيته في ظل اتساع رقعة الصراع.

ونقلت الوكالة عن مصدر مطلع أن ترمب أكد في مناقشات مغلقة عدم رغبته في الانسحاب المبكر وضرورة “إتمام المهمة”، رغم نصيحة بعض مساعديه بإنهاء الصراع بطريقة يمكن تصويرها على أنها انتصار ولو نجا معظم القادة الإيرانيين.

وفي هذا السياق، أعرب الخبير في الشؤون الإسرائيلية نهاد أبو غوش عن اقتناعه بأن احتمال انسحاب واشنطن من حرب إيران ليس كبيرا، لكن إسرائيل تتحسب له بدقة.

وقال أبو غوش، في حديثه للجزيرة، إن تل أبيب ستلتزم بالقرار الأمريكي على الجبهة الإيرانية، في حين تمنح نفسها هامشا واسعا على الجبهة اللبنانية لاتخاذ خطوات مستقلة في العمليات الجوية والهجومية “مهما كانت نتيجة الحرب في إيران”.

ووفق الخبير أبو غوش، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ألمح إلى إمكانية إلغاء اتفاقية تقسيم حقول الغاز البحرية مع لبنان، مما يعكس حرص إسرائيل على فرض شروطها الإستراتيجية مستقبلا.

وفي ضوء هذه التطورات، تبدو إسرائيل راضية عما أنجزته حتى الآن مع الولايات المتحدة، وتتوعد بشن جولة جديدة من العمليات العسكرية ضد إيران “إذا نشأ أي تهديد”، كما يقول الخبير في الشؤون الإسرائيلية.

تحول ملموس

من جانبه، قال الخبير العسكري نضال أبو زيد إن الجهد الحربي الإسرائيلي في حرب إيران شهد تحولا ملموسا في الأيام الأخيرة، إذ صار ثلثا الجهد الجوي الآن مخصصا لإسرائيل نفسها، مقابل ثلث للجانب الأمريكي، بعد أن كان الوضع في بداية الحرب معكوسا.
إعلان

وأكد أبو زيد، في حديثه للجزيرة، أن هذا التغيير يعكس استعداد تل أبيب لتحمل المسؤولية المباشرة عن تنفيذ “بنك الأهداف” وضمان تحقيق الضربات الدقيقة نحو أهداف عالية القيمة، بما يتيح لها السيطرة على الميدان في أي سيناريو محتمل لإنهاء واشنطن الحرب.
إستراتيجية خروج

وفي السياق الأمريكي، قال خبير الأمن والإستراتيجية العسكرية في مؤسسة ويكستراد ريتشارد وايتس إن واشنطن تعمل على تطوير إجراءات وقائية واستباقية لتقييد القدرات الإيرانية، مع توجيهات واضحة بعدم اتخاذ أي خطوة قد تؤدي لتصعيد إضافي.

وحسب حديث وايتس للجزيرة، فإن الولايات المتحدة تمتلك سيناريو محتمل مشابه لما حدث مع جماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن، يتضمن وقف القصف ووقف إطلاق نار محدود، لكنه لم يُفعل بعد، مع استمرار تقييم المخاطر والقدرات الإيرانية.

بدوره، أشار مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق للاتصالات الإستراتيجية مارك فايفل إلى وجود صراعات داخل البيت الأبيض تؤثر في تصريحات الرئيس دونالد ترمب بشأن مسار الحرب، مع ضغوط من المتشددين لمواصلة الهجوم على إيران.

وأوضح فايفل، في حديثه للجزيرة، أن الفريق العسكري والدبلوماسي يسعى لإيجاد توازن بين الضغط العسكري على إيران وفتح قنوات دبلوماسية لتقليل خطر مواجهة برية طويلة الأمد، مع الحفاظ على قدرة إسرائيل على اتخاذ القرار الإستراتيجي في أي سيناريو محتمل.

ومنذ 28 فبراير/شباط الماضي، تشن إسرائيل والولايات المتحدة هجمات على إيران، أسفرت عن مقتل وإصابة مئات الأشخاص بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي ووزير الدفاع وقائد الحرس الثوري وقادة عسكريون آخرون.

وتردّ طهران بإطلاق صواريخ ومسيَّرات اتجاه إسرائيل، إضافة إلى استهداف ما تصفه بأنه “مصالح أمريكية” في دول عربية وخليجية، وهو ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وتضرُّر مرافق مدنية بينها مطارات وموانئ ومبانٍ سكنية.
المصدر: الجزيرة


كيف استهانت أميركا باحتمال إغلاق هرمز؟ صدمة لدى الخبراء في واشنطن
13 مارس 2026
كشف تحقيق نشرته شبكة “سي أن أن” (CNN) يوم الجمعة 13 مارس/آذار، أن مسؤولين في واشنطن تجاهلوا احتمال قيام إيران بإغلاق مضيق هرمز عقب العملية العسكرية الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهو ما أدى لاحقاً إلى أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ وتعطّل حركة السفن التجارية الأميركية في المنطقة.

وبحسب التحقيق، فإن دوائر القرار في الولايات المتحدة ربما قللت من قدرة إيران على تنفيذ تهديدها بإغلاق المضيق، رغم أن هذه الخطوة تمثل أحد أخطر السيناريوهات التي قد تضرب الاقتصاد العالمي، نظراً لأن المضيق يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية.
تهميش تحذيرات الطاقة والمالية

وأشار تحقيق “سي أن أن” إلى أن تحليلات وتوقعات وزارتي الطاقة والخزانة الأميركيتين لم تحظَ بالأولوية خلال اجتماعات التخطيط التي سبقت العملية العسكرية.

ورغم مشاركة وزير الخزانة سكوت بيسنت ووزير الطاقة كريس وايت في مراحل التخطيط والتنفيذ، فإن تفضيل الرئيس الأميركي دونالد ترامب دائرة ضيقة من المستشارين المقربين في قرارات الأمن القومي أدى عملياً إلى تهميش التحذيرات التي قدمتها هاتان المؤسستان بشأن المخاطر الاقتصادية المحتملة.
سيناريو الإغلاق لم يؤخذ بجدية

ونقل التحقيق عن ثلاثة مصادر في واشنطن أن مسؤولين كباراً في الإدارة الأميركية اعترفوا خلال اجتماعات مغلقة مع أعضاء في الكونغرس بأنهم لم يتوقعوا أن تقدم إيران على إغلاق مضيق هرمز رداً على الضربات العسكرية.

وكان الاعتقاد السائد لدى هؤلاء المسؤولين أن أي خطوة من هذا النوع ستلحق ضرراً أكبر بإيران نفسها مقارنة بالولايات المتحدة، وهو تقدير تعزز بسبب تهديدات إيرانية سابقة لم تُنفذ بعد الضربات الأميركية على منشآت نووية إيرانية خلال الصيف الماضي.

غير أن عدداً من المسؤولين الحاليين والسابقين أكد في تصريحات لـ”سي أن أن”، أن أي خطة عسكرية ضد إيران كان ينبغي أن تتضمن احتمال إغلاق المضيق، باعتباره من أهم أدوات الضغط الاستراتيجية التي تمتلكها طهران.
خبير أميركي: “أنا مصدوم”

ونقلت “سي أن أن” عن مسؤول أميركي سابق خدم في إدارات جمهورية وديمقراطية، قوله إن تجاهل هذا السيناريو يتعارض مع المبادئ التقليدية للأمن القومي الأميركي. وقال المسؤول إن “التخطيط لمنع هذا السيناريو تحديداً، حتى لو بدا مستبعداً، هو مبدأ أساسي في سياسة الأمن القومي الأميركية منذ عقود.. أنا مصدوم”.

وأوضح التحقيق أن وفرة الإمدادات العالمية من النفط والغاز المسال في تلك الفترة، إلى جانب مستويات الإنتاج القياسية في الولايات المتحدة، جعلت صانعي القرار لا يعتبرون المخاطر أولوية عاجلة.
إغلاق هرمز يربك سوق النفط

لكن التطورات على الأرض جاءت بعكس تلك التقديرات. فقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى أكبر اضطراب في إمدادات النفط على الإطلاق، وفق ما رصدته الوكالة الدولية للطاقة، في وقت تعطلت حركة السفن التجارية والنفطية في المنطقة. وتشير التقديرات إلى أن الأزمة قد تستمر لأسابيع قبل أن تتراجع تداعياتها، خصوصاً مع استمرار التصعيد العسكري في المنطقة.

ويأتي ذلك، بينما أعلنت إيران بالفعل إغلاق المضيق، في خطوة اعتبرتها أداة ضغط استراتيجية، كما أكد المرشد الإيراني في خطاب ألقاه أمس الخميس أن المضيق سيظل مغلقاً، وأمر بمواصلة هذا الإجراء في مواجهة الضغوط العسكرية.
طلبات لمرافقة عسكرية للسفن

وفي خضم الأزمة، طلبت شركات النقل البحري الأميركية من البحرية الأميركية مرافقة عسكرية للناقلات والسفن التجارية عبر الخليج، لكن هذه الطلبات رُفضت. وبحسب التحقيق، يرى البنتاغون أن مرافقة السفن حالياً تنطوي على مخاطر كبيرة، خصوصاً بعد تقارير تحدثت عن احتمال زرع ألغام بحرية في المنطقة.

ومع ذلك، قال وزير الخزانة سكوت بيسنت في تصريحات لقناة “سكاي نيوز” أمس الخميس، إن البحرية الأميركية قد تبدأ مستقبلاً بمرافقة السفن، ربما ضمن تحالف دولي، عندما يصبح ذلك ممكناً من الناحية العسكرية.
البيت الأبيض يقلل من الأزمة

في المقابل، حاولت الإدارة الأميركية التقليل من خطورة الأزمة. فقد قالت نائبة المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي إن الرئيس ترامب أوضح أن “أي اضطراب في أسواق الطاقة سيكون مؤقتاً، وأنه سيؤدي على المدى الطويل إلى مكاسب للاقتصاد الأميركي والعالمي”. وأضافت أن “الإدارة كانت مستعدة لأي تحرك محتمل من إيران بفضل عملية تخطيط مفصلة”.

تداعيات سياسية داخلية

لكن التداعيات بدأت تظهر داخل الولايات المتحدة. فقد ارتفع سعر غالون الوقود إلى نحو 3.60 دولارات، في وقت أظهر استطلاع أجرته “أن بي سي” (NBC) أن 52% من الأميركيين يعارضون الحرب على إيران.

ويأتي ذلك في وقت كان ارتفاع تكاليف المعيشة أصلاً أحد أبرز مصادر القلق لدى الأميركيين، ما يجعل الأزمة الحالية مرشحة لأن تتحول إلى تحد سياسي كبير للإدارة الأميركية.


تداعيات إغلاق مضيق هرمز … هل يمكن العالم إبقاءه مفتوحاً بلا عملية برية؟/ رياض قهوجي
13 مارس ,2026
بعد إثني عشر يوماً على بدء الهجوم الأميركي-الإسرائيلي ضدها، بدأت طهران لعب أقوى ورقة بيدها وهي إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، عبر استهداف سفن تابعة للغرب ودول المنطقة بمسيرات انتحارية جوية وبحرية. وكانت الولايات المتحدة تتوقع إقدام إيران على هذه الخطوة ولذلك قامت بتوجيه ضربات استباقية ضد البحرية الإيرانية والقواعد البحرية التابعة للحرس الثوري منذ اليوم الأول للحرب.

وبحسب القيادة المركزية الأميركية، فلقد تمكنت قواتها من إغراق ما لا يقل عن ستين سفينة حربية إيرانية. وتجدر الإشارة إلى أن سلاح البحرية التابع للجيش الإيراني كان يملك اثنتين وستين سفينة حربية في الخدمة قبل الحرب. أما بحرية الحرس الثوري المؤلفة من أكثر من 250 زورقاً سريعاً يتراوح طولها بين 12 و24 متراً، ومنها ما هو مسلح بصواريخ أو طوربيد أو مدافع رشاشة، وقد أغرق جزء منها وينتشر الجزء الآخر في مياه الخليج بعد أن دمرت معظم قواعده.

وآخر ما استهدفته القوات الأميركية كان 12 سفينة للبحرية الإيرانية تستخدم لنشر ألغام بحرية قال المسؤولون الأميركيون إن طهران كانت تنوي استخدامها لزرع الألغام في المضيق. لكن إقدام طهران على هذا الخيار سيمنع سفنها من العبور أيضاً، وهو ما قد يمنعها من تصدير نفطها، وهي عملية لم تتوقف رغم كل ما جرى حتى الآن. فالولايات المتحدة تريد أن تبقى أسعار النفط منخفضة عبر توفير ما تحتاجه السوق من نفط، ولذلك تسمح لطهران بالاستمرار في بيع نفطها وجمدت بعض العقوبات على موسكو لتسمح لها أيضا ببيع نفطها.

الوضع الاقتصادي الأميركي يتأثر بسرعة بارتفاع أسعار النفط ما قد يؤثر سلباً على قدرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الاستمرار في الحرب للفترة التي يريدها لتحقق أهدافها، وهذا قد يمتد لأربعة أسابيع إضافية.

لقد هدد الرئيس ترامب بالسيطرة على مضيق هرمز، وهي مهمة كبيرة لا يمكن تحقيقها من البحر والجو فقط، وقد ظهر هذا جلياً خلال المواجهة مع ميليشيات الحوثي في اليمن. فرغم حملات جوية وقصف بحري لأسابيع، استمرت الهجمات الحوثية على الملاحة قرب مضيق باب المندب. فلطالما هناك قدرة لأي قوة على الوصول إلى الساحل لإطلاق هجمات بزوارق مسيرة انتحارية، فهي ستتمكن من تهديد الملاحة في المضيق، بخاصة إذا ما كان مثل مضيق هرمز الذي لا تتعدى المسافة الفاصلة بين ضفتيه 34 كيلومتراً. وللسيطرة على مضيق هرمز، يجب على الولايات المتحدة أن تسيطر على الجزر الإيرانية فيه وعلى المنطقة الساحلية لبندر عباس، ما يعني عملية برية واسعة النطاق. وحتى الآن، لم تصل إلى المنطقة أي قوات برية أميركية رغم التسريبات الإعلامية التي تحدثت عن تجهيز الفرقة 82 من مظليي الجيش الأميركي التي تستخدم في عمليات الإنزال للسيطرة على الأراضي. وربما تستعين واشنطن بقوى محلية معارضة للنظام لتحقيق هذا الهدف، إذ تشير بعض التقارير إلى رصد نشاطات لمجموعات مسلحة في شوارع طهران ومدن أخرى في اليومين الأخيرين.

سيكون لإغلاق مضيق هرمز تداعيات خطيرة على الاقتصاد الدولي، وبخاصة على دول المنطقة التي تعتمد على النقل البحري لغالبية صادراتها ووارداتها. وسيزداد الوضع تعقيداً في حال قرر الحوثي دخول حرب إسناد لإيران عبر فتح جبهة البحر الأحمر وتهديد الملاحة في مضيق باب المندب. فالمملكة العربية السعودية تمكنت من الاستمرار بضخ نفطها إلى الأسواق العالمية عبر موانئها المطلة على البحر الأحمر، والتي تؤمن منافذ لصادراتها ووارداتها أيضاً. وهذا يساعد دول الخليج الأخرى التي تستعمل الموانئ السعودية على البحر الأحمر.

أمام واشنطن خيارات صعبة في ما يخص مضيق هرمز، فترامب يفضل تجنب استخدام قوات برية في إيران، رغم أنه أبقاه كخيار مفتوح في لقاءاته الصحافية. وقد يجد نفسه مرغماً على ذلك لسحب أقوى ورقة بيد النظام الإيراني الذي يتهاوى تدريجياً تحت الضربات الأميركية-الإسرائيلية اليومية. كما أن انهيار النظام وانتشار الفوضى قد يؤديان إلى سيطرة مجموعات متشددة على منطقة بندر عباس ما سيهدد الملاحة في المضيق وهذا ما يجب منعه. وهذا يستدعي تدخلاً برياً.

نقلاً عن النهار


شرق المتوسط على خط النار: التحشيد العسكري الأوروبي ردع أم تصعيد؟/ إنجي مجدي
في أول رسالة له منذ إعلانه المرشد الأعلى الجديد لإيران تعهد مجتبي خامنئي بالانتقام ومواصلة استهداف دول المنطقة

الجمعة 13 مارس 2026
في حين يخشى الأوروبيون أن يؤدي توسع الصراع إلى تهديد استقرار شرق المتوسط وارتفاع أسعار الطاقة وتحويل اهتمام الولايات المتحدة بعيداً من الحرب في أوكرانيا، يقول مراقبون إن جميع الخيارات متاحة، فيما صرّح عضو لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة إلى “اندبندنت عربية”، بأن “لا أحد يريد أن يظهر وكأنه يعارض الولايات المتحدة أو إسرائيل بصورة مباشرة”.

مع تصاعد حدة الحرب في إيران، تتحول منطقة شرق المتوسط تدريجاً إلى ساحة تمركز عسكري للقوى الغربية، حيث تتزايد التحركات البحرية والجوية في محيط المنطقة. فبعد أكثر من أسبوع من تعرض قاعدة جوية بريطانية في قبرص لهجوم بطائرة مسيّرة، أبحرت السفينة الحربية البريطانية “أتش أم أس دراغون” إلى شرق المتوسط، لتلتحق بعدد من الطائرات الحربية التي نُشرت في قاعدتها الجوية. وأرسلت فرنسا وألمانيا واليونان وإيطاليا وإسبانيا فرقاطات وسفناً حربية ومقاتلات، فيما تستعد هولندا لإرسال الفرقاطة “إيفرستين” وأرسلت تركيا طائرات “إف 16” وأنظمة دفاع جوي.

وبينما تبدو هذه التحركات للوهلة الأولى جزءاً من تصعيد عسكري أوسع، تشير تقديرات دبلوماسية أوروبية إلى أن الهدف الأساس منها يتمثل في إظهار الحضور والردع أكثر من التحضير لمواجهة مباشرة ضد إيران. فرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أبدى موقفاً واضحاً من رفض التورط في الحرب، إذ قال أمس الأربعاء إنه يرغب في “خفض التصعيد” في الشرق الأوسط، مما يتعلق جزئياً في رغبته تجنب التورط في الحرب في وقت يواجه حزب العمال الحاكم مشقات سياسية في الداخل، فهو يرغب في وقف ارتفاع فاتورة الطاقة وعدم مواجهة موجة جديدة من التضخم بينما تقترب الانتخابات المحلية.

وفي حين أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس موقفاً داعماً لحلفائه في واشنطن وتل أبيب، عندما كتب في الأول من مارس (آذار) الجاري “هذا ليس الوقت المناسب لإلقاء المحاضرات على حلفائنا، بل للوقوف معاً بوحدة”، ظهرت بعد 10 أيام خلافات واضحة داخل الاتحاد الأوروبي، أبرزها معارضة إسبانيا الصريحة للعملية الأميركية-الإسرائيلية وانتقادات فرنسا.

وبصورة عامة فإن المزاج الأوروبي يميل نحو تجنب التورط في صراع الشرق الأوسط، إذ ينصب تركيز الأوروبيين على الحرب في أوكرانيا والتهديد الذي تمثله روسيا، وبرز ذلك ضمن تصريحات وزير الخارجية البولندي رادوسلو سيكورسكي إلى صحيفة محلية، قائلاً إن إيران لم تكن تشكل “تهديداً مباشراً” لأوروبا أو الولايات المتحدة وإسرائيل قبل الحرب، لكنه أضاف أن “الحروب الوقائية يمكن أن تكون مبررة أحياناً”، مجادلاً أنه لو حوربت ألمانيا النازية بصورة وقائية، “لكان العالم تجنب كثيراً من المعاناة”، وأوضح أن بلاده ليست لديها خطط للانضمام إلى الحرب ضد النظام الإيراني، بل تركز على الحرب القائمة على حدودها.

في هذا السياق، تبرز قبرص العضو في الاتحاد الأوروبي، بحكم موقعها الجغرافي ووجود قواعد عسكرية غربية على أراضيها، كنقطة ارتكاز لوجستية وعسكرية في شرق المتوسط، مما يجعلها في الوقت نفسه عنصراً مهماً في منظومة الانتشار الغربي، ومصدر قلق محتملاً إذا ما امتد الصراع الإقليمي إلى ما هو أبعد من حدوده الحالية. وتعرضت قاعدة أكروتيري الجوية البريطانية في جنوب قبرص لهجوم مسيّرة إيرانية أطلقها “حزب الله” مطلع مارس الجاري، مما دفع بريطانيا إلى إسال المدمرة “أتش أم أس دراغون”.

ويشير موقع ‌البحرية ⁠الملكية البريطانية إلى أن “دراغون” مدمرة دفاع جوي من طراز 45 مجهزة بنظام صواريخ “سي فايبر” ورادار متطور مصمم لتتبع التهديدات الجوية وتحييدها.
توازن للردع

ويقول الدبلوماسي القبرصي السابق والعضو الحالي في لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة أندرياس مافرويانيس إن في هذه المنطقة من العالم، إذا لم تكُن بعيداً جداً فأنت هدف محتمل، أو حتى أكثر من مجرد هدف محتمل. ويضيف أن “ما نراه هو تفوق عسكري هائل ومذهل لإسرائيل والولايات المتحدة عندما يتعلق الأمر بالأسلحة في الأقل. وهذا التفوق العسكري الكبير يجعل دور إيران وحلفائها، أو أتباعها، يقتصر على محاولة إحداث الفوضى أو القيام برد فعل ما نتيجة هذا التفوق العسكري الهائل”، مؤكداً أن قبرص كدولة ليست هدفاً عسكرياً رئيساً لإيران.

ووفق تفسير مافرويانيس للتحشيد العسكري الأوروبي شرق المتوسط، يقول في حديثه إلى “اندبندنت عربية” إن الدول الأوروبية تريد أن تبدو وكأنها تقوم بشيء ما من دون التورط فعلياً في الصراع لأن لدى الأوروبيين كثيراً من التحفظات “لكن لا أحد يريد أن يظهر وكأنه يعارض الولايات المتحدة أو إسرائيل بصورة مباشرة”. ويضيف “نحن نعلم أن الهجمات التي تقوم بها إسرائيل والولايات المتحدة غير قانونية وفق القانون الدولي، لكن هذا لا يعني أننا نحب النظام الإيراني”، لذلك ترسل بريطانيا والدول الأوروبية قوات إلى المنطقة “لكن ليس لأن هناك خطراً كبيراً فعلياً على قبرص، بل إن الأمر أشبه بعرض سياسي أو استعراض للقوة. في الواقع لا يوجد خطر وشيك حقيقي”.

وفي حين يؤكد الدبلوماسي القبرصي على الموقف الأوروبي المناهض للنظام الإيراني والقلق من احتمال امتلاكه سلاحاً نووياً، يشدد في الوقت نفسه على أن “الاتحاد الأوروبي لا يمكنه دعم حرب لا تستند إلى أساس قانوني دولي”. وإضافة إلى ذلك، يستحضر الأوروبيون تجربة غزو العراق عام 2003 الذي عارضه الاتحاد الأوروبي آنذاك. لذلك “تحاول أوروبا إيجاد توازن من خلال وجود عسكري في شرق المتوسط، حيث تُعد قبرص قاعدة مناسبة لذلك بحكم عضويتها في الاتحاد الأوروبي. لكن هذا لا يعني وجود حملة عسكرية أوروبية”.
فرص وأخطار

ويمثل الصراع الإيراني تحدياً جديداً للقادة الأوروبيين، فبالنسبة إلى معظم حكومات القارة، تبقى الحرب في أوكرانيا هي الأولوية الجيوسياسية المركزية، وفي هذا السياق تتيح الحرب الأميركية- الإسرائيلية مع إيران فرصاً وأخطاراً في آنٍ واحد.

فيقول زميل مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك ماتياس ماتيس إن من جهة، كثيراً ما كانت إيران مورداً رئيساً للطائرات المسيّرة وغيرها من المعدات العسكرية لروسيا. وقد يؤدي صراع يجبر طهران على تحويل مواردها نحو دفاعها إلى تقليص هذا الدعم. ومن جهة أخرى، أسهمت الحرب بالفعل في ارتفاع أسعار الطاقة، مما يفيد عائدات التصدير الروسية ويعزز قدرة موسكو على تمويل مجهودها الحربي.

وبالقدر نفسه من الأهمية، يهدد هذا الصراع الجديد بتحويل انتباه واشنطن عن الساحة الأوروبية، وبالنسبة إلى حكومات القارة، يبقى استمرار انتظام الولايات المتحدة في الدفاع عن أوكرانيا أمراً بالغ الأهمية. ومن ثم فإنهم يرون أن حرباً طويلة الأمد في الشرق الأوسط، تشتت انتباه الولايات المتحدة ومواردها عن أوروبا. ويرجح ماتيس أن تظل استراتيجية أوروبا قائمة على الحذر والتباعد في الوقت الحالي، فتتجنب التورط المباشر في الصراع مع التركيز على الأولويات الأكثر أهمية للقارة نفسها.
تصعيد محتمل

في أول رسالة صوتية له منذ إعلانه المرشد الأعلى الجديد لإيران، تعهد مجتبى خامنئي الذي تولى المنصب خلفاً لأبيه علي خامنئي الذي قُتل في أولى الضربات الأميركية- الإسرائيلية على إيران، بالانتقام ومواصلة استهداف دول المنطقة التي تستضيف قواعد أميركية.

قبل 23 عاماً، عندما غزت الولايات المتحدة العراق، اتخذ الاتحاد الأوروبي موقفاً مناهضاً للحرب، لكن لم يكُن الأمر كذلك في لندن، إذ أيد رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الموقف الأميركي وذهب لدعمه، وهو الموقف الذي أعرب بلير عن أسفه عنه لاحقاً، بعد انتقادات قاسية وجهها له رئيس لجنة التحقيق البريطانية حول حرب العراق جون شيلكوت، معتبراً أن اجتياح العراق عام 2003 حدث قبل استنفاد كل الحلول السلمية، وأن خطط لندن لفترة ما بعد الحرب لم تكُن ملائمة.

وتظل تجربة حرب العراق إرثاً ثقيلاً بالنسبة إلى البريطانيين، لذا اكتفت لندن بنشر قوات لحماية قواعدها العسكرية وأفرادها وحلفائها في الخليج. فأقرب ما وصلت إليه بريطانيا من عمل عسكري هجومي كان السماح للطائرات الأميركية باستخدام قواعد مشتركة لتنفيذ ضربات جوية ضد مخازن الصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها.

لكن الجمعة الماضي أشار نائب رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لامي إلى أن تنفيذ ضربات استباقية لسلاح الجو الملكي على قواعد الصواريخ الإيرانية يمكن اعتباره عملاً دفاعياً، في تحول مهم ضمن سياسة الحكومة، إذ كان ستارمر استبعد تنفيذ ضربات هجومية داخل إيران.

ومنذ ذلك الحين هدد الحرس الثوري الإيراني بشن مزيد من الضربات على القواعد في قبرص، مدعياً أن الولايات المتحدة نقلت معظم طائراتها إلى الجزيرة. كما أن الرسالة الغاضبة للمرشد الإيراني الجديد اليوم الخميس تشير إلى تصعيد كبير في اتجاه الحرب.
جميع الخيارات متاحة

ويرى مراقبون أن العامل الأكثر احتمالاً لدفع بريطانيا إلى الحرب هو طلب المساعدة من حلفائها في الخليج إذا قرروا توجيه ضربات لإيران. فإذا استمرت الهجمات الإيرانية، أو قُتل أفراد بريطانيون أو مدنيون، أو انضم حلفاء إلى القتال، قد تضطر لندن إلى اتخاذ موقف هجومي. وأفاد مسؤول غربي صحيفة “ذا تايمز” البريطانية قبل أسبوع بأن لندن لا تستبعد المشاركة في ضربات تهدف إلى تقليص مخزون إيران من الصواريخ، مضيفاً أن جميع الخيارات لا تزال مطروحة “لأننا لا نعرف ما الذي قد يحدث يوماً بيوم أو أسبوعاً بأسبوع مع تطور الصراع”.

وإضافة إلي قاعدة أكروتيري الجوية في قبرص التي تستخدمها بريطانيا كنقطة انطلاق للعمليات الخارجية في الشرق الأوسط وتضم نحو 4 آلاف جندي وعائلاتهم، وهي الأكبر لسلاح الجو الملكي خارج المملكة المتحدة، فإن للمملكة ثلاثة مواقع عسكرية دائمة في الشرق الأوسط.

وتستضيف البحرين منشأة الدعم البحري البريطانية، حيث يعمل مئات البحارة والضباط ومشاة البحرية الملكية في قيادة العمليات البحرية متعددة الجنسيات وتدريب القوات البحرية الحليفة على تنفيذ عمليات إنزال برمائي. وتتمركز السفينة الحربية البريطانية “أتش أم أس ميدلتون” هناك بعد سحب آخر فرقاطة العام الماضي، وتعد السفينة البريطانية الوحيدة العاملة في المنطقة.

ويتمركز مشاة البحرية الملكية في منشأة دعم بحرية مشتركة في الدقم بسلطنة عمان افتُتحت عام 2018، وتُعد قاعدة بحرية دائمة خارج الخليج ومرفق صيانة يدعم حاملات الطائرات البريطانية عندما تكون في المحيط الهندي. ومنذ مارس عام 2024 يعمل أفراد من سلاح الجو الملكي من منشأة “دونلي لاينس” العسكرية في قاعدة المنهاد الجوية في الإمارات، وسُميت على اسم طيار في الحرب العالمية الثانية، وهي منشأة عسكرية صغيرة نسبياً تضم مقراً لدعم العمليات عبر الشرق الأوسط.

تظل منطقة شرق المتوسط نقطة ساخنة محتملة ولا تملك قبرص الاعتراض على استخدام بريطانيا قاعدتها العسكرية لديها لتوجيه ضربات لإيران. ووفق مافرويانيس فإن المملكة المتحدة تعتبر قواعدها العسكرية هناك أراضي ذات سيادة بريطانية، بالتالي لا تحتاج إلى إذن الحكومة القبرصية لاستخدامها.


حروب “الشرق الجديد” فوق الجسر القديم/ رفيق خوري
13 مارس ,2026
في كتاب “استراتيجية إيران الكبرى: تاريخ سياسي” يروي المؤلف ولي نصر أن المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي الذي “يکره أميركا بعمق” قال خلال اجتماع لمجلس الأمن القومي، “أميركا تشبه الكلب، إذا هربت منه يهاجمك، وإذا نهرته يهرب”. لكن الولايات المتحدة التي ولدت بحرب الاستقلال ضد بريطانيا وأعادت توحيد الشمال والجنوب أثناء الحرب الأهلية خاضت مختارة كل أنواع الحروب بما فيها حربان عالميتان، وحربان في العراق وحده، فضلاً عن حرب فيتنام وحرب أفغانستان. والرئيس دونالد ترمب الذي خرج على التقليد الأميركي حول الاكتفاء بدعم إسرائيل وحروبها قرر مع بنيامين نتنياهو خوض حرب مشتركة على إيران سمتها إسرائيل “زئير الأسد” وأميركا “الغضب الملحمي”، وكان افتتاحها اغتيال خامنئي وعدد من المسؤولين العسكريين والأمنيين.

حرب بلا حدود لها هدف محدد هو إسقاط النظام بالنسبة إلى واشنطن وتل أبيب، ردت عليها طهران بلا خطوط حمر. وإذا كان في أميركا من يقول إن إدارة ترمب أخطأت، بحسب “نيويورك تايمز” بقتل مرشحين للانقلاب على النظام، فإن جمهورية الملالي بدأت الرد ب”غلطة استراتيجية” هي تركيز القصف على دول الخليج، والحجة هي القصف على القواعد الأميركية، في حين أن الاستهداف طاول المطارات والأعيان المدنية والمنشآت النفطية وسواها، ضمن استراتيجية توسيع الميدان وتكبير كلفة الحرب، كذلك كشفت الاعتداءات عن الحقد الإيراني الدفين على العرب. وليس اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من هذه الدول سوى محاولة بائسة لتجميل القبيح بعد ادعاء مسؤولين آخرين أن القصف جاء من أميركا وإسرائيل.

ولا أحد يعرف إلى متى تستطيع إيران الصمود في وجه آلة حربية هائلة ومتفوقة، وإن بدت قادرة على إطلاق الصواريخ، فهي تراهن على الوقت وقطع مضيق هرمز على مرور 20 مليون برميل نفط يومياً إلى العالم وتوسيع القصف لدفع دول الخليج وتركيا ومصر إلى مطالبة أميركا بوقف الحرب بعدما سعت هذه الدول حتى اللحظة الأخيرة إلى الحؤول دون وقوع الحرب. وليس قليلاً عدد الذين يراهنون في أميركا وخارجها على ضغوط الأوضاع الداخلية لدفع ترمب إلى تغيير موقفه كالعادة. فالإدارات السابقة حددت هدفها دائماً بتغيير سلوك إيران لا نظامها، وطهران كانت ولا تزال تعتبر أن تغيير السلوك هو عملياً تغيير النظام الذي لا حياة له من دون البرنامج النووي والصاروخي و”تصدير الثورة” وتأسيس الأذرع المسلحة في العالم العربي التي هي من “أسس بقائه” ودوره بحسب الإمام الخميني.

وترمب كان، ولعله لا يزال، يتأرجح بين تغيير السلوك وتغيير النظام، فخلال الولاية الأولى اكتفى بالخروج من الاتفاق النووي الذي عمل له الرئيس باراك أوباما. ويروي مستشار الأمن القومي جون بولتون في مذكراته تحت عنوان “الغرفة” أن ترمب سأله، “كيف نعاقب بلداً يبعد سبعة آلاف ميل منا؟”، فرد بولتون بالقول “لأنهم يبنون أسلحة نووية وصواريخ قادرة على أن تقتل أميركيين”. فقال ترمب “نقطة مهمة، وأنا أخبرت نتنياهو أنني سأدعمه إذا استخدم القوة ضد ايران”.

أما خلال الولاية الثانية، فإن عملية “طوفان الأقصى” فتحت أمام إسرائيل فرصة لتدمير غزة وضرب حركة “حماس”، وضرب “حزب الله” بعدما بدأ “حرب الإسناد” لغزة، ثم ضرب إيران حيث قصف ترمب المنشآت النووية في يونيو (حزيران) عام 2025. والفرصة المفتوحة كبرت أمام ترمب وصولاً إلى حرب شاملة على جمهورية الملالي، حيث رأى في وقف حرب غزة بداية لسلام شامل في الشرق الأوسط يسمح بإعادة تشكيل المنطقة.

وبعدما قصف الحوثيين وساعدت تركيا وأميركا “جبهة تحرير الشام” بقيادة أحمد الشرع في إسقاط النظام السوري، ووقف حرب لبنان وبدء التشدد ضد النفوذ الإيراني في العراق ورفض ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء، بقيت العقبة الكبيرة أمام “سلام ترمب” نظام الملالي، لا فقط لأنه يعرقل إعادة تشكيل المنطقة على الطريقة الأميركية، بل أيضاً لأنه كان ولا يزال يعمل على إقامة “شرق أوسط إسلامي بقيادة الولي الفقيه” ضد الأكثرية في المنطقة، وبالطبع ضد أميركا وإسرائيل. ولا مجال لإعادة تشكيل سلام على البارد بل على الحامي.

وقبل الحرب استعار ترمب من الرئيس رونالد ريغان الذي استعار من سواه الذين استعاروا بدورهم من الإمبراطور الروماني هادريان شعار “السلام من موقع القوة”. والحروب، كما قال الدكتور ويليام كوانت ضمن كتاب عن أميركا والشرق الأوسط، “قامت بدور عظيم في تشكيل الشرق الأوسط الحديث”، ذلك أن الشرق الأوسط بتركيبته الحالية ولد على أيدي المنتصرين في الحرب العالمية الأولى على السلطنة العثمانية، ونالت دوله استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية، وبعضها بعد حرب السويس.

وهو اليوم في نظر ترمب شرق أوسط قديم بحاجة إلى تجديد، وهذا ما سبق في الدعوة إليه بعد حرب “عاصفة الصحراء” شيمون بيريز في كتاب “الشرق الأوسط الجديد”، إذ قسم العمل فيه بالتكامل بين “العقل الإسرائيلي والمال الخليجي والعمالة العربية الرخيصة”. وبعد عام 2006 بين إسرائيل و”حزب الله” تحدثت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس عن “الشرق الأوسط الواسع”، وكلها مشاريع تحت نار الحروب التي يمكن أن تسمى “حروب السلام”.

ويدعي ترمب بعد حرب ال 12 يوماً على إيران أنه لولا القنابل التي ألقيت على طهران لما كان هناك سلام في غزة.

والحرب على إيران لا تزال في البداية، فهي، بحسب روبرت ساتلوف، حرب “على طريقة لائحة الطعام الصينية، أطباق متعددة تأتي وراء بعضها بعضاً”. وهي من النوع الذي لا ينتهي بما يُسمی “ربط نزاع” في إطار ترتيب موقت من دون حل، فالعالم دخل في مرحلة “الحروب الكلية”. وأميركا أكدت في حروب فيتنام وأفغانستان والعراق خطأ الانطباع السائد أنها لا تستطيع الاستمرار في حرب طويلة ومكلفة، وإن كان ترمب يميل إلى حروب خاطفة سريعة بحسب استراتيجية “الصدمة والرعب”.

لكن النظام بدا متماسكاً، إذ سارع مجلس خبراء القيادة إلى انتخاب خيار الحرس الثوري مجتبي خامنئي نجل المرشد المغتال خلافاً لقول الإمام الخميني “الملكية ليست إسلامية”.

وما أكثر الصدمات والرعب في إيران والمنطقة.

نقلاً عن “إندبندنت عربية”


لماذا تعتبر عملية كوماندوز أمريكي للاستيلاء على اليورانيوم الإيراني مستحيلة؟
يجري الحديث خلال الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران عن فرضية قيام كوماندوز أمريكي بعملية تدخل عسكري للسيطرة على مخزون اليورانيوم (440 كلغ) ونقله خارج إيران، غير أن هذه العملية تبقى صعبة، إن لم تكن مستحيلة لأسباب عسكرية محضة.

وكانت الجريدة الرقمية أكسيوس سباقة الى نشر هذا الخبر الأسبوع الماضي نقلا عن مصادر في البيت الأبيض، مشيرة الى أن إدارة ترامب تدرس هذا الخيار. وتقوم الفكرة على إدخال قوات خاصة أمريكية الى هذا البلد وتستولي على اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وبالتالي حرمان إيران من أي فرصة لإنتاج قنبلة نووية خلال السنوات المقبلة. ومن شأن نجاح هذه العملية الافتراضية إنهاء الحرب الحالية. ويواجه تنفيذ هذه العملية ثلاثة عوائق تختلف في مستوى الصعوبة.

وعلى رأس هذه العوامل، كما ذهبت الى ذلك جريدة ذي غارديان، أنه لا أحد يعلم بدقة أين يوجد اليورانيوم المخصب لأن هناك ثلاثة مراكز قادرة على اختزانه وهي منشأة نطنز وفوردو ومركز أصفهان، وهي المراكز التي تراقبها وكالة الطاقة الذرية ضمن برنامج التفتيش النووي الدولي.

ثانيا، تتوفر الولايات المتحدة على عدد من وحدات الكوماندوز مثل دلتا وفريق سيل السادس وقوات نيفي سيلز وكوماندوز المارينز والقوات الجوية. إلا أن هذه الكوماندوز عادة ما تنفذ عمليات مثل تحرير الرهائن أو اختطاف رئيس دولة مثلما حدث مع رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو أو اغتيال زعيم القاعدة أسامة بن لادن، وتكون عمليات محدودة لا تتعدى ساعة أو أقل، وتتطلب نسبة صغيرة من الأفراد للتدخل المباشر.

غير أنه في حالة عملية الاستيلاء على اليورانيوم المخصب، سيتطلب ذلك أعقد عملية تدخل في التاريخ العسكري الأمريكي بل وتاريخ جميع الجيوش. وذلك أن العملية تفترض مشاركة جميع أفراد الكوماندوز الأمريكي من مختلف الفرق مدعومين بقوات في أرض الميدان مثل وحدات رانجرز يفترض انتشارها مسبقا، والحاجة الى تغطية جوية خاصة من المروحيات والطائرات المسيرة قد تشكل خطرا حتى على الكوماندوز الأمريكي.

ثم من أين ستنطلق الطائرات المروحية التي ستنقل كل هذا العدد من أفراد الكوماندوز بينما حاملات الطائرات ابراهام لنكولن جنوب بحر العرب وكذلك جيرالد فورد في شمال البحر الأحمر تبعد بأكثر 1500 كلم عن مراكز تخزين اليورانيوم. كما أنها لا يمكن أن تنطلق من دول الجوار، فهي لا تطير على مستويات مرتفعة مثل إف 15 أو إف 35 لتكون في منأى عن مضادات الطيران الإيرانية، ولا تتوفر على خزانات كبيرة من الوقود تسمح لها بالطيران ذهابا وإيابا ولا يمكن تزويدها بالوقود عكس المقاتلات.

وعلاوة على أفراد الكوماندوز تطلب العملية مشاركة علماء مختصين في النووي للحفاظ على عملية النقل. ثم يبقى الحاجز الأخطر وهو وجود قوات كوماندوز إيرانية مستعدة لهذا السيناريو ومنتشرة بكثافة في مختلف مناطق البلاد لا سيما بالقرب من المراكز التي يفترض احتواؤها على اليورانيوم المخصب، ولها استعداد للعمل الانتحاري لمنع أي عملية إنزال أرضي.

ويتجلى عائق آخر في أنه حتى في حالة السلم، يشكل نقل اليورانيوم المخصب أصعب عملية ويتطلب شروطا كثيرة، فكيف الحال أن يحصل هذا تحت نار الصواريخ والمواجهات الحربية.

وصرح وزير الدفاع الأمريكي السابق مارك إيسبر في تعليقه على هذه العملية بأنها خطيرة، لكن معطيات الواقع العسكري وتاريخ عمليات الكوماندوز تشير الى أنها مستحيلة.


كيف سيعيد ترامب أمريكا عظيمة مرة أخرى؟/ عبد الحميد صيام
يكرر أنصار الرئيس ترامب في القنوات الفضائية الملتزمة بخط «إعادة أمريكا عظيمة مرة أخرى» (MAGA) شعارات تقول: «ألم لوقت قصير من أجل سعادة طويلة الأمد». والمقصود من الشعار الاصطفاف مؤقتا وراء الرئيس في حربه ضد إيران، بالشراكة مع نتنياهو والكيان الصهيوني من أجل راحة واستقرار طويلي الأمد.
ومن قراءة لتصرفات ترامب وتصاريحه المتواصلة، يبدو أن إعادة انتخابه لدورة ثانية رئيسا للولايات المتحدة أصابه بلوثة عقلية، اقتنع بأنه أعظم قائد في التاريخ، وأنه أقوى إنسان الآن على وجه الأرض، وأنه عبقري وملهم، وبدأ يعتقد مريدوه من المتدينيين الأنجليكيين أنه إنسان مقدس وقد شوهد مؤخرا وثلة منهم يتبركون به ويلمسون أياديه ووجهه وملابسه وكأنه المسيح المنتظر.
لا شك أن هناك فروقا كبرى بين مسلكياته في الدورة الأولى، وتلك التي يمارسها الآن في دورته الثانية. في الدورة الأولى اتخذ مجموعة خطوات عنجهية معظمها تتعلق بالعرب واستغلال ضعفهم وهوانهم، فقد اعترف بالقدس عاصمة موحدة دائمة للكيان الإسرائيلي وصمت العرب جميعا، بمن فيهم رئيس لجنة القدس، واعترف بالجولان جزءا من إسرائيل، ثم أصدر صفقة القرن لإنهاء القضية الفلسطينية، وجرّ أربع دول لمستنقع التطبيع. أما عسكريا فقام باغتيال قاسم سليماني في الأيام الأخيرة لولايته، وكان مجموع ما جرفه من أموال الخليج 600 مليار دولار فقط.
هذه المرة تمادى ترامب أكثر، ظنا منه أن الشعب الأمريكي أعاده للسلطة ليكمل ما بدأه في دورته الأولى، فتوسع في الإعلان عن طموحاته التي أنتجها غروره المطلق، والتي تجاوزت كل حدود المعقول. فهو يريد أن يستولي على قناة بنما ويستولي على جزيرة غرينلاند بالقوة، إن لزم الأمر، واقترح ضم كندا كولاية من ولايات أمريكا، والآن يريد أن يسيطر على مضيق هرمز للسيطرة على خطوط التجارة. هذه المرة لا يتورع عن التزوير وتشويه الحقائق وتبني إنجازات وهمية لا علاقة له بها، آخرها أنه هو من نصب الشرع قائدا لسوريا، الذي وصل للسلطة قبل تنصيب ترامب. وادعى أنه أوقف ثماني حروب ويصر على تكرار هذا الادعاء كالحرب الوهمية بين إثيوبيا ومصر والحرب بين باكستان والهند والتي أوقفها جنرالات الهند، التي تجرعت الهزيمة ففتحت خطا أحمر مع باكستان وأوقفت الحرب، والحرب بين كمبوديا وتايلند، كما ادعى أنه أوقف الحرب على غزة والإبادة لم تتوقف، بل امتدت لتشمل الضفة الغربية ولبنان، وادعى أنه أوقف الحرب بين رواندا والكونغو والحرب لم تتوقف.

كما أن الطامح في جائزة نوبل للسلام، أطلق شهيته للقتل والحرب، ليقوم بعمليات عسكرية في البحر الكاريبي وفنزويلا وغزة واليمن ونيجيريا والصومال وسوريا والعراق. وأعلن حربا مرتين على إيران. والمواجهات القادمة قد تكون في كوبا. ومن رعونة أفكاره، أنه أنشأ ما سماه «مجلس السلام العالمي»، ليضع العالم تحت قيادته، والانضمام للمجلس ليس مجانا بل بمبلغ مقداره مليار دولار (والإعفاء الوحيد لنتنياهو). وهذا المجلس يعده ليكون بديلا عن الأمم المتحدة، التي قطع مساهماته المالية عنها، وانسحب من العديد من منظماتها المتخصصة مثل اليونسكو ومجلس حقوق الإنسان ومنظمة الصحة العالمية واتفاقية باريس للمناخ وفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية وشيطن المقررة الخاصة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة مننذ عام 1967، فرانشيسكا ألبانيزي.
أساء للأصدقاء قبل الأعداء والطريقة التي حاضر فيها القيادات الأوروبية، لا يمكن وصفها إلا بقلة الأدب، خاصة سخريته من الرئيس الفرنسي ماكرون. ولم يجد أحدا يرد عليه إلا رئيس وزراء كندا أولا ثم رئيس وزراء إسبانيا. لقد اكتفى من الحلفاء بأكثر شخص مكروه في العالم مجرم الحرب نتنياهو، الذي أقنعه بدخول حرب على إيران ستحسم في الساعات الأولى وانظر النتائج الكارثية ليس على إيران فحسب، بل على دول الخليج ولبنان والعالم أجمع.
الوضع الداخلي في أمريكا

وماذا عن عظمة أمريكا المتجددة في عهد ترامب؟ نعم لقد زادت ثروات المليارديرات بما يعادل تريلوني دولار. لكن 60 في المئة من الشعب الأمريكي يعيشون على راتب نهاية الأسبوع، أو الشهر بانتظار الراتب القادم ونحو 40 مليون أمريكي من دون تأمين صحي. الأثرياء الكبار الآن يشترون الأصوات ويتحكمون في وسائل الإعلام بشكل شبه مطلق ويعتقدون أنهم قادرون على أي عمل، ويمكنهم التخلص من أي مساءلات قانونية كما هو الحال في ملفات إبستين. وهم لا يدفعون حصصهم العادلة من الضرائب. الأسعار لم تكن بهذا الارتفاع في الخمسين سنة الماضية. والأسواق المالية في حالة اضطراب والسوق العقاري يتهاوى والتضخم مرشح لارتفاع. الحريات الديمقراطية تراجعت في هذه البلاد وأصبح كل من يجاهر برأيه في معارضة ترامب، أو تأييد فلسطين، أو معارضة إسرائيل يتعرض للعقاب في عمله، أو موقعه، أو سمعته. ويقوم جهاز إنفاذ قوانين الجمارك والهجرة (ICE) بإرهاب الناس واعتقال الآلاف وطردهم من البلاد بطريقة همجية. وقد قام الجهاز بشبه احتلال لولاية مينيسوتا، وأطلق الرصاص وقتل اثنين. وقد اصطدم الجهاز مع السلطات المحلية في كاليفورنيا ونيويورك. كما اعتقل الجهاز أمريكيين لأنهم لحظة المداهمة لم تكن وثائق التعريف متوفرة وقد تم استجواب ثلاثة من هؤلاء في الكونغرس أمام وزيرة العدل بوندي.
أسعار النفط في تصاعد وتجاوزت 100 دولار للبرميل بنسبة زيادة تصل إلى 29 في المئة وهي الأعلى منذ عام 2022 وقد تؤدي إلى أزمة محروقات عالمية شبيهة بأزمة 1973 كما قال رئيس الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر: «بسبب حرب اختارها ترامب بتهور». وعندما سئل ترامب عن ارتفاع الأسعار قال: «إذا ارتفعت.. فلترتفع» وطالب شومر الإدارة بالإفراج الفوري عن الاحتياطي النفطي الاستراتيجي. ويطرح ترامب على حزبه الآن مشروع «أنقذوا أمريكا» لتقييد التصويت في الانتخابات القادمة لمن يحمل بطاقة أمريكية، أو جواز سفر وصورة رسمية على الوثيقة بهدف سد الثغرات في تصويت الأمريكيين، الذين يتعاملون بالتوصيت البريدي أو ببطاقات ثبوتية أخرى. لقد بدا يشعر ترامب والحزب، أن الانتخابات النصفية القادمة لن تكون في صالح الحزب الجمهوري. وإذا استمرت نسبة معارضة الحرب التي وصلت إلى 59 في المئة في الارتفاع وزاد عدد الصناديق، التي تعود بجثث أمريكيين، فستشهد انقلابا انتخابيا في نوفمبر القادم يطيح بهيمنة الحزب الجمهوري ويفتح الطريق لإدانة ترامب وفتح ملفات إبستين كاملة لإدانته رسميا وطرده من البيت الأبيض.
حركة ماغا الآن تتشظى على الأقل إلى ثلاثة أقسام. وقد خرجت منها شخصيات مهمة جدا مثل المذيع الشهير تاكر كارلسون، الذي وصف قرار مهاجمة إيران بأنه «مقرف وشرير».
تحالف «ماغا» كان المقصود منه وضع مصالح أمريكا أولا، لكن الشعب الأمريكي يكتشف أن ترامب وضع مصالح إسرائيل أولا قبل المصالح الأمريكية. في خطاب الفوز وعد ناخبيه «لن أبدأ حربا وسأوقف الحروب». فكم استغفل ترامب أنصاره وألقمهم شعارات فارغة. الخلافات داخل التحالف العريض تدور حول قضية التدخلات الخارجية والحرب الحالية التي تستهلك مليار دولار يوميا، وتغليب مصالح إسرائيل على مصالح البلاد وإثارة الخلافات مع الحلفاء وطرد المهاجرين بطريقة فظة إضافة لإهمال الداخل الأمريكي.
ولا عجب أن نرى أكبر نسبة من الهجرة الخارجية من الولايات المتحدة، منذ سنوات «الانهيار الاقتصادي العظيم» قبل نحو 90 سنة، حيث وصل عدد الخارجين من البلاد عام 2025 إلى نحو 150000 وهو أكثر من عدد الداخلين بعد أن تبين للملايين أن أمريكا ترامب ليست الجنة الموعودة لكنها خاضعة لمجموعة إبستين من الأثرياء منتهكي حقوق الأطفال والمغتصبين للقاصرات والفاسدين. فإلى أي هاوية يقود ترامب هذه البلاد في السنوات الثلاث القادمة؟

كاتب من فلسطين
القدس العربي


======================

تحديث 12 أذار 2026


الحرب الأميركية – الإسرائيلية… حسابات طهران وخياراتها
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
11 مارس 2026
بعد نحو أسبوع على الهجوم الإسرائيلي – الأميركي على إيران، في 28 شباط/ فبراير 2026، والذي أسفر في ساعته الأولى عن اغتيال عدد من كبار قادتها السياسيين والعسكريين، اختار مجلس خبراء القيادة فيها، عبر اقتراع سرّي، مجتبى خامنئي مرشداً جديداً للجمهورية خلفاً لوالده. وهذه المرّة الثانية التي تتعرض فيها إيران لهجوم إسرائيلي – أميركي مشترك خلال أقل من عام. وجاءت المواجهة بعد إفشال تسوية كانت ممكنة في المفاوضات التي جرت في شباط/ فبراير بوساطة عُمانية. فقد رفعت واشنطن سقف شروطها للتوصل إلى “صفقة”، متضمّنة تفكيك البرنامج النووي الإيراني وفق مبدأ “صفر تخصيب”، وإخراج اليورانيوم عالي التخصيب من إيران، إضافة إلى فرض قيود على برنامج الصواريخ الباليستية ووقف دعم طهران لحلفائها. وهي شروط رأت فيها إيران محاولة لترجمة نتائج الحرب السابقة، عبر انتزاع تنازلات استراتيجية تمسّ جوهر عقيدتها الأمنية والدفاعية. وتثير المواجهات الجارية تساؤلاتٍ بشأن الكيفية التي تعتزم بها طهران إدارة صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل في ضوء الضغط العسكري عليها، واحتمال العودة إلى جولة أخرى من القتال مستقبلاً في حال لم تسفر الجولة الحالية عن نتيجة واضحة، وتأثر ذلك بسقف المطالب الأميركية، ورؤية إيران لمعادلة الأمن الإقليمي وبرنامجها النووي والصاروخي.
الطريق إلى الحرب

تمثّل الجولة الحالية من الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، من الناحيتين العملياتية والسياسية، حلقة متقدمة في مسار صراع طويل انتقل خلال العامين الأخيرين من حرب بالوكالة إلى صدام مباشر، انطلقت شرارته الأولى بعد استهداف إسرائيل القنصلية الإيرانية في دمشق في الأول من نيسان/ أبريل 2024، وانفجر في صيف 2025. وكانت إيران تبنّت، بعد حربها مع العراق (1980-1988)، عقيدة دفاعية تقوم على تجنب المواجهة المباشرة مع خصوم متفوقين عليها، وتعويض ذلك بمنظومة “الدفاع المتقدم”، عبر دعم مجموعة من الحلفاء والوكلاء لردع أي استهداف مباشر لها. لكن حرب حزيران/ يونيو 2025 مثلت نقطة انعطاف؛ إذ تعرّضت إيران لأول هجوم عسكري مباشر شنته إسرائيل أصاب أهدافًا متصلة ببرنامج إيران النووي، وبرنامجها الصاروخي ودفاعاتها الجوية، كما أسفر عن اغتيال قيادات عسكرية وأمنية بارزة وعلماء نوويين. ردّت إيران باستهداف إسرائيل بموجاتٍ من الصواريخ الباليستية والمسيّرات. وقد انتهت الحرب بعد 12 يوماً بهدنة فرضتها الولايات المتحدة، بعد أن تدخّلت في يومها الأخير لضرب البرنامج النووي الإيراني، وألحقت به أضرارًا كبيرة.

عقب انتهاء الحرب، سعت الولايات المتحدة إلى زيادة الضغط على إيران لتحويل مكاسبها العسكرية إلى اتفاق سياسي، توافق بموجبه على التخلي الكامل عن حق تخصيب اليورانيوم، وتسليم أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، إضافة إلى فرض قيود على مديات الصواريخ الإيرانية، ووقف دعم طهران حلفاءها الإقليميين، في مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من الولايات المتحدة والمتعلقة ببرنامجها النووي4 (لم تتطرّق المفاوضات إلى العقوبات الأخرى). وتولي واشنطن مخزونات إيران من اليورانيوم عالي التخصيب أهميةً كبيرة، استنادًا إلى معطيات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تقرير مجلس المحافظين (GOV/2025/24)، والتي قدرت (حتى أيار/ مايو 2025) إجمالي مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنحو 9247.6 كيلوغراماً. ويشمل هذا المخزون نحو408.6 كيلوغرامات من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60%، وقد لاحظ التقرير وجود صعوبات في التحقق الدقيق من بعض الأنشطة النووية الإيرانية؛ نتيجة القيود المفروضة على إجراءات الرقابة والتفتيش.

في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تحاول زيادة ضغوطها لإعادة طهران إلى طاولة المفاوضات وانتزاع التنازلات التي تبغيها منها، واجهت إيران ضغوطاً داخلية شديدة مع اندلاع موجة واسعة من الاحتجاجات بين كانون الأول/ ديسمبر 2025 ومنتصف كانون الثاني/ يناير 2026، كانت الأكبر منذ عام 2022. انطلقت الاحتجاجات على خلفية تدهور الوضع الاقتصادي بسبب انهيار العملة، ولم تلبث أن رفعت مطالب سياسية، ردّت عليها الحكومة بالقمع وحجب المعلومات بقطع شبكة الإنترنت؛ وهو ما أعطى واشنطن أدواتٍ جديدة للضغط على طهران التي وجدت نفسها محاصرة بين ضغوط الخارج والداخل.

في هذه الظروف، سعت عُمان وقطر وتركيا إلى إعادة فتح مسار دبلوماسي يمنع الحرب. وفي النهاية، قادت عُمان هذا المسار الذي انتهى بالفشل، وصولاً إلى لحظة اندلاع الحرب، حيث مثّل التفاوض غطاء لاستكمال الاستعدادات للحرب وأداة لتضليل طهران عن توقيتها.
حسابات طهران عند اندلاع الحرب

اتخذت الضربة الافتتاحية للحرب طابع “قطع الرأس” عبر قتل المرشد الأعلى، علي خامنئي، وعدد من كبار القادة السياسيين والعسكريين. ويشير هذا النمط من الاستهداف إلى أن الهدف السياسي للعملية لم يكن إلحاق خسائر عسكرية بإيران فحسب، بل توجيه ضربة مباشرة إلى مركز اتخاذ القرار في النظام؛ بما يؤدّي إلى شلّ قدرته على الحركة، ودفعه إلى الاستسلام تحت وقع الصدمة. في هذا السياق، برزت أمام القيادة الإيرانية ثلاث أولويات متداخلة؛ تتمثّل الأولى في ضمان استمرارية مؤسسات الدولة، والحفاظ على صورة القيادة، عقب فقدان رأس الهرم السياسي فيها. وبدا كأن القيادة في إيران تتحرك بموجب سيناريو معدّ سلفًا لمواجهة مثل هذه الحالة؛ فقد سارعت إلى تعيين مجلس قيادة مؤقت وفق المادة 111 من الدستور ضمّ رئيسَي السلطتين التنفيذية والقضائية وأحد أعضاء مجلس صيانة الدستور؛ منعاً لأي فراغ في القيادة وضماناً لسير عمل مؤسّسات الدولة. وتمثّلت الأولوية الثانية في رد فعل عسكري سريع ومتعدّد الجبهات، يهدف إلى منع تحويل التفوق العسكري الأوّلي للخصم إلى نتيجة سياسية حاسمة؛ أي الحيلولة دون فرض حالة “الحسم” من الضربة الأولى. أمّا الأولوية الثالثة، فقد ركّزت على إدارة مسار التصعيد؛ بحيث يؤدّي الرد الإيراني إلى رفع تكلفة المواجهة على الخصوم، من دون الانزلاق إلى حربٍ إقليميةٍ واسعةٍ قد تستدعي اصطفافاً دوليّاً ضد طهران.

وتفسر هذه المعادلة طبيعة الرسائل الإيرانية المزدوجة في الأيام الأولى من الحرب. فمن جهة، ظهر خطاب رسمي يؤكّد الحرص على عدم توسيع نطاق الصراع، ويتضمّن تطمينات لدول الجوار بأن إيران لن تستهدفها ما لم تُستخدم أراضيها أو أجواؤها لشنّ هجمات ضدها. ومن جهة أخرى، ركّزت التصريحات والبيانات العملياتية الإيرانية على أن ردّها يتركز على مصادر الهجمات عليها وعلى مواقع انتشار القوات الأميركية ومصالحها في المنطقة، مع اتهام إسرائيل بمحاولة دفع المنطقة نحو تصعيد إقليمي أوسع.

وتفيد المعطيات بأن طهران سعت إلى توسيع نطاق المواجهة، عبر نقلها تدريجيّاً إلى ثلاث ساحات رئيسة تتفاوت في مستوى التكلفة والتصعيد؛ تبدأ بالساحة المرتبطة بإسرائيل والقواعد الأميركية، ثم تمتد إلى دول الخليج العربية وبناها التحتية الحيوية، وصولاً إلى مجال الممرّات المائية وطرق نقل الطاقة في مضيق هرمز. ويعكس هذا التدرّج محاولة إيرانية لرفع تكلفة الحرب على الخصوم وتوسيع نطاقها الجغرافي والسياسي، من دون الوصول إلى عتبة التصعيد المنفلت.

تتصل الساحة الأولى بمحاولة إثبات القدرة على الرد أمام الداخل والخارج معاً. وفي هذا الإطار، جاء الرد الإيراني عبر إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة استهدفت مواقع داخل إسرائيل وقواعد عسكرية أميركية. ويُفهم هذا النمط من الاستهداف محاولةً لإظهار أن الضربة الافتتاحية للحرب لم تفشل فقط في شلّ قدرة إيران على الحركة، ودفعها إلى الاستسلام، بل أيضاً بيان أن تكلفة هذه الضربة ستكون مرتفعة على الخصم، وأن إيران لن تقبل بحربٍ حاسمة وسريعة، فضلاً عن إثبات القدرة على فتح عدة جبهات في الآن نفسه، بما يرفع تكلفة المواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين.

وتمثّلت الساحة الثانية في استهداف منشآت ذات طابع اقتصادي حيوي في دول الخليج العربية، كما أصابت الاعتداءات أهدافاً مدنية وخدمية، بغرض رفع تكلفة الحرب على هذه الدول، ودفعها إلى الضغط على واشنطن لوقف الحرب، وفق منطق لا أحد في المنطقة يجب أن ينعم بالأمن ما دامت إيران لا تنعم به. في هذا الإطار، تبدو الاعتداءات التي لحقت دول الخليج قابلة للتفسير ضمن منطقَين سياسيَين متداخلَين؛ الأول، توجيه رسالة ردع إلى دول الجوار مفادها بأن استخدام أراضيها أو قواعدها العسكرية منصة لعمليات عسكرية ضد إيران لن يكون بلا تكلفة. والثاني، توسيع دائرة المتضررين اقتصاديّاً من الحرب، بما يخلق ضغوطاً سياسية واقتصادية على واشنطن لتخفيض سقف مطالبها السياسية.

وتتعلق الساحة الثالثة بأمن الملاحة وتصدير الطاقة، ولا سيما في مضيق هرمز الذي يُعدّ أحد أهم الممرات الحيوية لنقل الطاقة عالميًا. فعلى المستوى الرسمي، حرصت طهران على نفي إغلاق المضيق؛ إذ أكد نائب وزير الخارجية، سعيد خطيب زاده، أن بلاده لم تقدم على هذه الخطوة وأنها تتصرف بوصفها “قوة مسؤولة”، مشيراً إلى أنها ستعلن ذلك صراحة إذا قرّرت اتخاذ مثل هذا الإجراء. غير أن الوقائع الميدانية تفيد بأن عدم الإغلاق القانوني للمضيق لا يمنع تعطيله فعليّاً، نتيجة المخاطر الأمنية والهجمات المحتملة، خصوصاً مع امتناع شركات التأمين عن تأمين السفن المارة في المضيق، أو رفع تكلفة التأمين إلى الحد الذي يفوق قدرة شركات النفط على توفيره. فقد جرى استهداف ناقلة نفط في أثناء محاولة عبور المضيق، وبقاء ما لا يقل عن 150 ناقلة نفط وغاز خارجه استنادًا إلى بيانات تتبع السفن. في مثل هذه الظروف، تتحول أدوات الضغط الاقتصادي المرتبطة بالطاقة والنقل البحري إلى عامل إضافي يدعم الأدوات العسكرية التقليدية؛ لأن ارتفاع مبالغ التأمين وتكاليف الشحن واحتمالات نقص الإمدادات كلها عوامل تؤدي إلى تأثير مباشر في الأسواق العالمية للطاقة. وقد انعكس ذلك سريعًا في ارتفاع أسعار النفط التي بلغت 120 دولاراً للبرميل في 9 آذار/ مارس، قبل أن تنخفض إلى نحو 90 دولاراً، وسط مخاوف من تداعيات تضخمية على الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، لا يعني هذا أن إيران تملك هامش تصعيد مفتوحًا بلا سقف. فاستهداف منشآت مدنية حساسة، مثل مرافق تحلية المياه في البحرين، يرفع من احتمالات انتقال الصراع إلى مرحلة استهداف “بنى الحياة اليومية”، وهو ما قد يدفع دول المنطقة إلى اتخاذ خيارات أكثر حدة ويزيد خطر انزلاق المواجهة نحو حرب إقليمية أوسع. لذلك يمكن قراءة السلوك الإيراني في هذه المرحلة بوصفه “سلّم ضغط” قابلًا للرفع أو الخفض تبعًا لمسار الحرب والتفاعلات السياسية، أكثر منه استراتيجية قائمة على التصعيد غير المحدود أو التدمير الشامل.
الخيارات المتاحة أمام إيران

لا شك في أن إيران هي الطرف المعني بوقف الحرب، ولكن لا مؤشّرات تدلّ على استعدادها للخضوع والاستسلام أمام الضغوط الأميركية – الإسرائيلية. ولذلك، الطريق الوحيد استعادة مسار سياسي مع النظام القائم في إيران، وإلى أن تستنتج الولايات المتحدة ذلك، تواجه القيادة الإيرانية الجديدة تحديات كبرى متعلقة بمقومات الصمود ومواصلة القتال.

ومع استمرار العمليات العسكرية ضد إيران وردودها عليها، يبقى مسار المواجهة مفتوحاً على عدة احتمالات، في ظل صعوبة التحقق الدقيق من التطورات الميدانية داخلها؛ ما يجعل تقدير الاتجاهات قائماً أساساً على تحليل السلوك العسكري والسياسي للأطراف المعنية. ويمكن إجمال السيناريوهات المحتملة في أربعة مسارات رئيسة: يتمثّل الأول في استمرار حرب الاستنزاف المتبادل ضمن سقف مرتفع، لكنه مضبوط، مع تذبذب مستوى الاعتداءات على دول الخليج وبقاء مضيق هرمز في حالة تعطيل فعلي من دون إعلان إغلاقه رسميّاً؛ وهو خيار يتيح لإيران استخدام المضيق أداة ضغط مع تجنب تكلفة إغلاقه الكامل، خصوصاً مع استمرار الوساطات التي تقودها عُمان والدعوات الدولية للعودة إلى التفاوض التي يمكن أن تثمر بعد أن توصلت الولايات المتحدة إلى استنتاج مفاده تعذّر إسقاط النظام بالقصف من الجو. ويتمثل السيناريو الثاني في اتساع الحرب إقليميّاً إذا تحولت الاعتداءات التي تستهدف البنية التحتية للطاقة والمياه والموانئ في الخليج إلى نمط منهجي، أو إذا انخرطت دول الخليج مباشرة في عمليات مضادة؛ وهو ما يعكسه بيان دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي لوّح بحق الرد على الاعتداءات الإيرانية والقلق المتزايد بشأن أمن الطاقة والملاحة. وهذا مسار مستبعد حالياً. ويتمثّل السيناريو الثالث في تهدئة هشة أو وقف إطلاق نار من دون تسوية سياسية مستقرّة، تفرضها التكلفة الاقتصادية للحرب، مثل ارتفاع أسعار النفط وتعطّل الشحن أكثر مما يفرضها اتفاق سياسي حقيقي؛ وهو ما قد يعيد طرح المسار التفاوضي بدعم من الأمم المتحدة. أمّا السيناريو الرابع، فيرتبط بتزايد الضغوط على مركز القرار في إيران؛ بحيث تتسع التباينات بين النخب السياسية والعسكرية بشأن سبل التعامل مع الأزمة، كما أوضحت تصريحات الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، بشأن الاعتداءات على دول الخليج وردّ المؤسّسة العسكرية عليها. وفي المحصلة، ستتحدد مآلات الصراع وفقاً لقدرة هذه الأطراف على ضبط التصعيد، وحجم التكلفة الاقتصادية والعسكرية والسياسية للحرب على كل منها، وفاعلية الوساطات الدبلوماسية لوقفها.


مال السلطة في إيران: الاقتصاد السياسي لإمبراطورية الولي الفقيه/ مسلم عبد طالاس
11-03-2026
تُعدُّ دراسة النظام الحاكم في إيران من منظور الإيديولوجيا أو الجغرافيا السياسية قراءة منقوصة ما لم تتناول المربع الأهم، وهو الاقتصاد السياسي للسلطة حيث تتحول الجمهورية الإسلامية من مجرد نظام ديني يقوده الفقهاء إلى بنية اقتصادية مركبة تُدار عبر شبكة من المؤسسات المرتبطة مباشرة بقمة الهرم وهو المرشد الأعلى. ومن هذا المنظور، لا يُمكن فهم موقع المرشد في إيران من خلال المنظور السياسي القانوني، أي صلاحياته الدستورية فقط، بل من خلال دوره الجوهري في تنظيم شبكة واسعة من الموارد المالية وشركات الطاقة والبنية التحتية والمؤسسات المالية التي تُشكل في مجموعها منظومة اقتصادية موازية للدولة التقليدية. هذا الواقع هو ما يجعل الاقتصاد الإيراني غير قابل للفهم باستخدام أدوات التحليل الاقتصادي الكلي الكلاسيكية مثل حجم الناتج المحلي أو معدلات التضخم أو البطالة على أهميتها، لأن هذه الأرقام لا تكشف وحدها عن الكيفية التي يجري بها توزيع السلطة الاقتصادية في البلاد، وهي سلطة يحكمها في النهاية الولاء السياسي والاستقرار المؤسسي للنظام قبل أي اعتبار آخر من اعتبارات الكفاءة أو السوق.

    تتشكل البنية الاقتصادية السياسية لإمبراطورية المرشد من ثلاثة أقطاب رئيسية تتقاسم الهيمنة على ما يتراوح بين ثلاثين وخمسين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. القطب الأول هو المؤسسات السيادية التابعة للمرشد مباشرة، وعلى رأسها لجنة تنفيذ أمر الإمام المعروفة باسم «ستاد»، وهي صندوق استثماري عملاق يُقدّر بأكثر من تسعين مليار دولار (وهذه تقديرات 2013 ويُرجح أنها نمت بسرعة منذ ذلك الوقت) يُسيطر على قطاعات الاتصالات والأدوية والطاقة، بالإضافة إلى مؤسسة المستضعفين التي تُدير مئات الشركات الصناعية والزراعية، و«آستان قدس رضوي» التي تُهيمن على قطاع العقارات والأوقاف. أمّا القطب الثاني فهو المجمع الصناعي العسكري بقيادة الحرس الثوري، الذي يتحكم في مفاصل البنية التحتية عبر مقر خاتم الأنبياء، وصولاً إلى القطب الثالث الذي يضم «البنيادات» الخدمية مثل مؤسسة الشهيد ولجنة الإمداد، وهي أوعية مالية تضمن ولاء القاعدة الصلبة للنظام عبر شبكات رعاية اجتماعية موازية للدولة.

    إن التأصيل النظري لهذه الحالة يضعنا أمام ما يُعرف في الاقتصاد السياسي بالدولة الريعية، وهي الدولة التي تعتمد في معظم إيراداتها على الخارج عبر تصدير الموارد الطبيعية بدلاً من الاعتماد على الضرائب المحلية. هذا الوضع يخلق عقداً اجتماعياً مشوهاً يقوم على قاعدة «لا ضرائب، إذاً لا تمثيل سياسي». لكن الحالة الإيرانية في عهد المرشد أضافت بعداً نظرياً جديداً يُمكن تسميته بالريع المؤسسي، حيث تحررت السلطة من الحاجة لرضا المجتمع وإنتاجيته لأن بقاء النواة الصلبة للنظام مُؤمَّن عبر أصول مالية ضخمة لا تخضع لرقابة البرلمان ولا تندرج ضمن الموازنة العامة للدولة. هذا الانفصال البنيوي هو ما يمنح النظام استقلالية عن المجتمع، ويسمح له باتخاذ قرارات سياسية أو عسكرية كُبرى حتى لو كانت تضر بالنمو الاقتصادي الوطني، طالما أن تدفقات الأموال داخل مكتب المرشد والمؤسسات التابعة له مستمرة ومؤمنة. ويعمل هذا الاقتصاد وفق نظرية الزبائنية السياسية، حيث تُوزع الموارد كأعطياتٍ لضمان الولاء الشخصي والمؤسسي، فمنحُ العقود الكبرى للمؤسسات العسكرية ليس بحثاً عن الجودة أو السعر الأفضل، بل هو عملية إعادة تدوير للريع لضمان صمود أجهزة الدولة الأمنية أمام أيّ محاولة انقلابية أو احتجاجات شعبية.

    بعد ثورة عام 1979، أعادت النخبة الثورية تشكيل الاقتصاد الإيراني على أُسس جديدة عبر مصادرة ممتلكات واسعة تعود إلى النخب الاقتصادية المرتبطة بالنظام الملكي، وأعادت توزيعها على مؤسسات وقفية واجتماعية أنشأها النظام الجديد. ومع مرور الوقت، تحولت هذه المؤسسات التي تُعرف باسم «البنياد» إلى كيانات اقتصادية ضخمة وتكتلات تعمل في قطاعات متعددة تشمل الصناعة والزراعة والطاقة والمصارف. ومن أبرز هذه الكيانات «مؤسسة المستضعفين» التي تُعدُّ ثاني أكبر مؤسسة اقتصادية في البلاد، و«آستان قدس رضوي» التي تُدير أوقافاً هائلة في مدينة مشهد، و«لجنة تنفيذ أمر الإمام» التي تُدير تكتلاً يُقدر بمليارات الدولارات. هذه المؤسسات تتمتع بميزة فريدة وهي العمل خارج الرقابة الحكومية التقليدية، فلا تخضع للمساءلة البرلمانية ولا تدفع ضرائب للدولة في كثير من الأحيان، وترتبط مباشرة بمكتب المرشد الأعلى. هذا النموذج خلق ما يُمكن تسميته برأسمالية المحاسيب في ثوب ديني، حيث يمتلك هذا القطاع السيادي غير الحكومي ميزات القطاع العام من دعم وحماية واحتكار، وميزات القطاع الخاص من سرية ومرونة في الإدارة، وهو ما يمنح مكتب المرشد قدرة هائلة على إدارة الندرة وتحويل الوصول للموارد إلى أداة سياسية للسيطرة المطلقة.

    بالتوازي مع هذه المؤسسات الوقفية، برزت المؤسسة العسكرية كأحد أهم الفاعلين الاقتصاديين في البلاد، ويتمثل هذا الدور خصوصاً في الحرس الثوري الإيراني الذي تحول خلال العقود الماضية إلى قوة اقتصادية هائلة. فبعد الحرب الإيرانية العراقية، توسّعت أنشطة الحرس الاقتصادية بشكل كبير في قطاع البناء والبنية التحتية عبر مقر خاتم الأنبياء للإعمار. ومع انسحاب الشركات الأجنبية من إيران بسبب العقوبات الدولية، أصبح الحرس الثوري المُقاول الرئيسي في مشاريع الطاقة والنقل والاتصالات، وبذلك تحولت المؤسسة العسكرية إلى شريك تجاري ضروري للدولة، مما ربط مصيرها المالي ببقاء منصب المرشد الذي يمنحها هذه الامتيازات الاستثنائية. هذا التحول ليس مجرد ظاهرة اقتصادية، بل هو إعادة صياغة للعقيدة الأمنية، حيث أصبح الحرس الثوري يمتلك مصلحة مادية كبرى في استمرار حالة «لا حرب ولا سلم» التي تُبرر وجود اقتصاد الطوارئ واحتكار الموارد تحت شعار الأمن القومي، مما يجعل أي توجه نحو الانفتاح الاقتصادي أو السلام يُمثل تهديداً مباشراً لمصالح أمراء الحرب الماليين.

    لقد أدت هذه البنية المعقدة إلى خلق ما يُمكن تسميته الاستقلال المالي للقرار العسكري، وهو ما يُفسر قدرة طهران على الاستمرار في خوض حروب الوكالة والمواجهات الإقليمية حتى في أحلك أوقات الأزمات المعيشية. فالمؤسسة العسكرية تُمول ذاتها بعيداً عن موازنة الدولة الرسمية عبر شركاتها ومصارفها وشبكاتها المالية، مما يجعل قرار التصعيد العسكري محصناً ضد الضغوط السياسية الداخلية أو النقص في ميزانية الدولة العامة. وفي هذا السياق، تحوّلت العقوبات الدولية التي كان الهدف منها إضعاف النظام إلى عامل يُعزز نفوذ هذه الشبكات، حيث تمتلك المؤسسات المرتبطة بالمرشد والحرس الخبرة والشبكات التحت أرضية للالتفاف على القيود الدولية، مما أدى إلى تصفية القطاع الخاص المستقل لصالح اقتصاد الظل الذي يتربح من تعدد أسعار الصرف وفروقات الأسعار بين السوق الرسمية والسوق السوداء. وهكذا تحولت العقوبات من أداة ضغط إلى وسيلة لتمركُز الثروة في يد القلة الموالية لقمة الهرم، بينما تحملت الطبقة الوسطى والفقيرة العبء الأكبر عبر تآكل القدرة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية.

    إلى جانب ذلك، شهد المجتمع الإيراني خلال العقد الأخير تراجعاً ملحوظاً في حجم الطبقة الوسطى، حيث أدى ارتفاع التضخم وتآكل المدخرات إلى انخفاض مستويات المعيشة وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب. هذه التغيرات الاجتماعية لم تؤدِ بالضرورة إلى انهيار النظام السياسي، لكنها أعادت تشكيل العقد الاجتماعي، فالدولة لم تَعُد قادرة على شراء الصمت الاجتماعي عبر توزيع عوائد النفط كما في السابق، بل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على القمع الأمني من جهة، وعلى شبكات الإغاثة والخدمات التي تُديرها مؤسسات المرشد من جهة أخرى لضمان ولاء القواعد الشعبية الأكثر فقراً. وفي مواجهة هذه الضغوط، تبنت القيادة الإيرانية مفهوم اقتصاد المقاومة، وهو نموذج يهدف إلى تقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز الإنتاج المحلي، لكنه في الواقع تحوّل إلى إيديولوجيا تهدف لجعل النظام غير قابل للإسقاط عبر الضغط المالي، من خلال بناء جزر اقتصادية مكتفية ذاتياً تضمن بقاء النخبة الحاكمة حتى في ظلّ العزلة الدولية الشاملة.

    اليوم، ومع انتقال السلطة لمرشد جديد في ظلّ مواجهة عسكرية مُستعرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، يُواجه هذا النموذج ذروة تحدياته التاريخية. فالمُرشد الجديد لا يرث منصباً دينياً وسياسياً فقط، بل يرث إمبراطورية مالية مُتصارعة الأجنحة ومُثقلة بالأزمات. وعليه أن يُوازن بدقة متناهية بين حصص الحرس الثوري والمؤسسات الدينية والوقفية لضمان عدم حدوث انشقاقات داخلية، في وقت تتحول فيه الثروة إلى ذخيرة لتمويل جبهات القتال الخارجية وتعويض خسائر البنية التحتية المُحتملة. إن خطر فقدان السيولة المالية التي تضمن ولاء الميليشيات هو ما قد يدفع النظام نحو الحذر في اتخاذ قرارات عسكرية متهورة قد تؤدي لتدمير أصوله الاقتصادية الحيوية. 

    وبناء على ذلك، فإن فهم اقتصاد المرشد هو المفتاح الوحيد لتَوقع قدرة طهران على الصمود أو التغيير، لأنها منظومة تُدار من قمة الهرم السياسي بقدر ما تُدار من الأسواق، حيث تتحول فيها الثروة إلى نفوذ، والنفوذ إلى بقاء مقدس.

    *****

    اعتُمد في إعداد هذا المقال على تقارير استقصائية دولية (مثل تقرير رويترز عن مؤسسة ستاد) ودراسات أكاديمية في الاقتصاد السياسي الإيراني لكلٍّ من سوزان ملوني وكِفان هاريس، إضافة إلى دراسات الاقتصاد السياسي للريع، والبيانات الصادرة عن مراكز أبحاث متخصصة في شؤون الشرق الأوسط.

موقع الجمهورية


الحرب تمتد وأوارها يشتد.. ماذا عن سوريا؟/ فيصل علوش
11 مارس 2026

بعد أكثر من عشرة أيام على اندلاعها، تتواصل الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران بوتيرة متصاعدة لا تبرز خلالها أية مؤشرات تؤذن بالتوصل إلى نهاية قريبة لها. بل باتت، في نظر كثيرين، تكتسي طابعًا إقليميًا يزداد اتساعًا مع إصرار طهران على استهداف الدول الخليجية، (على رغم أن الأخيرة حاولت أن تنأى بنفسها عن هذه الحرب، إلا أن هذا لم يَحُل دون استهدافها بكم كبير من الصواريخ والمسيرات الإيرانية)، إضافة إلى احتمال تورط بلدان عربية أخرى فيها؛ من قبيل الزج بالعراق بعد إعلان فصائل “المقاومة الإسلامية” عن تنفيذ عشرات الهجمات الصاروخية ضد قواعد أمريكية في العراق والمنطقة. أو استغلال إسرائيل لإطلاق صواريخ “حزب الله”، في خطوة وصفها البعض بـ”الانتحارية”، كي تقوم بعدوان جديد على لبنان أفضى إلى تهجير القسم الأكبر من سكان الجنوب والضاحية، وخلق أزمة نزوح كارثية غير مسبوقة، تسببت في عودة الآلاف من السوريين، (المقيمين أو العاملين في لبنان)، ونزوح آلاف اللبنانيين كذلك إلى سوريا.

وقد استدعى ذلك تعزيز تواجد القوات السورية على الحدود اللبنانية والعراقية، لـ”منع نقل تداعيات الصراع إلى الأراضي السورية، ومكافحة التنظيمات العابرة للحدود ومنعها من استخدام الأراضي السورية”، كما قال الرئيس السوري أحمد الشرع خلال اجتماع شارك فيه عبر تقنية الفيديو (9/3/2026)، مع عدد من قادة دول المنطقة، بدعوة من رئاسة المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية، تناول التطورات العسكرية في المنطقة وسبل خفض التصعيد.

مؤشرات التصعيد

وقد جاءت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتعزز من خيار التصعيد الإقليمي، إذ توعد بصبّ المزيد من “الغضب الملحمي”، (كما يسمي عمليته العسكرية “المبهرة”، التي ينفذها مع شركائه الإسرائيليين ضد إيران)، إلى أن يتم “إلحاق الهزيمة الكاملة والحاسمة بالعدوّ”، على حد قوله، زاعمًا أن إيران كانت تعمل على بناء موقع جديد لتطوير مواد تستخدم في الأسلحة النووية، وأن هدف الحرب “لا يقتصر على حماية المصالح الأمريكية فقط، بل هو من أجل بقية دول العالم أيضًا، خصوصا تلك التي تعتمد على النفط الذي يمرّ عبر مضيق هرمز، بما في ذلك الصين”.

كما جاء انتخاب مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى للجمهورية الإسلامية، خلفًا لوالده علي خامنئي، ليصب أيضًا في منحى التشدد والتصعيد ذاته؛ ففضلًا عن الإشارات السلبية والمخاطر التي ينطوي عليها اعتماد مبدأ توريث السلطة، المناقض للتعاليم الإسلامية، فإن انتخابه يمثل خيار مراكز القوة في “الدولة العميقة”، المتمثلة داخل بنية النظام الإيراني ومؤسساته الأمنية والعسكرية، (وخصوصًا في صفوف الحرس الثوري)، إلى جانب أنصار التيار المتشدد في “مجلس الخبراء”، ومجلسي “صيانة الدستور” و”تشخيص مصلحة النظام”، ما يعني أن اختياره بمثابة تصويت على استمرار طهران في نهجها وخطها المتشدد؛ سواءً في سياساتها الإقليمية والدولية، أم في سياساتها الاجتماعية والاقتصادية والدينية الداخلية المحافظة.

وليس أدلّ على ذلك، من الكيفية التي جرى التعامل وفقها مع القصف الموجّه إلى الدول الخليجية؛ إذ لم تكد تمضي ساعتان على اعتذار الرئيس الإيراني، مسعود بازشكيان، عن استهداف تلك الدول، وتعهده بعدم مهاجمتها مستقبلًا، (بشرط عدم استخدام أراضيها منطلقًا للهجوم على إيران)، حتى استأنفت طهران هجماتها الصاروخية ضد تلك الدول، وهو ما يشير بوضوح إلى وجود انقسامات في النخبة الحاكمة، وإلى عدم سيطرة النخبة السياسية على الحرس الثوري، الذي يبدو هو الممسك بدفة القيادة والقرار في طهران.

وما يهمنا هنا هو التداعيات الأمنية والاقتصادية والسياسية التي يمكن أن يخلّفها استمرار الحرب واتساع نطاقها على بلدنا سوريا. وحسبما ذكرت الرئاسة السورية، فقد قال الرئيس الشرع، في الاجتماع آنف الذكر، إن “سوريا الواقعة على مفترق جغرافي بين ثلاث جبهات مشتعلة تتعرض لتداعيات مباشرة وخطيرة نتيجة هذه التطورات (العسكرية)”، مؤكدًا أن التصعيد الراهن “يمثل تهديدًا وجوديًا للمنطقة بأسرها، فإغلاق مضيق هرمز والضربات على البنية التحتية للطاقة في الخليج تهدد استقرار الاقتصاد العالمي”. الأمر الذي سينعكس بالتأكيد على اقتصاد بلد مثل سوريا، لم يتعافَ بعد من آثار الحرب والسنين العجاف الطوال التي مرت عليه.

عوامل الاستقرار في الإقليم

ومع التشديد على الترابط القائم بين استقرار سوريا واستقرار المشرق العربي والمنطقة عامة، علينا هنا، كسوريين، أن نكون في منتهى الحذر واليقظة من ردود الفعل التي قد تؤدي لانزلاق البلد إلى أي شكل من أشكال الانخراط في هذه الحرب، (أعلن الجيش السوري، على سبيل المثال، أن “حزب الله” أطلق قذائف باتجاه نقاط تمركزه، قرب بلدة سرغايا الحدودية غرب دمشق. وقبلها، قال الرئيس الشرع، إن بلاده تقف إلى جانب الرئيس اللبناني جوزيف عون بشأن نزع سلاح “حزب الله”)، لأن ذلك سيفاقم من التبعات والتداعيات المحتملة على نحو لا طاقة للبلد، ولا للسوريين عمومًا، على تحملها. وهنا يمكننا أخذ العبرة من الكيفية التي تعاطت بها الدول الخليجية مع الحرب. فعلى رغم الهجمات الإيرانية التي لم تتوقف عليها منذ بدء الحرب، إلا أنها اختارت الالتزام بالدفاع عن نفسها وصد الهجمات عن أراضيها فقط، رافضة الانجرار إلى المشاركة العسكرية المباشرة في الحرب، كما طالبها بعض المسؤولين الأميركيين.

خيارات طهران في هذه الحرب تبدو أقرب ما تكون إلى “خيارات شمشونية”، فهي تراهن على إطالة أمدها وتوسيع رقعتها، انطلاقًا من اعتقادها أن تصرفها هذا سيربط مصير المنطقة بها، وسيربك الاقتصاد العالمي، (بالنظر إلى أن دول الخليج تمثّل ركيزة أساسية في معادلة الطاقة العالمية)، وسيرفع تكلفة الحرب على الجميع؛ لعل ذلك يفضي إلى الضغط من أجل وقف الحرب من دون تحقيق أهدافها.

ولقد أدى السلوك الإيراني هذا إلى تأجيج الرأي العام والغضب الخليجي ليس ضد طهران فحسب، بل ضد حتى الأطراف والقوى العربية التي تبدي تعاطفًا معها. وبات من الواضح، في هذا الصدد، أن الحرب الحالية تؤسس لاستقطاب سياسي حاد في المنطقة، على غرار ما حصل إثر اجتياح الكويت وحرب الخليج الثانية التي أعقبتها، وربما على نحو أشد وأكثر حدة. لكن مع ذلك، فإن جلّ العواصم الخليجية تدرك كذلك أن الخطر الذي يتهددها من إسرائيل “الأكثر قوة وغطرسة ونزوعًا إلى السيطرة في الإقليم” ليس أقل من خطر القصف الإيراني الحالي، فنتنياهو لا يمسك نفسه ولسانه عن الإعلان بأن على إسرائيل مواجهة “محور سني قيد التشكل”، بعد القضاء على “المحور الشيعي”، وهو ما ينذر بحروب إسرائيلية مستمرة مع محيطها العربي والإسلامي، وهو ما نعرفه ونخبره جيدًا في سوريا، الأمر الذي يستدعي أخذه على محمل الجد وممارسة كل الحيطة والحذر تجاهه.

الترا سوريا


خارج دائرة النار.. السوريون يتابعون بقلق تداعيات الحرب الإيرانية/ وفاء عبيدو
2026.03.12
للمرة الأولى منذ 14 عاما الأرض السورية ليست “ساحة صراع وأرضا للمعارك”، وبينما تتجه أنظار العالم إلى ساحات الصراع الجديدة في المنطقة، يتابع السوريون تلك المشاهد بعيون مختلفة، فبالنسبة لكثير منهم، لا تبدو الحروب مجرد أخبار عابرة، بل صور تعيد إلى الذاكرة سنوات طويلة من الحرب التي عاشوها بتفاصيلها القاسية.

ورغم أن سوريا ليست طرفا في هذه المواجهات، إلا أن متابعة ما يجري تحمل لدى بعض السوريين مشاعر متناقضة، فهناك من يرى في هذا الصراع مواجهة بين أطراف يحمّلها مسؤولية المشاركة بشكل أو بآخر في مآسي الشعب السوري خلال السنوات الماضية. ومع ذلك تحمل هذه المشاعر القلق، إذ يخشى كثير من السوريين أن تمتد تداعيات هذه الحروب إلى الداخل السوري، سواء عبر تأثيرات اقتصادية أو أمنية جديدة، وبين هذه المفارقة يجد السوريون أنفسهم خارج دائرة النار المباشرة، لكنهم في الوقت ذاته داخل دوامة مشاهدها وتداعياتها التي تلامس حياتهم اليومية.
الحرب ما زالت حاضرة في حياة السوريين

لا تعتبر الصحفية ألما راجح نفسها خارج سياق الحرب اليوم، بل ترى أنها ما تزال جزءًا منه رغم مرور أعوام على اندلاع الصراع، وتقول في حديثها لموقع تلفزيون سوريا إنه حتى خلال السنوات التي عملت فيها خارج سوريا، ثم بعد عودتها قبل نحو عام، لم تشعر يومًا بأن آثار الحرب ابتعدت عن حياتها اليومية.
موضحًة أن السوريين ما زالوا يعيشون تداعيات الحرب على مستويات مختلفة، سواء في الخدمات أو في حالة الخوف والقلق المستمرة، إضافة إلى الأحداث التي تتجدد بين حين وآخر على الأرض، مشيرًة إلى أن هذه القضايا أصبحت جزءًا من النقاشات اليومية للناس، ومصدرًا دائمًا للمخاوف والتحديات التي يواجهونها.
وترى أن هذا الواقع يطرح تساؤلات لدى كثير من السوريين حول مستقبل البلاد، ومدى إمكانية أن تكون سوريا آمنة لأهلها في السنوات المقبلة، خاصة مع التحديات السياسية والعسكرية الجديدة التي قد تؤثر على الوضع الداخلي.
كما لفتت إلى أن مشاعر القلق تظهر سريعًا مع أي تطور في المنطقة، مستشهدة بما حدث مؤخرًا عندما سادت حالة من الخوف بين الناس، واصطف الكثيرون في طوابير للحصول على الغاز والبنزين والمازوت تحسبًا لأي طارئ.
وتختم بالقول إن السوريين ما زالوا جزءًا من سياق الحرب وتداعياتها حتى وإن لم يكونوا في قلب المعارك اليوم، مشيرة إلى أن التعافي الحقيقي يحتاج إلى وقت وجهود منهجية من قبل المجتمع والدولة، لمساعدة الناس على تجاوز آثار سنوات الحرب الثقيلة.

مشاعر متباينة بين الارتياح واستعادة الذاكرة

في المقابل يرى بعض السوريين أنهم خارج دائرة الحرب الحاصلة، وفي هذا السياق أوضح يزن البكور في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أنه يعتبر نفسه خارج هذه الحرب، مشيرًا إلى أن من كان يشارك في قتل الشعب السوري أصبح اليوم داخل دائرة الصراع، لافتًا إلى أن حديثه لا يشمل جميع الدول التي تعاني الحروب حاليًا، بل يقتصر على الأطراف التي يراها مسؤولة عما جرى في سوريا.
وأضاف أن ما يشاهده اليوم يعيد إلى ذاكرته مشاعر الخوف والرعب والفقدان والموت التي عاشها السوريون خلال سنوات الحرب، مشيرًا إلى أن هذه المشاهد تستحضر ذكريات قاسية، من بينها النزوح المستمر وحالة الخوف الدائمة التي رافقت السوريين على مدار الساعة طوال سنوات الصراع.
وتابع قائلًا ” لما بشوف أن الأطراف التي كانت متهمة بقتل السوريين تواجه اليوم أزمات مشابهة بحس برتاح وبحس بالعدل الرباني”، معتبرًا أن ما يحدث هو نوع من تحقق العدالة الإلهية أمام أعين الناس، بعد سنوات طويلة من المعاناة التي عاشها السوريون خلال نحو أربعة عشر عامًا من الحرب.

سوريا جزء من سياق الحرب

رزام سوادي عادت إلى سوريا مؤخرا واستقرت في دمشق، تقول إن شعورها تجاه الحرب الدائرة يختلف عمّا كانت تشعر به خلال سنوات الحرب في سوريا، وأضافت أن الحرب إذا كانت بعيدة عنها فلن تشعر بتأثيرها لا مادياً ولا حتى فكرياً، لكن الصراع الإسرائيلي/الأميركي – الإيراني يبقى قريباً من الواقع السوري، مما يجعل متابعة مجرياته أمراً مهماً بالنسبة لها، لأن نتائجه قد تنعكس بشكل أو بآخر على الوضع في سوريا.
وموضحًة أنها لا تشعر بالمعنى الحقيقي للحرب كما كانت تشعر به عندما كانت الأحداث تدور في بلادها، وقالت ” أخدت دور المشاهدة والمراقبة”، وكأنها تشاهد فيلماً متسلسلاً لا تعرف كيف ستكون نهايته.

وتصف إحساسها تجاه ما يجري بأنه معقّد فلا تشعر بالشماتة، ولا بالحزن العميق، بل تقف في موقع المتابع الذي يراقب المشهد دون انخراط عاطفي كامل.
وتشير سوادي إلى أنها لا تفكر كثيراً في الضحايا، وتدرك أن هذا قد يبدو قاسياً للبعض، وتوضح أن موقفها من الضحايا في إسرائيل مختلف، إذ ترى في كل فرد منهم جندياً في جيش يشارك في قتل الفلسطينيين والسوريين.

أما في إيران، فترى أن الصورة أكثر تعقيداً، فالشعب الإيراني برأيها ليس كله جزءاً من الحرس الثوري أو من رموز السلطة مثل قاسم سليماني وغيره والمرشد الأعلى، مؤكدة أن الحروب غالباً ما يدفع ثمنها أشخاص لا حول لهم ولا قوة، وهو أمر يعرفه السوريون جيداً.
وتختم حديثها بالقول إن تجربتها كفتاة عاشت الحرب في سوريا، وبقيت تتابع أخبارها حتى بعد مغادرتها البلاد، تجعلها تفكر أولاً بالناس الذين يعيشون اليوم تحت القصف والخوف: كيف ينامون، وكيف يضطرون لحمل أغراضهم والانتقال من مكان إلى آخر بحثاً عن الأمان.

متستعيدة ذكريات ما عاشته عائلتها من خوف وقلق دائمين، وتشير إلى أن أكثر ما كان يؤلمها آنذاك هو شعورها بأن العالم لم يكن يكترث بما يمر به السوريون.
تلفزيون سوريا


لماذا تنأى سوريا بنفسها عن الانخراط في الصراع الدائر في المنطقة؟/ راغب العطيه
مارس 12, 2026
في ظل الحرب الدائرة في إيران، تدخل منطقة الشرق الأوسط في حالة من الاضطراب الإقليمي المتعدد الأوجه، حيث لا تقتصر تداعيات هذه الحرب على الولايات المتحدة و”إسرائيل” وإيران، الأطراف الرئيسة فيها، بل تمتد لتشمل ساحات أخرى مرتبطة بالتوازنات الجيوسياسية في الإقليم، ومنها سوريا، بوصفها إحدى الدول الأكثر حساسية تجاه هذه التطورات، خاصة في ضوء التغيير الشامل الذي شهدته البلاد منذ سقوط النظام السابق، الحليف الرئيس لطهران في ما يسمى “محور المقاومة”.

وأمام هذا الوضع الخطير الذي قد تفرضه تداعيات الحرب الدائرة على تخوم الدول العربية، يبرز سؤال حول كيفية تعامل سوريا الجديدة مع هذا الوضع الإقليمي الحساس، وكيف تنأى بنفسها عن الانخراط في الصراعات الجانبية، من خلال التركيز على ترتيب بيتها الداخلي بالدرجة الأولى، بعد أن انتهجت خلال أكثر من عام على التحرير سياسة دولية متوازنة بعيدة عن الاستقطابات والمحاور، كانت أهم ثمارها رفع العقوبات الغربية عن سوريا بشكل كامل.

وفي هذا السياق، قال السيد الرئيس أحمد الشرع في اجتماع مع عدد من قادة دول الشرق الأوسط، عبر تقنية الفيديو، أمس الأول الاثنين: إن سوريا الواقعة على مفترق جغرافي بين ثلاث جبهات مشتعلة، تتعرض لتداعيات مباشرة وخطيرة نتيجة هذه التطورات، مؤكدا أن استقرار سوريا هو حجر الزاوية لاستقرار المشرق العربي والمنطقة.

وأوضح الرئيس الشرع خلال الاجتماع، الذي شارك فيه رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، وقادة السعودية والإمارات والأردن ومصر والبحرين ولبنان والعراق وقطر والكويت وسلطنة عمان وتركيا وأرمينيا، أن التصعيد الراهن يمثل تهديدا وجوديا للمنطقة بأسرها، فإغلاق مضيق هرمز، والضربات على البنية التحتية للطاقة في الخليج، يهددان الاستقرار الاقتصادي العالمي.

وقال الرئيس الشرع: إن ما نشهده من محاولات إيرانية مستمرة لزعزعة استقرار العواصم العربية، وتدخلات تمس صلب الأمن القومي العربي، أمر مدان بأشد العبارات، مجددا موقف سوريا الثابت في إدانة جميع أشكال الاعتداءات التي تطال السيادة العربية.

وفي سياق تنسيق المواقف مع دول المنطقة، أضاف الرئيس الشرع: لقد عززنا قواتنا الدفاعية على الحدود احترازيا لمنع نقل تداعيات الصراع إلى الأراضي السورية، ومكافحة التنظيمات العابرة للحدود، ومنعها من استخدام الأراضي السورية، معربا عن دعم سوريا للخطوات الجادة والحاسمة التي تتخذها حكومتا العراق ولبنان لإبعاد الخطر عن بلديهما، ومنع أي انزلاق باتجاه الصراع، والوقوف إلى جانب الرئيس اللبناني جوزاف عون في نزع سلاح حزب الله.

وسوريا، ومنذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، اعتمدت سياسة خارجية متوازنة، وتعاملت بانفتاح كامل على الغرب، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، دون أن تقطع الطريق مع روسيا الاتحادية، الحليف السابق للنظام المخلوع، وقد سجلت الدبلوماسية السورية خلال العام الماضي خطوات مهمة على صعيد بناء العلاقات السياسية بين سوريا والعديد من دول العالم، وأهمها الولايات المتحدة التي أعلن رئيسها دونالد ترامب، من قلب الرياض في أيار الماضي، قراره برفع العقوبات عن سوريا، وذلك لإعطائها فرصة لبناء نفسها، بحسب كلامه حينها، وهو ما زال يجدد في كل مناسبة تأكيده ضرورة إعطاء سوريا هذه الفرصة.
استهداف مواقع مدنية ومصالح اقتصادية

وجعل الموقع الجغرافي لسوريا أراضيها، وخاصة في الجنوب، عرضة لسقوط بعض الأجسام الحربية الإيرانية نتيجة اعتراضها من الدفاعات “الإسرائيلية”، كما سجلت الأيام الماضية من الحرب استهداف إيران لعدد من الدول العربية والإقليمية بعدد من الصواريخ والمسيّرات، تحت زعم أنها تستهدف المصالح والقواعد الأميركية في هذه الدول، إلا أن الواقع أثبت غير ذلك، من خلال استهداف أهداف مدنية ومصالح اقتصادية في السعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات والأردن وسلطنة عمان، منها مراكز للطاقة ومطارات وموانئ ومبان مختلفة.

كما طالت استهدافات إيران وأذرعها في المنطقة تركيا وأذربيجان، ولم يغب بلد في المنطقة تقريبا عن تأثيرات المواجهة التي اندلعت في 28 شباط الماضي، وما زالت في تصاعد.

وبحسب بيانات رسمية عربية، بلغ عدد المسيّرات والصواريخ الإيرانية التي استهدفت الدول العربية، في الأسبوع الأول فقط من الحرب، وأسقطتها الدفاعات الجوية في هذه الدول، أكثر من 2756 صاروخا وطائرة مسيّرة إيرانية، إضافة إلى طائرتين مقاتلتين.

وكانت الإمارات الأكثر تعرضا للهجمات، تلتها الكويت، ثم البحرين، فقطر، فالأردن، فالسعودية، فيما سجلت سلطنة عمان أقل عدد من الهجمات بنحو 8 طائرات مسيّرة، بحسب وكالة “الأناضول” التركية.

وقد أدت هذه الاعتداءات الإيرانية السافرة على الدول العربية والإقليمية إلى وفاة وإصابة العشرات من المدنيين الآمنين، في الوقت الذي أكدت فيه القوات المسلحة في هذه الدول جهوزيتها للتعامل مع أي تهديدات مستقبلية.
حالة من الهلع والخوف بين الأهالي

ويرى العديد من المراقبين أن سوريا لن تكون بمنأى عن تأثيرات الحرب في إيران، كما هو حال المنطقة كاملة، وذلك بحكم موقعها الجيوسياسي، إذ إن الغارات الجوية المنطلقة من “إسرائيل” باتجاه إيران، والصواريخ الإيرانية المتجهة إلى “إسرائيل”، تمر فوق الأجواء السورية، وبالفعل سجلت الأيام الماضية من الحرب سقوط حطام للصواريخ الإيرانية في المسيفرة ونوى ودير العدس وإنخل وصنع الحمام وشبرق، وسقوط مسيّرة في العجمي بدرعا، وكذلك في مدينة السلام وقرى الرفيد والحيران بالقنيطرة، كما تساقطت شظايا في محيط بيت جن وصيدنايا وعين ترما بريف دمشق، وفي ريف القامشلي ورميلان بالحسكة، كما تم تسجيل سقوط مقذوف في قرية الفتيح بريف جبلة في محافظة اللاذقية.

وأدانت سوريا بشدة الاعتداءات الإيرانية التي طالت سيادة وأمن كل من المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، ودولة قطر، ودولة الكويت، والمملكة الأردنية الهاشمية.

وقالت وزارة الخارجية والمغتربين في بيان لها في 28 شباط الماضي: إن الجمهورية العربية السورية، إذ تعرب عن تضامنها الكامل مع الدول الشقيقة التي تعرضت لهذه الاعتداءات الغاشمة، تؤكد رفضها القاطع لأي تهديدات لأمن واستقرار هذه الدول، وتدعو إلى ضرورة احترام سيادتها وسلامة أراضيها.

وأضافت الوزارة في بيانها: تؤكد سوريا مواصلة دعمها الكامل لجميع الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار والدبلوماسية والحلول السلمية لمعالجة قضايا المنطقة، وضمان الأمن والاستقرار لشعوبها كافة.

وكان الرئيس الشرع قد أجرى، في اليوم الثاني للحرب، سلسلة اتصالات هاتفية مع عدد من القادة والمسؤولين العرب، تناولت التطورات الأخيرة في المنطقة، في ظل التصعيد المتسارع وانعكاساته على الأمن والاستقرار الإقليمي.

كما بحث الرئيس الشرع خلال اتصال هاتفي مع صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية، مستجدات الأوضاع في المنطقة، بما في ذلك القصف الإيراني وتداعياته المحتملة، مؤكدا حرص سوريا على تعزيز التضامن العربي وتكثيف التنسيق المشترك لمواجهة التحديات الراهنة، وعلى وقوفها إلى جانب المملكة قيادة وشعبا، ورفضها القاطع لأي انتهاك لسيادة الدول العربية أو المساس بأمنها واستقرارها.
دمشق ترفض أي مساس بسيادة الدول العربية

وفي السياق ذاته، أجرى الرئيس الشرع عدة اتصالات هاتفية مع رؤوساء وقادة المنطقة، جرى خلاله بحث التصعيد بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” وإيران، وانعكاساته على أمن المنطقة واستقرارها. وأكد الرئيس دعم سوريا الكامل وتضامنها مع الدول العربية، معتبرا أن الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية تمثل تهديدا خطيرا لأمن المنطقة واستقرارها، ومجددا رفض دمشق أي مساس بسيادة الدول العربية.

ويرى الباحث في الشؤون السياسية، المهندس باسل كويفي، أن نأي سوريا بنفسها عن الصراع القائم في المنطقة يستوجب طرح رؤية دقيقة تعكس فهما عميقا للتحدي الجيوستراتيجي الذي تواجهه سوريا الجديدة في هذه المرحلة المهمة من تاريخها، وكيف تقنع دمشق واشنطن بأن دعم الدولة السورية الناشئة هو استثمار في الاستقرار الإقليمي، وليس مجرد ورقة في صراعاتها مع طهران، وأن النجاح في هذا المسار الدقيق لا يعتمد على الخطاب فقط، بل على ترجمة الأولويات إلى حقائق ملموسة على الأرض، وإلى لغة مصالح تفهمها واشنطن، وهذا هو جوهر السياسة الخارجية المتوازنة التي تنتهجها دمشق اليوم.

واستنادا إلى معطيات راهنة تتمحور حول ترسيخ مبدأ “الاستقرار أولا” كورقة رابحة للجميع، وتعمل دمشق على تقديم رؤيتها لواشنطن على أساس أن الفوضى وعدم الاستقرار هما العدو المشترك أيضا، وأن استباقية بناء مؤسسات الدولة ومكافحة الإرهاب هي الضمانة الحقيقية لمنع عودة تنظيم “داعش” أو غيره، وهو ما يخدم الأمن القومي السوري والإقليمي والأميركي بشكل مباشر بعد الانضمام الفعلي لسوريا إلى التحالف الدولي.

وأوضح كويفي، في حديث مع صحيفة “الثورة السورية”، أن تقاطع المصالح المشتركة يمكن أن يشير إلى نجاح المشروع الوطني السوري في توحيد الجغرافيا السورية، من خلال إنهاء نفوذ المشاريع الطائفية والانفصالية، وتقليص النفوذ الإيراني وامتداداته في المنطقة بشكل طبيعي، الأمر الذي يقود إلى شراكة أمنية بين سوريا والولايات المتحدة الأميركية اعتمادا على مصالحها مع دمشق، وأن الدولة الموحدة القوية هي القادرة وحدها على ضبط حدودها مع الجوار ومنع استخدام الأراضي السورية في عودة الإرهاب أو تحويلها إلى منصات لتهديد الآخرين، وعليه تقدم دمشق لواشنطن والمنطقة “النصر” بطريقة أخرى.

ويقرأ بعض المحللين تسريع الولايات المتحدة سحب قواتها وقواعدها العسكرية من سوريا، وفك الارتباط مع قسد، وتسليم ملف “داعش” للدولة السورية، على أنه إقرار من جانب واشنطن بضرورة عدم توفير أي حجة لإيران لاستهداف سوريا بحجة ضرب القواعد الأميركية، وهذا، إن دل على شيء، فإنه يدل على القناعة الأميركية بضرورة تركيز الدولة السورية على عملية إعادة البناء والإعمار والنهوض بالبلاد بما يحقق الأمن والاستقرار سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، باعتبار أن الاستقرار في سوريا يمثل حجر الزاوية في الاستقرار الإقليمي.
سياسة متوازنة

وقال كويفي: إن السياسة الخارجية المتوازنة التي انتهجتها الحكومة السورية أدت إلى قطع الخطوط الإيرانية باتجاه لبنان، وفقدان طهران نفوذها العسكري وتمددها في سوريا وعبرها، وهذا إنجاز استراتيجي تحقق بالوسائل السياسية والعسكرية السيادية، وبالتالي لدى دمشق أوراق ضغط حقيقية، أبرزها شرعيتها الجديدة وقدرتها على تحقيق الإنجازات، حيث نجحت في تأمين انسحاب روسي من بعض النقاط الحساسة وموافقة ضمنية على عملياتها المحسوبة، كما يمكنها ربط أي تعاون مستقبلي، خاصة في الملفات الأمنية والسيادية، بضرورة رفع العقوبات بشكل كامل، لأن العقوبات تعيق تحقيق “الاستقرار الداخلي” الذي تدعو إليه واشنطن نظريا حتى الآن، مؤكدا أن استمرار دمشق في هذا النهج العملي والبراغماتي هو الضامن الوحيد لجعل الاستقرار الداخلي السوري أولوية لا يمكن للغرب ودول المنطقة والعالم تجاوزها.

وأضاف الباحث السياسي: لقد كانت سوريا، خلال الأعوام الأربعة عشر الماضية، الساحة الرئيسية لصراع القوى الإقليمية والدولية بشكل مباشر أو بالوكالة، عبر فائض قوة للضغط والتدخل وتحريك ملفات خارج حدودها، معتبرا أن المشهد اليوم تحول بشكل كبير، وانتقل مركز الصراع من سوريا إلى إيران، وتتجلى هنا فرصة كبيرة لسوريا الجديدة في “الحياد الإيجابي” مع الدعم السياسي اللامحدود من دول الخليج العربي والأردن، والحفاظ على مسافة من جميع الأطراف في مرحلة إعادة تشكيل خارطة جيوسياسية في المنطقة والعالم.

وبينما يسعى المتحاربون إلى توسيع ساحة مناورتهم، تسعى دمشق إلى تأكيد استقلاليتها وتوسيع خياراتها على المستوى الإقليمي، والتحوط لسيناريوهات الحرب المحتملة.

الثورة السورية


سوريا لن تتجنب التداعيات الاقتصادية للحرب على إيران/ حايد حايد
تفسيرات اضطراب الاسعار تشير في النهاية إلى حقيقة واحدة: هشاشة الاقتصاد السوري
آخر تحديث 11 مارس 2026
أسهمت مساعي سوريا إلى النأي بنفسها عن إيران ووكلائها، حتى الآن، في تجنيب دمشق أن تتحول إلى ساحة مباشرة في الحرب المتصاعدة على إيران. وتعزيزا لهذا التوجه، اتخذت السلطات السورية إجراءات احترازية لتأمين الحدود مع لبنان والعراق، فنشرت قوات إضافية وشددت الرقابة لمنع امتداد الصراع إلى الأراضي السورية.

لكن الحكومة، على الرغم من تحركها السريع لاحتواء المخاطر الأمنية المحتملة، لم تُظهر قدرا مماثلا من الاستعجال في الاستعداد للارتدادات الاقتصادية للحرب. فالصراع الدائر يعيد تشكيل أسواق الطاقة العالمية وسلاسل التوريد، وقد بدأت بوادر الضغط الاقتصادي تظهر بالفعل في سوريا.

وعلى خلاف الاقتصادات الأكبر القادرة على امتصاص الصدمات في الأسواق العالمية، لا تملك سوريا هامشا يذكر للتخفيف من وطأتها. والأسَر التي تكافح أصلا لتأمين احتياجاتها الأساسية يهددها ارتفاع الأسعار وتفاقم النقص تهديدا مباشرا في معيشتها اليومية.

ومن دون سياسة استباقية لتأمين الإمدادات وضبط الأسواق، قد تتحول الكلفة الاقتصادية لنزاع إقليمي طويل إلى واحد من أشد التحديات الداخلية إلحاحا في سوريا.

وقد بدأت آثار الحرب تتردد في الاقتصاد العالمي. فقد ارتفعت أسعار النفط وسط مخاوف من تعطل الإنتاج ومسارات الشحن، ولا سيما في الخليج وعبر مضيق هرمز. كما تدفع كلفة الطاقة المرتفعة التضخم إلى الصعود على نطاق أوسع، عبر زيادة كلفة النقل والإنتاج، وهو ما يرفع أسعار الغذاء ويؤخر شحن السلع الأساسية.

وقد بدأت الاقتصادات المتقدمة بالفعل اتخاذ خطوات للتخفيف من هذه الصدمات. فالحكومات تستعد للسحب من الاحتياطيات الاستراتيجية للوقود، ودعم كلفة الطاقة، والبحث عن مسارات إمداد بديلة لتحقيق قدر من الاستقرار في الأسواق. كما فرضت دول أخرى قيودا على صادرات الوقود والغاز أو علقتها حماية لإمداداتها المحلية، وهي خطوات تدفع الأسعار العالمية إلى مزيد من الارتفاع وتزيد تقلبات أسواق الطاقة.

وفي المقابل، يقف الاقتصاد السوري الهش بين أكثر الاقتصادات تعرضا لهذه الضغوط. فالبلاد تعاني أصلا أزمة معيشية حادة، تغذيها اختلالات بنيوية في الإنتاج والتجارة والسياسة النقدية. ومنذ بداية رمضان، ارتفعت أسعار المواد الغذائية بحدة في أنحاء البلاد. كما أدى نقص الغاز المنزلي إلى عودة الطوابير الطويلة بعد أشهر من توافره النسبي، وبدأت مشاهد مشابهة تظهر عند محطات الوقود.

وقد قدم المسؤولون تفسيرات متعددة لهذه الاضطرابات. فارتفاع أسعار المواد الغذائية رُبط بزيادة الطلب خلال رمضان، ونقص الغاز عُزي إلى تأخيرات مؤقتة في الاستيراد بسبب الأحوال الجوية، فيما نُسبت طوابير الوقود إلى الشراء بدافع الذعر الذي أثارته الحرب. لكن هذه التفسيرات كلها تشير في النهاية إلى حقيقة واحدة: هشاشة الاقتصاد السوري وافتقاره إلى وسائل فعالة لامتصاص الصدمات الخارجية.
فالإنتاج المحلي ما زال ضعيفا، فيما تؤمن الواردات قسما كبيرا من السلع الأساسية. ولهذا فإن أي اضطراب، ولو كان محدودا، في تدفق الوقود أو القمح أو غيرهما من المواد الأساسية يمكن أن يمتد بسرعة عبر الاقتصاد كله، فيصيب النقل وتوليد الكهرباء وإنتاج الغذاء والنشاط الصناعي.
وفي مثل هذه الظروف، تنتقل الصدمات العالمية إلى الأسواق المحلية بسرعة. فالتجار يوسعون هوامشهم تحوطا من عدم اليقين، والمنتجون يرفعون الأسعار استباقا لارتفاع كلفة المواد الأولية في دورة الإنتاج التالية، والمستوردون يحتسبون تقلبات سعر الصرف وارتفاع نفقات النقل. وهكذا يتحول اضطراب الأسواق العالمية سريعا إلى تضخم تتحمله الأسر.
لذلك، لا يجوز انتظار تفاقم الأزمة. فسوريا تحتاج إلى سياسة استباقية لإدارة المخاطر الاقتصادية الناجمة عن نزاع إقليمي طويل الأمد. والكلفة الوقائية هنا تبقى أقل بكثير من كلفة إدارة أزمة بعد انفجارها.
وينبغي أن يأتي تعزيز الاحتياطي الاستراتيجي في مقدمة الأولويات العاجلة. فالحفاظ على مخزونات كافية من الوقود والقمح والحبوب والأدوية والمواد الغذائية الأساسية من شأنه أن يخفف أثر أي اضطراب في الإمدادات على الأسواق المحلية. كما أن تنويع مسارات الاستيراد ومصادره، مع تعديل الأنظمة بما يتيح تأمين كميات أكبر من السلع الأساسية، يساعد على رفع مستوى الاحتياطي الاستراتيجي ويقلص التعرض للانقطاعات المفاجئة.
ولا تقل أهمية عن ذلك الرقابة المشددة على السوق. ففترات عدم اليقين تدفع إلى التخزين والمضاربة، وهو ما يفاقم النقص ويسرع ارتفاع الأسعار. ومن هنا، ينبغي أن يبقى ضمان التدفق المستمر للسلع الأساسية أولوية مركزية.
كذلك، سيكون التنسيق الأوثق مع القطاع الخاص ضروريا. فالشركات السورية تؤدي دورا محوريا في الحفاظ على سلاسل التوريد واستمرار الإنتاج في القطاعات الرئيسة. وإنشاء آلية خاصة للاستجابة للأزمات، تنسق التحرك السريع بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، وهو ما يمكن أن يساعد على رصد الاختناقات مبكرا ومنع تحول الاضطرابات المحدودة إلى نقص واسع النطاق.
وربما تكون جهود سوريا للابتعاد عن الحرب قد خففت خطر التصعيد العسكري على أراضيها، لكنها لا تستطيع أن تعزل البلاد عن صدمتها الاقتصادية. والأولوية الآن هي منع هذا الاضطراب من التحول إلى مصدر أوسع لتهديد الاستقرار الداخلي.
وخطر الجمود لا يقف عند حدود ارتفاع الأسعار أو النقص المؤقت في السلع الأساسية. فهذه الضغوط تضرب مباشرة القدرة اليومية على العيش لدى الأسر التي تكافح أصلا لتأمين أبسط احتياجاتها.
ويبقى السؤال: هل تنجح سوريا في عبور هذا الاضطراب الإقليمي بقدر من الاستقرار، أم تجد نفسها أمام دورة جديدة من الأزمات الاقتصادية والتوتر الاجتماعي؟ الإجابة ستتوقف إلى حد كبير على الطريقة التي ستدير بها الحكومة هذه الضغوط في الأسابيع المقبلة.

المجلة


الاقتصاد السوري تحت ضغط الحرب الإيرانية/ يحيى السيد عمر
مارس 12, 2026
رحب كل من وزير المالية محمد يسر برنية، وحاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، بالبيان الذي أصدره صندوق النقد الدولي، والذي أشاد بالتزام الحكومة السورية بتبني سياسات اقتصادية رشيدة

مع اتّساع نطاق الحرب في إيران، لا يمكن أن تبقى الآثار محصورة في حدود جغرافية محدودة، بل يمكن لها أن تمتدّ لتطال الاقتصادات الضعيفة، وسوريا تأتي في مُقدّمة هذه الاقتصادات؛ بحُكْم موقعها الجغرافي واعتمادها على الاستيراد من الخارج، من الطاقة والوقود إلى السلع الأساسية، وبالتالي فإن التصعيد العسكري الحالي في الخليج قد ينعكس على تفاصيل الحياة اليومية، من فاتورة الكهرباء إلى سعر الخبز.

أُولى آثار الحرب تَظْهر في سوق الطاقة، مع تضرُّر الإمدادات من الخليج وانعكاس ذلك على الأسواق العالمية. ارتفاع أسعار النفط في هذه الحالة يعني تكلفة إضافية تتحمّلها الدول المُستورِدة، وسوريا التي تُعاني بالفعل من ضَعْف الإنتاج المحلي وتراجُع القدرة على تكرير النفط في مصافيها، سوف تكون أمام فاتورة استيراد أعلى للمشتقات النفطية. ومع محدودية الموارد بالعُملة الصعبة، تتحوَّل كل زيادة في السعر العالمي إلى ضغط مباشر على المالية العامة وعلى قدرة الدولة على تأمين الوقود.

تأثير ذلك يَطَال قطاع الكهرباء؛ المحطات تعتمد بدرجة كبيرة على الفيول والغاز المستورَدَين، وأيّ ارتفاع في الكلفة يعني تقليل الإنتاج وانقطاع في التيار أو أعباء مالية إضافية على الخزينة. النقل بدَوْره يتأثر سريعاً، فتكلفة المازوت والبنزين تدخل في حساب كل سلعة من المزرعة إلى السوق. ومع انتقال هذه الزيادة عبر حلقات الإنتاج والتوزيع، تتَّسع دائرة التضخم لتشمل الغذاء والصناعة والخدمات؛ في اقتصاد يعاني بالفعل من تأكُل القوة الشرائية، يصبح هامش التحمُّل محدوداً للغاية.

التأثير يمتدّ إلى الممرات البحرية، أيّ توتر عسكري في الخليج ينعكس مباشرةً على حركة الملاحة ومضيق هرمز الذي أصبح شِبْه مُغلَق، وهو شريان رئيسي لتجارة الطاقة والسلع بين آسيا وأوروبا. كما أنّ ارتفاع مخاطر الشحن يَدْفع شركات النقل إلى زيادة كلفة التأمين والرسوم؛ ما قد يُطِيل زمن الرحلات أو يَفْرض مسارات بديلة أكثر كلفة. الموانئ السورية، التي تعتمد على الاستيراد لتأمين القمح والمواد الأوَّلية والسلع الاستهلاكية، لا تصبح بمنأى عن هذه التطورات.

زيادة تكاليف الشحن تعني ارتفاعاً إضافياً في أسعار السلع عند وصولها إلى السوق المحلية. القمح المُستورَد، والزيوت النباتية، والسكر، والمواد الخام للصناعات، كلها تتأثَّر بكلفة النقل والتأمين. ومع محدودية البدائل المحلية، يصعب امتصاص هذه الزيادات دون انعكاسها على المُستهلِك النهائي، وبالتالي فإن أيّ اختناق بحري طويل الأمد يُهدِّد انتظام الإمدادات، ويُعيد إلى الواجهة مخاوف نقص بعض السلع أو اضطراب توزيعها.

البُعد الإقليمي يساهم في تعقيد المشهد، بعض الدول وجدت نفسها في قلب مواجهة مفتوحة مع إيران، رغم أنها ليست طرفًا، وهو ما قد يُعيد ترتيب الأولويات السياسية والاقتصادية في المنطقة، ويدفع هذه الدول إلى الانشغال بمعالجة تداعيات الأزمة؛ ما قد يُقلِّص الهامش المتاح لدعم ملفات أخرى، ومنها الملف السوري. هذا التحوُّل لا يعني بالضرورة توقفاً كاملاً للدعم أو التعاون، لكنه يَفْرض إعادة الحسابات لدى بعض الأطراف.

سوريا، التي تعتمد في جزء من علاقاتها الاقتصادية على تفاهمات إقليمية، قد تَجِد نفسها أمام واقع أكثر حذراً في الاستثمارات والمبادلات التجارية. الشركات الإقليمية تَمِيل في أوقات الاضطراب إلى تقليص المخاطر وتأجيل التوسُّع، مع تعطُّل ولو قصير لحركة التحويلات المالية والتجارة العابرة للحدود.

العملات بطبيعتها تتأثر بالأحداث، تبقى الليرة السورية حساسة تجاه أيّ توتر إقليمي واسع، خاصةً إذا ترافق مع ارتفاع في أسعار الطاقة وزيادة الحاجة إلى العملات الأجنبية لتمويل الاستيراد. الضغط على الاحتياطي النقدي يتصاعد مع ارتفاع فاتورة استيراد النفط، ما يفتح الباب أمام تقلّبات في سعر الصرف. هذه التقلّبات تُغذّي بدَوْرها موجات جديدة من ارتفاع الأسعار، في حلقة يَصْعب كسرها من دون موارد إضافية أو إجراءات نقدية ومالية دقيقة.

وسط التوترات، تنشط أيضاً المُضارَبات، ويزداد الميل إلى تحويل المدَّخرات نحو الدولار أو الذهب. هذا السلوك الدفاعي مفهوم في اقتصاد عانى سنوات طويلة من عدم الاستقرار، لكنه يُضِيف عبئاً إضافياً إلى العُملة المحلية. كلّ تراجُع في سعر الصرف ينعكس سريعاً على أسعار السلع المُستورَدة، التي تُشكّل نسبة كبيرة من الاستهلاك المحلي.

الأمن الغذائي يقف في قلب هذه المعادلة؛ لأن ارتفاع تكاليف النقل والطاقة يرفعان من تكلفة الإنتاج الزراعي المحلي أيضاً، من تشغيل مضخات الريّ إلى نقل المحاصيل. وعندما تجتمع زيادة التكلفة المحلية مع ارتفاع أسعار السلع المُستورَدة، تتآكَل قدرة الأُسَر على تأمين احتياجاتها الأساسية، وتصبح الفئات ذات الدَّخل المحدود الأكثر تأثراً؛ لأن الجزء الأكبر من إنفاقها يذهب للغذاء والطاقة.

الأخطر أن زيادة أَمَد هذه الأزمة يؤدي إلى اتّساع مستوى الفقر وزيادة العبء على شبكات الدعم الاجتماعي، وبالتالي فإن الاستقرار الاجتماعي يصبح مرتبطًا بشكل وثيق بقدرة الدولة على إدارة هذه الصدمات، سواء عبر سياسات دعم موجّهة أو عبر تأمين مخزونات إستراتيجية تُخفّف أثر التقلّبات الخارجية.

مع ذلك، لا تخلو الصورة من هوامش يمكن التحرُّك ضمنها. التحولات في مسارات التجارة الإقليمية قد تَخْلق فرصاً محدودة لإعادة تموضع اقتصادي. بعض الدول تسعى في أوقات الأزمات إلى تنويع طرق الإمداد وتوسيع شبكة شركائها، وإذا نجحت سوريا في الحفاظ على قَدْر من الاستقرار الداخلي وتَبَنّي نهج عملي في علاقاتها الاقتصادية، فقد تتمكَّن من جذب شراكات بديلة أو تعزيز دَوْرها كممرّ تجاري في بعض القطاعات.

تحقيق ذلك يتطلّب إدارة دقيقة للمخاطر وتخفيف الاعتماد المُفْرط على مصدر واحد للطاقة أو التمويل؛ من خلال تنويع الشركاء، وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي كلّما أمكن، وتحسين بيئة الأعمال، وهي أدوات ضرورية لزيادة القدرة على الصمود. في عالم يتغيَّر بسرعة تحت ضغط الصراعات، الاقتصادات التي تمتلك مرونة أعلى تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات.

الحرب في إيران، إذا اتَّسعت أكثر، لن تكون حدثًا بعيدًا عن سوريا. خيوط الطاقة والتجارة والتحالفات تجعل المنطقة شبكة مترابطة يصعب عزل أيّ جزء منها عن الآخر، وإدارة المرحلة تتطلّب تعاملًا هادئًا مع المتغيّرات، وتركيزًا على تقليل التكلفة الداخلية قَدْر الإمكان. في النهاية، معيار النجاح لن يكون في تجنُّب التأثر كليّاً، بل في تقليص حجم الخسائر والحفاظ على الحدّ الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

الثورة السورية


هل تندلع الحرب بين سوريا وحزب الله؟/ محمد فواز
2026.03.12
منذ سقوط نظام الأسد، اتجهت الأنظار إلى سلسلة الجبال الحدودية بين لبنان وسوريا، مع حالة من الترقب يعدّ فيها الجميع الدقائق قبيل اندلاع المواجهة. فالحدود التي كانت ملتهبة طوال فترة الثورة السورية، سواء عبر الاقتتال بين حزب الله وجبهة النصرة داخل لبنان، أو من خلال المشاركة الواسعة لحزب الله إلى جانب الأسد، كانت تشكّل شريان نقل المقاتلين والعُدّة والعتاد، باعتبارها خط إيران الخارجي الأساسي في الإقليم ككل.

تزامن سقوط الأسد مع تراجع حزب الله، بل كان سببًا رئيسيًا فيه، ومع تراجع سطوة إيران في المنطقة واستعداد الولايات المتحدة للانقضاض عليها، فكانت الولايات المتحدة مرحِّبة بتقطيع أوصال محور إيران من سوريا تحديدًا، باعتبارها القلب الجغرافي وعقدة مواصلات المحور الرئيسية.

ثبّتت القيادة الجديدة في سوريا نفسها، خلافًا لرهانات إيران وحزب الله، في حين تعقّدت وضعية المحور أكثر فأكثر حتى وصل موعد الحرب الأميركية الكبرى في المنطقة. سريعًا، تسارعت الأحداث وطالت لبنان والعراق والخليج العربي وحتى تركيا، من دون أن ننسى البحار والولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.

وكالعادة، تحكم الجغرافيا. فسوريا التي تتوسط هذا الشرق حاولت الاختفاء مع اندلاع الحرب، لكن ذلك في السياسة غير ممكن. وعليه، فإن تهديد سوريا اليوم في أوجه. فعلى الجبهة الإسرائيلية، حذّرت إسرائيل سوريا من أي تحرّك عسكري في الجنوب أو من محاولة تغيير الواقع القائم في المناطق المحاذية للجولان، على وقع الانشغال الإسرائيلي في لبنان وإيران. وأبلغتها بأنها لن تسمح باستغلال الحرب الدائرة لفرض تموضع جديد قرب خط الفصل، بحسب وسائل إعلام دولية. وعليه، فإن إسرائيل لا تثق، ولن تثق، بالقيادة السورية الحالية.

إضافة إلى ذلك، فإن إحدى المظلّات التي تتمتّع بها سوريا اليوم هي مظلّة الحاجة الدولية إلى تقطيع محور إيران. فإذا سقط هذا المحور كليًا واتجه نحو الفوضى، فإن ذلك سيعني أولًا أن سوريا قد تصبح ساحة استهداف أساسية من بقايا المحور، نظرًا إلى كونها خاصرة ضعيفة في ظروفها الوليدة. كما أن دورها وأهميتها الدولية قد يتراجعان، فضلًا عن أن سقوط لبنان الكامل في يد إسرائيل سيجعل سوريا محاصرة بين تراجع الأهمية الدولية، والفوضى الإيرانية، والتطويق الإسرائيلي الشامل، بما يجعل تهديد الحكم السوري الناشئ تهديدًا محوريًا.

وفي حين يُعدّ اللهيب العراقي شديدًا، فإن لهيب لبنان يبدو أشدّ. ففجر اليوم اتّسع التوتر على الجبهة اللبنانية–السورية مع سقوط قذائف أُطلقت من الأراضي اللبنانية على نقاط للجيش السوري قرب الحدود. وقالت دمشق إن حزب الله هو من أطلقها باتجاه مواقعها، مؤكدة أن الجيش السوري “لن يتهاون مع أي اعتداء يستهدف الأراضي السورية”.

وجاءت هذه الحادثة على وقع اتّساع الاهتمام السوري بلبنان في الأيام الأخيرة، مع اتصالات أجراها الرئيس أحمد الشرع بكل من رئيس الحكومة نواف سلام، والزعيم الدرزي وليد جنبلاط، ورئيس حزب الكتائب سامي الجميّل، في مؤشر إلى دخول دمشق على خط متابعة التطورات اللبنانية بصورة أوضح وأكثر مباشرة.

ففي اتصاله بسلام، شدّد الشرع على أن تعزيز الوجود العسكري السوري على الحدود يهدف إلى ضبط الحدود وحماية الأمن الداخلي السوري. وفي اتصاله بجنبلاط، أكّد أهمية التنسيق والتفاعل بين الحكومتين اللبنانية والسورية لمواجهة أخطار المرحلة. أما في اتصاله المطوّل مع الجميّل، فقد تحدّث عن فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين على قاعدة الاحترام المتبادل والتعاون.

ثم جاء حديثه المباشر في الشأن اللبناني، لأول مرة على هذا المستوى، خلال مشاركته يوم الإثنين 9 آذار/مارس 2026 في اجتماع إقليمي–أوروبي عُقد عبر تقنية الاتصال المرئي بدعوة من رئاسة المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية، حيث أعلن بوضوح وقوف دمشق إلى جانب الرئيس اللبناني جوزيف عون في مسألة نزع سلاح حزب الله، معتبرًا ذلك جزءًا من حماية استقرار لبنان وسيادته.

ميدانيًا، تأتي الحادثة بعد اتهامات مبطّنة من حزب الله لسوريا بأنها تترك أراضيها لتكون منصة انطلاق لهجمات عليه، وتحديدًا في إنزال النبي شيت الأخير، ما يجعل الأجواء بين الطرفين محتقنة.

عمليًا، لم يكن ممكنًا، بعد انغماس حزب الله لأكثر من عقد في محاربة الثورة السورية والتنكيل بأهلها، أن يُتصوَّر صفاء في القلوب بينه وبين القيادة السورية الجديدة. لكن مسار ما بعد الأسد كان مسارًا سوريًا استراتيجيًا يقضي بتحييد سوريا عن الملف اللبناني، انطلاقًا من قناعة بأن الوحول اللبنانية مُغرِقة لكل من يدخلها؛ وهو ما عبّر عنه الرئيس أحمد الشرع مبكرًا حين شدّد على أن سوريا الجديدة لن تكون منصّة لتهديد أو زعزعة أي دولة عربية، وأنها لا تريد علاقة تسلّطية مع لبنان، بل تقف على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين، كما أكّد لاحقًا أنه غير معنيّ بفتح صراعات جديدة.

إضافة إلى كل ما سبق، فإن سوريا ليست مطمئنة بالتأكيد لفكرة، أو لإمكانية، سقوط مناطق حزب الله في يد إسرائيل في البقاع، بما يفتح الباب أمام حضور إسرائيلي مباشر أو غير مباشر على كامل حدودها الغربية، ويقرّب النفوذ الإسرائيلي من حدودها في لحظة انتقالية هشّة، ناهيك عن ضغوط دولية موجودة تدفع سوريا للمبادرة في اتجاه البقاع اللبناني. ومن هنا، فإن فتح جبهة سياسية أو أمنية أكثر حدّة بين القيادة السورية الجديدة والحزب ترتفع احتماليته عمّا كانت عليه سابقًا.

لكن المسار الإقليمي الراعي لسوريا حتى الآن ما يزال يرفض الرد على إيران، على الرغم من حجم التركيز الإيراني عليه، خاصة في الخليج العربي. أضف إلى ذلك أن سوريا تدرك أن الدخول في حرب مع حزب الله لن يكون بالأمر السهل، بل سيكون حمّام دم طائفي واسع سيترك أثره السلبي في التاريخ، كما فعل حزب الله في سوريا. إضافة إلى استفادة إسرائيل مباشرة من إنهاك الطرفين، ثم القضاء بعد ذلك على من يبقى منهما بسهولة.

ناهيك عن أن هذه الجبهة ستصرف سوريا عن مسارها الداخلي، وستجعلها رخوة على جبهاتها الشرقية التي لم تندمل، والتي قد تتحرك من العراق، فضلًا عن الداخل. من دون أن ننسى موقف باقي الأطراف اللبنانية، مثل الجيش اللبناني، الذي لن ينظر إلى دخول قوات سورية إلى لبنان بعين إيجابية، خاصة وأن توازن القوى بينهما يسمح للجيش اللبناني بالتحرّك في وجه سوريا أكثر مما يسمح له بذلك في وجه إسرائيل، خاصة مع إهمال الشرع لرئيس الجمهورية اللبناني – القائد الأعلى للقوات المسلحة اللبنانية وقائد الجيش السابق.

لذلك، فإن حسبة سوريا بخصوص لبنان معقّدة وحسّاسة. ولو أن التصريحات السورية قد تبدو عالية السقف، فإنها لا تعني بالضرورة تحرّكًا على الجبهة، بل هي أقرب، حتى الآن، إلى أن تكون استعاضة عن الفعل بالتهديد، تجنّبًا لفتح جبهة. ومع ذلك، سيظل الاستنفار الحدودي قائمًا ويتعزّز من باب الاحتياط، لا من باب الهجوم، الذي يبدو حتى الآن الأقل ترجيحًا.

مرّت سوريا ما بعد الأسد بمحطات بالغة الحساسية، لكن هذه المحطة وما يليها ستكون أكثر حساسية، مهما كانت نتائج حرب أميركا وإيران أو حرب إسرائيل وحزب الله، لأن مختلف النتائج ستجعل من سوريا وجهة التركيز المقبلة.
تلفزيون سوريا


توتر حدودي: تفاصيل تنسيق لبناني سوري لتجنب انفجار الوضع، وعين دمشق على التحركات الإسرائيلية
عربي بوست
2026/03/12
تتجه الأنظار في الأيام الأخيرة إلى الحدود السورية اللبنانية التي تشهد حالة من الترقب الأمني في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع، فمع اتساع رقعة الحرب في المنطقة تتزايد المخاوف من أن تمتد تداعياتها إلى مناطق جديدة، ما يجعل الشريط الحدودي بين البلدين أحد أكثر المواقع حساسية في المشهد الإقليمي الحالي.

وفي محاولة لتجنب أي تصعيد غير محسوب، عززت بيروت ودمشق وتيرة التواصل السياسي والعسكري بينهما لمتابعة التطورات الميدانية وضبط الوضع على طول الحدود المشتركة. ويهدف هذا التنسيق إلى منع أي احتكاك قد يؤدي إلى فتح جبهة جديدة، خصوصاً في المناطق الممتدة بين القلمون السوري والبقاع اللبناني.

وشكّل سقوط قذائف مدفعية في محيط بلدة سرغايا في ريف دمشق الغربي، القريبة مباشرة من الحدود اللبنانية، نقطة تحول دفعت الاتصالات السياسية والأمنية بين بيروت ودمشق إلى التكثف خلال الساعات الماضية. وركزت هذه الاتصالات، التي جرت بين الرئيس اللبناني والرئيس السوري، على احتواء تداعيات الحادثة ومنع تحولها إلى توتر أوسع.

“جرس إنذار” على الحدود السورية اللبنانية

أعلن الجيش السوري، الثلاثاء 10 مارس/ آذار 2026، أن القذائف أُطلقت من الأراضي اللبنانية وسقطت بالقرب من نقاط انتشار عسكرية في المنطقة، في حين تحدثت تقارير ميدانية عن تحركات لعناصر تابعة لحزب الله على الجانب المقابل من الحدود.

في المقابل، أعلن حزب الله اللبناني أن إطلاق الصواريخ جاء في سياق استهداف مروحيات إسرائيلية قال إنها كانت تحاول تنفيذ عملية إنزال في المنطقة بهدف التقدم نحو الأراضي اللبنانية في البقاع.

غير أن هذه الرواية اصطدمت بمعطيات ميدانية مختلفة، إذ نقلت وكالة رويترز عن مصادر عسكرية إسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي لم يخض أي اشتباك مع حزب الله في تلك المنطقة، كما لم يتم تسجيل أي عملية إنزال عسكرية.

كما أكدت السلطات السورية أنها لم ترصد أي نشاط عسكري إسرائيلي من هذا النوع داخل الأراضي السورية في تلك الليلة، الأمر الذي زاد من حالة الغموض حول ملابسات الحادثة.

ودفع هذا التباين في الروايات الجيشين السوري واللبناني إلى تفعيل قنوات الاتصال العسكرية القائمة بينهما لمتابعة التحقيق في الحادثة ومنع تكرارها.

مخاوف متبادلة على جانبي الحدود

رغم حرص الطرفين على احتواء التوتر، فإن العلاقات السورية اللبنانية تمر حالياً بمرحلة من الحذر المتبادل تحكمها حسابات أمنية معقدة.

في لبنان، أثارت التعزيزات العسكرية السورية التي انتشرت مؤخراً على طول الشريط الحدودي حالة من القلق في بعض الأوساط السياسية، خصوصاً في المناطق الحدودية في البقاع والشمال، حيث تخشى بعض القوى من احتمال أن تتحول هذه الحشود إلى مقدمة لعمليات عسكرية محدودة داخل الأراضي اللبنانية.

غير أن مصادر حكومية لبنانية قالت لـ”عربي بوست” إن هذه المخاوف لا تستند إلى معطيات ميدانية فعلية، إذ تشير الاتصالات المباشرة مع دمشق إلى أن التحركات العسكرية السورية تأتي في إطار إجراءات دفاعية لضبط الحدود، وليس في إطار أي نية للتدخل في الساحة اللبنانية.

في المقابل، تنظر دمشق إلى الوضع الحدودي من زاوية مختلفة، فالمخاوف السورية تتركز أساساً على احتمال استخدام الحدود اللبنانية كمنصة لتهديد الأمن السوري، سواء عبر تحركات عسكرية قد يقوم بها حزب الله في ظل الحرب الجارية، أو عبر نشاط مجموعات مسلحة مرتبطة بالنظام السوري السابق.

وأشارت مصادر أمنية سورية لـ”عربي بوست” إلى أن القيادة في دمشق تأخذ بجدية احتمال أن تحاول إيران أو بعض حلفائها نقل جزء من الصراع إلى الأراضي السورية في حال تعذر توسيع الجبهات الأخرى في المنطقة.

كما تخشى دمشق من احتمال أن تسعى إسرائيل إلى دفع الأمور نحو احتكاكات ميدانية بين سوريا وحزب الله، بما يؤدي إلى خلق توتر دائم على الحدود السورية اللبنانية.
هواجس سورية من التحركات الإسرائيلية

إلى جانب المخاوف المرتبطة بتحركات حزب الله، تبدي دمشق قلقاً متزايداً من النشاط العسكري الإسرائيلي في منطقة البقاع اللبنانية، التي تعتبرها القيادة السورية امتداداً جغرافياً وأمنياً مباشراً للعمق السوري.

