“الترحيل الهادئ”: كيف تحولت النمسا إلى مختبر أوروبي لإنهاء لجوء السوريين؟/ مازن الشاهين

موجة الترحيل الصامتة…كيف تُعيد أوروبا رسم مصير السوريين في المهجر؟
2026-04-30
حين صدر قرار وزارة الداخلية النمساوي في مطلع 2026، لم يكن يعلم أحمد، السوري الثلاثيني المقيم في فيينا منذ سبع سنوات، أنه سيجد نفسه أمام قرار مصيري: إما انتظار البريد الذي قد يحمل إلغاء إقامته، أو المبادرة بالمغادرة الطوعية مقابل ألف يورو، إن قصة أحمد ليست استثناء؛ بل هي صورة لواقع عشرات الآلاف من السوريين في دول الاتحاد الأوروبي، يواجهون أشد موجات الضغط القانوني والسياسي منذ لجوئهم.
وتكشف بيانات الربع الأول من عام 2026 أن النمسا باتت نموذجاً متقدماً لسياسة جديدة تنتشر في القارة الأوروبية: ترحيل لا يُعلَن عنه بصخب، بل يُنفَّذ تدريجياً عبر منظومة قانونية معقدة من إلغاء الإقامات والحماية الفرعية، وتجفيف مسارات لمّ الشمل، وضخّ مئات قرارات إنهاء الوضع القانوني، السوريون “وحدهم” يتصدرون هذه القائمة.
في الممرات الرخامية الهادئة لوزارة الداخلية النمساوية بفيينا، لا تُسمع أصوات طائرات الترحيل الصاخبة، لكن لغة الأرقام تتحدث بضجيج لا يمكن تجاهله، فخلف المصطلحات القانونية المعقدة مثل “إلغاء الحماية الفرعية” و”انتفاء أسباب اللجوء”، تجري عملية جراحية دقيقة لاستئصال التواجد السوري من الخارطة القانونية للبلاد.
لغة الأرقام: عندما يتجاوز “الخروج” حدود “الدخول”
تكشف بيانات الربع الأول من عام 2026 عن مفارقة صادمة: لأول مرة منذ عقد، تجاوز عدد الأشخاص الذين غادروا النمسا (3,575 شخصاً) عدد طلبات اللجوء الجديدة (1,086 طلباً)، والمستهدف الأول من بين 1,100 حالة سحب إقامة تم تنفيذها فعلياً، استأثر السوريون بنصيب الأسد بواقع 502 حالة.
يقول الناشط الحقوقي عصام المصري “مهاجر سوري في النمسا” في تصريحات لـ”963+” إن السلطات فتحت أكثر من 3,061 ملف تحقيق في سحب صفة اللجوء، مما يعني أن آلاف العائلات تعيش الآن في “منطقة رمادية” بانتظار قرار قد يحولهم إلى “مقيمين غير شرعيين” بين ليلة وضحاها، ولم يعد الترحيل المباشر هو الوسيلة الوحيدة؛ بل تعتمد النمسا “سياسة التجفيف”، من خلال تمديد تجميد طلبات لمّ الشمل حتى يوليو 2026، حيث وضعت الحكومة آلاف السوريين أمام خيارين أحلاهما مر، فأما البقاء وحيداً في النمسا مع خطر سحب الإقامة في أي لحظة أو “الرحيل الطوعي” بحثاً عن لمّ شمل العائلة في بلد آخر أو حتى العودة إلى سوريا.
ويكشف المصري أن لغة الأعلام تتحدث ضمن إطار “نحن لا نطردهم جسدياً دائماً، نحن ببساطة نلغي الأسباب التي تجعل بقاءهم قانونياً، ونغلق النوافذ التي قد تأتي بعائلاتهم، فيغادرون من تلقاء أنفسهم.” وتستند التحركات النمساوية في عام 2026 إلى قراءة قانونية تروج لـ”استقرار مناطق معينة في سوريا”، وهذا المفهوم، الذي كان مجرد جدل سياسي في 2024، تحول الآن إلى “مسطرة قانونية” تُقاس عليها طلبات تجديد الإقامات، مشيراً إلى أن الحماية الفرعية، يتم إلغاؤها فوراً بمجرد ثبوت زيارة الشخص لسوريا أو حتى “انتفاء خطر العنف العام” في محافظة مسقط رأسه وفق التقييمات النمساوية الجديدة.
ويلفت إلى عدم وجود بدائل العمل، وحتى المحاولات للتحول إلى “البطاقة الحمراء-البيضاء-الحمراء” (إقامة العمل) تواجه شروطاً تعجيزية من حيث سقف الدخل، مما يجعلها بعيدة المنال لمعظم اللاجئين.