وتعتقد مصادر حكومية سورية أن إسرائيل قد تسعى خلال المرحلة المقبلة إلى توسيع نطاق عملياتها العسكرية في البقاع، سواء عبر ضربات جوية أو عبر عمليات إنزال محدودة تستهدف مواقع عسكرية تابعة لحزب الله.

غير أن القلق السوري لا يقتصر على استهداف الحزب فقط، بل يرتبط أيضاً بالانعكاسات الاستراتيجية التي قد تنجم عن أي وجود عسكري إسرائيلي متقدم في تلك المنطقة.

فمن الناحية الجغرافية، تشرف المرتفعات الواقعة في البقاع الغربي على مساحات واسعة من الأراضي السورية، بما فيها الطريق المؤدي إلى العاصمة دمشق، وبالتالي فإن أي تمركز عسكري إسرائيلي في تلك المرتفعات قد يمنح تل أبيب قدرة أكبر على مراقبة العمق السوري وفرض ضغط عسكري مباشر على دمشق.

وتشير تقديرات سورية إلى احتمالين رئيسيين قد تسعى إسرائيل لتحقيقهما في البقاع:

الأول تنفيذ عمليات عسكرية محدودة انطلاقاً من مرصد جبل الشيخ باتجاه مناطق البقاع الغربي، بما قد يسمح للقوات الإسرائيلية بالاقتراب أكثر من الحدود السورية.

أما الاحتمال الثاني فيتمثل في تنفيذ عمليات إنزال سريعة تستهدف مواقع عسكرية محددة أو مرتفعات استراتيجية، بما يسمح لإسرائيل بفرض واقع أمني جديد في المنطقة.

وترى دمشق أن مثل هذه التحركات قد تندرج ضمن استراتيجية إسرائيلية أوسع تهدف إلى إعادة رسم موازين القوى في المنطقة بعد الحرب الحالية.
تعزيزات عسكرية سورية لضبط الحدود

في هذا السياق، دفعت القوات السورية خلال الساعات الماضية بتعزيزات إضافية إلى محيط بلدة سرغايا وعدد من النقاط الواقعة على طول الحدود السورية اللبنانية.

وتضم هذه التعزيزات وحدات من حرس الحدود وكتائب استطلاع وقوات خاصة من “العصائب الحمراء”، وتتمثل مهمتها الأساسية في تكثيف عمليات المراقبة الميدانية ومنع أي عمليات تسلل محتملة عبر الحدود.

كما جرى تعزيز نقاط المراقبة العسكرية في المناطق الجبلية والمعابر غير الشرعية التي استخدمت خلال السنوات الماضية لنقل السلاح والمقاتلين بين البلدين.

وبحسب مصادر عسكرية سورية، فإن هذه الإجراءات تندرج ضمن خطة أوسع لإعادة إحكام السيطرة على الحدود في ظل المخاوف من استغلال الظروف الإقليمية الحالية لإعادة فتح خطوط الإمداد العسكرية عبر الأراضي السورية.
تنسيق سياسي وأمني لاحتواء التوتر

في ظل هذه المعطيات، يبدو أن بيروت ودمشق تدركان أن ضبط الحدود السورية اللبنانية بات ضرورة مشتركة للبلدين.

فبالنسبة إلى سوريا، يمثل منع أي نشاط عسكري غير منضبط على الحدود أولوية أمنية في هذه المرحلة الحساسة. أما لبنان، فيسعى إلى تجنب فتح جبهة إضافية في وقت يواجه فيه تصعيداً عسكرياً واسعاً مع إسرائيل.

ولهذا السبب كثف الطرفان خلال الأيام الأخيرة التنسيق السياسي والأمني بينهما لضمان بقاء الحدود تحت السيطرة ومنع أي حادث ميداني من التحول إلى أزمة بين البلدين.

وفي موازاة ذلك، أجرى الرئيس السوري سلسلة اتصالات مع عدد من المسؤولين اللبنانيين، من بينهم رئيس الحكومة نواف سلام وزعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس حزب الكتائب سامي الجميل، في خطوة تهدف إلى توضيح طبيعة التحركات العسكرية السورية ومنع استغلالها سياسياً داخل لبنان.

وتشير مصادر حكومية لبنانية إلى أن هذه الاتصالات ساهمت في تهدئة المناخ السياسي في بيروت، وأعادت التأكيد على أن التحركات العسكرية السورية على الحدود تندرج ضمن إجراءات دفاعية تهدف إلى ضبط الحدود ومنع انتقال التوترات الإقليمية إلى الداخل السوري.

وفي ظل استمرار الحرب الإقليمية وتزايد احتمالات اتساعها، تبدو الحدود السورية-اللبنانية مرشحة للبقاء واحدة من أكثر النقاط حساسية في المشهد الإقليمي، حيث تتقاطع فيها حسابات القوى الإقليمية مع الهواجس الأمنية لكل من بيروت ودمشق.


بين سقوط إيران وإعادة رسم خريطة المنطقة.. ماذا ينتظر سوريا؟/ هناء محمد درويش
مارس 12, 2026
ماذا بعد سقوط إيران المفترض؟ من سيملأ الفراغ؟ أسئلة تدور في بال الكثيرين، من خلالها يبدو أن الموقف السوري من الحرب الإيرانية الإسرائيلية لن يكون سهلاً سياسياً وأخلاقياً، فكلا الطرفين هما عدو للشعب السوري. الجملة الأكثر تداولاً بين الناس هي الدعاء: “اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا سالمين”.

تبدو هذه العبارة مريحة لأنها لا تلزم بأي انحياز، لكنها أيضاً تعكس حالة الارتباك التي يعيشها السوريون بعد سنوات طويلة من الصراع والخسائر. السوري الذي عانى من تدخل إيران في بلده وإجرامها لا يمكنه أن يتعاطف معها، وفي الوقت نفسه لا يستطيع تجاهل العداء التاريخي مع إسرائيل. بين هذين الشعورين يقف الكثير من السوريين صامتين، وكأن الدعاء أصبح آخر ما يمكن فعله في السياسة بعد تجربة مريرة من الخداع والحرب.

الابتعاد عن الانحياز لأي طرف يعكس إرهاق السوريين من سنوات الحرب وعمق الخسائر التي عانوا منها، ويعبّر عن شعورهم بالخذلان من جميع الأطراف المتورطة في الصراع.

قوة هذا الموقف تكمن في كونه صادقاً من منظور عاطفي وأخلاقي، فهو لا يفرض على صاحبه موقفاً عدائياً مباشراً. لكن في المقابل يبقى هذا الموقف ضعيفاً من الناحية السياسية لأنه لا يتناول حقيقة أن نتائج الحرب في المنطقة ستؤثر حتماً على مستقبل سوريا واستقرارها.

الصمت أو الابتعاد عن الوقوف مع طرف دون آخر كان سيكون ممكناً لو لم تكن الجغرافيا السورية على حدود الحرب، وقد تكون ضمن ساحة الانفجار في حال توسع الحرب إقليمياً. مما لا يمنع تداعيات الصراع من الوصول إلى بوابة السوريين، خاصة أن موقع سوريا الجغرافي يبقيها في قلب الصراع بين الطرفين.

يجد البعض أن سقوط إيران فرصة لإضعاف محور دمّر سوريا والعراق ولبنان واليمن وساهم في تدهور أوضاع هذه الدول، وكان داعماً للنظام السوري الذي تورط في قتل السوريين، خاصة أولئك الذين يحملون رفضاً عميقاً للنفوذ الإيراني، لكن الأمر ليس بهذه البساطة. إن انهيار نظام إقليمي بهذه القوة قد يفتح المجال لتدخل أطراف أخرى لا سيما إسرائيل وأميركا، لإعادة رسم الخرائط والنفوذ في المنطقة.

إن لم تكن أميركا تريد إسقاط النظام الإيراني، وإنما تقويم سلوكه و إضعافه، وإخراج قواته وأذرعه العسكرية عن الخدمة وإضعافها خاصة الحرس الثوري، وبالتالي تقوية التيار الذي قد تدعمه الولايات المتحدة وخلق توازنات جديدة داخله، مع الحفاظ على شكل الدولة ومنع الفوضى، فهذا يعني تآكل المشروع الإيراني.

ما تقوم به أميركا ينسجم تماماً مع هذا الهدف. فمقتل خامنئي كان لحظة فارقة للانتقال السياسي في إيران، ولكن وصول مجتبى خامنئي قطع الطريق على قوى أخرى للوصول للحكم، بما فيها قوى معارضة للنظام. إن عدم اسقاط النظام في إيران سيعزز موقفها ومحور الممانعة، ويمهد لتوظيف الحرب سياسياً وأمنياً لمصالحها.

استراتيجياً، وحسب تجارب سابقة كما حدث في العراق، فإن إضعاف الحرس الثوري القوة الضاربة في إيران يعد مكسباً استراتيجياً لأميركا التي تتصرف وفق عملية إدارة طويلة للصراع، ويعزز موقعها التفاوضي مع أية حكومة جديدة قادمة في إيران.

هنا يأتي السؤال الأكبر: هل مصلحة السوريين تكمن في سقوط إيران مهما كان الثمن؟ أم أن الفراغ الذي ستتركه قد يكون أخطر من وجودها؟ هذا التساؤل يتجاوز الانطباع العاطفي أو الشماتة ويدعو إلى قراءة دقيقة لتوازن القوى وتأثيره على استقرار سوريا وإمكانية بناء دولة مدنية ديمقراطية جديدة، ومدى تأثرها بما يجري في المنطقة.

سقوط ايران أو اضعافها لن يبقى مسألة داخلية تخص الإيرانيين فقط بل ستؤثر انعكاساته على الشرق الأوسط برمته. فهي دولة إقليمية مؤثرة ولها نفوذها السياسي والعسكري في عدة دول في المنطقة، ولها تأثيرها الجيوسياسي في الشرق الأوسط. لذلك، إذا انهارت أو ضعفت بشدة سيظهر فراغ في النفوذ، وهذا الفراغ عادة لا يبقى فارغاً لأمد طويل، بل تتسابق قوى أخرى لملئه، مما سيخلق صراعات جديدة.

إذ ستسعى قوى دولية مثل الولايات المتحدة وقوى إقليمية مثل إسرائيل أو حتى روسيا والصين، إضافة إلى قوى محلية داخل الدول المتأثرة إلى ملء هذا الفراغ. هذا التنافس لن يكون تنافساً سلمياً بل سيتحول إلى صراعات سياسية او عسكرية أو حروب بالوكالة. وستكون سوريا من أكثر الدول المتأثرة بما يجري، فهي قد خرجت من حرب طويلة ومؤسساتها ضعيفة وبنتيها الاقتصادية والاجتماعية هشة، وبالتالي يمكن أن تعود لتكون ساحة جديدة للصراع.

إن سقوط دولة إقليمية دكتاتورية، وإن كانت عدواً للسوريين، لن يكون حدثاً بسيطاً، فوجودها كان بطريقة أو بأخرى يشكل نوعاً من التوازن المزعج لإسرائيل وأميركا، وسقوطها قد يمهد الطريق لهيمنة أميركية أكبر، وإعادة رسم ملامح المنطقة وفق رغباتهما.

وبالتالي لا ينبغي على السوري أن يكتفي بالدعاء أو بالحياد العاطفي تجاه صراع إيران وإسرائيل. ما يحدث في هذه الحرب لن يبقى بعيداً عن سوريا، وستنعكس تداعياته على استقرارها واقتصادها، وسيؤثر على فرص بناء دولة مدنية وديمقراطية.

السؤال الأهم يبقى: كيف يستطيع السوري أن يوازن بين رفضه للأنظمة التي أضرّت به وبين إدراكه أن انهيارها قد يفتح الباب لفوضى أكبر أو هيمنة خارجية جديدة؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها ضرورية لفهم المستقبل الحقيقي لسوريا في صراع لا يمتلك السوريون وحدهم أدوات التحكم فيه
الثورة السورية


هذه الحربُ المُربِكة/ محمد أحمد بنّيس
12 مارس 2026
تبدو الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران مربكةً إلى درجة تجعل واحدنا يتبنى الموقف ونقيضه. فمن ناحية، الانحيازُ لإيران أمر بديهي، فهي الدولة الإسلامية الكبرى التي تتعرّض لعدوان أميركي إسرائيلي غاشم، يستهدف حقّها في السيادة والتحرّر وامتلاك مقوّمات القوة والنفوذ، ودورَها المشهود في دعم حركات المقاومة، ووقوفَها إلى جانب الشعب الفلسطيني في مواجهة المخطّطات الإسرائيلية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية وإعادةِ رسم خرائط الشرق الأوسط، بما يُكرّس تفوق دولة الاحتلال وهيمنتها، ويمنح الولايات المتحدة ورقةً استراتيجيةً حاسمةً في مواجهة الصين وروسيا.

من ناحية أخرى، لا تكتمل هذه الصورة المضيئة لحضور إيران في الإقليم، حين يُستدعى إرثها المعلوم في العبث بالأمن القومي لغير بلدٍ عربيٍّ، بتبنّيها، منذ 1979، سياسة “تصدير الثورة الإسلامية”، مستثمرةً نفوذها المذهبي والسياسي والمالي والعسكري في دعم منظّمات وجماعات موالية لها في العراق ولبنان واليمن وغيرها، من دون الأخذ في الاعتبار التوازنات الطائفية والمذهبية الهشّة التي يقوم عليها الاجتماع السياسي في بلدان الإقليم؛ فقد كان دعمُ طهران لجماعات وأحزاب شيعية، دائماً، مبعثَ قلق المكوّنات الأخرى، خاصّةً في لبنان، الذي تحوّل فيه سلاح حزب الله إلى عبء سياسي واجتماعي، ما فتئ يثقل كاهل البلد، من خلال ما يدفعه من أثمان باهظة، تُقتطع من مقدراته وسلمه الأهلي ودماء أبنائه منذ عقود. لذلك، قد تُتَفهَّمُ مواقف طيف عريض من اللبنانيين يرفضون الاستمرار في رهن لبنان ليكون ساحةً مفتوحةً للحروب بالوكالة، وتصفية الحسابات بين دول الإقليم ومحاوره، والركوب على القضية الفلسطينية لتحقيق أجندات سياسية وطائفية.

الشيء نفسه يكاد ينطبق على السوريين، الذين شكّل تدخّلُ جماعات مسلّحة إيرانية، إلى جانب نظام بشّار الأسد، منعطفاً نوعياً في مسار الثورة السورية، فقد ارتكبت هذه الجماعات، بمعية حزب الله اللبناني، جرائمَ مروّعةً بحقّ السوريين في أكثر من مدينة وبلدة، وهو ما ساعد نظام الأسد في إعادة ترتيب أوراقه ورصّ صفوفه، ومواصلة سحق أحلام السوريين بالحرية والكرامة والديمقراطية. وبالطبع، لا تبخس هذه الأخطاء القاتلة من تضحيات حزب الله ووقوفه المشرِّف في أكثر من جولة خاضها في مواجهة دولة الاحتلال، قدّم فيها صفوة من كوادره وأعضائه، في مقدّمتهم أمينه العام الأسبق الشهيد حسن نصر الله.

في الساحة العراقية، كانت إيران، للتاريخ، شريكاً للولايات المتحدة في تدمير العراق واستباحة سلمه الأهلي بعد 2003. كان دورها حاسماً في تطييف السياسة العراقية برهن معظم مواردها للمكوّن الشيعي، في ما بدا انتقاماً من المكوّن السنّي الذي شكّل عصب نظام صدّام حسين. واليوم، تشرب إيران من الكأس التي شرب منها العراق قبل أكثر من عقدَين، حين تعرّض للغزو والتدمير بذريعة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل. ويكاد لا يختلف هدف إسقاط النظام الإيراني في الحرب الحالية عن هدف إسقاط نظام البعث في العراق في غضون الحرب التي شنّها جورج بوش الابن في 2003.

ويبقى الخطأ الأكبر في حسابات إيران هجومها المتهوّر على جيرانها في الخليج العربي، في خلطِ للأوراقٍ غير محسوب، سيعمّق عزلتها أكثر، لا سيّما بعد قرارها إغلاق مضيق هرمز. وإذا كانت تتذرّع في ذلك بوجود قواعد عسكرية أميركية في بلدان الخليج، فهناك بلدان ترتبط بشراكات دفاعية واستراتيجية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كما هو الشأن بالنسبة إلى تركيا، أو بالنسبة إلى الهند التي باتت شريكاً سياسياً واستراتيجياً لدولة الاحتلال، فلماذا لا تهاجم إيران الهندَ، الحليفَ الاستراتيجي الجديد لإسرائيل؟ إنّ استئسادَها على بلدان الخليج جرّدها من أوراق استراتيجية كان بالوسع أن تمنحها هامشاً للمناورة الدبلوماسية في معركة كسر العظم بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل.

قد نتفق مع ما تضجّ به السوشيال ميديا العربية من مواقف ترى أن النظام الإيراني يدفع، اليوم، ثمن سياساته الطائفية التوسّعية، أو حتى جرائمه في لبنان وسورية والعراق واليمن. لكن ذلك، في المقابل، لا يُسقط عن هذه الحرب طابعها الاستعماري والتوسّعي، باعتبارها، في المحصّلة، صراعاً جيوسياسياً مركّباً على الهيمنة والقوة والنفوذ في الشرق الأوسط.

العربي الجديد


الحرب الأميركية الإسرائيلية-الإيرانية وتداعياتها على المنطقة العربية/ عبد المجيد عرفة
2026.03.12
لم يكن حكم النظام في إيران منذ إسقاط حكم الشاه قبل أقل من خمسين عامًا، منذ أن رفعت شعارها مبكرًا: “الموت لأميركا، الموت لإسرائيل”، ولم تكن جديّة في رفع هذا الشعار إلا من أجل أن تتقاسم مع القوى الدولية النفوذ والسيطرة على الإقليم، وخاصة المنطقة العربية شرق المتوسط.

لقد تعاملت أميركا مع إيران وحزب الله وأمثاله في المنطقة حسب نظرية “عدو تحت السيطرة”، فقد كانت إيران والميليشيات الشيعية العراقية التابعة لها شريكة للأميركيين في تسهيل احتلال العراق، ودورها في الحكم ما بعد الاحتلال وحتى خروج الأميركيين من هناك. كما تم ضبط حزب الله وفق توافق مع إسرائيل وأميركا، وتثبيت الصراع على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. وزاد الحضور الإيراني بعد الربيع العربي، والتوافق الأميركي الإيراني أيام الرئيس أوباما على إطلاق يد إيران وأدواتها للقضاء على الثورة في سوريا، والهيمنة على لبنان والعراق واليمن.

كما لا يخفى الصمت الأميركي الإسرائيلي عن التطوير العسكري الإيراني، وكذلك تخصيب اليورانيوم، ولو تحت المراقبة الأميركية الدقيقة.

كل ذلك تغيّر بعد معركة طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023م ضد إسرائيل التي قامت بها حركة حماس في غزة، وكيف مارس حزب الله وإيران دعمًا علنيًا وخفيًا لحركة حماس، والأهم هو ضرب حزب الله للتوافقات بينه وبين إسرائيل، مما دفع أميركا وإسرائيل لإعادة النظر في إيران وأدواتها، وخاصة حزب الله اللبناني، واعتبارهم أعداء استراتيجيين لهم، وقاموا بهجمات استهدفت حسن نصر الله وكثيرًا من القيادات الإيرانية واللبنانية من حزب الله.

إيران ولبنان تحت النار

لم تعد ترضى أميركا وحليفتها إسرائيل بأن يكون لإيران أي قوة عسكرية متفوقة وعابرة لحدودها، خاصة عبر الصواريخ بأنواعها، ولا أن يكون لها أي إمكانية نووية لتخصيب اليورانيوم بدرجات عالية، وإمكانية صناعة قنبلة نووية ولو بعد حين. كما قررت إسرائيل وأميركا القضاء على حزب الله عسكريًا، من خلال الحرب الأخيرة على حزب الله اللبناني ولبنان أيضًا.

حاول الرئيس الأميركي ترامب، بالتوافق مع نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، إقناع إيران عبر التفاوض بالتخلي عن برنامجها النووي والصاروخي، ولكن لم تُقبل الشروط الأميركية التعجيزية، وكانت الثقة الإيرانية في قوتها كبيرة، فلم تنجح المفاوضات.

بدأت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وعلى حزب الله، وهي أقرب إلى حرب شاملة تهدف في أقصى نتائجها إلى القضاء على النظام الإيراني، وبأقل نتائجها إلى حصره ضمن حدوده ومنع امتداده ونفوذه الإقليمي.
الرد الإيراني على الحرب الأميركية الإسرائيلية

لم تكن إيران تتصور أن تتجاوز أميركا وإسرائيل كل الخطوط الحمراء وتقتل المرشد خامنئي وعشرات من القيادات العسكرية البارزة. ومع ذلك، تبين أن إيران قد أعدّت العدة لمثل هذا الاحتمال، وبادرت بالرد، حيث قصفت القواعد الأميركية الموجودة في كل الدول الخليجية، مما تسبب في أضرار للمواطنين والمصالح النفطية من مستودعات وحقول نفط وموانئ. ويمكن القول إن إيران لم تضع أي خط أحمر في الرد على المصالح الأميركية والدول الخليجية.
النتائج المستقبلية لهذه الحرب:
على أميركا

ستستفيد أميركا في عهد الرئيس ترامب بما تعتبره انتصارًا جديدًا، حيث تجني ثمار هذه الحرب على إيران بالحد الأعلى، وهو خلق نظام حليف لأميركا يؤمن مصالحها العليا، وخاصة في النفط والموارد المتنوعة. أما بالحد الأدنى، فسيستمر النظام الإيراني، لكن بعد كسر قوته العسكرية وقطع امتداده الإقليمي في لبنان والعراق واليمن بشكل مطلق.

في العراق، تعمل الحكومة العراقية على ضبط الميليشيات الشيعية المسلحة ومنع تورطها في الحرب مع أميركا أو إسرائيل، لما قد يجلبه ذلك من ويلات على العراق. أما الحوثيون فيبدو أنهم ما زالوا على اتفاقهم مع ترامب، فلم يؤتوا بأي عمل عسكري ضد المصالح الأميركية الإسرائيلية.

أما حزب الله اللبناني فقد تورط وأطلق صواريخ وطائرات مسيرة تجاه إسرائيل، ما أدى إلى حرب على لبنان لم يكن قادرًا على مواجهتها. ومن نتائجها المتوقعة استئصال الجناح العسكري لحزب الله بالقوة أو بالتوافق مع الدولة اللبنانية، تحت رعاية أميركية وتهديد بالقوة العسكرية الإسرائيلية.
على إيران

تبين أن الحد الأقصى لطموحات أميركا وإسرائيل، وهو إسقاط النظام الإيراني، شبه مستحيل. فقد استوعبت إيران الصدمة الأولى، بما فيها مقتل المرشد خامنئي وكثير من القيادة العسكرية، وتدمير المواقع العسكرية والاقتصادية وحتى النووية، لكنها سرعان ما أعادت توازنها وانتخبت قائدًا جديدًا، مجتبى خامنئي، المعد سلفًا لخلافة والده. واستمرت في ضرب المصالح الأميركية ودول الخليج وإسرائيل، ولو بوتيرة أقل.

لذلك، انخفضت حدة التهديد الأميركي بإسقاط النظام الإيراني، خاصة أن شروط تحقيق ذلك شبه معدومة، لأن النظام الإيراني ما زال قويًا، مع وجود الجيش والحرس الثوري وكثير من القوى المدنية المستعدة للدفاع عن النظام. بينما الشعب غير منظم وغير مسلح، ولا يوجد له قيادة قادرة على خوض معركة إسقاط النظام.

ستلجأ أميركا وإسرائيل بالتالي إلى التفاوض مع إيران تحت النار، أي استمرار الضربات العسكرية مع التفاوض حول القضايا الكبرى. سيتم منع البرنامج النووي الإيراني، وترحيل اليورانيوم الخام والمخصب خارج إيران، وقد يكون لروسيا دور في ذلك، كما سيتم إنهاء البرنامج الصاروخي.

أميركا حريصة على عدم سقوط النظام الإيراني دون وجود بديل مضمون يسيطر على البلاد الممتدة جغرافيًا ومتنوعة عرقيًا وطائفيًا وغنيّة اقتصاديًا، وأن لا يكون تفجرها مقدمة لتفجر الشرق الأوسط.

على دول الخليج العربي

تفاجأت دول الخليج باستهداف إيران مصالحها ومواطنيها تمامًا كما استهدفت أميركا وإسرائيل. يظهر أن المشروع الفارسي الإيراني المتخفّي بولاية الفقيه هو مشروع توسعي للسيطرة والهيمنة على كل المستويات. لذلك، ستعيد دول الخليج النظر في علاقتها بإيران، خاصة إذا استمر النظام الإيراني في الحكم، بدءًا من قطع العلاقات إلى ضبطها على أساس ندي.

كما يجب على دول الخليج إعادة النظر في برامجها التسليحية، لتصبح لديها قوة عسكرية قادرة على حماية مصالحها من أي تغيرات إقليمية أو دولية مستقبلية.
على مستقبل المنطقة

ستكون لهذه الحرب نتائج مباشرة في تثبيت الهيمنة الأميركية دوليًا والإسرائيلية إقليميًا. وإذا لم تتوافق الدول العربية، الخليجية ودول جوار إسرائيل: سوريا ولبنان ومصر والأردن، مع تركيا على موقف محدد من المشروع الإسرائيلي التوسعي، سيكون الحد الأدنى المتوافق عليه عربيًا هو مشروع الملك فهد، أي السلام العربي الإسرائيلي الشامل مع ضمان حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته على جزء من أرض فلسطين التاريخية، واسترداد سوريا للجولان المحتل.

ستكون منطقة الشرق الأوسط مختلفة كليًا بعد هذه الحرب عمّا كانت عليه قبلها.


إيران والصراع الإقليمي: استراتيجيات النفوذ وحدود المواجهة مع أميركا وإسرائيل/ أحمد الجابر
إيران في مواجهة أميركا وإسرائيل: استراتيجيات النفوذ الإقليمي وتحديات الصراع في 2026

2026-03-12
يشهد الشرق الأوسط في آذار/مارس 2026 واحدة من أخطر مراحل الأزمات منذ عقود، حيث تصاعد الصراع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى إلى مستوى الحرب المفتوحة.

إذ بدأت هذه المواجهة في 28 شباط/فبراير 2026 بضربات جوية وصاروخية منسقة شنّتها واشنطن وتل أبيب على مواقع داخل إيران، مما اعتُبر تحولاً نوعياً في الصراع الإقليمي وأعاد رسم معادلات الردع في المنطقة.

وقد اتسع نطاق العمليات العسكرية ليشمل ضربات جوية على الدفاعات الإيرانية واستهداف قدراتها الصاروخية، تلاها ردود إيرانية عبر صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة على أهداف أميركية وإسرائيلية، وهو ما أثار مخاوف من انزلاق المواجهة إلى نزاع إقليمي أوسع.

في هذه الأثناء، برزت تداعيات الحرب على الساحة الدولية، حيث سحبت بعض الدول بعثاتها الدبلوماسية، وتعالت مطالب أوروبية بعدم السماح لطهران بامتلاك سلاح نووي، في حين واصلت طهران التصعيد، معلنة أنها وحدها هي التي ستحدد نهاية المواجهة.

ومع هذه الذروة في التوترات، يكتسب التحليل الاستراتيجي لطبيعة المواقف الإيرانية بقيادة الدولة والضغوط الثلاثية الداخلية والخارجية أهمية متزايدة، لا سيما في ظل تساؤلات حول استمرار النظام الإيراني، حدود قدراته العسكرية، وطموحات النفوذ الإقليمي.

إيران والحرب الإقليمية: أسباب واستراتيجية المواجهة

يقول الدكتور غازي فيصل حسين، أستاذ العلاقات الدولية المقيم في الأردن لــ”963+”، إن الصراع الإيراني الإقليمي يتسم بتعقيد شديد، حيث يتداخل البعد النووي مع الصاروخي، فضلاً عن شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها طهران عبر الفصائل المسلحة في عدد من الدول العربية.

ويضيف حسين أن هذا المشهد المعقد يطرح سؤالاً جوهرياً حول أسباب إصرار إيران على استمرار المواجهة وعدم الانخراط في مفاوضات سياسية جديدة مع الولايات المتحدة، إضافة إلى طبيعة الدور الإسرائيلي وأهدافه ضمن الحرب.

ويرى أن الحوار التحليلي يستهدف فهم مرتكزات الموقف الإيراني، واستعراض أدوات القوة التي تعتمد عليها طهران، بالإضافة إلى مناقشة انعكاسات استراتيجيتها الإقليمية على الأمن العربي والدولي.

ويؤكد حسين أن القيادة الإيرانية تتبنى مقاربة تقوم على الاستمرار في المواجهة بدلاً من العودة إلى طاولة المفاوضات، ويعزو ذلك إلى عدة عوامل. أولها، اعتقاد طهران أن المسار الدبلوماسي مع واشنطن وصل إلى طريق مسدود بعد تعثر محاولات إحياء الاتفاق النووي خلال السنوات الأخيرة.

ويستطرد بأن أي مفاوضات جديدة قد تتطلب تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر مشروعها النووي وقدراتها العسكرية. ثانياً، يشير إلى أن طبيعة البرنامج النووي الإيراني وصلت إلى مستويات تخصيب مرتفعة تقترب من العتبة العسكرية، وفق تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ثالثاً، يلفت إلى أن طهران تخشى أن تؤدي العودة إلى التفاوض إلى فرض قيود إضافية على برامجها العسكرية الأخرى، خصوصاً برنامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إضافة إلى شبكات النفوذ الإقليمية التي تعتمد عليها كأداة ردع غير تقليدية.

النفوذ الإقليمي للحرس الثوري والفصائل المسلحة

يضيف حسين أن إيران اعتمدت منذ عقود على استراتيجية بناء النفوذ الإقليمي عبر دعم فصائل مسلحة حليفة في لبنان وسوريا والعراق واليمن، ويعتبر أن هذه الاستراتيجية مكّنت طهران من إنشاء خطوط دفاع متقدمة خارج حدودها الجغرافية، ونقل ساحة المواجهة مع خصومها إلى مناطق أخرى في الإقليم، فضلاً عن تعزيز قدرتها على الضغط السياسي والعسكري على خصومها الإقليميين والدوليين.

ويرى أن هذه السياسة أدت إلى تعقيد بنية الدولة في بعض الدول العربية، حيث امتلكت بعض الفصائل نفوذاً يفوق أحياناً مؤسسات الدولة الرسمية، كما هو الحال مع حزب الله في لبنان.

ويتابع حسين بأن “الحرس الثوري” الإيراني يلعب دوراً محورياً في إدارة التوازنات العسكرية والسياسية خارج الحدود الإيرانية، مشيراً إلى أن نشاطه يرتبط بمفهوم “تصدير الثورة”، الذي تقوم عليه الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها، ويهدف إلى نشر نموذج سياسي–أيديولوجي قائم على ولاية الفقيه.

ويشير إلى أن هذه الاستراتيجية أدت إلى حالة من الاستقطاب الحاد في المنطقة، وزادت من احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة أو غير المباشرة بين إيران وخصومها.

ويضيف أن إسرائيل تعتبر البرنامج النووي الإيراني التهديد الاستراتيجي الأول لها، وتتبنى سياسة تمنع إيران من الوصول إلى العتبة النووية، سواء عبر الضغوط السياسية أو العمليات العسكرية والاستخبارية، ويلاحظ أن هناك تقاطعاً واضحاً بين أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن الفرق يكمن في الأساليب، إذ تميل واشنطن إلى استخدام الدبلوماسية والضغوط الاقتصادية، بينما تعتمد إسرائيل خيارات أكثر صرامة تشمل العمليات العسكرية الاستباقية.

استقرار النظام الإيراني: ضغوط داخلية وخارجية

يشير حسين إلى أن مستقبل النظام السياسي في إيران يتأثر بتفاعلات معقدة بين الضغوط الخارجية، بما في ذلك عمليات الاستهداف النوعي للبنية التحتية والقيادات، والأزمات الداخلية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى الانقسامات داخل النخبة الحاكمة.

ويرى أن طبيعة النظام الإيراني منذ تأسيسه عام 1979، القائم على ولاية الفقيه والحرس الثوري والأجهزة الأمنية والاستخباراتية وشبكات النفوذ الإقليمي، منحته قدرة كبيرة على احتواء موجات الاحتجاج المتكررة.

ويضيف أن الأزمات البنيوية تشمل الوضع الاقتصادي، حيث يعيش أكثر من 35 مليون إيراني تحت خط الفقر نتيجة العقوبات الدولية، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، وهو ما زاد من حدة السخط الشعبي.

كما يشير إلى موجات الاحتجاجات الشعبية التي قادها الشباب بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والتي واجهتها السلطات بإجراءات أمنية صارمة، مما أدى إلى سقوط ضحايا واعتقال آلاف المتظاهرين. ويستطرد حسين موضحاً أن القيود على الحريات السياسية والاجتماعية تزيد من صعوبة تحقيق تغيير سلمي داخل النظام.

ويشير حسين كذلك إلى التوترات القومية والإثنية في إيران، مثل مطالب الأكراد والعرب في الأهواز والبلوچ والأذريين، ويعتبر أن هذه التوترات لم تتحول حتى الآن إلى حركات انفصالية واسعة، لكنها تزيد من تعقيد المشهد الداخلي.

ويرى أن الضربات العسكرية الإسرائيلية أو الأميركية قد تؤدي إلى ثلاثة سيناريوهات: التماسك الوطني، أو تسريع الاحتجاجات، أو الانقسامات داخل السلطة، لكنه يؤكد أن احتمال الانقسام داخل النخبة الحاكمة ما يزال محدوداً بسبب قوة المؤسسات الأمنية والعسكرية.

استراتيجية الفوضى الإيرانية وتداعياتها الإقليمية

يضيف حسين أن إيران تعتمد على استراتيجية الفوضى الإقليمية كأداة نفوذ، عبر خلق بيئات غير مستقرة سياسياً وأمنياً واقتصادياً في دول الخليج والعراق وسوريا ولبنان واليمن، مشيراً إلى أن هذا يسمح لطهران بتوسيع نفوذها السياسي والعسكري دون مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى.

ويرى أن هذه السياسة أدت إلى تعقيد مؤسسات الدولة في بعض الدول وظهور ظاهرة “الدولة داخل الدولة”، خصوصاً في العراق ولبنان واليمن.

ويستطرد حسين موضحاً أن قدرات إيران العسكرية التقليدية محدودة مقارنة بالولايات المتحدة، بما في ذلك قدرات الطيران والدفاع الجوي، بينما تعتمد على الحرب غير المتكافئة عبر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وشبكات الوكلاء الإقليميين.

ويرى أن مستقبل الصراع يعتمد بشكل كبير على قدرة الأطراف على إدارة التوترات ومنع تحولها إلى حرب إقليمية شاملة.

من جهته يشير الدكتور محمود حسين، الخبير بالشؤون الدولية والعربية، لــ”963+” إلى أن إيران تهدف إلى توسيع نفوذها الإقليمي والضغط على خصومها، خصوصاً الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية.

ويضيف أن طهران تحاول إظهار قدرتها على التأثير في مناطق استراتيجية، مثل شرق البحر المتوسط، الذي يضم احتياطيات غاز طبيعي كبيرة.

ويستطرد موضحاً أن التصعيد الإيراني قد يؤدي إلى توتر العلاقات مع تركيا، وتغيير ميزان القوى الإقليمي، أو توجيه رسائل سياسية لخصومها، مؤكداً أن الحوار والتعاون الإقليمي هما السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار والسلام، وأن المجتمع الدولي يجب أن يلعب دوراً فعالاً في مواجهة التحديات الإقليمية.

+963


الأيديولوجي الأممي واليوم الأخير/ مصطفى حسين بطيخة
في مقال سابق على “زمان الوصل” بعنوان “الأيديولوجيات الأممية وقتل الوطنية”، ناقشت الفرق بين الوطني والأيديولوجي الأممي، كيف أن الأول يؤمن بالاختلاف والتشاركية والمساواة تحت سقف القانون لجميع من ضمته حدود الوطن، في حين أن النقيض الأيديولوجي الأممي يلغي الحدود ويعترف بسلط وعصبيات تاريخية قبل مفهوم الدولة والوطن (عن العصبيات راجع مقالي على زمان الوصل بعنوان: الاستبداد والعصبيات- قصة سورية)، ومن انتمائه لهذه العصبيات ينشأ التمايز لديه، فالمجتمع لديه عبارة عن مجموعة عصبيات وليس كيانًا وجسدًا واحدًا لكل أبنائه، وعصبيته وحدها هي الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فينشأ لديه الاستبداد المطلق وأي استبداد.

في ذلك المقال تحدثت ببعض التفصيل عن أنواع الأمميات القومية منها أو الدينية بأنواعها وآخرها الجهادية. سأتحدث في هذا المقال عن نماذج شهيرة في عالم الأممية الأيديولوجية وكيف أن هذه الأسماء لم تحمل معها إلا الاستبداد، وكيف أن “اليوم الأخير” للأيديولوجي الأممي هو سقوط مفاجئ ولحظي لا يتوقعه أتباعه الذين عميت أبصارهم فلايرون فيه إلا الرب الجبار (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ)، ومع هذا السقوط يشهد الأتباع الأيديولوجيون سقوط أيديولوجيتهم وزيف التفوق الذي تدعيه، ولكن الخراب الذي يلحق بوطن الأيديولوجي الأممي في (يوم السقوط الأخير) عظيم.

أحد الأسماء الشهيرة هو الأيديولوجي الأممي هتلر، وهو العصبوي القومي المنادي بالصفاء العرقي ومصنف البشرية حسب اقترابها أو ابتعادها عن العرق الآري الجرماني. لقد انتهز هذا العصبوي أزمة الكساد الكبير العالمية في العام 1929، حيث انتشرت البطالة والفقر وتشردت العائلات، فجاء هتلر مستشارًا لألمانيا في العام 1933 بالوسائل الديمقراطية الألمانية، فلم يلبث أن ألغاها بقرار برلماني معلنًا نفسه وحزبه النازي حاكمًا مطلقًا لألمانيا، كما شكل هتلر قوات أمن خاصة له (وحدات إس إس) ومستقلة عن الدولة. لقد كان اليوم الأخير لهتلر الأيديولوجي القومي منتحرًا في العام 1945 بعد أكثر من 15 محاولة انقلاب وطنية ألمانية عليه خلال الحرب العالمية الثانية. لقد كلف هذا الأيديولوجي العالم أكثر من 75 مليون قتيل، وألمانيا وحدها حوالي 8 ملايين قتيل، والتي تقاسمتها الدول بعد الحرب بين غربية وشرقية، ألمانيا المدمرة كليًا مع نساء ألمانيات مغتصبات بحوالي مليوني امرأة. لقد أقسم العالم ألا يعيد إنتاج مثل هذا النوع القاتل من الأيديولوجيين، النوع القاتل للعالم وللوطن معًا.

من الأيديولوجي القومي ننتقل للأيديولوجي الشيوعي الصيني، ماوتسي تونغ، الذي استفاد من المظاهرات الفلاحية الصينية العام 1925، ليقود الحزب الشيوعي الصيني الذي سيصبح الوحيد في الصين بعد قضائه على القوميين الصينيين الذين تحالف معهم في أثناء الحرب العالمية الثانية. يعد ماوتسي صاحب النظريات التجريبية في الشعب. لقد أدت تجربته الاقتصادية بهدف تحويل الصين من زراعية لصناعية ما بين العامين 1958 و1962 إلى أشد المجاعات البشرية فتكًا، التي راح ضحيتها بما يتجاوز 30 مليون صيني ماتوا جوعًا، ولدرجة أن الأم قبل أن تموت كانت توصي أبناءها أن يأكلوا أجزاء من جسدها، أما ثورته الثقافية ما بين 1966 و1976، فلم تهدف للتنمية، وإنما إلى إحياء الفكر الشيوعي بعد أن شعر بأفوله، وتطهير البلاد من البورجوازيين، مطلقًا المسعورين من الطلاب والحرس الأحمر والمتهيئين للقتل، حتى وصل عدد الضحايا لحوالي 20 مليون صيني. لقد مات هذا الأيديولوجي الشيوعي المستبد بعد أن كلف الصين الكثير من الضحايا (أكثر من ضعف القتلى الصينيين في الحرب العالمية الثانية) والتجارب الفاشلة، وإن الازدهار الاقتصادي الصيني الحالي لم يحدث إلا عندما أعلنت الصين الانقطاع التام والفوري عن هذا الأيديولوجي القاتل.

ومن ماوتسي ننتقل للأيديولوجي الأممي، الخميني، صاحب نظرية الأممية الدينية الشيعية، والذي صار حاكم إيران بعد أن استفاد من المظاهرات والإضرابات المدنية ضد الشاه في العام 1978 نتيجة السياسات الاقتصادية والفساد وقمع (السافاك) الأمني. لقد ادعى الخميني الإصلاح من خلال تعيين حكومة إصلاحية ديمقراطية، بينما كان ينشئ الحرس الثوري الخاص به والخلايا والمحاكم الثورية، التي ستحاكم فيما بعد شركاءه في الثورة الإيرانية من الماركسيين والليبراليين الدستوريين وكثير منهم كانوا من الإسلاميين الديمقراطيين. بعدها سيؤسس الخميني أول دولة لـ”المشايخ” عرفها التاريخ ويعلن نفسه حاكمًا أبديًا ومرشدًا عامًا للثورة، ومن ثم سيقوم بتطوير نظرية “الولي الفقيه” ليخدم هدفه في تصدير أيديولوجيته الشيعية إلى خارج الحدود. قام الخميني بتوزيع الأدوار الشيطانية، ولكن ذلك لم يمنعه من أن يمد يده للشياطين، فكانت فضيحة “إيران-كونترا”، والتي اشترت في أثنائها إيران في العام 1985 من الشيطان الأكبر (أمريكا) صواريخ للحرب ضد العراق، وتم إرسال هذه الصواريخ من إسرائيل. لن نستغرب ذلك إذا فهمنا أن إيران الوظيفية كانت مهمتها صناعة الفوضى في المنطقة، وإشعال السعار العصبوي الشيعي السني فقط (للمزيد يمكن العودة لمقالي في زمان الوصل: سوريا الوظيفية والحدث المادوري).

كل هذه التحالفات الشيطانية مع الأيديولوجي الخميني لم تجعله يفكر بالصلح مع العراق حتى اضطر للاستسلام لها في العام 1988، بعد مليون قتيل ومثلهم من الجرحى، واصفًا قرار قبول الاستسلام بقوله “ويل لي أنا الذي مازلت على قيد الحياة، أتجرّع كأس السُّم بقبول القرار”. يبدو أن الخميني قد تجرع السم حقًا في هذا “اليوم الأخير”، يوم الاستسلام، فمات العام الذي يليه (1989)، بعد أن ترك لنا مجموعة من الأيديولوجيين الأممين من أمثال خامنئي وسليماني وحسن نصر الله، من ألحقتهم صواريخ الشياطين بمثواهم الأخير، بعد أن تركوا دولهم ودول محاورهم الوهمية من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن مدمرة تحكمها الميلشيات. لقد حولت الأيديولوجية الدينية الخمينية إيران العائمة على بحر من النفط، إلى دولة دخل الفرد المتوسط فيها منخفض، حسب تصنيف البنك الدولي، حوالي 350 دولار شهريًا، وبمعدل نصف الدخل قبل استلام الخميني (حوالي 650 دولار شهريًا العام 1976)، مقارنة بالإمارات الآن (حوالي 4000 دولار شهريًا) أو السعودية (3000 دولار شهريًا) أو الصين (1200 دولار شهريًا) أو تركيا (1400 دولار) أو إسرائيل (4500 دولار). لاعجب أن أبناء هذه الدولة الأيديولوجية وعلماءها يحاولون دائمًا الهرب من هذه الدولة النفطية الغنية. واليوم إيران وبعد أن تم قطع محاورها القاتلة في المنطقة، ليست إلا كمن قطعت شرايينه وترك ينزف، فلابد له أن ينتفض قليلًا، كما تفعل الآن بإطلاق صواريخها، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة.

في مقابل الأممي الشيعي الخميني يظهر لنا شيخ الأممية السنية الجهادية أسامة بن لادن، والذي ترك عائلته السعودية المقدرة ثروتها بمليارات الدولارات، ليلتحق بحياة المغاور كما كل الجهاديين الأممين. كان خروجه إلى أفغانستان بتسهيل من الشيطان الأكبر (أمريكا) والأنظمة العربية التي وجدت فائدتين في ذلك، الأولى محاربة الاتحاد السوفيتي، والثانية إبعاد هذا النوع من الأيديولوجيين الأممين عن البلاد. وفي أفغانستان أسس ابن لادن القاعدة العام 1988. لم تقف أيديولوجية ابن لادن الجهادية عند السقوط الروسي، بل كان لا بد من تعميمها على العالم، كيف لا وهو أيديولوجي أممي عابر للقارات. تعتبر تفجيرات أيلول العام 2001 على أمريكا العنوان البارز لإنجازات بن لادن، والذي شاهدناه على شاشات التلفاز يقسم بالله أنه غير مسؤول عن ذلك، ليعود في العام 2004 ويعترف بمسؤولية القاعدة بعد صيام ثلاثة أيام لقاء حنثه بحلفان اليمين الأول. لقد أدى هذا التهور الأيديولوجي بالكوارث على العالم الإسلامي والمسلمين أينما وجدوا من خلال قوانين الإرهاب، فتم تدمير العراق العام 2003، وأعطيت الفرصة لشارون في تصفية المكاسب الدولية الفلسطينية بحجة “الإرهاب”. لقد شاهد العالم الرئيس الأمريكي، أوباما، وهو يشاهد عملية قتل ابن لادن في يومه الأخير بعد أن ترك خلفه العديد من الجهاديين الأممين الذين يجوبون العالم الآن وآخرهم “داعش”، ويترك لنا دولة “المشايخ” الثانية في التاريخ بعد إيران وهي أفغانستان، حيث يعيش فيها حوالي 50% من سكانها تحت خط الفقر، مع متوسط دخل فردي حوالي 35 دولارًا شهريًا.

هذه نماذج من الأيديولوجيين الأممين وكم هم كثر لاحصر لهم، إلا أن جميعهم ودون استثناء يتميزون بالصفات التالية: فجميعهم يستفيدون من لحظات ومطالب شعبية محقة معتمدين على أوجاع المجتمع، وجميعهم يأتون بقبول شعبي أو مجتمعي واعدين بالإصلاح، ولكنهم جميعهم يستبدون بالمجتمع بعد ذلك معلنين حكم العصبية الواحدة الأبدية بأفكارهم الأيديولوجية، فجميعهم يلغون التشاركية مع مكونات الوطن، وإن اليوم الأخير لهؤلاء الأيديولوجيين هو يوم كارثي، فيحل بالوطن الدمار، فالأيديولوجي الأممي لا يفارق عالمه إلا بعد أن يطبق في وطنه (وفي كثير من الأحيان يمتد خارج حدوده) سياسة الأرض المحروقة حتى بأتباعه، وجميعهم يخلفون بلادًا منهارة اقتصاديًا، فالأيديولوجية عدوة الاقتصاد والتنمية والتعليم، لأن الاقتصاد لاينمو مع الفساد الذي يؤسس له هذا الأيديولوجي ليبقى ويستبد، لذلك لن تجد أيديولوجيًا أمميًا واحدًا في الدول المتقدمة حيث التنمية، وجميعهم يعتمدون على طبولهم الإعلامية، عسى البطون تنسى جوعها وهي تحلم بانتصارات الأيديولوجي الوهمية، وفي النهاية فإن جميعهم يشكلون تنظيمات ميلشيوية لهم ومستقلة عن الدولة (وحدات إس إس النازية، الحرس الأحمر الصيني، الحرس الثوري الايراني)، هدفها مراقبة الجماهير وتنفيذ إرادة (الرب الأكبر) عند الإشارة، بما يتضمن القتل الجماعي والاغتيالات.

إن الأوطان لا أمل لها إلا بإعلان القطيعة التامة مع الأيديولوجي الأممي، والعودة لمفهوم الوطني بأفكاره، فالوطني يؤمن بالمساواة تحت سقف القانون لجميع من ضمته حدود الوطن، والوطني يؤمن بالاختلاف ويلغي العصبيات وكلمة “أقلوي” من قاموسه، والوطني يؤمن بالتشاركية المجتمعية ضمن آليات ديمقراطية حقيقية، والوطني يؤمن بحق المجتمع بالتنمية بجميع فروعها كبديل عن شعارات الأيديولوجي الزائفة، والتي تدعو المجتمع للصبر لحين تحقيق شعاراته الأبدية، والتي يخلقها لابتزاز المجتمع واستبداده.

إن الخيار الوطني هو مايجب أن يطالب به السوريون دون هوادة، قبل أن نذهب إلى تأسيس دولة “المشايخ” الثالثة في التاريخ بعد إيران وأفغانستان.

*الدكتور مصطفى حسين بطيخة أستاذ جامعي وكاتب سوري
عنب بلدي


كم تكلف الحرب على إيران الولايات المتحدة يومياً؟
عربي بوست
بينما تنشغل البيانات العسكرية الصادرة عن البنتاغون بتعداد الأهداف التي تمت إصابتها في الحرب على إيران، بدأت تظهر في العاصمة واشنطن ملامح حرب أخرى أكثر تعقيداً؛ حربٌ لا تدور رحاها في مضيق هرمز، بل في سجلات الخزانة الفيدرالية.

فمع انطلاق “عملية الغضب الملحمي”، وجد صانع القرار الأمريكي نفسه أمام مفارقة اقتصادية صادمة؛ حيث تلتهم الآلة العسكرية في ساعات ما يعادل ميزانيات مدن أمريكية كاملة لسنوات.

وتشير الأرقام الأولية الصادرة عن البنتاغون إلى أن واشنطن تنفق ما يقارب 1.8 مليار دولار يومياً خلال حربها على إيران.

X trackers and content blocked

Your Firefox settings blocked this content from tracking you across sites or being used for ads.
Content from blocked embed:
⭕️ السيناتور الديمقراطية أليزابيث وارن: الشيء الوحيد الواضح هو أنه في حين لا توجد أموال من أجل 15 مليون أمريكي فقدوا إمكانية الحصول على الرعاية الصحية، يتم إنفاق مليار دولار يوميًا لقصف #إيران pic.twitter.com/HEAUiMw6u5— عربي بوست (@arabic_post) March 11, 2026

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ضخامة الرقم، بل في “عدم التماثل” القاتل؛ إذ تضطر القوات الأمريكية لاستخدام صواريخ SM-6 التي تبلغ تكلفة الواحد منها 4.3 ملايين دولار، لاعتراض طائرات مسيّرة انتحارية إيرانية لا تتجاوز قيمتها بضعة آلاف من الدولارات.

وفي الوقت الذي قدمت فيه إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، جداول زمنية متغيرة تتراوح مدتها من أسبوعين إلى 4 أسابيع، لا يتضح حتى الآن المدى الزمني الذي يمكن أن تنتهي فيه هذه الحرب.

ولا تقتصر التكلفة التي تتكبدها الخزانة الأمريكية على تكلفة العمليات العسكرية الجارية، بل يشمل ذلك أيضاً تكلفة الحشد العسكري قبل بدء الحرب على إيران.

ما تكلفة الحشد العسكري الأمريكي قبل بدء الحرب على إيران؟

قبل بدء الحرب التي أطلقت واشنطن شراراتها بشن هجوم مشترك مع إسرائيل ضد أهداف إيرانية، السبت 28 فبراير/ شباط، قامت الولايات المتحدة بتعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط، عبر نشر:

حاملات طائرات
طائرات قاذفة
منظومات دفاع جوي
قوات إضافية

ووفق تقديرات نقلتها صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، عن مسؤولة سابقة في البنتاغون، بلغت تكلفة هذا الحشد العسكري الأولي نحو 630 مليون دولار.

وقالت ماكوسكر، وهي مسؤولة كبيرة في البنتاغون خلال إدارة ترامب الأولى، والتي تشغل الآن منصب زميلة بارزة في معهد أمريكان إنتربرايز للأبحاث، إن نقل أكثر من 12 سفينة وتسيير أكثر من 100 طائرة إلى المنطقة يمثل الجزء الأكبر من التكلفة.

من المرجح أن تتراوح التكاليف بين مليار وملياري دولار، على الأقل في الوقت الراهن، وفق تقرير لمجلة فوربس.

ونقلت وسائل إعلام أمريكية عن مصادر في البنتاغون أن الأيام الستة الأولى من الحرب كلفت الولايات المتحدة 11.3 مليار دولار.

وتشير تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن العمليات في إيران تكلف دافعي الضرائب ما يقدر بنحو 891.4 مليون دولار يومياً.

ويشمل هذا الرقم:

تشغيل الطائرات والسفن
الوقود العسكري
الصيانة
الذخائر المستخدمة يومياً
الدعم اللوجستي للقوات

ويتوقع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن تنخفض التكلفة مع تحول الولايات المتحدة إلى “ذخائر أقل تكلفة” ومع انخفاض عدد الطائرات بدون طيار والصواريخ التي تطلقها إيران.

وقال مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: “لكن التكاليف المستقبلية ستعتمد في الغالب على كثافة العمليات وفعالية الرد الإيراني”.

X trackers and content blocked

Your Firefox settings blocked this content from tracking you across sites or being used for ads.
Content from blocked embed:
Operation Epic Fury: The first 10 days pic.twitter.com/pGL1Scu4hG— U.S. Central Command (@CENTCOM) March 9, 2026

وبحسب تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ستكون العمليات الجوية والبحرية والبرية هي أكبر النفقات.

ومن المتوقع أن تبلغ تكلفة العمليات الجوية 30 مليون دولار يومياً، بينما تبلغ تكلفة العمليات البحرية اليومية حوالي 15 مليون دولار. أما العمليات البرية فستبلغ تكلفتها 1.6 مليون دولار يومياً.

ونشرت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) قائمة تضم أكثر من 20 أصلاً عسكرياً وأنظمة أسلحة مختلفة تم استخدامها حتى الآن.

وتتراوح تكلفة إنتاج وتشغيل هذه الأصول بين 35 ألف دولار (تكلفة طائرة بدون طيار ذات اتجاه واحد) إلى ملايين الدولارات (صواريخ توماهوك).
كم أنفقت أمريكا في الساعات الأولى للحرب؟

كلفت الساعات الـ 100 الأولى من “عملية الغضب الملحمي” القوات الأمريكية ما لا يقل عن 5.82 مليارات دولار، أو حوالي 0.69% من إجمالي ميزانية الدفاع الأمريكية لعام 2026، وفقاً لبيانات جمعتها وكالة الأناضول.

وحسب تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، كلفت الساعات الـ 100 الأولى من الحرب الولايات المتحدة 3.7 مليارات دولار.

وقال مصدر مطلع لوكالة رويترز إن إدارة ترامب كشفت في تقرير قدمته إلى لجان الكونغرس عن استخدامها ذخائر بقيمة 5.6 مليارات دولار خلال أول يومين من الضربات على إيران.

وقال عدد من العاملين في الكونغرس إنهم يتوقعون أن يقدم البيت الأبيض قريباً طلباً إلى الكونغرس للحصول على تمويل إضافي للحرب. وذكر بعض المسؤولين أن الطلب ربما يصل إلى 50 مليار دولار، لكن آخرين قالوا إن هذا التقدير يبدو منخفضاً.
الحرب على إيران

كم أنفقت الولايات المتحدة على عملياتها السابقة في إيران؟

أنفقت الولايات المتحدة مليارات الدولارات على عملياتها في إيران منذ تولي ترامب منصبه، حتى قبل الجولة الأخيرة من الهجمات.

ويُقدّر مشروع “تكاليف الحرب” التابع لجامعة براون أن تكلفة العمليات العسكرية في إيران تتراوح بين ملياري دولار و2.25 مليار دولار في عام 2025، بما في ذلك الضربات التي شُنّت على إيران خلال حرب الـ 12 يوماً في يونيو/ حزيران الماضي.
ما هي التكاليف غير المباشرة للحرب؟

إضافة إلى الإنفاق العسكري المباشر، تتحمل واشنطن مخاطر مالية أخرى.

فقد أعلنت مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية أن الولايات المتحدة ستوفر إعادة تأمين للخسائر التي تصل إلى 20 مليار دولار في منطقة الخليج، للمساعدة في توفير الثقة لشركات شحن النفط والغاز خلال الحرب على إيران.

وأصدر ترامب، الثلاثاء 3 مارس/ آذار، أمراً لمؤسسة تمويل التنمية الدولية بتوفير تأمين ضد المخاطر السياسية وضمانات مالية للتجارة البحرية في الخليج بعد توقف عبور ناقلات النفط والغاز الطبيعي المسال في مضيق هرمز قبالة سواحل إيران، حيث يمر عادةً 20% من النفط العالمي يومياً.

ولا يعني هذا خسارة فورية، لكنه تعرض مالي محتمل بسبب مخاطر الحرب.
ما هي تكلفة الخسائر الأمريكية حتى الآن؟

إجمالاً، ألحقت إيران أضراراً بأصول عسكرية أمريكية في المنطقة تُقدّر قيمتها بنحو 2.52 مليار دولار، وفق تحليل لوكالة الأناضول.

والسبب الرئيسي للخسائر هو نظام رادار الإنذار المبكر الأمريكي AN/FPS-132 في قاعدة العديد الجوية بقطر، والذي تبلغ قيمته 1.1 مليار دولار، والذي استُهدف بصاروخ إيراني في اليوم الأول للحرب.

كما فُقدت 3 طائرات من طراز إف-15 إي سترايك إيغل في حادثة نيران صديقة من الدفاعات الجوية الكويتية. ونجا جميع أفراد الطاقم الـ 6، لكن الطائرات لم تنجُ، وقُدّرت تكلفة استبدالها بـ 282 مليون دولار.

ونقلت وكالة بلومبرغ عن مصدر أن الولايات المتحدة خسرت ما لا يقل عن 7 مسيّرات من طراز إم كيو-9 منذ بدء الحرب، بتكلفة تُقدّر بنحو 210 ملايين دولار.

وخلال هجومها الأولي في اليوم الأول للحرب، ضربت إيران مقر الأسطول الخامس التابع للبحرية الأمريكية في المنامة بالبحرين، ودمرت محطتين للاتصالات عبر الأقمار الصناعية وعدة مبانٍ كبيرة.

X trackers and content blocked

Your Firefox settings blocked this content from tracking you across sites or being used for ads.
Content from blocked embed:
⭕️ #إيران تدمر رادار “ثاد” في #الأردن.. وواشنطن تنقل منظومات من كوريا الجنوبية وسط معارضة سيول واعتراف رئاسي بالعجز

◾️ دمرت إيران رادارًا متطورًا من نظام “ثاد” الأمريكي بقيمة 300 مليون دولار في قاعدة الموفق السلطي الجوية بالأردن، وفق ما أكدته صور أقمار صناعية ظهرت فيها حفرات… pic.twitter.com/HZWIQ1Qnbb— عربي بوست (@arabic_post) March 12, 2026

وأشارت تقارير الاستخبارات مفتوحة المصدر إلى أن محطات الاتصالات عبر الأقمار الصناعية المستهدفة هي من طراز AN/GSC-52B، بتكلفة تقديرية تبلغ 20 مليون دولار، مع الأخذ في الاعتبار تكاليف النشر والتركيب.

وبالإضافة إلى محطات الاتصالات عبر الأقمار الصناعية المفقودة في البحرين، تُظهر صور الأقمار الصناعية التي حللتها صحيفة نيويورك تايمز لمعسكر عريفجان في الكويت تدمير 3 قباب رادار أخرى، ما أضاف ما يقرب من 30 مليون دولار إلى التكاليف.

ومنذ ورود التقارير الأولية عن تدمير أحد مكونات رادار AN/TPY-2 التابع لمنظومة ثاد المضادة للصواريخ الباليستية، والمنتشرة في مدينة الرويس الصناعية بالإمارات، يبدو أن منظومة AN/TPY-2 أخرى على الأقل قد دُمرت في قاعدة موفق السلطي الجوية بالأردن. وتُقدر قيمة مكونات الرادار المتضررة بنحو 500 مليون دولار لكل منها.
ما هي التكلفة الإجمالية المتوقعة للحرب؟

قال كينت سميترز، مدير برنامج بن وارتون لنموذج الميزانية، لشبكة سي إن إن إن حرباً تستمر شهرين قد تكلف ما بين 40 و95 مليار دولار، وذلك بحسب ما إذا كانت الولايات المتحدة سترسل قوات برية أم لا، وسرعة إعادة تزويدها بالذخيرة.

من جانبها، قالت ليندسي كوشغاريان، مديرة برنامج مشروع الأولويات الوطنية في معهد الدراسات السياسية، لسي إن إن: “هذا أمر لا يمكن التنبؤ به إلى حد كبير، ولذلك لن نعرف تكلفته حتى ينتهي”، وأشارت إلى أن الصراع “غير ضروري” ويؤثر سلباً على سياسات أخرى يمكن أن “تجعل الحياة أكثر يسراً للأمريكيين”.

وقالت كوشغاريان: “بلغت تكلفة الحرب في العراق ما يقرب من 3 تريليونات دولار. لذا، قد تكون هذه التكلفة فلكية بكل سهولة”.
كم كلفت العمليات العسكرية الأخرى الولايات المتحدة؟

تأتي العمليات في إيران بعد حشد مماثل للأصول العسكرية في فنزويلا، كلّف الحكومة ما يقارب 31 مليون دولار يومياً، وفقاً لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.

وفي فبراير/ شباط، أفادت وكالة بلومبرغ أن التكلفة الإجمالية للعمليات العسكرية في المنطقة تجاوزت على الأرجح 3 مليارات دولار.

وفي الشرق الأوسط، يُقدّر مشروع “تكاليف الحرب” التابع لجامعة براون أن الولايات المتحدة أنفقت ما بين 31.5 مليار دولار و33.7 مليار دولار في المنطقة بين أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وسبتمبر/ أيلول 2025 فقط، ويشمل ذلك المساعدات العسكرية لإسرائيل والعمليات في إيران واليمن ومنطقة الشرق الأوسط عموماً.

وقدّر باحثون في جامعة براون في عام 2021 أن الولايات المتحدة أنفقت 5.8 تريليونات دولار على الحروب في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/ أيلول.
اقترح تصحيحاً


الحرب على إيران: متى يهبط ترامب عن «الشجرة»؟
رأي القدس
تملك أمريكا أكبر اقتصاد في العالم، وتشترك، بجيشها الأقوى عالميا، مع إسرائيل، التي يبلغ حجم اقتصادها 583 مليار دولار، وتنفق قرابة 47 مليار دولار على جيشها، في حرب على إيران، التي تملك اقتصادا متوسط الحجم ينوء بالعقوبات الغربية عليه ويبلغ قرابة 360 مليار دولار، تنفق الدولة قرابة 8 مليارات دولار (ما يعادل 2% من اقتصادها) على جيشها.
تمكن الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي في اليوم الأول من اغتيال رأس النظام الإيراني، مرشد الجمهورية علي خامنئي، وكبار القادة العسكريين والأمنيين، وفي غضون 36 ساعة من الهجوم أطلق التحالف الأمريكي – الإسرائيلي 3000 قذيفة موجهة وصاروخ اعتراضي، وفي الأيام الستة الأولى تمكن من استهداف كبير لأنظمة الدفاع الجوي ووسائل الكشف، وقام بضرب منظومة الصواريخ بعيدة المدى وتدمير مئات من منصات الإطلاق والصواريخ. تدخّلت الولايات المتحدة بكل قوتها وبكثافة عالية أول أمس الثلاثاء لتدمير الصناعات الدفاعية على اتساع الرقعة الجغرافية لإيران.
بانتخاب مجتبى خامنئي، رغم أنباء تؤكد إصابته خلال الهجوم الذي أودى بأبيه، تمكن النظام في طهران من استدراك تداعيات الضربة التي كانت أمريكا وإسرائيل تأملان أن تقوم بضعضعة القيادة الإيرانية وفتح الطريق لما يشبه “سيناريو فنزويلا” ونزول الجماهير الإيرانية للشوارع ضد النظام. على المستوى العسكري تمكنت إيران، في رد الفعل الأول على الهجوم من تدمير منظومة الرادارات الأمريكية في الخليج التي تقدر قيمتها بمليار دولار وتحتاج سنوات لترميمها، كما تمكنت من الإضرار بالقواعد العسكرية، وهو أمر يكلّف أيضا سنوات من العمل لاستعادة قدراتها.
استهدفت إيران أيضا دول الخليج العربي، فتضرّرت حقول ومصافي نفط ومصانع وموانئ وخطوط أنابيب غاز، كما استهدفت مضيق هرمز، مما أضعف بشكل كبير جدا، حركة الناقلات والسفن، فرفعت أسعار الطاقة ومنتجاتها، وتعرقلت سلاسل التوريد، وانخفضت أسواق الأسهم، مما اضطر وكالة الطاقة الدولية لإطلاق 400 مليون برميل نفط، وأعلنت اليابان وألمانيا السحب من مخزوناتهما النفطية الاحتياطية، واتخذت حكومات عديدة إجراءات تقنين أو زيادات في أسعار البنزين والديزل والغاز.
أدت هذه التداعيات، عمليا، إلى سقوط دعوى الحماية الأمريكية لدول الخليج، وهو ما انعكس في تصريحات لشخصيات سياسية وفكرية وإعلامية شهيرة نددت بجرّ واشنطن وتل أبيب المنطقة إلى حرب رغم إعلان دول الخليج رفضها لهذه الحرب، وقيامها بضغوط دبلوماسية لمنعها، وتجلت المفارقة بانتقاد السيناتور الأمريكي الجمهوري، ليندسي غراهام، السعودية ودول الخليج وتساؤله عن سبب إبرام اتفاقية دفاع معها إذا كانت ترفض المشاركة في الحرب، وبذلك صار مطلوبا من دول الخليج حماية أمريكا وليس العكس!
إضافة إلى مخاوف قيادة ترامب من التذمر الشعبي من ارتفاع أسعار منتجات الطاقة وانعكاس ذلك على التصويت في الانتخابات النصفية المقبلة، فإن إعلاميين شهيرين مثل تاكر كارلسون وجو روغان، كشفا مظاهر غضب داخل قاعدة مؤيدي ترامب ضمن ما يسمى “حركة ماغا”، نتيجة نكوص الرئيس الأمريكي عن شعارات عن وقف الحروب، وانتقاداته لغبائها وعبثيتها، بحيث وجد المؤيدون أنفسهم أمام حرب غير مفهوم سبب شنها وليس معلوما ما هي الأهداف منها، وأمام قلق من أنها قد تتحول إلى حرب لا نهاية لها، كما حصل في فييتنام وأفغانستان والعراق، وخصوصا مع إعلان البنتاغون أرقاما تشير إلى إصابة 140 جنديا أمريكيا.
النتيجة أن ترامب، كما تقول افتتاحية صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، يواجه خيارات صعبة للخروج من الحرب، وهو ما يفسّر التناقضات المتواصلة في تصريحاته، بين الحديث عن إعداد العدة لإنهاء الحرب “لأنه لم يعد هناك شيء للقصف”، وبين الحديث عن عدم التراجع “حتى يهزم العدو هزيمة كاملة”!
إضافة إلى العناصر آنفة الذكر، تدرك إدارة ترامب أن سقوط النظام الإيراني غير وارد إلا بغزو بري لا أحد يعرف أكلافه النهائية، أو زمن تحقيقه لهذا الهدف البعيد، وواضح أن إسرائيل كانت، وستظل، الطرف الرئيسي الذي سيسعى لإطالة أمد الحرب، لكنّ مصالح أمريكا، ودول الخليج العربي، والعالم، ستكون في موضع السعي لإنهائها.
ضمن هذه المعادلة سيتحدد إن كان قرار ترامب بإنهاء الحرب قد اقترب أو ما زال بعيدا.
القدس العربي


من سيحكم إيران بعد الحرب؟/ مروان المعشر
مع استمرار الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران، لا تزال المحصلة النهائية لهذه الحرب غامضة. فبين تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب الأولية، التي زعم فيها عدم نيته تغيير النظام الإيراني، وتصريحاته الأخيرة التي تماهى فيها مع الموقف الإسرائيلي الداعم لتقويض النظام الإيراني، بل تغييره، لا يبدو أن لدى الإدارة الأمريكية استراتيجية واضحة، ليس فقط لإنهاء الحرب، بل أيضا لإرساء السلام في المنطقة. ويبدو أن هذا التخبط يتجه نحو المزيد من العنف وعدم الاستقرار في المرحلة المقبلة.
يعلمنا التاريخ ما الذي يمكن أن يحدث في غياب استراتيجية مدروسة، أو إدراك واضح للخطوات التي ينبغي اتخاذها أو تجنبها إذا كان الهدف إرساء قواعد راسخة للاستقرار والازدهار في المنطقة، لكن قلة نادرة من الدول تتعظ بدروس الماضي.

لنأخذ عام 1991 مثالا صارخا على ذلك، ففي ذلك العام، وبعد أن بنت الولايات المتحدة تحالفا دوليا أخرج العراق من احتلاله للكويت، أدرك الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب آنذاك أن وجود قوات أمريكية وغربية في المنطقة تحارب دولة عربية، سيقابل باعتراض واسع من الشعوب العربية، لذلك أتبع حرب الخليج الأولى بجهد سياسي كبير هدفه احتواء هذه المشاعر، ومحاولة إنهاء التوتر الناتج عن الصراع العربي ـ الإسرائيلي. وبناء على ذلك، قادت الولايات المتحدة ما أصبح يُعرف بعملية مدريد للسلام، حيث ضغطت على إسرائيل والجانب الفلسطيني، إضافة إلى الأردن وسوريا ولبنان، للجلوس حول طاولة المفاوضات، ومحاولة الوصول إلى حل شامل للقضية الفلسطينية. وبغض النظر عن إخفاقات هذه العملية لاحقا، فقد أوجدت، ولو لفترة قصيرة، شعورا بالأمل بإمكانية التوصل إلى حل سياسي للصراع. في الوقت نفسه، قررت الإدارة الأمريكية عدم التوجه إلى بغداد لتغيير النظام العراقي، ودعت الشعب العراقي إلى الثورة وتغيير نظامه بنفسه، تماما كما يدعو ترامب اليوم الشعب الإيراني للثورة على نظامه. وعندما اندلعت الانتفاضة في جنوب العراق، لم يجد الثائرون من يساندهم، فتمت تصفية أعداد كبيرة منهم على يد نظام الرئيس صدام حسين.
بقي صدام حسين في الحكم اثني عشر عاما بعد ذلك، إلى أن شنت الولايات المتحدة حربا جوية وبرية ضد العراق عام 2003، وتمت إطاحة النظام العراقي بحجة امتلاكه أسلحة دمار شامل، وهي حجة ثبت لاحقا عدم صحتها. وقد نتج عن حل الجيش العراقي وحزب البعث فراغ سياسي وأمني كبير، لا يزال العراق يعاني منه حتى اليوم. بمعنى آخر، فإن إضعاف الأنظمة، أو تغييرها من دون وجود خطة واضحة لما سيأتي بعدها يؤدي في كثير من الأحيان إلى الفوضى بدلا من الحرية. نعيش اليوم لحظة تشبه ما حصل في العراق عام 1991، لا لحظة مدريد 1991، إن أردنا استخلاص دروس ذلك العام. فبينما يريد الرئيس الأمريكي وضع شخصية موالية للولايات المتحدة والغرب على رأس النظام الإيراني، وبينما تدعم إسرائيل عودة نجل شاه إيران السابق إلى الحكم، يبدو هذا السيناريو أقرب إلى التمنيات منه إلى الواقع، فإيران ليست فنزويلا، لقد نجحت في بناء نظام يقوم على الحرس الثوري والمؤسسة الدينية، وهو نظام متجذر في الداخل الإيراني، هذا النظام لن يتغير بمجرد استهداف رأسه، فرغم قيام الولايات المتحدة وإسرائيل بقتل عدد من القيادات الإيرانية، لا يزال النظام صامدا حتى الآن. وكما رأينا في عام 1991، فإن السيناريو الأرجح قد يكون بقاء النظام مع صعود شخصية من داخله لقيادة إيران، ضعيفة ومعزولة، تماما كما حدث في العراق بعد حرب الخليج الأولى.
لقد ارتكبت إيران خطأ فادحا عندما استهدفت ليس فقط منشآت عسكرية في دول الخليج العربي، بل منشآت مدنية أيضا، وهو ما سيقضي على أي فرص لتعايش خليجي ـ إيراني في المستقبل القريب، وسيزيد من عزلتها الإقليمية والدولية.
وبالطبع، لا يُعد هذا دفاعا عن النظام الإيراني، الذي بالغ في التدخل في شؤون المنطقة وقمع معارضيه في الداخل، بقدر ما هو دعوة للتعلم من دروس الماضي. فتغيير الأنظمة في غياب خطة واضحة لما بعدها يؤدي غالبا إلى الفوضى والاضطراب. وهذه أيضا ليست لحظة مدريد 1991. فليس لدى الرئيس الأمريكي خطة جدية لإنهاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ولا يبدو أنه يملك الرغبة في إطلاق مشروع سياسي حقيقي لتحقيق ذلك. في المقابل، تمتلك إسرائيل خطة واضحة تقوم على إبقاء المنطقة منقسمة، والعمل على تحقيق أهدافها التوراتية بضم الضفة الغربية، والقضاء على أي فرصة لحل سياسي للقضية الفلسطينية. بعبارة أخرى، فإن الرابح الأكبر من هذه الحرب، ولو على المدى القصير، هو إسرائيل، التي تمتلك هيمنة عسكرية شبه مطلقة في المنطقة، لكنها تفتقر إلى مشروع سياسي يضمن قبولها بشكل مستدام في محيطها، خصوصا في ظل معضلتها الديمغرافية المتمثلة بوجود أغلبية فلسطينية داخل الأراضي التي تسيطر عليها.
وإذا كان ترامب يلمح إلى معركة قادمة في كوبا، فإن إسرائيل تسعى إلى نقل معركتها القادمة إلى الضفة الغربية، بهدف ضم الأرض الفلسطينية، من دون سكانها، ومحاولة التخلص من أكبر عدد ممكن منهم. ومع غياب رادع أمريكي أو عربي، قد تمضي إسرائيل في هذا المخطط بمنهجية وعنجهية.
أين المشروع العربي؟ أو على الأقل أين التحرك العربي لمواجهة كل ذلك؟ فالمنطقة لا تمر بمرحلة عابرة من التوتر، بل بلحظة تاريخية تجري فيها إعادة رسم موازين القوى وحدود النفوذ. إسرائيل تتحرك وفق رؤية واضحة لتكريس تفوقها العسكري وتحويله إلى مكاسب سياسية وجغرافية دائمة، فيما يكتفي العالم العربي بالتفرج وردود الفعل الباهتة. التاريخ يعلمنا أن الفراغ السياسي لا يبقى فراغا طويلا؛ إذ تملؤه القوى الأكثر تنظيما والأكثر تصميما على فرض رؤيتها، وإذا استمر الغياب العربي على هذا النحو، فلن يكون السؤال في المستقبل من يحكم إيران بعد الحرب، بل من يحدد شكل المنطقة بأسرها.

وزير أردني سابق
القدس العربي


مهمّة مجتبى المستحيلة/ مروان قبلان
11 مارس 2026
نظراً إلى الظروف التي تمرّ بها إيران، خصوصاً بعد اغتيال مرشدها، وكثيرين من قادتها العسكريين والأمنيين، في الجولة الثانية من الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها، لم يأتِ مفاجئاً اختيار مجتبى خامنئي ليخلف والده في منصب المرشد الأعلى، علماً أنه كان دائماً أحد أقوى المرشحين لهذه الخلافة، بالرغم من معارضة خامنئي فكرة التوريث باعتبارها نوعاً من التشبه بالحكم الوراثي لنظام الشاه الذي أسقطته الثورة. أما وقد رحل الأب، في ظروفٍ غير طبيعة، فقد سمح ذلك للحرس الثوري بوضع مرشّحه المفضل في سدة الحكم، وأن يعلن بذلك أنه بات صاحب السلطة الفعلية في النظام، بعد أن كان مجرّد شريك.

تشبه الظروف والملابسات التي أوصلت مجتبى إلى سدة الحكم نوعاً ما تلك التي رافقت وصول والده إليها قبل 37 عاماً. ففي 1989، ولدى وفاة مؤسّس الجمهورية، ومرشدها الأول، آية الله الخميني، توصلت مراكز القوى المختلفة داخل النظام إلى تفاهماتٍ أفضت إلى تولي خامنئي المنصب، رغم أنه نفسه، عندما وقع عليه اختيار مجلس الخبراء، كاشفهم بأنه لا يجد في نفسه الكفاءة لخلافة الخميني، خصوصاً وأن رتبته الدينية لم تكن تخوّله ذلك. كان خامنئي يحمل في ذلك الوقت رتبة “حجّة الإسلام” (نفسها التي حملها ابنه مجتبى قبل خلافة والده) وهي رتبة متوسّطة بين المراتب الدينية الشيعية الستّ التي تبدأ بطالب، ثم مُبَلِّغ، فمجتهد، ثم حجّة الإسلام، يليها آية الله، وأعلاها آية الله العظمى، التي يقتصر حملها على المراجع الكبرى أو مراجع التقليد في الفقه الشيعي (مثل الخميني، والسيستاني، ومحسن الحكيم، وغيرهم). لكن الظروف التي سادت تلك الفترة خدمت خامنئي الأب، فقبل وفاة الخميني ببضعة شهور وقع خلاف بينه وبين رفيقه، وأبرز المرشّحين لخلافته، آية الله حسين منتظري، بسبب اعتراض هذا الأخير على عمليات الإعدام السياسي، ما أدّى إلى إبعاده. ونتيجة ذلك ظلت ولاية علي خامنئي محلّ تساؤل وجدل إلى أن تمكّن من توطيد حكمه فقط بعد أزمة 1999. يتوقّع أن يواجه مجتبى تحدّيات مماثلة مصدرها الحوزة الدينية وكبار المراجع فيها، وهذا ما يفسّر المسارعة إلى منحه رتبة آية الله بمجرد تسميته مرشداً، في تكرار للسيناريو الذي حصل مع والده عام 1989. لكن أخذاً بالاعتبار الظروف التي تمرّ بها إيران، فإنّ الجدل بخصوص رتبة مجتبى الدينية ستكون آخر همومه.

لقد ورث مجتبى السلطة في ظروف أسوأ من التي ورثها والده لدى تسلمه الحكم، حينما خرجت إيران توّاً من حرب مدمّرة مع العراق استمرّت ثماني سنوات، تكبّدت فيها نحو نصف مليون قتيل، وخسائر اقتصادية بمئات مليارات الدولارات، فضلاً عن ظروف العزلة والحصار والمواجهة مع الولايات المتحدة، والتي كان أبلغها أثراً في تلك الفترة المعركة التي تسبب بها انفجار لغم إيراني بسفينة أميركية، وأسفرت عن تدمير البحرية الإيرانية، واضطرار إيران بنتيجتها إلى قبول قرار مجلس الأمن رقم 598 القاضي بوقف إطلاق النار مع العراق.

يرث مجتبى اليوم بلداً مدمّراً، يخوض مواجهة غير متكافئة مع القوة الأكبر في العالم، يسير إلى المجهول، ويكافح من أجل بقائه وسط حالة من عدم اليقين. أمل مجتبى الوحيد لمواجهة المهمّة المستحيلة التي يجد نفسه أمامها لإنقاذ إيران من التفكك والفوضى والانهيار، هو التخلص من وصاية الحرس، والذهاب باتجاه تفاهم مع الولايات المتحدة، يفوت من خلاله على إسرائيل فرصة استخدام واشنطن لتحقيق أهدافها. لن تكون السيطرة على الحرس الذي جاء بمجتبى إلى السلطة مهمّة سهلة. لقد احتاج والده عشر سنوات، حتى أمسك فعلياً بمفاصل السلطة، وأخضع مراكز القوى داخل الدولة لإرادته. ومجتبى لا يملك رفاهية الوقت ليفعل هذا في ظلّ حرب طاحنة قد تؤدّي، إذا استمرّت طويلاً، وفق الأجندة الإسرائيلية، إلى انهيار إيران، وليس نظامها فحسب. لا مجال هنا لتناول التحدّيات التي سيواجهها مجتبى بعد انتهاء الحرب، فتعدادها فقط يحتاج مطولات يأتي وقتها، ووفقاً للنتيجة والكيفية التي تنتهي بها أيضاً. مهمّة مجتبى الحصرية الآن البحث عن مخرج من أتون الحرب، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، والسيطرة على أصحاب الرؤوس الحامية المحيطين به… هل يملك مجتبى الرغبة والقدرة والفكر ليفعل ذلك؟ إجابة هذا السؤال سوف تحدّد مصير إيران، ومعه مصير المنطقة.

العربي الجديد


تنصيب خامنئي الثاني/ عبد الرحمن الراشد
12 مارس ,2026
تصاعدَ الحديثُ عن عودةِ الملكيةِ الشاهنشاهية مع بداية الحرب الحالية أكثرَ من أي وقتٍ سبق منذ إسقاط نظام بهلوي في أواخر السبعينات. قدر عدد المتحمسين لعودة رضا بهلوي، الشاه الابن، بنحو ثلث الإيرانيين، وهي تقديرات قابلة للجدل، ويعتقد أنَّ الرقمَ أكثرُ من ذلك نتيجةَ فشلِ النظام الديني الحالي.

إنَّما إيران على موعدٍ مختلف من الحكم الوراثي، حيث تمَّ اختيار ابن المرشدِ الراحل، مجتبى خامنئي، بدلاً من القيادات الدينية الأخرى. تنصيب «خامنئي الثاني» يقود إلى النتيجة نفسها، ليست ملكية لكنَّه حكم وراثي تنقصه الشرعية التوريثية.

الأرجح أنَّه حلٌ لأزمة النظام الديني المؤسسي الذي يعاني من تعدد مراكز القرار وتنازعها الصلاحيات. تحكم الدولة قوى متعددة بنيت خلال مراحل مختلفة. هناك «مجلس الخبراء»، و«مجلس صيانة الدستور»، و«مجمع تشخيص مصلحة النظام»، و«المجلس الأعلى للحوزات العلمية»، و«مجلس الثورة الثقافية الأعلى»، إلى جانب مراكز قرار مهمة مثل «مكتب المرشد الأعلى» و«المجلس الأعلى للأمن القومي»، وهناك القوة الأبرز «الحرس الثوري» الذي انتقل من منفذ القرار إلى شريك في صناعته.

تراكم المؤسسات همّش مؤسسات «شرعية» وفق دستور الدولة، مثل الرئاسة والحكومة. وقد أدركت الدول الأخرى أن رؤساء مثل خاتمي ونجاد وروحاني تحولوا مع الوقت إلى مجرد واجهات لقوى أخرى تحكم هذه الدولة الكبيرة الفاعلة والخطيرة في المنطقة.

مراكز اتخاذ القرار وصراعات الحكم كانت تنذر بانقسامات خطيرة تهدد الجمهورية، ولا تقلّ خطراً عن تهديد الحرب على وجود النظام برمته. وقد غابت أو غُيّبت أعمدةٌ أساسية في أقلّ من عقد. كروبي وموسوي في الإقامة الجبرية بعد أن ساهما في حراك الشارع ضد المرشد الأعلى الراحل. رفسنجاني، تصرّ عائلته على أنَّه قُتل مسموماً. ونجاد، يقال إنَّه الأكثر شعبية في الشارع، عُوقب ونبذ، وكذلك روحاني. وإبراهيم رئيسي مات في حادث طائرة، وقبله هوى النجم الصاعد قاسم سليماني. إضافة إلى أنَّه اختفى من المشهد صفٌّ طويلٌ من القيادات العسكرية في حربي العام الماضي والحرب الحالية.

وراثية المؤسسة الدينية إنِ استمرت ونجا المرشد الجديد من الاستهداف الإسرائيلي، الأرجح ستغير إيران من مفهوم الولي الفقيه أو الوالي الفقيه، إلى نظام حكم مختلف يقوم بشكل كبير على شخصية المرشد. الوراثة غير الملكية ليست فريدة في العالم، كوريا حكمها ثلاثة من عائلة كيم منذ سبعة عقود، وكذلك عائلة كاسترو في كوبا.

في طهران مجمع الحكم الديني توصَّل إلى هذه النتيجة لأنَّه وصل إلى طريق مسدود وأصبح محاصراً في الشارع، تنصيب خامنئي الثاني قد يكون الحبل الذي ينقذ النظام من الهاوية، إن قرَّر أن يتحوَّل إلى حكم مدني مسالم، حالياً هو ديني وعسكري.

يُشاع أن مجتبى أكثرُ تشدداً من أبيه، وعلى المنطقة أن تستعدَّ لعهد أكثرَ اضطراباً وفوضى. ربَّما هذه مجرد إشاعة، وعلينا ألا نكتفي بقراءة السيرة القصيرة لشخصية شبه مجهولة للحكم عليه. كما أنَّ المنطقة في عهد الأب في طور التغير اليوم، بعد الحروب التي شُنَّت في العام الماضي والحالي.

بالفعل الأب خامنئي كانَ أكثرَ تشدّداً من سلفه آية الله خميني بخلاف ما يقال. خامنئي هو من بنى منظومةَ إيران المتطرفة. في عهده تحوَّل «الحرس الثوري» إلى مؤسسات عسكرية ضخمة واقتصادية وشبكات خارجية. واخترعت فكرة الوكلاء الإقليميين الذين صاروا جيوشاً متقدمة للجمهورية مثل «حزب الله» وميليشيات العراق و«فاطميون» والحوثي. وفي زمنه وُلد البرنامج النووي.

عُرفَ خامنئي بأنَّه كانَ أكثرَ تشدداً، حيث إنَّ الخميني وافقَ على إنهاء الحرب مع صدام وأعلن ما سماه تجرُّعَ السُّم في دلالة على واقعيته. أمَّا خامنئي فقد أصرَّ على المضي في كلّ مشاريعه رغمَ عجزها عن تحقيق أهدافها، حتى وقعت عمليةُ السَّابعِ من أكتوبر، وكانت تلك القشة الأخيرة وأصرَّ على المواجهة الخاسرة مع إدارة ترمب رغمَ الحشد العسكري الأميركي الهائل قبالة سواحل بلاده.

هل هذا يعني أنَّ خامنئي الثاني سيكون على خطى والده؟ كلا الاحتمالين واردٌ على اعتبار أنَّه عاشَ وعملَ في بيت الحكم. وهذا لا يعني بالضرورة أنَّه نسخةٌ مكررةٌ بحكم الظروف الجديدة التي خلقتها الحرب وسبقتها تبدّلات الشَّارع الإيراني.

نقلاً عن “الشرق الأوسط”


خامنئي… بين الأيديولوجيا الدينية والديكتاتورية/ موفق نيربية
10 – مارس – 2026
أكّدت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية، بعد إنكار في البداية مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في الثامن والعشرين من فبراير، في بداية الهجمات الإسرائيلية الأمريكية على إيران، بعد تقارير سابقة من مصادر أمريكية وإسرائيلية أفادت بمقتله، وبعد أن بدت غريبة تهديدات الرئيس ترامب سابقاً. كان قد قال إنه يعرف بدقة مكان وجود خامنئي.
استمرّ خامنئي لما يقارب سبعة وثلاثين عاماً في مركزه: قائداً دينياً ودنيوياً، يحظى بسلطات منصوص عليها في الدستور والقوانين، مطلقة في النتيجة،
بصفته الوليّ الفقيه، كان نائباً عن الإمام الغائب «المهدي المنتظر» – من دون أن يكون معصوماً مثله رسمياً- يمارس في غيبته قيادة الأمة وإدارة شؤونها السياسية والاجتماعية والدينية والشرعية، بذلك يكون مكانه فوق السلطات كلّها.
تنص المادة 110 من الدستور الإيراني على مهام القائد وصلاحياته في أحد عشر بنداً، تتضمّن تعيين السياسات العامة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، والإشراف على تنفيذ سياسات النظام، وإقرار الاستفتاء العام، وتعيين قيادة الجيش والحرس الثوري، وإعلان الحرب والسلم، وتنصيب أو عزل أعضاء مجلس صيانة الدستور، ومدير الإذاعة والتلفزيون، وتنظيم العلاقة بين السلطات الثلاث، وحلّ خلافاتها، كما حلّ مشاكل النظام من خلال مجمع تشخيص مصلحة النظام، والتصديق على صلاحية المرشحين ثمّ على انتخاب رئيس الجمهورية، وغير ذلك!
ذلك مثال عن النظام الإيراني، يظهر أنه نظام ثيوقراطي، وأوليغارشية دينية، وثورية تعيش على تصدير ذاتها. كان المؤسس الأوّل لهذا النظام هو الراحل الإمام الخميني، لكنّ من عايشه ومارسه وطوّره أكثر كان خامنئي. الكارثة التي طرأت عليه في السنوات الأخيرة بسبب طموحاته وعقليته المغامرة، والحرب الحالية عليه، ربّما تكونان سبباً في مراجعته وإعادة النظر فيه، أو هزيمته الشاملة. تلك ظاهرة ربّما كان في جوهرها ما يمكن تسميته ـ مع التحفّظ – بمفهوم القائد المقدّس، الذي بلغ حدوداً متطرفة في إيران، لكنّ العالم عرف شبيهاً له في الماضي، وفي الحاضر، مثل هتلر، الذي أخذ شكل المخلص الذي اختارته العناية الإلهية لإنقاذ ألمانيا، ابتداءً من الاكتئاب العام بعد الحرب الكونية الأولى باتّجاه الإرهاب المرضيّ، حتى التعلّق بخشبة الخلاص، إلى التصميم الشامل على تيسير قيادة ألمانيا للعالم. كانت إيفا بيرون تسمّى أيضاً بالزعيمة الروحية للأمّة. استخدم بوتين بدوره وما زال، وبإرشاد دوغين، «الجغرافيا المقدّسة» في مسألة جزيرة القرم، ثمّ في الحرب والإلحاق مع أوكرانيا، ولم يقصّر في عجن القومية الروسية مع الأرثوذوكسية.
هنالك تأثير لسيد قطب – السنّي- على أفكار الخميني وخامنئي، وهنالك تجربة طالبان، وخلافة داعش، وحتى حكومة إدلب.. في سنواتها الأولى على الأقل.
لا بدّ أيضاً من المرور بهذه المناسبة على حالتين خاصّتين، وعلى صلة بموضوعنا وبالحرب الطاحنة الدائرة، هما نتنياهو ودونالد ترامب، من أجل الحقيقة والإنصاف. لا تحتاج الحالة الأولى إلى أكثر من تذكّر دور سموتريتش وبن غفير في حكومة نتنياهو، المؤثّر على سياساته بدرجة مهمة. والاثنان ينطلقان من فكر ديني متطرّف، لتبرير مواقف وسياسات في غاية العنصرية والعنف. إلّا أن نتنياهو لا يكتفي بذلك، فلطالما كان يستخدم التاريخ والترميز الديني لتبرير سياساته، وتصوير الحرب الراهنة كمعركة وجود تتصل بالأساطير المؤسسة. تكرّر حديثه عن قورش ملك فارس، الذي يعادل منقذاً في السردية اليهودية القديمة، حين سمح لليهود المنفيين بالعودة من بابل وبناء الهيكل الثاني. يصوّر بذلك أن العداء مع إيران لا ينسجم مع ذلك التاريخ، بل هو من صنع النظام الديني الحالي. كذلك يصوّر نتنياهو نفسه كدرع إسرائيل وحامي بقائها والوحيد القادر على مواجهة أعدائها. ثمّ يذكر مثال العماليق الذي تكرر في أسفار التوراة، وتكرّر في ستة منها على الأقل، ليشبّه الفلسطينيين والعرب بهم، وبمصيرهم الذي قضى به الله وهو، الفناء والإبادة ومحو ذكرهم، عقاباً لهم على غدرهم باليهود أثناء الخروج من مصر، بذلك يخاطب الناخب الإسرائيلي أيضاً، ليدفعه من خلال إيمانه إلى انتخابه وتكرار تجربته. وقد صاغ هو نفسه مصطلح « البيبية» إشارة إليه ذاته، وإلى فكره وسياساته الشعبوية، التي وصفها المحلّل السياسي أورييل أبولوف، بأنها نوع من الحصار في السياق الإسرائيلي السياسي، وقال إن تلك الأيديولوجيا ومؤيديها سلاح سامّ لتعزيز التحالفات السياسية.
أما دونالد ترامب، الذي استخدم مؤيدوه صوراً ترمز له مع السيد المسيح، لتعزيز جانبه الروحي. واستخدموا أيضاً ما يسمّى بلاهوت الوعاء، الذي يجعل منه أداة لتحقيق الإرادة الإلهية والخلاص، وتجاهل خلفيّته الشخصية التي تتعارض مع تلك المهمة للوهلة الأولى. هناك قطاع مهم من قاعدته الانتخابية في صفوف الإنجيليين والمحافظين ينظر إليه كزعيم مختار من الله، أو الملك الفارسي قورش، وقد تقمّصه في العصر الحديث، وحامي القيم المسيحية ومكافحة الليبرالية وإعادة بناء الأمة، أو» إعادة أمريكا عظيمة من جديد»، كما يقول شعاره الأثير.
وتلعب باولا وايت- كين دوراً مهماً في هذا التوجه لدى ترامب، وهي مستشارته أيضاً، هي قسيسة ومؤلفة ومستشارة روحية وواعظة تلفزيونية. ترأست المجلس الاستشاري الإنجيلي لحملته الرئاسية عام 2016. ثمّ ألقت الدعاء الافتتاحي في حفل تنصيبه رئاسته الأولى في يناير 2017، لتصبح بذلك أول امرأة من رجال الدين تُلقي دعاءً افتتاحياً. في نوفمبر 2019، عيّن ترامب وايت مستشارة خاصة لمبادرة الإيمان والفرص في مكتب الاتصال العام. وفي فبراير 2025، أعلن ترامب عن إنشاء مكتب البيت الأبيض لشؤون الإيمان، برئاستها.
لكنّ آية الله العظمى، الوليّ الفقيه، والمرشد الأعلى، وقائد الثورة الإسلامية، أكثر أهمية من هذا بالطبع، من حيث ظاهرة القداسة في القائد السياسي، وتجلّياتها أو انعكاساتها. فمن خصائص القائد من هذا الطراز، أن الأتباع قد ينظرون إليه كشخص معصوم من الخطأ، حتى لو قيل عكس ذلك؛ وينظرون إليه كوسيط بين عالم الروح وعالم المادة. وهم عملياً يمارسون عبادة الفرد أو الشخصية، على غرار العبادة الدينية وبدرجة تبجيلها وتنزيهها أيضاً.
عندما تجتمع الثيوقراطية مع الأوليغارشية، يتكوّن مزيج خطر وحساس، يمكن استخدامه في توصيف أنظمة الحكم التي تستخدم «المقدّس» لتبرير سلطة وحكم وتغوّل القلّة، أو الواحد. تحدث هذه الحالة عند تركّز السلطة في يد نخبة صغيرة من القادة الدينيين، الذين يحتمون بالحقّ الإلهي، ويصبح انتقادهم انتقاداً للإرادة الإلهية.
ويلعب التراتب الهرمي ـ المقدّس بدوره أو المشتقّ من المقدّس- دوراً في إعادة إنتاج السلطة والتسلّط، إضافة إلى التوسّع في مداها عن طريق تصدير «الثورة» إلى خارج الحقل الابتدائي. ويكون تأسيسه على «لاهوت التحرير» أحياناً، ممّا يجعل منه أيديولوجيا قادرة على الدفع بالناس إلى بذل أرواحهم من أجل القائد ونصره. قد يكون ذلك من بين أسباب تعلّق «بعض» اليسار والحركات الوطنية والإخوان المسلمين بتلك التجربة والإيغال في ذلك. لكنّ الواقع حولنا، والتجربة الإيرانية وكل التجارب الملحقة بها في «محور المقاومة»، يشير إلى ذلك بعنف صارخ. وبالعودة إلى مصطلح الوعاء والأداة الإلهية، يرى بعض النقاد أن النظام الإيراني قد قدّم نفسه كأداة ووعاء للمشروع الإلهي على الأرض. لكن، مع مرور الوقت رأى بعض الإيرانيين- خصوصاً من بين الشباب والنساء- أن الوعاء قد تهالك وأصبح مجرّد أوليغارشيا عارية، تبحث عن بقائها وتكريس حكمها، وأن من الممكن الثورة على النظام، مع نخب أكثر قدرة على التجديد والتطوّر والتنوير.. الثقافة الجديدة والسينما الإيرانية والقدرة على التظاهر بمئات الألوف، كلّها تثبت ذلك، مع الأسف لأن تكون بداية ذلك من حرب نتنياهو وترامب، وذلك حديث آخر أكثر تعقيداًِ، وانتشاراً.
فهل يمكن الانتقال إلى مرحلة جديدة، تختلف جزئياً أو كلّياً؟! تدلّ المؤشّرات المتواترة أثناء كتابة هذا المقال على أنّ ذلك صعب، خصوصاً بعد أن اتّضح ميل الحرس الثوريّ للمضيّ في خطّه والاستمرار في المواجهة، بالتفافه حول مجتبى الخميني واختياره وريثاً للمرشد الوالد.

كاتب سوري
القدس العربي


مجتبى مرشدا… مسار هندسة القيادة العليا/ حسن فحص
نشر في: 12 مارس ,2026
تؤكد القيادات الإيرانية العسكرية والسياسية التي تولت زمام الأمور خلفاً للقيادة التي استهدفتها الهجمات الجوية الأميركية – الإسرائيلية المشتركة، سواء في يونيو (حزيران) عام 2025، أو خلال العمليات الحالية والمستمرة، أن كل الإجراءات والأعمال والخطوات التي تقوم بها وتعلنها، هي استمرار للخطط والاستراتيجيات التي وضعها المرشد الأعلى السابق علي خامنئي قبل اغتياله، وهي متمسكة بتحقيق أهداف هذه الخطط والتصدي لأية محاولة إضعاف للنظام و”الجمهورية الإسلامية” وتفكيك إيران من قبل واشنطن وتل أبيب.

وإذا ما كان قرار المواجهة العسكرية مع واشنطن، والسعي إلى تحقيق الهدف الاستراتيجي الأساس بإضعاف القدرات السياسية والعسكرية والأمنية لإسرائيل والحد من نفوذها في الإقليم، يشكلان الجانب العملاني والعسكري لهذه الخطط، فإن البعد الأخطر والأهم في هذا السياق، كان في ضمان عملية انتقال سلس وسهل لموقع القيادة واختيار المرشد الجديد من دون أية عوائق أو اعتراضات.

فمراكز القرار والدولة العميقة التي تقودها مؤسسة “حرس الثورة” كانت مشغولة على مدى العقدين الماضيين في هندسة عملية انتقال القيادة من الأب إلى الابن بأقل أضرار ممكنة. وأقامت هذه المؤسسة شراكة وتقاسماً للسلطة بينها وبين المرشد مبكراً، بالتزامن مع بداية ظهور التمايز في المواقف بين المرشد وشريكه، في إرساء أركان السلطة الدينية وقواعد ولاية الفقيه المطلقة، وذلك في أواخر سنوات رئاسة الشيخ هاشمي رفسنجاني للجمهورية.

هذه العلاقة بين المرشد و”حرس الثورة” اتخذت بعداً أكثر عمقاً مع وصول محمد خاتمي إلى رئاسة الجمهورية، والتحدي الذي أنتجه الخطاب الإصلاحي الذي تبنى موقفاً معارضاً فكرياً وأيديولوجياً لمبدأ السلطة الدينية، إلا أن الاستراتيجية التي اعتمدتها ثنائية المرشد – الدولة العميقة (الحرس)، لم تذهب إلى المواجهة العلنية المفتوحة، بل اعتمدت سياسة تفريغ الخطاب الإصلاحي وتفكيك قواعده الشعبية بالوسائل شتى بهدف إفشاله ودفعه إلى طريق مسدود، بما يساعد هذه الثنائية المدعومة من التيار المتشدد في إعادة إنتاج سلطتها وهيمنتها.

خلال هذه المرحلة، ومع الانتخابات الرئاسية عام 2005 يمكن القول إن اسم مجتبى خامنئي بدأ بالظهور، وبدأ الحديث عن دوره المحوري في رسم مسارات السلطة ومراكز القرار، عندما عمد وبالتنسيق مع “حرس الثورة” إلى إصدار كلمة السر التي أحدثت تغييراً جذرياً في مسار الانتخابات والشخصية التي ستتولى الرئاسة، عندما تخلى عن دعم عمدة طهران حينها محمد باقر قاليباف لمصلحة محمود أحمدي نجاد، مما أدى إلى خسارة قاليباف ظهيره الداعم في “الحرس” وانتقاله إلى مصلحة خصمه ومنافسه. وأثار هذا التدخل غضب المرشح الإصلاحي المعتدل حينها مهدي كروبي الذي لم يتردد في توجيه رسالة إلى المرشد علي خامنئي يحمّل فيها نجله مجتبى مسؤولية التدخل في نتائج الانتخابات وإخراجه من السباق الرئاسي الذي انتقل حينها إلى مرحلة ثانية حصرت بين أحمدي نجاد ورفسنجاني بهدف إلحاق الهزيمة به وإنهاء حياته السياسية وإخراجه من دائرة التأثير في المشهد الإيراني.

وعام 2009، وعلى خلفية الأزمة التي نتجت من الانتخابات الرئاسية، وهزيمة مير حسين موسوي وعودة أحمدي نجاد لدورة جديدة، التقط الشارع حقيقة ما يجري خلف الكواليس وفي أروقة القرار داخل النظام، وللمرة الأولى ظهرت شعارات بين المتظاهرين والمعترضين، أو ما عرف حينها ب”الحركة الخضراء”، تهاجم مجتبى وترفض عملية التوريث التي يسعى “حرس الثورة” إلى فرضها في موقع القيادة. واتُهم مباشرة بالعمل مع “حرس الثورة” والأجهزة الأمنية على قمع المتظاهرين وشن حملة اعتقال لجميع الأصوات المعارضة لهذه الثنائية التي كانت تسعى إلى عسكرة النظام والدولة. وهذا المسار المتصاعد لنفوذ مجتبى في ظل سلطة ومظلة ورعاية والده ولي الفقيه المطلق والممسك بمفاصل القرار والاتجاهات في الدولة والنظام، انتقل إلى مستويات متقدمة بعد عام 2009، عندما ساد اعتقاد راسخ لدى القوى السياسية والاجتماعية بأن المرشد وولي الفقيه قد أسند إلى نجله الأوسط كثيراً من المهمات، وعلى رأسها ملف العلاقة بين موقع ولي الفقيه بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة ومؤسسة “حرس الثورة” الإسلامية التي تعتبر الحامل الأول والأساس لمشروع انتقال السلطة من الأب إلى الابن.

وربط مؤسسة “الحرس” بمجتبى مباشرة ومن دون المرور بأي من القنوات الإدارية الأخرى، كان يعني الإشراف المباشر والتحكم بملفات عسكرية وأمنية وصولاً إلى الموضوع الاقتصادي، بخاصة أن تلك المرحلة شهدت نمواً كبيراً وواسعاً في شبكات “الحرس” الاقتصادية بصورة عنكبوتية وفي جميع المجالات والقطاعات، حيث تفوقت على مثيلاتها في أية دولة أخرى تُتهم بخضوع اقتصاداتها لهيمنة الجيوش والمؤسسة العسكرية، مما منحه قدرة على الإمساك بمفاصل القرار والاطلاع على أدق التفاصيل ومتابعتها في سياق ينسجم مع السلطات والمهمات الموكلة إليه من المرشد الأعلى، باعتبارها تمريناً واعداً له للانتقال إلى موقع القيادة عندما تقتضي الحاجة أو تحين الساعة.

وعلى رغم يقين مختلف المستويات الإيرانية السياسية والثقافية والاجتماعية والشعبية بأن عملية التوريث تسير بصورة حثيثة، فإن المرشد الأعلى كان يدرك صعوبة تمرير مثل هذا الانتقال من دون حصول أزمات وإثارة اعتراضات وتساؤلات حول شرعية مثل هذا الأمر، خصوصاً ما يرتبط بشبهة توريث المرجعية الدينية المستهجنة داخل مؤسسة المرجعية الدينية تاريخياً، وإن وصول نجل أحد المراجع إلى رتبة المرجعية والتقليد كان يتم من خلال الاستحقاق والتسليم الشعبي ومن كبار رجالات الحوزة الدينية بأعلميته ومرتبته المرجعية.

من هنا كان لا بد من العمل على بناء صورة عملية وفقهية لمجتبى من خلال التركيز على موقعه العلمي في إطار الحوزة الدينية واكتسابه درجة الاجتهاد في الأحكام الشرعية التي تمنحه وتكسبه الشرط الأساس لتولي موقع القيادة بعد إسقاط شرط المرجعية والأعلمية عمن يتولى موقع ولي الفقيه، وهو إسقاط جرى في تعديل الدستور عام 1988، مما مهّد الطريق أمام تولي خامنئي خلفاً للمؤسس السيد الخميني.

وفي موازاة هذه الجهود التي كانت تبذل لتكريس قبضة مجتبى على مفاصل القرار وتحويله إلى مرجعية لا يمكن تجاوز موقفها ورؤيتها في صياغة أي قرار في السلطة ورسم المسارات المستقبلية، كان المرشد الأب يسعى إلى تمرير هذا الانتقال وتسهيله من خلال التأكيد على ضرورة تولي مجلس خبراء القيادة مهمة البحث عن خليفة له، مما ترافق مع حديث عن أن المرشد قدم لهذا المجلس ثلاثة أسماء مرشحة لتولي المنصب والقيادة من بعده من دون الكشف عن هوية هذه الأسماء، إلا أن هذه الترشيحات لم تخرج عن السياق والإطار الذي يدعم وصول مجتبى، بخاصة أن كل الأسماء التي يمكن أن تطرح أو جرى تداول أسمائها، ومن ضمنها الشيخ محمد رضا أعرافي الذي عيّن في مجلس القيادة الأخير، لا تملك الخبرة والمعرفة بتفاصيل الملفات الأساسية والاستراتيجية التي تقوم عليها قوة النظام باستثناء مجتبى، بالتالي وأمام ضرورات الحفاظ على النظام وتأمين الاستمرارية يصبح هو الخيار الأنسب من بين كل الأسماء المطروحة، وأيضاً في ظل استبعاد جميع المرشحين من خارج صندوق النظام مثل الرئيسين السابقين محمد خاتمي وحسن روحاني وحفيد المؤسس حسن الخميني، أولاً لمعارضة المؤسسة الدينية الرسمية المتشددة لتوجهات الرئيسين، وثانياً لعدم امتلاك الخميني الخبرة الإدارية التي تؤهله لتولي هذا المنصب.

ومع إدراك حجم الصعوبات التي قد تواجه عملية الانتقال في السلطة، على رغم كل الإجراءات والخطوات التي تراكمت على مدى عقدين من حياة النظام، فإن الخطوة الحاسمة جاءت نتيجة القرار الذي اتخذه المرشد الأعلى بالبقاء في مقر عمله على رغم حجم التهديدات التي كان يتعرض له وتقديراته بأن عملية عسكرية أميركية – إسرائيلية تُعد لاغتياله وإخراجه من المشهد، فإن اغتيال المرشد مع كثير من أفراد عائلته ومعهم زوجة مجتبى وابنه، جعل من عملية اختيار مجتبى الجريح وانتخابه أكثر مرونة، شعبياً نتيجة عاطفة التضامن التي حصلت جراء الاعتداء والعدوان على إيران، وداخل المؤسسة والجماعات والقوى السياسية التي فضّل جزء منها، خصوصاً الجماعات الإصلاحية عدم استعجال المواجهة مع المتشددين والمؤسسة العسكرية انطلاقاً من أن المرحلة تستدعي الحفاظ على التضامن في مواجهة الاعتداء، والرهان على مسار جديد ومختلف من الممكن أن يقوده المرشد الجديد لإخراج البلاد من الانسداد الداخلي والخارجي الذي تمر فيه، إضافة إلى أنه قد يكون الأصلب في قيادة هذه المرحلة نتيجة العلاقات والارتباط التفصيلي والدقيق بينه والمؤسسة العسكرية و”حرس الثورة” الذي بات الجهة الأكثر تحكماً في مستقبل إيران خلال هذه المرحلة.

نقلاً عن “إندبندنت عربية”


إيران… مجتبى ومستقبل “الجمهورية الإسلامية”/ أليكس فاتانكا
ما بات واضحا بالفعل أن الجمهورية الإسلامية دخلت مرحلة انتقالية لا تشبه أي مرحلة عاشتها منذ الثورة
12 مارس 2026
يمثل تعيين مجتبى خامنئي مرشدا أعلى جديدا لإيران أحد أبرز التحولات السياسية في الجمهورية الإسلامية منذ أكثر من ثلاثة عقود. وللمرة الأولى منذ ثورة 1979، انتقلت السلطة العليا مباشرة من الأب إلى الابن. وصادق “مجلس خبراء القيادة” على مجتبى بعد نحو أسبوع من مقتل والده، علي خامنئي، في ضربة أميركية-إسرائيلية أطاحت بجزء كبير من القيادة الإيرانية العليا. وأنهى هذا القرار أياما من التكهنات بشأن فراغ السلطة في لحظة كانت إيران قد دخلت فيها حربا كبرى.

بدلا من ذلك، تحرك النظام بسرعة لاستعادة الاستمرارية. وتولى مجلس قيادة مؤقت السلطة لفترة وجيزة، كما ينص الدستور، وخلال أيام التفّت المؤسسة الدينية والنخبة الأمنية حول مجتبى بوصفه “المرشد الأعلى” الثالث للجمهورية الإسلامية. وكان المقصود من سرعة الانتقال أن توجه رسالة واضحة مفادها أن الآلة المؤسسية للنظام ظلت متماسكة رغم خسارة زعيمه الذي حكم زمنا طويلا. وفي أخطر لحظة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، لم تكن الغريزة الأولى للدولة هي التجريب، بل التماسك.

كانت تلك الاستجابة كاشفة. فعلى مدى سنوات، دارت نقاشات التوريث في إيران حول تنافس الأجنحة الدينية، ومساومات النخبة، وإمكان أن يتبلور نظام ما بعد خامنئي عبر مسار أطول وأكثر تنازعا. لكن الحرب غيّرت ذلك؛ فقد كثّفت الوقت وضيّقت الخيارات. ففي زمن السلم، كان صعود مجتبى خامنئي سيواجه على الأرجح مقاومة أشد. فاحتمال توريث السلطة في نظام تأسس على إسقاط الملكية كان سيثير اعتراضات أيديولوجية أشد حدة. وكانت الأسئلة المرتبطة برتبته الدينية، ومحدودية حضوره العام، وافتقاره إلى خبرة تنفيذية، ستكون أصعب تجاهلا. وكان لمنافسين آخرين مجال أوسع لتنظيم الدعم، لكن تحت وطأة هجوم خارجي وقلق داخلي، صارت الاستمرارية أهم من الإجراء، وصارت وحدة القيادة أهم من التشاور، وصار الثبات الرمزي أهم من الاتساق الأيديولوجي.

ولهذا يحمل تعيين مجتبى دلالة تتجاوز مسألة التوريث المباشرة. فهو يكشف أن الجمهورية الإسلامية، تحت ضغط شديد، اختارت البقاء لا الاتساق العقائدي. لقد قبل نظام وُلد من تمرد على الحكم السلالي انتقالَ السلطة العليا من الأب إلى الابن. وعلى مدى عقود، عرّفت الجمهورية الإسلامية نفسها جزئيا عبر رفضها المبدأ الوراثي الذي قامت عليه ملكية آل بهلوي. لكن في بوتقة الحرب تراجع هذا المحظور. ولم يتحول النظام إلى ملكية بأي معنى رسمي، لكنه تجاوز خطاً كانت أجيال سابقة من نخب الثورة تعده من المحظورات السياسية. والنتيجة مفارقة أعمق، وهي أن دولة ثورية تحافظ على نفسها عبر شكل من الاستمرارية السلالية في حين ترفض الاعتراف بهذا التناقض.

ومع ذلك، لا يرث مجتبى خامنئي نظاما مستقرا تضمنه الاستمرارية، بل دولة تواجه أخطر تلاقٍ للأزمات في تاريخ الجمهورية الإسلامية. فقد انخرطت إيران الآن في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهما قوتان نوويتان تتفوق قدراتهما العسكرية المشتركة على القوات التقليدية الإيرانية بفارق كبير. وأضعفت الحرب بالفعل عناصر رئيسة من بنية إيران الصاروخية ودفاعاتها الجوية وقدراتها البحرية. وفي الوقت نفسه، يظل الاقتصاد الإيراني هشا بعد سنوات من العقوبات والتضخم واضطراب العملة والبطالة الهيكلية. وفاقمت الضغوط البيئية، من شح المياه إلى هبوط الأرض، الشعور العام بالإرهاق الوطني. وتحت سطح الوحدة في زمن الحرب يقبع مجتمع قلق عانى في السنوات الأخيرة دورات متكررة من الاحتجاج والقمع.

لذلك، فإن السؤال الذي يواجه الزعيم الجديد لإيران أكبر من مسألة التوريث. إذ يتعين على مجتبى خامنئي أن يقرر ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية ستواصل المسار الاستراتيجي الذي رسمه والده، أم إن الضغوط التي تطبق على النظام ستفرض إعادة نظر أكثر جذرية في توجه إيران السياسي وسياستها الخارجية. ويحسم تعيينه، على الأقل في الوقت الراهن، مسألة من يجلس في قمة الدولة. لكنه لا يحسم السؤال الأعمق، وهو أي نوع من الدولة يقود الآن، وما الموارد التي لا تزال متاحة لها، وأي افتراضات من حقبة خامنئي لا تزال قابلة للاستدامة بعد صدمة الحرب.

لفهم الخيارات التي يواجهها مجتبى، ينبغي أولا فحص ما ورثه. فقد أعادت قرابة أربعة عقود قضاها علي خامنئي مرشدا أعلى تشكيل البنية السياسية للجمهورية الإسلامية. ويبرز إرثان على وجه الخصوص في تشكيل ملامح حكم مجتبى في بداياته: القوة المؤسسية “للحرس الثوري الإسلامي”، ورؤية راسخة للعالم تصور صراع إيران مع الغرب على أنه صراع وجودي.

وعلى امتداد 36 عاما من ولايته، أشرف علي خامنئي على تحول “الحرس الثوري” إلى أقوى مؤسسة في إيران. فقد أُنشئ “الحرس” بعد الثورة بوصفه ثقلا أيديولوجياً موازياً للجيش النظامي، لكنه تطور تدريجيا إلى قوة أمنية وسياسية واقتصادية مترامية تعمل كدولة داخل الدولة. ويهيمن قادته على التخطيط الاستراتيجي، وتتغلغل شبكاته الاستخباراتية في معظم القطاعات الكبرى في المجتمع، وتسيطر تكتلاته الاقتصادية على أجزاء واسعة من الاقتصاد. وفي زمن الحرب، يتعاظم دور “الحرس” أكثر. إذ يشرف على برنامج إيران الصاروخي، وعلى شبكات الوكلاء الإقليميين، وعلى جهاز الأمن الداخلي الذي يقوم عليه استقرار النظام. ولا توجد مؤسسة أخرى أقدر منه على تشكيل مسار الحرب وشروط التوريث السياسية في آن واحد.

وبالنسبة إلى مجتبى خامنئي، يشكل “الحرس الثوري” في الوقت نفسه أهم مصدر دعم له والمؤسسة التي سترسم حدود سلطته. فعلى خلاف والده الذي بنى نفوذه على مدى عقود بصفته رجل دين ثوريا وشخصية سياسية، أمضى مجتبى معظم مسيرته خلف الكواليس داخل مكتب “المرشد الأعلى”. وهو ليس سياسيا ذا قاعدة جماهيرية، ولم يسع إلى بناء حضور عام واسع. لا يعرفه كثير من الإيرانيين إلا شائعة تتداول، أو شبحا في أروقة الحكم، أو فاعلا يدير الأمور من وراء الستار، أكثر مما يعرفونه زعيما وطنيا ظاهرا. وهذه الضبابية ذات معنى. فقد اختار النظام شخصية تستند سلطتها، قبل كل شيء، إلى تجذرها في القلب الأمني للنظام، لا خليفة كاريزميا أو مجربا في ساحات السياسة العلنية. ووصفه محللون منذ زمن طويل بأنه وسيط رئيس بين القيادة و”الحرس الثوري”، ويعتقد كثيرون أن علاقاته الوثيقة بكبار قادة “الحرس” كانت حاسمة في تثبيت خلافته. ومن المرجح أن تحدد هذه العلاقة ميزان القوى في طهران في بدايات العهد الجديد. إذ سيعتمد مجتبى على “الحرس الثوري” لترسيخ سلطته، في حين يتوقع “الحرس” منه أن يصون البنية الأمنية التي أسهم في بنائها.

وقد يتحول ذلك إلى مصدر قوة وضعف في آن واحد. فزعيم متجذر في أكثر مؤسسات النظام قدرة على الإكراه يستطيع أن يتحرك بسرعة في الأزمات، وأن يطمئن المتشددين إلى أن الاستمرارية ستبقى قائمة. لكن زعيما يتركز رأسماله السياسي داخل المؤسسة الأمنية قد يواجه صعوبة أكبر في توسيع القاعدة الاجتماعية للنظام، وإصلاح شرعيته، وفتح المجال أمام مراجعة استراتيجية. ويدخل مجتبى منصبه تجسيدا للاستمرارية، لكنه لا يدخل بالضرورة بوصفه فاعلا قادرا على الإفلات من البنى نفسها التي رفعته إلى القمة.

أما الإرث الثاني الذي يتلقاه مجتبى عن والده فهو أيديولوجي أكثر منه مؤسسيا. فقد أمضى علي خامنئي معظم سنوات حكمه في ترسيخ رؤية للعالم تقوم على انعدام ثقة عميق بنوايا الغرب. ووفق تفسيره، كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يخوضون حملة طويلة الأمد لإضعاف الجمهورية الإسلامية ثم تفكيكها في نهاية المطاف. ولم يطبع هذا الاعتقاد سياسة إيران الخارجية وحدها، بل طبع أيضا مقاربتها للسياسة الداخلية. حذر خامنئي مرارا من أن القوى الغربية ستحاول هندسة “ثورة ملونة” داخل إيران عبر استغلال المظالم الاقتصادية والاضطراب الاجتماعي والانقسامات بين النخب لإشعال تغيير النظام.

ومع مرور الوقت، تصلبت هذه السردية حتى غدت عقيدة مركزية داخل المؤسسة الأمنية للجمهورية الإسلامية. ومن منظور القيادة، نادرا ما رأت السلطة في الاعتراض الداخلي ظاهرة سياسية تنشأ من داخل المجتمع، بل تعاملت معه غالبا بوصفه دليلا على تلاعب خارجي. كما نظرت إلى حركات الاحتجاج، وانتقادات الإصلاحيين، واضطرابات الطلاب، والمظالم العمالية، وأي حراك تقوده النساء، بل وحتى النقاشات بين رجال الدين أو النخب السياسية، من خلال عدسة التخريب الأجنبي. وكانت المحصلة نظاما سياسيا ينظر إلى التسوية بعين ريبة عميقة، ويجعل من السيطرة القسرية أداة أساسية للبقاء.

وتنبع أهمية هذه الرؤية من ربطها بين استراتيجية النظام في الخارج وسلوكه في الداخل. ففي عهد علي خامنئي، لم تكن العداوة تجاه الغرب مجرد موقف في السياسة الخارجية، بل كانت أيضا أحد مبادئ الحكم الداخلي. وكلما ازداد اقتناع القيادة بأن الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا تسعى إلى اختراق المجتمع الإيراني من الداخل، ازداد تآكل الحدود بين الاعتراض في الداخل والمواجهة في الخارج. وجرت صياغة العقوبات والاحتجاجات والنقد الإعلامي والنشاط السيبراني ونقاشات النخب كلها داخل سردية واحدة عن الحصار. وهكذا، لا يرث مجتبى مجرد علاقة صدامية مع الغرب، بل يرث أيضا خريطة ذهنية ترى في الضغط الخارجي والاضطراب الداخلي جبهتين لصراع واحد.

يصل مجتبى خامنئي الآن إلى سدة السلطة وهو يحمل هذين الإرثين معا. فمن جهة، يرث جهازا أمنيا شديد القوة قادرا على حفظ النظام الداخلي وبسط نفوذه في المنطقة. ومن جهة أخرى، يرث رؤية تفترض أن العداء الخارجي والهشاشة الداخلية سمتان دائمتان في المشهد السياسي الإيراني. ويضيّق هذان الإرثان مجال المرونة. فهما تدفعان إلى الاستمرارية لا لأنهما تمنحان القوة للقوى الأشد تمسكا بالوضع القائم فحسب، بل لأنهما تشكلان أيضا طريقة تفسير تلك القوى للأحداث.

تكمن صعوبة مهمة الزعيم الإيراني الجديد في أن هذه الافتراضات الموروثة تصطدم الآن بواقع أشد هشاشة بكثير من الواقع الذي واجهه والده في معظم سنوات حكمه. فالجمهورية الإسلامية اليوم تواجه ضغوطا عسكرية واقتصادية واجتماعية في آن واحد. وكل ضغط منها بالغ الخطورة بمفرده. لكنها مجتمعة تخلق تحديا استراتيجيا مركبا قد لا تكفي الاستمرارية وحدها لإدارته.

ويظهر البعد العسكري بوصفه الأكثر إلحاحا. فقد كشفت الحرب المستمرة نقاط ضعف في دفاعات إيران التقليدية حاولت طهران طويلا إخفاءها عبر الردع غير المتكافئ. وعلى مدى سنوات، ارتكزت استراتيجية إيران على ثلاثة أعمدة، هي الصواريخ الباليستية، وشبكة من الوكلاء الإقليميين، والتهديد بعرقلة تدفقات الطاقة في الخليج العربي. وقد أتاحت هذه الأدوات لطهران فرض كلفة على خصوم أقوى منها من دون الاشتباك معهم مباشرة. لكن الصراع الحالي اختبر هذا النموذج. إذ أظهرت الضربات الإسرائيلية والأميركية قدرة على اختراق الدفاعات الجوية الإيرانية واستهداف بنى تحتية استراتيجية في عمق البلاد. وحتى النجاح الجزئي في ذلك دفع المخططين الإيرانيين إلى مواجهة احتمال أن بنية الردع لديهم أقل صلابة مما كانوا يعتقدون.

إقليميا أيضا، تبدلت البيئة التي كانت تسند استراتيجية إيران. فقد ضعف “حزب الله” في لبنان بفعل اشتباكات متكررة مع إسرائيل. وتواجه شبكة الميليشيات التابعة لإيران في العراق ضغوطا متزايدة من حكومات إقليمية تسعى إلى كبح نفوذ طهران. وبينما تظل جماعات مثل الحوثيين في اليمن نشطة، فإن الأثر التراكمي تمثل في إضعاف الانطباع بأن إيران تستطيع بسط نفوذها عبر الشرق الأوسط بصورة يمكن التعويل عليها من خلال قوات الوكلاء وحدها. ولم يختف نموذج الدفاع المتقدم الذي أسهم في تحديد الاستراتيجية الإيرانية لعقود، لكنه لم يعد يوفر مستوى الضمان نفسه الذي كان يوفره من قبل.

ولا تقتصر أهمية ذلك على التخطيط العسكري، بل تمتد إلى القصة الأيديولوجية التي يرويها النظام لنفسه. فقد زعمت الجمهورية الإسلامية طويلا أنها بنت حلقة ردع خارج حدودها تحديدا كي تمنع الحرب من الوصول إلى الأراضي الإيرانية. ويغدو الحفاظ على هذا الزعم أصعب حين يصبح الوطن نفسه عرضة لهجوم مباشر ومتواصل. وإذا لم تعد الاستراتيجية الخارجية للنظام قادرة على منع نوع الحرب الذي صممت لردعه، فلا بد للقيادة عندئذ من أن تكيف الاستراتيجية، أو أن تمضي بها إلى أقصى مدى، أو أن تعيد تعريف النجاح بصورة أكثر تواضعا على أساس الصمود لا الهيمنة.

ويتقاطع الضعف العسكري مع الهشاشة الاقتصادية. فقد تركت سنوات من العقوبات وسوء الإدارة البنيوي اقتصاد إيران يعاني تضخما مزمنا، وعملة شديدة التقلب، وتراجعا في مستويات المعيشة، وغموضا عميقا يكتنف الاستثمار والنمو في المستقبل. وتفاقم اضطرابات زمن الحرب هذه الاختلالات. فهي ترفع كلفة المعاملات، وتسرع هروب رؤوس الأموال، وتفرض أعباء جديدة على مالية دولة مثقلة أصلا. وتزيد الأزمات البيئية، ولا سيما شح المياه وهبوط الأرض، من حجم الضغط. وبالنسبة إلى كثير من الإيرانيين، تلاشت منذ زمن الوعود بالعدالة الاقتصادية التي كانت تسند يوما السردية الثورية.

ولا يزال النظام يحتفظ بأدوات للسيطرة على الاقتصاد، ويمكنه الاستناد إلى شبكات المحسوبية والتهريب والالتفاف على العقوبات والنشاط التجاري شبه الحكومي للإبقاء على عمل قطاعات أساسية. لكن هذه الآليات أصبحت على نحو متزايد أدوات للبقاء لا للتنمية. فهي تصون النظام من دون أن تعيد الثقة العامة به. وكلما ازداد تنظيم الاقتصاد الإيراني حول ظروف الحصار، تدفقت القوة السياسية أكثر نحو المؤسسات، وفي مقدمتها “الحرس الثوري” والجهات المرتبطة به، التي تستطيع العمل بأكبر قدر من الفاعلية في بيئة تتسم بالندرة والضبابية والإكراه. وبعبارة أخرى، قد لا تضر الحرب بالاقتصاد فحسب، بل قد تعيد أيضا توزيع القوة الاقتصادية لصالح البنى الأمنية نفسها التي تهيمن على الدفاع الوطني.

وتقود هذه الضغوط الاقتصادية مباشرة إلى البعد الثالث، وربما الأكثر صعوبة في التنبؤ، من مأزق إيران الحالي، وهو الاضطراب الاجتماعي. فعلى مدى العقد الماضي، واجهت الجمهورية الإسلامية موجات متكررة من الاحتجاجات استندت إلى دعم من شرائح متنوعة من المجتمع. واختلفت هذه الموجات في دوافعها المباشرة، من أسعار الوقود والضيق الاقتصادي والقمع السياسي وحقوق النساء والفساد إلى إحباطات أوسع ناجمة عن غياب مساءلة النخب، لكنها تكشف مجتمعة اتساع الفجوة بين الدولة وقطاعات كبيرة من المجتمع. ولم تعكس أحدث الاحتجاجات في يناير/كانون الثاني مظلمة واحدة، بل شعورا أوسع بأن النظام صار جامدا وغير مستجيب.

وقد تخفف القومية في زمن الحرب مؤقتا من مثل هذه التوترات، ولا سيما عندما تتعرض دولة لهجوم مباشر. لكنها لا تمحوها. فالحرب نفسها التي تولد نزعات وطنية قد تعمق الغضب أيضا إذا جلبت مزيدا من الضيق والدمار والضحايا، أو إذا قدمت أدلة ظاهرة على عجز النخب. ويتوقف الكثير على الكيفية التي يفسر بها الجمهور الصراع. فإذا رأى كثير من الإيرانيين أن الحرب هي في المقام الأول اعتداء على الوطن، فقد يحشد النظام دعما حول خيار المقاومة. لكن إذا أخذ عدد متزايد منهم يراها خاتمة لمسار استراتيجي اختارته قيادة متصلبة، فقد تتبين أن وحدة زمن الحرب أرق وأقصر عمرا مما يأمل النظام.

استجابت قيادة إيران لهذه الضغوط عبر تعزيز قدراتها على المراقبة وتوسيع منظومة التحكم الرقمي. ويهيمن “الحرس الثوري” والمؤسسات المرتبطة به على البنية التحتية للاتصالات في البلاد، بما يتيح للسلطات مراقبة النشاط على الإنترنت، وفلترة المحتوى، وقطع الوصول إلى الشبكة خلال فترات الاضطراب. وأظهرت عمليات قطع الإنترنت الشامل الأخيرة على مستوى البلاد مدى سرعة قدرة الدولة على عزل السكان عن العالم الخارجي. وسهلت هذه الأدوات على الحكومة احتواء الاعتراض، لكنها تبرز أيضا إلى أي حد بات النظام يعتمد على الإكراه لا على القبول. فالنظام الواثق من شرعيته لا يحتاج إلى فصل المجتمع عن ذاته بهذا الانتظام.

وهنا تكتسب السمة الخاصة للملف السياسي لمجتبى أهمية إضافية. فهو يدخل السلطة بقدر محدود من الشرعية العامة بالمعنى التقليدي. فهو ليس شخصية بنت سلطتها عبر انتخابات متكررة، أو خطابات عامة، أو منصب تنفيذي ظاهر. ولا يبدو أنه يمتلك ذلك المقام الديني الواسع الذي كان يمنح في السابق ثقلا دينيا شبه تلقائي. ومن السمات اللافتة في صعوده مدى ما عملت عليه آلة الدولة الإعلامية والسياسية لرفع مكانته الدينية وترسيخها. ولا يعني ذلك أنه يفتقر إلى دعم فعلي داخل مؤسسات رئيسة. لكنه يعني أن شرعيته ستعتمد على الأرجح بدرجة أكبر على إظهار السلطة وممارستها، والتحكم الأمني، وتماسك النخب، والقدرة على الصمود في زمن الحرب، ثم بلوغ الاستقرار لاحقا، أكثر مما ستعتمد على وجاهة عامة أو دينية تتكون بصورة عضوية.

تكتسب هذه المفارقة أهمية لأنها تشير إلى تحول أعمق يجري بالفعل داخل الجمهورية الإسلامية. فعلى مدى سنوات، كان النظام ينتقل من ترتيب ثوري هجين، يجمع بين البعد الديني والنزعة الشعبوية وملامح الدولة الأمنية، إلى صيغة تهيمن عليها أجهزة الإكراه بصورة أوضح. وقد يسرع انتقال السلطة إلى مجتبى هذا المسار. فإذا كانت ولاية علي خامنئي قد قلصت تدريجيا التأثير النسبي للسلطة الدينية التقليدية لصالح المؤسسات الأمنية، فقد يشرف ابنه على المرحلة التالية من هذا التحول، وهي قيام دولة تحتفظ بالرمزية الدينية لكنها تعتمد على نحو متزايد على القوة العسكرية والأمنية في تماسكها.

يثير تلاقي هذه الضغوط سؤالا جوهريا عن مدى قابلية النموذج السياسي الذي ورثه مجتبى خامنئي للاستمرار. فعلى مدى عقود، اعتمدت الجمهورية الإسلامية على مزيج من التعبئة الأيديولوجية، والضبط الأمني، وإسقاط القوة إقليميا للحفاظ على موقعها. لكن الأزمة الحالية توحي بأن ميزان هذه العناصر قد يتغير. فلا تزال الأيديولوجيا مهمة، لكنها لم تعد تلهم كما كانت من قبل. ولا يزال النفوذ الإقليمي مهماً، لكنه صار أعلى كلفة وأقل موثوقية. أما الضبط الأمني، فلا يزال مهماً، وربما أكثر من أي وقت مضى، لكن النظام السياسي الذي يميل على نحو متزايد إلى الإكراه يكشف أيضا تآكل أشكال الشرعية الأقل صلابة.

فهل تستطيع القوة الصلبة وحدها، في الداخل عبر القمع وفي الخارج عبر الردع، أن تواصل حفظ استقرار النظام؟ أم إن وفاة علي خامنئي تخلق لحظة قد تعيد فيها القيادة الإيرانية النظر في الافتراضات الاستراتيجية التي وجهت البلاد لأكثر من جيل؟

في الوقت الراهن، تقيّد الإجابة حقائق الحرب المباشرة. فما دامت إيران منخرطة في صراع نشط مع الولايات المتحدة وإسرائيل، سيظل الحيز السياسي لأي مراجعة استراتيجية محدودا للغاية. فظروف الحرب تميل إلى تعزيز نفوذ المؤسسات الأمنية وترسيخ سرديات المقاومة الوطنية. وأي قائد إيراني يظهر بمظهر الساعي إلى تسوية بينما تتعرض البلاد لهجوم سيواجه خطر اتهامه بتقويض السيادة. وقد أتاح هذا المناخ نفسه صعود مجتبى جزئيا، إذ فرضت الحاجة إلى هيكل قيادة موحد، والضغط لإظهار الاستمرارية، واستعداد المؤسسة الأمنية إلى إسكات الاعتراضات باسم الطوارئ.

كذلك ينبغي فهم خلافته بوصفها استجابة للأزمة أكثر من كونها علامة ثقة. فلم يختر النظام مجتبى لأنه قدم بوضوح رؤية استراتيجية جديدة، بل اختاره لأنه مثل أقصر طريق إلى حفظ تسلسل القيادة والاستمرارية الأيديولوجية تحت النيران. وكان رفعه إلى المنصب أقل تعبيرا عن تتويج لمسار خلافة مفتوح، وأكثر تعبيرا عن تصلب في زمن الحرب لتفضيل كان قائما منذ زمن داخل القلب الأمني للنظام. وبهذا المعنى، لم تخلق الحرب ترشيحه، لكنها جعلت مقاومته أشد صعوبة.

يعزز الرمز الكامن في تعيينه هذا المعنى. ففي لحظة تعرض فيها النظام لهجوم عسكري مباشر، ومع انتشار توقعات واسعة بحدوث ارتباك داخلي، جاء إعلان اسم ابن الزعيم الراحل رسالة تحد. فهو يقول للخصوم إن الجمهورية الإسلامية لن تسمح للقوة الخارجية بفرض مسار التوريث من الداخل. ويقول للمؤيدين في الداخل إن خط السلطة لم ينقطع. ويقول للمترددين داخل النظام إن المؤسسة الأمنية حسمت خيارها. لكن الرموز التي تفيد في زمن الحرب قد تحمل كلفة لاحقا. فالخطوة التي توحي بالصلابة اليوم قد تفضي إلى مشكلات شرعية في المستقبل.

وقد تظهر هذه الكلفة عبر أكثر من مسار. فأوضحها المسار الأيديولوجي. إذ يبدو التوريث متعارضا مع السردية الثورية التي تأسست عليها الجمهورية الإسلامية. ومع مرور الوقت، قد يعمق هذا التناقض حالة التشكك لدى مواطنين يساورهم أصلا شك عميق في الخطاب الرسمي. وقد يثير أيضا انزعاجا لدى شرائح من المؤسسة الدينية التي قبلت الانتقال تحت ضغط الحرب، لكنها لا ترى بالضرورة أن المنطق السلالي يصلح مبدأ مستداما للحكم. وقد يزيد كذلك من ترسخ الانطباع الخارجي بأن النظام صار أقل شبها بجمهورية ثورية، وأكثر شبها بنظام أمني يتدثر بلغة دينية.

أما الكلفة الثانية فهي سياسية. فقد أفادت ضبابية مجتبى ترشيحه داخل النخبة، لكنها تعني أيضا أنه يبدأ حكمه بهامش خطأ ضيق. فالقائد الذي يمتلك قاعدة جماهيرية راسخة يستطيع أحيانا امتصاص الانتكاسات بما راكمه من ثقة. ولا يملك مجتبى مثل هذا المخزون. وإذا سارت الحرب على نحو سيئ، أو تدهور الاقتصاد أكثر، أو بدأت أجنحة النخبة تتنافس بصورة أكثر علنية بعد انقضاء الطوارئ، فقد تتحول محدودية قاعدته الشعبية أو المؤسسية المستقلة خارج القلب الأمني إلى عبء.

أما الكلفة الثالثة فهي استراتيجية. فبرفع شخصية ترتبط إلى هذا الحد بالوجه الأكثر تشددا في النظام، ربما يكون النظام قد قلص مرونته في لحظة يحتاج فيها إلى الخيارات أكثر من أي وقت مضى. وقد يثبت مجتبى، نظريا، أنه أكثر قابلية للتكيف مما يتوقعه كثيرون. وقد تكهن بعض المراقبين الإيرانيين والأجانب بأن قائدا يطمئن إلى دعم المتشددين قد يستخدم هذا الموقع يوما ما لإدارة إصلاح مضبوط أو تسوية تكتيكية من أعلى. لكن مثل هذه الآمال تظل افتراضية. أما المؤكد فهو أن صورته الحالية، التي تشكلت بفعل قربه من “الحرس الثوري”، وخلافته في زمن الحرب، ورمزية الاستمرارية السلالية، تجعل أي خطوة مبكرة نحو التهدئة أمرا بالغ الصعوبة سياسيا.

غير أن الحروب تنتهي في نهاية المطاف. وإذا نجت الجمهورية الإسلامية من المواجهة الحالية، وهناك أسباب مؤسسية قوية ترجح ذلك، فقد تصبح المرحلة التي تلي صمت السلاح أكثر مراحل حكم مجتبى خامنئي المبكر حسما.

عندئذ سيواجه مجتبى، ومعه التحالف من المسؤولين الأمنيين ورجال الدين والشخصيات السياسية الذين دعموا خلافته، خيارا قد يرسم مستقبل الجمهورية الإسلامية. يمكنهم أن يمضوا في المسار نفسه الذي طبع ولاية علي خامنئي، وهو مسار تتمحور استراتيجيته حول الصلابة الأيديولوجية، والمواجهة مع القوى الغربية، والضبط الداخلي الصارم للمجتمع الإيراني. وسيحفظ هذا المسار الاستمرارية مع الماضي، ومن المرجح أن يعزز “الحرس الثوري” أكثر. كما ينسجم مع نزعات من يرون في الحرب دليلا على أن التسوية تغري الخصوم بالافتراس، وأن الانضباط الداخلي الأشد وحده يمنع الانهيار. لكنه يحمل كلفة كبيرة. إذ سيطيل دورة العقوبات والعزلة والمواجهات الدورية التي ميزت علاقة إيران بالعالم الخارجي. وسيعمق اعتماد الدولة على الإكراه. ومن المرجح أن يسرع تحول الجمهورية الإسلامية إلى نسخة أفقر، وأكثر أمننة، وأكثر هشاشة من نفسها.

أما البديل فسيكون أشد صعوبة، لكنه قد يحمل طابعا تحويليا. إذ يستطيع مجتبى خامنئي أن يحاول إعادة ابتكار النظام الذي يقوده الآن عبر تخفيف تدريجي للإطار العقائدي الذي حكم السياسة الإيرانية لعقود. ولا يعني هذا التحول بالضرورة التخلي عن مبادئ الجمهورية الإسلامية الأساسية. لكنه يتطلب إعادة التفكير في افتراض أن المواجهة مع الغرب حتمية، وأن الاعتراض الداخلي نتاج تلاعب خارجي دائما. ويعني القبول بأن البقاء على المدى البعيد قد يعتمد بدرجة أقل على تعبئة دائمة ضد الأعداء، وبدرجة أكبر على إعادة بناء علاقة قابلة للحياة بين الدولة والمجتمع.

لكن هذا المسار يقتضي أيضا علاقة مختلفة مع المجتمع الإيراني نفسه. فقد أمضت الجمهورية الإسلامية قسما كبيرا من العقدين الماضيين في تشديد الضبط الأيديولوجي وتضييق الحيز السياسي للنقاش. وأي مقاربة جديدة ينبغي أن تقر بأن الاستقرار الطويل الأمد لا يمكن أن يقوم على القمع والمراقبة وحدهما. وسيغدو الإصلاح الاقتصادي، ورفع مستوى الشفافية، وتهيئة بيئة سياسية أكثر مرونة، وإعادة معايرة العقد الاجتماعي للدولة، مكونات مرجحة لأي مسعى جاد لإعادة بناء الشرعية. ولن يكون شيء من ذلك سهلا. وسيصطدم كله بمصالح راسخة، ولا سيما داخل مؤسسات ازدادت قوة في ظل الحصار.

يبقى غير واضح ما إذا كان مجتبى خامنئي يرغب في سلوك هذا المسار أو يملك القدرة على ذلك. فسجله السياسي الشخصي يقدم إشارات قليلة إلى كيفية استجابته لهذه التحديات. وسيتوقف الكثير على ميزان القوى داخل المؤسسات التي تحيط به الآن، ولا سيما “الحرس الثوري” والشبكات الدينية التي لا تزال تمتلك أدوات للتأثير في النظام السياسي الإيراني. فإذا خلصت هذه المؤسسات إلى أن الحرب برهنت على صحة نموذج الأمن أولا، فقد يظل هامش إعادة المعايرة الاستراتيجية ضيقا. أما إذا قرر فاعلون أساسيون أن البقاء صار يتطلب نهجا أكثر تكيفا وأقل أيديولوجية، فقد يصبح مجتبى في نهاية المطاف واجهة لتعديل مضبوط، لا مجرد امتداد للاستمرارية.

في الوقت الراهن، تشير الأدلة أكثر إلى التشدد لا إلى التحول. فالمنطق السياسي الذي أوصل مجتبى إلى السلطة هو منطق التماسك في زمن الحرب. والقوى المؤسسية التي تستند إليها سلطته تبلغ أقصى قوتها عندما تهيمن لغة المقاومة، وعندما يمكن إرجاء أسئلة الشرعية لصالح الضرورة. فحاجة النظام المباشرة ليست تخيل نظام جديد، بل البقاء داخل النظام القائم.

لكن البقاء ذاته قد يغير شروط النقاش في المستقبل. فإذا صمد النظام، لكنه خرج مثقلا بجراح عسكرية، واقتصاد أضعف، ومجتمع منهك، فقد يبدأ حتى المتشددون في الاختلاف حول مقدار المواجهة التي يستطيع النظام تحملها. وفي تلك البيئة، قد يجد الزعيم الذي اختير ليجسد الاستمرارية نفسه مشرفا على جدالات لا تستطيع الاستمرارية وحدها حسمها.

ما بات واضحا بالفعل أن الجمهورية الإسلامية دخلت مرحلة انتقالية لا تشبه أي مرحلة عاشتها منذ الثورة. فصعود مجتبى خامنئي يغلق أزمة التوريث الفورية ويؤكد الثقل الدائم للدولة الأمنية في النظام السياسي الإيراني. لكن الضغوط التي تواجه إيران الآن، من الحرب في الخارج إلى التململ في الداخل، تعني أن الاستمرارية وحدها قد لا تكفي لضمان مستقبل النظام.

حين تهدأ الحرب في نهاية المطاف، سيتعين على “المرشد الأعلى” الجديد وأنصاره أن يقرروا ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية تستطيع البقاء عبر السير في الطريق الذي رسمه علي خامنئي، أم إن الحفاظ على النظام سيتطلب شق مسار مختلف جذريا. وتلك هي المفارقة المركزية في صعود مجتبى خامنئي. فهو يصل إلى السلطة بصفته حارسا للاستمرارية في اللحظة نفسها التي قد تكون فيها الاستمرارية أقل كفاية. وهو يرث ليس منصب والده فقط، بل العبء المتراكم لفن حكم والده أيضا: جهازا أمنيا محصنا، وانعدام ثقة متجذرا بالغرب، واستراتيجية إقليمية متضررة لكنها لا تزال قادرة على الصمود، ومجتمعا يجمع بين الخوف والإرهاق وانعدام الاقتناع.

قد يساعد قرار وضعه في السلطة الجمهورية الإسلامية على تجاوز صدمة الحرب المباشرة. بل قد يعزز حتى قدرة النظام على الصمود تحت الحصار. لكن الصمود ليس تجديدا، والتماسك ليس تسوية. فعلى المدى القريب، يشير تعيين مجتبى إلى أن النظام ما زال قائما. أما على المدى الأبعد، فيطرح سؤالا أصعب: هل يستطيع نظام حافظ على نفسه عبر أن يصير أكثر سلالية، وأكثر عسكرة، وأشد ريبة من مجتمعه، أن يتكيف بما يكفي ليبقى في مرحلة ما بعد الحرب؟

المجلة


من هو المتحدَّى في تعيين المجتبى؟/ جلبير الأشقر
10 – مارس – 2026
إن تعيين «مجلس خبراء القيادة» في «الجمهورية الإسلامية الإيرانية» لنجل المرشد الراحل «آية الله العظمى علي خامنئي» خلفاً لوالده، هو بلا شكّ تحدٍّ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أعرب بصفاقته المعهودة عن عزمه على المشاركة في تعيين الزعيم الإيراني القادم، كما أعرب عن رفضه المسبق لمجتبى خامنئي. هذا أمرٌ بالغ الوضوح بالطبع ويشكّل «خيبة أمل» كبرى لترامب، أفصح عنها هو نفسه تعليقاً على التعيين، إذ كان ولا يزال يتوخّى من العدوان الذي شنّه على إيران بمشاركة حليفه بنيامين نتنياهو، أن يؤدّي إلى فوز من يسمّون «المعتدلين» و«الإصلاحيين» بالسلطة وإلى تغييرهم نهج النظام الإيراني بما يلبّي مشيئة واشنطن على غرار ما حصل في فنزويلا (أنظر «ما هي غاية ترامب في إيران؟»، القدس العربي، 2/3/2026).
بيد أن تعيين مجتبى خامنئي خلفاً لوالده، وهو الذي لا تتعدّى منزلته الفقهية رتبة «حجة الله» (بدأت أجهزة النظام الإعلامية تطلق عليه رتبة «آية الله» قبل الإعلان الرسمي عن تعيينه، وهو ما شكّل دليلاً على هذا التعيين)، إنما هو أيضاً في الحقيقة تحدّ لغالبية الشعب الإيراني التي لم تعد تتحمّل استمرار النظام الثيوقراطي. وقد أعربت الغالبية الشعبية قبل شهرين عن عميق سخطها من خلال أعظم انتفاضة شهدتها إيران منذ الثورة التي أطاحت بسلالة آل بهلوي في عام 1979، وقد دفعت ثمناً باهظاً لقاء جسارتها: ما بين عشرة آلاف وثلاثين ألفاً من القتلى، ومئات آلاف الجرحى، وما يزيد عن خمسين ألفاً من المعتقلين. ولمّا كان بين هتافات الانتفاضة، كما في الانتفاضة التي سبقتها خلال العقد الأخير، «الموت للدكتاتور» و«الموت لخامنئي»، فقد تعالت سريعاً في فضاء طهران خلال الليل هتافات «الموت لمجتبى».
هذا وقد أدرك الجميع أن تعيين مجتبى خامنئي «مرشداً أعلى» للجمهورية الإيرانية، بما يجعل إيران في مصفّ «الجملوكية» على منوال نظام آل الأسد السوري الذي هبّت للذود عنه، هو في المقام الأول تكريسٌ لتحكّم «فيلق حرس الثورة الإسلامية» بمصير البلاد. وقد بات الفيلق المذكور العمود الفقري للنظام الذي فقد تدريجياً من زخم ثورة 1979، بما ترافق مع تحوّل «الحرس الثوري» إلى مجمّع عسكري-اقتصادي ضخم، ينعم بامتيازات جمّة تموّلها ثروة إيران النفطية، وتزيد من شراسته في الدفاع عن استئثاره بالسلطة. والحال أن نجل علي خامنئي كان رجل الظلّ في الحكم الإيراني بتعاون وثيق مع «الحرس الثوري»، وقد تولّى أيضاً قيادة «منظمة حشد المستضعفين» (تسمية أخرى من جملة تسميات باتت مفارقات على غرار تسميات جورج أورويل في روايته الشهيرة 1984)، المعروفة باسم «بسيج»، وهي ذراع «الحرس الثوري» المدنية، تتولّى مهام قمعية في المجتمع تشبه جزئياً ما كانت تقوم به «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (المطاوعة) في المملكة السعودية قبل أن يقلّم وليّ العهد، الأمير محمد بن سلمان، أظافرها.
من حيث الشكل الرسمي، فإن «مجلس خبراء القيادة» الذي اختار مجتبى خامنئي «مرشداً أعلى» خلفاً لوالده، هو مجلسٌ منتخب بالاقتراع الشعبي العام. بيد أنه يُشترط بالمرشّحين إلى تلك الانتخابات أن يحوزوا رضى «مجلس صيانة الدستور» الذي يعيّن «المرشد الأعلى» نصف أعضائه الإثني عشر، كما يُشرف بالطبع على «انتخاب» النصف الآخر من قِبل «مجلس الشورى الإسلامي» (البرلمان الإيراني). والحقيقة أن انعدام حرية الترشّح وخضوعه لمشيئة النظام تجعل من شتى الانتخابات في إيران مرادفاً للانتخابات التي كانت تجري في سوريا آل الأسد، مع فسح مجال أكبر أمام تنافس بين أرباب النظام أنفسهم، مع حظر كافة المعارضين للنظام بعينه أو لرأس هرمه.
وقد ازدادت وطأة النظام على الشعب الإيراني مع الزمن، وهو يفرض على الشعب تضحيات لا يبتغيها في مواجهة مع الولايات المتحدة حول الوقود النووي، في بلد ينعم بثروة عظيمة من المحروقات. هذا وناهيك من أنه كان أحرى به من حيث المصلحة الشعبية أن يتعاون مع الصين على تطوير الطاقة المتجددة، من شمسية وسواها، من أن يتعاون مع روسيا، بصورة رئيسية، على التزوّد بالطاقة النووية. كما أن شعب إيران يدفع ثمن سعي النظام وراء توسّع نفوذه الإقليمي بالاستناد إلى العامل الطائفي في المقام الأول، وإلى العداء العربي لإسرائيل في المقام الثاني، بحيث إنه نجح في تكريه قسم كبير من الشعب لتلك السياسة وهو ما ينجلي في بعض الهتافات التي تطلقها الهبّات الشعبية.

خلافاً لمؤسس الجمهورية، «آية الله العظمى روح الله الخميني»، الذي لا شكّ في أن رصيده الشعبي كان عظيماً مثلما كانت مرتبته الفقهية، فإن علي خامنئي صعد إلى سدة الحكم في عام 1989 بلا أي من هاتين الصفتين، مثل حال ابنه اليوم، وذلك بنتيجة عزل «آية الله العظمى حسين علي منتظري» الذي كان ممثلاً للتطلعات الشعبوية في إيران والمرشّح الرئيسي لخلافة الخميني. وقد تم عزله من خلال تحالف بين ابن الخميني و«آية الله علي أكبر هاشمي رفسنجاني»، الذي كان داخلاً في مفاوضات مع واشنطن. هكذا فمن سخريات التاريخ أن خامنئي الأب، لعب دوراً رئيسياً في الإتيان به إلى الحكم الرجلُ الذي كان يمثّل «الاعتدال» والبراغماتية والانفتاح على الولايات المتحدة في حينه.
حصل ذلك بعد سنوات زوّدت أمريكا وإسرائيل خلالها إيران بالأسلحة وقطع الغيار لإطالة أمد مواجهتها للعراق (تجلّى التعاون من خلال ما عُرف بفضيحة «إيران-كونترا»). ومن نتائج السير على هذا النهج أن النظام الإيراني تعاون مع القوات الأمريكية في اجتياحها للعراق في عام 2003، وقد أيدته الأحزاب العراقية الموالية لطهران وانتهزت فرصته كي تستولي على الحكم في ظلّ الاحتلال الذي أشركها فيه هو ذاته في البداية. فأدّى امتداد نفوذ طهران في بغداد على حساب نفوذ واشنطن إلى تصاعد التوتّر بينهما، وقد تفاقم مع شروع النظام الإيراني في تطوير البرنامج النووي الذي ورثه عن حكم الشاه المخلوع.
أما اليوم وقد بلغت أوجّها المواجهة بين إيران والولايات المتحدة والدولة الصهيونية، حليفتها، فقد فوّت النظام الإيراني فرصة تجديد شعبيته، ولو جزئياً، من خلال تعيين «مرشد أعلى» من المعتدلين، يتفاوض على مساومة مع واشنطن، يسعى من خلالها إلى تعميق الخلاف بين ترامب ونتنياهو وإلى فسح المجال أمام التقاط البلاد لأنفاسها اقتصادياً، بل وتعدّيها للحال المزرية التي كانت قائمة قبل العدوان الأمريكي-الإسرائيلي. فإن الالتزام بالتخلّي عن تخصيب اليورانيوم (الذي لا يحتاج الحكم الإيراني إليه، إذا كان تأكيده على أن لا نية لديه لحيازة سلاح نووي صادقاً، وقد صرّح مراراً أنه يعتبر السلاح النووي سلاحاً محرّماً دينياً)، مصحوباً بالانفتاح الاقتصادي على الولايات المتحدة (وترامب وحاشيته) الذي كان المفاوضون الإيرانيون قد اقترحوه في المفاوضات التي سبقت العدوان حسبما تسرّب عنها، لكفيل لجعل ترامب ينعطف على عادته، بل ويشيد بالنظام الإيراني مثلما يشيد اليوم بنظام فنزويلا.
أما تمسّك الطاقم القيادي في النظام الإيراني، وفي «فيلق حرس الثورة الإسلامية» على الأخص، باستئثاره بالسلطة في هذه الظروف العصيبة للغاية، وتعيينه رجلاً لا يحوز على شرعية شعبية أو فقهية، فإنه أشبه برفض نظام بشّار الأسد لإجراء إصلاحات في بداية الانتفاضة السورية في عام 2011. والكلّ يعلم ما آل إليه ذلك الرفض، وهذا طبعاً بصرف النظر عمّا قد يؤدّي إليه تصعيد العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران.
*كاتب وأكاديمي من لبنان
القدس العربي


رغم وصية خامنئي بعدم التوريث لابنه.. كواليس تعيين مجتبى مرشداً جديداً لإيران وتفاصيل الخلافات الداخلية
عربي بوست
2026/03/11
في أعقاب الضربة التي أنهت حياة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، دخلت إيران واحدة من أكثر اللحظات حساسية منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، فغياب الشخصية التي حكمت البلاد لأكثر من 3 عقود فتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول كيفية إدارة انتقال السلطة داخل النظام، خاصة في ظل الحرب الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

لم يمر وقت طويل قبل أن تعلن طهران تعيين مجتبى خامنئي، الابن الثاني للمرشد الراحل، مرشداً أعلى جديداً للجمهورية الإسلامية، غير أن هذا القرار لم يكن مجرد خطوة إجرائية داخل مؤسسة الحكم، بل رافقته كواليس معقدة داخل المؤسسة الدينية والسياسية، شملت اجتماعات سرية لمجلس الخبراء، وتبايناً في مواقف بعض كبار رجال الدين حول آلية اختيار المرشد الجديد.

تكشف مصادر سياسية ودينية إيرانية لـ”عربي بوست” تفاصيل ما جرى خلف الأبواب المغلقة خلال الأيام التي أعقبت اغتيال خامنئي، بدءاً من ظروف انعقاد جلسة مجلس الخبراء بشكل عاجل وسري، مروراً بالخلافات التي ظهرت داخل المؤسسة الدينية، وصولاً إلى العوامل السياسية والأمنية التي دفعت دوائر نافذة داخل النظام إلى الدفع بتعيين مجتبى خامنئي في هذا التوقيت الحرج.

جلسة سرية لتعيين مجتبى خامنئي

أعلن مجلس الخبراء في إيران، وهو هيئة دينية منتخبة تضم 88 عضواً من كبار رجال الدين، تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى لإيران خلفاً لوالده. وتتمثل مهمة المجلس، وفق الدستور الإيراني، في اختيار المرشد الأعلى ومراقبة أدائه، مع امتلاكه صلاحية عزله إذا لزم الأمر.

وجاء الإعلان عن التعيين بعد موجة من التصريحات المتضاربة داخل المؤسسة الدينية الإيرانية بشأن ما جرى داخل المجلس. فعلى سبيل المثال، قال آية الله علم الهدى إن “التصويت تم بالفعل لاختيار مرشد أعلى جديد، وتم اتخاذ القرار النهائي وفقاً للدستور ولا يحق للأعضاء تغييره”.

في المقابل، صرح آية الله محمد مهدي مير باقري لوسائل إعلام إيرانية محلية، قبل ساعات من إعلان تعيين مجتبى خامنئي في 9 مارس/ آذار 2026، بأنه لم يتم إجراء التصويت بعد، مشيراً إلى أن بعض العقبات الإجرائية لا تزال بحاجة إلى حل قبل إعلان القرار الرسمي.

ويفسر رجل دين بارز من داخل المؤسسة الدينية الإيرانية هذا التضارب بالقول لـ”عربي بوست”، مفضلاً عدم الكشف عن هويته: “تم اتخاذ قرار عقد جلسة مجلس الخبراء لاختيار المرشد بشكل سريع للغاية وسري، وتم إبلاغ ثلثي الأعضاء فقط، وقال لنا المسؤولون الأمنيون إن هذه الإجراءات الاستثنائية جاءت بسبب ظروف تأمين أعضاء المجلس”.

وكانت إسرائيل قد استهدفت في الأيام السابقة مباني مجلس الخبراء في مدينة قم الإيرانية. وبحسب مصادر إيرانية تحدثت لـ”عربي بوست”، لم تقع خسائر بشرية لأن أعضاء المجلس كانوا يعقدون جلسة تشاورية عبر الإنترنت. وينص الدستور الإيراني على ضرورة تحقق النصاب القانوني بحضور ثلثي أعضاء مجلس الخبراء لإعلان المرشد الأعلى الجديد.

المصدر الديني نفسه أشار إلى أن بعض أعضاء المجلس أبدوا استياءهم من طريقة إعلان التعيين، قائلاً: “الأعضاء الذين لم يحضروا هذه الجلسة كانوا غاضبين من إعلان تعيين مجتبى من دون حضورهم وأخذ رأيهم، خاصة أن من بينهم من كان يعارض توريث المنصب حفاظاً على الأسس الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية”.

وأضاف المصدر ذاته خلال حديثه لـ”عربي بوست”: “الأعضاء الذين غابوا عن جلسة تعيين مجتبى خامنئي لم يتم إبلاغهم بموعد الجلسة بزعم الإجراءات الأمنية”.

لماذا توريث منصب المرشد الأعلى؟

تشير مصادر دينية إيرانية تحدثت لـ”عربي بوست” إلى أن مسألة توريث منصب المرشد الأعلى لم تكن مطروحة بشكل جدي داخل المؤسسة الدينية قبل اغتيال علي خامنئي، بل إن المرشد الراحل كان حريصاً، وفق هذه المصادر، على تجنب تحويل المنصب إلى صيغة عائلية قد تتعارض مع المبادئ التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية.

بحسب تلك المصادر، فإن علي خامنئي كان قد كتب وصيته قبل اغتياله بأشهر معدودة، وشدد فيها على عدم تعيين نجله مجتبى خليفة له، في محاولة لمنع ترسيخ فكرة توريث السلطة داخل النظام السياسي الإيراني.

ويعود هذا الموقف إلى الخلفية الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية، التي قامت بعد الثورة الإيرانية عام 1979 بقيادة آية الله روح الله الخميني، والتي أطاحت بالنظام الملكي في البلاد. ومنذ ذلك الحين حرص قادة الثورة، بمن فيهم الخميني وخامنئي، على انتقاد الحكم الوراثي في أكثر من مناسبة واعتباره نموذجاً “فاسداً” يتناقض مع مبادئ الثورة.

وفي هذا السياق، يقول رجل دين بارز مقرب من مجلس الخبراء، ورافض لتولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى، في حديثه لـ”عربي بوست”: “في العديد من المناسبات والاجتماعات المغلقة بين خامنئي الأب ورجال الدين، أكد رفضه لتوريث منصبه، وكان يؤيده في هذا الأمر الكثير من رجال الدين البارزين”.

كما أضاف المصدر ذاته أن مجلس الخبراء اقترح على خامنئي العديد من أسماء المرشحين لخلافته، “لكنه اكتفى بتحديد الشروط اللازمة لاختيار خليفته، والتي كان من أبرزها أن يكون المرشح مخلصاً لقيم الجمهورية الإسلامية والقيم الثورية، وسبق له أن تولى منصباً منتخباً”.

لكن الظروف الاستثنائية التي أعقبت اغتيال خامنئي، خصوصاً اندلاع المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أعادت ترتيب أولويات النخبة السياسية داخل النظام.

ويقول مصدر سياسي من التيار الأصولي لـ”عربي بوست”: “لولا الحرب ما كان التوريث. قبل اغتيال خامنئي كان هناك شخصيات بارزة في المؤسسة السياسية رافضة لتولي مجتبى الحكم، ولكن تم إسكاتها الآن بحجة أن إيران تحتاج إلى قائد يكمل مسيرة خامنئي الأب، ويكون على دراية كاملة بشؤون الحكم الداخلي”.
دوافع اختيار مجتبى خامنئي

حددت المصادر السياسية والدينية الإيرانية التي تحدثت لـ”عربي بوست” 3 عوامل كانت وراء الدافع لاختيار مجتبى خامنئي لخلافة أبيه:

تحدي الولايات المتحدة وإسرائيل

يقول سياسي إيراني بارز من التيار الأصولي لـ”عربي بوست”: “وصف ترامب مجتبى خامنئي بأنه أسوأ اختيار لإيران، وقال إنه يريد أن يشارك في هذه العملية، كما هددت إسرائيل باغتياله. كل هذه الأمور دفعت القيادات العسكرية والأمنية الإيرانية إلى اختيار مجتبى كتحدٍ لواشنطن وتل أبيب”.

السياسي الإيراني أكد أيضاً أنه “صحيح أن تأمين مجتبى سيكون أصعب بعد إعلانه قائداً لإيران، ولكن بعض قادة الحرس وكبار المسؤولين الأمنيين الذين تربطهم علاقة قوية بمجتبى رأوا أن تعيينه سيكون بمثابة إرسال رسالة تحدٍ للأعداء”.

إغلاق الباب أمام التنافس الداخلي

في هذا الصدد، أشار مصدر “عربي بوست” إلى أنه بعد اغتيال خامنئي الأب كان هناك الكثير من التنافس بين الفصائل السياسية حول اختيار خليفة خامنئي.

وقال: “بدأت حدة التنافس في الازدياد، كل فصيل يريد الدفع بمرشحه المفضل، وإذا تم ترك الباب مفتوحاً أمام هذا التناحر فهذا سيؤدي إلى إضعاف الجبهة الداخلية، مما يؤثر على التماسك الداخلي في مواجهة الضغوط العسكرية الخارجية”.

ويقول مصدر سياسي آخر مقرب من مكتب المرشد الأعلى لـ”عربي بوست”: “اختيار مجتبى جاء لإسكات كل الأصوات المتنافسة، لأننا في وقت غير عادي. نمر بأكبر تهديد وجودي، ولا مجال للتنافسات السياسية الداخلية، فكان لا بد من تدخل حاسم لإعلان قائد يستكمل مسيرة خامنئي”.

ضغط الدولة العميقة

لطالما كان مجتبى خامنئي مقرباً من الدوائر الأمنية والعسكرية، كما أنه كان يدير مكتب والده، المؤسسة السياسية الهائلة التي يُنظر إليها باعتبارها الحكومة غير المنتخبة والتي تمثل الدولة العميقة في إيران.

وفي هذا السياق، يقول المصدر السياسي المقرب من مكتب المرشد الأعلى لـ”عربي بوست”: “مجتبى هو اختيار الدولة العميقة في المقام الأول. إنه على دراية بكل خفايا سير المؤسسة السياسية ويمتلك داعمين أقوياء في المؤسسات الأمنية والاستخباراتية، كما أنه الوحيد القادر على الحفاظ على المصالح السياسية والاقتصادية لأصحاب النفوذ في المؤسسة السياسية الإيرانية”.
تماسك النظام مقابل الأيديولوجية

يرى بعض المراقبين أن قرار تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى لإيران يعكس تحولاً في أولويات النخبة الحاكمة داخل الجمهورية الإسلامية، حيث جرى تغليب الاعتبارات المتعلقة بالحفاظ على تماسك النظام واستقراره على النقاشات الأيديولوجية التي لطالما شكلت أحد أعمدة الخطاب السياسي للنظام منذ قيام الثورة عام 1979.

وفي هذا السياق، يعلق المحلل السياسي المقرب من المؤسسة السياسية الإيرانية رضا أحمديان على اختيار مجتبى خامنئي، واصفاً القرار بأنه “اختيار تماسك النظام على حساب الاتساق العقائدي والأيديولوجي”.

ويقول أحمديان في حديثه لـ”عربي بوست”: “الأزمة الحالية التي تمر بها إيران كانت هي الدافع الأكبر لصعود مجتبى إلى الحكم، من أجل ترسيخ النظام بدلاً من المغامرة بتفكيكه في الوقت الحالي”. ويضيف موضحاً أن دوائر القرار داخل طهران تنظر إلى اللحظة الراهنة باعتبارها لحظة دفاع عن النظام أكثر من كونها فرصة لإعادة تشكيله سياسياً.

وقال أحمديان: “يرى قادة إيران الحاليون أن هذه اللحظة هي لحظة تعزيز مركزية المؤسسات والشبكات التي لطالما حافظت على هذا النظام، وليست لحظة إفساح المجال لتجديد دماء الحكم أو فتح الباب أمام التنافس السياسي”.

ويختتم أحمديان حديثه بالإشارة إلى أن تداعيات هذا القرار قد تظهر لاحقاً على المستويين السياسي والاجتماعي، لكنه يرى أن حسابات القيادة الإيرانية تركز حالياً على إدارة الأزمة القائمة.

ويقول: “بالطبع سيكون هناك تداعيات لاختيار مجتبى سواء سياسية أو اجتماعية لم تتبلور إلى الآن، ولكن في اللحظة الراهنة، وفي ظل الأزمة غير المسبوقة التي تمر بها الجمهورية الإسلامية، فإن الحفاظ على النظام والتماسك الداخلي وتأجيل التوترات السياسية والاجتماعية أهم من مناقشة النتائج على المدى البعيد”.


من الغيبة إلى السيادة: المسار التاريخي والفكري لولاية الفقيه/ مصطفى علّوش
الخميس 2026/03/12

“دا شيعه واحنا سنّة دا فين ومصر فين عـايزين يدخلونا نظام ودنك منين

وناس تقول شيوعي وعامل نفسه شيعي عشان خايفين طبيعي ليبقوا ثورتين” (أحمد فؤاد نجم)

بدأت كلامي بشعر أحمد فؤاد نجم لإبراز تأثر اليسار العربي بثورة الخميني، على أساس أنها أعطت المخرج الإسلامي للأزمة الوطنية الثقافية في العالم الإسلامي في النصف الثاني من القرن العشرين.

أما بعد، فقد تبدو نظرية ولاية الفقيه اليوم، بعد أكثر من أربعة عقود على قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، كأنها جزء ثابت من البنية الفكرية والسياسية للتشيع الإثني عشري. غير أن النظرة التاريخية تكشف أن هذه النظرية لم تكن في الأصل عقيدة مركزية في الفقه الشيعي، بل هي نتيجة تطور طويل بدأ مع غيبة الإمام الثاني عشر، وتدرج عبر مراحل فقهية وسياسية متعددة، قبل أن يتحول في القرن العشرين إلى مفهوم للسيادة السياسية الكاملة مع الإمام الخميني، في فهم هذا التحول يتطلب العودة إلى جذوره الأولى في الفكر الشيعي، مرورًا بدور فقهاء جبل عامل، والدولة الصفوية، ثم التحولات السياسية الحديثة في إيران، ولا سيما فشل تجربة محمد مصدق التي أعادت إحياء فكرة الحكم الديني، بوصفها بديلًا عن الدولة الوطنية العلمانية.

إشكالية السلطة بعد الغيبة

بدأت المشكلة الأصلية مع غيبة محمد المهدي، الابن الافتراضي للإمام حسن العسكري الحادي عشر في ترتيب الأئمة، وذلك سنة 874م. فالعقيدة الشيعية الإثنا عشرية تقوم على وجود إمام معصوم يمثل المرجعية الدينية والسياسية العليا للمجتمع الإسلامي. ومع اختفاء الإمام الثاني عشر، دخل الفكر الشيعي فيما يعرف بعصر الغيبة الكبرى، وهو عصر يقوم على الاعتقاد بوجود الإمام لكنه غائب عن إدارة شؤون العالم. لكن هذا الغياب خلق معضلة فقهية وسياسية عميقة هي من يملك الشرعية لقيادة المجتمع في غياب الإمام المعصوم؟

في القرون الأولى بعد الغيبة، مال معظم الفقهاء الشيعة إلى موقف حذر يمكن وصفه بتعليق الشرعية السياسية. فالسلطة الحقيقية، في نظرهم، لا يمكن أن تكون إلا للإمام المعصوم، وأي حكم آخر يظل ناقص الشرعية. لذلك انحصر دور الفقهاء في وظائف محدودة مثل الإفتاء والقضاء وتنظيم الحياة الدينية. بهذا المعنى، كان الفقيه يمثل مرجعية دينية واجتماعية، لا سلطة سياسية. وكانت الفكرة السائدة أن إقامة دولة شرعية كاملة يجب أن تنتظر عودة الإمام.

التأسيس الفقهي الأول: محمد بن مكي الجزيني

بالرغم من هذا الحذر الفقهي، شهدت القرون اللاحقة توسعًا تدريجيًا في صلاحيات العلماء. ومن أبرز الشخصيات التي لعبت دورًا مهمًا في هذا التطور الفقيه اللبناني محمد بن مكي الجزيني، المعروف في التراث الشيعي بلقب “الشهيد الأول”. وُلد الجزيني في جبل عامل في القرن الرابع عشر، وكان أحد أبرز فقهاء الشيعة في العصر المملوكي. في كتابه الشهير اللمعة الدمشقية، تناول مسألة دور الفقيه في زمن غيبة الإمام، ووسّع مفهوم النيابة الفقهية. ومن النصوص التي تُظهر هذا التوجه قوله إن الفقيه العادل الجامع للشرائط يمكنه أن يتولى القضاء وتنفيذ بعض الأحكام الشرعية في زمن الغيبة بوصفه نائبًا عن الإمام. ويُستشهد في هذا السياق بعبارة منسوبة إليه في الفقه الإمامي مفادها أن الفقيه الجامع للشرائط يقوم مقام الإمام في إقامة بعض الأحكام الشرعية عند تعذر حضوره.

لكن من المهم التأكيد أن الجزيني لم يطرح فكرة حكم الفقيه للدولة. فحديثه كان يدور حول وظائف دينية وقضائية داخل مجتمع لا يملك دولة شيعية. ومع ذلك شكّل هذا التوسع خطوة أساسية في الطريق الطويل الذي سيقود لاحقًا إلى نظرية ولاية الفقيه.

التحول السياسي مع الدولة الصفوية

المرحلة التالية من تطور الفكرة جاءت مع قيامالإمبراطورية الصفوية في إيران مطلع القرن السادس عشر على يد إسماعيل شاه. أعلن الصفويون التشيع الإثني عشري مذهبًا رسميًا للدولة، وهو قرار غيّر تاريخ المنطقة. غير أن هذا القرار واجه مشكلة أساسية، فالصفويون كانوا حكامًا سياسيين لا فقهاء دينيين، وكانوا بحاجة إلى شرعية فقهية. لهذا استُدعي عدد من علماء الشيعة من مناطق مختلفة، خصوصًا من جبل عامل في لبنان. ومن أبرزهم الفقيه علي الكركي الملقب بالمحقق. طرح الكركي فكرة أن الفقهاء يمثلون نواب الإمام الغائب في إدارة الشؤون الدينية. وبذلك حصل نوع من التوازن بين السلطة السياسية والسلطة الدينية فصار السلطان يحكم الدولة والفقيه يمنحه الشرعية الدينية. بهذا المعنى، لم يكن الفقيه صاحب السيادة، لكنه أصبح مصدر الشرعية. وهذا ما كان يشابه، إلى حد ما، واقع السلطات في أوروبا بين الملوك والبابا، مع العلم أن الصفويين كانوا على حلف وثيق مع الغربيين في مواجهة السلطنة العثمانية. كانت هذه خطوة مهمة في تحول الفقه الشيعي من موقف الانتظار السياسي إلى المشاركة في إدارة الدولة، ولو بشكل غير مباشر.

توسع النظرية في الفقه المتأخر

في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تطورت الفكرة أكثر مع بعض الفقهاء الذين بدأوا يتحدثون عن صلاحيات أوسع للفقهاء. ومن أبرز هؤلاء الفقيه الإيراني أحمد النراقي. في كتابه “عوائد الأيام” طرح النراقي فكرة مفادها أن للفقيه صلاحيات واسعة في زمن الغيبة، بل ذهب إلى القول إن للفقيه كل ما للإمام من ولاية ما لم يثبت اختصاصه به.كانت هذه الصياغة خطوة فقهية مهمة لأنها نقلت الفقيه من مجرد عالم ديني إلى حامل محتمل للسلطة العامة. ومع ذلك بقيت النظرية في إطار الفقه النظري ولم تتحول إلى مشروع دولة. لكن في القرن العشرين دخلت إيران مرحلة جديدة من الصراع بين الدولة الوطنية الحديثة والقوى الدينية. وكان أبرز تعبير عن هذا الصراع تجربة حكومة رئيس الوزراء محمد مصدق. إذ قاد مصدق في بداية الخمسينيات مشروعًا وطنيًا يهدف إلى تأميم النفط الإيراني وتقليص نفوذ القوى الأجنبية. لكنه كان أيضًا يمثل نموذجًا لدولة قومية دستورية تعتمد على البرلمان والمؤسسات المدنية.

عام 1953 أطاح انقلاب مدعوم من الولايات المتحدة وبريطانيا بحكومته، في حدث أصبح أحد أهم المنعطفات في التاريخ السياسي الإيراني. لم يكن سقوط مصدق مجرد تغيير حكومي، بل كان لحظة فقدان ثقة عميقة في إمكانية بناء دولة وطنية مستقلة داخل النظام الدولي. فقد رأى كثير من الإيرانيين أن التجربة الدستورية يمكن إسقاطها بسهولة عندما تتعارض مع مصالح القوى الكبرى. في هذا السياق بدأ جزء من التيار الديني يرى أن الحل لا يكمن في الدولة الوطنية العلمانية، بل في استعادة نموذج إسلامي للسلطة قادر على مواجهة الهيمنة الخارجية. هنا بدأت فكرة ولاية الفقيه تكتسب معنى سياسيًا جديدًا.

لكن بين لحظة سقوط حكومة مصدق وبين التحول الفقهي الذي قاده لاحقًا الخميني، ظهرت شخصية فكرية لعبت دورًا حاسمًا في إعادة صياغة الوعي السياسي الديني في إيران، وهي المفكر وعالم الاجتماع علي شريعتي. فقد حاول في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين إعادة تفسير التشيع بوصفه أيديولوجيا تحررية قادرة على مواجهة الاستبداد الداخلي والهيمنة الأجنبية. وفي محاضراته الشهيرة في حسينية الإرشاد في طهران، قدّم قراءة جديدة للتاريخ الشيعي تقوم على التمييز بين ما سماه “التشيع العلوي” بوصفه تشيع الثورة والعدالة، و”التشيع الصفوي” الذي تحوّل، في نظره، إلى دين طقوسي يخدم السلطة. وقد أعاد شريعتي تفسير ثورة الإمام الحسين في كربلاء بوصفها نموذجًا دائمًا لمقاومة الظلم السياسي، وهو ما جعل الخطاب الشيعي يتحول من سردية تاريخية إلى خطاب تعبئة اجتماعية وسياسية. وبذلك أسهم شريعتي في نقل التشيع من إطار الفقه التقليدي إلى مجال الأيديولوجيا الثورية، ونجح في جذب جيل واسع من الطلاب والمثقفين الذين كانوا يترددون بين الماركسية والقومية. وفي هذا المعنى يمكن القول إن شريعتي لم يطرح نظرية ولاية الفقيه، لكنه مهّد المناخ الثقافي الذي جعل الإسلام السياسي يبدو بديلاً تاريخيًا للدولة الوطنية التي فشلت بعد تجربة مصدق.

في الوقت نفسه كانت أفكار المفكر المصري ومرشد الإخوان المسلمين سيد قطب تنتشر في العالم الإسلامي. فقد طرح قطب مفهوم الحاكمية لله وانتقد الأنظمة السياسية التي تستمد شرعيتها من الدولة الحديثة أو القومية. رغم أن هذا الفكر نشأ في سياق سني، فإن تأثيره الفكري تجاوز الحدود المذهبية. فقد أعاد طرح فكرة الدولة الإسلامية بوصفها بديلًا حضاريًا للنظام السياسي القائم. في هذا المناخ الفكري بدأت فكرة ولاية الفقيه تأخذ بعدًا سياسيًا جديدًا داخل الفكر الشيعي.

الخميني وتحويل الفقه إلى سيادة

الشخصية التي أعادت صياغة النظرية بشكل جذري كانت روح الله الخميني. ففي محاضراته التي نُشرت لاحقًا تحت عنوان الحكومة الإسلامية سنة 1970، قدم الخميني حجة بسيطة لكنها كانت ثورية مفادها هو أن الإسلام ليس دينًا روحيًا فقط بل نظام شامل للحياة وأن تطبيق الشريعة يتطلب وجود دولة. وبما أن الإمام المعصوم غائب، وجب أن يتولى الفقيه قيادة الدولة بوصفه نائبًا عن الإمام. بهذا المنطق تحولت النيابة الفقهية إلى سيادة سياسية كاملة ولم يعد الفقيه مجرد مرجع ديني، بل أصبح الحاكم الأعلى للدولة.

بعد اندلاع الثورة في إيران وسقوط نظام الشاه سنة 1979، أصبحت ولاية الفقيه جزءًا من الدستور الإيراني. فقد أُنشئ منصب المرشد الأعلى الذي يجمع بين السلطة الدينية والسياسية. ويتمتع هذا المنصب بصلاحيات واسعة تشمل القيادة العليا للقوات المسلحة والإشراف على السلطة القضائية وتعيين كبار المسؤولين وتوجيه السياسات العامة للدولة. وبذلك تحولت نظرية فقهية نشأت في سياق نقاشات دينية حول غيبة الإمام إلى بنية سيادية للدولة الحديثة.

هنا، إذا نظرنا إلى المسار التاريخي للفكرة نلاحظ مفارقة لافتة. فالتشيع الكلاسيكي كان يميل إلى تعليق السياسة بانتظار عودة الإمام. أما نظرية ولاية الفقيه فقد فعلت العكس تمامًا إذ حولت الغيبة نفسها إلى أساس للسلطة.يمكن تلخيص هذا التحول في ثلاث مراحل، فالغيبة تعني تعليق الشرعية السياسية، والنيابة الفقهية تعني توسع محدود في صلاحيات العلماء أما السيادة الفقهية تعني أن الفقيه يصبح الحاكم الأعلى للدولة.

في الختام، إن ولاية الفقيه ليست مجرد نظرية فقهية، بل هي نتيجة تفاعل طويل بين الفكر الديني والتاريخ السياسي. فقد بدأت بوصفها محاولة فقهية لإدارة المجتمع في زمن غياب الإمام، ثم تحولت تدريجيًا إلى مصدر للشرعية في الدولة الصفوية، قبل أن تعود إلى الواجهة في القرن العشرين في سياق أزمة الدولة الوطنية بعد سقوط مصدق. مع الثورة الإيرانية، اكتملت هذه الرحلة التاريخية حين أصبحت الولاية أساسًا لنظام سياسي كامل. وهكذا تحولت فكرة دينية نشأت في سياق الغياب إلى نظرية سياسية تقوم على التمثيل الكامل للسلطة في زمن الغيبة. وهذا التحول يوضح كيف يمكن للأفكار الفقهية، التي تبدو في البداية محدودة النطاق، أن تتحول مع تغير الظروف التاريخية إلى مفاهيم للسيادة تعيد تشكيل الدولة والمجتمع
المدن


صحيفة عبرية.. إسرائيل: ماذا قصد أردوغان بـ “الشبكات المتعطشة للدماء؟
إن إغلاق مضيق هرمز والتقارير التي تفيد بزرع ألغام في الممر التجاري في الخليج الفارسي، وهجوم بمسيرة على ناقلة نفط في ميناء عُمان، واستمرار إطلاق النار على الإمارات، وإغلاق منشآت الغاز في قطر، وخفض إنتاج النفط في العراق بنسبة 60 في المئة… كل ذلك يندرج ضمن إطار حرب الاستنزاف التي تشنها إيران في الأيام الأخيرة. تستند استراتيجيتها إلى تقييم يبدو منطقياً، يفيد بأن الضرر الذي لحق بممرات الملاحة في الخليج الفارسي لم يتسبب فقط في ارتفاع أسعار النفط وانهيار بعض أسواق الأسهم، بل قد يحدث سلسلة من ردود الفعل، حيث ستؤثر أسعار النفط على أسعار الكثير من السلع الاستهلاكية الأخرى وتزيد التضخم في دول كثيرة في المنطقة وتخفض مستوى المعيشة، لا سيما في الدول الفقيرة – كثير منها في الشرق الأوسط – وربما تثير بعد ذلك احتجاجات واضطرابات مدنية.

بهذه الطريقة تقدر إيران أن بإمكانها استخدام ضغط كبير على ترامب الذي دعا إلى حرب قصيرة جداً. إضافة إلى ذلك، هذا سيجبره على التفاوض مع النظام الذي سعى إلى إسقاطه وبشروط تعيد لإيران قوتها كقوة عظمى. وقد أوضح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هذا الموقف عندما صرح الثلاثاء بأن بلاده لا تسعى إلى وقف إطلاق النار، بل إلى الدفاع والانتقام. في غضون ذلك، غرد الأمين العام للمجلس الأعلى القومي علي لاريجاني: “حتى الذين هم أقوى منك (بالإشارة إلى ترامب) لم ينجحوا في إرادة الأمة الإيرانية، احذر من أن تباد أنت نفسك”.

شرط إيران المسبق لأي مفاوضات الآن هو الالتزام بوقف إطلاق النار، وضمان عدم تعرض إيران لهجوم آخر. كان هذا أحد الشروط الأساسية التي وضعتها إيران في جولات المفاوضات السابقة بشأن اتفاق نووي جديد. ولكن بينما كان من المفترض أن يكون الالتزام بعدم الهجوم جزءاً من اتفاق شامل في تلك المفاوضات، يبدو الآن أن إيران تقدر بأنها تستطيع الفصل بين قسمي المفاوضات: اتفاق عدم اعتداء يؤدي إلى وقف إطلاق النار، ومحادثات لاحقة، في زمان ومكان تحدده إيران، حول هذه القضايا.

ملخص إيراني مؤقت لنتائج الحرب بعد 13 يوماً يظهر أنه رغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بمؤسسات النظام، واغتيال عشرات المسؤولين الكبار وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وقصف المنشآت النووية وقواعد الصواريخ وأماكن إنتاجها، وشل بعض الاتصالات العسكرية بشكل أدى إلى تعطيل سلسلة القيادة – لكن النظام لم يسقط ولم تندلع الاحتجاجات مجدداً، وما زالت الشوارع تخضع لسيطرة مشددة من قبل قوة الباسيج والشرطة والحرس الثوري. وفي الوقت نفسه، استكملت عملية اختيار المرشد الأعلى الجديد، رغم أن المرشد مجتبى خامنئي لم يبدأ عمله بعد بسبب إصابته.

ترى إيران أنها قد رسخت توازناً إقليمياً جديداً للرعب. ويوضح قرارها مهاجمة دول الخليج الجارة التي تشمل شركاء تجاريين هامين مثل الإمارات وقطر وسلطنة عمان، إضافة إلى السعودية والبحرين والكويت – التي سعت بجهد لبناء علاقات اقتصادية ودبلوماسية معها في السنوات الأخيرة – طبيعة التهديد. وقد ثبت خط تقييمها السابق بأن دول الخليج وبسبب علاقاتها الوثيقة مع الإدارة الأمريكية والاستثمارات الكبيرة التي قدمتها وتعهدت بتقديمها لأمريكا والعلاقات الودية بين قادتها وترامب ستشكل درعاً واقياً لها.

وقد فشلت هذه الدول في منع حرب الـ 12 يوماً في حزيران الماضي، ولم توقف الهجوم الحالي. وكان رد فعل دول الخليج متراخياً إزاء الهجمات واسعة النطاق التي تعرضت لها، بما في ذلك الإمارات، الشريكة الثانية لإيران، التي عانت من هجمات بمسيرات وصواريخ أكثر مما عانت منه إسرائيل في البداية؛ وقطر الشريكة في أكبر حقل غاز في العالم. والآن تستطيع إيران أن “تثبت” لهم بأنهم هم الذين بحاجة إلى درع واق. لم تشكل هذه الدول “التحالف العسكري” الذي كان من المفروض أن يكون محوراً أمريكياً إسرائيلياً عربياً ضد إيران. فقد تحول اعتمادها على الدفاع الأمريكي والتواجد العسكري الأمريكي في أراضيها إلى “شعور زائف بالأمان”. والسلاح الكثير الذي حصلت عليه من الولايات المتحدة ودول أخرى لا فائدة منه، بل أصبح دون جدوى. من الآن فصاعداً سيتعين عليها إعادة النظر في استعدادها الأمني والسياسي.

في هذا السياق، يعتبر التميز الذي وضعته إيران باختيار أهدافها أمراً هاماً جداً. فبينما تمطر إيران دول الخليج بنيرانها، بقيت تركيا حتى الآن بعيدة عن أي أذى يذكر. في الحالتين اللتين أطلقت فيهما صواريخ في المجال الجوي التركي، واعترضتها أنظمة الدفاع التابعة لحلف الناتو، سارعت إيران إلى نفي مسؤوليتها عن إطلاق النار، وهو النفي الذي دحضته تركيا.

حسب تفسير تتناقله مصادر تركية، فقد استعدت إيران لاحتمالية فصل أجزاء من الجيش والحرس الثوري عن القيادة. لذلك، قسمت الوحدات القتالية إلى 6 – 7 مراكز مستقلة تعمل بحسب أوامر معدة مسبقاً. ويبدو أن هذه الأوامر شملت أيضاً مهاجمة قواعد أمريكية في تركيا. وحسب هذا التفسير، فقد أطلقت وحدة من هذه الوحدات المستقلة الصواريخ دون معرفتها عن تغيير السياسة من قبل صانعي القرار الإيرانيين.

مع ذلك، ينبغي أن يثير هذا التفسير قلق تركيا، إذ يوضح أنها كانت جزءاً من “بنك الأهداف” المخطط لها. وهناك عدة تفسيرات تكتيكية لامتناع إيران عن مهاجمة تركيا، منها الإدراك بأن قوة تركيا العسكرية تفوق قوة الدول العربية. إضافة إلى ذلك، هذا قد يدفع تركيا إلى حشد دول الناتو لمساعدتها، ما سيوسع نطاق الهجمات ضدها.

تضم قاعدة انجرليك في تركيا سلاحاً نووياً تحت رقابة أمريكية. وتتشارك تركيا وإيران مصلحة مشتركة في محاربة نزعة الأكراد الانفصالية، وتعتبران التنظيمات الكردية المسلحة تهديداً لأمنهما القومي. وقد تصبح تركيا الآن وجهة لمئات آلاف الإيرانيين الذين يرغبون في الهرب من الحرب.

مع ذلك، وبغض النظر عن هذه الاعتبارات العملية، فإن إيران تخطط بالفعل لما بعد الحرب. ففي ذلك اليوم، يتوقع أن تعيد دول الخليج، رغم عدم مشاركتها في الحرب وتعهدها مثل تركيا بعدم السماح باستخدام أراضيها لمهاجمة إيران، النظر في سياستها تجاه إيران. عند هذه النقطة قد تصبح تركيا البديل المحتمل للشراكة الاقتصادية القائمة، وربما تشكل أيضاً قوة دعم سياسية وأمنية.

لقد وصفت تركيا في إيران بأنها “الدولة التي خانت إيران” عندما ساعدت، بل وخططت، بحسب إيران، لإسقاط نظام الأسد بقيادة أحمد الشرع. تركيا حليفة لأمريكا، لكنها ساعدت إيران أيضاً في الالتفاف على العقوبات الأمريكية، وتطورت العلاقة بين الدولتين بشكل كبير عندما ساعدت قطر في مواجهة الحصار الذي فرضته عليها السعودية والإمارات والبحرين ومصر في الأعوام 2017 – 2021.

لعبت تركيا دوراً رئيسياً في استئناف المفاوضات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة. ورغم أن إيران فضلت في نهاية المطاف عقد المحادثات في عُمان بدلاً من إسطنبول، إلا أن تركيا استمرت في لعب دور الوسيط من وراء الكواليس. تركيا حليفة لأمريكا، لكنها خلافاً لكل دول الخليج، تكن العداء لإسرائيل وتخوض صراعاً من أجل الهيمنة الإقليمية ضدها.

في هذا السياق، يجدر الانتباه إلى تصريحات أردوغان. ففي اجتماع لحزب العدالة والتنمية أمس، قال بصراحة: “لقد شنت إسرائيل مؤخراً حرباً على الجارة إيران، وألحقت أضراراً جسيمة، وفي الوقت الذي كانت فيه إمكانية حل المشكلات من خلال المفاوضات قائمة، أدت الحسابات الخاطئة وسوء التقدير، وبالطبع استفزازات الشبكات المتعطشة للدماء، إلى إغراق المنطقة مجدداً في دوامة الدماء والعنف”. ما هي هذه الشبكات المتعطشة للدماء التي يتحدث عنها أردوغان؟

وقال أردوغان: “نحن ندرك النوايا الحقيقية من وراء الحملات التي تديرها اللوبيات المعادية لتركيا، ولن ننجر إلى ألاعيبها. تركيا الآن تختلف كلياً عن تركيا أمس. فقد انتقلت من الدور السلبي إلى دور الدولة التي تغير قواعد اللعب”. هكذا يسعل فهم من كان يقصد.

لكن هذه التقييمات والاعتبارات تعتمد كالعادة على التغريدة القادمة التي سينشرها ترامب. فإذا قرر انتهاء الحرب بانتصار له، وأن كل ما يحتاجه الآن ورقة للتوقيع، فيمكن الافتراض بأن تركيا هي التي ستقدم الطاولة والقلم والورقة.

تسفي برئيل

هآرتس 12/3/2026
القدس العربي


هل تستخدم إيران تحالفها مع “القاعدة” في الحرب؟
تفاهمات طهران مع الجماعة الجهادية السلفية قد تعرض الأهداف الغربية والإسرائيلية للخطر
الخميس 12 مارس 2026
كشف تقرير لصحيفة “التايمز” أن تحالفاً بين إيران وتنظيم “القاعدة” بدأ قبل أكثر من عقد، يمكن أن تستغله طهران في سياق الحرب التي تخوضها مع أميركا وإسرائيل، ولكن يصعب التنبؤ بجدوى هذا الرهان وفقاً لمراقبين ومتخصصين.

قبل ما يزيد قليلاً على عقد من الزمن، أجريت عملية تبادل أسرى سرية، أطلقت إيران سراح خمسة من كبار قادة تنظيم “القاعدة”، وفي المقابل أطلق فرع التنظيم الجهادي في اليمن سراح دبلوماسي إيراني مختطف. انضم 3 من قادة “القاعدة” إلى القتال ضد بشار الأسد في سوريا، وقُتلوا واحداً تلو الآخر. أما الاثنان المتبقيان، وكلاهما مصريان، فقد اختفيا عن الأنظار نتيجة قرار لم يكن مفهوماً لخبراء مكافحة الإرهاب.

يقول تقرير لصحيفة “التايمز” إن القياديين المتبقيين اختارا البقاء في إيران كرجال أحرار، وقد عززت العملية ككل تحالفاً بين الجماعة الجهادية السنية والنظام الإيراني الشيعي بدأ في أعقاب أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، عندما فر الناجون في “القاعدة” من أميركا وهجوم حلف “الناتو” في أفغانستان، وليس من الواضح أي ثمار قد تحصدها طهران الآن من ذلك التحالف، بعد أن تعرضت إلى هجوم من أميركا وإسرائيل.

الرجلان اللذان اختارا إيران عام 2015 هما أبو محمد المصري وسيف العادل، وهو ضابط سابق في القوات الخاصة المصرية أصبح في وقت ما ثالث قادة “القاعدة” بعد أسامة بن لادن ونائبه أيمن الظواهري. رأى الرجلان في إيران حليفاً محتملاً أو ربما راعياً لحربهما ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما اعتبرهم الإيرانيون ورقة يمكن لعبها ضد أعدائهم، فضلاً عن كونهم ضمانة بأن “القاعدة” لن تهاجم إيران نفسها.

قال آرون زيلين، الخبير في الجماعات الجهادية والزميل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: “كانت طريقة للضغط على تنظيم “القاعدة” حتى لا يتعرض الإيرانيون للهجوم”، وأضاف زيلين أن الجماعة كانت بمثابة “قطعة شطرنج” في لعبة إيران الإقليمية الأكبر ضد الولايات المتحدة. “أعتقد أنها كانت طريقة لإثارة غضب الولايات المتحدة، وكأنها تقول: ‘إذا تعاونتم معنا، يمكننا مساعدتكم أيضاً”.

بدا قرار البقاء في إيران غير منطقي بالنسبة لقياديين في جماعة جهادية تعتبر الشيعة زنادقة وإيران “قرن الشيطان الآخر”، كما يصف بعض السلفيين إيران إلى جانب إسرائيل. لكن كما قال أحد المقربين من العادل حينها، كان المصري في البداية متأثراً بالثورة الإيرانية عام 1979، وعلى عكس العديد من رفاقه، كان يعتقد أنه وإيران يقاتلان في الخندق نفسه ضد “أعداء” المسلمين الرئيسيين: إسرائيل وأميركا.

اعتقد الاثنان أنهما أكثر أماناً في إيران مقارنة بأفغانستان وسوريا، وقد ثبت صحة اعتقادهما، فبالنسبة للسجناء الثلاثة الآخرين الذين تحرروا في التبادل ذاته، فسرعان ما استهدف صاروخ أميركي أبو الخير المصري أثناء سفره بسيارة في إدلب السورية، كذلك قتل ساري شهاب، لاحقاً في انفجار غامض في المدينة ذاتها، وتوفي خالد العروري في غارة أميركية بطائرة من دون طيار في المنطقة نفسها بعد عامين.

قال مسؤول أمني غربي إن الحرس الثوري الإيراني سمح للعادل بالسفر إلى سوريا للمساعدة في تنظيم وجود “القاعدة” هناك، لكن مقرباً من العادل نفى ذلك. قال: “سوريا تكشف كل شيء، لو وطأت قدما العادل أرض البلاد لقتله الأميركيون”. لكنهم لم يكونوا آمنين تماماً في إيران أيضاً، فنيابة عن الولايات المتحدة، تعقب عملاء الموساد الإسرائيلي أبو محمد المصري في طهران وأطلقوا عليه النار وقتلوه عام 2020.

كان العادل آخر من بقي على قيد الحياة من تلك المجموعة من السجناء، عندما قتلت الولايات المتحدة بن لادن في 2011، تولى القيادة لفترة وجيزة قبل أن يسلمها إلى الظواهري، وبعد اغتيال الأخير على يد أميركا في أفغانستان عام 2022، أصبح العادل الزعيم المطلق لـ”القاعدة”، وكانت إيران مقره الرئيسي.

نقلت “التايمز” عن مسؤولين أن تنظيم “القاعدة” يتعاون بشكل متزايد في اليمن مع الحوثيين المدعومين من إيران، كما هي الحال مع “حركة الشباب”، الجماعة التابعة للتنظيم في الصومال. وقد نشرت قنوات التواصل التابعة لـ”القاعدة” رسائل دعم لإيران في الحرب، وقد تميل أي خلايا أو أتباع متبقين لديهم إلى المضي قدماً في خطط مهاجمة أهداف غربية.

قد لا تكون “القاعدة” في النهاية “قطعة شطرنج” مهمة لإيران، فقد تضاءلت صفوفها وتحولت معظم الجماعات التابعة لها إلى حركات تمرد محلية، مما يعني أن التنظيم لم تعد يشكل التهديد الذي كانت يمثله في السابق.

يقول فارزان سابت، الخبير الإيراني والباحث الإداري في معهد “جنيف” للدراسات العليا: “يمكن للجمهورية الإسلامية أن تنشط علاقاتها طويلة الأمد مع الجماعات الجهادية السلفية كالقاعدة لتنفيذ مخططات إرهابية، لكن من المرجح أن تلجأ إيران إلى حلفائها من الميليشيات الشيعية في المنطقة، المنظمات الإجرامية المحلية والمسلمين المتطرفين، وعلى سبيل المثال، أولئك الذين أغضبهم الموت والدمار الواسع في غزة”، على حد قول سابت.


غلق مضيق هرمز في مرآة القانون الدولي/ فضل عبد الغني
يعد إغلاق مضيق دولي من قبل دولة مجاورة أثناء نزاع مسلح مثارا لسؤال حول شرعية وقانونية هذا الفعل في إطار النظام الدولي، وقد أجاب عنه القانون الدولي بقدر كبير من الاتساق، عبر قانون المعاهدات، والقواعد العرفية، والاجتهاد القضائي الدولي، والقواعد المنظمة للنزاعات المسلحة في البحار.

ويشكل الإعلان الإيراني في أوائل مارس/آذار 2026، عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية 28 فبراير/شباط، والقاضي بتهديد الملاحة ومنع السفن من عبور مضيق هرمز، اختبارا عمليا لهذا الاتساق.

ويقود التحليل القانوني، رغم اختلاف الأطر القانونية التي يمكن الاحتجاج بها، إلى نتيجة واحدة: لا يوجد إطار قانوني دولي نافذ يجيز الإغلاق الشامل للمضيق.

تنطلق المسألة من النظام المعاهدي الذي ينظم الملاحة عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية. فالجزء الثالث من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار يقرر حق المرور العابر في هذه المضائق؛ إذ تنص المادة (38) على أن: جميع السفن والطائرات تتمتع بهذا الحق لغرض العبور المتواصل والسريع، فيما تؤكد المادة (44) أنه لا يجوز تعليق المرور العابر.

كما تجيز المادة (42) للدول المشاطئة اعتماد لوائح محددة تتعلق بسلامة الملاحة، وتنظيم الحركة البحرية، ومنع التلوث، وبعض المسائل المرتبطة بالصيد والضبط الجمركي والصحي، من غير أن تتحول هذه السلطة التنظيمية إلى سلطة تعطيل أو منع.

ويندرج مضيق هرمز ضمن هذا النظام بوصفه مضيقا مستخدما للملاحة الدولية يصل الخليج العربي بخليج عُمان والبحر العربي.

ومن ثم فإن الإغلاق الشامل لا يمكن تكييفه بوصفه مجرد تنظيم للملاحة، بل هو نقيض مباشر للنظام القانوني الذي تحكمه الاتفاقية.

لم تصادق إيران على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار؛ فهي وقعت عليها في 10 ديسمبر/كانون الأول 1982 من دون إيداع صك التصديق.
إعلان

كذلك لم تُودع تصديقا على اتفاقية جنيف لعام 1958 بشأن البحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة، وإن كانت قد وقعت عليها في 28 مايو/أيار 1958.

وقد تمسكت إيران، في موقفها المعلن عند توقيع اتفاقية 1982، كما عكسته الأدبيات القانونية اللاحقة، بأن نظام المرور العابر لا تنتفع به إلا الدول الأطراف في الاتفاقية، بينما يُحتجّ في مواجهة الدول غير الأطراف بالنظام الأقدم، ألا وهو المرور البريء: (أي عبور السفينة البحر الإقليمي على نحو متواصل وسريع)، من غير أن يكون هذا العبور ماسا بسِلم الدولة الساحلية، أو نظامها، أو أمنها.

غير أن هذا الانتقال من المرور العابر إلى المرور البريء لا يغير النتيجة العملية في المضائق الدولية؛ فالمادة (16/4) من اتفاقية جنيف لعام 1958 تنص على عدم جواز تعليق المرور البريء عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية بين جزء من أعالي البحار، وجزء آخر منها، أو البحر الإقليمي لدولة أجنبية.

وعليه، حتى إذا أُثير خلاف بشأن النظام القانوني الذي يسري على بعض السفن بحسب ما إذا كانت هناك دول أطراف في الاتفاقية أم غير أطراف فيها، فإن النتيجة لا تتغير: فالإغلاق الشامل يظل متعارضا مع كلا النظامين.

ويظل الاتجاه نفسه قائما في إطار القانون الدولي العرفي، الملزم لجميع الدول بغض النظر عن مركزها التعاقدي إزاء المعاهدات. فقضية قناة كورفو لعام 1949 تظل المرجع القضائي الأساسي في هذا المجال؛ إذ قررت محكمة العدل الدولية أن المملكة المتحدة تمتعت بحق المرور البريء عبر مضيق دولي في وقت السلم، وأن الدولة الساحلية لا تملك، في غياب نص اتفاقي خاص، أن تحظر هذا المرور في المضائق الدولية على نحو مطلق.

وصحيح أن القضية لم تضع الصياغة المعاصرة الكاملة لنظام المرور العابر، كما ورد لاحقا في اتفاقية 1982، لكنها كرست بوضوح وجود حق عرفي في المرور عبر المضائق الدولية، وهو ما يجعل فكرة الإغلاق الأحادي الشامل بعيدة عن منطق العرف الدولي بقدر بعدها عن منطق المعاهدات.

ويعزز هذا الفهم أيضا السياق العملي التاريخي للمضيق. فخلال الحرب الإيرانية العراقية، ولا سيما في مرحلة حرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي، تعرضت الملاحة في الخليج لهجمات خطيرة ومتكررة، لكن المضيق لم يُغلق إغلاقا شاملا.

وتكمن أهمية هذه السابقة في أنها تُظهر أن النزاع المسلح واسع النطاق، وما صاحبه من استهداف السفن التجارية، لم يُنتج في الممارسة السابقة قاعدة تقبل بإغلاق هرمز أمام الملاحة الدولية برمتها.

وهذا لا يحسم وحده الطبيعة العرفية الدقيقة لكل عنصر من عناصر النظام القانوني، لكنه يضعف بوضوح أي ادعاء بأن الإغلاق الشامل يمثل امتدادا طبيعيا لممارسة سابقة مستقرة.

ويعالج دليل سان ريمو بشأن القانون الدولي المنطبق على النزاعات المسلحة في البحار لعام 1994 هذه المسألة على نحو يؤكد النتيجة نفسها. فهذا الدليل، وإن لم يكن معاهدة ملزمة بذاته، يُعد مرجعا تفسيريا رئيسا في هذا المجال.
إعلان

وهو يقرر أن حقوق المرور العابر عبر المضائق الدولية سارية في زمن النزاع المسلح، وأن الدول المحايدة لا يجوز لها تعليق هذا المرور أو إعاقته، كما يؤكد أن حق المرور البريء غير القابل للتعليق في بعض المضائق الدولية لا يُعلق زمن النزاع المسلح.

ويضيف أن المرور العابر لا ينبغي إعاقته إلا إذا توفر مسار بديل آمن وملائم. وفي حالة مضيق هرمز، حيث يمر نحو خُمس استهلاك النفط اليومي العالمي، وحيث البدائل محدودة بصورة كبيرة، يصعب تصور توافر بديل بحري آمن وملائم يؤدي الوظيفة نفسها.

وقد تتعلل إيران بحق الدفاع عن النفس بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة. غير أن المسألة هنا ليست مجرد التذرع بالدفاع عن النفس، بل حدود ممارسته. فقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا أن مشروعية أي رد دفاعي تتوقف على مراعاة معياري الضرورة والتناسب.

حتى وإن توافر أصل حق الرد، فإن إغلاق المضيق أمام الملاحة كافة، بما في ذلك سفن الدول المحايدة والسفن التجارية التي لا تؤدي وظيفة عسكرية، يواجه صعوبة قانونية كبيرة جدا في ضوء هذين المعيارين. فناقلة غاز طبيعي مسال ترفع العلم الياباني، أو ناقلة نفط ترفع العلم الألماني، لا تشكل في ذاتها تهديدا عسكريا لإيران.

إن مثل هذا الإجراء لا يميز بين السفن التابعة للأطراف المتحاربة والسفن المحايدة، ولا بين الملاحة العسكرية والملاحة التجارية، ويمتد أثره إلى عدد كبير من الدول والسكان والأسواق الذين لا صلة لهم مباشرة بالهجوم الأصلي.

لذلك يبدو الإغلاق الشامل أقرب إلى تدبير عام ذي أثر جماعي واسع، لا إلى إجراء دفاعي محدود تبرره الضرورة العسكرية المباشرة.

كما يثير إغلاق المضيق مسألة مستقلة تتعلق بسلطنة عُمان. فالمضيق لا يقع ضمن نطاق قانوني تهيمن عليه إيران وحدها، بل يجاور أيضا المياه الإقليمية العمانية، وعمان دولة طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

ولذلك، فإذا انصرفت التهديدات الإيرانية أو أي إجراءات تنفيذية عملية إلى سفن موجودة داخل البحر الإقليمي العماني أو إلى الممرات الواقعة فيه، فإن ذلك يثير مسألة إضافية تتعلق بعدم جواز ممارسة إيران سلطة إنفاذ، أو فرض أوامر ملاحة داخل البحر الإقليمي لدولة أخرى من دون سند قانوني.

وعندئذ لا يكون الإشكال مقتصرا على حرية الملاحة فحسب، بل يمتد أيضا إلى احترام السيادة الإقليمية.

إن الموقف القانوني في هذه المسألة واضح ومتسق عبر الأطر المختلفة ذات الصلة. فاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تمنع تعليق المرور العابر، والنظام الأقدم للمرور البريء غير القابل للتعليق في المضائق الدولية يقود إلى النتيجة نفسها، وقضية قناة كورفو تدعم وجود حق عرفي في المرور عبر المضائق الدولية، ودليل سان ريمو يؤكد استمرار هذه الحقوق زمن النزاع المسلح، كما أن الممارسة التاريخية السابقة لا تسند فكرة الإغلاق الشامل.

لذلك، سواء نُظر إلى المسألة من زاوية قانون المعاهدات، أو العرف الدولي، أو القضاء الدولي، أو قانون النزاعات المسلحة في البحار، فإن إغلاق مضيق هرمز إغلاقا شاملا لا يجد له سندا قانونيا معتبرا ويعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، حاصل على الماجستير في القانون الدولي، ومتوّج بالجائزة الفرنسية الألمانية لحقوق الإنسان عام 2023
الجزيرة


من مضيق هرمز إلى رغيف الخبز.. كيف توثر الحرب بالمنطقة على الأسعار؟
تتجه أنظار الأسواق العالمية إلى الشرق الأوسط مع تصاعد التوترات العسكرية واضطراب حركة الملاحة البحرية، خاصة في مضيق هرمز الذي يُعد أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

ويثير تعطل مرور ناقلات النفط مخاوف متزايدة من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، وهو ما قد ينعكس على معدلات التضخم وعلى حياة الناس اليومية.

ووفق الخريطة التفاعلية التي عرضها محمد رمال على شاشة الجزيرة ، فقد تحدثت تقارير عن استهداف سفينة حاويات قرب مدينة هرمز، في حين سبق ذلك استهداف ناقلتي نفط قبالة ميناء البصرة العراقي أثناء عملية نقل للنفط بينهما، وسط معلومات محدودة حتى الآن بشأن حجم الأضرار.

وأوضح رمال أن الممرات البحرية في المنطقة، التي تمتد على مساحة تقارب ربع مليون كيلومتر مربع، تشهد حركة كثيفة لناقلات النفط والسفن التجارية، إذ يتراوح عددها بين 200 و300 سفينة في أي وقت.

بيد أن تصاعد المخاطر الأمنية أدى إلى تكدس عدد كبير من الناقلات في المياه المحيطة، ما حوّلها فعليا إلى مخزون عائم للنفط المنتج في دول المنطقة وإيران، في وقت تتباطأ فيه الإمدادات المتجهة إلى الأسواق العالمية.

وأضاف أن مضيق هرمز أصبح شبه مغلق أمام بعض السفن نتيجة المخاطر الأمنية، الأمر الذي دفع الدول المنتجة إلى الاعتماد على خطوط أنابيب بديلة لنقل النفط، مثل خط شرق/غرب السعودي وخط حبشان/الفجيرة في الإمارات.

لكنّ هذه البدائل تبقى محدودة القدرة، إذ لا تتجاوز طاقتها مجتمعة نحو 2.6 مليون برميل يوميا، في حين يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط، وهو ما يفسر حساسية الأسواق لأي اضطراب في هذه المنطقة الحيوية.

قفزة في أسعار النفط

وانعكست هذه التطورات سريعا على أسواق الطاقة العالمية، حيث اقترب خام برنت مجددا من مستوى 100 دولار للبرميل، بحسب ما أوضح رئيس القسم الاقتصادي في قناة الجزيرة حاتم غندير.
إعلان

ويشير غندير إلى أن الأسواق تتابع التطورات الميدانية في الشرق الأوسط عن كثب، لأن أي استهداف لمنشآت الطاقة أو تعطيل للموانئ النفطية قد يؤدي بسرعة إلى تراجع الإمدادات وارتفاع الأسعار.

وأضاف أن خام برنت بلغ في وقت سابق نحو 100 دولار للبرميل قبل أن يتراجع قليلا ليستقر قرب 96 دولارا، مسجلا ارتفاعا يقارب 4.5% منذ بداية التصعيد العسكري.

كما لفت إلى أن بعض الدول المنتجة بدأت اتخاذ إجراءات احترازية، من بينها إعلان سلطنة عُمان سحب سفن من ميناء الفحل الذي يصدر نحو مليون برميل يوميا، وهو ما قد يزيد من الضغوط على الإمدادات العالمية.

وفي محاولة لتهدئة الأسواق، أعلنت وكالة الطاقة الدولية أكبر عملية سحب من المخزونات الإستراتيجية في تاريخها، إذ قررت الولايات المتحدة الإفراج عن 192 مليون برميل من احتياطياتها النفطية على مدى 120 يوما.

كما أعلنت اليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا وألمانيا الإفراج عن كميات إضافية من احتياطياتها النفطية لدعم استقرار الأسواق العالمية.

ويشير غندير إلى أن الاحتياطي النفطي الإستراتيجي الأمريكي يبلغ حاليا نحو 415 مليون برميل، بعد أن كان يقارب 720 مليون برميل، نتيجة استخدامه في أزمات سابقة أبرزها الحرب الروسية على أوكرانيا.
تداعيات على التكنولوجيا

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على قطاع الطاقة، إذ يحذر خبراء من انعكاساتها المحتملة على الصناعات التقنية، خاصة صناعة أشباه الموصلات التي تُعد أساسا للعديد من الصناعات الحديثة.

وتعتمد صناعة الرقائق الإلكترونية على عناصر ومواد أساسية يأتي بعضها من المنطقة، من بينها غاز الهيليوم المستخدم في تبريد الرقائق أثناء عمليات التصنيع، والذي لا يوجد له بديل عملي حتى الآن.

كما أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يزيد تكاليف تشغيل مراكز البيانات وعمليات الإنتاج، وهو ما قد ينعكس على صناعة التكنولوجيا العالمية.

وتشير التقديرات إلى أن كوريا الجنوبية تنتج أكثر من 60% من الرقائق الإلكترونية في العالم، ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات أو ارتفاع في تكاليف الطاقة عاملا مؤثرا في سوق التكنولوجيا العالمي.

تأثير مباشر على حياة الناس

وعلى صعيد التأثير المباشر على حياة الناس، يوضح غندير أن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس على تكاليف إنتاج العديد من السلع الأساسية.

فالخبز، على سبيل المثال، يعتمد في إنتاجه على سلسلة من العمليات التي تستخدم الوقود والطاقة، بدءا من الزراعة والنقل وصولا إلى الطحن والخبز.

ويشير إلى أن كل ارتفاع بنسبة 10% في أسعار النفط قد يقابله ارتفاع يقارب 3.2% في أسعار الخبز، وهو ما يعكس العلاقة المباشرة بين الطاقة وتكاليف الغذاء.

وفي السياق نفسه، وصفت وكالة الطاقة الدولية ما يجري بأنه أكبر اضطراب في إمدادات الطاقة العالمية في التاريخ الحديث.

وقال خبير أسواق الطاقة عامر الشوبكي إن العالم يواجه انقطاعا يقدر بنحو 15 مليون برميل يوميا من النفط، إضافة إلى اضطرابات في أسواق الغاز وبعض المواد المرتبطة بقطاع الطاقة.

وأشار الشوبكي إلى أن تداعيات الأزمة لا تقتصر على النفط، بل تمتد إلى سلع إستراتيجية أخرى مثل اليوريا والأسمدة الفوسفاتية التي يعتمد عليها الإنتاج الزراعي في العديد من الدول.
إعلان

وحذر من أن الدول المستوردة للطاقة ستكون الأكثر تضررا من هذه التطورات، إذ قد تواجه ارتفاعا كبيرا في الأسعار إلى جانب احتمال تراجع توفّر الوقود في الأسواق.

وتوقع الشوبكي أن يؤدي استمرار الأزمة إلى ارتفاع معدلات التضخم عالميا، مشيرا إلى أن كل زيادة بنحو 10 دولارات في سعر النفط قد ترفع التضخم العالمي بنحو 1%، ما يعكس حجم التأثير الذي يمكن أن تتركه التوترات في المنطقة على الاقتصاد العالمي.
المصدر: الجزيرة


الحسابات الخاطئة للحرب على إيران تُحاصر إدارة ترامب
12 مارس 2026
لم يمض أسبوعان بعد على الحرب الأميركية الإسرائيلية الثانية على إيران، والتي بدأت في 28 فبراير/شباط الماضي، حتى توالت الأسئلة في الولايات المتحدة، حول أهداف الحرب على إيران وكلفتها ونتائجها وتداعياتها على الأسواق العالمية والأمن في منطقة الشرق الأوسط، والسياسة الخارجية الأميركية التي تريد دائماً “نصراً مطلقاً”، خصوصاً مع دونالد ترامب.
حربٌ على إيران تحضّر منذ عقود

وترتكز هذه الأسئلة على أسباب عدة، ليس أوّلها “الحسابات الخاطئة” للإدارة الأميركية بشأن الحرب، بل منذ البداية، لأن هذا الهجوم، بدا غير قانوني وغير مبرّر، في الوعي العام الأميركي، الذي أصبح يتحدث علانية عن استدراج إسرائيلي لأميركا إلى الحرب. وتبدو هذه الحرب، اليوم، وبعد أقلّ من أسبوعين على بدايتها، جدلية في مبرّراتها وسرديتها ونتائجها والعبر المستقاة منها، ومع دخولها مرحلة مراوحة عسكرية، بعد الفشل في تحقيق هدف “إسقاط النظام” بالسرعة المتوقعة، وردّة الفعل الإيرانية ومدى اتساعها، والذي تجلى على نحو خاص بالعدوان على الدول الخليجية عبر اعتداءات يومية تفوق حصيلتها الضربات التي استهدفت إسرائيل، ما رفع كلفة الحرب وأفقدها عنصر الحسم السريع، مقارنة بحجم القوة العسكرية الأميركية والإسرائيلية الهائلة المستخدمة فيها. ويأتي ذلك، رغم أن هذه الحرب، ظلّت في حسبان واشنطن منذ عقود، وتَحضّر لها الغرب الجماعي طويلاً بالتحريض والعقوبات وملاحقة “الوكلاء”، وانتظرها البعض باعتبارها المنازلة التي قد تحسم الكثير من الملفات.

وعَبَر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كما هدّد مراراً، مع إيران، من نافذة الدبلوماسية القصيرة القسرية، أي التي تجري بشروط محددة مسبقاً وبمنطق الإخضاع، مرتين، إلى الحرب، تحت ضغط اليمين الأميركي والإسرائيلي، وفي إطار المسار السياسي الخارجي الذي سلكه منذ عودته للبيت الأبيض، بداية العام الماضي، ويقوم ليس على “إنهاء الحروب”، بل على “إخضاع” الأنظمة المعادية للولايات المتحدة، تباعاً، ومحاولة شقّ طريق لكبح الصعود الاقتصادي المتنامي للصين، بضرب حلفائها. ومع الحرب الثانية على إيران، نفّذ ترامب وعيده، حيث اختار شنّ الحرب على إيران، في خضم مفاوضات بهجوم إسرائيلي على طهران، استهدف مقر المرشد علي خامنئي، ما أدّى إلى مقتل الأخير وعدد كبير من القياديين الكبار الذين رغم كل التهديدات الأميركية اختاروا الوجود في مقر واحد. لكن رغم هذه الضربات لإيران، فإن أولى النكسات، ظهرت منذ يومها الأول، بعدما فشلت إسرائيل، في ترجمة التوقعات التي كانت تنقلها إلى البيت الأبيض، أن الضربات الأولى، وقتل خامنئي، ستكون وحدها كافية، لخروج الناس إلى الشوارع، وقلب النظام.

هل تصدّق إسرائيل فعلاً إمكانية إسقاط النظام في إيران؟

ولأن الرأي العام العالمي تهيأ عبر حملة ضخّ إعلامي وسياسي غربي مكثفة، لمثل هذا السيناريو، بعد احتجاجات دامية شهدتها إيران بين ديسمبر/كانون الأول 2025، ويناير/كانون الثاني الماضي، ليست الأولى في الداخل الإيراني لكنها جاءت بعد حرب دامت 12 يوماً على البلاد تخلّلتها محاولة إضعاف النظام بضرب ثلاث منشآت نووية إيرانية وقتل عدد من الشخصيات التي تحمل رمزية عسكرية ونووية، جاء عدم سقوط النظام بمثابة أول الانتكاسات المفاجئة لترامب، لكنه ليس أول “الحسابات الخاطئة”، التي تعود إلى سوء تقدير أميركي للتحضيرات الإيرانية للحرب، خصوصاً بعد حرب الـ12 يوماً الماضية، في يونيو/حزيران 2025، وبروز رغبة إسرائيلية باستكمالها.

ومع عدم تحقيق غرض إسقاط النظام منذ اليوم الأول، حوّل الحرس الثوري الإيراني تركيزه في الهجمات من إسرائيل إلى تنفيذ اعتداءات يومية تطاول الدول الخليجية، رافعاً ذريعة استهداف “المصالح الأميركية” فيها والتي سقطت سريعاً مع مهاجمة بنى تحتية مدنية وأخرى مرتبطة بمنشآت الطاقة، رغم تأكيد دول المنطقة رفضها اي استخدام لأراضيها في أي حرب على إيران ومحاولة إقناع ترامب بخيار المفاوضات لا التصعيد العسكري، وأداء دول فيها، تحديداً سلطنة عمان وقطر أدوار الوساطة، لكن قادة طهران تجاهلوا كل ذلك، في محاولة لرفع كلفة الحرب ليس على أميركا أو إسرائيل بالدرجة الأولى، بل على دول المنطقة وسط عدم اكتراث لتداعيات هذه الاعتداءات على العلاقات الإيرانية العربية والخليجية في الفترة المقبلة.

كما نفذ الحرس الثوري ما هدّد به النظام، بعرقلة الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي، ليأتي أيضاً ما تسرّب عن بدء “الحرس” زرع ألغام في مياه المضيق، ما أربك الحكومة الأميركية، وهو ما تبدى بإعلانها عبر وزير الطاقة كريس رايت على “إكس”، أن البحرية الأميركية نجحت بمرافقة ناقلة نفط عبر مضيق هرمز، لكنه سرعان ما سحبها سريعاً. كما خرج ترامب وإدارته، في ظرف ساعات قليلة، بتصريحات متناقضة حول مسألة التلغيم الإيراني للمضيق، بين تأكيد إعلامي ونفي رسمي، ثم تهديد ووعيد وإعلان تدمير 16 ناقلة ألغام إيرانية.

أهدافٌ بعيدة عن إسقاط النظام

ولا يزال من المبكر الحديث عن النتائج النهائية للحرب، والتي ستكون لها انعكاساتها على منطقة الشرق الأوسط لسنوات مقبلة. لكن الحسابات الخاطئة لحجم الردّ الإيراني وموقف الحرس الثوري الذي تشير معظم القراءات إلى أنه الممسك حالياً بزمام القرار ودفع لإيصال نجل خامنئي، مجتبى، ليكون المرشد الأعلى الجديد، أدى إلى بروز “ثغرات” لدى القيادة العسكرية الأميركية، ووزارة الحرب (بنتاغون)، في نقل المعلومات. ويطغى التضخيم اليوم على إعلاناتها، خصوصاً لجهة ضرب البنى التحتية لصناعة الصواريخ الباليستية الإيرانية، أو لتراجع عدد الإطلاق من إيران، أو لدى الحديث عن “الانتصارات” اليومية المحقّقة في وجه “العدو”. ووصلت الحسابات الخاطئة، إلى عدد الصواريخ بعيدة المدى التي بحوزة إيران، وإمكانية انفصال الجيش عن “الحرس” و”الباسيج”، وحدوث تفسّخات لدى المستوى العسكري الإيراني، وغير ذلك، فضلاً عن إمكانية جرّ عدد من الدول العربية وحلفاء أميركا الغربيين إلى المشاركة في الحرب. كما برزت ثغرات أميركية، ظهرت في التعاطي مع حربٍ من بوابة التسريبات، حيث انتظرت هذه الإدارة تقارير إعلامية عن إمكانية دعم روسي استخباري لطهران، لتوجيه تحذير لموسكو، وصولاً إلى بدء الحديث باكراً عن “خطة نزول أميركية عن الشجرة”، وهو ما يعني عملياً افتقار العملية للنجاح المطلوب. أما أكثر الحسابات الخاطئة، فهو ما ارتبط بفوضى أسعار النفط، وبدء الحديث عن اقتراحات لسحب النفط من الاحتياطات الاستراتيجية، ما دفع ترامب إلى التلميح لقرب نهاية الحرب، في إطار خديعة محتملة لتهدئة الأسواق.

ولأن “إسقاط النظام” كان الهدف المثالي للحرب، فإن كلّ ما عداه من “إنجازات” أميركية وإسرائيلية، قد يبقى خاضعاً للدحض، حيث يتوثب معارضو ترامب الديمقراطيون، للانقضاض عليه في الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، مستغلين حربه المكلفة هذه. ويدعم ذلك، ما بدأ يرشح في الإعلام عن تململ جمهوري وخشية لديهم من إقحام قوات برّية في العدوان، ما قد تكون له نتائج كارثية في الانتخابات، فضلاً عن الحديث المبكر عن تململ داخل إدارة ترامب وفريقه المقرّب من المستشارين.

وفي هذا الإطار، نقلت صحيفة نيويورك تايمز، الثلاثاء، عن مسؤولين دفاعيين أميركيين، أن القوات الإيرانية بدأت تعدّل تكتيكاتها مع تقدم الحرب، وذلك حتى مع إصرار إدارة ترامب على أن الولايات المتحدة تنتصر في هذه الحرب. وبحسب هؤلاء، فإن إيران تحاول أن تستغل على ما يبدو “نقاط الضعف” الأميركية، بما فيها الدفاعات الجوية المصممة لحماية الأصول والقوات في المنطقة، وهو ما يفسّره استهدافها في الأيام الـ11 الأولى من الحرب، الرادارات الأميركية والدفاعات الجوية، ثم فنادق تستضيف قوات أميركية (أربيل مثالاً). وبحسب ثلاثة مسؤولين، فإنه بمجرد مقاومة إيران وبقاء النظام حيّاً رغم الضربات، فإن حكومة طهران بإمكانها ادعاء الانتصار. وقال فالي نصر، من جامعة جون هوبكنز، للصحيفة: “إنه لأمر مفاجئ كم تعلّموا دروساً من حرب الـ12 يوماً الماضية، لقد عرفوا أن ما ينقصنا هي قدرات دفاعية، ومنها الصواريخ الاعتراضية، مثل صواريخ ثاد وباتريوت”. وأقرّ الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الثلاثاء، بأن الإيرانيين “يتأقلمون”، من دون الإفصاح عن كيفية تعديلهم لتكتيكاتهم، وذلك “لدواعٍ أمنية”.

وتحت عنوان “كيف أساء ترامب ومستشاروه التقدير؟”، كتبت “نيويورك تايمز” أيضاً، أول من أمس، أن ذلك شمل الحساب الخاطئ بشأن ارتفاع أسعار النفط، مستشهدة بتصريح وزير الطاقة، في 18 فبراير الماضي، الذي أكد فيه أنه ليس قلقاً من أن تحدث أي حرب على إيران فوضى في الأسواق العالمية وفي حركة نقل النفط من الشرق الأوسط. ورأت الصحيفة أن فصل الحرب يطرح إشكالية بشأن القدر الذي أساء فيه ترامب ومستشاروه التقدير بشأن كيفية الرد الإيراني على ما ترى فيه طهران تهديداً وجودياً.

وبعد جلسة إحاطة سرّية أول من أمس، لمسؤولي إدارة ترامب مع أعضاء مجلس الشيوخ، ذكر عددٌ منهم أن إدارة ترامب تسير في اتجاه نشر قوات برّية في إيران لتحقيق أهدافها، واصفين هذه الحرب بأنها “حرب اختيارية اختار القيام بها الرئيس ترامب”، منتقدين عدم وجود أهداف وعدم تقدير لكلفتها. وأكد بعض المشرعين، أن مسؤولي إدارة ترامب لم يقدموا أي إجابات على تساؤلاتهم، وقال السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي في بيان: “كنا في إحاطة لمدة ساعتين، لا أستطيع الكشف عن معلومات سرّية، لكن الحرب بلا خطة. وربما تكون المفاجأة أنه ليس من هدفها تدمير برنامج الأسلحة النووية لأننا نعلم أن الضربات الجوية لا يمكن أن تدمرها، كما أكدوا أن تغيير النظام ليس من ضمن الأهداف”.

وطبقاً للسيناتور ميرفي “يبدو أن الأهداف في المقام الأول هي تدمير الكثير من الصواريخ والزوارق البحرية ومصانع الطائرات دون طيار”، وقال “سألنا ماذا سيحدث عندما نتوقف عن القصف ويعيدون الإنتاج. فلمحوا إلى المزيد من القصف مما يعني أنها بالطبع حرب بلا نهاية”. وأكد ميرفي أن الإدارة طبقاً لإجابتهم لم يكن لديها خطة بخصوص مضيق هرمز مضيفاً “يكفي أن أقول في الوقت الحالي إنهم لا يعرفون كيفية إعادة فتحه بأمان. وهو مر لا يمكن تجاوزه لأن هذا الجزء من الكارثة كان متوقعا بنسبة 100%”.
العربي الجديد


جنود “تحرير الشام” يقودون حشود الشرع
تحشيد سوري ضخم على الحدود مع العراق.. هل يقترب الصدام مع الحشد الشعبي؟
الخميس 12 مارس 2026
في خطوة عسكرية تحمل دلالات استراتيجية عميقة، بدأ الجيش السوري تحشيداً عسكرياً واسع النطاق على الحدود السورية-العراقية بقيادة العميد عواد الجاسم.

وتكتسب هذه القوات أهمية خاصة لكونها مدعومة بوحدات من “قوات النخبة” التي كانت تشكل يوماً القوة الضاربة في “هيئة تحرير الشام” قبل انضوائها تحت لواء الجيش السوري الجديد، ما يعكس تحولاً جذرياً في العقيدة القتالية والتحالفات الميدانية.
اقرأ أيضا

•
الجيش السوري ينتشر في بادية التنف
•
اجتماع 17 يناير كلمة السر.. هكذا تخلت الإدارة الأميركية عن "قسد"
•
استهداف مقرات الحشد الشعبي: السوداني يرفض تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية 

ونقلت “RT” عن مصادر خاصة أن هذه التعزيزات شملت نقاطاً حاكمة في منطقتي “الهول” و”الشدادي” بريف الحسكة، بمشاركة قوات من العشائر العربية ومقاتلين من جنسيات مختلفة.

ورغم أن الرواية الرسمية لدمشق تضع هذه التحركات في إطار “تأمين الحدود من تسلل عناصر داعش”، إلا أن مراقبين يرجحون أهدافاً أكثر تعقيداً ترتبط بالاستعداد لصدام محتمل مع “قوات الحشد الشعبي” العراقي، إذا ما قررت الأخيرة عبور الحدود لإسناد طهران في مواجهتها الحالية مع واشنطن وتل أبيب.

وفي ظل أزمة ثقة متصاعدة بين كافة الأطراف الإقليمية، يرى المحلل السياسي إبراهيم العلي في حديثه لـ “RT” أن دمشق تخشى من تحول أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإيرانية عبر دخول “الحشد الشعبي” للعمق السوري للإمساك بأوراق تفاوضية.

وتتزامن هذه الخشية مع هواجس متبادلة؛ فبينما يخشى حزب الله من انخراط الجيش السوري في عمل عسكري ضده لمصلحة واشنطن، تتوجس دمشق من خطوات استباقية قد يقوم بها الحزب أو الفصائل العراقية لفرض واقع ميداني جديد تحت ظلال الحرب الكبرى، ما يجعل من الحدود السورية-العراقية “صفيحاً ساخناً” ينتظر مآلات الصراع الدولي.


دول الخليج في زمن الحرب: “معركة” السيطرة على المعلومات
10.03.2026
تجرم القوانين الإماراتية إعادة نشر المعلومات المضللة حتى لو لم يكن الشخص هو مصدرها الأصلي. فمجرد إعادة إرسال رسالة عبر “واتسآب”، أو تداول خبر مزيف، أو تصوير ونشر مواقع أمنية أو حيوية، قد يضع الأفراد تحت طائلة المساءلة القانونية.

“شو عم يصير عنا؟ سمعتوا شي إنو ضربوا عنا؟”هكذا يتواصل كثر من اللبنانيين المقيمين في دول الخليج مع أقاربهم وأصدقائهم في لبنان خلال الحرب القائمة بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، في محاولة لمعرفة ما يحدث على الأرض، في ظل حصر المعلومات الأمنية هناك بالقنوات الرسمية للدول.

“جئنا إلى الخليج لأنه أكثر أماناً من لبنان. الآن لا أعرف ماذا أفعل”، قالت إحدى اللبنانيات المقيمات في الرياض لوكالة فرانس برس. وقال أردني مقيم في الرياض: “خرجت مع ابني الصغير عندما سمعنا فجأة صوت الانفجار. كان الناس من حولنا ينظرون إلى السماء محاولين فهم ما يحدث. هذا ليس شيئاً تتوقعه في الرياض”.

في لحظةٍ، تحولت دول الخليج من مكان يُنظر إليه كملاذ آمن نسبياً إلى ساحة معركة، تستهدف المدن بالصواريخ والمسيرات، تصل رسائل تحذيرية إلى الهواتف تنبه إلى احتمال سقوط صواريخ وتدعو السكان إلى الابتعاد عن النوافذ. وفي هذا السياق، أصبحت السيطرة على المعلومات جزءاً من إدارة الحرب نفسها.

بينما تحاول دول الخليج “منع كشف مواقع حساسة، وتقليل الهلع بين السكان، والحفاظ على صورتها كدول مستقرة”، تتداول وسائل إعلام لبنانية وأجنبية وحتى إسرائيلية أخباراً عن تعرض القواعد الأميركية في دول الخليج لهجمات بالمسيرات أو عن اعتراض الدفاعات الجوية الصواريخ.

بحسب بيانات معهد دراسات الأمن القومي، تعد الإمارات العربية المتحدة أكثر الدول العربية تأثراً بالهجمات الصاروخية وهجمات المسيّرات الإيرانية منذ اندلاع الحرب، إذ سجلت نحو 1268 هجوماً. تليها الكويت بـ562 هجوماً، ثم قطر بـ162، والبحرين بـ129، والأردن بـ49. في المقابل، سُجّل هجومان فقط في كل من عمان والسعودية.

وتسعى الحكومات الخليجية إلى احتواء انتشار هذه الأخبار أو نفيها، والتأكيد أنها ليست طرفاً في الحرب، إذ نفى مسؤول إماراتي لصحيفة “جيروزاليم بوست” أن تكون الإمارات قد استهدفت منشأة لتحلية مياه البحر في إيران، وهو خبر كانت قد نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية.

السيطرة على المعلومات كجزء من إدارة الحرب

خلال العقود الماضية، تحولت الإمارات وقطر والسعودية إلى مراكز للصحافة العالمية في الشرق الأوسط. وتم بناء منصات إعلامية عربية وأجنبية في المدن الخليجية. لكن في ظل الواقع الأمني المرتبط بالحرب القائمة، اتجهت دول الخليج إلى تشديد الرقابة على وسائل الإعلام وعلى تداول المعلومات المرتبطة بالتطورات الأمنية.

وليست القيود المفروضة على تداول المعلومات خلال النزاعات المسلحة ظاهرة جديدة. فخلال حرب الخليج عام 1991، فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها نظاماً صارماً للتحكم بتداول المعلومات. وعمل الصحافيون حينها ضمن ما عُرف بـ”مجموعات التغطية المشتركة”، إذ رافق عدد محدود منهم القوات العسكرية، فيما خضعت المواد الإعلامية للمراجعة قبل نشرها، مع قيود على التصوير والوصول إلى مواقع العمليات. يتكرر اليوم مشهد تقييد الحريات في الخليج لكن بأدوات مختلفة. وانتقل التحكم بالمعلومات إلى الفضاء الرقمي، حيث تجرم القوانين في دول الخليج تداول الشائعات والأخبار المضللة والمعلومات عن التطورات الأمنية خارج القنوات الرسمية للدول.

الإمارات تحصر المعلومات بالقنوات الرسمية

تجرم القوانين الإماراتية إعادة نشر المعلومات المضللة حتى لو لم يكن الشخص هو مصدرها الأصلي. فمجرد إعادة إرسال رسالة عبر “واتسآب”، أو تداول خبر مزيف، أو تصوير ونشر مواقع أمنية أو حيوية، قد يضع الأفراد تحت طائلة المساءلة القانونية.

وتعتبر شرطة دبي أن نشر المعلومات “يروج لإثارة الخوف والقلق في المجتمع ويساهم في زعزعة الأمن والاستقرار”. وطلبت من المواطنين والمقيمين الاعتماد على المصادر الرسمية للحصول على المعلومات والتعامل بمسؤولية مع ما يتم تداوله عبر المنصات الرقمية. وذكرت شرطة دبي أن “نشر أو تداول الشائعات أو الأخبار المضللة، أو أي محتوى يخالف ما تم الإعلان عنه رسمياً، أو من شأنه إثارة الرعب أو الإضرار بالأمن أو النظام العام أو الصحة العامة، تترتب عليه “عقوبات قانونية مشددة، قد تصل إلى الحبس وغرامة لا تقل عن 200,000 درهم”، أي ما يقارب الـ55000 دولار أميركي.

وحذر النائب العام للدولة حمد سيف الشامسي في بيان، من “تصوير أو نشر أو تداول صور ومقاطع فيديو، توثّق مواقع الحوادث أو الأضرار الناتجة من سقوط مقذوفات أو شظايا في بعض المناطق”.

في المقابل، تنشر حكومة الإمارات ووزارة الدفاع عبر منصاتهما الرسمية تحديثات حول الوضع الأمني، لتوضيح أن الأصوات التي تسمع في مناطق متفرقة من الدولة ناتجة من اعتراض منظومات الدفاع الجوي الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والجوالة القادمة من إيران. وفعلت السلطات الخلية الإعلامية الوطنية المشتركة لإطلاع المجتمع الإماراتي والدولي على المستجدات، كما استخدمت نظام الإنذار المبكر الذي يرسل رسائل نصية تحذيرية باللغتين العربية والإنكليزية مصحوبة باهتزاز وصوت مرتفع.
رسائل تحذيرية لسكان دولة الإمارات

وبموجب هذه القوانين، حظرت النيابة العامة في الإمارات مواقع إعلامية سعودية بينها قناة “العربية عاجل” ومواقع وأجنبية وحسابات إلكترونية مثل حساب الناشط السعودي إياد الحمود، حساب الإعلامي السعودي مالك الروقي، المعارضة الإماراتية مريم الحمادي، و”منصة مسبار” المتخصصة بالتحقق من الشائعات، والحساب الاقتصادي لمنصة “الشرق” السعودية، وحساب الخبير الاستراتيجي السعودي هشام الغنام. وتعرضت هذه الحسابات لما يُعرف بـ”الحجب الجغرافي”، أي منع الوصول إليها داخل الإمارات، بموجب قانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية الصادر عام 2021، الذي يتضمن مواد تُطبق في حالات الحروب والأزمات.

البحرين تحظّر نشر المعلومات العسكريّة

يتم إبلاغ المواطنين والمقيمين في الإمارات عن تطورات الأوضاع الأمنية عبر مركز الاتصال الوطني. فيما أعلنت قوة دفاع البحرين حظر تصوير أو نشر أو إعادة تداول أي صور أو مقاطع مرئية أو تسجيلات أو معلومات تتعلق بالمواقع العسكرية التابعة لها أو بالعمليات العسكرية والإجراءات الدفاعية التي تنفذها، وذلك استناداً إلى قانون القضاء العسكري لعام 2002 وقانون العقوبات لعام 1976. كما حذّرت من تداول المعلومات غير الموثوقة أو المفبركة عبر وسائل الإعلام التقليدية أو المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن مثل هذه الأفعال قد تعرّض مرتكبيها للمساءلة القانونية.

غرامة تصل إلى 100 ألف ريال في قطر

حذّرت وزارة الداخلية القطرية من التجمهر أو تصوير ونشر المقاطع المرتبطة بالمستجدات الميدانية، تجنباً للمساءلة القانونية، داعية المواطنين والمقيمين إلى متابعة القنوات الرسمية للحصول على المعلومات، مثل مكتب الاتصال الحكومي ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية. كما فعّلت وزارة الداخلية إجراءات التنبيه ونظام الإنذار المبكر لإبلاغ السكان بأي تطورات أمنية.

تُعدّ إعادة نشر الشائعات أو الأخبار الكاذبة جريمة يعاقب عليها القانون في قطر. فبموجب تعديل قانون العقوبات لعام 2020، قد تصل العقوبة إلى السجن لمدة خمس سنوات وغرامة لا تتجاوز الـ100 ألف ريال قطري، مع مضاعفة العقوبة إذا وقعت الجريمة في زمن الحرب.

وفي هذا السياق، أعلنت إدارة مكافحة الجرائم الاقتصادية الإلكترونية التابعة للإدارة العامة للمباحث الجنائية توقيف أكثر من 300 شخص على خلفية نشر معلومات ومقاطع فيديو مضللة مرتبطة بالأحداث الجارية.

السعودية تشدد الرقابة على تداول المعلومات الأمنية

حذرت وزارة الداخلية السعودية المواطنين من تداول الشائعات أو المقاطع المصورة مجهولة المصدر، وطلبت استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية. ويعد ‏تصوير ونشر وقائع الاستهدافات أو الحوادث الأمنية مخالفة لنظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، حيث ينظر إليه على أنه نشر بيانات على الشبكة المعلوماتية، ما يترتب عليه المساس بالنظام العام أو زعزعة الأمن أو إلحاق ضرر بالمصلحة العامة.

الكويت تلقي القبض على ناشري المعلومات

أعلنت وزارة الداخلية الكويتية عن إلقاء القبض على شخصين بتهمة نشر مقاطع فيديو تستهزئ بالقوات المسلحة ومنظومة الدفاع الجوي الكويتي. وكانت النيابة العامة الكويتية قد ذكرت بقانون أمن الدولة الذي يعاقب من ينشر الإشاعات والأخبار الكاذبة التي تمسّ بالأمن القومي، بالحبس لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات.

وحصرت الكويت تداول المعلومات الأمنية عبر المنصات الرسمية، وتقوم بتحذير السكان عبر الوسائل التقليدية، أي صفارات الإنذار أو إشعارات مسبقة عبر تطبيق “سهل” الحكومي، حسبما أشارت وزارة الداخلية.

بين محاولات الحكومات الخليجية ضبط الأخبار، والصور والفيديوهات عبر مواقع التواصل، يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة مواجهة موازية لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية. وذكرت بعض وسائل الإعلام أن حصر تداول المعلومات يهدف إلى الحد من انتشار الأخبار المضللة ومنع جرّ دول الخليج إلى الحرب القائمة عبر تشويه الحقائق ونشر الأخبار المزيفة، مشيرة إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي تُستخدم لتضليل المعلومات بما يساهم في إحداث زعزعة في الرأي العام.
درج


======================

تحديث 10 أذار 2026


انفلات الحرب الإيرانية: اتساع النطاق وغموض الأهداف
تميزت الحرب الإيرانية بعد أسبوع من اندلاعها باتساع نطاقها وتصاعدها سواء في حجم الخسائر أو عدد الأهداف ونوعية الأسلحة. ويبدو أن الأطراف المتقاتلة لا تزال تراهن على أن إصرارها على المواصلة سيحقق هدفها، ولم تبلغ بعد مستوى يجعل تكاليف المواصلة أعلى بكثير من القبول بوقف الحرب.
9 مارس 2026

كان يُفترض أن تصبح الحرب، التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، في نهاية أسبوعها الأول أكثر وضوحًا، سواء في دوافعها، أو الاتجاهات الرئيسة لوقائعها، أو ما يسعى قادة الحرب إلى تحقيقه منها. ولكن مرور الأسبوع الأول، وعلى الرغم من دوي الطائرات والصواريخ في سماء المشرق، ومن مشاهد الدمار واسع النطاق، لم يزد مسار الحرب إلا غموضًا.

تحدث الرئيس ترامب في أيام الحرب الأولى إلى العديد من وسائل الإعلام الأميركية، كما إلى البي بي سي البريطانية؛ كما عقد وزيرا الخارجية والحرب الأميركيان أكثر من مؤتمر صحافي. وبدا، في كل مرة تحدث فيها الرئيس أو أحد مسؤولي إدارته الكبار، أن رواية الحرب تُطرح بصورة مختلفة، قليلًا أو كثيرًا.

قال الرئيس في البداية: إن الحرب لن تستمر أكثر من عدة أيام، وربما لأسبوع؛ وقال مرة أخرى إنها قد تستمر أربعة إلى خمسة أسابيع. وفي مرة ثالثة، أكد أن الولايات المتحدة قادرة على الاستمرار في الحرب إلى أن تحقق أهدافها. وفي تسويغ قرار الحرب، قال: إن إيران تمثل تهديدًا لأمن الولايات المتحدة، وإن الوفد الإيراني تلاعب بمسار التفاوض في جولات المباحثات الثلاث بين إيران والولايات المتحدة، وتهرَّب من التعامل مع المطالب الأميركية الواضحة بشأن البرنامج النووي الإيراني.

ولكن، وخلال مؤتمر صحفي سريع، في 2 مارس/آذار 2026، فاجأ وزير الخارجية، ماركو روبيو، الصحفيين والرأي العام الأميركي بقوله: إن الولايات المتحدة ذهبت إلى الحرب على إيران تبعًا لإسرائيل، وخشية من أن يستهدف الرد الإيراني على الهجمات الإسرائيلية أهدافًا أميركية. ولأن صدى تصريحات روبيو سرعان ما تردد في أنحاء الولايات المتحدة، خرج الرئيس ترامب في اليوم التالي، ومن مكتبه في البيت الأبيض، ليؤكد أن قرار الحرب كان أميركيًّا خالصًا، وأن الولايات المتحدة هي التي جرَّت إسرائيل للحرب وليس العكس.

في نهاية الأسبوع الأول من الحرب، لم يكن من المتيسر بعد، وسط تضارب الأقوال والدوافع، تقديم إجابة حاسمة على سؤال دوافع الحرب والمسؤول الأول عن إطلاقها؛ وبدا أن الكشف عن هذا الجانب من الحرب سيُترك للمؤرخين. ولكن هذا يجب ألا يمنع محاولة رؤية المدى الذي يمكن أن تذهب إليه هذه الحرب، والآثار التي بدأت تتركها على إيران وعلى جوارها الإقليمي، وعلى العالم، واتجاهات رياحها المحتملة.
الإدارة الأميركية-الإسرائيلية للحرب

هذه هي الحرب الأولى، منذ قيام إسرائيل، التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل معًا، وفي إطار من الشراكة الكاملة. قدمت الولايات المتحدة دعمًا عسكريًّا واستخباراتيًّا مباشرًا لإسرائيل في حروب سابقة، مثل حرب 1967، وحرب 1973. كما شاركت الولايات المتحدة في حرب الاثني عشر يومًا، التي شنَّتها إسرائيل على إيران، في يونيو/حزيران 2025؛ ولكن هذه كانت مشاركة محدودة، استمرت ليوم واحد فقط، وتعلقت بقيام الطائرات الأميركية بقصف مواقع إيرانية نووية محصنة لم تكن إسرائيل تستطيع التعامل معها. في هذه الحرب، ثمة تقاسم لمسؤوليات الحرب منذ يومها الأول، وتنسيق عملياتي لحظي وكامل.

والراجح، أن هذه الحرب خُطِّط لها بصورة مشتركة منذ شهور، وأنها كانت موضوعًا رئيسًا في زيارات القادة العسكريين الأميركيين والإسرائيليين المتبادلة في الشهور القليلة الماضية. وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، كان واضحًا تمامًا في لقاء معه، يوم 3 مارس/آذار، في إشارته إلى أن الحرب كانت ستندلع في 30 يناير/كانون الأول 2026، ولكن نجاح الوساطة التركية في جمع الأميركيين والإيرانيين في جولة المباحثات الأولى، التي عُقِدت في عُمان، في 6 فبراير/شباط، أوقفت الحرب يومها.

ولكن هذا لا يعني أن ثمة اتفاقًا كاملًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول أهداف الحرب وشروط نهايتها.

في اليومين الأولين من الحرب، قال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إن لديه فكرة جيدة عن القيادة البديلة لإيران، موحيًا بوجود اتصالات أميركية مع جناحٍ ما في الدولة الإيرانية. ولم يُخْف الرئيس تفضيله لسيناريو تغيير في النظام الإيراني شبيه بما حققه في فنزويلا. في تصريحات تالية، قال الرئيس ترامب إنه لا يسعى إلى تغيير النظام، وإنه يترك مستقبل الحكم لقرار الشعب الإيراني وإرادته.

ولكن، في 2 مارس/آذار، قال الرئيس إن القياديين الذين كان يأمل بتوليهم الحكم في إيران قد قُتِلوا في الضربة الأولى التي وُجِّهت لطهران واستهدفت مقر آية الله علي خامنئي، بدون أن يسمي ولو واحدًا من أولئك القياديين المتعاونين. في اليوم التالي، 3 مارس/آذار، وخلال استقبال المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، في البيت الأبيض، أشار الرئيس ترامب إلى أنه لا يرى ابن الشاه السابق بديلًا مناسبًا للحكم في إيران، وأنه لم يزل يفضِّل شخصية من داخل البلاد، يمكن أن يجتمع حولها الإيرانيون.

أما الوزيران الأميركيان للدفاع والخارجية، بيتر هيغسيث وماركو روبيو، فقالا في تصريحين منفصلين، 2 مارس/آذار، إنهما يريان أن أهداف الحرب تتلخص في: 1- تدمير منظومة الصواريخ الإيرانية، ومنصات إطلاقها، ومراكز تصنيعها. 2- تدمير البحرية الإيرانية. 3- منع إيران بصورة قاطعة من تطوير برنامج نووي عسكري. و4- تقويض قدرة إيران على مدِّ العون لوكلائها من الكيانات غير الشرعية و”الإرهابية” في الإقليم. وفي حين أكد هيغسيث أن إقامة حكم ديمقراطي ليست إحدى أهداف الحرب، أشار روبيو إلى صعوبة تكرار سيناريو فنزويلا في إيران.

في نهاية أسبوع الحرب الأول، عاد الرئيس لطرح تصوره لمسار الحرب عندما قال في تصريحات لموقع أكسيوس الإخباري: إن الحرب لن تنتهي بدون استسلام كامل من إيران. ولأن حديث الاستسلام أثار الكثير من اللغط، خرجت الناطقة باسم البيت الأبيض لتوضح أن المقصود ليس إعلانًا رسميًّا من إيران بالاستسلام، ولكن تقويض مقدرات إيران العسكرية، ووضع نهاية للتهديد الذي تمثله لأمن الولايات المتحدة. وعندما سُئلت عن الزمن الذي قد يقتضيه تحقيق هذا الهدف، قالت: إن الرئيس وحده من يقرر ما إن كانت الحرب قد أنجزت هدفها؛ ولكنها أضافت أنها تقدِّر أن الحرب قد تمتد لثلاثة أو أربعة أسابيع. وعلى الرغم من أن تصريحات الناطقة لم تكن قاطعة، فربما كانت هذه المرة الأولى التي يشير فيها مصدر مسؤول في البيت الأبيض إلى مدى زمني محدد للحرب وإن كان ترامب أعطى نفس الفترة في وقت سابق.

الرؤية البديلة لهدف الحرب، وما يمكن أن تعنيه لمسارها، جاءت من إسرائيل. وكان لافتًا أن الإسرائيليين، بمن في ذلك نتنياهو ووزيرا دفاعه وخارجيته، يسرائيل كاتس وجدعون ساعر، تبنَّوا خطابًا واحدًا يدعو إلى اقتلاع النظام الإيراني كلية. وتفيد مصادر من جهات في الشرق الأوسط، كانت على اتصال مع الإسرائيليين منذ ما قبل أسابيع على اندلاع النيران، بما في ذلك قيادات كردية، بأن الإسرائيليين كرروا تأكيد أن إيران ستواجه حربًا شاملة، وأن الحرب لن تتوقف قبل إطاحة نظام الحكم أو تفتيت إيران ودفع الجمهورية الإسلامية إلى حافة الانهيار.

الخلاف حول مآلات الحرب لا يعني أن ثمة خلافًا جوهريًّا على كيفية ونمط الهجمات، سيما في أيامها الأولى؛ ولكن ذلك لا يمنع أن الخلاف قد يبرز في أيام أو أسابيع مقبلة. ستواصل الولايات المتحدة ضرباتها بأقصى ما يمكن من الشدة ضد مقدرات إيران العسكرية، البرية والبحرية والنووية، وضد عقد التحكم والسيطرة للدولة الإيرانية، وتنتظر اختيار المرشد الأعلى الجديد لترى ما إن كان يمكن إبرام صفقةٍ ما تُفضي إلى تغيير إستراتيجي في وجه النظام أو أن تصل الإدارة الأميركية إلى تقدير بأن الحرب حققت بالفعل هدف تقويض المقدرات العسكرية الإيرانية.

أما الإسرائيليون، الذين بادروا إلى قصف مقر فرعي لمجلس خبراء النظام بـ”قم”، في محاولة للتخلص من أكبر عدد ممكن من طبقة العلماء الفقهاء الإيرانيين، وأعلنوا صراحة أنهم سيسعون إلى اغتيال المرشد الجديد، مهما كانت هويته وخلفيته، فسيحاولون إطالة أمد الحرب إلى أن يروا أن النظام في طريقه للسقوط، أو أنه لم يعد قادرًا على مقاومة قوى المعارضة المسلحة والسياسية. والواضح أن الإسرائيليين لا ينظرون بأي قدر من الاكتراث إلى عواقب إنهاك النظام وإطاحة قياداته، مثل انقسام البلاد أو اندلاع حرب أهلية، أو انتشار العنف إلى ما خلف الحدود.
تفاقم الحرب ومخاطرها المتزايدة

الذين وضعوا خطة هذه الحرب، على الرغم من أنهم حاولوا مفاجأة الإيرانيين، واستطاعوا بالفعل في الضربة الأولى القضاء على المرشد الأعلى، وعدد محدود من قيادات البلاد، لم يتوقعوا طبيعة وحجم الرد الإيراني، ولا أخذوا في الاعتبار احتمالات توسع نطاق الحرب عن مسرحها الإيراني. والواضح أن الإيرانيين قرروا، ومنذ ما قبل اندلاع النيران، أن يواجهوا الحرب بروح “الظهر إلى الحائط”، بمعنى التصرف على أساس أن هذه حرب تتعلق بوجود الأمة الإيرانية، وليس الجمهورية الإسلامية وحسب، وأن سبيلهم الوحيد للنجاة هو رفع تكاليف الحرب على الأميركيين والإسرائيليين، وعلى العالم أجمع.

دفعت هذه الاستراتيجية إيران إلى توجيه صواريخها وطائراتها المسيرة ليس إلى إسرائيل وحسب، بل وإلى كافة دول الجوار، بما في ذلك الأردن، والسعودية ودول الخليج، وإلى تركيا وأذربيجان؛ ولا يُستبعد أن تكون إيران أيضًا خلف محاولة قصف القاعدة البريطانية في قبرص اليونانية. يقول الإيرانيون إن هجماتهم في دول الجوار لا تستهدف سوى مواقع التمركز الأميركية، وإنهم يحترمون سيادة هذه الدول. ولكن المؤكد أن دول الخليج وأذربيجان تعرضت لهجمات استهدفت في أحيان، وفشلت في أحيان أخرى، مطارات ومواقع إنتاج نفط وغاز وأنابيب نفط وغاز وفنادق وسفارات وقنصليات.

أعلنت دول الجوار الإيراني كافةً احتجاجًا عالي النبرة على الهجمات الموجهة إلى أراضيها ومنشآتها، وأكدت حقها في الدفاع عن سيادتها وأمن بلدانها، ولكن لم يذهب أحد منها إلى حدِّ الالتحاق بالحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران. والسبب أنها لا ترى أن هذه حربها في المقام الأول، وأن التجاوزات الإيرانية الفادحة لا تستوجب التورط في دم الإيرانيين. ولكن سياسة توريط دول الجوار، أو تحويلها إلى ساحة للحرب، ستضر بالتأكيد بمصالح إيران، وقد تنقل دول الجوار من موقع الوسيط والساعي إلى وقف الحرب، إلى موقع غير المكترث بمعاقبة إيران، ورؤيتها بوصفها تهديدًا دائمًا لأمن الجوار واستقرار بلدانه.

كانت لبنان دائرة تفاقم الحرب الثانية؛ حيث سارع حزب الله إلى إشعال الجبهة اللبنانية–الإسرائيلية. لم يكن من المتوقع أن يشارك الحزب في هذه المرحلة المبكرة من الحرب، ولا أن يشارك بهذه القوة، سواء بقصف شمال إسرائيل، أو الاشتباك مع الوحدات الإسرائيلية المتمركزة في جنوب لبنان. ولكن ما يبدو هو أن أصداء سياسة “الظهر إلى الحائط” وصلت أيضًا إلى لبنان، ودفعت حزب الله لأن يدفع بكل مقدراته لمساندة إيران.

ترك تدخل الحزب بعض الأثر في ساحة الحرب، سيما في مجال تهديد حياة ومعاش الإسرائيليين العاديين. ولكن عواقب مبادرة حزب الله إلى المشاركة في الحرب كانت فادحة، سواء على حاضنة الحزب، أو على وضع لبنان الداخلي، أو على استقرار الإقليم برمته. عادت إسرائيل إلى القيام بحملات قصف واسعة للمناطق الشيعية في جنوب لبنان وفي ضاحية بيروت الجنوبية. وقبل نهاية أسبوع الحرب الأول، أمرت سكان عشرات القرى الشيعية ومعظم أحياء الضاحية بإخلاء مساكنهم، وهو تطور غير مسبوق في سياق الحروب الإسرائيلية على لبنان.

تعمل إسرائيل ليس على تدمير القاعدة الشعبية لحزب الله وحسب، بل وأيضًا على توسيع نطاق منطقة التوغل العسكري في الجنوب، وتحويلها إلى منطقة عازلة دائمة. ولكن الخطر الأكبر يتمثل في دفع لبنان إلى حافة الانشطار الأهلي. فقد حظي قرار الحكومة اللبنانية بحظر الجناحين، الأمني والمسلح، لحزب الله بدعم كافة الأحزاب الممثَّلة في الحكومة، ما عدا الوزراء المحسوبين على الحزب. وبالرغم من أن الحكومة تفتقد القدرة والأدوات لتنفيذ قرارها؛ كما أن الحزب لم يُبْدِ أي اكتراث يُذكر بالقرار، فإن مواجهةً ما بين الحكومة والحزب قد تولِّد ديناميات تفجيرية في بلد يعاني أصلًا من التمزق، ولم يستطع الوقوف على قدميه بعد.

أما ساحة التفاقم الثالثة فكانت في العراق؛ حيث تحركت الفصائل الشيعية العراقية الموالية لإيران مبكرًا، كما فعل حزب الله، لمساندة الجهد الحربي الإيراني. وفي المقابل، تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى توظيف الجماعات المسلحة الكردية الإيرانية، المتمركزة في شمال العراق، لخدمة أهداف الحرب، وإن كان ترامب أشار في آخر تصريحاته إلى أنه لا يدفع إلى ذلك. يتعرض العراق لضغوط أميركية متزايدة منذ ما قبل اندلاع الحرب لحل الفصائل المسلحة الموالية لإيران، ولكن الحكومة العراقية ليس لها أية سلطة فعلية على هذه الفصائل. ويُعتقد أن إيران تحتفظ بقواعد لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة في مناطق سيطرة الفصائل، سيما في جنوب العراق؛ وأن هذه القواعد استُخدمت بالفعل لإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة على أهداف في دول الخليج العربية والأردن، وأهداف في منطقة الإقليم الكردي في شمال العراق.

استهدفت أغلب الهجمات في شمال العراق مواقع نفطية، ومراكز أحزاب كردية إيرانية معارضة للنظام؛ حيث وردت تقارير عن شروع إسرائيل، وربما منذ ما قبل شهور على اندلاع الحرب، في اتصالات مع بعض التنظيمات الكردية الإيرانية المسلحة. وبالرغم من أن واشنطن أعلنت أن الرئيس ترامب لم يصدر أمرًا بتسليح هذه التنظيمات، فإن اتصالات الرئيس الهاتفية مع القياديين الكرديين العراقيين الكبيرين، مسعود البارزاني وبافل طالباني، وبمصطفى هجري، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، أقدم الأحزاب الكردية الإيرانية تأسيسًا، تطرح العديد من الأسئلة حول الدور الذي يمكن أن يناط بالقوى الكردية الإيرانية.

ومن المرجح أن مشروع دفع جماعات كردية إيرانية مسلحة للانخراط في الحرب ضد نظام الجمهورية الإسلامية، سواء بوعود لإقامة إدارة ذاتية كردية في محافظات الشمال الغربي الإيرانية، أو بأية إغراءات أخرى، قد ينتهي إلى كارثة مأساوية على الأكراد الإيرانيين. فعلى الرغم من أن تعداد أكراد إيران قد يصل إلى ثمانية ملايين، وأنهم يشكِّلون أغلبية في ثلاث محافظات على الأقل، فإن الحراك القومي بينهم يقتصر على الأكراد السنَّة. أما الأكراد الشيعة، الذين يمثلون نحو 35% من مجموع الأكراد، فهم في أغلبيتهم مندمجون في نظام الجمهورية الإسلامية، وبرز منهم عدد من قيادات صفوف الدولة الأولى، مثل رئيس البرلمان، باقر قاليباف، ونائب الرئيس، محمد رضا رحيمي.

على الرغم من أن المرجح أن الفشل سيكون مصير أي تحرك انقسامي في كردستان إيران، فإن مثل هذا التحرك سيترك آثارًا وخيمة على العلاقة بين إقليم كردستان العراق، من جهة، والدولة العراقية في بغداد والقوى الشيعية الموالية لإيران، من جهة أخرى. ثمة اعتقاد في العراق وإيران بأن إدارة الإقليم وفرت الدعم والملجأ الآمن للجماعات الكردية الإيرانية، وستتحمل المسؤولية عن أي تهديد تمثله هذه الجماعات لأمن إيران.

وليس ثمة شك في أن التفاقم الأبرز للحرب قد بدأ في الظهور في الساحة الاقتصادية. ففي تصريحات لا تحتمل التأويل، قال وزير الطاقة القطري، سعد الكعبي، في 6 مارس/آذار: إن دول الخليج العربية النفطية قد تضطر إلى إيقاف كافة عمليات انتاج النفط والغاز خلال فترة قصيرة، وإنه لا يستبعد أن يصل سعر برميل النفط إلى 150 دولارًا. وقال الكعبي: إن مثل هذه العواقب قد تتسبب في كساد اقتصادي عالمي.

ما يؤكد تحذيرات الوزير القطري، هو تزايد المؤشرات على الاقتراب من منعطف أزمة اقتصادية كبرى. خلال الأسبوع الأول من الحرب، نجحت إيران في فرض ما يشبه الوقف الكامل للملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره عادة ما يقارب الثلاثين بالمئة من الاستهلاك العالمي للنفط وأعلى من ربع مجمل تجارة النفط البحرية، والعشرين بالمئة من إمدادات الغاز، للسوق العالمية، ناهيك عن البتروكيماويات والأسمدة. كما استهدفت إيران حقل نفط واحدًا على الأقل، وميناء تصدير نفط سعوديًّا رئيسيًّا؛ وميناء البصرة العراقي؛ وموقع إنتاج غاز قطري رئيسيًّا؛ وخطَّ أنابيب نقل نفط أذربيجانيًّا؛ ومواقع نفطية في كردستان العراق. وعلى الرغم من عدم اتضاح حجم الضرر الذي أوقعته الهجمات، فقد أعلنت قطر رسميًّا حالة القوة القاهرة، ومن ثم التوقف عن إنتاج الغاز، بينما يبدو أن تصدير النفط من الكويت، ومن موانئ السعودية في شمال الخليج، قد توقف فعليًّا.

في اليوم السابع من الحرب، ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بما يقارب 73 بالمئة؛ وتجاوز سعر برميل النفط 90 دولارًا. أعلنت الولايات المتحدة عن مخطط لمرافقة وتأمين السفن الناقلة عبر مضيق هرمز؛ ولكن المعروف أن هذه عملية بالغة التعقيد، وتحتاج نمطًا مختلفًا من حشد ونشر القوة البحرية في منطقة الخليج، ولن تكون مضمونة العواقب على أية حال. كما يبدو أن واشنطن أعلنت عن تسهيلات في العقوبات المفروضة على مستوردي النفط الروسي، سيما ما يتعلق بكبار مستوردي هذا النفط، مثل الهند. ولكن هذه، أيضًا، لن تكون سوى محاولة احتواء جزئية، ويصعب أن تمثل معالجة للنقص الهائل في الأسواق، الذي سيصبح أكثر إلحاحًا بعد بدء نفاد مخزون الدول المستهلكة الرئيسية.

بكلمة أخرى، يبدو أن الولايات المتحدة، وليس بالضرورة إسرائيل، خططت لحرب سريعة، قصيرة نسبيًّا، ومحدودة بالساحة الإيرانية، أو ما أسمته دوائر أميركية “حربًا نظيفة”. ولكن ما يزداد وضوحًا، وبعد أسبوع واحد فقط، أن الحرب أخذت في التفاقم، سواء على مستوى الإقليم، أو حتى على مستوى العالم.
اتجاهات الحرب

تفيد تقارير مراقبين، إيرانيين وغير إيرانيين، بأن الحياة في طهران ومختلف المدن الإيرانية الرئيسة لا تزال تسير بصورة طبيعية، أو في الحدود الطبيعية على الأقل التي تسمح بها حملات القصف الأميركية-الإسرائيلية، وأن ليس ثمة تراجع ملموس في مظاهر وجود الدولة وسيطرتها. هذا لا يعني أن الحرب لم تترك أثرًا. فالواضح أن حملات القصف الأميركية-الإسرائيلية أصابت خلال أسبوع واحد آلاف الأهداف، بما في ذلك مقار حكومية واستخباراتية وأمنية، ومنشآت ومعسكرات قيادية عسكرية، سواء تلك التابعة للجيش أو الحرس الثوري، أو أجهزة وزارة الداخلية، ومؤسسات علمية وتقنية، ومطارات وموانئ، ومصفاة بترول واحدة على الأقل ومخازن وقود مدنية، ومعظم وحدات الأسطول الإيراني، وعدد غير معروف من مواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة.

ولكن، وعلى الأقل في ظاهر الأمور، لا يبدو أن النظام الإيراني في طريقه إلى الانهيار، أو أن مقدراته العسكرية في طريقها إلى النفاد. فأي اتجاه يمكن أن تأخذه الحرب؟

ثمة مؤشرات متضافرة على أن الرئيس ترامب، ولأسباب تتعلق بالرأي العام الأميركي ومعارضة الحلفاء الأوروبيين، والقلق المتزايد لأصدقاء أميركا في الشرق الأوسط، وآثار الحرب المدمرة على اقتصاد العالم، وربما حتى لتناقص الذخائر بصورة مطردة، لا يريد إطالة أمد الحرب. ولابد أن الرئيس بدأ يستشعر القلق من غياب الأساس القانوني، وهشاشة المسوغات السياسية والأخلاقية للحرب. وهذا ربما ما دفعه إلى محاولة توسيع نطاق تحالف الحرب، ليضم دولًا أوروبية، أو عربية-إسلامية. ولكن المؤكد أن دولة عربية أو إسلامية واحدة لم تُبْدِ الاستعداد للمشاركة؛ وأن الدول الأوروبية الرئيسة لم تزل تُظهر ترددًا بالغًا، حتى بعد أن سمحت للولايات المتحدة باستخدام القواعد العسكرية في أرضها. يسهم سلاح الجوي البريطاني، ونظيره الفرنسي، في الدفاع عن بعض الدول الحليفة، كما حركت بريطانيا وفرنسا وحدات بحرية قتالية إلى شرق المتوسط، مع وجود احتمال بقيامها بمهام دفاعية. ولكن ليس أكثر من ذلك حتى الآن.

في الجانب الآخر، يهدد الرئيس بتصعيد مستوى الهجمات على إيران، ويعود إلى توظيف خطاب الاستسلام، مرة، والمطالبة بالمشاركة في اختيار المرشد الأعلى الإيراني الجديد، مرة أخرى. كل ذلك يزيد من فقدان اليقين في تحديد أي مستوى من التصعيد يمكن أن تصل إليه. ثمة إشارات من مسؤولين أميركيين إلى أن الولايات المتحدة تستعد للتدخل البري، أو نشر قوات على الأرض؛ ولكن الولايات المتحدة لن تستطيع التدخل برًّا إلا على مستوى عمليات محدودة للقوات الخاصة ضد أهداف بالغة الأهمية. لا نشر القوات الأميركية في الإقليم يسمح بغزو بري واسع النطاق، ولا يبدو أن القوات البرية الإيرانية، قوات الجيش والحرس، قد أُضعفت بأية درجة ملموسة.

ولذا، فإن كانت الظروف المحيطة لم تعد مواتية تمامًا للاستمرار في الحرب، فليس من المستبعد أن يخرج الرئيس الأميركي خلال أيام، أو أسابيع قليلة، ليقول: إن الحرب حققت فعلًا أهدافها، وإن مقدرات إيران العسكرية والنووية قد قُوِّضت، وإن الولايات المتحدة ستواصل فرض العقوبات على الاقتصاد الإيراني والاستمرار في التضييق على الملاحة البحرية الإيرانية إلى أن تقوم طهران بتغيير علاقاتها مع الولايات المتحدة ووجهتها الإستراتيجية.

هذا احتمال ممكن، بالطبع، ولكن، ولأن هذه الإدارة تبدو الأقل عقلانية في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، فليس من المستبعد أن يقرر الرئيس مواصلة الحرب لعدة أسابيع أو أشهر مقبلة، سيما إن لم تظهر مؤشرات كافية على إضعاف النظام الإيراني، أو استعداد النظام للتفاوض على أسس جديدة ومواتية للمطالب الأميركية، خصوصًا إن بدا وكأن وقف الحرب سيمثل هزيمة أو إخفاقًا لإدارة الرئيس.

وبالرغم من الدور الكبير الذي قام به الإسرائيليون في الدفع نحو الحرب، وفي عملياتها، فإن أوقفت واشنطن الحرب، فسيجد الإسرائيليون صعوبة بالغة في مواصلة الهجمات بصورة منفردة. ادعاءات نتنياهو بأنه يقوم بتغيير الشرق الأوسط، وطموحات البعض في إسرائيل بفرض هيمنة إسرائيلية على الإقليم، لابد أن تُرى من زاوية الزهو السياسي، أو فشل العقل الإستراتيجي الإسرائيلي في معرفة الجوار العربي-الإسلامي. بدون الولايات المتحدة، ستفقد الحرب الإسرائيلية المظلة السياسية الدولية، كما ستنهار معنويات الإسرائيليين، القادة منهم والناس العاديين.

إيرانيًّا، ليس ثمة مؤشر على تحول جوهري في الموقف السياسي. يقول الإيرانيون إنهم لا يسعون إلى مباحثات جديدة مع الولايات المتحدة، وإنهم قادرون على الدفاع عن سيادتهم واستقلالهم. في الوقت نفسه، يواصل الإيرانيون ردَّهم على الحرب بلا هوادة، سيما في إطلاق الهجمات على إسرائيل ومواقع التواجد الأميركي في الجوار الإقليمي. وربما سيجد اعتذار الرئيس الإيراني لدول الجوار عن الهجمات التي وُجِّهت لأهداف مدنية فيها ترحيبًا من هذه الدول، ولكن الواضح أن الهجمات قد حققت، على الأقل اقتصاديًّا، معظم أهدافها. علاوة على أن القيادة الإيرانية أكدت مجددًا أن تصريحات الرئيس الإيراني لا تعني توقف الهجمات.

ثمة تراجع في التوقعات الإسرائيلية، وفي بعض الدوائر الغربية، بانهيار النظام في طهران، لأن اغتيال المرشد، علي خامنئي، لم يقض على النظام أو يدفعه للانهيار، نظرًا لتميزه بتوزع مراكز القوى، رغم تمتع المرشد الأعلى بموقع بالغ الأهمية والثقل، سياسيًّا ودينيًّا، والتعبير عن اتجاه أغلبية هذه المراكز وتوفير مصداقية لهذا الاتجاه وتسويغه. وإيران، هي بلا شك، بعد اختيار مرشدها الأعلى الجديد ستكون أكثر انسجامًا في قراراتها، وقد تميل إلى الاستمرار في مقارعة الولايات المتحدة وإسرائيل، لأن المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، من خلفية محافظة، وربما لا يقل حرصًا عن والده، المرشد خامنئي، على استقلال البلاد وسيادتها ومصالحها، لكن رغم ذلك فإن إيران ليست دولة انتحارية.

لا يُستبعد بعد اكتمال هيكل القيادة أن يسعى الإيرانيون، ضمن تحرك لإعادة بناء النظام وعلاقته بشعبه، إلى تسوية تفاوضية، خصوصًا إن وجدوا أن واشنطن يمكن أن تهبط ولو قليلًا عن سقف مطالبها؛ وإن كانت إيران، على الأرجح، لا تبدو على استعداد، حتى الآن على الأقل، لتقديم تنازلات إضافية ملموسة عن تلك التي قدمتها في جولة المباحثات الثالثة في جنيف. ولكن هذ يظل مجرد احتمال يشبه احتمال إعلان ترامب المفاجئ عن انتهاء الحرب. ففي حرب تنتقل بصورة متسارعة من مستوى من التعقيد إلى الآخر، تصبح التوقعات اليقينية نوعًا من العبث.

مركز الجزيرة للدراسات


السوريون وإيران… مجدّداً/ معن البياري
10 مارس 2026
لن يقيم السوريون سرادقات عزاءٍ لو تمكّن العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران من إسقاط النظام الحاكم فيها (وهذا مستبعد). وهم، في غضون الجاري في المنطقة والإقليم، وقبله وبعده، لا يمحضون هذا النظام أيّ تعاطف، كما عربٌ كثيرون، للأسباب المعلومة. ولا يُحسَب هذا اصطفافاً مع الصهاينة والولايات المتحدّة، ولا عداءً للشعب الإيراني الذي له خياراتُه بشأن السلطة السياسية في بلده. ويعرف السوريون، قبل غيرهم، أن دولة الاحتلال وإدارة الرئيس ترامب، ليستا شغوفتيْن بتحرّر هذا الشعب من الاستبداد، ولا بأشواقه إلى الحرية والتقدّم والعدالة والتنمية. وفيما لا يحتاج عداء الشعب السوري دولة الاستيطان والفتل، والتي تحتلّ جزءاً عزيزاً من الأرض السورية، شواهد يُسترسَل في الإتيان عليها، فإنه أيضاً لا يثق بالولايات المتحدة، أياً كان المقيم في البيت الأبيض، فتجربة 14 عاما تحت نيران الحكم الأسدي، الذي سوند عسكرياً ومالياً وسياسياً من إيران، دلّت على انكشاف الأزعومة الأميركية عن دعم الشعوب التي تتطلّع إلى الخلاص من الظلم والبطش والدكتاتورية، فلم تُسانَد الثورة السورية بغير الكلام الأميركي المُرسل، ولم تلتفت إدارات أوباما وترامب وبايدن إلى معاناة شعب هذه الثورة إبّان كان يُستهدف بالبراميل المتفجرة والسلاح الكيميائي والقنابل، وعندما كانت الآلة الحربية الأسدية تقترف أشنع صنوف القتل في أبناء هذه الثورة وحواضنها وبيئاتها، بل ظلّت الإدارات المُسمّاة تنظُر بعيونٍ إسرائيليةٍ إلى سورية. أما إسرائيل نفسها فأرشيفُها الأسود ضد سورية وشعبها سابقٌ على خيبتها الحادّة من انتصار الثورة في 8 ديسمبر (2024)، وقد شهد نهار ذلك اليوم المنعطف استباحة تدميريةً واسعةً شنّها سلاح الجو الإسرائيلي ضد مواقع عسكرية سورية عديدة، وتمادت صلافة دولة العدوان هذه فاحتلّت أراض أخرى في الداخل السوري، وما زالت تواصل اقتحاماتها وانتهاكاتها.
ليست القضية، إذن، اختباراً يوضع فيه السوريون لتبيّن وجهة بوصلتهم في غضون الحرب الدائرة، وإنما هي، ابتداءً، في حقهم بموقفٍ يقيمون عليه ضد النظام الحاكم في طهران، والذي كان شريكاً مشهوداً في حرب الأسد على ملايين من السوريين، وقد اقترف الحرس الثوري وفيلق القدس ومسمّيات أخرى، ومليشياتٌ حليفة لهم، من لبنان والعراق، جرائم مشهودة ضاعفَ من مأساة السوريين لمّا يتعافوا بعد من عواقبها ومصائبها. كما أن القضية، في وجهٍ آخر لها، تختصّ بارتدادات الحرب الراهنة على سورية نفسها، ذلك أن التأثيرات المشهودة بالغة السلبية، اقتصادياً في المقام الأول، فمعلومٌ ما يلحق من أضرارٍٍ شديدة السوء على إمكانات دول الخليج ومقدّراتها، وكذلك على الأردن في الجوار، ما يعني بداهةً أن لهذه المفاعيل انعكاساتِها على السوريين، من حيث توفّر الغاز وسلع عديدة، وكذلك من حيث ركود متوقّع، وانكفاء عن الدعم الاقتصادي والاستثماري المقرّر منه والموعود، لسورية.
الإقليم كله في مهبّ أسئلةٍ حائرة، من العسير الوقوع على إجاباتٍ لها، بشأن المقبل من تطوراتٍ ومستجدّاتٍ في غضون الحرب العدوانية على إيران، والاعتداءات على دول الخليج والتي ترتكبها طهران. وسورية في الأثناء، بفعل خصوصيّة موقعها، وكذا بفعل الجغرافيا السياسية نفسها، تبقى في أتون كل التأثيرات والتداعيات المتدحرجة لهذا الحدث الكبير في المنطقة، والذي يلتقي في أهميته القصوى مع ما أوقعه حدث “7 أكتوبر” (2023) في هذه الجغرافيا من مفاعيل، لا مجازفة في القول إن الحدث السوري في 8 ديسمبر ربما كان إحداها. ويلتقي أيضاَ في أهميته مع ما أحدثه، في الجغرافيا نفسها، من كوارث عربية جسيمة اجتياج الجيش العراقي الكويت في صيف 1990. ولذلك، المتمنّى أن تُراجع المعتديتان، الولايات المتحدة وإسرائيل، حساباتهما ورهاناتهما، فيوقفان الحرب، وإلا فإن نُذراً غير مطمئنةٍ تُسمع وتُرى وتُعاين في هذه الأيام لن يسعد أحد بخواتيمها ونتائجها سوى العدو الإسرائيلي، ولن يتحقّق منها نفعٌ أو خيرٌ لسورية، حماها الله ومتّع شعبها بالأمن والسلام والسلامة، وأبقاه محقّاً في مناهضته النظام في طهران، وأذرعه في أي موضع ومكان.

العربي الجديد


السوريون “الصهاينة” المساكين/ شعبان عبود
10 مارس 2026
في خضمّ الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، برزت على منصات التواصل الاجتماعي فئة من السوريين عبّرت عن مشاعر شماتة واضحة تجاه النظام الإيراني واستهدافه، تماماً كما فعلت سابقاً عند ضرب حزب الله واستهداف قياداته. أثارت هذه المشاعر جدلاً واسعاً، خصوصاً أن أصواتاً رأت فيها تناقضاً أخلاقياً، بينما حاول آخرون شيطنتها أو تصويرها كاصطفاف أعمى مع خصوم إيران.
غير أن التمعّن في خلفيات هذه الفئة يكشف صورة أكثر تعقيداً وإنسانية، فكثيرون من هؤلاء ليسوا منظّرين سياسيين ولا هواة سجالات أيديولوجية، بل هم سوريون عاديون دفعوا أثماناً باهظة خلال سنوات الحرب. عايش هؤلاء تدخّل إيران العسكري المباشر في سورية، وشهدوا دخول مسلّحي حزب الله والمليشيات العراقية إلى مدنهم وقراهم دعماً لنظام بشّار الأسد. وهؤلاء، بالنسبة لهم، لا تمثل إيران مجرّد دولة بعيدة تُقصف اليوم، بل تمثل تجربة شخصية ثقيلة ارتبطت بالحصار والقصف والاعتقال والتهجير.
لقد ساهم التدخّل الإيراني، ومعه حزب الله وفصائل مسلحة متعدّدة، في ترجيح كفة النظام خلال معارك مفصلية. وفي نظر قطاعات واسعة من السوريين، ارتبط هذا التدخّل بسقوط مدن كاملة، وبموجات نزوح هائلة، وبدمار أحياء فوق رؤوس ساكنيها. هناك من فقد أخاً أو أباً أو منزلاً تحت نيران معارك شاركت فيها تلك القوى، وهناك من يعيش في مخيمات اللجوء جرّاء تهجيره بسبب ذلك التدخل. يصعُب على هذا السوري أن ينظر إلى ما يجري اليوم بمعزل عن ذاكرته الخاصة.
اللافت أن هذه الفئة نفسها لم تُبدِ شماتة مماثلة، حين كانت إسرائيل تقصف غزّة، على العكس، عبّر كثير منهم عن تضامن واضح مع الفلسطينيين، واعتبروا العدوان على غزّة جريمة يجب إدانتها. هذا التفريق في المواقف لا ينبع بالضرورة من ازدواجية أخلاقية، بل من تمييز بين من يرونه قوة احتلال تضرب شعباً محاصراً ومن يعتبرونه طرفاً شارك بشكل مباشر في مأساتهم الوطنية.
في هذا السياق، وقبل أيام قليلة، وصف الكاتب الفلسطيني عزّام التميمي هذه الفئة بأنهم “مثل الصهاينة” في إحدى مقابلاته، في إشارة إلى شماتتهم بإيران. لكن هذا التوصيف، حتى لو صدر في لحظة انفعال، يغفل السياق السوري المركّب، فمقارنة ضحايا حرب عاشوها في بيوتهم بمن يتبنون أيديولوجيا استعمارية، تتجاهل الفارق بين موقف سياسي نابع من تجربة دموية شخصية وتبنّي مشروع عقائدي قائم على نفي الآخر.
إنصاف هذه الفئة لا يعني تبنّي خطاب الشماتة أو تبريره أخلاقياً، بل يعني فهم جذوره، فالمشاعر في أزمنة الحروب لا تُقاس دائماً بمقاييس مثالية، بل تتشكّل من الذاكرة والألم والخسارة. من رأى مدينته تُقصف بدعم إيراني، ومن عاش سنوات تحت سطوة مليشيات عابرة للحدود، قد يجد في إضعاف خصمه التاريخي نوعاً من العدالة الرمزية، حتى لو كان الثمن حرباً أخرى في مكان آخر.
لم تكن سورية ساحة صراع داخلي فحسب، بل تحولت إلى مسرح تنازع إقليمي ودولي. وللسوريين ذكريات مؤلمة مع دول وجماعات عابرة للحدود. لذلك، لا يمكن فصل مواقف السوريين اليوم تجاه ما يجري لإيران أو لحزب الله عن تلك التجربة المريرة، واختزالهم في توصيفات تخوينية لا يخدم النقاش، بل يزيد الاستقطاب. الأجدر هو الاعتراف بأن الألم يولّد مواقف حادة، وربما متطرّفة في “الشماتة” من الآخر. لكن قبل ذلك كله، تبقى هذه مجرد مشاعر إنسانية مؤقتة و طبيعية، وليست مواقف سياسية نهائية وثابتة.

العربي الجديد


سورية وسط الحرب… إدارة المخاطر وخلق الفرص/ عدنان علي
10 مارس 2026
تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة بالغة الحساسية في ظل الحرب الدائرة ضد إيران، وهي حرب لا تقتصر آثارها على أطرافها المباشرين، بل تمتد انعكاساتها لتشمل دولاً عديدة في الإقليم. وتأتي سورية في مقدمة الدول التي يمكن أن تتأثر بتداعيات هذه الحرب، رغم أنها ليست طرفاً مباشراً فيها.

الموقع الجغرافي لسورية، وتعقيدات وضعها السياسي والأمني والاقتصادي بعد سنوات طويلة من الصراع، يجعلانها عرضة للتأثر العميق بأي تغيرات في التوازنات الإقليمية. ورغم أن دمشق تحاول اليوم النأي بنفسها عن هذه المواجهة الإقليمية، يفيد الواقع بأن تأثيرات الحرب لن تكون مباشرة بالضرورة، بل ستظهر في الغالب عبر مسارات غير مباشرة تتعلق بإعادة تشكيل التحالفات والتوازنات السياسية والاقتصادية والعسكرية في المنطقة. كما أن هشاشة الوضع الداخلي السوري تجعل البلاد أكثر عرضة لتلقي الصدمات الخارجية، خصوصاً مع استمرار الأزمة الاقتصادية وضعف الموارد المالية للدولة.
… مع اندلاع الحرب وتزايد حدتها، باتت الأنظار الدولية مركزة على تطورات الصراع مع إيران، الأمر الذي دفع الملف السوري إلى مرتبة ثانوية على جدول الاهتمامات العالمية، فالدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، إضافة إلى دول الخليج العربي، أصبحت منشغلة بشكل أساسي بمجريات الحرب اليومية وتداعياتها الاستراتيجية.
وكانت سورية في مرحلة ما بعد الحرب الداخلية تأمل بالحصول على دعم سياسي واقتصادي من هذه الدول من أجل المساهمة في عملية التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار. غير أن انخراط هذه القوى في الصراع الدائر يعني عملياً تأجيل أي مشاريع دعم كبيرة للاقتصاد السوري، ما يضع الحكومة السورية أمام تحديات إضافية في ظل موارد مالية محدودة وخزانة شبه خاوية. ويأتي ذلك في وقت تحتاج فيه البلاد إلى استثمارات ضخمة لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة وإنعاش الاقتصاد المتعثر، الأمر الذي يزيد من تعقيد الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.