أصوات من بلاد المهجر: بين الأمل والترقب
في لقاءات أجراها “963+” مع عدد من السوريين المقيمين في أوروبا حول هذا الموضوع، تقول رنا درويش، سورية تقيم في النمسا: الترحيل الصامت لا يحتاج إلى طائرات، يكفيه أن يجعل الحياة مستحيلة حتى يُغادر الناس بأنفسهم.
ويرى عبد الله الرفاعي، وهو طبيب سوري يعمل في النمسا، أن الخطاب السياسي يُقلق من يعتمدون على المساعدة الاجتماعية أكثر من غيرهم، مشيراً إلى أن “القوانين النمساوية تحمي أي لاجئ ما لم يصدر بحقه حكم جنائي”، لكن هذا التطمين القانوني بالواقع لا يُفضي إلى سكينة فعلية في مجتمعات باتت تعيش حالة من الترقب المزمن.
بينما يقول المحامي نزار الأسمر مهاجر مقيم في بلجيكا: القانون واضح: لا يجوز ترحيل أي شخص إذا كان معرضاً لخطر المعاملة اللاإنسانية في بلده”، مضيفاً أن المشكلة تكمن في تفسير المحاكم لـ”مستوى الخطر” في ظل تحولات سوريا الراهنة، وبمجرد سقوط نظام الأسد، بدأت السلطات في الدول الأوروبية في إعادة النظر في ملفات الحماية التي مُنحت على خلفية الاضطهاد السياسي، مستندةً إلى أن “السبب الذي استوجب الحماية قد زال” وهذا يعني إلغاء الوضع القانوني للمهاجرين.
في المقابل، يقول سلمان بركات، لاجئ سوري رُفض طلبه في هولندا، لـ”963+” إن العودة في الظروف الراهنة “غير واقعية”، مستشهداً بأن آلاف السوريين لا يزالون يسكنون في خيام داخل بلادهم، وأن المدارس والمستشفيات والبنية التحتية تكاد تكون معدومة في كثير من المناطق.
النمسا.. “رأس الحربة” في التحول الأوروبي
ما يحدث في فيينا ليس معزولاً؛ بل هو “النموذج التجريبي” لما سيصبح عليه “ميثاق اللجوء الأوروبي الجديد”، دول مثل ألمانيا والدنمارك تراقب عن كثب “مختبر فيينا”؛ حيث يتم استبدال الترحيل الجماعي الصاخب بـ”تفكيك الموضع القانوني” للفرد.
يقول الناشط الحقوقي عدنان الحمود وهو مهاجر سوري مقيم في ألمانيا، لـ”963+” إن هناك أدوات “الترحيل الناعم” المتبعة في 2026، مثل سحب الصفة من خلال المراجعة الدورية لملفات الحماية الفرعية، بهدف تحويل اللاجئ إلى “مغادر ملزم”، وأسلوب “خنق العائلات” بتجميد لمّ الشمل بحجة “الضغط على البنية التحتية” بهدف دفع الشباب للرحيل الطوعي، إضافة إلى طلب “فحوصات DNA” وهي اشتراطات مشددة لإثبات القرابة، بهدف إطالة أمد الإجراءات لسنوات.
ويتابع الحمود أن بيانات الربع الأول من 2026 تُظهر أن “النموذج النمساوي” نجح في تحقيق ما لم تحققه الأسوار، وذلك بجعل اللجوء حالة مؤقتة وهشة للغاية. بالنسبة للسوريين، لم يعد السؤال “هل سنبقى؟”، بل “متى ستصل الرسالة البريدية التي تخبرنا بأن حمايتنا قد انتهت؟”، إنها بصراحة سياسة “الترحيل بالبيروقراطية”؛ حيث لا تحتاج الدولة لمداهمات الفجر، بل يكفيها جرة قلم تلغي بها “الوضع القانوني”، لتتحول حياة اللاجئ من استقرار الهرب من الحرب إلى تيه البحث عن ورقة تحميه من الترحيل.
ويرى الحمود أنه وبناءً على التوجهات التي بدأت تتبلور في النمسا مطلع عام 2026، فإن بقية إجراءات الهجرة في الاتحاد الأوروبي تمر حالياً بمرحلة “إعادة هيكلة شاملة”، ولم تعد الإجراءات تتعلق فقط باستقبال اللاجئين، بل تحولت إلى منظومة لإدارة “الخروج” و”الفرز”.