بين الحياد الإقليمي وإعادة التموضع

في السياق السياسي، تبدو سورية اليوم في موقع مختلف عما كانت عليه في السنوات الماضية، فهي لم تعد جزءاً من “محور المقاومة” الذي كانت تقوده إيران، وفي الوقت نفسه، لم تستكمل بعد عملية إعادة تموضعها الكامل داخل المنظومة العربية والإقليمية الجديدة. وقد حاولت دمشق أخيراً اتباع سياسة خارجية أكثر مرونة وبراغماتية، تقوم على الانفتاح على أطراف متعددة إقليمياً ودولياً، مع تجنّب الانخراط في محاور صلبة. ويعكس النشاط الدبلوماسي السوري في الفترة الماضية، والذي شمل التواصل مع قوى إقليمية ودولية مختلفة، توجّهاً واضحاً نحو بناء سياسة خارجية جديدة تقوم على قراءة
واقعية لموازين القوى بعيداً عن الشعارات السياسية التقليدية. وبهذا المعنى، يمكن القول إن سورية نجحت في تجنّب النتائج المباشرة للحرب الإقليمية عبر الابتعاد عن الاصطفافات الحادّة، إلا أن ذلك لا يعني أنها ستكون في منأى عن تداعياتها غير المباشرة.
ومن الناحية العسكرية والأمنية، تبقى المخاوف الرئيسية في سورية مرتبطة بإمكانية توسع نطاق الحرب إلى دول الجوار، ولا سيما العراق ولبنان. ففي حال امتد الصراع إلى هذه الدول أو شهدت أراضيها مواجهات عسكرية مباشرة وواسعة النطاق، ستجد سورية نفسها تلقائياً في دائرة التأثر المباشر. ولهذا السبب، عمدت الحكومة السورية إلى تعزيز انتشار قواتها على الحدود مع العراق ولبنان، تحسّباً لأي تطورات قد تؤدي إلى تسلل مجموعات مسلحة عبر الحدود، فيما تشير تقديرات إلى احتمال حدوث موجات نزوح من لبنان نحو سورية في حال تصاعُد المواجهة هناك، بما في ذلك أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين في لبنان، ما سوف يزيد من الضغط الاقتصادي على الحكومة.
كما سجلت بعض الحوادث التي تمثلت بسقوط بقايا صواريخ ومسيرات في مناطق متفرقة داخل الأراضي السورية نتيجة التصدي للقصف الإيراني الموجّه إلى إسرائيل فوق الأراضي السورية، وهو ما يبرز مدى هشاشة الوضع الأمني وإمكانية انتقال تداعيات الحرب إلى الداخل السوري حتى من دون مشاركة مباشرة فيها.
آثار اقتصادية مباشرة

وقد بدأت بعض آثار الحرب تظهر بالفعل داخل سورية. فقد شهدت البلاد عودة أزمات الطاقة التي كانت قد بدأت بالانحسار تدريجياً في الأشهر الماضية، حيث عادت طوابير الغاز والوقود إلى الظهور في مناطق عديدة، فيما أعلنت وزارة الطاقة السورية أن انخفاض ساعات التغذية الكهربائية يعود إلى تراجع كميات الغاز الطبيعي الواردة عبر الأردن والمخصصة لتشغيل محطات توليد الكهرباء، نتيجة التصعيد الإقليمي، وتعذر استمرار ضخ الغاز مؤقتاً وفق الاتفاقات السابقة.
وتعتمد سورية جزئياً على الغاز القادم عبر الأردن لتشغيل محطات توليد الكهرباء، في ظل ضعف
الإنتاج المحلي وتضرر البنية التحتية للطاقة خلال سنوات الحرب الطويلة. وكانت دمشق قد بدأت في مطلع العام تسلم الغاز الطبيعي عبر خط الغاز العربي بمعدل يقارب أربعة ملايين متر مكعب يومياً بهدف التخفيف من أزمة الكهرباء، إلا أن التطورات الإقليمية أخيراً أدّت إلى تعطيل هذا المسار. كما أدّى سقوط بقايا صاروخ في ريف دمشق إلى خروج أحد محولات محطة تحويل العتيبة الصناعية عن الخدمة، ما سبّب مزيداً من الضغط على شبكة الكهرباء الهشة أصلاً.
اضطراب خطط التعافي

تعتمد سورية في ميزانيتها لعام 2026 على خطة تعافٍ صناعي، لكن الحرب ضد إيران تضرب عصب هذه الخطة. ووصول سعر النفط المحتمل إلى عتبة 100-110 دولارات يعني زيادة فاتورة الاستيراد السورية بنسبة لا تقل عن 40%. ويترجم هذا الارتفاع فوراً إلى تضخم في أسعار المواد الغذائية، ما يهدد الأمن الغذائي لشرائح واسعة. كما أن تعطل خط الغاز العربي يعني عودة “التقنين القاسي” للكهرباء، ما يعطّل المعامل والمصانع التي بدأت لتوها بالعمل في مدن مثل الشيخ نجار وحسياء. وسيكون لهذا الارتفاع انعكاسات مباشرة على قطاعات الإنتاج المختلفة، مثل الزراعة والصناعة والنقل، ما قد يؤدّي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج ومن ثم زيادة أسعار السلع في الأسواق المحلية. كما أن أي استهداف محتمل للبنى النفطية في دول الخليج قد يؤدي إلى تقليص الاستثمارات الخليجية في المنطقة، بما في ذلك سورية التي كانت تأمل في جذب استثمارات عربية لدعم اقتصادها المتعثر.
ومن التداعيات المباشرة أيضاً استمرار إغلاق الأجواء وتعطل حركة الطيران في مطار دمشق الدولي، وهو ما يعرقل حركة نقل الركاب والشحن الجوي. ويؤثر ذلك مباشرةً على حركة التجارة الخارجية، خصوصاً في ظل اعتماد سورية بشكل كبير على الاستيراد لتأمين سلع أساسية عديدة. كما شهدت حركة شحن البضائع تباطؤاً ملحوظاً بعد فترة من التحسّن النسبي، الأمر الذي يزيد من الضغوط على الأسواق المحلية، ويسهم في ارتفاع الأسعار.
وعلى المستوى الاجتماعي، قد تؤدّي هذه التطورات إلى تفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين الذين يعانون أصلاً أوضاعاً اقتصادية صعبة. فارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية سيزيد من الضغوط على الأسر السورية التي تعتمد نسبة كبيرة منها على الدخل المحدود أو التحويلات الخارجية. كما أن أي موجات نزوح محتملة من الدول المجاورة قد تضع ضغوطاً إضافية على البنية التحتية والخدمات العامة داخل البلاد. وتشير التقديرات إلى احتمال دخول مئات الآلاف من اللبنانيين والسوريين اللاجئين في لبنان إلى الأراضي السورية. هذا الضغط الديمغرافي المفاجئ يرهق البنية التحتية المتهالكة (المشافي، المدارس، المخابز)، ويستنزف إمكانات الدولة المحدودة ويجعلها منهمكة في إدارة أزمات معيشية ومجتمعية، بدل التخطيط للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار وتحسين مستوى الخدمات.

المسألة الكردية والخطط الإسرائيلية

ومن بين السيناريوهات التي يطرحها بعض المراقبين احتمال حدوث تغيرات داخل إيران نفسها في حال تعرضت لضربات قاسية أو شهدت اضطرابات داخلية. ففي مثل هذا السيناريو، قد تسعى بعض القوى الكردية الإيرانية إلى استغلال الوضع للمطالبة بكيان سياسي مستقل. وإذا حدث هذا، فقد يشجع الأكراد في دول الجوار، بما في ذلك سورية، على رفع سقف مطالبهم السياسية، وربما إعادة النظر في الاتفاقات القائمة بين “قوات سوريا الديمقراطية” والحكومة السورية والتي أخذت طريقها إلى التطبيق منذ فترة وجيزة فقط، ما قد يشكل تحدّياً إضافياً أمام الدولة السورية التي تسعى إلى تثبيت الاستقرار
الداخلي وإعادة بناء مؤسساتها بعد سنوات من الصراع.

وعلى المدى الأبعد، من المرجّح أن يكون التأثير الأكبر للحرب على سورية مرتبطاً بإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. فنتائج الحرب قد تعيد رسم خريطة النفوذ الإقليمي بين القوى الكبرى في المنطقة. ويرى بعض المحللين أن إسرائيل تسعى من خلال هذه الحرب إلى فرض واقع سياسي جديد في الشرق الأوسط، يقوم على إعادة ترتيب موازين القوى بما يعزز هيمنتها العسكرية والسياسية والاقتصادية في المنطقة. وفي حال خرجت إسرائيل منتصرة من هذه المواجهة، فقد تحاول فرض ترتيبات أمنية جديدة على الدول المجاورة، بما في ذلك سورية. وقد يتجاوز الأمر مسألة تثبيت السيطرة على هضبة الجولان المحتلة، ليصل إلى فرض شروط أمنية وسياسية جديدة على دمشق تحت ذرائع أمنية أو عبر استغلال بعض القضايا الداخلية المعلقة مثل الوضع في السويداء.
وتثير تقارير إعلامية إسرائيلية مخاوف مزعومة من تحرّكات عسكرية سورية قرب هضبة الجولان، رغم نفي السلطات السورية هذه المعلومات. إلا أن هذه التقارير تعكس حساسية الوضع العسكري في تلك المنطقة وإمكانية تحولها إلى بؤرة توتر جديدة في حال تغيرت موازين القوى الإقليمية. وإذا خرجت إسرائيل منتصرة بوضوح من المواجهة الحالية، فمن المرجّح أن تسعى إلى تحويل هذا الانتصار العسكري إلى مكاسب سياسية وأمنية طويلة الأمد. وفي سورية، قد يظهر ذلك بعدة طرق، مثل محاولة فرض ترتيبات أمنية جديدة حيث تعتبر إسرائيل الجبهة السورية من أهم مصادر التهديد تاريخياً. لذلك قد تسعى إلى توسيع المنطقة الأمنية العازلة إلى حدود دمشق وفرض قيود صارمة على انتشار الجيش السوري في الجنوب، بغية اقامة نظام ردع طويل الأمد يفرض واقعاً أمنياً جديداً، إضافة إلى منع وصول أسلحة استراتيجية إلى سورية، وتكثيف ما تسميه “الضربات الوقائية” إذا رأت تهديدات مزعومة.
كما سوف تعمل حكومة الاحتلال على تثبيت احتلال الجولان، مع التشبث بمواقع احتلتها بعد سقوط النظام السابق، مثل قمة جبل الشيخ، لكن من دون ترجيح التوسع الجغرافي داخل الأراضي السورية، لأن ذلك قد يفتح جبهات جديدة ويثير رفضاً دولياً واسعاً.
وبوجه عام، سوف تجد إسرائيل في هزيمة إيران فرصة لإعادة ترتيب البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط عبر تعزيز تفوقها العسكري المطلق في المنطقة، بحيث تصبح القوة الأكثر تأثيراً من دون منافس إقليمي قوي، وقد تحاول استثمار اللحظة لدفع مزيد من الدول العربية نحو عقد اتفاقيات تطبيع وتعاون اقتصادي وأمني وبناء تحالفات إقليمية ضد “التهديدات المشتركة”، مع تجاهل ملف القضية الفلسطينية الذي ظل عاملاً حساساً في فرملة التعاون العربي مع إسرائيل.
وفي المقابل، ورغم الدعم الأميركي القوي لإسرائيل، قد تفرض ظروف المنطقة المعقدة والمتغيرة نفسها، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تريد فوضى إقليمية، حتى لو دعمت إسرائيل عسكرياً، فإنها غالباً لا تريد حروباً مفتوحة طويلة، أو احتلال أراضٍ جديدة، أو انهيار دول المنطقةـ لأن ذلك قد يؤدي إلى عدم استقرار يضر بالمصالح الأميركية التي هي أوسع من الاهتمامات الإسرائيلية الضيقة والمبالغ فيها، خصوصاً حرص الولايات المتحدة على استقرار الخليج وأمن الطاقة العالمي ومنع توسع نفوذ قوى أخرى مثل روسيا أو الصين في المنطقة.

بين المخاطر والفرص

رغم المخاطر الكبيرة التي قد تحملها هذه الحرب لسورية، قد تفتح التغيرات الإقليمية أيضاً فرصاً محدودة أمام دمشق لإعادة تعزيز موقعها السياسي والدبلوماسي، خاصة إذا نجحت في الحفاظ على سياسة التوازن والابتعاد عن سياسة المحاور. ففي حال أعادت الحرب تشكيل النظام الإقليمي بشكل جذري، قد تجد سورية نفسها أمام فرصة لإعادة الاندماج في المنظومة الإقليمية الجديدة بشروط أفضل، خصوصاً إذا تمكنت من تثبيت الاستقرار الداخلي وتحسين علاقاتها مع الدول العربية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، في حال استقرار الوضع الأمني النسبي في سورية مقارنة بجيرانها المشتعلين، فإن الموانئ السورية (اللاذقية وطرطوس) قد تصبح هي المنافذ الأكثر أماناً للتجارة المتوجهة نحو العراق والأردن والخليج، هرباً من توترات الخليج العربي ومضيق هرمز.
وفي المحصلة، تبدو سورية اليوم في موقع حساس بين محاولتها النأي بنفسها عن الحرب الإقليمية الدائرة وواقع جغرافي وسياسي يجعلها عرضة لتداعياتها. فالتأثيرات المباشرة للحرب قد تبقى محدودة نسبياً، لكنها قد تتفاقم عبر مسارات غير مباشرة تتعلق بالاقتصاد والطاقة وحركة التجارة والتوازنات السياسية في المنطقة.
وعلى المدى الأبعد، سيعتمد حجم تأثير هذه الحرب على سورية إلى حد كبير على نتائجها النهائية وعلى شكل النظام الإقليمي الذي قد ينشأ بعدها. فإما أن تجد دمشق نفسها أمام بيئة إقليمية أكثر استقراراً تسمح لها بالتركيز على إعادة البناء، وإما أن تدخل مرحلة جديدة من عدم اليقين الجيوسياسي الذي قد يفرض عليها تحديات إضافية في مسار التعافي الطويل.
بطبيعة الحال، لا يعني ما سبق أن سورية اليوم مجرد ضحية للجغرافيا، بل هي فاعل سياسي يحاول اجتراح معجزة البقاء والازدهار وسط النيران. والحرب ضد إيران يمكن أن تكون اختباراً قوياً لصلابة الدولة السورية وقدرتها على النهوض من بين الركام، وسط تداخل غير مسبوق بين الملفات الداخلية والخارجية، ما يتطلب إدارة رشيدة تسهم في تجنب المخاطر وتحويلها إلى فرص.

العربي الجديد


سورية: الفراغ الاستراتيجي وإغراء إعادة التموضع الإيراني/ عبير نصر
10 مارس 2026
في وقتٍ لم يستعدّ فيه العالم لهذا المستوى من الجنون والاستقطاب، وجدَ الشرقُ الأوسط نفسه فجأةً غارقاً في مواجهةٍ مفتوحةٍ تقودها إسرائيل وأميركا ضدّ إيران، التي يبدو أنها تحرق الأوراق كلّها دفعة واحدة. في هذا المشهد، تتجلّى سورية مثالاً صارخاً على أنّ الحروب لا تُقاس فقط بمن يُطلق الرصاصة الأولى، بل بمن يتحمّل ارتداداتها الأطول أمداً. هي المتحوّلة منذ عام 2011 مطبخاً سرّياً لمشاريع إقليمية ودولية، ترى نفسها، مجدّداً، في موقع بالغ الحساسية؛ فهي ليست طرفاً مباشراً في أيّ مواجهة محتملة، لكنها من أكثر الساحات تأثّراً فيها. تقف في قلب تداعيات الحدث على خطّ تماس جيوسياسي خطِر: موقعها، تحالفاتها، هشاشتها الاقتصادية، تعقيد نسيجها الاجتماعي… كلّها عوامل تجعلها عرضةً لارتدادات أيّ زلزال إقليمي طارئ.
إلى جانب ذلك، تبقى الذريعة الإسرائيلية قائمةً وفاعلة، فقد أعلن جيش الاحتلال، خلال الأشهر الماضية، القبض على ما وصفها بـ”خلايا تابعة لفيلق القدس الإيراني” داخل الأراضي السورية، مدّعياً أنها كانت تخطّط لتنفيذ عمليات ضدّ إسرائيل. غير أنّ هذا الخطاب يمكن قراءته ضمن سياقٍ استراتيجي وإعلامي أوسع، تُوظَّف فيه بؤر الفوضى المحلّية لإعادة إنتاج سردية أمنية خبيثة، بغرض تضييق الخناق على سورية (الشريان الحيوي للنفوذ الإيراني في المشرق سابقاً)، كما تسوّق فكرة وجود خطر أمني دائم يستدعي بقاء إسرائيل متأهّبة؛ فرواية “الخلايا النائمة” تُنتج إطاراً أمنياً دائرياً لا ينتهي، يعزّز فكرة أنه حتّى في غياب وجود عسكري إيراني مباشر، فإنّ طهران ما زالت قادرةً على تهديد إسرائيل من البوابة السورية.

ما سبق كلّه لا يمكن فصله عن السياق الاستراتيجي للحرب الحالية ضدّ طهران؛ لتحشيد مبرّرات مستمرّة لاجتياح المنطقة وإعادة بلورتها، وليس بالضرورة انعكاساً للواقع الموضوعي القائم حالياً. وما يجعل لهذا السرد وزناً خطيراً خلفيته السياسية والدوافع التكتيكية المحتمَلة، فإسرائيل التي لطالما استخدمت “التهديد الإيراني” سبباً لتوسيع نشاطها العسكري في سورية، ما زالت تستثمر هذه اللغة الأمنية لصياغة أرضية معقولة لاستباحتها مزيداً من أراضي الجنوب السوري، خصوصاً أنّ قراءات وتحليلات مستقلّة تفيد بأنّ التوترات المستدامة في سورية انعكاسٌ طبيعي لتنافس جيوسياسي يشمل لاعبين كُثراً يسعون إلى ملء الفراغ الهائل الذي خلّفه خروج إيران. لا يظهر هذا التنافس المحموم فقط من خلال الألاعيب الأمنية، بل عبر مشاريع النفوذ، وموارد وممرّات استراتيجية، وأيضاً عبر التحوّلات السياسية الداخلية في الدول المجاورة.
غير أنّ خروج لاعب بحجم إيران من سورية يفتح باباً للسؤال: من ملأ هذا الفراغ؟ هل تعزّز الحضور الروسي؟ هل تمدّدت قوى محلّية؟ هل وسّعت تركيا نفوذها شمالاً، وضمنتْ إسرائيل الجنوب السوري؟ أم إنّ البلاد دخلت مرحلة توازن هشّ بين قوى متنافرة؟ ففي أزمنة الحروب الإقليمية، يغدو الفراغ أخطر من الاصطفاف الذي يمنح هُويّةً واضحةً للخصوم والحلفاء، بينما الفراغ يجذب الطامحين، ويحوّل الأرض ساحةَ اختبارٍ لإرادات متنافسة. وإذا اعتُبرت سورية منصّةً لوجستيةً أو سياسيةً داعمة للجهد الأميركي، فقد تصبح هدفاً لردّات فعل غير تقليدية. وإذا حاولت الابتعاد، فقد تُتَّهم بالازدواجية من هذا الطرف أو ذاك. عموماً، لا يكمن الخطر هنا فقط في الاقتصاد أو الأمن، بل في المزاج العام. هل يشعر السوريون بأنّ بلادهم خرجت أخيراً من لعبة المحاور؟ أم إنّ الحرب الجديدة تعيدهم إلى مربع القلق القديم؟
بالتساوق مع ما تقدّم، يبدو أنّ تخفيف الولايات المتحدة حضورها العسكري في سورية سحب معه جزءاً من ميزان الردع الذي كان يضبط إيقاع الاشتباك بين القوى المتزاحمة على الأرض. وجودها في الشرق وعند التنف لم يكن تفصيلاً عسكرياً، بل خطّ فاصل بين حسابات متعارضة: طموح إيران في العودة، حلم إسرائيل في تسيّد المنطقة، مساعي دمشق إلى توحيد البلاد، والحسابات التركية شمالاً… إلخ. ومع أيّ تقليص، يتبدّل الإيقاع، وتتسع هوامش الحركة، وتصبح الرسائل النارية أكثر جرأة، لأنّ العين التي كانت تراقب وتكبح لم تعد بالحدّة نفسها.
بطبيعة الحال، الفراغ لا يعني حتماً حرباً شاملة، أحياناً يُولد من الانسحاب توازن جديد، تتقاسم فيه القوى الفاعلة أدوار الردع، وتُعاد صياغة قواعد الاشتباك بطرق غير معلَنة. وأحياناً أخرى يتحوّل الغياب إلى دعوة مفتوحة لاختبار الحدود، فتتكاثر الضربات الموضعية ويعلو منسوب المخاطرة. فعلياً، الربط بين الانسحاب وفتح الساحة للمواجهات ممكن، لكنه ليس قدراً ميكانيكياً؛ إنه احتمالٌ يختبر قدرة الأطراف على إنتاج ردع بديل، أو انزلاقها إلى وهم أنّ اللحظة صارت بلا سقف. ومع ذلك، فمسار الانسحاب لم يُقفل بالكامل بعد؛ ما حدث هو تفكيك تدريجي، لا مغادرة فجائية، تاركاً وراءه فراغاً يُعيد طرح سؤال التوازن في سورية، لا بوصفه سؤال سيادة فقط، بل سؤال من يملأ المساحات التي كانت حتّى الأمس تحت عين واشنطن.
عملياً، تحاول قيادة “سورية الجديدة” التخلّص من الإرث الثقيل المرتبط بتاريخها الجهادي، لشرعنة دورها في ملء الفراغ. يأتي ذلك مع تحوّل لافت في موقف مجلس الأمن الذي رفع العقوبات عن هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، قبيْل بدء الحرب على إيران. غير أنّ الدلالة الأهم لا تكمن في التوقيت وحده، بل في السياق الذي سبق هذه الخطوات ومهّد لها. إذاً، نحن أمام لحظة إقليمية تُعيد هندسة موازين القوى بين دول ومحاور، وتسمح لفصائل مصنفة سابقاً في قوائم الإرهاب بالتحرّك الاستراتيجي داخلياً من دون أن تُتهم بانتهاك قرارات أممية. بمعنى آخر، يمثّل القرار تحضيراً دبلوماسياً للقفز فوق الفوضى القديمة، بحيث تصبح سورية أكثر استعداداً لاستيعاب ارتدادات غليان الإقليم، وتحويلها من كيان معزول إلى أداة مشروعة لضبط المناطق والحدود، ما يسمح بتقليل أيّ تأثير محتمل لحلفاء إيران في الجوار الملتهب.

لكن هذه الإزالة لا تعني تحوّلاً أيديولوجياً مُثبتاً بقدر ما تعكس براغماتيةً سياسيةً: عندما تتبدّل الأولويات، تتبدّل معها التعريفات السياسية، وأحياناً تُخفَّف القيود عن فاعلين كانوا مُدانين دولياً، إذا بدا أنهم قابلون للاحتواء أو لإعادة التوظيف ضمن معادلة جديدة، خاصّةً مع تصاعد التوتر مع طهران الذي يفتح باب التأويل بأنّ ثمّة سعياً لإعادة استثمار الساحة السورية عبر ضبط العلاقة مع الفاعلين المحلّيين، فالتقارير تشير إلى أنّ المجال الجوي السوري استُخدم بالفعل في العمليات العسكرية، سواء لاعتراض إسرائيل لصواريخ إيرانية، أو لعبور بعض الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما أدّى إلى سقوط حطام في الأراضي السورية. هكذا يصبح القرار، إنْ ثبت بتفاصيله، جزءاً من لوحة أشمل عنوانها “ترتيب المسرح قبل العاصفة”، لا تبرئة تاريخية ولا مصالحة كاملة، بل إعادة تموضع تكتيكي في لحظة إقليمية شديدة السيولة.
نافل القول إن الحرب الدائرة اليوم ليست مجرّد مواجهةٍ عسكرية؛ إنها لحظة إعادة تعريف للمنطقة بأسرها. وسورية، التي خرجت توّاً من عباءة إيران، تجد نفسها أمام مفترق طرق. يمكنها الانزلاق مجدداً إلى مستنقع صراع المحاور لتغدو ساحةَ تصفية حسابات. ويمكنها، في المقابل، أن تغتنم الفرصة لتكريس سياسة توازن وحياد نسبي، تعيد عبرها بناء مكانتها الإقليمية، فتتحوّل للمرّة الأولى إلى دولةٍ تحاول النجاة بعقل بارد في زمن الجنون العالمي.

العربي الجديد


خواطر حول الحرب الدائرة/ بكر صدقي
دخلت الحرب يومها العاشر، حرب “من فوق أسطح البيوت” فلا حدود برية أو حتى بحرية بين أطرافها. كانت “بروفا” مصغرة عنها قد جرت في شهر حزيران الماضي وتوقفت بعد اثني عشر يوماً من اندلاعها بقرار من الرئيس الأمريكي الذي أعلن أن الحرب قد حققت أهدافها بتدمير البرنامج النووي الإيراني. لكنه اليوم يعود ليحقق الهدف نفسه للمرة الثانية، بعدما قلب طاولة المفاوضات مع إيران لأنها لم ترضخ لجميع شروطه. وأضاف أهدافاً جديدة للحرب الثانية أبرزها إسقاط النظام الإيراني!
في واشنطن سجال صاخب حول شرعية أو لا شرعية هذه الحرب، فإدارة ترامب لم تتمكن من إقناع الكونغرس بأن إيران تشكل تهديداً للأمن القومي الأمريكي، وقال بعض أعضائه ما معناه إن إسرائيل وجدت في ترامب أداة طيعة لتحقيق أهدافها. في حين لجأ ترامب إلى رجال دين من الطائفة الإنجيلية لمباركة حربه الأرماجدونية بحسب خياله المريض، فكان مشهداً يسجل للتاريخ في المكتب البيضاوي وأولئك القساوسة يلمسون الرئيس بأيديهم في حركة مباركة، فبدا المشهد وكأنه من القرون الوسطى.
أراد نتنياهو أن يصيب النظام الإيراني بصدمة صاعقة منذ اليوم الأول حين تمكنت قواته من اغتيال رأس السلطة، المرشد الأعلى علي خامنئي، ومعه رهط من قيادات النظام، فيما يذكرنا باغتيال زعيم حزب الله في لبنان حسن نصر الله وأبرز قيادات الحزب. لكن النظام الإيراني لم يتأثر بالقدر الذي كان يأمله كل من نتنياهو وترامب، على رغم فجيعته الكبيرة، فواصل حربه الدفاعية بالزخم نفسه مستمراً في استهداف إسرائيل ودول عربية وإقليمية تتهمها طهران بإيواء قواعد أمريكية، مع أن ضرباتها لم تقتصر على تلك القواعد، بل ضربت أهدافاً مدنية في كل من السعودية والإمارات وقطر والكويت وسلطنة عمان والبحرين والأردن والعراق، بل وصلت بعض الضربات إلى تركيا وقبرص، وقيل إن استهداف القاعدة البريطانية في قبرص كان من طرف حزب الله في لبنان، بعدما زج الحزب بنفسه وبلبنان في حرب جديدة مع إسرائيل على رغم أنه لم يتعاف بعد مما أصابه قبل عامين. حرب جديدة جلبت الويلات لحاضنته الشيعية وللبنان ككل، وصفها بعض الكتاب اللبنانيين، بحق، بأنها حرب انتحارية.
ربما الشيء الأكثر وضوحاً في هذه الحرب هو أن ترامب وإدارته لا يملكان خطة واضحة للحرب وكيفية الخروج منها. فتارةً يطلب ترامب من منظمات كردية إيرانية المشاركة البرية في الحرب من أجل إسقاط النظام الإيراني، وإذ تواجهه تلك المنظمات بشروط لا بد من توفيرها يتراجع فيقول إنه لا يريد مشاركة كردية لأنها ستزيد الأمور تعقيداً. ثم يطالب ليندسي غراهام، السناتور الجمهوري المقرب منه، دول الخليج بالمشاركة في ضرب إيران مبتزاً إياها برفع الغطاء الأمني عنها، في حين أن تلك الدول تتعرض لضرب يومي من إيران فلا غطاء ولا من يحزنون. وكأن الإدارة الأمريكية وجدت نفسها في ورطة عسكرية سياسية لا تعرف كيف الخروج منها. سبب ذلك بطبيعة الحال هي أن القيادة الإيرانية تخوض حربها الدفاعية كحرب وجود. من المحتمل أن ترامب كان يتوقع أن تستسلم هذه القيادة في غضون بضعة أيام، وخاصة بعد مقتل المرشد، فلم يحسب حساباً لحرب طويلة مكلفة بكل المعاني. نتنياهو بالمقابل وضع هدفاً واضحاً لحربه هو إسقاط النظام لا أقل من ذلك.
لا شيء يشير إلى احتمال انتهاء قريب للحرب باستسلام القيادة الإيرانية وفقاً لمعادلة ضمان بقاء النظام بعد خلع أنيابه العسكرية وتفكيك أذرعه الميليشيوية في دول الإقليم. سيراهن الإيرانيون على الآثار الجانبية للحرب: شرخ أمريكي – إسرائيلي، انقسام سياسي داخلي في كل من إسرائيل والولايات المتحدة، تضرر توريدات النفط والغاز وبالتالي ارتفاع أسعارهما وتأثير ذلك على اقتصاديات الدول الغربية. أما المراهنة على نفاد الذخائر الحربية من كلا الطرفين، فيبدو أن عليهما الانتظار لفترة أطول، بل إن الطرف المعتدي يبدو في حالة معاناة أكثر بهذا الخصوص نظراً لحاجتهما إلى نقل الصواريخ والطائرات الحربية من مسافة بعيدة جداً عن أرض المعركة.
قال نتنياهو في أحد تصريحاته، قبيل اندلاع الحرب، إن إسرائيل ماضية للقضاء على المحور الشيعي، وبعد ذلك سيكون عليها أيضاً مواجهة “محور سني قيد التشكل”. واضح أن المقصود به هو محور رباعي لاحت بوادر تشكيله بين السعودية وباكستان وتركيا ومصر. هذا يتعارض تماماً مع مناخات “المعاهدات الإبراهيمية” التي عمل عليها ترامب منذ ولايته الأولى لتحصين إسرائيل بصورة مستدامة. فكلام نتنياهو ينذر بحروب إسرائيلية دائمة مع محيطها العربي والإسلامي، في إصرار على بقائها كياناً ترفضه تربة المنطقة لا يبقى إلا بمواصلة الحرب الأبدية.
آخر “إنجازات” نتنياهو الحربية تمثل في ضرب ثلاثين موقعاً لتخزين النفط، الأمر الذي أثار استياء الإدارة الأمريكية بسبب انعكاس هذه العملية بصورة مباشرة على أسواق النفط والغاز، فقفز سعر البرميل إلى 120 دولارا، في حين زادت أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 30%. فإذا أضفنا إلى ذلك تهديد إيران بضرب منشآت النفط والغاز في دول الخليج، وإغلاق مضيق هرمز سلفاً، فهمنا الورطة الكبرى التي يجد ترامب نفسه فيها ولا يعرف طريقاً للخروج.
لا يعني هذا الكلام تضخيماً لإمكانات صمود إيران، بقدر ما يريد الإشارة إلى كلفة الحرب على الطرف المعتدي. ففي آخر التحليل يبقى ميزان القوى مختلاً بصورة هائلة بين الطرفين، ومعاندة النظام الإيراني تكلفه أكثر بكثير من الطرف الآخر بالمقاييس النسبية، إضافة إلى كلفته على دول الإقليم غير المنخرطة في الحرب. وإذا أردنا المقارنة يمكن تشبيه وضع إيران بوضع حزب الله بعد حرب الإسناد: صحيح أن النظام لم يسقط لكنه بات ضعيفاً مهترئاً مرفوضاً من قسم كبير من شعبه ومعزولاً عن المجتمع الدولي.
سوف تنتهي هذه الحرب يوماً ما، لا أحد يمكنه التنبؤ بموعد تقريبي. سنستيقظ بعدها على عالم أكثر أمريكية وشرق أوسط أكثر إسرائيلية. هذا مخيف.

٭‭ ‬كاتب‭ ‬سوري
القدس العربي


سوريا في عين العاصفة.. التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية ـ الإيرانية/ مازن الشاهين
الحرب الأميركية-الإيرانية تهز المنطقة.. ماذا يعني ذلك على الاقتصاد السوري؟

2026-03-10
في منطقةٍ تعيش على إيقاع التوترات المتلاحقة، لا تبدو أي مواجهة عسكرية حدثاً عابراً، فكيف إذا كانت بين الولايات المتحدة وإيران؟ حربٌ من هذا النوع لا تُقاس آثارها بعدد الصواريخ فحسب، بل بارتداداتها على أسواق الطاقة، وحركة التجارة، وأسعار الصرف، وسلاسل الإمداد، وسوريا الخارجة من سنوات حربٍ مدمّرة، تجد نفسها مجدداً في قلب الإعصار، ففي اللحظة التي يحتاج فيها الاقتصاد السوري إلى أكبر قدر من الاستقرار والدعم الدولي، يجد نفسه في مواجهة أزمة إقليمية قد تُبدّد جزءاً من الاهتمام الدولي والتمويل نحو أولويات أخرى، واليوم تتقاطع الحسابات السياسية مع تحديات اقتصادية معقدة، ليجد الاقتصاد السوري نفسه أمام تحدٍّ نفسي عميق: كيف يُقنع المستثمرين الدوليين أن سورية “آمنة للاستثمار” بينما تستعر حرب في دولة مجاورة على بُعد بضع مئات من الكيلومترات؟ هذا التحدي لا يحتاج إلى رصاصة واحدة تُطلق على الأراضي السورية ليُلقي بظلاله على قرارات الاستثمار، ما يجعل السؤال مشروعاً: هل تتحول هذه المواجهة إلى عبء إضافي على الاقتصاد السوري، أم إلى فرصة لإعادة التموضع الإقليمي؟
كيف تُعيد هذه الحرب تشكيل مسار الاقتصاد السوري الناشئ؟

يقول المحلل السياسي نجم العبدالله في تصريحات لـ”963+” سوريا ليست طرفاً مباشراً في المواجهة، لكنها بحكم الجغرافيا والسياسة جزء من معادلة إقليمية معقدة، والحرب الأميركية ـ الإيرانية، لن تمر دون أثر، ودمشق فضّلت في الأيام الأولى للحرب التحفّظ والمراقبة، بدلاً من اتخاذ مواقف علنية، وهو نهج مدروس لدولة تريد الحفاظ على علاقتها مع واشنطن (الداعمة للضربات) وأنقرة (الرافضة لها) والرياض (المتضررة من الانتقام الإيراني) في آنٍ واحد، لكن ثمة بُعد إيجابي لا يمكن إغفاله، فتأثير الحرب يُنهي نهائياً أي احتمال لعودة النفوذ الإيراني في سوريا، وانهيار القدرة الإيرانية على زعزعة الاستقرار إقليمياً، وهو يوفر لحكومة دمشق فرصة ذهبية لتعزيز علاقاتها مع الدول الخليجية التي تريد ملء الفراغ الإيراني في المشرق العربي.

ويضيف: إلا أن ذلك يتوجب عليها إدارة فاتورة الطاقة المتنامية في ظل ارتفاع أسعار النفط وتوقف الغاز الإسرائيلي، والحفاظ على ثقة المستثمرين وإقناعهم بأن سوريا “جزيرة استقرار نسبية” في بحر اضطراب إقليمي، وتأمين استمرار المساعدات الإنسانية لـ 16.5 مليون سوري في ظل انشغال المانحين بأولويات متضاربة، فالصورة ليست بالسواد الكامل ولا بالوردية المُتوهَّمة، وسوريا دولة هشّة تمشي على حبل مشدود بين فرصة تاريخية غير مسبوقة وهواجس إقليمية تتربص بها من كل اتجاه، والحرب الأمريكية-الإيرانية لم تضرب الاقتصاد السوري مباشرةً بأزمة فورية، لكنها أضافت أوزاناً جديدة على ظهر بنية لا تزال تتعلم كيف تقف.

ويشير العبدالله إلى أن الصورة ليست قاتمة، واشنطن ستضغط لتحويل سوريا إلى نموذج إقليمي في مرحلة الاستقرار الجديدة، والمملكة العربية السعودية التي تبرعت بـ 1.65 مليون برميل نفط لسورية في نوفمبر 2025 ـ في سياق تعزيز نفوذها الإقليمي ـ تبدو أكثر دوافع لاستمرار الدعم وتكثيفه الآن، والدول الخليجية لا تُريد أن تخسر ما بنته في سوريا بسبب الحرب، بل على العكس، هذه الحرب تجعل الاستثمار في سوريا أكثر استراتيجية من أي وقت مضى، وهذا الدعم الموضوعي، إذا تحوّل إلى دعم مالي منظّم وسريع، قادر على استيعاب الصدمة الإقليمية وتحويلها إلى رياح خلفية.

بالمقابل يحذر الخبير الاقتصادي الدكتور أيمن العبادي في تصريحات لـ”963+” من أن “غياب التهديد الإيراني المباشر” لا يعني حضور الفرصة الاقتصادية الكاملة، فالدول المجاورة مشتعلة، والطرق التجارية في خطر، وأسعار كل شيء ترتفع، والصراع لا يطرق باب الاقتصاد السوري بالعنف المسلح، بل يتسلل إليه عبر الأسعار والممرات والمستثمرين المترددين.

ويضيف أنه قبل أن تبدأ الحرب بيوم واحد، كانت الأمم المتحدة تُصنّف سوريا ضمن أكثر 18 بؤرة جوع في العالم لعام 2026، وكان برنامج الأغذية العالمي يُحذّر من أن 16.5 مليون سوري ـ أي نحو 70% من السكان ـ بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وكان إنتاج القمح قد تراجع بنسبة 40% في 2025 بسبب الجفاف، محقّقاً عجزاً بلغ 2.73 مليون طن، والآن مع اشتعال الحرب، تبرز مخاوف اقتصادية ذات طابع إنساني مباشر، أبرزها ارتفاع أسعار القمح عالمياً، فالحرب في الشرق الأوسط التي تهدد الشحن عبر هرمز سترفع أسواق السلع الغذائية بدرجات متفاوتة، وسورية، التي تعتمد على استيراد جزء من احتياجاتها الغذائية، ستتأثر مباشرةً، إضافة إلى مخاطر انشغال المانحين، الأزمة الإنسانية الإيرانية وتداعيات الحرب قد تُحوّل جزءاً من موارد المانحين الدوليين بعيداً عن سورية، وتحذّر الأمم المتحدة من أن أي تراجع في تدفق المساعدات سيُفاقم أزمة الجوع السورية المتصاعدة أصلاً.
التجارة والممرات: شرايين تحت الضغط

يضيف العبادي تقع سوريا على عقدة طرق برية تربط الخليج بالمتوسط، وأي اضطراب في العراق أو الخليج سيؤثر على حركة الشاحنات، وكلفة التأمين البحري، وزمن الشحن، وفي حال اتسعت رقعة المواجهة لتشمل مضيق هرمز، سترتفع تكاليف الشحن عالمياً، ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية في السوق السورية، مشيراً إلى أن سوريا تبني استراتيجيتها التجارية على ثلاثة محاور: الشمال عبر تركيا، والشرق عبر العراق نحو الخليج، والجنوب نحو الأردن ولبنان، الحرب الأميركية – الإيرانية تتهدد هذه المحاور بدرجات متفاوتة، فالمحور الشرقي حيث العراق في قلب العاصفة فهو في خضمّ الصراع المحتدم، وميليشيات موالية لإيران كـ ‘كتائب حزب الله’ أعلنت شنّ ضربات على القوات الأميركية في أربيل وقواعد أخرى، فيما يُشير مجلس الأطلسي إلى أن “العراق لا يزال ساحة مواجهة بين واشنطن وطهران” هذا الواقع يجعل الطريق البري السوري-العراقي مثقلاً بعدم اليقين، وقد يدفع الشاحنات إلى تعليق العبور جزئياً.

أما المحور الشمالي، بحسب العبادي، “فتركيا تبدو الرابح الأكبر وإن كانت في موقف ورطة ديبلوماسية ومكسب اقتصادي في آنٍ معاً، فبينما أعلنت أنقرة رفضها للحرب وعدم السماح باستخدام قاعدة إنجيرليك لضرب إيران، تجد نفسها المنفذ اللوجستي الوحيد الآمن نسبياً لسورية في الوقت الراهن، وقد كانت تركيا أصلاً تضخّ غازاً إلى دمشق عبر الأراضي السورية منذ نهاية 2025، وهو خط حيوي يكتسب أهمية مضاعفة الآن، وفي المحور الجنوبي توقف الغاز الإسرائيلي، حيث كانت سوريا تستفيد، من خلال ترتيبات إقليمية عبر الأردن، من جزء من إمدادات الغاز الإسرائيلي لتشغيل محطات الكهرباء، وهذا الخط متوقف الآن، والأردن الذي يربطه اتفاق تجارة مع سورية وقّعه الطرفان في 2025 يواجه هو الآخر ضغوطاً مماثلة، مما يُعقّد الربط الكهربائي الإقليمي الذي كانت دمشق تبنيه بعناية.

ويختم العبادي أن أفضل دفاع اقتصادي هو زيادة الإنتاج، لأن أي اقتصاد يعتمد على الاستيراد فقط يبقى رهينة التقلبات.
أزمة الطاقة.. الصدمة تصل دمشق

خبير الطاقة المهندس عارف النحاس يؤكد في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن كل دولار إضافي في سعر برميل النفط ينعكس مباشرة على كلفة الكهرباء والنقل والصناعة، والاقتصاد السوري لا يحتمل صدمة طاقة جديدة، فإيران لاعب أساسي في سوق الطاقة، واستهداف منشآتها رفع الأسعار عالمياً، وبالنسبة لسورية، التي تعتمد على استيراد المشتقات النفطية وسط تراجع الإنتاج المحلي، فإن ارتفاع الأسعار يعني زيادة فاتورة الاستيراد، وضغطاً أكبر على احتياطي القطع الأجنبي، وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج وموجة تضخم جديدة.

ويضيف: “سوريا قبل الحرب كانت تُنتج 400 ألف برميل نفط يومياً، واليوم لا تُنتج أكثر من 40 ألفاً، وهي بالتالي مستورد صافٍ في لحظة تشهد فيها أسواق الطاقة العالمية انفجاراً غير مسبوق، والضربة الأولى جاءت غير مباشرة، فمجرد إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز في 1 مارس أرسل موجة صدمة فورية عبر أسواق الطاقة، ارتفع سعر برميل النفط فوق 79 دولاراً قبل أن يصل إلى أعلى من ذلك، ووفق محللي ING وأوكسفورد إيكونوميكس، قد يتجه النفط نحو 100 إلى 140 دولاراً للبرميل في حال امتد الصراع لأسابيع، وأما الضربة الثانية فكانت مباشرة، فقد أعلنت إسرائيل إغلاق حقلي ‘ليفياثان’ و’كاريش’ احترازياً، وأوقفت تصدير الغاز إلى سوريا والأردن ومصر، وهذا يعني أن سوريا تفقد مصدراً كانت تعتمد عليه جزئياً لإنتاج الكهرباء عبر اتفاقيات إقليمية، وقطر علّقت إنتاج الغاز الطبيعي المسال احترازياً بعد استهداف منشآتها”.

ويختم نحاس: “في اقتصاد أنهكته الحرب والعقوبات، كل صدمة خارجية تُضاعف الأعباء. غير أن التاريخ يُظهر أن الأزمات قد تفتح أحياناً نوافذ لإعادة التموضع وإعادة البناء، وتبقى الكلمة الفصل في قدرة صانع القرار على إدارة المخاطر، وفي مرونة المجتمع والقطاع الخاص على التكيّف مع عاصفةٍ جديدة قد لا تكون الأخيرة”.
+963


سوريا أمام تحديات حدودية وأمنية جديدة بعد حرب إيران/ ماجد عبد النور
مارس 10, 2026
تنهي الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الأول وسط حالة واضحة من عدم اليقين حول مآلاتها المقبلة وما قد تفرزه من نتائج سياسية واقتصادية وأمنية وشبكة تحالفات جديدة في المنطقة. ومع أن مسار الحرب لا يزال مفتوحاً على عدة احتمالات، إلا أن المؤكد أن ما يجري يشكل محطة مفصلية في إعادة تشكيل الشرق الأوسط على الطريقة الأميركية الإسرائيلية، حيث ما تزال التحالفات الإقليمية التي ستنجم عن هذه الحرب قيد التشكل، بينما تبقى ملامح التوازنات الجديدة غير واضحة حتى الآن.

في هذا السياق، تبرز سوريا كواحدة من الدول الأكثر عرضة للتأثر بتداعيات هذا الصراع، سواء من حيث شكل المنطقة بعد انتهاء الحرب، أو من حيث الآثار الاقتصادية والتحديات الأمنية التي قد تنتج عنها. فالوضع الداخلي في سوريا يعاني أساساً من ضغوط اقتصادية كبيرة، إلى جانب تحديات أمنية مستمرة، خصوصاً على امتداد حدودها الإقليمية.

تتوضع إحدى أبرز هذه التحديات في الوضع الأمني على جانبي الحدود السورية. فشرقاً تمتد الحدود مع العراق، وغرباً مع لبنان، وهما دولتان تقعان تحت تأثير نفوذ الميليشيات الموالية لإيران والمعادية للدولة السورية، وتسعيان للانخراط في هذه الحرب إلى جانب إيران، حيث يشكلان جزءاً من ساحة الصراع الإقليمي الدائر، وأحد الأهداف العسكرية الرئيسية لإسرائيل في هذه المواجهة.

وبناء على ذلك، فإن أي اضطراب أو أزمة في هذين البلدين ستنعكس بشكل مباشر على سوريا نتيجة التداخلات الحدودية والعلاقات التاريخية الاجتماعية والثقافية التي تجمع شعوب هذه الدول.

ففي حال امتد حريق الحرب نحو العراق وأفرزت الحرب هناك فراغاً أمنياً كبيراً، فقد تواجه الحدود السورية العراقية أزمات وتحديات كبيرة، أبرزها احتمال عودة تنظيم داعش للنشاط بقوة على جانبي الحدود، وتوسعه وسيطرته على عمق جغرافي داخل العراق يشكل له قاعدة انطلاق نحو تنفيذ عملياته في سوريا بشكل أوسع، فمثل هذا السيناريو سيهدد الاستقرار في المحافظات الشرقية، وقد يشجع بعض الأطراف على محاولة تقويض الاتفاق القائم مع قوات قسد، ويدخل المنطقة في حسابات معقدة.

أما على الحدود اللبنانية، فإن التأثير المحتمل على سوريا قد يكون أوسع وأكثر تعقيداً نتيجة تداخل عدة عوامل، أبرزها احتمالية تدفق اللاجئين نحو سوريا بأعداد كبيرة، ما سيخلق أزمات اقتصادية واجتماعية وأمنية ستواجهها الحكومة السورية التي تعاني أساساً من واقع اقتصادي قاس وتحديات أمنية كبيرة.

غير أن التحدي الأكثر حساسية يرتبط باحتمال قيام إسرائيل باجتياح الجنوب اللبناني واحتلاله، وهو سيناريو قد يفرض واقعاً جديداً يتمثل في تغييرات ديموغرافية تدفع بحزب الله وقاعدته الاجتماعية نحو شمال لبنان على الحدود السورية. مثل هذا التحول قد يؤدي إلى ظهور بؤر توتر حدودية مستمرة مع سوريا، ويضعها أمام أزمات مستدامة على جانبي الحدود.

وتزداد خطورة هذا السيناريو إذا قررت إسرائيل توسيع عملياتها ضد حزب الله والتقدم نحو منطقة البقاع، مع إحكام السيطرة على طريق دمشق–بيروت الاستراتيجي. ففي هذه الحالة قد تجد دمشق نفسها تحت ضغط جيوسياسي وأمني مباشر، بما يشبه وقوع العاصمة بين فكي كماشة إسرائيلية. ومع ذلك، يبقى السيناريو الأكثر خطورة بالنسبة لسوريا هو احتمال انهيار الدولة اللبنانية ودخول لبنان في حرب أهلية. فمثل هذا التطور لن يقتصر تأثيره على الداخل اللبناني فقط، بل ستكون له تداعيات عميقة على سوريا سياسياً وأمنياً واجتماعياً.

إلى جانب ذلك يظل احتمال آخر قائماً، يتمثل في أن يؤدي الضغط الإسرائيلي المتزايد على لبنان إلى دفع حكومته نحو خيار التطبيع المنفرد مع إسرائيل، وربما توقيع اتفاقيات أمنية واقتصادية وحتى عسكرية معها. وفي حال حدوث ذلك، فبالتأكيد سينعكس سلباً على الأمن القومي السوري وعلى مفاوضاته المستمرة مع إسرائيل، ويضيف تحدياً جديداً إلى الدولة السورية، التي تعاني أساساً من انعدام الهدوء في هذا الإقليم الملتهب، ليعيقها من بناء أسسها الجديدة.

يضاف إلى ذلك تداعيات عدة يمكن أن تتفاقم في حالة اللايقين هذه، كالمشكلات الأمنية المرتبطة بتهريب السلاح، وتزايد انتشار تصنيع وتهريب المخدرات عبر الحدود ما سيلقي بظلاله على الحالة الأمنية السورية التي ستعيش تحت الاستنزاف الدائم.
الثورة السورية


هل ينهي ترامب الحرب على إيران قبل تحقيق أي من أهدافها؟
الثلاثاء 2026/03/10
رأى المحلل الأمني في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، رونين بيرغمان، اليوم الثلاثاء، أن لا أحد يعلم حالياً متى ستنتهي الحرب، وأنه “في إسرائيل يدركون أن هذا قد يستغرق عدة أسابيع أخرى، لكن من الجائز أيضاً أن تنتهي في أي وقت قبل ذلك”.

ونقل بيرغمان عن مسؤول أمني إسرائيلي قوله، إنه “في الحروب توجد عادة أهداف وموعد إنهائها يتقرر إما بموجب تحقيقها، أو بموجب المطالب النهائية التي تتقرر في مفاوضات مع العدو من أجل وقف إطلاق نار. وهنا، سواء بسبب عدم تحديد أهداف واضحة أو بسبب طبيعة ترامب، نحن لا نعلم فعلاً. كما أن الزملاء الأميركيين لا يقولون لنا، وليس لأنهم يخفون ذلك عنا، وإنما لأنهم ينفذون الأوامر فحسب ولا يعرفون كيف ستتطور الأمور”.

وقال مسؤول أمني إسرائيلي وصفه بيرغمان بأنه مطلع على التنسيق مع الولايات المتحدة، إنه “بتنا نتحرك في مكاننا. وهذه حرب لا توجد فيها أهداف واضحة، ويشارك فيها جيشان مع مئات الطائرات ومئات آلاف الجنود والجنرالات والصواريخ، لكن رجلاً واحداً فقط سيقرر لصالح الجميع ما إذا سنتوقف ومتى نتوقف ويعلن عن انتصار وبأي شروط، سيحول الضربة الأولى، مهما كانت ناجحة، إلى توحّل”.

وأضاف أن “كل ما ينفذه الجيش الإسرائيلي في إيران هو نجاح باهر. وهناك صعوبات وعدم نجاح أيضاً، هجمات باءت بالفشل، تحديات تضع مصاعب أمام قدرتنا الدفاعية، والغضب الأميركي على مهاجمة منشآت النفط وغير ذلك”.

تقديرات خاطئة

ووفقاً لبيرغمان، فإنه “قبل الحرب لم يتم تقدير القدرات الإيرانية بالشكل الملائم في عدد من النواحي: أولاً، خلافاً لتعهدات إسرائيل للولايات المتحدة، لا توجد احتجاجات في شوارع طهران؛ ثانياً، رغم توقع تدخل حزب الله، سُجلت مفاجأة في حجم ضلوعه؛ ثالثاً، رغم التوقعات أن الإيرانيين سيطلقون صواريخ على قواعد أميركية في الخليج، لم يعتقد أحد في إسرائيل أو في الولايات المتحدة أنهم سيطلقونها مباشرة على تجمعات سكانية مدنية في أكثر من عشر دول، وبضمنها في أوروبا؛ ورابعاً، أداء النظام الذي نجح في نقل القيادة من علي خامنئي إلى نجله بشكل منظم نسبياً”.

وشدد بيرغمان على أن “إثباتا آخر على أن ترامب ونتنياهو كذبا على الجمهور” في الحرب السابقة على إيران، يتعلق بمخزون “440 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وعلى بُعد خطوة من تخصيب عسكري يكفي لصنع 10 قنابل ذرية، وعلى ما يبدو أنه مدفون داخل خندق في المنشأة النووية في أصفهان، التي انهارت مداخلها وفتحات التهوية فيها بعد تعرضها لضربات كمية هائلة من صواريخ كروز في إطار هجوم أميركي في الحرب السابقة”.

وأشار إلى أن “المواد الموجودة في حاويات ليس بالإمكان تدميرها من الجو، وتحتاج إلى عناية كيماوية دقيقة وطويلة بأيدي موثوقة ومهنية، وقصفها سيسمح للإيرانيين أن يقولوا أنها فُقدت فحسب، أو سد إمكانية الوصول إليها إلى الأبد”.

الأسطول الإيراني

وفيما يتعلق بالأسطول الإيراني الذي ذكره ترامب في تصريحاته، أمس، قال مسؤول إسرائيلي رفيع وصفه بيرغمان بأنه مطلع على التفاصيل، إن “القوات الأميركية دمرت الأسطول الإيراني كله تقريباً، وهذا نجاح كبير بالتأكيد، لكن إضافة الحلبة البحرية إلى مكان هام في أهداف الحرب تم فقط بعد هذا النجاح. إذ لم يتحدث أحد أبداً، لا في إسرائيل ولا في الولايات المتحدة، عن الأسطول كأنه خطر علينا أو على الأميركيين. فكيف أصبح هاما فجأة؟ لأنه كان للأميركيين إنجاز بارز يمكنهم التلويح به، وترامب خبير في إجراء علاقات عامة للأمور، ولذلك تحول فجأة إنجاز عسكري محترم، لكنه هامشي، إلى واحد من أربعة أهداف الحرب، ومساوٍ للبرنامج النووي الإيراني. وهذا صبياني، وغير جدي ويدل بالأساس إلى أي مدى أهداف الحرب غير واضحة وتتغير حسب الوضع اليومي، وأحيانا حسب الوضع في كل ساعة”.

واعتبر بيرغمان أنه “بقدر ما كانت مشاركة نتنياهو هامة في اتخاذ ترامب القرار بشن الحرب، فإن مساهمة إسرائيل تصغر وتتضاءل في القرار لإنهاء الحرب. ولا أحد في جهاز الأمن الإسرائيلي ينشغل في تحديد مؤشرات الانتصار والنهاية أو في البحث عن طريق نحو اتفاق. وواضح للجميع أن المسألة ليست بأيدي إسرائيل أبدا، وهذا دليل آخر على التغيير الدراماتيكي الحاصل في العلاقات الإسرائيلية – الأميركية منذ أن دخل ترامب إلى البيت الأبيض وتحويل إسرائيل إلى دولة خاضعة للولايات المتحدة. وهذا الخضوع سيتحول إلى عبء على إسرائيل فيما هدفا الحرب الواضحان، إبعاد اليورانيوم المخصب عن إيران و/أو إسقاط النظام، لم يتحققا”.
المدن


هكذا أسقطت مفاجآت إيران الأربع حسابات ترامب ونتنياهو/ رونين بيرغمان
إليكم رهانًا منخفض المخاطر: في ختام هذه الحرب مع إيران (وهذا هو التعريف الصحيح – حرب، لا عملية، ولا غارة)، سيعلن اثنان على الأقل من القادة الثلاثة المعنيين النصر. سيقول نتنياهو وترامب، أو ترامب ونتنياهو، إننا انتصرنا، وإن تهديدًا وجوديًا قد زال، وإن جميع الأهداف قد تحققت، وإننا أطحنا بالنظام الشرير. ومن المحتمل أن يقول القائد الثالث، العضو الجديد في النادي مجتبى خامنئي، الكلام نفسه. من وجهة نظر النظام في طهران، الذي اعتبر هذه الحرب حرب بقاء، له بالطبع، وللشعب الإيراني لا قدر الله، فإن بقاءه، إن نجا، سيُعدّ الإنجاز المطلوب – ويبدو الآن أن هذا الإنجاز ليس متعذراً.

سوء تقدير قبل العملية

حتى هذه اللحظة، لا أحد يعلم متى ستنتهي الحرب الحالية. تدرك إسرائيل أنها قد تنتهي في غضون أسابيع، كما صرّح ترامب، ولكنها قد تنتهي في أي وقت قبل ذلك، حين فاجأ إسرائيل في عملية “الأسد الصاعد”. يوضح مصدر أمني: “عادةً ما تكون هناك أهداف في الحروب، ويُحدد تاريخ الانتهاء إما بناءً على تحقيقها، أو بناءً على الشروط المحددة في المفاوضات مع العدو لوقف إطلاق النار. هنا، ولعدم وجود أهداف واضحة، ولطبيعة ترامب، لا نعلم حقًا. زملاؤنا الأمريكيون لا يخبروننا أيضاً، ليس لأنهم يتكتمون على شيء، بل لأنهم أيضاً ينفذون الأوامر ولا يعلمون ما يخبئه لهم المستقبل”.

ويقول مصدر أمني مطلع على التنسيق مع الولايات المتحدة: “نحن بالفعل في حالة تخبيص. فالحرب التي لا أهداف واضحة لها، والتي يتشارك فيها جيشان بمئات الطائرات ومئات الآلاف من الجنود والجنرالات والصواريخ وغيرها، ولكن رجلاً واحداً فقط هو من يقرر مصير الجميع، متى وكيف يتم إيقاف الحرب وإعلان النصر وتحت أي شروط، تتحول إلى “تخبيص” بعد الضربة الأولى، مهما بلغت نجاحاتها”. ومع “التخبيص” الذي عم البلاد، برزت الصعوبات جليًا: “ليس كل ما يفعله الجيش الإسرائيلي في إيران نجاحًا باهرًا. فهناك أيضاً صعوبات وإخفاقات، وهجمات فاشلة، وتحديات تُعيق قدراتنا الدفاعية، وغضب أمريكي إزاء الهجوم على احتياطيات النفط، وغير ذلك”، كما يوضح المصدر.

قبل الحرب، لم تُقيّم القدرات الإيرانية تقييمًا دقيقًا في عدة مجالات: أولًا، خلافًا لوعود إسرائيل للولايات المتحدة، لم تشهد شوارع طهران أي احتجاجات؛ ثانيًا، على الرغم من التوقعات بتورط حزب الله، فإن حجم تورط هذه المنظمة الإرهابية كان مفاجئًا؛ ثالثًا، على الرغم من التوقعات بأن الإيرانيين سيطلقون صواريخ على القواعد الأمريكية في الخليج، لم يتوقع أحد في إسرائيل أو الولايات المتحدة أن يستهدفوا المراكز السكانية المدنية مباشرة في أكثر من عشر دول، بما فيها دول أوروبية؛ ورابعًا – أداء النظام، الذي تمكن من نقل السلطة من علي خامنئي إلى ابنه بطريقة منظمة نسبيًا.

خطر اليورانيوم غير المستخرج

يُعدّ الدليل الإضافي على كذب ترامب ونتنياهو على الرأي العام في عملية “الأسد الصاعد” هو القضية المحورية التي تُثار في نقاشات لا حصر لها بين الجيشين، وبين كبار السياسيين من كلا الجانبين، وبين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي: 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة – أي على بُعد خطوة واحدة من التخصيب القتالي – وهي كمية تكفي لصنع 10 قنابل ذرية، مدفونة على ما يبدو داخل ملجأ في موقع أصفهان النووي، الذي انهارت مداخله وفتحات تهويته بعد تعرضه لوابل كثيف من صواريخ كروز خلال هجوم أمريكي في العملية السابقة. لا يمكن تدمير المادة الموجودة في الحاويات جوًا، بل تتطلب معالجة كيميائية دقيقة ومطولة على أيدي خبراء موثوقين، ولا يُمكن للإيرانيين سوى الادعاء بفقدانها، أو منع الوصول إليها نهائيًا.

في الأشهر الأخيرة، رصدت أقمار التجسس الأمريكية دلائل واضحة على أعمال حفر إيرانية واسعة النطاق في الموقع، وخلصت وكالات الاستخبارات الأمريكية إلى أن إيران، أو ربما جهة أخرى، قادرة على استخراج مخزونها الرئيسي من اليورانيوم المخصب. وأفادت مصادر استخباراتية لصحيفة “نيويورك تايمز” أن إيران باتت قادرة على الوصول إلى اليورانيوم. وليس واضحاً مدى سرعة نقل إيران لليورانيوم، أو ما إذا كان بإمكانها التهرب من المراقبة التي تفرضها الولايات المتحدة وإسرائيل على الموقع. وصرح مسؤولون أمريكيون بأن وكالات التجسس الأمريكية تراقب الموقع في أصفهان بشكل مستمر، وأنها قادرة على رصد أي محاولة من جانب الحكومة الإيرانية لنقله والتصدي لها. وقد يشكل هذا المخزون من اليورانيوم جزءًا هامًا إذا قررت إيران المضي قدمًا نحو إنتاج أسلحة نووية.

وذكر موقع “سيمفور” الإخباري أن الولايات المتحدة وإسرائيل ليستا على ثقة تامة بالمراقبة، وتدرسان تنفيذ عملية عسكرية لإزالة المواد ونقلها إلى مكان آمن. إن مثل هذه الخطوة، في حال نجاحها، ستُلحق ضرراً بالغاً بقدرة إيران على إنتاج منشأة نووية، لكن الكلمة المفتاحية هنا هي “في حال”، إذ وفقاً للتقرير الأمريكي، نُظر في إمكانية تنفيذ الغارة في حزيران الماضي، إلا أن قائد القيادة المركزية الأمريكية رفضها، مُعللاً ذلك بأنها عملية بالغة الخطورة وفرص نجاحها ضئيلة للغاية.

تتطلب هذه العملية إنزال قوة كوماندوز في قلب أراضي العدو، وهو ما حدده الإيرانيون كهدف محتمل للغارة؛ وتهيئة الظروف التي تُتيح للقوة الوقت الكافي للدخول وإخراج الحاويات، ثم الانسحاب، مع العلم أن العالم بأسره سيعلم بالعملية في غضون فترة وجيزة.

لا يؤثر أي من هذا على قصة التضليل العام. فقد كان خطر اليورانيوم المخصب يخيّم على العالم حتى قبل عملية “الأسد الصاعد”، وبنفس القدر بعد انتهائها. ولم تُصِب تلك العملية في الواقع “رأس” المشروع النووي. في السابع والعشرين من حزيران من العام الماضي، وبعد أن صرّح ترامب بأن المواقع النووية قد “دُمّرت بالكامل”، وقال نتنياهو إن التهديد النووي والصاروخي قد زال عن إسرائيل لأجيال، بينما كانت أصداء احتفالات النصر لا تزال تتردد في آذاننا، كتبنا هنا: “يجب أن نكون صادقين، إنهم يُضلّلوننا، ويُشوّهون صورتنا، ويُشوّهون سمعتنا – فالمؤسسة الحاكمة لا تُخبر مواطني إسرائيل بالحقيقة. لا تُخبرهم بما حدث، ويحدث، وسيحدث في غزة، حيث يرتفع ثمن الدماء هناك، ولا تُخبرهم بما حدث في إيران – الضرر الذي لحق بها، والمخاطر التي اتُخذت باسمنا جميعًا استعدادًا للحرب، أو الظروف التي أدّت إليها تحديدًا في هذا الوقت، والأهم من ذلك – هل انتهى التهديد الوجودي الذي دفع إسرائيل إلى الحرب؟

هل “أُحبط” كما يقول المتحدثون باسم رئيس الوزراء، أم “أُحبط بشكل كبير” فقط، أي ليس بشكل كامل، كما يقول رئيس الموساد؟” من المهم أن نتذكر تعريف النصر حينها حتى لا نُصاب بالحيرة هذه المرة. عمليةٌ من شأنها مصادرة اليورانيوم المخصب من الإيرانيين قد تُغيّر مسار الحملة، ولكن ماذا لو لم يحدث ذلك؟

البحرية الإيرانية كمثالٍ على سلوك الولايات المتحدة

على الرغم من أن كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية أمضوا الأسبوع في محاولةٍ لتحديد أهداف الحرب بدقةٍ حول منع إيران من امتلاك سلاحٍ نووي، إلا أن الرئيس ترامب ظلّ يُقدّم تفسيراتٍ مُتباينةٍ للغاية لما يأمل تحقيقه. في أول تصريحٍ له منذ اندلاع الحرب، دعا ترامب إلى انتفاضةٍ شعبيةٍ في إيران ضدّ قادة البلاد. وفي الأيام التي تلت ذلك، ومع غياب أيّ تحرّكٍ في الشوارع وعدم وجود أيّ مؤشراتٍ على أن الإيرانيين يعملون بالفعل على الإطاحة بحكومتهم، أدلى ترامب بتصريحاتٍ تُوحي بأنه لا يُبالي كثيرًا بمستقبل إيران بعد انتهاء الحملة العسكرية، لأنها ستستسلم.

من جهة أخرى، كان لدى المتحدثة باسم البيت الأبيض، المتحدثة باسم ترامب، أهداف أكثر وضوحًا، وإن كانت مختلفة تمامًا: “لقد حدد الرئيس ترامب وإدارته بوضوح أهدافهم لعملية “الغضب الملحمي” – تدمير الصواريخ الباليستية الإيرانية وقدرتها الإنتاجية، وتدمير أسطولها، وإنهاء قدرتها على الوصول إلى خمسة وكلاء، ومنعها من الحصول على أسلحة نووية”. الجزء الأكثر إثارة للاهتمام هو استكشاف القطاع البحري. في تقسيم الأدوار بين إسرائيل والولايات المتحدة في مرحلة التخطيط، تقرر لأسباب عملياتية مختلفة أن تكون إدارة الأسطول الإيراني بالكامل في أيدي الأمريكيين. يقول مسؤول رفيع مطلع على التفاصيل: “دمرت القوات الأمريكية الأسطول الإيراني بالكامل تقريبًا”. ويضيف: “إنه بالتأكيد نجاح كبير، لكن إضافة القطاع البحري إلى مكانة مهمة في أهداف الحرب، لم يحدث إلا بعد هذا النجاح. لم يتحدث أحد، لا في إسرائيل ولا في الولايات المتحدة، عن الأسطول باعتباره خطرًا علينا أو على الأمريكيين”. ويتساءل: “فكيف أصبح هذا الأمر فجأةً محور اهتمامهم؟” لأن الأمريكيين حققوا إنجازًا واضحًا يمكنهم التباهي به، ولأن ترامب بارع في الترويج للأمور، فجأةً أصبح إنجازٌ عملي هام، وإن كان هامشيًا، أحد أهداف الحرب الأربعة، مُعادلًا بذلك المشروع النووي الإيراني. ويؤكد المصدر: “هذا تصرف صبياني، وغير جاد، ويُظهر بوضوح مدى غموض أهداف الحرب وتغيرها تبعًا لليوم، بل وأحيانًا تبعًا للساعة”.

كلما كان دور نتنياهو أكبر في اتخاذ ترامب قرار الحرب، قلّ دور إسرائيل في قرار إنهائها، حتى بات ضئيلًا. لا أحد في المؤسسة الدفاعية مُشارك في تحديد مؤشرات النصر أو إنهاء الحرب أو في البحث عن سبيل للتوصل إلى اتفاق. من الواضح للجميع أن الأمر ليس بيد إسرائيل على الإطلاق، وهذا دليلٌ إضافي على التغير الجذري الذي طرأ على العلاقات الإسرائيلية الأمريكية منذ دخول ترامب البيت الأبيض، وعلى تبعية إسرائيل للولايات المتحدة.

عندما يبتعد الهدفان الواضحان اللذان من شأنهما تغيير مسار الحملة لسنوات عديدة – وهما إزالة اليورانيوم المخصب من إيران و/أو الإطاحة بالنظام – إن كانا في متناول اليد أصلاً، فإن هذه التبعية قد تصبح عبئاً على دولة إسرائيل.

يديعوت أحرونوت 10/3/2026
القدس العربي


عقيدة المرشد الإيراني الجديد: حرب استنزاف اقتصادية
تسفي برئيل
لقد أثار تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً التكهن حول كيفية إدارة إيران للحرب من الآن فصاعداً. وثمة اعتقاد بأن خامنئي الابن (56 سنة) سيسير على درب والده وربما يتجاوزه. ويعود ذلك في الأساس إلى دعم الحرس الثوري لتعيينه. فللحرس الثوري مصلحة في مواصلة حرب استنزاف طويلة، لأنه لا يوجد حالياً في ظل موقف الرئيس أي مخرج دبلوماسي واقعي، وأن الضغط الاقتصادي العالمي سيضطره لتغيير رأيه. مع ذلك، تجري تركيا ودول الخليج، بقيادة قطر والسعودية وسلطنة عمان، محادثات كثيفة مع ترامب وكبار المسؤولين في البيت الأبيض في محاولة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار.

ويذكر أن خامنئي الابن الذي كان بمثابة الوسيط في مكتب والده، مطلع تماماً على تفاصيل المنظمات التي تسيطر بالفعل على إيران. إلى جانب الحرس الثوري، تشمل هذه الجهات أيضاً المؤسسات المالية، والحوزات الشيعية المهمة في قم ومشهد، ومجموعة واسعة من الممثليات التي أقامها المرشد الأعلى في كل منظمة أو مؤسسة حكومية. مع ذلك، تنقص المرشد الأعلى الجديد الخبرة في خوض الحروب أو وضع الاستراتيجيات. في هذا الشأن، سيعتمد على سلسلة طويلة من المستشارين والقادة والممولين وخبراء السياسة مثلما فعل والده. وبما أن لديه الآن السلطة المطلقة للاختيار بين المواقف والمفاهيم التي سيقدمها له هؤلاء المستشارون، فسيكون خياره الوحيد كيفية الحفاظ على نظام الحكم وأسس الثورة الإسلامية ضمن الاستراتيجية التي وضعها والده.

هذا الواقع الذي عانى من التقليل من شأنه، ليس فقط في إيران بل في الغرب أيضاً، يضع الكثير من الدول، وعلى رأسها إسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج، في مأزق صعب يهدد اقتصاد العالم. وربما يرتفع سعر النفط الذي قفز إلى 115 دولاراً للبرميل أمس، أكثر بعد تخفيض العراق لإنتاج النفط بـ 60 في المئة مثلما فعلت الكويت والبحرين والسعودية، التي يمتلئ احتياطها من النفط بسرعة بسبب عدم قدرة ناقلات النفط الفارغة على الوصول إلى موانئ النفط في الخليج الفارسي.

تمتلك السعودية منفذاً عبر خط أنابيب النفط الذي يمتد لمسافة 1200 كم من ابقيق في الشرق وحتى البحر الأحمر. وللإمارات خط أنابيب آخر يصل إلى خليج عُمان خارج مضيق هرمز. ويمكن للنفط السعودي الذي يصل إلى ينبع أن يواصل طريقه في قناة السويس إلى البحر المتوسط وأوروبا وحتى آسيا. ولكن بقاء الحوثيين في حالة تردد بشأن المشاركة في الحرب، يبقي احتمالية تعطيلهم لهذا الممر التجاري قائمة، إضافة إلى قدرتهم على مهاجمة منشآت النفط في السعودية بشكل مباشر. ويبدو أنه السبب لعدم انضمام السعودية، مثل دول الخليج الأخرى، إلى الحرب حتى الآن، والاكتفاء بما يسمى “عمليات دفاعية” ضد هجمات إيران.

سيتعين على خامنئي تقرير، ليس فقط إذا كان سيفعل الحوثيون – في ظل عدم وضوح استجابتهم لطلبه – بل أيضاً إذا كان سيفعل ساحة أكثر خطراً، وهي الهجوم على تركيا. حتى الآن، تم الإبلاغ عن هجومين على تركيا، أحدهما صاروخ أطلق من إيران في الأسبوع الماضي، والثاني إطلاق صاروخ أمس الذي تناثرت شظاياه فوق مدينة غازي عنتاب جنوب شرق تركيا. نظرياً، كان يمكن لتركيا، العضو في حلف الناتو، أن تطلب تفعيل المادة 5 في ميثاق الحلف، التي تلزم أعضاء الحلف بالدفاع عن أي دولة عضو فيه في حالة تعرضها للهجوم. وكان يمكن لتركيا أن تطلب تفعيل المادة 4 في ميثاق الحلف التي تنص على دعوة أعضاء الحلف للتشاور قبل اتخاذ أي قرار بشأن أي إجراء دفاعي. مع ذلك، تتخذ تركيا موقفاً “متوازناً” تدين فيه الهجمات التي تتعرض لها هي والدول العربية، وفي الوقت نفسه، تدين الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، وتؤكد أنها لن تسمح باستخدام أراضيها لمهاجمة إيران.

لا تنوي أنقرة تفعيل أي بند من بنود الدفاع المشترك في الناتو، ما قد يؤدي إلى توسيع الحرب بشكل كبير من خلال دخول القوات الأوروبية إلى الساحة. تركيا، التي تستورد 16 في المئة من الغاز الإيراني في السنة لا يقتصر قلقها على فقدان هذا الإمداد الحيوي من الغاز فقط، بل زاد تخوفها عندما شجع الرئيس ترامب المليشيات الكردية الإيرانية (المستضافة في العراق) على الانضمام للحملة ضد إيران كقوة مساعدة لإسقاط النظام، ولم تهدأ حتى بعد إعلان الرئيس ترامب رفضه وجود قوات كردية تنشط في إيران. إضافة إلى ذلك، ما زالت تركيا تعتبر نفسها دولة يمكنها التوسط لإنهاء الحرب. لذا لا يمكنها الانضمام إليها بنفسها.

ومثلها، أصبحت أذربيجان هدفاً لإيران، حيث أطلقت الخميس أربع مسيرات إيرانية على جيب نخجوان، وأعلنت أذربيجان الثلاثاء عن إحباط هجمات إرهابية شنها الحرس الثوري على أراضيها بهدف تخريب أنبوب النفط الذي يمتد من باكو إلى ميناء جيهان التركي، الذي تستورد منه إسرائيل معظم احتياجها النفطية. رغم أن أذربيجان استدعت طاقمها الدبلوماسي من إيران رداً على ذلك، لكن الرئيس إلهام علييف، الصديق المقرب لنتنياهو، كان الزعيم الوحيد الذي كتب تعزيته بوفاة خامنئي في سجلات التعزية الموجودة في السفارات. وقد أرسل أمس تهنئة حارة للزعيم الجديد.

يبدو أن إيران لا ترغب في اقحام المزيد من الدول في الحرب ضدها. مع ذلك، قد يرى خامنئي بأن تصعيد الضغط الاقتصادي، لا سيما على دول المنطقة، سيؤدي إلى ضعضعة الاستقرار الجماهيري في هذه الدول. ثمة اعتبارات خاصة لأذربيجان تمنعها من الانضمام للحرب ضد إيران، من بينها مثلاً، الخشية أن يؤدي إسقاط النظام إلى اندلاع حرب أهلية في إيران، قد تتورط فيها الأقلية الآذرية الكبيرة الموجودة في إيران.

هذه الاعتبارات لا تخفى عن النظام في إيران، الذي سيضطر قاده الآن إلى تحديد نوع الحرب التي تخدم غرض بقائه، وربما حتى تحقيق رؤيته، تصدير الثورة الإسلامية بواسطة الوسائل الاقتصادية. ظاهرياً، لا ترغب إيران في جر المزيد من الدول إلى الحرب ضدها وتوسيع نطاق العمل العسكري المباشر. مع ذلك، قد يرى خامنئي أن تكثيف الضغط الاقتصادي، لا سيما على دول المنطقة، سيؤدي إلى تضعضع الاستقرار الشعبي فيها. ستندلع احتجاجات في الدول العربية ضد استمرار الحرب، وسيؤدي ارتفاع الأسعار إلى غضب في الدول العربية الفقيرة، وضغط مدني نتيجة انعدام الأمن الشخصي. من هنا، تصبح المسافة قصيرة إلى اندلاع ثورة شعبية.

لا مؤشرات حالياً على هذا السيناريو في الدول العربية، باستثناء الإمارات التي حذرت التجار من رفع الأسعار وأعلنت عن وجود مخزون كاف من المواد الغذائية والسلع الأساسية الأخرى في الدولة. ولم يظهر أي دليل على ذلك في دول أخرى، لكن هذا لا يعني عدم وجود تخوف من حدوث مثل هذا التطور.

هآرتس 10/3/2026

القدس العربي


السوريون أكثر من يفهمون معنى الحرب على إيران/ شفان إبراهيم
| مارس 10, 2026
تتأرجح هويّة الكاتب السوري، ما بين القومية والوطنية، خلال الكتابة عن إيران، والقصف الحاصل عليها خلال هذه الأيام. فهي التي أذاقت السوريين الأمرين، وجعلت من كُل مكان أشبه بزنازين ومُعتقلات. وهي التي فجرت صراع الهويّات الطائفية في المنطقة. هي التي جرت المكونات السورية لحالة صدام عرقي وطائفي بشكل مُباشر.

وهي التي قلبت شكل وأنماط الجغرافيا السورية التي كانت تتحكم بها، إلى ما يُشبه الأوكار التي يصر الجميع على الهرب منها. وهي التي نهبت خيرات هذه البلاد، وعلى رأسها الكوادر والموارد البشرية، وجعلت من المناطق التي تسيطر عليها، مرتعاً للفوضى والعنف وكل أشكال الحرمان.

وهي -إيران- التي تسببت بالكثير من الفوضى والفشل والمواجهات السياسية، خاصة بين الأطراف الكوردية، وهي التي تسببت بتحريك الحشد الشعبي إبان الاستفتاء التاريخي لاستقلال إقليم كوردستان العراق عام 2017. ومثلما كانت هناك أنظمة وحكومات، تَدين بالولاء لإيران، مرغمة أو مُقتنعة، فلا يُمكن إنكار أدوار وازنة لعلاقات إيران مع أطراف كوردية، في تعكير صفو التوافق والحياة السياسية التشاركية في أكثر من مكان.

إيران التي سعت لإذلال السوريين واللبنانيين واليمنيين والعراقيين، غير المتوافقين معها ومع مذهبها أو فكرتها، كانت تُقنع الداخل الإيراني، أنها ستُنهي إسرائيل وأميركا، قريباً جداً، وكانت نسب كبيرة منهم تُصدقها، مُقابل نسبٍ أخرى أدركت باكراً أنهم ليسوا سوى وقودٍ لحروب عبثية، ولا طائل منها.

بالمقابل نجحت الإدارة الأميركية في تحريك الرأي العام الأميركي حيال إيران، وإمكانية تطويرها لصواريخ “تصل إلى الولايات المتحدة”. هكذا شحذ ترامب همم مواطنيه، كي يخلق سردية جامعة مُقنعة لتبرير أيّ هجوم على طهران. قبل عقود، قدمت وزارة الخارجية الأميركية في الأمم المتحدة، تقارير توثق امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، وهي الحُجة التي أقنعت بها بريطانيا وأميركا شعوبها للتغطية على أسباب إسقاط النظام العراقي الأسبق في آذار/ مارس 2003. لكن ما يتم العمل عليه وتبريره في الحالة الإيرانية يبدو أكثر عمقاً من الحالة العراقية،

إيران بدورها شكلت إحدى العقبات أمام استقرار العديد من الدول العربية، بل شكل تواجدها في عدد من العواصم العربية، وتحكمها بالقرار فيها، مصدراً للشر على المجتمعات المحلية فيها. هذا النظام الذي بلغ من العمر 47 عاماً، حول تلك العواصم وشعوبها إلى مركز لتصدير العقول والمفكرين والمؤثرين إلى الخارج، وجعل القواعد الاجتماعية تعيش تحت خط الفقر.

ورغم تكرار التظاهرات الاحتجاجية في إيران وتصاعدها المستمر طوال العقد الماضي، وأدى التدهور الاقتصادي إلى زيادة حدَّتها، خاصة مع استمرار التراجع في القدرة الشرائية، وارتفاع معدّلات التضخم، وتدنّي قيمة العملة المحلية، وانتشار الفقر وسط الغالبية الساحقة في المدن الكبرى. ومع الكميات الكبيرة للغاز والنفط، لكنها بقيت في عداد الدول الفقيرة، والشعوب المسحوقة، والتي كان يُمكن لمواردها الاقتصادية لو أُحسن استغلالها في الداخل، أن تجعل من إيران دولة غنية ومرفهة على غرار دول الخليج.

لكن عوضاً عن ذلك، خصصت إيران قدراتها الاقتصادية ومواردها لمشاريع لا يُمكن لها الاستمرار، خاصة السلاح النووي، الذي تحول إلى سبب رئيس لاشتباكها مع إسرائيل وأميركا وأوروبا، منذ أكثر من عقدين. بل لم تكترث لكل الوساطات، ولجأت للاستمرار في بناء المفاعلات وتخصيب اليورانيوم. وللتغطية على ذلك، كان لزاماً عليها التمدد أكثر عسكرياً خارج حدودها، وتدخلت في لبنان وسوريا وفلسطين واليمن، وكلفها ذلك الكثير من المبالغ المالية الضخمة.

وجاءت لحظة تأثيرها الفاعل على القرار في بغداد، كمُنقذ لوضعها المالي، كما قيل في العديد من التقارير حول ذلك. لكنها فشلت في توظيف كل تلك الدول للحفاظ على مشروعها التوسعي والنووي، فهي خسرت أجنحتها في لبنان (حزب الله)، وفلسطين (حماس)، وسوريا (نظام الأسد)، وتتعرض للعديد من الضربات في العراق خاصة الحشد الشعبي، وقضية انتخاب رئيس للوزراء، عدا عن وضعها البائس في اليمن. وهو ما عنى حصار مدها وتأثيرها عبر مشاريعها الخارجية.

وكحال كل الأنظمة الشمولية والقمعية، فإنها في اللحظة التي تتعرض فيها للانكسار، تلجأ للنيل من الداخل، فقد حرم النظام شعبه من حقوقه، رغم تنوعه الثقافي وطموحه العالي في الارتقاء والتعلم، فكانت مساحات حرية التعبير والرأي هي الأكثر عرضة للضغط والضرب والابتزاز.

يستحضرني ككوردي سوري، أثناء كتابة هذه الأسطر، وأنا أتابع لحظة بلحظة ما يجري في إيران، أسئلة تجتاح مُخيلتي، منها: هل سيجد الكورد في سوريا، داعمين من المسلمين والعرب والسلطة لحقوقهم، وإدارة التنوع السوري، وبقرار من السوريين؟ أم سنجد أن الآخر الغربي هو من سيفرض هذه الحقوق؟ المهم أن يتعظ السوريون من مجمل ما حصل معهم ولهم.

ألغت إيران فكرة التنازل والقبول بالتخلي عن مشروعها النووي وبرامجها في التسلّح الصاروخي. بل تقول إن السيادة الوطنية لها تمنعها من وضع نفسها تحت المراقبة الدولية، لكنها تمنح لنفسها التدخل في السيادة الوطنية لدول أخرى! وأمام ذلك، ها هي تخوض حرباً شرسة بالمطلق لن تكون في صالحها. فلا قدرة لها على مواجهة الترسانة العسكرية الأميركية الإسرائيلية المتفوقة عليها كماً ونوعاً.

وهي إن كانت تعتقد أن الرضوخ يعني الخسارة لهيبتها، فهي ستخسر أكثر وأكثر بإنهاء حياة قياداتها الرفيعين وتدمير قوتها العسكرية المتبقية، وسحق البنية التحتية، وبذلك تكون قد دُمرت هيبتها عسكرياً وبشرياً ونخبوياً ومالياً. وبالمحصلة، فإن الشعب الإيراني هو الخاسر الأكبر في هذه الحرب، لكنه سيتحول للرابح الأعظم فيما لو تغير النظام.

الثورة السورية


إيران: معنى النجاة/ ربيع بركات
10/3/2026
في تقدير طهران أن كلفة الحرب كلما ارتفعت، إقليميًا ودوليًا، كانت قادرة على التوصل إلى وقف إطلاق نار أكثر استدامة وأكثر مراعاة لمطالبها. ليس هذا فحسب، بل ترى أن الكلفة قادرة على فرض وجودها نفسه الذي كان مهددًا ولا يزال.

صعبٌ تخيّل سيناريو تخرج بموجبه إيران من الحرب من دون أن تكون قد تعرّضت لأذىً بليغ. ذلك أن إسرائيل ــ لا حكومتها فحسب، بل أحزابها الوازنة كلّها وغالبية الرأي العام فيها ـــ ترى في اللحظة الحالية مخاضًا يتشكّل بعده مستقبل المنطقة لعشرات السنين. وما يرفع من هذا الاحتمال هو أن اللحظة هذه هي نتاج أوّل حرب تكاتفت في خوضها الآلتان العسكريّتان، الأميركية والإسرائيلية، منذ نشأة الدولة العبرية.

ليس ضروريًا انتظار نتيجة الحرب حتى نزعم بأن مستقبل الشرق الأوسط سيتغيّر. فهذا سيحدث بمعزل عن النتيجة تلك، سواء تمثّلت بتحطيم الدولة الإيرانية أم بتجاوزها الجهنّم الذي يُهيأ لها. بل يمكن القول إن نتيجة الحرب ستؤثّر على النظام الدولي برمته. إذ قد تؤدي إلى ترميم النظام الحالي (المتداعي)، وقد تؤدي في المقابل إلى انفلاتٍ تام من الضوابط التي أُرسيت بعد الحرب العالمية الثانية، أو إلى رسوخ شكلٍ جديد من الهيمنة الأميركية ـــ الإسرائيلية تكون أكثر دموية وافتراسًا، أو إلى تحقيق توازن دولي لا يصبّ في مصلحة أي من واشنطن وتل أبيب.

قبل الحرب بأسبوع تقريبًا، صدر تقرير سري عن “مجلس الاستخبارات الوطنية” (National Intelligence Council) الذي يزّود وكالات الاستخبارات الأميركية الثماني عشرة بتقييمات دورية. خلص التقرير (المسرّب لاحقًا) إلى أن هجومًا واسع النطاق تشنه الولايات المتحدة على إيران لن يُطيح، على الأرجح، بالمؤسّستين العسكرية والدينية فيها (لم يتطرّق التقرير إلى احتمال إرسال قوات برّية أميركية). كذلك توقّع أن يردّ النظام الإيراني على اغتيال المرشد الأعلى باتباع بروتوكولات مُصمّمة للحفاظ على استمرارية السلطة، واستبعد إمكانية حلول المعارضة الإيرانية المشرذمة مكان هذا النظام.

يبدو التقرير مصيبًا في توقّع مآل الأمور حتّى الآن، علمًا أن لا شيء يؤكّد أن الأمور ستسير بخلاف رغبة واشنطن وتل أبيب بعد. جون ميرشايمر، المنظّر المعروف في العلاقات الدولية، يقول مثلًا إنّ “الأميركيين والإسرائيليين سيُحبَطون بسبب غياب استراتيجية واضحة”. وهو يقارن، في مقابلة بُثت أخيرًا، الحملة العسكرية الراهنة بتلك التي استهدفت جماعة “أنصار الله” في اليمن وانتهت بتراجع أميركي، لكنّه يستدرك قائلًا إن المسألة مع إيران مختلفة، حيث التصعيد ما زال يأخذ مجراه، وطبيعة الحرب أكثر مصيرية لأطرافها المشاركة.
الصين وروسيا في الخلفية

في خلفية المشهد هذا كلّ من روسيا والصين. من يتابع الإعلام الأميركي يلاحظ أن غالبية ما يُنشر من تحليلات يُشير إلى محدودية ما يمكن توقّعه من “حليفي” إيران هذين.

ثمة أسباب عدّة لمحاذرة الصين خوض مغامرة دعم إيران على الملأ. رسميًا، أوقفت الصين بيع الأسلحة لإيران عام 2005، بعد تبني مجلس الأمن بالإجماع قرارًا يفرض حظرًا على تصدير واستيراد مواد وتقنيات يُحتمل ارتباطها بالأسلحة النووية، من إيران وإليها. لكنّ كيانات من الصين كانت، على مدى السنوات الماضية، تتحايل على ضوابط التصدير، وهو ما دفع واشنطن قبل أشهر إلى وضع نحو 100 منها على لوائح العقوبات.

في تاريخ العلاقة بين البلدين محطات مفصلية. تبرز بينها زيارة المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي إلى بكين عام 1989. كان خامنئي الأب رئيسًا لإيران يومذاك، قبل أن يصبح مرشدًا أعلى للجمهورية إثر وفاة الخميني بعدها بأسابيع. وكانت تلك آخر زيارة رسمية له إلى خارج البلاد.

لاحقًا توطّدت العلاقة بين الجانبين بزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى إيران، إثر رفع العقوبات الغربية عنها عام 2016 قبل انقلاب ترمب على الاتفاق النووي. ثم وقّع البلدان اتفاقية شراكة استراتيجية تعهدت الصين بموجبها باستثمار 400 مليار دولار في إيران على مدى 25 عامًا، مقابل استمرار تدفق النفط الإيراني. لكنّ جزءًا يسيرًا من تلك الاستثمارات أُنفق في الواقع فقط. وفي حين أصبحت الصين المشتري الرئيس للنفط الإيراني (نحو 90% من صادرات إيران النفطية) لم يمثّل حجم ما تستورده منها سوى 12% من إجمالي وارداتها. أي أن الحاجة كانت في اتجاه واحد، أكثر مما كانت في الاتجاهين.

ليس غياب التكافؤ بين الصين وإيران ما يقلّص من احتمال تورّط بكين في حرب بالغة الخطورة كهذه فحسب. إذ إن اهتمامات الصين منصبّة نحو الداخل اليوم، فالخطة الخمسية التي أعدّها مجلس الشعب الصيني أخيرًا تنصّ على توظيف موارد البلاد لتحقيق طفرات تكنولوجية في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات وأبحاث الطاقة وشبكات الجيل السادس (6G) وغيرها.

لكن الصين، برغم تركيزها الدائم على الداخل والنمو الاستثماري، سبق أن أظهرت استعدادها لمدّ إيران بالكثير ممّا تحتاجه لتطوير صناعاتها العسكرية. وقد أشار البنتاغون، في تقرير له العام الماضي، إلى تركّز العلاقة العسكرية بين البلدين على بيع الشركات الصينية مكوّنات ذات استخدام مزدوج لبرامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

كما أن الصين، التي تُحدّث جيشها باستمرار وترفع من إنفاقها العسكري للعام الجديد، لا ترتاح لجموح الولايات المتحدة ولتحوّلها إلى قوّة أكثر غموضًا وخطورة مما كانت عليه في أي وقت مضى. وقد كان لافتًا، خلال الحرب على إيران، نشر الجيش الصيني رسمًا بيانيًا على وسائل التواصل الاجتماعي يستعرض فيه خمسة دروس مستفادة من الضربات الأميركية ـــ الإسرائيلية على إيران، أبرزها عدم الانجرار وراء شعور زائف بالأمان عند الدخول في مفاوضات (مع واشنطن)، وعدم افتراض أن الخصوم “سيلتزمون بالقواعد”.

من هنا، يرى البعض أن الصين، وإن كانت غير مندفعة لدعم إيران، يُرجّح ألا تبقى مكتوفة الأيدي إذا استنتجت أن السياسة الأميركية تتحوّل من خوض نزاعات مع دول، إلى تضييق الخناق على مصالحها التجارية والتضحية بها.

العلاقة الإيرانية مع روسيا، في المقابل، أكثر ترابطًا برغم كثرة الشوائب فيها. عسكريًا، ثمة تعاون تجلّى في الحرب الروسية ــ الأوكرانية، تمثّل عنوانه الأبرز بالترخيص الذي مُنح لروسيا لإنتاج نسخة من طائرات “شاهد” الإيرانية التي شاركت بفعالية في عمليات موسكو العسكرية.

غير أن هذه العلاقة محدّدة بأسقف وحسابات كثيرة. فهي تختلف، مثلًا، عن معاهدة الدفاع المشترك بين روسيا وكوريا الشمالية لعام 2024، والتي تُعد مثالًا على اتفاقية “أكثر إلزامًا” بشأن الدعم العسكري. بينما الاتفاقية الروسية مع إيران تنصّ على “الامتناع عن أي أعمال عدائية في حال انخراط الطرف الآخر في نزاع”، لا أكثر.

وعلى النحو الذي عزّزت فيه طهران علاقاتها مع بكين في الآونة الأخيرة، وقّعت طهران مع موسكو مطلع عام 2025 معاهدة شراكة في مجالات التعاون العسكري والاستخباري، إلى جانب التجارة والعلوم والثقافة والتعليم.

وروسيا اليوم متّهمة بتزويد إيران بمعلومات استخباراتية حول مواقع القوات والسفن والطائرات الأميركية وتحركاتها. وقد نقلت وسائل إعلام هذه المعلومات عن “مصادر مطلعة على تقارير الاستخبارات الأميركية”، وكان هذا أول مؤشر على سعي موسكو للتدخل في الحرب بشكل مؤثر. وحين سُئل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لاحقًا عن ذلك، تمنّع عن الإجابة المباشرة أكثر من مرّة، مؤكدًا في الوقت عينه أن التنسيق بين الجانبين له أوجه كثيرة. فُهم من إجابة عراقجي يومذاك أن تعاونًا من هذا النوع وارد جدًا.
ما الذي تقوله الحسابات والمصالح؟

يجتمع آلاف من مندوبي الحزب الشيوعي في بكين هذا الأسبوع لمناقشة خريطة طريق للاقتصاد الصيني، في ظل انخفاضٍ في الاستهلاك وأزمةٍ عقارية وتراكم ديون محلية، فيما تُخفّض السلطات الصينية توقّعاتها للنمو الاقتصادي للمرة الأولى منذ عام 1991.

ويستقبل الرئيس الصيني نظيره الأميركي دونالد ترمب في وقت لاحق من الشهر لتمديد “هدنة تجارية” هشّة، وفي ذهنه أن القوة الأميركية العارية استهدفت للتو خامئي ومادورو، زعيمَي الدولتين الشريكتين لبلاده.

في هذه الأثناء، يعوم أكثر من 46 مليون برميل من النفط الإيراني جنوب الصين، إلى جانب كميات أكبر مُخزّنة في مستودعات جمركية في موانئ صينية. تُذكّر هذه البراميل بما قد يفوت الصين في حال استمرّت الحرب طويلًا، أو في حال أدّت إلى سقوط إيران أو نظامها.

كذلك يُذكّر احتدام الحرب بالآثار الممتدة بطول الكوكب وعرضه، والمترتبة على جوار الصين بشكل خاص. فالتحرّكات العسكرية الأميركية خلال العامين الماضيين من هذا الجوار كانت استثنائية: عام 2024، حين نُقلت قوات الدفاع الجوي الأميركية من اليابان للمساهمة في صدّ الصواريخ الإيرانية، كانت تلك المرة الأولى التي تتحرّك فيها بطاريات صواريخ من المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط. وعام 2025، حين نُقلت أطقم من كوريا الجنوبية واليابان إلى قطر لاعتراض الهجوم الإيراني، كانت تلك أكبر عملية اشتباك لصواريخ “باتريوت” الاعتراضية في التاريخ الأميركي.

مسار الحرب على إيران يؤثر على مصالح روسيا وحساباتها أيضًا. كان يُفترض، مثلًا، أن تستأنف موسكو مفاوضاتها مع كييف في أبو ظبي، قبل أن يصبح مكان الاجتماع غير متاح بسبب اندلاع الحرب والتهاب الخليج.

وفي ظل هذا الالتهاب، تفيد مؤشرات بأن الحرب على إيران قد تتيح لأوكرانيا فرصةً لتعزيز نفوذها السياسي في واشنطن. فالولايات المتحدة تطلب مساعدتها لمواجهة مسيّرات “شاهد” الإيرانية، التي طوّرت أوكرانيا أساليب فعّالة وقليلة التكلفة لاعتراضها خلال الحرب مع روسيا. لكنّ طول أمد الحرب، في المقابل، له انعكاس سلبي على كييف، فهو يهدّد بتقليص المخزونات الأميركية من الذخائر التي تحتاجها.

ليس من مصلحة روسيا، إذًا، تطويع إيران أو كسرها، سواء طالت الحرب أم قصرت. إذ من شأن ذلك، إن حصل، أن يشجع ترمب على ممارسة المزيد من الضغط عليها. وعلى العكس من ذلك، إذا واجهت الولايات المتحدة صعوبات في إيران، قد يدفع الأمر ترمب إلى عقد صفقة معها بشأن أوكرانيا والسعي لتحقيق “نصر” ما في مكان آخر من العالم.
التصعيد يتيح النجاة؟

يرى مارك لينش، مدير POMEPS (أحد المشاريع البحثية المهمة لدراسة الشرق الأوسط)، أن قادة الخليج لديهم “أسباب وجيهة للاعتقاد بأن الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا حربًا، لا على مصالحهم فحسب، بل على بقائهم”. وهم يشعرون بـ”انزعاج شديد إزاء استراتيجية إسرائيل لتغيير النظام (الإيراني)، والتي تنطوي على تدمير مؤسسات الدولة الإيرانية، لأنهم يدركون أنهم ليسوا بمنأى عن التداعيات الكارثية لها”. يضيف لينش أن النظام الإيراني، سواء نجا أو استُبدل بنظام مماثل، “سيتذكر جيدًا القوة التي اكتسبها من خلال مهاجمة الخليج وحركة سفن النفط”. أما إذا سقط وانهارت الدولة، فـ”ستتعرّض دول الخليج لتدفقات اللاجئين واضطرابات الملاحة والتطرف وتداعيات العنف المسلح”، ولن تعود تثق “في قدرتها على الاعتماد على الولايات المتحدة في الدفاع عن نفسها”.

تدرك إيران ذلك كله، وتدرك في الآن ذاته أن خياراتها كانت بالغة الضيق إن لم تذهب إلى استسلام تام. وقد تصرّفت على هذا الأساس، وَلَو بقدر من العشوائية. بل لعلّ هذه العشوائية ـــ أو بعضها ـــ كان مقصودًا، بحيث يُظهر أن قدرتها على أداء دور “مهدّد لاستقرار المنطقة” لم يبلغ ذروته بعد، وأن هذه الذروة تتمثّل بالضبط بانهيارها.

يبقى أن الكثير من أسئلة الحرب و”اليوم التالي” لها مطروح على إيران أيضًا: متى يمكن اعتبار أن وقف إطلاق النار يصبّ في مصلحتها ولا يعرّضها لجولة حرب تلو أخرى حتى تنهار؟ هل بدأ يتشكّل “دفتر شروط” لديها من أجل وقف أعمال عدائية مستدام؟ هل يمكن لذلك أن يشمل سلّة تسويات بينها رفع العقوبات والسماح باستخدام الأموال المجمّدة؟ هل تشمل السلّة حلفاءها وعلى رأسهم “حزب الله” في لبنان منعًا للاستفراد به؟ هل هي قادرة على تحصيل مطالبها أصلًا؟ هل يمكن ردم الهوّة المتّسعة مع دول الخليج في “اليوم التالي”؟ وهل لروسيا، أو الصين، القدرة على التوسّط من أجل الوصول إلى حلول مرضية؟ ومع أي من اللاعبين الكثر تحديدًا؟

تبدو التبدلات في المواقف الدولية حيال الحرب، خصوصًا من الجانبين الصيني والروسي، معلّقة إلى حد بعيد على قدرة إيران على الوقوف في وجه الرياح العاتية. في تقدير طهران أن كلفة الحرب كلما ارتفعت، إقليميًا ودوليًا، كانت قادرة على التوصل إلى وقف إطلاق نار أكثر استدامة وأكثر مراعاة لمطالبها. ليس هذا فحسب، بل ترى أن الكلفة قادرة على فرض وجودها نفسه الذي كان مهددًا ولا يزال. أما دون ذلك فتراه انتحارًا بطيئًا، لم يكُن ينطوي أصلًا على فرص نجاة.

أوان


لا الطغاة يحرّرون… ولا الصواريخ/ مروان حرب
الثلاثاء 2026/03/10
في الشرق الأوسط، نادرًا ما تُقتل الحرية باسم العداء لها. غالبًا ما تُقتل باسم الدفاع عنها. مرة باسم المقاومة، ومرة باسم التحرير. بين هذين الشعارين النبيلين تختفي حقيقة مريرة: الشعوب تُقصى عن تقرير مصيرها. منذ أن اندلع فتيل المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، عاد هذا المشهد إلى الواجهة. الحروب الكبرى لا تعيد رسم الخرائط فقط؛ إنها تعيد تعريف الأسئلة. والسؤال الذي يطفو فوق دخان هذه المواجهة ليس من سينتصر بل: من سيملك حق تقرير ما يأتي بعد ذلك؟

منذ عقود، بنت إيران -ومعها منظومة ما يسمى بمحور المقاومة- سردية سياسية تقوم على معادلة واضحة: مواجهة الهيمنة الخارجية تتطلب دولة قوية، وسلطة مركزية، وجبهة داخلية صلبة. في هذه المعادلة، تصبح الوحدة الوطنية مرادفًا للصمت. ويتحول الاعتراض إلى ثغرة في جدار المعركة. ليس الاستبداد هنا انحرافًا عن المقاومة، بل أحد شروطها. فالمجتمع، في نظر هذه المنظومة، ليس مصدر الشرعية بل مصدر القلق. وكلما اشتد الصراع مع الخارج، ازدادت الحاجة إلى ضبط الداخل. وهكذا تحول العداء للغرب من موقف سياسي إلى آلية لإدارة المجتمع. كل احتجاج يصبح مؤامرة. كل مطالبة بالحقوق تصبح خدمة للعدو.

لكن الوهم المقابل لا يقل خطورة. فمنذ غزو العراق في العام 2003، رسّخت الولايات المتحدة فكرة تبدو للوهلة الأولى أخلاقية: إسقاط الأنظمة الاستبدادية يمكن أن يفتح الطريق أمام الديمقراطية. غير أن التجربة كشفت مفارقة قاسية: الأنظمة يمكن إسقاطها بالقوة، أما المجتمعات فلا يمكن بناؤها بالقصف. الديمقراطية ليست نظامًا يُنصّب بعد الحرب، بل قدرة اجتماعية تتشكل داخل المجتمع نفسه. وحين تأتي من الخارج، فإنها غالبًا تصل مشوهة، أو متأخرة، أو مفروضة. في النهاية، لا تصنع الصواريخ مواطنين أحرارًا. فالحرية التي تهبط من السماء غالبًا ما تجعل الأرض أكثر خرابًا.

المأزق الحقيقي أن هذين الوهمين لا يتواجهان بل يتكاملان. كل ضربة أميركية تمنح خطاب المقاومة حياة جديدة. وكل موجة قمع داخلي تمنح واشنطن ذريعة إضافية للتدخل. الاستبداد يبرر الحرب. والحرب تبرر الاستبداد. وفي هذه الحلقة المغلقة يتحول الشعب -الذي يفترض أن يكون صاحب القضية- إلى مجرد ساحة للصراع بين قوتين تتحدثان باسمه. حتى النخب في المنطقة لم تنجُ من هذا الفخ. فمن يرفض الدفاع عن النظام الإيراني باسم المقاومة، يُتهم بأنه يمهد للتدخل الأميركي. ومن ينتقد الهيمنة الأميركية يُتهم بأنه يبرر الاستبداد. وكأن المنطقة محكومة بثنائية قسرية: إما الطغيان… أو الطائرات. لكن هذه الثنائية زائفة. فالمشكلة ليست فقط في الاستبداد، ولا فقط في التدخل الخارجي. المشكلة الأعمق هي غياب المجتمع كفاعل سياسي.

وهنا تكمن المعضلة. فحين يُسقط نظام من دون أن يمتلك المجتمع القدرة التنظيمية والسياسية التي تسمح له بملء الفراغ، يتحول السقوط إلى فوضى، أو إلى استبداد جديد. التغيير الحقيقي لا يصبح ممكنًا إلا عندما يتزامن الضغط على السلطة مع توسيع المجال أمام المجتمع. أي عندما يتحول الدعم الخارجي من محاولة صناعة النظام المقبل إلى محاولة جعل المجتمع قادرًا على فرض شروطه على أي نظام. ليس المطلوب أن يصنع الخارج الثورة. لكن يمكنه أن يساعد على جعلها قابلة للحياة. أن يدعم المجتمع المدني بدل النخب. أن يحمي المجال العام بدل أن يصمم السلطة المقبلة. أن يمنع النظام من خنق المجتمع بدل أن يختار من سيحكم بعده. فالفرق كبير بين تدخل يصنع نظامًا جديدًا، وتدخل يمنع النظام القديم من إغلاق المجال السياسي بالكامل. الأول يعيد إنتاج الوصاية. أما الثاني فيفتح الباب أمام السياسة لكي تعود إلى أصحابها.

التحولات الكبرى لا تُصنع في غرف العمليات العسكرية. الحروب قد تُسقط أنظمة، لكنها لا تُنشئ حرية. فالحرية ليست هدية تمنحها قوة عظمى، ولا مكافأة يوزعها حاكم يرفع شعار المقاومة. إنها عملية تاريخية بطيئة تتشكل داخل المجتمع نفسه، حين يتعلم الناس -بصعوبة وبالتجربة- كيف يحكمون أنفسهم، وكيف يضعون السلطة تحت المساءلة، وكيف ينتزعون السياسة من أيدي من يحتكرونها. لهذا تبدو الحرية دائمًا أضعف من الحرب. صوتها أخفض من هدير الطائرات، وخطواتها أبطأ من الصواريخ. لكن التاريخ يعلمنا مفارقة قاسية: ما تصنعه الحرب بسرعة، تدفع المجتمعات ثمنه لعقود، وما تبنيه المجتمعات ببطء، وحده يدوم.

لذلك، في الوقت الذي تتصاعد فيه أعمدة الدخان بين واشنطن وطهران، يبقى السؤال: أيُّ مستقبل سيولد بعد الرصاصة الأخيرة؟ مستقبل يجب أن يُترك للشعب الإيراني ليكتبه بنفسه، لا أن يُكتب بالصواريخ، ولا أن يُفرض عليه نظام جديد باسم تحريره.

المدن


لبنان والخطر الأكبر: الاحتلال والانحلال والحرب الأهلية/ منير الربيع
الثلاثاء 2026/03/10
لبنان في مواجهة الخطر الأكبر. خطر من الخارج والداخل. الحرب قائمة ومستمرة، لا نية لوقفها قبل تحقيق أهدافها. والأهداف تهدد الكيان، إذ من ضمنها تدمير حزب الله بالكامل، واستهداف مناطق مختلفة ومرافق عامة، وتهجير أهالي مناطق وقرىً وبلدات مقابل السيطرة عليها إسرائيلياً، وربما توسيع نطاق السيطرة وإدامة الاحتلال. في الداخل، المخاطر تكبر، ومن ضمنها خطر الحرب الأهلية. تفكك الجيش، أو حصول شرخ كبير بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية، أو خطر الانقلاب من مجموعة على الأخرى بفعل عصيان قرار سياسي أو حكومي، وهو ما سيعيد رفع المتاريس والحواجز وربما البنادق.

يعود الخطر الأكبر لأن التاريخ يعيد نفسه، ويعود على شكل مأساة أو على شكل مهزلة. عاد اللبنانيون إلى “توم باراك” المندوب السامي الأميركي لشؤون المنطقة. باراك نفسه الذي هاجمه اللبنانيون ورفعوا فيه الشكاوى للإدارة الأميركية مطالبين باستبداله، خصوصاً بعد أن تحدث عن خطر زوال البلاد أو إعادتها لبلاد الشام. إثر اندلاع الحرب لجأوا إليه طلباً للمساندة، لكنه رفض، مطالباً بالعودة إلى تطبيق شروطه، وأهمها تحرك الدولة اللبنانية ضد حزب الله وسحب سلاحه ولو بالقوة. في أحد تصريحاته السابقة كان باراك قد قال إن أميركا تدعم الجيش اللبناني لمواجهة حزب الله لا لمحاربة إسرائيل. هنا يكمن الخطر الأكبر، وصل اللبنانيون إلى هذه النقطة، خطر “الحرب الأهلية” أو المواجهة الداخلية، وهنا تمكن العودة إلى المأساة والمهزلة.

لم توافق الولايات المتحدة الأميركية على الدخول في وساطة لوقف الحرب قبل أن تتلمس من الدولة اللبنانية نشاطاً جدياً ومثبتاً بالتحرك ضد حزب الله، السيطرة على مواقعه وسحب سلاحه بالكامل، على أن يكون التحرك فورياً في الجنوب، الضاحية والبقاع. من هنا تُمارس ضغوط كبيرة على الجيش اللبناني لتنفيذ المهمة. الجيش لديه مقاربة مختلفة، أنه يلتزم قرار الدولة ويسعى إلى تطبيقه متى توفرت الظروف، هذا غير مقبول من قبل الأميركيين والإسرائيليين الذين يؤكدون أنه في حال لم يتحرك الجيش فإن الحرب الإسرائيلية مستمرة، وستطال مختلف المناطق ولن توفر شيئاً بما فيها مرافق عامة وبنىً تحتية للدولة اللبنانية. وقد وصل الأمر إلى حد بدء البحث بالبدائل عن قائد الجيش رودولف هيكل، إثر الدفع باتجاه استقالته أو إقالته. عندما عرض لبنان التفاوض المباشر مع إسرائيل مقابل وقف الحرب وتنفيذ عملية سحب السلاح، جاء الجواب الأميركي قاسياً، بأن واشنطن لم تعد متفرغة للترهات اللبنانية، وأن الدولة قد منحت فرصة لم تستفد منها، وأن المسؤولين لم يصدقوا كلام باراك عندما توجه إليهم بصراحة. من بين ما سمعه المسؤولون من ردود هو أن الخطوة اللبنانية بالتفاوض جاءت متأخرة جداً. واستكمل التصعيد بالمواقف القاسية التي تبلغها لبنان حول التحقيقات التي تجري داخل لجنة الميكانيزم حول كيفية تمكن حزب الله من إعادة بناء قوته وإدخال مقاتليه والاحتفاظ بأسلحته في الجنوب. أما التفاوض فيجب أن يكون مقترناً بخطوات جدية من قبل لبنان لضرب حزب الله وتفكيك كل بنيته العسكرية، الأمنية، والمدنية مع كل المؤسسات، وأنه في حال لم يلتزم بذلك فإن إسرائيل هي التي ستواصل الحرب لتحقيق هذه الأهداف، وبعدها التفاوض مع لبنان سيكون انطلاقاً من الوقائع العسكرية التي فرضت، ويفترض بالنتائج السياسية أن تكون خاضعة لها.

لكن رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب يرفضان ذلك، ويبديان تفهماً لمقاربة هيكل. أما الذين يدفعون لدخول الجيش في مواجهة مع الحزب على قاعدة أن “سحب السلاح يتقدم على السلم الأهلي” فهم يعتبرون أن عدم الالتزام بالقرار الصادر عن الحكومة يمثل تمرداً على السلطة السياسية، وعصياناً لقراراتها وانقلاباً عليها. يعزز هؤلاء مواقفهم بما يرد من رسائل خارجية، عن غضب، انعدام الثقة، ووقف أي تعاون أو مساعدة مع لبنان بعد اكتشاف أن كل ما قيل سابقاً عن سحب السلاح في جنوب نهر الليطاني غير حقيقي أو واقعي، وأن حزب الله تمكن من تعزيز قدراته وقوته وعديده بدلاً من حصول العكس، وأن قرار الحرب والسلم بقي في يد الحزب الذي اختار خوض المعركة وفق توقيته. مثل هذه التوجهات الدولية ستؤسس لمخاطر أكبر على المستوى اللبنانية، خصوصاً في حال استمر الضغط على حاله، وهذا ما سيدفع الكثيرين إلى البحث عن صيغ وخيارات بديلة، معها ستعود لغة “الانفصال” أو التقسيم. وهنا يعود التاريخ على شكل مأساة الحرب الأهلية، ومهزلة الفوضى وتفكك المؤسسات.

للمصادفة أن العودة إلى باراك وهو المُنظّر للعودة إلى بلاد الشام، تزامنت مع اجتماع رؤساء عرب وغربيين، عبّر خلاله الرئيس السوري أحمد الشرع عن تضامنه مع لبنان وعن دعمه للدولة اللبنانية ورئيس الجمهورية في خطته لنزع سلاح حزب الله. كلام يدفع شياطين الكثير من اللبنانيين لتستفيق. فالبلاد تضج منذ أسابيع بأخبار التخويف من الحشود العسكرية السورية على الحدود اللبنانية، ومخاوف من إعادة التاريخ لنفسه ما بين المهزلة والمأساة، باستحضار المخاوف من سيطرة إسرائيلية على الجنوب، ونفوذ سوري بقاعاً وشمالاً. لكن التحركات الإسرائيلية في البقاع تشير إلى إصرار تل أبيب على أن تكون صاحبة النفوذ جنوباً وشرقاً وكذلك في الغرب. فإسرائيل تصر على التحرك في البقاع، بإنزالات، ومناورات وبطائرات في إطار جس النبض والاستطلاع بالنار تمهيداً لأيّة عملية ستنفذها لاحقاً. لإسرائيل أهداف كثيرة في البقاع، أبعد من رون آراد، وتتصل بتدمير وتفكيك منشآت حزب الله الصاروخية ومواقع لتطوير الصواريخ وتصنيعها، كما أن هناك أسلحة تتهم تل أبيب حزب الله بتخزينها في بواطن الجبال في البقاع، كانت بحوزة نظام الأسد سابقاً وعندما فرض عليه التخلص منها جرى نقلها إلى تلك المناطق الجردية بين البلدين، وربما لاحقاً تسعى إسرائيل للاحتفاظ بنقاط مرتفعة تماماً كما هو حال سيطرتها على تلة مرصد جبل الشيخ ليبقى إشرافها على لبنان وسوريا.

للتحركات في البقاع أهداف أخرى أيضاً، منها تعزيز مبدأ المناورة من قبل الإسرائيليين لإشغال حزب الله في منطقة معينة، مقابل المباغتة في منطقة أخرى والتحرك منها باتجاه الأراضي اللبنانية، كمثل المشاغلة في البقاع الشمالي، مقابل التحرك الفعلي في البقاع الغربي. حالياً، يكرر الإسرائيليون أسلوب حرب العام 2024 نفسه، عمليات قصف واستهداف واغتيالات متنقلة، كلها في سياق التحضير للحملة الأوسع بضربة أكبر تمهد لدخولهم البري. لدى إسرائيل اليوم سجالات كثيرة حول “خطأ الانسحاب من لبنان” تماماً كما اعتبروا أن انسحابهم من غزة في العام 2005 كان خطأً وأسَّس لإعادة بناء قوة المقاومة، بذلك يمكن الاستنتاج أن تل أبيب تريد استنساخ نموذج غزة في مناطق عديدة من لبنان وتقسيمه إلى مناطق بألوان مختلفة تكون هي المتحكمة بمساراتها. أما خيارها الأفضل لتجنب مثل هذه الحرب بتكاليفها الكثيرة فهي إدخال اللبنانيين بصراع داخلي يتحول إلى حرب أهلية تسعى هي الى الاستثمار فيها. أما داخلياً فالتباعد بالمواقف، التضارب في الرؤى، الصراع على الوجهة لا يوفر أبداً أيّة قدرة على مواجهة أخطر ما يتعرض له “لبنان الكبير” منذ نشأته، وفي الخارج لم يعد أحد يهتم به أو يحرص عليه.

المدن


حرب ذكية يقودها حمقى وأغبياء!/ عمر قدور
الثلاثاء 2026/03/10
شاعت قبل أيام أقوالٌ منسوبة إلى هاكان فيدان، وزير الخارجية التركي، مفادها أن الدول التي لم تطوّر قدراتها في مجال الاستخبارات السيبرانية والالكترونية، والاستخبارات الاستباقية والتتبع الجوي… هذه الدول لا ينبغي لها حتى الدخول في مناوشة كلامية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وإذا فعلت فعليها التحسّب جيداً للسيناريو الذي يحدث في الحرب الحالية.

الكلام أعلاه ليس بجديد، الجديد فقط هو كونه على قياس الحرب الحالية، ونسبته إلى مسؤول سياسي. وليس بجديد أيضاً أن متناقلي هذه العبارات، بنسبة ساحقة منهم، بعيدون عن القراءة، وإلا كانوا قد عرفوا عن هذه الحرب وسواها شيئاً يتجاوز ما يفقأ العين لجهة الفجوة التكنولوجية بين طرفيها. فالمفكّرون الغربيون، بدءاً من تسعينيات القرن الفائت، اشتغلوا على الحروب المقبلة، وهناك العديد من التصورات التي تأخذ بالحسبان التطور الهائل المتواصل، مع اختلاف الرؤى حول استثماره.

نسترجع على نحو خاص كتابات ألفين توفلر، وتحديداً كتابه “تحوّل السلطة: المعرفة والثروة والعنف على أعتاب القرن 21”. وقد أفرد توفلر حيزاً معتبراً للحديث عن حروب القرن الحالي بوصفها حروباً ذكية، هو بالأحرى كان أقرب إلى التفاؤل الحذر لدى قراءته تأثير المعرفة في الحروب التي يُفترض أننا سنعيشها في هذا القرن.

من ملامح تفاؤل توفلر الوصول إلى الاستنتاج الذي ينصّ على أن الحرب الذكية هي التي لا تقع فعلاً، أو على الأقل يفترض ألا تقع بين الأذكياء. ففي عصر المعلومات يعرف كل طرف من أطراف الحرب قدراته الذاتية وقدرات الخصم، ويستطيع كل طرف منهما على حدة أن يحسب نقاط القوة والضعف، ومن ثم النتيجة المتوقع للحرب. بهذا المعنى تكون المعرفة الاستباقية لنتيجة الحرب مدخلاً لتفاديها، لأن المعرفة ستُترجم بميزان القوى على مائدة التفاوض، ولأن الأطراف التي يُحتمل خوضها الحرب ستفضّل تفادي الخراب للوصول إلى النتيجة المعروفة سلفاً.

ذلك لا يعني طبعاً اعتماد المنطق الحسابي بالمطلق، فعوامل المفاجأة يمكن حسابها بنسبة كبيرة جداً أيضاً، مع الانتباه إلى تضاؤل تأثير عنصر المفاجأة بعد نشوب الحرب فعلاً. وما لم تكن المفاجأة الأولى قاصمة فهي لن تؤثّر في النتيجة المحسوبة، ولا يُتوقّع أن تكون الضربة الآتية من الطرف الأضعف قاصمة على هذا النحو.

حتى على الصعيد الطبي، انتهى خطر فيروس كورونا في اللحظة التي قال فيها العلماء عنه: “صرنا (نعرفه) جيداً”. ولا شكّ في أن معرفة الخصم، مدعومةً بتفوق تكنولوجي هائل، ستؤدي إلى إبادة مكامن قوته بعمليات عسكرية دقيقة، حيث تؤخذ في الحسبان مكامن القوة العسكرية والاقتصادية والمعنوية، بما يتناسب مع مجريات المعركة وردود أفعال الخصم. وضمن المجريات نفسها يتمتع صاحب المعرفة الأفضل بالأسبقية التي تتيح له تقييم أوضاع الخصم، ربما أكثر مما يستطيع هو تقييمها.

بمنطق الحروب الذكية، كان يُفترض ألا تحدث الحرب الحالية، إلا أن المتحاربين الآن غير متواجدين على القاعدة المعرفية ذاتها لتقييم اختلال التوازن بينهم على النحو نفسه. فالمسألة من الطرف الإيراني ليست الاختيار بين تدمير نظاميه النووي والصاروخي سلماً أو حرباً؛ هي تتعلق أولاً بالنظام السياسي الذي لا يستطيع بموجب بنيته الاستسلام لاختلال التوازن، بعد عقود من الخطابات التي تبشّر بالتصدي له.

لقد استُهل هذا القرن بردٍّ على الاختلال الهائل في امتلاك المعرفة، تجلّى في مهاجمة برجَي مركز التجارة العالمي في نيويورك، فأتى الاختراق الأمني بواسطة التكنولوجيا غير المعدَّة أصلاً لأغراض عسكرية. الأهم أن الذين نفّذوا الاعتداءات يفتقرون بالمطلق إلى أجندة سياسية، وإلى هدف مباشر أو غير مباشر من الهجوم. كان الأمر برمته نموذجاً للعدمية السياسية والقدرة على إيقاع الأذى معاً، وقد استُفزّ الوحش الأميركي، ودفع التنظيم المهاجم ثمناً باهظاً جداً، ما جعل اعتداءه بمثابة انتحار، إلا أنه لم يصبح عبرة وأمثولة يتم تفاديها.

هذه العدمية تكشف عن أن الصدمة التكنولوجية والمعلوماتية لم تُحدث أثراً مجتمعياً وفكرياً واسعاً، يمكن تشبيهه رمزياً بالأثر الذي أحدثته صدمة نابليون بونابرت في مصر. بالطبع مع الأخذ بالحسبان أن القادة الأميركيين والإسرائيليين ليسوا فاتحين على غرار بونابرت، ولا يحملون إلى جانب أسلحتهم علماء وتنويراً. أي أننا إزاء حروب ذكية يقودها أغبياء وحمقى، وذلك (بتبسيط شديد) يشبه الغباء البشري عندما يستخدم برنامجاً من برامج الذكاء الاصطناعي.

في الواقع، رغم كل ما يُقال عن دهاء القادة الغربيين والإسرائيليين، يبدو أن الذكاء في الحروب الأخيرة مقتصر على الأسلحة التي تنجز المهمة بإتقان، في حين أنها تظهر معزولة ومتقدِّمة لا على الخصوم فحسب، بل على مستخدميها أنفسهم. ويمكن مثلاً لأي متابع لتصريحات ترامب، منذ بدأت الحرب، أن يلاحظ الخفة الذهنية التي يتحدث بها، والتي باتت تمثّل حقاً المؤسسة التي اختارته مرشّحاً رئاسياً لها. وتناقض تصريحات ترامب يكاد يحيل إلى نوع “متقدّم” من العدمية السياسية أيضاً، فهو يطالب مرة مع على منصته “تروث سوشيال” باختيار قادة إيرانيين “عظماء”، مع وعدٍ بمساعدته لهم كي تكون “إيران عظمى مجدداً”. وفي مرة أخرى، وبفارق ساعات عن الأولى، يصرّح لشبكة سي إن إن بأنه لا يمانع أن تكون “القيادة القادمة في إيران دينية أو غير ديموقراطية”.

عطفاً على غياب أي مشروع أميركي حقيقي، ولو على شاكلة المحافظين الجدد، يستطيع ترامب في أية لحظة إعلان النصر، ووقف إطلاق النار. ويستطيع أيضاً منح قادة طهران فرصة إعلان النصر كالمعتاد، بالقول إن العدو أخفق في تحقيق هدفه المتمثّل بإسقاط النظام. أي يمكن الوصول إلى نتيجة مُرْضية للطرفين كأنما شيئاً ما لم يحدث، مع أن الحرب الذكية خلّفت دماراً هائلاً يصعب التكهّن بمداه وآثاره اللاحقة.

لم تبدأ الحرب قبل أيام، لقد بدأت مع تفجير أجهزة البيجر في لبنان، ثم مع اغتيال الأمين العام لحزب الله وخليفته بعمليات لها جانبها الاستخباراتي والتكنولوجي معاً، وبما يجعلها حرباً ذكية. السيناريو الإيراني أتى مطابقاً إلى حد كبير لنظيره في لبنان، فلم تكن هناك استفادة من الدرس خلال مدة ليست بالقصيرة بين الحربين. ولا تبرز حتى الآن بوادر الاستفادة الأوسع من درس قاسٍ وبليغ جداً؛ أي تلك التي تتجاوز الأنظمة والتنظيمات التي لا تسمح بيئتها بتعلّم الدرس. وإذا استعرضنا الخراب الكبير بدءاً من غزة وصولاً إلى لبنان فهو يستحق بشدّة التفكير خارج العدمية السياسية، وأن يُفكَّر في البدائل التي تمنح ولو بصيص أمل لأجيال قد لا ترى سوى تلك العدمية خياراً لها. تحتاج المنطقة بإلحاح ألا يقتصر الذكاء على العنف والحروب والأسلحة.

المدن


أذرع إيران في المنطقة… ما هي الأدوار التي قد تلعبها في الحرب الدائرة؟/ عمار جلّو
الاثنين 9 مارس 2026
“لا يمكنهم بعد الآن زعزعة استقرار المنطقة أو العالم ومهاجمة قواتنا”، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في مستهل الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة على إيران نهاية شباط/ فبراير الماضي، مردفاً: “من لبنان إلى اليمن ومن سوريا إلى العراق، قام النظام (الإيراني) بتسليح وتدريب وتمويل ميليشيات إرهابية غمرت الأرض بالدماء والأشلاء”.

عليه، استُهدف رتل للحشد الشعبي في محافظة ديالى قرب الحدود الإيرانية، بعد يومين من هجوم مماثل أسفر عن مقتل عدد من مقاتلي “عصائب أهل الحق”. ويُعتقد أنّ العملية تحمل رسالةً مفادها أنّ تحرّكات حلفاء إيران تخضع للمراقبة، حسب موقع أمواج ميديا. كما تمّ استهداف موقعين لكتائب “حزب الله” العراقية في قاعدة “جرف النصر” ومعبر القائم (البوكمال) الحدودي مع سوريا.

في المقابل، شهدت الساحة العراقية نشاطاً واسعاً للفصائل المسلحة الموالية لإيران، بجانب إعلان “سرايا أولياء الدم” المدعومة من إيران مسؤوليتها عن ضربة صاروخية باليستية استهدفت أربيل.

تصعيد أذرع إيران VS مخاوف من اتساع الحرب

من جانبه، قال أمين عام “حزب الله” اللبناني، نعيم قاسم، في الأول من آذار/ مارس الجاري، في بيان للحزب، إنّ اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي ومسؤولين إيرانيين آخرين كان “قمة الإجرام”، متعهّداً: “سنقوم بواجبنا في مواجهة العدوان”.

بعدها، أعلن “حزب الله” اللبناني انخراطه المباشر في المواجهة انتقاماً لمقتل خامنئي، عبر إطلاق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل. وأفاد تقرير لاحقاً باحتمالية تورّط “حزب الله” في استهداف قاعدة عسكرية بريطانية في قبرص، وهو ما أعلنه مسؤولون قبارصة وردّت عليه الخارجية اللبنانية بالتنصل واعتبارها “أعمالاً مشينةً… لا تمثل لبنان واللبنانيين”، علماً أنّ “حزب الله” لم يتبنَّ الهجوم. وفسّر محلّلون ضربات “حزب الله” لإسرائيل بأنها بمثابة “حرب استباقية” على اعتبار أنّ إسرائيل كانت ستضرب لبنان على أيّ حال.

بدوره، قال المجلس السياسي الأعلى، التابع لجماعة الحوثي، إن “توسيع دائرة الاستهداف سيؤدي فقط إلى توسيع دائرة المواجهة”، ما يعني أنّ التهديد الذي أطلقه زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، في بداية الحرب، بالتصعيد أعقبه اعتراف ضمني بالتكلفة الباهظة لاتساع رقعة الحرب حيث إنّ الانخراط في حرب من أجل إيران قد يترك الجبهة الداخلية للحوثيين مكشوفةً لقوات الحكومة المعترف بها دولياً والمدعومة من أطراف إقليمية أبرزها السعودية.
تشتّت بين الولاء العقائدي وغريزة البقاء

وبينما يشهد الشرق الأوسط واحدةً من أكثر لحظات تحوّله خطورةً، منذ عقود، وجد “محور المقاومة” نفسه أمام اختبار وجودي مزدوج؛ الولاء العقائدي من جهة، وغريزة البقاء محلياً من جهة أخرى، وذلك مع إعلان مقتل خامنئي.

فالصراع المفتوح حالياً، لم يُعد مجرد مواجهة تقليدية بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من جهة وإيران من جهة أخرى، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي لتماسك شبكة الأذرع الإيرانية التي استغرق بناؤها عقوداً.

ومع إعلان هذه الأذرع في لبنان والعراق واليمن تضامنها مع طهران، يبرز تساؤل ضروري حول قدرة هذه الأذرع على الاستمرار في حرب شاملة وضدّ قوتين عسكريتين بحجم واشنطن وتل أبيب، أي هل يستطيع “حزب الله” المنهك عسكرياً واقتصادياً مواصلة الحرب لأجل إيران؟ وكيف ستتصرف الفصائل العراقية التي تواجه ضغوطاً داخليةً غير مسبوقة؟ وماذا عن الحوثيين الذين يخشون من تفكّك المحور بأكمله؟

على الرغم من تصريح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأنّ بلاده قادرة على الدفاع عن نفسها، في إيحاء بأنها لا تحتاج إلى أحد، إلا أنّ طهران لا تحتاج إلى إطلاق العديد من الصواريخ والذخيرة لتحقيق أهدافها السياسية، حسب تقدير معهد “تشاتام هاوس” الذي يقول إنّ كل ما عليها فعله هو استخدام ميليشياتها المتمركزة في مواقع مختلفة عبر المنطقة لإحداث الفوضى وتقويض أعدائها. فالوتيرة والتشتت، وإلى حدّ ما الفتك، أهم من حجم الضربات الصاروخية التي تطلقها في هذه الحرب.

إلا أنّ “الأمر يتعلّق جداً بالبقاء” بالنسبة لـ”حزب الله” والجماعات الأخرى الموالية لإيران، حسب الباحث أوّل المتخصّص في شؤون الشرق الأوسط في معهد “تشاتام هاوس”، ريناد منصور، الذي يلفت إلى أنه مع مرور الوقت، “أصبح محور المقاومة” أقل تأثراً بالأوامر من الأعلى إلى الأسفل من إيران، وأصبحت الجماعات أكثر استقلاليةً. “البقاء بالنسبة لهم يعتمد على حسابات ليست بالضرورة مرتبطةً ببقاء إيران”، واصفاً ما تمرّ به المنطقة راهناً بأنها “لحظة دموية وعنيفة لكنها تحولية يمرّ بها الشرق الأوسط… لا نعرف إلى أين سينتهي هذا”.

وفي هذا السياق، يشير المعهد الدولي للدراسات الإيرانية-رصانة، إلى أنّ رحيل خامنئي يمثّل “اختباراً وجودياً مزدوجاً”؛ الأول لاستمرار المؤسسية داخل إيران، والثاني للولاء خارجها لدى “محور المقاومة”.

وتتحكّم في مواقف الفصائل الموالية لطهران ثنائية العقيدة والمصلحة، حيث يقوم العامل العقائدي (الولائي) على “ولاية الفقيه” ويحوّل الولاء للمرشد إلى التزام ديني، ويشكّل مصدر الشرعية والتفويض “الجهادي”. في حين يشمل العامل المصلحي حسابات كل فصيل، مثل الخوف من رد فعل إسرائيل أو أمريكا، والضغوط الداخلية، على سبيل المثال احتمالات نزع السلاح في كل من لبنان والعراق، بالتزامن مع الخشية من أن يؤدي إضعاف إيران إلى انكشاف إستراتيجي يهدّد وجودها.

إلى ذلك، تتباين مواقف أطراف “محور المقاومة”، فـ”حزب الله” اللبناني، الأكثر التزاماً ولائياً لإيران، دخل المواجهة مع إسرائيل، عادّاً المعركة “مصيريةً” لبقائه، وعلى أساس أنّ سقوط إيران سقوط له. ومن بعده، تأتي الفصائل العراقية المسلّحة على غرار كتائب “حزب الله” العراقية وعصائب أهل الحق، وقد نفّذت هجمات على قواعد أمريكية، لكنها تواجه ضغوطاً متزايدةً لفكّ ارتباطها مع إيران، مما يضعها أمام اختبار وجودي مشابه.

في الأثناء، وكما أوضح معهد “رصانة”، أعلن الحوثيون تضامنهم مع إيران، لكنهم لم ينخرطوا في المعركة، وهم الأقلّ ارتباطاً بـ”ولاية الفقيه”، مقارنةً بغيرهم من أذرع إيران. ومع ذلك، و”لحسابات إستراتيجية، قد ينخرطون في الحرب في أيّ مرحلة، في إطار التقدير بأنَّ المعركة لن تتوقَّف عند إيران بل ستستهدف تفكيك كامل ‘محور المقاومة’ وأي قُوى معادية لإسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة”، وفق المركز.
حسابات أخرى في كردستان العراق

قبل قرابة أسبوع من العملية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران، أعلنت ست مجموعات معارضة كردية إيرانية في إقليم كردستان العراق عن تشكيل تحالف موحّد ضدّ النظام الإيراني تحت اسم “ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران”. وفي اليوم نفسه، أصدرت حكومة الإقليم بياناً تؤكد فيه عدم سماحها باستخدام أراضي الإقليم في تنفيذ عمليات ضد أي دولة مجاورة. برغم ذلك، أفادت تقارير باستهداف جنوب الإقليم بعشرات الهجمات الصاروخية من إيران ومن الميليشيات الموالية لها في العراق.

مع ذلك، يمكن القول إنّ الفصائل العراقية، حتى الآن على الأقل، تلتزم بالهدوء النسبي، لكنّ دورها مرشّح للاتساع إذا اقتنعت طهران بأنّ الهجمات ضدها تنطلق من كردستان العراق. عندها، قد تُعبّأ لممارسة ضغوط سياسية وعسكرية على السلطات الكردية أو لاستهداف مواقع المعارضة الإيرانية بضربات أشدّ قوة.

ويعتمد النهج الإيراني في هذا السياق على إستراتيجية مزدوجة: ضربات الحرس الثوري المباشرة بالصواريخ والمسيّرات، مقابل ضغط بالوكالة عبر الميليشيات. هذا النهج يحقّق الردع ويعطّل المعارضة، مع تجنّب نشر قوات برّية على الحدود الغربية، تفادياً لتعرّضها لنيران القوة الجوية الأمريكية أو الإسرائيلية. كما أنّ تصاعد هذه المواجهة يحوّل العراق بسرعة إلى ساحة حرب إقليمية، بما يهدّد باتساع رقعة عدم الاستقرار نحو الحدود التركية إذ تتحسّس أنقرة من أي نشاط مسلح كردي، وفق مركز “صوفان”.
مزامنة الضربات لفعالية أكبر

في تقرير آخر، ينبّه المصدر نفسه إلى إمكانية تزامن صواريخ “حزب الله” اللبناني قصيرة المدى مع انشغال الدفاعات الإسرائيلية باعتراض صواريخ إيران بعيدة المدى، ما يزيد احتمالية اختراق أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية. كما أنّ احتمالية وجود قوات إسرائيلية برّية على الأراضي اللبنانية، يتماشى مع إستراتيجية إيران لفتح جبهات متعددة ضدّ إسرائيل، ويسمح لـ”حزب الله” بتصوير الصراع كصراع مقاومة ضد الاحتلال، وهي بيئة يتفوّق فيها تاريخياً، وأكثر فائدةً من المواجهة الجوية مع الجيش الإسرائيلي المتفوّق.

وفقاً لمركز “ستيمسون”، أعاد الحوثيون قبل الصراع نشر منصات إطلاق الصواريخ والرادارات وقدراتهم البعيدة المدى على البحر الأحمر وقرب الحدود السعودية، وعزّزوا لامركزية المخزونات وتفعيل بروتوكولات الطوارئ المرتبطة بوضع الحرب. كما أظهروا ضبطاً مشروطاً معلِنين أنّ أيّ تصعيد مرهون بانهيار اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وجمّدوا هجماتهم العابرة للحدود منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2025. لكنهم مستعدّون لإعادة تفعيلها سريعاً “بمجرد اتخاذ القرار”، إذ لم يتخلّوا عن أيديولوجيتهم الهجومية، وما زالوا يحتفظون بقدرتهم على توجيه ضربات بعيدة المدى، بوصفهم الآن “أكثر وكلاء إيران صموداً”.

وفيما ينشغل خصوم الحوثيين في الحكومة المعترف بها دولياً بتثبيت الاستقرار في محورهم المناوئ للجماعة، والرأي العام في مناطقهم يمنح الأولوية لدفع الرواتب وتوفير الخدمات الأساسية على حساب المغامرات، قد تدفع هذه الضغوط الداخلية الحوثيين إلى مغامرة خارجية لصرف الأنظار عن قصور الحكم لديهم، وإن كان ذلك سيعرّضهم إلى ردّ دولي عنيف.

عطفاً على ما سبق، وبرغم اقتصار دور الحوثيين على التعبئة الاحتجاجية والتضامن السياسي مع إيران، إلا أنهم ربما ينضمون إليها، حيث يتشكل قرار تصعيدهم من مزيج الإشارات الإيرانية، والالتزام الأيديولوجي، وديناميكيات المحور، وضغوط البقاء الداخلية، وحوافز إسقاط القوة، واستدامة الترسانة، ومخاطر الرد الدولي. فـ”إذا أمرتهم إيران بالدخول رسمياً، سيمتثل الفريق المتشدّد داخل الجماعة بغض النظر عن التبعات. لذا لم يعُد السؤال هل سينضمّون؟ بل ماذا سيضربون عندما يفعلون؟”، حسب “ستيمسون”.

عقيدة جديدة ترتكز على ثلاثة أعمدة

أما مركز الدراسات الإيرانية في أنقرة “إيرام”، فيشير إلى أنّ طهران، ونتيجةً لتراجع قدرات أذرعها في المنطقة، تبنّت مؤخراً عقيدة جديدة، كشفت عنهما في بيانين متتاليين، أوّلهما أعلن عنه المرشد الأعلى السابق، خامنئي الأب، في قوله: “على الأمريكيين أن يعرفوا أنهم إذا بدأوا حرباً، فهذه المرة ستصبح حرباً إقليمية”. وثانيهما حديث رئيس الأركان العامة الإيرانية، الذي قُتل في بداية الضربات الأمريكية-الإسرائيلية، عبد الرحيم موسوي، عن تحوّل عقيدة إيران من الدفاع إلى إستراتيجية الهجومية بعد حرب الـ12 يوماً.

ويشرح “إيرام” أن هذه العقيدة الجديدة ترتكز على ثلاثة أعمدة؛ أولها رفع عتبة تحمّل التهديدات عمداً. وخلاله، يعامل عدم القدرة على منع هجوم العدو كتعرّض يمكن التحكّم فيه وليس كاستسلام إستراتيجي، لتوفير مجال تأثير غير مباشر على إيقاع ونطاق الهجوم.

وثانيها، اكتساب نهج احتواء المنطقة أولوية عملياتية، عبر استهداف قوات العدو داخل منطقة العمليات وتقييد حركتها، مع توظيف الصواريخ الباليستية كأداة حاسمة بدلاً من استهداف إبعادها عن حدودها فقط.

وثالثها، إعادة تنشيط شبكة الوكلاء، بحيث تواصل الأذرع الموالية لها كـ”حزب الله اللبناني والحوثيين وكتائب حزب الله العراقية”، الضغط الموزّع والمنسّق على الوجود الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة، وإن بدور عملياتي مختلف عن الماضي، وهو ما يحوّل مفهوم “الحرب الإقليمية”، التي تحدّث عنها خامنئي الأب سلفاً، من تحذير إلى امتداد طبيعي للتخطيط الإستراتيجي، حيث تستخدم إيران شبكة وكلائها كورقة ردع منسّقة، بما يقوّض الافتراض الأمريكي بإمكانية شنّ عملية عسكرية محدودة ومعزولة.
رصيف 22


متابعة شوطيْن من حرب/ يعرب العيسى
10 مارس 2026
بسذاجة شديدة عشنا بضعة أيام نشاهد حرباً وكأنها مباراة كرة قدم. اعتقدنا أنها لا تخصّنا، وجرّبنا لأول مرّة منذ زمن طويل، شعوراً بشرياً طبيعياً: رحى حرب تدور ولسنا طحينها، مقاتلون يتحاربون وليسوا نحن.
ما وهبنا هذا الوهم ربما أنه لم ينلنا منها سوى بضعة صواريخ اعترضت بعضها، وتثاقبت، فتشظّت، فتناثرت فوقنا. وهذا نوع من الأحداث التي لا تحرّك سورياً عن أريكته، إذ أين منها عَمادات الدم والنار التي عبرها؟
حسابياً، سقوط صاروخ هنا أو هناك، حتى مع بعض أضرار مادية وبشرية، لا يستدعي قلقاً في بلد ما زالت الدماء تسيل فيه منذ 15 عاماً، فيومياً يقتل في حمص بائع في دكّان، أو سيدة تعبر الشارع، ويومياً تكتشف جثة، أو مجموعة جثث في مكان ما من السويداء، وتستحضر قصة لم تروَ سابقاً عن فلاح قتل في الساحل العام الماضي، وجنديان شابان صغيران على حاجز شمالي دير الزور أو غرب السخنة أو شرق حلب. أو سيدة مسنّة وحيدة في بيتها بدمشق.
الأخيرة بسبب الضعف الأمني، وما قبل الأخيرة لأن ذئاب “داعش” المنفردة، عادت لتصبح قطعاناً، والأولى والثانية والثالثة لأسباب طائفية واضحة ومعلنة.
لماذا سيهتز لحربٍ أخرى خارج حدوده (حتى الآن) شعب عاش 14 عاماً تحت القصف والبراميل، ثم تحرّر من قاتليه، ليبدأ بقتل بعضه، ولديه تنويعة من أسباب القتل ترضي جميع الأذواق، يستطيع أن يُقتَل لأن لصاً أحبّ أغراض منزله، أو لأن رجلاً ما يؤمن أن عليه قتل عبدة الطاغوت، وأن رجلاً آخر أكبر منه أخبره أن عبدة الطاغوت هم كل البشر الذين على الكوكب، باستثناء بضعة آلاف من الإخوة. ويستطيع أن يُقتَل لأسباب أبسط، كأن يكون علوياً أو درزياً، او مسيحياً يعبر في حي علوي.
هذه نماذج بسيطة، مما يجعلنا نعتقد أن هذه الحرب المشتعلة في 14 دولة لا تعنينا، ولا تخصّنا، أو على الأقل لا تخصّنا الآن، وحين تمسّنا بشكل أقرب سنكترث لها.
لسببٍ ما، وهو مفهوم على الغالب، لا يدير السوريون أذناً لكلام السياسيين والمحللين، تحديداً العقلاء منهم، الذي يرون المشهد من عين بعيدة المدى، ولا يريدون أن يسمعوا خبيراً مصرياً يقول: سيكون التالي إمّا نحن وإما سورية أولاً.
تحكي أجاثا كريستي في مذكراتها في سورية “تعال قل لي كيف تعيش” أنها زارت في عام 1934، رفقة زوجها ماكس مالوان وفريقه، شيخ عشيرة تقطن قريباً من الحدود التركية، وحين وصلوا بسيارتين عاليتين، خرج للترحيب بهم، ظانّاً أنهم ضباط أتراك، واستغرب وجود امرأة معهم، وحين أخبروه أنهم بعثة علمية تنقّب عن الآثار، وأن الأتراك خرجوا من بلاده، زاد استغرابه وسألهم: متى؟ قالوا: منذ زمن طويل، منذ الحرب. قال: أي حرب؟ أخبروه عن الحرب العالمية الأولى التي انتهت منذ 15 عاماً. نظر إلى أحد رجال عشيرته، وأشار إلى الشمال لسكة الحديد وقال له: ألم أقل لك حين كان القطار ينقل الكثير من الجنود، “الله العليم بِي شَي”؟
وصفت أجاثا هذا الرجل البدوي بأنه، بالنسبة لها، أسعد رجل في العالم. وبهذا المعنى، أظن لدينا الآن في سورية، وريثما تتضح الصورة، وتبدأ التداعيات الحقيقية، لدينا أكبر كمّ ممكن في العالم من “أسعد رجل في العالم”. وقريباً جداً سيتغير شعوره، وستنقبض ابتسامته، وسيعرف أننا نحن السوريين، وكما كنّا دائماً، في عين العاصفة.

العربي الجديد


أوجد الفوارق العشرة/ عبير داغر اسبر
10 مارس 2026
في تلك اللعبة الطفولية، التي لا نزال نستسلم لتحدّياتها الساذجة، لطالما وُضعنا أمام صورتين متشابهتين إلى حدٍّ يكاد يخدع العين. يُطلب منا أن نُصغي جيداً لنداء الدقّة: أن نعثر على عشرة فوارق خفية. كانت العين نافذتنا الصغيرة إلى العالم؛ تتعلّم الصبر، تتمرّن على الشكّ، تفرح حين تكتشف تفصيلاً ضئيلاً ينجو من التطابق. في لعبة الحروب الشائقة التي لا يملّ منها أحد، ولا يتعلّم منها حكيم، لا تُوضع أمامنا صورتان، بل آلافٌ منها، متراكمة كأبنيةٍ تتهاوى، نسخٌ من خرابٍ يتوالد من الجحيم. الألوان الشيطانية باحمرارها ذاته. الوجوه المعفّرة بالغياب ذاته. زاوية التصوير الباحثة عن رأفة الفنون، عن رحمة الحكاية من دراما العبث، مروية بنهاية منطقية. ننظر إلى الصور فنجدها متطابقة إلى درجة يعجز معها أشدّ المتأمّلين يقظةً، أمهر الخبراء دقّةً، فنفشل في العثور على فوارق في ملامح منكفئة على ألمٍ لا اسم له، ساهية عن النظر إلى ما حولها، لا تفكّر في شيء إلا ذاك البعيد، الأقرب إلى الموت، والأبعد عن النجاة. في بلاد الموت، تحكي الأجساد اللغة ذاتها، مهما اختلفت قواعد النحو والإملاء. لم نعد نملك غير الصورة، مهما تغيّرت الجغرافيا: لا نرى غير أجسادٍ تسكن الخرس، تفرّ من الجدران، لا يسعها سوى العراء. لا يليق بها إلا غبار البيتون الطبشوري. بينما تظهر البيوت كجثث تخرج من صدورها أسياخ الفولاذ، كأضلاعٍ تهشّمت بعد حادثٍ كوني.
تعلّمنا، نحن السوريين، أن الحروب تُعلَن لأسباب شتّى: للطمع، للجوع، للكرامة، للانتقام، حتى للاحتكام إلى العدالة الإلهية. أمّا اليوم، فربما بسابقة مخزية، كأنها تُعلَن للضجر. ضجر بعبعٍ يريد أن يلعب لعبة الحرب ولو وحيداً. ضجر القوى الكبرى من جبروتها. ضجر الساسة من اجتراع المعنى. ضجر العالم من نفسه. وتوقه إلى الفناء. تعلّمنا نحن السوريين أن الحروب تتشابه بشماتتيها المتشفّيتين، بجشعيها المعتاشين على موتٍ دائم. تتشابه في جموع الموتى الذين لم يموتوا تماماً بعد. الحياة ألقت بهم عند حدود البلدان، شمالها، جنوبها، ليمشوا فوق خطوطٍ رسمها غرباء. تتشابه الحروب في أعداد قتلاها، في أصوات النواح التي تتكرّر كتسجيلٍ قديم يُبثّ مع كل فجيعة. تتشابه في الإرث الذي تتركه خلفها: خوفٌ ينتقل من عام إلى عام، من بيت إلى بيت، كأنه ميراث لا يستطيع أحد رفضه. الخذلان فيها متشابه. خذلان المنتظرين نجدةً لم تصل. خذلان الذين أرسلوا رسائل لم يقرأها أحد. خذلان الذين اكتشفوا متأخرين أن العالم أوسع بكثير من أن يسمع صراخهم، أضيق بكثير من أن يحتمل نجاتهم. في كل مرة نقف أمام الصور كما وقفنا في طفولتنا أمام لعبتنا القديمة. نحاول عبثاً أن نجد الفروق. ننحني قليلاً نحو الشاشة، نضيّق أعيننا، نبحث عن تفصيل صغير يثبت أن هذه الحرب ليست مثل سابقتها. الطفل الذي كنّا نظنه مختلفاً يحمل الذعر نفسه. المرأة الجالسة على الركام تشبه آلاف النساء اللواتي جلسن قبلها على تلال الخراب، مهما تغيّر اسم المدينة. حتى السماء المعفّرة تبدو متشابهة: رمادية، معلّقة على مسافة قريبة من الأرض، كأنها تعبت من التدقيق في مرايا وجودٍ عابث. تعبت السماء. ليس لأن البصر ضعيف، بل لأن العالم أصبح بارعاً في تكرار الكارثة، إلى حدٍّ لم يعد معه للخراب سوى وجهٍ واحد، صورةٍ واحدة، حكايةٍ تُعاد. فما الفرق بين صورة بيتٍ في اليمن أو سورية، شارعٍ في لبنان أو فلسطين، تفجيرٍ في العراق أو الكويت، أو حزنٍ يتمشّى في بلاد الله؟ لا فرق.
العربي الجديد


الموقف التركي من الحرب على إيران/ محمود سمير الرنتيسي
2026.03.10
تبنت تركيا مقاربة الوساطة تجاه التوتر بين إيران والولايات المتحدة منذ فترة طويلة، وحتى هذه اللحظة تعتقد تركيا بوجوب وقف الهجمات المتبادلة والعودة إلى طاولة الدبلوماسية فورا، وهذا ما صرح به وزير الخارجية التركي هاكان فيدان للصحفيين وهو عكس الموقف الأميركي الإسرائيلي الذي يريد انتهاء الحرب وفق شروطه فقط، والتي تنحو نحو القضاء على النظام.

وقد ظهر التشدد الأميركي بالأساس في جولات التفاوض التي سبقت شن الهجوم على إيران بالرغم من التنازلات الملموسة التي أظهرتها طهران، وتعتقد تركيا أنها قدمت حلولاً مبتكرة لمنع الحرب ونجحت في تأخير اندلاعها على الأقل.

وبالنسبة لتقييم تركيا لمواقف الأطراف فإنها ترى أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تريد القضاء التام على النظام الإيراني وليس على قدراته، إذ غيرت دولة الاحتلال تعريفها للتهديد من قدرات إيران العسكرية سابقاً إلى تمثل التهديد ببقاء النظام نفسه، لأنّ إسرائيل باتت تعتقد أن بقاء إيران الحالية سيشكل تهديداً لها في المستقبل، ولذلك ينبغي أن لا تبقى بهذا الشكل، وقد نجح الاحتلال بإقناع الإدارة الأميركية بهذا التصور أيضاً.

تتابع تركيا بقلق استهداف إيران المباشر للقواعد الأميركية في الدول العربية بالمنطقة، وترى أنّ هذا الأمر يزيد من احتمالية تحوّل الأمر إلى أزمة أمنية إقليمية أوسع بالرغم من أن دول الخليج العربية لم تصّعد الأمر إلى هذا المستوى ولكن يوجد نقاش جار حول مزاعم بأن هناك ردود خليجية على إيران، وتعتقد تركيا أن ضرب إيران لأهداف في دول الخليج، التي لعب بعضها دور الوساطة، عبارة عن استراتيجية خاطئة.
الاقتصاد التركي

يتعلق التخوف التركي الآخر بقرار إيران إغلاق مضيق هرمز، وهو مضيق حيوي يرتبط بمرور خمس استهلاك العالم من النفط إذ يمر من المضيق حاليا حوالي 20 مليون برميل نفط يوميا، وخمس تجارة الغاز المسال وإغلاقه بالتأكيد له وقع خطير على الأسواق المالية وأسواق الطاقة، كما أن العملاق الاقتصادي الصين تستقبل نحو ثلث كميات البترول في حين تحصل الهند وكوريا الجنوبية واليابان على حوالي 2 مليون برميل يوميا عبر الممر، وبالتالي عندما نتحدث عن دول بهذا الحجم فهي لها أثر كبير في الاقتصاد العالمي وهناك تحليلات تشير أن صدمة إغلاق المضيق قد تتسبب في آثار تتجاوز 3 أضعاف ما حصل في السبعينيات عندما تم حظر النفط العربي.

وقد بدأ التصعيد في التأثير على أسعار المحروقات في تركيا مثلها مثل العديد من الدول، في ذات السياق تعتمد تركيا على إيران في ملف واردات الطاقة والغاز، وقد كانت تستورد 16% من احتياجاتها السنوية من الغاز الطبيعي من إيران وتحظى بتفضيلات خاصة، وأي تغيير في حالة النظام بالتأكيد سيكون له آثار سلبية على هذا الأمر، فضلا عن أن أي تعطل في خطوط الطاقة سيحرم السوق التركي من كثير من المزايا وسيرفع أسعار الاستهلاك.

من زاوية أخرى، تعتمد تركيا على إيران في تجارتها البرية مع آسيا الوسطى، وتعثر هذه التجارة سيكون له آثار سلبية على الاقتصاد التركي الذي تبذل الدولة جهودا كبيرة لتحسينه في ظل المعاناة من أزمة التضخم.

علاوة على ما سبق، فإنّ العملة التركية تهتز أمام المخاطر الجيوسياسية وخاصة في المناطق القريبة منها وبالتالي يزداد الضغط حالياً على الليرة، التي تراجعت بالفعل، وغالباً سيضطر البنك المركزي التركي لبيع الدولار لتثبيت سعر صرف الليرة، وسيؤثر هذا على السياسات الاقتصادية التي كانت تميل إلى تخفيض سعر الفائدة وهذا يؤثر على السياسة الداخلية في البلد.
الشارع الإيراني وكابوس الملف الكردي

حتى هذه اللحظة تراقب تركيا وضع الشارع الإيراني ونظرته لما حصل من تطورات فيما يتعلق بسياق تغيير النظام وترى أنه لا يوجد حاليا أي مؤشرات على موجة احتجاجات واضطرابات في أوساط الشعب الإيراني، وهذا الملف هو مصدر قلق كبير لتركيا لأنها تخشى سيناريو الفوضى وبدء موجات لجوء بملايين الأشخاص نحوها وتخشى تكرر ما حصل في سوريا، بل أكبر، لأنّ عدد سكان إيران أكبر والتحولات تجري بشكل أسرع، وعموماً يمكن القول: إنّ تركيا ترى أن انهيار الدولة في إيران يعرّف كخطر أكبر من وجود إيران كدولة منافسة مستقرة.

كذلك الحال تجد تركيا خطورة كبيرة في يتعلق بإعادة إحياء ملف الانفصال الكردي، في وقت نجحت فيه تركيا بإضعاف هذا الملف إلى حد كبير ووصلت إلى تسويات ناعمة بخصوصه بعد سنوات طويلة من الصراع، وبالتالي في حال استغلت أطراف كردية في إيران ضعف مركز الدولة الإيرانية وذهبت إلى مسارات انفصالية، فإنها ستعيد جهود تركيا منذ 2009 بهذا الصدد إلى المربع الأول.

وقد ذكر هاكان فيدان بشكل واضح مراقبة تركيا الحثيثة لتحركات حزب العمال الكردستاني في إيران قائلاً: “نحن نراقب ونحلل كل شيء: مدى مقاومتهم للنظام، ومدى مقاومتهم للأعراق الأخرى في مناطقهم، وماذا سيحدث، وما الذي يهدفون إليه، وماذا سينتج عن ذلك”، وتعتقد تركيا أن الحزب سيعمل على استغلال نقاط الضعف والانقسامات، خاصة في البلدان التي ينشط فيها.

ختاماً، يمكن القول إنّ تركيا ترى أن لهذه الحرب سقفا أدنى يتمثل في إضعاف القدرات العسكرية الهجومية للنظام الإيراني بحيث يرغمها ذلك على عدم القدرة على تهديد الأطراف الإقليمية، وكذلك هناك حد أعلى أو سقف أعلى هو تغيير النظام نفسه وهذا سيأخذ وقتا أطول، وسيكون أكثر كلفة على الجميع بما فيهم تركيا ويمكن أن يفتح أبواب المجهول على مستقبل المنطقة.

ولهذا بالنسبة لتركيا فإنّ كلا السقفين يحمل مخاطر، خاصة فيما يتعلق بالملف الكردي وتمدد المجموعات المسلحة الكردية وملف الاقتصاد والطاقة، وسيناريو الفوضى داخل إيران وتولد موجات لجوء عن ذلك، ولذلك فإن تركيا ستستمر في تشجيع الأطراف للعودة إلى الهدوء وستشجع دول الخليج لعدم الانجرار إلى مربع الرد على إيران، ويعتقد أنها ستستثمر علاقاتها مع بعض دول الاتحاد الأوروبي للعمل معا عبر المسارات الدبلوماسية.

على المستوى الاستراتيجي الداخلي تشعر تركيا منذ مدة أنها أيضا ليست بعيدة عن الاستهداف مهما كان الطرف المنتصر في هذه الحرب، فهي تستعد في كل المجالات، سواء في تطوير القدرات العسكرية الذاتية الهجومية والدفاعية، أو البحث عن شراكات مفيدة، أو في الاستعدادات لسيناريوهات مثل موجات هجرة محتملة من إيران أو تجدد الصراع مع الأكراد، وقد بدأت هذه الاستعدادات بشكل كثيف منذ حرب الـ12 يوماً الماضية.
تلفزيون سوريا


الحرب التي تحدث ولا تحدث على شاشة هاتف الرئيس الأميركي/ سامر أبوهواش
حيث “كل شيء رائع” ولا ضحايا ولا دماء ولا دمار
09 مارس 2026

لم يجد الرئيس الأميركي، حين سئل عن ضحايا مدرسة “الشجرة الطيبة” في ميناب الإيرانية من التلميذات الصغيرات اللواتي زاد عددهن على 160 ضحية في أول أيام الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية على إيران، سوى القول، في اليوم الثامن من الحرب، إن هذا كان من فعل الإيرانيين أنفسهم. وفي الأيام القليلة السابقة لهذه التصريحات (والرئيس الأميركي يتحدث كل يوم أكثر من مرة)، نشرت حسابات البيت الأبيض مقاطع فيديو ترويجية للحرب، يستند أحدها إلى لعبة الفيديو الحربية الأشهر، “كول أوف ديوتي” (نداء الواجب)، وآخر يستند إلى أفلام هوليوودية، مولفة جميعها لكي تصوّر الأميركي الخارق المنتصر في حرب أطلقها، دون أن يحدد لها هدفا أو أفقا زمنيا واضحا.

هذه المقاطع التي تبدو مفصلة على قياس الرئيس الأميركي وطريقة تفكيره، معتمدة على أفكار التفوق والعظمة و”التشويق”، أثارت اعتراض كثر من الطيف السياسي والثقافي والفني والهوليوودي على السواء، ممن رأوا فيها عدم احترام، سواء للضحايا المدنيين الذين يسقطون في هذه الحرب، أو للجنود الأميركيين الستة الذين قتلوا في بدايات الحرب. إلا أن الرئيس نفسه لا يعبأ بهذه الاحتجاجات، ولا يجد نفسه معنيا بمراعاة مشاعر أحد، لا من الإيرانيين أنفسهم (الذين يزعم تحريرهم)، ولا من العرب، وقطعا ليس من أحد آخر في العالم.
اللعبة هي اللعبة

فالحرب، بقدر ما الأمر يعني ترمب، لا تحدث حقا. لا دماء حقيقية تسفك، ولا مباني فعلية تدمر، ولا مليارات تهدر. يجد العالم نفسه أمام حالة مضاعفة من التناقض الصارخ: قائد يطلق حربا يسميها “الغضب الملحمي” (الذي يليق بأن يكون اسم لعبة فيديو حربية)، ويجنّد لها موارد غير مسبوقة، من اقتصاد بلده واقتصادات كل البلدان المعنية بهذه الحرب، وفي الوقت نفسه، يريد باستمرار الإيحاء بأن هذه الحرب لا تحدث، فهي خاطفة وسريعة وحافلة بالإنجازات والأهداف “التي لا تصدّق” إلى درجة يشعر حيالها، من يتابعها انطلاقا من تصريحات ترمب، بأنه إنما يتابع لعبة فيديو أو مباراة كرة سلة أو كرة قدم أميركية.

الحماسة التي يتحدث بها ترمب عن الحرب، كلما سنحت له الفرصة، هي حماسة من لا يريد مغادرة مربّع التسلية والمرح، وكان الرئيس الأميركي افتخر في تصريحات سابقة بأنه “لن يملّ” من هذه الحرب، تماما كأنها مباراة كرة قدم. أما موقعه من هذه الحرب فهو موقع اللاعب الرئيس والمدرب والحكم والمعلق والجمهور في آن واحد، بل لعله في غمرة حماسته يطمح إلى أن يكون أيضا اللاعب الرئيس والمدرب للفريق الخصم أيضا.

الرئيس الأميركي، رغم تقدمه الجلي في السن، يقارب كل شيء في فترة رئاسته، بما فيها الأحداث الكثيرة التي يصنعها بصورة شبه يومية، انطلاقا من رؤية المؤثر اليافع على التواصل الاجتماعي. وكان ترمب اكتشف باكرا جدا، وعن حق، مدى قوة منصات التواصل الاجتماعي، إلى الدرجة التي دفعته إلى إطلاق منصة خاصة به أسماها “تروث” (الحقيقة). العالم الحقيقي، بالنسبة إلى ترمب، يحدث هناك، ضمن مسافة شاشة هاتفه الصغيرة، أما كل ما عدا ذلك، فهو محض وهم اخترعه البشر الذين لا يعرفون كيف ينخرطون في اللعبة، اللعبة التي يريد وضع قواعدها، وتغيير تلك القواعد متى شاء. ولعل موقفه من الدول التي لم تتحمس لحربه الأخيرة هذه، ولا سيما إسبانيا وبريطانيا، يعكس هذه الرؤية. فكل من هذين البلدين، لاعب سيء يجب إخراجه من اللعبة (بريطانيا، بكلماته، تأخرت كثيرا في الانخراط وبالتالي لم يعد يحق لها أن “تلعب”)، أما غضبته تجاه إسبانيا وتهديده بمعاقبتها، فهي أقرب إلى خصم النقاط من لاعب كان يفترض أن يكون في الفريق نفسه، لكنه فضل البقاء خارج اللعبة.
قوة الكلمات

كل شيء في عالم ترمب ينتمي إلى منطق اللعب، وهو لاعب نزق جدا، ملول جدا، لا يريد من هذا العالم، سوى أن يقدّم له، كل ساعة وكل يوم، مبررا لكي يكون موجودا، ما دام العالم الوحيد الموجود هو عالمه الخاص نفسه. هكذا يصبح ترمب نفسه، وليس أي مسؤول آخر في إدارته، مدير الحملة الدعائية لحربه على إيران. هو يعرف جيدا قوة الكلمات، خصوصا حين تصدر عن أقوى رجل في العالم. كلامه المليء بالنشوة عن قتل القيادة الإيرانية، حتى لم يبق منها بحسب زعمه من يتفاوض معه على المرحلة التالية، وعن حجم الدمار الذي تحدثه الأسلحة الأميركية “الجميلة الرائعة”، كل هذا يبدو نابعا من قاموس اللحظة الراهنة، لحظة المزاج، والرغبة الشخصية، أكثر مما هو مستند إلى الوقائع السياسية والعسكرية.

في قاموس ترمب من الأشياء الرائعة التي تحدث له ولأي مكان أو شخص يحتك به أو يولي به أي درجة من الاهتمام، لا مكان للواقع، لأنه هو نفسه تمكن من تدمير الواقع مرة بعد مرة، بمجرد قول إنه لا يحدث. كلام وزير خارجيته عن أن بلاده انخرطت في الحرب لأن إسرائيل فعلت ذلك، يذوب كالملح، حين يصرح ترمب بعد ساعات بأنه هو من أدخل إسرائيل في الحرب لا العكس.

كلامه نفسه الذي دعا فيه الشعب الإيراني للنزول إلى الشوارع في أول يوم “قمت بما عليّ والباقي عليكم”، ثم كلامه بعد يومين بأنه لا يريد أن يخرج الإيرانيون تحت القصف… سيأتي دورهم لاحقا”. ملفات إبستين هي الأخرى لا معنى لها، يكفي أن يقول إنه لا علاقة له بهذه المسألة برمتها، حتى تغدو هذه الحقيقة (تروث) بالنسبة إليه. وكل شيء آخر لا يتناسب وسرديته حول أي أمر هو ببساطة “فايك” (زائف).

في عالم ترمب، من يملك صورة الحدث، يملك الحدث نفسه، ومن يملك القدرة على الكلام، يملك الحقيقة نفسها. كل شيء آخر هو محل جدال وسجال لا مكان للوضوح ولا للحقيقة الجازمة فيه. تماما كما يحدث في سجالات التواصل الاجتماعي، تستطيع أن تقول أي شيء وتطلق أي مزاعم وتطلقها في فضاء الشبكة، فتصبح هذه هي الحقيقة الوحيدة، أن ما قلته موجود الآن، في مسافة عمره الافتراضي، ضمن الشبكة، وسرعان ما يختفي ويحل محله شيء آخر، وحين يختفي لا يعود أي نقاش جاد أو أي حقيقة مهمة حقا.
خطوط وأرقام

هكذا، فإن الرئيس الأميركي، من مكتبه البيضاوي، أو من غرفته الوثيرة في منتجع “مارالاغو”، لا يتعامل مع جغرافيا ولا مع تاريخ. لا يعنيه حجم إيران الجغرافي ولا تاريخها، ولا عدد سكانها، كل هذا غير موجود بالنسبة إليه، أو إذا كان موجودا، فهو فقط بحجم الشاشة التي ينظر إليها، مجموعة خطوط وأرقام وألوان وبيانات، لا أكثر. الخرائط تتزحزح وتتبدل وتتداخل وحتى تزول، فقط على هذه الشاشة، أما العالم الحقيقي، حيث هناك على سبيل المثل بشر يروعون ويقتلون ويهجرون ويدمر مستقبلهم، فهو مجرد وهم لا يتناسب مع منطق الصفقة.

في هذا المعنى، فإن ترمب، بوعي أو دون وعي منه، هو النتيجة شبه الحتمية لعالم السرعة الذي تقوده التكنولوجيا، تلك التي تستبدل نفسها بنفسها، وتصنع واقعها الخاص المتجدد كل مرة، وتفرضه على العالم. فلا يبدو غريبا إذن، أن ترمب، وهو لا يزال في خضم حرب لا تبدو في طريقها السريع للحسم، مع إيران، بدأ يفكر في كوبا التي “تعيش لحظاتها الأخيرة”. منطق الملل نفسه، والعثور على مرمى أهداف جديد، بمعنى تزجية الوقت، لا بمعنى الإنجاز، يبدو أنه كلّ ما يحكم هذه المواقف والأمزجة الرئاسية المتقلبة والمتسارعة.

هكذا، فإن نظرة ترمب إلى إيران، لا تختلف كثيرا عن نظرته إلى غزة، ولا بعد ذلك إلى فنزويلا. كل شيء سيكون رائعا بعد ذلك، في ذلك المستقبل الضبابي البعيد. بلد مثل فنزويلا أو إبادة بحجم غزة، أو مسألة جيوسياسية كبرى بحجم إيران، جميعها تصبح محض “بوست” على “تروث سوشال”. فليكن هذا “البوست”: “سوف نجعل من غزة ريفييرا جديدة”، أو فليكن “إننا نجني الكثير من الأموال”، فبعد نشر “البوست” فورا يفقد قيمته، ويبدأ التفكير بالبوست التالي.

يشبه ترمب الشخصيات الدرامية الكبرى في تاريخ البشرية، رجل عالق في سرديته عن نفسه وعن العالم، في ما يشخصه بعضهم نرجسية مزمنة، وفي الوقت نفسه، يدرك أنه شارف الثمانين من عمره، فتبدو له الساعات والأيام والشهور، مجرد أثقال يجب تخفيفها بالتسلية المطلقة، عبر لعبة الخلق والتدمير، ثم إعادة الخلق والتدمير من جديد. العالم كما هو، في حاله المستقرة، أيا يكن معنى هذا الاستقرار، لا يعجب سيّد الضجر الأكبر، وبالتالي يجب خلخلته دون توقف، مرة بإجراءات اقتصادية، وأخرى بإطلاق عمليات خاصة، ومرة بشن حروب، ومرة بشتم فنان أو صحافي… وفي أثناء ذلك، لا بأس من الوقوف لحظة وتأمل ستارة جديدة وإطلاق عبارات الثناء على النفس لكونه من اختار هذه الستارة وألوانها…

إن لم يكن هذا هو المسرح بعينه، فماذا يكون؟

المجلة


“الحرس الثوري” الإيراني… إلى متى يصمد النفوذ؟/ أليكس فاتانكا
جذور راسخة أم بنية هشة؟
10 مارس 2026
دخلت إيران الصراع الحالي وهي في وضع بنيوي منهك. فسنوات العقوبات ألحقت أضرارا جسيمة باقتصادها، فيما تراجعت فاعلية شبكتها الإقليمية من الوكلاء، التي كانت تعد يوما من أهم أدوات نفوذها، بفعل المواجهات المتلاحقة مع إسرائيل والولايات المتحدة منذ الهجوم الإسرائيلي الذي أعقب هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وفي الداخل، تصاعد السخط الشعبي على الجمهورية الإسلامية بعد سنوات من القمع والتدهور الاقتصادي، وزاد من حدته إصرار علي خامنئي المتكرر على تجاهل مطالب الإصلاح. لذلك بدا لكثير من المراقبين أن هذه العوامل تقود إلى نتيجة واحدة: أن حربا طويلة قد تفضي إلى سقوط النظام.

غير أن الضعف البنيوي لا يعني بالضرورة انهيار النظام. فالتاريخ يشير، في كثير من الأحيان، إلى عكس ذلك تماما: إذ تميل الأنظمة السياسية تحت وطأة الضغوط الخارجية إلى تركيز السلطة في يد الجهات الأكثر قدرة على الإكراه وضمان البقاء. والأمثلة على ذلك كثيرة. فقد اكتسبت الأجهزة الأمنية الروسية نفوذا واسعا خلال حرب الشيشان وما بعدها في تسعينات القرن الماضي ومطلع الألفية، وهو ما أسهم في تمهيد الطريق أمام صعود فلاديمير بوتين. وبالمثل، عزز “الحزب الشيوعي الصيني” مؤسساته الأمنية خلال الحرب الكورية، وحشد المجتمع في مواجهة ما رآه تطويقا أجنبيا. وفي الحالة الإيرانية، تبدو المؤسسة الأقدر على الاستفادة من هذا التركيز السلطوي في زمن الحرب هي “الحرس الثوري الإسلامي”.

ولفهم الكيفية التي قد تعيد بها الحرب تشكيل موازين السلطة داخل إيران، لا يكفي التوقف عند مظاهر الضعف الظاهرة، بل لا بد من النظر في البنية المؤسسية التي يقوم عليها نظام الجمهورية الإسلامية. فخلافا للاعتقاد الشائع، لم يقم هذا النظام يوما على شخص واحد، حتى لو كان ذلك الشخص يتمتع بنفوذ واسع كـ”المرشد الأعلى” علي خامنئي. فالسلطة في إيران موزعة بين مؤسسات متداخلة، في مقدمها مكتب المرشد، والمؤسسة الدينية، والأجهزة الأمنية، و”الحرس الثوري”. وقد صيغ هذا البناء، جزئيا، بما يضمن استمرارية النظام في أوقات الأزمات، بما في ذلك مراحل انتقال القيادة.

وتجسد نشأة “الحرس الثوري” هذا المنطق بوضوح. فقد تأسس في مارس/آذار 1979، بعد أسابيع قليلة من وصول الإسلاميين إلى السلطة عقب الثورة، ليكون أداة لحماية النظام السياسي الجديد من خصومه في الداخل والخارج. وعلى امتداد العقود التالية، تطور من ميليشيا أيديولوجية إلى واحدة من أقوى مؤسسات الدولة، تمتلك قدرات عسكرية كبيرة، وتمتد شبكات نفوذها إلى الاقتصاد والاستخبارات والسياسة الإقليمية.

وحتى الآن، تكشف ترتيبات القيادة المؤقتة في ظل غياب خامنئي عن قدر من مرونة النظام. فالدستور الإيراني يتضمن آليات صممت لتفادي فراغ السلطة، من بينها هيكل قيادي انتقالي، ودور “مجلس الخبراء” في اختيار “مرشد أعلى” جديد. والأهم أن السلطة الفعلية في ملفات الأمن القومي لا تتركز في يد شخص واحد، بل في مؤسسات تظل فاعلة حتى في أوقات اضطراب القيادة. ويشكل “الحرس الثوري”، والمجلس الأعلى للأمن القومي، ومجلس الدفاع الذي أُنشئ مؤخرا، إلى جانب أجهزة الاستخبارات، العمود الفقري لقدرة الدولة على التخطيط وممارسة الإكراه.

يُعقّد هذا البناء المؤسسي أي توقع بانهيار مفاجئ للنظام. كما تشير تقارير إلى أن تقديرات الاستخبارات الأميركية انتهت إلى خلاصات مشابهة، محذرة من أنه حتى حملة عسكرية واسعة قد لا تفضي بالضرورة إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية، نظرا إلى توزع السلطة بين مراكز قوى متعددة. وعليه، فإن السؤال الجوهري لا يقتصر على ما إذا كان النظام قد ضعف، بل يمتد إلى الكيفية التي يعاد بها تشكيل ميزان القوى داخله مع تطور الحرب.

وفي هذا السياق تبرز مكانة الرئيس مسعود بيزشكيان. فالسجالات الأخيرة داخل إيران بشأن خطابه الدبلوماسي حيال الدول المجاورة تكشف ضيق هامش السلطة المدنية في زمن الحرب. فعندما استخدم بيزشكيان لغة عدّها منتقدوه مهادنة، سارعت الأجنحة المتشددة في المؤسسة السياسية، ومعها أعضاء في مجلس الشورى، إلى الرد عليه. ولم يكن ذلك مجرد اعتراض على نبرة خطابه، بل تذكير واضح بأن الرئاسة لا تمسك بالقرار الاستراتيجي في إيران. وهذه ليست ظاهرة مستجدة، بل سمة رافقت النظام طوال الأعوام الستة والثلاثين من حكم خامنئي، ولا تزال قائمة اليوم رغم غيابه.

وحتى الآن، لم يؤد الغياب المفاجئ لخامنئي عن المشهد السياسي إلى أي تعزيز ملموس لموقع الرئاسة. فوزن هذا المنصب في الممارسة الفعلية ظل مرتبطا إلى حد بعيد بشخص شاغله وطموحه السياسي. ولم يُبد بيزشكيان ميلا يذكر إلى تحدي مراكز القوة الأخرى أو إلى انتزاع دور أكثر استقلالا في صناعة القرار. وربما ينطوي هذا التحفظ على قدر من الحذر السياسي، إذ إن أي محاولة سريعة للابتعاد عن إرث خامنئي قد تستفز المتشددين الذين ما زالوا شديدي الولاء للإطار الأيديولوجي الذي طبع عهد الزعيم الراحل.

وفي زمن الحرب، تبدو حدود السلطة المدنية أكثر وضوحا. فالرئاسة قد تؤثر في الخطاب العام وفي أساليب التواصل، لكن القرارات المتصلة بالحرب والردع وإدارة الرد تبقى في قبضة المؤسسات العسكرية والأمنية. وبهذا يضيق الهامش السياسي المتاح للمناورة الدبلوماسية إلى حد كبير. فالمسؤولون الإيرانيون الذين يُنظر إليهم على أنهم أكثر تساهلا تجاه واشنطن أو إسرائيل لا يواجهون خطر التهميش السياسي فحسب، بل يواجهون أيضا رد فعل قاسيا من مؤسسات نافذة لا تزال متمسكة بخطاب المقاومة.

ومن هذا المنظور، يبدو “الحرس الثوري” في موقع يسمح له بتوسيع نفوذه كلما طال أمد الصراع. ويعود ذلك، في جانب منه، إلى موقعه المؤسسي؛ فهو يشرف على القوة الصاروخية الإيرانية، ويدير جزءا كبيرا من استراتيجية الحرب غير المتكافئة، ويحافظ على صلات وثيقة بما تبقى من الشبكات الإقليمية الوكيلة، مثل “حزب الله” في لبنان. وإلى جانب ذلك، يمتلك “الحرس” بنية اقتصادية وسياسية واسعة داخل إيران. فعلى امتداد عقود، رسخ حضوره في قطاعات البناء والطاقة والاتصالات والشبكات المالية، حتى بات يمثل نظام نفوذ موازيا يتجاوز كثيرا حدود الميدان العسكري.

تميل الحروب إلى تقوية مثل هذه البنى وتوسيع مجالها. فعندما تتعرض الدول لضغوط خارجية متواصلة، تنتقل مراكز القرار تدريجيا إلى المؤسسات الأقدر على حشد الموارد، وفرض الانضباط، وتنسيق الاستجابة العسكرية. وفي إيران، ينهض “الحرس الثوري” بمعظم هذه الوظائف. وحتى إذا ألحق النزاع مزيدا من الضرر بالقدرات الاقتصادية والعسكرية للدولة، فقد يخرج “الحرس” من هذه الأزمة بنفوذ داخلي أوسع. وسيتوقف ذلك إلى حد كبير على مدى طول الحرب، وعلى مقدار التركيز الأميركي والإسرائيلي على استهداف قدراته بصورة منهجية في مختلف مستوياته ومجالات عمله.

غير أن اتساع نفوذ “الحرس الثوري” لا يعني بالضرورة إعادة تشكيل النظام من جذوره، بقدر ما يرجح أن يقود إلى تحول بنيوي داخل الجمهورية الإسلامية نفسها. وأحد السيناريوهات المطروحة هو استمرار منضبط للنظام، عبر تعيين خليفة ديني محدود الحضور نسبيا لخامنئي، في وقت تنتقل فيه سلطة القرار الفعلية تدريجيا إلى ائتلاف قيادي ذي طابع أمني. وهناك احتمال آخر يتمثل في انتقال متدرج إلى نظام أشد عسكرة، يفرض فيه “الحرس الثوري” نفوذا مهيمنا على الأمن القومي والسياسة الاقتصادية معا.

ولن تمثل هذه المآلات قطيعة كاملة مع المسار القائم، بقدر ما ستكون تسريعا لاتجاهات أخذت تتبلور خلال العقدين الماضيين. فالجمهورية الإسلامية أصبحت، خطوة بعد أخرى، أقل اعتمادا على رجال الدين وأكثر ارتكازا إلى المؤسسات الأمنية. كما أن التوسع الاقتصادي لـ”الحرس الثوري”، وتعاظم دوره في السياسة الإقليمية، وتنامي نفوذه داخل مؤسسات الدولة الأساسية، كلها عوامل أعادت تشكيل المشهد السياسي الإيراني. ومن المرجح أن تدفع الحرب الطويلة هذا المسار إلى مدى أبعد.

ومع ذلك، لا يعني شيء من هذا أن النظام عصي على الاهتزاز. فالأنظمة الاستبدادية كثيرا ما تبدو متماسكة إلى أن يبدأ التصدع داخل النخبة الحاكمة. والخطر الأكبر الذي يواجه مثل هذه الأنظمة لا يكمن في الضغوط الخارجية وحدها، بل في الانقسام الداخلي بين المؤسسات المكلفة بحماية النظام. وفي الحالة الإيرانية، فإن أي فراغ حقيقي في السلطة سيحتاج إلى انقسامات داخل الجهاز الأمني نفسه، ولا سيما بين أجنحة “الحرس الثوري”، أو بين “الحرس” وسائر مؤسسات الدولة العميقة ذات الطابع القمعي.

لكن في غياب مثل هذه الانقسامات، تحتفظ الجمهورية الإسلامية بقدرة معتبرة على الصمود. فقد أمضى النظام عقودا وهو يهيئ نفسه لهذا النوع من التحديات تحديدا. وتكشف هياكل القيادة المتعددة داخل القوات المسلحة، بما تتضمنه من طبقات نيابية وسلاسل قيادة موازية صممت لضمان استمرار العمليات حتى في حال مقتل كبار القادة، إلى جانب شبكات استخبارات متعددة المستويات وخطط خلافة معدة سلفا للقيادة العسكرية، عن جهد منهجي هدفه ضمان استمرارية عمل الدولة حتى تحت وطأة الهجوم.

والمفارقة أن الضغط العسكري الخارجي، المفترض أنه يهدف إلى إضعاف النظام، قد ينتهي إلى تقوية أكثر أركانه تشددا. فإذا خلص القادة الإيرانيون إلى أن الحرب لا تستهدف تعديل سلوكهم فحسب، بل تسعى إلى تفكيك الدولة نفسها، فإن أي دعوة إلى التسوية ستغدو عالية الكلفة سياسيا. وفي مثل هذه الظروف، ستكتسب سردية “الحرس الثوري”- القائمة على أن إيران تخوض صراعا وجوديا يفرض التماسك الداخلي والمقاومة وتعزيز القبضة الأمنية- زخما إضافيا.

وعليه، قد لا تنتهي الحرب إلى انهيار الجمهورية الإسلامية، بل إلى دفعها نحو صيغة أشد عسكرة. فقد تجد إيران الضعيفة نفسها وقد تحولت إلى دولة أكثر لجوءا إلى الأمن وأشد فقرا وأكثر عزلة وأشد اعتمادا على المؤسسات القادرة على العمل بكفاءة في ظل الحصار.

المجلة


من العراق 2003 إلى إيران 2026: الحرب الكبرى لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط/ فيكين شيتريان
10.03.2026
هذا الجنون العسكري الحالي ليس “حرباً لإنهاء جميع الحروب” على ما قال ترامب، بل مجرد حرب أخرى في طريق إسرائيل لتصبح القوة المهيمنة إقليمياً بلا منازع. لكن يبدو أن الحكام في أميركا وإسرائيل يفشلون في فهم أنه لا يمكن السيطرة والحكم بالدم والحديد وحدهما.

الحرب التي أطلقها التحالف الأميركي – الإسرائيلي على إيران في 28 شباط/ فبراير لا تقتصر على تدمير القدرات النووية الإيرانية، بل تهدف إلى إعادة تعريف “شرق أوسط جديد” تحت الهيمنة الإسرائيلية. كما أن الحرب ضد إيران لن تكون الحرب الأخيرة…

في 20 آذار/ مارس 2003، أطلقت إدارة أميركية كانت واقعة تحت التأثير الأيديولوجي للمحافظين الجدد، هجوماً غير مبرر على العراق الذي كان يحكمه صدام حسين. وكانت الذريعة أن “أسلحة الدمار الشامل” العراقية تشكل تهديداً للأمن الأميركي. آنذاك، لم يدافع أحد عن نظام صدام العصابي، ولا حتى جنوده أنفسهم. وبعد قصف جوي مكثف في البداية، تقدمت القوات الأميركية من الجنوب واحتلّت مدينة تلو الأخرى، ووصلت إلى بغداد خلال أسبوعين. وتم القبض على الدكتاتور مختبئاً في حفرة، وسُلِّم إلى أعدائه الشيعة العراقيين الذين أعدموه شنقاً.

كان لدى المحافظين الجدد الأميركيين خطط كبيرة للشرق الأوسط. فمن خلال احتلال العراق، واستخدام احتياطاته النفطية الهائلة، خططوا لتمويل شرق أوسط جديد تهيمن عليه أميركا ويكون صديقاً لإسرائيل. ولم يكونوا يثقون بحلفائهم التقليديين، السعوديين، الذين كانوا تحت تأثير أيديولوجية سلفية – جهادية. ومن خلال السيطرة على الهيدروكربونات في الشرق الأوسط (25 في المئة من الصادرات العالمية)، كان بإمكان الولايات المتحدة أن تمارس نفوذها إلى ما هو أبعد من ذلك، على أوروبا والهند، وبخاصة على الصين.

إلا أن للحروب عادة سيئة، وهي أنها لا تسير وفق الخطة الأصلية. فقد تمرد الضباط السنة النافذون في أجهزة أمن صدام، الذين أُقصوا عن السلطة بسبب الاحتلال الأميركي، ضد الاحتلال، واستخدموا القنابل المزروعة على جوانب الطرق، وهو أمر لم تكن القوات الأميركية مستعدة له، ما تسبب في أكثر من 4000 قتيل أميركي وتريليونات الدولارات من الخسائر. ولم يكن ذلك هو الأسوأ: فقد سلّم الاحتلال الأميركي مفاتيح بغداد إلى أحزاب شيعية موالية لإيران، وهي حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وكلاهما مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالنظام الإيراني. وهكذا، لم يكتف الأميركيون بغزوهم عام 2003 بالقضاء على صدام، العدو الرئيسي لإيران، وتسليم العراق وموارده إلى الملالي، بل حوّلوا الجمهورية الإسلامية الإيرانية بين ليلة وضحاها إلى إمبراطورية إقليمية تمتد من طهران حتى جنوب لبنان وما بعده.

لقد بالغت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في توسيع نفوذها، وقادت حروباً من سوريا إلى اليمن. وبينما تسامح باراك أوباما مع التوسع الإيراني، بل وتعاون مع الحرس الثوري الإيراني بقيادة قاسم سليماني لمحاربة تنظيم داعش في العراق وسوريا، لم يقبل دونالد ترامب وحلفاؤه الإسرائيليون بذلك. وكان اغتيال سليماني عام 2020، حتى قبل هجمات حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بمثابة العد التنازلي لإعادة تشكيل (الفوضى) الإقليمية. والذريعة هي الأسلحة النووية الإيرانية، تماماً كما كانت الأسلحة الكيميائية والبيولوجية المزعومة لصدام، لكنها ليست سوى ذريعة، إذ إن الهدف هو الهيمنة الكاملة على الشرق الأوسط.

لكن القيادة الإيرانية لم تفهم أن الزمن كان يتغير. ومع بداية حرب غزة، أطلق حزب الله اللبناني “حرب الإسناد”، ما منح إسرائيل الذريعة لتحويل الحرب الإباديّة ضد الفلسطينيين إلى حرب شاملة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط. وقد كتب علي لاريجاني، إحدى الشخصيات النافذة في إيران، في 2 آذار/ مارس 2026 باللغة العربية على منصة “إكس”: “لن نتفاوض مع الولايات المتحدة”. وكلماته تؤكد فقط الوضع اليائس بعد الهجوم الجوي الإسرائيلي – الأميركي الذي اغتيل خلاله المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي. إنها حرب شاملة تدفع دوائر الحكم الإيرانية إلى شعور صوفي بالشهادة. وهم الآن يلقون بكل ما لديهم في هذه الحرب الشاملة؛ فإما أن ينجوا ويحافظوا على نظامهم، أو يهلكوا وهم يقاتلون في حرب لم يختاروها.

هذه العقلية الانتحارية، عقلية “نهاية الزمان”، تتجلى في إرسال إيران طائراتها المسيّرة وصواريخها نحو جميع دول الخليج. كما تتجلى في إصدار الأوامر لحزب الله اللبناني بإطلاق بضعة صواريخ كاتيوشا على شمال إسرائيل، على الرغم أن الميليشيا الشيعية اللبنانية قد شُلّت قيادتها في صراعها مع إسرائيل عام 2024. بضعة صواريخ كاتيوشا البدائية لا معنى لها عسكرياً، لكنها ستغرق لبنان، وخصوصاً سكانه الشيعة، في رد إسرائيلي قاسٍ لا يرحم.

الحرب الحالية في الشرق الأوسط هي استمرار معدّل لغزو عام 2003. ومع ذلك، من الضروري التأكيد أيضاً على الفروق. فعلى عكس ما حدث في العراق عام 2003، لن يكون هناك احتلال أجنبي، ولا “أحذية أميركية على الأرض”. التحالف الأميركي – الإسرائيلي لا يهدف إلى تغيير النظام الإيراني بآخر موالٍ له، فموجات القصف التي تستهدف الحرس الثوري والباسيج وحتى مكاتب الشرطة تشير إلى نية إضعاف هياكل الدولة المركزية وترك إيران تتحوّل إلى “دولة فاشلة”.

لا توجد أي ضمانات بأن تراجع إيران سيؤدي إلى استقرار إقليمي. فصراع إقليمي جديد يلوح بالفعل في الأفق: مواجهة جديدة بين إسرائيل وتركيا. إذ بات المسؤولون الإسرائيليون – السابقون والحاليون – يصفون تركيا بشكل متزايد بأنها “إيران الجديدة”، وأن تركيا تشكل تهديداً لإسرائيل من خلال “تحالف سني”. ولذلك، فإن هذا الجنون العسكري الحالي ليس “حرباً لإنهاء جميع الحروب” على ما قال ترامب، بل مجرد حرب أخرى في طريق إسرائيل لتصبح القوة المهيمنة إقليمياً بلا منازع. لكن يبدو أن الحكام في أميركا وإسرائيل يفشلون في فهم أنه لا يمكن السيطرة والحكم بالدم والحديد وحدهما.
درج


ما دور المرشد الأعلى في إيران وما صلاحياته؟/ عماد الزوري
أعلى سلطة في النظام السياسي الإيراني، إذ يمتلك نفوذا واسعا في إدارة شؤون الدولة، ويضطلع بدور حاسم في قضايا السيادة مثل قراري الحرب والسلم، وتحديد التوجهات العامة للسياسة الداخلية والخارجية، إضافة إلى الإشراف على توجهات الإعلام الرسمي.

تستند صلاحيات هذا المنصب إلى الدستور الإيراني الذي أُقر بعد الثورة على نظام الشاه عام 1979، كما يستند الإطار النظري له إلى مفهوم “ولاية الفقيه” الذي طرحه روح الله الخميني في كتابه “الحكومة الإسلامية”، ويقوم على أن الفقيه يتولى قيادة المجتمع ويمارس السلطة نيابة عن “الإمام الغائب” وفق المعتقدات الشيعية.

ويتولى المرشد الأعلى كذلك منصب القائد العام للقوات المسلحة، بما في ذلك الجيش والحرس الثوري الإيراني، وينفرد بالقرارات السيادية مثل الاتفاق النووي. كما تشمل صلاحياته تعيين رئيس السلطة القضائية وكبار قادة الجيش، إضافة إلى تعيين نصف أعضاء مجلس صيانة الدستور، وله دور حاسم في إقرار شاغلي عدد من المناصب العليا في الدولة.

ويتبع لمؤسسة المرشد أيضًا عدد كبير من رجال الدين الذين يحملون لقب “حجج الإسلام”، وينتشرون في مؤسسات الدولة والهيئات الثقافية.

في الثامن من مارس/آذار 2026، انتخب مجلس خبراء القيادة مجتبى خامنئي مرشدا أعلى لإيران، وهو ثالث شخص يتولى هذا المنصب منذ قيام الجمهورية الإسلامية. وقد جاء هذا الانتخاب بعد أيام من شغور المنصب إثر اغتيال والده علي خامنئي، أواخر فبراير/شباط من العام نفسه، في هجوم عسكري شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على العاصمة طهران.
التعريف بالمنصب

المرشد الأعلى هو أعلى سلطة دستورية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يحظى بوضع اعتباري مرموق إذ يجمع بين الرمزية الدينية والسلطة السياسية. وهو منصب يدوم مدى حياة من يتولاه، مع إمكانية عزله إذا فقد شرطا من شروطه.

ويقوم هذا المنصب على مبدأ ولاية الفقيه الذي أقرّه الدستور الإيراني بعد الثورة الإسلامية عام 1979، فوفقا للمادة 107 تسند القيادة العليا للدولة والمجتمع إلى فقيه تتوافر فيه الصفات العلمية والدينية والسياسية اللازمة للقيام بهذا الدور.

ينتخبه مجلس خبراء القيادة، وهو هيئة دينية دستورية، أعضاؤها فقهاء ينتخبهم الشعب الإيراني لولاية محددة، وتُناط بها مسؤولية اختيار المرشد الأعلى ومراقبة استمرار أهليته، مع إمكانية عزله إذا فقد الشروط الدستورية المطلوبة.
آية الله روح الله الخميني يلوّح لحشد من أنصاره المجتمعين في مقبرة بهشت زهراء في طهران خلال زيارته في يوم عودته من فرنسا بعد 15 عامًا من المنفى،
روح الله الخميني تولّى منصب المرشد الأعلى منذ تأسيس النظام عام 1979 حتى وفاته في يونيو/حزيران 1989 (الفرنسية)
أهمية المنصب في هيكل الدولة

يتبوأ المرشد الأعلى مكانة محورية في بنية النظام داخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فهو أعلى سلطة دستورية تتربع على قمة هرم السلطة فوق السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. ويجمع بين القيادة الدينية والسياسية والعسكرية، مما يجعل من المنصب مركز القرار الحقيقي في الدولة.

ورغم وجود مؤسسات منتخبة مثل رئاسة الجمهورية والبرلمان، تبقى السياسات الاستراتيجية للدولة تحت إشراف المرشد الأعلى، الذي يشرف على عمل المؤسسات الرئيسية ويضمن تنسيق سياساتها العامة وفق المقتضيات الدستورية.

علاوة على ذلك، يحظى المرشد الأعلى بمكانة رمزية واجتماعية رفيعة بين المواطنين والقوى الدينية والسياسية، مما يعزز تأثيره في توجيه المجتمع، ويجعل من منصبه الركيزة الأساسية لضمان انتظام مؤسسات الدولة واستقرار هيكلها السياسي والإداري.
صلاحيات المرشد الأعلى وأدواره

يحدد الدستور الإيراني في المادة 110 مجموعة واسعة من الصلاحيات والمسؤوليات للمرشد الأعلى، تشمل المجالات السياسية والعسكرية والقضائية، ومن أبرزها:

رسم السياسات العامة للدولة

يقوم المرشد الأعلى بتحديد التوجهات الكبرى والسياسات العامة للجمهورية الإسلامية، بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام -وهو هيئة دستورية استشارية تقدم المشورة للمرشد وتساعده في حل المشكلات الكبرى-، ويسهر على تنفيذها داخل مؤسسات الدولة المختلفة. كما يملك صلاحية إصدار المراسيم الخاصة بالاستفتاءات العامة.

القيادة العليا للقوات المسلحة

يشغل المرشد الأعلى منصب القائد العام للقوات المسلحة، ويملك صلاحيات استراتيجية تشمل إعلان الحرب والسلام، وإصدار أوامر التعبئة العامة، وتعيين كبار القادة العسكريين، بما في ذلك قيادة الجيش النظامي والحرس الثوري وقوى الأمن الداخلي.

تعيين كبار المسؤولين

يملك المرشد الأعلى صلاحية تعيين وعزل وقبول استقالة مجموعة من المسؤولين الرئيسيين، من بينهم:

    فقهاء مجلس صيانة الدستور.
    أعلى مسؤول في السلطة القضائية.
    رئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية.
    رئيس أركان القيادة المشتركة.
    القائد العام لحرس الثورة الإسلامية.القيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي.

الإشراف على السلطات

يضطلع المرشد الأعلى بدور إشرافي على كافة السلطات، التنفيذية والتشريعية والقضائية، ويملك صلاحية حل الخلافات بين هذه السلطات وتنظيم العلاقات بينها، وحل مشكلات النظام التي لا يمكن حلها بالطرق العادية، وذلك عبر مجمع تشخيص مصلحة النظام.

صلاحيات أخرى

يشمل دور المرشد الأعلى أيضا العفو أو تخفيف العقوبات السجنية عن المحكومين، بناء على اقتراح رئيس السلطة القضائية، كما يمكن للمرشد تفويض بعض صلاحياته إلى أشخاص معينين لأداء مهام محددة.
العلاقة مع رئاسة الجمهورية

رغم انتخاب رئيس الجمهورية عبر الاقتراع الشعبي، إلا أن انتخابه لا يصبح نافذا بشكل رسمي إلا بعد إمضاء المرشد الأعلى لحكم تنصيبه. كما يملك المرشد صلاحية عزل الرئيس إذا ثبت تخلفه عن أداء واجباته الدستورية أو عدم كفاءته السياسية، وفق الإجراءات المنصوص عليها في المادة 89 من الدستور.
شخصيات تولّت المنصب

تولى منصب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية كل من:

  1. روح الله الخميني (1979-1989)

مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقائد الثورة التي أطاحت بالنظام الشاه. تولّى منصب المرشد الأعلى منذ تأسيس النظام عام 1979 وحتى وفاته في يونيو/حزيران 1989، واضعا أسس القيادة العليا ومبدأ ولاية الفقيه في الجمهورية الإسلامية.

  1. علي خامنئي (1989-2026)

انتخبه مجلس خبراء القيادة مرشدا أعلى خلفا للخميني عام 1989. واستمر في هذا المنصب أكثر من ثلاثة عقود. اغتيل بقصف أمريكي إسرائيلي استهدفه في بيته، في مستهل الهجمات العسكرية التي شنتها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل على العاصمة طهران في 28 فبراير/شباط 2026.

  1. مجتبى خامنئي (منذ مارس/آذار 2026)

بعد اغتيال والده، انتخب مجلس خبراء القيادة في الثامن من مارس/آذار 2026 مجتبى خامنئي مرشدا أعلى جديدا لإيران، ليصبح ثالث من يشغل هذا المنصب، وأول حالة انتقال للقيادة من الأب إلى الابن منذ قيام نظام الجمهورية الإسلامية.
المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية


توتر بين دمشق وحزب الله.. ما الذي يحدث على الحدود؟
10 مارس 2026
قالت هيئة العمليات في الجيش السوري إن قذائف مدفعية سقطت قرب بلدة سرغايا غرب دمشق مصدرها الأراضي اللبنانية، متهمةً حزب الله بإطلاقها باتجاه مواقع للجيش السوري في محيط البلدة.

وأضافت الهيئة: “رصدنا وصول تعزيزات للحزب إلى الحدود السورية اللبنانية، ونقوم بالمراقبة وتقييم الموقف، ونتواصل مع الجيش اللبناني، وندرس الخيارات المناسبة للقيام بما يلزم، والجيش العربي السوري لن يتساهل مع أي اعتداء يستهدف سوريا”.

لماذا الخبر مهم من حيث التوقيت؟

يخوض حزب الله منذ أسبوع مواجهة عسكرية مع الاحتلال الإسرائيلي تُعدّ الأعنف منذ سنوات، ما يجعل فتح جبهة توتر إضافية على الحدود السورية اللبنانية عاملًا قد يؤدي إلى تشتيت الجهد العسكري للحزب، خصوصًا في ظل تركّز المواجهة الأساسية على الحدود الشمالية مع فلسطين المحتلة.

ويكتسب الحدث حساسية إضافية في ظل موقف السلطة السورية المعلن مؤخرًا تجاه حزب الله، حيث صرّح الرئيس أحمد الشرع أنه يقف إلى جانب الرئيس اللبناني جوزاف عون في مسألة نزع سلاح حزب الله.

هل تدخل الحكومة السورية إلى لبنان لقتال حزب الله؟

أُثيرت مسألة دخول قوات الحكومة السورية إلى لبنان لقتال حزب الله أكثر من مرة في مناسبات مختلفة، إلا أن الرئيس أحمد الشرع أكد في كل مرة أن دمشق لن تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. وفي أحد اللقاءات التلفزيونية قال إنّه عُرض عليه، خلال معركة “ردع العدوان” وبعد سقوط النظام، الاستمرار بالعمليات باتجاه لبنان لقتال حزب الله، لكنه رفض ذلك واعتبره “فخًا”.

وكان آخر هذه التصريحات قبل أيام خلال اتصال أجراه مع مسؤولين لبنانيين، إذ شدد على أن التعزيزات السورية التي وصلت إلى الحدود اللبنانية تهدف فقط إلى حماية الحدود السورية ومنع تهريب السلاح، وهو إجراء قال إنه مشابه لما اتخذته سوريا على الحدود العراقية.

هل حزب الله أطلق القذائف؟

لم يصدر حتى الآن بيان رسمي من حزب الله حول هذه الحادثة. إلا أن الحزب كان قد أكد في أكثر من مناسبة، خلال حوادث مشابهة، أن لا علاقة له بمثل هذه التطورات وأنه لا يتدخل في الشأن السوري.

كما شهدت الحدود السورية اللبنانية، وخصوصًا في منطقة بعلبك الهرمل، اشتباكات متكررة بين الطرفين خلال الفترة الماضية، أدت إلى سقوط ضحايا من الجانبين، في حين نفى الحزب في بيانات سابقة أي علاقة له في تلك الحوادث.

لماذا هذا التوتر بين الطرفين

يعود التوتر بين الطرفين إلى خلفيات الحرب السورية، إذ شارك حزب الله إلى جانب نظام بشار الأسد في القتال ضد فصائل المعارضة. وبعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بقيت العلاقة بين السلطة الجديدة في دمشق وحزب الله متوترة، على خلفية تاريخ طويل من المواجهات والاشتباكات.

يشار إلى أن وزارة الداخلية السورية، بعد سقوط النظام، صادرت أسلحة قالت إنها كانت متجهة إلى حزب الله، إضافة إلى توقيف مجموعة من الأشخاص قالت إنهم على تواصل مع الحزب لتنفيذ أعمال تخريبية، وهو ما نفاه الحزب في حينه.

خلفيات بلدة سرغايا

تقع سرغايا في القلمون الغربي على بعد كيلومتر واحد من الحدود اللبنانية، وعلى بعد نحو خمسة كيلومترات فقط من بلدة النبي شيت في البقاع، ما يجعل المنطقة جزءًا من ممر جبلي واحد كان يُستخدم لسنوات كخط إمداد بين سوريا ولبنان.

وكانت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية أفادت بأن جيش الاحتلال الإسرائيلي نفذ إنزالًا بواسطة طائرات مروحية على مرتفعات السلسلة الشرقية عند الحدود اللبنانية–السورية، في وقت قال حزب الله إن “الإنزال نُفذ انطلاقًا من سهل سرغايا في ريف دمشق الغربي”.

ونقلت الوكالة الوطنية عن مراسلتها في بعلبك شرقي لبنان أن اشتباكات عنيفة شهدتها منطقة الشعرة في جرود بلدة النبي شيت فجر اليوم الاثنين، في محاولة لصد قوات إسرائيلية نفذت إنزالًا جويًا على مرتفعات السلسلة الشرقية عند الحدود اللبنانية–السورية.

من جانبه، قال حزب الله، في بيان، إن مقاتليه تصدوا لمحاولة إنزال إسرائيلية جديدة في المنطقة نفسها فجر الإثنين. وأوضح الحزب أن مقاتليه رصدوا نحو 15 مروحية إسرائيلية “قادمة من الاتجاه السوري”، حلّقت فوق السلسلة الشرقية في أجواء قرى جنتا ويحْفوفا والنبي شيت وعرسال ورأس بعلبك.

وأضاف البيان أن عددًا من المروحيات أنزل قوة مشاة في سهل سرغايا داخل الأراضي السورية، قال إنها حاولت التقدم باتجاه الأراضي اللبنانية قبل أن يتصدى لها مقاتلو الحزب.

في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي إنه لا يملك معلومات عن وقوع اشتباك مع مقاتلي حزب الله في شرق لبنان. بعد بيان الحزب بأنه اشتبك مع جنود إسرائيليين “قادمين من سوريا”.

ونفذ الجيش الإسرائيلي فجر السبت عملية إنزال عبر أربع مروحيات في الحي الشرقي لبلدة النبي شيت، بهدف البحث عن الطيار المفقود رون أراد، دون العثور على أي معلومات تتعلق به.

وفي أعقاب العملية، نفذ سلاح الجو الإسرائيلي حزامًا ناريًا عبر نحو 40 غارة جوية في المنطقة، أسفر عن استشهاد ما لا يقل عن 41 شخصًا وإصابة أكثر من 100 آخرين.

تصاعد التوتر في ظل الصراع الإقليمي

يأتي هذا التوتر في وقت تتسع فيه المواجهة بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، في ظل الحرب ضد إيران. وبينما تتهم السلطات السورية حزب الله بإطلاق القذائف، لم يصدر تعليق رسمي من الحزب حتى الآن. ويأتي ذلك أيضًا بعد العملية الإسرائيلية الأخيرة في جرود بعلبك قرب الحدود السورية، ما يعكس حساسية المنطقة الحدودية في المرحلة الحالية.

وتتقاطع هذه التطورات مع الصراع الأوسع حول الممرات اللوجستية التي تربط إيران بحلفائها في المنطقة، وهي مسارات كانت تمرّ تقليديًا عبر الأراضي السورية نحو لبنان.


حرب إيران.. هل أخطأت أمريكا وإسرائيل بالرهان على القوة الجوية؟
مع اتساع الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، يعود سؤال قديم في الفكر العسكري ليطل برأسه من جديد: هل تستطيع القوة الجوية، مهما بلغت دقتها وكثافتها، أن تحسم مصير نظام سياسي؟

توحي قراءة تجمع بين تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال وتحليل للكاتب الأمريكي هال براندز في وكالة بلومبيرغ بأن الإجابة أبعد ما تكون عن الحسم.

وتشير القراءة العامة للتجارب العسكرية إلى أن الضربات الجوية قد تلحق أضرارا فادحة بالخصم وتضعف قدراته العسكرية، لكنها نادرا ما تكون كافية وحدها للوصول إلى النتيجة السياسية التي تسعى إليها الحروب.

وبحسب تقرير وول ستريت جورنال، فإن التجربة العسكرية الحديثة لا تقدم مثالا واضحا على نظام أُطيح به واستُبدل بغيره عبر القصف الجوي وحده.

فقد أسقطت الولايات المتحدة حكومات في حروب سابقة، لكن تلك العمليات -كما تشير الصحيفة- لم تنجح إلا عندما اقترنت بوجود قوات على الأرض، سواء كانت أمريكية أو محلية.

وتضيف الصحيفة أن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمب ربط منذ الأيام الأولى للحرب بين الحملة الجوية وإمكانية تغيير النظام في إيران. فبعد ساعات من بدء الضربات دعا الإيرانيين إلى التمرد، معتبرا أن اللحظة قد تكون “فرصتهم الوحيدة لأجيال”.

لكن التقرير يذكر أيضا أن المؤسسة العسكرية الأمريكية بدت أكثر حذرا في رسم أهداف الحرب، إذ شدد القادة العسكريون في تصريحاتهم العلنية على أن الهدف المباشر يتمثل في تدمير القدرات الهجومية الإيرانية، أي الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والقدرات البحرية، فضلا عما تبقى من برنامجها النووي.

ويكشف هذا التباين بين الخطاب السياسي والتقدير العسكري إشكالية أعمق. فالمعطيات الواردة في تقرير وول ستريت جورنال توحي بأن القوة الجوية قد تكون أداة فعالة لإضعاف إيران عسكريا، لكنها لا تقدم ضمانة لإسقاط النظام نفسه، وهو ما تشير التجربة التاريخية إلى أنه نادر الحدوث.
اختبار صمود النظام الإيراني

وبحسب تقرير صحيفة وول ستريت جورنال، لم تظهر حتى الآن مؤشرات واضحة على تصدع بنية النظام الإيراني، حتى بعد مقتل المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي في ضربة جوية. فقد تحركت مؤسسات الحكم بسرعة، إذ اجتمع مجلس الخبراء واختار نجله آية الله مجتبى خامنئي خلفا له.
إعلان

وتشير الصحيفة إلى أن البنية الأمنية والعسكرية التي يقوم عليها النظام لا تزال قائمة. فالحرس الثوري يضم نحو 190 ألف عنصر، إلى جانب أكثر من 300 ألف جندي في الجيش النظامي، فضلا عن 600 ألف عنصر من الباسيج الذين يمكن للنظام تعبئتهم عند الحاجة، وفق بيانات نقلها التقرير عن المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية.

كما نقلت الصحيفة عن خبراء أن أي انهيار فعلي للنظام قد يتجلى عبر مؤشرات مثل انشقاقات داخل الأجهزة الأمنية أو رفض تنفيذ الأوامر، أو عبر اضطرابات اجتماعية واسعة مثل إضرابات عمال النفط.

بيد أن بعض الخبراء يرون -وفق التقرير- أن مؤشرات كهذه لم تظهر حتى الآن، وقد لا تظهر بسهولة، لأن النخب المرتبطة بالنظام ترى في بقائه ضمانا لمصالحها.

وفي هذا السياق، يرى التقرير أن الضربات الجوية قد تضعف الدولة الإيرانية، لكنها لا تضمن بالضرورة إسقاط النظام، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريو أكثر تعقيدا يتمثل في بقاء النظام السياسي، في حين تتعرض مؤسسات الدولة لأضرار كبيرة.
حدود النظرية الجوية

ويعيد تقرير وول ستريت جورنال النقاش إلى جذوره الفكرية، مشيرا إلى أن فكرة الحسم عبر القصف الجوي تعود إلى الجنرال الإيطالي جوليو دوهيه الذي طرح في عشرينيات القرن الماضي نظرية تقول إن ضرب “المراكز الحيوية” للدولة -مثل الصناعة والاتصالات- قد يكسر إرادة المجتمع ويؤدي إلى الاستسلام.

لكن التجارب التاريخية اللاحقة، كما يوضح التقرير، لم تثبت صحة هذه الفرضية بالكامل. فالقصف الجوي أسهم في إضعاف ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، لكنه لم يكن العامل الحاسم، إذ حُسمت الحرب عبر الهجوم البري للحلفاء.

كما يشير التقرير إلى أن العمليات الجوية في حرب الخليج عام 1991، رغم كثافتها، لم تنه الحرب إلا بعد هجوم بري قصير.

ويذكر كذلك أمثلة لاحقة مثل حرب كوسوفو عام 1999 أو التدخل في ليبيا عام 2011، حيث لعبت القوة الجوية دورا مهما، إلا أنها لطالما كانت مرتبطة بوجود قوى محلية على الأرض أو بتهديد جدي بالتدخل البري.
استعراض قوة.. واحتمالية الاستنزاف

أما تحليل براندز في بلومبيرغ، فيتجاوز ميدان المعركة ليضع الحرب في سياقها الإستراتيجي الأوسع. فالحملة ضد إيران، في رأيه، تكشف في الوقت نفسه عن مواطن قوة الولايات المتحدة، ونقاط ضعفها.

فمن ناحية، يرى براندز أن الحملة العسكرية تستعرض قدرة واشنطن على توظيف قوتها الضاربة بعيدة المدى والعمل مع حلفاء عسكريين مؤثرين مثل إسرائيل. كما أن هذا الاستعراض للقوة قد يعزز صورة الردع الأمريكية ويجعل الخصوم يعيدون حساباتهم، بحسب رأيه.

لكن براندز يحذر في المقابل من أن الردع لا يعتمد على الصورة الذهنية وحدها، بل على الموارد العسكرية الفعلية أيضا.

ويشير في مقاله إلى أن الحرب استهلكت كميات كبيرة من صواريخ توماهوك والذخائر الدقيقة، إضافة إلى منظومات الدفاع الجوي المستخدمة لاعتراض الرد الإيراني.

ويضيف أن الولايات المتحدة ربما استخدمت في الأيام الأولى من الحرب كميات من هذه الصواريخ تعادل عدة أضعاف الإنتاج السنوي لبعضها، مما يثير تساؤلات حول قدرة المخزونات العسكرية الأمريكية على تحمل صراع طويل.
إعلان

والضغط لا يقتصر على الذخائر فقط، وفقا لبراندز، بل يمتد إلى المعدات والقوات أيضا. فانتشار القوات في المنطقة يفرض ضغطا على الأسطول الأمريكي، بما في ذلك حاملة الطائرات جيرالد فورد التي تشارك في واحدة من أطول عمليات الانتشار المتواصل في تاريخ البحرية الأمريكية.

كما يرى الكاتب أن المشكلة تكمن في أن الجيش الأمريكي ليس مُصمما لخوض عدة حروب كبرى في الوقت نفسه، وأن القاعدة الصناعية الدفاعية قد لا تستطيع تعويض الذخائر المتطورة بالسرعة المطلوبة إذا طال أمد الحرب.
معضلة الإستراتيجية الأمريكية

ويحذر براندز في مقاله من أن هذه الضغوط تأتي في لحظة إستراتيجية حساسة. فبحسب الإستراتيجية الدفاعية الأمريكية، تمثل الصين التحدي الرئيسي للولايات المتحدة، خصوصا في حال نشوب صراع مع تايوان.

لكن استمرار الحرب في الشرق الأوسط قد يستنزف الموارد العسكرية التي تحتاجها واشنطن في تلك المواجهة المحتملة. فكل صاروخ يُطلق في الخليج -بحسب براندز- يزيد من الفجوة في المخزونات العسكرية الأمريكية التي قد تكون ضرورية في صراع أكبر في المحيط الهادي.

في المحصلة، لا يقدم تقرير وول ستريت جورنال ولا تحليل هال براندز حكما نهائيا على مسار الحرب، إذ تبقى نتيجة الرهان على القوة الجوية رهنا بما ستكشفه الأسابيع المقبلة.

فإذا انتهت الحرب سريعا وخرجت إيران ضعيفة إلى حد يعطل قدرتها على تهديد المنطقة، فقد يرى أنصار الحملة أن الضربات الجوية حققت أهدافها.

أما إذا صمد النظام رغم الخسائر، أو تحولت الحرب إلى مواجهة طويلة تستنزف الموارد الأمريكية، فقد يتضح أن الرهان على القوة الجوية لم يكن بالبساطة التي بدا عليها في بدايته.

فالقوة الجوية، كما توحي به التجارب التي يستعرضها التقرير والتحليل، قادرة على تدمير الكثير من القدرات العسكرية، لكنها لا تبدو كافية وحدها لصناعة النظام السياسي الذي قد يأتي بعد الحرب.
المصدر: بلومبيرغ + وول ستريت جورنال


قوات “دلتا” تتأهب.. كيف سيكون شكل الهجوم البري الأمريكي ضد إيران؟
هناك في مكان ما في البيت الأبيض أو في إحدى قاعات وزارة الحرب الأمريكية، حيث تعرض الشاشات الضخمة صور التضاريس الإيرانية الوعرة الملتقطة عبر الأقمار الصناعية والرادارات، وحيث ترسم الخطوط الوهمية على خرائط الجغرافيا، يناقش الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجنرالاته خيارات الحرب على إيران. ما كان يفترض أن تكون حملة جوية مركزة يبدو أنها خرجت عن السيطرة، مجبرة الأمريكيين على مناقشة خيارات إضافية لا يبدو أن أيا منها سيكون سهل المنال.

يعرف الجنرالات جيدا حدود تأثير الحملات الجوية، فهي لا تسقط الأنظمة وحدها ولا تستبدلها وغالبا ما يكون تأثيرها محدودا على صعيد عمليات الهندسة السياسية. وحتى على مستوى تحقيق الأهداف العسكرية البحتة، هناك ما لا يمكن تحقيقه بغير تواجد عسكري على الأرض. قد تتمكن الطائرات من ضرب موقع نووي محصن لكن لا يمكن تقييم أثر الضربة من الجو. وإذا أثبتت الضربة قصورها، فلا غنى عن تواجد بري لتحقيق الأهداف الكبرى مثل تدمير المواقع النووية أو الاستيلاء على مخزونات اليورانيوم المخصب.

المشكلة أن هذا التواجد البري يعني حسبة مختلفة تماما على صعيد التكاليف السياسية والاقتصادية والعسكرية. ففي الجغرافيا الإيرانية، التي تفوق بمرة ونصف على الأقل مساحة العراق وأفغانستان مجتمعتين، ومع تعداد سكاني هائل يناهز 88 مليون شخص، لطالما اعتقدت دوائر القرار الأمريكية أن واشنطن تحتاج لنشر ما لا يقل عن 500 ألف جندي إذا أرادت تغيير النظام الإيراني بالقوة. مع الحسابات السياسية الحالية، يعد ذلك خيارا صعبا ينطوي على تعقيدات خطيرة.

ما يزنه الأمريكيون فعلا في الوقت الراهن هو عملية برية محدودة ذات أهداف محددة واضحة يمكن أن تمنحهم نوعا من أنواع النصر واضح المعالم. أشار تقرير لموقع “سيمافور” (Semafor) الأمريكي أن الإدارة تدرس بالفعل تنفيذ غارة لقوات العمليات الخاصة على منشآت نووية رئيسية مثل مواقع مثل أصفهان وفوردو ونطنز بهدف تدميرها أو السيطرة على المواد المرتبطة بالبرنامج النووي من الداخل، وعلى رأسها مخزون اليورانيوم المخصب.
إعلان

وفي السياق ذاته، ألغى الجيش الأمريكي مؤخرا تدريبا كبيرا لوحدة قيادية في فرق المظليين النخبوية، مع إبقاء الوحدة في حالة جاهزية داخل قاعدة “فورت براغ” في ولاية كارولاينا الشمالية، ما قد يكون مؤشرا على الاستعداد لسيناريو تدخل بري سريع في المنطقة. وتعد المنشأة النووية في أصفهان أكثر الأهداف حساسية لهذا السيناريو، فقد أورد معهد العلوم والأمن الدولي في مطلع العام الحالي إن إيران تدفن مداخل مجمع الأنفاق في الموقع بالتراب، بينما أفادت رويترز لاحقا بأن هذه المنشأة قد تضم مخزونا كبيرا من اليورانيوم المخصب.

لا يقتصر الأمر على الأهداف النووية، فأحد الأهداف المرشحة بقوة هي جزيرة خرج (في الركن الشمالي الشرقي لمياه الخليج قبالة بوشهر)، إذ تمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط الإيراني وتضم منشآت نفطية مركزية، ومن ثم فإن انتزاع السيطرة عليها سيكون خطوة استراتيجية لشل الاقتصاد الإيراني، حسبما أوضحت صحيفة “واشنطن بوست”.

“الفرقة 82”

ولكن بصرف النظر عن الموقع أو المواقع الرئيسية المستهدفة بالتدخل البري المحتمل، يبقى السؤال المطروح هو كيف تخطط الولايات المتحدة لتنفيذ هذه العملية المحفوفة بالمخاطر. وهنا تبرز “الفرقة 82” المحمولة جوا بوصفها أداة التدخل السريع الأبرز في الجيش الأمريكي، لأنها التشكيل الأكثر ارتباطا بعقيدة الدخول القسري السريع، والاستيلاء على الأهداف الحيوية في وقت قصير نسبيا.

يذكر الموقع الرسمي للفرقة أنها قادرة على الانتشار في غضون 18 ساعة، وأن مهامها تشمل تنفيذ اقتحامات مظلية وتأمين الأهداف الرئيسية تمهيدا لوصول قوات لاحقة. بيد أن هذه الفرقة لن تكون وحدها في أي سيناريو معقد داخل إيران، فهي تصلح لخلق موطئ قدم سريع وتأمين هدف أولي، لكن العمليات الدقيقة داخل منشآت شديدة الحساسية أو في بيئات عالية التعقيد غالبا ما تسند إلى قوات العمليات الخاصة.

تختص فرق العمليات الخاصة بتنفيذ العمليات القصيرة والسريعة لتدمير أو الاستيلاء أو استعادة أهداف محددة، بالإضافة إلى مهام الاستطلاع في البيئات الحساسة. الاسم الأبرز هنا هي فرقة العمليات الخاصة “دلتا فورس” (Delta Force) التي كانت تستعد منذ سنوات لمهام يشار إليها داخل الأوساط العملياتية بأنها أقرب إلى “عمليات نووية”؛ أي الدخول إلى موقع فيه مواد انشطارية أو أجهزة طرد أو مكونات مرتبطة بالسلاح النووي، ثم العثور عليها وتأمينها وإخراجها أو تدميرها.

برز اسم “دلتا فورس” عالميا خلال عملية “اختطاف” أمريكا للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير/كانون الثاني الماضي، لكن عملها في إيران من المتوقع أن يكون أكثر تعقيدا بما لا يقارن. وإلى جانب قوات العمليات الخاصة، فإن وجود فرق الهندسة العسكرية جزء طبيعي من هذا النوع من العمليات. وتشير العقيدة المشتركة لعمليات الاقتحام أن نجاح العملية يعتمد على القدرة على فتح موطئ قدم وتأمينه واستدامته، وهذا لا يقتصر على المقاتلين وحدهم، بل يشمل من يزيلون العوائق، ويقيمون الممرات، ويدعمون فتح المدارج أو نقاط الهبوط أو الوصول إلى المداخل الحيوية.

ارتبطت “الفرقة 82” تاريخيا بعمليات التدخل السريع والاقتحام الجوي، فمثلا كان لها دور مهم في أكتوبر/تشرين الأول 1983، حينما بدأت الولايات المتحدة عملية عسكرية حملت اسم “الغضب العاجل” (Urgent Fury)، واستهدفت جزيرة غرينادا الواقعة في البحر الكاريبي شمال فنزويلا. وجاء التدخل بعد أزمة سياسية في البلاد، انتهت بوضع الزعيم السابق ورئيس الوزراء موريس بيشوب تحت الإقامة الجبرية ثم إعدامه. وعادت الفرقة للظهور في بنما عام 1989 خلال عملية “القضية العادلة” (Just Cause)، حين استخدمت ضمن نموذج التدخل الخاطف لإسقاط نظام مانويل نورييغا.

وفي مطلع العقد الحالي، لعبت الفرقة دورا مهما عام 2020 حيث نُشِرت عناصر منها لتأمين السفارة الأمريكية في بغداد قبل اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني. كما شاركت الفرقة في عملية الإجلاء الضخمة من أفغانستان عام 2021، وفي نشر قوات أمريكية في شرق أوروبا عام 2022 قبيل الغزو الروسي لأوكرانيا. ولا تعني هذه السوابق أن إنزالا جويا في إيران سيكون شبيها بتلك الحالات، لكنها توضح كيف تنظر واشنطن إلى الفرقة 82 بوصفها قوة نخبة التدخلات السريعة.
خطة محتملة للإنزال

بالطبع لا يعلن أي جيش في العالم عن خطته في عملية الإنزال الجوي، لكننا نعرف أن هذه العمليات لها أسس عامة. مثلا تعتمد أي خطة إنزال بري على تحقيق التفوق الجوي الكامل وشل القدرات الدفاعية للخصم في الساعات الأولى من العملية. وستشمل المرحلة الأولى على الأرجح موجة كثيفة من الضربات الصاروخية والجوية المباغتة لتدمير أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية ومنشآت الإنذار المبكر والرادارات الرئيسية، خاصة في منطقة إنزال القوات ومحيطها.

في الواقع، كان هذا واحدا من الأهداف الرئيسية للعملية الأولى التي تمت في 28 فبراير/شباط الماضي عبر استهداف مقرات القيادة والسيطرة، ومنصات إطلاق الصواريخ الباليستية والفرط صوتية والمسيرات، والأهم الدفاعات الجوية الإيرانية التي تعد التهديد الأهم لأي عمل عسكري أوسع. وبناء على ذلك، من المتوقع أن تعمد القوات الأمريكية إلى المزيد من تدمير بطاريات الصواريخ “أرض–جو” ومقرات قيادة الدفاع الجوي في الدقائق الأولى يوم العملية، عبر صواريخ كروز وقنابل موجهة دقيقة تطلقها مقاتلات شبحية وقاذفات بعيدة المدى.

بالتوازي مع ضرب الدفاعات، ستؤدي الحرب الإلكترونية والهجمات السيبرانية دورا مهما في شل اتصالات القيادة وإرباك رد فعلها، ولدينا نموذج شبيه حدث يوم 28 فبراير/شباط، حيث بدأت الضربة التي استهدفت المرشد الإيراني علي خامنئي بعمليات سيبرانية مكثفة ضربت مواقع حكومية وعسكرية إيرانية عديدة بهدف إعاقة التنسيق الإيراني. ويستهدف هذا التكتيك تعتيم اتصالات القيادة الإيرانية وقطعها عن الوحدات الميدانية، لمنع إصدار أوامر فعالة للدفاع أثناء الساعات الحاسمة الأولى من الهجوم.

الهدف من كل ما سبق هو عزل ساحة القتال المفترضة عن بقية منظومة الجيش الإيراني، والحرس الثوري وسائر الوحدات القتالية لتمهيد الطريق أمام إنزال جوي آمن. وتشير العقيدة الأمريكية لعمليات الاقتحام إلى أن القوات يمكن أن تدخل باستخدام طائرات ثابتة الجناح أو مروحيات شبحية مثل بلاك هوك (MH-60 Black Hawk Stealth) وتشينوك (MH-47G Chinook).

وبحسب تقرير لمؤسسة راند، ذات الصلات الوثيقة بالبنتاغون، فإن اقتحام منشأة شديدة الحماية مثل المنشآت النووية قد يتطلَّب إنزال القوة على مسافة من الهدف، ثم دفعها للمناورة نحوه، بدلا من إسقاطها فوق أكثر المناطق الدفاعية كثافة. وإذا نفذ الإنزال، فالغالب أن الغرض سيكون الاستيلاء المؤقت على الموقع لا احتلاله. فالعقيدة الأمريكية في العمليات المحمولة جوا تتمحور عادة حول ثلاثة أهداف، إما السيطرة على الهدف أو الالتحام مع القوات المعادية أو الاستخراج (Extraction) بسحب الأفراد والمعدات.
إعلان

في الحالة الإيرانية، حيث العمق الجغرافي كبير والبيئة العسكرية معقدة، يبدو الاستخراج السريع هو الهدف الأكثر منطقية. معنى ذلك أن القوة ستدخل، ثم تفتح الموقع أو أجزاء منه، وتدمر ما يلزم تدميره من الداخل، وتؤمِّن ما يجب تأمينه، ثم تنسحب قبل أن يتحول النجاح التكتيكي إلى عبء شديد، حيث قد يقع جنود الفرقة في الأسر أو يتعرضون للقتل، وبالنظر إلى طبيعة الجغرافيا والتحصين الإيراني، لا يعد هذا السيناريو مستبعدا بالكلية.

رد الفعل الإيراني

في لحظة الاقتحام نفسها، سيكون أخطر ما يواجه القوة المهاجمة هو الاشتباك القريب مع وحدات الحرس الثوري، وقوات حماية المنشآت، ووحدات التعزيز السريعة التي ستندفع إلى الموقع بعد بدء الضربة. وهنا يكون الهدف الأمريكي هو فتح نافذة زمنية قصيرة تسمح بالوصول إلى الهدف وتدميره من الداخل قبل أن تتكاثف القوات المدافعة. وفي حال تم الإنزال قرب منشأة نووية أو جبلية، فسيكون الاشتباك في بيئة معقدة تخدم الإيرانيين أكثر من الأمريكيين، فهناك أنفاق ومداخل ضيقة وتحصينات خرسانية ومواقع نيران مخفية.

يشير تقرير لوكالة الاستخبارات الدفاعية إلى أن إيران تمتلك أكبر برنامج منشآت تحت الأرض في الشرق الأوسط، وأن فلسفة الدفاع السلبي لديها تقوم أساسا على التشتيت والتحصين والإخفاء. هذا يعني أن المدافعين الإيرانيين لن يقاتلوا فقط من السطح، بل من بنية دفاعية مصممة أصلا لتقليل أثر الضربات الجوية ومنح الوقت للوحدات المدافعة كي تعيد تنظيم نفسها وترد على العدو.

ولن يكون الاشتباك بريا فحسب، فحتى لو نجحت القوة المهاجمة في الوصول إلى الموقع، فستتعرض غالبا إلى طبقات متزامنة من الرد الإيراني تبدأ بمسيرات انتحارية، وقذائف أو صواريخ قصيرة المدى على نقاط التجمع أو الهبوط، وهجمات على القواعد الجوية التي تنطلق منها الطائرات، وربما تحريك جبهات أخرى لتشتيت القيادة والسيطرة عن العمليات في الداخل الإيراني.

ثم تأتي المرحلة الثانية من الاشتباك التي تتمحور حول الهدف نفسه، فحين تصل القوة العسكرية تبدأ مهمة السيطرة السريعة على المداخل والمخارج، ونقاط القوة التي يمكن استخدامها لاصطياد القوة المهاجمة. هذه عادة ليست معركة طويلة، بل قصيرة وعنيفة، لأن الطرف المهاجم يريد حسمها في غضون دقائق أو ساعات قليلة قبل وصول التعزيزات، بينما يحاول المدافع إبطاءه بما يكفي لشراء الوقت قبل وصول التعزيزات.

وفي حالة إيران تتضاعف تلك الصعوبة، فطهران لا تبني دفاعها على اشتباك سطحي تقليدي فقط كما أسلفنا، بل على تأخير المهاجم داخل البيئة الضيقة والمعقدة، وإذا طال الاشتباك أكثر من اللازم، فقد تنتقل القوة الإيرانية إلى مرحلة التطويق وتنجح فيها، أي محاولة حبس القوة المقتحمة داخل “جيب ناري”، عبر النيران المباشرة وغير المباشرة والمسيرات وإغلاق مسارات الحركة بالكامل.

وأخيرا تأتي مرحلة الانسحاب، وهي غالبا أخطر مرحلة في العملية كلها، فبعد زوال المفاجأة، تصبح مواقع القوة المهاجمة أوضح، ومسارات خروجها أكثر قابلية للرصد والاستهداف. وإذا كانت إيران قد صممت بنيتها الدفاعية كي تبقى قادرة على الرد بعد القصف، فإن هذا يعني أن القوة المنسحبة قد تواجه نيرانا أكثر تنظيما مما واجهته عند الدخول. ولذا، في مواجهة إيران، ثمة تحد يواجه القوة الأمريكية، ليس فقط في إثبات قدرتها على أن تصل إلى هدفها، بل وقدرتها على تفادي إمكانية تطويقها، ثم الخروج قبل أن تتحول العملية إلى كمين كبير مفتوح.
أخطر ما يواجه القوة المهاجمة هو الاشتباك القريب مع وحدات الحرس الثوري وقوات حماية المنشآت بعد بدء الضربة (شترستوك)
هل هذه العملية مقدمة لغزو بري؟

في النهاية، يظل أقرب الترجيحات أن العملية المقصودة في هذه الحالة تستهدف إنزالا بريا محدودا وخاطفا له هدف محدد. وتتوقف فرص الإنزال البري الأوسع، على إغراءات النجاحات التي تحققها العمليات البرية الأولية، خاصة مع التكاليف الأولية الباهظة للغزو الموسع. رغم ذلك، لا يمكن استبعاد السيناريو بالكلية في ضوء بعض المؤشرات اللافتة للانتباه في مشهد الحشد الأمريكي حول إيران. أهم هذه المؤشرات هو ظهور طائرات “إيه-10” (A-10) في الحركة الجوية المرتبطة بالقواعد المتقدمة القريبة من مسرح العمليات، إلى جانب تموضع قطع بحرية أمريكية كبيرة في خليج سودا بجزيرة كريت.

وتكمُن أهمية هذه الطائرة في طبيعة الدور الذي صُمِّمَت من أجله، فهي ليست مجرد مقاتلة هجومية متعددة المهام، بل أول طائرة أمريكية مُصمَّمة لتقديم الدعم الجوي القريب للقوات البرية. وهذا يعني أن فلسفة بناء الطائرة مرتبطة بساحة المعركة الأرضية مباشرة، عبر مرافقة القوات أثناء الاشتباك، ومهاجمة الدبابات والعربات المدرعة، واستهداف التحركات الأرضية المعادية في ظروف قتال محتدمة وقريبة من خط النار.
إعلان

لا يقتصر دور الطائرة على إلقاء الذخائر من مسافة آمنة، بل يمكنها على البقاء فوق ميدان القتال لفترة أطول نسبيا، ومراقبة ما يجري على الأرض، ثم التدخل بدقة وفق تطور الاشتباك. ومن هنا فإن ظهور هذه الطائرة في أي حشد عسكري لا يُقرأ فقط بوصفه إضافة عددية إلى القوة الجوية، بل بوصفه إشارة نوعية إلى اهتمام متزايد بالبعد الأرضي للمعركة. ولا يعني أي من ذلك أن قرارا بعملية برية واسعة قد اتخذ بالفعل، لكنه يفتح الباب أمام قراءة أوسع لطبيعة الخيارات التي تريد واشنطن أن تُبقيها مطروحة.

في النهاية، يتطلب الغزو البري لبلد ضخم جبلي كثيف السكان ثم محاولة السيطرة عليه أكثر من بضع مئات أو حتى آلاف من القوات. وفي بلد تبلغ مساحته أكثر من مليون ونصف مليون كيلومتر مربع، ويعيش معظم سكانه على أطراف هضبة تحيط بها سلاسل جبلية، فإن التقدم البري سيكون أبطأ، وخطوط الإمداد أطول، والدفاع أسهل على الطرف الذي يقاتل من الداخل. ولم نذكر بعد معضلة السيطرة على المدن الإيرانية الكبرى، مما يعني أن الحرب البرية ستنزلق نحو حرب المدن الطويلة والمُكلفة.

في هذا السيناريو، سيكون الاستنزاف البشري والعسكري كبيرا لواشنطن لا شك. وحتى النقاشات الأمريكية نفسها حول الحرب الجارية تؤكد أن إرسال قوات برية إلى إيران يعني الاستعداد لخسائر كبيرة، وأن السيطرة على بلاد بهذه السمات المعقدة قد تُفضي إلى نتيجة أسوأ من العراق، آخذين في الاعتبار أن إيران لا تحتاج إلى هزيمة أمريكا عسكريا حتى تجعل الحرب كارثة بالنسبة لها، بل يكفيها فقط الصمود لأطول فترة ممكنة.
المصدر: الجزيرة


بعد ساعات من إعلان ترمب.. هل ضربت إيران بأسلحة غير تقليدية؟
رجح الخبير العسكري والإستراتيجي العقيد الركن نضال أبو زيد أن القصف الذي استُؤنف على مناطق غرب طهران بعد توقف دام نحو 8 ساعات يوحي باستخدام أسلحة غير تقليدية، مشيراً إلى أن ما جرى يتجاوز النمط المعتاد تجاوزاً واضحاً، وذلك بعد ساعات قليلة من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اقتراب نهاية الحرب.

وخلال فقرة التحليل السياسي والعسكري للتطورات، تناول أبو زيد دلالات تصريح ترمب الصادر من مقر قيادة المنطقة الوسطى “سنتكوم” في فلوريدا، مشيرا إلى أن التزامن بين هذا التصريح وانتشار قاذفات “بي-1” في القواعد البريطانية لا يمكن إغفاله.

ورأى أن التصريح جاء في إطار ما يُعرف في تحليل الخطاب بـ”فعل تهديد الوجه”، أي تصريح لحفظ ماء الوجه، في حين كانت التجهيزات العسكرية الميدانية تسير في اتجاه مغاير تماما.

وأوضح الخبير العسكري أن توقف القصف 8 ساعات ثم عودته يُعدّ في العرف العسكري “تغذية راجعة”، أي أن الجانب الأمريكي درس نتائج الضربات الأولى واستخلص النواقص، ثم أطلق موجة ثانية لاستكمال ما لم يتحقق، وهو ما يُرجّح توظيف أسلحة مختلفة نوعياً في هذه الموجة.

وفيما يتعلق بالجانب الإيراني، لفت إلى أن إيران باتت تعتمد على “هدف المنطقة” بدلا من “هدف النقطة” بسبب الإعماء التكتيكي لرادارتها، مما دفعها إلى توظيف صاروخ “خرمشهر” الانشطاري الذي يؤثر في دائرة قطرها 6 كيلومترات.

قراءة خطاب ترمب

ومن زاوية أخرى، رأى الباحث المختص في القانون الدستوري والأنظمة السياسية الدكتور سليم زخور أن تصريح الرئيس الأمريكي يحتمل قراءتين متعارضتين؛ الأولى أن الضغط العسكري حقق نتائج كافية تسمح بإعلان وقف الأعمال العدائية، والثانية أن الأهداف الكبرى كتغيير النظام لم تتحقق بعدُ مما قد يفتح الباب أمام محاولة ثانية.

بيد أن زخور مال إلى الترجيح الأول، مستندا إلى ارتفاع الكلفة الاقتصادية والعسكرية على الجانب الأمريكي، وقال إن ترمب يمتلك قدرة استثنائية على تسويق الانتصار بصرف النظر عن الحقائق الميدانية، وأن المفارقة أن الحرب ستُفرز منتصرَين في الوقت ذاته: ترمب بسردية الإنجاز العسكري، وإيران بسردية الصمود وعدم الانهيار.
إعلان

من جهته، تناول الدكتور علام صالح أستاذ دراسات إيران والشرق الأوسط في الجامعة الوطنية الأسترالية البُعد الداخلي الإيراني، مشيرا إلى أن الجمهورية الإسلامية خرجت من هذه الحرب بمكسب إستراتيجي غير متوقع، إذ نجحت في “أمننة” الوضع الداخلي وقمع أي معارضة تحت ذريعة التواطؤ مع إسرائيل وأمريكا، مستبعدا أي حراك احتجاجي فاعل في مرحلة ما بعد الحرب.

وأجمع المحللون على أن أسعار النفط وحركة الملاحة في مضيق هرمز تُشكّلان ضغطا حقيقيا على قرار الرئيس الأمريكي النهائي، إذ أشار ديفيد دوروش مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق إلى أن ترمب قد يتحمّل سعر 120 إلى 150 دولارا للبرميل لفترة محدودة، غير أن أي تجاوز لذلك سيُشكّل ضغطا داخليا لا يُحتمل.

وقال الدكتور سليم زخور إن الصين، التي تستورد نحو 20 إلى 25% من احتياجاتها من الغاز من المنطقة وتتبادل معها ما يزيد على 200 مليار دولار سنويا، باتت طرفا غير مباشر في معادلة الضغط على واشنطن.
المصدر: الجزيرة


إسرائيل ليست الهدف الأول لطهران.. هذا ما تكشفه أرقام الهجمات الإيرانية
شهدت المنطقة خلال الأيام الـ11 الماضية تصعيدا عسكريا واسع النطاق استهدف منشآت حيوية وأجواء مدنية في عدة دول عربية بعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، ورد طهران على هذا الهجوم من الجهات التي شنته بحسب قولهم.

ولكن ما سجلته الهجمات على دول الخليج حتى كتابة التقرير 3162 هجوما بمسيرات أو بصواريخ، بحسب ما أظهرته تقارير رسمية صادرة عن وزارات الدفاع والقوات المسلحة في كل من دول مجلس التعاون الخليجي والأردن التي أفادت بتعرضها للقصف الإيراني رغم أن طهران أعلنت أكثر من مرة أنها لا تستهدف دولا بعينها بل القواعد الأمريكية في المنطقة.

كما أظهرت البيانات الصادرة عن وزارة الدفاع نجاعة منظومات الدفاع الجوي وسلاح الجو لديها في التصدي لغالبية هذه الصواريخ الإيرانية.

في هذا التقرير نسلط بالأرقام الضوء على الهجمات الإيرانية على دول الجوار، وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة في صدارة هذه الهجمات، وسجلت نشاطا دفاعيا مكثفا لمواجهة الهجمات الإيرانية التي استهدفت أراضيها:

الصواريخ الباليستية: تم رصد 262 صاروخا باليستيا، دمرت الدفاعات الجوية منها 241 صاروخا. مصير الصواريخ: سقط 19 صاروخا في البحر، في حين سقط صاروخان داخل أراضي الدولة.
الطائرات المسيرة: تم التعامل مع 1475 طائرة مسيرة، جرى اعتراض 1385 منها، بينما وقعت 90 مسيرة داخل أراضي الدولة. رصدت وتدمرت 8 صواريخ جوالة.تصميم خاص - أكثر من 3100 هجوم إيراني على دول عربية

ثانيا: دولة الكويت

وأوضح الجيش الكويتي أن القوات المسلحة كانت في حالة استنفار قصوى منذ بدء الهجوم، حيث تم رصد 235 صاروخا إيرانيا أُطلقت باتجاه الدولة.

كما تم التعامل مع 419 طائرة مسيرة وفقا لقواعد الاشتباك المعمول بها.

ثالثا: قطر

شملت العمليات الدفاعية التعامل مع 151 صاروخا باليستيا وكروز، و79 طائرة مسيرة، بالإضافة إلى إسقاط مقاتلتين من طراز “سوخوي 24”.

رابعا: مملكة البحرين

فقد نجحت الدفاعات الجوية في اعتراض وتدمير 105 صواريخ و167 طائرة مسيرة كانت تستهدف أراضي المملكة.

خامسا: المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان

السعودية: سجلت القوات الدفاعية اعتراض وتدمير 122 طائرة مسيرة، و7 صواريخ كروز، و10 صواريخ باليستية.
إعلان

سلطنة عُمان: أعلنت السلطنة إسقاط 3 طائرات مسيرة استهدفت أجواء محافظة ظفار بالقرب من ميناء صلالة، مؤكدة عدم وقوع أي خسائر بشرية.

سادسا: المملكة الأردنية الهاشمية

صرح العميد الركن مصطفى الحياري، مدير الإعلام العسكري، بأن الدفاعات الجوية تعاملت بفاعلية مع التهديدات الجوية:

إجمالي التهديدات: تم التعامل مع 119 صاروخا وطائرة مسيرة كانت تستهدف مواقع حيوية.
نتائج الاعتراض: تمكن سلاح الجو الملكي من إسقاط 108 أهداف، بينما لم يتم اعتراض 11 هدفا بين صاروخ ومسيرة.

الصواريخ الإيرانية على إسرائيل

أمّا معهد “آي إن إس إس” (INSS)، وهو معهد دراسات وأبحاث إستراتيجية وأمنية إسرائيلي، فقد أجرى إحصائية لعدد الصواريخ الإيرانية التي سقطت على إسرائيل حتى الثامن من مارس/آذار، وبلغت نحو 270 صاروخا، في حين بلغ عدد المسيّرات 163.

ولا تتوفر إحصائية دقيقة لعدد الصواريخ التي أطلقتها إيران باتجاه إسرائيل، كما أنّ طهران لا تعلن عادة بشكل تفصيلي عن عدد الصواريخ التي تُطلِقها في مثل هذه العمليات.

وكان المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية كشف عن نجاح دول مجلس التعاون الخليجي في اعتراض أكثر من 500 صاروخ إيراني و1500 طائرة مسيرة خلال الأيام الستة الأولى من اندلاع الصراع. وتشير القراءات الميدانية إلى انخفاض تدريجي في أعداد الصواريخ الهجومية، في حين ظل معدل تدفق الطائرات المسيرة مرتفعا وبوتيرة أقل انخفاضا.

الإحصائيات التراكمية (خلال 150 ساعة): خلال الفترة الممتدة من الساعة 9:00 صباحا يوم 28 فبراير/شباط 2026 وحتى الساعة 10:00 صباحا في السادس من مارس/آذار 2026، أكدت دول المجلس تنفيذ أكثر من 2150 عملية اعتراض ناجحة شملت طائرات مسيرة، وصواريخ، وحتى مقاتلات حربية إيرانية:

الصواريخ الباليستية: شكلت نحو 25% من إجمالي الأهداف التي تم التعامل معها.
الطائرات المسيرة: مثلت الغالبية العظمى من الأهداف المعترضة.
صواريخ كروز: تم رصد وتدمير أقل من 20 صاروخا جوالا بنجاح.

تفاوتت الكثافة الدفاعية بين دول المجلس بناء على اتجاهات الهجوم، وجاء التوزيع كالتالي:

دولة الإمارات العربية المتحدة: تصدرت المشهد الدفاعي باستيعاب أكثر من نصف عمليات الاعتراض المؤكدة.
دولة الكويت: ساهمت بنحو الربع من إجمالي العمليات المسجلة.
قطر والبحرين: سجلت كل منهما نسبة تقارب الـ10% من إجمالي عمليات التصدي الخليجية.
المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان: سجلتا نسبا محدودة بلغت 2% و0.1% على التوالي.

الجدول الزمني للكثافة الهجومية

تركزت الضغوط العسكرية القصوى في المرحلة الأولى من الصراع:

المرحلة الأولى (0-72 ساعة): شهدت تنفيذ 3 أرباع عمليات الاعتراض الإجمالية.
المرحلة الثانية (73-144 ساعة): شهدت تنفيذ الـ25% المتبقية من العمليات، مما يشير إلى تغير في وتيرة العمليات الهجومية أو فاعلية الضربات الاستباقية.

المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي


======================

تحديث 09 أذار 2026


إيران واستراتيجية إغراق المنطقة.. تهديد لاستقرار الشرق الأوسط وأمن الطاقة العالمي/ أسماء الفريح
مارس 9, 2026
ردت إيران على الهجمات “الإسرائيلية” – الأميركية التي استهدفتها صبيحة يوم الثامن والعشرين من شباط الماضي، بشنها اعتداءات غير مبررة على دول الخليج العربي، متذرعة باستهداف القواعد والمصالح الأميركية فيها، وتوسعت لاحقا لتشمل دولا عربية وإقليمية أخرى، في مسعى منها لرفع كلفة الحرب على جيرانها من دول الخليج تحديدا، التي تعد مراكز للسياحة والاستثمار والتمويل، ولإشاعة الفوضى في سوق النفط والغاز المهم في اقتصادات دول المنطقة.

ووفق صحيفة “فايننشال تايمز”، فمن المرجح أن تكون إيران قد أطلقت باتجاه الإمارات العربية المتحدة، مركز التجارة والسياحة الأبرز في الخليج، عددا من الصواريخ والطائرات المسيّرة يقارب ما أطلقته نحو “إسرائيل”، في تأكيد على استراتيجية طهران الرامية إلى إلحاق خسائر كبيرة بدول الخليج، لتمارس بدورها ضغوطا على الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، إلى جانب استخدامها تأثيرات تعطيل إمدادات الغاز والنفط على الاقتصاد العالمي كورقة ضغط لصالحها.

وأكد أمين عام مجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي، خلال اجتماع وزاري خليجي – أوروبي يوم الخميس الماضي، أن تحويل طهران أراضي دول الخليج إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية يعد أمرا غير مقبول في القانون الدولي، ولا يمكن تبريره سياسيا، وخاصة أن هذه الدول أكدت مرارا للجانب الإيراني أن أراضيها لن تستخدم لشن أي هجوم عليه.

وقال الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، السفير حسام زكي، إن التطورات الحالية “كانت مفاجئة للجميع، كونها غير محسوبة العواقب من قبل الجانب الإيراني”، وخاصة مع جهود بعض الدول العربية في تجنيب إيران، أو المنطقة، ويلات هذه الحرب.

كما دعا أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، إيران إلى التعقل، وكتب في منشور على منصة “إكس”: “حربكم ليست مع جيرانكم.. عودوا إلى محيطكم، وتعاملوا مع جيرانكم بعقلانية ومسؤولية قبل أن تتسع دائرة العزلة والتصعيد”، في الوقت الذي حذر فيه خبراء من أن “استراتيجية” طهران قد تنقلب عليها.
استراتيجية خاطئة للغاية

قبل أيام، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن طهران تتبع في هذه المرحلة استراتيجية “إذا غرقت فسأغرق المنطقة أيضا”، عبر استهداف دول أخرى في المنطقة، ولا سيما البنية التحتية للطاقة، مؤكدا أن هذه تمثل “استراتيجية خاطئة للغاية”، ومحذرا من أن توسع رقعة الحرب قد يهدد استقرار المنطقة وأمن الطاقة العالمي، مشيرا إلى أن الدول التي تتعرض لهجمات إيرانية قد لا تتمكن من التزام الصمت طويلا.

كما ذكرت وزارة الخارجية التركية، في بيان لها، أن التطورات التي بدأت بهجوم “إسرائيل” والولايات المتحدة على إيران، واستمرت باستهداف طهران لدول أخرى، تشكل خطرا على مستقبل منطقتنا والاستقرار العالمي.

وأعرب المحلل السياسي فراس رضوان أوغلو، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، عن اعتقاده بأن هذه الاستراتيجية ليست جديدة على إيران، “أغرق وأغرق كل من معي”، وخاصة أن هذه السياسة تعد بمثابة حرب وجودية بالنسبة إليها، انطلاقا من مقولة “لماذا أفنى ويبقى الآخرون”، أو “علي وعلى أعدائي”، ولا سيما مع تعرضها لهجوم أميركي – “إسرائيلي” مشترك منذ البداية.

بدورها، نقلت صحيفة “العرب” عن محللين قولهم إن الضربات المتهورة التي تشنها إيران على دول الخليج تؤدي إلى توحيد المعارضة الإقليمية ضدها، موضحين أن قرار إيران إطلاق هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة في أنحاء الشرق الأوسط، في أعقاب الضربات الأميركية و”الإسرائيلية”، يمثل استراتيجيتها في الرد.

وأوردت تصريح المحلل سيث جيه. فرانتزمان لمجلة “ناشيونال إنتريست” بأن إيران تعتقد أنه إذا تمكنت من رفع كلفة هذه الحرب على دول الخليج ودول أخرى، فقد تدفع تلك الدول إلى الضغط على الولايات المتحدة لوقفها، مضيفا أن هذه الاستراتيجية قد تنقلب ضدها، فتجعلها أكثر عزلة، كما قد تدفع العديد من الدول التي أعلنت سابقا رفضها للتصعيد إلى أن تصبح أكثر تقبلا لفكرة سقوط النظام في طهران.

وذكرت الصحيفة أن قرارات إيران الحالية تشبه إلى حد ما الطريقة التي أخطأ بها الرئيس العراقي صدام حسين في تقدير المنطقة والعالم قبل خمسة وثلاثين عاما، مضيفة أن خطأ العراق في الحسابات لم يقتصر على غزو الكويت، بل أيضا على رفضه التراجع عندما أصبح واضحا أن الولايات المتحدة قد شكلت تحالفا دوليا واسعا للضغط عليه من أجل الانسحاب من الكويت.
انعكاسات هذه الاستراتيجية

يؤكد المحلل السياسي رضوان أوغلو أن هذه الاستراتيجية ستحرق المنطقة كلها، وستتأثر بها دول الخليج وتركيا، لكن السؤال المطروح هنا: ما مقدار القوة العسكرية لدى إيران التي تستطيع من خلالها أن تواجه أميركا و”إسرائيل”؟ منبها إلى أن دخول الدول العربية وتركيا وأذربيجان فيها يعد أمرا خطيرا للغاية.

وفي حديث مماثل للصحيفة، يقول الباحث والمحلل السياسي، مصطفى النعيمي، إنه في ظل التصعيد العسكري الكبير الذي تشهده المنطقة منذ آذار 2026، وبعد الضربات المنسقة التي شنتها الولايات المتحدة و”إسرائيل” ضمن ما يعرف بـ”عملية الغضب الملحمي”، وما تبعها من ردود فعل إيرانية استهدفت ناقلات نفط ومنشآت طاقة في الخليج، تبرز مجموعة من السبل الاستراتيجية والميدانية لمواجهة هذه التهديدات وحماية أمن الطاقة العربي والعالمي.

وأضاف أنه بناء على التحديات المتعلقة بأمن الطاقة، أعلنت الولايات المتحدة بأنها ستسير دوريات ومرافقة بحرية لناقلات النفط عبر مضيق هرمز لضمان التدفق الحر للطاقة، وسترافق القوافل النفطية كاسحات الألغام، وذلك لمواجهة التهديد بالألغام البحرية، حيث سيتم اللجوء إلى نظام القوافل التي تتقدمها كاسحات الألغام لفتح ممرات آمنة.

كما أشار إلى أن واشنطن ستقوم بتدمير أي منصات هجومية، فيما ستتبنى القوى الدولية استراتيجية استهداف الصواريخ الباليستية ومنصات إطلاق المسيّرات الإيرانية قبل إطلاقها، بدلا من الاكتفاء بمحاولة اعتراضها في الجو، والانتقال من مستوى الضربات الاستباقية وصولا إلى الوقائية لتحييد قدرة التهديدات الإيرانية المتعلقة بأمن الممرات.

وبهدف تعزيز الدفاعات الجوية للمنشآت، حثت الإدارات المعنية شركات الطاقة على تعزيز الأمن المادي والسيبراني حول مواقع الحفر، وخطوط الأنابيب، ومصانع تكرير الوقود، إضافة إلى تقديم الحلول الاقتصادية وآليات استقرار السوق، وذلك لتفعيل احتياطيات النفط الاستراتيجي عبر التنسيق مع وكالة الطاقة الدولية للبدء بسحب منسق من المخزونات الاستراتيجية لتهدئة الأسواق ومنع قفزات الأسعار الجنونية.

وتابع أن توفير التأمين البحري المدعوم دوليا سيعزز قدرة شركات التأمين الخاصة على تغطية مخاطر الحرب، وبهذا الصدد أعلنت واشنطن عن خطط لتقديم تأمين “بأسعار معقولة” عبر مؤسسات حكومية مثل مؤسسة تمويل التنمية الدولية لضمان استمرار حركة الملاحة البحرية، والعمل على زيادة الإنتاج من مصادر بديلة، وذلك لتحفيز الإنتاج في مناطق غير متأثرة بالصراع، مثل الولايات المتحدة ومنتجي النفط الصخري، لسد العجز الناتج عن اضطرابات مضيق هرمز.
تداعياتها على الدول الخليجية

حذر وزير الدولة القطري سعد بن شريدة الكعبي من أن استمرار الحرب قد يجبر دول الخليج على وقف إنتاج وتصدير الطاقة، مرجحا وصول أسعار النفط إلى 150 دولارا للبرميل وارتفاع أسعار الغاز إلى 40 دولارا لكل مليون وحدة حرارية، مع اتجاه المنتجين إلى إعلان حالة القوة القاهرة. وقال لـ”فايننشال تايمز” إن اتساع الحرب لأسابيع سيؤثر في الاقتصاد العالمي، ويرفع أسعار الطاقة، ويحدث نقصا في بعض المنتجات، ويعطل سلاسل التوريد، مضيفا أن عودة قطر إلى دورة التوريد الطبيعية ستحتاج، حتى لو توقفت الحرب فورا، إلى أسابيع أو أشهر.

وتعزز هذه المخاوف مؤشرات ميدانية. فقد أفادت رويترز بأن “قطر للطاقة” عرضت عشر ناقلات للغاز الطبيعي المسال للإيجار خارج مضيق هرمز، بالتزامن مع توقف الإنتاج في منشأة قطرية تبلغ طاقتها 77 مليون طن سنويا. كما أشار محللو “غولدمان ساكس” إلى أن توقف الشحن عبر هرمز لمدة شهر قد يرفع أسعار الغاز في أوروبا والغاز الطبيعي المسال الفوري في آسيا بما يصل إلى 130%، لتبلغ قرابة 25 دولارا لكل مليون وحدة حرارية.

وفي البحرين، أغلقت شركة “بابكو” وحدتين للخام في مصفاة سترة، التي تبلغ طاقتها 448 ألف برميل يوميا، بسبب تصاعد الحرب، فيما توقعت منصة “إندستريال إنفو ريسورسيز” استئناف تشغيل الوحدتين، البالغة طاقتهما الإجمالية 173 ألف برميل يوميا، بحلول منتصف آذار. كذلك أُغلق ميناء خليفة بن سلمان وأُعلنت فيه حالة القوة القاهرة، بحسب “إيه بي إم تيرمينالز البحرين”، مع بقاء مدة التعطل غير محددة، علما أنه يمثل مركزا رئيسيا للواردات والصادرات.

وفي السعودية، تعرضت مصفاة رأس تنورة لمحاولة هجوم بطائرة مسيرة، بعد تعرضها سابقا لأضرار محدودة نتيجة سقوط شظايا ناجمة عن اعتراض طائرتين مسيرتين قرب المصفاة، ما استدعى إيقاف بعض الوحدات التشغيلية احترازيا من دون تأثير في الإمدادات. وتترقب الأسواق إعلان أرباح “أرامكو السعودية” لرصد كيفية تعامل أكبر مصدر للنفط في العالم مع تداعيات الحرب واضطراب الشحن.

أما في الكويت، فنقلت “وول ستريت جورنال” عن مصادر مطلعة أن البلاد بدأت خفض الإنتاج في بعض الحقول بعد امتلاء السعات المخصصة لتخزين الخام، وأنها تناقش حصر الإنتاج والتكرير بما يغطي الاستهلاك المحلي فقط. وقد سجل النفط الأميركي أكبر مكاسب أسبوعية في تاريخه، إذ ارتفع خام تكساس الوسيط بأكثر من 12% ليغلق قرب 91 دولارا للبرميل، فيما أنهى خام برنت التعاملات قرب 93 دولارا. كما قدّرت “سيتي غروب” أن السوق تخسر بين 7 و11 مليون برميل يوميا بسبب تعطل الملاحة في المضيق.

وفي سلطنة عمان، أعلن مركز الأمن البحري تعرض ناقلة النفط “سكاي لايت” لهجوم شمال ميناء خصب في محافظة مسندم، بعد هجوم بطائرتين مسيرتين على خزانات الوقود في ميناء الدقم التجاري، قبل أن تتمكن السلطات من احتواء الأضرار. ونتيجة لذلك، تجاوز السعر الرسمي لنفط عمان حاجز 100 دولار للبرميل، إذ بلغ سعر تسليم أيار 100.31 دولار.

وفي الإمارات، علقت شركة “VTTI” عملياتها في الفجيرة بعد اندلاع حريق ناجم عن سقوط شظايا إثر اعتراض طائرة مسيرة في المنطقة البترولية في 4 آذار. وتكتسب الفجيرة أهمية استراتيجية لأنها تقع خارج مضيق هرمز وتمثل أحد أكبر مراكز تخزين وتجارة النفط. ووفقا لمحللين وتجار، قد تضطر الإمارات إلى خفض إنتاج النفط إذا تعذر تصديره عبر هرمز، خاصة مع امتلاء خزانات التخزين.

ويرى الباحث النعيمي أن إدارة أزمة الطاقة في عام 2026 ستكون عنصرا حاسما في استقرار الشرق الأوسط، لأن الطاقة لم تعد مجرد سلعة، بل أداة ردع جيوسياسي تؤثر في موازين القوى. ويشير إلى أن التهديدات الإيرانية في مضيق هرمز وتوقف إنتاج الغاز في رأس لفان القطري خلال مطلع آذار 2026 أحدثا صدمة إقليمية انعكست على الموازنات العامة، ورفعت تكاليف الشحن والتأمين، وأجبرت حكومات على إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتأجيل مشاريع تنموية.

وأضاف أن كثيرا من دول المنطقة لا تمتلك سوى مخزونات تكفي بين 10 و20 يوما، ما يعني أن استمرار التهديدات قد يقود إلى انقطاعات فعلية في الإمدادات أو قفزات تضخمية حادة، مع تحول البنية التحتية للطاقة إلى أهداف استراتيجية للضغط السياسي. كما حذر من أن مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ثلث صادرات النفط العالمية وربع صادرات الغاز، يمثل اختبارا قاسيا للاقتصاد الدولي، وأن أي تعطيل طويل قد يدفع النفط إلى ما بين 100 و120 دولارا للبرميل.

وختم النعيمي بأن آثار الأزمة لن تقتصر على المنتجين، بل ستمتد إلى التضخم العالمي وتكاليف الإنتاج والنقل وسلاسل الإمداد، وستقلص قدرة البنوك المركزية على خفض الفائدة. كما ستكون آسيا المتضرر الأكبر لأن نحو 70% من صادرات الطاقة الخليجية تتجه إليها، ما يجعل استقرار اقتصادات مثل الصين واليابان والهند رهينا بأمن الملاحة في الخليج. وإلى جانب ذلك، قد تضطر شركات الشحن إلى سلوك طرق أطول مثل رأس الرجاء الصالح، بما يرفع أقساط التأمين البحري بنسبة قد تصل إلى 50%.
الحلول الاستراتيجية واللوجستية

يبين الباحث والمحلل السياسي النعيمي أن الحلول تتمثل في تطوير مسارات نقل بديلة لتسريع العمل على خطوط أنابيب تتجاوز مضيق هرمز، مثل الأنابيب التي تمتد إلى البحر الأحمر أو بحر العرب، ورغم أن طاقتها الاستيعابية الحالية لا تكفي لاستبدال المضيق بالكامل، إلا أن الخطط الاحترازية ستسهم في إنهاء محاولات إيران العبثية التي تهدد أمن الطاقة والأمن الدولي.

وأشار إلى أن من الحلول أيضا تفعيل الأمن السيبراني للبنية التحتية عبر تكثيف الجهود لحماية شبكات الكهرباء والماء والطاقة من الهجمات السيبرانية الإيرانية التي تزايدت بوصفها أداة للرد الانتقامي، وكذلك البحث عن بدائل الطاقة عبر تعزيز التحول نحو الطاقة المتجددة، الشمس والرياح، والاعتماد على التكنولوجيا الخضراء لتقليل الارتباط الجيوسياسي بسلاسل توريد الوقود الأحفوري التقليدية.

وتابع أن من المهم بناء تحالف دولي لتعزيز التنسيق بين دول مجلس التعاون الخليجي والقوى الكبرى لضمان عدم انفراد إيران بالتحكم في الممرات المائية الدولية، والمطالبة برقابة دولية صارمة للضغط من أجل إنهاء البرامج الصاروخية والنووية الإيرانية بوصفه شرطا أساسيا لاستعادة الاستقرار الإقليمي.

يقول المحلل السياسي رضوان أوغلو إنه لا يمكن الحديث عن الدبلوماسية، ولا نزال في الأيام الأولى من الحرب، حيث تكون الدبلوماسية غير موجودة تقريبا، كما أن التصريحات تكون عدائية للغاية.

وأضاف أن تأثيرات الحرب تدخل بعد ذلك فكرة الدبلوماسية وفقا للمعطيات التي نتجت عن بدايات أيام الحرب، وتكون إما لصالح هذا الطرف أو لصالح الطرف الآخر تبعا لمن يتنازل.

من جانبه، يقول الباحث والمحلل السياسي النعيمي إنه، بناء على التطورات الميدانية المتلاحقة حتى 7 آذار 2026، نجد أن الحلول الدبلوماسية تمر بمرحلة “موت سريري” أو تعليق إجباري نتيجة اندلاع العمليات العسكرية المباشرة، إلا أن القنوات لم تغلق تماما خلف الكواليس.

وأشار إلى أنه بعد فشل الجولة الثالثة من المفاوضات في جنيف نهاية شباط 2026، انتقل المشهد من طاولة الحوار إلى ساحة المعركة، حيث تتبنى إدارة الرئيس ترامب حاليا مبدأ “العمل العسكري يجب أن يأخذ مجراه”، وهو ما أكده مسؤولون أميركيون الأسبوع الماضي، نافين وجود مفاوضات جارية في الوقت الحالي.

ولفت إلى أنه، إضافة إلى فتح قنوات “الرسائل تحت النار”، وبالرغم من غياب الحوار الرسمي، فهناك محاولات دولية مكثفة للوساطة والدور العماني، ولا تزال سلطنة عمان تقوم بدور “صندوق البريد” بين واشنطن وطهران، رغم أن الهجمات الإيرانية الأخيرة على منشآت في الخليج قلصت من مساحة المناورة الدبلوماسية.

الثورة السورية


حرب الخليج الرابعة: صراع على النظام العالمي/ رأفت الغانم
09 أذار 2026
المواجهة الجارية في الخليج ليست مجرد فصل جديد من صراعات الشرق الأوسط، بل حلقة في منافسة أوسع على شكل النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين. فإذا كانت المنطقة قد شهدت ثلاثة حروب كبرى خلال العقود الماضية (الحرب العراقية-الإيرانية، وحرب تحرير الكويت، وغزو العراق عام 2003) فإن ما يحدث اليوم يُنظر إليه لدى بعض المحللين بوصفه “حرب الخليج الرابعة”، لكن بخصم مختلف وسياق عالمي أشد تعقيداً.

التحركات الأميركية الأخيرة، بما في ذلك اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو والضربات التي استهدفت القيادة الإيرانية، تمثل خروجاً حاداً عن أنماط الردع التقليدية التي سادت منذ نهاية الحرب الباردة. فهاتان الدولتان (فنزويلا الغنية بأكبر احتياطي نفطي في العالم، وإيران التي تتحكم بأحد أهم شرايين الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز وتمتلك احتياطيات ضخمة من الغاز والنفط) تُعدان من شركاء الصين الاستراتيجيين.

هذه التحركات يمكن اعتبارها ردة فعل استباقية على استراتيجية صينية طويلة الأمد اعتمدت على “استقطاب المتمردين” على الهيمنة الغربية، لكن ليس بأيديولوجيا ثورية بل بمصالح اقتصادية بحتة. فقد عملت بكين لسنوات على بناء شبكة أمان اقتصادية وسياسية للدول التي تعتبرها واشنطن “دول مارقة”، مثل إيران وفنزويلا وكوريا الشمالية.

ومن خلال اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية الشاملة والقروض طويلة الأجل ومشاريع البنية التحتية ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، قدمت الصين لهذه الأنظمة بديلاً للنظام المالي العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، ما يمنحها قدرة غير مسبوقة على الصمود أمام العقوبات الغربية.

هذا الاستقطاب إلى جانب كونه تعاوناً تجارياً، هو محاولة صينية لكسر طوق العزلة عن خصوم واشنطن، وهو ما جعل الولايات المتحدة تدرك أن إخضاع هذه الدول في جوهره، ضربة للنفوذ الصيني العابر للقارات والمتنامي.

هذا التوجه لا يقتصر على الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية. فقد أثار الرئيس الأميركي ترامب الاهتمام بضم غرينلاند تساؤلات حول تنامي النشاط الروسي والصيني في منطقة القطب الشمالي، وأهميته في الاستراتيجية الأميركية. فالجزيرة تتمتع بموقع استثنائي يطل على طرق بحرية مهمة، إضافة إلى موارد معدنية نادرة تُعد أساسية لصناعات التكنولوجيا والطاقة.

في هذا السياق الأوسع، يُنظر إلى الصراع الحالي كجزء من محاولة احتواء صعود الصين (عبر السيطرة على المنافذ البحرية ومصادر الطاقة) التي يتوقع كثير من الاقتصاديين أن تصبح أكبر اقتصاد في العالم خلال العقدين المقبلين. ومن ثم، يرى بعض المحللين أن الولايات المتحدة تخوض معركة استباقية للحفاظ على موقعها المهيمن في النظام الدولي.

أما الركون إلى القراءة الإعلامية الغربية ذات الميل اليساري في تفسير خطاب ترامب المتقلب، فيعكس قصوراً تحليلياً يغفل عن جوهر الصراع الدولي. إن حصر تحركات واشنطن في إطار “شخصية الرئيس المتهور” هو تسطيح لا يعتد به في فهم الاستراتيجيات الصلبة التي تُصاغ داخل مؤسسات الدولة العميقة.

الأوروبيون، من جهتهم، أظهروا استعداداً متزايداً لحماية مصالحهم في المنطقة. فقد أرسلت فرنسا حاملة الطائرات شارل ديغول إلى شرق المتوسط قرب السواحل اللبنانية، وأعلنت مع المملكة المتحدة وألمانيا استعدادها للدفاع عن مصالحها في الخليج، رغم الخلاف في غرينلاند وتصريحات ترامب السلبية حول القارة العجوز، ما يشير إلى اصطفاف غير مسبوق ومواجهة أوسع من المواجهات السابقة في الشرق الأوسط، يرى الغرب ضرورة حسمها، على الأقل للحفاظ على أسعار النفط، خاصة في ظل غياب التسوية الأوكرانية.

في نهاية المطاف، قد لا تُحسم نتائج هذه المواجهة في طهران أو الخليج وحدهما، بل في ميزان القوى العالمي بين واشنطن وبكين. فالصراع الدائر، كما يراه بعض المراقبين، ليس فقط على نفوذ إقليمي، بل على من سيقود العالم في النصف الثاني من هذا القرن.
الثورة السورية


حرب التطرفات… حين يستيقظ التاريخ/ مهند مبيضين
نحن نعيش في عصر تتقاطع فيه الكراهية الموروثة مع الاحتمالات المفتوحة للصراع
09 مارس 2026
في لحظات التحول الكبرى، لا تتحرك الحروب وحدها، بل تتحرك معها الذاكرة والتاريخ والأفكار القديمة والهواجس التي ظنّ العالم أنه تجاوزها. وما يجري اليوم في الشرق الأوسط ليس مجرد صراع عسكري عابر، بل هو انعكاس لتراكمات طويلة من التطرفات السياسية والدينية التي أعادت تشكيل المشهد الإقليمي الراهن.

إن الحرب القائمة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، تعد من أكثر الحروب خروجاً عن المألوف في طبيعتها وأبعادها. فهي حرب لا يمكن فهمها بمعزل عن التاريخ، كما لا يمكن قراءتها دون النظر إلى السياق السياسي الراهن الذي يحكم قطبيها الأميركي والإسرائيلي.

ففي الولايات المتحدة، وفي عهد دونالد ترمب الذي اتّسم بالاندفاع والسعي إلى تقديم نفسه بوصفه رجل سلام، شهد العالم سلسلة من العمليات العسكرية التي شملت فنزويلا والصومال واليمن والعراق وإيران، إضافة إلى تهديدات غير مسبوقة مثل طرح فكرة ضم غرينلاند. في المقابل، يقف في الجانب الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يعلن انحيازه لفكرة “إسرائيل الكبرى”، ويرى في المشروع الإسرائيلي مهمة حضارية يضطلع بها الشعب اليهودي.

وفي هذين القطبين تتجلى نظرة داخلية تعكس عمق الأزمات السياسية والفكرية التي تدفع العالم نحو مزيد من عدم الاستقرار، وتسهم في دفع الشرق الأوسط إلى حافة انفجار دائم.

يرى قادة الاحتلال وزعماء الحركة الصهيونية في الرئيس الأميركي حليفاً استثنائياً، لا مجرد صديق سياسي، حيث تراه حامياً ومدافعاً قوياً عن سياسات إسرائيل ومصالحها. وفي ظل هذا التحالف غير المسبوق، يبدو من الصعب انتظار قدر كبير من الحكمة أو التوازن في إدارة الأزمات الإقليمية عند كل الأطراف.
نحن نعيش لحظة تكررت في القرن العشرين وصفها المؤرخ البريطاني إريك هوبسباوم في كتابه “عصر التطرفات” بأنها أسوأ ما حمله القرن العشرون، وهو عصر تتقاطع فيه الكراهية الموروثة مع الاحتمالات المفتوحة للصراع. والحرب الحالية لا تنفصل عن هذا السياق، فهي تأتي في زمن يتصاعد فيه التطرف الإسرائيلي إلى مستويات غير مسبوقة، ويترافق مع عنف متزايد تجاه كل من يعارض سياسات إسرائيل أو يرفض الاعتراف بدورها وهيمنتها في المنطقة، في ظل رعاية أميركية واضحة.
لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى الطرف الآخر من المعادلة. ففي المقابل يبرز التطرف الإيراني الذي لم يترك دولة عربية تقريباً إلا وحاول التأثير فيها أو اختراقها سياسيا أو عسكريا. ومنذ عام 1979 كانت الثورة الإيرانية آخر الثورات الكبرى في العصر الحديث، وهي الوحيدة التي لم تستلهم الأفكار العلمانية والتحررية الغربية. والوحيدة التي انتصرت بين حركات الإسلام والتيارات السياسية بالوصول للسلطة والهيمنة على المجتمع، لا بل الوحيدة التي طرحت فكرة عالمية باسم أحد جانبي الإسلام: السني والشيعي، وهي لم تأتِ من الواقع، بقدر ما جاءت من الماضي المثقل بفكرة الهزيمة والمظلومية واستعادة الحق الشيعي بالحكم.
في الحرب الراهنة انفلات إيراني في مواجهة عدوان خارجي، وفي هذا السياق جاء اعتذار إيران، الذي قدمه الرئيس مسعود بزشكيان عن قصف مناطق عربية، متأخراً في نظر كثيرين؛ إذ كان الأولى أن يكون اعتذارا أوسع يشمل ما ارتكبته إيران في سوريا ولبنان والعراق قبل اندلاع الحرب الحالية. أما الاعتذار عن التصرفات المتهورة لبعض قادة “الحرس الثوري” التي أدّت إلى قصف دول الخليج والأردن وتركيا، فهو اعتذار لا يغير كثيرا من الواقع الذي صنعته تلك السياسات المتهورة.
الجنون الإسرائيلي يقابله جنون إيراني، وكلاهما يتحرك بدوافع قومية ودينية تجعل من الصعب تصور نقطة التقاء بينهما. وفي الذاكرة التاريخية عداء متجذر يغذيه العنف والصراع المستمر فنحن أمام خطر مأساوي صنعه الطرفان.

فكما تُعد إسرائيل العدو الأول للعرب والمسلمين، فإن سياسات إيران خلال العقود الماضية دفعت بعض العرب إلى النظر إليها بوصفها خصما لا يقل خطورة، بعدما اختارت نهج تصدير الثورة، ودعمت حركات وميليشيات في أكثر من دولة عربية. وقد تجلى ذلك بوضوح في سوريا خلال عهد الأسد، وفي لبنان عبر التأثير في مؤسسات الدولة، وفي اليمن من خلال دعم عبد الملك الحوثي.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: ماذا جنت إيران منذ عام 1979 في علاقاتها مع العرب سوى فقدان الثقة بها كجار تاريخي؟ وماذا جنى العرب من إسرائيل بعد سلسلة الاتفاقيات التي بدأت باتفاقية كامب ديفيد، مرورا بمؤتمر مدريد واتفاق أوسلو ووادي عربة وكل مساعي السلام والتطبيع اللاحقة، سوى استمرار الشكوك في نوايا السلام، في ظل استمرار الحصار والاعتداءات على الفلسطينيين؟
قبل هذه الحرب كان لإيران عدو واحد واضح، أما اليوم فقد أصبحت تواجه شبكة أوسع من الخصوم. وهي تدخل هذه المرحلة مثقلة بإرث ثقيل من الأزمات مع العالم العربي، وبسجل من الصراعات التي ارتبطت بدعم الأذرع المسلحة والميليشيات في المنطقة.
وهكذا يتحرك طرفا الحرب في بحر من الدماء، وتاريخ طويل من العداء، حيث يمتلك كل طرف استعدادا لمزيد من العنف، بينما يعلن كل منهما تحقيق النصر. غير أن الحقيقة الأكثر قسوة هي أن هذا الصراع، مهما تغيرت شعاراته، يترك خلفه منطقة مثقلة بالخسائر والدمار والشكوك المتبادلة.
وفي النهاية، تبدو هذه الحرب وكأنها صدام بين تطرّفين، كلاهما يعتقد أنه يحمل الحقيقة المطلقة ومختار من الله أو ينوب عن الإمام، وكلاهما مستعد لدفع المنطقة إلى مزيد من المآسي من أجل إثبات تلك الحقيقة التي لا معنى لها في قاموس الأمم الحية.

المجلة


هل يجدي تغيير النظام من الجو في إيران؟/ كريستوفر فيليبس
قد يراهن ترمب على انشقاق داخل الأجهزة الامنية الايرانية، إلا أن المؤشرات حتى الآن لا توحي بأن ذلك وشيك
08 مارس 2026
عادت الولايات المتحدة، كما يبدو، إلى سياسة “تغيير الأنظمة”، في ارتداد واضح عن وعود دونالد ترمب السابقة بـ”وقف سياسة تغيير الأنظمة المتهورة والمكلفة”. وجاءت عملية “الغضب الملحمي” التي أطلقها لتشير إلى خلاف ذلك تماما. فاغتيال إسرائيل لـ”المرشد” الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول، ثم دعوة ترمب الإيرانيين إلى أن “يتولوا أمر حكومتهم”، يقدمان ما وصفه كير ستارمر بمحاولة “تغيير النظام من الجو”.

وفيما تظل شرعية هذه الحرب موضع تشكيك واسع، وتتنامى المخاوف من طول أمدها واتساع نطاقها ومدى ما قد تحدثه من زعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط وخارجه، يركز هذا المقال على سؤال واحد: هل يمكن أن تحقق هذه العملية ما ترمي إليه؟

لا يبعث السجل الأميركي في تغيير الأنظمة على الاطمئنان. وعند النظر في أمثلة تاريخية حديثة من الشرق الأوسط وخارجه، لا تبدو المؤشرات مشجعة. فمحاولات تغيير الأنظمة التي كتب لها النجاح احتاجت، في الغالب، إلى قوات على الأرض. وحتى حين تحقق ذلك، نادرا ما جاءت النتائج بعيدة المدى في صالح واشنطن.
أشباح تغييرات الأنظمة السابقة

لا توجد حرب على قياس حرب أخرى. لذلك ما إن يبدأ البحث عن سوابق لـ”تغيير الأنظمة” بغرض مقارنتها بحرب إيران اليوم حتى تبرز الصعوبات منذ البداية. خذ مثلا حرب كوسوفو عام 1999. لقد مهّدت في نهاية المطاف لتغيير نظام، غير أن ذلك لم يكن الهدف المعلن للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي عند التدخل. وكذلك كان الحال في ليبيا، حيث دخل حلف “الناتو” الحرب الأهلية الليبية عام 2011 أساسا تحت عنوان حماية المدنيين، ولكن المسار تحول لاحقا إلى دعم المقاتلين المعارضين لإسقاط معمر القذافي. ومع ذلك تبقى هاتان الحالتان، على الأرجح، الأكثر إغراء لترمب كي يصدق أن “تغيير النظام من الجو” يمكن أن ينجح. ففي كلتا الحالتين، لم تضطر الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى إرسال أعداد كبيرة من الجنود إلى ساحة القتال.

في حالة كوسوفو، نُشر نحو 50 ألف جندي من قوات “الناتو”، بينهم قرابة 8 آلاف أميركي، لكن ذلك جاء في إطار قوة حفظ سلام أعقبت حملة جوية أرغمت قوات صربيا بقيادة سلوبودان ميلوسيفيتش على الانسحاب. أما تغيير النظام داخل صربيا نفسها فوقع بعد أكثر من عام، حين خسر ميلوسيفيتش الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، ثم دفعت احتجاجات الشارع المؤسسة العسكرية إلى الانحياز للجمهور ضده. وقد يكون هذا النموذج ما يأمل ترمب أن يتكرر في إيران، غير أن الفوارق كبيرة. فإيران بلد أوسع وأكثر تنوعا من صربيا، مع فجوة هائلة في عدد السكان: نحو 85 مليون نسمة مقابل 6 ملايين. وهذا يعني أن إسقاط النظام يتطلب حركة شعبية منسقة، أوسع بكثير من تلك التي أطاحت بميلوسيفيتش. يضاف إلى ذلك أن التجربة الإيرانية أظهرت على الدوام استعداد الأجهزة الأمنية للوقوف إلى جانب النظام في مواجهة المحتجين، إذ قُتل، بحسب تقديرات، نحو 30 ألفا في وقت سابق من عام 2026. وقد يراهن ترمب على انشقاق داخل هذه الأجهزة، على نحو يشبه ما حدث في صربيا، إلا أن المؤشرات حتى الآن لا توحي بأن ذلك وشيك.

أما ليبيا عام 2011 فتقدم مثالا مختلفا. هناك، بقي جزء وازن من القوى الأمنية مواليا للقذافي، ما دفع المحتجين السلميين إلى حمل السلاح سريعا، فانزلقت البلاد إلى حرب أهلية. وعندها تحول تدخل “الناتو” عمليا إلى قوة جوية للتمرد، وكان له دور كبير في إسقاط القذافي وقتله. وبصورة أوضح من صربيا، بدا ذلك أقرب إلى “تغيير نظام من السماء”، مع نشر عدد محدود من قوات العمليات الخاصة على الأرض.

لكن ظروف إيران اليوم تختلف جذريا. أولا، كانت شرعية العملية في ليبيا أعلى بكثير، إذ حظيت بتفويض من الأمم المتحدة عبر قرار شاركت الجامعة العربية في رعايته. ثانيا، امتلكت الولايات المتحدة وحلفاؤها شريكا “مقبولا” على الأرض، كان مسلحا ويسيطر على مساحات معتبرة، بما في ذلك مدينة بنغازي، ثاني أكبر مدن البلاد، قبل انطلاق الحملة العسكرية. ولا توجد في إيران حاليا قوة مماثلة. وأخيرا، ورغم اتساع ليبيا الجغرافي، فإنها كانت، مثل صربيا، قليلة السكان نسبيا (نحو 7 ملايين)، كما تركز مسرح الحرب في عدد محدود من المدن على ساحل المتوسط السهل الوصول، ما جعل مهمة “الناتو” أيسر بكثير. في المقابل، إيران بلد جبلي شاسع، تتوزع كثافته السكانية على امتداد واسع، فيما تقع العاصمة طهران على بعد ألف كيلومتر من القواعد الأميركية في الخليج. وأي محاولة لدعم تمرد مشابه قد تكون أشد تعقيدا وأطول زمنا، في ظل غياب أدلة قوية على نشوء تمرد من هذا النوع، أو على استعداد ترمب لاستثمار الوقت ورأس المال السياسي اللازمين لضمان نجاحه.
دروس العراق وأفغانستان

وثمة مثال أحدث على التدخل الأميركي تمثّل في إقدام ترمب على القبض على نيكولاس مادورو في فنزويلا خلال يناير/كانون الثاني. غير أن هذه الخطوة، وإن خدمت مصالح ترمب، ما تزال مبكرة جدا للحكم عليها بوصفها تغييرا ناجحا للنظام. فالنظام الفنزويلي ما زال قائما، إنما بقيادة رئيس أكثر قابلية للتطويع.
وتبدو حالتا العراق وأفغانستان أقرب للمقارنة. فأفغانستان عام 2001 تشبه إلى حد كبير النموذج الليبي: دعمت الولايات المتحدة متمردين محليين، وقدمت غطاء جويا وبعض القوات البرية لإسقاط طالبان. أما في العراق عام 2003، فلم تكن هناك حركة تمرد محلية مماثلة، فدفعت واشنطن بنحو 150 ألف جندي على الأرض، إلى جانب بريطانيا وحلفاء آخرين، لإطاحة صدام حسين. وعلى الرغم من أن هذين التحولين حققا نجاحا أوليا، فإنهما احتاجا إلى قوات برية. صحيح أن غزو أفغانستان تطلب نحو 5 آلاف جندي أميركي فقط في البداية، لكن واشنطن وحلفاءها اضطروا لاحقا إلى إرسال أعداد ضخمة للدفاع عن النظام الجديد في مواجهة طالبان التي استعادت زخمها، حتى بلغ عدد القوات الأجنبية ذروته عند نحو 140 ألفا عام 2011. وفي الجوهر، لم تكن أي من الحالتين تغييرا للنظام من السماء.

ناهيك عن أن النجاح النهائي لم يتحقق في أي من الحالتين. فعلى الرغم من حضور واشنطن في أفغانستان لمدة عشرين عاما، سقط النظام الموالي للولايات المتحدة خلال أيام من انسحاب جو بايدن عام 2021 على يد طالبان. أما العراق، ورغم أنه لم يعد إلى حكم “البعث”، فإنه لم يتحول إلى قلعة ديمقراطية موالية للغرب كما كان جورج دبليو بوش يتطلع. صحيح أن ثمة انتخابات تُجرى، ولكن منظمة “فريدوم هاوس” تصنّف العراق كبلد “غير حر” بسبب العنف والترهيب والاحتيال المصاحب لها، فيما تبدو بغداد أقرب إلى طهران منها إلى واشنطن.

ويمكن توجيه اتهامات مماثلة بالإخفاق الطويل الأمد إلى تجربتي ليبيا وصربيا أيضا. فليبيا لا تزال غير مستقرة بعد 15 عاما من إسقاط القذافي. وقد انقسمت البلاد منذ اندلاع حرب أهلية ثانية عام 2014، حيث يسيطر على الشرق قائد حرب غير منتخب، فيما يهيمن على الغرب حكومة علّقت الانتخابات البرلمانية إلى أجل غير مسمّى. أما صربيا فتبدو أفضل حالا نسبيا، لكنها ما تزال “حرة جزئيا” وفق تصنيف “فريدوم هاوس”، كما يبقى انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي وتموضعها النهائي إلى جانب الغرب مسألة غير محسومة، في ظل روابطها التاريخية الوثيقة مع روسيا.
تحدي التاريخ

وفي النهاية، على الرغم من محدودية نجاحات تغيير الأنظمة، يظل احتمال أن يثبت ترمب أنه استثناء قائما. ربما تكون كثافة الضربات الجوية الإسرائيلية والأميركية من الضخامة بحيث تفضي هذه المرة إلى تغيير عبر الجو، ثم تضمن له قدرا من الديمومة. لكن الأدلة المتاحة حاليا، سواء من التاريخ القريب أو من سلوك النظام الإيراني في الآونة الأخيرة، تظل ضئيلة جدا لدعم هذا التصور.
إنه صراع جرى إطلاقه على رهان تغيير النظام، لا على خطة واضحة أو آلية محددة لكيفية تحقيق ذلك. وخلال الأسابيع والأشهر المقبلة، سيتضح ما إذا كان دونالد ترمب قادرا على دحض المشككين ومخالفة ما يوحي به التاريخ.