ويوضح الحمود الإجراءات والسياسات التي تطبقها دول الاتحاد الأوروبي بالتزامن مع النموذج النمساوي وأهمها تفعيل “ميثاق اللجوء والهجرة الجديد” فبعد سنوات من الجدل، دخل الميثاق حيز التنفيذ الكامل، وهو يركز على إجراءات الحدود السريعة، حيث يتم فرز المهاجرين عند نقاط الدخول (مثل اليونان وإيطاليا)، فالقادمون من دول لديها معدلات قبول منخفضة (أقل من 20%) يخضعون لـ “مسار سريع” للرفض والترحيل خلال 12 أسبوعاً فقط، دون السماح لهم بالدخول إلى عمق القارة، كما تم تطبيق “التضامن الإلزامي” فبدلاً من إجبار الدول على استقبال اللاجئين، أصبح بإمكان دول مثل المجر وبولندا “دفع مبالغ مالية” (حوالي 20 ألف يورو عن كل شخص ترفض استقباله) لتمويل عمليات الترحيل أو بناء مراكز حدودية، إضافة إلى إتباع سياسة “التوطين الخارجي”.
ويضيف: الاتحاد الأوروبي بات يتبع سياسة “إبقاء اللاجئ خارج الحدود” عبر اتفاقيات مع دول ثالثة، وتم توسيع الاتفاقيات المالية مع دول العبور لتعزيز الرقابة البحرية ومنع انطلاق القوارب، مع إنشاء مراكز معالجة طلبات خارج حدود الاتحاد، وتفعيل بروتوكول “الدولة الثالثة الآمنة”، حيث يتم الآن تصنيف دول عديدة على أنها “آمنة”، مما يسمح قانوناً بترحيل طالبي اللجوء إليها حتى لو لم تكن بلدهم الأصلي، بمجرد مرورهم منها.
ويكشف الحمود أن هناك تضييق على “الإقامة الدائمة” والجنسية، وهناك توجه عام في دول مثل ألمانيا (رغم تعديلات القوانين السابقة) والسويد لرفع سقف المتطلبات، مثل ربط الإقامة بالاندماج الاقتصادي، فلم يعد اللجوء كافياً للحصول على إقامة دائمة؛ بل يُشترط الآن في معظم الدول إثبات دخل مادي مرتفع يغطي تكاليف العائلة بالكامل دون معونات، إضافة إلى اختبارات الولاء واللغة، حيث تم رفع مستوى اللغة المطلوب (إلى B2 أو C1 في بعض الحالات) كشرط أساسي لتجديد الإقامة الطويلة، مع توسيع قاعدة بيانات “يوروداك” لتشمل ليس فقط بصمات الأصابع، بل وصور الوجه والبيانات الحيوية للأطفال ابتداءً من سن 6 سنوات، وهذا الإجراء يهدف لمنع “التسوق للجوء” حيث يتم كشف أي شخص يحاول تقديم طلب في دولة ثانية فوراً، ويتم إعادته للدولة الأولى عبر نظام “دبلن” الذي تم تحديثه ليكون أكثر صرامة.
بالمقابل يؤكد الحمود وجود حوافز “العودة الطوعية” القسرية، بدلاً من الترحيل القسري الذي يثير مشاكل حقوقية، تتبع الدول سياسة “التضييق حتى المغادرة”، بأسلوب تقليص المساعدات، وخفض المعونات المالية إلى الحد الأدنى وتوزيع “بطاقات دفع إلكترونية” بدلاً من الكاش لمنع إرسال الأموال للخارج، وتطبيق برامج الدفع مقابل الرحيل، وذلك بتقديم مبالغ مالية (تصل أحياناً لـ 3000 يورو) للاجئ مقابل توقيعه على تنازل عن حق اللجوء والعودة لبلده.
ويختم الحمود أن الاتحاد الأوروبي في 2026 لم يعد ينظر للهجرة كقضية إنسانية بحتة، بل كـ “تحدٍّ ديموغرافي وأمني”، والإجراءات الحالية تهدف بوضوح إلى تحويل صفة “لاجئ” من صفة دائمة تؤدي للاستقرار، إلى صفة “مؤقتة للغاية” تنتهي بانتهاء الظروف في بلد الأصل أو بمجرد فشل الشخص في تحقيق قفزة اقتصادية سريعة، وهذه الإجراءات تخلق “طبقة من غير القانونيين” داخل أوروبا، حيث يفضل الكثيرون العيش في الظل بدلاً من العودة، مما يمثل التحدي القادم للمجتمعات الأوروبية.
+963