المجلة


الحرب الأهلية الإيرانية ليست في مصلحة أميركا/ فريد زكريا
قد ترحب إسرائيل بفوضى انهيار النظام. أما الولايات المتحدة وحلفاؤها فلا يملكون ترف ذلك
08 مارس 2026
“تغيير النظام بعزف جاز مرتجل”. بهذه العبارة لخص الباحث البارز في الشأن الإيراني كريم سجادبور استراتيجية إدارة ترمب في الحرب التي شنتها على إيران. وللأسف، ربما كان هذا الوصف أصدق تعبير عن النهج المبعثر والمتقلب والغامض الذي يصدر عن واشنطن في هذه الأيام.

بدأ الرئيس هذه الحرب وهو يحض الإيرانيين على إسقاط حكومتهم. ولعله كان يتصور أن النظام سينهار من فوره. ولما لم يحدث ذلك خلال يوم أو يومين، بدل خطابه، وصار يتحدث عن إمكان التعامل مع شخصيات محتملة من داخل النظام، وراح يمتدح التدخل الأميركي في فنزويلا ويقدمه نموذجا يحتذى، بل وصفه بأنه “مثالي”، لأنه لم ينته، في المحصلة، إلى تغيير النظام، واكتفى باعتقال شخصين فقط.

ونفى وزير الدفاع بيت هيغسيث صراحة أن تكون هذه “حربا لتغيير النظام”، ووافقه في ذلك كبير مساعديه إلبريدج كولبي. وقال الاثنان إن الهدف ينحصر في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، وهي القوات نفسها التي سبق أن قيل إن قسما كبيرا منها “أبيد” في يونيو/حزيران الماضي خلال هجوم جوي استمر 12 يوما وشمل استخدام قاذفات شبحية.

غير أن ترمب عاد، في انعطافة جديدة، إلى التواصل مع قادة كرد في إيران والعراق، واعدا إياهم بالدعم إذا انضموا إلى القتال، لا من أجل إضعاف القوة العسكرية الإيرانية، وإنما للمساهمة في إسقاط الحكومة في طهران، وربما تغيير حدود إيران نفسها. وأعلن ترمب الآن أن لا اتفاق من دون “استسلام غير مشروط” من إيران.

وهكذا لا يلبث الهدف أن يخرج عن كونه تغيير النظام، حتى يعود إليه من جديد.

غير أن أخطر ما في هذه الحرب لا يتمثل في أن بطلها الرئيس يرتجل كعازف ساكسفون، وإنما في أن الدولتين اللتين تخوضانها تتحركان وفق أجندتين منفصلتين، وربما متصادمتين. فبالنسبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تدور هذه الحرب بوضوح حول تدمير الجمهورية الإسلامية. مقرا بأن هذه الحرب تمثل ذروة حلم امتد أربعين عاما. وهو يستثمر هذه الفرصة أيضا لاجتثاث “حزب الله” من جذوره.

وجاءت الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية مركزة ومحكمة التنفيذ ومتسقة مع غايتها. فالضربات الإسرائيلية تستهدف رأس القيادة الإيرانية، وتدمر قواتها العسكرية، وتقصف مجمعات القيادة، بل تطال منشآت الشرطة أيضا. وهي، على ما ذكرت “وول ستريت جورنال”، تمضي بصورة منهجية في تفكيك بنية الدولة القمعية في إيران، بما يترك النظام على شفير الانهيار.

وإذا استمر المسار الحالي، فقد تنجح إسرائيل فعلا في بلوغ هدفها. لكن ذلك سيخلف، على الأرجح، فراغا في السلطة داخل البلاد، وهو فراغ قد يفتح الباب أمام التمرد، ويرجح أكثر انزلاق البلاد إلى حرب أهلية. ولا ينبغي أن يغيب عن البال أن هذا النظام، أيا تكن الجهة التي تسعى إلى انتزاع السلطة منه، سيقاتل دفاعا عن نفسه. وأقرب الأمثلة إلى ذلك سوريا، البلد الذي غرق في حرب أهلية لأكثر من عقد، وسقط فيه مئات الآلاف من القتلى، وشرد منه الملايين.

وإيران، كما كتب توم فريدمان، بلد قابل للانفجار بسهولة. فهي تضم جماعات إثنية متعددة، من كرد وأرمن وأذربيجانيين، ترتبط جميعها بصلات مع دول الجوار. وعاشت هذه الجماعات معا في سلام، غير أن التاريخ يبين، من البلقان إلى العراق، أنه عندما ينهار النظام وينشأ فراغ في السلطة، ينكفئ الناس إلى جماعاتهم الأولية ويفقدون الثقة بغيرهم. ومن هنا تبدأ الحروب الأهلية.

ويغذي حربا كهذه أن الدولة الإيرانية تمتلك عددا هائلا من المقاتلين العقائديين المدججين بالسلاح، ممن سيحاربون أي حكومة أو قوة جديدة. ويقدر عدد عناصر “الحرس الثوري” بنحو 200 ألف، يضاف إليهم جهاز شبه عسكري هو الباسيج يضم مئات الآلاف. ثم هناك القوات المسلحة النظامية، ويقارب عددها 400 ألف.

وكما تلاشى جيش صدام حسين بعد الغزو الأميركي، ثم عاد قسم كبير منه في صورة تمرد مسلح، يمكن أيضا تصور “الحرس الثوري” وهو يقاتل بأزياء مختلفة، سعيا إلى حرمان أي سلطة جديدة من القدرة على إحكام السيطرة على البلاد. وفي ليبيا، بعد أكثر من 14 عاما على سقوط القذافي، لا تزال البلاد تفتقر إلى قوة واحدة تفرض سيطرتها على كامل أراضيها. فهدم الدولة أيسر بكثير من إعادة بنائها.

وبالنسبة إلى إسرائيل، قد يكون هذا مآلا مقبولا. فهو يخلصها من أخطر أعدائها، وإذا ما قاد ذلك إلى الفوضى في إيران، وفي لبنان أيضا، فلن يضيرها ذلك. بل إن الحرب الأهلية السورية حسنت أمن إسرائيل فعليا، لأنها لم تعد تواجه دولة عربية كبرى تكرس نفسها لمحاربتها. لكنّ حربا أهلية في إيران لا تخدم المصلحة الأميركية، ولا مصالح أقرب حلفاء واشنطن العرب، الذين يعتمدون على بقاء المنطقة مستقرة وقابلة للتوقع، حتى يظل تدفق النفط والسلع والأموال والبشر فيها حرا ويسيرا.

وتحتاج واشنطن إلى أن تجد سبيلا يضمن لها تثبيت المكاسب التي حققتها في هذه الحرب، أي إيران منزوع سلاحها ومكسورة أنيابها، من غير أن تدفع البلاد إلى حرب أهلية.

ولا تزال هناك سبل لتعزيز ما تحقق ووضع هذه الحرب على طريق النهاية. وكما جرت العادة، يمكن لقطر أن تؤدي دورا نافعا في الوساطة. لكن الوقت يضيق. فهذه الحرب ستبلغ، عند نقطة ما، عتبة فاصلة لن يعود بعدها في وسع أحد أن يضبط ما يتسرب منها من تداعيات.
Foreign Policy
فورين بوليسي
ينشر بموجب اتفاق مع مجلة “فورين بوليسي”
المجلة


لماذا تصبح دول الخليج ساحة حرب؟/ محمد الرميحي
09 مارس ,2026
منذ اندلاع المواجهة العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى برز سؤال منطقي يتكرر في النقاش العام، لماذا تتحول دول الخليج إلى ساحة للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، رغم أنها ليست طرفاً في الصراع؟
جغرافياً تحيط بإيران سبع دول، تشترك معها بحدود برية في الشرق والشمال والجنوب. بعض تلك الدول يحتضن قواعد عسكرية أمريكية، وبعضها يرتبط باتفاقات دفاعية وأمنية مع الولايات المتحدة، ومع ذلك فإن إيران لا توجه ضرباتها إلى تلك الدول، بل تتجه الصواريخ أو المسيرات نحو مدن ومرافق في دول الخليج العربي حتى أكثر مما يوجه إلى إسرائيل!
التفسير الرسمي الإيراني يكرر أن دول الخليج تستهدف لأنها تحتضن قواعد عسكرية أمريكية، غير أن هذا التفسير لا يصمد كثيراً أمام الفحص العقلاني، فكل هذه الدول أعلنت بوضوح أكثر من مرة، وفي مناسبات متعددة، أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها للهجوم على إيران، كما أن عدداً من الأهداف التي جرى استهدافها في الأسابيع الأخيرة كانت مرافق مدنية بحتة، مطارات مدنية، مباني تجارية، فنادق، أو منشآت اقتصادية لا علاقة لها بالعمل العسكري.
إذاً، يصبح من المشروع البحث عن تفسير آخر يتجاوز السردية العسكرية الإيرانية المباشرة. إحدى النظريات المطروحة تقول، إن إيران تحاول الضغط على دول الخليج كي تضغط بدورها على الولايات المتحدة لوقف العمليات العسكرية، غير أن هذه الفرضية أيضاً تبدو ضعيفة فالولايات المتحدة كونها قوة عظمى لا تحتاج إلى إقناع من دول أخرى حتى تدخل حرباً أو تنسحب منها، حتى لو كانت تلك الدول حليفة لها.
التفسير الأقرب إلى المنطق ربما يكمن في عامل آخر أقل حديثاً في الخطاب السياسي، وهو عامل النموذج، فدول الخليج خلال العقود الأخيرة نجحت في بناء نموذج تنموي لافت في المنطقة. مدن حديثة، اقتصاد متنوع نسبياً، بنية تحتية متقدمة، ومستوى معيشة مرتفع، عملة قوية، علاقات دولية ناجحة وثابتة، مقارنة بكثير من دول الإقليم، وخصوصاً إيران.
هذا النموذج لا يقتصر على الأرقام الاقتصادية، بل يمتد إلى صورة ذهنية لدى المواطن العادي في المنطقة، بما في ذلك المواطن الإيراني الذي ينظر إلى هذا النموذج ويقارن، فمن ينظر إلى مدن مثل دبي أو الدوحة أو الرياض أو المنامة أو الكويت يرى مساراً تنموياً مختلفاً عما تعيشه إيران، التي أنهكتها العقوبات والإنفاق العسكري والتدخلات الإقليمية.
الدليل على إدراك النخبة الإيرانية لهذه المفارقة يمكن العثور عليه في كتابات وتصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين أنفسهم، فقد تساءل وزير الخارجية الإيراني السابق، محمد جواد ظريف، في كتابة (صمود الدبلوماسية) لماذا تنفق إيران مواردها في الخارج بينما تقوم دول الخليج ببناء مشاريع تنموية هائلة داخل بلدانها؟ إذا كانت النخبة الإيرانية تدرك هذا التفاوت، فمن الطبيعي أن يدركه المجتمع الإيراني أيضاً، وهنا يتحول النموذج الخليجي إلى عنصر ضغط معنوي على النظام الإيراني، لأنه يطرح مقارنة صامتة بين مسارين، مسار التنمية والاستثمار في الداخل، ومسار الصراع والتوسع الإقليمي.
من هذا المنظور قد يصبح استهداف بعض المرافق المدنية أو الاقتصادية في الخليج جزءاً من محاولة لإضعاف هذا النموذج أو على الأقل تشويش صورته، فإذا تعذر إيقاف النموذج عن النمو، فقد يكون التفكير هو محاولة إضعافه من الخارج عبر إدخال المنطقة في أجواء عدم استقرار دائم بل وحرب صريحة، لكن التجربة حتى الآن تشير إلى أن الرد الأكثر فعالية على هذا النوع من التحديات ليس بالانجرار إلى الفوضى، بل بالعكس تماماً الاستمرار في البناء فكلما تعمق التعاون الخليجي، وتعزز التكامل الاقتصادي والأمني بين دوله، أصبح النموذج أكثر صلابة في مواجهة محاولات التشويش أو الإضعاف.

إن تحويل الخليج إلى ساحة حرب لا يخدم استقرار المنطقة، لكنه يكشف في الوقت نفسه حقيقة مهمة أن النجاح التنموي نفسه يمكن أن يصبح هدفاً للصراع، ولذلك فإن أفضل رد استراتيجي هو الحفاظ على هذا النجاح وتطويره، لأن قوة النموذج قد تكون في النهاية أقوى من قوة الصواريخ.

*نقلاً عن “البيان”.


الحرب على إيران إسرائيلية ودور تحريضي لنتنياهو
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
09 مارس 2026
شنّت إسرائيل بالتحالف مع الولايات المتحدة، مرةً ثانية خلال أقل من عامٍ، هجوماً واسع النطاق ضد إيران، متخذةً من برنامجها النووي والصاروخي ونفوذها الإقليمي ذريعةً لتحقيق هدفها؛ وهو إسقاط النظام الإيراني. وكانت إسرائيل قد شنّت حربًا على إيران، في يونيو/ حزيران 2025، استغرقت 12 يوماً، شاركت فيها الولايات المتحدة في ضرب المنشآت النووية الإيرانية. وعلى مدى ثلاثة عقود، أدّى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، دوراً مهمّاً في التحريض على إيران، وجعل من ضربها وإسقاط نظامها هدفاً رئيساً في مسيرة حياته السياسية، بما يضمن استمرار احتكار إسرائيل السلاح النووي، ومنع ظهور أيّ قوة إقليمية منافسة لها. وكانت إسرائيل المحرّك الرئيس للجهد الدولي، الأميركي خصوصاً، لعزل إيران وفرض أقصى العقوبات عليها من أجل إضعافها وإرغامها على التخلّي عن مشروعها النووي، وصولاً إلى شنّ حرب عليها.
تاريخ من التحريض على إيران والاستعداد لضربها
أدّى بنيامين نتنياهو دوراً بارزاً في ترويج فكرة أن إيران تمثّل التهديد الوجودي الأكبر لإسرائيل، وكان من أكثر السياسيين الإسرائيليين إلحاحاً في الدعوة إلى مواجهتها. وقد دأب على ذلك منذ بدايات مسيرته الدبلوماسية والسياسية في أوائل الثمانينيات عندما كان يعمل في السفارة الإسرائيلية في واشنطن نائباً لرئيس البعثة (1982-1984) قبل أن يُعيَّن سفيراً لإسرائيل لدى الأمم المتحدة بين عامَي 1984 و1988، وهي الفترة التي بنى فيها شبكة علاقات واسعة داخل الدوائر السياسية والإعلامية الأميركية، وأصبح أحد أبرز المتحدثين الإسرائيليين باللغة الإنكليزية في الغرب. ومنذ تلك المرحلة المبكرة، بدأ يركّز على إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجي الرئيس لإسرائيل، داعياً الولايات المتحدة إلى تبنّي سياسة أكثر تشدّداً نحوها.

ومع صعوده السياسي في التسعينيات، جعل من البرنامج النووي الإيراني القضية المركزية في خطاباته وسياساته، محذراً من السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي. وطوال ثلاثة عقود، ظلَّ يكرّر مزاعم مفادها بأن إيران على بعد سنوات (وأحياناً أشهر) من إنتاج قنبلة نووية. ففي 1992، عندما كان عضواً في الكنيست الإسرائيلي، حذّر من أن إيران تبعد “من ثلاث إلى خمس سنوات” عن امتلاك القدرة على تطوير سلاح نووي. وفي 1993، نشر مقالاً حذّر فيه من خطر المشروع النووي الإيراني على إسرائيل، ومن أنّ إيران تشكّل التهديد الأكثر خطورة عليها، متوقّعاً أن تمتلك قنبلة نووية في 1999. وعندما صار رئيسًا للوزراء، في عام 1996، ألقى خطاباً أمام جلسة مشتركة للكونغرس الأميركي دعا فيه الولايات المتحدة إلى “وقف تسلّح الدول الإرهابية بالأسلحة النووية”، وقال: “الموعد النهائي لتحقيق هذا الهدف يقترب بسرعة كبيرة”. وفي فبراير شباط 2009، عندما كان زعيماً لحزب الليكود، ومرشّحاً لرئاسة الوزراء، قال نتنياهو لوفد من أعضاء الكونغرس الذين كانوا يزورون إسرائيل إن إيران “ربما تبعد سنة أو سنتين فقط” عن امتلاك قدرة نووية عسكرية، ناسباً هذا التقدير إلى “خبراء إسرائيليين” من دون تقديم أدلة أخرى في هذا الشأن. لكنّ المثال الأكثر شهرة في الدلالة على مبالغته في تصوير تهديد إيران النووي كان في سبتمبر/ أيلول 2012، عندما صعد إلى منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة وهو يحمل رسماً كرتونيّاً لقنبلة ذات فتيل مشتعل. حذّر نتنياهو العالم آنذاك من أن إيران تخصّب اليورانيوم بسرعة كبيرة إلى حدّ أنها قد تصبح قادرةً على إنتاج كمية كافية من المواد الانشطارية لصنع جهاز نووي خلال أشهر قليلة. ثم استخدم قلماً ليرسم خطًاً أحمر عبر القنبلة المرسومة، ليحدّد المرحلة من البرنامج النووي التي قال إنه يجب عندها إيقاف إيران. وقال إن إيران قد تنتج سلاحاً نوويّاً عاملاً بحلول الربيع التالي أو “على الأكثر بحلول الصيف المقبل”، وقد مرَّ 14 عاماً على ذلك الخطاب، وظل يتحدّث عن امتلاك إيران الوشيك السلاح النووي.
خلال هذه السنوات، كان نتنياهو يلحّ في الدعوة إلى إزالة البنية التحتية للمشروع النووي الإيراني كليًّا، عبر فرض أقصى العقوبات الاقتصادية على إيران، بما يؤدّي إلى إنهاء مشروعها النووي أو إسقاط نظامها. ورأى أنه إذا ما فشلت العقوبات الدولية في تحقيق ذلك، فإنه يجب استعمال القوة العسكرية لتدمير المشروع الإيراني برمّته. ومن هذا المنطلق، عارض بشدة الاتفاق النووي الإيراني JCPOA الذي أُبرم في يوليو/ تموز 2015، ودخل في صدام علنيٍّ مع إدارة أوباما في هذا الشأن، وقد بلغ الصدام ذروته في خطابه الشهير أمام الكونغرس الأميركي عام 2015، عندما عارض بشدة الاتفاق بين إيران والقوى الكبرى، واعتبره اتفاقاً خطِراً يتيح لإيران أن تصبح قوة نووية. أثار ذلك الخطاب جدلاً كبيراً في الولايات المتحدة؛ لأنه جاء بدعوة من قيادة الحزب الجمهوري في الكونغرس من دون تنسيق مع إدارة الرئيس أوباما. وبعد عقد تقريباً، أكّد نتنياهو، مرةً أخرى، الأمر نفسه في خطاب أمام الكونغرس عام 2024؛ إذ شدّد مجدّداً على أن إيران تمثّل الخطر الرئيس في الشرق الأوسط، وأن المواجهة معها حتمية، بعد أن كان قد أدّى دوراً مهمًّا في قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، المتعلق بالانسحاب من هذا الاتفاق عام 2018.
بالتزامن مع التحريض المستمر ضد إيران، أخذت إسرائيل تُعِدُّ نفسها طوال ثلاثة عقود لشنّ حرب عليها من أجل تدمير مشروعها النووي في الحد الأدنى وإسقاط نظامها في الحد الأقصى. وقد تطلّب ذلك إجراء تغييراتٍ مهمّةٍ في بنية الجيش الإسرائيلي في ضوء التحولات المهمة التي طرأت على وسائل شن الحرب الحديثة. وركزت إسرائيل، خصوصاً، على تحسين قدرات سلاح الجو وتزويده بأحدث الطائرات والمسيرات العسكرية، وطائرات التزويد بالوقود في الجو، وتطوير الأقمار الاصطناعية لأغراض عسكرية، وتحسين أداء الاستخبارات العسكرية والأجهزة الأمنية المختلفة، ومنظومات السايبر والذكاء الاصطناعي؛ ورصدت لذلك الميزانيات الضخمة والكوادر المتخصّصة.
إلى جانب ذلك، بنَت إسرائيل، في العقود الثلاثة الأخيرة، أسطولاً حديثاً، يمكّنها من إنجاز عمليات في أعالي البحار، وقد شمل ذلك تزويد البحرية بستّ غواصات ألمانية الصنع من نوع “دولفين” قادرة على حمل رؤوس نووية، ومن ثمّ تمنح إسرائيل القدرة على توجيه الضربة النووية الثانية. وقد مكّن بناء قوة الجيش الإسرائيلي بهذه الطريقة من أن تصل قدرات قوته الضاربة إلى الدائرة الثانية من الدول التي تبعد عن إسرائيل أكثر من ألف كيلومتر، على نحو يشمل إيران ضمنيًّا.

تهيئة الظروف للهجوم على إيران
استفاد نتنياهو من الظروف الإقليمية والدولية التي نشأت بعد عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لإضعاف إيران وتجريدها من عناصر قوتها، خصوصًا شبكة حلفائها الإقليميين، وصولًا إلى شنّ الحرب عليها. واستغل عودة ترمب إلى الحكم في الولايات المتحدة لتحقيق “حلمٍ قديم” متمثّل في شنّ حرب على إيران في يونيو 2025، استمرت 12 يوماً وجّهت خلالها إسرائيل والولايات المتحدة ضربة شديدة إلى إيران، وخصوصاً منشآتها النووية. وقد تبلورت لدى إسرائيل على مدى سنوات قناعة مفادها بأن النظام الإيراني لن يتخلى بسهولة عن مشروعه النووي، وأن أفضل طريقة لوضع حد لذلك إسقاط النظام الإيراني نفسه. وافترض الساسة الإسرائيليون أن النظام الإيراني ما دام قائمًا فإنه سيسعى، لا محالة، للحصول على السلاح النووي لأسباب عديدة تتعلق برؤيته لمكانة إيران ودورها في المنطقة، فضلًا عن سعي النظام الإيراني لحماية نفسه من التهديدات الخارجية الأميركية أو الإسرائيلية، ويشمل ذلك اعترافاً ضمنيّاً بأنّ السلاح النووي، في هذه الحالة، هو وسيلة ردع. ورأت دراسة نشرها معهد أبحاث الأمن القومي في أعقاب حرب يونيو 2025، أنه ينبغي لإسرائيل اتباع استراتيجية متعددة الجوانب من أجل إسقاط النظام الإيراني، تستند إلى أربعة محاور، هي: أولاً، القضاء على القيادة الإيرانية في بداية أيّ عملية عسكرية، ويشمل ذلك المرشد علي خامنئي وكبار قادة الدولة في المستويين السياسي والعسكري. ورأت الدراسة أن من شأن ذلك زعزعة نظام الحكم الإيراني، وخلق واقع جديد قد يؤدّي إلى إسقاط النظام. ثانياً، إنشاء قنوات تواصل سرية مع عناصر عسكرية وأمنية وسياسية إيرانية، وناشطين في المجتمع المدني وقادة من الأقليات القومية، وتقديم أنواع مختلفة من المساعدة لهم من أجل العمل على إسقاط النظام. ثالثاً، تشجيع المعارضة الإيرانية في الخارج ودعمها، وتهيئتها للعودة إلى إيران، ما إن تندلع مظاهرات واسعة النطاق وتظهر “حالة ثورية” في إيران، ومساعدتها في الوصول إلى السلطة. رابعاً، تقديم المساعدة للأقليات القومية في إيران، ودعم نشاطها وتوجيهه نحو الانفصال لزعزعة النظام الإيراني وإضعافه.
انطلق التنسيق بين إسرائيل والإدارة الأميركية لشنّ الحرب على إيران بعد فترة وجيزة من انتهاء العمليات العسكرية في يونيو 2025. وعلى الرغم من إعلان كل من الرئيس الأميركي ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو عن تحقيق “نصر باهر” في تلك الحرب، فإن إدارة ترامب لم تتمكّن من فرض شروطها على إيران فيما يخص المشروع النووي وبرنامج الصواريخ البالستية، ولا سيما أن كميات كبيرة من اليورانيوم المخصّب بقيت في حوزة إيران من دون أن يُعرف مصيرها على وجه التحديد، وما إذا كان في إمكان إيران استخدامها والوصول إليها. وفي أواخر 2025، بدأت إسرائيل تسرّب معلومات عن نجاح إيران في ترميم منشآت تصنيع الصواريخ البالستية، ومتابعة العمل المتعلق بمشروعها النووي.
وساهمت موجة الاحتجاجات التي اندلعت في إيران في ديسمبر/ كانون الأول- يناير/ كانون الثاني 2026، وقمع السلطات الإيرانية إيّاها، في توفير ذريعة للرئيس الأميركي ترامب لزيادة الضغط على إيران حتى تقبل بشروطه. وقد أدّى رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو دوراً مهمّاً في تشجيع ترمب على شنّ حرب جديدة ضد إيران أثناء زيارته لواشنطن في بداية فبراير 2026. واتفق كلاهما بعد ذلك على أن تبدأ إسرائيل الهجوم بقتل خامنئي ومن معه من القادة الإيرانيين، بعد أن نجحت مخابراتها العسكرية في الحصول على معلوماتٍ عن اجتماعهم مكانيّاً وزمانيّاً؛ ذلك أن الولايات المتحدة لا تستطيع إنجاز ذلك لأن القانون الأميركي لا يجيز اغتيال قادة دول أجنبية. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فيكاد يكون اغتيال قيادات الخصم وسيلة روتينية؛ ما يقرّبها من الخلط بين السياسة والجريمة المنظمة.
أهداف إسرائيل من الحرب
لم تحدّد إسرائيل رسميّاً أن هدف حربها على إيران هو إسقاط النظام فيها. وعلى الرغم من ذلك، تعمل بكل وسيلة لتحقيق هذا الأمر، بالضربات العسكرية التي توجّهها إلى أهداف الحرب الرسمية المرتبطة بالمشروع النووي الإيراني والصواريخ البالستية، وخصوصاً مختلف مؤسّسات النظام الإيراني ومفاصل التأثير فيه أيضاً. ويشمل ذلك قادة النظام السياسيين والعسكريين ومقارّ وقواعد ومؤسسات وقادة لكلٍّ من الجيش والحرس الثوري والباسيج والمخابرات والشرطة، إلى جانب البنى التحتية الاقتصادية والإدارية في الدولة التي يستند إليها النظام في حكمه لإيران. وتسعى إسرائيل إلى استمرار الحرب أطول فترة ممكنة حتى تتمكّن من تحقيق هدفها هذا، كما صرّح بذلك نتنياهو.
ولا يوجد خلاف في إسرائيل بين المستويين السياسي والعسكري بشأن أهداف الحرب، فالجيش الإسرائيلي يؤيد، منذ 7 أكتوبر (2023)، استعمال القوة العسكرية في كل فرصة تلوح أمامه لإضعاف إيران. ولكن المؤسّسة العسكرية تدرك، في الوقت نفسه، أكثر من القيادة السياسية، أن إسقاط النظام الإيراني لن يكون سهلًا، وأنه سوف يتطلب، على الأرجح، حملةً جويةً طويلةً ومكثفة تمتدّ إلى منشآت حيوية وبنية تحتية ذات طابع اقتصادي حيوي يؤثر في معيشة الشعب الإيراني، مثل منشآت النفط والغاز والطاقة ومنظومة شبكة الكهرباء، وهو الأمر الذي ما زالت الإدارة الأميركية تعارضه. فمن شأن هذه الهجمات أن تخرج إنتاج إيران من النفط كليّاً من الأسواق العالمية، فترةً طويلة، حتى لو حقّقت الحملة على إيران أهدافها؛ ما يعني تأثيراً بعيد المدى في أسعار الطاقة في السوق العالمية، وهو ما لا تريده إدارة ترامب.

ولا يقتصر التباين بين إسرائيل وإدارة ترامب على هذه المسألة فحسب؛ إذ ثمة خلافٌ بينهما أيضاً بشأن إسقاط النظام الإيراني. ففي حين تفضّل إدارة ترامب إحداث تغيير من داخل النظام وفي سياساته، مع الحفاظ على بنيته قائمة، حتى لا يحدُث فراغٌ في حكم إيران، ومن ثمّ قد يؤدّي إلى فوضى أو حرب أهلية، تريد إسرائيل إسقاط النظام الإيراني، حتى إنْ أدى هذا إلى هذا الأمر أو ذاك.
من ناحية أخرى، يناقض الرئيس الأميركي ترامب نفسه، وتتعدّد أهداف الحرب بتعدّد المقابلات الصحافية التي يجريها يوميّاً، وأحياناً عدّة مرات في اليوم الواحد، في حين تبدو القيادة الإسرائيلية مثابرة وواضحة وصريحة في أهدافها؛ ما يضاعف تأثيرها في ترامب، وفي عملية صنع القرار الأميركي بشأن إيران.
خاتمة
استغلت إسرائيل الظروف التي نشأت بعد عملية طوفان الأقصى، وعودة الرئيس ترامب إلى الحكم في الولايات المتحدة، لتحقيق نتائج عقودٍ من التحريض والتحضير لضرب إيران والقضاء على برامجها النووية والصاروخية، ومَنْع ظهور أيّ منافس إقليمي لها في المنطقة، على نحو يضمن استمرار احتكار إسرائيل السلاح النووي في الشرق الأوسط، والهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، علمًا أن إسرائيل دمّرت البرنامج النووي العراقي عندما ضربت “مفاعل تموز” (1981)، والبرنامج النووي السوري في الكبر (2007). وبوجود واحدة من أكثر الإدارات الأميركية دعماً لها، تطمح إسرائيل إلى أن تذهب أبعد من ذلك، أي إسقاط النظام الإيراني، وحتى إدخال إيران في حالة من الفوضى، أو الحرب الأهلية، تؤدّي إلى تفكّكها في نهاية المطاف إلى كانتونات أو دويلات إثنية، عبر تحريض مختلف الأقليات التي تمثّل في مجموعها نحو نصف السكان في إيران، ودعم الفئات الانفصالية الأكثر تشدّداً داخلها. وفي وقتٍ يحاول النظام الإيراني فيه مقاومة العدوان والصمود في وجه المخطّطات الإسرائيلية التي تستهدف إسقاطه وتفكيك البلاد، تميل موازين القوى بشدة في غير صالحه، خصوصاً في سياق غياب دولة عظمى تقف إلى جانب إيران وتوفر لها مقوّمات الصمود.


انتهت الحروب بالوكالة… هل يعود الإرهاب؟/ موفّق حرب
2026-03-09
على مدى أكثر من أربعة عقود، شكّلت الحروب بالوكالة إحدى السمات الأكثر ثباتاً في صراعات الشرق الأوسط. بدلاً من المواجهة المباشرة بين الدول، اعتمدت قوى إقليميّة على شبكات من التنظيمات المسلّحة والميليشيات لخوض معاركها وتحقيق أهدافها الاستراتيجيّة. سمح هذا النموذج بإدارة الصراعات من خلف الستار، وخفّف كلفة المواجهة المباشرة بين الدول. لكنّ التطوّرات العسكريّة والتكنولوجيّة والسياسيّة التي تشهدها المنطقة اليوم تطرح سؤالاً متزايد الحضور في دوائر القرار: هل اقترب عصر الحروب بالوكالة من نهايته؟ وما احتمالات عودة الإرهاب العابر للحدود؟

منذ قيام الجمهوريّة الإسلاميّة عام 1979، بنت إيران استراتيجيتها الإقليميّة على هذا النموذج. بدلاً من الدخول في مواجهة تقليديّة مع الولايات المتّحدة أو إسرائيل، استثمرت في بناء شبكة من الحلفاء المسلّحين تمتدّ من لبنان إلى العراق واليمن وغزّة. في هذا الإطار برزت تنظيمات مثل “الحزب” في لبنان، “أنصار الله” في اليمن، إلى جانب فصائل مسلّحة في العراق، وتنظيمات فلسطينيّة مثل الجهاد الإسلاميّ، ودعم حركة حماس.

وفّرت هذه الشبكة لطهران ما يشبه “العمق الاستراتيجيّ المتقدّم”. إذ تسمح لها بفتح جبهات متعدّدة ضدّ خصومها، وممارسة الضغط عليهم من دون الانخراط في حرب تقليديّة شاملة. تمنحها أيضاً هامشاً واسعاً من الإنكار السياسيّ، إذ يمكن دائماً تقديم هذه التنظيمات على أنّها قوى محلّيّة مستقلّة وليست أدوات مباشرة للسياسة الإيرانيّة.

لكنّ المواجهات التي تشهدها المنطقة اليوم تكشف نهاية هذا النموذج. غيّرت التطوّرات التكنولوجيّة في مجالات الاستخبارات العسكريّة والذكاء الاصطناعيّ والقدرات السيبرانيّة طبيعة الحرب الحديثة بشكل جذريّ. أصبح من الممكن تحليل كميّات هائلة من البيانات، تعقّب الاتّصالات، ورصد التحرّكات بدقّة عالية. تقلّص هذه القدرة المساحة التي كانت تتحرّك فيها التنظيمات المسلّحة تحت غطاء الغموض والسرّيّة.
في ظلّ هذه المعادلة الجديدة، تواجه الحروب بالوكالة تحدّياً حقيقيّاً

استراتيجية “ضرب الرّأس”

إلى جانب ذلك، برزت خلال السنوات الأخيرة عقيدة عسكريّة جديدة تقوم على استهداف مراكز القيادة في التنظيمات المسلّحة. تقوم هذه المقاربة، التي يمكن وصفها باستراتيجية “ضرب الرأس”، على توجيه ضربات دقيقة للقيادات العسكريّة والسياسيّة بهدف إرباك البنية التنظيميّة وشلّ قدرتها على اتّخاذ القرار. أصبحت هذه السياسة أكثر وضوحاً في العمليّات التي تستهدف القيادات الميدانيّة في المنطقة، في إطار مقاربة استراتيجيّة يتبنّاها قادة مثل رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركيّ دونالد ترامب تقوم على حسم الصراع عبر استهداف القيادة بدلاً من الانخراط في حروب استنزاف طويلة.

في ظلّ هذه المعادلة الجديدة، تواجه الحروب بالوكالة تحدّياً حقيقيّاً. قد تكون الميليشيات والتنظيمات المسلّحة قادرة على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة وإرباك خصومها، لكنّها تبقى أكثر هشاشة أمام التفوّق التكنولوجيّ والاستخباريّ للدول المتقدّمة عسكريّاً. مع تزايد الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعيّ في تحليل المعلومات وتحديد الأهداف، يصبح من الصعب على هذه التنظيمات الحفاظ على شبكاتها القياديّة واللوجستيّة لفترات طويلة.

غير أنّ تراجع فعّاليّة نموذج “الوكلاء” لا يعني بالضرورة أنّ المنطقة ستدخل مرحلة أكثر استقراراً. يُظهر التاريخ الحديث أنّ تفكّك الشبكات المسلّحة أو تراجع نفوذها قد يفتح الباب أمام تجدّد ظاهرة أخرى أكثر خطورة: الإرهاب العابر للحدود. في لحظات التحوّل الاستراتيجيّ غالباً ما تظهر مجموعات أكثر تطرّفاً وأقلّ ارتباطاً بالدول، تتحرّك خارج الحسابات السياسيّة التقليديّة.

شهد العالم نموذجاً مشابهاً بعد تفكّك بعض شبكات الجهاد في أفغانستان خلال التسعينيّات، فبرز تنظيم “القاعدة” الذي نقل العمليّات الإرهابيّة إلى نطاق عالميّ. بعد سنوات، استغلّ تنظيم “داعش” الفوضى التي أعقبت الحروب في العراق وسوريا ليؤسّس كياناً عابراً للحدود هدّد الأمن الدوليّ لسنوات.
على مدى أكثر من أربعة عقود، شكّلت الحروب بالوكالة إحدى السمات الأكثر ثباتاً في صراعات الشرق الأوسط

صعود شبكات أكثر تطرّفاً

يطرح هذا الاحتمال تحدّياً استراتيجيّاً جديداً أمام المجتمع الدوليّ. إذا كانت الحروب بالوكالة قد وفّرت نوعاً من “الضبط السياسيّ” للصراعات لأنّها كانت مرتبطة بحسابات دول، فإنّ انهيار هذا النموذج قد يؤدّي إلى صعود شبكات أكثر تطرّفاً وأقلّ انضباطاً. في بيئة إقليميّة تعاني من ضعف الدولة والأزمات الاقتصاديّة والانقسامات الطائفيّة، يمكن لمثل هذه التنظيمات أن تجد أرضاً خصبة لإعادة تنظيم نفسها.

الحروب

في الوقت نفسه، قد تجد إيران نفسها مضطرّة إلى إعادة تقويم استراتيجيتها الإقليميّة. إذا أصبح نموذج الوكلاء أقلّ قدرة على تحقيق الردع أو فرض التوازن، فقد تضطرّ طهران إلى البحث عن أدوات جديدة لمواجهة خصومها، سواء عبر تطوير قدراتها التكنولوجيّة والسيبرانيّة، وهي عملية تحتاج إلى وقت طويل غير متوفر أو عبر إعادة صياغة أصولها الإقليميّة.

مرحلة انتقاليّة

إذاً تقف المنطقة أمام مرحلة انتقاليّة. النظام الإقليميّ الذي تشكّل خلال العقود الماضية على أساس الحروب غير المباشرة قد يكون في طريقه إلى التحوّل. إذا كان الشرق الأوسط قد عرف خلال العقود الماضية “حروب الظلّ” التي تديرها شبكات من الوكلاء، فقد تشهد المرحلة المقبلة نمطاً مختلفاً من الصراعات يجمع بين المواجهات المباشرة بين الدول وبين تهديدات أمنيّة عابرة للحدود.

إنّ الحروب بالوكالة، مع قدرتها على إطالة أمد الصراعات، لم تعد تضمن تحقيق النصر السياسيّ. مع الثورة التكنولوجيّة التي تعيد تشكيل طبيعة الحرب، يبدو أنّ الشرق الأوسط يقف على أعتاب نهاية مرحلة طويلة من الصراعات غير المباشرة.

إقرأ أيضاً: التكنولوجيا تنتصر على الأيديولوجيا..

لكنّ السؤال الذي سيحدّد شكل المنطقة في السنوات المقبلة لا يتعلّق فقط بمن سينتصر في الحرب الحاليّة، بل بما إذا كان نموذج الحروب بالوكالة الذي حكم الشرق الأوسط لعقود قد انتهى فعلاً، وما إذا كان العالم مستعدّاً للتعامل مع المرحلة الأكثر تعقيداً التي قد تأتي بعده.

أساس ميديا


لماذا يريد ترمب استسلاما إيرانيا كاملا غير مشروط؟ إجابات من واشنطن/ محمد المنشاوي
واشنطن- كرَّر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التأكيد أنه لن يتم التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران دون “استسلام كامل غير مشروط” من طهران. وقال ترمب “بعد ذلك، وبعد اختيار قائد عظيم ومقبول، سنعمل نحن والعديد من حلفائنا وشركائنا الشجعان والرائعين بلا كلل لإعادة إيران من حافة الدمار. سيكون لإيران مستقبل عظيم”.

ويدعم كثير من مؤيدي الحرب على إيران -في جهات معروف عنها تبنّي المواقف الإسرائيلية مثل خبراء مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات- دعوة ترمب، ويرونها منطقية في مطالبته إيران بالاستسلام الكامل.

ويرى هذا التيار أن واشنطن غير مهتمة بتحقيق نصف انتصار، والمخاطرة بترك الحرس الثوري أو غيره من المتشددين في النظام الإيراني في السيطرة مقابل تنازلات ربما كانت مقبولة لو عرضتها إيران قبل الحرب. ويحذّر هذا التيار كذلك من وقوع حرب جديدة لاحقا مع إيران إذا انتهت الحرب الجارية حاليا دون استسلام كامل.

وفي مشاركة على موقع مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، قال الباحث بالمؤسسة إدموند فيتون براون إنه لن يكون ممكنا فرض هذا الاستسلام دون التزام عسكري أمريكي أوسع، لكنْ يمكن تحقيقه من خلال تغيير النظام.

لكنَّ بعض الخبراء ممن تحدث إليهم “الجزيرة نت” رأوا أن دعوة ترمب تدخل ضمن آلية التصريحات التي لم تتوقف منذ بدء الهجمات على إيران، والتي كرَّر فيها مطالب وتهديدات عدة لخدمة أهداف قد تبدو متناقضة أحيانا، وبها يمنح نفسه حرية الحركة بتحديد موعد وقف القتال أو إعلان الانتصار.

وقال أستاذ التاريخ بكلية ماكسويل للمواطنة والشؤون العامة بجامعة سيراكيوز في نيويورك، البروفيسور أسامة خليل، إن “مطالبة ترمب إيران بالاستسلام غير المشروط هي طريقة لتشتيت انتباه الأمريكيين عن واقع الصراع”.

وأضاف خليل أن ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “أطلقا حربا اختيارية معتقدَين أن إستراتيجيتهما لقطع الرأس ستُجبر إيران على الاستسلام وانهيار الجيش والحكومة الإيرانية. وبدلا من ذلك، أدى رد طهران إلى تقليص إمدادات الطاقة من الخليج العربي بشكل كبير وتهديد الاقتصاد العالمي”.

وفي السياق، وصف خبير الشؤون الدولية بمعهد بيكر في جامعة رايس بولاية تكساس، كريستيان كوتس أولريتشسن، في حديثه للجزيرة نت، دعوة ترمب إيران للاستسلام بأنها “أحدث تحوُّل في سجل بيان أهدافه، وهو ما يضيف مزيدا من عدم اليقين بشأن الهدف النهائي الأمريكي للصراع مع إيران”.
المصدر: وكالة تسنيم الإيرانية آثار هجوم الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على مستشفى غاندي استهدفت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني مستشفى غاندي في طهران في عملٍ يُوصف بأنه جريمة حرب. شاهدوا تقرير وكالة تسنيم المصور هنا.
آثار القصف الأمريكي الإسرائيلي على مستشفى غاندي في طهران (وكالة تسنيم)
بين الاستسلام والانتصار

ومنذ عام 1979، أصبح العداء لإيران نوعا من المسلَّمات في دوائر صناع القرار الأمريكي، بغضّ النظر عن الانتماءات الحزبية، إذ لا يختلف الديمقراطيون عن الجمهوريين إستراتيجيا في العداء لإيران بعد نجاح ثورتها الإسلامية. وينظر ترمب إلى هذا الإرث من زاوية واحدة، هي أن 7 رؤساء أمريكيين سابقين تعاملوا مع إيران بوصفها تهديدا، وعملوا فقط على إدارة الصراع دون حسمه.

ويعتمد ترمب على إطار فكرى غلَّف به تحركه نحو الحرب على إيران، رغم تعهده بعدم شن أي حروب خارجية خاصة في الشرق الأوسط خلال حملاته الانتخابية الثلاث.

ويؤمن هذا التيار الفكري بضرورة حسم الصراعات بصورة نهائية. وينطلق منطقه بذلك من رؤية تاريخية لنزاعات القرن العشرين، مفادها أن أي صراعات حُسمت بانتصارات واضحة وصريحة، وباعتراف كل أطرافها، نجحت في تحقيق السلام لاحقا.

ويستشهد هذا التيار بحالة الهزيمة الكاملة لألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية، إذ نعمت الدولتان بالسلام بعد اعترافهما بالهزيمة الكاملة واستسلامهما للمنتصرين. كما يستشهدون بحرب فيتنام، حيث هُزمت الولايات المتحدة وحلفاؤها الجنوبيون، وحقق الشمال انتصارا ساحقا أدى إلى توحيد فيتنام، وهو ما سمح لاحقا بقيام علاقات جيدة بين واشنطن وهانوي.

في حين شكَّك المسؤول السابق بالبيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية تشارلز دان في هذا الطرح، وقال إنه “ينبع من جهل بالتاريخ وتفاصيل الموقف العسكري الأمريكي”.

وأوضح للجزيرة نت أن “ما قاله ترمب سمعته آخر مرة مع اليابانيين قبل إسقاط قنبلة ذرية على هيروشيما. وبعد الاستسلام غير المشروط لليابانيين، قاد الجنرال دوغلاس ماك آرثر احتلالا استمر سنوات، تضمَّن إعادة هيكلة كاملة لنظام اليابان السياسي، وهو أمر لا تستطيع أمريكا القيام به حاليا في إيران”.

من ناحية أخرى، لا يقتصر إيمان هذا التيار -المتغلغل في الدوائر المسيحية الصهيونية وفى إدارة ترمب الحالية- على حالات الاستسلام، إذ يرى أن الصراعات التي لم تُحسم بهزيمة واضحة واعتراف كامل بالهزيمة لم يتحقق فيها سلام حقيقي.

وهنا، يستشهدون بالحالات التي لم يتحقق فيها انتصار كامل مثل الحرب الكورية (1950-1953) التي انتهت بهدنة فقط، رغم سقوط ملايين الضحايا، مما أبقى النزاع مستمرا حتى اليوم.

وبالمنطق نفسه، يرى مفكرو المسيحية الصهيونية أن عدم حسم إسرائيل انتصاراتها العسكرية، وعدم دفع الفلسطينيين والعرب إلى الاعتراف الكامل وغير المشروط بالهزيمة، هو ما يجعل الصراع مستمرا حتى اليوم. من هنا تدّعي سردية الرئيس ترمب إمكانية تحقيق السلام مع إيران فقط بعد استسلامها الكامل وغير المشروط.

“ترمب لا يفهم إيران”

ورغم مقتل مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي فإن سلطة النظام موزعة بشكل غير مركزي بين المؤسسات العسكرية ورجال الدين ومجموعة متنوعة من المؤسسات السياسية الأخرى، وهو ما مكَّن النظام من الصمود حتى الآن.
إعلان

وفي حديث للجزيرة نت، قال نائب وزير الخارجية الأمريكي السابق لشؤون الشرق الأوسط، والخبير حاليا بالمجلس الأطلسي، السفير ديفيد ماك إن “ترمب لا يفهم إيران وتاريخها الذي يمتد لآلاف السنين. لدى طهران طرق لامتصاص العدوان والاستفادة القصوى منه”.

وفي السياق، وطبقا لصحيفة واشنطن بوست، فقد كشف تقرير سري صادر عن المجلس الوطني للاستخبارات، وهو الجهة المركزية لوكالات الاستخبارات الأمريكية الـ18، أن هجوما واسع النطاق على إيران لن يؤدي إلى الإطاحة بمؤسستها العسكرية والإدارية المتجذرة.

واستعرض التقرير سيناريوهات ناتجة عن حملة عسكرية أمريكية قصيرة أو ممتدة. وفي كلتا الحالتين، خلص إلى أن المؤسسة الدينية والعسكرية ستتمكن من الحفاظ على استمرارية السلطة.

في حين أشار البروفيسور أسامة خليل إلى أنه “من غير المرجَّح تحقيق الاستسلام غير المشروط دون غزو بري واسع النطاق لإيران، وهو ما لا يحظى بدعم شعبي، وسيكون من الصعب نجاحه مع جغرافية إيران، وحجم قواتها العسكرية وشبه العسكرية”.

وأضاف “بينما قد يتفاخر ترمب ونتنياهو علنا بأنهما ينتصران في الصراع، فإن أفضل ما يمكن أن يأملاه الآن هو نصر باهظ الثمن يترك دمارا اقتصاديا وسياسيا خلفه”.

وعلَّقت الخبيرة بالشؤون الإيرانية في معهد ستيمسون بواشنطن، باربرا سلافين، للجزيرة نت على طلب ترمب إيران بالاستسلام قائلة “إنه يريد الظهور قائدا قويا حاسما. أستطيع أن أعدك بأنه سيقبل بأقل من ذلك من الإيرانيين”.
المصدر: الجزيرة


حرب الأخطاء المتبادلة/ سامح راشد
09 مارس 2026
لم يعد محلَّ شكٍّ أن الحرب الجارية بين واشنطن وطهران مخطّطٌ لها ومتعمَّدة من الولايات المتحدة، بعد أن أخذ الأميركيون يردّدون أن المفاوضات غير مجدية بسبب تعنّت إيران ورفضها التوصّل إلى اتفاق، وهو ما نفاه ضمناً وزير خارجية عُمان بعد ساعات من بدء الهجوم الإسرائيلي الأميركي، بقوله إن طهران كانت قد قبلت أهم مطالب واشنطن… وقد بادرت طهران فور التعرّض للهجوم إلى إطلاق عشرات الصواريخ والمسيّرات لقصف قواعد عسكرية أميركية ومواقع مدنية ومنشآت حيوية في دول الخليج، ثم استهداف منشآت استراتيجية وأهداف عسكرية مهمة في قلب إسرائيل.
أوحى هذا التسلسل بأن واشنطن وطهران تعلمان جيّداً ما تفعلان، وأن مسار المعركة يطابق السيناريوهات المرسومة بدقّة للهجوم والدفاع، لكنّ واقع الأمر ينطق بغير ذلك؛ فمواقف الطرفين وتحرّكاتهما اختلفت عما كانت قبل عشرة أيام مع بدء الحرب، في إشارة واضحة إلى أن الحسابات المسبقة لم تكن دقيقة، كما بدت ظاهرياً، أو كما ادّعى الطرفان.
فبعد أسبوع من بدء هجوم “الغضب الملحمي”، توالت تسريبات غربية عن عجز في الذخائر المستخدَمة في الهجمات الإسرائيلية الأميركية. واضطرّ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى الاعتراف بمشاوراتٍ أجراها مع أكبر شركات التصنيع العسكري الأميركية لسدّ ذلك العجز في أسرع وقت ممكن. وبعيداً من التفاصيل اللوجستية والتقديرات العسكرية المتعلّقة بهذه المسألة، ثمة دلالة عميقة بشأن التوقيتات المقدّرة لتلك الحرب. فمعنى نفاد الذخيرة المستخدَمة في حرب جارية بالفعل، أن المدى الزمني الذي كان مقدّراً للعمليات أقلّ كثيراً من الواقع الفعلي.
ويعضد هذا التحليل تدشين العمليات العسكرية باغتيال المرشد علي خامنئي، أي إطاحة رأس النظام الإيراني، برمزيّته الدينية والسياسية الرفيعة، ظنّاً أن “قطع الرأس” سيجعل النظام ينهار فتنتهي الحرب سريعاً في غضون أيام. وبالفعل، بادر ترامب في اليومين الأولين للحرب إلى مطالبة الشعب الإيراني بالخروج وإسقاط نظام الحكم في طهران، قبل أن يستدرك البيتُ الأبيض الموقفَ بإعلان أن مفهوم تغيير النظام المقصود ينصرف إلى تغيير “السلوك”. وتكرّر التراجع أيضاً بشأن المدى الزمني للحرب، فتعدّدت التقديرات في الخطاب الأميركي الرسمي (والإسرائيلي أيضاً) من أيام وأسابيع إلى شهور.
لم تقتصر التراجعات على الجانب الأميركي الإسرائيلي فقط؛ فإيران أيضاً سارعت فور بدء الهجوم عليها في 28 من الشهر الماضي (فبراير/ شباط) إلى ضرب أهداف مهمة في خمس من دول الخليج العربية، قبل أن تضمَّ سلطنة عُمان أيضاً إلى دائرة الاستهداف. ثم في مساء الخميس الماضي، قدّمت طهران اعتذاراً علنياً بلسان الرئيس مسعود بزشكيان، الذي أكّد ألّا عداوة بين بلاده ودول الخليج.
ولأن الاعتذار في الثقافة الإيرانية أمر صعب، ففي تلك الخطوة إشارة واضحة إلى مدى التهوّر في إقدام طهران على ضرب أهداف داخل دول مجلس التعاون الخليجي، بخاصّة أن القصف لم يقتصر على مصالح أميركية كما ادّعت إيران حينها، وإنما امتدّ إلى أهداف ومنشآت محض خليجية، بعضها مدني.
من المعتاد أنْ تشهد الحروب تغييرات عملياتية، لكن ما يجري في الحرب حالياً ليس مجرّد تعديل جزئي أو خداع تكتيكي للخصم، وإنما تراجعات حقيقية عن تقديرات خاطئة وخطوات متسرّعة جاءت بنتائج عكسية، لكن هذا لا يعني تراجع إسرائيل وانسحاب واشنطن أو استسلاماً كاملاً من طهران؛ بل على العكس، الأرجح أن يسعى كلُّ طرف إلى استغلال أخطاء الآخر وتراجعاته. والنتيجة مزيد من التصعيد المتبادل والهروب إلى الأمام من الجانبَين، لتستمرّ الحرب على وقع أخطاء الجانبَين، وإنْ بوتيرة أبطأ واندفاع أقلّ.

العربي الجديد


متى تصل الحملة الجوية إلى لحظتها الحرجة؟/ بورناكا إل. دي سيلفا
عند النظر إلى الوضع العملياتي والحسابات العسكرية، فإن الحملة الجوية والبحرية الأمريكية الداعمة لإسرائيل ضد إيران لا تفقد مبررات استمرارها بارتهانها لتقلبات الرأي العام، ولكنها قد تصل إلى طريق مسدود وعجز تام، حين يصل معدل الاستنزاف مداه، وتصبح قدرات التعويض والإمداد لا تفي بمتطلبات العمليات، وحين ينجح الخصم في فرض قيود صارمة لا تجعل الوصول إلى الأهداف متاحا.

أضف إلى ذلك المؤشر اضطرار القوات لتبني تكتيكات توزيعية معقدة وآليات مراوغة من أجل الحماية، هذه المناورات حينما تطغى، فإنها تستنزف كفاءة الطلعات الجوية، وتعيق بلوغ الأهداف الإستراتيجية؛ مما يفرض على المهمة العمل تحت سيف الوقت، لتقويض مفاصل القدرات الهجومية الإيرانية، قبل أن تنفد مخازن الصواريخ الاعتراضية الأمريكية والإسرائيلية.

المنطق العسكري العملي للصراع الجاري (مؤشرات قابلة للرصد):

يستوجب التحليل الرصين مقاربة هذه الحملة بوصفها صراعا محتدما بين ثلاثة منحنيات إستراتيجية:

أولها، القدرة الضاربة للتحالف الأمريكي-الإسرائيلي بما تشمله من كثافة الطلعات وتدفق الذخائر والدقة الاستخباراتية.
وثانيها، قوة الردع المقابلة لإيران المرتكزة على ترسانة الصواريخ الفرط صوتية والمسيرات المتنوعة، وتكتيكات الإغراق الصاروخي.
وثالثها، معدل استهلاك الوسائل الدفاعية واللوجيستية، من منظومات "ثاد" و"آرو-3″ والاعتراض الصاروخي، إلى إجهاد طائرات التزود بالوقود، فالعمليات العسكرية تأخذ في التراجع حين تعجز القدرات الهجومية التي تقوم بها الولايات المتحدة وإسرائيل عن تقويض زخم الرد الإيراني، وكذلك عندما يضعف مخزون الدفاعات الجوية، وما يفرضه ذلك من قيود خانقة على استمرار العمليات.

ما هي الاستجابة التي تفرضها وتيرة العمليات؟

تدفع هذه الديناميكيات واشنطن عادة نحو مسار من ثلاثة مسارات عسكرية معروفة:

المسار الأول، "التصعيد للإنهاء": زيادة حادة وقصيرة في وتيرة الضربات لتحقيق الأهداف قبل أن تصبح قيود الدفاع والوصول ملزمة.
المسار الثاني، "الدفاع والإدارة": وإعطاء الأولوية للدفاع عن القواعد، والأمن البحري، والضربات الانتقائية.
المسار الثالث، "التقليص والتفاوض": استخدام إنجاز معلن (مثل "تدمير قدرات صاروخية")؛ لتبرير خفض الضربات، بالتزامن مع قنوات سرية لـ "حفظ ماء الوجه".

ما الذي يجب مراقبته في واشنطن؟

تتعاظم مؤشرات التصعيد الميداني عندما يميل الخطاب الرسمي إلى تحديد جدول زمني مفتوح للعمليات، ويتحدث عن أهداف إستراتيجية موسعة، ويقترن ذلك بتحركات لوجيستية ملموسة على مسرح الحرب، وسردية سياسية تعلن بوضوح عن “مرحلة تالية” حاسمة. فكل ذلك يعكس نية مبيّتة لرفع وتيرة الصراع وتجاوز كوابح الاستنزاف الراهنة

أما احتمالات الجنوح نحو التهدئة فإنها تتزايد حين تتبدل السردية الرسمية لتقنع بتعريف براغماتي ومحدود لـ”النجاح”- كالاكتفاء بإضعاف قدرات عسكرية نوعية- نأيا عن الطموحات الجوفاء بـ”تغيير النظام”، ويواكب ذلك ارتدادٌ إستراتيجي نحو تحصين الوضعية الدفاعية، بالتوازي مع تصاعد وتيرة النقاشات العلنية حول نضوب مخزونات الاعتراض الصاروخي.

وما تزايد التسريبات التي تشي بغياب الانسجام الداخلي والافتقار إلى “إستراتيجية خروج” واضحة- وهو ما جهر به عدة أعضاء في مجلس الشيوخ- إلا انعكاس لمأزق عملياتي يبحث عن مخرج سياسي مشرّف.

هدف تغيير النظام

وهنا تُجمع الخلاصات العسكرية-الإستراتيجية على أن “تغيير النظام” ليس نتاجا حتميا أو تلقائيا لهيمنة القوة الجوية والبحرية؛ فقصارى ما تبلغه هذه القوة هو إنزال العقاب، وتقويض قدرات نوعية، وتعطيل مفاصل الحوكمة.

لكنها تظل عاجزة عن هندسة نظام سياسي بديل وضمان ديمومته- كما في نموذج رضا بهلوي- ما لم يتوفر بديل وطني قابل للحياة، وتُبسط سيطرة أمنية ناجزة على الأرض، وتصاغ خطة حوكمة لما بعد الصراع تحظى بشرعية ودعم شعبي يقيها ارتدادات الرفض والمقاومة.

رغم ما تحمله تحليلات اغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي من دلالات رمزية وميدانية، فإن إستراتيجية “قطع الرأس” لا تُفضي بالضرورة إلى انهيار وشيك.

وهي بقدر ما تُحدث من ارتباك مؤقت، بقدر ما تحفز تكتلا فوريا للنخبة حول الأجهزة الأمنية المتنفذة، وتشعل جذوة تعبئة وطنية وشعبية عارمة؛ وما ينجم عن ذلك من صراع محتدم على الشرعية يؤول في الغالب إلى مضاعفة زخم الرد وتكثيفه عوضا عن إنهائه، في ارتداد عكسي يعقّد مسارات الخروج ويطيل أمد المواجهة.

إن تحول “تغيير النظام” من مجرد شعار تعبوي إلى هدف إستراتيجي نافذ يستدعي بالضرورة رصد تحركات سياسية وميدانية موازية لا يمكن مواراتها؛ إذ يقتضي الأمر بزوغ هيكل حوكمة بديل يحظى باعتراف دولي كسلطة انتقالية، ويقترن ببلورة مفهوم ناجز للسيطرة الأمنية يضمن نشر قوات استقرار وتأمين ممرات محمية، فضلا عن إدارة تحالف إقليمي وثيق يوفر القواعد العسكرية والتمويل اللازم والغطاء السياسي الشامل لخطة الانتقال.

في ظل غياب الركائز العملية لهذا الانتقال، يبقى خطاب “تغيير النظام” مجرد أداة للضغط النفسي تلوّح بها واشنطن وتل أبيب لاسترضاء “الصقور” محليا، لا خطة إستراتيجية قابلة للنفاذ.
إعلان

وما تضارب الروايات الصادرة عن البيت الأبيض وتصريحات أعضاء مجلس الشيوخ حول “انعدام الانسجام” وغياب “خطة النهاية” إلا برهان على أن هذا الخطاب ليس سوى “مظلة بلاغية” تتيح مرونة تكتيكية آنية مع إرجاء الاستحقاقات السياسية الحاسمة، وهو نهج وإن بدا مريحا في حسابات السياسة الداخلية، إلا أنه يمثل عاملا لزعزعة الاستقرار الإستراتيجي بفتحه آفاقا للمواجهة دون غايات معلومة.

من مفارقات المشهد أن حالة الارتباك، وغياب الانسجام في السياسة الأمريكية قد يفتحان ثغرة غير متوقعة لخفض التصعيد، لا سيما مع اشتداد القيود العملياتية وبحث واشنطن عن مخرج دبلوماسي يحفظ ماء وجهها.

غير أن هذه الفرصة تصطدم بواقعية إيرانية مغايرة في أعقاب إستراتيجية “قطع الرأس”، حيث تندفع طهران نحو ردود انتقامية تستهدف إلحاق أقصى درجات الدمار بالأصول العسكرية والبنى التحتية الحيوية- من موانئ ومحطات تحلية ومنشآت طاقة، وصولا إلى خنق الممرات الملاحية في مضيقي هرمز وباب المندب- في سعي محموم لإثبات القدرة على البقاء، وإعادة ترميم معادلات الردع المتآكلة.

ما يمكن لترمب ونتنياهو قبوله:

تتبلور إمكانية وقف التصعيد حين تشعر طهران، أن نتائج عملياتها أدت إلى استعادة الردع، بمعنى أن تفرض تكاليف باهظة على الخصم، وانتزاع ضمانات- ولو ضمنية- تحصن قياداتها من الاغتيالات المستقبلية، مع فتح أفق لتخفيف العقوبات.

وفي المقابل، ستضطر واشنطن وتل أبيب للقبول بوقف العمليات متى ما استطاعتا تسويق “إنجاز عسكري ملموس” يضمن حماية القوات والشركاء ويُحكم السيطرة على الرواية الداخلية بأن الأهداف الإستراتيجية قد أُنجزت دون الرضوخ لتنازلات تحت وطأة الضغط.

ولعل “صيغة التجسير” الأكثر واقعية تكمن في تسلسل ضمني لخطوات متبادلة، تبدأ بتهدئة مؤقتة وتضييق لنطاق الأهداف، وصولا إلى إجراءات سلامة بحرية برعاية طرف ثالث، تضمن خروجا متدرجا يحفظ كرامة كافة الأطراف.

بناءً على ما سبق، يتمثل المؤشر الإستراتيجي الأوضح على بلوغ العملية العسكرية نقطتها الحرجة في اللحظة التي تبدأ فيها المخزونات الدفاعية والقدرات اللوجيستية الأمريكية بالتراجع، وهي المرحلة التي يصبح عندها من الصعب مواصلة العمليات العسكرية.

فحين يطغى هاجس الاستنزاف الصاروخي واللوجيستي على الاندفاعة الهجومية، ويُجبر التحالف على الانكفاء نحو وضعية دفاعية قسرية قبل استكمال غاياته المعلنة، نكون بصدد انكسار للزخم العملياتي يفرض بالضرورة التحول من منطق الحسم العسكري، إلى مسارات التفاوض والتهدئة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
أستاذ منتدب في كلية الدبلوماسية والعلاقات الدولية بجامعة سيتون هول (الولايات المتحدة)
ومدير معهد الدراسات الإستراتيجية والديمقراطية (ISSD) في مالطا.
الجزيرة


حرب تغيير الملامح/ غسان شربل
9 مارس 2026 م
مشهدانِ قديمانِ يساعدانِ في فهم الحاضر. الأول حينَ أمرَ الخميني بعد انتصار الثورةِ بنزع العلمِ الإسرائيلي عن سفارةِ الدولةِ العبرية في طهران ورفعِ العلم الفلسطيني مكانَه. غيّر ملامحَ علاقةِ بلاده بالموضوع الأصعبِ في الشرق الأوسط. والثاني حينَ شاهدَ العالمُ أميركيين يتحوَّلون رهائنَ في سفارة بلادِهم في طهران. طالت أزمةُ الرهائنِ الأميركيينَ وغيَّرت ملامحَ لغةِ التخاطبِ بين طهران وواشنطن. ولم تكنِ المشاعرُ والتوجهات سراً. الدستور الإيراني نفسُه ينصُّ على تصدير الثورةِ ونصرةِ المستضعفين والهتافات تدعو إلى إزالةِ إسرائيلَ من الوجود وطرد «الشيطان الأكبر» الأميركي من الإقليم.

لم يكن انتصار الثورة الخمينية حدثاً عادياً. ثورةٌ وُلدت من خارج قاموسِ عالم المعسكرين في دولة تمتلك طاقاتٍ جديةً وتقع عند مفترقِ طرق ومضائقَ وثرواتٍ وممرات. وتقول التجاربُ إنَّ الانتصارات الساحقةَ ضد أنظمة من قماشة نظام الشاه تعطي أصحابَها جرعةً غير عادية من الغرور وشراهةِ الطموحات. وهذا ما حصل. وقع المنتصرونَ في فخّ التَّطلع إلى تغيير ملامحِ الشرق الأوسط وبينهم من ذهبَ أبعد.

شعر صدام حسين بالقلق. لم يخفِ الخميني عزمَه على إلحاق «نظام البعث الكافر» بنظام آل بهلوي. خافَ صدام من الوقت، أي أن يضطر إلى مقاتلةِ حلفاءِ إيران في شوارعِ بغدادَ ففضَّل الذهابَ إلى المسرح الأم، أي الأرض الإيرانية. والحقيقة أنَّ الحربَ العراقية – الإيرانية أرجأت عملية تغيير ملامح النظام العراقي إلى القرن الحالي.

لم تدفعِ الحربُ مع العراق إيرانَ الخمينية إلى التنازل عن مشروع تغيير ملامح المنطقة أو دول فيها خصوصاً تلك التي توفّر تركيبتها تسهيلاتٍ مذهبية. على دوي الغزو الإسرائيلي للبنان في 1982 وُلد «حزب الله» برعايةٍ إيرانيةٍ وتسهيلٍ سوري. وثمةَ من يعتقد أنَّ حافظ الأسد الذي أورد أسباباً كثيرة لموقفه لم يغادر رغبةَ الأقلية في تصفية حساباتِها مع الأكثرية السّنية في الإقليم.

مشهدٌ ثالثٌ يساعد على فهم الحاضر. انغمسَ انتحاريٌّ ملقب بـ«أبو زينب» بشاحنةٍ مفخخةٍ في مقر «المارينز» في بيروت. قرَّرت واشنطن سحبَ جنودها المشاركين في القوةِ المتعددة الجنسية إلى البحر تمهيداً للرحيل نهائياً. وقع لبنانُ مجدداً في يد دمشقَ الأسد وطهرانَ الخميني.

وقدَّم الأسدُ الأب هديةً ذهبيةً لـ«حزب الله» وإيرانَ حين شنَّت أجهزته في لبنان، أو سهّلت، حملة اغتيالات ضد «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» لوضعِ جبهة جنوب لبنانَ في يد «حزب الله» وحدَه.

على دوي الاشتباكاتِ مع إسرائيل ترسَّخ حضور «حزب الله» في المعادلة اللبنانية وصولاً إلى إمساك القرار فيها. وفي موازاة ذلك تصاعد النفوذ الإيراني على ضفة المتوسط وازدادَ رسوخاً بعد انتقال سوريا إلى عهدِ الأسد الثاني. في القرن الحالي تسارعت عملياتُ تغيير الملامح في لبنان. انسحبت إسرائيلُ من جنوب لبنانَ بلا مكاسب. واقتلع الجيشُ الأميركيُّ نظام صدام حسين. وجاءَ اغتيال رفيقِ الحريري ليعمّقَ تغييرَ الملامح. نجحت معركةُ تغيير الملامحِ في لبنانَ وكانت حرب 2006 مع إسرائيل من أدوات تعديل التوازن الذي قامَ بعد اغتيال الحريري. بعدها أمسك «حزب الله» بالمفاتيح وصارَ صاحب الكلمةِ الفصل في «تعيين» رؤساء الجمهورية والحكومات.

معركةُ تغيير الملامح كانت كبيرة وحاسمة في العراق. حضرت الفصائل المؤيدة لإيران في مجلسِ الحكم والحكومات وتولَّى الجنرال قاسم سليماني عمليةَ زعزعةِ استقرار النّظام الذي شيَّده الأميركيون بافتقارٍ فادح إلى الخبرة. أدارَ سليماني لعبةَ تفكيك تحالفات وشطب عقبات وزراعة عبوّات عجَّلت بتصديع النّظام الجديد ومضاعفة حضور طهرانَ في قراره. وحين أطلَّ تنظيم «داعش» نجح سليماني في تحويلِ فتوى السيستاني غطاءً لولادة «الحشد الشعبي» وجعلِه مؤسسةً أمنيةً رسميةً. تغيَّرت ملامحُ العراق والدليل أنَّ فصائلَ عراقية انخرطت في ممارساتٍ عسكرية في الحرب الدائرة حالياً.

كانَ عهدُ علي خامنئي الطويلُ عهدَ تغيير الملامح. راهنَ المرشدُ الأعلى على رجلين قريبين من قلبه وعقله وهما قاسم سليماني وحسن نصر الله. في عهد خامنئي تغيَّرت ملامحُ اليمن وبلغت حدَّ شطبِ الرئيس علي عبد الله صالح. وتغيّر أيضاً المسارُ الفلسطيني بعدما شجَّعت طهرانُ العمليات الانتحاريةَ بعد توقيع اتفاق أوسلو وصولاً إلى تعميم سياسةِ الأنفاق وتصدير الصّواريخ والمسيرات.

كانَ قاسم سليماني يعمل جاهداً لقطع «الخيط الأميركي» الذي يعتبره عائقاً أمام توسيعِ عمليةِ تغييرِ ملامحِ المنطقة. تباهَى جنرالات «الحرس الثوري» بتغيير الملامحِ في أربعِ عواصمَ عربية. وحلمَ سليماني بالإطباقِ على إسرائيلَ بمطرٍ من الصّواريخ المنطلقة من خرائطَ عدة. لا يمكن فهم ما أقدمَ عليه يحيى السنوار إلا بالعودةِ إلى برنامجِ سليماني الذي عاقبه دونالد ترمب وأمرَ بقتلِه في بغداد.

هل كانت طهرانُ وراء «طوفان السنوار» ولو أخفَى موعد انطلاقه؟ هل أساءت تقديرَ قوةِ إسرائيلَ وأميركا؟ واضح أنَّ بنيامين نتنياهو حاول تحويلَ «الطوفان» إلى فرصةٍ تاريخيةٍ لتغيير الملامح على خطوط التماس مع الدول العربية. بدأ طوفانُ النَّار. سقطتِ الحلقةُ السوريةُ من محور الممانعة. وبدأت إسرائيلُ تطبيقَ عقيدتها العسكرية الجديدة. الذهاب إلى الأخطار قبل استفحالها. وإحاطة إسرائيلَ بمناطق عازلة.

استنتج نتنياهو أنَّ تغييرَ الملامح في محيط إسرائيل المباشر سيبقى ناقصاً ومهدداً ما لم تتغيَّر الملامحُ في طهران نفسِها. بذل نتنياهو محاولات كثيرة لإقناع ترمب. تبلور موضوعُ الثلاثية. إيرانُ بلا حلم نوويّ وإرغامُ الترسانة الصّاروخية على التواضع وقطعُ الخيط الذي يربط إيران بأذرعها.

إنَّنا الآنَ في الفصل الملتهب من حرب تغيير الملامح. غيَّرت إيرانُ ملامحَ دول وتحاول أميركا اليوم بالشراكة مع إسرائيل تغييرَ ملامحِ النظام الإيراني جزئياً أو كلياً. الأكيد أنَّ بصمات المواجهة الحالية ستكون حاضرةً في ملامح أطرافِها بعد انحسار الإعصار.

الشرق الأوسط


الإنسان والدولة والحرب/ مأمون فندي
9 مارس 2026 م
لفهم هذه الحرب، والحروب التي خاضتها إسرائيل خلال الأعوام الثلاثة الماضية بقيادة بنيامين نتنياهو، لا بد من العودة إلى كتاب كينيث والتز الشهير «الإنسان والدولة والحرب» (Man, the State, and War). في تقديري، يُعد هذا الكتاب من أهم ما كُتب في حقل السياسة الدولية خلال القرن العشرين. حاول والتز فيه الإجابة عن سؤال يبدو بسيطاً: لماذا تقع الحروب؟

يقدّم والتز 3 مستويات مترابطة لفهم الحروب: الإنسان (أو القائد)، والدولة، وبنية النظام الدولي. وهذه المستويات الثلاثة تُشكّل إطاراً تحليلياً يساعد على فهم الصراعات الكبرى، ليس في الشرق الأوسط فقط، بل في العالم كله، من أوكرانيا إلى إيران.

المستوى الأول هو مستوى الإنسان، أي دور القادة في اتخاذ قرار الحرب. فقرارات الحرب لا تُتخذ في الفراغ؛ بل يصنعها أفراد لهم شخصياتهم وتصوراتهم وضغوطهم السياسية والنفسية. ومن هذا المنظور يمكن قراءة قرارات بنيامين نتنياهو خلال السنوات الأخيرة. فقد واجه رئيس الوزراء الإسرائيلي أزمات سياسية داخلية حادة، من الانقسام حول إصلاحات القضاء إلى التحديات المرتبطة بشرعية الائتلاف الحاكم.

في مثل هذه الظروف قد تتحول السياسة الأمنية إلى وسيلة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي، أو لاستعادة صورة القيادة الحازمة في مواجهة التهديدات. ولم يخلُ تاريخ نتنياهو السياسي من أزمات أعقبتها مواجهات عسكرية أو عمليات واسعة، من غزة إلى المواجهة مع إيران. ومع ذلك يُحذّر والتز من الإفراط في تفسير الحروب عبر شخصية القائد وحدها؛ فالقادة، مهما امتلكوا من كاريزما أو صلاحيات، يعملون داخل قيود أكبر منهم. لذلك فإن دراسة شخصية نتنياهو وحدها لا تكفي لتفسير انخراط إسرائيل في حروب متكررة.

وهنا يقودنا والتز إلى المستوى الثاني: الدولة. فطبيعة النظام السياسي ومؤسسات الدولة وبيئتها الداخلية تُمثل عوامل أساسية في تفسير سلوكها الخارجي. وإذا طبقنا هذا التحليل على إسرائيل فسوف نجد أنها عاشت خلال السنوات الأخيرة حالة استقطاب سياسي حاد، مع صعود تيارات قومية ودينية أكثر تشدداً في الحياة السياسية.

هذه البيئة الداخلية عززت الميل إلى تبني سياسات أمنية أكثر صلابة، خصوصاً بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، الذي هزّ صورة الردع الإسرائيلي. ومن هنا يمكن فهم العمليات العسكرية المتكررة باعتبارها محاولة لإعادة ترسيخ مفهوم الردع، الذي يعد أحد أعمدة العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ قيام الدولة.

لكن هناك بُعداً آخر في الثقافة السياسية الإسرائيلية يرتبط بتجربة تاريخية عميقة هي تروما الهولوكوست. فقد عززت هذه التجربة شعوراً دائماً بالتهديد، حتى في ظل امتلاك إسرائيل تفوقاً عسكرياً واضحاً في المنطقة. وهكذا يعيش المجتمع الإسرائيلي مفارقة دائمة: دولة قوية عسكرياً لكنها تعاني إحساساً دائماً بانعدام الأمن.

ومع ذلك، يؤكد والتز أن فهم شخصية القائد أو طبيعة الدولة لا يكفي وحده لتفسير الحروب. فالتفسير الأعمق يوجد في المستوى الثالث: بنية النظام الدولي. العالم، حسب والتز، نظام فوضوي؛ أي أنه يفتقر إلى سلطة عليا قادرة على فرض القواعد بين الدول. وفي مثل هذا النظام تصبح كل دولة مسؤولة عن أمنها بنفسها.

هذه الفوضى الدولية تدفع الدول إلى البحث المستمر عن القوة وتعزيز قدراتها العسكرية. وإذا طبقنا هذا التحليل على الشرق الأوسط فسوف نجد أن الصراع بين إسرائيل وإيران يُمثل مثالاً واضحاً على منطق النظام الفوضوي. فكل طرف يرى في تعزيز قدراته العسكرية خطوة دفاعية، في حين يراها الطرف الآخر تهديداً وجودياً.

وهنا تظهر معضلة الأمن، وهي إحدى المفارقات الأساسية في السياسة الدولية: فالإجراءات التي تتخذها دولة لتعزيز أمنها قد تجعل الآخرين يشعرون بتهديد أكبر، فيردّون بإجراءات مماثلة، ما يؤدي إلى سباق تسلح وتصاعد دائم للتوتر.

في الشرق الأوسط تبدو هذه الدينامية واضحة، فكل ضربة إسرائيلية تهدف إلى تقليص قدرات خصومها قد تدفع هؤلاء إلى تطوير وسائل ردع جديدة، سواء عبر الصواريخ أو الشبكات المسلحة الإقليمية. ومع تطور التكنولوجيا أصبحت أدوات الحرب أكثر انتشاراً، حتى باتت مجموعات صغيرة قادرة على امتلاك طائرات مسيّرة أو صواريخ دقيقة.

المفارقة الثانية تتعلق بالعلاقة بين القوة والخوف. فالدول التي تشعر بتهديد وجودي قد تكون أكثر ميلاً إلى المخاطرة بالحرب من الدول الراضية عن الوضع القائم. والسبب أن الدولة التي تعتقد أن ميزان القوى يتحرك ضدها قد تفضل المواجهة الآن بدلاً من انتظار مستقبل أسوأ. وقد ظل هذا الهاجس حاضراً في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي منذ تأسيس الدولة.

أما المفارقة الثالثة فتتعلق بالسلاح النووي. فقد كتب والتز في مقال شهير في مجلة «فورين أفيرز» عام 2012 أن انتشار السلاح النووي قد يؤدي في بعض الحالات إلى قدر أكبر من الاستقرار. واستند في ذلك إلى تجربة الردع النووي خلال الحرب الباردة، حين تجنّبت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي الحرب المباشرة رغم التنافس الحاد بينهما.

ما يقدمه كتاب والتز، الصادر عام 1959، والمبني على أطروحته للدكتوراه في جامعة كولومبيا، ليس تفسيراً واحداً للحروب بل إطار تحليلي لفهمها. فحروب إسرائيل لا يمكن تفسيرها فقط عبر شخصية نتنياهو، ولا فقط عبر السياسة الداخلية الإسرائيلية، ولا فقط عبر بنية النظام الإقليمي؛ إنها نتاج تفاعل هذه المستويات الثلاثة معاً: القائد، والدولة، والنظام الدولي، داخل عالم يتسم بالفوضى.

الشرق الأوسط


“إيلاف” تنقل وقائع وتسلسل السجال الإلكتروني
ماذا حدث بين الراشد وموسى والشريان والطراح على منصة “إكس”؟
الأحد 08 مارس 2026
نشبت مواجهة هادئة، سرعان ما تطورت إلى حوارٍ قوي ولكنه منضبط ليلة أمس، واستمر الحوار حتى فجر اليوم الأحد، بين عبد الرحمن الراشد، وعمرو موسى، وخالد الطراح، وبالطبع كانت حرب إيران هي محور النقاش.

إيلاف من لندن: نشبت مواجهة هادئة، سرعان ما تطورت إلى حوارٍ قوي ولكن منضبط ليلة أمس، واستمر الحوار حتى فجر اليوم الأحد، غير أنه كان ساخنًا في موضوعه ومحاوره وحججه ومبرراته، بين الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية ووزير الخارجية المصري السابق عمرو موسى، والإعلامي السعودي عبدالرحمن الراشد، وعلى خط هذا الاشتباك الحواري، دخل الإعلامي الكويتي خالد الطراح موجّهًا تعليقًا على رأي عمرو موسى الذي أخذ – بحسب تعبير الطراح – منحى “قوميًا كلاسيكيًا” في مقاربته للموضوع.

عمرو موسى يرى إسرائيل “العدو”

وقد قدّم كل من الراشد والطراح قراءة مختلفة لمعادلة التهديدات في المنطقة، مشيرين إلى حقيقة الحرب الإيرانية على دول الخليج والعداء التاريخي معها، ردًا على رأي عمرو موسى الذي تمسّك بطرحه القائل إن “العدو هو إسرائيل” ولا يزال يمثل التهديد الأكبر للعرب.

غير أنه في هذا الطرح خالفه كل من الراشد والطراح، حيث عرض كل طرف رأيه بنبرة هادئة، وإن لم تخلُ من الحدة السياسية. في المقابل بدا أن الطرف المصري، ممثلًا في عمرو موسى، قرأ بعض الردود خارج إطار قيم الحوار، والقاعدة المتداولة في مثل هذه النقاشات بأن “الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية”.

أما التسلسل الزمني للمواجهة الخليجية–المصرية، التي تخللتها بعض المفردات القاسية، وتذكير عمرو موسى برأيٍ سابق نشره خالد الطراح في جريدة “الحياة” بشأن ما طال رئيس مجلس الأمة الكويتي الراحل جاسم الخرافي من قبل الصحافي الفلسطيني جهاد الخازن دفاعًا عن صديقه عمرو موسى، فقد بدأ بالمحطات التالية:

عمرو موسى.. شرق أوسط جديد بزعامة إسرائيل

الهجوم الجاري على إيران ليس مجرد مغامرة اسرائيلية نجح نتانياهو في جر الولايات المتحدة إليها، بل تحرك أميركي استراتيجي مخطط وظفت فيه واشنطن إسرائيل كشريك إقليمي، في خطوة رئيسية نحو تغيير الشرق الأوسط (بما فيه العالم العربي) إلى وضع جيوسياسي إقليمي تحاول إسرائيل قيادته.

‏مع ذلك لن يولد الوضع الجديد بسهولة، هذا إذا تمت ولادته أصلاً؛ إذ يمس الأمر بمصالح دول عظمى أو قوي أخرى – مثل مصير مبادرة الحزام والطريق الصينية التي تمر عبر العالم العربي، والتواجد والمصالح الروسية في المنطقة، الأمر الذي يتطلب اتفاقاً على مستوى القطبية الدولية على تفاصيل الوضع الجديد في المنطقة وهو ما يجب التحسب له من الآن.

‏إيران تبدو غير مستعدة للاستسلام كما طالب الرئيس ترامب، بل أنّ سيناريو “علي وعلى أعدائي” يكون الأقرب إلى منطق الصراع الجاري… أي أن المنطقة أمام مشهد انتحاري لن يبقي أو يذر ويجب وجوباً التحسب له، مع ضرورة استمرار الموقف العربي المساند لدول الخليج في مواجهة الهجمات الإيرانية.

‏اجتماع مجلس الجامعة العربية يجدر أن يناقش الأمر من زاوية أن نكون أو لا نكون، وأن يرتفع إلى مستوى المسئولية بالإعداد للتعامل مع التطورات الخطيرة التي تتعرض لها المنطقة بأسرها ونتائجها المستقبلية التي تخلق مؤكداً مرحلة عدم استقرار إقليمي شاملة وممتدة.

‏تغيير الشرق الأوسط وإخضاع العالم العربي عنوان مهم للمرحلة يجب الاستعداد له، وتقديم طرح بديل؛ وإن لم يكن هو عنوان موضوع النقاش في اجتماع الغد فلا جدوى منه ولا أمل في عمل عربي مشترك في مواجهة هذا التحدي التاريخيّ.

عبدالرحمن الراشد.. إيران تطلق علينا الصواريخ وليس أميركا أو إسرائيل

معاليك، نحبك ونحترمك لكن لابد الصراحة.. و‏الحديث عن أن ما يجري مجرد مغامرة إسرائيلية أو أمريكية لتغيير الشرق الأوسط قد يكون صحيحا
‏لكنه في نفس الوقت يتجاهل حقيقة أساسية.. ف‏التهديد الإيراني لم يكن موجهاً لإسرائيل وحدها، بل طال 8 دول عربية على الأقل عبر الصواريخ والمسيّرات وعبر الميليشيات البروكسي التابعة لها.

‏من الخليج إلى العراق ولبنان واليمن وسوريا، عاشت دول عربية لعقود تحت تهديد وتخريب مشروع إيراني توسعي استخدم الوكلاء المسلحين والصواريخ كأدوات هيمنة وارهاب. لذلك لا يمكن اختزال المسألة في صراع إسرائيلي-إيراني، وكأن العرب الضحايا مجرد متفرجين.

‏الحقيقة إيران هي من هاجمت دول عربية وعلى مدى سنين طويلة:
‏•عبر الحوثيين في اليمن ضد السعودية والإمارات.
‏•عبر الميليشيات في العراق
‏•عبر حزب الله ودمرت لبنان.
‏•عبر شبكات بشار في سوريا

‏مهما كان العداء لم نرَ إسرائيل أو أميركا تطلقان صواريخ على عواصم الخليج أو تستهدفان منشآتها النفطية. إيران هي من فعلت ذلك.

‏لهذا فإن اعتبار تدمير القدرات العسكرية الإيرانية عمل خاطئ يتجاهل أن هذه القدرات نفسها استُخدمت ضد نصف الدول العربية.
‏تقليص قوة إيران يعني عملياً تقليص الخطر الذي يهدد نصف العالم العربي منذ أربعين عاماً.

‏التنافس الإيراني-الإسرائيلي كان مرشحاً طبيعياً لأن ينتهي إلى حالة الحرب. لكن ليس من مصلحة العرب أن يُطلب منهم تلقائياً الاصطفاف مع المعسكر الإيراني فقط لأنه يرفع شعار العداء لإسرائيل.

‏العكس هو الصحيح. المتوقع من الحكومات العربية الصامتة شجب إيران على هجماتها على شقيقاتها العربية.. وصمتها يعتبر من اسوأ المواقف التي عرفتها الجامعة العربية في تاريخها. حتى عندما احتل صدام الكويت كل الدول العربية استنكرت بما فيها التي كانت ضد الحرب عليه!!
‏المواقف المختبئة وراء معاداة اسرائيل شيء، والعدوان على الدول العربية شيء آخر.

‏مشروع البروكسي الإيراني في المنطقة من حزب الله إلى الحوثيين لم يجلب للعالم العربي سوى الحروب وتآكل سيادة الدول. ومع انهيار هذا المعسكر أو تراجعه، يتقلص أحد أكبر مصادر عدم الاستقرار الإقليمي.

‏لهذا، فإن المنتظر من الحكومات العربية والجامعة العربية ألا تختزل النقاش هذه المرة في زاوية الصراع مع إسرائيل فقط، بل أن تنظر أيضاً إلى أمن الدول العربية التي كانت تحت تهديد مباشر من إيران وتتعرض اليوم الى تدمير واسع .

‏والدول التي لم يمسها التهديد الإيراني مباشرة بحكم الجغرافيا السياسية، يجب ألا تتغافل عن حقيقة أن نصف العالم العربي تقريباً عاش تحت تهديد المشروع الإيراني لعقود وتستخف بأمن هذه الدول.

‏أما الدفاع عن إيران فقط لأنها ترفع شعار فلسطين، مع تجاهل ما فعلته في العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج، فهو إساءة بالغة للدول العربية التي تحملت كلفة هذا المشروع طوال أربعة عقود.

‏معاليكم ، القضية ليست مشروع تغيير الشرق الأوسط، فالمنطقة دائما في مخاضات لم تنقطع.. القضية إنهاء مرحلة من التهديدات الميليشيات والإيرانية حتى لو صادف ذلك بيد قوة نحن على خلاف معها.

داود الشريان.. إلى العزيز الاستاذ عمرو موسى.. المشروعان لا نقبلهما

التحذير من ان يتحول الصراع مع النفوذ الايراني الى قبول بهيمنة اسرائيل على المنطقة تنبيه مهم. غير ان وضوح الموقف يقتضي التأكيد على ان وصف ما فعلته ايران في العقود الماضية بانه مجرد اخطاء لا يعكس حقيقة ما جرى، لان الدور الايراني اتخذ شكل مشروع نفوذ سعى الى تغيير موازين القوى داخل عدد من الدول العربية عبر ادوات سياسية وامنية وعسكرية معروفة.

واسهم في تدمير دول عربية كلبنان وسوريا والعراق واليمن، وارتبط بصراعات دامية اودت بحياة اعداد كبيرة من المدنيين، فضلا عن اذكا النعرات المذهبية التي لم تكن بهذه الحدة والعدوانية بين العرب قبل عام 1979.

وفي المقابل فان المشروع الاسرائيلي هو مشروع هيمنة استعمارية تجلت عدوانيته في سياسات الاحتلال والقمع، وفي الحروب المتكررة التي شهدت قتل المدنيين ومنهم الاطفال، وصولا الى جرائم ابادة جماعية في غزة.

لذلك فالمسالة هي رفض متساو لمشاريع الهيمنة جميعها ايا كان مصدرها، لان المنطقة لا تحتمل اسرائيل اخرى.

خالد الطراح يتحدث عن كلاسيكية الفكر التقليدي لعمرو موسى

الأخ عبدالرحمن أوجز فأصاب أكثر من هدف في تعليقه وتوضيحه ردا على الأستاذ عمرو موسى

‪ ‬‬تعليقنا: رأيك غير صادم لأنك ركن أو وجه لمدرسة عربية كلاسيكية تقفز على الواقع وتختزل الحقائق والوقائع بهذه المرحلة الحرجة التي تشهدها منطقة الخليج، والمغامرة العسكرية والسياسية إيرانية المنشأ، ولا ينبغي اجترار النظرات العربية التقليدية إلى الصراعات الدولية والإقليمية، فسياسة الاستقواء والاستعلاء في طهران على دول الجوار الخليجي هي الخطر الأكبر علينا في الخليج، ولابد من اعادة صياغة جديدة للعلاقات الخليجية والعربية مع إيران على أساس الندية والقوة ووحدة الصف الخليجي والعربي.
نأمل التأمل للوضع القائم من منظور براغماتي لا كلاسيكي قومي مقيد بالأغلال القديمة.

عمرو موسى.. وهل نسيتم اعتداء إسرائيل على قطر؟

أخي العزيز عبدالرحمن.. دعنا نتفق على شروطٍ للنقاش فيما بيننا، أولها أن خلاف الرأي لا يفسد للود قضية، وثانيها أن لنا كعرب تحفظات كبيرة على السياسة الإقليمية الإيرانية وكذلك على السياسة العدوانية الإسرائيلية.
‏وثالثها أننا لا نختلف في تحليلنا للتهديدات الموجهة إلى العالم العربي، ونتفهم سوياً المخاطر القائمة حالياً ضد الأمن والاستقرار في المنطقة المسماة بالشرق الأوسط.

‏أود أن أسترعي الانتباه إلى أن السياسات المتعلقة بتغيير الشرق الأوسط تثير موضوعاً خطيراً في ذاته، كما يتعلق بوضع إسرائيل وكذلك باحتواء إيران، بل ويتطلع إلى إحتواء تركيا ما بعد إردوغان لتشكيل جبهة مؤثرة في مواجهة العالم العربي.

‏أدعي أنني متابعٌ جيدٌ للسياسة الإقليمية الإيرانية بالمنطقة، وقد تحدثت علناً عن نواقصها وسلبياتها. وأدعي أنني مطلعٌ أيضاً على تفاصيل السياسة الإسرائيلية في التوسع واحتلال الأراضي العربية، بل التطلع إلى أراضٍ في دول عربية أخرى، وهنا لا أولوية لوضعٍ على آخر.

‏أما عن مصادر الهجوم العسكري على دول عربية، فأرجو ألا تنسى الاعتداء الذي ارتكبته إسرائيل ضد قطر بالأمس القريب، وقد تضامن مع الدوحة كل العرب، أي لم يتركوها وحدها. كما لا يصح أن ننسى جرائم الاحتلال الاسرائيلي ضد الفلسطينيين.

‏تغيير الشرق الأوسط يا صديقي العزيز، واقتراح تسليم مفاتحه وقيادته إلى إسرائيل لا يجب المرور عليه ببساطة، ولا يصح السكوت فيه؛ بل تجب مناقشته. تماماً كما لم نسكت عن أي اعتداء إيراني على الدول العربية بداية من احتلال الجزر الإماراتية الثلاث منذ حكم الشاه.

‏أنا يا أخي أعتبر أن كل عدوان على الدول العربية يمثل عدواناً علينا جميعاً، يستلزم التضامن إزاءه.

‏وفي الختام أدعوك إلى أن تعيد قراءة ما كتبت اليوم، لترى أن ما نحن بصدده من أخطاء إيرانية فادحة على مدى أربعين سنة من المد الإيراني، مطلوب أن تستبدل به عربدة إسرائيلية مدعومة تبادر بإلغاء القانون الدولي بالكامل وتتلاعب بمقدرات المنطقة العربية.

‏مع محبتي واحترامي

عبدالرحمن الراشد.. رمضان كريم ولكن تمنيت لو أدنت إيران بصورة حاسم

أشكرك على حرصك على إبقاء النقاش في إطار الاحترام. ‬‏ولا أود أن ننشغل بالجدل والمساجلات، لكن دعني أوضح ما كنت أتمنى أن أراه في ردك.

‏قلت ما قامت به إيران بأنها “أخطاء إيرانية”، والحقيقة أن توصيفها هكذا يختزل أمراً جلل.. ‏فلو كنا نتحدث عن حادث عرضي أو صاروخ أو صاروخين سقطا بالخطأ، لقلنا إنها أخطاء. ‏لكن الواقع إيران استهدفت بشكل مباشر 8 دول عربية، وأطلقت عليها ما يزيد على 1655 صاروخاً ومسيّرة!!

‏ولو أن هذه الصواريخ قد سقطت بالخطأ في الصحارى أو البحار بينما كانت في طريقها إلى هدف آخر، اسرائيل او غيره، لقلنا أخطاء. حتى لو كانت مائة او ألف صارخ. ‏لكن عندما يكون الاستهداف متعمداً لمدن وأحياء سكنية وفنادق ومنشآت مدنية، فهذه ليست أخطاء، بل عدوان مكتمل الأركان وجرائم واضحة.

‏أما ما ذكرته عن مستقبل المنطقة أو احتمال أن تهيمن إسرائيل عليها أو تتحكم في إيران وتنهي دور تركيا، فهذا تحليل أو استشراف من حقك طرحه، ولا يمنع من شجب عدوان إيران مع أنني ببساطة لا أشاركك هذا التصور.

‏فالاكتفاء بوصف ما يحدث بأنها “أخطاء” يوحي ولو دون قصد بأن هؤلاء العرب هامشيون. ‏ولهذا كنت أتمنى أن يكون الموقف أكثر وضوحاً في إدانة الاعتداء من شخص نجله ونقدره.

خالد الطراح

‏النقاش مع صاحب الرأي المسبق والموقف التقليدي يتحول غالبًا إلى نقاش عقيم. لذلك لا بد من صراحة مطلقة ضمن قيم الحوار المنشود.‬.. ‏لقد اختلت موازين الحوارات والمواقف حين تبدلت المناصب لديك، وأصبحت اليوم خارج دائرة صناعة القرار العربي، فانتقلت اهتماماتك إلى دائرة تمييز عدو على عدو آخر.

عمومًا، لا نتطفل على مثل هذه النقاشات طمعًا في الاستفادة من طاقة سياسية تميل إلى التحيز أو إلى محاكاة الشارع المنفعل، واستدرار العاطفة العربية، بل نبحث عن رؤية متوازنة لا تنحاز إلا للحقائق.

‏سأقف عند مبادرة الراشد ولن نسبق الأحداث، لكننا ندعوك إلى مراجعة موضوعية لملف العدوان الإيراني على دول الخليج، تلك الدول التي دعمتك طوال محطات عملك في نيويورك والجامعة العربية وغيرها.‬

‏لا أود فتح ملفات خاصة بهذه المرحلة، لكنني أذكرك بجزئية تتعلق برد وتعليق لي نشرته جريدة “الحياة” ردا على مزاعم صديقك جهاد الخازن حين رجح كفتك ضد رئيس مجلس الأمة الكويتي السابق المرحوم جاسم الخرافي.

‏أنا الشخص ذاته، لم أتغير ولم أتلون.

وماذا بعد سجال الراشد وموسى والطراح؟
على هامش السجال بين عبد الرحمن الراشد وعمرو موسى وخالد الطراح، اشتبكت حسابات خليجية وعربية في التعليق والرد على الطرف المصري والإعلاميين الخليجيين.

هل يتوقف السجال عند هذا الحد أم يعود اطرافه إلى المواجهة وسط حرب إيران على دول مجلس التعاون الخليجي؟ أيلاف ستراقب وترصد.
ايلاف


الصين وروسيا وحرب الخليج: حسابات النفط والسياسة/ علي نور الدين
الاثنين 2026/03/09
تغرق إيران في حرب متعدّدة الجبهات، ويستعر عداؤها تّجاه جميع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، في مواجهةٍ سيكون من شأنها أن تعيد رسم توازنات القوّة في الشرق الأوسط. وفي لحظة مصيريّة كهذه، بدت مواقف حلفاء طهران خجولة، قياسًا بالرهانات السابقة على التوجّه شرقًا لبناءِ عالم متعدّد الأقطاب، أو حتّى بالاتفاقيّات التي جمعت طهران بهؤلاء الحلفاء.

في هذا المقال، تجمع “المدن” بعض التحليلات الجيوسياسيّة، للتعليق عليها، في محاولةٍ لفهم خلفيّة الموقفين الصيني والروسي بالتحديد، وللتبّؤ بتوجّهاتهما المرتقبة، في حال تطوّرت الحرب بهذا الاتجاه أو ذاك. وبدا واضحًا من هذه التحليلات أنّ الصين تنظر إلى الصراع من زاوية الحرص على حماية مصالحها الاقتصاديّة وأمن الطاقة في المنطقة، من دون الانخراط في الأحداث الجارية على نحوٍ مباشر. أمّا الكرملين، فيبدو مأخوذًا بالحسابات المتعلّقة بحربه في أوكرانيا، وهذا ما يدفعه للموازنة بين علاقته مع النظام الإيراني من جهة، وعدم التصعيد في وجه الولايات المتحدة من جهة أخرى.

الصين وأولويّات أمن الطاقة

الباحثة الصينيّة يون سون هي، مديرة برنامج الصين في مركز ستيمسون، طرحت في مجلّة “الفورين أفيرز” أسئلة ووقائع تستحق الوقوف عندها، في تحليلٍ بعنوان “لماذا لن تساعد الصين إيران؟”. التحليل يبدأ بتعداد المصالح الصينيّة المرتبطة بهذا النزاع، إذ جاءت -عام 2025- أكثر من 55 بالمئة من واردات الصين النفطيّة من منطقة الشرق الأوسط، ومن بينها 13 بالمئة من الواردات الآتية من إيران. والغالبيّة الساحقة من هذه الواردت تمرّ عبر مضيق هرمز، ما يجعل النزاع تهديداً مباشرًا لإمدادات الطاقة الصينيّة.

في بداية الحرب، توقّع البعض أن تبادر بكين إلى تقديم بعض الدعم إلى طهران، ربما عبر تزويدها بالمعدات مزدوجة الاستخدام، أي تلك التي يمكن استخدامها لغايات عسكريّة أو مدنيّة، كما فعلت مع روسيا خلال حرب أوكرانيا. غير أنّ الوقائع الحاليّة جاءت مخيّبة لآمال طهران. إذ اقتصر رد الفعل الصيني على بعض التصريحات الدبلوماسيّة، التي تدعو إلى “وقف العمليّات العسكريّة واحترام سيادة الدول في الخليج”. وهو ما بدا كمحاولة للحفاظ على علاقات جيّدة مع إيران والدول العربيّة الواقعة على الضفّة الأخرى من الخليج، في وقتٍ واحد.

تشير الباحثة، في تحليلها، إلى أنّ هذا الحذر الصيني من التورّط إلى جانب إيران ليس جديداً. فالخبراء الصينيون انتقدوا طوال الفترة الماضية اعتماد إيران الكبير على الحروب بالوكالة، والعمليّات غير المباشرة، بدلاً من المواجهة المباشرة بالقوى الذاتيّة، وهو ما يرونه مؤشّرًا على ضعف داخلي. وزاد من شكوك هؤلاء انكفاء إيران خلال السنوات الماضية، في المواجهات التي خاضها حلفاء طهران ضد إسرائيل، ما أوحى للصين بأن “نفوذ طهران الإقليمي مبالغ فيه”.

وللصين حسابات أخرى ترتبط بالعلاقة مع الولايات المتحدة. فخلال الفترة المقبلة، ثمّة قمّة مرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ. وبينما تأمل بتخفيف التوتّرات التجاريّة بين الطرفين، بعد سنوات من المنافسة الحادّة، ثمّة ما يدفع الصين لتفادي التورّط في صراع إقليمي قد يعرقل هذه الجهود الدبلوماسيّة. أي بعبارة أخرى، لدى الصين ما تخسره هنا إذا قدّمت الدعم لطهران، فيما تدور شكوك بالقدرة على الاعتماد على طهران كقوّة إقليميّة مقتدرة ومؤثّرة.

بهذا الشكل، يبقى هناك متغيّر أساسي حاسم بالنسبة للصين: أمن سلاسل توريد الطاقة. فالصين تملك احتياطات نفطيّة استراتيجيّة تُقدّر بنحو 1.4 مليار برميل، وهي كافية لمواجهة أي اضطرابات قصيرة الأجل في الإمدادات. غير أنّ حصول اضطرابات طويلة الأجل، سيؤثّر شكلٍ كبير على الاقتصاد الصيني، ما سيضع بكين أمام معضلة ينبغي التعامل معها.

في هذه الحالة، إذا تعرّض النظام الإيراني لنكسة، أو استقرّ الوضع بعد تغيير قيادته، من المرجّح أن تتكيّف الصين بسرعة مع الوضع، عبر بناء علاقة مباشرة مع القيادة الجديدة، لتفادي خسارة الإمدادات النفطيّة. أمّا إذا صمد النظام على المدى البعيد، قد تجد الصين نفسها مضطرّة لتقديم نوع من الدعم، وإن عبر شراء النفط أو تقديم تكنولوجيّات معيّنة. وبهذا المعنى، أولويّة الصين ليست بقاء النظام الإيراني ولا حمايته، بل ضمان استمرار تدفّق النفط من منطقة الشرق الأوسط، بمعزل عن هويّة القيادة الحاكمة في طهران.

روسيا وحسابات حرب أوكرانيا

تشير مجلّة “ذا إكونوميست” إلى تعقيدات الموقف، بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لقد خسر بوتين خلال شهرين حليفين، أولاً نيكولاس مادورو في فنزويلا ثم المرشد الإيراني علي خامنئي، بفعل التدخلات العسكريّة الأميركيّة. ومع ذلك، تعامل بوتين مع المستجدات بحذرٍ شديد، فاكتفى إرسال رسالة تعزية بعد مقتل خامنئي، وصف فيها الحادث بأنه انتهاك للقانون الدولي، من دون توجيه اتهام مباشر لأيّة جهة.

ولقد تحدّثت بعض التقارير عن تزويد روسيا لإيران ببعض المعلومات الاستخباراتية، مثل بيانات المواقع للطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية. لكن الدعم العسكري المباشر كان محدوداً، قياسًا بالدعم الذي قدّمته طهران لروسيا خلال حربها في أوكرانيا.

في واقع الأمر، تحمل الحرب نتائج متباينة وربما متعاكسة بالنسبة لروسيا. فارتفاع أسعار النفط سيرفع عائدات الخزينة الروسيّة، التي تعتمد على تصدير هذه المادّة. والهجوم الإيراني على منشآت الغاز القطريّة سيفيد روسيا أيضًا، إذ سيزيد من التعقيدات التي تواجهها أسواق الطاقة الأوروبيّة. ومع ذلك، تبقى هذه النتائج مجرّد مكاسب مؤقّتة، ولا يمكن البناء عليها لمعالجة الاختلالات البنيويّة في الاقتصاد الروسي.

ومن الناحية العسكريّة، قد تستفيد روسيا من الحرب أيضاً، نظراً لاستنزاف مخزون الولايات المتحدة من صواريخ الدفاع الجوي ومضادات الصواريخ، وهذا ما يعني تقليص الدعم المُقدّم لأوكرانيا. لكن في المقابل، وعلى المدى الطويل، قد تكون النتيجة الاستراتيجية للحرب سلبية بالنسبة لروسيا، لأنها تكشف عجز موسكو عن حماية حلفائها، بل وعدم فعاليّة الوسائط القتاليّة التي قدّمها الكرملين سابقًا لطهران.

في الوضع الحالي، وأمام هذه النتائج المتباينة، يستفيد بوتين حالياً من انشغال الولايات المتحدة بالحرب في الشرق الأوسط. وهذا ما يعكس نظرته إلى إيران، بوصفها شرك مؤقت وورقة تفاوض في نزاعه مع الغرب، لا بوصفها حليفًا قويًا ينبغي الدفاع عنه أو التضحية لأجله. وبهذا الشكل، تحاول موسكو الموازنة بين علاقتها مع طهران من جهة، وإبقائها كورقة ضغط في ملف أوكرانيا من جهة أخرى. ومع ذلك، سيظل بوتين أمام تحدّي مهم. فلكي تبقى إيران ورقة مفيدة في هذه اللعبة الجيوسياسيّة، يجب أن لا ينهار النظام الإيراني. وإذا انهار، فسيكون أمام سقوط تجربة لطالما ضُرب المثل بها، لجهة صمودها بالرغم من العقوبات والعزلة.

في خلاصة الأمر، تتفق موسكو وبكين على طريقة التعامل مع النظام الإيراني، كورقة ضغط لا كحليف استراتيجي. وبينما تضع بكين نصب أعينها المسائل المرتبطة بأسواق الطاقة، كهدف من علاقتها بطهران، تحاول روسيا الاستفادة من طهران كجبهة إشغال تخفّف دعم الغرب لأوكرانيا. وفي الحالتين، سيبقى مستقبل علاقة الدولتين مع طهران محكومًا بتوازن المصالح الاقتصاديّة والجيوسياسيّة، أكثر من الارتباط الإيديولوجي أو التحالف العسكري المباشر.

المدن


مجتبى خامنئي… هل يطيل “الأكثر تشدداً من أبيه” أمد الحرب؟
الاثنين 9 مارس 2026

لم يكن انتخاب مجتبى خامنئي من مجلس الخبراء في الجمهورية الإسلامية مرشداً أعلى لإيران في أعقاب اغتيال والده سهلاً، نظراً إلى صعوبة اجتماع المجلس المذكور، ومحاولة قصف موقع الاجتماع الأخير مسبقاً في ضربة إسرائيلية.

في أعقاب اغتيال المرشد الراحل علي خامنئي، في 28 شباط/ فبراير 2026 ظهر اسم مجتبى على أنه المرشح الأقوى في وقت تتصاعد فيه الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وبرزت تحليلات حول تأثيره على الحرب والصراع في وقت وصفته بعض الصحف الإسرائيلية بأنه “أكثر تشدداً من أبيه”. فمن هو؟ وبمَ يختلف عن والده؟ وهل سيغير وجوده من طبيعة الحرب؟
ترامب ونتنياهو حذرا منه

منذ اللحظة الأولى للإعلان عن اسمه، علّق الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بأن اختيار مجتبى “غير مقبول” وأن قرار إنهاء الحرب مع إيران يجب أن يكون مشتركاً بين الولايات المتحدة وإسرائيل، في إشارة إلى استمرار تنسيق السياسات بين القوتين رغم اختلافاتهما المحتملة في بعض الجبهات.

وكان ترامب قد دعا سابقاً – قبيل إعلان الاسم – إلى ضرورة أن يحصل أي مرشد جديد على “موافقة واشنطن”، مما يعكس التصور الأمريكي لإعادة تشكيل النظام الإيراني من الأعلى أو على الأقل التأثير في خياراته الأساسية والشأن الداخلي الإيراني.

بينما جاءت ردود الفعل الإسرائيلية غاضبة، واصفة الحدث بالتحدي، وهدد رئيس الكنيست الإسرائيلي أمير أوحانا، باغتياله حيث نشر صورة على منصة إكس يظهر فيها المرشد السابق علي خامنئي إلى جانب قادة من حركة حماس و”حزب الله” اغتالتهم إسرائيل، وعلّق بالقول “من يسلك طريقهم سيسلك مصيرهم”.

الانتخاب الذي جاء بأغلبية أعضاء مجلس خبراء القيادة أثار في الوقت نفسه سجالات حول طبيعته ورمزيته، ليس فقط خارجياً، بل داخلياً أيضاً، نقرأ في تحليل لصحيفة “الغارديان” البريطانية: “يشكّل انتخاب مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً لإيران، خلفاً لوالده المغتال، انتصاراً رمزياً وفعلياً لاستمرارية التيار المحافظ في وقت يواجه فيه النظام تحديات غير مسبوقة. كما يثير هذا الانتخاب تساؤلات حول مدى توافق مبدأ الوراثة مع الإيديولوجية الثورية التي تأسست عام 1979، والتي لم تتصور أبدًا أن يُنقل منصب المرشد الأعلى من الأب إلى الابن”.

وتصف الصحيفة هذا الانتخاب بأنه هزيمة أخرى للإصلاحيين الذين جادلوا بأن ظروف الحرب كانت تستدعي تأجيل القرار على الأقل حتى عقد اجتماع كامل لمجلس الخبراء.

وكان حسن روحاني، الرئيس الإصلاحي السابق، قد تساءل عما إذا كان الانتخاب من المجلس يمثل تشتيتًا في وقت كان من الضروري فيه الحفاظ على الوحدة الوطنية. وقال إن أي إعلان “يجب أن يأتي في وقت مناسب لا يضر بتركيز الجمهور على الدفاع المقدس” لكن أنصار خامنئي جادلوا بأن المجلس لا يحتاج إلى الاجتماع شخصياً للتصويت، نظرًا إلى التهديدات التي قد تواجه مثل هذا الاجتماع. وبدلاً من ذلك، يمكن للأمانة الإعلان ببساطة عن الوصول إلى توافق.

ويشير محلل الشؤون الإيرانية في الصحيفة، باتريك وينتر، إلى وجود قوى داخل إيران تعتقد أن تسليم السلطة خلال الحرب لشخص حديث العهد سيؤدي إلى اضطراب. وكانت هذه القوى ترى أن جهود الدفاع يجب أن تُترك لقيادة القوات المسلحة ولعلي لاريجاني، الأمين المخضرم للمجلس الأعلى للأمن القومي. يقول: “خامنئي، الذي كان نائب رئيس الأركان لوالده المغتال، كان على دراية دقيقة بالعمل الداخلي لمكتب المرشد الأعلى، ويُقدَّم اليوم كنسخة متجددة منه”.

وكانت إيران يديرها مؤقتًا مجلس ثلاثي القيادة يشمل الرئيس مسعود بيزشيكيان. وفي يوم السبت، حاول بيزشيكيان إعادة ضبط العلاقات مع دول الخليج بطريقة فاشلة عبر الاعتذار لهم عن الهجمات الإيرانية على أراضيهم، وأعلن أنه تم الاتفاق على وقف الضربات إذا لم تسمح دول الخليج بتنفيذ هجمات على إيران من أراضيها.
اعتراضات داخلية على “الجمهورية الوراثية”!

في ورقة موقف حول تعيين مجتبى خامنئي، نشر المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات: “غالباً ما نُظر إلى مجتبى خامنئي كرجل المهام السرية، ورغم أنه لم يتولَّ أي منصب رسمي في الدولة، إلا أنه مارس نفوذاً خفياً وطاغياً في شؤون الحكم لفترة طويلة. هذا النفوذ استمد قوته من إدارته المباشرة لـ ‘بيت الرهبري’، حيث كان حلقة الوصل بين والده وبين المؤسسات الأمنية الضاربة في عام 2019”.

وأيضاً: “تشير البيانات الاستخباراتية إلى أن خامنئي الابن عمل بشكل وثيق مع قيادات ‘فيلق القدس’ و’قوات الباسيج’، وهي الأذرع المسؤولة عن قمع الانتفاضات الشعبية في الداخل وتنسيق العمليات الخارجية مع الجماعات المسلحة الإقليمية. إن صعوده اليوم يكرس تحول السلطة من ‘الفقيه الديني’ التقليدي إلى ‘الفقيه الأمني’ المرتبط عضوياً بالمؤسسة العسكرية”.

وبحسب الورقة قد يُثير صعود خامنئي جدلاً واسعاً ونزاعات عميقة داخل إيران نفسها. فخبراء الشؤون الإيرانية قللوا لسنوات من احتمالية اختياره، استناداً إلى المبادئ الأساسية المناهضة للملكية في الثورة الإسلامية. وتوقعوا أن يرفض أنصار النظام ‘الخُلص’ أي شكل من أشكال الانتقال الملكي للسلطة، لكونه يضرب في صميم شرعية الثورة التي أطاحت بنظام الشاه الوراثي. ومع ذلك، هناك وجهة نظر تحليلية يتبناها بهنام بن طالبلو، كبير محللي إيران في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، تشير إلى وجود حجة مفادها أن السلطة في الفكر الشيعي تتسم بصبغة ‘أبوية’، مما يوفر غطاءً شرعياً لمجتبى من المؤيدين الذين يتوقون لرؤية خط زعيمهم الراحل يسود في مواجهة التهديدات الخارجية. لكن هذا ‘الدعم الأبوي’ قد لا يصمد طويلاً أمام ردود الفعل العنيفة المتوقعة من داخل نظام يواجه أصلاً تهديدات وجودية وضغوطاً اقتصادية خانقة.

وفي تحليل آخر نشرته “رويترز”، فإن انتخاب مجتبى يرسّخ هيمنة التيار المتشدد داخل النظام الإيراني، ويُنظر إليه على أنه رد فعل مباشر على الضغوط الأمريكية والإسرائيلية الساعية لتقويض أو تغيير النظام.

ويُذكر أن مجتبى من العناصر المقربة من الحرس الثوري، كما أنه متهم بدعم قمع الاحتجاجات وإحكام السيطرة على أجهزة الدولة.

تحليلات أخرى ربطت بين خلفية مجتبى وخياراته السياسية المحتملة في سياق الحرب. فأشارت صحيفة الـ”تايم” إلى أنه عُرف بكونه شخصية نافذة خلف الكواليس منذ سنوات طويلة، بالرغم من عدم شغله منصباً رسمياً علنياً قبل توليه منصب المرشد. وقد لعب دوراً مؤثراً في صعود بعض الشخصيات السياسية المحافظة في إيران، ويرجع ذلك في جزء منه إلى علاقاته المتينة مع الحرس الثوري. كما يشير التحليل إلى أن فقدانه لبعض أفراد عائلته في الضربات الأخيرة على طهران يعزز احتمالات تبنيه موقفاً حاداً واستعداده لنهج أكثر تصعيداً في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
انتخابه رسالة تحدّ

“الخطورة في شخصية مجتبى لا تكمن فقط في ميله إلى التشدد، بل في الرسالة التي يبعثها انتخابه: أنه يمثل استمراراً لنهج المقاومة والمواجهة، وأن النظام الإيراني لا يزال ملتزماً بسياساته التقليدية الرافضة للتسوية أو التراجع”. هذا على الأقل ما تراه “وول ستريت جورنال” في مقالها التحليلي، حيث وصف كتاب المقال انتقاله كقائد بأنه “يشكل رمزاً لاستمرار إيران في نهجها الثوري رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية الهائلة”.

وفي المجمل، لا تختلف قراءة المشهد في كون انتخاب مجتبى يعكس توسعاً في سلطة الحرس الثوري داخل النظام الإيراني، لدرجة أن هذا الجهاز لم يعد مجرد جزء من منظومة الأمن ومؤسسة عسكرية، بل أحد الأعمدة الأساسية في اتخاذ القرار السياسي الإستراتيجي والصراع الإقليمي. ما يعني أن قرارات الحرب أو السلام قد لا تكون بيد الزعماء الدينيين فحسب، بل في جوهرها مرتبط بموقف الحرس الثوري.

فوجود شخصية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحرس في أعلى منصب في الدولة سيُسهم في زيادة تشدد السياسة الخارجية الإيرانية، مما قد ينسحب بشكل بدهي على ملفات دعم وكلاء إيران في المنطقة مثل “حزب الله” في لبنان، القوات الموالية في العراق، أو الفصائل المقاتلة في سوريا واليمن، وجميعها يُنظر إليها كمكونات أساسية في إستراتيجية إيران للتأثير الإقليمي.

في هذا السياق، تشير تقديرات استخبارية أمريكية صادرة عن مجلس الاستخبارات الوطني (NIC) إلى أنه “حتى هجوم واسع النطاق من الولايات المتحدة وإسرائيل لن يكون كافياً للإطاحة بالنظام الإيراني بالكامل أو تغيير خلفيته الأيديولوجية”. وإن سيناريو انهيار النظام أو حدوث انتفاضة شعبية كبرى لم يعد معتمداً لدى أجهزة الاستخبارات الأمريكية، لأن المعارضة الداخلية الإيرانية مشتتة وغير منظمة بشكل يسمح لها بتولي السلطة في مواجهة الهيكل الأمني القائم، وأن أي هجوم جوي أو عسكري لن يتسبب تلقائيًا في فراغ سياسي يمكن أن يكون موضع تنافس داخلي على السلطة.

أما في ما يخص مجتبى، المرشد الجديد، فقد أشار التقرير إلى أن التركيز الأمريكي فقط على القيادة العليا ينسى قوة الشبكات الأمنية الإيرانية داخل الحرس الثوري والسلطات الدينية، وأن مسؤولية الانتقال السياسي كانت دوماً محفوظة لمجلس الخبراء، الذي نجح في تعيين مجتبى خامنئي بسرعة بعد اغتيال والده، مما يدل على جهوزية النظام للاستمرار حتى في أوقات الأزمات.

الأخذ بهذا التقدير الاستخباراتي يُبرر توقعات المحللين الغربيين بأن إعادة الهيكلة السياسية لن تحدث بسرعة، وأن المرحلة القادمة من الحرب قد تمتد أطول مما كان متوقعاً، مع احتمال أن يشهد الصراع بوجود المرشد الجديد تحولات في الاستراتيجية بدل الانهيار السريع للنظام الإيراني.

رصيف 22


سيناريوهان أمام إيران بعد اختيار مجتبى خامنئي مرشداً ثالثاً للجمهورية الإسلامية
خلال هذه السنوات الخمس عشرة، لم يُنشر له حتى نصّ واحد أو خطاب واحد يعرّف الناس بآرائه
طهران – أمیر دبیری مهر
بعد مرور عشرة أيام على الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران، والذي أدّى في ساعاته الأولى إلى مقتل آية الله علي خامنئي، مرشد الجمهورية الإسلامية، أعلن مجلس خبراء القيادة مساء الأحد في بيانٍ رسمي اختيار مجتبى خامنئي (56 عاماً)، نجل آية الله خامنئي، مرشداً ثالثاً للجمهورية الإسلامية.

وخلال الأيام الأخيرة كان عددٌ من أعضاء مجلس خبراء القيادة في إيران، المكلّفين انتخاب المرشد، قد تحدّثوا عن هذا الاختيار. غير أنّ القانون ينصّ على أنّ الإعلان الرسمي عن المرشد يقع على عاتق أمانة مجلس الخبراء، ولا تتمتّع التصريحات الشخصية للأعضاء بأيّ صفة قانونية. ويُقال إنّ سبب التأخير عشرة أيام في إعلان المرشد الثالث للجمهورية الإسلامية يعود إلى مسألتين: الأولى القلق من احتمال اغتيال الولايات المتحدة وإسرائيل للمرشد الجديد، وهو خطر لا يزال قائماً؛ والثانية إصرار هيئة رئاسة مجلس الخبراء على عقد الاجتماع بشكلٍ حضوري رغم التهديدات الأمنية.

وقبل أيام قليلة قام بعض رجال الدين والشخصيات السياسية والعسكرية والأمنية، مع التأكيد على ضرورة الإسراع في اختيار المرشد الجديد، بجمع أصوات أعضاء مجلس الخبراء من مختلف أنحاء البلاد وإحصائها. غير أنّ هذه الطريقة لم تحظَ بموافقة هيئة رئاسة مجلس الخبراء، وخصوصاً آية الله حسيني بوشهري رئيس أمانة المجلس.

وبعيداً من هذه الأخبار التي حظيت باهتمامٍ واسعٍ خلال الأيام الماضية، يبقى السؤال الأهمّ: ما تأثير اختيار مجتبى خامنئي مرشداً ثالثاً للجمهورية الإسلامية على سياسات النظام، وخصوصاً على الحرب الجارية مع الولايات المتحدة وإسرائيل؟ وفي هذا الصدد يمكن تصوّر سيناريوهين.

لكن قبل عرضهما، ينبغي الإشارة إلى مسألةٍ مهمّةٍ تتعلّق بمجتبى خامنئي تجعل التنبؤ بقراراته أمراً صعباً ومعقّداً. فقد طُرح اسمه بصفته خليفةً محتملاً لآية الله خامنئي قبل خمسة عشر عاماً، بعد الاحتجاجات السياسية الواسعة التي أعقبت نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2009. ومنذ ذلك الحين كانت تُنشر باستمرار أخبار تفيد بأنّه يلعب دوراً مهماً داخل مكتب المرشد، وخصوصاً في ما يتعلّق بالمؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية. فعلى سبيل المثال أشار محمد سرافراز، الرئيس السابق لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، في مذكّراته إلى النفوذ الكبير الذي يتمتع به مجتبى خامنئي.

ومع ذلك، وخلال هذه السنوات الخمس عشرة، لم يُنشر له حتى نصّ واحد أو خطاب واحد يعرّف الناس بآرائه. كما أنّ آية الله خامنئي نفسه لم يذكر اسمه علناً ولو مرةً واحدة، ولم يدلِ بأيّ تصريح يمكن أن يُفهم منه أنّه يميل إلى اختيار أحد أبنائه الأربعة (مصطفى، مجتبى، مسعود، أو ميثم) خليفةً له. وقد جعل هذا الأمر مستقبل القيادة في إيران دائماً في حالةٍ من الغموض، ولا يزال يجعل التنبؤ بالتطورات المقبلة أمراً صعباً.

وبناءً على ذلك، فإنّ السيناريوهين المحتملين بعد اختيار مجتبى خامنئي يتمثّلان في الآتي:

السيناريو الأول: مجتبى خامنئي يواصل سياسة والده

وفق السيناريو الأول، وهو الذي يبدو أكثر احتمالاً، سيواصل مجتبى خامنئي نهج والده وسياساته كما كانت في السابق. وتشير الأخبار غير الرسمية الى دعم شخصياتٍ عسكريةٍ وأمنيةٍ لاختياره، إلا أنّه لا يُتوقع أن يُحدث تغييراً في سياسات الجمهورية الإسلامية. ويرى كثيرون أنّه رغم تعرّض مكتب عمل آية الله خامنئي ومقره للقصف مرتين، فإنّ البنية المتماسكة والتنظيم الأمني لمكتبه سيُحافَظ عليها ويُعاد بناؤها باختيار ابنه، وبعبارةٍ أخرى سيستمرّ النفوذ داخل “بيت خامنئي”.

وفي ما يتعلّق بالحرب الجارية، فإنّ اختيار المرشد الجديد وتعزيز تماسك القيادة العسكرية والسياسية سيؤديان إلى تصعيد المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. كذلك ستستمرّ السياسة المُعلنة للجمهورية الإسلامية التي تؤكد ضرورة معاقبة الولايات المتحدة بسبب ما تصفه بالعدوان العسكري على إيران.

وقد أكّد علي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي ومحمد باقر قاليباف رئيس مجلس الشورى في آخر مواقفهما الرسمية هذه السياسة، ما يدلّ على أنّهما يعتبران مجتبى خامنئي داعماً لها، ولذلك أعلنا تأييدهما القويّ لها مسبقاً، بل إنّهما عبّرا عن موقفٍ مخالفٍ لرأي الرئيس مسعود بزشكيان الذي كان قد دعا إلى وقف الهجمات على الدول العربية.

وإذا تحقق هذا السيناريو، فهناك أيضاً احتمال اغتيال المرشد الجديد، كما أشار دونالد ترامب إلى ذلك على الأقل مرتين، قائلاً إنّ المرشد الجديد إذا واصل سياسات سلفه فقد يتمّ استهدافه من الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد تؤدي هذه السياسة الأميركية، في حال اغتيال المرشد الثالث، إلى انهيار الجمهورية الإسلامية أيضاً.

السيناريو الثاني: سيقيم مجتبى علاقات أفضل مع العالم
أمّا السيناريو الآخر فيفترض أن يفتح مجتبى خامنئي طريقاً وفضاءً جديدين في السياسة الإيرانية. فقد أشار بعض مؤيّديه منذ سنوات في الفضاء الافتراضي إليه بصفته “بن سلمان إيران”، نسبة إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد، مؤكدين أنّه، خلافاً لما يروّجه معارضوه، مهتمّ بالتنمية وبإقامة علاقاتٍ أفضل مع العالم. غير أنّ هؤلاء لم يقدّموا أيّ مؤشرات أو أدلّةٍ تدعم هذا الادعاء.

لكن إذا افترضنا صحّة هذا الطرح، فقد يبدأ مجتبى خامنئي مرحلة جديدة في حكم الجمهورية الإسلامية من خلال مراجعة السياسات السابقة، ولاسيما منها ما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة، خصوصاً في ظلّ حديث واشنطن بعد الهجوم العسكري على إيران عن تمهيد الطريق لإسقاط النظام الإيراني.

ويقول المؤمنون بهذا السيناريو إنّ مرحلة حكم مجتبى خامنئي قد تشهد إعلان عفوٍ عامٍ عن السجناء السياسيين، وفتح المجال السياسي، وإيجاد منافسةٍ سياسية، والعمل على تحسين العلاقات مع الدول الأخرى، ولا سيما منها دول الخليج، والاستفادة من جميع الطاقات السياسية والإدارية داخل البلاد بغضّ النظر عن توجهاتها السياسية. وبناءً على ذلك قد تنتهي الحرب الجارية ويُعلن وقف النار. ووفقاً للدستور الإيراني فإنّ إعلان الحرب أو وقفها وكذلك القيادة العامة للقوات المسلحة، هي من صلاحيات المرشد.

والدليل الوحيد الذي يُستند إليه لتأكيد هذا السيناريو هو أخبار غير رسمية تفيد بأنّ المرشد الراحل كان، خلال السنوات الأخيرة، على علمٍ ببعض التوجّهات المختلفة لنجله في مجال السياسة والعلاقات الخارجية، ولذلك قام بتقييد صلاحياته بحيث قلّت الأخبار عن نشاطاته. بل إنّ بعض الشخصيات الأمنية القريبة منه، مثل حسين طائب الرئيس السابق لمنظمة استخبارات الحرس الثوري، أُقيلوا من مناصبهم.

ومع ذلك يبقى الغموض قائماً: فإذا أراد مجتبى خامنئي إجراء تغييراتٍ جوهريةٍ في سياسات الجمهورية الإسلامية، فماذا سيقول لأنصار النظام وقاعدته الاجتماعية الذين قد يعارضون هذه التغييرات؟ وكيف سيتمكّن من تجاوز معارضتهم؟

يمكن القول إنّ الواقع السياسي، وإن كان يتشكّل أولاً في أذهان السياسيين، فإنّ تحوّله إلى قرارٍ سياسيٍ يعتمد أساساً على الأحداث المحيطة وعلى أفعال الآخرين. لذلك، بعد الإعلان عن مجتبى خامنئي وبدئه العمل بصفته المرشد الثالث للجمهورية الإسلامية، لن يكون الأهمّ ما يدور في ذهنه بقدر ما سيكون مسار التطورات هو الذي سيُظهر أيّ السيناريوهين سيتحوّل إلى واقع.
النهار


الحدود اللبنانية السورية قنبلة موقوتة.. إسرائيل على الخط ورسائل الشرع لبيروت/ نادر حجاز
9 مارس 2026
تحوّلت الحدود اللبنانية السورية، لجهة سلسلة جبال لبنان الشرقية الوعرة والشائكة، إلى منطقة عسكرية مفتوحة على الكثير من الاحتمالات والسيناريوهات، لا سيما بعد دخول الإسرائيلي على الخط وتنفيذه عمليات استطلاع بالنار، من خلال عمليتي إنزال تحملان الكثير من التساؤلات والمؤشرات.

تُعتبَر السلسلة الشرقية في البقاع الجنوبي، من جبل الشيخ حتى مشارف دمشق، وعلى بُعد لا يتعدّى 10 كلم فقط من نقطة المصنع الحدودية، تحت السطوة الإسرائيلية من خلال النقاط التي احتلّها الجيش الإسرائيلي بعد سقوط نظام الأسد.

أما الجزء الآخر منها وصولًا إلى البقاع الشمالي، حيث الخزان الشعبي والعسكري لحزب الله، فيشهد تحشيدًا عسكريًا غير مسبوق من قِبل الجيش السوري، واستنفارًا من الجانب اللبناني، سواء لجهة الجيش اللبناني أو حزب الله، لا سيما بعد العمليات الإسرائيلية هناك، والتي جعلت المشهد أكثر تعقيدًا.

اتصالات شخصية للشرع

دفع ارتفاع منسوب القلق في لبنان، والتسريبات الإعلامية والأمنية بأن دمشق تُحضّر لعمل ما في البقاع، بالرئيس السوري أحمد الشرع، وفي خطوة لافتة، إلى إجراء سلسلة اتصالات شخصية بعدد من المسؤولين اللبنانيين، ومن المرجّح أن يستكملها باتصالات أخرى.

وفيما بدا اتصاله طبيعيًا برئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، وطمأنته بأن الإجراءات المتخذة عند الحدود هي احترازية فقط، وشبيهة بتلك المتخذة عند الحدود السورية – العراقية، إلا أن تواصله مع سياسيين ورؤساء أحزاب كان خطوة لافتة، إذ نقل رسالة الطمأنة نفسها إلى الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس حزب الكتائب اللبنانية سامي الجميل.

فما حقيقة المشهد الحدودي اللبناني السوري؟ ولماذا قام الشرع بهذه المبادرة؟

تدخّل سوري؟

يشير رئيس تحرير جريدة الأنباء صلاح تقي الدين، الناطقة باسم الحزب التقدمي الاشتراكي، في حديث لموقع “الترا صوت”، إلى أن “اتصال الشرع بالرئيس سلام كان لشرح الإجراءات التي اتخذها الجيش السوري عند الحدود مع لبنان، وهي ليست بهدف أو نيّة، كما يبيّت البعض من المسيئين إلى ترسيخ العلاقة بين لبنان وسوريا، ويسوّقون على أنها لاجتياح لبنان ومحاصرة حزب الله”.

ويضيف: “كان الشرع واضحًا منذ اليوم الأول الذي تولّى فيه قيادة سوريا الجديدة، بأنه لا يريد ولا ينوي التدخل في لبنان عبر محاولات انتقام مما جرى خلال عهد النظام السوري السابق، بل يريد أن تكون العلاقة مؤسساتية”.

أما عن اتصاله بوليد جنبلاط، فيقول تقي الدين: “كان بهدف شرح كل التدابير والإجراءات المتخذة التي أُبلغت أيضاً إلى رئيس الحكومة. فالعلاقة بين سوريا ولبنان تسير وفق خطة بناء علاقات مستقرة ودائمة بين البلدين على أساس مؤسساتي”.

وكانت مناسبة، بحسب تقي الدين، لاستعراض الواقع في الجنوب السوري، حيث “بحث معه في المحاولات الجدية التي تجريها الإدارة السورية لحل مسألة السويداء، استنادًا إلى الاتفاق الذي جرى مع قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا، انطلاقًا من أن القرار الرسمي السوري هو المحافظة على وحدة سوريا وإشراك السويداء في هذا الإطار”.

ضبط الحدود

تشكل الحدود اللبنانية السورية مادة بحث أساسية بين البلدين، وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد زوّد كلا من دمشق وبيروت بوثائق وخرائط من أرشيف الانتداب الفرنسي، من شأنها المساعدة على ترسيم الحدود وضبطها لجهة إقفال معابر التهريب غير الشرعية ومحاربة تجارة المخدرات النشطة عند طرفي الحدود.

ومنذ تولّي الإدارة الجديدة الحكم في سوريا لم يُبذل بعد أي جهد فعلي على خط الترسيم، إنما عُقدت اجتماعات أمنية لترتيب الوضع الحدودي، حصلت برعاية سعودية في أعقاب الاشتباكات التي شهدتها بلدة حوش السيد علي الحدودية عام 2025.

إلا أن خروج الأوضاع الميدانية عن السيطرة بعد اندلاع الحرب الإيرانية ودخول لبنان في المعركة يفتح الحدود بين البلدين على احتمالات كثيرة، فيما تبدو المنطقة برمّتها مقبلة على إعادة رسم مناطق نفوذ وأدوار، وربما خرائط جديدة. ويجعل السؤال في لبنان مشروعًا: هل من داعٍ للقلق فعلاً؟

“تهويل بعد التحشيد”

يعتبر مدير تحرير موقع “الكتائب” الإخباري إسكندر خشاشو، في حديث لموقع “الترا صوت”، أن “التحركات السورية عند الحدود هي لضبط الوضع، فالأمور في لبنان تتجه إلى التدهور بعد الحرب، ما استدعى تحرّكًا حدوديًا من الجانب السوري، في ظل الحدود الطويلة والمتشعبة بين البلدين، لا سيما أن الجزء الأكبر من هذه الحدود يسيطر عليه حزب الله. ويُشار إلى أن هذه الإجراءات اتُّخذت أيضاً عند الحدود العراقية. ويؤكد السوريون أنه لا نية لأي عمل أو تدخل في لبنان، والرئيس السوري منذ تولّيه السلطة أعلن أن سوريا لن تدخل في حروب جديدة”.

ويضيف: “الجيش السوري فتيّ جدًا ولا يملك الإمكانات الضخمة لفتح حروب جديدة، وهو جيش يتشكّل حديثاً ويحتاج إلى الكثير من العمل والجهد. كذلك فإن سوريا الخارجة منهكة من حرب أهلية غير قادرة على فتح جبهة جديدة مع لبنان، لا سيما أن أي معركة مع حزب الله في عمق البقاع ليست بالأمر السهل. فالكلام عن أن هذا التحشيد العسكري هو مدخل للتدخل البري في لبنان يندرج في إطار التهويل”.

المرة الأولى منذ 30 سنة

ويوضح خشاشو أن “الرئيس السوري يحاول شرح هذا الأمر لكل الفرقاء اللبنانيين، وكان الاتصال اللافت مع رئيس حزب الكتائب الذي عارض النظام السوري السابق، وهذا التواصل الكتائبي – السوري هو الأول الذي يحصل منذ أكثر من 30 سنة”.

ويشير إلى أن “وزير العدل عادل نصار، ممثل حزب الكتائب في الحكومة، بذل جهدًا كبيرًا لحل قضية الموقوفين السوريين في لبنان، وأبدى تعاونًا كبيرًا مع السلطات السورية، وهذا كان من الأسباب التي ساهمت في فتح خطوط مع الدولة السورية، إضافة إلى تاريخ حزب الكتائب المعارض طوال عقود لنظام الأسد”.

ويلفت إلى أن “الاتصال مهم جدًا لعودة العلاقة مع سوريا الدولة ضمن إطار المؤسسات، وبعلاقة ندية من دولة إلى دولة. وتمحور الحديث حول الحدود والطمأنة بأن ما يجري هو فقط لحماية الحدود. والشرع سيستكمل اتصالاته مع العديد من القوى السياسية اللبنانية والسورية”، معتبرًا أن ضبط الحدود من الجانب السوري يجب أن يكون “مطلبًا لبنانيًا أولًا”.

وفيما يشير إلى أنه “حتى اللحظة لم تصدر أي حركة عن الجانب السوري تدل على أن لديه نية هجومية على لبنان”، يشدد على أن “العلاقة أصبحت قائمة بين دولة ودولة، ودمشق عيّنت قائمًا بالأعمال في سفارتها، ومن قاتل 30 سنة رفضًا للوصاية لن يطالب بأي وصاية جديدة مهما كانت ظروفها”.

لاعبون كثر

يبدو أن الحدود اللبنانية السورية ستكون مسرحًا لأحداث كثيرة، وعبر لاعبين كثر، لا سيما أن تكرار الإنزال الإسرائيلي للمرة الثانية يؤكد أن النوايا الإسرائيلية أبعد من قضية البحث عن جثة الطيّار الإسرائيلي رون أراد، بانتظار إجابات وأدلّة أوضح في الأيام المقبلة.

إلا أن الخطر يكبر في تلك المنطقة، التي أصبحت أشبه بقنبلة موقوتة، حيث تختلط النيران بالمخططات، وأي حدث أمني قد ينفجر ويتسع في أي لحظة، وتبقى العين على الإسرائيلي أولًا، وما يرسمه من سيناريوهات اجتياح برّي ونوايا لفصل الجنوب عن البقاع.


ما الذي يحمله المستقبل لإيران؟.. نيويورك تايمز تستقرئ 6 خبراء
تناول مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز مستقبل إيران بعد الحرب التي اندلعت عقب مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربات الأمريكية الإسرائيلية.

وأكدت الصحيفة الأمريكية أن الحدث أحدث انقساما عميقا بين الإيرانيين، فبينما رآه البعض نهاية حقبة قمعية وبداية أمل بالتغيير، اعتبره آخرون مأساة وطنية وتدخلا خارجيا جديدا في تاريخ إيران.

وفي ظل اتساع الحرب وسقوط مئات القتلى واستمرار الرد الإيراني في المنطقة، يبقى مستقبل الدولة الإيرانية غامضا. لذلك طلبت الصحيفة من 6 كتّاب وخبراء تقديم قراءاتهم لما قد يحدث لاحقا، ومناقشة 6 زوايا يمكن أن توضح سيناريوهات تطور الحرب.

هل ستنهار الحكومة؟

يرى تريتا بارسي، مؤسس ونائب رئيس معهد كوينسي، أن الافتراض الأمريكي بأن النظام الإيراني على وشك الانهيار كان خطأ.

وبحسب رأيه، فإن اغتيال خامنئي واستهداف قيادات عديدة لم يؤديا إلى انهيار الحكومة، لأن هيكل الدولة صُمم أساسًا ليبقى حتى في حال فقدان قياداته.

وأضاف أن الضربات الأمريكية الإسرائيلية، وانتشار الأخبار عن استخدام البطاقة الكردية، عزز النزعة الوطنية داخل إيران حتى لدى المعارضين، مما قد يمنح النظام فرصة لإعادة تجميع صفوفه، خاصة إذا شعر الإيرانيون أن الهدف الخارجي هو تقسيم البلاد.

كيف سيكون الحرس الثوري؟

أكد علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، أن الحرس الثوري هو الجهة الأكثر قدرة على السيطرة على السلطة بعد الحرب.

وأوضح أن الحرس الثوري ليس مجرد قوة عسكرية، بل مؤسسة متغلغلة في الاقتصاد والسياسة والإعلام.

وحتى مع تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، يقدر واعظ أنه سيكون ضعيفا سياسيا مقارنة بخامنئي، بينما يمارس الحرس الثوري السلطة الفعلية خلف الكواليس.
هل تقوم ثورة؟

بحسب نيويورك تايمز، ترى سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد تشاتام هاوس البريطاني، أن الضربات العسكرية فتحت فرصة تاريخية لتغيير سياسي في إيران، لكن المعارضة غير مستعدة لاستغلالها.
إعلان

وقالت إن المعارضة -سواء من ينادون بعودة الحكم الملكي أو مجاهدو خلق أو بعض المجموعات العرقية مثل الأكراد– غارقة في صراعات أيديولوجية وتاريخية، ولا تملك “خطة لليوم التالي” أو قيادة موحدة.

وبالتالي -وفق وكيل- فإن الغضب الشعبي وحده لا يكفي لإحداث انتقال سياسي منظم.

وخلصت إلى أنه رغم عقود من الاحتجاجات التي قللت من شرعية الحكومة الإيرانية، فإن غياب الأسس السياسية البديلة قد يؤدي إلى ضياع “فرصة تاريخية” بإحداث تغيير دائم في إيران.

هل تعود الملكية؟

ناقش ستيفن كينزر، الباحث في جامعة براون، احتمال عودة الملكية عبر رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق.

وأكد أن هذا السيناريو غير مرجح، لأن التاريخ الإيراني (منذ تخطيط الاستخبارات الأمريكية والبريطانية لانقلاب على حكومة محمد مصدق في 1953) ترك “ندبا عميقا” في النفسية الوطنية، مما جعل المجتمع الإيراني شديد الحساسية تجاه أي زعيم يصل إلى السلطة بدعم خارجي.

ويرى الكاتب أن الرهان على ابن الشاه مقامرة غير مضمونة، وفق تعبيره؛ إذ يُنظر إليه كمرشح “غير جدي” يفتقر لفهم واقع إيران اليوم، ويُؤخذ عليه شدة ولائه لواشنطن وتل أبيب.

وحسب رأيه، فإن أي قائد يأتي على ظهر الدبابات الأمريكية والإسرائيلية سيعد عميلا لهذه الدول، مما سيجعل حكمه مستحيلا.
خطر الفوضى الإقليمية

وحذرت ياسمين فاروق، مديرة مشروع الخليج في مجموعة الأزمات الدولية، من أن انهيار الدولة الإيرانية قد يؤدي إلى فوضى إقليمية واسعة.

وأشارت إلى أن إيران دولة كبيرة تضم نحو 90 مليون نسمة وتمتلك قدرات نووية وصاروخية وشبكات حلفاء في المنطقة، وإذا انهارت مؤسسات الدولة، فقد تنتشر هذه القدرات بين جماعات مسلحة مختلفة.

وترى أن النتيجة قد تكون موجة نزوح ضخمة وفوضى أمنية تمتد من الخليج إلى آسيا الوسطى، بما يتجاوز في تأثيرها حتى أزمة الحرب السورية.
الإيرانيون مالكو أمرهم

بدوره يعتقد متين-عسكري، أستاذ التاريخ في جامعة ولاية كاليفورنيا، أن أفضل سيناريو هو انتقال سياسي يقوده الإيرانيون أنفسهم.

ولفت إلى أن النظام يعاني منذ سنوات من أزمات اقتصادية وسياسية عميقة، وأن المجتمع الإيراني شهد موجات احتجاج واسعة. لذلك فإن التغيير قد يأتي عبر استفتاء دستوري أو عملية انتقالية يقودها سياسيون إصلاحيون وشخصيات من المجتمع المدني.

وخلص إلى أن نجاح أي تحول ديمقراطي يتطلب وقف الحرب، وترك الإيرانيين يقررون مستقبلهم من دون تدخل خارجي.

وبين هذه الزوايا الست المتباينة في قراءة المشهد، يبقى مستقبل إيران مفتوحًا على تساؤلات كبرى، بين احتمالات صمود الحكومة، أو صعود قوى جديدة بدعم إسرائيلي أمريكي، أو دخول البلاد مرحلة تحولات عميقة لم تتضح ملامحها بعد.
المصدر: نيويورك تايمز


نتنياهو وقرار الحرب: كيف دخلت واشنطن المواجهة مع طهران؟
في قراءتها لأسباب الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، قدّمت بعض وسائل الإعلام غربية فرضية تقول إن مكالمة بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، في 23 شباط/ فبراير، التي حسمت قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ببدء الحرب على إيران تركّزت على المعلومات الاستخبارية التي تفيد بأن المرشد الإيراني وكبار مستشاريه سيجتمعون في مكان واحد في طهران بعد خمسة أيام، وأن ذلك يشكّل فرصة لا يمكن تفويتها لاغتيالهم جميعا.
ربطت تحليلات لاحقة قرار ترامب الخطير بسيناريو تم تسويقه إسرائيليا لدى الرئيس الأمريكي يؤكد مصيرا للنظام في إيران يشبه ما حصل في فنزويلا إثر التخلّص من الرئيس نيكولاس مادورو عبر خطفه وزوجته، في 3 تشرين ثاني/ يناير الماضي، وما تبع ذلك من توافقات مع الرئيسة بالوكالة، ديلسي ردوريغيز، التي غلّبت آراء مسألة تواطئها مع واشنطن، فيما أن الاحتمال الآخر الممكن هو أنها وافقت على الخضوع لقوة حصار اقتصادي وعسكري لا طاقة للبلاد بتحملها.
يتقاطع هذا التحليل مع تصريح ترامب الذي أعلن فيه وفاة المرشد الأعلى الإيراني واصفا إياه بأنه “أعظم فرصة للشعب الإيراني لاستعادة بلاده”، وبدا اقتراحه على القيادة الإيرانية التفاوض بعد الضربة، متوافقا مع تصوّره لإمكانية تحقّق “المثال الفنزويلي” في إيران.
ترافق سيناريو “إقناع” نتنياهو لترامب بفكرة “قطع الرأس” لإخضاع الجسد (وهي طريقة وحشية اتبعها الإسبان في غزوهم للقارة الأمريكية وقدّم لها ميكيافيلي تأطيرا نظريا في كتابه “الأمير”)، التي نجحت في فنزويلا، مع استغلال نتنياهو حاجة ترامب إلى الحرب كمهرب من الملابسات المخفيّة لعلاقة الرئيس الأمريكي بفضائح إبستين.
برز تفسير آخر، لا يُخضع قرار الحرب إلى “مزاج” ترامب، وقدرة نتنياهو (المستند على الأغلب إلى طاقم علماء النفس في الجيش الإسرائيلي) على استغلال ذلك المزاج، وهو يقول إن خطف مادورو واستتباع فنزويلا، واحتياطها النفطي الهائل، لأمريكا، كان بندا ضمن الاستراتيجية الأمريكية لتغطية تداعيات اضطرابات أسواق الطاقة في العالم في حال لجأت إيران، كما يحصل حاليا، من استهداف هذه الأسواق عبر الهجمات على دول الخليج وناقلات النفط في مضيق هرمز، لكن هذا، لا يمنع طبعا مسألة أن نتنياهو تمكن من استغلال النجاح الذي حققه ترامب في فنزويلا لتسويق فكرته عن اغتيال خامنئي.
أعلنت إيران، أمس الأحد، عن انتخاب مرشد جديد (من دون ذكر اسمه)، وعن تصعيد مكثّف لهجماتها على إسرائيل، وكذلك على قواعد أمريكية ومرافق اقتصادية في دول الخليج العربي والأردن (رغم إعلان الرئيس مسعود بزشكيان “اعتذار” بلاده عن هذه الهجمات الأخيرة).
جاء الانتخاب والتصعيد بعد تصريحات متضاربة لترامب، عن أن شخصيات إيرانية “مقبولة” قد قضت خلال الضربة الكبرى الأولى التي اغتالت المرشد علي خامنئي وكبار القادة العسكريين والأمنيين الإيرانيين، وهو ما رأى فيه ضابط استخبارات أمريكي سابق، في مقال نشره، إشارة إلى أن ترامب لا يستطيع أن يميّز بين المعلومات السرّية التي لا يجب الإدلاء بتصريحات حولها، عن المعلومات الممكن إعلانها، وهو أمر معروف، على أية حال، ولدى ترامب سوابق عديدة فيه، كما فعل حين ذكر أن عملاء إسرائيليين زاروا المنشأة النووية الإيرانية في فوردو عقب قصفها في غارة أمريكية العام الماضي.
سواء أكانت الحرب قرارا استراتيجيا مبرما لدى إدارة ترامب قبل زمن طويل، وأن المفاوضات “ستار دخان” لخداع الإيرانيين، أو أن نتنياهو نجح في استغلال نقاط ضعف الرئيس الأمريكي، فإن المحصّلة هي أن أمريكا دخلت منطقة الزلازل الشرق أوسطية من جديد، وأن إسرائيل ستسعى جاهدة لاستمرار هذه الحرب بهدف تغيير معادلات المنطقة والعالم، وإذا لم تؤد النتائج المعاكسة لسيناريو فنزويلا في إيران، والخسائر الاقتصادية العربية والعالمية، وسيناريوهات “القيامة” العديدة المفتوحة، إلى تغيير “المزاج” الحربيّ لترامب وإدارته، فإن خط زلازل كبير سيتشكل من اليابان والصين وروسيا إلى أمريكا، وسيعاني العرب، على الخصوص تداعيات كبيرة لا يمكن تخيّل نهاياتها.
القدس العربي


الرد الإيراني فاجأ ترامب واخترقت المسيرات “القبة الحديدية” لنتنياهو الحالم منذ 40 عاما بتغيير النظام
تساءلت المعلقة في مجلة “ذي نيويوركر” روبن رايت عن المسار الذي تمضي فيه الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران.
وقالت إن النظام الإسلامي ظل، منذ عام 1979، العدو الرئيسي لثمانية رؤساء أمريكيين. ولم يستطع أي منهم كبح جماح ثوراته السياسية أو عملياته السرية التي أودت بحياة أكثر من ألف أمريكي في لبنان والعراق وأفغانستان، ولا توسعه عبر إنشاء حركات متطرفة مماثلة في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

وقد اعتبرت الجمهورية الإسلامية منطقتها الصغيرة منطقة عازلة دفاعية ضد التدخل الأمريكي والإسرائيلي. ونظرت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إيران باعتبارها التهديد الأكثر استمرارا في أكثر مناطق العالم اضطرابا.

والآن بدأ الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في تدمير النظام عسكريا وسياسيا، في حرب اختيارية متهورة بلا نهاية واضحة أو مدروسة، وفي حالة ترامب دون موافقة مسبقة من الكونغرس أو تحذير لدافعي الضرائب الأمريكيين. ففي إطار عملية “الغضب الملحمي”، نشرت إدارة ترامب حتى الآن ما يقرب من نصف القوة الجوية الأمريكية ونحو ثلث أصولها البحرية.

وقدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن التكلفة تبلغ نحو 900 مليون دولار يوميا. وعلى غرار حملة “الصدمة والترويع” الأولية خلال عملية تحرير العراق عام 2003، كان الأسبوع الأول من الحرب ناجحا عسكريا، حيث قتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وعشرات من كبار المسؤولين. وتضررت ترسانة إيران من الصواريخ الباليستية بشكل كبير، وتحولت منشآتها الاستراتيجية إلى ركام.

كما دمرت قواتها البحرية، إذ أغرقت غواصة أمريكية سفينة حربية إيرانية في المحيط الهندي، في أول ضربة من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية. وتفاخر وزير الدفاع بيت هيغسيث قائلا: “موجات أكبر قادمة، نحن في البداية فقط”. وأضاف أن قدرات إيران “تتلاشى”.

وكما هو معتاد، دعا ترامب الإيرانيين إلى الانتفاض ضد النظام الديني القمعي، ودعا الأسبوع الماضي إلى “استسلامه غير المشروط”، ولكنه قال أيضا إنه مستعد للتعامل مع زعيم ديني جديد. ومنذ عام 2017 شارك ملايين الإيرانيين في الاحتجاجات. وقتل عشرات الآلاف. ومع ذلك يبدو اندلاع انتفاضة أمرا مستبعدا في الوقت الراهن.

وسيحتاج الإيرانيون أولا إلى إعادة بناء حياتهم السياسية والمادية، ورغم أن الغضب الشعبي من الحكومة لم يهدأ، إلا أن التدخل العسكري الأجنبي قد أشعل شرارة النزعة القومية المتأصلة منذ آلاف السنين. كما يبدو من غير المرجح انضمام العديد من أفراد قوات الأمن الإيرانية، الذين يزيد عددهم عن مليون فرد، بمن فيهم جنود الاحتياط، إلى ثورة شعبية.

كما زعزعت الحرب النظام الدولي، المضطرب أصلا. فبعد حربين كارثيتين خاضتهما الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان يسود شعور ينذر بالسوء حيال مدى الفوضى والتكلفة والخسائر الفادحة التي قد تنجم عن هذه الحرب، مهما بدا ترامب واثقا.

ذلك أن إيران أكبر حجما، من حيث المساحة وعدد السكان، من العراق وأفغانستان مجتمعتين. وهي بلا شك الدولة الجيوسياسية الأهم في المناطق الثلاث التي تحدها: العالم العربي، والجمهوريات المستقلة عن الاتحاد السوفييتي في آسيا الوسطى التي ينتهي اسمها بـ “ستان”، وأفغانستان وباكستان النووية في جنوب آسيا.

وتمتلك إيران احتياطيات هائلة من النفط والغاز، إلى جانب أكبر جيش في الشرق الأوسط، ولها نفوذ قوي في أجزاء من العالم الإسلامي، لا سيما بين الشيعة.

وقد استغرب ترامب من حجم رد طهران، قائلا إنه كان أكبر مفاجأة له. فقد كانت إيران على أهبة الاستعداد، خاصة بعد حرب العام الماضي في حزيران/يونيو، عندما أمر الرئيس طائرات بي-2 الشبحية بإسقاط قنابل خارقة للتحصينات على المنشآت النووية في فوردو وناتانز وأصفهان.

وهذه المرة ردت إيران بشن غارات صاروخية وطائرات مسيرة على سبع دول مجاورة غنية بالنفط متحالفة مع الولايات المتحدة، من العراق إلى السعودية وعمان.

واستهدفت إيران مطارات دولية وفنادق ومتاجر وموانئ ومنشآت طاقة. ورغم التفوق الدفاعي الأمريكي استهدفت إيران السفارة الأمريكية في الرياض والقنصلية في دبي، وقاعدة العديد، أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط في قطر، ومقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، المسؤول عن تنسيق العمليات البحرية الأمريكية في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

وقال نتنياهو إنه كان يحلم منذ أربعين عاما بإسقاط النظام الإيراني، لكن الصواريخ الإيرانية اخترقت دفاعات “القبة الحديدية” الإسرائيلية، وأطلقت صفارات الإنذار مرارا وتكرارا لتنبيه سكان تل أبيب والقدس للبحث عن ملاجئ. وتعرضت عشرات المباني، بما في ذلك قاعدة جوية عسكرية، للقصف. وفتح حزب الله، حليف إيران القديم، جبهة ثانية مع إسرائيل انطلاقا من لبنان.

وقد أدى حجم الرد الإيراني إلى دفع حلفاء الولايات المتحدة، الذين كانوا مترددين في الانضمام إلى هجوم تقوده الولايات المتحدة، إلى الموافقة على مضض على القيام بدور في الحرب.

وتعهدت فرنسا وألمانيا وبريطانيا باتخاذ “خطوات للدفاع عن مصالحنا ومصالح حلفائنا في المنطقة”، حيث نشرت بريطانيا طائرات حربية في قطر. وأرسلت اليونان، عقب غارة بطائرة مسيرة على قبرص، أربع طائرات مقاتلة إلى الجزيرة. ووعدت إيطاليا بتزويد دول الخليج بأنظمة دفاعية.

وبحلول نهاية الأسبوع الأول من الحرب شاركت سبع عشرة دولة. وبعد قطع المساعدات العسكرية المباشرة لأوكرانيا العام الماضي تواصلت واشنطن مع كييف للاستفادة من خبرتها في مواجهة الطائرات المسيرة الإيرانية التي تستخدمها روسيا لمهاجمتها.

وبعيدا عن الأضرار المادية أثارت عملية “الغضب الملحمي” حالة من الذعر في الاقتصاد العالمي. فقد انخفضت أسعار الأسهم، وارتفع سعر النفط بنسبة 15%، بعد أن أغلقت إيران فعليا مضيق هرمز الذي يمر عبره خمس نفط وغاز العالم.

وأغلقت السعودية مؤقتا مصفاة رأس تنورة، إحدى أكبر مصافي النفط في العالم، بعد غارة بطائرة مسيرة. وعلقت قطر إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال. وبالتالي لا تزال إيران تمتلك بعض النفوذ.

يقول هادي سماتي، الأستاذ السابق للعلوم السياسية في جامعة طهران والمقيم حاليا في واشنطن: “إذا خرجت إيران من هذه الأزمة سالمة، فستكون قد انتصرت فعليا، وإن كان ذلك بقدرات عسكرية متراجعة”.

وقد يبقى النظام الإسلامي قائما. وحذرت سوزان مالوني، الخبيرة في الشؤون الإيرانية بمعهد بروكينغز، قائلة: “سنبقى أمام نسخة منهكة ومدمرة من الجمهورية الإسلامية، يقودها مسؤولون أكثر تصميما على التشبث بالسلطة، وأكثر ثقة بقدرتهم على البقاء، لأنهم صمدوا في وجه هذه الأزمة الرهيبة”.

وفي الأسبوع الماضي، بينما كان مجلس خبراء إيران يجتمع لانتخاب مرشد أعلى جديد، أصر ترامب على أحقيته في الموافقة. وقال لموقع أكسيوس: “يجب أن أشارك في عملية التعيين، كما حدث مع ديلسي [رودريغيز] في فنزويلا”.

ورفض ترامب ابن خامنئي المتشدد مجتبى، ووصفه بأنه “غير مقبول”. وقالت مالوني إن ترامب “يبدو أنه يعتقد أن هذه حلقة من برنامج ‘المتدرب’”.

لكن الجمعية قد تختار شخصية ثورية متشددة للإشارة إلى استمرارية النهج. وفي غضون ذلك يجد سكان إيران، البالغ عددهم 92 مليون نسمة، أنفسهم عالقين بين أتون الحرب ونظامها الدموي.

القدس العربي


كيف تستعد تركيا لاحتمال امتداد الحرب الإقليمية إلى أراضيها؟/ زيد اسليم
أنقرة- لم تعد تركيا تقف على هامش الحرب المشتعلة في الإقليم، بعدما دفعت المواجهة المفتوحة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، المنطقة إلى حافة انفجار أوسع تتجاوز ارتداداته ساحات القتال المباشرة.

فمع وصول تداعيات الضربات التي استهدفت إيران، يوم 28 فبراير/شباط الماضي، إلى دول مجاورة بينها تركيا، بدا واضحا أن أنقرة لم تعد معنية فقط بمتابعة الحرب من الخارج، بل بالاستعداد الجدي لاحتمال أن تطرق أبوابها أمنيا وعسكريا واقتصاديا.

وتتحرك تركيا على أكثر من جبهة لتحصين حدودها ومجالها الحيوي، واحتواء أي ارتدادات محتملة، في وقت يزداد فيه القلق من انزلاق الشرق الأوسط إلى مواجهة مفتوحة قد تعيد رسم توازناته السياسية والأمنية برمتها.
رفع الجاهزية العسكرية

رفعت تركيا مستوى جاهزيتها العسكرية تحسبا لأي تطورات قد تمسّ أمنها القومي، وتتابع أنقرة عن كثب التحركات العسكرية في المنطقة، لا سيما بعد سلسلة خطوات اعتبرتها مؤشرا على تصاعد الحضور العسكري الغربي قرب محيطها الحيوي.

وجاء ذلك في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة استهدف قاعدة “أكروتيري” الجوية البريطانية في قبرص، وهو ما دفع اليونان إلى الإعلان عن إرسال فرقاطتين وسرب من مقاتلات “إف-16” إلى الجزيرة لتعزيز دفاعاتها.

كما سمحت بريطانيا باستخدام قواعدها العسكرية في قبرص لدعم العمليات الأميركية في المنطقة، الأمر الذي زاد من مخاوف أنقرة من اتساع نطاق الانتشار العسكري حول الجزيرة.

وكشفت مصادر في وزارة الدفاع التركية أن أنقرة تدرس نشر مقاتلات “إف-16” في شمال قبرص التركية، بهدف تعزيز حماية المجال الجوي للجزيرة في ظل الظروف الإقليمية المتوترة.

وبالتوازي مع ذلك، أفادت تقارير إعلامية بأن القوات المسلحة التركية رفعت مستوى التأهب في الوحدات المنتشرة على الساحل المتوسطي وفي قواعدها العسكرية جنوبي البلاد، تحسبا لأي تطورات مفاجئة قد تنعكس على شرق المتوسط أو على الجبهة السورية المجاورة.
إعلان

وعاد ملف منظومة الصواريخ الروسية “إس-400” إلى واجهة النقاش مجددا. فبعد سنوات من تجميد تشغيل المنظومة نتيجة الخلافات مع الولايات المتحدة، تحدثت تقارير عن مباحثات تركية روسية حول إمكانية إعادة تفعيل النظام أو دمجه بشكل أفضل ضمن شبكة الدفاع الجوي التركية إذا تصاعدت التهديدات الجوية.

كما طرحت أنقرة فكرة تشغيل المنظومة بصورة مستقلة عن أنظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، في محاولة لتجاوز العقبات السياسية المرتبطة بها.
مقاربة متعددة المستويات

من جهته، يقول المنسّق العام لمركز الدراسات الأمنية في تركيا جهاد إسلام يلماز إن الخطوات التي اتخذتها أنقرة في الفترة الأخيرة تعكس بوضوح أنها تتعامل بجدية مع احتمال اتساع نطاق الحرب في المنطقة، مشيرا إلى أن تركيا تتهيأ لهذا السيناريو من خلال مقاربة أمنية متعددة المستويات.

وأوضح يلماز للجزيرة نت أن القوات المسلحة التركية حافظت منذ فترة طويلة على مستوى مرتفع من الجاهزية العملياتية، مستفيدة في ذلك من خبرتها العسكرية وتكاملها مع منظومات حلف الناتو، إلى جانب التطور المتسارع في قدرات الصناعات الدفاعية المحلية.

وأشار يلماز إلى أن التحديات المحتملة لا ترتبط بالقدرات العسكرية المباشرة بقدر ما تتعلق بتداعيات حرب إقليمية طويلة الأمد ومتعددة الجبهات.

لكنه لفت إلى أن السياسات التي اتبعتها أنقرة خلال السنوات الأخيرة تهدف إلى تقليص هذه المخاطر وتعزيز قدرة تركيا على التحرك بقدر أكبر من الاستقلالية الإستراتيجية خلال فترات الأزمات.

الاستعدادات الإنسانية

أولت أنقرة البعد الإنساني اهتماما مبكرا تحسبا لارتدادات الحرب على حدودها الشرقية، لا سيما احتمال تدفق موجات نزوح من إيران إذا ما تدهورت الأوضاع الميدانية هناك.

وكشفت وزارة الداخلية التركية عن إعداد خطة طوارئ متعددة السيناريوهات للتعامل مع أي تدفق محتمل للنازحين بسبب الحرب، تقوم على 3 مسارات رئيسية:

محاولة احتواء موجات النزوح خارج الحدود من خلال تشديد الرقابة والإجراءات الأمنية على الجانب الإيراني.
إنشاء مناطق عازلة مؤقتة قرب الشريط الحدودي في حال تعذر وقف التدفق.
السماح بدخول اللاجئين إلى الأراضي التركية ضمن آلية منظمة تشرف عليها الدولة، مع نقلهم إلى مخيمات ومراكز إيواء محددة.

وأكد وزير الداخلية مصطفى تشيفتشي أن السلطات التركية وضعت بالفعل ترتيبات أولية لاستيعاب نحو 90 ألف شخص في مخيمات ومرافق إيواء مؤقتة في حال وقوع تدفق مفاجئ.

غير أن الباحث في شؤون الهجرة حيدر شان يرى أن أي موجة نزوح جديدة نحو تركيا في حال اتساع الحرب في المنطقة قد تفرض تحديات اجتماعية معقدة تتعلق بقدرة الخدمات العامة على الاستيعاب والحفاظ على التماسك الاجتماعي.

وقال شان للجزيرة نت إن الخبرة التي اكتسبتها تركيا خلال إدارة ملف اللاجئين السوريين تمنحها أدوات أفضل للتعامل مع أي أزمة نزوح محتملة إذا ما جرت إدارتها بمقاربة منظمة توازن بين البعد الإنساني والاستقرار الاجتماعي.

الاستعدادات الاقتصادية

لم تغفل أنقرة تحصين جبهتها الاقتصادية في مواجهة تداعيات الحرب الإقليمية، في ظل ما يرافق الصراع من تقلبات حادة في أسواق الطاقة والمال العالمية.

ومع الساعات الأولى لاندلاع المواجهات، سارع البنك المركزي التركي إلى اتخاذ حزمة إجراءات عاجلة بهدف احتواء اضطرابات الأسواق والحفاظ على استقرار العملة المحلية، فأعلن تعليق مزادات إعادة الشراء لمدة أسبوع، إلى جانب إطلاق عمليات بيع للعملة الأجنبية الآجلة المقومة بالليرة، في خطوة استهدفت الحد من التقلبات وتأمين سيولة كافية من النقد الأجنبي داخل السوق.

وبالتوازي مع هذه التدابير النقدية، تدخلت السلطات المالية لدعم الليرة عبر ضخ سيولة من احتياطيات البنك المركزي. وكشفت وكالة بلومبيرغ أن تركيا أنفقت نحو 12 مليار دولار خلال أسبوع واحد للدفاع عن العملة المحلية في مواجهة الضغوط التي فرضتها الاضطرابات في الأسواق العالمية على خلفية الحرب.

ويعادل هذا المبلغ نحو 15% من احتياطات النقد الأجنبي لدى البلاد، وهو ما ساهم في الحد من تقلبات العملة، إذ حافظت الليرة على قدر من الاستقرار مقارنة بالتراجع الذي شهدته عملات عدة في الأسواق الناشئة خلال الفترة نفسها.

وعلى صعيد قطاع الطاقة، تراقب أنقرة عن كثب تداعيات الحرب على إمدادات النفط والغاز في المنطقة، لا سيما بعد أن أدت الضربات المتبادلة إلى اضطراب حركة الصادرات عبر مضيق هرمز وبعض المسارات الحيوية الأخرى.

ومع ارتفاع أسعار الخام في الأسواق العالمية، تبحث الحكومة التركية إعادة تفعيل آلية ضرائب الوقود المتغيرة بهدف تخفيف العبء عن المستهلكين وامتصاص جزء من الصدمة السعرية.

كما طرحت خطط لتعزيز المخزون الإستراتيجي من المشتقات النفطية وتنويع مصادر الاستيراد، تحسبا لأي اضطرابات محتملة في الإمدادات.

ويرى الباحث الاقتصادي أوركون باير أن الاقتصاد التركي يبدو اليوم أكثر استعدادا مقارنة بالسنوات السابقة لمواجهة التداعيات الاقتصادية للتوترات الجيوسياسية في المنطقة.

ويشير -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن تنويع واردات الغاز الطبيعي المسال وتوسيع قدرات التخزين والاستثمارات في البنية التحتية للطاقة تدعم أمن الإمدادات، رغم استمرار اعتماد تركيا الهيكلي على واردات الطاقة وتقلبات الأسعار العالمية، مؤكدا أن السياسات التي تنتهجها الحكومة والبنك المركزي تعكس مقاربة منسقة وحذرة لإدارة أي صدمات اقتصادية محتملة.

هواجس الأمن الداخلي

ترافق التصعيد الإقليمي مع حالة استنفار واسعة داخل تركيا، في مسعى لضمان استقرار الجبهة الداخلية ومنع أي اضطرابات أو اختراقات أمنية قد تستغل انشغال الدولة بالتطورات العسكرية في محيطها الإقليمي.

وعززت السلطات التركية إجراءاتها الأمنية على طول الحدود، لا سيما الحدود الشرقية مع إيران، حيث جرى تكثيف الدوريات البرية ونشر معدات مراقبة متطورة وطائرات مسيرة لمتابعة التحركات عبر الشريط الحدودي.

ويقول الأكاديمي والمحلل السياسي محمد يوجا إن اتساع نطاق الحرب في المنطقة قد يفرض ضغوطا غير مباشرة ومتعددة الأبعاد على الاستقرار الداخلي في تركيا، مشيرا إلى أن هذه التأثيرات قد تتجلى في 3 مجالات رئيسية، وهي:

ارتفاع مخاطر العبور غير النظامي عبر الحدود، واحتمالات تسلل عناصر متطرفة أو ظهور تهديدات هجينة. لكنه أشار في المقابل إلى أن تركيا عززت خلال السنوات الأخيرة قدراتها في مجال أمن الحدود وتكنولوجيا المراقبة والتنسيق الأمني، ما يجعل هذه المخاطر وفق تقديره قابلة للإدارة.
احتمال أن تؤدي أي موجة تصعيد عسكري جديدة إلى تحريك موجات نزوح محتملة. ولفت يوجا إلى أن التأثير لا يقتصر على الهجرة الفعلية، بل يشمل أيضا التوقعات المجتمعية المرتبطة بها، والتي قد تثير حساسيات سياسية داخلية خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية.
تصاعد حروب المعلومات والتضليل الإعلامي، مشيرا إلى أن انتشار المحتوى المضلل عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد يسهم في زيادة مشاعر القلق والاستقطاب داخل المجتمع.

المصدر: الجزيرة


خبير اقتصادي يوضح للإخبارية تأثير الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على الاقتصاد السوري
آذار 8, 2026
أوضح نائب رئيس المنتدى الاقتصادي السوري للتنمية محمود الذرعاوي، أن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران ستؤثر على الاقتصاد العالمي، وعلى الاقتصاد السوري بشكل خاص، لأن سوريا لا تملك رفاهية الانتظار ولا رفاهية الوقت، وأي ضيق أو ضغط ينعكس سلباً عليها.

وقال الذرعاوي، في حديثه لقناة الإخبارية، الأحد 8 آذار، إن سوريا بحكم وضعها الحالي في قلب العاصفة، مشيراً إلى أن البلاد في مرحلة إعادة بناء وإعادة تكوين، وتعتمد بدرجة كبيرة على السوريين المقيمين في الخارج، ولا سيما في دول الخليج، ما يجعل التأثير حتماً سلبياً ومباشراً.

وأضاف أن الاقتصاد السوري كان يعول، كما ظهر في الفترة الماضية، على الاتفاقيات أو على الرغبة الخليجية بالاستثمار في سوريا، إلا أن دول الخليج ستكون خلال هذه الفترة منشغلة عن أي استثمار خارجي، الأمر الذي سينعكس على حجم الاستثمارات المتوقعة في سوريا.

ولفت الذرعاوي إلى أن وقف حركة الطيران للسوريين القادمين بشكل يومي يؤثر جزئياً على الدخل الوارد إلى سوريا، كما ينعكس على سلاسل الإمداد، إذ إن جزءاً كبيراً من البضائع لا يزال يدخل عبر الموانئ الخليجية، إضافة إلى اعتماد السوق السورية على نسبة لا بأس بها من الصناعات الخليجية نتيجة ضعف الصناعة المحلية خلال السنوات الماضية. وأكد أن سوريا أمام عوائق كثيرة وتأثير مباشر لما يحدث في الخليج.

وأشار إلى أن الاقتصاد السوري يتأثر أحياناً أكثر من اقتصادات دول الخليج أو غيرها من دول العالم، بسبب عدم قدرة البلاد على تحمل ارتفاع فاتورة الطاقة أو البترول، كونها دولة مستوردة له، ما ينعكس مباشرة على الأسعار وعلى الشعب الذي يعيش أساساً تحت خط الفقر الحقيقي.

وختم الذرعاوي بالقول إن اتصالات السيد الرئيس مع زعماء الدول الخليجية والرؤساء والملوك، وطرح إمكانية استخدام الموانئ السورية كبديل، تأتي في إطار محاولة تخفيف الضغط المتوقع على الخليج خلال الفترة المقبلة.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن، السبت 28 شباط، بدء عمليات قتالية واسعة للجيش الأمريكي على الأراضي الإيرانية بهدف “حماية الشعب الأمريكي والقضاء على التهديدات الوشيكة” الصادرة عن النظام الإيراني، على حد قوله، ما أدى إلى هجمات إيرانية استهدفت أراضي عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.
المصدر: الإخبارية


أكراد سوريا لنظرائهم الإيرانيين..”واشنطن قد تتخلى عنكم”
الرياض- العربية.نت
09 مارس ,2026
وسط أنباء عن تشاور جماعات مسلحة كردية إيرانية متمركزة في شمال العراق مع الولايات المتحدة خلال الأيام القليلة الماضية حول إمكانية مهاجمة قوات الأمن في غرب إيران، حذر أكراد في شمال شرق سوريا أكرادا إيرانيين من مغبة التحالف مع أميركا لمحاربة الحكومة الإيرانية.

واستشهدوا بتجربتهم الخاصة في سوريا خلال الأشهر القليلة الماضية، معتبرين أنها دليل على أن واشنطن “ستتخلى” عن نظرائهم الإيرانيين، حسب ما ذكرت وكالة “رويترز”
“طلبوا ضمانات”

كما وصفوا تلك التجربة بالمريرة، معترين أنها “درس على أكراد إيران أخذ العبرة منه”.

فيما قال مصدر كردي إيراني إن “القادة الأكراد لديهم مخاوف من تعرضهم للخيانة مثل الجماعات الكردية في شمال سوريا.

كما أضاف أن القادة الأكراد الإيرانيين طلبوا ضمانات من الولايات المتحدة، دون أن يحدد طبيعتها.

“حذر شديد”

بدوره، شدد أحمد بركات رئيس الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا على ضرورة توخي القوات الكردية الإيرانية “الحذر الشديد”. وذكر أن القرار يعود إليهم في النهاية، لكنه رأى أن “قبول دعوة الولايات المتحدة واعتبارهم رأس الحربة في مواجهة النظام الإيراني أو إضعافه لا يصبان في مصلحة أكراد إيران في الوقت الحالي”.

يشار إلى أن الأكراد جماعة عرقية، تتحدث لغة قريبة من الفارسية، وتتركز في منطقة جبلية تمتد على حدود أرمينيا والعراق وإيران وسوريا وتركيا.

ففي العراق، يسكنون ثلاث محافظات في الشمال بقيادة حكومة إقليمية. لكن في بلدان أخرى، مثل إيران وتركيا والآن سوريا، لا يزال حلم إقامة منطقة أو دولة مستقلة يراودهم رغم أنه بعيد المنال.

وكانت مصادر مطلعة أفادت الأسبوع الماضي بأن إسرائيل تجري محادثات مع جماعات كردية إيرانية متمركزة في إقليم كردستان العراق شبه المستقل منذ نحو عام، وفق ما نقلت وكالة رويترز.

كما اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الخميس الماضي أنه سيكون “من الرائع” عبور القوات الكردية الحدود من شمال العراق إلى إيران. لكنه أحجم عن الإفصاح عما إذا كانت الولايات المتحدة ستقدم لهم دعما جويا إذا فعلوا ذلك.

ثم عاد وغير موقفه يوم السبت إذ قال للصحفيين إنه لا يريد أن يدخل المقاتلون الأكراد إلى إيران.


======================

تحديث 08 أذار 2026


في دائرة النار.. هل تمتد الحرب الإيرانية إلى سوريا؟/ فراس فحام
دمشق- لا يُخفي كثير من السياسيين السوريين مخاوفهم من أن تتوسع آثار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لتشمل سوريا التي لا يزال الواقع السياسي والأمني والاقتصادي فيها يُعاني من الهشاشة، بفعل حرب امتدت سنوات طويلة.

وحتى الآن، اقتصرت آثار الحرب على سوريا على وقوع مواجهات في أجوائها، نتيجة اعتراض إسرائيل لصواريخ إيرانية، إضافة إلى تراجع إمدادات الطاقة. لكن استمرار الحرب وجنوح الأطراف وخاصة إيران لتوسيع دائرة المواجهة قد يشكل تدريجيا تهديدات لسوريا.

ويمكن تحديد الآثار المحتملة للحرب الحالية على سوريا في الجوانب التالية:

الجماعات الموالية لإيران في سوريا

امتلكت إيران ورقة مهمة طيلة وجودها العسكري في سوريا قبل سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024، متمثلة في انتشار مجموعات مسلحة موالية لها في جنوب سوريا قرب الحدود مع إسرائيل، وهو ما منحها سابقا نقاطا عسكرية متقدمة لإطلاق صواريخ باتجاه الأراضي الإسرائيلية عند محطات التصعيد السابقة.

ومن الواضح أن طهران وحلفائها لا تزال لديهم الرغبة في الحفاظ على خيار استخدامهم الأراضي السورية، ففي فبراير/شباط الماضي أعلنت وزارة الداخلية السورية -في بيان- اعتقال خلية تتبع لحزب الله اللبناني، نفّذت ضربات صاروخية على مطار المزة العسكري بريف دمشق، كانت الخلية قبل اعتقالها تُحضر للهجمات بطائرات مُسيّرة.

واستضاف مطار المزة العسكري خلال 2025 لقاءات عدة بين وفود عسكرية أمريكية وسورية، كما انتشرت توقعات بأن يكون المطار نقطة ارتباط عسكرية مع التحالف الدولي.

وأكد الخبير الأمني المقيم في دمشق، عصمت العبسي، أن “إيران ووكلاءها لا يزال لديهم فلول في سوريا، ولا يمكن إنكار ذلك”، وقال للجزيرة نت، إن قدرة هذه الخلايا تراجعت كثيرا بسبب العمليات الأمنية التي استهدفتهم طيلة العام الماضي، وعليه يمكن تصنيفهم على أنهم خطر منخفض التأثير حاليا.

وبعد ما يعرف بـ”انقلاب 6 مارس/آذار” 2025، الذي تضمن هجمات نفّذها ضباط وعناصر سابقون في نظام الأسد بهدف استعادة السيطرة على منطقة الساحل السوري، كثّف الجيش والأمن السوريان من انتشارهما هناك للقضاء على التمرُّد الذي تصدّره العميد غياث دلة، أحد قادة الفرقة الرابعة سابقا التي توصف بأنها ذراع إيران في سوريا، وبالفعل لم تسجل هجمات مسلحة بارزة في تلك المنطقة منذ أشهر طويلة.

ومنذ مطلع الشهر الجاري، نشر الجيش السوري تعزيزات كبيرة على الحدود مع العراق ولبنان، في خطوة تهدف للحد من حركة تهريب المخدّرات والسلاح عبر تلك الحدود، وللتصدي لقوات غير نظامية منتشرة على حدود سوريا خاصة مع العراق، حسب وسائل إعلامية رسمية سورية.

عودة تنظيم الدولة

ويندرج نشاط خلايا تنظيم الدولة ضمن التهديدات الأمنية المحتملة في سوريا، فقد نفّذت تلك الخلايا هجمات عدة ضد قوات أمنية سوريا في الرقة ودير الزور أواخر فبراير/شباط الماضي، بعد تهديدات صريحة من الناطق باسم التنظيم أبو حذيفة الأنصاري ضد الحكومة السورية.

وبالفعل، أعلنت وزارة الداخلية السورية في 5 آذار/مارس الجاري إحباط “مخطط إرهابي” لتنظيم الدولة في محافظة دمشق، بعد تنسيق مع الاستخبارات السورية ونظيرتها التركية.

وفي 10 فبراير/شباط الماضي، دعا التحالف الدولي لمكافحة التنظيم خلال اجتماع له في الرياض لتقديم دعم مباشر للجهود السورية والعراقية لدحر التنظيم.

ورأى الخبير الأمني العبسي أن هناك احتمالية لإعادة إحياء تنظيم الدولة، خاصة في شرق سوريا، ولم يستبعد أن يكون هناك دور لوكلاء إيران في تسهيل هذا النشاط.

وأكد العبسي أن المعطيات تشير إلى وجود تبادل خدمات في السابق بين وكلاء إيران والتنظيم، ومن المحتمل أن يكون هناك توجه لإعادة خلق بلبلة أمنية في المنطقة، خاصة في ظل الرقابة التي تفرضها القوى الأمنية السورية على عمليات تهريب الأسلحة.

وبالرغم من هذه المخاوف وبوادر التصعيد التي ظهرت من تنظيم الدولة خلال الفترة الأخيرة، لكن من الواضح أن جميع هجماته على نقاط أمنية علنية كانت فردية، ولم تطل أهدافا أمنية حسّاسة، كما أن العديد من خلايا التنظيم يتم تفكيكها بشكل استباقي قبل شروعها بتنفيذ هجمات، حيث تستفيد سوريا أيضا من التنسيق مع دول إقليمية فاعلة في مكافحة التنظيم وخاصة تركيا.

احتمال انتكاسة اتفاق قسد

نشرت وسائل إعلام أمريكية ومنها فوكس نيوز- قبل يومين- تقارير عن إمكانية توجُّه مقاتلين أكراد من إقليم كردستان العراق إلى إيران من أجل القتال في إيران، كما ذكرت وكالة رويترز أن جماعات مسلحة كردية تشاورت مع الولايات المتحدة بشأن مهاجمة القوات الأمنية الإيرانية غرب إيران.

هذه التقارير أعادت إلى الواجهة مسألة الدعم الأمريكي للمكوّن الكردي في المنطقة، والذي بدا أنه أخذ في التقلُّص بعد إعلان إدارة الرئيس دونالد ترمب في 22 يناير/كانون الثاني الماضي انتهاء تعاون التحالف الدولي مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تسيطر عليها جماعات كردية، لكن هذه التطورات الأخيرة في الملف الكردي الإيراني أوحت باحتمالية حصول انتكاسة في اتفاقية الاندماج بين قسد والحكومة السورية.
إعلان

وتشير الوقائع على الأرض إلى تقدُّم في مسار الاندماج بين الحكومة السورية وقسد، حيث أعلنت الشركة السورية للبترول -الخميس- عن بداية استجرار النفط الخام من حقلي رميلان والسويدية، وهي آخر حقول بقيت تحت سيطرة قسد عندما توقفت الأعمال القتالية بينها وبين القوات الحكومية قبل أكثر من شهر.

كما غادرت القوات العسكرية التي تتبع لقسد من منطقة عين العرب (كوباني)، ووصلت إلى الحسكة في 6 مارس/آذار الجاري، وبدأت بالتوازي قوات أمنية حكومية الانتشار في هذه المنطقة التي تعتبر آخر جيب لقسد في ريف حلب.

واستبعد الخبير الأمني عصمت العبسي أن تؤدي تطورات الملف الإيراني ودعم أكراد إيران إلى انعكاسات في سوريا، مشيرا إلى أن اتفاق الاندماج في سوريا حصل في الأصل برعاية أمريكية، وبضغط من واشنطن، وهذا ما يدفعه لعدم ترجيح أن تشهد سوريا عودة الاشتباكات بين الحكومة السورية وقسد.
فرص عودة التصعيد في الجنوب السوري

لا تزال أقسام من محافظة السويداء خارج سيطرة الحكومة السورية، وتنتشر فيها مجموعات ما يسمى “الحرس الوطني” التي تحظى بدعم إسرائيلي، وهذه المجموعات عادة ما تتجه إلى استثمار أي تصعيد لمهاجمة القوات الحكومية المتمركزة في أجزاء من ريف المحافظة.

وشهد ملف السويداء انفراجة جديدة قبل يومين فقط من اندلاع الحرب على إيران، حيث رعت واشنطن عملية تبادل أسرى بين الحرس الوطني والحكومة السورية، الأمر الذي أعطى مؤشرا على وجود توجُّه لحل هذا الملف العالق.

ولا توجد في المرحلة الراهنة أي مؤشرات ميدانية على احتمالية تصعيد جديد في الجنوب السوري بدعم من إسرائيل، في ظل تركيز الأخيرة على الحرب ضد إيران، والانتهاء من تهديد حزب الله اللبناني، حيث دعا الجيش الإسرائيلي -الخميس- لإفراغ الضاحية الجنوبية بالكامل استباقا لهجمات عسكرية.

واستخدم الإعلام الرسمي الإسرائيلي -مؤخرا- لغة دبلوماسية تجاه الحكومة السورية، فقد تحدّثت هيئة البث الإسرائيلية عن أن الرئيس السوري أحمد الشرع، يريد ضرب مواقع حزب الله على طول الحدود في سهل البقاع.
سوريا تعاني من اقتصاد هش خلّفه النظام السابق بمختلف القطاعات لا سيما النفط (رويترز)
تهديدات وفرص اقتصادية

يعتقد خبراء الاقتصاد أن الحرب الحالية تُمثل تهديدا لاقتصاد سوريا وفرصة في الوقت ذاته. واعتبر الخبير الاقتصادي، حسن غرّة، أن الاقتصاد السوري هش، ويعاني من ضعف الإنتاج المحلي، واعتماد أعلى على المستوردات، وانخفاض كبير في القوة الشرائية، وأي ارتفاع جديد في أسعار النفط عالميا يعني زيادة تكاليف النقل وأسعار الكهرباء، ما يؤدي إلى تضخم اقتصادي.

وأكد غرّة للجزيرة نت أن الدول التي لا تمتلك احتياطات كبيرة ولا قدرة مالية عالية مثل سوريا، تكون قدرتها على امتصاص الصدمات منخفضة، وهذا يؤكد ضرورة وضع سياسات داخلية تقلل من التعرض لصدمات الخارج.

وفي الوقت ذاته، رأى غرّة أن الأخطار الحالية يمكن أن تدفع الدول باتجاه تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الربط الإقليمي للغاز والكهرباء، وتشجيع الاستثمارات في الطاقة المتجددة، ما قد يفتح أمام سوريا فرصا جديدة إذا حسّنت بيئتها السياسة والقانونية والاقتصادية، وجعلتها أكثر استعدادا للاندماج في مشاريع إقليمية.

وفي منتصف فبراير/شباط الماضي، زارت بعثة من صندوق النقد الدولي سوريا، وأجرت نقاشا مع الحكومة السورية بخصوص الإصلاحات الاقتصادية، وأصدرت بعدها تقييما ايجابيا للوضع الاقتصادي السوري.

وأشارت إلى تحقيق فائض طفيف في الموازنة، مع تسارع وتيرة الاقتصاد نتيجة تحسُّن شعور المستهلكين والمستثمرين، ورفع العقوبات الدولية، وإعادة إدماج سوريا في الاقتصاد الإقليمي والعالمي، قبل أن تندلع الحرب الأخيرة التي أدت لارتفاع كبير في أسعار النفط، حيث سجّل سعر البرميل قرابة 90 دولارا.
إعلان

وفي الشهر الجاري، أعلنت وزارة الطاقة السورية انخفاض ساعات وصل الكهرباء، نتيجة تراجع كميات إمدادات الغاز الطبيعي الواردة من الأردن، المخصصة لمحطات توليد الكهرباء، مشيرة إلى وجود جهود لتحسين إنتاج الغاز المحلي.

وتعتبر الطاقة الكهربائية عاملا مؤثرا في الاقتصاد، نظرا لحاجة المصانع والكثير من المشاريع الخدمية لاستقرار في الكهرباء من أجل تحسين الإنتاج، كما أن زيادة ساعات إنتاج الكهرباء كان أحد المؤشرات التي اعتمد عليها صندوق النقد الدولي في إعطاء تقييم إيجابي عن تعافي الاقتصاد السوري.
المصدر: الجزيرة


تغيّر خرائط الشرق الأوسط/ عبد الله مكسور
2026.03.08
في الحروب الكبرى، يكشف التوقيت أكثر مما تكشفه الصواريخ. الضربة النهارية التي استهدفت قلب المربع الأمني في العاصمة طهران وقتلت المرشد. حملت في جوهرها إعلاناً مبكراً عن طبيعة المعركة الإسرائيلية الأميركية المستمرة، والتي يقول ترمب إنها لن تنتهي إلا باستسلام إيران الشامل وغير المشروط. كان هذا واضحاً منذ لحظة الاستهداف الأولى فالعلوم العسكرية تقول إن الهجمات التي تسعى إلى الردع تضرب في الأطراف، أما تلك التي تضرب رأس السلطة في وضح النهار فتتحدث بلغة أخرى؛ لغة تغيير النظام وإعادة تشكيل المشهد السياسي للدولة المستهدفة.

المشهد الذي يتشكل في الأفق أوسع بكثير من معادلة الضربة والرد. فالحروب التي تقع في هذه المنطقة لا تتحرك داخل حدودها العسكرية المباشرة فقط، وإنما داخل طبقات متداخلة من التاريخ والجغرافيا والمسارات السياسية. ولهذا فإن التفكير في مآلات الاشتباك لا يكتمل من دون النظر إلى سؤال أعمق: أي شرق أوسط قد يخرج من هذا الصدام؟

الرسائل السياسية سارت جنباً إلى جنب مع الضربات الجوية.غير أن الواقع الميداني تحرك بسرعة مختلفة. الرد الإيراني جاء على شكل نقل الملف إلى صراع مفتوح متعدد الجبهات قائم على الاعتداء المباشر على دول الخليج العربي، ويملك في صلبه القدرة الحقيقية على التمدد بسرعة في جغرافيا الشرق الأوسط الحساسة.
اشتباك دون رؤية

عند هذه النقطة يظهر التناقض الذي يلف العملية كلها. حجم الحشد العسكري الأميركي يتيح حملة قصف واسعة ومؤثرة، لكنه لا يوفر أدوات حرب طويلة. وهذه المفارقة ليست تفصيلاً عسكرياً، إنها ترقى لأن تكون مشكلة استراتيجية عميقة. فالحروب التي تبدأ بضربات خاطفة تحتاج لاحقاً إلى رؤية واضحة لمسارها السياسي، وإلى قدرة على إدارة تداعياتها لفترة قد تستمر لسنوات.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا لا يتعلق بقوة الضربة، وإنما بطبيعة الهدف. ما المقصود بتدمير البرنامج النووي الإيراني أو إنهاء البرنامج الصاروخي؟ منطقياً المنشآت قد تُقصف، المعدات قد تُدمر، غير أن المعرفة العلمية التي تراكمت خلال عقود لا تختفي تحت الأنقاض. لهذا فإنَّ أي عملية عسكرية قد تستطيع إبطاء البرنامج، لكنها لن تستطيع محوه من الذاكرة العلمية للدولة.

المعضلة الثانية التي تواجه الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران تتعلق بالشبكة الإقليمية التي بنتها طهران عبر سنوات طويلة. هذه الشبكة ليست مجرد امتداد عسكري، إنها منظومة سياسية وأيديولوجية مترابطة تمتد من العراق إلى لبنان واليمن. وفكرة تفكيكها عبر القوة الجوية قد تبدو مهمة شبه مستحيلة، لأن وجود تلك الكيانات يرتبط بسياقات محلية معقدة في دول المنطقة، لهذا السبب بدأت إسرائيل عدوانها على لبنان مع رفع شعار نزع سلاح حزب الله.

وسط هذا المشهد يبرز رهان آخر لا يقل خطورة، دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإيرانيين إلى انتزاع حريتهم بعد القصف، والرسائل التي بثتها الاستخبارات الإسرائيلية بالفارسية تحض على الانتفاض، وهذه الأفعال تكشف تصوراً يتجاوز الحرب التقليدية. فالفكرة الرئيسية التي راهنت عليها واشنطن وتل أبيب تعلَّقَت بداية بإحداث شرخ داخل المجتمع الإيراني تزامناً مع الضربات العسكرية، بحيث يتحول الضغط الخارجي إلى زلزال سياسي داخلي يتمثل في فرضية الانتفاضة الداخلية. وهنا يمكن الإشارة إلى أن كثير من الاستراتيجيات الأميركية في العقود الماضية بُنيت على فكرة أن الضغط العسكري الخارجي قد يفتح الطريق أمام تغيير سياسي داخلي. وأمام هذا تقدّم التجارب التاريخية نتائج متباينة، غير أن درساً أساسياً يظل حاضراً: المجتمعات التي تتعرض لهجوم خارجي تميل في كثير من الأحيان إلى التماسك حول الدولة، حتى عندما تكون علاقتها بها متوترة. وحتى في السيناريو الذي ينهار فيه النظام، لا تظهر صورة مستقبلية مستقرة. فإيران دولة كبيرة ومعقدة إثنياً وسياسياً، وسقوط السلطة المركزية قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية طويلة، أو يقود إلى صعود سلطة عسكرية أكثر صلابة تقودها مؤسسات الحرس الثوري.

العقل المراقب، عندما يقترب من هذا المشهد، يجد نفسه أمام مفارقة أخلاقية وسياسية في الوقت ذاته. فالقصف الأميركي الإسرائيلي لإيران يمثل اعتداءً واضحاً على دولة ذات سيادة، يحمل معه مخاطر هائلة على استقرار المنطقة، ويعيد إلى الواجهة فكرة تغيير الأنظمة بالقوة، وهي فكرة دفعت المنطقة ثمناً باهظاً لها خلال العقدين الماضيين. وفي المقابل فإن الرد الإيراني الذي نقل المعركة إلى استهداف حواضر دول الخليج العربي يفتح باباً آخر من الإدانة الواضحة، لأن ضرب المدن والبنية التحتية في دول لم تبدأ الحرب يضع المنطقة أمام سلوك توسعي لا يقل خطورة عن الضربة الأولى.

من هذه الزاوية تبدو المنطقة وكأنها دخلت مرحلة جديدة يمكن تسميتها مرحلة “الاشتباك الشامل منخفض السيطرة”. فالقوى الكبرى تستطيع إشعال الحرب، لكنها لا تستطيع التحكم الكامل بمسارها بعد ذلك. كل ضربة تفتح سلسلة من التفاعلات المتداخلة التي تنتشر عبر الجغرافيا مثل موجة صادمة لا يُعرفُ مدى ارتدادها وفق قوانين الفيزياء.
خرائط محتملة للحرب

السيناريو الأول الذي قد يتشكل في السنوات القادمة هو ما يمكن تسميته “شرق أوسط الحروب الطويلة”. في هذا السيناريو لا تنتهي المواجهة بضربة حاسمة، وإنما تتحول إلى صراع ممتد عبر شبكات النفوذ الإقليمية. إيران قد تفقد جزءاً من بنيتها العسكرية المباشرة، لكنها تعوض ذلك بتوسيع نمط الحرب غير المباشرة. لتتحول المنطقة إلى مسرح ضغط دائم على خطوط الطاقة والتجارة العالمية. فيصبح الخليج نقطة تماس استراتيجية بين اقتصاد العالم والصراع السياسي. وفي هذه الحالة يغدو أمن الملاحة والطاقة القضية المركزية التي تحدد شكل التحالفات الدولية في المنطقة.

السيناريو الثاني يبدو أكثر تعقيداً، ويتمثل في شرق أوسط ما بعد إيران المركزية. إذا تعرضت الدولة الإيرانية لهزة كبيرة، سواء عبر إضعاف النظام أو عبر صراعات داخلية عرقية أو إثنية طويلة، فإن المنطقة ستواجه سؤالاً غير مسبوق: ماذا سيحدث عندما يختفي أحد أعمدة التوازن الإقليمي؟ فالمنطقة ككل تدرك أن إيران ليست دولة هامشية في الجغرافيا السياسية. هي دولة ذات عمق حضاري وسكاني واقتصادي كبير. انهيارها لن يعني انتصاراً بسيطاً لخصومها، ما قد يفتح الباب أمام سلسلة من الصراعات داخلها وحولها. في هذه الحالة ستتوسع جغرافيا عدم استقرار، وقد تتحول جغرافيات عديدة إلى ساحات تنافس بين قوى إقليمية ودولية.

غير أن السيناريو الثالث ربما يكون الأكثر إثارة للاهتمام، وهو ما يمكن تسميته “إعادة تشكيل التوازن العربي”. فاستهداف دول الخليج العربي في هذه الحرب، وهو أمر يستحق إدانة واضحة لأنه يهدد استقرار دول لم تكن طرفاً في قرار الحرب ودعت مراراً وسعت إلى عدم وقوعها، قد يدفع دول العرب في الخليج إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن الإقليمي المشترك. فخلال العقود الماضية عاش النظام العربي حالة من التفكك الاستراتيجي، حيث تعاملت كل دولة مع تهديداتها بشكل منفرد. غير أن الحروب الكبرى غالباً ما تعيد تشكيل الوعي الأمني الجماعي. وضرب المدن الخليجية أو تهديد خطوط الطاقة قد يقود إلى لحظة إدراك حقيقية بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى مجزأً.

في هذا السياق لا بد أن نشهد قريباً ولادة بنية أمنية عربية أكثر وضوحاً، ليس بالضرورة على شكل تحالف عسكري تقليدي، ربما يكون على شكل منظومة تنسيق سياسي واقتصادي وأمني للتعامل مع التهديدات العابرة للحدود. هذه الفكرة كانت مطروحة نظرياً منذ سنوات طويلة، غير أن الصدمات الكبرى وحدها قادرة على تحويل الأفكار النظرية إلى سياسات فعلية تعيد تموضع دول المنطقة بشكل أكثر فاعلية في النظام الدولي الجديد.

الحروب الإقليمية الكبرى غالباً ما تتحول إلى ساحات اختبار لهذه التحولات. غير أن تداعيات هذه الحرب لا تتوقف عند حدود المنطقة. الاستنزاف العسكري الأميركي يثير أسئلة داخل واشنطن نفسها حول القدرة على إدارة أزمات متعددة في وقت واحد. المخازن العسكرية التي تدعم أوكرانيا وتراقب التوتر في شرق آسيا تجد نفسها اليوم أمام جبهة إضافية معقدة.

الحقيقة الثابتة أن الحروب الكبرى نادراً ما تبقى داخل حدودها الأولى. التاريخ يبين أن الصراعات التي تبدأ في نقطة جغرافية محددة قادرة على إعادة تشكيل ميزان القوى في أماكن بعيدة. وفي عواصم العالم يُقرأ هذا المشهد بدقة عالية ترصد استخدام الولايات المتحدة لمبدأ القوة خارج حدودها، لتثير أسئلة حول قانونية الفعل وفعل القانون دولياً.

داخل الولايات المتحدة يتصاعد الجدل حول القرار. استطلاعات الرأي تكشف رفضاً واسعاً للحرب بين الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، بينما يرى عدد من الباحثين أن المغامرة العسكرية الحالية قد تكون أكبر مقامرة سياسية في مسيرة ترمب. في هذا المقام يتم استحضار المقارنة مع حرب العراق في النقاشات الأميركية. تلك الحرب بدأت بثقة استراتيجية عالية وانتهت بسنوات طويلة من الاستنزاف السياسي والعسكري. غير أن المشهد الحالي يحمل تعقيدات إضافية. إيران ليست العراق عام 2003، والشرق الأوسط اليوم أكثر تسلحاً وتشابكاً مع التوازنات الدولية. لهذا يبدو السؤال الحقيقي مختلفاً عن النقاشات اليومية حول الضربات والردود.

المسألة الأعمق تتعلق بعودة فكرة تغيير الأنظمة بالقوة إلى مركز السياسة الدولية. خلال العقدين الماضيين تراجعت هذه الفكرة تحت ضغط التجارب غير الناجحة في العراق وأفغانستان. عودتها اليوم تعني أن النظام الدولي يدخل مرحلة أكثر خشونة، حيث تتقدم القوة العسكرية مرة أخرى على حساب الترتيبات الدبلوماسية. عند هذه النقطة يصبح المشهد أكثر وضوحاً للقارئ العارف بتاريخ المنطقة. الشرق الأوسط يقف أمام لحظة انتقالية، قد تعيد تعريف قواعد الصراع فيه لسنوات طويلة. الحروب غالباً ما تبدأ بضربة مفاجئة، لكنها لا تنتهي عند اللحظة التي تتوقف فيها الطائرات عن القصف. ما يحدد معناها الحقيقي هو ما يحدث بعد ذلك: شكل السلطة التي تبقى، والفراغات التي تنشأ، والقوى التي تتقدم لملء هذا الفراغ. في هذه اللحظة بالذات يبدو أن الجميع يعرف كيف بدأت الحرب. القليل فقط يعرف إلى أين يمكن أن تقود.

وسط كل هذه السيناريوهات يظل العامل الأكثر حساسية هو المجتمعات نفسها. الشرق الأوسط لم يعد كما كان قبل عشرين عاماً. وأي حرب طويلة قد تخلق موجات جديدة من التحولات الاجتماعية والسياسية داخل المنطقة. والحروب الكبرى نادراً ما تنتج منتصرين صافين. غالباً ما تترك وراءها خرائط جديدة، وتحالفات مختلفة، ووعياً سياسياً أكثر قسوة لدى الشعوب التي تعيشها. وبالتالي فإن الشرق الأوسط يقف اليوم عند واحدة من تلك اللحظات التي يعاد فيها تعريف معنى القوة ومعنى الأمن ومعنى الدولة. فالاشتباك أو الضربات العسكرية قد تحدد بداية القصة، لكن شكل المنطقة الذي سيظهر بعد صمت الرصاص والصواريخ هو الذي سيحدد معناها الحقيقي.
تلفزيون سوريا


الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربية: الدوافع والتداعيات المحتملة
8 مارس 2026
ما إن اتضحت نتيجة العدوان الإسرائيلي – الأميركي على طهران صباح يوم 28 شباط/ فبراير 2026، بمقتل عدد من القادة السياسيين والعسكريين والأمنيين، وعلى رأسهم المرشد الإيراني، علي خامنئي، أطلقت إيران سلسلة من الاعتداءات التي استهدفت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست. وجاء الرد الإيراني عبر هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة استهدفت مواقع ومنشآت عسكرية ومدنية واقتصادية، بهدف رفع تكلفة المواجهة على واشنطن وحلفائها، وإحداث صدمة للاقتصاد العالمي بما يؤدي إلى وقف الحرب. وقد تلقت الإمارات العربية المتحدة العدد الأكبر من الهجمات الإيرانية تلتها الكويت والبحرين وقطر والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان.

أولًا: من وسيط إلى طرف في الصراع

جاءت الضربات الإسرائيلية – الأميركية على إيران، في وقت كانت فيه بعض دول الخليج تدفع بقوة نحو احتواء التصعيد بين واشنطن وطهران، بعد أن كثفت جهودها السياسية والدبلوماسية منذ حرب الاثني عشر يومًا في حزيران/ يونيو 2025 للحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى مواجهة جديدة، تقوّض أمن الخليج واقتصاداته وأسواق الطاقة العالمية التي تعتمد عليه. وقد بذلت عمان وقطر جهودًا حثيثة ومتواصلة في محاولة لإبعاد شبح الحرب. وتصدرت عُمان مساعي الوساطة، حيث استضافت مسقط الجولة الأولى من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران في 6 شباط/ فبراير 2026، وسعت لبلورة تفاهمات جديدة حول الملف النووي الإيراني. وكانت هذه المفاوضات، قبل اندلاع الحرب، قد اقتربت من تحقيق اختراق فعلي نحو اتفاق؛ إذ أعلن وزير الخارجية العُماني، بدر بن حمد البوسعيدي، بعد انتهاء جولة المفاوضات التي عقدت في جنيف في 26 شباط/ فبراير، أن إيران وافقت على نقل مخزونها من اليورانيوم المخصّب، وعلى رقابة صارمة على منشآتها النووية، بما فيها رقابة أميركية، مؤكدًا أن المفاوضات حققت “تقدمًا مهمًّا وغير مسبوق، يمكن أن يشكّل الركيزة الأساسية للاتفاق المنشود”. لكنّ الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين استخدمتا المفاوضات أداةَ خداع وتضليل لاستكمال استعداداتهما لضرب إيران، لم تسمحا لهذا التقدم الذي سُجل في جنيف بعرقلة خططهما للهجوم على إيران. وبالفعل، بعد ساعات قليلة من أجواء التفاؤل التي أشاعتها تصريحات الوزير العماني باحتمال التوصل إلى اتفاق، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما على إيران، مستغلتين معلومات استخباراتية عن اجتماع يعقده المرشد صباح السبت 28 شباط/ فبراير 2026 مع مجموعة من كبار مساعديه الأمنيين والعسكريين، لتوجيه ضربة تشل النظام الإيراني وتدفعه للتجاوب مع الشروط والمطالب الأميركية أو حتى الانهيار. وسرعان ما وقع ما كانت دول الخليج تخشاه؛ إذ وجدت نفسها في قلب المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، حينما بدأت هذه الأخيرة بتنفيذ تهديداتها بأن الحرب ستشمل المنطقة كلها، إذا ما هوجمت واستهدفت قيادتها. لقد كان واضحًا لدى الجميع أن شن إسرائيل والولايات المتحدة حربًا على إيران يمكن أن يقود إلى إشعال المنطقة.

اعتدت طهران على دول الخليج العربية على الرغم من إعلان العديد منها أن السماح لواشنطن باستخدام أراضيها أو أجوائها في الهجوم على إيران ليس أمرًا واردًا. وفي رد فعل على الهجمات الإيرانية، عقد المجلس الوزاري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية اجتماعه الاستثنائي عبر الاتصال المرئي في 1 آذار/ مارس 2026، وأعلن إدانته للهجمات الإيرانية التي استهدفت دول المجلس، معتبرًا إياها انتهاكًا خطيرًا لسيادة هذه الدول ولمبادئ حسن الجوار، وأكد تمسكه بالحلول السياسية والدبلوماسية، واعتبرها الطريق الوحيد لتجاوز الأزمة الراهنة وإنهاء الحرب واستعادة الاستقرار الإقليمي. وعلى الرغم من تلقي دول المجلس النصيب الأكبر من ردة الفعل الإيرانية على العدوان الأميركي – الاسرائيلي، فإنها تمسكت بموقفها الرافض للانجرار إلى هذه الحرب، مكتفية بالدفاع عن نفسها وصد الهجمات الإيرانية على أراضيها.

ثانيًا: دوافع استهداف إيران لدول الخليج

اتسمت مواقف طهران بخصوص استهداف دول الخليج العربية بالتناقض؛ ففي حين نفت جهات إيرانية مسؤوليتها عن الهجمات ضد جيرانها، حاولت جهات إيرانية أخرى تبرير الهجمات بأنها لا تستهدف هذه الدول، بل القواعد العسكرية الأميركية الموجودة على أراضيها، كما حاولت جهات إيرانية ثالثة التبرؤ من المسؤولية زاعمةً أنها لا تسيطر على الجهات التي تشن الهجمات. وقد عبّر وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، عن هذه المقاربة صراحة، مؤكدًا أن إيران لا تهاجم جيرانها في الخليج، بل تستهدف الوجود الأميركي في أراضيهم، وقال: “لا يمكن لنا أن نضرب هدفًا في الولايات المتحدة، لذلك علينا أن نستهدف قواعدهم في المنطقة”. وبلغ التناقض الإيراني ذروته حينما اعتذر الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، عن استهداف دول الخليج العربية، وتعهد بعدم مهاجمتها مستقبلًا بشرط عدم استخدام أراضيها منطلقًا للهجوم على إيران، لكن طهران استأنفت بعد ساعات من هذا الإعلان هجماتها على قطر والبحرين والإمارات والسعودية والكويت؛ وهو ما يشير إلى وجود انقسامات في النخبة الحاكمة، وإلى عدم سيطرة النخبة السياسية على الحرس الثوري الإيراني.

والحقيقة أنه لا علاقة بين مواقف دول الخليج، وحتى تباينها، من كيفية التعامل مع إيران، بالقصف الإيراني. فأهداف القصف استراتيجية متعلقة برفع تكلفة العدوان الإسرائيلي – الأميركي على المستويين الإقليمي والعالمي، وعلى المستويين الجيوستراتيجي والاقتصادي، بغضّ النظر عن السلوك السياسي للدول المستهدفة. لكن، من ناحية أخرى، وبغضّ النظر عن دوافع إيران وقلة الوسائل المتاحة لديها للدفاع عن نفسها أمام دولة عظمى كالولايات المتحدة، التي باتت إسرائيل توجه سياساتها الإقليمية، فليس متوقعًا من الدول الخليجية التي تتعرض للقصف أن تتفهم الدوافع الإيرانية للهجوم عليها، والذي استنفر رأيًا عامًا خليجيًا غاضبًا على إيران.

وما زاد من هشاشة زعم إيران بأنها تستهدف القواعد الأميركية في المنطقة، أن هجماتها ضد دول الخليج العربية شملت مطارات ومنشآت خدمية ومرافق سياحية ومناطق سكنية، ومنشآت لإنتاج النفط والغاز؛ ما عطّل العديد منها، وأعطى الانطباع بأن طهران تحاول توسيع نطاق المواجهة، وفق مقاربة تقوم على تلازم أمن إيران مع أمن دول الخليج، بمعنى أنها تتعامل مع استقرار المنطقة بوصفه معادلة مترابطة لا يتحقق فيها الاستقرار لأي طرف بمعزل عن الآخر، وبما يرفع تكلفة الحرب على الجميع؛ نظرًا إلى أن دول الخليج تمثّل ركيزة أساسية في معادلة الطاقة العالمية، وهي التي تتصدر إنتاج النفط والغاز عالميًا. ففي عام 2025، تجاوز إنتاج دول مجلس التعاون مجتمعة من النفط الخام 17 مليون برميل يوميًا، ما يعادل 17 في المئة من إجمالي الإنتاج العالمي، وتصل احتياطياتها إلى نحو 511.9 مليار برميل، أي ما نسبته 32.6 في المئة من الاحتياطي العالمي. وقد صدّرت دول المجلس نحو 180.9 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي في العام نفسه، بنسبة 13.1 في المئة من إجمالي الصادرات العالمية، وبلغ احتياطيها من الغاز نحو 44.195 تريليون متر مكعب، بما يمثّل 21.4 في المئة من الاحتياطي العالمي. وتتعامل إيران مع هذا الثقل الطاقوي الخليجي بوصفه عنصر ضغط استراتيجي على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي، حيث تربط بين استهدافها للوجود الأميركي في دول المجلس وتكلفة أي اضطراب يلحق مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره قرابة خمُس إمدادات النفط والغاز العالمية. وتأمل طهران أن يؤدي ارتفاع فاتورة الطاقة في الولايات المتحدة إلى زيادة الضغوط التضخمية المرتفعة أصلًا، ودفع الرأي العام الأميركي، والكونغرس، إلى معادلة الضغط على الرئيس دونالد ترمب لوقف الحرب، مع اقتراب موعد انطلاق حملة الانتخابات النصفية المقررة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2026.

ثالثًا: تداعيات الهجمات على دول الخليج

ستخلّفُ الهجمات الإيرانية على دول الخليج تداعيات أمنية واقتصادية وسياسية كبرى، ولا سيما مع استمرار استهداف إيران لمنشآت اقتصادية وحيوية خليجية، وتصاعد وتيرة هذه الضربات. سياسيًا وأمنيًا، شددت دول الخليج في بياناتها على أن هذه الهجمات تمثّل اعتداءً مباشرًا على أراضيها ومنشآتها المدنية والحيوية، وأكدت احتفاظها بحقها القانوني في الرد وفقًا للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة التي تكفل حق الدفاع عن النفس للدول، فرديًا وجماعيًا، في حال تعرضها للعدوان، واتخاذ جميع الإجراءات التي تصون سيادتها وأمنها واستقرارها.

ومع استمرار الحرب والهجمات الإيرانية، تبرز تداعيات اقتصادية على دول الخليج أيضًا. فقد استهدفت إيران في هجماتها منشآت الطاقة في السعودية والإمارات وقطر والكويت، ودفعت قطر إلى وقف إنتاجها كليًّا من الغاز الطبيعي المسال، بعد تعرّض منشآته في رأس لفان، أحد أكبر مراكز صناعة الغاز المسال في العالم، لهجوم إيراني. وقد أعلنت قطر عن وقف تصدير الغاز بموجب بند القوة القاهرة نتيجة الهجمات عليها وإغلاق مضيق هرمز. وبسبب عجز الكويت عن تصدير خاماتها، بعد إغلاق مضيق هرمز، أعلنت أيضًا عن خفض إنتاجها من النفط إلى الحد الذي يلبي احتياجاتها المحلية فقط، نتيجة عدم وجود أماكن تخزين كافية، وأعلن العراق عن خفض إنتاجه بنحو 1.5 مليون برميل يوميًا، إضافة إلى تعطل الإنتاج في مصفاة رأس تنورة في السعودية، بعد إصابتها بمسيّرة إيرانية. وقد أدى ذلك إلى حرمان السوق العالمية من نسبة كبيرة من احتياجاته اليومية من النفط والغاز. وقد جاء الرد من الأسواق سريعًا؛ إذ ارتفعت أسعار خام برنت بنحو 35 في المئة لتصل إلى 93 دولارًا أميركيًا للبرميل، مع تقديرات بإمكانية وصولها إلى 150 دولارًا إذا استمرت الحرب لأسبوع إضافي، وقفزت أسعار الغاز في أوروبا بأكثر من 50 في المئة. وفي الوقت نفسه، تأثرت حركة التجارة البحرية عبر الخليج إلى حدّ بعيد؛ حيث انخفضت حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز بنسبة تصل إلى 80 في المئة، واحتجزت نحو 3200 سفينة داخل الخليج، مما أدى إلى تعطّل سلاسل التوريد العالمية. ورفعت الأزمة كذلك تكاليف تشغيل صادرات الطاقة الخليجية، بعدما زادت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن العاملة في الخليج خمسة أضعاف. وقد استفادت شركات الغاز الأميركية من اضطراب الإمدادات العالمية بعد توقف إنتاج قطر، حيث ارتفعت أسهم شركتي “شينير” و”فينشر غلوبال”، أكبر المنتجين الأميركيين، بنحو 7 في المئة و24 في المئة على التوالي خلال الأسبوع نفسه. ولا تقتصر التداعيات على قطاع الطاقة؛ إذ يهدد التصعيد أيضًا استراتيجيات التنويع الاقتصادي في دول الخليج، مع توقع تراجع قطاع السياحة في المنطقة بنسبة تصل إلى11-27 في المئة في عدد الزوار الدوليين هذا العام وخسارة تراوح بين 34 و56 مليار دولار في إنفاق الزوار.

ومع تعرض دول الخليج لهجمات من إيران للمرة الثانية خلال أقل من عام، إلى جانب العدوان الإسرائيلي الذي استهدف قطر في أيلول/ سبتمبر 2025، على الرغم من وجود قاعدة أميركية على أرضها، بدأت دوائر خليجية تشكك في جدوى القواعد الأميركية؛ إذ لم يعد الوجود العسكري الأميركي واستخدام منظوماته الدفاعية يضمنان الحماية الفعلية لدول الخليج في حال تعرضها لهجوم، بل أصبحت هذه الدول هي التي تحمي هذا الوجود بدلًا من أن يحميها، فأصبح عبئًا عليها.

خاتمة

من خلال توسيع نطاق الحرب لتشمل دول الخليج العربية، تسعى إيران لربط مصير المنطقة بها، ورفع تكلفة الحرب على واشنطن وحلفائها، وإرباك الاقتصاد العالمي؛ للضغط من أجل وقف الحرب من دون تحقيق أهدافها، المتمثلة في إسقاط النظام أو إخضاعه. وتأمل طهران أن تمارس دول الخليج بدورها – نظرًا إلى تأثرها المباشر بالصراع – ضغوطًا على واشنطن في هذا الاتجاه. لكن قدرة دول الخليج على الضغط على واشنطن محدودة، كما أن الهجمات الإيرانية أدت إلى رد فعل معاكس استنفرت رأيًا عامًا خليجيًا غاضبًا ضد إيران بسبب اعتداءاتها. ومن ناحية أخرى، ظهرت بوادر تحوّل علاقة دول الخليج العربية الاستراتيجية بالولايات المتحدة إلى عبء أمني واقتصادي وسياسي عليها، بدلًا من أن تكون ميزة لها. وفضلًا عن ذلك، من الواضح أن العلاقات الإيرانية – الخليجية لن تعود إلى ما كانت عليه.

المركز العربي للأبجاث ودراسة السياسات


نهاية إيران كقوة عسكرية/ عبد الرحمن الراشد
08 أذار 2026
مع أنَّه لم يمضِ سوى أسبوعٍ واحدٍ على الحرب الواسعة، فإنَّ فارقَ ميزان القوة يُقوِّضُ بالفعل قدراتِ نظامِ إيرانَ التي كانَ يرفضُ التنازلَ عنها بالتفاوض. النتيجةُ متوقعةٌ رغم الدّعايةِ الإيرانيةِ الواسعةِ المضادة.

من ناحيةٍ تحليلية، يمكنُنا النَّظر إلى النتائج المبكرةِ على أنها، وإن كانت أقلَّ من انتصار كامل، نجاحٌ في تحجيمِ الخطر الإيراني. لكن، من ناحيةٍ أخرى، فإنَّ النظامَ متماسكٌ وباقٍ. التقديراتُ تقدّر أنَّ أمامنا بضعة أسابيع وينتهي القتال، وربَّما قبل ذلك في حالِ قبل «الحرس الثوري»، المسيطرُ على القرارِ في طهرانَ، بـ«الاستسلام الجزئي» الذي يمنحه البقاء.

حتى اليوم ملامحُ ما يلِي الحرب لا توحي بأنَّ النظامَ وشيكُ التغيير، لا من الشَّارع ولا من الخارج. وقد يعني ذلك أنَّ على العالم أن يرضى بالتعايش مع حكمٍ مكسور. هذا يعيد للأذهان سيناريو «خيمة صفوان» التي وقَّعَ فيها العراقُ على الاستسلام بعد هزيمتِه في الكويت وتدميرِ نسبةٍ كبيرة من قواته. نظامُ صدام استمرَّ بعدها في الحكم 12 عاماً، إلى أن تمَّ القضاء عليه في عام 2003. وربَّما نحن أمام نمطٍ مماثل.

الاستنتاجُ المبكر، ووفقَ التحليلاتِ العسكرية المتاحة، أن اليوم انتهى الخطرُ الوجوديُّ الذي كانَ يهدّد منطقتَنا من ترسانة إيران.

حربُ الأسبوع الماضي، رغم قصرِ زمنِها، أسطعُ دليل على أنَّ النظامَ المتربص كان يملك الخطةَ والقوةَ القادرة على تدمير منطقة الخليج!

هجماتُه استهدفت أكثرَ من عشر دول، منها السعوديةُ والكويتُ والإماراتُ والبحرين وقطر وعمان والأردن والعراق. استهدافاتُ النظام لهذه الدول، تقولُ إنَّها ذاتُ طبيعةٍ عسكرية، لكن في الواقع معظمها كانت مدنية، موانٍ ومطارات، وفنادق وأحياء سكنية.

قدراتُه هذه بناها للسيطرةِ على المنطقة. لم نكن نجهلُ استراتيجيةَ طهرانَ ببنائها قدراتٍ تدميرية قادرة على شلّ وربَّما إسقاطِ دول الجوار. وكانَ السؤال الدائم يتمثَّل في توقيت «ساعة الصفر»، ربَّما بعد تحقيقِ النّظام سلاحَ الرَّدع النووي، الذي كانَ سيمنح طهرانَ الحصانة من التَّدخلِ العسكري الدولي.

من هذا المنظور، فإنَّ انهياراً لما يمكن أن نسميَه «إمبراطورية السلاح الإيرانية» يعدُّ تطوراً سياسيّاً في غاية الأهمية، وستكون له كذلك تداعياتُه.

يتمُّ اليوم القضاءُ على خطةِ إيران كقوةٍ عسكرية، وكمصدرِ خطرٍ على محيطها. التقديراتُ في الأسابيع المقبلة، أنَّه سيتمُّ تدميرُ ما تبقَّى في ترسانةِ سلاح إيران ومصانعِها ومؤسساتها العسكرية التي بنتها خلال ثلاثة عقود. ستمنح المنطقة استراحة من التهديدات الإيرانية ربَّما لعقد من الزمن، هذا على افتراض «سيناريو صدام» السلبي نتيجة أي نظام مكسور، لكنَّه باقٍ ويحاول إعادةَ تأهيل قدراته.

أمَّا الاحتمال الآخرُ فهو أنَّ طهران ستتغير، نظاماً أو سياسة، وتصبح بلداً طبيعياً يهتمّ بالتنمية وينخرط في التعاون الإقليمي.

الخسائر البشرية والمادية التي تتعرَّض لها دولنا مؤلمة، وكذلك الشعب الإيراني الذي هو في قلب الحرب والأكثر عرضة للدمار، نتيجة لما فعله النّظام بهم وبكل المنطقة.

رغم ذلك ثمن الحرب يمكن استيعابُه والتعاملُ معه.

نزعُ مخالبِ النظام إنجازٌ تاريخيٌّ بالغ الأهمية. سيخدم المنطقة، بما في ذلك الشعب الإيراني نفسه الذي كانت تُسخَّر مواردُ بلادِه للمشروع العسكري.

يبقى الجانب الغامض في «اليوم التالي» في طهران، فحتى بعد عمليةِ الإبادة التي تعرَّض لها العديد من القيادات العليا الإيرانية قد لا يمكن فرض «نظام صديق» كما تخطط واشنطن. لم تظهر قوى إيرانيةٌ داخلية بعد مستعدة لمساندةِ عودة الشاه، ولا توجد دلائلُ على انشقاقاتٍ داخل المؤسسةِ العسكرية التي تبدو مواليةً ومنضبطة، حتى الآن.

اليوم النّظام في طهرانَ في أخطر أزمةٍ في تاريخه ويصارع من أجل البقاء. مخاضٌ عسيرٌ لا يمكن الجزم بكيفية خاتمته. مع هذا لا نرى بعد قوى معارضة على الأرض قادرةً على تحدي النظام الجريح. ولم يظهر حراكٌ شعبيٌّ واسع يمكن أن يستميلَ أفرادَ المؤسسات العسكرية، ويدفع نحو انشقاقاتٍ واسعة. البعض يرى أنَّها مسألة وقتٍ حتى تنقضّ القوى المحلية على النظام المهزوم، ومن دون ميل بعض المؤسسات العسكرية معها من المستبعد أن يتحقّق أيُّ تغيير. ونعود للمقارنة، سبقَ أن رأينا كيف كانت الحملات العسكرية الكبيرة على نظام صدام بعد هزيمته في الكويت والحصار الخانق عليه عقداً كاملاً، وقد فشلت كلُّ القوى العراقية المتمردة والخارجية على تغيير النظام، حتى اضطرت الولايات المتحدة إلى تغييره بالقوة. دفعت بنحو ربع مليون جندي بمشاركة قوى دولية أخرى قامت بالمهمة. سيناريو الغزو لا يمكن تكراره في إيران لاعتبارات عديدة.

في ضوء ذلك قد تجد الولاياتُ المتحدة نفسَها أمام خيارات محدودة، لعلَّ أبرزَها التعامل مع من يصل للحكم من داخل النظام نفسه. وواشنطن تملك القدرة العسكرية التي ستمكّنها من فرض شروطها إن كانت راغبةً في العمل مع الوضع الجديد. وسبق للبيت الأبيض القول إنَّه يتطلع للتعاون بشروطِه مع من يصعد للحكم من النظام نفسه.

مهما كان موقفُ النظام الحالي، أو التالي المتفرع عنه، فإنَّ إيرانَ عند نهاية الحرب تكون قد زال خطرُها على المنطقة، وستتبخّر أدواتُها الإقليمية. تدميرُها بوصفها قوة إقليمية تاريخٌ جديد مهمٌّ له انعكاساتٌ سآتي للحديث عنها لاحقاً.
الشرق الأوسط


أكراد إيران بين ترمب وستالين/ إبراهيم حميدي
السؤال ليس فقط ما إذا كان أكراد إيران قادرين على خوض المغامرة، بل هل هم مستعدون لتحمل ثمن المقايضات ومرارتها مرة أخرى… والإفلات من “الخيانات” واللجوء إلى الجبال؟
آخر تحديث 07 مارس 2026

في حرب إيران، عاد اسم الأكراد إلى الواجهة. طرح دورهم في التخطيط الأميركي لحصار صدام حسين ثم تغييره، وخنق بشار الأسد ثم هروبه. ووسط أحاديث عن تغيير النظام الإيراني بعد مقتل “المرشد” علي خامنئي، ظهرت تقارير عن توجهٍ للاستفادة من القوى الكردية الإيرانية.

هل يمكن للأكراد أن يراهنوا مرة أخرى على دعم واشنطن لتحقيق مكاسب سياسية؟ أم إن الذاكرة التاريخية، المثقلة بتجارب الخذلان والخيانات، تجعل من هذا الرهان مغامرة انتحارية؟

السيناريو المتداول يقوم على أنه إذا أرادت واشنطن فرض “استسلام غير مشروط” على النظام الإيراني أو تقويضه من الداخل في الأسابيع والأشهر المقبلة، فإن القوى الكردية قد تكون الطرف الأكثر جاهزية لفتح جبهة داخلية ضده تحت المظلة الأميركية-الإسرائيلية. فالمناطق الكردية في شمال غرب إيران، المعروفة باسم “روجهلات” (شرق كردستان) ظلت طويلا من أكثر المناطق توتراً. وخلال السنوات الأخيرة لعبت دوراً بارزاً في موجات الاحتجاج التي شهدتها البلاد، وكان مقتل الشابة الكردية مهسا أميني عام 2022 الشرارة التي أشعلت واحدة من أكبر الانتفاضات الشعبية. كما أن المحافظات الكردية شهدت في الأيام الماضية ضربات جوية استهدفت مواقع “الحرس الثوري” والأجهزة الأمنية الإيرانية، وهو ما فُسر على أنه محاولة لإضعاف البنية الأمنية للنظام في مناطق معروفة بوجود قاعدة اجتماعية معارضة. يضاف إلى ذلك، توفر خط الإمداد والتدريب عبر كردستان العراق.

من هذه الزوايا تبدو اللحظة الحالية مغرية. فمجتمع عاش التهميش ويرى أبناءَ جلدته في العراق وسوريا حققوا مكاسب، قد يرى في الاضطراب الإيراني فرصة لإعادة طرح السؤال حول موقع القوميات داخل النظام، وربما للمطالبة بإعادة صياغة العلاقة بين الأطراف والمركز، كما حصل في بغداد ودمشق.

لكن التحالفات في الشرق الأوسط نادراً ما تمنح فرصاً بلا أثمان. فدخول الأكراد على خط الصراع قد يفتح الباب أمام سلسلة من ردود الفعل المؤلمة. طهران نفسها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام تمرد في المناطق الكردية، كما أن أنقرة تنظر بحساسية شديدة إلى أي تحرك كردي خارج الحدود قد يشجع النزعات القومية داخل حدودها. أما إقليم كردستان العراق- الذي تستضيف أراضيه معظم قواعد الأحزاب الكردية الإيرانية، ومركز ثقل القوات الأميركية- فقد يجد نفسه فجأة في تقاطع نيران ومواجهة مباشرة مع طهران وبغداد، إذا تحولت أراضيه إلى منصة لعمليات عسكرية ضد طهران.

ولهذا لم يكن مستغرباً أن تسارع أنقرة إلى التحذير من هذا السيناريو، فيما حرصت حكومة كردستان العراق على النأي بنفسها علنا عن أي مخططات قد تجعل الإقليم طرفاً في صراع إقليمي مفتوح. كما عبرت طهران عن موقفها بإرسال المسيّرات والصواريخ.

غير أن العامل في الحسابات الكردية ليس فقط ميزان القوة، بل الذاكرة التاريخية. فالعلاقة بين الأكراد والقوى الكبرى مرت بمحطات دعم مهمة، لكنها شهدت طعنات تركت آثاراً عميقة في الوعي الكردي.

فـ”جمهورية مهاباند” التي تأسست في “روجهلات” لم تعش سوى 11 شهرا في أربعينات القرن الماضي، بعدما رفع الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين حمايته بعد ضغوط أميركا وبريطانيا.

أما بالنسبة لأكراد العراق، فأكثر اللحظات إيلاماً تعود إلى عام 1975، وإبرام اتفاق الجزائر بين صدام وشاه إيران. في ذلك الوقت كانت الحركة الكردية بقيادة الملا مصطفى بارزاني تتلقى دعماً أميركياً وإيرانياً في حربها ضد بغداد. لكن الاتفاق أنهى هذا الدعم فجأة، فانهار التمرد ولجأ الأكراد إلى الجبال. ومنذ ذلك الحين أصبحت تلك الحادثة رمزاً دائماً لمخاطر الاعتماد على القوى الكبرى… و “الخيانة” الأميركية.

بعد عقدين بدا وكأن العلاقة الكردية-الأميركية تدخل مرحلة مختلفة. فقد وفرت واشنطن مظلة جوية لكردستان العراق في التسعينات بعد حرب الخليج، ثم لعبت دوراً رئيساً في إسقاط نظام صدام عام 2003، ما عزز موقع الإقليم داخل العراق الجديد. لكن شعور الخذلان عاد للظهور عام 2017 بعد استفتاء استقلال إقليم كردستان. فمع تقدم القوات العراقية نحو كركوك اختارت واشنطن الوقوف على الحياد، وهو ما اعتبره كثير من الأكراد دليلاً جديداً على أن دعم واشنطن يبقى رهناً بحساباتها الأوسع.

في سوريا تكررت القصة في “روج آفا” (غرب كردستان). دعمت الولايات المتحدة- ضمن التحالف الدولي ضد “داعش”- القوات الكردية، لكن الرئيس دونالد ترمب سحب قواته من شمال سوريا عام 2019، ما فتح الباب أمام عملية عسكرية تركية واسعة ضد الأكراد الذين لم يجدوا الحماية الأميركية وقتذاك، ومرة ثانية عندما استنجدوا بترمب في بداية العام الجاري أمام تقدم قوات الحكومة السورية إلى شرق البلاد.

هذه التجارب رسّخت لدى الأكراد قناعة بأن التحالف مع اللاعبين الكبار غالباً ما يكون مؤقتاً، وأن المصالح الاستراتيجية للقوى العظمى قد تتغير في أي لحظة.

لهذا يحمل الأكراد معهم جروحا وأخاديد. فالإغراء السياسي كبير، لكن الذاكرة التاريخية مُرة بطعنات ستالين وترمب وغيرهما، إذ تتجدد المعضلة الكردية، وهي البحث عن اقتناص فرصة لنيل اعتراف سياسي وسط قواعد لعبة كبيرة.

قد يجد أكراد في حرب إيران فرصة. لكن التاريخ يذكر أيضاً أن الفرص التي تولد في ظل صراعات الكبار تنتهي بصفقات فوق رؤوس أصحابها. ولهذا فإن السؤال ليس فقط ما إذا كان الأكراد قادرين على خوض المغامرة، بل هل هم مستعدون لتحمل ثمن المقايضات ومرارتها مرة أخرى… والإفلات من “الخيانات” واللجوء إلى الجبال؟

المجلة


لبنان في نفق “حزب الله”/ عالية منصور
07 مارس 2026
أدخل “حزب الله” لبنان في نفق لن يكون الخروج منه سهلاً، أو في المدى المنظور، لبنان المنهك بسبب أزماته المالية والاجتماعية والسياسية، والخارج من حرب إسناد دمرت قرى ومدنا، وشردت مواطنين، عاد وأدخل البلاد في حرب جديدة، حرب حتى “حزب الله” نفسه مربك بتبريرها، ويظهر ذلك جلياً بالتناقض في بياناته، وتصريحات مسؤوليه.

6 صواريخ أطلقت على إسرائيل، انتقاماً لاغتيال “المرشد الأعلى” في الجمهورية الإسلامية، السبب الذي جعل حتى جمهور “حزب الله” يستشيط غضباً، ليعود “حزب الله” ويحاول الالتفاف على بيانه الأول بعد العملية، وليعلن أنه أطلق الصواريخ لأن إسرائيل لم تلتزم باتفاق وقف إطلاق النار، واستمرت باعتداءاتها على لبنان في العام ونصف العام الماضيين رغم التزامه.

إسرائيل مصرة على تدمير ما بقي من “حزب الله”، إسرائيل التي انسحبت من جنوب لبنان في عام 2000 تمكنت اليوم- بفعل “المقاومة”- من تهجير مئات آلاف اللبنانيين من جنوب لبنان وبقاعه وضاحيته، “المقاومة” الوحيدة في العالم التي تتسبب في إعادة احتلال الأرض لا تحريرها.

ينازع “حزب الله” رغم عنترياته. عشرون عاماً مضت على حرب يوليو/تموز 2006 وكل شيء تغير. لم تستنكر أي دولة اليوم الحرب الإسرائيلية على لبنان. إيران التي نعرفها انتهت. المساعدات لم تتدفق للمساهمة في تخفيف الضغط عن حكومة لا تملك المال أساساً، يعرف جمهور “الحزب” أن لا أموال لإعادة الإعمار، هذا إن عادوا إلى قراهم ومدنهم، التي تم إخلاؤها بتغريدة من أفيخاي أدرعي الناطق باسم الجيش الإسرائيلي.

الدول العربية بدورها تتعرض لاعتداءات من إيران، هذا أقصى ما يمكن لإيران أن تفعله ردا على الحرب الأميركية-الإسرائيلية عليها بعد فشل المفاوضات. يعتذر الرئيس الإيراني عن هذه الاعتداءات، ولكنه ربما يكون غير قادر أو غير راغب في إيقافها.

أخطر ما في الحرب على لبنان أنها كشفت أن كل ما تعهدت به الدولة اللبنانية لم يتحقق، أعلنت الدولة اللبنانية مراراً انتهاء المرحلة الأولى من سحب سلاح ميليشيا “حزب الله”، وأعلنت أن جنوب الليطاني صار خالياً من السلاح، ليتأكد بعد ساعات من بدء الحرب أن السلاح ما زال موجوداً في جنوب الليطاني كما في شماله.

بعد بدء “الحزب” الحرب على إسرائيل، أعلنت الحكومة اللبنانية حظر النشاط الأمني والعسكري لـ”الحزب” الذي لم يكن يوماً إلا خنجراً في خاصرة لبنان، اغتال قيادات لبنانية، اغتال رئيس حكومة بحجم رفيق الحريري وقامات سياسية وإعلامية. تباهى بإجرامه، ومن ينسى تغريدة جواد نجل حسن نصرالله يوم قتل “الحزب” الكاتب والمفكر لقمان سليم: “خسارة البعض هي في الحقيقة ربح ولطف غير محسوب”. وقفت الدولة بكل أجهزتها عاجزة حد التواطؤ عن محاسبة القاتل، احتل بيروت وتباهى باحتلالها وقتال أهلها، أطلق على يوم السابع من مايو/أيار “اليوم المجيد”، دخل سوريا وقاتل إلى جانب بشار الأسد، قتل آلاف السوريين، ولم يكتف بالقتل بل تباهى بتجويعهم والرقص على جثثهم وتدمير منازلهم، حاول العبث بأمن السعودية ودرب “ميليشيا الحوثي” لتطلق صواريخها على المملكة، تاجر بالمخدرات، وأغرق الدول العربية بالكبتاغون، كل ذلك قبل أن يحظر نشاطه الأمني والعسكري، كل ذلك وهو شريك بالحكومات المتعاقبة وحليف البعض بالانتخابات، وليست الانتخابات البلدية الأخيرة في بيروت إلا مثال فاضح على طريقة تعاطي السياسيين اللبنانيين مع “الحزب”، حتى أشد خصومه تحالفوا معه لأسبابهم الطائفية.

وبعد كل ذلك لا يزال البعض يحاول القول بإمكانية “لبننة حزب الله”، هذا “الحزب” الذي تأسس على يد “الحرس الثوري” الإيراني، ولم يخدم يوماً إلا الأجندة الإيرانية.

هذه الميليشيا التي سطت على الدولة وأجهزتها، وأرهبت كل من عارضها بكلمة دفاعاً عن المشروع الإيراني في المنطقة، لا يمكن أن تكون لبنانية ولا حتى شيعية، فمن يهتم لأمر طائفة يدعي تمثيلها لا يسمح بتهجيرها وقتلها وتدمير أرزاقها بفتح معركة إسناد لطهران.

يدفع اليوم شيعة لبنان ثمن جرائم “حزب الله” بحق اللبنانيين أولاً وبحق العرب والعالم ثانياً، لم تستنكر دولة في العالم قاطبة الحرب على لبنان اليوم، أبناء الطائفة الشيعية بلا مأوى وبلا مساعدات، القضاء على “حزب الله” مصلحة للجميع، لبنانيين وغير لبنانيين.

في المقابل ما زالت الدولة اللبنانية مترددة بل وخائفة، وما سرب عن كلام قائد الجيش خلال اجتماع مجلس الوزراء ليس إلا غيض من فيض ما يقوله بعض المسؤولين في الغرف المغلقة. يتخوفون إن اتخذوا قرار مواجهة “حزب الله” من انقسام الجيش، لا يدركون أن الزمن تبدل، وأن من مول انقسام الجيش سابقاً لم يعد موجوداً، وأن إيران لم تعد قادرة على دفع رواتب “الحزب” لتدفع للجيش إن انشق.

ما زال لبنان الرسمي غير مدرك لحجم ما تسبب به “حزب الله”، تدوير الزوايا لم يعد يقنع أحداً، “حزب الله” لا يعترف بالدولة، ولا يملك رخصة حزب، يصادر قرار الحرب والسلم، ويتعامل مع لبنان كمنصة صواريخ إيرانية، حظر “الحزب” بات لزاماً على الدولة، وليس حظر نشاطه الأمني والعسكري، رأفة بلبنان واللبنانيين ورأفة بالطائفة الشيعية.

المجلة


مصير حزب الله والتدخّل السوري/ فاطمة ياسين
08 مارس 2026
يشهد الإقليم منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 تصعيداً عسكرياً ترتفع وتيرته باطراد، وليس آخر محطاته الهجوم الإسرائيلي الأميركي في 28 الشهر الماضي (فبراير/ شباط) على إيران، ونهاية المرشد الأعلى علي خامنئي. جاءت دائرة النار واسعة هذه المرّة، فقد شملت الدول العربية الواقعة شرق البحر الأحمر بالإضافة إلى إيران وإسرائيل، ويمكن استثناء اليمن من حالة التعرّض المباشر للقصف، ولكنه هو الآخر مرشّح، بحكم ارتباط جماعة الحوثي بإيران. لم يتمكّن حزب الله في لبنان من ضبط نفسه، فتدخّل بطريقته المعهودة في إطلاق الصواريخ نحو العمق الإسرائيلي، وطفت على السطح فوراً حالة حزب الله الخاصة ضمن الدولة اللبنانية، وقد ردّت إسرائيل بعنف، فأوعزت بإخلاء مناطق في الجنوب، وأحياء في ضاحية بيروت الجنوبية، وصولاً إلى قرى في البقاع، بما يعني نزوح ما يقارب المليون، ووجدت الدولة اللبنانية نفسها مضطرّة إلى توجيه “إنذار أحمر” من أكبر مسؤوليها، فأصدرت قراراً بمواجهة حزب الله، وافق عليه وزراء حركة أمل، حلفاء الحزب نفسه.

كما هو متوقع، خرج الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، متحدّياً القرار، وهو يدرك، بالطبع، أن قدرات الجيش اللبناني محدودة، ولن تكون كافية في وقت قصير لتحييد الحزب عسكرياً ليصبح حزباً سياسياً، وقد تتحوّل المواجهة بين الجيش اللبناني والحزب إلى حربٍ أهلية، يختلط فيها السياسي بالطائفي. ومثل هذه المواجهة في اعتقاد نعيم قاسم غير واردة، لإدراك جميع الأطراف خطرها الشديد، وإسرائيل أيضاً غير قادرة على شن هجوم كافٍ لإطاحة الحزب، مهما كان حجم الهجوم، فلبنان ليس غزّة، وحزب الله يوجد في قطاعات واسعة من البلد، ويتداخل مع معظم سكانه طائفياً ومناطقياً، والهجوم الإسرائيلي على حاضنة حزب الله الشعبية جُرِّب، ولا تبدو قوات نتنياهو قادرة، وإن توسّع نطاق عملياتها، على استئصال الحزب نهائيّاً، وقد تتطلع بعض الأوساط نحو سورية بحكم الجوار الجغرافي، ويندفع محللون إلى الحديث عن تدخل عسكري سوري محتمل لتحييد الحزب.

يختلف التموضع السياسي الإقليمي والعالمي اليوم عنه في 1976. عندما تدخل حافظ الأسد في لبنان، كانت قوة سورية العسكرية في أوجها بعد إعادة تسليح الجيش السوري عقب حرب 1973، وسيطرة النظام الكاملة بدعم سوفييتي غير محدود. وساعدت حالة التمزّق اللبناني وكثرة المليشيات في دخول سوري سكت عنه العالم، وتواطأ معه أحياناً. أما اليوم، فلا توجد ظروف موضوعية مشابهة، وحالة الجيش السوري ليست مستقرّة، بعد أن دمّرت إسرائيل كل ما تبقى من سلاح الجيش الذي بقي بعد حرب الـ14 عاماً، والوضع الداخلي السوري ليس بذاك التماسك ليدعم تدخّلاً في لبنان، فما زالت حالة الاستعصاء في السويداء قائمة، وإسرائيل متربّصة بالجنوب، والمشكلة الكردية شمالاً لم تُحلّ كلياً، يضاف إلى هذا، الحالة المذهبية التي يمكن أن تطبع مثل هذا التدخّل وتجعله غير وارد، وما يقال عن تحشيد سوري يمكن أن يكون تلبيةً لحاجة داخلية بمنع أي حوادث أمنية على الحدود قد تسبّب تفاقماً.

حالة حزب الله مرتبطة بشكل كبير بالحالة الإيرانية، ووضع حزب الله المستقبلي يرتبط بما سيكون عليه الوضع الإيراني بعد انقشاع سحب الحرب، فقد أرادت إيران بعد الهجوم عليها حرباً شاملة، ووزّعت قذائفها على معظم دول الإقليم، واستهدفت مواقع حيوية، كالمطارات وحقول النفط ومعدّاته اللوجستية، وهذه ورقة خطيرة لعبها النظام، بعد أن انكشفت جبهته الداخلية. ولا بد أن صواريخ حزب الله على إسرائيل جاءت في هذا السياق الهائج، لكن ما جرى بعدها أن نتنياهو حوَّل تركيزه الحربي باتجاه لبنان، على أمل أن يحرز كسباً جغرافياً في جنوب الليطاني يستطيع تسويقه بين أنصاره.

العربي الجديد


ماذا حضّر الإعلام السوري لتداعيات الحرب على إيران؟/ علي عيد
دخل العالم مرحلة اللايقين في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران، وأكثر المحللين تحفظًا يتحدثون عن امتداداتها وأخطارها على مستوى العالم، وليس على المستوى الإقليمي فقط.

تقع سوريا في صلب الصراع، حتى لو لم تكن جزءًا من المعارك، فالشظايا التي تسقط على أراضيها، وسماؤها التي تحولت إلى معبر يعجّ بالطائرات والمسيّرات والصواريخ الباليستية، وموقعها الجيواستراتيجي، وموقفها السياسي (الانفتاح على تحالف غربي والقطيعة مع إيران)، كل ذلك يحفز على السؤال بشأن اليوم التالي.

وهناك أسئلة تحتاج إلى الإجابة عنها كي يعرف الإعلام خطته للمرحلة، أهمها:

ماذا سيحصل إن انتهت الحرب بتغيير النظام وفرض إسرائيل “شرطيًا” في المنطقة، مع قدرات عسكرية واستخبارية هائلة، وأطماع توسعية غير محدودة.
ماذا لو استمرت الحرب طويلًا واستنزفت الحلفاء العرب في دول الخليج، وقوضت الاقتصاد الخليجي الذي تتطلع سوريا إلى استثماراته في المرحلة المقبلة.
ماذا لو قرر الكرد الإيرانيون بالتعاون مع الكرد الموزعين في المنطقة، التحرك برّيًا داخل إيران، ما موقف تركيا والعراق، وما الموقف الداخلي.
ماذا لو قررت دول أوروبا المأزومة اقتصاديًا، التدخل بعد إنهاك دول المنطقة، واستعادة رسم خريطة على نهج “سايكس-بيكو”.
ماذا لو تسببت الفوضى في تدعيم حواضن تنظيم “الدولة”، أو الجماعات الأيديولوجية المدعومة من إيران، في مساحات واسعة بين سوريا والعراق.
ماذا لو دخل لبنان في حرب أهلية، قد تتسبب بمذابح تكررت عبر التاريخ منذ القرن الـ17 بين المكونات الطائفية، وتركت أثرها في سوريا في كل مرة.

الإجابة عن الأسئلة السابقة، وغيرها من الأسئلة المحتملة، واستراتيجيات التعامل معها ومع السيناريوهات المختلفة، قد لا تكون من المهام المباشرة للإعلام، لكن تأثيرها على الواقع يجعله مضطرًا للتفكير فيها.

الإعلام يتحمل مسؤولية كبيرة، وقد يقع في إشكالية الضرورة والدور المهني الأخلاقي، وهذا يؤشر إلى ضرورة وحساسية التداخل بينه وبين مختلف القطاعات.

يقع الإعلام في مقدمة دوائر التفكير لمواجهة الأخطار، وضمان أن يكون شريكًا في التنمية وفي الاستقرار والتماسك المجتمعي. وعند الحروب الخارجية التي تؤثر على أمن البلاد يصبح السؤال أصعب حول المهمة. الإعلام الحكومي يعرف مهمته بدقة في الحروب، إذًا ماذا عن الإعلام المستقل أو الخاص، هل يصبح جزءًا من الأطراف المعنية بالدفاع عن البلاد وأمنها، أم تنحصر مسؤوليته في الإخبار؟ وماذا لو كان الإخبار بجميع الحقائق غير ممكن، أو يسبب نوعًا من الذعر؟

وبناء على ما سبق، ينبغي أن تكون الخطة واضحة بالنسبة للإعلام الحكومي لمواجهة استحقاقات منها:

السيطرة على السردية أو الرواية: من يحدد القصة والإدراك العام، ومن أول من يعلن الخبر ويضع الإطار التفسيري له.

مواجهة الإغراق المعلوماتي: كيف يحصل الناس على معلومات صحيحة ومن يقوم بالتحقق وسط الضجيج، وخطر الحرب.

الحرب النفسية: كيف يصمم الإعلام رسائله للداخل والخارج، ويواجه محاولات كسر الإرادة والنفسية الوطنية. وإدارة الصور واللقطات لبناء صورة القوة التي يحاول الخصوم هزّها وخلخلتها.

إدارة التحليل: ما نوع الخبراء المطلوب ظهورهم، وما مهمتهم الوطنية والأخلاقية، مقابل المهمة المهنية للإعلام.

تحدي المعركة على المنصات الرقمية: كيف يتم ضبط أو مواجهة حرب التضليل على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي باتت الخاصرة الرخوة في الحروب الحديثة، وأداة يتم استخدامها لتشويه الخصم، وتدمير المعنويات، وخلق الفوضى.

بالانتقال إلى الإعلام الخاص أو المستقل، فهو غالبًا ما يخضع لاشتراطات حكومية في الحروب، ويبدأ صانعو القرار فيه بالتفكير في كيفية حلّ إشكالية عدم التحول إلى إعلام منخرط بالمشاركة في الدعاية الطارئة، أو الكشف عن التضليل في دعاية الخصم.

هناك أسئلة إضافية حول مسؤولية إطلاع الجمهور على الحقائق كاملة، أو الانكفاء عن التغطية في القضايا الحساسة، والتي قد تتسبب في زيادة الأزمات المعيشية والاجتماعية، ومن سيخبر الناس بالأخطار المحدقة وهل يجب تقديم المعلومات مع إضافة تفسيرات وحلول أو اقتراحات.

تلك الأسئلة المشروعة ما زالت غير محسومة لدى معظم دوائر التفكير، أو المنظرين في أخلاقيات الإعلام خلال الحروب، وسبق أن ثار جدل حول المسألة في الوسط الصحفي خلال فترة الزلزال الكارثي الذي حصل في شمال غربي سوريا وجنوبي تركيا، في 6 من شباط 2023.

يحتاج الوسط الصحفي في سوريا إلى نقاشات وتدريبات حول مواجهة أزمات على مستوى حروب عابرة للحدود، وآثارها على الواقع الاقتصادي والسياسي والديموغرافي-الاجتماعي، والأهم، التكامل بين الإعلام الحكومي والخاص والمستقل دون ذوبان أو إلغاء هوية، وهو ما لم يحصل على الرغم من مرور نحو عشرة أيام على بدء الحرب، واحتمالات تمددها واستمرارها لفترة طويلة.. وللحديث بقية.
عنب بلدي


عيد المساخر.. الحرب والأسطورة في عالمنا المعاصر/ أحمد عسيلي
صحا العالم صباح السبت الماضي، في 28 من شباط، على خبر صادم، هجوم إسرائيلي- أمريكي يودي بحياة المرشد الأعلى في إيران، وقد بدا واضحًا منذ اللحظات الأولى، أن عملًا بهذا المستوى لا يمكن قراءته فقط عسكريًا أو سياسيًا، بل له أبعاد تتجاوز ذلك بكثير، وخاصة أن من قام به هو نتنياهو واليمن المتطرف الإسرائيلي، وبالتالي يجب قراءة الحدث من زاوية عقلية هذا اليمين وطريقة تفكيره.

لفهم هذا الحدث أكثر، يكفي أن ننظر إلى التوقيت ومدلولاته الدينية، فاختياره لم يكن مصادفة خالصة، فالهجوم جاء قبل أيام قليلة فقط من عيد المساخر، أو عيد البوريم، وهو العيد الذي يحتفل فيه اليهود سنويًا بذكرى النصر على الفرس والنجاة من مؤامرة الإبادة التي دبّرها الوزير هامان في بلاط الملك الفارسي زركسيس الأول، كما يرويها العهد القديم في سفر إستير، وتروي القصة باختصار أن إستير، المرأة اليهودية، نجحت في إقناع زوجها الملك بكشف مؤامرة هامان، لينقلب مسار الأحداث ويُعدم الوزير بدلًا من أن يُفنى اليهود، ولهذا يُسمى هذا العيد أحيانًا “عيد قلب الطاولة”، لأنه يرمز إلى لحظة انقلاب القدر لمصلحة الشعب اليهودي.

ربما لا تكون شخصية هامان الفارسي معروفة جيدًا في الوعي العربي، لأن هناك شخصية أخرى بالاسم نفسه ورد ذكرها في القرآن، وهو الوزير المرتبط بمشاريع البناء والعمران في عهد فرعون موسى، والمفارقة هنا، أن فكرة “قلب الطاولة” تكتسب معنى آخر أيضًا، حين تحول هذه الحادثة مدنًا عُرفت بناطحات سحابها وتطورها العمراني، مثل دبي والدوحة وأبو ظبي، والتي بنت سمعتها لسنوات بوصفها رموزًا للاستقرار والازدهار، إلى عناوين رئيسة في نشرات الأخبار، لكن هذه المرة من بوابات الحرب والتوتر.

حضور الأسطورة ظهر أيضًا حتى في رد فعل الجانب الفارسي، ففي الساعات الأولى بعد الهجوم، انتشرت صور لمؤيدين إيرانيين تجمعوا في المقامات الدينية وهم يستعيدون خطاب المأساة الحسينية، مستحضرين حادثة مقتل الحسين في كربلاء بوصفها رمزًا أبديًا للشهادة والظلم، وهذا الاستدعاء ليس جديدًا في الثقافة الإيرانية، بل هو امتداد لتقليد طويل من استحضار المآسي المؤسسة للهوية الجماعية، فقبل أن تصبح كربلاء مركز هذا الخيال الجمعي، عرف المجتمع الفارسي تقليدًا عريقًا في البكاء على الأبطال المأساويين، مثل قصة مقتل سهراب في الشاهنامة، حيث كان الإيرانيون يقيمون مجالس عزاء وبكائيات حول هذه الحكاية، ومع صعود الدولة الصفوية، اكتسبت مأساة الحسين مكانة مركزية في الهوية الإيرانية الشيعية، إذ وجد فيها الصفويون رمزًا دينيًا قادرًا على توحيد المجتمع وبناء تمايز واضح عن السلطنة العثمانية السنية، وفي الوقت نفسه وسيلة للحفاظ على الروح الفارسية ضمن إطار ديني جديد.

هذه الأساطير والحكايات ليست استثناء يخص منطقتنا وحدها، فكثيرًا ما يعتقد البعض أن التفكير الأسطوري أو الرمزي هو سمة خاصة بالمجتمعات التقليدية أو بما يسمى شعوب العالم الثالث، غير أن نظرة أوسع إلى الرموز السياسية في العالم المعاصر تكشف أنه رغم كل التقدم العلمي والتقني الذي حققته البشرية، فإنها لم تبتعد كثيرًا على المستوى النفسي عن البنى الرمزية القديمة التي رافقت المجتمعات الأولى.

في كتابه الشهير “الطوطم والتابو”، وصف المحلل النفسي سيغموند فرويد كيف كانت القبائل البدائية تمنح حيوانًا معينًا مكانة “الطوطم”، أي الرمز الذي يجسد روح الجماعة ويحميها ويختصر هويتها، وربما نعتقد أن هذا النمط من التفكير قد اختفى مع ظهور الدول الحديثة، لكن الواقع يشير إلى أن الفكرة نفسها ما زالت حاضرة، وإن تغيرت لغتها فقط، فالشعوب المعاصرة ما زالت تختصر هويتها في رموز حيوانية نكررها يوميًا في خطابنا السياسي والثقافي: الدب الروسي، التنين الصيني، الديك الفرنسي، الكنغر الأسترالي، وغيرها من الحيوانات التي أصبحت تمثل صورة الأمة في السياسة المعاصرة.

بهذا المعنى قد تكون الحداثة قد غيّرت اللغة التي نتحدث بها عن أنفسنا، لكنها لم تغيّر تمامًا البنية النفسية العميقة التي تنظّم علاقة المجتمعات بالرموز والأساطير، فما كان يسمى في الماضي “طوطمًا” أصبح اليوم شعارًا وطنيًا أو استعارة سياسية، لكن وظيفته الرمزية بقيت إلى حد بعيد كما هي: منح الجماعة صورة تختصر قوتها وهويتها، وتربط حاضرها بقصة أقدم منها بكثير.

قبل أسابيع قليلة، سخر السوريون من المحادثات المسربة التي كان يعتقد “النمر” أنه يجريها مع ضابط استخبارات إسرائيلي، حين تحدث عن لقاء “إيليا بعليا”، معتقدًا أن هذه العبارة قد تشجع الطرف الإسرائيلي على التحالف مع العلويين لإنشاء دولة الساحل، هذه الكلمات بدت هزلية وكوميدية، لكن هذا فقط لأن “النمر” لا يحمل الكاريزما، ولا القاموس اللغوي الكافي للتعبير عن هذه الفكرة، لكنها موجودة فعلًا حتى في عقول أشهر السياسيين وفي أكثر الدول تحضرًا.

يبدو أن العالم، رغم كل محاولاته لتقديم نفسه بوصفه عالمًا عقلانيًا تحركه المصالح المادية وحدها، ما زال في العمق محكومًا أيضًا بالأساطير والذاكرة الجماعية، فالحروب لا تحركها الحسابات السياسية فقط، بل تقف خلفها أيضًا قصص قديمة، وصور متوارثة، وسرديات تمنح الصراع معنى يتجاوز حدود الواقع المباشر.
عنب بلدي


للتنسيق والاستعداد.. كيف تحمي سوريا نفسها وتضبط الحدود بينها وبين الجوار؟/ مها سلطان
مارس 8, 2026

العديد من الجهات الإعلامية خلال الآونة الأخيرة، من بينها وسائل إعلام لبنانية ترتبط بـ “حزب الله” اللبناني، تعمل على نشر أخبار عن وجود نية لدى الحكومة السورية للتدخل عسكريا في لبنان، وبالتنسيق مع “إسرائيل” لضرب “حزب الله” اللبناني، كما حاولت بعض الحسابات الرقمية التابعة لأطراف عراقية محسوبة على “الحشد الشعبي” العراقي بث أخبار مماثلة عن نية للتدخل في العراق من قبل الجيش العربي السوري.

كما تداولت صفحات، خلال وقت سابق، ادعاء منسوبا إلى هيئة البث “الإسرائيلية”، بأن الرئيس أحمد الشرع ينسق مع الاحتلال “الإسرائيلي”، وأنه سيضرب مواقع “حزب الله” على طول الحدود في منطقة سهل البقاع، فيما نفت مواقع تعمل على متابعة الأخبار وجود مثل هذا الادعاء، أو أن يكون صادرا عن هيئة البث “الإسرائيلية”، وأنه لا يعدو كونه ادعاء ملفقا لخلق الفتنة والبلبلة بين سوريا ولبنان.

ومع تصاعد الحرب الأميركية – “الإسرائيلية” ضد إيران وضد “حزب الله” اللبناني، أعيد نشر العديد من التقارير عن قيام الجيش السوري بنشر تعزيزات عسكرية سورية قرب الحدود، ونشر قاذفات صواريخ قصيرة المدى، فيما أكدت هيئة العمليات في الجيش السوري، الأربعاء الفائت، توسيع انتشار وحداته على طول الحدود مع لبنان والعراق، عبر إشراك وحدات من حرس الحدود وكتائب الاستطلاع.

يمكن القول إن الحكومة السورية أدت ما عليها كاملا من واجب التوضيح والتطمين لكل من لبنان والعراق، حول الانتشار العسكري على الحدود معهما، والذي بدأ عمليا منذ يوم الأربعاء الماضي، وقد يتعزز بصورة أوسع وفقا لتطورات الحرب بين أميركا و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة ثانية.

كذلك، ووفقا لسياقات ميدانية محددة متعلقة بتوسيع ميليشيا “حزب الله” قرار دخول الحرب عبر جر “إسرائيل” إلى حرب برية وجوية موسعة على لبنان، فقد لا تكون سوريا بمنأى عنها وعن تداعياتها. والأمر نفسه يقال عن الحشد الشعبي في العراق إذا ما اتخذ تحركا مماثلا.

منذ إعلان ميليشيا “حزب الله” ما سمته حرب إسناد إيران، ومع استمرار الحزب في إطلاق الصواريخ على “إسرائيل” التي ترد بضربات عنيفة جدا على مختلف الأراضي اللبنانية، بدا محتما على الدولة السورية التحرك ميدانيا وفق خريطتين، الأولى متعلقة بدائرة الاستهداف الإيراني للجوار، وصولا إلى العراق ولبنان والأردن، ومراقبة وتائر التصعيد. صحيح أنه لم يتم استهداف سوريا بشكل مباشر بعد، إلا أن إيران لا تكف عن إرسال إشارات بأنها تمتلك بنك أهداف على الأراضي السورية وفقا لتطورات الحرب.

أما الخريطة الثانية، فمتعلقة بالحرب نفسها، وسعي إيران إلى توسيع دائرتها باتجاه جميع دول المنطقة، وهذا يرتب مخاطر ميدانية مضاعفة على سوريا التي ستجد نفسها محاصرة بين معارك على جانبيها اللبناني والعراقي، على قاعدة أن التصعيد الإيراني، وما تسعى إليه إيران من أهداف، لن يتحقق إلا في حال تفعيل ذراعها في العراق، من جهة، ومن جهة ثانية دفع حزب الله إلى توسيع دائرة الميدان باتجاه توريط سوريا. فالهدف الإيراني هنا هو “إسرائيل” وتشديد الضغط عليها عبر (حزب الله والحشد الشعبي) إذا تيقنت أنها تتجه نحو الهزيمة.

ولنأخذ مثلا الإنزال “الإسرائيلي” في بلدة النبي شيت، في بعلبك شرقي لبنان، وما تلاه من اشتباك قد لا يبقى في المرات المقبلة ضمن الأراضي اللبنانية. فكل من “حزب الله” و”إسرائيل” قد يعمد إلى توريط سوريا في لحظة انحشار ميداني يكون المهرب منها مد الاشتباك إلى الأراضي السورية.
سوريا توضح

الحكومة السورية تتحدث بوضوح شديد عن أهداف الانتشار العسكري على الحدود، وتؤكد أنه ليس من دون تنسيق مع لبنان والعراق.

ففي تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أكدت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع أن الانتشار الحالي للجيش العربي السوري هو إجراء سيادي دفاعي ووقائي يهدف إلى تعزيز السيطرة على الحدود وحماية الأمن القومي، دون استهداف أي دولة شقيقة، مع ضبط المعابر ومنع أي أنشطة غير قانونية، مشددة على أن هذا الانتشار يساهم في ترسيخ الاستقرار، ويضمن أمن المنطقة والحدود مع لبنان والعراق.

وحرصت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع على التوضيح بأن هناك تنسيقا مستمرا مع العراق ولبنان عبر القنوات العسكرية والأمنية لضمان إدارة الحدود بصورة منظمة، بما يعكس التعاون والاحترام المتبادل للسيادة، مؤكدة أن الانتشار يقتصر على الجانب السوري من الحدود، وهو حق سيادي ضمن الأراضي السورية، وليس له أي أهداف أخرى غير المذكورة.

وأضافت أن الانتشار يأتي في إطار إجراء وقائي تنظيمي يهدف إلى ضبط الحدود وتنظيم الحركة عبرها في ظل التطورات الإقليمية الجارية. وعليه، فهو إجراء دفاعي سيادي لا يستهدف أي دولة أو جهة، بل يهدف حصرا إلى حماية الحدود السورية ومنع أي أنشطة غير قانونية قد تستغل الأوضاع القائمة في بعض المناطق الحدودية.

ويمكن إجمال الأهداف، وفقا لتصريح إدارة الإعلام والاتصال، ضمن عدة نقاط تتركز في تعزيز الاستقرار في المناطق الحدودية، بما ينعكس إيجابا على أمن المجتمعات المحلية في سوريا ولبنان والعراق على حد سواء، ويعزز حالة الانضباط الميداني على امتداد الشريط الحدودي.

كما تتركز في الحد من عمليات التهريب والأنشطة غير المشروعة والجريمة المنظمة، ومنع استغلال الظروف الأمنية في بعض المناطق الحدودية لتنفيذ أعمال خارجة عن القانون.

وتشمل أيضا تعزيز أمن القرى والبلدات الواقعة على الحدود، للحد من محاولات استغلالها من قبل شبكات التهريب أو المجموعات الخارجة عن القانون، بما يوفر حماية إضافية للمدنيين في تلك المناطق.

وتعتمد الوحدات المنتشرة على مهام الاستطلاع والمراقبة الميدانية المستمرة لضبط الحركة على الحدود، ورصد أي نشاط قد يشكل تهديدا أمنيا قبل تطوره، ضمن إجراءات منظمة ومتابعة ميدانية مباشرة.

كما يأتي ضبط الحدود السورية أيضا في سياق دعم الاستقرار الإقليمي، والحد من أي نشاطات قد تؤثر في أمن الدول المجاورة أو في أمن المنطقة عموما، بما يعزز مستويات التنسيق المرتبطة بأمن الحدود.

ويؤكد ذلك مسؤولية الدولة السورية في حماية حدودها الدولية وصون سيادتها الوطنية، وفقا للقوانين والأعراف الدولية، وبما ينسجم مع واجبها في حفظ الأمن والاستقرار.

ما يجري هو وفق الإدارة، انتشار تنظيمي للقوات، وليس تصعيدا عسكريا أو تحركا موجها ضد أي طرف، وإنما خطوة ميدانية هدفها ضبط الحدود في ظل الظروف الراهنة.

وتحمل هذه الإجراءات رسالة طمأنة إلى سكان المناطق الحدودية، وتؤكد حرص الجيش العربي السوري على أن تبقى الحدود مناطق أمن واستقرار، بما يطمئن الأهالي على جانبي الحدود ويحول دون أي توترات غير مبررة.
تنسيق واتصالات

مضمون ما سبق كان عنوان الاتصال الهاتفي يوم الجمعة الماضي بين الرئيس أحمد الشرع ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، حيث أكد الشرع تضامن سوريا مع لبنان وشعبه، وحرصها على استقراره وأمنه في هذه المرحلة الحساسة، مشددا على أهمية استمرار التنسيق والتواصل بين البلدين.

وأوضح الرئيس الشرع أن تعزيز الوجود العسكري على الحدود السورية – اللبنانية يأتي في إطار إجراءات تهدف إلى تشديد ضبط الحدود والحفاظ على الأمن الداخلي في سوريا، مشيرا إلى أن هذه الإجراءات مماثلة لتلك المعتمدة على الحدود السورية مع العراق، حيث تهدف إلى منع أي خروقات أمنية وضبط حركة العبور غير الشرعية، بما يسهم في حماية الاستقرار في المناطق الحدودية.

وشكر رئيس الوزراء اللبناني الرئيس الشرع، مؤكدا بدوره أهمية استمرار التشاور والتعاون بين لبنان وسوريا في مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك.

وكان سلام قد كشف، خلال اجتماع لمجلس الوزراء، أنه تلقى اتصالا من وزير الخارجية أسعد الشيباني، إضافة إلى زيارة من القائم بالأعمال السوري في بيروت. وكان التركيز من قبل المسؤولين السوريين على أن الانتشار العسكري لا يتجاوز إجراءات تعزيز ضبط الحدود والحفاظ على الأمن الداخلي السوري، وهي خطوات مشابهة لتلك التي اتخذتها دمشق على الحدود السورية مع العراق.

وأشار سلام إلى أن سوريا أكدت خلال الاتصالات المتبادلة حرصها على أفضل العلاقات مع لبنان، فيما أكد الجانب اللبناني رغبته في بناء علاقات تقوم على الثقة المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
قنوات أمنية وعسكرية

بدوره، أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون، في وقت سابق، أن العلاقات اللبنانية السورية جيدة، وأن الاتصالات والتنسيق الأمني والعسكري بينهما مستمران، فيما أشار الجيش اللبناني في بيان إلى أن وحداته عززت انتشارها عند الحدود الشرقية بالتنسيق مع السلطات السورية المعنية.

وكانت مصادر حكومية لبنانية قد أكدت أن التنسيق قائم مع سوريا بشأن الانتشار العسكري الحدودي، مشيرة إلى أنه يتم عبر قنوات أمنية وعسكرية بهدف الاطلاع على طبيعة التحركات العسكرية السورية وتفادي أي “التباس” قد ينشأ في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة.

وأضافت المصادر أن الجانب السوري أبلغ المسؤولين اللبنانيين بأن الانتشار الجاري يندرج في إطار خطة لتعزيز تحصين الحدود وضبطها أمنيا، ومنع استخدام الأراضي السورية منصة لأي نشاط عسكري أو أمني مرتبط بالصراعات الإقليمية والدولية الدائرة حاليا في المنطقة.

وحسب المصادر، فإن الجانب السوري أكد أنه لا توجد أي نية عدائية أو إجراءات تستهدف لبنان، وأن هذه التدابير العسكرية تهدف بالدرجة الأولى إلى تثبيت الاستقرار على جانبي الحدود، وأن ضبط المعابر والانتشار العسكري يسهمان في تحصين كل من سوريا ولبنان ومنع أي محاولات لاستغلال الحدود في سياق التطورات الأمنية الإقليمية.

وفي وقت سابق، تلقى الرئيس الشرع اتصالا هاتفيا من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، جرى خلاله بحث التطورات الراهنة، حيث شددا على ضرورة احتواء التصعيد في المنطقة ومنع انزلاقها إلى مزيد من التوتر، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليميين.

وأكد الرئيسان الشرع وماكرون إدانتهما للاعتداءات الإيرانية على بعض دول المنطقة، وضرورة احترام سيادة الدول وعدم المساس بأمنها واستقرارها. واتفقا على مواصلة التشاور والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك في ظل المستجدات المتوالية.
حجم المخاطر وحدود المواجهة

ووفقا لمحللين، فإن سوريا تدرك تماما موقعها في هذه الحرب، ليس بالضرورة عبر الدخول فيها، ولكن عبر حجم المخاطر القائمة إذا توسعت، وفي حال لم تكن سوريا مستعدة لمواجهة التداعيات. ولا يخفى أن لسوريا وضعا جيوسياسيا معقدا، إلى جانب طبيعة الملفات الداخلية التي تتصدى لها الحكومة، في سبيل تحقيق الاستقرار والنهوض الاقتصادي في مرحلة انتقالية تسعى لأن تكون قادرة على الإمساك بمساراتها وضوابطها، فلا تكون عرضة للتأثر المباشر بما تفرزه هذه الحرب من تطورات لاحقة.

وفي حديثه لـ”الثورة السورية” يقول المحلل السياسي عبد الله الحمد: منذ اليوم الأول سعت إيران إلى زج دول المنطقة في الحرب، بما فيها سوريا، مستغلة موقعها بين ذراعين إيرانيين في لبنان والعراق، بحيث تكون سوريا محكومة ومشدودة إلى الخيوط التي تتحكم بحركة الذراعين، حزب الله والحشد الشعبي. صحيح أن الأول كان سابقا للثاني في إعلان “إسناد إيران”، لكن الأذرع الإيرانية لا تقتصر فقط على الحشد الشعبي في العراق، فهناك عدة فصائل أعلنت دخولها، وكان من شأن ذلك أن يحول العراق إلى ساحة ضربات متبادلة، من “إسرائيل” وأميركا، ومن إيران نفسها، وهو ما دفع الحكومة العراقية إلى إصدار قرارات صارمة ضد كل من يصادر قرار العراق الأمني والسيادي.

لكن لبنان يبقى خطرا مباشرا قبل العراق، في ظل سيناريوهات الحرب التي تعدها “إسرائيل” ضد حزب الله، وفي ظل أن الضربات “الإسرائيلية” لم تحقق أهدافها، فإن المخاطر تتركز باتجاه أن “إسرائيل” قد تعمد إلى اتباع قاعدة تفكيك مناطق الحزب بين جنوب نهر الليطاني وشماله وقطع التواصل بينها، وهذا يتطلب أن تتوغل في أراض سورية مجاورة، وفقا لخبراء عسكريين يتتبعون مسار العمليات “الإسرائيلية” في لبنان، ومنها الإنزال “الإسرائيلي” في بلدة النبي شيت.

ويوضح الحمد أن سوريا تقرأ هذه المعطيات الميدانية، وعلى أساسها يتم التحرك، وتقرأ معها حدود الفعل الرسمي اللبناني لناحية أن تكون الدولة في مواجهة مع ميليشيا حزب الله، وعدم القدرة على احتواء التداعيات السياسية والأمنية. ومن هنا تأتي حتمية التحرك السوري في تعزيز الانتشار على الحدود مع لبنان والعراق، باعتبارهما يتقاطعان في المعادلات الميدانية والفصائلية، وأن إيران تراهن عليهما في المرحلة الأخيرة، مع نفاد أوراقها، لتكونا وقودا لاستمرار التصعيد.

وكانت وسائل الإعلام قد تداولت أمس تقارير، نقلا عن مصادر استخباراتية عربية، تفيد بأن حزب الله يعمل على توسيع عملياته ضد “إسرائيل” انطلاقا من الأراضي السورية بالتوازي مع العمليات داخل لبنان. ويرى مراقبون أن من شأن ذلك إقحام سوريا في مواجهة مباشرة، سواء مع الحزب أو مع “إسرائيل”. وسبق للدولة السورية أن عملت على تفكيك البنية العسكرية التي أنشأها حزب الله داخل الأراضي السورية، خصوصا الحدودية، إلى جانب ضبط كل التحركات التي يقوم بها الحزب سواء على مستوى تسلل الأفراد أو تهريب السلاح أو تجارة المخدرات.

حتى الآن نجحت سوريا في إبعاد التداعيات، لكن الحرب طويلة كما تعلن أميركا و”إسرائيل”، وقد تتجاوز مدة الأسابيع الستة التي تحدث عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل تحقيق هدف استسلام إيران. بمعنى أن أمامنا شهرا ونصف الشهر، وهي مدة كافية لتطورات دراماتيكية قد لا تكون في مصلحة أي من دول المنطقة، وليس سوريا فقط. ولا بد أن تكون سوريا على كامل الاستعداد لكي تستطيع النجاة من تداعياتها.
الثورة السورية


حرب إيران… التداعيات على النظام الدولي ودور الصين وروسيا/ جاسم محمد
08 أذار 2026
تشكل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران منذ اندلاعها مطلع شهر آذار/ مارس 2026 واحداً من أخطر التهديدات الجيوسياسية التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة، نظراً إلى ما تحمله من تداعيات على توازنات النظام الدولي. فهذه الحرب لا تقتصر على كونها صراعاً إقليمياً في الشرق الأوسط، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمستقبل النظام العالمي بين القوى الكبرى، خصوصاً في ظل التنافس المتزايد بين الغرب من جهة وكل من روسيا والصين من جهة أخرى.

الحرب هي جزء من صراع أوسع بين نموذجين للنظام الدولي: الأول تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها، والثاني تسعى إلى ترسيخه قوى مثل روسيا والصين من خلال تقليص النفوذ الغربي في مناطق استراتيجية مثل الشرق الأوسط. وهذه الحرب قد تسرّع إعادة تشكيل النظام الدولي وتدفع مزيداً من الدول إلى إعادة تقييم تحالفاتها الاستراتيجية.

تتبنّى الصين موقفاً حذراً نسبياً من الحرب، حيث أدانت الهجوم الأميركي على إيران ودعت إلى وقف التصعيد والعودة إلى الحلول الديبلوماسية. وقد شدد المسؤولون الصينيون على ضرورة احترام سيادة إيران ورفض استخدام القوة لحل النزاعات الدولية.

ورغم ذلك تحرص بكين على تجنب الانخراط العسكري المباشر في الصراع، فالصين تعتمد كثيراً على استقرار منطقة الخليج لتأمين وارداتها من الطاقة، كما تسعى إلى الحفاظ على دورها كوسيط ديبلوماسي في الشرق الأوسط بدلاً من أن تتحول إلى طرف في الصراع.

وبذلك يمكن القول إن السياسة الصينية تقوم على مزيج من الدعم السياسي لإيران والضغط الديبلوماسي لوقف الحرب، مع الحرص على عدم مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

أما روسيا فقد اتخذت موقفاً سياسياً واضحاً في إدانة الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، داعية إلى وقف فوري للأعمال العسكرية والعودة إلى المسار الديبلوماسي.

ورغم ذلك لم تظهر موسكو حتى الآن استعداداً للانخراط العسكري المباشر في الحرب، رغم علاقاتها الاستراتيجية مع طهران. وتفضّل روسيا تقديم دعم سياسي وديبلوماسي وربما تقني لإيران، لكنها تتجنب مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة. ويرجع ذلك إلى انشغال روسيا بملفات استراتيجية أخرى، ورغبتها في تجنب توسيع الصراع إلى مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى.

على الرغم من الدعم السياسي الذي تقدمه كل من روسيا والصين لإيران، فإن احتمال انخراطهما العسكري المباشر في الحرب لا يزال ضعيفاً في المرحلة الحالية. فكلتا الدولتين تدرك أن أي مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة قد تؤدي إلى تصعيد خطير يهدد الاستقرار الدولي.
لكن هذا الاحتمال قد يتغيّر إذا ما توسّعت الحرب لتشمل مناطق استراتيجية أخرى. ففي مثل هذه السيناريوهات، قد تسعى موسكو وبكين إلى تعزيز دعمهما لطهران بطرق مختلفة، سواء عبر الدعم العسكري غير المباشر أو عبر تحركات سياسية في المؤسسات الدولية.

بالرغم من تصعيد حدة التوتر من المستبعد أن يتجه العالم نحو حرب عالمية ثالثة في هذه المرحلة. فالقوى النووية، رغم خلافاتها، لا تزال تدرك أن أي مواجهة مباشرة بينها قد تكون كارثية على النظام الدولي بأكمله. وإن استمرار الحرب واتساع نطاقها قد يؤديان إلى زيادة حدة الاستقطاب الدولي وتوسيع الصراعات الإقليمية، الأمر الذي قد يخلق بيئة دولية أكثر توتراً وخطورة في السنوات المقبلة.

تعكس حرب إيران مرحلة جديدة من التحولات في النظام الدولي. فبينما تسعى دول الغرب إلى الحفاظ على نفوذها في الشرق الأوسط، تحاول روسيا والصين تعزيز موقعيهما في نظام عالمي متعدد الأقطاب.

ورغم أن الصراع الحالي لا يبدو أنه سيتحول في المدى القريب إلى حرب عالمية، فإنه يمثل مؤشراً واضحاً على دخول العالم مرحلة جديدة من التنافس الجيوسياسي، قد تعيد رسم ملامح النظام الدولي باتجاه تعدد الأقطاب خلال السنوات المقبلة.

  • باحث في الأمن الدولي ـ بون
    النهار

إيران تتحدى نظرية ترامب “القوة هي الحق” فهل تنجح؟/ سركيس نعوم
08 أذار 2026
يبدو أن إيران تتحدى نظرية “القوة هي الحق” التي تشكّل حجر الزاوية في السياسة الخارجية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وذلك برفض الانحناء أمام مطالبه، وبخوض حرب توسّعت خلال ساعات في الشرق الأوسط.

بذلك تكون إيران ذاهبة في طريق لم تسلكه دولة أخرى بما في ذلك فنزويلا وحليفة حلف شمال الأطلسي الدانمارك اللذان هددهما ترامب باستعمال القوة إذا لم يذعنا لمطالبه، وقد تحقّق ذلك إلى حد بعيد. كانت إيران تراهن على أن ترامب سيكون مع توجيه ضربة سريعة لإيران تورّط بلاده في صراع طويل ولا تفرض عليها إرسال بعض من جيشها إلى أرض المعركة. كان ذلك خطأً في الحساب. لكن في كل الأحوال كان على إيران وقائدها السابق الراحل علي خامنئي أن يتبنيا هذا الخيار ويسلكا طريق تنفيذه.

كان ترامب ورئيس وزراء إسرائيل نتنياهو اقترحا في البداية أن يكون هدف الحرب تغيير النظام. لكن الأول أقر بأن إنجاز هذا الهدف قد يوسّع الحرب ويجعل إرسال قوات أميركية الى إيران أمراً لا مفر منه. وخطر هذا الخيار احتمال وقوع أميركيين وربما بأعداد غير قليلة بين قتيل وجريح.

قُتل خامنئي في أول يوم من بدء الغارات على بلاده وعدد آخر من العاملين معه ومنهم قائد قوات “الحرس الثوري” محمد باكبور. ورغم ذلك قد يكون إعلان الولايات المتحدة وإسرائيل النصر سابقاً لأوانه. فقتل خامنئي لا يعني بالضرورة أو على الأقل في بداية الحرب انهيار النظام الإسلامي.

كانت خلافة خامنئي موضع بحث ودرس وقيد التحضير في إيران قبل الحرب. وعجّل المسؤولون الإيرانيون في هذه العملية بعد القصف المشترك الأخير الذي نفّذه طيران الولايات المتحدة وإسرائيل، وقُتل فيه مسؤولون عسكريون وأمنيون إيرانيون كبار. رغم ذلك كانت إيران تراهن على اختيار تحدي مقاربة ترامب للموضوع كله، وهي أن القوة هي المقاربة الصحيحة في الصراع مع إيران. وباختيارها تحدي ترامب كانت تراهن على قراءة لتاريخ الولايات المتحدة قبل الحرب العالمية الثانية لم تعد صالحة مع وجود هذا الرئيس في البيت الأبيض.

فهي تذكرت هزيمة الولايات المتحدة في فيتنام عام 1970، وانسحاب عسكرها من بيروت عام 1980، كما انسحابها من أفغانستان عام 2021. ذلك أن ترامب كان ولا يزال مصمماً على تصحيح ذلك كله. ربما تبرهن إيران أنها عصية على الكسر حتى وإن كان هناك تفاوت كبير بين قدراتها العسكرية وقدرات الولايات المتحدة.

لكن الحقيقة تشير إلى أن هذا النوع من التفكير سقط بعد سقوط خامنئي قتيلاً في أول يوم من الهجوم العسكري الأميركي – الإسرائيلي على بلاده. ورغم ذلك يكفي أن يُعلن النظام نجاته من القتل لكي يقول إنه حقّق نصراً. وهذا هدف قابل للتحقيق ما لم يُشعل قتل خامنئي ثورة شعبية مماثلة للتظاهرات التي قامت ضد النظام قبل مدة قصيرة وقُتل فيها نحو 30 ألف مواطن على أيدي “الباسيج” والشرطة و”الحرس” الذين هرعوا إلى إخمادها، كما إذا لم يتشقّق النظام أو تظهر بوادر إنشقاق عليه.

أما مقتل خامنئي فإنه يقلّص احتمال إرسال ترامب قوات برية إلى إيران وخصوصاً في ظل رفض نحو 60 في المئة من الأميركيين تدخل بلادهم في إيران. ولكن رغم ذلك اعترف ترامب بأن الهجوم على إيران كان يمكن أن يُشعل حرباً إقليمية واسعة، وزاد هذا الاحتمال إطلاق إيران صواريخها ومسيّراتها على القواعد والسفارات الأميركية في الخليج في الساعات الأولى للحرب، مع أن معظمها قد تم التعامل معه بنجاح.

طبعاً لن يتوقع أحد أن تبادر دول الخليج التي استُهدفت إلى الرد عسكرياً مع إيران. لكن السؤال المهم هو ماذا سيفعل “جبابرة” المنطقة مثل العربية السعودية بعد الاستهداف الصاروخي والمسيّراتي الذي تعرّضت له منذ بداية الحرب قبل أيام؟
كانت السعودية أبلغت إيران قبل الحرب أنها لن تسمح باستعمال أرضها وجوها لشنّ هجمات عليها. وكانت الأولى التي دانت إطلاق إيران الصواريخ على أهداف في عاصمتها الرياض. وهي مع دول الخليج الأخرى تعتمد سياسة “إنتظر لترى” ماذا ستكون النتائج أو ماذا يمكن أن يحصل. طبعاً ليس واضحاً إذا كانت السعودية ودول خليجية أخرى سترد في حل ضرب إيران والحوثيين (أو استهداف) عمليات الشحن في بحر الخليج. أما إعلان ترامب وإسرائيل الانتصار فسيتم إذا هُزمت إيران، وأُجبرت على الاستسلام أو على الأقل إذا دُمّر كل مخزونها النووي أو ضُرب ما تبقّى منه بعد تدميره في الحرب الإسرائيلية – الأميركية الأولى على إيران.
يبدو أن دول الخليج ليست وحدها القلقة من أن تُستدرج إلى الحرب، إذ تشاركها هذا الموقف إذربيجان وتركيا.

ماذا تخشى تركيا؟ ولمَ تسعى إلى عدم التورط في الحرب الدائرة بين ترامب أميركا ونتنياهو إسرائيل من جهة وإيران الثورة الإسلامية؟ القلق التركي الأول سببه ائتلاف خمس مجموعات كردية مقاتلة في العراق، بعضها حظي أو لا يزال يحظى بدعمٍ إسرائيلي أو أميركي في السابق. وتخشى تركيا أن يكون أحد أهداف الحرب الدائرة استغلال الفراغ في السلطة الإيرانية لتأسيس حكم كردي في مناطق الأكراد الإيرانية. علماً أن التحالف الإسرائيلي – الأميركي يقول إنه تواصل مع أقليات إثنية، بما في ذلك البلوش والمجاهدون الأذريون. والأقليات الإيرانية تبدو نسبتها عددياً نحو 43 في المئة من الشعب الإيراني. والأهمية الإستراتيجية لها تكمن في أنها على الحدود بين إيران وجيرانها. فالأذريون في الشمال الغربي، والمثلث التركي – الأذري – الإيراني في الشمال الشرقي.

والأكراد في الغرب على الحدود مع تركيا وكردستان العراق، والعرب في جنوب غرب خوزستان المقاطعة الغنية بالنفط. طبعاً يبقى أذريو إيران الأكثر اندماجاً مع الدولة والنظام كما مع الفرس منها الذين يبلغ عددهم نحو 60 في المئة من شعوب إيران. ويتعرّض هؤلاء لإغراءات كثيرة تركية وأذرية غير إيرانية للانفصال أو على الأقل للعمل ضد النظام الفارسي الإسلامي. لكن ذلك ليس سهلاً، وقد لا يكون مضموناً إلا إذا نجحت حرب ترامب – نتنياهو في توجيه ضربة قاصمة إلى النظام الإسلامي الإيراني، وفي السعي لإقامة تحالف واسع داخل إيران لوراثة الدولة الإسلامية.

النهار


الحرب على طريقة ترمب إيران، وفنزويلا، ونهاية عقيدة باول/ ريتشارد فونتين
08 أذار 2026
تتبنى إدارة دونالد ترمب نمطاً جديداً في استخدام القوة يقوم على المرونة والغموض والمباغتة، متجاوزاً مبادئ “عقيدة باول” التي تشترط وضوح الأهداف والدعم الشعبي واستخدام قوة حاسمة. ويهدف هذا النهج إلى تحقيق نتائج سياسية سريعة من خلال عمليات عسكرية محدودة ومتغيرة الأهداف، حتى لو أدى ذلك إلى حروب بلا نهاية واضحة أو إلى تأجيل الصراع بدلاً من حسمه.

عندما بدأت القنابل تنهال على إيران في عطلة نهاية الأسبوع الفائت، فوجئ معظم الأميركيين، تماماً كما فوجئ العالم. صحيح أن الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط كان يتعزز خلال الأسابيع السابقة، لكن المفاوضات بين واشنطن وطهران كانت لا تزال مستمرة. وحتى بينما كان الجيش الأميركي يستعد للهجوم، حرصت إدارة ترمب على إبقاء الهدف الفعلي غامضاً. لم يجرِ تقريباً أي نقاش وطني جدي، ولم تحصل مشاورات تُذكر مع حلفاء الولايات المتحدة، ولم يُطرح الأمر على الكونغرس للتصويت على جدوى الدخول في الحرب. وبعد يومين على اندلاعها، بدا مسؤولو الإدارة عاجزين عن تقديم تصور محدد لكيفية انتهائها. وبدلاً من استخدام القوة الحاسمة، يضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب المرونة في المقام الأول. ومن هنا يتشكل نمط جديد في استخدام القوة، ظهر في أكثر من تدخل خاضه ترمب، من البحر الأحمر إلى فنزويلا، وقلب الكثير من التصورات التقليدية بشأن استخدام القوة.

في جوانب كثيرة، يبدو هذا النهج نقيضاً مباشراً لما عُرف بـ”عقيدة باول”. فقد تبلورت هذه العقيدة خلال حرب الخليج (1990-1991) على يد الجنرال كولن باول، الذي أصبح لاحقاً وزيراً للخارجية. ومفادها أن القوة لا ينبغي أن تُستخدم إلا كخيار أخير، بعد استنفاد الوسائل غير العسكرية كافة. أما إذا أصبحت الحرب حتمية، فيجب أن تُخاض لتحقيق هدف واضح، وأن تقترن باستراتيجية خروج محددة، وأن تحظى بتأييد شعبي. كذلك تفترض العقيدة استخدام قوة ساحقة وحاسمة لهزيمة العدو، مع تعبئة كل ما هو متاح من أدوات عسكرية، واقتصادية، وسياسية، واجتماعية. وقد استُلهم هذا التصور من دروس حرب فيتنام، سعياً إلى تفادي الحروب الطويلة والخسائر البشرية الكبيرة والتكاليف المالية والانقسامات الداخلية. وكما كتب باول لاحقاً، لا يمكن للقادة العسكريين “أن يذعنوا بصمت لحرب فاترة تُخاض لأسباب واهية لا يستطيع الشعب الأميركي فهمها أو تأييدها”.

وقد أثار نهج باول، المستند بدوره إلى المعايير التي وضعها وزير الدفاع كاسبار واينبرغر في ثمانينيات القرن الماضي، جدلاً منذ البداية. فبعض منتقديه رأوا أن منطق “الكل أو لا شيء” سيمنع اللجوء إلى استخدام محدود ومدروس للقوة من أجل تحقيق أهداف متواضعة لكنها مهمة. أما مؤيدو العقيدة فكانوا يرون أن هذه تحديداً هي فكرتها الجوهرية، ولهذا عدّوا التدخلات المتواصلة التي شهدها عهد بيل كلينتون في الصومال وهايتي ويوغوسلافيا السابقة، إساءةً لاستخدام القوة العسكرية قد تنتهي إلى الفشل أو إلى التورط في مستنقع طويل.

وشكّل الغزوان الأميركيان لأفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003 الاختبار الأبرز لهذا النهج. فقد حاولت إدارة جورج دبليو بوش تطبيق عقيدة باول في الحالتين. ولم تُعلن الحرب إلا بعدما تجاهلت حركة “طالبان” والقيادة العراقية، كل على حدة، المطالب الأميركية، وبعدما أنفق الرئيس قدراً كبيراً من رأسماله السياسي لإقناع الأميركيين بصواب الذهاب إلى الحرب. وكانت الأهداف المعلنة واضحة: إنهاء الملاذ الآمن الذي كانت الحكومة الأفغانية توفره لتنظيم “القاعدة”، والتخلص من أسلحة الدمار الشامل في العراق. كذلك سعت الإدارة إلى الحصول على تفويض من الكونغرس، ونجحت في ذلك في الحالتين. وفي أفغانستان جمعت القوات الأميركية بين وجود بري محدود، وضربات جوية كثيفة، ودعم لقوات التحالف الشمالي التي دخلت كابول وأطاحت بحكم “طالبان”. أما في العراق، فقد شن 160 ألف جندي أميركي غزواً برياً لإسقاط النظام. وفي الحالتين، قامت خطة الخروج على نقل مؤسسات الحكم إلى منفيين وقادة محليين وقوات أمن وطنية، على أن تعود القوات الأميركية بعد ذلك إلى بلادها.

لكن الأمور لم تجرِ كما خُطط لها في أي من البلدين. فالسعي إلى تجنب حرب طويلة انتهى، على نحو مفارق، إلى حرب طويلة. واتضح أن الحربين كانتا باهظتي الكلفة ومثيرتين لانقسام عميق، فيما بدت أهدافهما وكأنها تتبدل مع مرور الوقت. وسواء كان ذلك نتيجة سوء تطبيق لعقيدة باول أو نتيجة خلل في العقيدة نفسها، فإن شبح أفغانستان والعراق خيّم على كل تدخل عسكري أميركي خلال العقدين الأخيرين، بما في ذلك الحرب الجارية الآن في إيران. ومن أجل تفادي تكرار تلك الكوارث، تبنت إدارة ترمب ما يكاد يكون نقيضاً كاملاً لعقيدة باول. ومع أن هذا النهج يثير إشكالات خطيرة، فإنه أفضى أيضاً إلى نتائج غير متوقعة، ويبدو أنه مرشح للاستمرار، لا مجرد ظاهرة عابرة.
القوة بصيغتها الجديدة

بدأ هذا النهج في التبلور خلال ولاية ترمب الأولى، ثم ترسخ في ولايته الثانية. ففي عامي 2017 و2018 أمر بضربات صاروخية على نظام بشار الأسد في سوريا، وواصل العمليات العسكرية الأميركية في العراق وسوريا ضد “تنظيم الدولة الإسلامية” (داعش)، بما في ذلك الغارة التي أسفرت عن مقتل زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي. وفي عام 2020 قتلت القوات الأميركية الجنرال الإيراني قاسم سليماني. وفي العام الماضي شن ترمب حرباً على الحوثيين في اليمن، ودمر مواقع نووية إيرانية رئيسة، وهاجم مسلحين في شمال نيجيريا. أما هذا العام، فقد غزت إدارته فنزويلا لإلقاء القبض على رئيسها نيكولاس مادورو، ثم أطلقت عملية كبرى في إيران.

وما يلفت في هذه العمليات ليس عددها فقط، بل مقدار ابتعادها عن الأنماط التقليدية لاستخدام القوة. فعقيدة باول تنطلق من أن الحرب لا تُخاض إلا حين تفشل الوسائل السياسية والدبلوماسية والاقتصادية في تحقيق الهدف. ولهذا منح الرئيس جورج بوش الأب صدام حسين مهلة للانسحاب من الكويت عام 1990، كذلك وجّه الرئيس جورج بوش الابن إنذارات علنية إلى كل من صدام وحركة “طالبان” قبل بدء العمليات العسكرية.

أما ترمب، فتعامل مع الغموض بوصفه مصدر قوة بحد ذاته، لأنه يمنحه عنصر المباغتة. فالهجومان الأميركيان على إيران عامي 2025 و2026، مثلاً، وقعا بينما كانت المفاوضات لا تزال جارية. كذلك لم توجه إدارته أي إنذار علني إلى سليماني أو مادورو. ووفق هذا المنطق، لا تبدو القوة أداةً أخيرة لا يُلجأ إليها إلا بعد استنفاد الوسائل الأخرى، بل مجرد أداة من بين أدوات عدة يمكن استخدامها لتعزيز النفوذ، وتحقيق المفاجأة، ودفع الأحداث إلى نتائج معينة.

كذلك تخلى ترمب عن ركن آخر من أركان عقيدة باول، هو ضرورة الحصول على دعم شعبي واضح. فالعقيدة تنظر إلى احتجاجات حقبة فيتنام بوصفها المثال الأوضح لما يجب تجنبه. وإذا كان الهدف من الأهمية بمكان بحيث يستدعي أن يقاتل الأميركيون من أجله، فمن المفترض أن يحظى بتأييد الناس الذين يُخاض القتال باسمهم. وعادة ما يقتضي بناء هذا التأييد أن يشرح الرئيس حججه مراراً وعلى مدى أشهر، كذلك يُفترض أن يعبّر الكونغرس عن موافقته عبر تصويت يجيز استخدام القوة بعد نقاش مطوّل.

فلا حرب واحدة خاضها ترمب سبقها جهد منظم لكسب تأييد الرأي العام، كذلك لم يصوت الكونغرس على تفويض أي منها. كل صراع بدأ على نحو مفاجئ وسلك مساراً غير متوقع. وبدلاً من أن يعرض الرئيس مبررات كل حرب بوضوح، كان يكرر في الغالب أنه يود تجنبها. ولهذا أعطت إدارته أولوية للمفاجأة، فادعت مثلاً أن الحشد العسكري في الكاريبي يهدف إلى وقف قوارب تهريب المخدرات، لا إلى الإعداد لعملية مباشرة لتغيير النظام في فنزويلا. وفي خضم هذا كله، جرى تهميش الكونغرس إلى حد بعيد. أما في الحالة الإيرانية، فإن الطموح إلى تغيير النظام أوسع بكثير، ومع ذلك لم يخصص ترمب له في خطاب حال الاتحاد الأسبوع الماضي، الذي استمر قرابة ساعتين، سوى بضع جمل. وهذا ما يجعل تجاهل الإدارة الواضح للنقاش العام أكثر إثارة للانتباه، بالنظر إلى حجم الحرب ورهاناتها.

ولم تكتفِ إدارة ترمب بتجاوز النقاش العام، بل تجنبت أيضاً تحديد أهداف واضحة لاستخدام القوة. فعندما أعلن الرئيس بدء الحرب على إيران، قال إن الهدف هو “الدفاع عن الشعب الأميركي عبر القضاء على تهديدات وشيكة من النظام الإيراني”، مع أن طهران لم تكن تخصب اليورانيوم ولم تكن تملك صواريخ قادرة على بلوغ الولايات المتحدة. وبعد يوم واحد من بدء القصف، كتب ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي أن الهجمات تهدف إلى تحقيق “هدفنا المتمثل في السلام في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بل وفي العالم أجمع!”. وقال أيضاً إن الغاية هي تغيير النظام في إيران، وإنه يعتزم التفاوض مع القيادة التي ستخلف المرشد الأعلى. وبالمثل، قال في البداية إن الضغط على فنزويلا يرمي إلى منع المخدرات وأفراد العصابات من دخول الولايات المتحدة، ثم عاد ليقول إن الهدف هو تقديم مادورو إلى العدالة، واستعادة النفط الذي سُرق من الولايات المتحدة، وإن العملية تندرج ضمن إضافة جديدة إلى عقيدة مونرو. وهكذا يبقى من غير الواضح تماماً ما الذي يقاتل الأميركيون من أجله في كل بلد، وكيف سيعرفون أنهم حققوا ما يريدون.

وعوض الوضوح الذي تشدد عليه عقيدة باول، يراهن ترمب على المرونة. فمن خلال تعدد الأهداف وعموميتها، يحتفظ لنفسه بإمكان وقف القتال من دون أن يقر بالهزيمة. وهذه، أكثر من أي نصر واضح، هي استراتيجية خروجه الفعلية. فعندما أعلن الضربات على الحوثيين، قال: “سنستخدم قوة قاتلة ساحقة حتى نحقق هدفنا”، وكان الهدف المعلن هو وقف هجمات الحوثيين على السفن الأميركية في البحر الأحمر. ثم قال لاحقاً إن الحوثيين “سيُبادون تماماً”. لكن، وبعد شهر من حملة قصف مكلفة لم تحقق سوى نجاح جزئي، أبرمت الإدارة اتفاقاً مع الجماعة لوضع حد لهجماتها.

وهنا تظهر مفارقة أخرى مع عقيدة باول. فهذه العقيدة تفترض أن تستخدم الولايات المتحدة قوة ساحقة وحاسمة لتحقيق هدفها، بحيث تُلحق بالعدو هزيمة سريعة وكاملة ومحكمة. أما ترمب فيفضّل عمليات عسكرية قصيرة وحادة، تستخدم أنواعاً محددة من القوة، وخصوصاً القوة الجوية ووحدات العمليات الخاصة، وتكاد تستبعد دائماً القوات البرية التقليدية. وإذا كان إسقاط النظام في إيران يقتضي نشر قوات برية واسعة النطاق، فإن ترمب أوضح بأفعاله السابقة أن الولايات المتحدة لن تدفع هذا الثمن، بل ستقبل بأقل من ذلك.

وباستثناء محتمل لعملياته ضد تنظيم “داعش”، فإن حروب إدارة ترمب استخدمت، في معظمها، قوة محدودة لا قوة حاسمة. ففي عام 2017 نفذت الولايات المتحدة ضربات في سوريا رداً على استخدام الأسد أسلحة كيماوية ضد المدنيين، لكن الأسد بقي في السلطة، ثم عاد إلى استخدام تلك الأسلحة عام 2018. وفي عام 2025 تفاخر ترمب بأنه دمّر المواقع النووية الإيرانية، لكنه عاد في عام 2026 ليتخذ خطر امتلاك طهران سلاحاً نووياً مبرراً للحرب. أما مادورو، فقد أُزيح من فنزويلا، لكن نظامه ما زال قائماً. وفي كل هذه الحالات، كانت المرونة لا الحسم هي السمة الحاكمة، بما يسمح لترمب بالاكتفاء بنتائج لم تكن محددة بوضوح منذ البداية.
هل يكفي هذا؟

في بعض الجوانب، بدا نهج ترمب، بوصفه رداً عملياً على عقيدة باول، أكثر اتساقاً مع خبرة السنوات الأخيرة من التطبيق الجامد للعقيدة الأصلية. فالاستخدام المحدود للقوة ضد الحوثيين، ثم الانتقال إلى اتفاق ثنائي، أنتج نتيجة أفضل من تجاهل الهجمات على السفن الأميركية، كذلك كان أفضل من الاكتفاء بالقوة العسكرية المجردة. وبالمثل، يبدو العالم أفضل حالاً من دون المواقع النووية الإيرانية في فوردو ونطنز، ومن دون قاسم سليماني على رأس الحرس الثوري الإسلامي. ولا تزال الصورة غير مكتملة في فنزويلا، لكن يظل وارداً أن تنجح البلاد في المرور إلى انتقال ديمقراطي من دون الانحدار إلى فوضى داخلية. وفي حالات كثيرة، قد يكون اللجوء إلى ضربات قصيرة وحادة، تُبقي خيارات صانع القرار مفتوحة، وتستفيد من الغموض والمفاجأة، وتخفض احتمال الغرق في مستنقع طويل، وتنتهي إلى نتيجة “جيدة بما يكفي”، هو الخيار الأكثر ملاءمة.

لكن هذا لا يصح في كل الحالات، وربما تنكشف حدود أسلوب ترمب في الحرب قريباً جداً. فالهجوم على إيران هو، حتى الآن، أكثر رهاناته جرأة في السياسة الخارجية. وإسقاط نظام في بلد أكبر من العراق أو أفغانستان بكثير، وأكثر سكاناً منهما، عبر عملية لا تتضمن أي مكوّن بري ولا تستند إلى حلفاء محليين واضحين، وفي مواجهة جهاز أمني راسخ، مهمة بالغة الصعوبة. كذلك أن طيف السيناريوهات الكارثية، من قيام ديكتاتورية عسكرية يقودها الحرس الثوري إلى الانزلاق نحو فوضى داخلية، أوسع بكثير من السيناريو المتفائل القائم على انتفاضة ديمقراطية.

ومع ذلك، قد تتيح مرونة الرئيس وغموضه مخرجاً سياسياً. فإذا فشلت الولايات المتحدة وإسرائيل في إسقاط الجمهورية الإسلامية، أو إذا تكبدت القوات الأميركية خسائر كبيرة، أو إذا ضاق الرأي العام الأميركي بالصراع، أو إذا بدا البديل من بقاء النظام أسوأ منه، فقد يختار ترمب وقف القتال. وعندئذ يمكنه أن يقول إن الهدف الحقيقي منذ البداية لم يكن إسقاط النظام، بل إضعاف إيران ومنعها من امتلاك سلاح نووي. وعبر هذا التبديل في تعريف الهدف، يستطيع أن يعلن النصر، بل من المرجح أن يفعل ذلك.

وبهذا يكون قد قلب مبدأ أخيراً من مبادئ باول: قاعدة “بوتري بارن”. فقد حذر باول قبل غزو العراق قائلاً: “إذا كسرت شيئاً، فعليك أن تشتريه”. أي إن من يدمر نظاماً ما يصبح مسؤولاً عن تبعات ما بعده. لكن ترمب، في سعيه إلى كسر النظام الإيراني، أوضح سلفاً أن الولايات المتحدة لن تتحمل كلفة ما بعد الانهيار. فإذا سقط النظام، فسيكون على الإيرانيين لملمة الشظايا بأنفسهم. وإذا صمد، فستنهي واشنطن الحرب وتمضي إلى أولويات أخرى. غير أن هذا يكشف وجهاً إضافياً من حدود نهج ترمب: فهو لا يفتح الطريق أمام سلام طويل الأمد، بقدر ما يؤجل الصراع إلى موعد لاحق.

ترجمة عن “فورين أفيرز” 2 مارس (آذار)، 2026

ريتشارد فونتين هو الرئيس التنفيذي لـ “مركز الأمن الأميركي الجديد”، وعمل سابقاً في وزارة الخارجية الأميركية ومجلس الأمن القومي، كذلك شغل منصب مستشار للسياسة الخارجية لدى السيناتور الأميركي جون ماكين.
“اندبندنت عربية”


وهم الشرق الأوسط الجديد الحرب مع إيران لن تعيد تفصيل المنطقة على مقاس أميركا/ داليا داسا كاي
08 أذار 2026
انطلاقاً من حرصه على إظهار أنه قادر على فعل ما لم يفعله أي زعيم أميركي من قبل، فضل الرئيس دونالد ترمب الصراع على الدبلوماسية، وشن حرباً على إيران، بيد أن الجمهورية الإسلامية التي أدركت أن هذه الحرب وجودية، ردت بصورة سريعة بهجمات فتاكة بواسطة صواريخ وطائرات مسيرة على إسرائيل والقواعد أميركية في الشرق الأوسط، فضلاً عن أهداف أخرى في دول الخليج العربي وخارجها. وهكذا تحولت الأزمة إلى حرب إقليمية ذات تداعيات عالمية، أربكت أسواق النفط والمال، وعطلت سلاسل الإمداد والتجارة البحرية وحركة الطيران. وفيما ترتفع الأخطار على الأميركيين وتتزايد حصيلة الضحايا داخل إيران تباعاً، تبدو كل هذه التطورات متوقعة منذ زمن، وهو ما قد يفسر إحجام الرؤساء الأميركيين السابقين عن دفع بلادهم نحو هذا المسار المحفوف بالأخطار.

وعلى رغم أن نهاية هذه الحرب لا تزال غامضة، فإن الولايات المتحدة ستواجه بعد توقف القتال مرحلة معقدة. فالمعطيات تشير إلى أن إدارة ترمب تبني تصوراتها لما بعد الحرب على قدر كبير من التفاؤل. فعلى سبيل المثال، أصرت إدارة ترمب على أن التدهور المستمر للقيادة الإيرانية وقدراتها العسكرية سيضعف النظام بما يكفي ليتمكن الشعب الإيراني من القيام بانتفاضة و”تولي زمام الحكم”. وحتى لو لم يحصل ذلك السيناريو، فإن منطق الإدارة الأميركية يرى أن إيران ستكون جردت من قوتها وباتت منشغلة بمشكلاتها الداخلية إلى درجة تصبح معها غير قادرة على تشكيل تهديد للمنطقة أو للمصالح الأميركية. تفترض واشنطن أن إخراج النظام الإيراني الحالي من المعادلة سيزيل أحد أكبر مصادر عدم الاستقرار الإقليمي، ويمهد الطريق أمام شرق أوسط جديد أكثر انسجاماً مع مصالحها.

لكن يكاد يكون من المؤكد ألا ترقى نتيجة هذه الحرب إلى مستوى هذه التوقعات الوردية. فبعد انتهاء القصف، قد تبدو إيران والمنطقة أسوأ، أو في الأقل غير أفضل حالاً مما كانتا عليه قبل الحرب، إذ قد يخلف القتال فراغاً في السلطة داخل طهران، ويمكن أن يثير استياء حلفاء الولايات المتحدة من شراكاتهم مع واشنطن، ويتمخض عن تأثيرات متشعبة على الصراعات في أماكن أخرى من العالم، وكل ذلك من دون إزالة مصادر الصراع الإقليمي التي لا علاقة لها بالنظام في إيران. وتتزايد الأخطار كلما طاولت الحرب، لذا يجب على الكونغرس وحلفاء الولايات المتحدة ممارسة الضغط من أجل وقف إطلاق النار الآن إذا كان هناك أي أمل في التخفيف من هذه الأخطار التي ستؤثر في المرحلة التالية.
القصة ذاتها

بالكاد سيحزن أحد في الولايات المتحدة على زوال النظام الإيراني الذي قام على أساس أيديولوجية معادية لأميركا، ودعم الإرهاب لفترة طويلة. لقد كان العداء بين الولايات المتحدة وإيران سمة ثابتة لهما منذ الثورة الإيرانية عام 1979، وهي عمرت مدة أطول من عمر الحرب الباردة. وعلى رغم رغبة واشنطن الشديدة في أن تشهد نهاية الجمهورية الإسلامية، إلا أن استبدال نظام موال لأميركا بالنظام الحالي من طريق القوة العسكرية هو أمر لن ينجح على الأغلب. فإيران ليست فنزويلا وليس فيها شخصية مثل ديلسي رودريغيز تنتظر الفرصة المواتية لتنفيذ أوامر واشنطن. وفي أعقاب اغتيال الولايات المتحدة وإسرائيل للقيادة العليا في إيران، أقر ترمب بأن “معظم من كنا نضعهم في اعتبارنا [كقادة محتملين جدد] قد لقوا حتفهم”.

وإن أحد الخيارات التي يفضلها البعض في واشنطن والإيرانيون الذين يعيشون في الشتات هو محاولة تنصيب شخصية موالية لأميركا في المنفى، مثل رضا بهلوي، نجل شاه إيران الأخير، الذي ساعدته الولايات المتحدة في الوصول إلى السلطة وأطيح في ثورة 1979. إلا أن مستوى الدعم الذي يحظى به بهلوي داخل إيران غير معروف، حتى إن ترمب ذاته أعرب عن شكوكه حول ما إذا كان الإيرانيون سيقبلون زعامته. لم يظهر أي بديل واضح آخر من المعارضة الإيرانية المنقسمة على نفسها. والأرجح أن يظهر حكم فصيل متشدد من الحرس الثوري الإسلامي، أو أن ينهار النظام مما سيؤدي إلى خلق فراغ سياسي، وجر البلاد إلى فترة طويلة من الفوضى والعنف. ولا يبشر أي من السيناريوهين بتشكيل حكومة إيرانية أقل عدائية وأكثر براغماتية.

كما أن ضعف إيران في حد ذاته لن يفضي إلى حل المظالم والنزاعات المحلية التي تؤجج الصراع في أنحاء الشرق الأوسط كافة. ولقد بدأ الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني قبل ظهور الجمهورية الإسلامية بفترة طويلة، ولن يقود سقوط النظام الإيراني إلى إصلاح الانقسامات التي تذكيه. وفي الدول التي لعبت فيها إيران دوراً مهيمناً من خلال رعايتها لوكلاء، بمن في ذلك الميليشيات في العراق، و”حزب الله” في لبنان، والحوثيين في اليمن، فإن هذه الجماعات معنية ببقائها بقدر ما هي مهتمة ببقاء إيران. وإن لديها مشاريعها السياسية الداخلية ومصادر قوتها التي لا تعتمد على طهران وحدها. وهكذا فقد بنى الحوثيون، على سبيل المثال، شبكة إمداد واسعة النطاق، ووفروا تمويلاً غير إيراني من أجل دعم عمليات إنتاج الأسلحة محلياً، وطور “حزب الله” قدراته الخاصة على إنتاج الطائرات المسيرة.

إلا أن هذا لا يعني أن إخراج إيران من الساحة ليس بالأمر المهم. سيشعر “حزب الله” بألم شديد جراء تغيير القيادة في طهران، نظراً إلى حجم الاستثمارات التي قامت بها إيران لأجله. وقد أدى سقوط الديكتاتور السوري بشار الأسد، الذي حكم البلاد لفترة طويلة، أواخر عام 2024، إلى تعطيل تدفق الأسلحة والأموال من إيران إلى “حزب الله” عبر سوريا. ومن شأن فقدان الدعم الإيراني بالكامل، إلى جانب الضغط العسكري الناجم عن تجدد الهجوم الإسرائيلي في لبنان، أن يزيدا من استنزاف موارد “حزب الله”، مما قد يوفر للحكومة اللبنانية فرصة لتقليص نفوذه.

لكن بصورة عامة، لن يُقضى على النزعة القتالية في المنطقة حتى لو هزمت إيران. فقد تأججت المشاعر المعادية لإسرائيل، التي تدفع في غالب الأحيان إلى تجنيد عناصر جديدة في جماعات مثل “حزب الله”، بفعل العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل غزة وفي مختلف أنحاء المنطقة، بما في ذلك قصفها المتجدد للبنان. وقد يساعد هذا “حزب الله” على البقاء، ويحفز المعنيين على تشكيل جماعات مسلحة جديدة مناهضة لإسرائيل والولايات المتحدة. وستظل الجماعات المسلحة غير المدعومة من إيران، بما فيها الحركات السنية المتطرفة مثل تنظيم “داعش” تشكل تحدياً بصرف النظر عن النتيجة التي ستؤدي إليها هذه الحرب.

وستؤدي الحرب في الغالب إلى إعطاء زخم أكبر لموقف الرأي العام الإقليمي الرافض للتطبيع مع إسرائيل. وقد تبلور سلفاً تصور واسع النطاق بأن إسرائيل تشن هجمات عسكرية في أنحاء المنطقة كافة من دون رادع، سواء قرب حدودها أو في مناطق بعيدة مثل قطر، إذ استهدفت قيادة “حماس” في الدوحة خلال سبتمبر (أيلول) 2025. ولا تزال الشعوب العربية غاضبة من الحرب في غزة وتهديدات إسرائيل بضم أجزاء من الضفة الغربية. وتؤدي الحملة الإسرائيلية الحالية في لبنان إلى إثارة أزمة نزوح جديدة. وإن تعاون الولايات المتحدة مع إسرائيل في شن هذه الحرب من شأنه أن يلحق مزيداً من الضرر بسمعة البلدين، كما أن الزعماء العرب في الدول المؤثرة يدركون تماماً مدى عمق المشاعر العامة المعارضة للتطبيع.

أما التداعيات العالمية المتفاقمة للحرب، فتتجاوز الصدمات المالية والتجارية المباشرة. فالقوانين والأعراف الدولية التي تضبط استخدام القوة تراجعت بالفعل تحت وطأة ما اعتبر نفاقاً أميركياً ‑ أوروبياً: حين دان الغرب فوراً الغزو الروسي لأوكرانيا، فيما لم يفعل الأمر نفسه تجاه الهجوم الإسرائيلي على غزة. والآن، فإن الحملة الأميركية ‑ الإسرائيلية على إيران، التي شنت من دون وجود دليل على تهديد إيراني وشيك يبرر القوة، تزيد هذا التآكل حدة.

وعلى رغم أن الصين وروسيا حليفتان بصورة نظرية لإيران، فإنهما قد تستفيدان من انشغال الولايات المتحدة بهذه الحرب. فقد تعتقد الصين أن ثمة فرصة تسنح لها بتصعيد الضغط على تايوان مع نقل واشنطن لقدراتها العسكرية من آسيا إلى الشرق الأوسط، وهي مكاسب قد تفوق مخاوفها من اضطراب إمدادات النفط التي تعتمد عليها. أما روسيا، التي لا ترغب في خسارة حليف آخر بعد نظام الأسد، فستبقي أولويتها للحرب في أوكرانيا، وقد تمنحها الحرب في إيران ميزة موقتة في الأقل في هذا الصراع. في الواقع، حذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن تحويل الأسلحة الأميركية إلى الشرق الأوسط قد يلحق الضرر بقدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها ضد روسيا.
احتواء تداعيات الحرب

لا توجد وصفة سحرية لصنع شرق أوسط أكثر استقراراً. بل على العكس، فإن حرباً اختيارية يفترض أنها ستحرر المنطقة من التهديد الإيراني قد تخلف نتائج لم تكن الولايات المتحدة تقصدها، وتنعكس في النهاية سلباً على مصالحها. إن تخليص المنطقة من نظام وحشي ومزعزع للاستقرار من خلال تدخل عسكري تقوم به قوة خارجية تزداد هي الأخرى فوضوية وخروجاً عن القانون، ليس وصفة ملائمة لتحقيق سلام طويل الأمد.

والآن، وبعدما اتخذت إدارة ترمب القرار الخطر ببدء هذه الحرب، يجب عليها بذل كل ما في وسعها للتخفيف من العواقب السلبية الناتجة من الحرب. وهي ستحتاج إلى مساعدة جيران إيران على اتخاذ الاستعدادات اللازمة لاستقبال اللاجئين وذلك لمنع تحول الاضطرابات التي تسببها الحرب إلى أزمة إنسانية أوسع نطاقاً. وستحتاج إلى مساعدة دول المنطقة على الدفاع عن نفسها ضد هجمات لا يمكن التنبؤ بوقوعها وتعزيز البنية التحتية التي تضررت أو دمرت جراء القصف الإيراني خلال الحرب.

وفي هذه المرحلة، يعد السعي إلى تحقيق أي شيء يتجاوز احتواء الأضرار التي سببتها الحرب، هو هدف غير واقعي. وللأسف، حتى في حين أن استطلاعات الرأي تدل على أن غالبية الأميركيين يعارضون الحرب، فإن عدداً من القادة الأميركيين ما زالوا مقتنعين بصدق توقعات خيالية حول تشكيل الشرق الأوسط بواسطة القوة الأميركية. وفي الحقيقة، فإن هذه القوة آخذة بالتضاؤل بفعل حرب أخرى متهورة وباهظة الثمن. فبدلاً من أن تساعد هذه الحرب في إرساء شرق أوسط جديد، من المرجح أن تؤدي إلى إطالة أمد الشرق الأوسط القديم، سواء شهدت إيران تغييراً أم لا. لقد حان الوقت لإنهائها الآن.

داليا داسا كاي هي زميلة بارزة في مركز بيركل للعلاقات الدولية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، ومؤلفة كتاب “عداء دائم: صياغة السياسة الأميركية تجاه إيران”.

مترجم عن “فورين أفيرز”، الـ6 من مارس (آذار) 2026

“اندبندنت عربية”


الحرب على إيران هل تُسقط النظام؟/ أحمد مظهر سعدو
2026.03.08
تستمر الحرب الأميركية الإسرائيلية على النظام في إيران بلا هوادة، وتتواصل حالات التدمير وإنهاء ترسانة السلاح لدى الإيرانيين، ثم ترد إيران ليس على أميركا فحسب، أو على إسرائيل، بل تستمر ردودها على كل المحيط العربي والإسلامي، وصولًا إلى حالة غير عاقلة من الهياج والتخبط في الردود الإيرانية على الدول العربية الخليجية، دون القدرة على الوصول إلى أي حالة وقف أو توقف لهذه الحرب الواسعة، التي باتت بوابة سيلج منها موضوع تغيير وإنهاء وجود النظام الإيراني في طهران.

وضمن قراءة موضوعية ورصينة للمشهد الإقليمي والدولي إبان هذه الحرب، يمكن القول أن تخطي النظام الإيراني للخطوط الحمر مع الأميركان وكذلك الإسرائيليين، هو الطريق الذي الذي أوصل الإيرانيين إلى هذه النتيجة الصعبة، من حيث أنه لم يدرك هذا الإيراني المتشدد والمتعنت في مفاوضاته النووية مع الأميركان، أن الأميركان جادون بحق في موضوع كنس النظام الإيراني، وأن إسرائيل وأمنها القومي، كما تقول أميركا، هي الأهم في المنطقة برمتها ، لأن كل الإدارات الأميركية المتتابعة تدرك وتعتقد جازمة أن أمن إسرائيل، من ضمن أولويات أمنها الأميركي، وأنه لا يمكن القبول بوجود أي سلاح نووي تمتلكه إيران، يمكن بالضرورة أن تهدد به وجود إسرائيل يوما ما حتى لوكان هذا اليوم بعيدًا جدًا. ورغم إدراك الأميركان أن نظام إيران الحالي ليس بوارد تهديد وجود إسرائيل، فإنها مع كل ذلك لن تقبل بأية احتمالات ولو جزئية، يمكن أن تؤدي إلى زوال إسرائيل يومًا ما، أو تهديد بعض وجودها في المنطقة.

لقد حاولت إيران خلال فترة زمنية معينة وخاصة في العشرية الأخيرة، أن تتمدد وتسيطر على عدة عواصم عربية إقليمية، ثم تحركت ليكون لديها بعض الفعل وتلك الأطماع في أتون هذا المحيط الإقليمي، وضمن الاشتغال العملي والميداني على إنجاز مشروعها الفارسي الطائفي الذي تريد إقامته، ومن ثم تعيد إنتاج (مجد) إمبراطورية (كسرى أنو شروان) البائدة.

وهي اليوم أي حكومة إيران، وكما يبدو، فإنها قد وصلت إلى نهايات بناء المشروع، على طريق الانهيار والانتهاء الميداني، وهو ينهار رويدًا رويدًا، في أتون حرب كبيرة وواسعة ومستمرة، لن تتمكن إيران من الخروج منها سالمة، وهي اليوم إما أن تصل بهذه الحرب إلى زوال نظام (الجمهورية الإسلامية) بكليته، أو ستضطر إلى الموافقة والتوقيع في النهاية على اتفاق نووي مع الأميركان، سوف يجردها من مشروعها النووي الذي كان، وكذلك الصواريخ البالستية، ومن ثم تصبح إيران دولة ضعيفة متهالكة، بلا اقتصاد بعد أن تم تدميره على يديها هي قبل أن يكون أيدي الأميركان وإسرائيل، حيث دأبت الحكومة الإيرانية خلال السنوات العشر الأخيرة على حالة من الإنفاق المالي الكبير ومن أموال الشعوب الإيرانية ضمن جغرافية إيران السياسية، لأن أموال النفط هي أموال عربية منهوبة إيرانيًا من إقليم الأحواز العربية المحتل من قبل إيران، نعم دأبت على دعم ما تسميه عملية تصدير ثورة الخميني، خارج حدود إيران، وبمعنى آخر دعم الإرهاب الإيراني، من خلال أدواته في اليمن ولبنان والعراق وقبل ذلك في سوريا، وكل أدواته في المنطقة وتدعيم المشروع الإيراني الذي تم قطعه في سورية، في الثامن من كانون أول / ديسمبر 2024 على يد ثوار الشعب السوري.

لكن لابد من القول أيضًا إن إيران اليوم، وهي في طريقها إلى لفظ أنفاسها الأخيرة، بعد أن عاثت فسادا في الأرض، ودمرت سوريا ولبنان والعراق واليمن، تدرك تمام الإدراك أن حربها المجنونة هذه على كل المحيط الإقليمي والعربي، سوف تؤدي إلى عزلتها التامة في المنطقة والعالم، هذا بالطبع فيما لو بقي النظام الإيراني ولم يسقط عسكريًا، وينهار الكم الإيراني في طهران على وقع الضربات الأميركية والإسرائيلية، وقد تكون الضربات والانتفاضات الشعبية في داخل جغرافية إيران السياسية، بعد التحاق الكثير من الثوار والمعارضة في إيران من الكورد والأحوازيين والبلوش، بركب عملية إزالة نظام الطغيان الإيراني الذي عانى منه الشعب الإيراني كثيرًا عبر سنوات قاربت الخمسين من حكم الاستبداد الثيوقراطي.

فهل يمكن لدولة حكم مارق واستبدادي أن تعيش ضمن منطقة عربية عدوة لها، بعد أن قام نظام إيران من خلال ممارساته، وكل ما فعلته الحكومة في إيران، وقد فعلت كل ما تستطيع في حربها هذه ضد العرب والمحيط الإقليمي أجمع، فخلقت أجواء من العداء بينها وبين العرب والأتراك والأذربيجانيين، قبل أن يكون مع إسرائيل، وهي الكيان الذي يشبه بالضرورة كيان إيران.

هذا الحرب سوف تؤدي إلى لفظ كيان إيران كليا، وسوف ينتفض الشعب الإيراني بكل أثنياته لإنهاء التغول المستبد القابع فوق رؤوس الشعوب في إيران منذ عقود طويلة، ولن يكون ذلك بعيدًا بل بدأت عوامل تحركه اليوم وهي تتجه نحو كنس النظام الإيراني من المنطقة بشكل كامل، ولعل ما نشهده اليوم إقليميًا وداخليًا في إيران يوحي بذلك عاجلًا أو آجلاً.
تلفزيون سوريا


لبنان في قلب الحرب.. إسرائيل تغيّر الميدان ودمشق تبدد الهواجس/ صهيب جوهر
2026.03.08
يواجه لبنان اليوم واحدة من أخطر الحروب في تاريخه الحديث. فالمواجهة الجارية لا تبدو مجرد جولة عسكرية إضافية في سلسلة الصراعات التي عرفها البلد منذ عقود، بل تحمل ملامح تحوّل تاريخي قد يترك تأثيرات عميقة على موقع لبنان وكيانه وطبيعته السياسية والاجتماعية. وإذا كانت الحروب السابقة، بما فيها اجتياح عام 1982، قد تركت ندوباً كبيرة في الجغرافيا والسياسة اللبنانية، فإن الحرب الحالية تبدو مرشحة لإحداث تحولات أكثر عمقاً، خصوصاً أنها تأتي في سياق إقليمي ودولي شديد الاضطراب.

فالتصعيد الجاري لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة. الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والتوترات المتزايدة في أكثر من جبهة عالمية، تشير إلى أن النظام الدولي نفسه يمرّ بمرحلة إعادة تشكيل. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، غالباً ما تتحول الساحات الهشة إلى ميادين لتصفية الحسابات الكبرى، وهو ما يجعل لبنان عرضة لتداعيات تتجاوز بكثير حدوده الضيقة.

في هذا السياق، تبدو إسرائيل معنية بإعادة رسم موازين الشرق الأوسط بما يتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة للحرب. فخطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يتحدث منذ سنوات عن تغيير وجه المنطقة، يعكس رؤية سياسية ترى في هذه اللحظة فرصة لإعادة صياغة الترتيبات الإقليمية. ومع الدعم الأميركي السياسي والعسكري، يبدو أن تل أبيب تسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، مستفيدة من غياب أي ضغط دولي حقيقي قادر على كبح اندفاعها.

ولا يقتصر هذا التحول على البعد العسكري فحسب، بل يمتد إلى ما يمكن وصفه بمحاولة إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية والديموغرافية في المنطقة. فالموجة اليمينية المتطرفة التي تسيطر على المشهد السياسي الإسرائيلي تدفع باتجاه مشاريع تتجاوز منطق التسويات التقليدية. وقد برزت خلال السنوات الأخيرة أفكار تتصل بتوسيع نطاق النفوذ الإسرائيلي أو فرض ترتيبات أمنية دائمة في المناطق المحيطة، في ظل تراجع واضح لدور المؤسسات الدولية وعجز مجلس الأمن عن فرض أي ضوابط حقيقية على مسار الحرب.

ولبنان يقف في قلب هذا المشهد المضطرب. فالحرب الدائرة على أراضيه لا تستهدف فقط البنية العسكرية لحزب الله، بل تترافق مع تدمير واسع للبنية التحتية والخدمات الأساسية، من الكهرباء إلى الاتصالات والمياه، وهذا النمط من العمليات العسكرية يشير إلى محاولة فرض واقع ميداني جديد يجعل مناطق واسعة من الجنوب غير قابلة للحياة لفترة طويلة، وهو ما يفتح الباب أمام تغييرات ديموغرافية محتملة نتيجة موجات النزوح الواسعة.

كما أن العمليات العسكرية الإسرائيلية تبدو مهيأة لفرض معادلة أمنية جديدة في الجنوب، قد تتجسد في إنشاء منطقة عازلة بعمق يصل إلى عشرة أو خمسة عشر كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية. وإذا ما تحقق هذا السيناريو، فإن ذلك لن يعني مجرد إجراء عسكري مؤقت، بل قد يتحول إلى واقع دائم يعيد رسم حدود النفوذ والسيطرة في جنوبي البلاد.

في المقابل، يجد لبنان نفسه في وضع شديد الهشاشة. فالدولة اللبنانية تعاني انقسامات سياسية عميقة وضعفاً مؤسسياً يحدّ من قدرتها على إدارة الأزمة. وعلى الرغم من إعلان الجيش اللبناني بسط السيطرة في قطاع جنوبي الليطاني في وقت سابق، فإن الواقع الميداني لا يزال أكثر تعقيداً. فوجود بنية عسكرية لحزب الله امتد لأكثر من ثلاثة عقود في المنطقة، إضافة إلى الطبيعة الجغرافية الوعرة، يجعل من الصعب الحديث عن خلو كامل للمنطقة من السلاح.

ومع اندلاع الحرب وتكثيف القصف الإسرائيلي، ازدادت صعوبة تحرك الجيش اللبناني في القطاع الحدودي. فالقصف واستهداف الطرقات والضغط الميداني الكبير حدّت من قدرة الوحدات العسكرية على تنفيذ مهامها بشكل كامل، الأمر الذي أتاح لحزب الله هامش حركة أكبر في بعض المناطق. ومع ذلك، بدا أن الحزب يعتمد بشكل أساسي على إطلاق الصواريخ من مناطق تقع شمال نهر الليطاني، في حين تتم عمليات إطلاق الصواريخ المضادة للدروع من مسافات أبعد نسبياً عن الحدود.

أما على المستوى السياسي، فقد اتخذت القيادة اللبنانية قراراً واضحاً بعدم دخول الجيش في مواجهة مباشرة مع القوات الإسرائيلية. هذا القرار يستند إلى اعتبارات عدة، أبرزها عدم تكافؤ القوة العسكرية بين الطرفين، إضافة إلى أن الحرب الدائرة لا تُعدّ حرب الدولة اللبنانية رسمياً. وبناءً على ذلك، يقتصر دور الجيش على حماية مواقعه الأساسية ومحاولة ضبط الوضع الأمني في المناطق الخاضعة لسيطرته.

وفي موازاة التصعيد العسكري على الجبهة الجنوبية، برز في الداخل اللبناني مناخ قلق مرتبط بما يجري على الحدود اللبنانية–السورية، خصوصاً مع انتشار الجيش السوري في عدد من النقاط الحدودية خلال الأسابيع الأخيرة. وقد رافق هذا الانتشار سيل من الروايات والتحليلات التي تحدثت عن احتمال انخراط سوريا في تطورات الميدان اللبناني، أو عن استعداد دمشق للقيام بتحركات عسكرية داخل الأراضي اللبنانية، وهي روايات سرعان ما تحولت إلى مادة تعبئة طائفية في بعض الأوساط اللبنانية.

غير أن قراءة أكثر هدوءاً لهذه المسألة تشير إلى أن جزءاً كبيراً من هذا القلق اللبناني ليس نتاج الوقائع الميدانية بقدر ما هو نتيجة التهويل السياسي والإعلامي الذي مارسه حزب الله في الداخل. فالحزب، الذي يجد نفسه في مواجهة ضغوط غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب، حاول توسيع دائرة التوتر عبر استحضار سردية الخطر السوري، وتقديم التحركات العسكرية السورية على الحدود وكأنها تمهيد لسيناريو تدخل أو صدام جديد.

ويأتي ذلك في سياق محاولة إعادة تعبئة بيئته السياسية والاجتماعية عبر استحضار المخاوف التاريخية لدى بعض المكونات اللبنانية، واللعب مجدداً على الوتر المذهبي الذي طالما شكّل أحد أدوات الصراع في لبنان، وهو وتر إذا ما أُعيد إشعاله على نطاق واسع فقد يصعب إخماده سريعاً.

في المقابل، أظهرت دمشق تعاطياً أكثر هدوءاً مع هذه الأجواء. فالجانب السوري أكد مراراً أن الانتشار العسكري على الحدود مع لبنان يندرج ضمن إجراءات دفاعية تهدف أساساً إلى ضبط الحدود ومنع أي مجموعات مسلحة أو عناصر منفلتة من استغلال الفوضى الإقليمية للعبور بين البلدين. وأن هذه الإجراءات لا تستهدف لبنان ولا تحمل أي بعد هجومي، بل تهدف إلى حماية الاستقرار على جانبي الحدود في ظل الحرب الدائرة في المنطقة.

وكان لافتاً في هذا السياق الاتصال الذي أجراه الرئيس السوري أحمد الشرع برئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، في خطوة حملت رسائل تهدئة واضحة. فقد حرص الرئيس السوري، على طمأنة الجانب اللبناني إلى أن التحركات العسكرية السورية على الحدود تأتي في إطار حماية الأمن السوري أولاً، ومنع أي تسلل أو تفلت أمني قد يهدد الاستقرار في البلدين. وخاصة أن دمشق تدرك حساسية الوضع اللبناني في ظل الحرب الحالية، وأنها ليست معنية بأي تصعيد إضافي يمكن أن يفتح جبهة جديدة في المنطقة.

هذا الاتصال عكس أيضاً إدراكاً سورياً لأهمية الحفاظ على الاستقرار الحدودي في هذه المرحلة الحساسة. فدمشق، التي لا تزال منشغلة بإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية بعد سنوات طويلة من الحرب، تبدو حريصة على تجنب الانزلاق إلى أي مواجهة جديدة قد تعيد فتح ساحات الصراع في المنطقة. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الانتشار العسكري السوري على الحدود بوصفه جزءاً من استراتيجية وقائية تهدف إلى منع انتقال الفوضى إلى الداخل السوري، وليس مقدمة لتحرك عسكري باتجاه لبنان.

في المحصلة، يجد لبنان نفسه أمام لحظة مفصلية قد تحدد مسار مستقبله لسنوات طويلة. فالحرب الجارية ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل جزء من تحولات أوسع تشهدها المنطقة. وبين مشروع إسرائيلي يسعى إلى فرض وقائع جديدة، وواقع داخلي لبناني يعاني الانقسام والضعف، تبدو البلاد مهددة بفقدان مزيد من قدرتها على التحكم بمصيرها.

في مثل هذه اللحظات التاريخية، يصبح الخطر الأكبر ليس فقط في حجم القوة العسكرية المستخدمة، بل في غياب رؤية وطنية مشتركة قادرة على حماية ما تبقى من الدولة. فالتجارب السابقة في المنطقة تشير إلى أن الحروب الكبرى لا تعيد رسم الخرائط فحسب، بل تعيد أيضاً تعريف الدول ووظائفها وأدوارها في النظام الإقليمي. ولبنان، بكل تعقيداته الداخلية وهشاشته السياسية، يقف اليوم على حافة هذا التحول.
تلفزيون سوريا


كيف نجحت سوريا في تجنب التحول لصندوق بريد إيراني؟/ ضياء قدور
مارس 8, 2026
يُمكن اعتبار الأيام القليلة التي أعقبت الثامن والعشرين من شباط 2026 بمثابة مرحلة مفصلية وتاريخية أخرى في المسار الصعب لولادة سيادة سورية جديدة.. مرحلة لم تكن فيها دمشق مجرد صدى لصراعات الآخرين، بل فاعلاً يحاول بحذر إعادة تعريف هويته الجيوسياسية.

ما شهدته المنطقة من تصعيد عسكري غير مسبوق في أعقاب العملية العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد المنشآت النووية والقيادية في إيران، وضع الإدارة السورية برئاسة الرئيس أحمد الشرع أمام اختبار تاريخي؛ فبينما كانت المنطقة تشتعل بصواريخ الرد الإيراني التي طالت عدة دول عربية وقواعد أميركية، وتختبر سوريا التعامل مع أزمة أمنية وإنسانية وشيكة على الحدود مع لبنان والعراق، نجحت دمشق -لأول مرة منذ عقود- في عزل جغرافيتها عن أن تكون ساحة رئيسية للتصادم، متبنيةً عقيدة الحياد الاستراتيجي التي أثبتت كفاءة إجرائية تستحق التوقف عندها وتحليلها بموضوعية.

في هذه اللحظات شديدة التوتر في منطقتنا، يدرك المرء أن الحفاظ على تماسك الدولة السورية وتجنيبها الانزلاق إلى أتون الحرب الإقليمية الكبرى التي اندلعت في 28 شباط يشكل اختباراً مفصلياً في تاريخ الجمهورية الجديدة التي يقودها الرئيس السوري أحمد الشرع.

دبلوماسياً، قدّم وزير الخارجية أسعد الشيباني نموذجاً للإدارة النشطة؛ فبدلاً من لغة التبرير القديمة، قاد حملة اتصالات مكثفة مع وزراء خارجية دول عربية وإقليمية كالسعودية وقطر والبحرين وتركيا والكويت، مؤكداً تضامن دمشق الكامل مع الدول العربية الشقيقة في وجه الاعتداءات الإيرانية.

وأظهرت هذه المواقف أن سوريا تسعى لاستثمار هذا الحياد بهدف ترسيخ صورة سوريا كدولة مسؤولة ونظامية، وتحصيل ضمانات أمنية واقتصادية مستقبلية. بلغة الأرقام، أجرى الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير خارجيته الشيباني أكثر من 19 اتصال هاتفي موثق مع قادة عرب وإقليميين، حيث ركزت هذه الاتصالات على تنسيق المواقف الدبلوماسية، وإدانة الاعتداءات الإيرانية، وتأكيد موقف سوريا الثابت إلى جانب الدول العربية.

ويعكس هذا النشاط الدبلوماسي استراتيجية الحياد الإيجابي التي تتبعها الإدارة السورية، محاولةً تحويل الأزمة إلى فرصة لتعزيز العلاقات مع الدول العربية والغربية، مؤكدة انفصالها عن المحور الإيراني وتقاربها المنطقي مع محيطها العربي والدولي الأوسع.

عسكرياً، ركزت التحركات التي أجراها الجيش السوري عبر الحدود مؤخراً على مكافحة التهريب والجريمة المنظمة والإرهاب العابر للحدود، عبر الاستطلاع والمراقبة الميدانية المستمرة، دون أن يشكل هذا التحرك أي تصعيد عسكري مقصود تجاه أي جهة.

انتهجت دمشق ما يمكن تسميته الدفاع الوقائي، إذ كان تحريك القوات السورية نحو الجنوب، وهو ما رصدته الصحافة الإسرائيلية مثل هآرتس ويديعوت أحرونوت، خطوة جريئة تجاوزت الخطوط الحمراء التقليدية، بحسب وصفها. كما يندرج انتشار الجيش السوري على حدود لبنان والعراق ضمن إجراءات وقائية سيادية تهدف حصراً لتأمين الحدود الوطنية وحماية المجتمعات المحلية من التداعيات الإقليمية.

وبحسب دمشق، يساهم هذا الانتشار في ترسيخ الاستقرار الحدودي وتعزيز أمن الدول المجاورة، عبر ضبط الحركة ومنع الأنشطة غير القانونية التي تستغل الظروف الراهنة. كما أن قدرة الحكومة السورية على امتصاص الضربات، التي نفذتها مؤخراً بعض التنظيمات الإرهابية المحسوبة على إيران أو غيرها ضد قاعدة الشدادي وبقية المناطق الأخرى، دون الانجرار إلى ردود فعل تصعيدية، يُحسب كنجاح تكتيكي حافظ على سلامة العمق السوري من غارات انتقامية من أي طرف.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال التكلفة الباهظة التي دفعها الاستقرار الداخلي؛ فالحياد السياسي لم يمنع الخسائر البشرية، والتضخم المستورد، وأزمات الطاقة من النفاذ للداخل السوري. ورغم أن دمشق ليست طرفاً في هذا الصراع؛ إلا أنها تدفع مجدداً ثمناً باهظاً لجغرافيتها وسمائها.

في المحصلة، أدى توقف إمدادات الغاز من الأردن بسبب التصعيد الإقليمي إلى انقطاعات كهربائية حادة ونقص في غاز الطبخ، في وقت تزايدت فيه الضغوط المعيشية مع ارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية بنسبة تجاوزت 20%.

كما أن التقديرات الاقتصادية التي كانت تتوقع نمواً يقارب 10% في 2026 باتت اليوم رهينة بمدى قدرة الدولة على تعويض توقف بعض المشاريع الاستثمارية الخليجية والأوروبية التي تعطلت بسبب مخاطر الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع كلف التأمين.

اجتماعياً، تواجه الدولة اختباراً إنسانياً وأمنياً معقداً مع تدفق آلاف النازحين من لبنان والعودة الكثيفة للسوريين هرباً من التصعيد هناك. إدارة هذا الملف تطلبت توازناً دقيقاً؛ فالحكومة السورية التي تسعى لدمج القوى المحلية وإصلاح الكوارث الاجتماعية التي تسبب بها النظام البائد، تخشى من أن تكون حركات النزوح غطاء لتسلل بقايا الميليشيات الإيرانية أو تنظيم داعش الذي أعلن عن مرحلة جديدة من الإرهاب مستغلاً الفوضى الانتقالية.

حتى الآن ساهمت الإجراءات الميدانية، المتمثلة بنشر فرق عسكرية على الحدود اللبنانية والعراقية وفرض رقابة أمنية صارمة، في استقرار مناطق التماس ومنع تحول سوريا إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

خلاصة القول: على الرغم من التحديات الاقتصادية والوضع الداخلي الهش، إلا أن تحويل سوريا من مصدر للقلق الإقليمي إلى شريك في الاستقرار هو منعطف تاريخي يحسب لإدارة الشرع. وفي اللحظة التي كان من المتوقع أن يتأثر الأمن القومي السوري بشدة تحت ضغط المحاور والحرب، تنجح إدارة الرئيس الشرع في إدارة استراتيجية متوازنة في إبقاء سوريا حتى الآن خارج دائرة النار المباشرة لأول مرة منذ عقود، وليس مجرد خط جيوسياسي.

أظهرت هذه الحرب نقطة التحول التي سمحت لدمشق ببدء الطلاق الجيوسياسي مع طهران، وظهرت ثمار هذا التحول في إدارة الأزمات الميدانية، فرغم ضجيج الصواريخ الإيرانية فوق دمشق وسقوط شظاياها على مواقع مدنية واقتصادية، إلا أن الاستجابة المتوازنة ما تزال تؤتي أكلها.
الثورة السورية


تركيا تراقب الحرب بحذر وتعزز جاهزيتها على الحدود السورية/ مصطفى رستم
دور “المراقب” أكده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وعبر عن أن بلاده تتابع عن كثب التطورات وانعكاساتها على المنطقة

الأحد 8 مارس 2026
ثمة تقارب متسارع بين سوريا وتركيا بلغ ذروته في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 وشهدت العلاقات لقاءات سياسية وأمنية رفيعة المستوى تهدف إلى تعزيز التنسيق العسكري حماية للحدود المشتركة، حيث تدرج أنقرة منظمة حزب العمال الكردستاني (فصيل كردي مسلح يعيش حال صراع مع تركيا منذ ثمانينيات القرن الماضي) على لوائح الإرهاب.

تراقب تركيا تطورات المشهد الإيراني منذ الساعات الأولى للضربات الأميركية- الإسرائيلية وتداعيات مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وتسارع الأحداث منذ الأول من مارس (آذار) الجاري، وتنظر أنقرة إلى حدودها الجنوبية مع سوريا، وتشير التقارير إلى دفعها تعزيزات إضافية بهدف رفع الجاهزية العسكرية والقتالية، فهي الدولة الأقرب من جحيم الحرب التي من شأنها إعادة ترتيب أوراق المنطقة مجدداً.
استراتيجية المتفرج

يرجح الباحث في مركز رامان للبحوث والدراسات بدر ملا رشيد في حديثه إلى “اندبندنت عربية” أن تعتمد أنقرة على استراتيجية عدم الدخول في الحرب قدر الإمكان مع محاولة استثمار مآلاتها لتعزيز نفوذها الإقليمي في حال استمرت واشنطن بالمعركة أكثر، أو حتى لو توقفت، فستحاول تغطية الفراغات الأمنية التي سيشكلها الانكماش الإيراني.

وأضاف أن “في حال انهيار نظام ولاية الفقيه، فيمكن أن تتخذ تركيا خطوات عسكرية مباشرة بالتدخل لمصلحة الأذريين في إيران لإحداث موازنة مع القوى الكردية في سيناريو مشابه للحالة السورية بعد عام 2017، إذ دعمت تشكيل الجيش الوطني بناءً على فصائل تركمانية بصورة رئيسة وهي خطة نجحت على نحو كبير مع ما شهدناه من سياسة أميركية في عدم تحويل التحالف العسكري مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى اعتراف سياسي بمشروعها في الحكم الذاتي”.
الخطر الكردي بعيون تركية

في غضون ذلك تتابع تركيا بحذر تحركات جماعة “حزب الحياة الحرة” الكردستاني والمعروفة باسم “بيجاك” وتعد فرعاً إيرانياً مرتبطاً تنظيمياً وفكرياً بحزب العمال الكردستاني، ولا تعده إسطنبول تنظيماً إيرانياً محلياً وحسب، بل امتداداً لشبكة تنظيم مسلح عابرة للحدود مستفيدة من وعورة التضاريس وصولاً إلى جبال قنديل، وسط حديث عن دخول الملف الكردي- الإيراني في سياق ما يحدث من تطورات المنطقة والحرب الإقليمية التي تتسع، مما يزيد من مخاوف أنقرة حيال الحركات الانفصالية، ولا سيما الكردية إذا ما علمنا أن تعداد المكون الكردي على أراضيها يبلغ نحو 15 مليون شخص.

“أيادي الجميع على الزناد”، بهذه العبارة يصف لنا من إسطنبول الباحث التركي في شؤون السياسة الخارجية فراس أوغلو تطورات المشهد، فالحسابات برأيه اختلفت أيضاً بالنسبة إلى الجميع، وجزء من الأكراد يرون أنها فرصة لتأسيس تعاون مع الولايات المتحدة وإعادة خدماتهم وإنشاء “إقليم كردستان في إيران”، ويعتقد بأنه حتى الآن لم يتكلم عنها الأميركيون ربما، مستدركاً “لكن الإسرائيليين بسهولة جداً يستطيعون استخدامها، وهم يفعلون ذلك”.

ويستعرض أوغلو أوجه الدعم الموجه للأكراد ضمن احتمالات كثيرة من بينها حرب أهلية في إيران أو حرب بين الأكراد أنفسهم، وحرب مع الأتراك تدخل بها أنقرة، وكذلك حرب مع أذربيجان لأن الأذريين موجودون أيضاً.

ويضيف أن “’قسد‘ إلى اليوم لم تنفذ نقاطاً في الاتفاق مع دمشق، من بينها حقول النفط وتسليمها إلى الحكومة السورية، ولا بد من منع التواصل الكردي- الإسرائيلي في الشمال السوري فيما الدور الكردي يحاول أن يكون له حضور، لكن تركيا تقوم بأدوار أخرى في عدم الذهاب إلى الانفصال، بل إلى دور مشارك مع الدولة”.

وسعت كل من دمشق وأنقرة إلى توسيع اتفاق يسمح للجانب التركي بضرب المقاتلين الأكراد والفصائل المسلحة التي تصنف “إرهابية” بالنسبة إلى الجانب التركي قرب حدودها من خمسة إلى 30 كيلومتراً، في خطوة الغاية منها توسيع العمليات في المنطقة مع تعاون أمني بين البلدين في ما يخص مكافحة الإرهاب وضبط الحدود، وظل الجيش التركي حاضراً خلال عقد الصراع السوري الداخلي ضمن قواعد عسكرية تركزت في الشمال خشية من تمدد ما تصفه أنقرة بـ”الخطر الكردي”، حيث تعاظم دور الإدارة الذاتية الكردية، وتدخلت في ثلاث عمليات عسكرية “درع الفرات” و”نبع السلام” و”غصن الزيتون”.

وليس خافياً التوتر الذي ساد بين تل أبيب وأنقرة خلال عام 2025 بعد تمدد النفوذ التركي في خطوات تحسبها أنقرة لملء الفراغ الذي خلفته إيران بعد انسحابها عقب سقوط النظام السوري السابق وتعزيز دورها كلاعب رئيس للبلاد، وتوقيع اتفاقات دفاع مشترك سورية – تركية تراها إسرائيل تهديداً لاستقرار المنطقة، بخاصة أن الاتفاقات أشارت إلى بناء قاعدتين تركيتين في البادية السورية، ونشر مقاتلات “أف 16” بالتوازي مع طلب دمشق من أنقرة توفير طائرات من دون طيار ورادارات وأنظمة حرب إلكترونية لتعزيز قدرة السيطرة على الحدود الإسرائيلية.

وكان الجيش الإسرائيلي دمّر قرابة 80 في المئة من السلاح الاستراتيجي للجيش السوري بعد يوم واحد من سقوط نظام الأسد عبر غارات جوية وصلت إلى قرابة ألف غارة في ريف العاصمة دمشق وحمص والمدن الجنوبية القريبة من الحدود مع سوريا، ولا سيما أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ الاستراتيجية التي تشكل خطراً على تل أبيب.
الـ”بيجاك” شبكة عابرة

ثمة تقارب متسارع بين سوريا وتركيا بلغ ذروته في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 وشهدت العلاقات لقاءات سياسية وأمنية رفيعة المستوى تهدف إلى تعزيز التنسيق العسكري حماية للحدود المشتركة، حيث تدرج أنقرة منظمة حزب العمال الكردستاني (فصيل كردي مسلح يعيش حال صراع مع تركيا منذ ثمانينيات القرن الماضي) على لوائح الإرهاب.

وبالحديث عن تنظيم “بيجاك”، فإن أول ظهور للتنظيم كقوة مسلحة كان عام 2004 إبان الحرب الأميركية على العراق، وتعرف قوات “شرق كردستان” بالذراع العسكرية للحزب، وهي وحدات كردية مقاتلة، ومن المرجح أن قواته المدربة تصل إلى 1200 مقاتلاً من سوريا والعراق وتركيا وإيران ومختلف المناطق الكردية، ومع الاستفادة من التضاريس الإيرانية المعقدة شكل تمركز التنظيم على الحدود تموضعاً له تأثيره الميداني في حال أريد استغلاله.

ومنذ الأيام الأولى لاحتجاجات إيران في سبتمبر (أيلول) عام 2022 بعد مقتل الشابة مهسا أميني من أصل كردي على يد شرطة الأخلاق، اتهمت طهران حزب “بيجاك” بالإسهام في ما وصفته الحكومة بأعمال شغب.

في المقابل يرد الباحث السياسي بدر ملا رشيد حول ما يدور من تساؤلات عن الدور التركي بالقول “حتى الآن تلتزم القوى الكردية في إيران موضوعية سياسية قوية، فهي لم تدخل في العمل العسكري ضد إيران على رغم الضغوط الأميركية الشديدة عليها، وهذا نتيجة عوامل عدة من بينها كيفية إدارة واشنطن لوجودها في سوريا وعلاقتها مع ’قسد‘ والانسحابات الأخيرة التي أدت إلى انهيارها”.

ويشرح كذلك أنه فضلاً عن غموض سقف العمل الأميركي – الإسرائيلي وعدم وضوح احتمال توقف الحرب في حال وافقت إيران على شروط واشنطن مقابل الحفاظ على منظومة الحكم داخلياً، مما سيعيد سيناريو الحركة الكردية في كردستان العراق عام 1991، حيث توقفت واشنطن بعد انسحاب جيش صدام من الكويت، مما أدى إلى قيام الجيش العراقي بعملية عسكرية واسعة على المناطق الكردية التي أسفرت عن الهجرة المليونية المشهورة للكرد.
إطفاء الحرب

كانت منظومات الدفاع الجوي والصاروخي التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في شرق البحر المتوسط دمرت صاروخاً باليستياً أطلق من إيران باتجاه المجال الجوي التركي ومرّ فوق سوريا والعراق، وذكرت وزارة الدفاع التركية أن شظية منه سقطت في قضاء دورتيول التابع لولاية هاتاي قرب الحدود السورية، لكن سرعان ما نفت القوات المسلحة الإيرانية عبر بيان لها “إطلاق الصاروخ، واحترام سيادة تركيا”.

ودور “المراقب” أكده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وعبر عن أن بلاده تتابع عن كثب التطورات في إيران وانعكاساتها على المنطقة خلال حديث هاتفي مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني وتوجيه أنقرة رسائل لازمة إلى الأطراف المعنية بضرورة تجنب خطوات من شأنها زيادة عدم الاستقرار، وتدافع عن تعزيز أرضية الدبلوماسية، مع تحذيره من أن مسار الصراع يحمل أخطاراً قد تهدد الأمن العالمي، ولم يخفِ خلال حديثه أهمية زيادة تعاون الحلفاء في “الناتو”.

ووصف أوغلو الموقف التركي بـ”الحرج”، قائلاً “إلى الآن ليست هناك سياسة واضحة في هذه الحرب، ولا تستطيع أن تقف بوجه ذلك أو ذاك والقلق بادٍ على وجهها، وإيران تريد أن تحارب ولا تريد وساطات وأيضاً حلفاء تركيا هم بخطر بمعنى الهجمات الإيرانية على الخليج العربي وهو أمر مقلق للجميع، ولا نريد أن تتحول الساحة العربية إلى أن تكون لها علاقة بهذا الصراع، ولا سيما أن القواعد الأميركية جزء من النزاع”.

ويرى أن الموقف التركي سيميل في حال حدوث حرب شاملة في المنطقة إلى الاصطفاف ضد طهران من أجل إنهاء تقسيم إيران أو وضع حدٍّ للهجوم على دول الخليج، أو الهجوم على تركيا نفسها، وكل السيناريوهات هذه تأتي لمصلحة إسرائيل.


ملاحظات انتقادية من العدوان الثلاثي على العرب/ نزار السهلي
2026.03.07
في الوقت الذي تسلك فيه جولة العدوان الأميركي–الإسرائيلي على إيران مسلكًا خطيرًا، وأدت إلى ردود فعل إيرانية على جوارها العربي، وكشفت عن هشاشة الأمن الجماعي، سواء بالنسبة للأنظمة العربية المستهدفة بصواريخ إيران، أو لتجدد العدوان الإسرائيلي بشكل واسع على لبنان وانتهاك الأمن العربي جواً وبحراً، يدخل العالم العربي مرحلة جديدة وخطيرة، وتمتاز بسمتين رئيسيتين:

الأولى، انتشار الاحتلال في الجو والبر والبحر، وقدرته على إحداث تهجير جماعي “ديموغرافي” عبر إنذار هاتفي أو منشور تحذيري لقرى ومدن وأحياء سكنية، مما يجعل ثقل آثار العدوان مشابهًا لتحطيم قطاع غزة، الذي قال عنه تسلئيل سموتريتش إن إسرائيل ستجعل من ضاحية بيروت الجنوبية “خان يونس ثانية”، بالإشارة إلى محوها عن الخريطة.

السمة الثانية، اتساع رقعة الرد الإيراني على العدوان، باستهداف مدن وعواصم عربية كانت تحاول تجنب اندلاع حرب على إيران.

هاتان السمتان أضافتا على السياسة العربية ومواقفها مجموعة معطيات جديدة وموضوعات جديدة، وتقاليد مواجهة متجددة، من بينها مسألة الأمن العربي المشترك وتحدياته القديمة والحديثة، بكل ما تحمله من مشكلات، فضلًا عن سلسلة موضوعات أخرى تحمل في طياتها معضلات متعددة، مثل علاقة السمة الأولى بالثانية، وعلاقة الأمن العربي بالحليف الأميركي والإقليمي، وانعكاسات العدوان الأميركي–الإسرائيلي على إيران، ورد إيران على العواصم العربية، وتأثير ذلك على القضية الفلسطينية أولاً، وعلى قضايا الأمن العربي المشترك.

التحليل الموضوعي لظروف العدوان الأميركي–الإسرائيلي على إيران يظهر اندفاع الولايات المتحدة خلف الرغبة الإسرائيلية لتدمير “الخطر الإيراني” المتمثل بالقوة الصاروخية والبرنامج النووي، وتجفيف منابع دعم الأذرع الإيرانية في المنطقة العربية. تلخيص المواجهة أو العدوان على طهران لا علاقة له بالدفاع عن الأمن العربي، والرد الإيراني عليه لا يعني الحرص على هذا الأمن والدفاع عنه. فإيران القوية أو الضعيفة، وقبلها باكستان الدولة النووية المسلمة، لم تضف للأمن والقضايا العربية شيئًا يذكر بالمواجهة الفعلية للمستعمر الصهيوني أو لقضايا التحرر العربي الأخرى.

الحقيقة التي خبرتها الشعوب العربية من عوامل القوة الإيرانية متجلية في سوريا ولبنان واليمن، وعوامل التساهل العربي مع مخاطر العدوان الإسرائيلي في غزة وبقية مدن فلسطين، حاضرة في جرائم الإبادة والعجز عن صدها، ولم تُؤخذ المطامع الصهيونية في السيطرة على الأوضاع الأمنية العربية في الاعتبار بشكل قوي. فكانت هذه الحقائق الهشة، التي تؤلم كل عربي، شاهدة على تجزئة وتفتت المواقف تجاه العدو الحقيقي للأمن العربي.

إقامة الأسوار العالية أمام المخاطر الحقيقية للأمن العربي، ثم بعثرة المواقف من الاحتلال الإسرائيلي ومشروعه الاستعماري، دفع بالمواقف السياسية العربية والأمنية إلى تقديم نفسها منفردةً أمام جرائم الإبادة الجماعية والهجمة الاستعمارية الاستيطانية، وبلا برامج مشتركة. ضعف هذا الجانب ينعكس على ضعف المؤسسات الدولية، كالأمم المتحدة ومجلس الأمن والقانون الدولي، الذي يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة، ومحبوس ضمن أسوار إمبريالية عالية تمنع تجاوزه.

مشاهدة تدمير أحياء من عاصمة عربية مثل بيروت، دون ردة فعل، سبقها تدمير شامل لغزة وإبادة جماعية فيها، وعدوان مستمر على مدن عربية وإعادة احتلال في الجنوب السوري واللبناني، جوبهت تلك المخاطر والعدوان بمعاهدات تطبيع مع الاحتلال، ومهادنة للعدوان، والتسلح بمعاهدات أمنية وعسكرية مع أميركا والغرب. كل ذلك لم يجعل الأمن العربي أفضل مما هو عليه الآن.

الوضع العربي في الحرب العدوانية الدائرة بين إسرائيل وأميركا من جهة، وإيران من جهة أخرى، أخذ تشكيلاً مختلفًا نسبيًا، في انكشاف الهدف الأميركي–الإسرائيلي من خلال تأمين المصلحة الإسرائيلية أولاً، وإحداث مزيد من الكسر في ثقل حلقات النظام السياسي العربي. ذريعة القضاء على القدرات الإيرانية أو الحد من تدخلاتها في الدول العربية، أنجزه الشعب السوري بإسقاط نظام الأسد، وكان بمقدور النظام السياسي العربي خلق علاقة ندية مع جارها الإيراني. هذا المعطى يسير وفق المراجعة الإيرانية لسياساتها في المنطقة العربية بعد نزيف سرديتها وخسارة موقعها في الشارع العربي، وانتزاع موقع القضية الفلسطينية الاستغلالي، ولم تعد طهران قطبًا يجذب الرحال إليها.

موضوعات هذه المرحلة من العدوان الإسرائيلي–الأميركي على إيران، ورد إيران على العواصم العربية، بعيدًا عن التحريض السياسي والشماتة البائسة لبعض الأطراف في الأمن العربي، تفيد أن مركز الثقل ينصب اليوم في التفكير الجدي بالأمن العربي المشترك. فلا مظلة خارجية بمقدورها درء المخاطر إن لم تكن عربية مشتركة، لها منظور موحد يرصد المخاطر الحقيقية التي تحيط بأمنها، واقتصادها، وبنيتها السياسية والجغرافية المهددة اليوم بأطماع صهيونية صريحة.

خلق التضامن والتساند ضد العدوان والتهديد، دون وجود رؤية موحدة ومشتركة لهذه المخاطر والأطماع، سيؤدي فعليًا ليس لقيام إيران باحتلال عواصم عربية والسيطرة عليها، بل لسيطرة صهيونية–أميركية بإعادة تشكيل المنطقة وفق المصلحة الصهيونية. وقد بدأت إسرائيل في حساب مكاسبها من نتائج هذا العدوان، ونتنياهو وسموتريتش وهاكابي وغيرهم يكررون ذلك صباح مساء.

تجمّد فهم العدوان الإسرائيلي–الأميركي عند قوانين العدوان الإيراني على العواصم العربية فقط، وعند علقم العلاقة معها، لا يمنع إذابة الجليد عن بعض الحقائق والقوانين التي تحكم الصراع والمواجهة التي يجب أن يتصدى لها العرب من ثلاثية المخاطر: الصهيونية–الأميركية–الإيرانية، بتوجيه مركز الثقل للتحرر من الاعتماد على الغير نحو مرحلة الاعتماد على الذات، وتنوع مصادر القوة والأمن.

لهذا، فإن منهج تحليل العدوان الثلاثي على الأمن العربي يكمن في تأريخ مرحلة جديدة، ولا يعني ولادتها في هذه اللحظة، ولا يعني زوال سمات المرحلة السابقة تمامًا، إنما يجب فهم أن بذور مرحلة جديدة يجب أن تُولد خارج الرحم الصهيوني–الأميركي، وبعيدًا عن الحوزة التي سقطت غيبياتها وتعرت مع الأساطير التلمودية، والعودة إلى قراءة البوصلة الحقيقية للاحتلال الإسرائيلي، للمشروع الصهيوني، ولمخاطر تلبيسه ثوب المنقذ للذات العربية.
تلفزيون سوريا


الدعم الأميركي لأكراد إيران… كواليس خطة إسقاط النظام/ إنجي مجدي
تحدثت مصادر وقيادات كردية إلى “اندبندنت عربية” عما يدور في الخفاء وقوام قوى البشمركة المجهزة لمواجهة النظام
الأحد 8 مارس 2026
على طريقة سوريا-الأسد، ثمة مساع أميركية لدعم وتسليح فصائل المعارضة الإيرانية الداخلية لإضعاف النظام وإسقاطه بينما تتواصل حملة القصف الأميركية الإسرائيلية. وصرح ترمب ‌في تعليقات لوكالة “رويترز” الخميس الماضي، بأنه يدعم أي ⁠هجوم يشنه الأكراد على إيران. وأضاف “أعتقد أن رغبتهم في القيام بذلك أمر رائع، وأنا أدعمهم بالكامل”.

في الـ23 من فبراير (شباط) الماضي، وقبل أسبوع من بدء الهجوم العسكري الأميركي- الإسرائيلي على النظام الإيراني، أعلنت مجموعة من الأحزاب الكردية الإيرانية، عن تشكيل “ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران”، بهدف “تثبيت حضورها في الوضع السياسي الراهن في إيران”، بعد أن “فقد النظام الإسلامي مشروعيته السياسية بشكل كامل”.

في حين يتحدث كثيرون عن مفاجأة الضربة الأميركية، لكن ثمة كثيراً من التحركات والتصريحات الخارجة من واشنطن في الأيام القليلة التي سبقت الضربة الأولى للحرب، حملت مؤشرات مؤكدة بشأن الضربة، وربما توحد المعارضة الإيرانية الكردية واحدة منها. وأن توارد التقارير الصحافية من واشنطن بشأن الدفع بالقوى الإيرانية الكردية إلى جبهة القتال ضد النظام، ربما يوحى بواحدة من الترتيبات التي سبقت إطلاق شرارة تلك الحرب الآخذة في التوسع إقليمياً.

وتفيد التقارير بمحادثات نشطة بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وجماعات كردية إيرانية مسلحة تنشط على طول الحدود مع العراق، لتنفيذ عمليات ضد النظام داخل الأراضي الإيرانية. وصرح ترمب ‌في تعليقات لوكالة “رويترز” الخميس الماضي، بأنه يدعم أي ⁠هجوم يشنه الأكراد على إيران. وأضاف “أعتقد أن رغبتهم في القيام بذلك أمر رائع، وأنا أدعمهم بالكامل”. وعندما ‌سُئل ⁠عما إذا كانت الولايات المتحدة ستقدم أو قدمت ⁠دعماً جوياً لأي هجوم كردي، قال ⁠ترمب “لا أستطيع أن أقول ⁠لك ذلك”.

وكشفت مصادر كردية إيرانية تحدثت إلى “اندبندنت عربية” شريطة عدم ذكر أسمائها، عن وجود تنسيق جار على قدم وساق بين القوى الكردية الإيرانية، غرب إيران، وقوى خارجية لدعم الصفوف الكردية في مواجهة النظام الإيراني. وأفاد قيادي كردى بأن القوى الكردية حظيت بدعم طرف ثالث لتأسيس “ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران”، الذي انطلق قبل أسبوع من الحرب، موضحاً أن واحداً من أهداف الائتلاف هو تشكيل جيش مشترك.

وفي مسألة نوع الدعم الذي يتلقاه الأكراد مع القوى الخارجية، لم تكشف المصادر عن تفاصيل التعاون الجاري، لكن أحد المصادر قال “إذا كان لديك تحالف مع جهة ما، فعادة يبدأ التعاون بالاستخبارات أولاً، ثم يأتي ما بعد ذلك”. فيما أشارت تقارير أميركية إلى توفير السلاح والدعم اللوجيستي.

وفي حين رحب السكرتير العام لحزب كومله عبدالله مهتدي، في حديث إلى “اندبندنت عربية”، بالدعم الأميركي، لكنه نفى حدوث تواصل مع الأميركيين بشأن نوع الدعم الذي يحتاجونه، قائلاً “نحن بحاجة إلى الدعم السياسي وكذلك الدعم العسكري والاستخباراتي وكل شيء آخر. ونحن نحث الدول الأوروبية على أن تحذو حذوها. كنا نتوقع من الأوروبيين الانضمام إلى هذا الجهد لمساعدة الأكراد وبقية شعوب إيران في تطلعاتهم الديمقراطية”.
فرصة ذهبية

وتتركز معركة أكراد إيران في غرب البلاد، حيث المناطق ذات الغالبية الكردية أو ما يدعى كردستان إيران، إذ يستهدف إضعاف نفوذ النظام في الغرب. ويشكل الأكراد نحو 10 في المئة من السكان ويتمتعون بهوية قوية تتجاوز الحدود الوطنية، وأنهم أيضاً الأكثر تنظيماً بين جماعات المعارضة والأقليات العرقية داخل إيران.

وتحدث ممثل الحزب الديمقراطي لكردستان إيران في المملكة المتحدة رازجار ألاني إلى “اندبندنت عربية”، معتبراً أن الوقت الحالي هو “فرصة ذهبية” للإيرانيين للتخلص من النظام. وقال إن كراهية النظام الإيراني تتزايد داخل البلاد، مشيراً إلى بيانات لمؤسسة “جامان” البحثية في هولندا، تفيد بأن 80 في المئة من الإيرانيين يريدون تغيير النظام. وأضاف أن الإيرانيين انتفضوا مراراً خلال العقدين الماضيين، “لكن للأسف يقوم النظام بقمع وسحق الاحتجاجات، وقد نجح مراراً في إخماد المظاهرات”.
الدعم الخارجي

وانضم حزب كومله الكردستاني الإيراني، وهو أكثر ميلاً إلى اليسار، إلى ائتلاف الأحزاب الكردية ليصبح الحزب السادس فيه. وأيد السكرتير العام للحزب في حديثه إلى “اندبندنت عربية”، الحاجة إلى الدعم الخارجي للأكراد قائلاً “لقد تعرضنا للمجازر عدة مرات منذ عام 1979 وحتى الآن. لقد تعرضنا للمجازر، تعرضنا للقمع، تم إعدامنا، تم إطلاق النار علينا، تم شنقنا، كنا تحت قمع شديد وتمييز صارم. لذا، كنا وحيدين معظم الوقت. إذن، لماذا لا نرحب بالدعم الخارجي؟ بالطبع نرحب به.”

واتفق ممثل الحزب الديمقراطي لكردستان إيران في المملكة المتحدة، على حاجة الشعب الإيراني للدعم الخارجي في سبيل التخلص من النظام، قائلاً “نعتقد أن الشعب الإيراني داخل البلاد وحده لا يستطيع إسقاط هذا النظام. فهم يحتاجون دائماً إلى مساعدة، لأن النظام يسيطر على كل شيء في الداخل”. وأشار إلى أن أحدث انتفاضة أسفرت عن مقتل أكثر من 30 ألف شخص خلال بضعة أيام، مضيفاً “وهذا يعني أنه من الصعب جداً إسقاط النظام من الداخل فقط”.

ورفض ألاني وصف أي دعم خارجي بالتدخل الأجنبي، قائلاً إن “القوى الخارجية كانت دائماً جزءاً من الأحداث في الشرق الأوسط”. وأضاف “البعض يقول هذا تدخل أجنبي، لكن الحقيقة أن الناس في الداخل يحتاجون إلى مساعدة.”
تخطيط مسبق

وكشف آلاني أن الاستعداد لتلك اللحظة “تم التخطيط له من أكثر من 10 أعوام”، مؤكداً “لدينا أشخاص في الداخل… لأن قوتنا الرئيسة دائماً داخل إيران وليس خارجها”. واعتبر تشكيل ائتلاف بين الأحزاب السياسية الكردية الإيرانية، حيث تعمل ستة أحزاب معاً لأول مرة، يمثل تحولاً كبيراً نحو تشكيل جيش مشترك والعمل الدبلوماسي الموحد.

وقال إن “السبب الذي يجعلنا نرى أنفسنا مستعدين لمواجهة النظام هو أننا على مدى أربعة عقود كنا قريبين من شعبنا. كان لدينا دائماً اتصال قوي بهم. حزبنا كان دائماً حاضراً قرب الحدود. كما أن لدينا قوات البيشمركة مما يعني أننا كنا دائماً منظمة قوية ومنظمة جيداً. قمنا بتدريب قواتنا، ليس فقط للهجوم بل أساساً للدفاع عن النفس. لذلك، كما قلت، فإن الأمر بالنسبة لنا أسهل مما قد يكون عليه في أماكن أخرى”.
آلاف المقاتلين الأكراد

رفض القادة الأكراد الذين تحدثوا إلى “اندبندنت عربية” الإفصاح عن حجم القوات الكردية المجهزة، لكنهم اتفقوا على أن لديهم “عدداً كافياً، خصوصاً داخل البلاد”. وقال مهتدي “وطننا هو كردستان إيران، وملايين الناس جاهزون، ولن نفتقر إلى المقاتلين الأكراد. كل الشباب، كل جيل الشباب هو مقاتل محتمل من قوات البيشمركة. لذا، لدينا قوات كافية، لا نقلق بشأن ذلك”.

فيما أكد آلاني أن الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (PDKI) يُعد أقدم وأكبر حزب سياسي كردي في إيران. وقال “ما يمكنني قوله هو إن عدد الأعضاء في الداخل بالآلاف.” وأضاف “أعتقد أن لدينا ما يكفي من القوات لطرد النظام من الغرب، من المنطقة الكردية، التي تضم أربع محافظات.” وأوضح أن القوة لا تقتصر فقط على مقاتلي البيشمركة المتمركزين قرب حدود إقليم كردستان، موضحاً “نحن لا نتحدث فقط عن آلاف مقاتلي البيشمركة قرب الحدود. نحن نتحدث عن قواتنا داخل إيران.”

وتابع مؤكداً جاهزية هذه القوات “قوتنا الأساسية موجودة داخل البلاد، وهم بالفعل مستعدون وجاهزون”. ليس الأمر أننا نحتاج إلى تدريبهم أو تسليحهم؛ هم جاهزون”. وأضاف أن أي تطور كبير قد يدفعهم للتحرك سريعاً، قائلاً “إذا حدث شيء، وأنا أعتقد أنه سيحدث، فسيبدأون بالتحرك، خصوصاً إذا كان هناك دعم من الأطراف الأخرى”.
قلق داخلي

ومن المرجح أن تواجه العملية معارضة شديدة من كثير من الإيرانيين غير الأكراد، خصوصاً إذا تضمنت الخطة مشاركة منظمة مجاهدي خلق، التي كانت وزارة الخارجية الأميركية قد صنفتها سابقاً منظمة إرهابية قبل شطبها من القائمة عام 2012، وهى جماعة تجمع بين الإسلام والماركسية. ويقول مراقبون إن أحزاباً أخرى قائمة على أساس عرقي ربما تثير مخاوف أكبر. فالميليشيات البلوشية الرئيسة جيش العدل توصف بأنها جهادية ويُزعم أن لها جذوراً في القاعدة. ووفق مجلة “ذا أتلانتيك” الأميركية، فإن الميليشيات أسست في ديسمبر (كانون الأول) جماعة سياسية باسم جبهة المقاتلين الشعبيين، ربما في محاولة لاختيار اسم يبدو علمانياً لتخفيف المخاوف الخارجية، لكن الجهاديين لا يزالون يشكلون العمود الفقري لقواتها.

لكن آلاني أشار في هذا الصدد إلى المساعي نحو توحيد المعارضة. وقال إن الجهود لتوحيد المعارضة الإيرانية تسارعت بعد حرب الأيام الـ12، إذ عمل الزعيم الكردي مصطفي هجري على جمع الأحزاب السياسية الكردية. وبعد سلسلة من الاجتماعات، تطور إطار كان يُعرف سابقاً بـ”مركز الحوار” إلى ائتلاف جديد باسم “ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران”. ويرى أن توحيد صفوف المعارضة في الخارج ضرورة أساسية، لأن النظام الإيراني لطالما استغل الانقسامات بينها في دعايته الداخلية، مؤكداً أن الوحدة الكردية تمثل خطوة أولى يمكن أن تمتد إلى بقية قوى المعارضة الإيرانية.

وأوضح أن هناك أيضاً تحالفات أخرى مثل “مؤتمر القوميات من أجل إيران فيدرالية” الذي تأسس في لندن عام 2005. ومع ذلك، شدد على أن الأكراد لا يسعون إلى الانفصال، بل يؤيدون نموذجاً فيدرالياً يمنح مختلف القوميات، مثل الأكراد والبلوش والعرب والأذريين والتركمان، حقوقهم داخل إيران. وأكد أن حزبه مستعد للحوار مع جميع قوى المعارضة، بما فيها مجاهدي خلق وأنصار رضا بهلوي، إذا كان ذلك على أساس الاعتراف بحقوق الأقليات وبناء نظام ديمقراطي لا مركزي في البلاد.
تحرك للدفاع

ويرى الناشط والصحافي الكردي دياكو مرادي، وعضو المنصة الديمقراطية الإيرانية، في حديثه لنا، إن القوات الكردية قد تتحرك فقط في إطار الدفاع المشروع إذا تعرض المدنيون في كردستان لتهديد مباشر أو لعمليات قمع واسعة من قبل قوات النظام الإيراني، لا سيما الحرس الثوري. ويؤكد أن أي تحرك سيكون دفاعياً ومحدوداً بهدف حماية السكان ومنع العنف ضد المدنيين.

أما بشأن التقارير التي تحدثت عن اتصالات بين الولايات المتحدة والجماعات الكردية الإيرانية أو طلبها الاستعداد لعمليات داخل إيران، فيوضح مرادي أنه لا يمكن تأكيد هذه المعلومات أو نفيها. لكنه يشدد على أن الأحزاب الكردية تاريخياً لم تكن أداة لقوى إقليمية أو دولية، وأنها تستمد شرعيتها من المجتمع الكردي داخل إيران.

ويضيف أن التواصل السياسي والدبلوماسي مع الحكومات أو الجهات الدولية أمر طبيعي في العمل السياسي، لكنه لا يعني بالضرورة تعاوناً عسكرياً. ويؤكد أيضاً أن أي تعاون يجب أن يحترم استقلال القرار الكردي وأن يهدف إلى دعم انتقال إيران إلى نظام ديمقراطي يحترم حقوق جميع القوميات والمكونات في البلاد.
التاريخ يردد صداه

بالنسبة للأكراد، فإن التاريخ لم يكن قط في صفهم عندما يتعلق الأمر بدعم القوى الخارجية، فغالباً ما ينتهي الأمر بالدرس المؤلم ذاته. فعندما تقدم القوى الكبرى وعوداً في لحظات الصراع الجيوسياسي، يرى المضطهدون فيها فرصة. لكن عندما تتغير تلك الصراعات، يكون المضطهدون عادة هم من يتحملون العواقب.

وفي حين قد يرحبون بأي دعم أميركي جاد يهدف إلى تقليص نفوذ طهران أو إضعاف النظام، لكن في المقابل، تسود حالة من القلق العميق داخل الأوساط الكردية من تكرار سيناريوهات سابقة شعروا فيها بأن الولايات المتحدة تخلت عنهم بعد الاعتماد عليهم في صراعات إقليمية. فالتجارب التاريخية، سواء في العراق أو سوريا، جعلت كثيراً من الأكراد يخشون أن يتم تشجيعهم على التحرك ضد النظام الإيراني، ثم تُسحب المساندة الأميركية إذا تغيرت الحسابات السياسية في واشنطن أو فشل التمرد.

فمنذ الدعم البريطاني لهم عقب الحرب العالمية الثانية ثم دور بريطانيا الرئيس في إجهاض جمهورية مهاباد الكردية في مهدها عندما تم تأسيسها شمال غربي إيران عام 1946، مروراً بعام 1975 عندما تم دعمهم ضد صدام حسين في العراق، وعندما وقعت إيران والعراق اتفاق الجزائر في العام نفسه، تغيرت المعادلة واختفى الدعم الخارجي وانهارت الانتفاضة الكردية بل دفع آلاف الأكراد الثمن. وفي عام 1988 شن نظام صدام حسين حملة الأنفال ضدهم واستخدم أسلحة كيماوية ضدهم.

وقبل شهر تقريباً، جاء التخلي الأميركي الأكبر عن أكراد سوريا عندما انسحبت القوات الأميركية من مناطق في شمال سوريا، مما ترك حلفاءها الأكراد في مواجهة خصومهم. وكانت القوات الكردية السورية حائط الصد ضد تنظيم “داعش” وخسروا آلاف المقاتلين في مكافحة التنظيم الإرهابي الذي ارتكب فظائع خلال العقد الماضي.

ويحذر مراقبون من أن فشل أي انتفاضة محتملة ضد طهران ثم انسحاب الدعم الأميركي سيعزز رواية “التخلي عن الأكراد” مرة أخرى. لذلك، ورغم معارضة الأكراد للنظام الإيراني، فإنهم يتعاملون بحذر مع أي وعود خارجية، خوفاً من أن يتحملوا وحدهم عواقب المواجهة إذا تغيرت موازين السياسة الدولية.


حرب إيران تفتح سجالا عربيا حول مستقبل الشرق الأوسط/ محمد غرسان
عمرو موسى وعبدالرحمن الراشد يتبادلان وجهات النظر حول مستقبل الشرق الأوسط في ظل الحرب الأخيرة بين تل أبيب وطهران
الأحد 8 مارس 2026
أثارت الحرب على إيران سجالاً على منصة “إكس” بين عمرو موسى وعبدالرحمن الراشد حول تفسير ما يجري في المنطقة، إذ رأى موسى أن الهجوم جزء من مشروع أميركي لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، بينما اعتبر الراشد أن جوهر الأزمة يتمثل في تهديد إيران المستمر لعدد من الدول العربية عبر الصواريخ والميليشيات.

أعادت الحرب على إيران إلى الواجهة سجالاً عربياً واسعاً حول مصادر التهديد في الشرق الأوسط وأولويات الأمن الإقليمي، وما قد تفضي إليه المواجهة الجارية من تحولات في موازين المنطقة.

وتجسد هذا السجال في منشورات متبادلة عبر منصة “إكس” بين وزير الخارجية المصري والأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى، والكاتب السعودي عبدالرحمن الراشد، المدير العام السابق لقناة “العربية” ورئيس تحرير صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية سابقاً.

وأظهر الجدل اختلافاً في قراءة التطورات، بين من يرى أن الحرب جزء من مشروع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، ومن يركز على التهديد الإيراني الذي تعرضت له دول عربية خلال العقود الماضية.

ويعكس هذا التباين اتجاهاً أوسع في الخطاب السياسي العربي، الذي لطالما انقسم بين مقاربة تضع الصراع مع إسرائيل في صدارة التهديدات، وهي مقاربة ارتبطت تاريخياً بخطابات القومية العربية، وأخرى برزت في العقود الأخيرة، لا سيما في دول الخليج، ترى أن التحركات الإقليمية لطهران تمثل الخطر المباشر على أمن الدول العربية واستقرارها ومسارات التنمية فيها.
موسى: تحرك أميركي لتغيير الشرق الأوسط

كتب عمرو موسى في منشور على “إكس” أن الهجوم الجاري على إيران لا يمكن اختزاله في كونه مجرد مغامرة إسرائيلية نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في جر الولايات المتحدة إليها.

وقال موسى إن ما يحدث تحرك أميركي استراتيجي مخطط وظفت فيه واشنطن إسرائيل كشريك إقليمي، في خطوة رئيسة نحو تغيير الشرق الأوسط، بما في ذلك العالم العربي، إلى وضع جيوسياسي إقليمي تحاول إسرائيل قيادته.

وأشار الأمين السابق للجامعة العربية إلى أن “هذا الوضع الجديد لن يولد بسهولة، إن ولد أصلاً، لأن الأمر يمس مصالح قوى دولية كبرى. فمبادرة الحزام والطريق الصينية تمر عبر العالم العربي، ولروسيا حضور ومصالح متزايدة في المنطقة.

ويرى أن الوصول إلى ترتيب إقليمي جديد يتطلب توافقاً على مستوى القطبية الدولية حول تفاصيل هذا الوضع، وهو ما يستوجب التحسب له منذ الآن.

وأضاف موسى أن إيران لا تبدو مستعدة للاستسلام كما طالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مرجحاً أن يكون سيناريو “عليّ وعلى أعدائي” هو الأقرب إلى منطق الصراع الجاري، وهو ما قد يدفع المنطقة نحو مشهد انتحاري واسع.

ودعا وزير الخارجية المصري السابق إلى ضرورة استمرار الموقف العربي المساند لدول الخليج في مواجهة الهجمات الإيرانية، مشيراً إلى أن اجتماع مجلس جامعة الدول العربية يجب أن يناقش التطورات من زاوية مصيرية تتعلق بمستقبل المنطقة.

وقال إن الاجتماع المرتقب ينبغي أن يرتفع إلى مستوى المسؤولية في التعامل مع التطورات الخطرة التي تتعرض لها المنطقة ونتائجها المستقبلية التي قد تخلق مرحلة طويلة من عدم الاستقرار الإقليمي.

وأكد موسى أن مسألة تغيير الشرق الأوسط وإخضاع العالم العربي تمثل عنواناً مهماً للمرحلة المقبلة، داعياً إلى تقديم طرح عربي بديل للتعامل مع هذه التحولات، محذراً من أن تجاهل هذه المسألة قد يجعل النقاشات العربية بلا جدوى.

الراشد: تجاهل التهديد الإيراني للعرب

ورد رئيس التحرير السابق لصحيفة “الشّرق الأوسط” والمدير العام السابق لقناة العربية السعودي عبدالرحمن الراشد على طرح موسى مؤكداً احترامه له، لكنه يرى أن الحديث عن أن ما يجري مجرد مغامرة إسرائيلية أو أميركية لتغيير الشرق الأوسط قد يكون صحيحاً جزئياً، لكنه يتجاهل حقيقة أساسية.

وقال إن التهديد الإيراني لم يكن موجهاً لإسرائيل وحدها، بل طاول ثماني دول عربية في الأقل عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة والميليشيات التابعة لطهران، وأشار إلى أن دولاً عربية من الخليج إلى العراق ولبنان واليمن وسوريا عاشت لعقود تحت تهديد مشروع إيراني توسعي استخدم الوكلاء المسلحين والصواريخ كأدوات نفوذ وهيمنة.

وأوضح أن اختزال المسألة في صراع إسرائيلي إيراني يجعل العرب الذين كانوا ضحايا لهذه السياسات يظهرون وكأنهم مجرد متفرجين.

ولفت إلى أن إيران استهدفت دولاً عربية عبر الحوثيين في اليمن ضد السعودية والإمارات، وعبر الميليشيات في العراق، وعبر “حزب الله” الذي أسهم في تدمير لبنان، إضافة إلى الشبكات المرتبطة بنظام بشار الأسد في سوريا.

وأشار الراشد أيضاً إلى أن إيران استهدفت عواصم الخليج ومنشآتها النفطية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، معتبراً أن تقليص قدراتها العسكرية يعني عملياً تقليص الخطر الذي واجه نصف العالم العربي منذ أربعة عقود.

واعتبر أن التنافس الإيراني الإسرائيلي كان مرشحاً طبيعياً للوصول إلى حالة حرب، لكنه شدد على أنه من غير المنطقي أن يُطلب من الدول العربية الاصطفاف تلقائياً مع إيران فقط لأنها ترفع شعار العداء لإسرائيل.

ويرى أن المتوقع من الحكومات العربية الصامتة هو تنديد إيران على هجماتها ضد الدول العربية، معتبراً أن الصمت حيال هذه الهجمات يمثل أحد أسوأ المواقف في تاريخ جامعة الدول العربية، معتبراً أن “صمتها من أسوأ المواقف التي عرفتها جامعة الدول العربية في تاريخها، حتى عندما احتل صدام الكويت استنكرت كل الدول العربية ذلك، بما فيها التي كانت ضد الحرب عليه”.

وأضاف أن مشروع الوكلاء الإيرانيين في المنطقة، من “حزب الله” إلى الحوثيين، لم يجلب للعالم العربي سوى الحروب وتآكل سيادة الدول، ومع انهيار هذا المعسكر أو تراجعه، يتقلص أحد أكبر مصادر عدم الاستقرار الإقليمي.

وأشار إلى أن الدول التي لم يمسها التهديد الإيراني مباشرة بحكم الجغرافيا السياسية، يجب ألا تتغافل عن حقيقة أن نصف العالم العربي تقريباً عاش تحت تهديد المشروع الإيراني لعقود وتستخف بأمن هذه الدول.

واعتبر الراشد أن الدفاع عن إيران فقط لأنها ترفع شعار فلسطين، مع تجاهل ما فعلته في العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج، يمثل إساءة بالغة للدول العربية التي تحملت كلفة هذا المشروع طوال أربعة عقود.

وختم رده الأول بالقول إن القضية ليست مشروع تغيير الشرق الأوسط، فالمنطقة دائماً في مخاضات لم تنقطع، لكن القضية تتمثل في إنهاء مرحلة من تهديدات الميليشيات الإيرانية حتى لو صادف ذلك بيد قوة على خلاف معها.

موسى: التحفظ على إيران لا يلغي الخطر الإسرائيلي

عاد عمرو موسى للرد، مؤكداً أن اختلاف الرأي لا يفسد الود بين الطرفين، وقال إن العرب لديهم تحفظات كبيرة على السياسة الإقليمية الإيرانية، وكذلك على السياسة العدوانية الإسرائيلية، مؤكداً أن الطرفين لا يختلفان في تحليل التهديدات التي تواجه العالم العربي.

وأوضح أن السياسات المتعلقة بتغيير الشرق الأوسط تثير قضية خطرة تتعلق بوضع إسرائيل في المنطقة، وكذلك باحتواء إيران، بل وربما احتواء تركيا في مرحلة ما بعد الرئيس رجب طيب أردوغان لتشكيل جبهة مؤثرة في مواجهة العالم العربي.

وأشار موسى إلى أنه تابع السياسة الإقليمية الإيرانية وانتقد علناً ما فيها من نواقص وسلبيات، لكنه في الوقت نفسه مطلع على تفاصيل السياسة الإسرائيلية في التوسع واحتلال الأراضي العربية والتطلع إلى أراضٍ في دول عربية أخرى.

وأكد أن كل اعتداء على الدول العربية يمثل اعتداء على الجميع ويستوجب تضامناً عربياً، وأشار إلى الاعتداء الذي ارتكبته إسرائيل ضد قطر في وقت سابق، مؤكداً أن الدول العربية تضامنت مع الدوحة آنذاك.

وفي ختام رده قال إن أخطاء إيران خلال أربعة عقود من المد الإيراني لا ينبغي أن تستبدل بما وصفه بعربدة إسرائيلية مدعومة قد تبادر بإلغاء القانون الدولي والتلاعب بمقدرات المنطقة العربية.

الراشد: ليست أخطاء بل هي عدوان

وفي رد لاحق، أكد عبدالرحمن الراشد تقديره لموسى، لكنه شدد على أن وصف ما قامت به إيران بأنه “أخطاء إيرانية” يقلل من حجم ما جرى.

وأوضح الكاتب السعودي أن إيران استهدفت بصورة مباشرة ثماني دول عربية وأطلقت عليها أكثر من 1655 صاروخاً وطائرة مسيّرة.

وأضاف أنه لو كانت هذه الصواريخ سقطت بالخطأ في الصحارى أو البحار أثناء توجهها إلى أهداف أخرى لكان من الممكن وصفها بالأخطاء، لكن استهداف مدن وأحياء سكنية وفنادق ومنشآت مدنية يجعل الأمر عدواناً مكتمل الأركان.

وأشار إلى أن التحليل المتعلق باحتمال هيمنة إسرائيل على المنطقة يظل رؤية سياسية يمكن طرحها، لكنه يرى أن ذلك لا يمنع من إدانة واضحة للهجمات الإيرانية على الدول العربية.

وختم الراشد بالقول إن الاكتفاء بوصف ما حدث بأنه أخطاء قد يوحي، حتى من دون قصد، بأن الدول العربية التي تعرضت للهجمات كانت هامشية في الصراع.


مجتبى خامنئي مرشدا أعلى جديدا لإيران خلفا لوالده
أعلنت وسائل إعلام رسمية إيرانية، الأحد، تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، خلفا لوالده علي خامنئي الذي قُتل في الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على طهران السبت 28 فبراير/شباط الماضي.

ويُعدّ مجتبى خامنئي، المولود عام 1969، الابن الثاني للمرشد الراحل، وأحد أكثر الشخصيات نفوذا داخل الدوائر الضيقة المحيطة بمركز القرار في بيت خامنئي.

وقد تَشكَّل وعيه السياسي خلال أحداث ثورة 1979، ثم رافق صعود والده إلى منصب رئيس الجمهورية عام 1981، قبل أن يصبح الأخير مرشدا أعلى عام 1989.

وجاء إعلان تولي مجتبى المنصب بعد مداولات ونقاشات واسعة جاءت بعد الهجوم الذي شنّته إسرائيل والولايات المتحدة فجر السبت 28 فبراير/شباط 2026، وأطلقت عليه تل أبيب اسم “زئير الأسد” في حين سمّته واشنطن “الغضب الملحمي”، وأسفر عن مقتل المرشد علي خامنئي وزوجة نجله مجتبى “زهراء حداد عادل”، ابنة رئيس البرلمان الإيراني الأسبق غلام علي حداد عادل.

وخلال السنوات الأخيرة، ظهر مجتبى خامنئي في عدد من المناسبات العامة إلى جانب شخصيات بارزة من التيار المعتدل، من بينها الرئيس الأسبق حسن روحاني، والأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، ووزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف. كما تردد اسمه مرارا في الأوساط السياسية باعتباره مرشحا محتملا لخلافة والده.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد أعلن سابقا معارضته لتولي مجتبى المنصب، قائلا في مقابلة مع موقع “أكسيوس” إن “النتيجة غير مقبولة”، وقال “إنهم يضيعون وقتهم لأن ابن خامنئي شخصية ضعيفة”، قبل أن يؤكد “يجب أن أكون مشاركا في هذا التعيين، تماما كما حدث مع ديلسي رودريغيز في فنزويلا”.


هل تخشى إيران على مرشدها الجديد من مصير صفي الدين؟/ عيسى النهاري
08 أذار 2026
تدل مؤشرات عدة إلى أن طهران ربما حسمت بالفعل هوية المرشد، لكنها تتجنب الإعلان عنه. ويُعتقد أن هذا التكتم يعود إلى خشية القيادة الإيرانية من أن يصبح المرشد الجديد هدفاً سريعاً للاغتيال

بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في الأول من مارس (آذار) إن بلاده ستختار مرشداً جديداً خلال يومين، لكن إيران تدخل اليوم أسبوعها الثاني من الحرب بلا مرشد.

تدل مؤشرات عدة إلى أن طهران ربما حسمت بالفعل هوية المرشد، لكنها تتجنب الإعلان عنه. ويُعتقد أن هذا التكتم يعود إلى خشية القيادة الإيرانية من أن يصبح المرشد الجديد هدفاً سريعاً للاغتيال، كما حدث مع هاشم صفي الدين، زعيم “حزب الله”، الذي قُتل بعد أيام من خلافته حسن نصر الله.

وعلى رغم من أن إيران استعدت مسبقاً للاستراتيجية الأميركية الإسرائيلية القائمة على “قطع الرؤوس”، عبر تجهيز الصف القيادي الثاني، فإن الإعلان عن هوية المرشد الجديد يظل مسألة حساسة، فاستهدافه قد يشكل ضربة معنوية قاسية للنظام، ويزيد حالة الارتباك داخل مؤسسات الحكم، وهو سيناريو لا يبدو أن طهران مستعدة لتحمله بعد اغتيال خامنئي.
تهديدات باغتيال المرشد المقبل

المؤشر الأهم على حسم الملف هو أن مجلس خبراء القيادة المعني باختيار المرشد اجتمع بالفعل يوم الثلاثاء الثالث من مارس (آذار) الجاري، لكن الجلسة تعطلت بعد استهداف المبنى الذي كانت تُدار منه أعمال الاجتماع عبر الإنترنت. وبحسب تقارير إعلامية، أُبلغ أعضاء المجلس بعد ساعات بأن مجتبى خامنئي، اختير مرشداً بالأغلبية، وهو ما أثار اعتراضات بعض الأعضاء.

في الرابع من مارس الجاري قال عضو مجلس خبراء القيادة أحمد خاتمي، إن المجلس “اقترب من اختيار القائد الجديد”، ونشرت وسائل إعلام محلية تقارير تفيد بحسم هوية المرشد، من دون أن يصدر إعلان رسمي.

وفي حين أشارت تقارير إلى احتمال إعلان القرار النهائي خلال اجتماع مجلس خبراء القيادة الخميس الماضي، وهو ما لم يحدث، فإن حديث وزير الخارجية عن إعلان اسم المرشد خلال يومين تعزز فرضية أن القرار اتُّخذ بالفعل، لكن الإعلان عنه أُجِّل لأسباب أمنية.

بالتوازي، أعلنت إسرائيل أن أي مرشد جديد سيكون هدفاً للإزالة، وكتب وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس على منصة “إكس” “أي قائد يعيّنه النظام الإيراني لمواصلة وقيادة خطة تدمير إسرائيل، وتهديد الولايات المتحدة والعالم الحر ودول المنطقة، وقمع الشعب الإيراني سيكون هدفاً للتصفية”.

وبعد اجتماع مجلس الخبراء، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن مجتبى خامنئي يبدو المرشح الأوفر حظاً لخلافة والده، واصفاً إياه بأنه “شخصية غير مقبولة”، وهو ما عزز التكهنات بأن اختياره قد حُسم بالفعل.
دعوات لتسريع اتخاذ القرار

وعلى رغم أن الدستور الإيراني يمنح مجلس الخبراء مهلة تصل إلى ثلاثة أشهر لاختيار المرشد، بدأت أصوات دينية بارزة تدعو إلى تسريع العملية، في إشارة إلى عدم ارتياح بعض الدوائر لقيادة البلاد عبر المجلس الثلاثي الموقت.

وقال المرجع الديني ناصر مكارم الشيرازي، إنه من الضروري تعيين مرشد أعلى جديد “للمساعدة في تنظيم شؤون البلاد على نحو أفضل”. وحث المرجع حسين نوري الهمداني أعضاء مجلس الخبراء على الإسراع في اختيار خليفة لخامنئي.

لكن مسار اختيار المرشد لا يخلو من خلافات داخلية. فقد نقلت وكالة “رويترز” عن مصدرين مطلعين أن دوائر داخل المؤسسة الحاكمة ترى في مجتبى خامنئي خليفة لوالده، مستنداً إلى علاقته الوثيقة بالحرس الثوري.

غير أن مصادر من مكاتب أعضاء مجلس الخبراء أفادت لقناة “إيران إنترناشيونال” بأن ما لا يقل عن ثمانية أعضاء قاطعوا جلسة الخميس، احتجاجاً على ضغوط يمارسها الحرس الثوري لدعم اختيار مجتبى.

وتتركز اعتراضات البعض حول ما قد يثيره اختيار مجتبى خامنئي من “شبهة توريث القيادة”، في حين يشكك آخرون في امتلاكه الشرعية الدينية الكافية.

وحذر بعض المعارضين من أنهم قد يعتبرون عملية الانتخاب غير شرعية إذا استمر الدفع نحو اختيار نجل خامنئي، وهو ما قد يزيد الانقسام داخل النخبة الحاكمة ويعمق أزمة شرعية النظام.

وفي السياق نفسه، أفادت تقارير بأن قادة في الحرس الثوري أجروا سلسلة زيارات واتصالات مع أعضاء مجلس خبراء القيادة في مدن مختلفة، في محاولة لحشد الدعم للتصويت لمصلحة مجتبى خامنئي.

وتُعد هذه المرة الثانية فقط منذ ثورة عام 1979 التي يجري فيها اختيار مرشد جديد لإيران، سيكون له الكلمة الفصل في جميع القرارات الكبرى، بما في ذلك قضايا الحرب والسلم والبرنامج النووي محل الخلاف.

وفي الأثناء، يتولى مجلس حكم موقت إدارة البلاد خلال أكبر أزماتها منذ عقود، ويضم الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، ورجل الدين البارز علي رضا أعرافي.

“اندبندنت عربية”


الخليج في قلب المواجهة: بين الاستهداف الإيراني وتدويل المعادلة الدفاعية عن أمنه وطاقته/ رلى موفّق
تدخل عملية «الغضب الملحمي» و«زئير الأسد» أسبوعها الثاني، وهي العملية العسكرية المشتركة التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران بدءاً من صباح 28 شباط/ فبراير الماضي، واستهدفت في ضرباتها الافتتاحية المرشد الأعلى علي خامنئي وقيادات رفيعة عسكرية في النظام الإيراني. ردت طهران باستهداف 12 دولة بالصواريخ أو المُسيَّرات، وفي مقدمها دول الخليج العربي، ولا سيما الكويت والإمارات وقطر والبحرين، والسعودية، وبنسبة أقل سلطنة عمان، تحت عنوان استهداف القواعد الأمريكية. تعمل دول الخليج العربي بمنظوماتها الدفاعية على التصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية التي وصل عددها حتى صباح 6 آذار/مارس إلى 620 باليستيّ/جوال و1840 مُسيَّرة وطال بعضها منشآت مدنية.
حاذرت دول الخليج الانخراط في خطة الرئيس الأمريكي وحليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي شن حرب على إيران، حتى إنها أعلنت أنها لن تسمح باستخدام أراضيها كمنصات للعمليات العسكرية، وسعت إلى العمل بقوة لخفض التصعيد قبل انفجاره، لكن ذلك لم يجنبها «التوريط» في الصراع.
تجاهل ترامب تحذيراتهم بأن الحرب ستكون ذات عواقب مدمّرة على المنطقة بأكملها.
تستهدف إيران دول الخليج لتحقيق سلسلة من الأهداف في سياق حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل: إيصال رسالة مفادها أن أي مواجهة شاملة مع إيران لن تبقى محصورة جغرافياً داخل حدودها، بل ستطال شبكة المصالح والقواعد المرتبطة بخصومها في المنطقة؛ توسيع كلفة الحرب بنقل جزء منها إلى الفضاء الإقليمي، وتحميل واشنطن تكاليف اقتصادية وأمنية إضافية عبر تعطيل الحركة في الخليج من ممرات وموانئ ومنشآت الطاقة، وتعطيل مضيق هرمز لإغلاق 20% من النفط العالمي؛ الضغط على حلفاء أمريكا بتحويلهم «رهينة» للمواجهة، بما يجبرهم على ممارسة الضغط على واشنطن لوقف الحرب التي قد تفضي إلى انهيار النظام؛ الاستنزاف الاقتصادي وجعل الخليج يدخل إلى «المنطقة المضطربة».
ثمة قلق حقيقي من نفاد سريع لمخزون الدول المستهدفة من الصواريخ الاعتراضية، خصوصاً إذا طالت المواجهة وتحولت إلى حرب استنزاف. أظهرت الحرب الدائرة عدم وجود خطة أمريكية لحماية دول الخليج. ويرى محللون أن واشنطن وضعت في حساباتها بأن القوات الأمريكية وإسرائيل ستكون الأهداف الرئيسية للانتقام الإيراني، وأن الأمريكيين لم يتوقعوا أن يكون هناك هذا المستوى من التعرّض للخليج.
قبل أيام، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية أن الولايات المتحدة وحلفاءها في الشرق الأوسط طلبوا المساعدة من أوروبا، وحتى من أوكرانيا التي تمتلك خبرة في مواجهة طائرات «شاهد» الإيرانية، التي أطلقتها روسيا باتجاهها منذ بدء الحرب قبل أكثر من أربع سنوات. قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنهم سيقدمون المساعدة طالما لا يضعف ذلك دفاعات بلاده الخاصة.
وبحسب مسؤول أمريكي مطلّع على الوضع الأمني الأمريكي في منطقة الخليج، فإن الولايات المتحدة لا تملك قدرات واسعة النطاق عبر منطقة الخليج لمواجهة فعالة لموجات الطائرات المسيرة المفخخة ذات الاتجاه الواحد التي تأتي إلى أماكن خارج الأهداف التقليدية أو القواعد الأمريكية خارج العراق وسوريا.
دول أوروبية رئيسية بدأت تنخرط بدرجات متفاوتة في دعم البنية الدفاعية لدول الخليج، في حين أعلنت دول أخرى نيتها تقديم مساعدات عسكرية أو لوجستية في إطار أوسع لحماية الاستقرار الإقليمي: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعلن أن بلاده ستعزز حضورها العسكري في المنطقة عبر إرسال تعزيزات عسكرية وإمكانات دفاعية إضافية، ولا سيما وسائل الدفاع الجوي والبحري، وذلك بهدف حماية القوات الفرنسية ومصالحها الاستراتيجية وضمان أمن شركائها الإقليميين، استناداً إلى الالتزامات الدفاعية لفرنسا بعدد من دول الخليج، في إشارة إلى الاتفاقيات الأمنية والتعاون العسكري القائم مع الكويت والإمارات وقطر، والتعاون الدفاعي المتنامي مع قبرص في شرق البحر المتوسط؛ رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أعربت عن نيتها إرسال مساعدات دفاع جوي ومنظومات مضادة للصواريخ إلى دول الخليج؛ بريطانيا اتخذت بالفعل خطوات عملية لتعزيز حضورها العسكري في المنطقة، حيث أرسلت مقاتلات «تايفون» إضافية إلى قطر، ونشرت مروحيات مضادة للطائرات المسيّرة في قبرص، إضافة إلى نشر مدمرة بحرية في البحر المتوسط؛ ألمانيا لم تعلن عن نشر قوات عسكرية مباشرة حتى الآن، لكنها أشارت إلى استعدادها لتقديم دعم دفاعي أو لوجستي لدول الخليج في ظل الهجمات الإيرانية، مع إقرار المسؤولين الألمان بوجود تحدٍ يتمثل في ضرورة الموازنة بين دعم الخليج واستمرار المساعدة العسكرية لأوكرانيا، ولا سيما في ظل النقص النسبي في منظومات الدفاع الجوي المتوافرة أوروبياً.
وليس التحرُّك الأوروبي في شقه المتعلق بحماية دول الخليج مجرد تعبير عن تضامن سياسي مع الحلفاء، بل يعكس إدراكاً متزايداً في العواصم الأوروبية بأن أمن الخليج أصبح جزءاً مباشراً من الأمن الاستراتيجي الأوروبي. فالقارة الأوروبية تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار طرق الطاقة القادمة من الخليج، سواء في إمدادات النفط أو الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً بعد تراجع الاعتماد على الطاقة الروسية في أعقاب الحرب في أوكرانيا. من هنا، فإن أي تصعيد عسكري يهدد البنية التحتية النفطية أو الملاحة في الخليج لا يعني اضطراباً إقليمياً فحسب، بل قد يفضي إلى صدمة طاقة جديدة تضرب الاقتصاد الأوروبي في مرحلة لا يزال فيها يتعافى من أزمات متلاحقة. ويأتي في هذا السياق، السعي الفرنسي دبلوماسياً لتشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة والبنية الاقتصادية في المنطقة.
وتحمل الخطوة الأوروبية، عدا عن البعد الدفاعي، رسالة ردع سياسية واضحة إلى طهران، مفادها أن أي محاولة لتوسيع نطاق الحرب باتجاه الخليج ستواجه شبكة دفاع متعددة الجنسيات. إنها أقرب إلى بداية تدويل حماية المجال الدفاعي في الخليج، حيث لم يعد الأمن الصاروخي في المنطقة شأناً أمريكياً فقط، بل أصبح جزءاً من شبكة دفاع غربية أوسع في مواجهة توسّع الحرب مع إيران، ومحاولة استباقية لاحتواء الحرب ضمن حدودها الحالية ومنع تحول الخليج إلى ساحة مواجهة مفتوحة قد تعيد تشكيل ميزان الاستقرار الاقتصادي العالمي بأكمله.
ومن هذا المنظور، لا يعني إرسال منظومات دفاع جوي أوروبية إضافية إلى الخليج بالضرورة التحضير لحرب واسعة، بقدر ما يعكس محاولة لتعزيز الدفاعات ورفع كلفة أي تصعيد إيراني محتمل ضد دول المنطقة، ولا سيما بعدما بدأ الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل يأخذ طابعاً إقليمياً أوسع، حيث تتحوَّل دول الخليج إلى ساحة حسَّاسة في معادلة الردع، حتى وإن لم تكن طرفاً مباشراً في هذه الحرب.
حتى الآن تدير دول الخليج بكثير من الحكمة والحسابات الدقيقة والمصلحة الخليجية تداعيات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وما يصيبها منها. تحاول قنوات دبلوماسية خلفية العمل مع إيران لعدم استهداف الخليج وتوحي الأخيرة أن هدفها القواعد الأمريكية لا دول الجوار العربي، لكنها تواصل قصفها. تعتمد دول الخليج مساراً دفاعياً من دون الانزلاق إلى المسار الهجومي الذي ترغب به واشنطن. فوفق مراقبين، يعتري دوائر القرار الأمريكية الكثير من الحيرة بفعل عدم تبيان الدول الخليجية المُستهدفة أي رغبةً في شنّ هجوم مضادٍّ بإطلاق صواريخ على أهداف إيرانيّة، وبالتالي الانخراط الكامل في الصراع الكبير الدائر في المنطقة. لكن السؤال المقلق يكمن في ما إذا كانت ستتحمَّل عِبْءَ ما سيحدث أيّاً كان!.
القدس العربي


أي تغيير ينتظر إيران؟/ عبد الباسط سيدا
العلاقة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي أعلن عنها الخميني في 1 نيسان/أبريل 1979 والغرب هي علاقة إشكالية معقدة منذ اليوم الأول لتأسيسها. فبعد أن تخلت الولايات المتحدة عن حليفها الشاه الذي اضطر للخروج من إيران في 16 كانون الثاني/يناير 1979 ليبحث عن ملاذ آمن، ويمهّد الطريق أمام عودة الخميني الذي كان يعيش في باريس؛ وهي عودة لم تكن بعيدة عن موافقة ضمنية غربية؛ تراوحت تلك العلاقة بين العدائية التي تجسّدت في لقب الشيطان الأكبر الذي أطلقه الخميني على الولايات المتحدة، وإقدام نشطاء النظام الإسلامي في ذلك الحين على احتجاز الأمريكان في السفارة الأمريكية في طهران عام 1979، والهجوم على الجنود الأمريكان والفرنسيين عبر حزب الله في لبنان عام 1983؛ وبين التعاون والتخادم كما حصل في قضية إيران كونترا عام 1985، وإسقاط نظام طالبان في أفغانستان عام 2001، وكذلك نظام صدام حسين في العراق عام 2003؛ واعتماد سياسة غض النظر عن جهود النظام الإيراني التخريبية المباشرة أو عبر أذرعه، في مجتمعات ودول المنطقة (سوريا، العراق، لبنان، فلسطين، اليمن، دول الخليج). بل وصل الأمر بالرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما إلى حد تفضيل «الإرهاب الشيعي المنضبط» على «الإرهاب السياسي المنفلت»، وعقد صفقة النووي مع النظام الإيراني عام 2015، ومكّنه من الوصول إلى مليارات الدولارات التي كانت قد جمدت بناء على العقوبات الأمريكية. كما تجاهل أوباما خطط ومساعي قاسم سليماني الذي أدخل ميليشيات حزب الله والميليشيات العراقية والأفغانية والباكستانية إلى سوريا لدعم بشار الأسد في حربه على السوريين الثائرين على استبداد سلطته وفسادها.
ورغم الحملات الإعلامية الصاخبة بين نظام ولي الفقيه والولايات المتحدة في عهد ترامب الأول ومن بعده عهد بايدن، وإقدام الأول، رغم الامتعاض الأوروبي، على إلغاء الاتفاق النووي؛ ورغم الوعود الغربية بدعم الاحتجاجات الشعبية الإيرانية في مواجهة النظام، إلا أن كل ذلك لم يخرج عن نطاق الوعود الشكلية التي لم تتحول يوما إلى خطوات عملية ملموسة على الأرض.
ولكن الأمور تغيرت بصورة لافتة بعد عملية حماس والفصائل المتحالفة معها في السابع من تشرين الأول/اكتوبر 2023 وهي العملية التي استهدفت المستوطنات وقطعات الجيش الإسرائيلي في المناطق المحاذية لقطاع غزة. إذ كان التوجه بناء على التوافقات الأمريكية الإسرائيلية هو إضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة؛ وكان ذلك على الأكثر في أجواء التنافس الشديد بين القوى العالمية الكبرى على مكامن الموارد والأسواق التجارية، والتحكّم بالممرات وطرق المواصلات الاستراتيجية، والرغبة في إعادة صياغة المعادلات الإقليمية في ضوء ذاك التنافس، وتعطيل الجهود الإيرانية المتواصلة المتصاعدة في ميدان السعي من أجل امتلاك القنبلة النووية. فكل هذه العوامل دفعت بالأمريكان والإسرائيليين إلى تجاوز استرتيجية التعايش والتخادم مع النظام الإيراني، وكانت الخطوة الأولى في هذا المجال هو التوجه نحو القضاء على أذرع النظام الإيراني في دول الإقليم.
وكان التصادم الإسرائيلي الإيراني المباشر الذي عُرف بحرب 12 يوماً، والدخول الأمريكي على الخط، وإعلان ترامب بأنه قد حقق جميع الأهداف، خاصة من جهة تدمير إمكانيات إيران النووية، هذا رغم تشكيك الجميع في حقيقة ما أعلن عنه.
وفي أجواء الانسدادات التي واجهتها الجهود الساعية للتوصل إلى صيغة من السلام بين روسيا وأوكرانيا، وبرودة العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، وتوجّه قسم من الأوروبيين نحو الصين لتلافي آثار ما اعتبروه حرباً تجارية أمريكية عليهم؛ فوجئ العالم بدق طبول الحرب مجدداً من جانب إدارة ترامب وبتناغم واضح مع حكومة نتنياهو. ورغم الجهود التي بذلت دوليا وإقليمياً لبلوغ توافقات تُبعد شبح الحرب عن المنطقة، وهي جهود أسهمت فيها دول مجلس التعاون الخليجي، بقسط كبير من المساعي الإيجابية؛ اُتخذ قرار الحرب، وتبيّن للجميع أن جولة المفاوضات الأخيرة بين الجانبين الأمريكي والإيراني التي عقدت في جنيف بوساطة عُمانية، لم تكن سوى خطة تمويهية للتغطية على ما كان يجري على أرض الواقع.
وكانت الضربة الأولى التي قضت على معظم القيادات الإيرانية الفعلية وفي مقدمتها المرشد. وكانت الحرب المفتوحة المستمرة منذ أسبوع، وليس من المعلوم متى ستنتهي.
ولكن الأمر الذي يثير الانتباه في هذه الحرب هو أنه لأول مرة يتم الحديث حول الرغبة في تغيير النظام الإيراني، ويتم الإفصاح عن الرغبة في رؤية حكومة جديدة تكون على استعداد للتفاهم مع الولايات المتحدة؛ ويبدو أن هناك خطوات ملموسة في هذا المجال. وهذا ما يُستشف من أحاديث ترامب حول البدائل، والإعلان عن اتصال هاتفي جرى بينه وبين مصطفى هجري زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يعد أقدم وأكبر حزب بين الأحزاب الكردية في إيران؛ وهو الحزب الذي أسسه قاضي محمد عام 1945 رئيس أول جمهورية ذات حكم ذاتي في التاريخ الكردي المعاصر (1946)، وترأسه لاحقاً الدكتور عبدالرحمن قاسلمو الذي اغتالته المخابرات الإيرانية في جلسة المفاوضات بينه وبين النظام الإيراني في فيينا عام 1989، كما اغتالت خلفه الدكتور صادق شرف كندي مع إثنين من رفاقه في برلين عام 1992، وتولى زعامة الحزب منذ ذلك التاريخ مصطفى هجري. ولهذا لم يكن من قبيل الصدفة اختياره من جانب الاستخبارات الأمريكية ليتحدث معه ترامب. وهو الأمر الذي أثار الكثير من التكهنات بخصوص قرب الهجوم البري في إيران، هجوم تتشكّل نواته من قوات البيشمركه التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني وبقية الأحزاب الكردية الإيرانية في مختلف مناطق كردستان إيران.
ما الذي ينتظر إيران؟ وما هي السيناريوهات المحتملة لمآلات الحرب الجارية حالياً على الأرض الإيرانية، وامتداداتها في الإقليم وانعكاساتها على مجتمعات ودول المنطقة (دول الخليج والعراق ولبنان وحتى تركيا وربما أبعد)؟
هل ستكون هناك وساطة دولية لإيقاف الحرب وفق شروط أمريكية إسرائيلية لن تتجاوز حدود إعطاء ضمانات تؤكد تخلي النظام الإيراني بتركيبته الحالية عن مشروعه النووي، ووضع ضوابط على مشروعه الصاروخي، وتحويل أذرعه إلى قوى سياسية تمارس نشاطها بعيداً عن الأوامر الإيرانية والسلاح الذي من المفروض أن يكون حكراً على الدولة؟
أم ستستمر الهجمات على النظام الإيراني حتى تحدث تحولات داخلية ضمن بنيته الداخلية، وتصبح الطريق معبدة أمام تشكيلة معدلة في منظومة الحكم، تكون أكثر استعداداً للتفاهم مع الولايات المتحدة والدول الغربية، ومستعدة لعلاقات غير عدوانية وأكثر انفتاحية مع محيطها الإقليمي؟
وهناك احتمال ثالث، ينسجم أكثر مع تطلعات الشعوب الإيرانية، يتمثل في إسقاط النظام الحالي بكامل أركانه ومنظومته الإيديولوجية، ليحل محله نظام سياسي آخر، يعبّر بصورة أفضل عن إرادة سائر المكونات المجتمعية والتوجهات السياسية والجهات المناطقية الإيرانية. ولكن هذا الاحتمال يستوجب توافق قوى المعارضة الإيرانية بأجنحتها وانتماءاتها المختلفة، وهذا ليس بالأمر السهل راهناً. كما أنه يحتاج إلى توافق حسابات القوى الإقليمية والدولية المعنية بالملف الإيراني، وهذا التوافق هو الآخر ليس في دائرة اليسير حالياً، بل متشابك مع أولويات القوى العالمية المتنافسة حول الريادة التكنولوجية بجوانبها المدنية السلمية والعسكرية؛ إلى جانب التنافس حول القيادة الاقتصادية والسياسية ومناطق النفوذ في مختلف أنحاء العالم.
ويبقى الاحتمال الرابع الأصعب، وهو احتمال انهيار إيران ككيان سياسي موحد، كما حدث مع يوغوسلافيا في بداية تسعينات القرن المنصرم، وذلك نتيجة تفاقم الأزمة الاقتصادية، وتصاعد النزعات القومية والدينية، وتراجع تأثير القوى التي كانت تبقي على وحدة يوغوسلافيا بفعل نزعاتها القومية المتشددة وتوجهاتهم السلطوية. وهكذا قُسمت يوغوسلافيا إلى جملة دول رغم اعتراض الكثير من دول الجوار والقوى الدولية خاصة روسيا. وكان هذا التقسيم سابقة أكدت أن الحدود ليست مقدسة في حال تعارضها مع تطلعات الشعوب وضرورات المحافظة على الأمن والاستقرار في هذه المنطقة أو تلك، خاصة إذا كانت منطقة حيوية بالنسبة للجوار الإقليمي والمحيط الدولي كما هو الحال بالنسبة إلى إيران.
من المتعذر حاليا في خضم الهجمات الجوية والصاروخية العنيفة المتبادلة بين الأمريكان والإسرائيليين من جهة والإيرانيين من جهة أخرى، ترجيح كفة هذا الاحتمال أو ذاك، لأن ما يجري أقرب إلى التصفيات الإيديولوجية العقائدية؛ تصفيات تتحكّم بها أمزجة شخصية لا تلتزم بالمعايير والمواثيق الدولية التي شكّلت نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي أمزجة يحاول أصحابها أن يفرضوا آراءهم على الجميع، وإلزامهم بقبول ما هو مفروض.
بقي أن نقول: من الواضح أن النظام الدولي قد دخل مرحلة جديدة لم تتضح ملامحها بعد، ولكنها مرحلة ستتجلى تبعاتها من خلال تبدل المعايير وقواعد التعامل، وطبيعة التحالفات والاصطفافات، وحدوث تحوّلات نوعية في الجغرافيا السياسية للدول والبنى السكانية في المجتمعات (نتيجة الحروب الداخلية ومتغيرات البيئة والسياسات الجديدة في ميدان الهجرة).
*كاتب وأكاديمي سوري
القدس العربي


«القدس العربي» تستطلع آراء خبراء حول تأثير الحرب على سوريا
جانبلات شكاي
5 – مارس – 2026
اعتبر سياسيون وباحثون اقتصاديون في تصريحات لـ« القدس العربي» أن أفضل الأولوية في سوريا في ظل الحرب الدائرة في المنطقة لتثبيت الاستقرار الداخلي وبناء شبكة علاقات عربية وإقليمية توفر مظلة حماية للبلاد، محذرين في الوقت ذاته من مخاطر دخول إيران مرحلة اضطراب سياسي أو تفكك جزئي، ما سيطلق موجة نقاشات قومية وإثنية قد تنعكس على المزاج الكردي في المنطقة بما في ذلك شمال شرق سوريا.
وفي تصريح خاص لـ«القدس العربي» اعتبر السياسي السوري عبيدة نحاس، أن الحديث عن انعكاسات الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة منذ سقوط النظام البائد في سوريا، فهذه الحرب تأتي بعدما خرجت سوريا بشكل كامل ونهائي من موقع الدولة التابعة لمحور إقليمي، كانت تقوده إيران، إلى موقع الدولة التي تعيد بناء تحالفاتها الإقليمية بشكل متوازن، وتتلمس طريقها من جديد لترميم مصالحها الوطنية.
ورأى أن تأثير هذه الحرب على الداخل السوري مرتبط بمدى قدرة الحكم الجديد على تثبيت منطق الدولة الواحدة، ومعالجة ملف العلاقة مع «قوات سوريا الديمقراطية – قسد» ضمن إطار وطني سوري، مطالباً، بضرورة فصل هذا الملف واقعياً وعملياً عن كونه امتداداً للصراعات الإقليمية، حتى لو حاولت بعض الأوساط أن تصطاد في الماء العكر وتستغل أي اضطراب في إيران للتأثير على المزاج السياسي بين النخب الكردية في المنطقة، وقال إن التجربة السورية يجب أن تحافظ على تفردها، وأن تستمر في المضي قدماً لتكريس صيغة المواطنة الكاملة المتساوية التي لا رجعة عنها بعد المرسوم 13 الذي يتحدث عن الحقوق الكردية، وهذا يحفظ وحدة البلاد. وفيما يتعلق بالسويداء والتهديدات الإسرائيلية، أوضح نحاس أنه ليس سراً أن إسرائيل تحاول دائماً استثمار لحظات التحول الإقليمي لإعادة رسم خطوط ردع جديدة، والرسائل الإسرائيلية لا تتعلق بسوريا وحدها، بل أيضاً بمحاولة ضبط توازنات ما بعد تراجع النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن أفضل رد سوري ليس الدخول في مغامرات عسكرية، بل تثبيت الاستقرار الداخلي بالحوار، وتعزيز الشرعية الوطنية، وبناء شبكة علاقات عربية وإقليمية قادرة على توفير مظلة سياسية واقتصادية وأمنية لسوريا.
ورأى أن هذه الحرب قد تفتح نافذة جديدة أمام سوريا لإعادة التموضع، فخروجها من محور الاستقطاب القديم، يتيح لها بناء علاقات أكثر توازناً مع الأشقاء العرب، ولا سيما السعودية، ومع تركيا وبقية الفاعلين الإقليميين، والتحدي الحقيقي ليس في كيفية التموضع في صراع الآخرين، بل في كيفية تحويل لحظة التحول الإقليمي إلى فرصة لإعادة بناء الدولة السورية على أساس الاستقرار والشراكات الإقليمية المتوازنة.

الواقعية السياسية

الأكاديمي والباحث في الشؤون السياسية، وائل مرزا، بيّن أن تأثيرات الحرب الدائرة في منطقتنا على سوريا، يمكن قراءتها ضمن مستويين متداخلين: داخلي وإقليمي، موضحاً أن ما يميز اللحظة الحالية أن سوريا تقف في موقع مختلف عمّا كانت عليه خلال العقود الماضية، فهي ليست جزءاً من البنية العسكرية والسياسية لما كان يُعرف بمحور المقاومة، وفي الوقت نفسه لم تستكمل بعد إعادة تموضعها الكامل داخل المنظومة العربية والإقليمية الجديدة.
وفي تصريحه لـ «القدس العربي» رأى أن أول سيناريو محتمل يتعلق بطبيعة التحولات التي قد تطرأ على التوازنات الإقليمية في حال ضعف إيران أو تعرض بنيتها الداخلية لاهتزازات عميقة.
وقال: إذا دخلت إيران مرحلة اضطراب سياسي أو تفكك جزئي، فإن ذلك قد يطلق موجة نقاشات قومية وإثنية داخلها، خصوصاً في المناطق الكردية، وفي مثل هذا السياق، قد تظهر دعوات كردية في إيران لتجارب حكم ذاتي أو فيدرالية، وهو أمر قد ينعكس معنوياً وسياسياً على المزاج الكردي في المنطقة ككل، بما في ذلك شمال شرق سوريا.
وزاد: من المهم التمييز بين الأثر النفسي أو الرمزي وبين الواقع السياسي، فالتجربة السورية مختلفة في بنيتها الديمغرافية والجغرافية والسياسية، عن الحالتين العراقية والإيرانية، وبالتالي، فإن مستقبل العلاقة بين الدولة السورية و«قسد» سيبقى محكوماً في الغالب بعوامل داخلية تتعلق بإعادة بناء الدولة السورية ومؤسساتها، وبالقدرة على إيجاد صيغة سياسية وإدارية متوازنة تجمع بين وحدة الدولة وقدر معقول من اللامركزية الإدارية والتنموية، وفي هذا الإطار، قد تدفع التطورات الإقليمية جميع الأطراف السورية إلى مزيد من الواقعية السياسية، لأن أي فراغ إقليمي واسع يزيد من الحاجة إلى تفاهمات داخلية مستقرة.
وفيما يتعلق والجنوب السوري، وتحديداً في السويداء، اعتبر أن استمرار الحرب الإقليمية قد يزيد من حساسية الوضع هناك بسبب التهديدات الإسرائيلية المتكررة، مشيراً إلى أن إسرائيل، ورغم خطابها التصعيدي، تبقى حريصة تاريخياً على تجنب انزلاق شامل في الجنوب السوري، ما لم يتصل ذلك مباشرة بتهديدات أمنية كبرى، مرجحاً استمرار سياسة الضغط المحدود والرسائل العسكرية، أكثر من الدخول في سيناريو تصعيد واسع داخل الأراضي السورية.

وأكد مرزا أن التغير الأهم في موقع سوريا اليوم هو أنها تتحرك تدريجياً خارج الاصطفاف القديم الذي كان يربطها عضوياً بالمحور الإيراني. وقال: هذا لا يعني بالضرورة انتقال سوريا إلى محور مقابل، وإنما يشير إلى محاولة بناء موقع أكثر توازناً يسمح لها بإعادة نسج علاقاتها مع العالم العربي ومع قوى إقليمية مختلفة في آن واحد.
ووفق مرزا، في حال استمرت الحرب الحالية أو أدت إلى إضعاف كبير لإيران، فإن ذلك قد يفتح المجال أمام تعزيز الحضور العربي في الملف السوري، سواء سياسياً أو اقتصادياً أو في إطار إعادة الإعمار والاستقرار، والدول العربية الكبرى تبدو اليوم أكثر اهتماماً بمنع تحوّل سوريا إلى ساحة فراغ جيوسياسي يمكن أن تستغله قوى غير عربية. وتابع: من المرجح أن تدفع هذه الحرب دول المنطقة إلى البحث عن معادلات توازن جديدة تقلل من احتمالات الحروب المفتوحة، وفي هذا السياق، يُرجّح أن تصبح سوريا جزءاً من ترتيبات إقليمية أوسع تهدف إلى إعادة الاستقرار إلى المشرق، خاصة إذا نجحت في تثبيت موقعها كدولة تسعى إلى الانفتاح العربي والإقليمي بدل الانخراط في محاور صدامية.
وخلص للاستنتاج بأن تأثير الحرب على سوريا لن يكون مباشراً بقدر ما سيكون غير مباشر، عبر إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
وقال إنه وكلما استطاعت الدولة السورية تعزيز تماسكها الداخلي وبناء علاقات متوازنة مع محيطها العربي والإقليمي، كلما تحولت هذه التحولات من مصدر تهديد إلى فرصة لإعادة التموضع والاستقرار، فالدول التي تخرج من الحروب الكبرى لا يحدد مصيرها فقط ما يجري حولها، وإنما قدرتها على قراءة تلك التحولات ببراغماتية وذكاء سياسي.

ثلاثة سيناريوهات

أما الأكاديمي والباحث الاقتصادي زياد أيوب عربش فقد اعتبر أن تأثيرات الحرب التي اندلعت في المنطقة مع بداية الأسبوع على سوريا ستشمل ثلاثة سيناريوهات رئيسية: الأول يتمثل بتصعيد محدود يرتبط باستمرار الحرب لأسابيع، والثاني بتصعيد متوسط مع استمرار الحرب لشهور، والثالث بتصعيد طويل إذا ما امتدت المواجهة لسنوات، مع الأخذ بعين الاعتبار بمنعكسات اقتصادية متراكمة ستؤثر على الاقتصاد السوري الهش الانتقالي.
ورأى في تصريحه لـ«القدس العربي» أنه وفي حال سيناريو التصعيد المحدود ومن ثم التهدئة فإن التأثير سيقتصر على ارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق 85 دولارا للبرميل مؤقتاً، مع تعطل جزئي للشحن وتأثر سلاسل الاستيراد بإغلاقات متفرقه، مما يؤخر وصول المواد الأساسية.
أما في سيناريو التصعيد المتوسط والذي سيكون عبر إغلاق مضيق هرمز أو باب المندب جزئياً، فبيّن عربش أنه من المحتمل أن يرتفع سعر برميل النفط إلى 100 دولار، ومع استمرار إغلاق مطار دمشق الدولي مع إغلاق الأجواء، فإن ذلك سيعطل جوهريا حركة الشحن الجوي ونقل الركاب، ويفاقم نقص الوقود المحلي، ويهدد الصناعات والزراعة بارتفاع تكاليف بنسب تتراوح بين 20-30٪ لكل سلعة.
وفي سيناريو التصعيد الطويل وامتداد الحرب، قال إن ذلك يعني توقفاً كلياً للتجارة البحرية، وقد يتجاوز هنا سعر صرف الدولار 13 ألف ليرة، مع تضخم بأسعار الغذاء بنسبة 40٪ بسبب تخوف المواطنين والاحتكار، كما ستتوقف الاستثمارات الخليجية المتوقعة والمرتقبة.
وبين أنه ومع إغلاق المعابر وتعطل الشحن البري/الجوي، سيتأخر وصول المواد الأولية، مما سيهدد الإنتاج المحلي ويزيد الاعتماد على الاحتياطيات المحدودة، مشيراً إلى أن قصف البنى النفطية الخليجية سيقلل استثماراتها في سوريا، وأنه مع إغلاق هرمز سترتفع فاتورة الاستيراد 40٪، محولة الشراكات إلى تأجيلات.
وانتهى عربش للقول إنه ورغم دقة المرحلة فان هذا التصعيد يؤكد الحاجة لخلية أزمة، إن لجهة تتبع التخزين الاستراتيجي، أو استعجال مشاريع الرقمنة، وتحويل الصدمة إلى مرونة.


======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى