تطور الاقتصاد السوري تحديث 30 نيسان 2026

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:
تحديث 30 نيسان 2026
من مكافحة الفساد إلى الحوكمة: كيف تعيد الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش بناء دورها؟/ أسماء الفريح
أبريل 30, 2026
في الدورة الـ11 لمؤتمر الدول الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، الذي عقد في العاصمة القطرية الدوحة أواخر عام 2025، أكد رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش عامر العلي أن مشاركة سوريا في هذا المؤتمر، بصفة عضو مراقب، تأتي في مرحلة مفصلية من تاريخها المؤسسي، وتعكس توجها واضحا وجادا للحكومة السورية الجديدة نحو إرساء منظومة متكاملة للنزاهة والشفافية والمساءلة.
وقال العلي في كلمته في المؤتمر إن الدولة السورية تسلمت مؤسسات متهالكة، تعاني من فساد بنيوي ترسخ خلال عهد النظام المخلوع، الذي أضعف الإدارات العامة، وهمش معايير الكفاءة والاستحقاق، وقوض آليات الرقابة والمساءلة، وحول الفساد من حالة فردية إلى منظومة متكاملة أثرت سلبا على ثقة المواطن بالمؤسسات، وأدت إلى تراجع موقع سوريا على مؤشرات النزاهة والشفافية الدولية.
لكنه شدد على أن الهيئة ستستمر في تعزيز دورها الرقابي، من خلال تكثيف جهودها في ترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية، ومكافحة الفساد، والمساهمة في خلق بيئة خدمية تليق بتضحيات الشعب السوري وتطلعاته نحو مستقبل أفضل.
وأكد أن مكافحة الفساد خيار استراتيجي لا رجعة فيه، وأساس لإعادة بناء الدولة على قواعد الحكم الرشيد وسيادة القانون في سوريا، مبينا أن الهيئة سعت إلى إرساء نموذج رقابي حديث ينتقل من الرقابة التقليدية اللاحقة إلى رقابة وقائية قائمة على تحليل المخاطر وتقييم الأداء، ومنع الفساد قبل وقوعه.
واستعرض العلي الخطوات التنفيذية التي اعتمدتها الدولة السورية في سبيل تفعيل الدور الرقابي للهيئة، من حيث تحديث الأطر القانونية، وسد الثغرات، وتعزيز استقلالية الأجهزة الرقابية، وإعداد مصفوفة متكاملة ومعايير واضحة للنزاهة والشفافية.
وأشار إلى انفتاح الدولة السورية على الشراكة مع الدول والمنظمات ذات الصلة، والاستفادة من البرامج الفنية والتدريبية المتخصصة، كاشفا أن سوريا تعمل حاليا على استكمال مسار المصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والالتزام بها.
معايير الهيكل التنظيمي للهيئة
خلال لقاء رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش مع وزير التنمية الإدارية محمد حسان السفاف، في الثلاثين من أيلول 2025، تم الاتفاق على اعتماد الهيكل التنظيمي للهيئة ليكون أساسا لاستكمال الإجراءات وفق الأصول النافذة، وبما يدعم مبادئ الشفافية والنزاهة.
وكان الجانبان قد بحثا في وقت سابق آلية التعاون والتنسيق المشترك لتطوير الهيكلية الإدارية والتنظيمية للهيئة، والارتقاء بعملها وأدائها الرقابي والتفتيشي، ورفع كفاءة كوادرها.
وردا على سؤال من صحيفة “الثورة السورية” حول المعايير التي ركزت عليها الهيئة في إعادة بناء هيكلها التنظيمي، وما إذا كان قد تم الاطلاع على تجارب دول أخرى بهذا الخصوص، أوضح نائب رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، الدكتور عصام الخليف، أن المعايير تتمثل في السرعة في إنجاز المعاملات، مع ضمان سرية العمل، والحد قدر الإمكان من البيروقراطية والروتين.
وأشار الخليف، إلى أنه تم الاطلاع على التجارب السعودية والقطرية والأردنية، من خلال إجراء زيارات ميدانية ضمن خطة عمل ودعوات رسمية لحضور فعاليات دولية، لكن إعادة الهيكلة تمت انطلاقا من دراسة واقع الهيئة السابق ومعوقات العمل، وبالتنسيق مع وزارة التنمية الإدارية وفق أحدث الرؤى الإدارية في بناء الهياكل التنظيمية، وبما يلبي المتطلبات الدولية بوصفها جهازا رقابيا يسعى إلى الانضمام للاتفاقيات الدولية.
مكافحة الفساد وتطوير العمل الرقابي
أكد وزير المالية محمد يسر برنية أن مكافحة الفساد تحتاج إلى تعزيز الشفافية والنزاهة والمساءلة، وأن هذا الملف يشكل عملا أساسيا في برنامج الحكومة.
وحول كيفية تقييم فعالية الإجراءات التي اتخذتها الهيئة في مكافحة الفساد، وتأثير جهودها حتى الآن، والخطط المستقبلية لتعزيز تطوير العمل الرقابي، أكد الخليف، أن تركة الفساد التي خلفها النظام المخلوع كبيرة وثقيلة، وتحتاج إلى تضافر الجهود من جميع الجهات العامة للحد من الفساد حتى نصل إلى أعلى مستويات مكافحته، والتقليل منه إلى أدنى مستوى.
وقال: “لقد لمسنا أثرا واضحا في الجهد المبذول للحد من الفساد، من خلال تحسن تصنيف سوريا وفق تقرير مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية في شباط 2026″، مضيفا أنه تحسن طفيف، حيث تجاوزت سوريا خمس دول جديدة في سلم التصنيف، مما يؤشر إلى أننا نسير حاليا في الاتجاه الصحيح في مكافحة الفساد.
وتابع الخليف: “نضع الخطط على مستوى الهيئة، ونساهم في وضع الخطة على مستوى الدولة لمكافحة الفساد، مع التركيز على الحملات التوعوية للمجتمع في هذه الخطط، ليكون شريكا في جهود مكافحة الفساد، فالفساد آفة أصابت أجهزة الدولة والمجتمع معا نتيجة سياسة إفساد ممنهجة كان يقوم بها النظام المخلوع، وهذه الآفة تحتاج إلى وقت لمكافحتها، ونسعى لأن يكون ذلك بأسرع وقت ممكن مع إدراك تام لجميع التحديات الموجودة، ووضع السبل لتجاوزها”.
وبهدف تأهيل كوادر متخصصة في الرقابة والتفتيش لمكافحة الفساد، الذي كان مستشريا وله أساليب متعددة في المؤسسات على زمن النظام المخلوع، وتحقيق منظومة رقابية حديثة ورشيدة، تم في آب 2025 افتتاح المعهد التخصصي للرقابة والتفتيش في ضاحية قدسيا بريف دمشق. وقال وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور مروان الحلبي إن هذا المعهد “يمهد لمرحلة مفصلية في تاريخ تطوير العمل المؤسساتي المتعلق بالرقابة والتفتيش، وتعزيز الرؤية القائمة على أن العمل الرقابي هو الذي يحسن أداء الموظفين في كل المؤسسات”.
الثقافة المؤسسية وترسيخ الشفافية والمساءلة
خلال ورشة عمل تخصصية شارك فيها عدد من الوزراء وممثلو الوزارات والجهات العامة، أطلقت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش في نهاية تشرين الأول 2025 “مصفوفة النزاهة والشفافية”، التي تتضمن قواعد ومعايير واضحة وغير قابلة للتأويل أو التفسير، وتشكل إطارا وطنيا موحدا لتقويم الأداء وترسيخ ثقافة مؤسساتية قائمة على المساءلة والمسؤولية.
وقال رئيس الهيئة إن النزاهة ليست فقط قيما أخلاقية، وإنما هي الأساس الذي يبنى عليه كل نجاح مؤسسي حقيقي، حيث أصبح من الضروري في هذه المرحلة ترسيخ هذه المبادئ في الممارسات الوظيفية داخل المؤسسات الحكومية، بشكل يضمن تحقيق العدالة، ويحسن الخدمات المقدمة للمواطنين، ويضمن الاستخدام الأمثل للموارد العامة.
وأشار إلى أن الورشة تأتي لإطلاق مرحلة جديدة من التغيير البناء داخل المؤسسات الحكومية، لأنها تشكل فرصة عملية لتحديد الخطوات التالية، وتطوير سياسات وأطر عمل تستند إلى معايير النزاهة والمساءلة.
وردا على سؤال يتعلق بكيفية تغيير الثقافة المؤسسية في سوريا بهدف ترسيخ مبدأ الشفافية والمساءلة على المدى الطويل، يرى الخليف، أن التغيير يكون بتشخيص الواقع، ووضع الخطط اللازمة للتغيير، والعمل الدؤوب على تنفيذ الخطط مع التقييم، والاعتماد على التقنية الإلكترونية الحديثة في تقديم الخدمات، وإلزام الجهات العامة بالشفافية من خلال نشر تقارير مرئية على معرفاتها الرسمية، وإعطاء الجهات الرقابية حق الوصول الآني إلى هذه المنصات الإلكترونية الرقمية.
تحصيلات الأموال والمشاريع التنموية
في إطار الجهود التي تبذلها الهيئة في أداء مهامها الرقابية والتأديبية، ومكافحة أشكال الفساد والهدر والانتهاكات المالية والإدارية، ومواصلة عملها في تعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة في المؤسسات الحكومية، أعلنت الهيئة في التاسع من نيسان الجاري تحصيل أكثر من 10 مليارات ليرة سورية قديمة، و22 مليون ليرة سورية جديدة خلال الربع الأول من عام 2026.
ووفقا لإحصائية الهيئة عن أشهر كانون الثاني وشباط وآذار 2026، فقد بلغ عدد القضايا المنجزة خلالها 865 قضية، كما جرت، ضمن الإجراءات التأديبية المتخذة بحق المخالفين، معاقبة 1023 شخصا مسلكيا، وإحالة 618 شخصا إلى القضاء.
وكانت الهيئة قد كشفت في التاسع من كانون الأول 2025 عن تحصيل نحو 90 مليار ليرة سورية، وإنجاز 1198 قضية منذ تحرير سوريا ولغاية نهاية تشرين الثاني الماضي، إلى جانب إحالة 186 قضية إلى القضاء، وإحالة 1203 أشخاص إلى القضاء، و127 آخرين إلى المحكمة المسلكية ومجالس التأديب، ومعاقبة 1744 شخصا مسلكيا خلال ذات الفترة.
وبشأن التأثير المتوقع لهذه التحصيلات على الخزينة العامة، وإمكانية استثمار هذه الأموال في مشاريع تنموية تعود بالفائدة على الخدمات العامة، قال الخليف، إن كل دولار يدخل إلى الخزينة العامة يساهم في التنمية الاقتصادية للبلد، وينعكس إيجابا على الخدمات العامة، كما أن كل دولار يهدر في غير محله يعرقل جهود التنمية وينعكس سلبا على أداء الخدمات العامة، ناهيك عن أن الإعلان عن جهود مكافحة الفساد له هدف آخر، وهو تحقيق الردع العام، وأن زمن الإفلات من المساءلة والعقاب قد ولى.
وحول ما إذا كانت هناك تحديات أمام تعاون الهيئة مع المنظمات الدولية مثل البنك الدولي أو برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والتوقعات المستقبلية لهذا التعاون، أوضح الخليف، أن التحديات تتمثل في عدم وجود الإرادة لهذا التعاون زمن النظام المخلوع، إلى جانب معوقات تشريعية.
وبين أنه في عهد الدولة الجديدة بعد التحرير تتوافر إرادة الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية في جهود مكافحة الفساد، ومن أعلى مستوى سياسي في الدولة، كما تتم مواءمة التشريعات الداخلية وفق المتطلبات الدولية للانضمام الكامل، مشيرا إلى أن ذلك سينعكس في دعم الدولة لجهود مكافحة الفساد تقنيا وتدريبيا، وسيشجع المستثمرين في الخارج على دخول السوق السورية والاستثمار، ما ينعكس إيجابا على الدخل القومي.
وكان رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش قد بحث مع مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الدكتور عبد الله الدردري، في دمشق في آذار 2026، آفاق تعزيز التعاون المشترك في مجالات تطوير العمل الرقابي، إضافة إلى دعم الخطط الاستراتيجية للهيئة في مجال مكافحة الفساد وفق الممارسات الدولية، ولا سيما ما يتعلق بتطوير القطاع الإداري، وبرامج التحول الرقمي، وتعزيز البيئة الداعمة لعمل الهيئة عبر البرامج الإقليمية التي ينفذها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، باعتبارها ركائز أساسية للحوكمة الرشيدة.
وتم التأكيد على أهمية مواصلة التنسيق وتطوير التعاون، بما يسهم في تعزيز جهود مكافحة الفساد، ودعم بناء المؤسسات، وتعزيز التنمية المستدامة.
وبحثت الهيئة مع ممثلين عن البنك الدولي في تموز 2025، وعبر تقنية الفيديو، سبل تطبيق مشروع تدعيم وإدارة القدرات المالية العامة في سوريا (P512516)، وتأثير ذلك على القطاع المالي، وبالتالي على المجتمع السوري ككل، مع التأكيد على ضرورة تعزيز القدرات لتنسيق إدارة الشؤون المالية العامة، وتحسين الامتثال والشفافية لوظائف الإدارة المالية العامة، والحرص على دقة المعلومات المالية المستخدمة وإطارها الزمني.
كما بحث الجهاز المركزي للرقابة المالية، والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، ووزارة المالية، مع ممثلين عن البنك الدولي، في تشرين الأول 2025، وثيقة مشروع إصلاح المالية العامة، وذلك في إطار التعاون المشترك لتعزيز كفاءة إدارة المال العام وتطوير نظم الرقابة والحوكمة المالية في سوريا.
وجرى التأكيد على ضرورة استمرار التنسيق والتعاون بين الجهاز المركزي للرقابة المالية والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش والبنك الدولي خلال المراحل القادمة من المشروع، لضمان تحقيق أهدافه في بناء نظام مالي أكثر كفاءة وشفافية.
وجدير بالذكر أن الهيئة أطلقت في أيلول 2025 منصة إلكترونية خاصة بتلقي الشكاوى من المواطنين ومتابعتها، وذلك عبر موقعها الإلكتروني الرسمي على الإنترنت ضمن تبويب يحمل اسم “الشكاوى”. ووفق رئيس الهيئة، فإن هذه الخطوة تأتي انطلاقا من أن محاربة الفساد ليست مسؤولية الجهات الرقابية فحسب، بل قضية وطنية جامعة تتطلب تضافر الجهود على كل المستويات، ووعيا مجتمعيا متقدما، وإرادة جماعية تصون المصلحة العامة، وصولا إلى ما يستحقه المواطن السوري من كرامة واحترام وعدالة.
الثورة السورية
——————————–
من الوزارة إلى “القابضة”: إعادة هيكلة القطاع العام في سوريا تحت مجهر الخصخصة/ عزيز موسى
30 أبريل 2026
في لحظة فارقة من تاريخ الاقتصاد السوري، تتجاوز الدولة المفهوم التقليدي للإدارة العامة لتدخل نفقًا تشريعيًا جديدًا ترسم معالمه المراسيم (44، 45، 46)، من خلال تحول الوزارات من جهات إدارية تنفيذية إلى “حاضنة استثمارية” وفق نموذج الشركات القابضة، هذا ليس مجرد إعادة هيكلة تقنية فقط، بل انقلاب بنيوي في العقد الاجتماعي الذي حكم العلاقة بين المواطن ومؤسساته الخدمية لعقود، إذ تخلع الوزارات ثوبها التنفيذي لترتدي بدلة “التاجر السيادي”.
هذا التحول يطرح إشكالية كبرى حول ماهية “الأجسام الموازية” التي تُخلق اليوم بعيدًا عن رقابة الهيئات التقليدية، فبينما يُنظر إلى هذه المراسيم كطوق نجاة لفك حصار البيروقراطية وتأمين التمويل، تلوح في الأفق بوادر “خصخصة شاملة” مغلفة بغطاء قانوني مرن، تمنح هذه الكيانات الجديدة استقلالًا ماليًا وإداريًا داخل الدولة، قد تكون بعيدة عن مطرقة الرقابة البرلمانية وسندان المحاسبة العلنية.
بالتالي، نحن أمام مشهد اقتصادي معقد: فمن جهة تبرز ضرورة الاستثمار للدفع بعملية البناء وإعمار البنى الطاقوية المدمرة، ومن جهة أخرى يبرز التوجس من تآكل شفافية الإنفاق وتحويل الخدمات الأساسية إلى سلع استثمارية تخضع لمنطق الربح والخسارة في ظل مرحلة انتقالية رمادية، ما يطرح تساؤلات حول مدى نجاح هذه الخطوات في إنقاذ القطاع العام، أم أنها تؤسس لنموذج اقتصادي “هجين” يحرر الدولة من التزاماتها، ويترك المواطن وحيدًا في مواجهة استحقاقات “السوق الاستثماري الجديد”؟
إعادة تعريف للمفهوم والدور
يرى الباحث الاقتصادي محمد علبي، في حديثه لموقع “الترا سوريا”، أن هذه المراسيم تمثّل تحولًا جوهريًا في فلسفة الإدارة العامة، لأنها تنقل قطاعات سيادية من منطق “المؤسسة العامة” إلى “الكيان الاقتصادي المستقل” ذي الاستقلال المالي والإداري، والأهم ليس فقط نقل الأصول والصلاحيات، بل أيضًا نقل الحقوق والالتزامات، بما يشمل الديون، وهذا يعني إعادة تموضع للمسؤولية المالية خارج الوزارة إلى شركات تعمل بمنطق الملاءة والعائد، لذلك لا يمكن اعتبارها مجرد إعادة تسمية، بل خطوة تجعل الخصخصة لاحقًا أكثر سهولة، عبر تحويل المرفق العام إلى وحدة قابلة لإعادة الهيكلة والتفاوض والشراكة.
من جانبه يعتقد الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، إسماعيل ديوب، أن هذه المراسيم تشكّل تغييرًا كبيرًا، حيث تنتقل المؤسسات من اعتبارها مؤسسات تتبع للدولة إلى شركات تتسم بطابع القطاع الخاص، فيتحول المدير مثلًا من موظف حكومي إلى مدير لشركة خاصة؛ هذا بدوره يُحدث تحولًا في الرقابة والأداء من الهيئات الرقابية التابعة للدولة إلى مجالس إدارة تدير هذه المؤسسات، ويشكّل نوعًا من البيروقراطية الموازية بإزالة العبء عن الدولة في تمويل هذه الشركات في ظل العجز عن إعادة هيكلتها أو إصلاحها، إضافة إلى تمتعها بانفراد في القرار مما يساهم في تطوير القطاعات من جهة والابتعاد عن عمليات معقدة، ولكنه من جهة أخرى يشكّل تحديًا في العديد من القرارات التي قد لا تصب في المصلحة العامة نظرًا لاستقلالية هذه المؤسسات، بالتالي هذا النموذج يشكّل نوعًا من المرونة القانونية إلا أنه يجب أن يرتبط بعملية الاستقرار السياسي مكافحة الفساد التي ما تزال في مرحلة هشة حتى الآن في الحالة السورية.
التحوّل غير المتكافئ
تضع التحولات الهيكلية الأخيرة قطاعات حيوية كالكهرباء والمياه في عهدة “المنطق الاستثماري”، محولة إياها من مرافق خدمية إلى محافظ أصول مستقلة ماليًا، ومع تصاعد المخاوف من غياب الشفافية وضعف الرقابة المؤسساتية، يبرز التساؤل حول قدرة المواطن السوري على تحمل تكاليف هذا “الاستقلال” المالي، في ظل واقع معيشي هش يرى في الخصخصة عبئًا إضافيًا قد يعمق الفجوة بين الأرباح الاستثمارية والاحتياجات الاجتماعية الأساسية.
يؤكد علبي أن تحوّل الوزارة إلى نظام استثماري يعني اقتصاديًا التعامل مع قطاعات الكهرباء والمياه والتعدين كمحافظ أصول قابلة للاستثمار، لا كمرافق خدمية فقط وهذا بحد ذاته تمهيد تقني للخصخصة، عبر فصل الذمة المالية، وتحديد الموجودات، ونقل الالتزامات/نقل الديون هنا لا يلغي العبء، بل يعيد تدويره في شكل أقل شفافية، وقد يُخرج جزءًا منه من الموازنة إلى شركات تبدو مستقلة شكليًا.
ويضيف علبي أن المفارقة اللافتة هنا أن حتى صندوق النقد الدولي (وهو أكثر المؤسسات تبنيًا لمقاربات نيوليبرالية) شدد في ملاحظاته على ضرورة حماية الإنفاق الاجتماعي، وتعزيز الشفافية، وضبط الالتزامات المرتبطة بالشراكات مع القطاع الخاص، وإصلاح حوكمة الشركات العامة، وهذا بحد ذاته مؤشر على أن المشكلة ليست في المبدأ الاستثماري بحد ذاته، بل في البيئة التي يُطبق فيها، فحين تكون الرقابة البرلمانية ضعيفة، والسلطة التنفيذية شديدة المركزية، والحوكمة العامة هشة، ومع ضعف الرقابة والحوكمة، يتحول هذا “الاستقلال” إلى تقليص للمساءلة، وإعادة توزيع للمخاطر بعيدًا عن الرقابة العامة وبالنهاية: سيدفع المواطن الثمن.
فيما يشير ديوب إلى أن التحول إلى نموذج “الشركة القابضة”، من خلال الاستثمارات الخاصة، هدفه الأساسي هو رفع كفاءة الخدمات التي يتم تقديمها للمواطن إضافة للتسريع بعملية الإعمار، إلا أن هذا يرتبط بمدى وجود البيئة المناسبة لتحقيق أكبر قدر ممكن من المنفعة، كما أن هذا التحول يؤدي إلى خروج هذه الشركات من دائرة الرقابة البرلمانية أو الهيئات الأخرى نظرًا لخصوصية هذه الشركات وتمتعها بالاستقلالية، بالتالي فإن مفهوم الخصخصة المطروح سينعكس سلبًا على المواطن باعتبار أن المواطن السوري اليوم يعاني من حال معيشية صعبة.
ولفت ديوب إلى أن الانتقال نحو هذا النموذج من الشركات لا ينسجم مع طبيعة معيشة المواطن ومستوى الإنفاق الاجتماعي في الظروف الحالية، نظرًا إلى أنها ما تزال دون خط الفقر العالمي، هذا بدوره سيرتب على المواطن أعباء أكبر مقابل الخدمات في ظل عملية الخصخصة، فالمستثمر هدفه الأساسي تحقيق الأرباح، ما سينعكس على زيادة حدة التوترات في الشارع السوري في ظل غياب إمكانية تغطية التكاليف الجديدة، ما يتطلب الموازنة بين أهمية القرار وضرورته ومواكبته للواقع المعيشي السوري عبر التحوّل التدريجي واقترانه بتحسين مستويات المعيشة للمواطن السوري.
موازنة بلا حماية
يؤكد الباحث محمد علبي أنه في ظل المرحلة الانتقالية، ما يظهر في الموازنة يعد إعادة تعريف فعلية لدور الدولة، مع عدم الأخذ في الاعتبار مستوى الشرعية ومخالفة الدستور، فالدولة تتراجع تدريجيًا بوصفها راعيًا اجتماعيًا، وتتقدم بوصفها جابيًا ومنظمًا للتحميل المالي على المجتمع “دون عقد مفهوم ومنصوص عليه بين الطرفين”، المشكلة هنا ليست فقط في ضعف الموارد، وإنما في طريقة إنتاج التحسن المالي “المنشود”: فجزء مهم منه يأتي من تقليص الدعم، وتوسيع الرسوم والجبايات غير المباشرة (وهي ضرائب على المستهلك)، وتراجع الاستثمار العام، ليس من نمو إنتاجي واسع أو من عدالة ضريبية أو من توسيع حقيقي للخدمات.
لذلك، حين يُقال إن هناك فائضًا أو تحسنًا ماليًا، يجب السؤال فورًا: من دفع ثمن هذا الفائض؟ الواقع أن العبء يُنقل إلى المواطن عبر الكهرباء والطاقة والأسعار والرسوم، بينما يزداد الدخل الحقيقي تآكلًا، ويصبح الاستثمار العام شديد الضعف، والإنفاق التنموي أقل بكثير من المطلوب في اقتصاد خارج من حرب، وهذا ينعكس مباشرة على كلفة الخدمات الأساسية:
وأوضح علبي أنه في حين تصبح بعض الخدمات أكثر “قابلية للإدارة المالية” على الورق، تصبح في الوقت ذاته أعلى كلفة على الأسر، وأشد ضغطًا على القطاعات المنتجة، وأكثر انفصالًا عن مستوى الدخول الحقيقي، المعنى السياسي والاقتصادي هنا بالغ الخطورة، إذ إن الانتقال هنا ليس من دولة ضعيفة إلى سوق كفوء، بل هو وضع تتراجع فيه وظيفة الحماية قبل أن تتوافر شروط التنظيم (التنسيق) والعدالة، ما يوسع الفجوة بين كلفة الخدمة والقدرة على الوصول إليها، ويحوّل الموازنة من أداة لإعادة بناء العقد الاجتماعي إلى أداة لإعادة توزيع الأزمة على المجتمع.
وختم ديوب حديثه لـ”الترا سوريا” مشيرًا إلى أن هذا التحوّل ينعكس على الموازنة العامة للدولة من خلال خروج هذه الشركات من بندي “الموازنة والإنفاق” وكذلك الخسائر التي ترتبط بها لتصبح مستقلة، ما يخلق تغطية جزئية للعجز على المستوى الحكومي، إلا أن ذلك يبقى شكليًا في هذه المرحلة، فالمقارنة بين أرقام الموازنة من أعوام سابقة وأرقام لاحقة لا يعكس أن هناك تحسنًا حقيقيًا، إذ سيكون ناتجًا عن سحب للخسائر وليس عن معالجة حقيقية للاختلالات الموجودة طوال عقود، إضافة إلى أن الاستثمار في هذه القطاعات وتحولها لشركات تجارية قادرة على عقد شراكات خارجية ما زال يواجه عملية تحديات غياب وجود استثمارات حقيقية على الرغم من رفع العقوبات، ما يتطلب وجود مانحين دوليين حقيقيين وتحفيز بيئة الاستثمار بشكل أكبر لينعكس إيجابًا على الواقع السوري.
الترا سوريا
———————————–
“سوريا الفتية”: ملامح المستقبل بين أولوية الاقتصاد وترسيخ العدالة والمشاركة/ وائل قيس
30 أبريل 2026
أظهر تقرير حديث صادر عن منظمة “Syria Campaign” بعنوان “سوريا الفتية: رؤية شجاعة لمستقبل البلاد” صورة مركّبة لتطلعات الشباب السوري في مرحلة ما بعد النزاع، مسلطًا الضوء على أولوياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى التحديات التي تعيق انخراطهم في إعادة بناء الدولة. ويعكس التقرير، الذي يستند إلى بيانات ميدانية حديثة، إدراكًا متزايدًا لدى هذه الفئة بأن اللحظة الراهنة تمثل فرصة حاسمة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي في سوريا، على أسس تقوم على العدالة والحقوق والمشاركة الفعلية.
صُمّم البحث لاستكشاف أربعة محاور رئيسية
بحسب التقرير، فقد صُمّم البحث لاستكشاف أربعة محاور رئيسية تتعلق بتطلعات الشباب لمستقبل البلاد، ولا سيما فيما يخص أنماط الحوكمة ومسارات العدالة الانتقالية، إلى جانب رصد مطالبهم من الحكومة الانتقالية والمجتمع المدني والفاعلين الدوليين، وتحليل التحديات اليومية التي تواجههم، فضلًا عن تقييم مستويات مشاركتهم في الشأن العام وآليات صنع القرار.
ولتحقيق ذلك، استندت الدراسة إلى استطلاع شمل أكثر من 500 شاب وشابة، إضافة إلى نقاشات نوعية مع 160 مشاركًا ومشاركة داخل سوريا وفي الشتات، ومقابلات معمقة مع خبراء وخبيرات في مجالات المجتمع المدني والإعلام وقضايا النوع الاجتماعي. وقد جُمعت هذه البيانات خلال الفترة الممتدة بين كانون الأول/ديسمبر 2025 وشباط/فبراير 2026.
تصف المدير التنفيذية لـ”Syria Campaign”، رزان رشيدي، لموقع “الترا سوريا” توقيت إصدار التقرير بأنه “مفصلي بالنسبة لسوريا”، وأضافت: “لمسنا من خلال عملنا مع الناجين والناجيات وعائلات المخفيين والمخفيات والمجتمع المدني أن الشباب والشابات كانوا ممثلين تمثيلًا ناقصًا في القرارات التي تُتخذ بشأن مستقبلهم”.
أما عن آلية الوصول إلى المشاركين والمشاركات في استبيان “Syria Campaign”، أوضحت رشيدي أن الوصول للمشاركين والمشاركات كان “عبر الإنترنت من خلال استبيان، وكذلك عبر شبكاتنا في الشتات وداخل سوريا”، ونوّهت بأن “التفاعل كان لافتًا للغاية”، مضيفة “شارك أكثر من 500 شخص بآرائهم، ما كشف عن طاقة كامنة لم تُستثمر بعد كما ينبغي. كما بذلنا جهدًا إضافيًا لإشراك الشباب والشابات في المناطق الأكثر انقطاعًا عن بقية البلاد”.
رؤية متماسكة لأولويات المرحلة المقبلة
تعكس نتائج التقرير أن الشباب السوري يبلورون رؤية متماسكة لأولويات المرحلة المقبلة، تجمع بين متطلبات المعيشة اليومية والطموحات السياسية بعيدة المدى. إذ يضعون تحسين الظروف الاقتصادية إلى جانب ترسيخ العدالة والحقوق ضمن إطار متكامل، ما يعكس وعيًا متقدمًا بطبيعة التحديات التي تواجه البلاد، ويمهّد لفهم أعمق لمواقفهم في القضايا التالية.
يحتل الملف الاقتصادي موقعًا محوريًا لدى الشباب السوري، إذ يعتبر 64% من الشباب أن توفير فرص العمل هو المهمة الأكثر إلحاحًا للحكومة. أما على المستوى القيمي، فقد أكد 58% أن الحقوق والحريات يجب أن تكون الأساس الذي يقوم عليه النظام السياسي، إلى جانب الديمقراطية (57%) والمساواة أمام القانون (55%).
تكشف البيانات أن التحديات الاقتصادية تمثل الهمّ الأكبر للشباب السوري، حيث أشار 86% منهم إلى أنها المشكلة الأكثر إلحاحًا في حياتهم اليومية. وتزداد حدة هذه الأزمة مع ارتفاع معدلات البطالة، إذ يرى 64% أن خلق فرص العمل هو الأولوية القصوى، بينما يعتبر 39% أن نقص الوظائف هو أبرز مخاوفهم.
ولا تقتصر الأزمة على العاطلين عن العمل، بل تمتد إلى العاملين أيضًا، إذ لا تكفي الأجور لتلبية الاحتياجات الأساسية، ما يدفع الكثيرين للاعتماد على الدعم العائلي. كما يعاني سوق العمل من انتشار واسع للاقتصاد غير الرسمي، حيث تتقارب نسب العاملين فيه (20%) مع الباحثين عن عمل (23%)، الأمر الذي يزيد من مخاطر الاستغلال وغياب الحماية القانونية.
يعكس توجه الشباب السوري رغبة واضحة في الانتقال من نموذج الدولة السلطوية إلى نظام قائم على القواعد والمؤسسات. وتبرز حرية التعبير كأحد أبرز التحديات، حيث أكد 68% من المشاركين حاجتهم إلى مساحات آمنة ومحايدة للتعبير عن آرائهم، فيما شدد 57% على ضرورة وجود إطار قانوني يكفل هذه الحرية.
تعليقًا على اهتمامات الشباب والشابات بين الداخل السوري والشتات، توضح المدير التنفيذية لـ”Syria Campaign” أنه “على الرغم من الفروقات الكبيرة في تجاربهم، سواء من حيث الموقع الجغرافي أو النوع الاجتماعي أو المستوى التعليمي، فإن أفكار الشباب والشابات الذين تواصلنا معهم اتسمت بتشابهات لافتة وموضوعات متكررة. فهم يتطلعون إلى مستقبل قائم على العدالة والسلام والأمن”.
وأضافت رشيدي لـ”الترا سوريا”: “يبدي الشباب داخل سوريا قدرًا أكبر من التفاؤل بإمكانية المشاركة مقارنة بنظرائهم في الشتات، في حين منح الشباب في الخارج أولوية أعلى نسبيًا لتنفيذ العدالة الانتقالية، وضمان الحقوق والحريات، وتعزيز الشفافية، وربما يعود ذلك إلى أنهم يواجهون مخاطر مباشرة أقل في حياتهم اليومية”.
العدالة والمساءلة شرطًا لتحقيق الاستقرار
كما يُنظر إلى العدالة والمساءلة باعتبارهما شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار والسلام. إذ يرى 50% من الشباب أن العدالة وسيادة القانون هدف رئيسي في المرحلة المقبلة، بينما يضع 30% العدالة الانتقالية في صدارة الأولويات.
وتبرز أهمية المساءلة بشكل خاص، حيث يربط 64% من الشباب مفهوم العدالة الانتقالية بمحاسبة الجناة وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب. وتشير هذه النتيجة إلى أن أي مسار للمصالحة لا يتضمن مساءلة حقيقية قد يفتقر إلى الشرعية الشعبية.
يؤكد الشباب السوري أن الأمن يمثل شرطًا أساسيًا لأي تقدم سياسي أو اقتصادي. فقد وضع 55% تحقيق الاستقرار والأمان على رأس تطلعاتهم للسنوات الخمس القادمة. غير أن هذا الهمّ يختلف باختلاف المناطق، حيث ترتفع أولويات الأمن بشكل ملحوظ في مناطق مثل السويداء والقنيطرة والمناطق الساحلية، نتيجة استمرار التوترات والعنف، بحسب التقرير.
على الرغم من التحديات، يظهر الشباب السوري مستوى عاليًا من النشاط المجتمعي، حيث ينخرط 61% في العمل التطوعي، و45% في منظمات المجتمع المدني، و42% في المبادرات المحلية. ومع ذلك، تبقى مشاركتهم في الحياة السياسية الرسمية محدودة للغاية.
فقط 8% من الشباب يشاركون باستمرار في الحياة العامة، مقابل 26% لا يشاركون إطلاقًا. وتعود هذه الفجوة إلى عدة عوامل، أبرزها غياب الفرص، وانعدام الثقة بالمؤسسات، والخوف من العواقب السياسية، إضافة إلى القيود الاجتماعية.
تقول رشيدي لـ”الترا سوريا”: “أبرز ما لفت انتباهي هو أنه رغم نشأة هذا الجيل في ظل الحرب، فإن مستوى الالتزام والطاقة التي يقدّمها لمجتمعاته ولمستقبل بلده مدهش؛ إذ يشارك 61% منهم في العمل التطوعي المجتمعي، و45% ينخرطون في منظمات المجتمع المدني، و28% يشاركون في النشاط الرقمي”، لافتةً إلى أنهم “مع ذلك، لا تتجاوز نسبة مشاركتهم في عمليات صنع القرار الرسمية 16%”.
تحديات مضاعفة تواجه النساء
وتكشف النتائج عن تحديات مضاعفة تواجه النساء السوريات، حيث يعانين من القيود نفسها التي يواجهها الشباب عمومًا، إضافة إلى عراقيل مرتبطة بالنوع الاجتماعي. وتشمل هذه التحديات فجوة الأجور، وضعف التمثيل في صنع القرار، وقيودًا اجتماعية وقانونية تحدّ من مشاركتهن في الفضاء العام. كما تواجه النساء مخاطر أمنية أكبر، سواء في الواقع أو في الفضاء الرقمي، ما يحدّ من قدرتهم على المشاركة الفاعلة.
تختم رشيدي حديثها لـ”الترا سوريا” بالإشارة إلى أن النساء “تواجه قيودًا أمنية واجتماعية أكبر، كما يعانين من فجوة في الأجور على أساس النوع الاجتماعي”، موضحةً أن “تركيزهن على الحقوق والحريات يأتي متوازيًا مع الرجال، بل ويتجاوزهم في كثير من الأحيان من حيث الأولوية”.
وأضافت المديرة التنفيذية لـ”Syria Campaign”: “على سبيل المثال، تعطي النساء أولوية أعلى لاستقلال القضاء، ومشاركة الجميع، وحماية الحقوق والحريات عند الحديث عن المبادئ التي ينبغي أن تقوم عليها الدولة السورية”.
الترا سوريا
——————————–
برلين- دمشق.. عبور مالي نحو خارطة جيوسياسية جديدة/ فادية سمير
2026.04.30
لم يكن إعلان حاكم مصرف سوريا المركزي عن تطبيع العلاقات مع البنك المركزي الألماني مجرد إجراء بروتوكولي أو اتفاق فني بين مؤسستين نقديتين، بل هو في جوهره إعلان رسمي عن طي صفحة العزلة المالية الدولية وبداية عهد جديد من التوازنات الاستراتيجية في منطقة شرق المتوسط.
فهذه الخطوة، التي تأتي في توقيت دقيق من مسار التحول السياسي السوري لعام 2026، تمثل “الاختراق الأكبر” للجمود الاقتصادي، حيث وضعت سوريا قدمها الأولى على السكة الرسمية للنظام المصرفي العالمي عبر البوابة الأكثر موثوقية في أوروبا.
اتفاقية التطبيع المصرفي
فقد أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي، الدكتور عبد القادر الحصرية، يوم الثلاثاء 28 أبريل/نيسان 2026، عن خطوة استراتيجية في مسار الانفتاح الاقتصادي السوري، تمثلت في التوصل إلى اتفاق رسمي مع البنك المركزي الألماني لبدء تطبيع العلاقات المصرفية بين الجانبين. ويتضمن هذا الاتفاق الشروع الفوري في الإجراءات الفنية والنموذجية لفتح حساب للمصرف المركزي السوري لدى البنك المركزي الألماني، مما يمهد الطريق لاستعادة قنوات التواصل المالي المباشر مع واحدة من أهم المنظومات المصرفية في أوروبا والعالم. تكتسب هذه الخطوة أهمية استثنائية كونها تمثل اختراقاً دبلوماسياً واقتصادياً كبيراً في إطار التحولات السياسية التي تشهدها سوريا منذ عام 2025، حيث سيسهم فتح الحساب في تسهيل التحويلات المالية الدولية وتنشيط حركة التجارة الخارجية. ومن المتوقع أن تنعكس آثار هذا التطبيع المصرفي بشكل مباشر على استقرار الليرة السورية وخفض تكاليف الاستيراد، فضلاً عن توفير بيئة أكثر أماناً وشفافية لتدفق استثمارات السوريين المغتربين والشركات الدولية الراغبة في المشاركة بمشاريع إعادة الإعمار. وعلى هذا فقد أكد الحصرية أن هذا التطور جاء نتيجة لسلسلة من المباحثات الفنية التي ركزت على استيفاء المعايير الدولية للامتثال والشفافية المالية، مشيراً إلى أن المصرف المركزي السوري يعمل حالياً على ترتيبات مماثلة مع بنوك مركزية أخرى في دول الاتحاد الأوروبي. ويُعد هذا الاتفاق مع البنك المركزي الألماني بمنزلة “شهادة ثقة” دولية في النظام المصرفي السوري الجديد، وركيزة أساسية لدعم “صندوق التنمية السوري” في إدارة الموارد والتمويلات الخارجية اللازمة لتنفيذ المشاريع الخدمية والتنموية الكبرى في البلاد.
أهمية التحول المصرفي الاستراتيجي
ومن الناحية الاقتصادية تمثل هذه الخطورة – الاتفاق السوري مع البنك المركزي الألماني – أهمية كبيرة لسوريا لأنها ستساعد على كسر العزلة المالية التي عانت منها سوريا لسنوات طويلة، إذ تفتقر الدولة في مرحلة ما بعد التحول السياسي إلى قنوات اتصال مباشرة ومعترف بها مع النظام المصرفي العالمي. إن فتح حساب للمركزي السوري في ألمانيا، التي تعد المحرك الاقتصادي لأوروبا، يمنح الشرعية الدولية للتعاملات المالية السورية، ويسمح للمصرف المركزي بإدارة احتياطياته من العملات الأجنبية وتنفيذ عمليات المقاصة الدولية بعيداً عن الطرق الالتفافية المعقدة والمرتفعة التكاليف التي كانت تُستخدم سابقاً.هذا بالإضافة إلي أن هذا الاتفاق ركيزة أساسية لتسهيل عمليات التجارة الخارجية وتأمين السلع الاستراتيجية، إذ إن وجود علاقة مصرفية مع البنك الألماني يسهل على التجار والمستوردين السوريين فتح الاعتمادات المستندية وضمان وصول المدفوعات للموردين الدوليين بسلاسة. هذا الأمر لا يسهم فقط في خفض أسعار السلع الأساسية داخل السوق المحلية نتيجة لتقليل تكاليف الشحن والتأمين والوساطة المالية، بل يساعد أيضاً في استقرار سعر صرف الليرة السورية من خلال ربطها بقنوات نقدية رسمية ومنظمة تخضع للمعايير الدولية للإفصاح والشفافية. كما أن هناك نقطة شديدة الأهمية هي يرتبط هذا التحرك المصرفي بشكل وثيق بملف إعادة الإعمار وتدفق الاستثمارات، حيث يحتاج “صندوق التنمية السوري” والمشاريع التنموية الكبرى إلى آلية آمنة لاستقبال التحويلات المالية الضخمة من المغتربين والمنظمات الدولية والدول المانحة. فمن دون وجود حسابات في بنوك مركزية عريقة مثل البنك الألماني، تظل الأموال العابرة للحدود عرضة للتأخير أو الحظر، ولذلك فإن هذا الاتفاق يفتح “بوابة مالية” آمنة تضمن تدفق رؤوس الأموال اللازمة لترميم البنية التحتية وتحفيز النمو الاقتصادي في البلاد وفقاً للمعايير العالمية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ألمانيا وشراكة المصالح الكبرى
خلف الستار المصرفي لاتفاق دمشق وبرلين، تبرز قراءتان متباينتان؛ ففي حين تضعه سوريا في إطار الانفتاح الدبلوماسي الشامل، تقرأه ألمانيا كفرصة تاريخية لتثبيت نفوذ شركاتها الكبرى في واحدة من أكثر الأسواق نمواً في الشرق الأوسط. إن هذا التوجه الألماني يهدف بالدرجة الأولى إلى حجز مقعد ريادي في مشاريع إعادة الإعمار، مما يجعل من تطبيع العلاقات المالية مقدمةً لتدفق رؤوس الأموال والخبرات الألمانية
إلى الداخل السوري. إن تطبيع العلاقات المصرفية يمنح الشركات الألمانية الرائدة في مجالات الطاقة، والإنشاءات، والتقنيات البيئية ميزة تنافسية كبرى، حيث يوفر لها ضمانات مالية وقنوات دفع رسمية وآمنة، مما يحولها من مجرد مراقب للتحولات في الشرق الأوسط إلى شريك أساسي في بناء البنية التحتية السورية، وهو ما ينعكس بالإيجاب على نمو الصادرات الألمانية وخلق فرص عمل جديدة داخل ألمانيا. ومن ناحية أخري تنظر ألمانيا إلى هذا الاستقرار المالي في سوريا كأداة فعالة لتحقيق أهدافها السياسية والاجتماعية المتعلقة بملف الهجرة واللجوء. فمن خلال دعم الاقتصاد السوري عبر القنوات الرسمية وتسهيل تدفق الاستثمارات، تسهم ألمانيا في خلق بيئة معيشية مستقرة داخل سوريا تشجع على العودة الطوعية للاجئين السوريين المقيمين على أراضيها، والذين يمتلك كثير منهم خبرات ومهارات اكتسبوها في ألمانيا. هذا المسار يقلل من الأعباء الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة باللجوء في الداخل الألماني، ويحول الجالية السورية في أوروبا إلى جسر اقتصادي وثقافي يخدم مصالح البلدين. كما أن هذا الاتفاق ربما يعزز من دور ألمانيا كلاعب سياسي ومصرفي محوري في صياغة مستقبل منطقة شرق المتوسط، بعيداً عن الهيمنة التقليدية لبعض القوى الأخرى. فمن خلال كون البنك المركزي الألماني هو “البوابة الأوروبية” الأولى للمركزي السوري، تضمن برلين الإشراف المباشر على معايير الشفافية ومكافحة غسل الأموال في التدفقات المالية الضخمة المتوقعة. هذا الدور الرقابي والريادي يمنح برلين قدرة أكبر على توجيه السياسات الاقتصادية الإقليمية بما يتوافق مع المعايير الأوروبية، ويضمن أن تكون شريكاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات سياسية أو اقتصادية مستقبلية في المنطقة.
فإذا كانت برلين ترى في هذا التقارب المصرفي بوابتها الاستراتيجية نحو السوق السورية، فإن المسؤولية تقع على عاتق الجانب السوري لاستثمار هذا الانفتاح بأقصى طاقة ممكنة، عبر توسيع آفاق التعاون لتتجاوز الأرقام والحسابات البنكية وصولاً إلى القطاعات العلمية والثقافية والمهنية. إن الروابط التاريخية العميقة التي تجمع البلدين، وبالتحديد في مجالات البحث الأثري العريق والتبادل الأكاديمي، توفر أرضية صلبة للبناء عليها في المرحلة المقبلة، بما يضمن تحويل الاستقرار المالي والسياسي الراهن إلى برامج تنموية ملموسة تعيد إحياء البعثات العلمية وتنشط حركة البحث المشترك.
وأخيراً، يثبت هذا الاتفاق مع ألمانيا أن تحسين الوضع المعيشي والاقتصادي هو المفتاح الحقيقي لعودة سوريا إلى مكانتها الطبيعية بين دول العالم. ما بدأ كإجراء بنكي بسيط لفتح حسابات ومبادلات مالية، أصبح اليوم بمنزلة “شهادة ثقة” دولية في قدرة سوريا على إدارة أموالها ومشاريعها بكل شفافية واحترافية. لكن المقياس الحقيقي لنجاح هذا الاتفاق لن يكون فقط في الأوراق والبيانات، بل في رؤية نتائج ملموسة على أرض الواقع؛ مثل استقرار الأسعار وتوفر السلع، ونجاح “صندوق التنمية السوري” في تنفيذ مشاريع خدمية تخدم الناس بشكل مباشر وتعيد الحياة للمدن السورية.
تلفزيون سوريا
————————————–
«الكسب غير المشروع»: أموال «التسويات» مع رجال أعمال حقبة الأسد كبيرة
رئيس اللجنة لـ«الشرق الأوسط»: مرحلة الحسم القضائي تعقب «الإفصاح الطوعي»
دمشق: موفق محمد
30 أبريل 2026 م
أكد رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» في سوريا، باسل السويدان، أن «الأصول المستردة» من «التسويات الاقتصادية» التي تجريها اللجنة لرجال أعمال ارتبطوا بنظام الأسد وعملوا تحت مظلته «كبيرة»، عادت بوصفها حقوقاً للشعب السوري ضمن «برنامج الإفصاح الطوعي».
وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن اللجنة تلقت مئات طلبات الإفصاح الطوعي، أُنجزت منها تسويات متعددة، فيما رُفضت طلبات أخرى لعدم استيفائها المعايير.
كيف تحدد اللجنة حدود الكسب غير المشروع؟ سؤال توجهت به «الشرق الأوسط» لرئيس اللجنة باسل السويدان، الذي شرح أن الكسب غير المشروع «مفهوم قانوني يرتبط حُكماً بالأشخاص، ويُعرّف بأنه كل زيادة غير مبررة في الذمة المالية لا تتناسب مع الموارد المشروعة المعروفة لصاحبها، ويعجز عن تقديم تفسير قانوني ومقنع لمصدرها»، وهذا يشمل الشركات والعقارات والأسهم والتدفقات المالية. كما يتم ضمن منهج تحقيقي محوكم يعتمد على جمع البيانات وتحليلها وربطها ضمن صورة مالية متكاملة.
وأشار السويدان إلى أن اللجنة رغم ارتباط عملها بالأشخاص، تعتمد معايير موضوعية في اختيار الحالات، من بينها كون الشخص يمثل ظاهرة مالية كبيرة أو جزءاً من شبكة اقتصادية معقدة، أو وجود تضخم واضح في الثروة لا يمكن تفسيره ضمن الإطار المشروع. وأكد أن المساءلة تقوم على الأدلة والقرائن المالية، وليس على الموقع أو الصفة.
الإفصاح الطوعي
وأصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، في الرابع من مايو (أيار) 2025، القرار الرئاسي رقم 13، الخاص بـ«تشكيل لجنة مكافحة الكسب غير المشروع»، لحماية المال العام ومكافحة الكسب غير المشروع بجميع أشكاله، واسترداد الأموال غير المشروعة.
وفي 28 ديسمبر (كانون الأول) 2025 أطلقت اللجنة «برنامج الإفصاح الطوعي» لمدة ستة أشهر، والموقع الإلكتروني الرسمي لها، والذي يتضمن خدمات الإبلاغ والإفصاح الطوعي والاستفسار والتواصل مع اللجنة.
السويدان أوضح أن «برنامج الإفصاح الطوعي» يمثل أحد الأدوات الأساسية التي اعتمدتها اللجنة ضمن نظام عملها الداخلي، وهو جزء من صلب العمل القانوني وليس إجراءً استثنائياً. ويعرّف البرنامج بأنه «آلية تتيح للأشخاص الذين ترتبط أموالهم بشبهات كسب غير مشروع الإفصاح عنها طوعاً، وإخضاعها لتدقيق مالي وقانوني شامل، وصولاً إلى تسوية منظمة تُحدد من خلالها الأموال أو الأصول التي يجب استردادها لصالح الدولة».
وأشار إلى أن اعتماد هذه الآلية جاء استناداً إلى توصيات أممية وتجارب دولية مماثلة، حيث تُظهر تجارب الأمم المتحدة والتجارب العالمية في هذا المجال أن الإفصاح الطوعي والتسويات الاقتصادية تُعد من أكثر الأدوات فاعلية في معالجة إرث الكسب غير المشروع، خاصة في الدول الخارجة من النزاعات.
وأثبتت هذه التجارب أن الاعتماد الحصري على المسارات القضائية التقليدية قد يستغرق زمناً طويلاً، ويؤدي إلى تجميد الأصول أو فقدانها، في حين يتيح الإفصاح الطوعي استرداداً أسرع وأكثر كفاءة، مع الحفاظ على استمرارية الأصول ضمن الاقتصاد، مشيراً إلى أنه في هذا السياق، تم اعتماد البرنامج ضمن الإطار الذي نظمه القرار الرئاسي رقم 13 لعام 2025، مع تكييفه بما يتناسب مع خصوصية الواقع السوري.
رجال أعمال أجروا تسويات
وكانت «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» قد أعلنت، منتصف أبريل الحالي، انتهاء إجراءات استلام الأصول العائدة لكل من رجل الأعمال وسيم قطان وإخوته، والأصول المرتبطة بنعيم الجراح، وذلك في إطار طلبات الإفصاح الطوعي المقدمة إلى اللجنة والتسويات الاقتصادية.
ويملك قطان عدة شركات منها «لاروسا للمفروشات» و«مجموعة مروج الشام للاستثمار والسياحة»، ويشغل منصب مدير «شركة آدم للتجارة والاستثمار» و«شركة نقطة تقاطع». وهو أيضاً مدير وشريك مؤسس في عدة شركات أخرى. وأكد القطان أن تسليم «مول المالكي» و«مول قاسيون» بدمشق إلى اللجنة تم بالاتفاق والتفاهم، نافياً عبر «فيسبوك» صحة الأنباء التي تحدثت عن مصادرة مفاجئة لأصوله.
أما نعيم الجراح، فهو رجل أعمال فلسطيني سوري، كانت له شبكة علاقات واسعة داخل الأوساط الأمنية والاقتصادية في حقبة نظام الأسد، وفق تقارير أشارت إلى تلقيه دعماً من شخصيات نافذة ساعدته في تأسيس مجمع «أبتاون» الشهير في مشروع «دمر» بدمشق، و«القرية الشامية» التي صورت فيها حلقات مسلسل «باب الحارة».
وشغل الجراح منصب رئيس مجلس إدارة «شركة خطوط كنده الجوية»، ومدير «شركة قتيبة» و«شركة جراح وشامي وأشقر للتطوير والاستثمار العقاري» وشركة «الجراح للاستثمارات» وشريك مؤسس في شركة «الرضا».
كما أنجزت تسوية لرجل الأعمال سامر الفوز، الذي بدأ ظهوره خلال سنوات الحرب. وكشف السويدان في مقابلة صحافية نشرت مؤخراً عن أن هذه التسوية تضمنت نقل ملكية 32 شركة وأصول متنوعة، شملت شركات صلب وأسمنت وحديد وطيران، وشركات غذائية وهندسية وخرسانة، وفنادق ومطاعم ومنشآت سياحية، وحصص وأسهم في شركات تعدين وفوسفات، وأسهم في بنكين خاصين.
التسوية شملت أيضاً رجل الأعمال طريف الأخرس، وفق الإجراءات الرسمية المعتمدة، أما الأصول المرتبطة بعائلة فواز الأخرس (والد أسماء الأخرس زوجة الرئيس السابق بشار الأسد) فقد اتُّخذت بحقها إجراءات تحفظية كاملة شملت الحجز على الأصول محل الاشتباه، وفق السويدان.
غير أن أول تسوية أعلن عنها في إطار برنامج الإفصاح الطوعي كانت بداية يناير (كانون الثاني) الماضي مع رجل الأعمال، محمد حمشو، الذي كان يوصف بأنه أحد «حيتان» الاقتصاد السوري في حقبة حكم الأسد. وتضمنت وفق مصادر مطلعة، تسليم حمشو 80 في المائة من الأموال والأصول التجارية والصناعية والعقارية التي لديه للدولة، فيما نقلت تقارير أنه تمت استعادة ما قيمته نحو 800 مليون دولار من أموال وأصول.
وأثار الإعلان عن تلك «التسوية»، في حينها، استياء في الشارع السوري، باعتبار أن حمشو كان جزءاً من الحرب التي شنها النظام البائد على المعارضة، إذ كان، حسب كثيرين، ذراعاً مالية عبر شركاته، وعسكرية عبر تشكيله ميليشيات رديفة للجيش، ودعائية عبر قنوات تلفزيونية كان يملكها.
وشدد السويدان، عبر تصريحات للإعلام الرسمي، على أن «التسويات الاقتصادية» التي أُجريت مع بعض رجال الأعمال لا تمنح أي حصانة جزائية، ولا تمس بحقوق الغير، ولا تؤثر في مسارات العدالة الانتقالية، موضحاً أنها تقتصر على معالجة الشق المالي الناتج عن جرم الكسب غير المشروع، فيما تبقى بقية المسارات القضائية قائمة.
عدم تعطيل القضاء
شدد السويدان على أن «الإفصاح الطوعي» لا يلغي المسار القضائي بل يعمل بالتوازي معه، موضحاً أن الهدف الأساسي هو تقليل الزمن الذي تستغرقه إجراءات التقاضي، وتخفيف العبء عن القضاء السوري، مع الحفاظ على استمرارية العمل القانوني.
وأكد أن اللجنة استمرت في تنظيم الضبوط وإحالة الملفات التي لم تستوفِ شروط الإفصاح، وهو ما سيشكّل الأساس للمرحلة التالية.
وكشف السويدان عن أن عدد الحالات التي تخضع للتدقيق يُقدّر بالآلاف، نتيجة تشعب الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالكسب غير المشروع، التي لم تكن ظاهرة فردية بل منظومة ممتدة.
وأوضح السويدان لـ«الشرق الأوسط» أن الأصول التي جرى ضبطها أو استردادها ضمن برنامج الإفصاح الطوعي لا تزال في مرحلة استكمال الإجراءات، حيث يتم تثبيت الملكيات واستكمال التحقيقات وتحليل الارتباطات المالية، قبل تحديد المسار النهائي.
وأكد أن هذه الأصول ستتجه إلى أحد مسارين: التسوية ضمن برنامج الإفصاح الطوعي، أو الإحالة إلى القضاء المختص، وفق نتائج التحقيق.
انتهاء المهلة
وأكد أن «برنامج الإفصاح الطوعي» يمنح فرصة زمنية محددة لتسوية الأوضاع ضمن إطار قانوني محوكم، لكنه ليس متاحاً لجميع الحالات، بل يخضع لمعايير قبول دقيقة، ويشكّل فرصة حقيقية للبعض لإعادة الاندماج في الاقتصاد النظامي. وأن المرحلة التي تلي انتهاء المهلة تمثل انتقالاً منظماً إلى مرحلة تعتمد على تفعيل كامل للمسار القضائي.
ولفت إلى أن بعض الملفات تتضمن شبهات تتعلق بجرائم مالية أخرى، مثل غسل الأموال أو تمويل الإرهاب أو الاتجار بالمخدرات، وفي هذه الحالات يتم إحالة الملفات إلى النيابة العامة المختصة، لضمان تكامل الإجراءات القانونية.
وأضاف أن اللجنة ستواصل التنسيق مع الجهات الرقابية، وفي مقدمتها الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، لمعالجة الجوانب المؤسسية المرتبطة ببعض الملفات.
——————————–
مشاريع أنابيب نفط وغاز خليجية لمواجهة المخاطر الجيوسياسية… ما التحديات؟: كريم رمضان
30 ابريل 2026
دفعت تداعيات الحرب في الخليج قادة مجلس التعاون إلى التشديد، في قمة جدة، يوم الثلاثاء، على أهمية إقامة مشروعات مشتركة لأنابيب نقل النفط والغاز والربط عبر السكك الحديدية والإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية لرفع الجاهزية الدفاعية المشتركة، وإنشاء مناطق للمخزون الاستراتيجي الخليجي لضمان توافر السلع والمواد الحيوية عند الأزمات، حسبما أورد البيان الختامي للقمة، فيما يتعامل خبراء طاقة ونقل مع هذه الحزمة بوصفها اختباراً لقدرة دول الخليج على تحويل الخطر الجيوسياسي إلى بنية تحتية أكثر مرونة، لا مجرد إعلان سياسي جديد.
وتظهر تقديرات متخصصة أن واقعية التنفيذ تختلف من مشروع إلى آخر، وأن بعض المسارات باتت أقرب إلى التنفيذ لأنها تستند إلى بنية موجودة أو إلى قرارات تصميم جاهزة، بينما تظل مشاريع أخرى طويلة الأجل ومفتوحة على تعقيدات التمويل والتنسيق والأمن، ووفق هذا المعيار فإن الأقرب إلى التنفيذ على المدى القريب هو الربط الكهربائي الخليجي، لأنه مشروع تشغيلي قائم بالفعل ويمكن توسيعه سريعاً مقارنةً بالمشاريع الأخرى، حسبما أورد تقرير نشرته إنرجي كونيكتس (Energy Connects)، المتخصصة في شؤون الطاقة، في 21 إبريل/ نيسان الجاري.
كما أن التقدم في بعض المقاطع الوطنية لبعض المشروعات، مثل التحرك الكويتي في تصميم جزء من شبكة السكك الحديدة، يدل على أن بعض عناصر الربط البري ما زالت تتحرك، لكن خبراء القطاع لا يضعون السكك الحديدية في الخانة نفسها مع الكهرباء من حيث السرعة أو سهولة الإنجاز، بسبب طول المسار وتباين الأولويات الوطنية واحتياجات التنسيق الجمركي والتشغيلي، حسبما أورد تقرير نشرته وكالة رويترز في 7 إبريل الجاري.
أنابيب نقل النفط والغاز
أما أنابيب نقل النفط والغاز بحرياً فهي الأكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية، لكن نجاحها يتوقف على قرارات استثمارية كبيرة ومسارات آمنة لا تتعرض لتهديدات مماثلة لتلك التي يتعرض لها مضيق هرمز، إذ إن هذه المشروعات لا تلغي المخاطر لكنها تقلصها وتوزعها، حسبما أورد تقرير نشرته “فايننشال تايمز” في 24 إبريل/ نيسان الجاري.
وحسب التقرير ذاته، فإن دول الخليج تملك بالفعل منافذ التفاف محدودة، مثل خط الشرق-الغرب السعودي وخط حبشان-الفجيرة الإماراتي، وهي منافذ أثبتت أهميتها في الأزمات، لكنها لا تستطيع وحدها تعويض كل الصادرات إذا طال التعطل أو اتسع نطاق التهديد.
ولذا يرى محللون أن القيمة الحقيقية لمشاريع الربط ليست في إغلاق المخاطر نهائيا، بل في تقليل القدرة على ابتزاز الأسواق وتعزيز المرونة التشغيلية في وجه أي إغلاق جزئي أو كامل لمضيق هرمز، بحسب محللين.
غير أن التحديات الأكبر لا تزال سياسية ومؤسسية بقدر ما هي تقنية، فكل مشروع عابر للحدود يحتاج إلى اتفاقات دقيقة حول التمويل والملكية والتشغيل والتعرفة والحماية الأمنية، وإلى درجة عالية من الثقة بين العواصم الخليجية في بيئة إقليمية لا تزال قابلة للتقلب السريع، حسبما أورد تقرير “إنرجي كونيكتس”، مشيرا إلى أن مشروع “المخزون الاستراتيجي الخليجي”، على وجاهته، يظل معلقاً بين الفكرة والتنفيذ ما لم يتحول إلى التزام جماعي محدد بالتمويل والمواقع والإدارة.
وعليه فإن مشاريع الربط المائي والسكك والمخزونات أكثر عرضة للتأجيل من مشاريع الكهرباء أو بعض الأنابيب، لأنها تتطلب تنسيقاً مؤسسياً أوسع وقيادة سياسية أكثر دواماً، بحسب تقرير “إنرجي كونيكتس”.
الأكثر واقعية
في هذا الإطار، يشير الخبير في الاقتصاد السياسي، بيار الخوري، لـ”العربي الجديد”، إلى أن مشروع الربط الكهربائي هو الأكثر واقعية ونجاحاً بين المشاريع الستة المطروحة في القمة الخليجية، نظراً لوجود بنية تحتية قائمة بالفعل وتشغيل هيئة كهرباء دول مجلس التعاون منذ عام 2009، والتي تربط حالياً 5 دول بقدرة تبادلية تصل إلى 1200 ميغاواط، ما يجعل الحديث عن توسعة وترقية الشبكة أكثر جدوى تشغيلية واقتصادية من البناء من الصفر.
وعلى النقيض من ذلك، يعاني مشروع سكة الحديد الخليجية من التقطع والتعثر منذ عام 2003 بسبب الخلافات حول معايير العرض (القياسي مقابل الواسع) والنزاعات على حقوق العبور وتحديات التمويل، بحسب الخوري، لافتا إلى أن السعودية والإمارات أنجزتا أجزاء من شبكاتهما الوطنية، لكن مناطق الربط الحدودي لا تزال شبه معدومة.
وتمتلك مشاريع أنابيب النفط والغاز سابقة نجاح متمثلة في خط الشرق-الغرب السعودي الذي تصل طاقته إلى 7 ملايين براميل يومياً، وخط “حبشان-الفجيرة” الإماراتي الذي تتجاوز طاقته 1.5 مليون برميل يومياً، بالإضافة إلى خط الكويت-البصرة الذي يقدم نموذجاً للربط النفطي الثنائي عالي الجدوى شرط توفر الإرادة السياسية، رغم بقاء إشكالية التمويل المشترك عقبة رئيسية، وفق رؤية الخوري.
أما الربط المائي فيصنفه الخوري كـ”أعسر المشاريع تقنياً وسياسياً”، نظراً لتناقص المياه الجوفية في شبه الجزيرة العربية واعتماد دول مجلس التعاون الخليجي شبه الكلي على التحلية. ويشكل المخزون الاستراتيجي المشترك تحدياً إدارياً يتطلب بروتوكولات واضحة للإفراج عنه وإدارته أثناء الأزمات، وفق الخوري، ورغم أن التجارب الدولية مثل الوكالة الدولية للطاقة تفرض التزامات، فإن التطبيق الفعلي في الخليج يواجه صعوبات، غير أن أمن الطاقة يبقى محوراً استراتيجياً حساساً نظراً لمرور 21% من تجارة النفط العالمية عبر مضيق هرمز، وهو ممر شهد اضطرابات متكررة منذ أزمة الناقلات وحرب الخليج، كما يشير الخوري.
معضلة السيادة في مشروعات الخليج
يكمن العائق الأعمق أمام التكامل الخليجي في مسألة “السيادة”، بحسب الخوري، موضحاً أن تاريخ مجلس التعاون يكشف عن نمط متكرر يتمثل في الإعلان عن مشاريع كبرى في القمم ثم تعثرها عند التفاصيل التنفيذية بسبب خلافات الحوكمة وتوزيع العائدات وآليات حل النزاعات. ويضرب الخوري بأزمة حصار قطر عام 2017 مثالاً، إذ أظهرت مدى هشاشة التكامل الإقليمي أمام القرارات السياسية المفاجئة، مؤكداً أن مرحلة ما بعد الحرب تطرح تحديات مالية وسياسية كبيرة، حيث تواجه الحكومات الخليجية خيارات صعبة في تخصيص الاستثمارات بين المشاريع الوطنية ذات الأولوية والمشاريع المشتركة التي قد تكون عوائدها أقل أو غير مضمونة.
ويعزز من صعوبة هذه الخيارات تقديرات الكلفة الهائلة للمشروعات، والتي تصل إلى 200 مليار دولار للسكة الحديد و10-30 مليار دولار لكل مسار رئيسي للأنابيب، بينما ترتبط المنظومة الدفاعية بمفاوضات التسليح مع الشركاء الغربيين ولا يمكن اتخاذ قرارات فيها بشكل منفرد. غير أن التوترات الإقليمية يمكن أن تكون محفزاً استراتيجياً للتكامل كما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، حسبما يرى الخوري، وبالتالي فإن التهديد الإيراني واحتمالات التصعيد قد تدفع نحو تكامل أعمق، رغم وجود خلافات بنيوية مثل التنافس السعودي-الإماراتي والتحفظات القطرية على المركزية السعودية، ونزعة الاستقلالية العمانية والكويتية، حسب تعبيره.
تطبيق الوحدة الخليجية
من جانبه، يشير الخبير الاقتصادي، عبد الله الخاطر، لـ”العربي الجديد”، إلى أن مشروع الربط الكهربائي بين دول الخليج يعد من أنجح المشاريع الإقليمية من حيث واقعية التنفيذ، يليه مشروع شبكة السكك الحديدية الذي تمثل وصلة الرياض-الدوحة أحد تجلياته الاستراتيجية، مؤكداً وجود طموحات لتسريع وتيرة الإنجاز إلا أن الضغوط الناتجة عن تداعيات الحرب وإغلاق مضيق هرمز تدفع صانعي القرار نحو مراجعات وتأملات دقيقة قبل هذا التسريع. ويضيف الخاطر أن التشابك بين شبكات الطرق والسكك الحديدية والشحن والكهرباء والاتصالات مستوى يعزز التنسيق والعمل الموحد في المنطقة، ما يمكن دول الخليج من اتخاذ مواقف مشتركة وإظهار قوة موحدة تردع القوى الأخرى وتجعلها تحسب ألف حساب قبل أي مواجهة أو قرار عدائي. كما أن هكذا تكامل من شأنه أن يسهم في رفع الثقل السياسي والاقتصادي للخليج أمام القرار العالمي، بحيث ينظر المجتمع الدولي إلى المنطقة ككتلة موحدة وقوية وليست هشة أو مشتتة، ما يجعل الاهتمام بالقرار الخليجي مرهوناً بدرجة الوحدة والتنسيق بين دول مجلس التعاون، وفق رؤية الخاطر.
——————————–
افتتاح معبر اليعربية ــ ربيعة.. رهان على شريان حيوي جديد بين دمشق وبغداد/ أحمد العكلة
29 أبريل 2026
بعد نحو 13 عامًا من التوقف، يعود معبر اليعربية ــ ربيعة الحدودي بين سوريا والعراق إلى العمل، في خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز إعادة تشغيل منفذ بري بين بلدين جارين، لتلامس ملفات التجارة والطاقة والسيادة والتنمية المحلية، وسط رهانات رسمية على تحويل المعبر إلى شريان اقتصادي جديد يربط دمشق وبغداد، ويعيد تنشيط الحركة التجارية وحركة العبور في واحدة من أكثر المناطق تأثرًا بتداعيات الحرب خلال السنوات الماضية.
ويأتي افتتاح المعبر في سياق تحولات إقليمية واقتصادية متسارعة، تتزايد معها أهمية المعابر البرية كمسارات بديلة للنقل والتجارة، خصوصًا في ظل اضطرابات سلاسل التوريد العالمية والتحديات التي تواجه بعض خطوط الشحن التقليدية. كما ينظر إلى المعبر باعتباره بوابة قد تعزز التبادل التجاري، وتدعم حركة الترانزيت، وتفتح المجال أمام فرص استثمارية وتنموية في المناطق الحدودية، إلى جانب ما يحمله من دلالات سيادية مرتبطة بإدارة الحدود وإعادة تفعيل البنى الاقتصادية العابرة للحدود.
وتترافق هذه التوقعات مع حديث عن انعكاسات محتملة على قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والطاقة، فضلًا عن دوره في تحريك الاقتصاد المحلي في محافظات شرق سوريا، وتعزيز الروابط الاقتصادية والاجتماعية مع الجانب العراقي، في وقت يرى باحثون ومراقبون أن الخطوة قد تمثل مؤشرًا على مسار أوسع لإعادة تنشيط التعاون الاقتصادي الإقليمي عبر المعابر الحدودية.
وفي هذا السياق، قال مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، مازن علوش، في تصريح لموقع “الترا سوريا”، إن إعادة افتتاح المنفذ شكّلت تحديًا كبيرًا على المستويين اللوجستي والأمني، نظرًا لحجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية خلال السنوات الماضية.
وأوضح علوش أن إعادة تشغيل المنفذ استدعت تنفيذ أعمال تأهيل شاملة شملت الطرق والمرافق الخدمية، إلى جانب تجهيز البنى الفنية والجمركية اللازمة لاستئناف العمل، مشيرًا إلى أن التحديات شملت أيضًا تأمين المنفذ ومحيطه وضمان الجاهزية التشغيلية في منطقة بقيت خارج الخدمة لفترة طويلة.
وأضاف أن الهيئة عملت، بالتنسيق مع الجهات المعنية، على إعادة تنظيم الموقع وتحديث أنظمة العمل واعتماد إجراءات أمنية دقيقة، بما أتاح إعادة تشغيل المنفذ وفق معايير تضمن السلامة والكفاءة التشغيلية.
وفي ما يتعلق بضمان انسيابية الحركة خلال المرحلة الأولى من الافتتاح، أكد علوش أن الهيئة اعتمدت خطة تشغيل مرحلية مدروسة تستهدف تسهيل حركة البضائع والمسافرين منذ اليوم الأول، عبر تبسيط الإجراءات الجمركية وتخصيص مسارات واضحة ومنظمة للشاحنات والمسافرين، إلى جانب تعزيز الكوادر البشرية المؤهلة.
وأشار إلى تطبيق نظام عمل مرن وقابل للتطوير يتيح إجراء تقييم مستمر للأداء خلال المرحلة الأولى، والتعامل الفوري مع أي اختناقات محتملة، بما يسهم في تقليل زمن الانتظار ورفع كفاءة العبور، خصوصًا مع التوقعات بزيادة تدريجية في حجم الحركة عبر المنفذ.
وحول التأثير المتوقع لإعادة افتتاح المنفذ على الإيرادات والتجارة، قال علوش إن الخطوة من شأنها تنشيط حركة التجارة بين سوريا والعراق بشكل مباشر، باعتبار المنفذ أحد المعابر الحيوية التي تعزز الربط الاقتصادي بين البلدين، متوقعًا زيادة تدريجية في حجم التبادل التجاري وتنشيط حركة الترانزيت، بما ينعكس إيجابًا على الإيرادات الحكومية.
وبيّن أن الأثر المتوقع لا يقتصر على الجانب المالي، بل يمتد ليشمل دعم الاقتصاد المحلي في المناطق الحدودية، وتحفيز قطاعات النقل والخدمات اللوجستية، بما يعزز فرص التكامل الاقتصادي ويكرّس دور المنافذ الحدودية كرافعة للتنمية الاقتصادية.
من جهته، قال الباحث السياسي أنس شواخ، في حديث لموقع “الترا سوريا”، إن افتتاح المعبر يحمل أبعادًا اقتصادية وسيادية واجتماعية مهمة للبلدين، مشيرًا إلى أنه يمثل بالنسبة للعراق منفذًا إضافيًا وأول معبر رسمي تديره الحكومة الاتحادية بشكل كامل، بخلاف أوضاع معابر أخرى مثل معبر سيمالكا.
وأضاف شواخ أن المعبر يشكل منفذًا بريًا احتياطيًا قد تعتمد عليه الحكومة العراقية في تمرير شحنات النفط، خاصة في ظل التحديات التي تواجه النقل البحري، ومنها تعطل بعض المسارات الحيوية مثل مضيق هرمز. كما اعتبر أن المعبر بالنسبة لسوريا يمثل أول منفذ مع العراق تديره الحكومة السورية في دمشق، ما يمنحه أهمية اقتصادية مباشرة من خلال الرسوم والعوائد المرتبطة بحركة النقل، ولا سيما شحنات النفط.
وأوضح أن تشغيل المعبر قد يوفر آلاف فرص العمل على جانبي الحدود، وسط تقديرات عراقية غير رسمية تشير إلى أن حجم التبادل التجاري عبر المعبر قد يتجاوز مليار دولار خلال العام الجاري، ما يشكل إضافة مهمة لاقتصاد البلدين، وينعكس إيجابًا على الواقع المعيشي في محافظات الحسكة ودير الزور والرقة.
وفي البعد الاجتماعي، أشار شواخ إلى أن المناطق الواقعة على جانبي الحدود ذات طابع عشائري وتربط سكانها صلات قربى وروابط اجتماعية، ما يجعل افتتاح المعبر عاملًا في تعزيز التواصل بين المجتمعات المحلية، وزيادة الحركة المدنية والتجارية مستقبلًا.
وفي ما يتعلق بالبعد السيادي، قال إن استعادة الحكومة السورية إدارة المعابر الحدودية مع العراق، وربما لاحقًا مع تركيا، تمثل مؤشرًا مهمًا على التقدم في تنفيذ التفاهمات القائمة، كما تعكس تعزيز سيطرة الدولة على ملف المعابر بوصفه ملفًا سياديًا بامتياز.
وحول انعكاسات المعبر على المنطقة الشرقية، أوضح شواخ أن موقعه الجغرافي يجعل أي حركة عبور تمر عبر عدد من المحافظات والطرق الاقتصادية الرئيسية، مثل طريق الحسكة–دير الزور والحسكة–الرقة، ما سيؤدي إلى تنشيط قطاع النقل والخدمات المرتبطة به، ويوفر فرص عمل جديدة.
وأضاف أن ازدياد الحركة التجارية عبر المعبر سيدفع بطبيعة الحال إلى تطوير البنية التحتية، وخاصة ترميم وتأهيل الطرق الاقتصادية الرئيسية لتسهيل حركة البضائع والأشخاص، لافتًا إلى أن الرسوم والإيرادات المتأتية من المعبر يمكن أن تسهم في تمويل مشاريع الترميم ودعم البنية التحتية بشكل مباشر.
وبين الرهانات الاقتصادية المرتبطة بالتجارة والطاقة، والدلالات السيادية المتصلة بإدارة الحدود، تبدو إعادة افتتاح معبر اليعربية–ربيعة خطوة تتجاوز بعدها الخدمي المباشر، لتفتح نقاشًا أوسع حول دور المعابر في إعادة تنشيط الاقتصاد وتعزيز الحضور الإقليمي لكل من سوريا والعراق.
بدوره، قال الباحث في العلاقات الدولية فراس علاوي، في حديثه لموقع “الترا سوريا”، إن إعادة افتتاح معبر اليعربية تحمل دلالتين أساسيتين؛ تتمثل الأولى في تأكيد سيطرة الحكومة السورية على الجغرافيا السورية والحدود، وإعلان هذه السيادة بشكل كامل، بما يعكس بوضوح إحكام الحكومة سيطرتها على هذه المنطقة.
وأضاف أن الدلالة الثانية تتعلق برغبة الحكومة السورية في إعادة نسج علاقاتها الإقليمية مع دول الجوار على أسس جديدة قوامها التعاون الاقتصادي، مشيرًا إلى وجود استفادة محتملة من التوترات الراهنة واضطرابات سلاسل توريد النفط.
وأوضح علاوي أن العراق بوصفه بلدًا منتجًا للنفط، وسوريا بوصفها بلد عبور يمكن أن يتيح تصدير النفط إلى أوروبا عبر موانئها، قد يشكلان نموذجًا لتعاون اقتصادي قائم على تبادل المصالح والحاجة المتبادلة، معتبرًا أن هذا التعاون قد يفتح الأسواق الأوروبية أمام النفط العراقي، إلى جانب تسهيل حركة البضائع مستقبلًا عبر المعابر الأخرى.
وأشار إلى أن افتتاح معبر اليعربية يمثل رسالة بأن سوريا جاهزة لاستقبال النفط العراقي عبر خطوط الأنابيب بعد إعادة تأهيلها، وأنها تسعى لاستعادة دورها كمعبر إقليمي للبضائع والطاقة، بما يعكس محاولة للاستفادة مجددًا من موقعها الجغرافي بعد سنوات العزلة.
ورأى علاوي أن هذه الخطوة قد تشجع دولًا أخرى على إعادة فتح العلاقات الاقتصادية مع سوريا، في ظل اعتبارها أصبحت أكثر أمانًا نسبيًا، بما يمهد لتوسيع التعاون الاقتصادي سواء عبر المعابر المباشرة مع العراق والأردن وتركيا، أو مع دول إقليمية أبعد، وخصوصًا دول الخليج.
وختم بالقول إن إعادة افتتاح المعبر تحمل رسالة سياسية وأمنية واقتصادية موجهة إلى دول الجوار، لا سيما الدول التي شهدت قطيعة مع دمشق خلال فترة الثورة السورية، كما تمثل رسالة سيادية تؤكد تحكم الحكومة السورية بمعابرها الحدودية.
الترا سوريا
———————————
=======================
تحديث 29 نيسان 2026
هل يستلم السوريون حوالاتهم الخارجية بالعملة المحلية ويخسرون 16% من قيمتها؟/ جانبلات شكاي
تركت قرارات لمصرف سوريا المركزي تتعلق بتسليم بعض الحوالات الواردة بالعملة السورية، وإنشاء “سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب”، حالة من القلق والترقب بين عامة المواطنين ممن يعيشون على ما يستلمونه من حوالات خارجية.
واعتبر باحثون القرارات التي ستدخل حيز التنفيذ بداية الأسبوع المقبل، أنها محاولة للتحكم وضبط سوق سعر الصرف وتدفقات العملات الأجنبية، عبر توحيد مرجعية الأسعار من دون تحرير كامل لليرة.
سوق للعملات
ونهاية الأسبوع الماضي، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر حصرية، عبر حسابه على “فيسبوك”، أنه قرر إحداث “سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب” كخطوة محورية في مسار تطوير السياسة النقدية وتعزيز الاستقرار المالي، مشيراً إلى أن هذه السوق الإلكترونية التي ستحدث لأول مرة في سوريا وفق المعايير الدولية، تهدف إلى تنظيم عمليات التداول وتوحيد مرجعية الأسعار، بما يحدّ من التشوهات ويعكس قوى العرض والطلب بدقة وآنية، كما تسهم في تعزيز الشفافية عبر توفير بيانات موثوقة وتحديثات مستمرة، الأمر الذي يدعم ثقة المتعاملين ويحدّ من المضاربات غير المنظمة، ويهدف أيضاً إلى القضاء على السوق السوداء وأي أسواق أخرى موازية، وذلك لأول مرة منذ أكثر من سبعين عاماً.
وبين أن السوق ستدار من خلال منصة تُحدَّث وفق المعايير الدولية، بما يوفر بيئة تداول حديثة تعتمد أفضل الممارسات العالمية، ويعزز كفاءة سوق القطع الأجنبي والذهب، ويخدم أهداف الاستقرار النقدي.
وفي منشورات لاحقة له عبر صفحته، أكد حصرية أن “التركيز على الاستقرار النقدي يعني أن السياسة النقدية يجب أن تبقى مرتبطة بالأساسيات الاقتصادية طويلة الأمد، وليس بالتقلبات اللحظية أو سلوك المضاربين في السوق الموازية، بهدف الحفاظ على عملة مستقرة تدعم النمو الاقتصادي وتخفف من عدم اليقين، وليس الانجرار وراء تحركات غير مستقرة لا تعكس الواقع الكامل.
وأكد أن رؤية مصرف سوريا المركزي، في ظل الفرص التي أتاحها رفع العقوبات، تقوم على البناء لا على الترقيع، ما يستدعي إعادة هندسة شاملة، وتنظيماً حديثاً للقطاع المالي، والأسواق، والمهن المرتبطة به.
وشدد حصرية على أن المركزي يتحرك وفق رؤية واضحة تضع في صلب كل قراراتها مصالح جميع المعنيين والناس أولاً، والدولة بوصفها في خدمة الناس، تليها الأعمال والمؤسسات المالية، وصولاً إلى المؤسسات المالية الدولية التي تتعامل معنا، والتي قد تتعرض لأي مخاطر في حال وجود خلل في آليات التعامل.
وشدد الحاكم على أن استراتيجية المركزي تقوم على أساس واضح يتمثل في سوق صرف متوازن وشفاف، وسعر صرف عادل، لأن التسعير الإداري يؤدي حتماً إلى اختلالات يستفيد منها القلة على حساب الأغلبية، فيجب أن يكون السعر ناتجاً عن سوق نزيه وشفاف يعكس الواقع الحقيقي. وأكد أن الاستقرار النقدي ليس خياراً، بل مسؤولية، وأي انحراف عنه يمسّ مباشرة حياة المواطنين ومعيشتهم، مؤكداً الالتزام بضبط السوق، بمهنية وبنزاهة وبشفافية، ومحاسبة كل من يحاول استغلال هذا القطاع على حساب الناس.
قلق بين المواطنين
وقبل الإعلان عن قرار إنشاء سوق العملات الأجنبية، كان “المركزي” قد أصدر قراراً ألزم فيه المصارف وشركات الصرافة وشركات الحوالات الداخلية المتعاقدة مع شبكات التحويل العالمية (موني غرام، ويسترن يونيون، شيفت) وغيرها، بتسليم المستفيدين جميع الحوالات التي ترد من الشبكات المذكورة بالليرة السورية.
وخلق تسريب القرار بشكل غير دقيق باعتباره يطال جميع الحوالات القادمة إلى سوريا، حالة من القلق والتخوف لأنه يعني خسارة المواطن نحو 16% من قيمة حوالته الخارجية نتيجة فروقات سعر الصرف بين وسطي النشرة الرسمية 113 ليرة قديمة للدولار، وسعر صرف السوق الموازية 132 ليرة.
وحاول “المركزي” تدارك التلاعب بأجواء سوق الصرف، وأصدر توضيحاً أكد من خلاله أنه ليس المقصود من القرار تسليم جميع الحوالات بالليرة السورية، وإنما فقط الحوالات الواردة عبر شركات التحويل السريع مثل “ويسترن يونيون” ومثيلاتها، مشيراً إلى أنه، واستجابة لطلبات شركات التحويل، تقرر تأجيل تنفيذ الإجراء المذكور حتى تاريخ 1 أيار/ مايو المقبل لإتاحة الوقت اللازم لاستكمال الجاهزية الفنية المطلوبة، ومشدداً على أنه تبقى جميع الحوالات الأخرى تُسلّم بالعملة الواردة بها أو ما يعادلها بالليرة السورية وفق الأنظمة النافذة وحسب رغبة المستفيد.
زيادة الحوالات الخارجية
وفي تصريح لـ”القدس العربي”، قال مدير إحدى شركات الصرافة وتحويل الأموال المرخصة إن جميع شركات ومكاتب الحوالات والصرافة المرخصة، التي كانت تستقبل حوالات خارجية، ما زالت قادرة على تسليم الحوالات بالدولار أو بسعر صرف الليرة في السوق الموازية، باستثناء الشركات التي كانت تستقبل الحوالات عبر شركات عالمية مثل “ويسترن ينون” وهي موجودة لدى شركة الفؤاد، و”موني غرام” وهذه تستفيد من خدماتها بنوك “بركة” و”الوطني الإسلامي” و”بيمو”.
ووفقاً لبيانات “المركزي”، يبلغ العدد الإجمالي لشركات ومكاتب الصرافة المرخصة والمسجلة أصولاً في سوريا 40 شركة ومكتباً، تشمل 14 شركة مرخصة أساساً، و26 شركة حصلت على ترخيص مبدئي.
وبين المصدر، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أنه وقبل سقوط النظام لم تكن خدمة تسليم الحوالات بالدولار متاحة لأحد، وكان التسليم يتم بالليرة السورية ووفق سعر صرف “دولار الحوالات”، وكان عادة أقل من سعر صرف السوق السوداء بعدة آلاف من الليرات، ما دفع إلى ظهور شبكات تحويل أموال مخالفة ينشط من خلالها أشخاص يتعاملون مع مكاتب خارج سوريا، وكان هؤلاء يسلمون الحوالات بأسلوب التهريب وعبر الاتصال مع صاحب الحوالة من أرقام دولية عبر برنامج “واتس آب” لتحديد مكان تسليم الحوالة في أحد الشوارع من دون أي ضمانات.
وتابع المصدر: “بعد سقوط نظام الأسد، تُركت حرية عمليات التحويل للشركات المرخصة، بحسب رغبة المستلم إن كانت بالدولار أو بما يوازيها بالليرة حسب سعر صرف السوق الموازية، وانتهت هكذا ظاهرة التحويل خارج الأطر القانونية، وخصوصاً مع الترخيص لشركات جديدة فتحت عدداً كبيراً من الفروع، حتى بات البعض يتندر بأنها صارت أكثر من محلات الخضر والبقالات.
وكشف المصدر أن كمية الأموال المحولة إلى سوريا خلال السنة الأخيرة، قد تحسنت بالتأكيد عن حجمها قبل سقوط النظام، وكانت التقديرات حينها تتحدث عما بين 7- 8 ملايين دولار يومياً، وتقدر اليوم بنحو 11 مليون دولار، وذلك بسبب ترك حرية التحويل والاستلام بالعملة الصعبة أو بقيمتها في السوق الموازية، إلى جانب تدفق أموال من السوريين المقيمين في الخارج لذويهم العائدين إلى المناطق المحررة بهدف ترميم منازلهم وإعادة إكسائها وتجهيزها تمهيداً لعودتهم، مع زوال حالة الخوف من القصف والتدمير من جيش النظام الساقط.
وتوقع المصدر أن يتأثر سعر صرف الليرة السورية بقرار إنشاء سوق دمشق للأوراق المالية، من دون أن يؤثر عليه قرار حصر تسليم الحوالات لدى بعض الشركات بالليرة السورية، موضحاً أنه لن يكون هناك فارق كبير بقيمة الحوالة المسلمة لوجود هامش للصرف محدد من المركزي بنسبة 15%، ما يتيح رفع سعر الدولار من 113 ليرة قديمة حسب “المركزي”، إلى نحو 127,5 ليرة، مقارنة بـ132 ليرة في السوق الموازية اليوم.
واستبعدأن ينعكس قرار تسليم الحوالات بالليرة السورية على حجم الواردة منها عبر الشركات الدولية المستهدفة بالقرار، لصالح الشركات السورية المرخصة، وقال إن الأمر لن يكون له تأثير يذكر، لأن شبكات مكاتب تلك الشركات الدولية منتشرة في معظم مدن العالم، وسيظل من كان يحوّل عبرها، إلا في حالات قليلة؛ وذلك لعدم توفر شبكة مشابهة منتشرة على المستوى الدولي للشركات السورية المرخصة.
لا تحرير لسعر الصرف
الأكاديمي والباحث الاقتصادي، زياد أيوب عربش، استبعد أن يؤدي قرار إنشاء سوق العملات الأجنبية إلى تحرير سعر صرف الليرة وتعويمها.
وقال في تصريح لـ”القدس العربي” إن القرار لا يعني بالضرورة ذلك، وعلى الأقل خلال الفترة القريبة، موضحاً أن القرار يهدف إلى تنظيم التداول وتوحيد مرجعية الأسعار عبر سوق إلكترونية متوازنة وشفافة، لكنه لا يعني تحريراً كاملاً لسعر الصرف، حيث يحتفظ المركزي بدور في الإشراف والتدخل المحتمل، وبالتالي سعر الصرف الرسمي سيظل مرجعاً للمعاملات الحكومية مثل التجارة والجمارك، مع الاعتماد على قوى العرض والطلب في السوق الجديدة.
وبين أن قرار إنشاء سوق العملات لا يشير صراحة إلى توفر ملاءة مالية كافية لتدخل يومي بهدف الحفاظ على استقرار قيمة الليرة، وخاصة مع الاحتياطيات المنخفضة تاريخياً في سوريا، معتبراً أن السوق قد تساعد في الحد من الضغط على الاحتياطي عبر تنظيم التداول، لكنه قد يتطلب تدخلات أولية تستهلك العملة الصعبة، ومشيراً إلى أنه بالمقابل ستكون المضاربة والكتلة النقدية تحت المراقبة، للحد من المضاربة في السوق السوداء والأسواق المجاورة من خلال الشفافية والتنظيم، وسيرتبط تعزيز تحكم المركزي بالكتلة النقدية باستبدال العملة الجديدة لضبط السيولة، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى نهاية فورية وكاملة للمضاربة.
وأوضح أن قرار تسليم الحوالات بالليرة السورية يُقرأ كإجراء انتقالي لتوجيه التدفقات إلى السوق الجديدة وضمان استقرار الليرة رغم التحرير التدريجي، متمنياً أن يكون القرار إجراء مؤقتاً حتى إطلاق السوق، لأنه قد يدفع بعض التجار إلى مكاتب غير مرخصة إذا كان السعر الرسمي أقل جاذبية.
وأكد أن إنشاء سوق العملات الأجنبية سيعزز الاستقرار النقدي والشفافية، ويقلل التقلبات، ويحسن الثقة بالليرة، لكنه قد يرفع أسعار الاستيراد مؤقتاً، وإن كان توحيد الأسعار يحمي المواطن من الغش، لكن ارتفاع صرف الدولار سيزيد تكاليف المعيشة إذا لم يتبع بزيادات في رواتب الجميع.
القدس العربي
—————————–
شريان قديم يعود تحت الضغط: العراق وسوريا يعيدان فتح طريق الطاقة نحو المتوسط/ علي البرغوث
2026.04.29
في عالم الطاقة، لا تختفي المشاريع القديمة بقدر ما تدخل في حالة انتظار طويلة. خطوط الأنابيب التي توقفت بفعل الحروب أو السياسة، تبقى كامنة في الجغرافيا، جاهزة للعودة عندما تتغير المعادلات. هذا تماماً ما يحدث اليوم مع خط كركوك – بانياس، الذي عاد إلى الواجهة مدفوعاً بواحدة من أكثر اللحظات حساسية في سوق النفط الإقليمي.
فمع تصاعد التوترات في مضيق هرمز، الممر البحري الذي تمر عبره غالبية صادرات العراق، لم يعد الحديث عن بدائل مجرد نقاش نظري. بل تحول إلى حاجة ملحّة لدولة يعتمد اقتصادها بشكل شبه كامل على تدفق النفط إلى الأسواق العالمية. ومع تعقّد الملاحة وارتفاع المخاطر، بدأت بغداد تبحث عن منفذ آخر، لتجد أن الحل الأقرب جغرافياً هو التوجه غرباً نحو سوريا.
من الأرشيف إلى الواقع
العودة إلى هذا المسار لم تأت من فراغ. فخط كركوك – بانياس ليس مشروعاً جديداً، بل أحد أقدم خطوط تصدير النفط في المنطقة. يمتد لمسافة تقارب 800 كيلومتر، ويربط حقول كركوك الغنية بالنفط بالساحل السوري، حيث ميناء بانياس على البحر المتوسط.
منذ خمسينيات القرن الماضي، لعب هذا الخط دوراً محورياً في تصدير النفط العراقي إلى أوروبا، قبل أن يتوقف مراراً نتيجة التوترات السياسية والحروب، وصولاً إلى خروجه الكامل من الخدمة بعد عام 2003. وعلى مدى أكثر من عقدين، بقي المشروع مجرد فكرة مؤجلة، تُطرح في الاجتماعات الرسمية وتغيب عن التنفيذ.
لكن ما تغيّر اليوم هو السياق. فالأزمة الحالية أعادت تعريف الأولويات، وجعلت من هذا الخط، حتى وهو متوقف، جزءاً من الحل.
وبدلاً من انتظار سنوات لإعادة تأهيل الأنابيب، اتجه العراق وسوريا إلى خيار أسرع: النقل البري. على الأرض، بدأت مئات الصهاريج بالتحرك يومياً، حاملة زيت الوقود الثقيل عبر الحدود، في مشهد يعكس استجابة فورية لضغط اقتصادي حقيقي.
هذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً بسيطاً. فاختيار نقل المشتقات بدل النفط الخام يعكس فهماً عملياً للقيود اللوجستية، إذ إن نقل الخام بالشاحنات غير مجدٍ اقتصادياً، بينما يمكن نقل الوقود الثقيل بشكل أكثر مرونة. ومع ذلك، تبقى هذه الطريقة محدودة من حيث الكميات، وتعتمد على قدرة الطرق والبنية التحتية، إضافة إلى التحديات الأمنية واللوجستية.
ورغم هذه القيود، فإن هذه القوافل أعادت تفعيل مسار كركوك – بانياس بشكل غير مباشر، لتصبح الشاحنات بمثابة “أنابيب متحركة” تربط العراق بالمتوسط.
في نهاية هذا المسار، تقف بانياس كعنصر حاسم في المعادلة. المدينة التي تضم ميناءً نفطياً ومصفاة وخزانات تخزين، تحولت مجدداً إلى نقطة استقبال وإعادة توزيع. هذه البنية التحتية، التي بقيت قائمة رغم سنوات الحرب، تمنح المشروع الحالي فرصة للنجاح، ولو جزئياً.
في بانياس، لا تقتصر العملية على التصدير فقط. جزء من الإمدادات يستخدم لتغذية السوق المحلية السورية، التي تعاني من نقص مزمن في المشتقات النفطية. هذا الاستخدام المزدوج المحلي والتجاري يمنح المشروع بعداً اقتصادياً أوسع، ويجعله مفيداً للطرفين في آن واحد.
كما أن موقع بانياس على المتوسط يفتح الباب أمام إعادة تصدير النفط العراقي إلى أوروبا، متجاوزاً الخليج ومضيق هرمز، وهو ما يعيد إحياء دور جغرافي ظل معطلاً لعقود.
أبعاد تتجاوز الاقتصاد
ما يجري لا يمكن قراءته فقط من زاوية الطاقة. فالمشروع يحمل في طياته بعداً سياسياً واستراتيجياً واضحاً. بالنسبة لسوريا، يمثل هذا التطور فرصة لإعادة تموضعها كممر إقليمي للطاقة، مستفيدة من موقعها الذي يربط بين آسيا وأوروبا.
هذا الدور، إن تطور، قد يمنح دمشق نفوذاً يتجاوز العائدات المالية المباشرة، ليشمل التأثير في حركة التجارة الإقليمية. أما بالنسبة للعراق، فإن فتح مسار غربي نحو المتوسط يعني تقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، وهو هدف استراتيجي لطالما سعت إليه بغداد.
ورغم أن النقل البري يحقق الغرض في المدى القصير، إلا أن الحديث عن إعادة تشغيل خط الأنابيب يعود بقوة. الفارق بين الشاحنات والأنابيب ليس فقط في الحجم، بل في طبيعة التدفق نفسه. فالأنابيب توفر نقلاً مستمراً، بكلفة أقل، وبقدرة أكبر على تلبية الطلب العالمي.
إعادة تأهيل خط كركوك – بانياس، أو بناء خط جديد، قد يرفع الطاقة التصديرية إلى مستويات ضخمة، ويحول المسار إلى بديل حقيقي لمضيق هرمز. لكن هذا الخيار يواجه تحديات كبيرة، من التمويل الذي قد يصل إلى مليارات الدولارات، إلى الحاجة لاستقرار أمني في مناطق لا تزال حساسة، إضافة إلى التعقيدات السياسية الإقليمية.
مع ذلك، فإن استمرار الضغوط على طرق التصدير التقليدية قد يجعل هذه التحديات أقل تأثيراً مقارنة بالعوائد المحتملة.
والمشهد الحالي يعكس حالة من التكيّف السريع مع ظروف استثنائية. العراق يبحث عن منفذ، وسوريا تبحث عن دور، والنتيجة هي تقاطع مصالح أعاد إحياء مسار قديم بوسائل جديدة. وبينما تبدو الشاحنات حلاً مؤقتاً، فإنها تمهد لمرحلة قد تكون أكثر عمقاً، حيث تعود خطوط الأنابيب لتلعب دورها التقليدي، ولكن في سياق مختلف.
في النهاية، ما يجري اليوم قد لا يكون مجرد استجابة لأزمة عابرة، بل بداية لإعادة رسم خريطة الطاقة في المنطقة. فحين تضيق الخيارات، تعود الجغرافيا لتفرض حلولها، وتستعيد المسارات القديمة أهميتها.
وفي عالم النفط، كما في السياسة، لا تموت الطرق القديمة.. بل تنتظر اللحظة التي تصبح فيها الخيار الوحيد الممكن.
تلفزيون سوريا
—————————–
تعليق تداول أسهم شركات في بورصة دمشق يضغط على الثقة والسيولة/ وعد ديب
أبريل 29, 2026
تشهد سوق دمشق للأوراق المالية (البورصة) استمرار تعليق تداول أسهم عدد من الشركات، بينها قيادية، في مسار يضغط على مستويات السيولة ويؤثر في ثقة المستثمرين.
ويأتي ذلك في بيئة مالية تتطلب درجة أعلى من الانضباط المؤسسي والالتزام بقواعد الإفصاح، في ظل مؤشرات على ارتباط هذا التعليق بمتطلبات تنظيمية وإجراءات داخلية لدى بعض الشركات.
ويعيد هذا الواقع تسليط الضوء على مستوى الامتثال لمعايير الشفافية، مع انعكاسات مباشرة على حركة التداول وجاذبية السوق، في مرحلة تسعى فيها البورصة إلى ترسيخ الاستقرار وتعزيز قدرتها على استقطاب الاستثمارات.
الامتثال لقواعد الإفصاح
تضم بورصة دمشق، التي يهيمن عليها قطاع المصارف، 27 شركة مدرجة، منها 15 مصرفاً وست شركات تأمين، إلى جانب ست شركات تعمل في قطاعات الخدمات والصناعة والاتصالات، بواقع شركتين في كل قطاع.
وأفاد مصدر في هيئة الأوراق والأسواق المالية، فضّل عدم الكشف عن اسمه، لصحيفة “الثورة السورية”، بأنه جرى تعليق التداول بعد التحرير، قبل أن يُقرّ استئنافه بتاريخ 2 حزيران 2025 وفق ضوابط محددة، من أبرزها نشر البيانات المالية النهائية وتقارير الحوكمة لعام 2024، وتزويد الهيئة بقوائم الأشخاص المطلعين.
وأضاف المصدر أن الهيئة أعلنت هذه الضوابط عبر موقعها الإلكتروني ومنصاتها الرسمية، مشيراً إلى أن استمرار عدم عودة بعض الشركات إلى التداول يعود إلى عدم التزامها بهذه المتطلبات.
وتشمل هذه الشركات: بنك سوريا والخليج، وبنك سوريا الدولي الإسلامي، وبنك الشام، وشركة العقيلة للتأمين، إذ لم تستأنف التداول نتيجة عدم الإفصاح عن بياناتها المالية.
كما تضم القائمة أيضاً شركتي “سيريتل” والمجموعة المتحدة للنشر، اللتين لم تعودا إلى التداول بسبب عدم تزويد الهيئة والسوق بتقارير الأشخاص المطلعين.
وأوضح المصدر أن الامتثال لقواعد الإفصاح يُعد شرطاً أساسياً للاستمرار في التداول، ويتطلب تقديم بيانات مالية دقيقة والإفصاح عن الأحداث الجوهرية، في ظل تعقيدات الملفات المالية وعمليات إعادة الهيكلة التي تمر بها بعض الشركات.
وأشار إلى أن مسؤولية استئناف التداول تقع على عاتق مجالس الإدارة والإدارات التنفيذية، مع إمكانية لجوء المساهمين إلى طلب عقد اجتماعات الهيئات العامة لمناقشة أسباب التأخير.
كما لفت إلى أن تركز السيولة خارج القطاع المصرفي وضعف الإيداعات أثّرا في قدرة البنوك على الإقراض، ما انعكس على أداء الشركات ونتائجها المالية ومستوى الإفصاح لديها.
وأكد أن الضوابط المعتمدة تهدف إلى حماية المساهمين من خلال تعزيز الإفصاح والشفافية.
عوامل تنظيمية
بلغت قيمة تداولات بورصة دمشق الإثنين 11,192 مليون ليرة جديدة، بحجم تداول وصل إلى 546335 سهماً توزعت بين 267 صفقة، منها صفقة واحدة ضخمة بقيمة 1.024 مليون ليرة.
بينما وصلت قيمة تداولات السوق الأحد إلى 5.548 ملايين ليرة، بحجم تداول وصل إلى 214857 سهماً توزعت بين 194 صفقة.
ورأى الخبير المالي والمصرفي الدكتور فراس شعبو، أن توقف التداول على أسهم بعض الشركات القيادية قد يكون نتيجة عوامل تنظيمية وإدارية متعددة، من بينها تغييرات في مجالس الإدارة، إلى جانب عدم التزام بعض الشركات بتقديم تقاريرها الدورية وفق متطلبات الشفافية في السوق.
وقال شعبو لصحيفة “الثورة السورية” إن غياب الشفافية في عمليات الإفصاح وعدم وجود مبررات واضحة لتعليق التداول يؤثران بشكل كبير في سمعة السوق، إذ قد يفقد المستثمرون، سواء كانوا محليين أم دوليين، ثقتهم عندما يواجهون قيوداً مفاجئة على تداول أسهم الشركات الكبرى دون تفسير رسمي.
وأضاف أن توقف التداول على هذه الأسهم قد يؤدي إلى تعطيل قدرة المساهمين على التصرف بأموالهم، ما يحدّ من إمكانية الوصول إلى السيولة، في حين تُعد حرية البيع والشراء في التوقيت المناسب من أبرز خصائص الأسواق المالية.
اعتماد تصنيفات واضحة
تقع مسؤولية أساسية على عاتق هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية في إعادة هيكلة آليات الإفصاح وتعزيز الامتثال للمعايير الدولية، وفق شعبو.
واقترح الخبير الاقتصادي اعتماد تصنيفات واضحة لحالات تعليق التداول، مثل الإيقاف التنظيمي والمعلوماتي والطارئ، إلى جانب فرض غرامات صارمة على الشركات المتأخرة في تقديم الإفصاحات أو غير الملتزمة بالقوانين.
كما أشار إلى أهمية فرض جزاءات إدارية قد تصل إلى الشطب من السوق في حال تكرار المخالفات، لما لذلك من دور في تحسين مناخ الاستثمار وتعزيز التزام الشركات بمبادئ الشفافية والحوكمة.
وأضاف أن توسيع قاعدة الشركات المدرجة يُعد ضرورة لتعزيز تنوع السوق وعمقه، بحيث لا يقتصر على القطاع المصرفي، بل يمتد ليشمل قطاعات أخرى مثل الصناعة والزراعة والخدمات.
التطوير الشامل
في جلسة الإثنين الماضي، لم تُسجَّل أي تداولات على أسهم بنك الشام، وبنك سوريا الدولي الإسلامي، وبنك الشرق، وبنك الأردن، وبنك سوريا والخليج، والبنك العربي، وشركات العقيلة للتأمين التكافلي، والمتحدة للتأمين، والسورية الوطنية للتأمين، والدولية للتأمين (آروب)، والسورية الكويتية للتأمين، والاتحاد التعاوني للتأمين، والمجموعة المتحدة للنشر، والأهلية للزيوت النباتية، و”سيريتل”، و”إم تي إن سوريا”.
وأكد شعبو أن بورصة دمشق تحتاج إلى تطوير شامل في بنيتها التنظيمية والإدارية، في ظل هيمنة عدد محدود من البنوك والشركات، وهو ما يحدّ من قدرتها على جذب استثمارات جديدة.
وأشار إلى أهمية العمل على زيادة القيمة السوقية من خلال إدراج شركات جديدة ومتنوعة، بما يعزز عمق السوق ويوسّع فرص الاستثمار.
ورأى أن الوضع الحالي يعكس تحديات في مستوى الإدارة والإفصاح، ما يؤثر في سمعة السوق وقدرته على جذب الاستثمارات، مشدداً على أن معالجة هذه الإشكاليات تتطلب إجراءات تنظيمية واضحة، وتعزيز الامتثال، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً وتنوعاً.
التأسيس
انطلقت سوق دمشق للأوراق المالية في آذار 2009 بست شركات معظمها في قطاعي البنوك والتأمين برأسمال إجمالي قدره نحو 1,2 مليار دولار، ثم ارتفع عدد الشركات المدرجة إلى 14 شركة منتصف عام 2010، بينما يبلغ عدد الشركات المدرجة حالياً 27.
وخلال السنوات الماضية، تراجع المؤشر الرئيسي (DWX) من ذروته البالغة 1719 نقطة بنهاية 2010 إلى 770 نقطة أواخر 2012، وهبطت القيمة السوقية من 3,15 مليار دولار بداية 2011 إلى 310 ملايين دولار في تشرين الأول 2016.
وفي عامي 2020 و2021، زادت التقلبات في ظل انهيار الليرة والتضخم القياسي، خاصة بعد دخول العقوبات الأميركية بموجب “قانون قيصر” حيز التنفيذ في حزيران 2020، واقتصرت التداولات على المستثمرين المحليين الذين بلغ عددهم 23 ألف مستثمر مع نهاية 2024.
وتوقفت البورصة بعد التحرير، قبل أن تستأنف عملها في حزيران الماضي، ليرتفع المؤشر من 99,694 نقطة في آخر جلسة تداول بتاريخ 5 كانون الأول 2024، إلى ذروته البالغة نحو 199 ألف نقطة في 28 تموز، ثم تراجع تدريجياً ليصل إلى قرابة 130 ألف نقطة في جلسة يوم الإثنين الماضي.
الثورة السورية
—————————–
منع استيراد منتجات زراعية.. رهانات مفتوحة في بيئة صعبة التنبؤ/ رولا عيسى
أبريل 29, 2026
في خطوة جديدة ضمن مسار تنظيم حركة الاستيراد في القطاعين الزراعي والحيواني، أصدرت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير قراراً يقضي بمنع استيراد عدد من المنتجات لفترات زمنية محددة خلال العام الحالي.
ويأتي القرار ضمن توجه يهدف إلى إعادة ضبط توازنات السوق المحلية، بما يوسع هامش تصريف الإنتاج المحلي خلال مواسم الذروة، عبر ربط آليات الاستيراد بالمعطيات الإنتاجية المتوقعة ومستويات العرض في الأسواق.
غير أن هذا الإجراء يفتح باب التساؤلات حول انعكاساته المحتملة على الأسعار وتوافر السلع خلال المرحلة المقبلة، في ظل تباين التقديرات بشأن قدرة السوق على التكيف مع هذه التغييرات.
نافذة زمنية محمية
أصدرت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير، يوم الإثنين، القرار رقم /10/ لعام 2026، القاضي بمنع استيراد عدد من المنتجات الزراعية خلال فترات زمنية محددة من العام الحالي، وذلك في إطار متابعة واقع الأسواق المحلية وحرصاً على دعم وحماية المنتج الوطني.
وجاء القرار على النحو الآتي:
المادة الأولى: منع استيراد بيض الطعام والفروج طازجاً ومجمداً وأجزائهما.
المادة الثانية: منع استيراد البطاطا والبصل والثوم والكوسا والخيار والفاصولياء، وذلك اعتباراً من 1 أيار 2026 وحتى 31 تشرين الأول 2026.
المادة الثالثة: منع استيراد البندورة والباذنجان والفليفلة الخضراء والبطيخ (الأحمر والأصفر)، اعتباراً من 1 حزيران 2026 وحتى 31 تشرين الأول 2026.
المادة الرابعة: منع استيراد المشمش والخوخ والكرز والدراق، اعتباراً من 1 حزيران 2026 وحتى 31 آب 2026.
المادة الخامسة: منع استيراد الفليفلة الحمراء والتين والعنب والتفاح والأجاص، اعتباراً من 1 آب 2026 وحتى 31 تشرين الأول 2026.
المادة السادسة: منع استيراد مادة الرمان، اعتباراً من 1 أيلول 2026 وحتى 31 كانون الأول 2026.
ويرى الخبير في الاقتصاد والتخطيط وإدارة المخاطر مهند الزنبركجي أن القرار لا يمكن اختزاله في توصيف “صحيح” أو “خاطئ” بشكل مطلق، لكن يمكن النظر إليه كأداة تدخل اقتصادي استراتيجي تُستخدم في ظروف استثنائية وحساسة.
وقال الزنبركجي لصحيفة “الثورة السورية” إن جوهر هذا القرار يتمثل في إعادة هندسة العلاقة بين الإنتاج الوطني والتجارة الخارجية، بهدف خلق “نافذة زمنية محمية” للمزارع المحلي، تتيح له تسويق محصوله بعيداً عن ضغوط المنافسة الدولية المباشرة، ولا سيما خلال مواسم ذروة الإنتاج.
وأضاف أن هذا التوجه ينطلق من تشخيص لمشكلة “إغراق السوق”، إذ تتدفق منتجات أجنبية بكميات كبيرة وبأسعار منخفضة نتيجة دعم حكومي في بلدان المنشأ أو انخفاض تكاليف الإنتاج. ويتابع أن هذا الإغراق يؤدي إلى تراجع الأسعار المحلية، ما يضع المزارع السوري أمام خيارين صعبين: تقليص الإنتاج أو ترك النشاط الزراعي كلياً.
ووصف القرار بأنه بمثابة درع واقية تضمن تصريف المحصول بأسعار عادلة ومستقرة، ما يعيد الثقة للمزارع ويحفزه على الاستثمار في المواسم القادمة، وهو ما يمثل ركيزة أساسية للأمن الغذائي واستدامة المساحات المزروعة.
نقطة التوازن الحرجة
يعكس توقيت المنع الموزع زمنياً محاولة لمواءمة السياسة التجارية مع الدورة البيولوجية للمحاصيل، فيما يسهم هذا الإجراء، من الناحية الاستراتيجية، في تخفيف الضغط على احتياطيات العملة الصعبة عبر تقليل فاتورة الاستيراد في فترات الوفرة، وفق الزنبركجي.
مع ذلك، نبه الخبير إلى أن هذه الفائدة مشروطة بدقة البيانات، إذ إن أي خطأ في تقدير حجم الإنتاج المحلي قد يحول منع الاستيراد إلى “أزمة نقص”، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتحفيز قنوات التهريب غير الرسمية، وينعكس في النهاية على خروج غير منضبط للقطع الأجنبي، بما يقوض الأهداف النقدية للقرار.
ويتمثل التحدي الأكبر في إدارة هذا الملف، وفق الزنبركجي، في إيجاد “نقطة التوازن الحرجة” بين مصلحة المنتج في الحصول على سعر مجزٍ، وحق المستهلك في الوصول إلى سلع بأسعار معقولة.
وأوضح أن غياب المنافسة الخارجية قد يضعف الحوافز نحو تحسين الجودة أو خفض التكاليف، ويزيد العبء المعيشي على المواطن، كما أن ضعف الرقابة قد يفتح الباب أمام ممارسات احتكارية وتخزين للسلع بهدف رفع أسعارها، وهي مخاطر تتفاقم في حال عدم وجود إجراءات مرافقة صارمة.
إدارة المخاطر
حدد الزنبركجي مجموعة من المخاطر المرتبطة بهذا القرار، أبرزها اتساع الفجوة السعرية، ما يشجع على التهريب ونشوء أسواق موازية، إضافة إلى انخفاض الجودة نتيجة غياب المنافس الأجنبي، وكذلك ضعف البيانات الإحصائية، حيث قد يتحول القرار في غياب الأرقام الدقيقة من تخطيط علمي إلى “تخمين” يؤدي إلى اختلالات حادة.
ويُضاف إلى الأسباب السابقة، الاتكالية الإنتاجية، التي قد تضعف القدرة التنافسية للمنتج المحلي على المدى الطويل.
واقترح الزنبركجي الانتقال من “المنع المطلق” إلى سياسات أكثر مرونة، تشمل الرسوم الجمركية المتدرجة، بما يوفر حماية نسبية دون إغلاق السوق بالكامل، إضافة إلى نظام حصص الاستيراد (Quotas)، عبر السماح بدخول كميات محدودة عند استشعار أي نقص في العرض.
كما دعا إلى تطوير البنية التحتية من خلال الاستثمار في سلاسل التبريد والتخزين لتقليل الفاقد الزراعي، إلى جانب تدخل حكومي مباشر عبر لعب دور “المشتري الأخير” لتخزين المحاصيل وإعادة طرحها في أوقات الندرة، بما يحقق استقراراً سعرياً شاملاً.
وشدد على أن هذا القرار أداة حساسة تتطلب إدارة رشيقة، فإذا نُفذ كجزء من منظومة متكاملة تدعم الإنتاج وتراقب الأسواق بدقة، فإنه يحقق أهدافه التنموية، أما إذا طُبق بشكل معزول، فإنه يهدد بخلق تشوهات اقتصادية تتجلى في التضخم والتهريب وتراجع الثقة في السياسات الاقتصادية الكلية.
بالمقابل، يرى الخبير الاقتصادي وأمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة، أن القرار “خاطئ”، لعدم إمكانية توقع حجم الإنتاج أو توفره بعد شهرين أو أربعة أشهر، متسائلاً: “ماذا نعرف عن شكل الأسواق لاحقاً؟ وكيف ستكون حال المنتجات والإشكالات التي قد تطرأ؟”.
وأوضح حبزة لصحيفة “الثورة السورية” أن المزارعين في الماضي كانوا يقولون “حتى يثبت الضمان”، مشيراً إلى أنه لا يمكن ضمان بستان أو محصول لم يخرج إلى الضوء بعد.
وأضاف: نحن نتحدث الآن عن موسم الصيف كاملاً، فواكه وخضروات الصيف كلها شملها القرار، وهذا أمر “لا يستقيم اقتصادياً”.
وتابع: نحن لا نعلم ما هي التغيرات والتبدلات التي ستحدث، وهل ستكفي الكميات المنتجة حاجة السوق أم لا؟ مشيراً إلى أنه كان من الأجدى التحدث عن شهر واحد فقط (أيار مثلاً)، ليتضح الظرف والمواد المتوفرة، ومعرفة وضع البيض والفروج، وتقدير توقعات الإنتاج الحقيقية.
ويستبعد حبزة أن ينعكس القرار إيجابياً على المنتج المحلي، مستشهداً بتجارب سابقة، قائلاً: “لقد رأينا كيف وصل سعر التين إلى 30 ألف ليرة، والعنب لم يتراجع عن 25 ألفاً، وحتى البطيخ الذي هو طعام غالبية المستهلكين كان مرتفعاً العام الماضي، وكذلك المشمش والكرز اللذان لم يذقهما الكثيرون بسبب أسعارهما الخيالية”.
وشدد على أن هذا منع الاستيراد يحتاج إلى دراسة واقعية ميدانية، محذراً من أن منع استيراد البيض والفروج الطازج سيؤدي حتماً إلى ارتفاع أسعارها فوراً، لأن التجار سيأخذون احتياطاتهم ويبدؤون بالاحتكار، في ظل غياب خطة واضحة تدعم المدخلات (كهرباء، أسمدة، مبيدات) التي ارتفعت أسعارها بشكل جنوني.
المراجعة الشهرية
يعزز عضو لجنة تجار ومصدري الخضار والفواكه في سوق الهال بدمشق محمد العقاد، ما طالب به أمين سر جمعية حماية المستهلك، مشدداً على أن الأحوال الجوية هي العامل الأساسي والوحيد في هذا القطاع.
وقال العقاد لصحيفة “الثورة السورية”، إن قرارات منع الاستيراد يجب أن تكون شهرياً، كما كانت في السابق، أو كل شهرين على الأكثر.
وأضاف: لا أحد يعرف ماذا سيحدث مع الموسم بعد ساعة واحدة، فقد تأتي موجة حر مفاجئة أو يتعرض المحصول لقلة المياه، والمزارعون أنفسهم لا يملكون ضمانات.
وأوضح العقاد أن الزراعة تخضع لظروف آنية، إذ إن ساعة واحدة من الطقس القاسي قد تكون كفيلة بتدمير محاصيل خُطط لها على مدى أشهر. لذلك، فإن المرونة هي الحل، ولا يمكن تقييد حركة السوق بناء على توقعات زمنية بعيدة تفصلها عن الواقع فجوات مناخية وتكاليف إنتاج غير مستقرة.
بين المواد الستة التي تضمنها القرار رقم /10/ والمدد الزمنية التي حددها، يرى الخبراء أن حماية المنتج المحلي لا تبدأ بإغلاق الحدود، وإنما بدعم الفلاح في أرضه وتأمين المطارح التسويقية لمنتجه، مع ضمان ألا يتحول منع الاستيراد إلى أداة ضغط على المستهلك الذي لم يعد قادراً على تحمل المزيد من القرارات المرهقة لفاتورته المعيشية.
—————————
الطاقة الريحية.. مورد متجدد لإنعاش منظومة الكهرباء السورية/ بسام الرحال
أبريل 29, 2026
بدأت مشاريع الطاقة الريحية في سوريا تحظى باهتمام حكومي متزايد، في ظل التحديات الكبيرة التي يواجهها قطاع الكهرباء نتيجة تراجع الإنتاج وتهالك البنية التحتية على مدى أكثر من 14 عاماً خلال حقبة النظام المخلوع.
ومع انخفاض القدرة التوليدية من نحو 7000 ميغاواط قبل عام 2011 إلى حوالي 2000 ميغاواط فقط، برز التوجه نحو مصادر الطاقة المتجددة، وعلى رأسها طاقة الرياح، كخيار استراتيجي لتعزيز أمن الطاقة في البلاد.
وفي هذا الإطار، بدأت بعد التحرير ملامح مشاريع استثمارية واعدة تتبلور، تستهدف استثمار الإمكانات الطبيعية الكبيرة للرياح في عدد من المناطق السورية، ولا سيما في محافظة حمص، التي تتصدر المشهد كوجهة رئيسية لهذه الاستثمارات.
حمص المرشح الأبرز
تُعد محافظة حمص من أبرز المناطق المرشحة لمشاريع الطاقة الريحية، نظراً لما تتمتع به من مقومات طبيعية وجغرافية وبنى تحتية تجعلها بيئة مناسبة لهذا النوع من الاستثمارات، إذ تتميز بسرعة رياح مستقرة على مدار العام، خاصة في المناطق الشرقية مثل تدمر والقريتين، حيث تقع السرعات ضمن مستويات ملائمة لتشغيل العنفات بكفاءة عالية، ما يحدّ من تقلبات الإنتاج ويعزز الجدوى الاقتصادية للمشاريع.
إلى جانب ذلك، تضم المحافظة مساحات واسعة من الأراضي غير المأهولة، ولا سيما في البادية السورية، ما يسهّل إقامة مزارع الرياح بعيداً عن العوائق العمرانية والكثافة السكانية، كما أن طبيعة التضاريس المنبسطة تساعد على توزيع التوربينات بشكل يحقق أعلى إنتاج ممكن.
وتكتسب حمص أهمية إضافية لكونها نقطة مركزية في شبكة نقل الكهرباء السورية، إذ تمر بها خطوط توتر عالٍ تربط مختلف المناطق، ما يقلل تكاليف الربط ويسهّل تصريف الإنتاج، كما يعزز توفر المنشآت الصناعية والخبرات الفنية، إلى جانب شبكة الطرق والمواصلات، من جاهزيتها لاستضافة هذا النوع من المشاريع، وبذلك تجمع محافظة حمص بين المورد الطبيعي والجاهزية اللوجستية، ما يجعلها خياراً رئيسياً لتطوير قطاع الطاقة الريحية في سوريا.
العنفات الريحية تُصنّع محلياً
يُعد مشروع الطاقة الريحية بقدرة 700 ميغاواط من أبرز المشاريع المطروحة حالياً، حيث تم توقيع اتفاقية لتنفيذه بين وزارة الطاقة السورية وشركة “مارف إنيرجي”، في خطوة تعكس توجهاً نحو إشراك القطاع الخاص في تطوير قطاع الطاقة.
ويتضمن المشروع تركيب نحو 140 عنفة ريحية مصنّعة محلياً، تتوزع على عدة مواقع، مع ربطها مباشرة بالشبكة الكهربائية الوطنية، بما يسهم في تحسين استقرار الإمدادات الكهربائية.
وفي هذا السياق، أوضح المدير العام للمؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء، المهندس خالد أبو دي، في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أن الفرق الفنية المختصة تعمل حالياً على استكمال الدراسات الفنية التفصيلية، إلى جانب إعداد مجموعة من الاتفاقيات الأساسية، التي تشمل اتفاقية شراء الطاقة، واتفاقية الربط الكهربائي، واتفاقية استخدام الأرض، مشيراً إلى أنه من المتوقع، بعد الانتهاء من صياغة هذه الاتفاقيات وتوقيعها، أن يدخل المشروع حيز التنفيذ الفعلي.
وأشار أبو دي إلى أن التجهيزات المتعلقة بالمشروع تعتمد على التصنيع المحلي، حيث سيتم تصنيع العنفات الريحية في مدينة حسياء الصناعية، لافتاً إلى أن الشركة المنفذة تمتلك خبرة سابقة في هذا المجال، إذ قامت سابقاً بإنشاء عنفتين ريحيتين في سوريا باستطاعة 2.5 ميغاواط لكل منهما.
وحول أبرز المناطق المؤهلة لإقامة عنفات ريحية في محافظة حمص، قال أبو دي: “تتميز مشاريع الطاقة الريحية الحالية بآلية مختلفة لاختيار المواقع، إذ تعود مهمة تحديد المواقع المناسبة للشركة المنفذة بناءً على الدراسات الفنية. وبالتوازي، توجد دراسات أولية لمناطق واعدة في المحافظة، من أبرزها: القطينة، وجبل عبد العزيز، وهيجاني، وجبل البلعاس، إضافة إلى مناطق في القنيطرة”.
وأضاف أن التنسيق جارٍ بين وزارة الطاقة والمؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء لتنفيذ مشاريع أخرى، من بينها مشروع ريحي باستطاعة 200 ميغاواط بالتعاون مع شركة “محمد الحرفة” السعودية، إلى جانب مشاريع إضافية باستطاعات تصل إلى 1000 ميغاواط بالتعاون مع شركات دولية، مشيراً إلى أن منطقة جبل البلعاس مرشحة لتكون من أولى المناطق التي ستنطلق فيها المرحلة التنفيذية لمشاريع توليد الطاقة من الرياح.
وفيما يتعلق بدور هذه المشاريع في دعم الشبكة الكهربائية، أوضح أبو دي أن الطاقة الريحية تُعد من المصادر الواعدة في سوريا، نظراً لوقوعها ضمن حزام ريحي مناسب لتوليد الكهرباء، متوقعاً أن تسهم هذه المشاريع في تعزيز استقرار الشبكة، ورفع موثوقية التوليد، وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، لا سيما في المناطق التي تتمتع بسرعات رياح جيدة.
وعن نطاق الاستفادة من هذه المشاريع، بيّن أن عوائدها لن تقتصر على محافظة حمص، إذ ستشمل مختلف المحافظات، نظراً لطبيعة شبكة النقل الكهربائية في سوريا التي تعمل كنظام حلقي مترابط، بحيث يسهم أي توليد للطاقة في منطقة معينة في دعم الشبكة العامة وتغذية باقي المناطق.
وتبرز مشاريع الطاقة الريحية كأحد الحلول المهمة لسد الفجوة بين العرض والطلب في قطاع الكهرباء، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وفتح آفاق جديدة للتنمية الاقتصادية المستدامة، ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على زيادة القدرة الإنتاجية، إنما تمتد لتشمل دعم الصناعة المحلية ونقل التكنولوجيا، من خلال توطين تصنيع التوربينات وتأهيل الكوادر الوطنية.
كما تعكس الاتفاقيات الموقعة مؤخراً، سواء مع شركات محلية أو عربية أو دولية، توجهاً واضحاً نحو جذب الاستثمارات وتوسيع الشراكات في قطاع الطاقة المتجددة.
وفي هذا السياق، أوضح المهندس طارق إسماعيل، المختص في الطاقة المتجددة، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أن الكلفة الاستثمارية الأولية لمشاريع الطاقة الريحية قد تكون مرتفعة نسبياً، لكنها تُعد أكثر جدوى على المدى المتوسط والبعيد مقارنة بالمصادر التقليدية، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الوقود وصعوبة تأمينه، مشيراً إلى أن اعتماد هذه المشاريع على مورد مجاني ومتجدد يسهم في خفض تكاليف التشغيل والصيانة، ما يعزز العائد الاقتصادي مع مرور الوقت.
وفيما يتعلق بتأثير هذه المشاريع على أسعار الكهرباء، أشار إسماعيل إلى أنها يمكن أن تسهم في خفض التكاليف على المدى الطويل، من خلال تقليل الاعتماد على الوقود والمساهمة في استقرار الأسعار، وربما خفضها تدريجياً عند دمجها بشكل مدروس ضمن مزيج الطاقة.
ولفت إلى وجود تحديات تواجه تنفيذ هذه المشاريع، أبرزها ضعف البنية التحتية للشبكة الكهربائية، وصعوبة ربط مشاريع التوليد الجديدة بشكل مستقر، إضافة إلى الحاجة لتحديث خطوط النقل ومحطات التحويل لاستيعاب الطاقة المنتجة.
وأكد إسماعيل أهمية تأهيل كوادر فنية متخصصة قادرة على تشغيل وصيانة هذه التقنيات بكفاءة، مشدداً على أن تجاوز هذه التحديات ممكن من خلال وضع سياسات حكومية واضحة لدعم الطاقات المتجددة، وتقديم تسهيلات للمستثمرين، إلى جانب تطوير البنية التحتية تدريجياً وتعزيز التعاون مع الدول والشركات ذات الخبرة.
الثورة السورية
—————————–
شركة خليوي جديدة تدخل سوريا في حزيران المقبل
أعلن وزير الاتصالات وتقانة المعلومات، عبد السلام هيكل، بأن الوزارة طرحت طلب عروض لرخصة الخليوي الجديدة.
وأضاف أن هناك توقعات بإبرام شراكة جديدة خلال الفترة المقبلة، بحيث تحل هذه الرخصة محل إحدى الرخصتين القائمتين، وذلك مع نهاية حزيران المقبل وفق الجدول الزمني المحدد.
وأوضح الوزير أن أولوية الوزارة الأولى تتمثل في تطوير البنية التحتية وإعادة هيكلة قطاع الاتصالات الخلوية في سوريا، إلى جانب العمل خلال العام الحالي على إعداد الخطط وتنفيذ عدد من مشاريع التحول الرقمي في مختلف القطاعات.
وأشار هيكل، خلال مؤتمر صحفي على هامش معرض “سيريا هايتك” في دمشق حضرته عنب بلدي، إلى أن الوزارة تعمل ضمن برنامج استراتيجي يمتد لسنوات قادمة.
وتركز الوزارة، وفقًا لهيكل، على بناء صناعة تكنولوجية قائمة على الابتكار والتجديد، وتطوير التقنيات بما يلبي احتياجات المواطنين في مجالي الاتصالات والتطبيقات، إضافة إلى تعزيز الشراكات مع الشركات المحلية والدولية.
وانطلقت في 28 من نيسان، فعاليات الدورة الـ 12 من معرض تكنولوجيا المعلومات والاتصالات “سيريا هايتك”، على أرض مدينة المعارض في دمشق، والتي تستمر حتى 1 من شهر أيار المقبل.
ويشارك في هذه الدورة من المعرض نحو 150 مشاركًا يمثلون 20 دولة، وأكثر من 350 شركة وعلامة تجارية متنوعة.
وزير الاتصالات السوري عبد السلام هيكل خلال المؤتمر الصحفي في معرض “سيريا هايتك”- 28 نيسان 2026 (أحمد المسلماني/ عنب بلدي)
وزير الاتصالات السوري عبد السلام هيكل خلال المؤتمر الصحفي في معرض “سيريا هايتك”- 28 نيسان 2026 (أحمد المسلماني/ عنب بلدي)
وفي هذا السياق، أشار هيكل أن أهمية المعارض تبرز بوصفها منصة للتلاقي بين مزودي الخدمات والزبائن، وفرصة لعرض الابتكارات والتقنيات الحديثة، وكذلك لعرض ما تم تحقيقه من تقدم في مشاريع التحول الرقمي لدى الجهات المشاركة، بما يعزز التعاون ويحفز الإلهام وتبادل الخبرات.
وأكد هيكل أن هذه الفعالية تمثل محطة مهمة في قطاع التكنولوجيا، حيث تلعب المعارض دورًا محوريًا في تطوير الصناعة، وتدعم البرامج في جذب الكفاءات الوطنية، وبناء الشراكات، وتعزيز علاقات سوريا مع مزودي الخدمات والمنصات العالمية.
البنية التحتية في قطاع الاتصالات
أوضح الوزير أن البنية التحتية في قطاع الاتصالات قادرة على تلبية جزء كبير من الاحتياجات الحالية في بعض المناطق، إلا أن الواقع يشير إلى تفاوت واضح في مستوى الجاهزية بين منطقة وأخرى، مؤكدًا أن هناك مناطق داخل سوريا تتمتع بجودة إنترنت عالية وتغطية جيدة.
لكن بعد مرحلة “التحرير”، شهدت بعض الخدمات تراجعًا نتيجة عودة السكان إلى مناطقهم، ما أدى إلى زيادة الضغط على الشبكات القائمة وارتفاع الطلب بشكل يفوق القدرة الاستيعابية في بعض المواقع، وفقًا للوزير.
وفي تصريحه للصحفيين أشار هيكل أن وضع قطاع الاتصالات بحاجة إلى استثمارات إضافية تشمل تطوير المعدات، إنشاء أبراج جديدة، توسيع الشبكات، تحديث البرمجيات، وتعزيز الكوادر الهندسية والفنية.
الشراكة مع ” STC”
كما أفاد بأن العمل مع شركة ”STC” في مراحله الأخيرة، متضمنًا تأسيس الشركة المشتركة بين الدولة و”STC”.
وقد بدأت الشركة فعليًا في اتخاذ خطواتها التشغيلية، بما في ذلك التوظيف، وتجهيز المكاتب، وتأمين سكن لفريق العمل، وفقًا لهيكل.
فيما يتعلق في مشروع “سيلك لينك”، قال هيكل إن المشروع يقوم على إنشاء خطوط رئيسية تربط المحافظات ببعضها، ثم تطوير طرق دائرية وطرق رئيسية وملحق وصولًا إلى ربط المقاسم بشكل متكامل، موضحًا أن هذه البنية التحتية كانت تفتقر إليها سوريا مقارنة بالعديد من الدول التي طورتها تدريجيًا على مدى سنوات، بينما نسعى إلى تنفيذها ضمن فترة زمنية أقصر عبر خطة مدروسة.
وفي هذا الإطار، يجري حاليًا نقاش جدي مع شركات عالمية كبرى بهدف تفعيل “الممر السوري” بشكل أسرع، حتى قبل اكتمال جاهزية البنية الكاملة لمشروع “سيلك لينك”، خاصة في ظل إعادة رسم مسارات البيانات في المنطقة نتيجة الحرب الأخيرة، بحسب ما قال الوزير.
سوريا والسعودية وقعتا، في 7 من شباط، اتفاقية إطلاق مشروع “سيلك لينك” (Silk Link) باستثمار تبلغ قيمته مليار دولار، لربط القارات رقميًا عبر الأراضي السورية.
ويهدف المشروع الذي تقوده مجموعة “STC” السعودية، إلى بناء شبكة فقرية دولية تنهي حالة الاختناق التقني في سوريا.
كما يستثمر المشروع موقعها الجغرافي كأقصر مسار لنقل البيانات بين آسيا وأوروبا. بالإضافة إلى ذلك، يهدف المشروع إلى إطلاق مبادرات لبناء الكفاءات البرمجية المحلية.
ماذا يتضمن المعرض؟
ويتضمن المعرض أحدث التقنيات وتطبيقاتها في مجالات المعلوماتية والإنترنت والمدن الذكية والحكومة الإلكترونية والدفع الإلكتروني.
إضافة إلى الهواتف والحواسيب المحمولة والابتكارات في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مع تطبيقات واقعية.
كما يوفر منصة لمراكز الأبحاث والجامعات للتفاعل مع الجهات الصناعية والحكومية، حسب ما نقلت وكالة الأنباء الرسمية (سانا).
عنب بلدي
—————————-
مجموعة قطرية تستحوذ على 49% من بنك سوري… والحصرية يرحب
الأربعاء 2026/04/29
أكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية أن دخول مجموعة قطرية كمستثمر بنسبة 49 في المئة في أحد المصارف السورية يُعد خطوة تعكس توجهاً استراتيجياً نحو سوق يُنظر إليه على أنه واعد.
وأشار إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن رؤية مدروسة يعمل عليها المصرف المركزي لتعزيز دور القطاع المصرفي في جذب المدخرات وتوجيهها نحو تمويل الأفراد والشركات، بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد.
وأعرب الحصرية، في منشور عبر صفحته على “فيسبوك”، عن تقديره لتعاون الطرف الذي باع حصته في البنك، لافتاً إلى أن العمل مستمر ضمن خطة إصلاحية واضحة، مع التركيز على تحقيق نتائج تدريجية وملموسة في القطاع المالي.
وأوضح أن ما تحقق من تقدم في هذا الملف لم يكن ليتم من دون وجود رؤية إصلاحية واضحة مبنية على الخبرة، مؤكداً أن الفترة المقبلة ستشهد الإعلان عن خطوات إضافية في إصلاح النظام المالي، إلى جانب صفقات جديدة تدعم هذا التوجه.
وكان موقع بورصة قطر قد ذكر في 26 من الشهر الجاري أن شركة استثمار القابضة وقّعت اتفاقاً عبر ذراعها الاستثمارية “استثمار كابيتال” للدخول في بنك شهبا السوري.
وبموجب الاتفاق الموقع في دمشق، تستحوذ الشركة التابعة على 49 في المئة من أسهم البنك، في خطوة تُعد جزءاً من توسعها الإقليمي وتعزيز وجودها في قطاع الخدمات المالية بالمنطقة
المدن
————————–
===========================
تحديث 28 نيسان 2026
—————————–
موازنة سورية 2026… بين وعد التعافي وخطر الفائض المحاسبي/ جمعة حجازي
28 ابريل 2026
حين تخرج الدول من الحروب، لا تكون الموازنة مجرّد جداول أرقام، بل تصبح وثيقة سياسية بامتياز: تقول للناس أي دولة تُبنى، ومن سيدفع الكلفة، ومن سيحصل على النصيب الأكبر من الموارد، وما إذا كانت السلطة تريد إعادة تشغيل الواقع القديم أم تأسيس عقد جديد بين الدولة والمجتمع. واستنادا إلى هذا، لا يمكن النظر إلى موازنة سورية لعام 2026 بوصفها سنوية عادية؛ فهي أول موازنة تُقدَّم في صيغة “نسخة المواطن” المبسطة، وتُطرح باعتبارها خطوة لتعزيز الشفافية وتوسيع فهم الجمهور للمالية العامة، في لحظة تصفها الحكومة بأنها بداية مسار التعافي وإعادة الإعمار.
الإنفاق والإيرادات والعجز
ووفق الوثيقة الرسمية، تبلغ نفقات موازنة 2026 نحو 10.516 مليارات دولار، مقابل إيرادات متوقعة بنحو 8.716 مليارات دولار، بعجز مقدر يبلغ 1.799 مليار دولار، أي ما يعادل قرابة 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع البالغ 33.7 مليار دولار. كما تعتمد الوثيقة في تحويلاتها إلى الدولار على سعر رسمي مقداره 110 ليرات سورية جديدة للدولار الواحد، وهو رقم قريب جداً من النشرة الرسمية الصادرة عن مصرف سورية المركزي التي سجلت 111 ليرة جديدة للدولار في منتصف نيسان/ إبريل 2026.
من حيث الشكل، تمثّل “موازنة المواطن” تطوراً إيجابياً. فوزارة المالية تؤكد أن هذه النسخة ليست بديلاً عن الموازنة العامة التفصيلية، بل أداة لتبسيط المعلومات المالية وتمكين المواطنين من فهم بنود الإنفاق والإيرادات وأولويات الحكومة، كما تعهدت بإصدار تقارير ربعية تشرح الإنفاق وفق الموازنة المعتمدة. وهذه خطوة تستحق التقدير، لأن الشفافية تبدأ من إتاحة المعلومة بلغة مفهومة. لكن المشكلة تبدأ عندما نتذكر أن الشفافية لا تكتمل بمجرد عرض الأرقام، بل تحتاج إلى مؤشرات أداء، ومعايير توزيع، وآليات مساءلة واضحة، بحيث لا تتحول “نسخة المواطن” إلى أداة عرض جميلة لسياسات لا تزال معايير تقييمها غامضة.
وتقدّم الحكومة موازنة 2026 على قاعدة إنجاز تعتبره استثنائياً: تحقيق فائض فعلي في عام 2025، هو الأول منذ عام 1990، بقيمة تقارب 46 مليون دولار. غير أن ورقة المركز السوري لبحوث السياسات تدعونا إلى قراءة أكثر حذراً لهذا التطور؛ إذ ترى أن هذا الفائض لا ينبغي اعتباره دليلاً بحد ذاته على التعافي أو على جودة السياسة المالية، لأنه تحقق في اقتصاد لم يسجل سوى نمو حقيقي هامشي قارب 0.3%، أي في اقتصاد بقي عملياً قريباً من الركود. ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل تحقق فائض؟ بل: كيف تحقق، وعلى حساب ماذا، وهل كان فائضاً تنموياً أم مجرد فائض محاسبي؟
جباية سريعة أم قاعدة إنتاجية أوسع؟
وهنا تظهر أول مفارقات الموازنة. فالخطاب الرسمي يتحدث عن الانتقال من إدارة الأزمة إلى الاستثمار في المستقبل، لكن بنية المالية العامة نفسها توحي بأن الدولة لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على أدوات الجباية السريعة أكثر من اعتمادها على اقتصاد منتج ومتسع. ففي موازنة 2026، تتوزع الإيرادات المتوقعة بين 50% من الضرائب والرسوم والجمارك، و28% من النفط والغاز، و22% من مصادر أخرى. أما في قراءة المركز السوري لبحوث السياسات لموازنة 2025، فقد شكّلت الرسوم الجمركية 39% من الإيرادات، والضرائب والرسوم غير الجمركية 31%، وهو ما يكشف ميلاً واضحاً إلى تحميل الاستهلاك والأنشطة الأضعف جزءاً كبيراً من عبء التمويل العام، بدلاً من الاستناد إلى قاعدة ضريبية أكثر عدالة وتصاعدية.
وهنا تبرز مسألة أعمق من مجرد توزيع نسب الإيرادات، تتعلق بطبيعة الدولة المالية التي يجري تكريسها. فثمة فرق جوهري بين دولة تبني ماليتها العامة على قاعدة إنتاجية متنامية، ودولة تعتمد، ولو مؤقتاً، على أدوات الجباية السريعة بوصفها المصدر الأسهل والأسرع للتمويل. في الحالة الأولى، تصبح الضرائب نتيجة للنشاط الاقتصادي وامتداداً له، أما في الحالة الثانية، فتتحول الضرائب والرسوم إلى عبء يسبق الإنتاج ويثقل كاهله، ويعيد توزيع الخسائر بدل توزيع ثمار النمو.
في السياق السوري، لا يمكن تجاهل أن الاعتماد الكبير على الرسوم الجمركية والضرائب غير المباشرة يأتي في اقتصاد هش، يعاني من ضعف القدرة الشرائية، وانكماش القاعدة الصناعية، وارتفاع كلف النقل والطاقة، وتراجع سلاسل الإمداد. وفي مثل هذه الظروف، فإن توسيع الجباية من الاستهلاك ومن حلقات الإنتاج الأولى لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة مستدامة في الإيرادات، بقدر ما يفاقم اختناق السوق، ويضغط على المنتجين المحليين، ويدفع جزءاً من النشاط الاقتصادي إلى الانكماش أو إلى العمل في الظل.
المفارقة أن هذا النمط من الإيرادات يُسوَّق أحياناً بوصفه “حيادياً” أو “تقنياً”، لأنه لا يميّز بين المواطنين، لكنه في الواقع أقل الأدوات عدالة. فالضرائب غير المباشرة، والرسوم، والجمارك، تصيب الفئات الأضعف بنسب أعلى من دخولها، لأنها تُفرض على الاستهلاك الأساسي، ولا تراعي الفوارق في القدرة على الدفع. وبذلك، تتحول الموازنة، دون إعلان صريح، إلى أداة إعادة توزيع عكسي، تنقل العبء من الأعلى دخلاً إلى الشرائح الأوسع من المستهلكين والمنتجين الصغار.
وتزداد أهمية هذه الملاحظة إذا ربطناها بهدف “موازنة المواطن”. فالمواطن لا يُعرّف فقط بوصفه مستفيداً من الإنفاق، بل بوصفه مساهماً رئيسياً في التمويل العام. ومن دون نقاش صريح حول من يمول الدولة فعلياً، وكيف، وبأي كلفة اجتماعية واقتصادية، يبقى مفهوم “موازنة المواطن” منقوصاً. فالمساءلة لا تبدأ من بند الإنفاق وحده، بل من بند الإيرادات أيضاً، ومن السؤال: أي نموذج تنموي تعكسه هذه الخيارات المالية؟
تجارب دول خرجت من نزاعات طويلة تشير إلى أن التحول الحقيقي في المالية العامة يبدأ عندما تنتقل الدولة تدريجياً من تحميل الاستهلاك عبء التمويل، إلى توسيع القاعدة الضريبية على الدخل، والأرباح الكبيرة، والأنشطة الريعية، وربط الجباية بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وفي غياب هذا التحول، قد تنجح الحكومة في سد عجز أو تحقيق فائض محاسبي مؤقت، لكنها تخاطر بتقويض الأساس الذي يفترض أن يقوم عليه التعافي الاقتصادي والاجتماعي على المديين المتوسط والطويل.
من يدفع الكلفة فعلياً؟
بمعنى آخر، لا تكمن المشكلة في حجم الإيرادات فقط، بل في طبيعتها التوزيعية. فالدولة التي تقول إنها تضع المواطن في قلب الموازنة مطالبة أيضاً بأن تجيب بوضوح: أي مواطن تقصد؟ وهل العبء المالي موزع بعدالة بين الشرائح الاجتماعية والقطاعات الاقتصادية؟ وهل يشارك أصحاب الدخل والثروة الأعلى في التمويل العام بما يتناسب مع قدرتهم، أم أن الحصة الأكبر من الإيرادات لا تزال تأتي من الرسوم والجمارك والضرائب غير المباشرة التي تقع آثارها النسبية بصورة أشد على الفئات الأضعف والمنتجين المحليين؟ هذه هي الزاوية التي تجعل النقاش في “موازنة المواطن” نقاشاً حول العدالة المالية، لا مجرد نقاش حول الكفاية المحاسبية.
وعلى جانب النفقات، تعرض الوثيقة الرسمية صورة تبدو في ظاهرها مطمئنة: 60% نفقات جارية، و27% نفقات استثمارية، و13% للدعم والضمان الاجتماعي. كما توزع الإنفاق القطاعي إلى نحو 4.353 مليارات دولار للأنشطة الصحية والتعليمية والحماية الاجتماعية، و3.5 مليارات دولار للدفاع والأمن الوطني، و2.663 مليار دولار للخدمات العامة. غير أن هذه العناوين العامة لا تكفي وحدها للحكم على طبيعة الموازنة. فالسؤال الجوهري ليس فقط كم ستنفق الدولة، بل على ماذا تحديداً، وكم من هذا الإنفاق سيذهب إلى إعادة بناء الأصول الاقتصادية والاجتماعية، وكم سيذهب إلى التشغيل والالتزامات الجارية وإدامة الجهاز العام.
وتزداد هذه النقطة أهمية إذا وضعناها في سياق ما تقوله ورقة المركز السوري عن عام 2025، إذ تشير إلى أن النفقات الاستثمارية لم تتجاوز 7% من إجمالي الإنفاق في ذلك العام، في مقابل ارتفاع حصة الرواتب والأجور والتعويضات والنفقات الجارية والتحويلية. وهذا يعني أن الفائض الذي تتحدث عنه الحكومة لم يكن نتيجة طفرة إنتاجية أو توسع استثماري، بل تحقق إلى حد كبير في سياق ضغط الإنفاق الحقيقي، وتراجع الاستثمار العام، وتآكل الدعم. ومن هنا، فإن الحكم على موازنة 2026 يجب ألا يكتفي بتسجيل زيادة الإنفاق، بل ينبغي أن يسأل ما إذا كانت هذه الزيادة ستعيد فعلاً للدولة دورها التنموي، أم ستبقي القسم الأكبر من الموارد محصوراً في التشغيل والإدارة والالتزامات قصيرة الأجل.
ملف الدعم
وفي ملف الدعم، تبدو الضبابية أكثر وضوحاً وخطورة. فالموازنة تخصص 13% من الإنفاق للدعم والضمان الاجتماعي، وتتحدث عن “تعزيز كفاءة” برامج الدعم و”مراجعتها باستمرار” لضمان استجابتها للاحتياجات المتغيرة. غير أن الوثيقة لا تقول بوضوح أي السلع والخدمات ستبقى مدعومة، وما هي آليات الاستهداف، وما إذا كانت الدولة تتجه إلى الإبقاء على دعم شامل أم إلى إعادة توجيهه نحو الفئات الأشد حاجة. وتضيف ورقة المركز السوري زاوية أكثر نقدية، إذ تعتبر أن الدعم في السنوات الأخيرة لم يعد دائماً أداة للحماية الاجتماعية والإنتاجية، بل تحول في حالات كثيرة إلى مصدر فائض أو ريع عبر الكهرباء والمحروقات وسائر حوامل الطاقة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الصمت عن تفاصيل الدعم لا يصبح مجرد نقص تقني، بل يتحول إلى واحدة من أخطر ثغرات الموازنة اجتماعياً.
الأجور والرواتب
ولا يقل ملف الأجور أهمية عن ملف الدعم. فالحكومة تعلن أن إصلاح منظومة الأجور والرواتب مستمر، وتقدمه بما هو أحد المداخل الرئيسية لتحسين مستوى المعيشة واستعادة الكفاءات. لكن ورقة المركز السوري تنبه إلى مسألة أعمق: أن الجهاز العام نفسه يشهد فجوات داخلية متزايدة، مع تشكل طبقتين من الموظفين العموميين؛ أغلبية واسعة بأجور منخفضة، وأقلية محدودة برواتب وتعويضات استثنائية. وهذه الملاحظة شديدة الأهمية، لأن إصلاح الأجور لا يعني فقط زيادة الأرقام الاسمية، بل يعني أيضاً توحيد القواعد، وتقليص الامتيازات غير المتكافئة، وإعادة بناء هرم الأجور على أساس الكفاءة والعدالة المؤسسية. ومن دون ذلك، قد تتحول زيادة الرواتب إلى عنوان سياسي جذاب لا يغيّر شيئاً جوهرياً في بنية العدالة داخل الدولة.
وتبني الحكومة تفاؤلها على جملة من الفرضيات الاقتصادية الكبيرة: توحد البلاد، وتحسن الإدارة الاقتصادية، وعودة حقول النفط والغاز، وتحسن الكهرباء والطاقة، وعودة نحو مليون سوري إضافي خلال عام 2026، مع توقع تحقيق نمو حقيقي يتراوح بين 8% و10%. هذه الفرضيات واردة في وثيقة “موازنة المواطن”، وهي من الناحية النظرية ليست مستحيلة في اقتصاد يخرج من انكماش طويل. لكن عدداً من التحليلات المستقلة يحذر من أن المشكلة ليست في إمكان تحقق النمو حسابياً، بل في قدرة الاقتصاد والمؤسسات على استيعابه، وفي نوعية الاستثمارات المفترضة، وفي مدى واقعية الرهان على تدفقات سريعة وكبيرة من رأس المال والإنتاج والطاقة في وقت واحد.
ويبرز هنا تحدي العجز وتمويله بوصفه أحد أكثر مفاصل الموازنة حساسية. فالعجز المخطط له يبلغ نحو 1.799 مليار دولار، وقد نُقل عن وزير المالية أن تمويله سيكون أساساً من خلال إصدار سندات وصكوك، مع بعض العوائد من الصندوق السيادي. لكن مجرد تحديد أداة التمويل لا يكفي لطمأنة السوق والمجتمع. فالسؤال الأهم هو: كيف سيجري التنسيق بين التوسع المالي وبين السياسة النقدية، وكيف ستُدار مخاطر التضخم وسعر الصرف، وما حجم الاحتياطيات والهوامش النقدية القادرة على حماية استقرار الليرة إذا تعرضت السوق لضغوط إضافية؟ الوثيقة الرسمية تعترف بأن التضخم يمثل خطراً رئيسياً، لكنها لا تقدم رقماً مستهدفاً له، ولا إطاراً مفصلاً لإدارة هذا الخطر إذا تسارع الطلب أسرع من قدرة الاقتصاد على الاستجابة.
ولهذا كله، فإن التقييم الرصين لموازنة 2026 لا ينبغي أن ينطلق من سؤال: هل هي أكبر موازنة في تاريخ سوريا الحديث؟ بل من سؤال أعمق وأشد حساسية: أي نوع من الدولة تريد هذه الموازنة أن تبنيه؟ هل نحن أمام مالية عامة تتجه فعلاً نحو إعادة توجيه الموارد إلى الاستثمار المنتج، والحماية الاجتماعية العادلة، والعدالة الضريبية، والتوزيع المتوازن بين المحافظات؟ أم أننا أمام توسع كبير في الأرقام يظل محكوماً بمنطق الجباية، وضعف الإفصاح عن الدعم، وضبابية أدوات القياس، والرهان المفرط على فرضيات لم تُختبر بعد؟ إن قوة ورقة المركز السوري لبحوث السياسات أنها تضع المعيار الحقيقي في مكانه الصحيح: نجاح المالية العامة لا يقاس فقط بكم جمعت الدولة ولا بكم أنفقت، بل من أين جاءت الموارد، وعلى من وُزعت الكلفة، وهل ساهمت السياسة المالية في تقليص التفاوت أم في تعميقه.
القيمة المؤسّسية لـ “موازنة المواطن”
مع ذلك، لا ينبغي التقليل من أهمية الخطوة الرمزية والمؤسّسية التي تمثلها “موازنة المواطن”. فمجرد الانتقال إلى نشر وثيقة مبسطة، وربطها بوعد تقارير ربعية، والحديث بلغة تقرب المالية العامة من المواطن، كلها مؤشرات على إدراك رسمي متزايد بأن الشرعية المالية لم تعد تُبنى في الغرف المغلقة وحدها، بل في الفضاء العام أيضاً. غير أن هذه الخطوة ستظل ناقصة إذا لم تُترجم إلى مؤشرات أداء واضحة، وآليات رقابة مستقلة، وجداول تنفيذ قطاعية ومناطقية، ومعايير معلنة لتوزيع الإنفاق بين المحافظات. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى أن يفهم الموازنة، بل إلى أن يمتلك أدوات لمساءلة السلطة عنها.
في النهاية، لا تبدأ الثقة من حجم الموازنة، ولا من جمال تصميم وثيقتها، ولا من كثافة الوعود التي تحملها. الثقة تبدأ عندما يشعر السوري بأن الموازنة انعكست على حياته اليومية: مدرسة فتحت أبوابها بكفاءة، مركز صحي يعمل فعلاً، كهرباء تحسنت، طريق أُصلح، دواء توافر، وراتب استعاد شيئاً من قيمته الحقيقية. هناك فقط يصبح الإنفاق العام عقداً اجتماعياً لا مجرد سطر في جدول، وهناك فقط تتحول “موازنة المواطن” من خطاب حكومي إلى معنى ملموس في حياة الناس. فإذا نجحت الحكومة في ذلك، قد تكون موازنة 2026 بالفعل بداية مسار مالي جديد في سورية. أما إذا بقيت الأرقام أكبر من المؤسسات، والطموح أكبر من أدوات التنفيذ، والشفافية أكبر من المساءلة، فإن هذه الوثيقة ستبقى واعدة في رمزيتها، لكنها لن تصبح بعدُ نقطة التحول التي ينتظرها السوريون.
العربي الجديد
———————————-
قانون الضرائب الجديد في سوريا بين “وعد التخفيف” و”مخاطر التهرب”/ مازن الشاهين
قانون الضرائب الجديد في سوريا.. إصلاح اقتصادي معلن بين وعود التبسيط ومخاوف التهرب وتآكل الإيرادات
2026-04-28
في ظل أزمة اقتصادية حادة بسوريا تتسم بتراجع الإنتاج والدخل وتآكل القدرة الشرائية، تطرح الحكومة قانوناً ضريبياً جديداً تسوّقه كتحول نحو الشفافية والعدالة ودعم التنمية عبر تبسيط الإجراءات ومساندة محدودي الدخل وقطاع الأعمال. ورغم ترحيب بعض المستثمرين، يثير المشروع مخاوف من تأثير الإعفاءات وخفض الضرائب على إيرادات الدولة في بيئة مؤسساتية ضعيفة، واحتمال استفادة الفئات الأقوى فقط أو توسع التهرب الضريبي. ويبقى التحدي الأساسي في التطبيق الفعلي للقانون وقدرته على تحقيق التوازن بين تحفيز الاقتصاد وتمويل الخدمات، وسط تساؤلات عن إمكانية نجاحه في اقتصاد مثقل بالظل وضعف الثقة.
الإصلاح الضريبي بين الطموح والتطبيق
في سياق محاولة إصلاح النظام المالي، أعلنت الحكومة السورية عن “منظومة ضريبية جديدة” تبدأ تطبيقها رسمياً عام 2026، القانون الجديد يُوصف بأنه يهدف إلى تبسيط الضرائب، ورفع الحد الأدنى المعفى، وخفض العبء عن الطبقة الوسطى، لكن خلف لغة التخفيف والإصلاح، تظهر تساؤلات جدية حول تأثيره على الخزينة العامة، وعلى العدالة في توزيع العبء بين الأفراد والشركات.
ومن زاوية تحرير الإجراءات، يَعِدُ المشروع بتقليل التشابك البيروقراطي والانتقال من فلسفة “الجباية” إلى فلسفة “الشراكة والتنمية، وهي لغة سياسية جذابة بلا شك، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على جودة القانون، فالاختبار الحقيقي هو: هل سيزيد الامتثال الضريبي فعلاً، أم سيُنتج قانوناً سهلاً على الورق وصعباً في التطبيق؟
الخبير المالي عدي المحمود يقول في تصريحات لـ”٩٦٣+” قانون الضرائب الجديد في سوريا يحمل مفارقة واضحة، فهو على الورق، أكثر عدالة، وأكثر بساطة، وأكثر جذباً للاستثمار، بينما على الأرض محفوف بالمخاطر، ويعتمد على بيئة غير مستقرة، ونتائجه غير مضمونة، فمن حيث الشكل، يحمل القانون الجديد نقاط قوة واضحة من حيث تخفيف الضغط عن الرواتب المنخفضة والمتوسطة، وهي شريحة عريضة من الموظفين والعمال الذين تأثروا بشدة بارتفاع التضخم وانخفاض القيمة الشرائية للدخل، وهذا يساعد على تخفيف مشاعر الغبن ويفتح مجالاً نسبياً لاستقرار الاستهلاك البسيط.
ويضيف: كما يشجع بعض الأنشطة الصغيرة على الخروج من القائمة الرمادية، لأن التصريح يصبح أقل عقاباً وأكثر قابلية للتنبؤ، مع تبسيط الشروط، قد يصبح الالتزام بالقانون أقل تكلفة من البقاء في الظل، إيجابي للمستثمرين فهو نظام واضح ومتوقع يغنيهم عن التفاوض الخفي، أو عن الدفع غير المُدرج في المحاسبة، وهذا يهم جداً في اقتصاد يحتاج إلى إعادة بناء الثقة بعد سنوات من الانكماش، وانهيار البنية الإنتاجية، وتوسع الاقتصاد غير المنظم.
ويتابع المحمود، لكن في قلب هذا التحوّل، توجد مجموعة من المخاطر لا تقل أهمية عن الوعود، فالإعفاءات الواسعة والنسب المنخفضة قد تؤدي في الممارسة، إلى تضييق الإيرادات الضريبية بدلاً من توسيعها، وإذا استُخدمت بالإعفاءات لصالح قطاعات محددة أو لفئات اقتصادية قوية، فستُحرم الخزينة من موارد أساسية لتمويل الخدمات العامة، والتعليم والصحة والبنية التحتية، كما أن الثغرات القانونية في الخصومات والنفقات قد تُفتح المجال أمام إعادة تصنيف الدخل، وتحويل الأرباح إلى مصاريف، أو إلى قطاعات معفاة، بما يُحدث “تهرباً مقونناً” من الضريبة، وهنا يصبح يصبح القانون بسيطاً في الشكل، لكنه معقداً بسياسات التلافي في التطبيق.
ويختم المحمود أن القانون الجديد ليس مجرد تعديل ضريبي، بل محاولة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والاقتصاد، ولكن نجاحه يتوقف على 3 شروط أساسية وهي: الثقة (بين المواطن والدولة)، والقدرة التنفيذية (الإدارة والرقمنة)، والاستقرار الاقتصادي، وبدون هذه العناصر، قد يتحول القانون إلى إصلاح على الورق لا في الواقع.
الإطار القانوني والإعفاءات الجديدة
قانون الضرائب في سورية ليس مجرد تعديل قانوني، بل اختبار سياسي واقتصادي واجتماعي لطريقة إدارة الدولة لعلاقتها مع السوق والناس، فهل يخفف القانون العبء عن الناس ويشجع الاستثمار؟ أم يعيد توزيع العبء بطريقة تُضعف إيرادات الدولة وتمنح القطاع الخاص مساحة واسعة للتهرب القانوني؟
يرى عدنان رأفت مدير سابق في وزارة المالية في تصريحات لـ”963+” أن فلسفة القانون الجديد تعتمد على ضريبة موحدة لا تميز بين الكيانات المختلفة، مع تحديد الحد الأدنى للدخل الخاضع للضريبة عند 60 مليون ليرة سورية سنوياً ( 12 ألف دولار سنوياً)، ويشمل الإطار الجديد بالنسبة لضريبة الدخل على الرواتب، يعتمد القانون ضريبة تصاعدية مبسطة، حيث تبلغ نسبة الضريبة 6% على الدخل حتى 5 ملايين ليرة سورية، وترتفع إلى 8% لما يتجاوز ذلك.
ويتابع: أما ضريبة الأرباح على القطاعات، فقد تم تحديد نسب تفضيلية لتحفيز القطاعات الحيوية، حيث تبلغ 10% للقطاع الصناعي والتعليم والصحة والتكنولوجيا، بينما تبلغ 15% لباقي القطاعات بما فيها التجارة والخدمات، كما تم استبدال “رسم الإنفاق الاستهلاكي” بـ “ضريبة مبيعات” بنسبة 5%، تمهيداً للانتقال إلى نظام ضريبة القيمة المضافة (VAT) لاحقاً.
ويرى رأفت أن جوهر التحدي ليس في صياغة قانون الضرائب بل في تطبيقه ضمن اقتصاد راكد، حيث يتوقف النجاح على قدرة الإدارة الضريبية على ضبط الدخل الحقيقي وتحقيق العدالة بين المكلّفين، محذراً من أن محاسبة الصغار واستثناء الكبار عبر الثغرات سيُبقي المشكلة قائمة بصيغة جديدة. ويؤكد أن القانون يفتح مرحلة جديدة تعد بالتبسيط والرقمنة والشفافية، لكنه يحمل مخاطر مرتبطة بضعف الإدارة واستغلال الثغرات وتراجع الإيرادات، فيما يبقى الحكم الحقيقي عند التنفيذ: هل تتحسن قدرة الدولة على التمويل ويشعر المواطن بالشراكة، أم تتكرر النتائج السابقة بقانون أكثر حداثة؟
هل تستطيع الدولة تطبيق نظام رقمي متقدم في اقتصاد هش؟
القانون الجديد يرتبط أيضاً بمشروع “رقمنة” يشمل التسجيل الإلكتروني، والتصريح الضريبي عبر الإنترنت، وربط الدفع بنظم رقمية.
المهندسة ساره الحميدي خبيرة في البرمجة والتحول الرقمي قالت في تصريحات لـ”963+” أن المشروع يُشير إلى انتقال الدولة من منطق “الجباية المباشرة” إلى منطق أقرب إلى “الشراكة والتنمية”، عبر وعود برقمنة التسجيل، والتصريح الإلكتروني، وربط الدفع مع أنظمة ضريبية موحدة، هذه الخطوات تقنية، لكن تأثيرها سيكون سياسياً واقتصادياً إذا ما ترجمت إلى واقع حقيقي على الأرض، وأن هذا في الورقة الرسمية، يُوصف كخطوة نحو نظام أكثر شفافية، وأقل تدخلاً بيروقراطياً، فرقمنة “التعاملات” تنهي سطوة “المخمن المالي”، والعمل بالفاتورة الإلكترونية والـ QR يسعى لإنهاء “التقدير الجزافي” (المزاجي) الذي كان باباً واسعاً للفساد والرشى، واستبداله بنظام تتبع رقمي للعمليات التجارية.
وترى الحميدي أن التحدي الأكبر ليس في التشريع بل في التطبيق، إذ تعيق الرقمنةَ بنيةٌ تحتية ضعيفة (كهرباء، إنترنت، أنظمة، تدريب، حماية بيانات) وثقافة ضريبية محدودة وانتشار النقد خارج المصارف، ما قد يحوّل النظام الرقمي إلى عبء على الملتزمين ويمنح الأقوياء فرصاً للتلاعب؛ فبينما قد تستفيد الشركات الكبرى من الإعفاءات وخبراتها، تواجه المنشآت الصغيرة صعوبات التكيف وتكاليف انتقالية مرتفعة.
كما تشكك بقدرة الإدارة الضريبية على ضبط الدخل الحقيقي ضمن نظام إلكتروني واسع، محذّرة من أن غياب الجاهزية قد يبقي القانون حبراً على ورق، ومشددة على ضرورة حوكمة رقمية شاملة تمتد لرقمنة السجلات والخدمات العامة لتقليل الاحتكاك والفساد، لا الاكتفاء بجباية الضرائب.
ثغرات قانونية ومخاوف من التهرب
في قلب المخاوف، يبرز سؤال محوري: هل الإعفاءات الواسعة والنسب المنخفضة ستُستخدم لصالح العدالة، أم لصالح “التفريغ” من الإيرادات؟
يقول مناف الحسن وهو محاسب يعمل مع عشرات المنشآت في تصريحات لـ”963+” لا يُخفى أن الفئة الأقوى قانونياً ومحاسبياً، أي الشركات الكبرى، هي الأقدر على استثمار الإعفاءات والخصومات، وتحويل الأرقام بما يُقلل من العائد الضريبي الفعلي.
أما المنشآت الصغيرة والمتوسطة، فغالباً ما تواجه صعوبة في التكيف مع التعقيدات النظامية، وتحصل على أقل من فوائد النظام، رغم أنه يُفترض أن يُصمم لتخفيف انكساراتها.
ويوضح الحسن: “أرى يومياً كيف تُستخدم الأدوات القانونية لتحويل الدخل إلى مصاريف أو إلى قطاعات معفاة، مع إمكانية احتساب مساهمات اجتماعية كحسومات ضريبية، وإذا زادت الإعفاءات ولم تُدار بدقة، سيبدأ الجميع في البحث عن “النافذة” المناسبة، وليس عن التزام حقيقي، والضريبة في النهاية ليست مجرد رقم في الحساب، بل أداة سياسية لتوزيع العبء”.
ويضيف الحسن: نسبة كبيرة من الاقتصاد السوري تعمل خارج السجلات الرسمية، ينطوي القانون الجديد على إلزام كل مكلف بتقديم إقرار دخل سنوي، وهو شرط جوهري لكنه يفترض مسبقاً وجود بنية رسمية للإدارة الضريبية قادرة على التحقق، وفي ظل غياب بيانات دقيقة عن الدخول وانتشار النشاط غير الموثق، قد يتحمّل العاملون في القطاع الرسمي وحدهم عبء الضريبة فيما يفلت منها الاقتصاد الخفي.
+963
———————————-
حين تتحول الدولة إلى شركة قابضة!/ أحمد عيشة
2026.04.28
ما يغيب عن التحليل السياسي في سوريا هو التناقض بين الانتماء الطبقي لغالبية الحاضنة الاجتماعية للثورة وأحلامها من عملية التغيير، وما تطرحه اليوم الحكومة من سياسات اقتصادية تتسم بنزعتها الليبرالية المتمثلة بتحرير السوق وفتح الباب واسعاً أمام استثمار الأصول من دون إدراك عميق للآثار الاجتماعية على قاعدة الثورة -الحكومة.
تشكلت الحاضنة الاجتماعية للثورة السورية، التي اندلعت في ربيع 2011، في المقام الأول من سكان الأحياء الطرفية في المدن، مدعومة بامتداداتها الريفية التي مثّلت خزانها الاجتماعي، إلى جانب الفئات الفقيرة التي عانت لعقود من التهميش الاقتصادي والإقصاء السياسي. لم يكن حراك هذه الشرائح تعبيراً عن دافع أيديولوجي محدد، بقدر ما كان استجابة لتراكم طويل من الظلم الذي طال مختلف جوانب حياتها، من الإهانات الممنهجة التي استهدفت كرامة الأفراد وقيمهم الاجتماعية، وتدهور الخدمات الأساسية التي توفر شروط حياة كريمة، فضلاً عن هيمنة الأجهزة الأمنية ذات الطابع الطائفية المطلق على تفاصيل الحياة اليومية، وخاصة السياسية منها يمكن القول إن انفجار عام 2011 لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة لتراكمات عميقة، كان في مقدمتها الإهانة الرمزية التي طالت كرامة الأفراد وقيمهم الاجتماعية. فقد تجسدت هذه الإهانة في نظرة سلطوية ترى في المجتمع كتلة دنيا أو “رعاعاً، وهو ما عكسه خطاب سياسي قائم على التعالي والإقصاء.
بالتوازي مع ذلك، لعب التحول الاقتصادي في عهد بشار الأسد دوراً حاسماً، حيث جرى نقل جزء كبير من أصول الدولة وثرواتها إلى شبكة ضيقة من المنتفعين المرتبطين بالسلطة، مما عمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع. ضمن هذا السياق، كانت الثورة تعبيراً عن انسداد في أفق الإصلاح، في ظل نموذج سياسي-اقتصادي يقوم على تحالف بين السلطة ورأس المال ضمن علاقة زبائنية، ويتعامل مع المجتمع بوصفه فائضاً هامشياً، وهو ما انعكس حتى في اللغة الرسمية التي نزعت عن المحتجين صفتهم الإنسانية ووصفتهم بـ”الجراثيم” كمقدمة للحرب التي شنها ضدهم طوال أربعة عشر عاما.
تتجلى المفارقة الأساسية في أن الحكومة الحالية، التي تستمد جزءاً من شرعيتها من الثورة وقاعدتها الاجتماعية، تتبنى في المقابل سياسات اقتصادية تميل إلى خدمة الفئات الأكثر ثراءً، بمعزل عن موقعها من المشروع الوطني أو دورها في الحراك الثوري. ويُبرَّر هذا التوجه بالاستناد إلى واقع موضوعي يتمثل في حجم الدمار وضخامة التركة الاقتصادية.
غير أن هذا السبب، على وجاهته، لا يعفي من مساءلة الآثار الاجتماعية المترتبة على تلك السياسات، لا سيما على القاعدة التي تُشكّل مصدر الشرعية السياسية. فهذه السياسات لا تنطوي فقط على إعادة إنتاج التفاوت، بل تحمل قابلية واضحة لتعميقه. في هذا السياق، يبرز احتمال أن تكون الحكومة بصدد تبنّي نموذج أقرب إلى “الشركة القابضة”، حيث تُعاد صياغة دور الدولة بوصفها لإدارة للأصول، بدلاً من كونها فاعلاً إنتاجياً ومسؤولاً عن إعادة توزيع الموارد وتحقيق الصالح العام.
عند التدقيق في السياسات الاقتصادية المطروحة تحت عنوان “السوق الحر”، يتبيّن أنها أقرب إلى حالة من الانفلات منها إلى تحرير فعلي للسوق. ففي سياق بلد مدمّر ومجتمع مفكك، تعيش غالبيته تحت وطأة الفقر، مع وجود ملايين المهجّرين واللاجئين، لا يمكن الحديث عن شروط تنافس متكافئ.
في مثل هذا الواقع، لا يؤدي تحرير السوق إلى تعزيز المنافسة، بل يفتح المجال أمام أشكال من الاحتكار المقنّع. فضعف المؤسسات الرقابية، وهشاشة الإطار القانوني، وتركّز رأس المال في أيدي قلة، كلها عوامل تجعل من هذا “التحرير” آلية لإعادة توزيع الثروة لصالح الفاعلين الأقوى. وبالتالي، فإن الفئات التي شكّلت القاعدة الاجتماعية للثورة مرشّحة لأن تجد نفسها مجدداً خارج دائرة الاستفادة، أو حتى في موقع المتضرر المباشر.
يتمثل أحد الآثار المباشرة لهذه السياسات في أن الحكومة بدأت تستنزف رصيدها الثوري والشعبي، بدلاً من تعزيزه عبر إنجازات ملموسة، وهو ما بات ملحوظاً في المزاج العام، وبالتالي شرعيتها ذاتها. فالدولة لا تستند فقط إلى احتكار العنف، بل إلى قدر من القبول الاجتماعي يتجسد في رضى المواطنين. والشرعية لا تقتصر على أنها مجرد أداة حكم كما يقول ماكس فيبر، بل هي الأساس الذي يحدد استقرار النظام واستمراريته. من هذا المنطلق، فإن إضعاف القاعدة الاجتماعية التي تستمد منها السلطة شرعيتها يضعها في مسار تأكل تدريجي. وهو ما نشهد بوادر هذا المسار في صيحات الاستياء في وجه الغلاء وتدني فرص العمل من خلال عبارة “بدنا نعيش”.
يفتح هذا المسار احتمالاً لتحول الدولة من كيان سياسي جامع إلى نموذج أقرب إلى “الشركة القابضة”، حيث تنحصر وظيفتها في إدارة الأصول وجذب الاستثمارات، بدلاً من إعادة بنائها وتوظيفها بما يخدم دورها كمؤسسة عامة معنية بتقديم الخدمات. وهو احتمال لا يبدو بعيداً في ظل الاتجاهات الحالية.
في هذا السياق، ومع طرح الأصول العامة للاستثمار، يعاد تعريف العلاقة مع المجتمع؛ إذ لا يُنظر إلى الأفراد كمواطنين تربطهم بالدولة علاقة حقوق وواجبات، بل كمستفيدين داخل سوق، أو حتى كعبء اقتصادي. وعند هذه النقطة، تفقد الدولة أحد أهم ركائزها: طابعها العام، أي كونها إطارا جامعاً يتجاوز منطق الربح والخسارة إلى تمثيل المصالح العامة لا تنحصر سياسة تحرير السوق في الجانب الاقتصادي فقط، بل تتجاوزه إلى الجانبين السياسي والاجتماعي. فعندما يغدو “الربح” أو تجنّب الخسارة هو الغاية الأساسية، تُهمَّش السياسة لصالح “الإدارة”، حيث يُختزل النقاش العام إلى أرقام ومؤشرات نمو اقتصادي، وتُهمَّش قضايا مثل الحرية والتمثيل والعدالة الاجتماعية. عندها تتحول المعارضة إلى أداة لتعطيل العمل، وهو ما نلاحظه في الاستهتار بأي نقد موجه إلى أداء الحكومة، بدل أن يكون النقد عنصر قوة لها وللبلاد. وتصبح الحالة الأكثر شيوعاً هي مركزية القرار، كما في الشركات، حيث يتركز القرار في القمة، في حين يُقلَّص دور المؤسسات الوسيطة المتمثلة بالأحزاب السياسية والمجتمع المدني.
تكشف السياسات الاقتصادية الراهنة، القائمة على تحرير السوق والخصخصة، عن تناقض جوهري مع القاعدة الاجتماعية التي انطلقت منها الثورة، والتي تتشكل أساساً من الفئات المهمشة، كما تعكس غياب تصور متكامل لطبيعة الدولة المنشودة. فالدولة، في هذا السياق، تقف أمام خيارين: إما أن تكون أداة لإعادة توزيع الفرص والموارد بما يحقق دمجاً اجتماعياً أوسع، أو أن تتحول إلى وسيط بين رأس المال المحلي والدولي وبين مجتمع ضعيف البنية، وهو ما يعيد إنتاج أنماط التهميش، حيث يُعاد تعريف التعليم وفق منطق العائد الاقتصادي، وقد تتحول الصحة إلى مجال استثماري، بما قد يتجاوز في حدّته أشكال الإقصاء السابقة.
وعليه، فإن استمرار هذه السياسات من دون مراجعة لا يهدد فقط شرعية الحكومة، بل يفتح الباب أمام إعادة إنتاج الظروف السابقة. فالفقر المقترن بالإذلال السياسي لا يُعالج بتغيير النخب، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.
لا يتمحور السؤال الأساسي حول مدى إدراك الحكومة للآثار الاجتماعية لسياساتها، بل حول طبيعة تعريفها لذاتها: هل تنظر إلى نفسها بوصفها دولة سياسية تسعى إلى بناء عقد اجتماعي مستقر، أم كياناً وظيفياً لإدارة الأزمات وجذب الاستثمار؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مسار الاستقرار في سوريا. فإما أن يتبلور مشروع دولة جديدة يقوم على سيادة القانون وترسيخ العدالة الاجتماعية، بما يعكس مصالح الغالبية التي تعرضت طويلاً لسياسات التهميش والإقصاء، أو أن ينفتح المسار على دورة جديدة من التوترات المؤجلة، حيث تُعاد إنتاج الأزمات بأشكال مختلفة من دون حل جذري لها
تلفزيون سوريا
————————-
بين واقع الليرة وفوضى الأسواق.. هل تنجح الصدمة النقدية في إنقاذ الاقتصاد السوري؟/ د. عبد المنعم حلبي
2026.04.28
في لحظة مفصلية من تاريخ الاقتصاد السوري، طُرحت فيه حزمة من الإجراءات النقدية التي بدأت مع مطلع عام 2026، من استبدال العملة وإطلاق الليرة الجديدة، إلى تطبيق ما للتعويم الإداري، وأخيراً إنشاء سوق للعملات الأجنبية والذهب، وصولاً للتدخل في تنظيم دفع الحوالات الخارجية. وقد بدت هذه الإجراءات أشبه بصدمة نقدية متلاحقة الأمواج لإعادة ضبط المشهد النقدي.
غير أن هذه الخطوات تجري في سياق اقتصادي يتسم بتضخم مرتفع، وضعف في النمو، وفوضى واضحة في الاستيراد، وصلت إلى التصدير لاحقاً. وهي تأتي متراكبة متزامنة، ذات انعكاسات متعددة الاتجاهات، تتطلب توافر شروط مهمة لضمان مساهمتها في إنقاذ الاقتصاد السوري.
إن استبدال العملة عبر حذف صفرين من الليرة السورية مثّل في جوهره إعادة تسمية نقدية ذات طابع تقني، لا تمس القيمة الحقيقية للعملة ولا القوة الشرائية. الهدف المعلن كان تبسيط التداول النقدي، وتخفيف الكتلة الورقية، وإرسال إشارة نفسية بإعادة ضبط الاقتصاد، لكن الرمزية السياسية طرحت هذه العملية في مقدمة الصدمة، كموجة أكثر شعبية وقبولاً عاماً. ومع القليل من الوقت، سرعان ما اصطدم هذا الإجراء سريعاً بواقع تضخمي مستمر، تغذيه زيادة الكتلة النقدية وضعف الإنتاج المحلي وارتفاع تكاليفه، إضافة إلى ما يمكن وصفه بالتضخم المستورد الناتج عن الاعتماد الكبير على السلع الخارجية.
وهكذا أخذت القوة الشرائية لليرة تتآكل، لتزداد الصورة تعقيداً مع صمود الانقسام النقدي في البلاد، حيث يستمر تعايش الليرة السورية -كحلقة أضعف- مع الدولار والليرة التركية في بيئات مختلفة، إلى جانب تعدد أسعار الصرف داخل السوق نفسها. هذا التعدد خلق بيئة مضاربة واسعة، انعكست مباشرة على الأسعار، إذ أصبح التسعير قائماً على توقعات تقلب الصرف أكثر من ارتباطه بالكلفة الفعلية. فالتاجر الذي يستورد بالدولار ويبيع في سوق تتقلب فيها أسعار الصرف لثلاثة عملات بشكل يومي، يميل بطبيعة الحال إلى التسعير بهوامش أمان مرتفعة، ما يدفع الأسعار نحو مزيد من الارتفاع.
وتتعمق هذه الاختلالات مع اتساع ظاهرة الدولرة داخل الأسواق المحلية، والتي لم تعد مقتصرة على التجارة الخارجية أو السلع المستوردة، بل امتدت تدريجياً إلى قطاعات داخلية أساسية، وفي مقدمتها سوق العقارات والإيجارات. فقد أصبح تسعير العقارات، سواء للبيع أو التأجير، يتم بشكل واسع بالدولار أو بما يعادله، ما أدى إلى انفصال شبه كامل بين قيمة الأصول العقارية والدخل الحقيقي المقوم بالليرة السورية. هذا التحول أسهم في تشكل فقاعة سعرية كبيرة في قطاع العقارات، حيث ارتفعت الأسعار والإيجارات بوتيرة تفوق بكثير نمو الدخول الفعلية أو حتى مستويات النشاط الاقتصادي. وفي ظل محدودية الدخل وضعف القدرة الشرائية وتراجع فرص العمل، تتم إعادة توزيع قسري للدخل لصالح الأصول العقارية على حساب الاستهلاك والمعيشة، والاستثمار أيضاً.
وفي بيئة يغيب فيها الاستقرار النقدي وتضعف فيها الثقة بالعملة المحلية، تصبح الدولرة الداخلية آلية “تحوط” من وجهة نظر الفاعلين الاقتصاديين، لكنها في الواقع تتحول إلى عامل تضخمي إضافي يعمّق الفجوة بين الاقتصاد النقدي الرسمي والاقتصاد الحقيقي. فكلما توسع استخدام الدولار كمرجعية تسعير داخلية، تضاءلت قدرة الليرة على أداء وظيفتها كوسيط للتبادل ومخزن للقيمة، وتحوّل الاقتصاد تدريجياً إلى اقتصاد مزدوج المرجعية، أحدهما رسمي والآخر فعلي.
أما على مستوى التجارة الخارجية، فقد أسهمت الفوضى في سياسات الاستيراد في كثير من القطاعات، وكذلك التصدير لاحقاً، خصوصاً في القطاع الزراعي والثروة الحيوانية، في تعزيز اختلالات العرض. ففتح التصدير بشكل مفاجئ يؤدي إلى نقص محلي وارتفاع الأسعار، في حين يؤدي تقييده لاحقاً – ومن دون مرجعية اقتصادية حقيقية- إلى خسائر إنتاجية وتراجع الحوافز. وفي المقابل، فإن فتح الاستيراد من دون حماية كافية للإنتاج المحلي يضغط على المنتجين، في حين أن تقييده عند ارتفاع الطلب يؤدي إلى موجات غلاء جديدة. هذه الدوامة من القرارات غير المرتبطة بالواقع الاقتصادي وبإحصاءات موثوقة جعلت من السياسات التجارية عاملاً مباشراً في تغذية التضخم، لا مجرد استجابة له، وأحدثت اختلالات في العرض والاقتصاد الحقيقي.
في ظل هذا الواقع، برز خيار التعويم الإداري من جديد، وكخطوة تعكس إدراكاً لعدم واقعية تثبيت سعر صرف منفصل عن السوق. فالتعويم الإداري، من حيث المبدأ، يسمح بمرونة أكبر في تحديد سعر الصرف، ويحدُّ من الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، كما يفتح المجال أمام تدخل مدروس من قبل المصرف المركزي لضبط التقلبات. إلا أن نجاح هذا النموذج يرتبط بشروط صارمة، أهمها توفر احتياطيات كافية من النقد الأجنبي، واستقلالية المصرف المركزي، وبناء سجل واضح في مواجهة التضخم، وإحصاءات دقيقة لواقع الميزان التجاري وميزان المدفوعات، والعلاقة مع الشركاء التجاريين، ووجود أدوات فعالة للسياسة النقدية، والأهم من ذلك كسب ثقة السوق عبر توضيح قواعد التدخل (ولو جزئياً) وتقليل عدم اليقين للمستثمرين. وفي ظل بيئة تتسم بتضخم مرتفع وفوضى في التدفقات التجارية، بالصورة التي تم توضيح جزء منها أعلاه، يصبح التحكم بسعر الصرف أكثر صعوبة، لأن الضغوط على الليرة السورية لا تأتي فقط من جانب الطلب على العملات الأجنبية، بل أيضاً من اختلالات العرض في الاقتصاد الحقيقي، وفي ظل الدولرة المستشرية.
وفي سياق متصل، جاء إنشاء سوق للعملات الأجنبية والذهب كإقرار ضمني بواقع قائم فعلياً، حيث كان السوق غير الرسمي هو المرجع الحقيقي للتسعير. هذه الخطوة قد تعزز الشفافية وتقلص الفجوة السعرية، لكنها في الوقت نفسه تحمل خطر تكريس الدولار والذهب كمرجع أساسي للتبادل، وليس التحوط فقط، ما يضعف أكثر دور الليرة إذا لم تُدعَم بسياسات تعزز الثقة بها.
أما قرار تسليم الحوالات الخارجية القادمة عبر الشبكات العالمية بالليرة السورية بدل الدولار، فقد عكس محاولة مباشرة لزيادة الطلب على العملة المحلية وتعزيز الاحتياطيات، إلا أن نفيه وإعادة إعلانه شكل علامة مميزة بوجود ارتباك في عمل المصرف المركزي، إن لم يكن تعدداً في مراكز القرار، كما أن تطبيق هذا القرار في بيئة منخفضة الثقة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ قد يدفع جزءاً من التحويلات إلى قنوات غير رسمية، ما يحرم الاقتصاد من تدفقات أساسية ويضعف قدرة الدولة على ضبط السوق النقدي.
في الواقع ومن حيث المبدأ، إن الإشكالية الأساسية في كل ما اتخذ من إجراءات نقدية حتى الآن لا تكمن في طبيعة هذه الأدوات منفردة، بل في التزامن والسرعة التي طُبقت بها في فضاء اقتصادي غير منضبط. فبدل أن تأتي ضمن مسار تدريجي وفق خطة مرحلية يمتد فيها الزمن وتنضبط فيها الإجراءات، بدء بضبط التضخم واستقرار السياسات التجارية، وبالتالي استقرار سعر الصرف، ثم تعزيز الاحتياطيات، وإصلاح القطاع المصرفي، وصولاً لاستبدال العملة، جاءت الإجراءات متداخلة ومضغوطة زمنياً، وربما معكوسة، ما زاد من حالة عدم اليقين. لتكون المحصلة هي تفاعل معقد بين سياسات نقدية متسارعة وواقع اقتصادي مضطرب، حيث لا يمكن فصل مصير الليرة عن التضخم، ولا عن فوضى الأسواق، ولا عن تعدد مراكز القرار الاقتصادي.
وهذا المشهد المعقد يعني حتماً أن أي إصلاح نقدي لا يمكن أن ينجح بمعزل عن إعادة ضبط التجارة، ودعم الإنتاج، وبناء الثقة في المؤسسات المالية. فالمشكلة ليست في شكل العملة، بل في قدرتها على أداء وظيفتها الأساسية: كوسيلة مستقرة للتبادل ومخزن للقيمة، وهي وظيفة لا تستعاد بالقرارات النقدية وحدها، بل بإصلاح اقتصادي شامل وعميق وفق خطة وطنية كبرى معلنة، ومبادئ استراتيجية عليا ذات خلفية دستورية.
—————————-
سوق دمشق للعملات والذهب: بين التنظيم والاستقرار/ يحيى السيد عمر
أبريل 28, 2026
شهدت السياسة النقدية في سوريا تطورًا جديدًا مع الإعلان عن تأسيس سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب، في خطوةٍ تعكس توجُّهًا لإعادة تنظيم أحد أكثر الملفات حساسية في الاقتصاد الوطني. يأتي هذا الإعلان ضمن مسار أوسع يهدف إلى إعادة ضبط آليات التعامل مع النقد الأجنبي والذهب، بعد سنوات من تعدُّد قنوات التعامل بالنقد الأجنبي وتباين الأسعار في السوق.
يقوم هذا التوجُّه على دَمْج عمليات تداول العملات الأجنبية والذهب ضمن منصة مركزية واحدة، بما يُتيح توفير مرجعية سعرية مُوحَّدة تستند إلى حركة العرض والطلب. يُفترض أن يسهم هذا الإطار في تقليص الفجوة بين الأسعار الرسمية والموازية، والحدّ من التباينات التي أثَّرت على استقرار السوق خلال السنوات الماضية وأدَّت إلى غياب سعر مرجعي واضح وثابت. كما تهدف هذه المنصة إلى الحد من المضاربات على الليرة السورية، والتي تُعدّ من أبرز العوامل المؤثرة في تقلُّبات سعر الصرف؛ حيث يؤدي توسُّع هذه الممارسات إلى تعميق حالة عدم الاستقرار النقدي.
يستند المشروع إلى إنشاء منصة إلكترونية متخصّصة تعتمد أنظمة تشغيل حديثة في تسجيل وتنفيذ العمليات. هذه المنصة لا تقتصر وظيفتها على تنفيذ عمليات البيع والشراء، بل توفّر أيضًا بيانات لحظية دقيقة حول حركة السوق، بما يسمح بتكوين صورة أكثر وضوحًا عن اتجاهات الأسعار وتغيراتها المستمرة. ويهدف ذلك إلى تعزيز مستوى الشفافية، وتقليل حالة الغموض التي كانت تُرافق تحديد أسعار صرف العملات الأجنبية والذهب.
يأتي هذا الإجراء ضمن عملية إعادة هيكلة شاملة لسوق الصرف في سوريا. الخطوة لا تتعلّق فقط بإطلاق منصة جديدة، بل تمتد إلى إعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات المالية وآليات تداول النقد الأجنبي، بما يشمل ضبط القنوات الرسمية، وإعادة تحديد أدوار الجهات الوسيطة، ومحاولة تقليص المساحات التي كانت تعمل خارج الإطار النظامي.
رغم ذلك، وجود منصة رسمية موحّدة لا يؤدي بشكلٍ مباشر إلى إنهاء التداول الموازي، لكنّه يُسهم في إعادة تشكيل حَجْمه ووظيفته. وقد شكَّل التباين بين السعر الرسمي وغير الرسمي خلال سنوات النظام البائد أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار النقدي، ما يجعل تقليص هذه الفجوة هدفًا أساسيًّا في أيّ إصلاح نقدي.
أما على صعيد الذهب؛ فإن إدخاله ضمن منظومة التداول الجديدة يَعْكس إدراكًا لدوره كأداة لحفظ القيمة. فقد أصبح الذهب خلال السنوات الماضية وسيلة أساسية للاحتفاظ بالمدخرات في ظل تراجُع القوة الشرائية للعملة المحلية. ومن المتوقع أن يسهم تنظيم تداوله ضمن إطار رسمي في تحسين آليات التسعير، وربطه بشكل أكثر شفافية بحركة العملات الأجنبية.
ويمتد أثر هذا التحوُّل إلى جانب مُهمّ يتعلّق بمستوى الثقة في النظام النقدي؛ حيث ترتبط فعالية أيّ سياسة نقدية بمدى ثقة المتعاملين بالعُملة المحلية وبالآليات التي تُحدّد قيمتها. وقد ساهم تعدُّد الأسعار والتذبذب المستمر في إضعاف هذه الثقة، بينما يمكن لمنصة مركزية أن تساعد في إعادة بناء قَدْر من الاستقرار في التوقعات الاقتصادية.
مع ذلك، نجاح هذه التجربة لا يعتمد فقط على الجانب التنظيمي أو التقني، بل يرتبط بعوامل اقتصادية هيكلية أعمق. من أبرز هذه العوامل حجم الاحتياطيات من العملات الأجنبية، ومستوى النشاط الاقتصادي الفعلي، ومدى قدرة النظام المصرفي على استيعاب التدفقات المالية وتنظيمها. وفي غياب هذه العناصر، تبقى قدرة أيّ منصة على التأثير محدودة نسبيًّا.
كما يرتبط المشروع بتوجُّه نحو تعزيز الانفتاح المالي وربط الاقتصاد الوطني بالأنظمة المالية الدولية. ويشمل ذلك تطوير قنوات التحويل المالي، وتحسين آليات التعاملات الدولية، وتوسيع نطاق التبادل مع الأسواق الإقليمية والدولية، بما يُسهم في تسهيل التجارة الخارجية وتدفُّق الأموال. ويتطلب تنظيم السوق إطارًا تشريعيًّا واضحًا يُحدِّد قواعد التداول، ويضبط حركة الأموال، ويمنع التداخل بين القنوات الرسمية وغير الرسمية. وأيّ ضَعْف في هذه القوانين قد يؤدي إلى نتائج عكسية تتمثَّل في استمرار النشاط غير النظامي أو توسُّعه بأشكال مختلفة.
كما أنّ هذا التحوُّل يرتبط بتطوُّر البنية الرقمية في القطاع المالي، خاصةً فيما يتعلّق بأنظمة الدفع الإلكتروني. التوسُّع في استخدام هذه الأنظمة يمكن أن يُسهم في تقليص الاعتماد على النقد الورقي، ويُعزّز من شفافية حركة الأموال داخل الاقتصاد، ويُشكّل هذا التحوُّل جزءًا من عملية تحديث أوسع في البنية المالية.
من جهة أخرى، يبقى مستوى الدخل والقدرة الشرائية عاملًا محوريًّا في أيّ إصلاح نقدي؛ حيث لا يمكن تحقيق استقرار نقدي مستدام في ظل تراجُع الدخل وضَعْف القدرة الشرائية. ما يجعل العلاقة بين السياسة النقدية والواقع المعيشي علاقة مباشرة ومُؤثّرة على النتائج النهائية؛ حيث يسهم استقرار سعر الصرف الناتج عن تنظيم السوق والحد من المضاربات في تحسين الظروف المعيشية. وينعكس ذلك على المُواطن من خلال الحد من تقلُّبات الأسعار وتعزيز استقرار قيمة الدخل، بما يُخفّف من الضغوط الاقتصادية اليومية ويدعم القدرة على التخطيط المالي لدى الأفراد والأُسَر.
في المقابل، يمكن النظر إلى المنصة الجديدة كأداة لتنظيم حركة الأسعار وتوفير إطار مرجعي أكثر وضوحًا، دون أن تكون بديلًا عن الإصلاحات الاقتصادية الشاملة. فهي تُسهم في إدارة السوق النقدية، لكنّها لا تعالج وحدها التحديات المرتبطة بالإنتاج والتجارة والميزان الخارجي.
نجاح هذه المنصة يعتمد على مدى قبولها مِن قِبَل المتعاملين. وضوح الإجراءات، وسهولة التعامل، واستقرار القواعد التنظيمية، كلها عناصر أساسية في تعزيز الإقبال عليها. أما في حال وجود تعقيدات أو غموض في التطبيق، قد يَحُدّ ذلك من فعاليتها ويُعِيد جزءًا من النشاط إلى القنوات غير الرسمية.
مع تطوُّر التجربة، قد تتحوَّل هذه المنصة إلى أداة رئيسية في تحديد اتجاهات سعر الصرف والذهب، إلا أن ذلك يبقى مرتبطًا بقُدرتها على استيعاب حجم كبير من العمليات الفعلية داخلها. وفي حال بَقي جزء واسع من التداول خارجها، فإن تأثيرها على السوق سيظل جزئيًّا ومحدودًا.
في النهاية، يُمثّل إنشاء سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تنظيم القطاع النقدي. تأتي هذه الخطوة في إطار محاولة لإعادة بناء هيكل السوق المالية على أُسس أكثر وضوحًا وتنظيمًا، في بيئة اقتصادية ما زالت تُواجه تحديات متعدّدة تتداخل فيها العوامل الداخلية والخارجية، وتؤثّر بشكل مباشر على مسار الاستقرار النقدي في المرحلة المقبلة.
الثورة السورية
—————————–
مشروع “رحلة قاسيون”: تفاصيله وآلياته بين الدعم الحكومي وتساؤلات الجدوى والأولويات/ دينا عبد
28 أبريل 2026
أطلقت محافظة دمشق بالتعاون مع وزارة السياحة السورية مشروع “رحلة قاسيون” في منطقة جبل قاسيون، ضمن رؤية تجمع بين الأبعاد السياحية والاجتماعية والثقافية، مع توفير مساحات عامة وفرص عمل للشباب. وقال محافظ دمشق ماهر مروان إدلبـي إن المشروع يعكس توجهًا تنمويًا يضع الإنسان في مركز الاهتمام، ويشكل بداية لسلسلة فعاليات مستمرة، ضمن جهود تعزيز التنمية المستدامة والانفتاح على مسارات عمل جديدة.
وأوضح إدلبـي أن المشروع يُعد تجربة تجمع بين السياحة والاقتصاد والخدمات الاجتماعية، ويسهم في خلق فرص عمل وتحريك السوق المحلية، مع تعزيز الثقة بالبيئة الاستثمارية. ويتضمن مسارات للمشاة، وجلسات عامة مجانية، ومساحات للحرف اليدوية، وجادة للابتكار مخصصة للشباب، إلى جانب خدمات عامة ومسارات مهيأة لذوي الإعاقة، حيث يشكل الجزء المجاني نحو 70% من المشروع، مع تطوير بنى تحتية داعمة.
من جانبه، قال وزير السياحة مازن الصالحاني إن مشروع “رحلة قاسيون” يأتي ضمن خطة لإطلاق مشاريع مماثلة في مختلف المحافظات، على أن تكون الوجهة التالية في ريف دمشق. وأشار إلى تحسن الخدمات في دمشق، مؤكداً أن المشروع نُفّذ بأيدٍ محلية، مع توفير فرص للشباب عبر مساحات ومبادرات تدعم المشاريع الصغيرة ورواد الأعمال.
دفاتر شروط فنية دقيقة
في تصريح لموقع “الترا سوريا”، أوضح استشاري التطوير في وزارة السياحة، ساطع يسين، أن آلية اختيار المشاريع ضمن مشروع “رحلة قاسيون” تقوم على مقاربة تعددية مرنة تراعي طبيعة كل نشاط استثماري وخصوصيته، ولا تعتمد نموذجًا واحدًا موحدًا للاختيار، مضيفًا أن القرعة العلنية ليست آلية عامة، بل تستخدم حصريًا في نطاق محدد يتعلق بالعربات الجوالة، وهي الفئة الأكثر عددًا والأقرب إلى استيعاب المشاريع الصغيرة والناشئة، حيث قد تصل الفرص فيها إلى نحو 50 فرصة استثمارية.
ولفت يسين إلى أنه في هذا السياق يتم أولًا ضبط السعر من قبل الإدارة ضمن “نطاق رينج” محدد يحقق التوازن بين الجدوى الاقتصادية، وبين إمكانية دخول الشباب وأصحاب المشاريع الناشئة، ثم تجرى قرعة علنية أمام الجمهور بين المتقدمين المستوفين للشروط، بما يعزز تكافؤ الفرص والشفافية ويحد من الإقصاء المرتبط بالقدرة المالية، في المقابل تخضع بقية الأنماط الاستثمارية لآليات تقييم أكثر تخصصًا تعكس الطابع المركب للمشروع، وذلك على النحو الآتي:
استدراج العروض الفنية والمالية: تعتمد دفاتر شروط فنية دقيقة ويقيّم العارضون على أساس الاستيفاء الكامل للمعايير وفق منهجية ناجح/راسب بما يضمن جودة التنفيذ.
المشاريع ذات البعد الفني أو العلاماتي “Branding”: يتم فيها تقييم متكامل يجمع بين الكفاءة الفنية والقيمة الاقتصادية، مع ترجيح الحلول التي تحقق هوية بصرية وثقافية للمشروع.
المزايدة العلنية: وتستخدم في المشاريع التي يمكن ضبط مواصفاتها بدقة، حيث تطرح للمنافسة السعرية المباشرة بعد استكمال الشروط الفنية.
وأضاف يسين أن المنظومة المعتمدة لا تختزل الاختيار بالقرعة، بل تقوم على تنويع أدوات الترسية بما يحقق التوازن بين العدالة وتكافؤ الفرص، خصوصًا للمشاريع الناشئة، الكفاءة الفنية، الجدوى الاقتصادية، وهو ما ينسجم مع هدف المشروع في احتضان طاقات الشباب وتحفيز بيئة ريادة الأعمال ضمن إطار منظم وشفاف.
وفي هذا الإطار، فإن تنوع آليات الترسية واعتماد نموذج مالي هجين يشكلان معًا أداتين أساسيتين لتحقيق التوازن بين العدالة والكفاءة والاستدامة، بما يخدم الهدف الاستراتيجي للمشروع في دعم الابتكار والمشاريع الناشئة ضمن بيئة تنافسية شفافة ومحفزة.
كما تطرق استشاري التطوير في وزارة السياحة إلى خطط الاستدامة المالية لمشاريع “رحلة قاسيون”، موضحًا أن مجانية الجزء الأكبر من الخدمات المقدمة تعكس توجهًا اجتماعيًا وتنمويًا واضحًا يهدف إلى تعزيز الوصول العام، وتكريس الفضاء كمرفق مفتوح يدعم التفاعل الثقافي والسياحي ويحفّز مشاركة فئات واسعة من المجتمع، ولا سيما الشباب.
وأضاف يسين مستدركًا أن هذا التوجه لا يفهم بمعزل عن الإطار الاقتصادي للمشروع، إذ إن “رحلة قاسيون” صمم بوصفه نموذجًا هجينًا يجمع بين البعد الاجتماعي والثقافي من خلال الخدمات المجانية، وبين البعد الاستثماري الاقتصادي من خلال الفرص الاستثمارية المتنوعة.
ولفت يسين إلى أن الاستدامة المالية لا تقوم على فرض رسوم على المستخدمين النهائيين بقدر ما تعتمد على تنشيط الفرص الاستثمارية، مثل العربات الجوالة والمشاريع العلاماتية والمزايدات كمصادر دخل غير مباشر، مشيرًا إلى اعتماد تسعير مدروس ومنطقي يراعي قدرة المشاريع الناشئة على الدخول والاستمرار، بالإضافة إلى تحقيق دورة مالية داخلية قائمة على إعادة استثمار العوائد في تطوير المشروع وصيانته، ما يساهم في خلق بيئة جاذبة تعزز من القيمة الاقتصادية للموقع على المدى المتوسط والبعيد.
ورأى يسين في ختام حديثه لـ”الترا سوريا” أن المجانية هنا ليست عبئًا ماليًا، بقدر ما هي استثمار في القيمة الاجتماعية والثقافية للمشروع، يقابله نموذج اقتصادي قادر على تحقيق التوازن والاستمرارية.
فرص عمل ودعم للاقتصاد الوطني
من جهته، اعتبر مدير شعبة الترويج في مديرية سياحة ريف دمشق، المهندس محمد خير اللبابيدي، أن مشروع “رحلة قاسيون” يأتي ضمن المشاريع التي تقوم بها الحكومة السورية مثل المشاريع التنموية، الخدمية ، السياحية ، وتهدف الحكومة من خلال هذه المشاريع إلى إيجاد فرص عمل ودعم الاقتصاد الوطني، مضيفًا أن هذا الدعم يتم عن طريق إقامة مشاريع تنموية، صناعية، تجارية، وسياحية تؤمن فرص العمل وتجذب الاستثمارات الداخلية والخارجية، وتحسن البنية الاقتصادية والمظهر العام في البلد.
وبيّن اللبابيدي في حديثه لـ”الترا سوريا” أنه من منظور عام، يجب أن يدعم الجميع المشاريع التي تقوم بها الحكومة لأنها تؤمن فرص عمل للشباب القادرين على والباحثين عن فرص العمل، لافتًا إلى أنه في حال لم يتم دعم هذه المشاريع بغية تشغيل الشباب، فإن نسبة البطالة ستبقى عالية، منوهًا بأن المواطن من حقه أن يكون الأولى في هذه المشاريع.
ووجّه اللبابيدي الحكومة بالاهتمام بالخدمات الشعبية، معتبرًا أن هذا ما أولته الحكومة في مشروع رحلة قاسيون، بطرح 70% من الخدمات شعبية ومجانية وبأسعار تناسب دخل المواطن. ولفت إلى أن المشاريع لا يجب أن تكون على حساب دخل المواطن لجذب المستثمر، مبينًا أن قرارات الحكومة وإنتاجياتها والخدمات والمشاريع التي تطلقها يجب أن تنعكس على المواطن والليرة السورية.
وأكد اللبابيدي اهتمام وزارة السياحة بالسياحة الداخلية، واصفًا الأخيرة بأنها صمام الأمان لاستمرار دخل القطاع السياحي الداعم للاقتصاد الوطني. كما تطرق إلى أهمية السياحة الخارجية، معتبرًا أن تشجيع السياحة الخارجية يجب أن ينعكس على قوة دخل المواطن.
المشروع يفتقد للرقابة التشريعية والإدارية والتنفيذية
من جهته، وصف الخبير الاقتصادي فاخر القربي “رحلة قاسيون” بأنه خطوة استراتيجية لتحويل الجبل إلى وجهة سياحية ترفيهية، لافتًا إلى أن هدف المشروع تنشيط الاقتصاد وخلق آلاف فرص العمل وإعادة إحياء الحياة الاجتماعية، لكنه يواجه انتقادات كثيرة تتعلق بالأولوية في ظل الحاجة لإعادة الإعمار ومخاوف من استهدافه للطبقات الغنية، حيث يعتبر أساسًا للتنمية السياحية والاقتصادية، وذلك بتحويل جبل قاسيون إلى مركز جذب سياحي رئيسي يضم مشروعات ترفيهية وثقافية واستثمارية.
وأشار القربي في حديثه لـ”الترا سوريا” إلى أن المشروع يهدف إلى خلق فرص عمل، حيث من المفترض أن يؤمن أكثر من ستة آلاف فرصة عمل عند انتهاء المرحلة الأولى، ما يساهم في تحريك السوق المحلية، كما يهدف إلى استثمار الجهود الوطنية وتكريسها، إذ يقوم المشروع بالكامل بخبرات سورية، ما يجعله نموذجًا للاستثمار الوطني المعتمد على الذات.
ورأى القربي أن أهمية المشروع تتمثل في إحياء المنطقة اجتماعيًا، من خلال هدف المشروع إلى فتح الجبل المغلق منذ سنوات أمام العائلات والسكان وإعادة ربطهم بمعالم دمشق الطبيعية، مضيفًا أن المشروع يشكل فرصة ذهبية في القطاع الاستثماري، حيث يطرح فرصًا استثمارية واسعة النطاق تناسب المستثمرين الصغار والمتوسطين والكبار.
كما تطرق القربي في حديثه إلى سلبيات المشروع، فضلًا عن المخاوف المحتملة من تنفيذه على مبدأ إعادة ترتيب الأولويات، معتبر أن الأولوية الحكومية يجب أن تقوم على “نحن التنمية”، وهنا يجب أن تكون مشاريع التنمية السياحية الفاخرة، لا يجب أن تتقدم على حساب ملف إعادة إعمار السكن وتأمين مأوى للمتضررين.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن قيمة التكلفة والاستهداف الاجتماعي للمشروع أثارت نقاشًا حول كونه موجهًا للأثرياء فقط، ما قد يجعله غير متاح للطبقات المتوسطة والمحدودة الدخل، لافتًا إلى ما قد ينعكس بتأثيرات بيئية وتخطيطية، حيث يكمن أن تؤدي التوسعات العمرانية والمشروعات الكثيفة على سفوح قاسيون إلى تغيير طبيعة المنطقة أو الضغط على البنية التحتية.
وختم الخبير الاقتصادي القربي حديثه لـ”الترا سوريا” أن المشروع، على أرض الواقع، يهدف إلى تحقيق “صفر فساد”، وذلك عبر منصة إلكترونية شفافة لعقود الاستثمار، لكنه يفتقد للرقابة التشريعية والإدارية والتنفيذية.
الترا سوريا
—————————–
===========================
تحديث 27 نيسان 2026
—————————–
رئيس مكافحة الكسب غير المشروع للجزيرة نت: تمكنا من تفكيك إرث المال والسلطة في سوريا/ عمار دروبي
دمشق ـ أكد رئيس لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في سوريا باسل السويدان أن النتائج التي حققتها اللجنة في تفكيك الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالنظام السابق يمكن تقييمها من زاويتين متكاملتين، هما فهم طبيعة هذه الشبكات، ومدى التقدم في تفكيكها.
وأوضح السويدان، في حوار خاص مع الجزيرة نت، أن ما واجهته اللجنة لم يكن حالات فردية، بل منظومات اقتصادية مترابطة تشكلت على مدى سنوات، حيث تداخلت الملكيات وتوزعت الأصول بين أشخاص وشركات وواجهات متعددة داخل سوريا وخارجها.
وأضاف السويدان أن هذا التعقيد فرض اعتماد مقاربة تقوم على تتبع الشبكة ككل، بدلا من التعامل مع كل عنصر بمعزل، مشيرا إلى أن اللجنة نجحت في تحقيق اختراقات مهمة، من أبرزها بناء صورة مالية متكاملة لهذه الشبكات، وتحديد مراكز الثقل فيها، سواء على مستوى الأشخاص أو الأصول أو التدفقات المالية.
وعن نتائج الإفصاح الطوعي، قال إن برنامج الإفصاح الطوعي أسهم في كشف أجزاء مهمة من هذه الشبكات، ليس فقط من خلال الأموال المصرح عنها، بل أيضا عبر المعلومات المصاحبة لها، والتي ساعدت في توسيع قاعدة التحليل وربط المسارات المالية.
وأكد أن اللجنة تمكنت من تفكيك أجزاء من هذه المنظومات عبر استرداد أصولها أو وضعها تحت الإجراء القانوني، ومنع استمرارها ضمن اقتصاد الظل، مع التشديد على أن هذا العمل يبقى مسارا تراكميا يحتاج إلى وقت واستمرارية.
تتبع الأصول
وفيما يتعلق بأبرز التحديات التي واجهت اللجنة في تتبع الأصول داخل سوريا وخارجها، أوضح السويدان أن التحدي الأساسي تمثل في طبيعتها التي صُممت ضمن بنى معقدة تهدف إلى إخفاء الملكية الحقيقية.
وأشار إلى أن اللجنة شهدت داخل سوريا تشابكا كبيرا في الملكيات نتيجة توزيع الأصول على واجهات متعددة من شركات وأفراد، ما استدعى إعادة بناء الصورة الحقيقية للملكية من خلال تحليل مالي معمق.
إعلان
وأضاف أن هناك تحديات تتعلق بجودة البيانات وتكاملها نتيجة تراكمات سابقة، ما تطلب توحيد مصادر المعلومات والتحقق منها، فيما تتضاعف التحديات خارج سوريا بسبب اختلاف الأنظمة القانونية واستخدام أدوات مالية معقدة لإخفاء الملكية، إلى جانب الحاجة إلى مسارات تعاون دولي تستغرق وقتا.
وأشار كذلك إلى أن من بين التحديات محاولات بعض الأطراف نقل الأصول أو إعادة هيكلتها بسرعة عند استشعار الملاحقة، سواء عبر البيع أو استخدام أدوات قانونية ظاهرها مشروع، مؤكدا أن اللجنة واجهت ذلك عبر منهجية تقوم على التحليل المالي المتكامل.
استرداد الأموال
وفي سياق أثر استرداد الأموال، أوضح السويدان أن هذه العملية لا تقتصر على بعدها المالي، بل تمثل جزءا من إعادة ضبط بنية الاقتصاد، لافتا إلى أن الخلل السابق لم يكن فقط في فقدان المال، بل في تشوه قواعد المنافسة، حيث حصلت بعض الشبكات على امتيازات غير مشروعة أضعفت الاقتصاد الحقيقي.
وبين رئيس لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في سوريا أن استرداد الأموال يسهم في إعادة الموارد إلى الدولة، ما يعزز قدرتها على توجيهها نحو أولويات اقتصادية أكثر توازنا، كما يسهم في تفكيك الامتيازات غير المشروعة وفتح المجال أمام بيئة تنافسية أكثر عدالة.
وحول ضمان استقلالية عمل اللجنة ومنع تسييس الملفات، أكد السويدان أن هذه الاستقلالية تُبنى على منهج العمل وليس على التصريحات، موضحا أن كل ملف يُعالج وفق مسار واضح يبدأ بجمع البيانات، ثم التحقق والتحليل، وصولا إلى توصيات مبنية على أدلة مالية وقانونية، ما يجعل القرار نتاج عملية مؤسسية وليس فردية.
وأضاف أن اللجنة تعتمد معايير موحدة في تقييم جميع الحالات، بما يحد من أي تدخل أو تأثير خارجي، إلى جانب وجود مستويات متعددة من التدقيق تعزز التوازن الداخلي وتقلل من مخاطر الانحراف، مشيرا إلى أن المسار النهائي لأي ملف هو القضاء المختص، ما يشكل ضمانة إضافية لعدم تسييس الملفات.
إجراءات احترازية
وفيما يتعلق بالإجراءات الاحترازية، أوضح السويدان أن مثل هذه الإجراءات، كالحجز أو منع السفر، لا تُعدّ عقوبات، بل تدابير مؤقتة تهدف إلى حماية المال العام ومنع التصرف بالأصول إلى حين استكمال التحقيق، مؤكدا أنها تُتخذ ضمن إطار قانوني واضح وبناء على معطيات جدية، وتخضع للمراجعة وفق الأصول.
وأشار إلى أن جميع الأشخاص المعنيين يتمتعون بكامل حقوقهم القانونية، بما في ذلك حق الدفاع والطعن واللجوء إلى القضاء المختص عند تحويل ملفاتهم، موضحا أنه إذا ثبت عدم صحة الشبهة تُرفع الإجراءات الاحترازية، ما يؤكد أنها ليست نهائية بل مرتبطة بسير التحقيق، وتهدف إلى تحقيق التوازن بين حماية المال العام وضمان حقوق الأفراد.
وشدد رئيس لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في سوريا على أن ما تقوم به اللجنة يتجاوز مجرد الملاحقة المالية، ليشكل عملية أعمق تستهدف تفكيك منظومات اقتصادية غير مشروعة، وإعادة بناء قواعد الاقتصاد على أسس قانونية عادلة، تمهيدا لمرحلة يكون فيها القضاء هو الجهة الفاصلة في تثبيت هذه النتائج.
وتأتي هذه التحركات في إطار توجه حكومي نحو معالجة إرث اقتصادي معقد خلفته سنوات من تداخل المال بالسلطة خلال حقبة النظام السابق، عبر لجنة أُنشئت بموجب مرسوم رئاسي عام 2025، تتولى التحقيق في حالات الكسب غير المشروع، وتدقيق أملاك كبار المسؤولين والعسكريين، وإدارة الأصول المستردة، ضمن مسار يستهدف استعادة الأموال المنهوبة وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد.
—————————–
المركزي السوري يبحث إعادة افتتاح فروعه في الحسكة والرقة وتعزيز الخدمات المصرفية
2026.04.27
أعلن مصرف سوريا المركزي، عقد اجتماعٍ في مقره بدمشق، جمع حاكم المصرف عبد القادر حصرية مع محافظ الحسكة نور الدين أحمد عيسى ومحافظ الرقة عبد الرحمن سلامة، لبحث واقع القطاع المصرفي في المحافظتين وسبل إعادة تنشيطه.
وتناول اجتماع المصرف، أمس الأحد إمكانية إعادة افتتاح فروعه في كل من الحسكة والرقة، لما لذلك من أهمية في دعم الحركة الاقتصادية وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات المالية، وفق ما نقله المصرف المركزي عبر معرفاته الرسمية.
كما ناقش المجتمعون خطط تطوير الفروع وتحديث بنيتها التحتية بما يواكب التطورات في القطاع المصرفي، ويعزز كفاءة الخدمات ويرفع مستوى الأداء، إضافة إلى العمل على تعزيز الثقة بالقطاع المصرفي في المحافظتين.
توسيع نطاق خدمات المصرف
وأكد حصرية حرص المركزي على توسيع نطاق خدماته وإعادة تفعيل دوره في مختلف المناطق، مشدداً على أهمية التعاون مع الجهات المحلية لتذليل العقبات وتسريع خطوات التنفيذ.
من جهتهما، أبدى محافظا الحسكة والرقة استعدادهما لتقديم التسهيلات اللازمة لدعم إعادة افتتاح الفروع وتطويرها، بما يسهم في تحسين الواقعين الاقتصادي والخدمي في المحافظتين.
———————————–
إعادة إطلاق “البوابة الثامنة” بريف دمشق.. ما أبرز مميزات المشروع؟
2026.04.26
أعلنت وزارة الأشغال العامة والإسكان في سوريا، اليوم الأحد، استئناف العمل بمشروع “البوابة الثامنة” في منطقة يعفور بريف دمشق، بعد سنوات من التوقف، وذلك بالتزامن مع توقيع ملحق عقد جديد مع شركاء إماراتيين.
وبحضور وزير الأشغال العامة والإسكان، المهندس مصطفى عبد الرزاق، وقّعت المؤسسة العامة للإسكان ملحق عقد للمشروع مع شركة “إعمار العقارية” الإماراتية، بالتعاون مع مجموعة “الاستثمار لما وراء البحار”، في خطوة تهدف إلى إعادة تفعيل المشروع واستكمال تنفيذه. وفق ما نقلته الوزارة عبر معرفاتها الرسمية.
ويُعد مشروع “البوابة الثامنة” من أبرز المشاريع العقارية والتجارية الحديثة في سوريا، إذ يتميز بموقعه الاستراتيجي في ريف دمشق، ومساحته الواسعة التي تجمع بين السكن والتجارة والخدمات ضمن بيئة عمرانية متطورة.
ويقع المشروع على بعد نحو 15 إلى 20 دقيقة من مركز العاصمة دمشق، مع سهولة الوصول إليه عبر الطرق الرئيسية، ما يمنحه ميزة تجمع بين هدوء الضواحي وقربها من المدينة.
ويمتد المشروع على مساحة تقارب 300 ألف متر مربع، ويضم مركزاً تجارياً حديثاً بمساحة تزيد على 200 ألف متر مربع، إضافة إلى أكثر من 250 منفذاً تجارياً لعلامات محلية وعالمية، إلى جانب مرافق ترفيهية ومطاعم ومواقف سيارات تتسع لأكثر من 2300 سيارة.
كما يضم المشروع وحدات سكنية وفندقية بمساحة مبنية تبلغ نحو 196 ألف متر مربع، تشمل 600 شقة سكنية وسياحية، و200 غرفة فندقية من فئة الخمس نجوم، إضافة إلى أبنية مكاتب حديثة بمساحات متنوعة تلبي احتياجات الشركات المحلية والعالمية.
ويتميّز المشروع ببنية خدمية متكاملة تشمل أنظمة أمن وحراسة وصيانة مستمرة، إلى جانب خدمات الكهرباء والاتصالات والإنترنت، ما يوفر بيئة مناسبة للسكن والعمل والاستثمار، ويعزز مكانته كأحد أبرز المشاريع التنموية الحديثة في محيط دمشق.
تعثر المشروع في زمن النظام المخلوع
تعود انطلاقة مشروع “البوابة الثامنة” إلى عام 2007، حين بدأ تنفيذه من قبل شركة “إعمار سوريا”، بكلفة تجاوزت نصف مليار دولار، وكان من المخطط إنجازه خلال ست سنوات، إلا أن المشروع تعثّر مع اندلاع الثورة السورية.
وخلال سنوات الصراع، كشفت تقارير وتحقيقات لـ”تلفزيون سوريا”، عن تغيّرات في ملكيات بعض العقارات ضمن المشروع ومحيطه، وسط اتهامات بعمليات استحواذ غير قانونية عبر شركات ووسطاء تابعة للنظام المخلوع، في سياق أوسع لتوسع النفوذ الاقتصادي الإيراني في قطاع العقارات بريف دمشق.
وأشارت تلك التقارير إلى تأسيس شركات جديدة دخلت على خط المشروع، وسعت لشراء مقاسم عقارية وإعادة بيعها، في عمليات متكررة يُعتقد أنها هدفت إلى تعقيد مسارات الملكية.
ومع إعادة إطلاق المشروع اليوم، يُتوقع أن يشكل استكماله خطوة لافتة في قطاع التطوير العقاري في سوريا، بعد سنوات من الجمود.
——————————–
===========================
تحديث 26 نيسان 2026
—————————–
في الحاجة للخروج من “الحدّية” لدى السوريين.. الاقتصاد مثالاً/ إياد الجعفري
الأحد 2026/04/26
حظيت بتجرية جديدة بالنسبة لي، حينما كُلّفت بإدارة ندوة حوارية ضمن إحدى فعاليات “منتدى سلامة كيلة الثقافي”، في مقهى الروضة الشهير، بدمشق. تمحورت الندوة حول “التحديات الاقتصادية في المرحلة الانتقالية” بسوريا. رافقت خلالها كلاً من الدكتور نبيل مرزوق، المختص بالتحليل والسياسات الاقتصادية، والباحث الاقتصادي، أحمد الرز، المحرر في نشرة “The Syria report”، ومحرر الشؤون الاقتصادية بجريدة “قاسيون”.
وقد تعلمت الكثير من هذه التجربة، وخرجت بجملة انطباعات ودروس من مجمل محاضرات المتحدثيَن، ومداخلات الجمهور الغنية. أولى تلك الانطباعات متعلّقة بالنخبة السورية التي كانت حاضرة في هذه الفعالية، ويغلب عليها، وفق المتحدثيَن والمداخلات، الخط اليساري. والكثير منهم من المناضلين القدامى في مجال الحريات وحقوق الإنسان والمجتمع المدني السوري.
بدت الأيديولوجيا والسياسة طاغيتان على التقييم الاقتصادي الصرف. ورغم المقاربات الغنية، التي قدّمها المحاضران، إلا أنها تمثّل حلولاً جزئية، غير كافية لخلق نموذج بديل عن ذاك الذي تطرحه الحكومة الانتقالية. وقد تضمنت المقاربات أفكاراً تتمتع بالفرادة والقيمة النوعية، من قبيل التركيز على الميزات المطلقة للاقتصاد السوري. أي ما نتميز به في سوريا، بشكل منفرد، عن معظم دول العالم. كتطوير استثمار النباتات الطبية، وغنم العواس، وموارد أخرى، تحقق عائدية مرتفعة للاستثمار. مقابل الميزات النسبية كالنفط والقمح والقطن والخدمات السياحية والعقارية، التي تجعلنا في منافسة غير متوازنة مع دول عديدة في العالم. وهو طرح يستحق كل اهتمام من صنّاع القرار الاقتصادي. لكنه يمثّل حلاً جزئياً في الحالة السورية الراهنة، لا يجيب عن السؤال الشائك: كيف سنعمّر المدن والبنى التحتية المدمّرة؟
جواب الحكومة الانتقالية: الخصخصة (الجزئية) والرهان على الاستثمار الخارجي. وهما طرحان يُنظر إليهما بريبة، وربما بإدانة، لدى شريحة واسعة من النخبة السورية، اليسارية، إن صح التوصيف. والتي ترى أن السلطة الحاكمة بعد سقوط نظام الأسد، تأخذ البلاد نحو نموذج تستقيل فيه الدولة من التزاماتها الاجتماعية تجاه شعبها المنهك معيشياً. ويطرحون بدلاً من ذلك، نموذجاً اقتصادياً يُبقي على الدعم الاجتماعي ودعم القطاع الزراعي، من دون أن يعطونا جواباً شافياً حول: من أين نموّل هذا “الدعم”؟ من الأجوبة الملفتة، نموذج مشاركة المجتمع في العملية التنموية، عبر إحداث شركات مساهمة، يساهم فيها السوريون بمبالغ رمزية، لكنها بحراك جماعي، قادرة على أن تشكّل قاطرة للنهوض الاقتصادي. كمثال، تمويل محطة لتوليد الكهرباء، لسكان دمشق، بمبلغ 100 دولار من كل أسرة. يمكن أن نتوقع، بصورة أولية، جمع 100 مليون دولار. لكن إلى أي حد يمكن لهكذا مساهمة أن تحل معضلة الكهرباء، بالفعل؟ إذ تحتاج مدينة كدمشق، بين 2 إلى 3 مليار دولار، لتمويل محطات توليد تغطي الحاجة الكهربائية للمدينة، كمثال. وهو ما يظهر جزئية هذا الحل.
إحدى المداخلات الملفتة، للخبير الاقتصادي، سمير سعيفان، ذهبت في اتجاه مختلف عن الاتجاه العام في النقاش. إذ لفتت إلى معضلة شح الموارد. ورفضت “شيطنة” الخصخصة والاستثمار الخارجي، بالعموم. وهو ما اتفق معه مُدَاخل آخر، بسؤال: من أين نأتي بالأموال لإعادة إعمار البلاد؟ لكن اتضح لي أن طرح “شح الموارد”، ليس موضع إجماع، وقد لقي الكثير من الرفض أو محاولات التفنيد، خلال الحوار. وهو أمر كان مفاجئاً بالنسبة لي، ذلك أن معالجة كارثة بحجم الكارثة الاقتصادية التي تعيشها سوريا، من زاوية القدرة المحلية الصرفة، هي معالجة “راديكالية” تقابل “راديكالية” السلطة الراهنة في بناء معالجاتها المتسرعة على الاستثمار الخارجي، وحده.
إحدى الأمثلة على تعقيد المشهد الاقتصادي السوري، مقابل المعالجات الجزئية المطروحة، أنني لم أحظ بجواب شافٍ، حول كيفية الخروج من معضلة الحاجة لحبس السيولة، بغاية ضبط سعر الصرف، والتي تتسبب بتباطؤ الاقتصاد وفقدان الثقة بالمصارف. هي سياسة اتبعها نظام الأسد البائد في السنوات الأخيرة من حكمه، ولا تزال الحكومة الحالية تسير في ركابها. فلإنعاش الاقتصاد، نحن بحاجة لسيولة. لكن إتاحة السيولة ستؤدي إلى خضّات دراماتيكية بسعر الصرف ستنعكس على الوضع المعيشي الذي يشكّل مصدر تذمر متصاعد في الشارع السوري اليوم. الجواب الذي قُدِّم، أن الحل بإطلاق عجلة الإنتاج. لكن، كيف سنطلق عجلة الإنتاج، مع حالة حبس السيولة؟ وإن حررنا هذه السيولة، بغاية إطلاق عجلة الإنتاج، كيف سنتعامل مع تداعيات انهيار سعر الصرف؟!
لا يعني النقد السابق، أن معالجات السلطة لمعضلات الاقتصاد، موفقة. فهي متسرعة، ومتخبطة، وآنية، تفتقد لأية رؤية. لكن، لنقرّ بأن التركة الموروثة من النظام البائد، ضخمة للغاية، ومربكة إلى أقصى الحدود. لذا، قد تكون نقطة البداية في التعامل معها، من وجهة نظر كاتب هذه السطور، الخروج من فخ “الحدّية” في المعالجات والمقاربات، التي يقع فيها طيف واسع من النخبة السورية، والسلطة الحاكمة، في آن. لنتحرر من الأيديولوجية، والمواقف والقناعات والقوالب المسبقة. لا في الاقتصاد فقط، بل في مختلف الملفات المعقّدة التي تهدد سلاسة المرحلة الانتقالية وتدخلها في الهوامش الحرجة.
وفي سبيل ذلك، نحن بحاجة للمزيد من الحوار النخبوي البيني. والحوار بين النخب والسلطة. وتتحمل هذه الأخيرة بالذات، مسؤولية فتح باب الحوار معها، والانفتاح عليه، بحثاً عن حلول “وسطية”، تنتقي أفضل الأفكار التي يقدّمها خبراء سوريون. وإشراك الكفاءات النخبوية في صنع القرار. فإشراكهم، قد يكون السبيل الأمثل، للإفادة منهم بدايةً، ودفعهم لقراءات وسطية، قابلة للتحقيق، لاحقاً، حينما يختبرون هول المعضلات التي سيُكلفون بحلّها.
المدن
—————————-
سورية… وعود اقتصادية على مراحل/ فاطمة ياسين
26 ابريل 2026
منذ لحظة سقوط نظام الأسد، تصرّفت السلطة الجديدة وكأنها في سباق مع الزمن… أنجزت إعلانها الدستوري، وأعلنت قيام أول حكومة في العهد الجديد ترأسّها أحمد الشرع بنفسه. وفي تلك الفترة، أُعلِنَت اتفاقيات كثيرة وكبيرة الحجم، بعضها في الطاقة، وبعضها في النقل والموانئ، وكثير منها في قطاع العقارات والبنية التحتية، وتولّد بسرعة انطباعٌ واسعٌ بأن الاقتصاد سيحرّك عجلته في وقتٍ قصيرٍ جدّاً، وأن سورية قد دخلت بالفعل في طَوْر ما بعد الحرب، وبعد سريان موجة من التفاؤل امتدّت إلى فترة أكثر من اللزوم، بدأت مظاهر القنوط تبدو على الوجوه في الشارع، وترددت أصوات تُذكِّر بالوعود الكبيرة التي لم تبدأ بالفعل وتتساءل: أين نتائج كل ذلك؟ ولماذا لا يتناسب نمو الاقتصاد مع حجم الخطاب المطروح؟ لم يبدُ أن الحكومة تراجعت عن وعودها، واستمرت نبرتها المتفائلة، ولكنها انصرفت بشكل واسع إلى ملفّاتٍ داخليةٍ ملحّة، وأدركت أن الاستثمار لا يمكن أن يسبق السياسة في بلدٍ مثل سورية، وتوقيع الاتفاقيات الطموحة يجب ألا يسبق توفير البيئة الملائمة لهذا الاستثمار، كي يشعر بالاطمئنان والراحة. وهنا انتقلت إلى المهمّة الأشد صعوبة، إعادة ترتيب البيت الداخلي. فالشمال السوري كان كله مرهوناً وغير قابل للدخول في عجلة الاقتصاد الجديد، من دون تسويةٍ مناسبة. وفي تلك المنطقة، تتموضع ثروات ومشكلات، فهناك ملتقى العلاقات مع أميركا حيث كانت تملك قواعد عسكرية، بالإضافة إلى الحدود مع العراق وتركيا، والوجود الكردي الكثيف، بما يحمله من انعكاسات على العلاقات مع كل تلك الدول. ومع مرور الشهر الأول من العام الجاري، جرى تجاوز ذلك الملف الذي تطلّب أكثر من تفاهم وأكثر من اتفاق، وصولاً إلى حالةٍ من الاستقرار المعقول لكل الأطراف، ووصلت يد الدولة إلى كثير من موارد الشمال. كانت لحظة التهدئة إعلاناً عن إقلاع نشاط جديد وبدء موجة اقتصادية أخرى، بدت أكثر جدّية وأقل استعراضاً. ومجدّداً استقبل السوريون الموجة الثانية بحفاوة، لكنها لم تَخلُ من تشكيك، رغم أنها أعقبت تحسّناً في البيئتين، السياسية والأمنية، وإعلان السيطرة الكاملة لحكومة دمشق على المعابر كافة.
تمكُّن الدولة السورية من بوّاباتها مع العراق شجع الأخير على التعاون العابر للحدود، وكأن الجغرافيا بين البلدين استعادت ذاكرتها القديمة بعد سباتٍ دام عقوداً طويلة، فتذكّر العراق أن سورية ليست دولة محصورة داخل حدودها، بل هي معبر ومسارٌ وعقدة مواصلات. انسحب الأمر نفسه في الجنوب على الحدود الأردنية التي شهدت، هي الأخرى، طمأنينة متزايدة. وبدأت الحرارة الاقتصادية بالارتفاع على جانبي الحدود، وقد شعر الطرفان بأن عمليات التبادل يمكن أن تحصل بعيداً عن أي ارتياب أمني، وتُوِّجَت هذه المرحلة بإعلان مشروع جبل قاسيون، وهو ليس مشروعاً عقارياً تقليدياً، لكنه يحمل دلالة عن الدولة التي تريد أن تنتقل من مرحلة التثبيت على الأرض إلى طور الظهور الإقليمي. كانت أحدث خطوة في هذا المشوار الاقتصادي الحديث تجديد زيارة الرئيس أحمد الشرع ثلاثة عواصم مؤثرة في الخليج، بما يمكن أن يكون لهذه الزيارة من مضمون اقتصادي. وقد تكون أبوظبي محطة مهمّة بعد إشكال التهجّم على سفارة الإمارات في دمشق، وإضافة عودة الشيخ عصام البويضاني إلى دمشق، في رسالة واضحة إلى أن اللبس في علاقات البلدين قد زال، وهو تمهيدٌ يعني أن طريق العاصمتين قد أصبح سالكاً من دون معوّقات، ما سيضخّ مزيداً من الارتياح في سوق الاستثمار السوري.
اليقظة الاقتصادية الحالية مرشّحة للتوسّع، ما بقيت مناخات الأمن تترسّخ، ما سيجعل من الخطط واقعاً ملموساً. ومهما كانت نتيجة الحرب في الخليج، تبدو دمشق بعيدة عن أي ارتدادٍ ضارّ، وقد أبقت نفسها على مسافة كافية من الأطراف المتحاربة.
العربي الجديد
———————————–
من تجميد الإمدادات الروسية إلى تهديد “داعش”: الوقود السوري في الحرب الإقليمية/ لامار اركندي
25.04.2026
تبدو أزمة الوقود في سوريا انعكاساً مباشراً لتعقيدات المشهدين الإقليمي والمحلّي، حيث يتداخل تجميد الإمدادات الروسية مع تهالك الحقول النفطية وتهديدات “داعش” والمخاطر الأمنية على طرق النقل، ما يجعل استقرار قطاع الطاقة مهمّة شديدة التعقيد.
بعد الإعلان عن اتّفاقية الهدنة بين إيران والولايات المتّحدة، بدا المشهد الإقليمي أكثر هدوءاً على الورق، لكنّ آثار التصعيد الأخير لا تزال ملموسة في حياة السوريين اليومية.
ركّزت التغطية الإعلامية على التهدئة العسكرية، إلا أن الأزمات الاقتصادية التي خلّفتها الحرب الإقليمية لم تتوقّف، بل امتدّت إلى الأسواق المحلّية في سوريا، حيث بدأت أسعار الوقود والمواد الأساسية تشهد تقلّبات ملحوظة خلال الأسابيع الأخيرة، ونقص الغاز والمازوت والبنزين من محطّات الوقود في عموم البلاد، في ظلّ تراجع الإمدادات النفطية وارتفاع تكاليف النقل وتعقّد طرق التوريد، الشأن الذي نفته وسائل الإعلام السورية الرسمية، لكنّ الواقع على الأرض مختلف…
فقد نشرت “الشركة السورية للبترول” عبر صفحتها الرسمية، أن عمليّات توريد الغاز إلى مصبّ بانياس البحري مستمرّة ضمن جهودها لتعزيز استقرار قطاع الطاقة.
وبحسب البيان الذي تابعه “درج” تمّ تسلّم شحنة جديدة من الغاز يوم الاثنين على متن الناقلة “غاز سيرينتي” بحمولة تبلغ 11,600 طنّ متري، حيث باشرت فرق المصبّ عمليّات الربط والتفريغ فور استكمال الإجراءات الفنّية، لضمان نقل الكميّات إلى خزّانات قسم غاز بانياس بكفاءة وأمان…
كما أوضحت الشركة أن عدّة نواقل أخرى تنتظر دورها ضمن برنامج توريد مستمرّ بحمولات متفاوتة، ولم يحدّد البيان مصدر التوريد أو بلد المنشأ لهذه الشحنات، واكتفى بالإشارة إلى استمرار برنامج الإمداد.
ويأتي ذلك في وقت كانت فيه الحكومة قد أكّدت سابقاً توفّر المشتقّات النفطية والغاز في الأسواق ونفت وجود أيّ نقص، رغم استمرار الحديث عن ضغوط على التوزيع في بعض الفترات.
تعكس هذه الارتفاعات هشاشة الاقتصاد السوري واعتماده الكبير على الإمدادات المحلّية المحدودة والإمدادات الخارجية المتقطّعة، بما في ذلك الغاز والمازوت. فالإمداد المحلّي لا يغطّي الاحتياجات بالكامل، والإمدادات الخارجية من روسيا انخفضت قبل أيّام قليلة من الحرب الأميركية الإسرائيلية ضدّ طهران.
في هذا السياق، تتشابك أسباب محلّية وإقليمية لتضغط على ميزانيات الأسر، وتزيد من الصعوبات اليومية، ما يجعل الأزمة الاقتصادية أحد أبرز تداعيات الحرب الإقليمية على السوريين، حتى بعد إعلان الهدنة الأميركية الإيرانية على الصعيد العسكري.
تجميد الإمدادات الروسية
تشير بيانات وتقارير قطاع الطاقة إلى أن سوريا تعتمد بشكل متزايد على الشحنات النفطية الخارجية لتشغيل مصافيها وتأمين احتياجات السوق المحلّية، في ظلّ تراجع الإنتاج المحلّي منذ سنوات.
وقد استقبلت مصفاة بانياس خلال الأشهر الأولى من بداية العام؛ كان آخرها بداية شهر شباط/ فبراير، عدّة شحنات نفطية روسية، وهو ما أكّدته مصادر من مصفاة بانياس رفضت الكشف عن هويّتها لـ”درج”، مشيرة إلى أن من بينها شحنة بلغت نحو 1.6 مليون برميل من الخام والمشتقّات النفطية، ضمن خطّة لتعزيز الإمدادات وتشغيل المصافي وتأمين الوقود لقطاعي الكهرباء والنقل.
وتؤكّد هذه الشحنات وفق المصدر، أن مصفاة بانياس ما تزال تمثّل نقطة ارتكاز رئيسية في منظومة الطاقة السورية، حيث تعتمد على الواردات البحرية لتغطية جزء من احتياجات البلاد، خاصّة مع ضعف الإنتاج المحلّي وتراجع قدرة الحقول النفطية على تلبية الطلب الداخلي مشيرة إلى أن “هذا الاعتماد على الشحنات الخارجية يجعل سوق الوقود في سوريا حسّاساً لأيّ اضطراب في طرق النقل أو تصاعد في المخاطر الإقليمية، لكنّ هذه الشحنات حالياً توقّفت. فتجميد موسكو شحنات نفطها إلى سوريا جاء في توقيت حسّاس، قبيل العمليّات العسكرية الأميركية ضدّ إيران”.
يرى الخبير في شؤون الطاقة والسياسة الدولية الدكتور همّام حيدر أن “توقّف توريد النفط الروسي إلى سوريا لم يكن مجرّد مسألة لوجستية، بل يعكس حسابات جيوسياسية دقيقة بين روسيا وأطراف إقليمية ودولية”، ويقول في لقاء مع “درج”: “يمكن فهم توقّف التوريد في إطار عدّة اعتبارات استراتيجية. أولاً: موسكو كانت تتوخّى الحذر من الانجرار المباشر إلى مواجهة محتملة مع الولايات المتّحدة وإسرائيل، خصوصاً في ظلّ التهديدات المفتوحة ضدّ إيران. ثانياً: روسيا تحتاج إلى إعادة ترتيب أولوياتها في سلسلة التوريد، حفاظاً على مخزونها الداخلي من البترول ومنع أيّ تأثير سلبي مباشر على أسعار النفط العالمية. ثالثاً: هناك بعد سياسي، فالتوقّف عن الإمدادات يعتبر رسالة واضحة لكل الأطراف أن موسكو ليست على استعداد لتحمّل المخاطر وحدها في حال اندلاع تصعيد إقليمي. هذا التوازن بين الالتزامات الدولية والمصالح الإقليمية هو ما يفسّر قرار موسكو تجميد الشحنات مؤقّتاً، وليس هناك مؤشّر على أن هذا القرار يعكس رغبة في ترك سوريا دون دعم، بل هو جزء من سياسة محسوبة لتجنّب التورّط المباشر في أيّ صدام عسكري”.
التوقّف فاقم معاناة السوريين
تسبّب توقّف الشحنات الروسية مباشرة في أزمة طاقة داخلية انعكست على المواطنين بشكل ملموس، تقول الصحافية السورية فاطمة حسني: “إن انخفاض الإمدادات أدّى إلى نقص الوقود في محطّات المحروقات، ما تسبّب في طوابير طويلة وانتظار لساعات للحصول على البنزين والمازوت، خاصّة للمواصلات العامّة والمولدات الكهربائية الخاصّة”.
وتشير في حديثها لـ”درج” إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية عشرات الأضعاف نتيجة ارتفاع تكاليف النقل، إذ يعتمد قطاع النقل بشكل شبه كامل على الوقود المستورد وتقول: “هذا النقص أثّر أيضاً على قطاع الصناعة والإنتاج المحلّي، فالمصانع التي كانت تعمل بنسب محدودة اضطرّت لتقليص ساعات عملها أو التوقّف تماماً، ممّا زاد من الضغط على الأسر السورية المتأثّرة أصلاً بالحرب والتضخّم المستمرّ”.
وفي السياق ذاته، ينقل أبو علي وهو مالك محطّة وقود في مدينة الحسكة لـ”درج” معاناة الحسكة كغيرها من المدن السورية في الوقت الحالي، من شحّ كبير في المازوت والغاز والبنزين، حيث أصبحت غير متوفّرة في معظم محطّات الوقود، ويوضح أن المازوت المدعوم يُباع رسمياً بسعر 5,650 ليرة سورية للتر الواحد، بينما يصل سعر صرف الدولار الرسمي إلى 13600ليرة، ما يعني أن سعر اللتر بالدولار الرسمي يقارب 75 سنتاً.
ويقول: “أما في السوق السوداء، فتتوفّر كميّات قليلة من المازوت، ويصل سعرها إلى أكثر من 10,000 ليرة سورية للتر الواحد، ويضطرّ الناس للوقوف في طوابير لساعات طويلة وربما لليوم الثاني لكن دون جدوى، فيلجأون إلى السوق السوداء”.
وفق حسابات موقع “الطاقة” المتخصّص في شؤون النفط والطاقة، الذي رصد تذبذب الأسعار وندرة الوقود في الأسواق السورية، فإن سوريا احتلّت المرتبة السادسة من بين الدول العربية التي شهدت ارتفاعاً في أسعار الوقود بسبب الحرب الإيرانية الأميركية.
حقول النفط السورية: بين التدمير والتهديدات
رغم أن “الشركة السورية للبترول” أعلنت بدء تشغيل واستخراج النفط من الحقول التي أعادت الدولة السيطرة عليها في دير الزور والحسكة، بموجب الاتّفاقية التي أُبرمت بين “قوّات سوريا الديمقراطية” وحكومة دمشق في 29 كانون الثاني/ يناير والعمل على إعادة تأهيل البنية التحتية للآبار والمنشآت المتضرّرة، وهو ما أكّده مهندس البترول سردار علي، الذي تنقّل في عمله بين حقول البترول في رميلان ودير الزور قبل أزمة البلاد وخلالها لـ”درج” إلا أن تنفيذ هذا التأهيل لا يزال يتطلّب وقتاً أطول من المتوقّع، وليس فورياً على الأرض .
علي نوّه إلى أن إعادة إدخال هذه الحقول في دورة الإنتاج تحتاج إلى خطّة متكاملة، وإلى شهور طويلة من الصيانة والتجهيز قبل أن تغطّي احتياجات السوق المحلّية.
ووصف معظم المنشآت النفطية في دير الزور والحسكة بأنها غير مؤهّلة للعمل، وتعرّضت لتدمير واسع وتلوّث بيئي نتيجة سنوات النزاع، وقال: “حقول بترول مناطق الجزيرة على مدار السنوات الأخيرة، لم تسلم من القصف من قِبل الدولة التركية، وجهود إزالة الأضرار وتحسين الوضع البيئي تتطلّب وقتاً طويلاً ودعماً دولياً لإعادة تأهيل البنية التحتية بالكامل”.
وأشار إلى تداخل التهديدات الأمنية المحلّية مع التحولات الإقليمية الأوسع، التي تشهدها المنطقة بين واشنطن وطهران، وتحوّل سوريا إلى مسرح لتصفية الحسابات في ما بينهما، وقال: “في هذا المناخ الإقليمي المشحون، فإن أيّ خطّة لتأهيل الحقول النفطية في سوريا — حتى بعد استعادتها — لا يمكن فصلها عن المخاطر المتّصلة بالأمن المحلّي وهجمات داعش، وأيضاً عن الصراع الأوسع الذي يشمل استخدام الصواريخ والمسيّرات كأدوات ردع واستهداف في الحرب الأميركية ‑الإيرانية، وهذا يجعل إعادة الإنتاج إلى مستويات أعلى، مسألة أكثر هشاشة من مجرّد أعمال هندسية، إذ يعتمد نجاحها على تأمين بيئة مستقرّة نسبياً على الأرض، وتقليل مخاطر الهجمات المتكرّرة، كما أن نقل البترول الخام قبل أزمة البلاد كانت تصل للمصافي عبر أنابيب ممتدّة من الحقول النفطية إلى المصافي مباشرة، فكانت توفّر الوقت والجهد وتغطّي حاجة السوق وتفيض، لكن بعد سنوات النزاع الطويلة استبدلت الأنابيب بالصهاريج، وإعادة تأهيل الأنابيب مرّة أخرى تحتاج تكلفة عالية قد تعجز خزينة الدولة سدّ نفقاتها بسبب التدهور الاقتصادي الكبير الذي تعانيه سوريا”.
بحسب مصادر ميدانية تحدّثت لـ”درج”، فإن صهاريج النفط التي تنقل الخام من مناطق الجزيرة السورية باتّجاه مصفاة بانياس، تواجه ظروفاً أمنية معقّدة أدّت إلى تراجع حركة النقل خلال الفترة الأخيرة.
ويقول عابد الذي رفض الكشف عن اسمه الأوّل لـ”درج” لأسباب أمنية، وهو أحد سائقي صهاريج الوقود: “إن الطرق التي تعبرها الشاحنات أصبحت أكثر خطورة”، مشيراً إلى أن “بعض المسارات تشهد نشاطاً لخلايا تنظيم داعش، إضافة إلى توتّرات مع بعض العشائر في مناطق العبور، ما يدفع السائقين إلى تقليل الرحلات أو التوقّف مؤقّتاً في بعض الأحيان”.
من جهته، يوضح مهندس البترول سردار علي أن “هناك مخاوف متزايدة من استهداف الصهاريج خلال نقلها، سواء نتيجة التوتّرات الأمنية، أو احتمال تعرّضها لضربات من مسيّرات إيرانية أو هجمات مسلّحة، وهو ما يدفع شركات النقل والسائقين إلى اتّخاذ إجراءات احترازية تزيد من زمن الرحلة وتكاليفها”.
ويقول: “هذه الظروف تؤثّر بشكل مباشر على سرعة وصول النفط إلى مصفاة بانياس، ما ينعكس على عمليّات التكرير وإنتاج الوقود، خاصّة في ظلّ الحاجة المستمرّة إلى تأمين كميّات ثابتة من الخام، ممّا يؤثّر على سدّ حاجة السوق”.
ونقلت وسائل إعلام محلّية وتقارير متابعة ميدانية عن تصاعد حوادث استهداف صهاريج نقل النفط في ريف دير الزور خلال شهري آذار/ مارس الماضي ونيسان/ أبريل الجاري، في وقت تشهد فيه المنطقة نشاطاً أمنياً متقطّعاً وهجمات متفرّقة للتنظيم تطال البنية الاقتصادية المرتبطة بقطاع النفط.
وبحسب ما تمّ تداوله، فقد أعلن “تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش” عبر بيانات صادرة عن منصّاته الإعلامية، مسؤوليته عن عدد من العمليّات التي استهدفت صهاريج نفط في مناطق متفرّقة من ريف دير الزور، مستخدماً أسلوب الهجمات المباشرة التي أسفرت عن أضرار مادّية في بعض الشاحنات وحمولاتها.
وتأتي هذه التطوّرات ضمن نمط متكرّر من العمليّات التي تشهدها مناطق شرق سوريا، حيث تستهدف هجمات من هذا النوع خطوط نقل النفط ومرافقه الحيوية، ما ينعكس على حركة النقل والإمداد في تلك المناطق ويزيد من حالة التوتّر الأمني.
كما أفادت التقارير بأن هذه الحوادث جرى تداولها عبر بيانات إعلامية مرتبطة بالتنظيم، في ظلّ استمرار النشاط الأمني غير المستقرّ في المنطقة، وتكرار استهداف البنية الاقتصادية المرتبطة بالطاقة خلال الفترة المذكورة.
فيما لم تُصدر وزارة الداخلية السورية أيّ تعليق رسمي بشأن الهجمات، التي أعلن “تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش” مسؤوليته عنها في مناطق متفرّقة خلال الفترة الماضية، فيما أعلنت في سياق متّصل تنفيذ عمليّة أمنية في ريف حلب الشرقي أسفرت عن إلقاء القبض على خليّة تابعة للتنظيم.
في المقابل، أعلنت الوزارة في الثالث من نيسان/ أبريل الحالي أنها عزّزت الإجراءات الأمنية لتأمين وحماية صهاريج نقل النفط المنطلقة من حقل العمر في ريف محافظة دير الزور والمتّجهة إلى مدينة بانياس، في إطار الحفاظ على الاستقرار وضمان سلامة عمليّات نقل الموارد الحيوية.
وأوضحت أن هذه الخطوة تأتي ضمن خطّة أمنية متكاملة تهدف إلى حماية البنية التحتية النفطية، وتأمين خطوط النقل من أيّ تهديدات محتملة.
آفاق الحلول بين الاتّفاقيات وتحسين الأمن
من جانبه يرى المحلّل الاقتصادي بهاء السويعي أن “الحل يكمن في تعزيز استقرار الإمدادات النفطية عبر تنويع مصادر الاستيراد، وتحسين أمن طرق النقل، وتسريع تنفيذ الاتّفاقيات المتعلّقة بإدارة الحقول النفطية، إضافة إلى دعم الإنتاج المحلّي وتقليل الاعتماد على الشحنات الخارجية”.
ويشدد في ختام حديثه لـ”درج” على “أهمّية تأمين طرق نقل الصهاريج بين مناطق الإنتاج ومصافي التكرير، باعتبارها الحلقة الأضعف في منظومة الطاقة السورية، إلى جانب ضرورة تطوير البنية التحتية للمصافي وزيادة قدرتها الإنتاجية”.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو أزمة الوقود في سوريا انعكاساً مباشراً لتعقيدات المشهدين الإقليمي والمحلّي، حيث يتداخل تجميد الإمدادات الروسية مع تهالك الحقول النفطية وتهديدات “داعش” والمخاطر الأمنية على طرق النقل، ما يجعل استقرار قطاع الطاقة مهمّة شديدة التعقيد.
وبينما تفرض الهدنة الإيرانية – الأميركية هدوءاً عسكرياً نسبياً، يبقى الواقع الاقتصادي للسوريين مرهوناً بقدرة الدولة على تأمين الإمدادات، وإعادة تأهيل البنية التحتية النفطية وضمان بيئة أمنية مستقرّة، وهي تحدّيات ستحدّد ملامح سوق الطاقة في المرحلة المقبلة.
درج
—————————————
رسالة أبو يوسف من كتاب “الخَراج” إلى الحكومة السورية/ أسامة قاضي
أبريل 26, 2026
التاريخ للأمم معينٌ لاينضب من الحكم والدروس التي تستفيد منها الأمة، وتكون لها مرجعاً تستأنس به وهي تشق طريقها للتنمية والازدهار، لذا فإن أية بقعة مضيئة في تاريخنا يَحسُنُ الاستفادة منها، وسوريا تختزن حصةً كبيرةً ونصيباً وافراً من الإرث الحضاري الإنساني، فضلاً عن رسوخ تراثه في اللاوعي الجمعي للشعب المتعلق بموروثه الثقافي، وتذكره به كل المساجد والقلاع والأسواق والأوابد وأسماء الأعلام المنتشرة على طول البلد وعرضها.
واحدٌ من أهم الأعلام الذين نصحوا هارون الرشيد، وكتب كتاباً سبق به كل من كتب عن إدارة أموال الدولة وجباية الأموال “الخراج” وكل ما يدرُّ دخلاً لوزارة المالية “بيت المال” هو أبو يوسُفَ يعقوب بن إبراهيم الأنصاريّ (113– 182 هـ / 731– 798م) المشهور بأبي يوسف، قاضي القضاة في العصر العباسي وتلميذ الإمام أبي حنيفة.
والمقصد الأساسي لكتاب “الخراج” هو توجيه صانع القرار من أجل “رفع الظلم عن رعيته، والصلاح لأمرهم” والتأكيد على أهمية الزمن وعدم التأخر في خدمة الشعب “لا تؤخر عمل اليوم إلى غدٍ، فإنك إذا فعلت ذلك أضعت. إن الأجل دون الأمل، فبادر الأجل بالعمل، فإنه لا عمل بعد الأجل”، وهذه تصلح أن تكون شعاراً لكل مؤسسات الدولة، لذا كان سعي الحكومة والتشجيع الدائم لها لاعتماد تطبيقات إلكترونية تختصر الوقت وتكون أكثر كفاءة وتنعدم سبل الفساد فيها، كي يتحسن تموضع سوريا على مؤشر الشفافية (2024: الدولة 178 من 180).
ووصية أبو يوسف في المساواة بين المراجعين للوزارات والمؤسسات واضحة، دون تفضيلٍ مرجعه حزبيٌ أو مناطقيٌ أو عصبوي: “واجعل الناس عندك في أمر الله سواء القريب والبعيد”. ولو خاطب أبو يوسف الإدارة السورية اليوم، لقال إن الإصلاح الاقتصادي يبدأ من إصلاح الإدارة العامة، واختيار الأكفّاء وتحاشي المحسوبيات والعصبويات، وتفعيل الرقابة، واستخدام التكنولوجيا لتقليل الاحتكاك المباشر الذي يولد الفساد، وتبسيط الإجراءات التي ترهق المواطن والمستثمر معاً، لذا فإنه سيوصي إدخال التطبيقات الإلكترونية على الهاتف لكل التعاملات مع المؤسسات الحكومية.
لعل المسؤول أو الموظف في الحكومة السورية عليه أن يتذكر أنه في منصبه، صَغُرَ أم كَبُر، بمثابة “الراعي”، وأنه واجب عليه تلبية المراجعين وأصحاب الحاجات من المواطنين دون إبطاء، وغير ذلك محضُ ظُلم: “جور الراعي هلاكٌ للرعية، واستعانته بغير أهل الثقة والخير هلاكٌ للعامة”. وإن أي استعانة بمن له مصلحة شخصية فوق مصلحة الشعب، أو تم اختياره موظفاً أو مستشاراً دون خبرة أو علم لقربه من المسؤول، أو لغرضٍ فيه شبهة فساد ماليٍ، أو أن المسؤول قدّم الولاء على الثقة بالعلم والخبرة فهي بمثابة خيانة وتفريطٌ بحقوق الشعب، وهي أكبر مظلمة، فجمع المال من الشعب مشروطٌ بالعدل: “يوفر الله لك خراجك من غير ظلم”.
الأصل أن سعادة الحاكم وصانع القرار ينبغي أن يكون مردّها سعادة الشعب، لذا ذكّر أبو يوسف هارون الرشيد بأن “أسعد الرُعاة عند الله من سعُدَت به رعيته، وإن أشقى الرعاة من شقيت به رعيته”، فقد تنبه لمسألة سعادة الشعب باكراً قبل ألف عام من صدور أول تقرير للسعادة في العالم عام 2012 عن معهد الأرض في جامعة أكسفورد بالتعاون مع مؤسسة غالوب، وشبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة، والذي اعتبر السعادة والقضاء على البؤس معيارين أساسيين في السياسات الحكومية، ويقوم المعهد بجمع بيانات الرفاهية من أكثر من 140 دولة، وتبين مثلاً أن الدول الأكثر سعادة في العالم لعام 2025 هي فنلندا وآيسلاند والدانمرك.
وينبغي اختيار الموظفين في وزارة المالية المتمتعين بالأمانة والصدق والعفّة: “ومُرّ يا أمير المؤمنين باختيار رجل أمينٍ ثقة عفيف ناصح مأمون عليك، وعلى رعيتك، فولّه جميع الصدقات في البلدان، ومرهُ فليوجه فيها أقواماً يرتضيهم…”.
ومسألة الشفافية، وتحري انعدام الفساد أساسي، وخاصة أن وزارة المالية هي قلب الحكومة الذي ينظم إيراداتها ومصارفها: “ورأيت أن تتخذ قوماً من أهل الصلاح والدين والأمانة فتوليهم الخراج، ومن وليت منهم فليكن فقيهاً عالماً مشاوراً لأهل الرأي عفيفاً لا يطلع الناس منه على عورة ولا يخاف في الله لومة لائم.. ولا يُخاف منه جور في حكم إن حَكَم”.
لعل السياسة الضريبية السورية الحالية تحاول، من حيث المبدأ، الاقتراب من مفهوم العدالة الذي تحدث عنه أبو يوسف: “ولا يؤخذ من الناس إلا ما يطيقون”، وذلك من خلال رفع حد الإعفاء الضريبي على الرواتب والأجور بحيث يصل إجمالي الدخل المعفى سنوياً إلى نحو 64 مليون ليرة سورية قديمة، بمعنى أن كل من يتقاضى أقل من 450 دولار شهرياً معفي ضريبياً، وهذه الفكرة تقوم على عدم تحميل أصحاب الدخل المحدود أعباء ضريبية مباشرة.
يدور كتاب الخراج على بضع ركائز أساسية، وأهمها “العدل”، لذا فإن الحكومة التي تروم العدل تتمتع بأعلى العوائد المالية لأنها بيئة استثمارية جاذبة، وهي عين ماقاله أبو يوسف: “إن العدل وإنصاف المظلوم، وتجنب الظلم مع ما في ذلك من الأجر يزيد به الخراج، وتكثر به عمارة البلاد، والبركة مع العدل تكون، وهي تفقد مع الجور، والخراج المأخوذ مع الجور تنقصُ البلاد به وتخرب”.
وينصح أبو يوسف المسؤولين بفتح بابهم للمراجعين وللشعب للاستماع لمظالمهم ولو مرة شهرياً، ولعل وزير المالية ومدراء المالية في المحافظات يفتحون بابهم للشكاوى مرة شهرياً أو أسبوعياً فيزيائياً في مكاتبهم أو افتراضياً: “فلو تقربت إلى الله عزوجل يا أمير المؤمنين بالجلوس لمظالم رعيتك في الشهر أو الشهرين مجلساً واحداً تسمع فيه من المظلوم وتنكر على الظالم، رجوت أن لا تكون ممن احتجب عن حوائج رعيته”.
وطالما اهتم أبو يوسف بالعدل والمجالات الضريبية المناسبة والأعباء الضريبية العادلة وتوزيعها توزيعاً عادلاً، فهو كأنه يدعو لإصلاح مالي معاصر يتضمن نظاماً ضريبياً أكثر عدالة وشفافية، يخفف العبء عن الطبقات الضعيفة والوسطى، ويطلب مساهمة أكبر ممن يملكون قُدرة أعلى، لذا فإن أبا يوسف سيوصي الحكومة بتمكين الطبقة الوسطى وجعل نسبتها في المجتمع تتجاوز 70 بالمئة.
لطالما اهتم أبو يوسف بالزراعة، أثناء حديثه عن أرضي الشام والجزيرة وأرض الحجاز واليمن وأرض البصرة وخراسان، ولذا فإنه سيوصي وزير الزراعة بالاعتناء بالأراضي والفلاحين، والارتقاء بسبل الري بأحدث الوسائل، ودعم الفلاحين بكل احتياجاتهم من البذار والأسمدة والأعلاف وأحدث الوسائل اللازمة للزراعة.
إن صوت أبو يوسف القادم منذ 1290 عاماً خلاصته دعوة الحكومة السورية إلى وجوب العمل على أن موارد الخزينة السورية تُجبى بعدل وتصرف في مظانها بعدل، وأن نبتعد عن ظلم المكلفين وأن نبعد الفاسدين، ونكثر سواد الطبقة الوسطى، ونصرف بقدر استطاعتنا على النهوض الزراعي والصناعي والتجاري.
الثورة السورية
—————————–
التعليم وسوق العمل.. بين مقتضيات الاقتصاد وبناء الإنسان/ إبراهيم إسماعيل
أبريل 26, 2026
تتجه بعض الدول -ومنها سوريا- إلى تبنّي سياساتٍ تربط مخرجاتِ التعليم بسوقِ العمل، وتنسّق لأجل ذلك الوزاراتُ مع المدارس والجامعات. يمنح هذا التوجّه قدرًا من الواقعية؛ إذ يضيّق الفجوةَ بين اكتساب المعرفة وميدان تطبيقها، ويُيسّر للخريجين سبلَ الانخراط في مجالات الإنتاج، مما يؤدي إلى خفض معدلات البطالة، ورفع كفاءة الاقتصاد، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من القوى البشرية المتخصصة اللازمة لأجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة.
غير أن هذا المسار -على وجاهته- قد ينقلب إلى اختزالٍ مُخِلٍّ إذا لم يُبنَ على تصوّرٍ أوسع لوظيفة التعليم وحدود العمل، لذلك لا بد من تقرير أن العمل لا يقتصر أثره على إنتاج السلع، ولا على تشغيل الآلات وصيانتها، ولا على تخزين المنتجات ونقلها استيرادًا وتصديرًا، كما لا يقتصر على الخدمات كتوثيق العقود ومنح التراخيص وما أشبه ذلك.
كل ما سبق من العمل الذي لا غنى عنه، غير أن العمل لا يقتصر عليه، بل يتجاوزه إلى بناء الإنسان ذاته علمًا ووعيًا وهويةً. وكلا المجالين مصلحةٌ معتبرة، وميدانٌ يبحث عن عاملين يؤدّون وظائفهم فيه. ومن ثمّ فإن ربط التعليم بسوق العمل ينبغي ألّا يُفهم بوصفه تبعيةً كاملةً لمتطلبات السوق وحده، بل تفاعلًا واعيًا مع احتياجات المجتمع المادية والمعنوية ضمن أفقٍ حضاريٍّ أوسع.
قد يؤدي اختزال العمل في بُعده الاقتصادي المباشر إلى تقزيم الإنسان، وتهميش بقية أبعاده المعرفية والثقافية. والحال أن المجتمعات لا تُبنى بالأدوات وحدها، بل وبالأفكار التي تُوجّه استخدامها، وبالقيم التي تضبط غاياتها. ولذلك، فكما أن هناك عملًا يُنتج الأدوات، فثمة عملٌ آخر لا يقل عنه أهمية، يتمثل في صيانة الذات، وحراسة الهوية، والارتقاء بالوعي.
ومن هنا، تتضح ضرورة النظر إلى العلاقة بين القوة المادية والقوة المعنوية بوصفها علاقةَ تكاملٍ لا تفاضل. فالمعارف الإنسانية والتقنية ليست جبهاتٍ متنافسة، بل مجالاتٌ متساندة، يؤدي كلٌّ منها وظيفةً لا يُغني عنها الآخر. إذ تتيح العلوم التطبيقية القدرةَ على الإنتاج وتحسين ظروف الواقع، لكنها منشغلة بعالم الأشياء والمواد. في المقابل، تؤسس العلوم الإنسانية والاجتماعية للإطار المرجعي الذي يمنح الفعلَ معناه، ويضبط سلوكه، ويحول دون تحوّله إلى قوةٍ منفلتةٍ من كل قيد.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن التعليم المنتج للأشياء، والتعليم الباني للإنسان، يمثلان جناحين متلازمين لأي نهضةٍ متوازنة. فالتفوّق في الأول دون الثاني قد يُفضي إلى ازدهارٍ اقتصاديٍّ سريع، لكنه يترك فراغًا في البنية القيمية، بما يعزّز النزعة الفردانية، ويقود إلى تفككٍ في العلاقات الاجتماعية، ويجعل المجتمع أكثر قابليةً للاختراق الثقافي والفكري. وفي مثل هذا السياق، قد تتحول أبسط الشبهات أو الاضطرابات المعرفية إلى أزماتٍ عميقة لا يجد من يفككها ويردّ عليها، لغياب المناعة الفكرية اللازمة للتعامل معها.
في المقابل، فإن التركيز على بناء الإنسان وإهمال القدرة الإنتاجية يخلق فجوةً بين المثال والواقع؛ إذ تظل القيم المجرّدة عاجزةً عن التحقق في الحياة اليومية، فتتحول إلى ما يشبه الشعارات التنظيرية التي لا قدرة لها على التأثير في الواقع. وبهذا الأسلوب يستمر الاعتماد على الخارج في تلبية الحاجات الأساسية، بما يرسّخ التبعية ويحدّ من الاستقلال الحضاري. وبذلك نلاحظ أن الخلل في كلا الأمرين يقود إلى نتائج سلبية، وقد تكون متشابهة، خصوصًا لناحية القابلية للاختراق. ومن ثمّ، فإن أي مشروعٍ تعليميٍّ لا يحقق هذا التوازن يظل مشروعًا ناقصًا، مهما بدا ناجحًا في بعض مؤشراته.
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن الدعوة إلى تهميش العلوم الاجتماعية والإنسانية، بدعوى التركيز على التخصصات المنتجة، قراءةٌ قاصرةٌ لحركة التاريخ المعرفي. فالتجربة الغربية الحديثة نفسها لم تستقر على هذا الاختزال؛ إذ شهدت في بداياتها ميلًا واضحًا إلى تغليب العلوم الطبيعية والتقنية بوصفها مصدر القوة، غير أنها عادت لاحقًا إلى إعادة الاعتبار للعلوم التي تدرس الإنسان والمجتمع، بعدما تبيّن أن فهم الظواهر الإنسانية لا يتحقق بالأدوات التقنية وحدها.
ولعل من الشواهد الدالة على ذلك توسّع مراكز البحث في دراسة الثقافات غير الغربية، والاهتمام بالمخطوطات والوثائق التاريخية العائدة لبلادٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ وغيرها، بل وإيفاد باحثين للإقامة الطويلة داخل مجتمعاتٍ محليةٍ، كالقبائل والطوائف، لفهم سلوكياتها وأنماط عيشها ومصادر وعيها. فهذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن المعرفة الحقيقية لا تكتمل دون الإحاطة بالإنسان في سياقه الثقافي والتاريخي.
غير أن هذه التجربة، على ما فيها من تطوّر، لا تخلو من إشكال؛ إذ كثيرًا ما وُظِّفت هذه المعارف في سياقات الهيمنة والسيطرة. فقد حوّل الغربيون العلم إلى وسيلةٍ لممارسة سيادتهم على الطبيعة عبر العلوم الطبيعية، وممارسة سيادتهم على الشعوب والدول غير الغربية عبر العلوم الاجتماعية، التي طُوِّر كثيرٌ منها لغاياتٍ استعمارية، وكان أبرز روّادها موظفين في ملحقيات الاستعمار في دول الشرق.
على أن الشاهد في ذلك أن الغربيين أنفسهم أدركوا أن النظرة التفاضلية بين العلوم غير مجدية، وأن الأدوات التقنية وحدها غير كافية للتعامل مع الظواهر الإنسانية. ولذلك، فإن من يدعو إلى تهميش العلوم الاجتماعية بحجة العصرنة؛ لا يواكب عصره كما يظن، بل يتأخر عنه قرنين أو ثلاثة، ويعيد قول بعض الغربيين في تلك الفترة قبل أن يتجاوزهم الزمن.
الثورة السورية
—————————–
سوريا وإعادة ترتيب الأولويات.. السياسة والتعليم كمدخل للنهوض/ ميسون محمد
26 أبريل 2026
لا يمكن الحديث عن أي مشروع حقيقي للنهوض في سوريا دون التوقف عند دائرتين مركزيتين تتحكمان بمسار الدولة والمجتمع: السياسة والتعليم. فالتجارب التاريخية، تثبت أن أي خلل بنيوي في هذين المجالين ينعكس مباشرة على بقية القطاعات، ويحوّل الأزمات إلى حالة دائمة بدل أن تكون مرحلة انتقالية قابلة للمعالجة. من هنا، فإن أي محاولة لفهم واقع سوريا اليوم، أو استشراف مستقبلها، يجب أن تنطلق من تحليل العلاقة بين هذين المحورين، وشروط إعادة تفعيلهما بشكل منتج.
كيف تُدار الدولة
السياسة ليست مجرد إدارة للسلطة، بل هي الإطار الذي تُنظَّم ضمنه المصالح، وتُدار من خلاله الاختلافات، وتُبنى عبره قواعد التعاقد الاجتماعي. في الحالة السورية، تراجعت السياسة بوصفها فعلًا عامًا لصالح أنماط مغلقة من الحكم، ما أدى إلى تآكل المجال العام، وغياب آليات التمثيل الحقيقي، وانسداد قنوات التعبير. هذا الانسداد لم يكن مجرد خلل تقني، بل تحوّل إلى عامل إنتاج للأزمات، لأن المجتمع الذي لا يمتلك أدوات للتعبير والنقد والمساءلة، يتحول تدريجيًا إلى بيئة قابلة للاحتقان والانفجار.
حرية التعبير هنا ليست ترفًا فكريًا، بل شرط تأسيسي لأي إصلاح سياسي. فبدونها، لا يمكن إنتاج معرفة نقدية، ولا يمكن تصحيح الأخطاء، ولا يمكن بناء ثقة بين الدولة والمجتمع. كما أن غياب المساءلة يفتح الباب أمام الفساد وسوء الإدارة، ويحوّل السلطة إلى غاية بحد ذاتها، بدل أن تكون وسيلة لخدمة الصالح العام. وتُظهر التجارب المقارنة أن الدول التي وسّعت هامش الحريات السياسية بالتوازي مع بناء مؤسسات رقابية شهدت تحسنًا ملموسًا في مؤشرات الحوكمة خلال عقد واحد فقط، حيث ارتفعت مستويات الشفافية وتراجعت معدلات الفساد الإداري بشكل تدريجي.
وفي هذا السياق، تُظهر مؤشرات الحوكمة العالمية الصادرة عن البنك الدولي(World Governance Indicators ) عبر أكثر من 200 دولة أن الفجوة بين الدول المغلقة والدول المنفتحة مؤسسيًا تظهر بوضوح في ستة أبعاد رئيسية تشمل: فعالية الحكومة، سيادة القانون، ضبط الفساد، والمساءلة. وتشير البيانات الممتدة من 1996 إلى 2024 إلى أن التحسن في هذه المؤشرات يرتبط بشكل مباشر بمدى انفتاح المجال السياسي، وليس فقط بحجم الموارد الاقتصادية. في المقابل، فإن الدول التي احتفظت بهياكل مغلقة، حتى مع توفر الموارد، بقيت تعاني من ضعف الكفاءة المؤسسية وارتفاع كلفة القرار العام.
من هم الفاعلون؟ وكيف يفكرون؟
هنا السياسة وحدها لا تكفي. فحتى لو توفرت إرادة سياسية للإصلاح، فإن غياب قاعدة معرفية وتعليمية قوية سيحدّ من قدرة المجتمع على الاستفادة من هذه الفرصة. هنا يأتي دور التعليم بوصفه البنية التحتية للعقل الجمعي. التعليم لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يشكّل طريقة التفكير، ويحدد طبيعة العلاقة مع الآخر، ويؤثر في مستوى الوعي السياسي والاجتماعي.
في سوريا، تعرّض قطاع التعليم لضربات قاسية خلال السنوات الماضية، سواء من حيث البنية التحتية أو الكوادر أو المناهج. وتشير تقديرات منظمات دولية ،مثل اليونيسف، إلى أن نحو 2.45 مليون طفل خارج المدرسة، مع تضرر أو الحاجة لإعادة تأهيل أكثر من ثمانية آلاف مدرسة، أي ما يقارب 40% من البنية التحتية التعليمية. كما تعكس تقارير ميدانية وجود نسب اكتظاظ شديدة في بعض المناطق، ما يجعل العملية التعليمية نفسها غير قادرة على إنتاج بيئة تعلم فعّالة. هذه الأرقام لا تعكس فقط أزمة وصول، بل أزمة بنيوية في إنتاج المعرفة نفسها.
لكن المشكلة الأعمق لا تكمن فقط في التدمير المادي، بل في طبيعة النموذج التعليمي نفسه، الذي لطالما ركّز على التلقين بدل التفكير النقدي. هذا النموذج ينتج أفرادًا قادرين على الحفظ، لكن غير مهيئين للمساءلة أو المبادرة أو الابتكار، وهو ما يتناقض مع متطلبات أي عملية تحول ديمقراطي أو تنموي.
إصلاح التعليم، بالتالي، يجب أن يتجاوز إعادة بناء المدارس والجامعات، ليشمل إعادة صياغة الفلسفة التعليمية نفسها. المطلوب هو الانتقال من تعليم قائم على الامتثال إلى تعليم قائم على التساؤل. من تعليم يعزز الطاعة إلى تعليم يعزز المسؤولية. من مناهج مغلقة إلى مناهج تفاعلية تربط المعرفة بالواقع.
هذا التحول ليس نظريًا، بل جرى تطبيقه في تجارب ناجحة. ففي فنلندا، أدى الاستثمار في تأهيل المعلمين ومنح المدارس استقلالية أوسع إلى تصنيف النظام التعليمي ضمن الأفضل عالميًا خلال العقود الأخيرة، مع مستويات مرتفعة من الكفاءة القرائية والمهارات التحليلية لدى الطلاب.
وفي كوريا الجنوبية، ترافق الاستثمار المكثف في التعليم مع نمو اقتصادي سريع، حيث تحولت البلاد خلال جيل واحد من اقتصاد منخفض الدخل إلى أحد أكبر الاقتصادات الصناعية، مدفوعًا بقوة رأس المال البشري.
العلاقة بين السياسة والتعليم ليست خطية، بل تبادلية. السياسة تحدد الإطار الذي يعمل ضمنه التعليم، والتعليم بدوره يحدد نوعية الفاعلين في المجال السياسي. إذا كانت السياسة مغلقة، فإن التعليم غالبًا ما يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج هذا الإغلاق. وإذا كان التعليم ضعيفًا، فإن المجال السياسي يمتلئ بفاعلين يفتقرون إلى الكفاءة والرؤية.
لذلك، فإن أي إصلاح حقيقي يجب أن يتعامل مع هذين المسارين بشكل متزامن، لا كملفين منفصلين. وفي الحالة السورية، فإن أي انفتاح سياسي غير مدعوم بإصلاح تعليمي سيؤدي إلى إعادة إنتاج نفس الأنماط، ولكن بوجوه مختلفة، وهو ما شهدته دول أخرى دخلت مراحل انتقال دون إعداد مجتمعي كافٍ.
التنظيم يحوّل الفعل إلى أثر
إلى جانب ذلك، يبرز عنصر ثالث لا يقل أهمية، وهو تنظيم الطاقات المجتمعية. سوريا تمتلك رصيدًا بشريًا كبيرًا، سواء داخل البلاد أو في الشتات، لكن هذا الرصيد يعاني من التشتت وضعف التنسيق. في ظل غياب مؤسسات فاعلة، تتحول الطاقات الفردية إلى جهود معزولة، لا تنتج أثرًا تراكميًا. وتشير تجارب دول ما بعد النزاع إلى أن غياب التنسيق المؤسسي يمكن أن يبدد ما يصل إلى نصف الجهود التنموية بسبب التكرار وضعف التخطيط، وهو ما يضاعف كلفة إعادة الإعمار دون نتائج متناسبة.
تنظيم الطاقات لا يعني فقط العمل الحزبي أو السياسي، بل يشمل مختلف المجالات: الاقتصادية، الثقافية، الأكاديمية، والمجتمعية. المطلوب هو الانتقال من العمل الفردي إلى العمل المؤسسي، ومن المبادرات المؤقتة إلى المشاريع المستدامة. ويمكن هنا الاستفادة من تجارب مجتمعات عاشت ظروفًا مشابهة. ففي رواندا، ساهمت برامج إعادة الدمج المجتمعي والتنظيم المحلي في تسريع التعافي الاقتصادي، حيث سجلت البلاد معدلات نمو مرتفعة نسبيًا خلال العقدين التاليين للإبادة الجماعية. وفي تجارب أخرى، أظهرت الشبكات المهنية ومنظمات المجتمع المدني قدرتها على سد فجوات حيوية في التعليم والصحة عندما تكون الدولة غير قادرة على القيام بدورها بالكامل.
من زاوية تحليلية، يمكن القول إن الأزمة السورية ليست فقط أزمة سلطة، بل أزمة بنية. أي أنها تتعلق بطريقة توزيع القوة والمعرفة والموارد داخل المجتمع. معالجة هذه الأزمة تتطلب تفكيك هذه البنية وإعادة تركيبها على أسس جديدة، تقوم على الشفافية، والمساءلة، والكفاءة. وهذا لا يمكن تحقيقه دون إصلاح متزامن في السياسة والتعليم، مدعوم بجهد واعٍ لتنظيم الطاقات.
من المهم أيضًا الإشارة إلى أن أي مشروع إصلاحي سيواجه مقاومة، سواء من داخل البنى القائمة أو من القوى المستفيدة من الوضع الحالي. لذلك، فإن التغيير لا يمكن أن يكون لحظيًا أو مثاليًا، بل هو عملية تدريجية تتطلب صبرًا واستراتيجية واضحة. وتُظهر تجارب التحول أن الدول التي اعتمدت مسارات تدريجية قائمة على بناء الثقة والمؤسسات استطاعت تقليل كلفة الانتقال، مقارنة بتلك التي شهدت تحولات مفاجئة أدت إلى اضطرابات طويلة الأمد.
في هذا السياق، يصبح من الضروري تحديد أولويات قابلة للتنفيذ، مثل: توسيع هامش حرية التعبير، دعم المبادرات التعليمية البديلة، بناء شبكات مهنية، وتعزيز دور المجتمع المدني. كما أن إدخال أدوات التكنولوجيا الحديثة في التعليم والإدارة يمكن أن يشكّل رافعة إضافية، خاصة في ظل وجود كفاءات سورية واسعة في الخارج. وتُظهر تجارب العمل عن بُعد والتعليم الرقمي أن الربط بين الداخل والشتات يمكن أن يحقق أثرًا سريعًا نسبيًا بتكلفة أقل مقارنة بالنماذج التقليدية.
على المستوى العملي، يمكن التفكير في مجموعة من المسارات المتوازية:
إطلاق منصات إعلامية مستقلة تعزز ثقافة النقد والمساءلة، مع ضمان الحد الأدنى من المهنية والمعايير التحريرية.
دعم برامج تدريبية تركز على التفكير النقدي والمهارات المدنية، خاصة لدى الشباب، بما ينعكس على جودة المشاركة السياسية لاحقًا.
تشجيع المبادرات التعليمية غير التقليدية، مثل التعليم المجتمعي أو التعليم عبر الإنترنت، لسد الفجوات القائمة وتقليل أثر الانقطاع التعليمي.
بناء شبكات بين الكفاءات السورية في الداخل والخارج، بهدف نقل المعرفة والخبرات بشكل منظم، بما يرفع كفاءة المشاريع المحلية.
تطوير أطر قانونية تسمح بتأسيس منظمات ومؤسسات مستقلة، بما يضمن استدامة العمل العام وتقليل الاعتماد على المبادرات الفردية.
هذه المسارات لا تشكل حلًا سحريًا، لكنها تمثل خطوات واقعية نحو إعادة بناء المجال العام. الأهم هو أن تكون هذه الجهود مترابطة، وأن تُدار ضمن رؤية استراتيجية، لا كمجرد ردود فعل متفرقة.
في الخلاصة، النهوض في سوريا ليس مسألة شعارات، بل مسألة بنى وآليات. لا يمكن إصلاح الشأن العام دون سياسة مفتوحة، ولا يمكن بناء سياسة فاعلة دون تعليم نقدي، ولا يمكن تفعيل الاثنين دون تنظيم الطاقات. هذه ليست معادلة نظرية، بل إطار عملي يمكن من خلاله التفكير في المستقبل. السؤال الحقيقي لم يعد: هل يمكن النهوض؟ بل: كيف نعيد ترتيب الأولويات بطريقة تجعل هذا النهوض ممكنًا وقابلًا للاستدامة.
الإجابة تبدأ من الاعتراف بأن الإصلاح ضرورة وجودية. وكل تأخير في معالجة جذور الخلل، يعني تعميق كلفته مستقبلًا. لذلك، فإن الاستثمار في السياسة والتعليم، ليس فقط استثمارًا في الحاضر، بل في شكل سوريا التي ستتشكل في السنوات القادمة.
الترا سوريا
———————
الرقمنة ومكافحة الفساد.. نحو استراتيجية شاملة لإعادة هندسة الإجراءات/ هبا أحمد
أبريل 26, 2026
بات الحديث عن التحول الرقمي في سوريا ركيزة أساسية في مرحلة البناء والتعافي، إذ لا ينظر إليه على أنه خيار، بل ضرورة لا غنى عنها في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطنين، وإعادة بناء المؤسسات، بما يرتبط بذلك من التخلص من البيروقراطية، ومكافحة الفساد، وتسهيل الإجراءات والمعاملات، إلى جانب الحوكمة الرشيدة. وهذا يتطلب الانتقال من الوسائل التقليدية إلى وسائل أكثر تطورا ومرونة وأوسع نطاقا، وبما يواكب تطورات العصر الحديث المرتبطة بالثورة الرقمية التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي وغيرها.
والأكثر من ذلك أن التحول الرقمي حجز لنفسه دورا في الاقتصاد كما في السياسة والعلاقات الخارجية والدبلوماسية، وهذا يعطيه ثقلا إضافيا وأهمية مضاعفة لضرورة التوجه إليه. ووفقا لدراسة بعنوان “التحولات الدبلوماسية في العصر الرقمي: مراجعة للأدبيات”، تعد الدبلوماسية الرقمية إحدى الممارسات الحديثة في مجال العلاقات الدولية، والتي أعادت رسم سبل التواصل بين الدول والممارسات المرتبطة بذلك من خلال استخدام الوسائل والمنصات التكنولوجية الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي. ومع تزايد التحديات العالمية وتسارع الثورة الرقمية، أصبحت دراسة الدبلوماسية الرقمية أولوية بحثية لفهم أبعاد ورهانات التأثير الرقمي في السياسة الخارجية.
ويعرف كبير مسؤولي المعلومات في وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث، نيكولاس ويستكوت، الدبلوماسية الرقمية بأنها “استخدام الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتحقيق أهداف السياسة الخارجية”. فيما يعتبر الكاتبان ماركوس هولم وكورنيليو بيولا أن الدبلوماسية الرقمية ليست مجرد تواصل عبر الإنترنت، بل إطارا جديدا يتضمن استراتيجيات التأثير وتشكيل الرأي العام الدولي.
وعلى النسق ذاته يأتي الحديث عن الدبلوماسية الاقتصادية، أو بشكل أدق عن الاقتصاد الرقمي، الذي بات المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي العالمي، وأحد العوامل الحاسمة في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لذلك تعتمد الدول اليوم على تطوير بنيتها الرقمية لجذب المستثمرين الباحثين عن بيئات أعمال ذكية ومرنة وسريعة التكيف مع المتغيرات.
ويشكل الاقتصاد الرقمي نحو 17% إلى 25% من الناتج المحلي الإجمالي، وينمو بمعدلات تفوق الاقتصاد التقليدي، ويعتمد على التقنيات الرقمية، مثل الإنترنت والذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والبلوك تشين والتجارة الإلكترونية. ولا يقتصر دوره على قطاع التكنولوجيا فقط، بل يشمل جميع القطاعات التي تستفيد من التحول الرقمي، مثل الصحة والتعليم والمالية والتجزئة.+
الاستراتيجية الوطنية السورية للتحول الرقمي
هذه المقدمة ضرورية لفهم السعي السوري لمواكبة التحولات الرقمية ومساراتها، إذ رافق التحول السياسي الذي شهدته البلاد في 8 كانون الأول 2024 تحولا منهجيا في مسارات العمل الإداري شمل جميع القطاعات والوزارات، وفي مقدمتها قطاع الخدمات والاتصالات إلى جانب الاقتصاد، عبر مجموعة من الخطوات العملية بهدف إدخال التقنيات الحديثة إلى بيئة العمل الحكومي، وتبسيط الإجراءات الإدارية، والحد من الاعتماد على المعاملات الورقية، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الشفافية، ودعم اتخاذ القرار المبني على البيانات. وشمل ذلك إطلاق عدد من المنصات الإلكترونية والخدمات الرقمية في قطاعات متعددة.
ورغم التحديات التي تواجه التحول الرقمي، من حيث ضعف البنية التحتية للاتصالات وضعف الإنترنت، وانقطاع الكهرباء، ونقص التمويل اللازم للاستثمار في التقنيات الحديثة، فإن العمل جار على تعديل الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي للخدمات الحكومية المعتمدة حاليا، والتي تمتد حتى عام 2030، تمهيدا لإعادة إقرارها. وترتكز هذه الاستراتيجية على ثلاث مراحل زمنية رئيسية. المرحلة الأولى “التأسيسية”، وتشمل استكمال البنى الداعمة والبنى التحتية، وتوفير مصادر المعلومات من خلال استكمال السجلات الوطنية، إلى جانب وضع الأطر التشريعية والسياسية. والمرحلة الثانية، الممتدة بين 2025 و2027، وهي مرحلة الانتقال إلى الخدمات التفاعلية، والتي يجري العمل عليها حاليا، وتتضمن استثمار البنى الداعمة وربط قواعد البيانات، وتقديم خدمات رقمية متكاملة تتمحور حول احتياجات المواطن. أما المرحلة الثالثة، الممتدة بين 2027 و2030، فهي مرحلة التحول الرقمي المتكامل، ويتم خلالها قطف النتائج والتركيز على تحليل البيانات لدعم اتخاذ القرار.
ومؤخرا، عقد مجلس إدارة الهيئة العامة للضرائب والرسوم اجتماعه الخامس برئاسة وزير المالية محمد يسر برنية، وبمشاركة أعضاء المجلس وممثلين عن شركة “علم” السعودية.
وناقش المجلس سبل تطوير العمل الضريبي ومكافحة الفساد، بما يشمل تعديل التشريعات وتشكيل لجان مختصة لإعداد التعليمات التنفيذية للقوانين الضريبية الجديدة.
ووجه الوزير، خلال الاجتماع، إلى نشر توضيحات وشروحات حول التعديلات الضريبية قبل إقرارها، وأكد أن الحزمة الضريبية المرتقبة ستتضمن تسهيلات ومزايا تعزز الامتثال الضريبي، مع منح معاملة تفضيلية للمكلفين الملتزمين، ومراعاة أوضاع محدودي الدخل.
كما جرى بحث إحداث محاكم ضريبية متخصصة بالتنسيق مع وزارة العدل، ومناقشة تأخر تطبيق قرار السلفة الضريبية على الاستيراد نتيجة تحديات تقنية، على أن يتم تحديد موعد جديد للتطبيق بالتنسيق مع هيئة المنافذ والجمارك.
واستعرضت شركة “علم” مشاريع التحول الرقمي، بما في ذلك براءة الذمة الإلكترونية وتطوير نظام الفوترة الإلكترونية، حيث جرى التأكيد على ضرورة تسريع إنجاز هذه المشاريع. كما تناول الاجتماع أيضا ملف مكافحة الفساد، مؤكدا ضرورة مواصلة اتخاذ إجراءات حازمة لاجتثاث شبكات الفساد، إلى جانب إعادة النظر في هيكلية الهيئة.
وتابع المجلس ملف التسويات مع مكلفي مهنة الصاغة، مشددا على أهمية الالتزام بالفاتورة الضريبية، كما شدد على أهمية الالتزام الضريبي بوصفه واجبا وطنيا، مؤكدا أهمية تعزيز الامتثال من خلال التحول الرقمي، وتبسيط الإجراءات، وتطبيق العدالة الضريبية.
تسريع المسار
في شباط الماضي، أعلنت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات انطلاق الأعمال التنفيذية لشراكتها مع شركة “علم” السعودية المتخصصة في الحلول الرقمية، في خطوة تستهدف تسريع مسار التحول الرقمي وتطوير البنية التحتية التقنية في البلاد.
وتأتي هذه الخطوة بعد توقيع اتفاقية إطارية بين الجانبين قبل أشهر، لتدخل الشراكة مرحلة التطبيق العملي، بهدف تطوير البنية التحتية الرقمية في سوريا، وتمكين الجهات الحكومية من تقديم خدمات إلكترونية أكثر كفاءة، وتسريع التحول الرقمي، بما يسهم في رفع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمؤسسات.
وحينها، قال وزير الاتصالات والتقانة عبد السلام هيكل إن الوزارة تعمل على بناء الصناعات الرقمية وتوطين المعرفة التقنية، وتأهيل الكفاءات السورية، وتعزيز الشراكات النوعية لنقل الخبرات وتطوير منظومات الخدمات الحكومية، لافتا إلى أن اختيار شركة “علم” جاء لسجلها الحافل وتجاربها الرائدة في مجال التحول الرقمي.
وغداة ذلك، أقامت “علم” فعالية تقنية متخصصة تحت عنوان “يوم علم”، وذلك في خطوة تهدف إلى دعم مسارات التحول الرقمي، وتطوير الأداء المؤسسي في سوريا عبر الحلول التقنية المبتكرة.
ويشار إلى أن شركة “علم” السعودية من الشركات الرائدة في مجال الحلول الرقمية المتكاملة والابتكار التقني، وتعمل على تقديم باقة واسعة من الخدمات التي تشمل الاستشارات التقنية، والتحليلات البيانية، وأتمتة الإجراءات الإدارية والمالية وفق أحدث المعايير العالمية.
الرقمنة ومكافحة الفساد
ترى الباحثة الاقتصادية الدكتورة منال الشياح، نائبة عميد كلية الاقتصاد الثانية، أن رقمنة الخدمات والتحول الرقمي يعدان من أهم الاتجاهات الحديثة في تطوير الإدارة العامة، حيث يقوم هذا التوجه على تحويل الخدمات والإجراءات من النمط الورقي التقليدي إلى أنظمة إلكترونية تعتمد على التكنولوجيا الحديثة، مثل الإنترنت وقواعد البيانات والمنصات الرقمية. ولا يقتصر هذا التحول على مجرد رقمنة الوثائق، بل يشمل إعادة هندسة الإجراءات لتصبح أكثر كفاءة وشفافية وسرعة، بما يسهم في تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وتقول الدكتورة الشياح في تصريح لـ”الثورة السورية”: تكمن أهمية رقمنة الخدمات في أنها تسهم في رفع كفاءة العمل الإداري، وتقليل الوقت والجهد والتكاليف، وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات. كما أنها تدعم التنمية الإدارية والاقتصادية من خلال بناء أنظمة أكثر تنظيما وفعالية، وتوفر بيئة أكثر شفافية تقل فيها فرص الفساد والتلاعب.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري لرقمنة الخدمات في مكافحة الفساد، وفقا للباحثة الاقتصادية، إذ تؤدي إلى تقليل الاحتكاك المباشر بين الموظف والمواطن، مما يحد من فرص الرشوة والمحسوبية. كما تعزز الشفافية من خلال توفير معلومات واضحة حول الإجراءات والرسوم والمدة الزمنية، إضافة إلى إمكانية تتبع جميع العمليات إلكترونيا، مما يسهل المحاسبة وكشف أي تجاوزات.
كما تسهم في توحيد الإجراءات وتقليل الاجتهادات الفردية، والحد من التلاعب المالي عبر أنظمة مثل الفوترة الإلكترونية والدفع الإلكتروني، بما يضمن دقة البيانات وصعوبة التلاعب بها.
أداة أساسية في تطوير العمل
ولفتت الدكتورة الشياح إلى أنه يتجسد هذا التوجه بشكل عملي في ما ورد ضمن التصريحات المتعلقة باجتماع الهيئة العامة للضرائب والرسوم، حيث تم استعراض مشاريع التحول الرقمي التي تنفذها شركة “علم”، وخاصة مشروع براءة الذمة الإلكترونية ونظام الفوترة الإلكترونية. ويعد هذا الاستعراض دليلا واضحا على توجه المؤسسات نحو ترسيخ الرقمنة أداة أساسية في تطوير العمل الضريبي ومكافحة الفساد.
ويعد التحول الرقمي في إصدار براءة الذمة نموذجا متقدما لهذا التطوير، حسب الشياح، حيث يتم إصدار الوثيقة إلكترونيا دون الحاجة إلى مراجعات ورقية أو تدخل مباشر من الموظفين. وهذا يسهم في تقليل فرص الفساد الإداري، ويحد من الرشوة والتأخير المتعمد، ويعزز الشفافية من خلال إظهار الوضع المالي للمكلف بدقة ووضوح. كما أن ربط براءة الذمة بالأنظمة الضريبية والجمارك وقواعد البيانات الحكومية يحقق تكاملا رقميا يضمن دقة المعلومات وسرعة التحقق وتقليل التلاعب.
وحول نظام الفوترة الإلكترونية، الذي تم التأكيد على تسريع إنجازه، بينت الدكتورة الشياح أنه يمثل أداة أساسية في مكافحة التهرب الضريبي، إذ يوثق جميع العمليات المالية بشكل لحظي ودقيق، مما يعزز قدرة الجهات الرقابية على متابعة الالتزام الضريبي وتحقيق العدالة بين المكلفين. وهذا يتماشى مع ما تم التأكيد عليه في التصريحات من ضرورة الالتزام بالفاتورة الضريبية بوصفها واجبا وطنيا، إلى جانب تعزيز الامتثال الضريبي وتطبيق العدالة الضريبية.
منظومة متكاملة
وفي الإطار نفسه، فإن التأكيد على اتخاذ إجراءات حازمة لاجتثاث شبكات الفساد يعكس أن التحول الرقمي لا يعمل بمعزل عن الجانب التشريعي والرقابي، بل يتكامل معه لتشكيل منظومة متكاملة تقوم على الشفافية والمساءلة. كما أن تبسيط الإجراءات وإعادة النظر في هيكلية العمل الضريبي يعززان من فعالية هذه المنظومة، ويجعلان الخدمات أكثر عدالة وسهولة للمكلفين.
وتخلص الشياح إلى القول: يتضح أن رقمنة الخدمات والتحول الرقمي، وخاصة من خلال تطبيقات مثل براءة الذمة الإلكترونية والفوترة الإلكترونية، لا يمثلان مجرد تحديث تقني، بل يشكلان استراتيجية شاملة لإعادة بناء الإدارة العامة على أسس من النزاهة والكفاءة. فهما يسهمان في تقليل الفساد، وتعزيز الشفافية، وتحسين الرقابة، ودعم العدالة الضريبية، بما يؤدي في النهاية إلى بناء نظام إداري أكثر ثقة واستدامة.
ولتعزيز التحول الرقمي وتسهيل الخدمات، تم إطلاق منصات إلكترونية عدة، أبرزها المنصة الرقمية الجديدة للمصرف المركزي لتنظيم سوق العملات الأجنبية، في خطوة تهدف إلى الحد من تقلبات السوق السوداء وتحسين شفافية عمليات الصرف.
كما أطلقت هيئة الصادرات السجل الإلكتروني للتصدير لتنظيم بيانات المصدرين، وتسهيل الإجراءات وتحسين جودة الصادرات، ومن بين أبرز المنصات في المجال الصحي بوابة الصحة الرقمية المتاحة عبر الموقع الرسمي للوزارة وتطبيق الهاتف المحمول، التي تتيح حجز المواعيد الطبية إلكترونيا، وغيرها من الإجراءات.
وأطلقت وزارة الزراعة المنصة الوطنية لإحصاء الثروة الحيوانية في البلاد، بهدف الوصول إلى إحصاء دقيق واعتماد نهج التحول الرقمي، وتعزيز اتخاذ القرار القائم على الأدلة.
ومنصة “هدهد” هي منصة سورية رقمية مخصصة لتصدير المنتجات المحلية إلى الأسواق الخارجية، بهدف دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز الحضور الرقمي للمنتجات السورية على المستوى العالمي، من خلال بوابة إلكترونية متكاملة تربط المنتج السوري بالمستورد الخارجي مباشرة.
وأطلقت وزارة التنمية الإدارية منصة “واكب”، وهي أول منصة حكومية في سوريا مخصصة لتنظيم العمل والتواصل المؤسسي بشكل رقمي متكامل، وتهدف إلى إعداد الخطط والبرامج ومتابعة مراحل تنفيذها، بالإضافة إلى تسهيل العمل اليومي وتعزيز قنوات التواصل بين موظفي الوزارة والعاملين في مجال التنمية الإدارية في الوزارات والجهات العامة، ضمن بيئة ديناميكية وآمنة.
كما أطلقت وزارة الداخلية تطبيق “صوتك وصل”، وهو خدمة مبتكرة تعزز التحول الرقمي لتسهيل الوصول إلى جميع خدمات الوزارة بسرعة وسهولة، في حين أطلق الأردن وسوريا “المنصة التشغيلية المشتركة للمياه” في خطوة هي الأولى من نوعها، تهدف إلى إدارة الأحواض المائية رقميا وتعزيز التنسيق وتبادل البيانات لمواجهة شح المياه في البلدين.
وتبرز خطوات وزارة التربية في هذا الاتجاه من خلال استعدادها لإطلاق المنظومة التعليمية الرقمية الوطنية، على ثلاثة مسارات رئيسية: منصات تعليمية، وقنوات يوتيوب رسمية، والمدرسة الافتراضية الإلكترونية.
الأمانة والخارجية والأوقاف
وتعمل الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية – شؤون مجلس الوزراء، بالتعاون مع وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات، على إطلاق تطبيق شكاوى موحد يشمل جميع الوزارات، ويحمل اسم “وجب”، وسيكون منصة شاملة تضم الجهات العامة والمحافظات، بهدف استقبال الشكاوى والطلبات وتنظيمها ضمن إدارة مركزية، وذلك لمعالجة تعدد المنصات والروابط الخاصة بكل وزارة، واستبدالها بواجهة واحدة تسهل التواصل مع المواطنين، وتضمن سرعة الوصول إلى الخدمة.
كما أطلقت وزارة الخارجية والمغتربين منصتها الرقمية “MOFA SY”، وهي متاحة في جميع البعثات الدبلوماسية للجمهورية العربية السورية حول العالم، وعلى “Google Play” و”App Store”، لتقديم الخدمات للمواطنين بشفافية وعدالة وسهولة وسرعة.
وأطلقت وزارة الأوقاف مجموعة من المنصات الرقمية، أبرزها تطبيق “مسجدك” ومنصة “مرجع”، ومنصة “استقراء” لجمع البيانات وتحليلها، ومنصة “مسار” لتنظيم المواعيد والفعاليات. كما شملت المنظومة منصات “إرشاد”، و”ريادة” للتعليم عن بعد، ونظام تصديق الإجازات القرآنية، ومنصة “وحي” لتعليم القرآن، و”موقوتا” لضبط مواقيت الصلاة، ومنصات إعادة إعمار المساجد، والمسابقة القرآنية الكبرى، و”Grafana” لمراقبة الأداء الفني.
وبالعموم، تعمل جميع المؤسسات والوزارات على التحول التدريجي نحو الرقمنة لمواكبة التطورات الرقمية وتحقيق التنمية المستدامة.
الثورة السورية
—————————–
هل يفي صندوق التنمية السوري بمتطلبات الشفافية والرقابة؟/ غنى جبر
أُحدث “صندوق التنمية السوري” بموجب المرسوم رقم “112” لعام 2025، بهدف دعم جهود إعادة الإعمار وتحفيز التعافي الاقتصادي، في ظل تحديات تواجه البنية التحتية والقطاعات الحيوية في سوريا.
وبين الطموحات والواقع الاقتصادي، تبرز تساؤلات حول قدرة الصندوق على تحقيق أثر ملموس، ومدى التزامه بمعايير الشفافية في إدارة موارده، لا سيما مع اعتماده بشكل رئيس على التبرعات والهبات كمصدر تمويل.
كما تظهر تحديات تتعلق بحجم التمويل المتاح مقارنة بزيادة الاحتياجات في مختلف القطاعات، إلى جانب أهمية التنسيق المؤسسي، والانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التنفيذ الفعلي على الأرض.
المرسوم رقم “112” لعام 2025
أصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، في تموز 2025، المرسوم رقم “112” القاضي بإحداث مؤسسة ذات طابع اقتصادي في الجمهورية العربية السورية تسمى “صندوق التنمية” تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، مقرها دمشق وترتبط برئاسة الجمهورية.
ويهدف إحداث الصندوق وفق المرسوم إلى تحقيق ما يلي:
المساهمة في إعادة الإعمار.
ترميم وتطوير البنية التحتية التي تشمل كل ما يدعم الحياة اليومية للمواطنين من خدمات ومرافق كالطرق والجسور وشبكات المياه والكهرباء والمطارات والمواني وشبكات الاتصالات وغيرها.
تمويل المشاريع المتعددة من خلال القرض الحسن.
تتنوع مصادر تمويل الصندوق بحسب للمرسوم وفق الآتي:
أ- التبرعات الفردية من المواطنين داخل سوريا وخارجها.
ب- التبرعات الدورية عبر برنامج المتبرع الدائم الذي يتيح اشتراكات شهرية ثابتة.
ج- الإعانات والهبات والتبرعات التي يقبلها وفق القوانين والأنظمة النافذة.
إجمالي التبرعات وحجم الأضرار
بلغ إجمالي التبرعات منذ الإعلان عن تأسيس صندوق التنمية السوري نحو 83 مليون دولار، وفق الموقع الرسمي للصندوق، توزعت على عدة قطاعات حيوية على النحو التالي:
في قطاع إعادة الإعمار، وصلت التبرعات إلى ما يقارب 44 مليون دولار، وتخصص لإزالة الأنقاض ومخلفات الدمار، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتأمين مساكن آمنة للأسر المتضررة عبر إنشاء مجمعات سكنية متكاملة، إلى جانب تطوير شبكات نقل حديثة تربط المدن بالمناطق الريفية وتسهّل الحركة التجارية والتنقّل.
أما قطاع الطاقة، فبلغت التبرعات فيه نحو 51 ألف دولار، وتركزت أهداف الصندوق على تعزيز قدرة الشبكات الكهربائية وتحسين جودة الخدمة، وتوسيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، وتمكين المجتمعات المحلية عبر تدريب الكوادر وخلق فرص عمل، إضافة إلى تطوير أنظمة النقل والتوزيع.
وفي قطاع المياه، وصلت التبرعات إلى نحو 115 ألف دولار، حيث يعمل الصندوق على ضمان استدامة الموارد المائية وحماية مصادرها، ورفع كفاءة استخدامها وتقليل الهدر في مختلف المجالات، إلى جانب تطوير البنية التحتية من خلال تحديث الشبكات وإنشاء خزانات ومحطات معالجة، وتعزيز التعاون المؤسسي والإقليمي.
أما في قطاع الزراعة، فقد بلغت التبرعات نحو 55 ألف دولار، وتهدف إلى زيادة الإنتاج المحلي وتعزيز الأمن الغذائي، وتحسين استثمار الموارد الطبيعية، ودعم المجتمعات الريفية، وتشجيع الاستثمار في الصناعات الزراعية.
وفي قطاع الصحة، بلغت التبرعات نحو 160 ألف دولار، وتهدف إلى تعزيز البنية التحتية الصحية، وتطوير الصناعات الدوائية المحلية، وضمان الوصول العادل إلى الخدمات الصحية، إضافة إلى إدخال التقنيات الطبية الحديثة.
وأخيرًا، في قطاع التعليم، وصلت التبرعات إلى نحو 363 ألف دولار، حيث يسعى الصندوق إلى توفير فرص تعليم متكافئة للجميع، ورفع جودة التعليم، ودمج التكنولوجيا في العملية التعليمية، إلى جانب دعم البحث العلمي والابتكار.
وأصدر الصندوق مجموعة من البيانات التي توضح حجم الأضرار، حيث أشار إلى أن 40% من شبكة الكهرباء قد تعطلت، فيما تضرر ما يقارب 3000 كيلومتر من الطرق نتيجة القصف.
كما بلغ حجم الركام في المدن نحو 14 مليون متر مربع، في حين يحتاج 15 مليون سوري إلى خدمات الرعاية الصحية، مع خروج 756 منشأة صحية عن الخدمة، إضافة إلى هجرة أكثر من 70% من الكوادر الطبية خارج البلاد.
اعتماد الشفافية
قال الباحث في شركة “كرم شعار للاستشارات” ملهم الجزماتي، لعنب بلدي، إن تحقيق الصندوق نتائج ملموسة لا يتوقف على امتلاكه صفة قانونية أو خطابًا تنمويًا واسعًا فحسب، بل يتطلب أولًا اعتماد شفافية تشغيلية منتظمة، ويشمل ذلك الإعلان عن الفروقات بين التعهدات المالية والمبالغ التي جُمعت فعليًا، وما تم التعاقد عليه أو إنفاقه، إلى جانب نشر مستجدات المشاريع وحجم المستفيدين منها.
كما شدد الجزماتي على أهمية وجود تنسيق مؤسسي واضح مع الوزارات والمحافظات والجهات المحلية، لا سيما أن الصندوق نفسه أشار إلى أن حملات التبرعات التي نُفذت في المحافظات كانت مستقلة عنه ولا تدخل ضمن موارده، رغم أن المشاريع المطروحة فيها تندرج ضمن نطاق عمله.
وعن أبرز التحديات التي قد يواجهها الصندوق، أشار الجزماتي أن أول تحدٍّ هو تحويل التعهدات إلى أموال متاحة فعلًا للتنفيذ، لأن رقم 83 مليون دولار أُعلن بوصفه حصيلة من التعهدات والتبرعات معًا، ثم أوضح الصندوق لاحقًا أن جزءًا من هذه المبالغ لم يُحوَّل بالكامل إلى حساباته.
التحدي الثاني مؤسسي، بحسب الجزماتي، فالصندوق يرتبط مباشرة برئاسة الجمهورية، وفي ظل استمرار مسار انتخابات مجلس الشعب، لا تظهر حتى الآن رقابة تشريعية منتظمة عليه، أما التحدي الثالث فهو الانتقال من مرحلة التأسيس وبناء الشراكات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي على الأرض.
وأضاف أن رقم 83 مليون دولار مهم سياسيًا ورمزيًا، لأنه يعكس قدرة أولية على التعبئة وجذب الدعم، لكنه اقتصاديًا يبقى محدودًا قياسًا بحجم احتياجات سوريا.
أولوية المشاريع
يرى الجزماتي أن الصندوق وحده لن يصنع تحولًا اقتصاديًا شاملًا، لأنه في النهاية أداة تمويل وتنمية تعتمد أساسًا على التبرعات والهبات، لا على قاعدة مالية سيادية كبيرة أو على إصلاح شامل لبنية الاقتصاد.
لكن يمكنه أن يحقق أثرًا حقيقيًا إذا نجح في تمويل مشاريع خدمية وإنتاجية واضحة، وأثبت أن الأموال تُدار بكفاءة وتُترجم إلى نتائج قابلة للقياس، أي أن دوره الواقعي قد يكون كرافعة للتعافي المحلي وبناء الثقة، لا كمحرّك وحيد لتحول الاقتصاد السوري كله، بحسب الجزماتي.
ويرى الباحث أن أولويات التمويل يجب أن تذهب إلى المشاريع التي تعطي أثرًا سريعًا وواسعًا في حياة الناس، لا إلى المشاريع الضخمة ذات الطابع الرمزي، والاتجاه الأنسب هو البدء بالبنية التحتية والخدمات الأساسية وسبل العيش، وهو ما ينسجم أيضًا مع ما خرجت به الجولة الأخيرة للصندوق في المحافظات الشرقية، حيث جرى التركيز على البنية التحتية وسبل العيش والخدمات الأساسية.
أكبر تعهد مالي
أعلن صندوق التنمية السوري، في 20 من نيسان الحالي، تسلم أكبر تعهد مالي بالكامل ضمن قائمة تعهدات صندوق التنمية السوري، البالغ 25 مليون دولار أمريكي، والذي تعهدت به عائلة الخياط لدعم المشاريع التنموية في سوريا.
وفي هذا السياق، قال المدير العام للصندوق، صفوت رسلان، عبر منصة “إكس”، إن الصندوق ملتزم بأعلى معايير الشفافية والحوكمة الرشيدة في إدارة التبرعات وتخصيصها، مشيرًا إلى أنه سيتم الإعلان قريبًا عن أول تخصيص مالي وبدء تمويل أول المشاريع ذات الأولوية.
إطلاق الصندوق
شهدت قلعة دمشق، في 4 من أيلول 2025، إطلاق “صندوق التنمية السوري”، بحضور الرئيس السوري، أحمد الشرع، الذي أكد في كلمته أن الصندوق يمثل بداية مرحلة جديدة من البناء والإعمار، بعد سنوات من الدمار والتشتت الذي عانى منه السوريون.
وقال الشرع خلال فعاليات إطلاق الصندوق، إن “النظام البائد دمر الاقتصاد ونهب الأموال وشرد الشعب”، مضيفًا أن مرحلة الصندوق ستكون خطوة نحو “إعادة النازحين والمهجرين إلى أرضهم”، ودعا السوريين في الداخل والخارج إلى المساهمة في تمويل مشروعاته.
وأشار إلى أن الصندوق سيحظى بشفافية عالية، متعهدًا بالإفصاح عن كل ليرة تُنفق ضمن مشاريع استراتيجية، واصفًا التبرع للصندوق بأنه “أمانة في أعناق الأحياء تجاه دماء الضحايا”.
اتفاقيات ومذكرات تفاهم
وقّع صندوق التنمية السوري اتفاقية إطارية مع مجلس الأعمال السعودي السوري، في 7 من شباط الماضي، لتغطية 45 مبادرة تشمل قطاعات التربية والتعليم العالي والمهني والإسكان والطوارئ وإدارة الكوارث، بالإضافة إلى نقل المعرفة والخبرات.
كما وقّع الصندوق، في 30 من أيلول 2025، مذكرة تفاهم استراتيجية مع منظمة التنمية السورية، بهدف تأسيس منهجية متكاملة للعمل التنموي في سوريا بمعايير تضمن استثمار موارد المجتمعات المحلية بعدالة وشفافية.
عنب بلدي،
—————————————
حين يُهزم الإنسان: كيف استُنزف رأس المال البشري السوري؟/ مازن الشاهين
رأس المال البشري.. “الغراء” الذي يعيد تماسك سوريا
2026-04-26
عند نهاية الحروب تُحصى الأرقام للدمار المادي من أبنية منهارة وطرقات ومرافق مدمرة، لكن الأخطر يبقى خسارة رأس المال البشري غير المرئي. في سوريا بعد أكثر من 15 عاماً من الحرب والاستبداد، تضرر التعليم لثلاثة أجيال، وتشتت أكثر من نصف الكفاءات الأكاديمية والتقنية في المنافي، ما كشف نزيفاً يفوق كل الإحصاءات. وبينما تُسجَّل صور الركام، يظل السؤال المركزي: كيف يمكن لبلد فقد عقوله وسواعده أن يعيد بناء نفسه، وهل يمكن إعادة توظيف رأس ماله البشري كقاعدة لإعادة بناء مؤسسات الدولة؟
يقول الباحث الاجتماعي نضال العامري في تصريحات لـ”٩٦٣+” إن التحدي في سوريا لا يكمن في إعادة إعمار الحجر بل في استعادة ما تهدّم داخل الإنسان من تعليم وكفاءات وثقة مجتمعية، فالإسمنت يمكن استيراده لكن لا يمكن استيراد جيل متعلم أو تعويض انقطاع معرفي أو إعادة بناء الثقة الاجتماعية.
ويشير إلى أن النقاشات الدولية حول إعادة الإعمار تركز على العقود والبنية التحتية، بينما تُهمل الخسارة الأعمق المتمثلة في رأس المال البشري الذي تآكل مع تهجير العقول وتفريغ المؤسسات من كوادرها.
ويؤكد العامري أن إعادة الإعمار المادي ضرورية لكنها غير كافية، إذ تنهض الدول عبر الاستثمار في الإنسان كما في نماذج مثل ألمانيا ورواندا، موضحاً أن رأس المال البشري يشمل التعليم والكفاءات والثقة المجتمعية، وبدونه تصبح المشاريع غير مستدامة.
ويدعو إلى “طرح عام لرأس المال البشري السوري” عبر سياسات ذكية تشمل إنشاء هيئة وطنية مستقلة، وإطلاق منصة رقمية تربط كفاءات المهجر بالمؤسسات داخل سوريا للاستشارات والتدريب ونقل الخبرات، بما يحوّل العقول المهاجرة إلى رصيد استراتيجي بدل خسارة دائمة.
ثقب أسود في التعليم: ثلاثة أجيال خارج الزمن والجرح الأعمق
في خيمة بريف إدلب يعيش عدنان (14 عاماً) الذي لا يعرف من الأبجدية سوى كتابة اسمه، رغم بلوغه سن المرحلة الثانوية، بعد أن أمضى سنواته متنقلاً بين النزوح والقصف، إذ دُمّرت مدرسته الأولى وتحولت الثانية إلى مأوى للنازحين، ما دفعه للعمل في ورشة سيارات بدل التعليم، ليجسّد “الجيل التائه” وخسارة سوريا لطفولة تحولت إلى فاقد تعليمي وإنتاجي مبكر، وفي عام 2025 عاد مئات الآلاف من الأطفال إلى المدارس في عام وُصف بالتاريخي بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، إلا أن هذه العودة، رغم رمزيتها، كشفت واقعاً أعمق من الفاقد التعليمي الذي خلّفته سنوات الحرب.
ووفقاً لأحدث بيانات منظمة اليونيسف، لا يزال 2.45 مليون طفل خارج مقاعد الدراسة في سوريا، بينما يواجه 1.6 مليون طفل آخر خطر التسرب بسبب البنية التحتية المدمرة والفقر والنزوح، وهذه الأرقام المخيفة لا تروي سوى جزء من الكارثة.
ويؤكد الخبير التربوي عباس الجميل في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن أكثر من 50% من الأطفال واليافعين السوريين حُرموا من التعليم خلال 14 عاماً من الحرب، سواء داخل سوريا أو في دول اللجوء، حيث تحولت المدارس إلى ملاجئ أو دُمّرت، وواجه اللاجئون عوائق اللغة والفقر والعمل المبكر، ما أدى إلى ضياع جيل كامل من التعليم المنتظم.
ويضيف أن الكارثة تتجاوز الحرب، إذ إن جذور التجهيل تعود لعقود سابقة حين استُخدمت المدارس لتكريس الولاء السياسي عبر مناهج وشعارات حزبية، قبل أن تتفاقم بعد 2011 مع تدمير آلاف المدارس وخروج نصف البنية التعليمية عن الخدمة.
ويشير الجميل إلى أن عدد المدارس المدمّرة بلغ نحو 8 آلاف، بينها ألف تحتاج إعادة بناء كاملة، وأكثر من 40% من المتبقي غير صالح للاستخدام، ما أنتج أجيالاً متباينة: أمية قسرية في المخيمات، وشهادات منقوصة، ونقصاً حاداً في الكوادر التعليمية بسبب الهجرة.
ورغم ذلك يلمح إلى بوادر إصلاح مثل برامج التعليم التعويضي في 2025، وحذف رموز النظام السابق من المناهج، والانضمام إلى الشراكات التعليمية الدولية، لكنه يحذر من “فقر تعليمي” طويل الأمد يهدد مستقبل البلاد ما لم تُنفذ خطط استدراكية عاجلة وتُعالج فجوات المهارات والانقطاع المعرفي.
العقول المهاجرة: استنزاف النخبة السورية
تقول د. ميساء (45 عاماً)، رئيسة قسم جراحة الأعصاب سابقاً في أحد أكبر مشافي حلب واستشارية حالياً في ألمانيا، إنها غادرت بعد استهداف مشفاها ثلاث مرات وفقدان زملائها تحت القصف أو التعذيب، مشيرة إلى أن ألمانيا استثمرت فيها “صِفر” يورو لتكسب كفاءة جاهزة كلف تدريبها الدولة السورية ملايين، معتبرة أن هجرة أمثالها هي “تصدير مجاني للثروة” وأن بناء المستشفيات دون عقولها يعني جدراناً بلا حياة.
فيما يوضح الكاتب فادي حنا في تصريحات لـ”963+” أن ما يجري هو نزيف صامت حوّل الطبيب والمهندس والأستاذ إلى طاقات تبني خارج البلاد، نتيجة هجرة كفاءات واسعة منذ 2011 طالت الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات، حتى باتت المؤسسات تعاني من نقص الخبرة أكثر من المعدات.
ويضيف حنا أن هذه الهجرة ليست فردية بل “تحول في الوعي والإنتاج” مدفوع بسياسات استقطاب عالمية عبر فرص ورواتب ومختبرات، ما أدى إلى إعادة توزيع الكفاءات من الدول المنهكة إلى المراكز الغنية، مع تفريغ سوريا من طاقاتها في الطب والهندسة والتعليم، حيث يعيش السوريون في المهجر كواحدة من أكثر الجاليات تعليماً في العالم (أكثر من 50 ألفاً في ألمانيا وحدها)، موزعين بين تركيا ومصر وكندا والخليج وأمريكا.
ويحذر من أن العودة لا تتم تلقائياً بعد النزاعات بسبب هشاشة الاقتصاد والبنية التحتية وغياب الاعتراف بالشهادات، رغم وجود مؤشرات عودة للاجئين، داعياً إلى حلول مثل العمل عن بعد، ومنصات ربط الكفاءات بالداخل، وبرامج تبادل معرفي، وإنشاء هيئة للاعتراف بالمؤهلات، مؤكداً أن استمرار النزيف يعني فقدان “ذاكرة المؤسسات” السورية.
المجتمع المدني: ولادة مدهشة وصوت خافت وسط الدمار
عامر (33 عاماً)، ناشط مدني كان يدير منظمة من غازي عنتاب، عاد اليوم ليقود مبادرة لتمكين الشباب في حمص بعد أن كان تواصله مع الداخل يعرّض المتطوعين للخطر، واعتمد خلال سنوات المنفى على إدارة مشاريع تعليمية في الداخل عبر “الواتساب” وتحويلات مالية معقدة، ما جعل غيابه يترك فراغاً كبيراً لأن المجتمع المدني يُعد “خط الدفاع الأول” عن القيم المدنية، بحسب ما يقول لـ”963+”.
وبين 2011 و2024 برز مجتمع مدني سوري واسع داخل البلاد وخارجها شمل الإغاثة والتعليم البديل وتوثيق الانتهاكات والدفاع القانوني وتمكين النساء والصحة النفسية والإعلام البديل، في محاولة لملء فراغ الدولة المنهارة رغم القمع والتقييد.
وتؤكد الناشطة الحقوقية الأكاديمية ناهد زنبقة في تصريحات لـ”963+” أن المجتمع المدني هو “الغراء بين الدولة والمواطن” وعمود العدالة الانتقالية، لكنه تعرّض للتفكيك عبر عقود من القمع وتحويله لواجهات خاضعة للرقابة، ومع ما بعد 2024 ورغم تنامي النشاط وتسجيل منظمات جديدة، لا يزال العمل مقيداً بقانون 93 لعام 1958 الذي يمنح الدولة سلطة حل الجمعيات والتدخل بتمويلها دون رقابة قضائية، وهو ما وصفته الأمم المتحدة بأنه أداة لحرمان السوريين من حرية التنظيم.
وتحذر زنبقة من أن بناء مجتمع مدني حقيقي يتطلب إلغاء هذا القانون، ومعالجة تبعية التمويل الخارجي وغياب الإطار القانوني وتشتت الولاءات، مؤكدة أن الأولوية هي استعادة الثقة، وضمان استقلالية المنظمات، وتوسيع المشاركة المدنية خارج الطابع الإغاثي الضيق.
الطرح العام لرأس المال البشري: رؤية استراتيجية
يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي عبدالحميد العبود في تصريحات لـ”963+” إن “الطرح العام” لرأس المال البشري السوري هو استعارة من عالم المال تعني جعل التعليم والكفاءات والمبادرات المدنية مرئية ومفعّلة في مشروع الدولة، عبر الإعلان عن قيمتها، وتوظيفها في إعادة البناء، وإتاحة فرصها بشكل عادل، لا حصرها بنخبة.
ويوضح أن هذا يتطلب هيئة وطنية مستقلة لرسم سياسات التعليم والكفاءات، وخطة لإعادة بناء التعليم تشمل تأهيل المدارس وتوحيد المناهج ورفع أجور المعلمين، ومنصة رقمية “كفاءات للوطن” لربط خبرات المهجر بالمؤسسات داخل سوريا، إضافة إلى ميثاق للمجتمع المدني يضمن الحرية والاستقلالية، وتمييز إيجابي لمناطق الأطراف لضمان عدالة توزيع الكفاءات والخدمات خارج المركز.
ويضيف العبود أن الحل يبدأ باستراتيجية وطنية لترميم الإنسان عبر تعليم مرن عابر للحدود، ودبلومات سريعة لتعويض الفاقد، ورقمنة التعليم، و”عودة افتراضية” للكفاءات عبر العمل عن بعد في الإدارة والاستشارات، مع صناديق لدعم العودة أو المشاركة، وتحويل الدعم الدولي من الإغاثة إلى بناء القدرات، إضافة إلى قوانين تضمن استقلال مؤسسات الدولة على أساس الجدارة.
ويختم بأن إعادة إعمار الحجر بلا إنسان مؤهل هو هدر، فالمعركة الحقيقية في سوريا هي داخل الإنسان، وأن الدول لا تُبنى بالحجارة بل بالعقول التي تعيد تحويل الركام إلى معنى، وإلا ستواجه سوريا أزمة وجود لا مجرد أزمة إعمار.
—————————–
ما الدور المرتقب لسوق دمشق للعملات والذهب؟/ إخلاص علي
أبريل 26, 2026
لا يستقيم أي نشاط اقتصادي دون قواعد واضحة وإطار تنظيمي منضبط، وتزداد أهمية ذلك حين يتعلق الأمر بسوق الصرف والذهب، باعتبارها إحدى أبرز ركائز الحركة الاستثمارية والتجارية.
انطلاقاً من هذه الاعتبارات، جاء الإعلان عن إطلاق منصة إلكترونية جديدة لتنظيم تداول العملات الأجنبية والذهب، في وقت لا تزال فيه سوق الصرف تعاني من تباينات حادة بين السعر الرسمي والموازي، ما يجعل المشروع الجديد محل ترقب من الفاعلين الاقتصاديين بين اعتباره أداة تنظيم حديثة، أو اختباراً عملياً لمدى جاهزية السياسة النقدية للتحول نحو إدارة أكثر انفتاحاً وفاعلية.
وأعلن مصرف سوريا المركزي، الخميس، إحداث منصة إلكترونية جديدة تهدف إلى تنظيم تداول العملات الأجنبية والذهب، في إطار جهود إعادة ضبط سوق الصرف وتعزيز الثقة بالقطاع المالي.
وأوضح حاكم المصرف عبد القادر الحصرية، في تصريحات رسمية، أن إحداث هذه السوق خطوة محورية في مسار تطوير السياسة النقدية وتعزيز الاستقرار المالي، وذلك تنفيذاً لاستراتيجية المصرف، ولا سيما الركيزة الثانية المتمثلة في تحقيق سوق صرف متوازن وشفاف استناداً لقرار رئاسة مجلس الوزراء بهذا الشأن رقم 189 لعام 2025.
كما يأتي هذا التوجه يأتي ضمن حزمة من القرارات التي اتخذها المركزي لإعادة هيكلة سوق الصرف والمهن المالية المرتبطة بها، مع التأكيد على التزام المصرف بمواصلة تنفيذ استراتيجيته الشاملة، بما يحقق التوازن في سوق الصرف، ويدعم مسيرة التعافي الاقتصادي.
ومن المقرر أن تشارك في السوق ثلاثة أطراف رئيسة تشمل المصارف، وشركات الصرافة، والمستوردين والمصدرين، على أن تُشكَّل لجنة استشارية تضم هذه الجهات، إضافة إلى غرف التجارة والصناعة وخبير اقتصادي، لمواكبة إطلاق السوق، فيما ستسهم إحدى أكبر ثلاث شركات عالمية في دعم إنشائها، وفق ما قال الحصرية.
وتُحدَّد الأسعار بشكل لحظي انطلاقاً من سعر مرجعي أولي، قبل أن تتولى قوى العرض والطلب تعديلها بما يحقق التوازن. وشدد الحصرية على أن الهدف هو بناء “سوق صرف متوازنة وعادلة” ضمن استراتيجية أوسع للمصرف المركزي، بحيث تصبح هذه السوق أداة أساسية في السياسة النقدية والاقتصادية.
توحيد الأسعار
تهدف السوق الإلكترونية التي ستحدث لأول مرة في سوريا وفق المعايير الدولية، إلى تنظيم عمليات التداول وتوحيد مرجعية الأسعار، بما يحدّ من التشوهات، ويعكس قوى العرض والطلب بدقة وآنية، وفق الحصرية.
كما ستسهم السوق في تعزيز الشفافية عبر توفير بيانات موثوقة وتحديثات مستمرة، الأمر الذي يدعم ثقة المتعاملين، ويحدّ من المضاربات غير المنظمة، والقضاء على السوق السوداء، وأي أسواق أخرى موازية، وذلك لأول مرة منذ أكثر من 70 عاماً.
ويرى الخبير الاقتصادي حسام عايش، أن إنشاء منصة رسمية ومنظمة لتداول العملات الأجنبية، خاصة الدولار، إلى جانب الذهب، تحت إشراف المصرف المركزي، يمثّل خطوة مهمة.
وأوضح عايش لصحيفة “الثورة السورية”، أن هذه المبادرة تهدف بشكل أساسي إلى استقطاب جزء كبير من النشاط المالي الذي يجري خارج القنوات الرسمية، بما في ذلك السوق الموازية أو السوداء، وتحويله إلى سوق شفافة تعتمد على أسعار معلنة وآليات تداول واضحة.
وبحسب عايش، من المفترض أن تعمل هذه المنصة كسوق إلكترونية متطورة توفر تسعيراً لحظياً وفق قوى العرض والطلب، وبمشاركة المؤسسات المالية المرخصة، بما يسهم في نقل سوق الصرف من حالة العشوائية إلى إطار أكثر تنظيماً واستقراراً.
وستدار السوق من خلال منصة تُحدَّث وفق المعايير الدولية، وبمشاركة أطراف ملتزمة بهذه المعايير، بما يوفر بيئة تداول حديثة تعتمد أفضل الممارسات العالمية، ويعزز كفاءة سوق القطع الأجنبي والذهب، ويخدم أهداف الاستقرار النقدي، وفق المركزي.
وستكون المنصة “سوقاً فعلية” تضم أطرافاً فاعلة تشمل المصارف وشركات الصرافة والمستوردين والمصدرين، يتم فيها تحديد السعر وفق العرض والطلب، تحت إشراف المركزي وليس عبر تسعير مباشر منه.
واعتبر عايش أن الأهمية الاقتصادية والمالية لهذه السوق تتمثل في قدرتها على تقليص تعدد أسعار الصرف من خلال تقريب السعر الرسمي من السعر الفعلي، ما يقلل الفجوة القائمة حالياً.
كما توفر السوق للمصرف المركزي أداة فعالة لتعزيز السياسة النقدية عبر مراقبة السيولة والتدخل عند الحاجة، إضافة إلى دورها في تعزيز الثقة بالقطاع المالي وتقليل الاعتماد على السوق غير المنظمة.
وأكد عايش أن هذه المنصة من شأنها أيضاً تحسين بيئة الاستثمار عبر توفير وضوح أكبر للمستوردين والمصدرين، الأمر الذي يساعد في التخطيط الاقتصادي والتجاري، فضلاً عن دورها غير المباشر في الحد من التضخم من خلال استقرار سعر الصرف وتقليل تقلباته.
كما يمكن أن تسهم المنصة في استقرار سعر الصرف عبر توحيد السعر المرجعي وتعزيز الشفافية والحد من المضاربات الناتجة عن فروقات الأسعار، وتتيح للبنك المركزي التدخل بشكل أكثر فاعلية داخل السوق، وفق عايش.
سوق صرف تخدم الاقتصاد
يمثل إحداث سوق دمشق للعملات والذهب تحولاً عن السياسات السابقة التي كان فيها المركزي يحدد سعر الصرف ويوجه السوق نحوه، ما أدى في كثير من الأحيان إلى “تشوهات، خاصة مع استمرار الاستيراد بأسعار غير واقعية، وهو ما يفاقم العجز التجاري ويخلق اختلالات هيكلية”، وفق ما قال الحصرية لقناة “الشرق”.
وأضاف الحصرية: “نحن نبني سوق الصرف من جديد وفقاً لأسس السوق هذه، بحيث يصبح لدينا سوق وسعر صرف في خدمة الاقتصاد، وليس المضاربين أو الحكومة”.
ورأى الخبير الاقتصادي رضوان الدبس، أن إطلاق السوق هدفه الأساسي ضبط سعر صرف الليرة السورية والحد من الاضطرابات في سوق الصرف.
واعتبر أن وجود سوق رسمية تحدد الأسعار وفق العرض والطلب بشكل علني يمكن أن يقلل من فرص التلاعب والمضاربات في السوق السوداء.
وقال الدبس لصحيفة “الثورة السورية” إن إدخال العملات الأجنبية والمعادن الثمينة ضمن إطار رسمي منظم يعزز الرقابة على السيولة ويحد من النشاط غير النظامي، شريطة توفير بيئة قانونية واضحة وثقة حقيقية بين المتعاملين والدولة.
وأكد أن نجاح التجربة قد يسهم في تحقيق قدر من الاستقرار في سعر الصرف وتقليص الفجوة مع السوق الموازية، بينما قد يؤدي تعثرها إلى نتائج عكسية تزيد الضغط على الليرة وتعزز الاعتماد على الدولار.
وأرجع الحصرية، إدراج الذهب في السوق إلى اعتباره جزءاً من الاحتياطيات الوطنية، إضافة إلى تنظيم دخوله وخروجه بموجب قانون صدر في 2023، ما يستدعي تسعيره وفق معايير دولية.
مرحلة كسب ثقة
ستخضع المشاركة في السوق ستخضع لضوابط صارمة تتعلق بمكافحة غسل الأموال والامتثال، مع توجه لمنح شركات الصرافة التراخيص النهائية لتأهيلها للانضمام، في إطار تنظيم القطاع وتقليص الطابع غير الرسمي، وفق الحصرية.
وتمثل هذه الخطوة جزءاً من مسار أوسع لإعادة بناء علاقات المراسلة المصرفية مع الخارج، حيث تركز البنوك الدولية بشكل أساسي على بيئة الامتثال ومكافحة غسل الأموال.
واعتبر الحصرية أن وجود سوق منظمة وشفافة يحد من المخاطر ويمنح ثقة أكبر للمصارف الأجنبية، ما قد يسهم في إعادة دمج سوريا تدريجياً في النظام المالي العالمي، وهو ما يتقاطع مع خطوات سابقة شملت فتح قنوات محدودة مع بنوك خارجية وعودة إلى نظام التحويلات الدولية “سويفت”، فضلاً عن عودة محدودة لبعض قنوات التعامل مع مصارف خارجية بعد انقطاع دام أكثر من عقد.
وحدد الحصرية مجموعة مؤشرات لقياس نجاح السوق بعد إطلاقها، تشمل عدد المشاركين وحجم التداول ومدى تراجع السوق الموازية، إضافة إلى تضييق الفجوة بين سعري البيع والشراء، والتي تعكس كفاءة السوق.
وأكد أن هذه المرحلة تمثل “مرحلة كسب ثقة”، سواء داخلياً أم خارجياً، معتبراً أن بناء سوق منظمة يشكل ركيزة لتحسين فعالية السياسة النقدية.
ولفت عايش إلى جملة من التحديات التي قد تواجه المشروع، أبرزها استمرار قوة السوق الموازية، خاصة في حال بقاء الفجوة واسعة بين السعرين الرسمي والفعلي، إلى جانب ضعف ثقة المتعاملين في حال عدم توافر السيولة أو الاستقرار.
كما أشار إلى تحديات نقص العملات الأجنبية، والقيود التنظيمية أو البيروقراطية، واستمرار قنوات التحويل غير الرسمية.
وشدد عايش على أن نجاح هذه المبادرة يتطلب شروطاً أساسية، في مقدمتها الشفافية الكاملة في التسعير، وتوفير السيولة الكافية، وضمان الحياد التنظيمي وعدم تفضيل أي جهة، إلى جانب استقلالية إدارة السوق ووجود إطار قانوني صارم يحد من التلاعب والمضاربة غير المشروعة.
ولفت إلى أن تقليص الفجوة بين السعرين الرسمي والحقيقي يشكل عاملاً حاسماً في تعزيز الثقة ونجاح المنصة، مؤكداً أن ثقة المتعاملين تبقى الركيزة الأساسية لاستدامة المشروع، وهي ثقة تُبنى على الاستقرار والوضوح وسرعة الاستجابة.
ويرى عايش أن المشروع يمثل محاولة جدية لإعادة تنظيم سوق الصرف والذهب ضمن إطار مؤسسي حديث، إلا أن نجاحه يعتمد على واقعية السياسات النقدية، وتوافر العملات الأجنبية، والقدرة على تقليص الفجوة مع السوق الموازية، بما يعزز استقرار الاقتصاد بشكل عام.
وبين الطموح بإعادة تنظيم سوق الصرف والذهب ضمن إطار مؤسسي حديث، والتحديات المرتبطة بالثقة والسيولة والسوق الموازية، تبدو المنصة الجديدة اختباراً فعلياً لقدرة السياسة النقدية على الانتقال من المعالجة التقليدية إلى إدارة أكثر شفافية واستقراراً واستدامة للاقتصاد.
الثورة السورية
———————————
===========================
تحديث 25 نيسان 2026
—————————–
كيف يتحقق الاستقرار النقدي في ظل تحديات داخلية ومتغيرات إقليمية؟/ ميساء العلي
أبريل 23, 2026
يؤكد مصرف سوريا المركزي أهمية الاستقرار النقدي بوصفه حجر الأساس في مسار التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، في ظل تحديات داخلية ومتغيرات إقليمية تلقي ظلالها على الأسواق.
ويأتي هذا المسار ضمن رؤية أوسع تستهدف ضبط التضخم، وتعزيز استقرار سعر الصرف، وصون القوة الشرائية، إلى جانب تطوير البنية المؤسسية للقطاع المصرفي، بما يسهم في تهيئة بيئة مالية أكثر انضباطاً وقدرة على دعم متطلبات التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
لكن الخبراء يربطون نجاح هذا المسار بقدرة المؤسسات النقدية والمصرفية على التكيف مع التحديات وتطوير أدواتها بما يواكب متطلبات المرحلة.
ركيزة أساسية
أكد حاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر الحصرية، أن الدور الأساسي للمصرف يتمثل في الحفاظ على الاستقرار النقدي، باعتباره الركيزة الأساسية لأي عملية تعافٍ اقتصادي وإعادة إعمار مستدامة.
وأوضح الحصرية في تصريح، الثلاثاء، أن السياسات النقدية للمصرف تركز على ضبط التضخم، وتعزيز استقرار سعر الصرف، وصون القوة الشرائية للعملة الوطنية، بما يرسخ الثقة بالاقتصاد ويهيئ بيئة آمنة للاستثمار والإنتاج.
وشدد على أنه من دون استقرار نقدي، لا يمكن لأي جهود تنموية أو خطط إعادة إعمار أن تحقق أهدافها المرجوة.
ويعكس تصريح الحصرية توجهاً نحو إعادة ترتيب الأدوات المالية بما يتناسب مع مرحلة إعادة الإعمار المرتقبة.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور يحيى السيد عمر أن جوهر هذا التوجه يبرز الاستقرار النقدي باعتباره شرطاً أساسياً لأي مسار اقتصادي قابل للاستمرار.
وقال السيد عمر لصحيفة “الثورة السورية”: إن الاقتصادات التي تعاني من تقلبات حادة في العملة أو ارتفاعات متسارعة في الأسعار تواجه صعوبات في جذب الاستثمار أو تنشيط الإنتاج، لذلك فإن ربط السياسات النقدية بأهداف واضحة مثل التحكم بالتضخم ضرورة لضبط الإيقاع العام للنشاط الاقتصادي.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن السياسة التي أشار إليها الحاكم تعتمد على استخدام أدوات نقدية تهدف إلى إدارة السيولة داخل السوق بشكل أكثر كفاءة، ويعني ذلك العمل على موازنة العرض النقدي مع مستوى الإنتاج والطلب الفعلي، بما يقلل من ضغوط التضخم ويحافظ على استقرار نسبي في الأسعار، كما يشكل تعزيز متانة القطاع المصرفي جزءاً أساسياً من هذه المقاربة، نظراً لدوره في نقل الأموال وتمويل الأنشطة الاقتصادية الحيوية.
سياسات مرنة
يراقب المصرف المركزي من كثب تداعيات الأزمة الحالية في المنطقة وما قد تفرضه من ضغوط على أسواق الطاقة وحركة التحويلات والتجارة الإقليمية، وفق الحصرية.
وأوضح الحصرية أن المتغيرات الحالية تتطلب يقظة مستمرة وسياسات مرنة قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية والحد من انعكاساتها على الاقتصاد الوطني.
وشدد على أن المصرف يعمل بشكل مستمر على استخدام الأدوات المتاحة بكفاءة، وتعزيز متانة القطاع المصرفي، وضمان انسيابية النظام المالي، بما يدعم تمويل الأنشطة الاقتصادية الحيوية ويسهم في تحفيز النمو.
وتشهد المنطقة تطورات متسارعة على صعيد أسواق الطاقة والتحويلات المالية على خلفية الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، وسط سعي سوريا لتعزيز استقرارها النقدي وتهيئة المناخ الملائم لجهود التعافي وإعادة الإعمار بعد سنوات من الحرب والعقوبات.
وأشار السيد عمر إلى أنه في ظل الظروف الإقليمية المتقلبة، خصوصاً ما يتعلق بأسعار الطاقة، يواجه الاقتصاد السوري مجموعة من التحديات الخارجية التي تنعكس بشكل مباشر على الاستقرار الداخلي.
وهذه العوامل تفرض ضرورة تبني سياسات مرنة قادرة على التكيف مع المتغيرات السريعة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على أهداف الاستقرار العام.
من الناحية العملية، وفق الخبير الاقتصادي، يشكل ضبط سعر الصرف ملفاً حساساً في الاقتصاد السوري، إذ إن استقرار العملة الوطنية ينعكس مباشرة على مستوى المعيشة وثقة الأفراد، ويسهم في الحد من تقلب الأسعار وتعزيز القدرة على التخطيط.
وفي الوقت نفسه، ترتبط حماية القوة الشرائية بالاستقرار الاجتماعي، لأن تآكلها يفرض ضغوطاً معيشية تحد من النشاط الاقتصادي، ما يجعل تحقيق التوازن بين ضبط الكتلة النقدية وتوفير السيولة أمراً ضرورياً لدعم الإنتاج والتجارة.
وكان الحصرية قد أوضح أن التحديات المتزايدة التي تواجه سوق الصرف تتطلب تعزيز تنظيم المهنة وتمكين العاملين فيها من ممارسة نشاطهم ضمن بيئة مهنية مستقرة ومنضبطة، بما ينسجم مع استراتيجية مصرف سوريا المركزي، لا سيما التركيز على بناء سوق صرف متوازن وشفاف، لافتاً إلى أن تطوير البنية المؤسسية والمهنية للقطاع خطوة أساسية لترسيخ التعامل عبر القنوات الرسمية ودعم كفاءة السوق.
أدوات تنفيذية
يبرز دور المصارف كأداة تنفيذية رئيسة للسياسة النقدية، فإدارة السيولة داخل الفروع المصرفية وتوجيهها بشكل عادل ومنظم تساعد في تقليل التفاوت داخل السوق المالية، كما يسهم ذلك في تعزيز الثقة بين المتعاملين والمؤسسات المالية، وهو عنصر ضروري لأي عملية إعادة بناء اقتصادي، وفقاً للسيد عمر.
وأضاف السيد عمر أن هذه التوجهات تأتي في وقت تسعى فيه سوريا إلى إعادة صياغة بيئتها الاقتصادية ضمن ظروف معقدة تتداخل فيها العوامل الداخلية مع الضغوط الخارجية. ومع استمرار التحديات المرتبطة بتذبذب أسواق الطاقة، تصبح الحاجة إلى سياسات نقدية دقيقة أكثر إلحاحاً لضمان الحد من المخاطر المالية.
وفي ضوء ذلك، يرى الخبير الاقتصادي أنه يمكن النظر إلى التركيز على الاستقرار النقدي باعتباره مدخلاً أساسياً لإعادة الإعمار، وليس مجرد هدف اقتصادي منفصل.
ولفت إلى أن إعادة بناء البنية التحتية وتوسيع النشاط الإنتاجي يتطلبان نظاماً مالياً قادراً على توفير التمويل المستقر وتقليل المخاطر المرتبطة بتقلبات السوق.
تحقيق التوازن
يرتبط نجاح هذه السياسات بقدرتها على تحقيق توازن بين متطلبات الاستقرار قصير الأمد وأهداف النمو طويل الأمد؛ إذ إن التشدد النقدي المفرط قد يحد من النشاط الاقتصادي، بينما يؤدي التوسع غير المنضبط إلى ضغوط تضخمية جديدة، ما يجعل الإدارة المتوازنة ضرورة تراعي طبيعة المرحلة الحالية، وفق الخبير الاقتصادي.
وشدد السيد عمر على أن الخطاب النقدي يعكس توجهاً نحو إعادة بناء الأسس المالية للاقتصاد السوري على قواعد أكثر استقراراً، مع بقاء نجاح هذا المسار مرتبطاً بقدرة المؤسسات النقدية والمصرفية على التكيف مع التحديات وتطوير أدواتها بما يواكب متطلبات التعافي التدريجي وإعادة الإعمار في بيئة اقتصادية شديدة التعقيد.
وكان الحصرية قد أكد أن الحفاظ على الاستقرار التزام راسخ يعمل عليه المصرف المركزي يومياً، بالتوازي مع دعم السياسات الاقتصادية العامة، لتحقيق التوازن بين متطلبات الاستقرار وآفاق التنمية، ووضع أسس لاقتصاد أكثر صلابة وقدرة على مواجهة التحديات.
وفي 3 من شهر شباط الماضي، طلب المصرف المركزي من إدارات المصارف العاملة توجيه الفروع لديها لاتخاذ كل الإجراءات اللازمة لإدارة السيولة النقدية المتوفرة بشكل موضوعي وعادل، بهدف تعزيز قوة السياسة النقدية وتطويرها.
—————————–
أين أنفقت “المالية السورية” مبلغ 454 مليون دولار/ وسيم العدوي
شكل تقلص الفائض في الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2025 من نصف مليار دولار إلى ما نسبته 10% لنحو 46 مليون دولار، تباينًا في البيانات المالية السورية، وأثار تساؤلات حول دقة التقديرات الأولية ومنهجية الإعلان عنها، دون معرفة على وجه التحديد أين أنفقت وزارة المالية السورية مبلغ 454 خلال الأشهر الأربعة الأخيرة من 2025.
وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، برر هذا التراجع آنذاك، بأن الفائض كان مرتفعًا حتى نهاية الربع الثالث، لكنه انكمش خلال الربع الرابع نتيجة “توسع بعض بنود الإنفاق العام وسداد التزامات متأخرة”، دون أن يحدد ماهيتها، لكنه صرح حينها لعنب بلدي أن البيانات “تغيرت بشكل كبير” وتحتاج إلى تحديث مستمر.
خبيران يقدمان قراءة في فائض 2025 وموازنة 2026
ذكر عدد من الخبراء لعنب بلدي، أن الفائض المحاسبي لا يعني بالضرورة تحسنًا اقتصاديًا حقيقيًا، إذا كان ناتجًا عن تقشف مالي أو تأجيل مشاريع إنفاق، وليس عن توسع في الإنتاج والاستثمار ورفع القاعدة الضريبية.
حتى أن صندوق النقد الدولي أشار إلى أن الفائض تحقق أساسًا عبر ضبط الإنفاق، وامتناع وزارة المالية عن التمويل من المصرف المركزي، لا عبر طفرة اقتصادية واسعة.
وحسب البيانات الرسمية، بلغت إيرادات الدولة خلال 2025 نحو 3.493 مليارات دولار، مقابل إنفاق عام بلغ 3.447 مليارات دولار، ما أفضى إلى فائض محدود يمثل 0.15% فقط من الناتج المحلي الإجمالي البالغ 30.6 مليار دولار، مقارنة بعجز نسبته 2.7% في عام 2024.
كما شكّلت الرسوم الجمركية نحو 39% من الإيرادات، في حين استحوذت الرواتب والأجور على 41% من الإنفاق، وهو ما يعكس استمرار اعتماد المالية العامة على الموارد التقليدية والإنفاق الجاري أكثر من الاستثمار الإنتاجي طويل الأجل، وفقًا لما نشره وزير المالية السوري محمد برنية عبر صفحته على فيسبوك.
أما مؤشرات 2026، فتشير إلى توسع مالي كبير، إذ تُقدَّر موازنة الإنفاق العام بنحو 10.516 مليارات دولار، أي أكثر من ثلاثة أضعاف إنفاق 2025، مع تركيز معلن على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، وتمويل مشاريع إعادة الإعمار ومكافحة الفقر.
وفي المقابل، تتوقع وزارة المالية إيرادات بنحو 8.716 مليارات دولار، تشكل إيرادات النفط والغاز نحو 28% منها، ما يعني عودة العجز المقدر بنحو 1.8 مليار دولار تقريبًا، وهو ما يضع الحكومة أمام اختبار صعب بين الحفاظ على الانضباط المالي وتمويل الاحتياجات التنموية المتزايدة في مرحلة ما بعد الحرب.
لغز التقلص الحاد للفائض المالي
تشير البيانات المالية الرسمية إلى أن الفائض لم يكن مستقرًا، بل شهد تراجعًا كبيرًا في الربع الأخير:
نهاية الربع الثالث: وصل الفائض إلى ذروته بنحو 500 مليون دولار.
نهاية العام: تقلص الفائض إلى 46 مليون دولار (أي تراجع بنحو 10 أضعاف).
ويكشف الخبير الاقتصادي والمالي زكوان قريط، في حديث لعنب بلدي، نقلًا عن مصادر في المالية لم يحددها، أسباب هذا التقلص الحاد:
سداد الالتزامات المتأخرة: قامت الحكومة بتسديد مبالغ ضخمة لموردين ومقاولين وديون داخلية كانت مستحقة في نهاية العام.
زيادة الإنفاق الموسمي: ارتفاع تكاليف التدفئة والطاقة والاحتياجات الشتوية التي تضغط عادة على الموازنة في الربع الأخير.
تسوية العجوزات التراكمية: استخدام جزء من السيولة الفائضة لتغطية فجوات تمويلية في مؤسسات عامة خدمية مثل الكهرباء والصحة.
ولكن الخبير ذاته اعتبر أن موازنة عام 2025، شكلت نقطة تحول جوهرية في تاريخ المالية العامة السورية المعاصر، حيث سجلت لأول مرة منذ عام 1990 فائضًا ماليًا، وإن كان ضئيلًا، منهية عقودًا من العجز الهيكلي الذي تفاقم خلال سنوات الحرب.
وقدم تحليلًا اقتصاديًا عميقًا لبنود الإيرادات والنفقات، وظاهرة الفائض، والتغيرات الدراماتيكية في الربع الأخير من ذلك العام، مشيرًا إلى أن إجمالي الإنفاق العام في موازنة 2025 بلغ نحو 3.447 مليار دولار، بزيادة قدرها 45.7% عن عام موازنة حكومة النظام البائد في 2024.
ويعكس تخصيص 41% من الموازنة ذاتها للرواتب والأجور، أي الكتلة الأكبر حسب الدكتور قريط، توجه الحكومة لدعم القوة الشرائية للعاملين في القطاع العام رغم الضغوط التضخمية.
بينما مثل تخصيص 59% من الإنفاق الاستثماري والاجتماعي للدعم السلعي والمشاريع التنموية، زيادة في التوجه نحو الاستثمار بالبنية التحتية.
ويشير الخبير الاقتصادي، إلى أن الإيرادات العامة شهدت قفزة نوعية لتصل إلى 3.493 مليار دولار، بزيادة استثنائية بلغت 120.2% مقارنة بعام 2024، ويعزى هذا النمو إلى :
تحسن الإيرادات الجمركية: شكلت 39% من إجمالي الإيرادات، نتيجة انتعاش حركة التجارة الخارجية وتشديد الرقابة لمكافحة الفساد والتهرب.
الإصلاح الضريبي: زيادة كفاءة التحصيل الضريبي وتوسيع الوعاء الضريبي ليشمل قطاعات كانت خارج التغطية الفعالة.
إيرادات الموارد الطبيعية: البدء باستعادة تدريجية لإيرادات النفط والغاز التي يُتوقع أن تشكل ركيزة أكبر في موازنة 2026.
فائض 2025 وتحدي موازنة 2026
الخبير الاقتصادي قريط، يرى أنه رغم تحقيق الفائض يبقى “فائضًا هشًا” نظرًا لنسبته الضئيلة من الناتج المحلي، وتبرز التحديات في موازنة 2026، التي يُتوقع أن يقفز فيها الإنفاق إلى 10.5 مليار دولار، مما قد يعيد الموازنة إلى مربع العجز التمويلي إذا لم يواكب ذلك نمو مماثل في الإيرادات الإنتاجية.
أما الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور محمد فقيه، فيرى في حديث إلى عنب بلدي، أن من أبرز المؤشرات الإيجابية في المرحلة المالية الحالية توقف الحكومة عن اللجوء إلى التمويل بالعجز عبر مصرف سوريا المركزي، بعد أن قامت وزارة المالية بتسديد كامل السلف التي كانت قد حصلت عليها الحكومة منذ سقوط النظام وحتى شهر آذار الماضي.
وأكد محمد فقيه أن هذه الخطوة تحمل دلالة مهمة على صعيد الانضباط المالي، لأنها تنهي واحدة من أكثر الأدوات التي ساهمت سابقًا في الضغط على النقد المحلي وزيادة الاختلالات النقدية.
ولا يقتصر أثر الامتناع عن الاقتراض المباشر من المصرف المركزي، حسب الدكتور فقيه، على الجانب المحاسبي فقط، بل ينعكس مباشرة على استقرار سعر الصرف والحد من الضغوط التضخمية، خاصة في اقتصاد يعاني من هشاشة نقدية وتراجع الثقة، كما أن الحفاظ على مسافة واضحة بين السياستين المالية والنقدية يمنح المركزي مساحة أوسع لإدارة أدواته بعيداً عن الضغوط الحكومية المرتبطة بتمويل العجز.
من فائض التقشف إلى فائض النمو
الخبير الاقتصادي قريط يرى أن هناك مجموعة من التوصيات التي يتوجب على كل من وزارة المالية السورية ومصرف سوريا المركزي العمل عليها، تتمثل بـ:
ضرورة التحول من الفائض المحقق عبر “ضغط الإنفاق” إلى الفائض المحقق عبر “تحفيز النمو”.
تعزيز الشفافية المالية لضمان توجيه الفائض نحو المشاريع ذات العائد الاستثماري المرتفع.
مراقبة تقلبات سعر الصرف التي قد تلتهم القيمة الحقيقية للموازنة المقومة بالعملة المحلية.
بينما يعقب الخبير المالي فقيه بأن الحديث عن استقلالية البنك المركزي لا يجب أن يُختزل فقط في مسألة وقف الاقتراض الحكومي، بل يتطلب إطارًا أوسع يشمل :
وضوح إدارة الاحتياطيات.
شفافية القرارات النقدية.
وجود استقلال فعلي في رسم السياسات بعيدًا عن التدخلات التنفيذية.
فهذه العناصر، برأي فقيه، تشكل الأساس الحقيقي لاستقرار الليرة السورية واستعادة ثقة المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين في السوق المحلية.
ويختتم بأن زيارة خبراء صندوق النقد الدولي الأخيرة إلى دمشق حملت أهمية خاصة، لأنها فتحت نقاشًا مباشرًا مع كل من وزارة المالية ومصرف سوريا المركزي حول أوضاع المالية العامة، وآليات إدارة الإنفاق، وإصلاح السياسة النقدية.
ويرى أن هذه المشاورات تمثل بداية ضرورية لإعادة بناء الثقة بالمؤسسات الاقتصادية السورية، وتهيئة الأرضية لإصلاحات أعمق تحتاجها المرحلة المقبلة.
عنب بلدي
—————————–
===========================
تحديث 24 نيسان 2026
—————————–
سوق دمشق للعملات والذهب.. بوابةٌ نحو الشفافية أم رهانٌ في مواجهة السوق السوداء؟/ مازن الشاهين
2026-04-23
في خطوةٍ غير مسبوقة منذ أكثر من سبعة عقود، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر حصرية عن إحداث “سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب”، محاولاً بذلك طيَّ صفحة السوق السوداء التي ابتلعت الليرة السورية ومعها مدخرات الملايين، فهل تنجح هذه المنصة الإلكترونية في إعادة رسم خارطة النقد السوري، أم أنها ستظل حبراً على ورق تكتنفه تحديات هيكلية متجذرة؟
الإعلان.. من الفيسبوك إلى صفحة الرسمية:
في منشورٍ على صفحته بموقع فيسبوك، كسر الدكتور عبد القادر حصرية، حاكم مصرف سوريا المركزي، الصمت النقدي الذي طال أمده، معلناً إحداث “سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب” تنفيذاً لاستراتيجية المصرف، ولا سيما الركيزة الثانية الهادفة إلى تحقيق سوق صرف متوازن وشفاف، استناداً إلى قرار رئاسة مجلس الوزراء رقم 189 لعام 2025.
جاء الإعلان ليحمل في طياته ثلاثة مرتكزات جوهرية كما يقول الخبير المالي سامر العمر في تصريحات لـ”٩٦٣+” تتضمن تنظيم عمليات التداول وتوحيد مرجعية الأسعار بما يحدّ من التشوهات، وتعزيز الشفافية عبر توفير بيانات موثوقة ومحدَّثة بصورة آنية، وأخيراً القضاء على السوق السوداء وأي أسواق موازية أخرى، وهو هدفٌ يصفه “الحاكم” بأنه سيتحقق “لأول مرة منذ أكثر من سبعين عاماً”.
ويضيف العمر: اللافت في هذا الإعلان أنه لم يصدر عبر البيان الرسمي المعتاد من قبة المصرف المركزي، بل عبر منصة التواصل الاجتماعي، في إشارة قد تعكس توجهاً نحو التواصل المباشر مع الرأي العام، أو ربما رغبةً في قياس نبض الشارع قبل الإطار القانوني الرسمي، لافتاً أنه لا يمكن فهم حجم الرهان المطروح دون استحضار تاريخ الإخفاق النقدي السوري، فالليرة التي كانت تُعادل الفرنك الفرنسي يوم وُلدت عام 1919، باتت اليوم ظلاً باهتاً لعملة ذات سيادة.
فمنذ عام 2011، شهدت الليرة السورية انهياراً متتالياً لا يرحم: من نحو 49 ليرة للدولار لحظة اندلاع الأزمة، إلى تخطي عتبة 6000 ليرة في السوق السوداء عام 2022، ثم الوصول إلى ما يزيد على 40 ألف ليرة عشية سقوط النظام في ديسمبر 2024، في خسارة تجاوزت 99% من القيمة، أما اليوم فيُثبّت المصرف المركزي رسمياً سعر الدولار عند 110 ليرات جديدة (أي 11,000 ليرة قديمة)، في حين يتراوح سعر السوق الموازية بين 12,950 و13,050 ليرة، ما يُعني فجوة بلغت نحو 18% بين السعرين، وهي فجوة تُغذّي المضاربة وتُذكي السوق السوداء التي يسعى القرار الجديد إلى تجفيف منابعها.
السوق الجديدة… الآليات والمعايير الدولية:
تسعى “سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب” إلى أن تكون النقيض التام للفوضى النقدية التي عرفتها سوريا، وتقول الباحثة الاقتصادية ديالا الخطيب في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن السوق تُدار عبر منصة إلكترونية مُحدَّثة وفق المعايير الدولية، وتستقطب أطرافاً تجارية ملتزمة بالضوابط الحاكمة، بما يوفر بيئة تداول حديثة تعتمد أفضل الممارسات العالمية، وأبرز مكونات السوق الجديدة، هي توحيد مرجعية الأسعار بدلاً من عشرات الأسعار المتفرقة التي تنشأ في أزقة الصرافين وتطبيقات التواصل غير الرسمية، ستُحدَّد الأسعار عبر منصة مركزية تعكس قوى العرض والطلب الحقيقية بدقة وآنية.
وأيضاً الشفافية والبيانات الموثوقة، حيث ستُتيح السوق تحديثات مستمرة تُعزز ثقة المتعاملين وتُقلّص هامش المضاربة غير المنظمة التي كانت تعيش على فارق المعلومات، وكذلك تنظيم تداول الذهب للمرة الأولى، يُدرج الذهب ضمن منظومة تداول رسمية وخاضعة للرقابة، وهو قطاع ظل طويلاً في منطقة رمادية تحكمه العلاقات والسمعة الشخصية أكثر مما يحكمه القانون، وأخيراً إعادة هيكلة المهن المالية حيث أن القرار يأتي ضمن حزمة أوسع تشمل إعادة هيكلة سوق الصرف والمهن المالية المرتبطة به، وهو ما قد يعني تنظيم عمل الصرافين وتقنين آليات الترخيص.
تحديات هيكلية.. هل تكفي المنصة وحدها؟
تضيف الخطيب: لا يخلو المشهد من تعقيدات جوهرية تضع الإعلان في مواجهة اختبارات صعبة، فبين الطموح المُعلَن والواقع المرصود، تقع هوةٌ يصعب ردمها بمجرد منصة إلكترونية، فالفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية تكشف بيانات هذا الأسبوع — 20 إلى 22 أبريل 2026 — عن فجوة مستمرة بنسبة 18% بين سعر المصرف المركزي (110 ليرات جديدة) والسوق الموازية (130 ليرة جديدة تقريباً)، وهذه الفجوة تُمثّل في حد ذاتها أكبر تحدٍّ ما دامت موجودة، فإن الحافز الاقتصادي للتحوط بالسوق السوداء يظل قائماً.
وتشير إلى أن الثقة المؤسسية هي رصيد مستنزف من عقود من النهب الممنهج والفساد النقدي المنظم تحت النظام السابق أفرزت شكوكاً عميقة تجاه أي إعلان رسمي.
وترى الخطيب أن أسواق الصرف الرسمية تنجح حين تستند إلى شبكة مصرفية متينة وحجم احتياطيات كافٍ يُمكّن المصرف المركزي من التدخل لضبط الأسعار، ففي سوريا، لا يزال القطاع المصرفي في طور إعادة البناء، وقد وقّع المصرف المركزي للتو اتفاقاً مع البنك الدولي لتطوير إدارة الاحتياطيات والذهب، وهو مؤشر على أن البنية التحتية ما زالت تُبنى.
تُقدِّر الخطيب أن الاقتصاد غير الرسمي السوري يستوعب نسبة مرتفعة من التعاملات الاقتصادية، ولدمج هذه الكتلة في منظومة رسمية، يحتاج الأمر إلى حوافز لا مجرد عقوبات، وإلى إقناع لا مجرد مراسيم، فقد تنجح أسواق الصرف الرسمية حين تستند إلى احتياطيات كافية وثقة مؤسسية راسخة، وكلاهما في طور البناء في سوريا اليوم.
تختم الخطيب: “سوق دمشق” لا تأتي في فراغ، بل في سياق سياسة نقدية أكثر نشاطاً مما شهده المصرف في عقود سابقة، ففي غضون أشهر قليلة، أُبرمت اتفاقية مع بنك رايفيسن النمساوي لإعادة فتح قنوات التحويل مع أوروبا، ووُقِّعت مذكرة تعاون فني مع البنك الدولي لتطوير إدارة الاحتياطيات، وجرت محادثات على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي بواشنطن بين وزير المالية السوري ومسؤولي الصندوق، ويرسم هذا المشهد صورة مصرف مركزي يسعى إلى إعادة تأهيل نفسه مؤسسياً أمام المجتمع الدولي، ولعل سوق العملات والذهب تمثّل الواجهة الداخلية لهذا المسعى، بينما تُمثّل الاتفاقيات الدولية واجهته الخارجية.
أصوات من الشارع ترسم المشهد من زوايا متعددة:
صرّاف في حي الميدان يقول لـ”963+”: جربنا الكثير من القرارات التي وُلدت ميتة، السوق السوداء لم تظهر لأن أحداً يريدها، بل لأن الحاجة اخترعتها، وإن استطاع المصرف أن يكون أرخص وأسرع وأكثر ثقة، سيُقبل الناس عليه. وإلا، فنحن هنا.
أما الاقتصادي السوري سيوريوس حداد ـ في المهجرـ فيرى أن السوق الإلكترونية خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها ليست كافية، والاستقرار النقدي يبدأ بالاستقرار السياسي وبناء الثقة المؤسسية، والمنصات تنجح في بيئات مستقرة، وتتعثر في الهشاشة، وسوريا تحتاج إلى الاثنين في آنٍ واحد.
ويقول تاجر الخضار في دمشق القديمة أبو عدنان: لا أعرف ما معنى سوق إلكترونية، أعرف فقط أن الدولار أرتفع وأن بضاعتي باتت أغلى، وإذا رجع السعر إلى شيء معقول، فليحدثوا ما يريدون.
التفاؤل الحذر:
يقول عمر البشير وهو موظف سابق في مصرف سورية المركزي في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن الرهانٌ ضروري، والطريقٌ شاق ولا يعدم المرء أسباباً للتفاؤل الحذر، فللمرة الأولى منذ عقود، يتحرك المصرف المركزي السوري بأجندة إصلاحية واضحة المعالم، ويُعلنها على الملأ، الإطار القانوني موجود، وهو قرار مجلس الوزراء 189 لعام 2025، والإرادة المُعلَنة موجودة، والتعاون الدولي بدأ يُترجَم إلى اتفاقيات فعلية.
ويضيف البشير: ولكن التاريخ يُعلّمنا أن سوريا عرفت مراسيم كثيرة لم تتجاوز الورق، وأن السوق السوداء ليست ظاهرة وُجدت بالصدفة، بل هي وظيفة موضوعية نشأت لسدّ ثغرة، وما لم تسدّ الدولةُ هذه الثغرة بسوق رسمية أكثر كفاءةً وثقةً، فستظل السوق الموازية تعيش وتتكيف.
وأن الاختبار الحقيقي لـ”سوق دمشق” لن يكون في يوم إطلاقها، بل في قدرتها على تضييق الفجوة مع السوق السوداء شهراً بعد شهر حتى تُصبح تلك الفجوة لا تكاد تُرى، وعندها فقط، يمكن القول إن سبعين عاماً من التشوه النقدي باتت وراء الظهر.
+963
—————————–
البنك الدولي يوافق على مشروعين في سوريا بـ225 مليون دولار
وافق مجلس المديرين التنفيذيين للبنك الدولي، على منحة تمويلية بقيمة 225 مليون دولار أمريكي من المؤسسة الدولية للتنمية لدعم سوريا في تحسين تقديم الخدمات العامة في قطاعي المياه والصحة.
وتشمل حزمة التمويل المعتمدة مشروعين جديدين يهدفان إلى تحسين حياة السكان، من خلال ضمان حصولهم على المياه والصرف الصحي بشكل موثوق، وتحسين فرص حصولهم على خدمات صحية عالية الجودة.
ومن المتوقع أن يستفيد من كلا المشروعين نحو 4.5 مليون سوري في جميع أنحاء سوريا، حسبما ورد في بيان البنك الدولي، الذي نشره في مساء الخميس 23 من نيسان.
وشرح البيان أن 14 عامًا من الصراع، أدت إلى تدمير البنية التحتية للمياه في سوريا، مما أدى إلى تراجع عقود من التنمية وزيادة المخاطر المناخية.
كما تضررت أكثر من نصف شبكة إمدادات المياه، ونحو 70% من محطات معالجة مياه الصرف الصحي بشدة، وانخفضت إمدادات المياه بنحو 40% مقارنة بمستويات ما قبل الصراع.
ويفتقر أكثر من نصف السكان إلى خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية الكافية، وانخفضت كمية المياه المتاحة إلى أقل من 700 متر مكعب للفرد سنويًا، وهو أقل بكثير من عتبة ندرة المياه.
150 مليون دولار لمشروع الأمن المائي
ويهدف مشروع سوريا للأمن المائي الطارئ والخدمات المستدامة (بقيمة 150 مليون دولار أمريكي) إلى إعادة تأهيل البنية التحتية لإمدادات المياه والصرف الصحي في المناطق ذات الأولوية ذات الكثافة السكانية العالية والمتضررة من النزاع، وتلبية الاحتياجات العاجلة لسكان المدن، بمن فيهم اللاجئون العائدون والنازحون داخليًا.
ويعمل المشروع على إعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية لمعالجة ونقل المياه في إدلب وحمص وحماة، وتحصينها ضد تغير المناخ، وتوفير معدات الطوارئ اللازمة لاستدامة الخدمات الأساسية.
كما يعمل المشروع على إعادة تأهيل البنية التحتية لمعالجة مياه الصرف الصحي لتحسين خدمات الصرف الصحي في دمشق والحد من التلوث البيئي.
وتدعم أنشطة المشروع أيضًا تعزيز إدارة موارد المياه والقدرة على التكيف مع تغير المناخ من خلال تقييمات سلامة السدود، وأنظمة معلومات المياه والمناخ.
واقع القطاع الصحي يعيق الرعاية
تأثر القطاع الصحي في سوريا بشدة، مما أدى إلى تشتت الخدمات، وتضرر المرافق، وضعف إدارة القطاع، وفقًا للبنك الدولي.
وتُعيق التحديات في تقديم الخدمات، ونقص الكوادر الطبية، ومحدودية قدرة الرعاية الصحية الأولية، الوصول إلى الرعاية وجودتها، مما ينتج عنه انخفاض معدلات استخدام خدمات الرعاية الصحية الأولية.
كما أن تمويل الصحة العامة يعاني من قيود شديدة، مما يُجبر الأسر على تحمل تكاليف باهظة من جيوبها الخاصة، في حين أن نموذج الرعاية العلاجية التقليدي في سوريا، والذي يتمحور حول المستشفيات، لم يعد يُلبي الاحتياجات الصحية الحالية.
75 مليون دولار لمشروع إنعاش الصحة
يعمل مشروع إنعاش وتعزيز النظام الصحي في سوريا (75 مليون دولار أمريكي) على تحسين وصول المواطنين إلى خدمات صحية عالية الجودة، وتعزيز القدرات العامة لنظام الصحة العامة في سوريا.
وسيعيد المشروع تقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية الأساسية، وخدمات صحة الأم والوليد والطفل والتغذية، في 150 مركزًا للرعاية الصحية الأولية ذات الأثر الكبير في جميع أنحاء سوريا.
تخدم هذه المراكز شرائح واسعة من السكان، وتفيد الفئات السكانية الأكثر ضعفًا، بما في ذلك النازحين داخليًا، والعائدين، والأسر التي تعيلها نساء، والمجتمعات المضيفة المهمشة.
وسيتم اختيار مرافق الرعاية الصحية الأولية باستخدام نهج شفاف قائم على البيانات، يُعطي الأولوية للإنصاف، والأثر، والفعالية، والقدرة على تقديم الخدمات، وسهولة الوصول.
كما يعمل المشروع على تعزيز قدرات الصحة العامة في الكشف المبكر عن الأوبئة وحالات الطوارئ الصحية، والتأهب لها، والاستجابة لها، مع دعم الأنظمة المؤسسية والقوى العاملة اللازمة لضمان استدامة تقديم الخدمات بكفاءة.
بيان الأولوية السورية
بدوره، قال مدير قسم الشرق الأوسط في البنك الدولي، جان كريستوف كاريه، إن ترميم البنية التحتية المادية واستئناف تقديم الخدمات العامة الأساسية، يعدان ركيزتين أساسيتين في بيان الأولويات الوطنية السورية.
ومع مضي سوريا قدمًا في مسيرتها نحو الاستقرار والتعافي، فإن تحسين الخدمات العامة في مختلف القطاعات سيعزز الظروف المعيشية، ويقوي التماسك الاجتماعي، ويسهل اندماج اللاجئين العائدين والنازحين داخليًا. وذلك دعمًا لمبادرة الحكومة ” لا مخيمات “، بحسب كاريه.
مشروع دعم تعافي المياه المدعوم من البنك الدولي
وكانت وزارة الطاقة السورية قد أعلنت استكمال إعداد وعرض مشروع دعم تعافي قطاع المياه في سوريا، والمدعوم من البنك الدولي، وذلك في إطار الانتقال إلى مرحلة التقييم النهائية وفق الإجراءات والمعايير الدولية المعتمدة.
ويأتي هذا المشروع ضمن برنامج متكامل يمتد على مدى خمس سنوات (2026- 2031)، حسبما أعلنت الوزارة، في 14 من نيسان.
ويهدف إلى إعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية لقطاع المياه، وتحسين مستوى خدمات مياه الشرب والصرف الصحي، وتعزيز كفاءة واستدامة الموارد المائية في عدد من المناطق ذات الأولوية في سوريا.
يعالج البنية التحتية
مدير إدارة تنظيم قطاع المياه في وزارة الطاقة، عبادة مبيض، قال لعنب بلدي إن المشروع يُعد من أهم مشاريع التعافي المبكر في قطاع المياه، لأنه:
يعالج البنية التحتية الحيوية التي تضررت بشكل كبير.
يرفع جودة خدمات مياه الشرب والصرف الصحي.
يعزز كفاءة واستدامة الموارد المائية.
يدعم التحول من الاستجابة الطارئة إلى التعافي طويل الأمد.
كما أنه لا يقتصر على الأعمال الإنشائية، بل يشمل، إدخال أنظمة حديثة لإدارة الشبكات، وتعزيز الحوكمة وبناء القدرات المؤسسية.
فالمشروع هو نقطة انتقال من إدارة الأزمة، إلى بناء نظام مائي حديث ومستدام، وفقًا للمبيض.
كيفية دعم البنك الدولي
دور البنك الدولي في هذا المشروع يتمثل في:
الدعم الفني: عبر ضمان تطبيق أفضل الممارسات والمعايير الدولية.
الدعم المالي: من خلال تمويل مكونات المشروع.
الإشراف والتقييم: لضمان الشفافية وكفاءة التنفيذ.
وحول الميزانية المحددة للمشروع، أوضح أن المشروع حاليًا في مرحلة التقييم النهائي، وعادة في مثل هذه المشاريع يتم تحديد الميزانية النهائية بعد استكمال هذه المرحلة واعتماد التصميم النهائي.
لكن يمكن القول إن المشروع جزء من برنامج يمتد لعدة سنوات، ما يعني أنه استثمار متوسط إلى طويل الأجل في قطاع المياه.
—————————–
البنك الدولي يعتمد منحة بـ 225 مليون دولار لدعم قطاعي المياه والصحة في سوريا
نيسان 24, 2026
أعلن البنك الدولي، أمس الخميس 23 نيسان، موافقته على منحة تمويلية بقيمة 225 مليون دولار أمريكي من المؤسسة الدولية للتنمية، لدعم سوريا في تحسين تقديم الخدمات العامة في قطاعي المياه والصحة.
ويأتي ذلك من خلال مشروعين جديدين أقرّهما مجلس المديرين التنفيذيين للبنك، يهدفان إلى تحسين حياة السكان عبر ضمان حصولهم على المياه والصرف الصحي بشكل موثوق، ورفع فرص حصولهم على خدمات صحية عالية الجودة.
ومن المتوقع أن يستفيد من المشروعين نحو 4.5 مليون سوري في جميع أنحاء البلاد، وفق ما ذكر البنك الدولي عبر موقعه الرسمي.
ونقل الموقع عن مدير قسم الشرق الأوسط في البنك الدولي، جان كريستوف كاريه، قوله: “يُعدّ ترميم البنية التحتية المادية واستئناف تقديم الخدمات العامة الأساسية ركيزتين أساسيتين في بيان الأولويات الوطنية السورية”.
وأضاف كاريه: “مع مضي سوريا قدماً في مسيرتها نحو الاستقرار والتعافي، فإن تحسين الخدمات العامة في مختلف القطاعات سيعزز الظروف المعيشية، ويقوي التماسك الاجتماعي، ويسهل اندماج اللاجئين العائدين والنازحين داخلياً، وذلك دعماً لمبادرة الحكومة ‘لا مخيمات’”.
ويشمل المشروع الأول، “سوريا للأمن المائي الطارئ والخدمات المستدامة”، بقيمة 150 مليون دولار أمريكي، إعادة تأهيل البنية التحتية لإمدادات المياه والصرف الصحي في المناطق ذات الأولوية ذات الكثافة السكانية العالية والمتضررة من النزاع، وتلبية الاحتياجات العاجلة لسكان المدن، بمن فيهم اللاجئون العائدون والنازحون داخلياً.
وسيعمل المشروع على إعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية لمعالجة ونقل المياه في إدلب وحمص وحماة، وتحصينها ضد تغير المناخ، وتوفير معدات الطوارئ اللازمة لاستدامة الخدمات الأساسية، إلى جانب إعادة تأهيل البنية التحتية لمعالجة مياه الصرف الصحي في دمشق للحد من التلوث البيئي. كما ستدعم أنشطته تعزيز إدارة موارد المياه والقدرة على التكيف مع تغير المناخ عبر تقييمات سلامة السدود، وأنظمة معلومات المياه والمناخ.
أما المشروع الثاني، “إنعاش وتعزيز النظام الصحي في سوريا”، بقيمة 75 مليون دولار أمريكي، فسيعمل على تحسين وصول المواطنين إلى خدمات صحية عالية الجودة، وتعزيز القدرات العامة لنظام الصحة العامة في سوريا.
وسيعيد المشروع تقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية الأساسية، وخدمات صحة الأم والوليد والطفل والتغذية، في 150 مركزاً للرعاية الصحية الأولية ذات الأثر الكبير في جميع أنحاء سوريا، تخدم شرائح واسعة من السكان وتفيد الفئات الأكثر ضعفاً، بما في ذلك النازحون داخلياً والعائدون والأسر التي تعيلها نساء والمجتمعات المضيفة المهمشة.
وأوضح البنك أن اختيار مرافق الرعاية الصحية الأولية سيتم باستخدام نهج شفاف قائم على البيانات، يُعطي الأولوية للإنصاف والأثر والفعالية والقدرة على تقديم الخدمات وسهولة الوصول، كما سيعمل المشروع على تعزيز قدرات الصحة العامة في الكشف المبكر عن الأوبئة وحالات الطوارئ الصحية، والتأهب لها، والاستجابة لها، مع دعم الأنظمة المؤسسية والقوى العاملة اللازمة لضمان استدامة تقديم الخدمات بكفاءة.
المصدر: الإخبارية
—————————–
===========================
تحديث 23 نيسان 2026
—————————–
الحرب تضع سورية على خريطة نفط المنطقة: منفذ للبحر المتوسط/ محمد أمين
23 ابريل 2026
تتيح أزمة الملاحة عبر مضيق هرمز آفاقاً اقتصادية وفرصاً كبيرة أمام سورية التي تُطرح اليوم ممراً بديلاً للطاقة، ولا سيما من دول الخليج العربي والعراق.
وتضرب الولايات المتحدة، منذ أيام، حصاراً على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز أحد أهم شرايين إمدادات الطاقة في العالم، ما خلق أزمة عالمية دفعت بمخططين عسكريين من 30 دولة للاجتماع في العاصمة البريطانية لندن أمس الأربعاء واليوم الخميس، للبحث في سبل تضمن حرية الملاحة عبر هذا المضيق الذي يعد الطريق البحري أمام نقل النفط والغاز من دول الخليج وإيران إلى العالم.
وخلقت الأوضاع المضطربة في الخليج العربي منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أواخر فبراير/ شباط الفائت، فرصاً واعدة أمام سورية التي تُطرح اليوم طريقاً برياً بديلاً لتصدير النفط والغاز عبر موانئها على البحر المتوسط، والتي تبدو بدائل محتملة لمضيق هرمز الذي تغلقه إيران منذ بدء الحرب عليها.
وبدأ الجانب العراقي بالفعل، مطلع الشهر الجاري، تصدير النفط الأسود (زيت الوقود) بالحوضيات (الصهاريج) عبر سورية، وذلك من أجل دعم الاقتصاد الوطني وتوفير الإيرادات المالية لخزينة الدولة، وفق وزارة النفط العراقية. إلى ذلك، قالت الشركة السورية للبترول إن تدفق الفيول العراقي سيبلغ نحو 500 ألف طن متري شهرياً، يتم تصديره عبر ميناء بانياس على السواحل الشرقية للبحر المتوسط.
ونقلت وكالة “رويترز” عن مصادر عراقية لم تسمها، أن شركة تسويق النفط العراقية الحكومية أبرمت عقوداً لتصدير نحو 650 ألف طن متري من زيت الوقود شهرياً خلال الفترة الممتدة من إبريل/ نيسان إلى يونيو/ حزيران، على أن يتم نقل الشحنات براً عبر الأراضي السورية باستخدام الشاحنات.
وأعاد العراق أول من أمس فتح معبر “ربيعة” الحدودي مع سورية والذي ظل مغلقاً نحو 13 سنة، ما يجعل منه ممراً محتملاً للنفط إلى الموانئ السورية على المتوسط. ودفع الخلاف المحتدم حول مضيق هرمز العراق للعمل على إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك – بانياس، والمتوقف منذ عام 2003، وذلك بالتعاون مع الجانب السوري في خطوة تحمل الكثير من الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية.
ويعاني هذا الخط، الذي يعتبر واحداً من أقدم خطوط التصدير النفطي في المنطقة، من تقادم وضرر نتيجة التخريب الذي تعرض له خلال السنوات الفائتة سواء في سورية أو العراق. وبدأ العمل بهذا الخط عام 1952، بطول يقارب 800 كيلومتر وطاقة ضخ تصل إلى 300 ألف برميل يومياً من حقول النفط في منطقة كركوك شمال العراق إلى ميناء بانياس على ساحل البحر الأبيض المتوسط. وكان هذا الخط قد توقف عن العمل ما بين عامي 1982 و2000، قبل أن يُعاد تشغيله لمدة ثلاث سنوات ليتوقف منذ ذلك الحين عن العمل.
ويعد تأهيل هذا الخط وعودة الضخ من خلاله خياراً للجانب العراقي لتنويع نوافذه التصديرية عبر شواطئ المتوسط. ويوفر هذا الخط (في حال تشغيله) عوائد اقتصادية جَمّة لسورية ويضعها على خريطة الطاقة العالمية لكونها منفذاً للتصدير. وعودة الحديث عن هذا الخط ليست وليدة الأزمة الطارئة في خليج هرمز، فالجانبان العراقي والسوري شرعا منذ العام الفائت بخطوات إعادة تأهيله، إلا أنه من المتوقع تسريع هذه الخطوات في خضم الأزمة التي أحدثها الخلاف حول مضيق هرمز.
ويعتقد الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل، في حديث مع “العربي الجديد”، أن إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة “خلق فرصاً كبيرة أمام الاقتصاد السوري”، مضيفاً: الفرصة الأولى تمثلت في إمكانية تحول سورية إلى ممر عبور بديل لبعض السلع والطاقة القادمة من العراق باتجاه البحر المتوسط.
وبرأيه: “هذه الفرصة منحت الموقع السوري قيمة أكبر في تجارة الترانزيت الإقليمية، وأعادت إبراز أهمية الجغرافيا السورية في لحظة بحث الأسواق عن طرق بديلة خارج الخليج”. وتابع: الفرصة الثانية برزت في تنشيط قطاع النقل والخدمات اللوجستية داخل سورية، من الشحن البري إلى التخزين والتخليص الجمركي والخدمات المرافقة.
مذكرة التفاهم الثلاثية التركية- الأردنية- السورية، عمّان 7 أبريل 2026 (الأناضول)
وأشار المغربل إلى أن الفرصة الثالثة “ظهرت في ارتفاع أهمية المرافئ السورية على البحر الأبيض المتوسط”، مضيفاً: “تعطل المسارات الأخرى يعزز قيمة الموانئ البديلة القادرة على استقبال الشحنات أو إعادة توجيهها.
وهذا يمنح سورية هامشاً أوسع لتفعيل دورها البحري إذا استطاعت تحسين الجاهزية والاستفادة من التحولات الجارية”.
وبرأي المغربل أيضاً، فإن إغلاق مضيق هرمز خلق لسورية فرصة رابعة “تمثلت في إعادة طرح سورية ممرا محتملا في مشاريع الطاقة الإقليمية، سواء في نقل النفط أو المشتقات أو في أي ترتيبات مستقبلية تربط دول الخليج بالمتوسط”، مضيفاً: الأزمة رفعت من أهمية المسارات البرية والبدائل الاستراتيجية، ما يمنح سورية وزناً تفاوضياً أكبر في خرائط الطاقة والنقل.
وأوضح المغربل أن هناك فرصة خامسة “برزت في فتح مجال أوسع لتنشيط التجارة السورية مع دول الجوار، ليس فقط في مجال الوقود، بل أيضاً في تبادل السلع والبضائع والخدمات”، مضيفاً: هذا قد يمنح الأسواق السورية متنفساً إضافياً إذا جرى استثمار المعابر بوصفها نقاط ربط اقتصادي دائم لا مجرد حلول مؤقتة.
من جانبه، رأى الخبير الاقتصادي خالد تركاوي، في حديث مع “العربي الجديد”، أن الأزمة في منطقة الخليج التي خلقتها الحرب على إيران “دفعت العالم للبحث عن طرق بديلة لكل شيء منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية ولاحقاً الأزمة في مضيق باب المندب والآن مضيق هرمز”. وتابع: أعتقد أن سورية يمكن أن توفر طرقاً بديلة للغاز والنفط بسبب موقعها الجغرافي وقربها من العراق والخليج العربي، ما يؤهلها لتكون بديلاً جيداً في حال استمرار الأزمة في مضيق هرمز.
العربي الجديد
——————————
وزير النقل السعودي يعلن استكمال دراسة الربط السككي مع تركيا عبر الأردن وسوريا
قطار الشرق السريع يعود للحياة لربط السعودية بالأناضول تجارياً
الخميس 23 أبريل 2026
في “ولادة جديدة” لواحد من أكثر المشاريع التاريخية طموحاً في المنطقة، كشفت الرياض وأنقرة عن ملامح خطة استراتيجية لإحياء “روح” سكة حديد الحجاز.
إيلاف من الرياض: أعلن وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي، صالح الجاسر، عن اقتراب لحظة الحسم لمشروع الربط السككي التاريخي مع تركيا، مؤكداً استكمال الدراسات الفنية لهذا المشروع العملاق الذي سيمر عبر الأردن وسوريا قبل نهاية العام الجاري.
وأوضح الجاسر في تصريحات لقناة “العربية” أن المشروع يهدف إلى تعزيز التكامل الإقليمي وتحويل المملكة إلى نقطة ارتكاز دولية للنقل المستدام، خاصة وأن الشبكة السعودية وصلت بالفعل إلى “منفذ الحديثة” على الحدود الأردنية.
وعلى الضفة الأخرى، يبدو أن أنقرة تسير بذات الخطى المتسارعة؛ حيث أكد وزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال أوغلو، خطة بلاده لتمديد السكك الحديدية لتصل إلى مدينة حلب السورية. هذا التقارب السعودي التركي يُنظر إليه كإحياء عملي لخط سكة حديد الحجاز التاريخي الذي أُنشئ مطلع القرن العشرين ليربط دمشق بالمدينة المنورة، ولكن هذه المرة بأهداف لوجستية وتجارية تواكب متطلبات القرن الحادي والعشرين.
ويرى خبراء أن إعادة إحياء هذا الخط، الذي تضرر وتوقف لعقود، سيمثل ثورة في حركة التجارة البينية، إذ سيختصر المسافات والزمن بين المصانع التركية والأسواق الخليجية. كما أن اختيار “حلب” كنقطة التقاء يعيد للمدينة السورية دورها كعقدة مواصلات تاريخية، ويضع المنطقة أمام واقع جيوسياسي جديد عنوانه “السكك الحديدية” وسيلةً لتعزيز الاستقرار والتنمية الاقتصادية العابرة للحدود.
—————————–
الصناعات الغذائية.. بين منافسة المستورد وفرص الزراعة التعاقدية/ وفاء فرج
أبريل 23, 2026
تتجه الأنظار إلى الصناعات الغذائية في سوريا بوصفها أحد المفاتيح العملية لإعادة تنشيط الاقتصاد وتعزيز القيمة المضافة، في ظلّ بيئة إنتاجية تواجه ضغوطاً متزايدة ومنافسة مع المنتجات المستوردة.
ويبرز في هذا السياق مسار الزراعة التعاقدية كأداة تنظيمية قادرة على ربط الإنتاج الزراعي بالصناعة، وتحسين جودة المدخلات، وتعزيز الاستقرار الإنتاجي.
ومع تزايد المنافسة وتحديات الكلفة والتشريعات، تتشكل ملامح مرحلة جديدة للقطاع، تقوم على إعادة تنظيم سلاسل الإنتاج وتوسيع فرص التصدير ضمن مقاربات أكثر كفاءة وانضباطاً.
منافسة مع المنتجات المستوردة
أظهر تقرير لوزارة الاقتصاد والصناعة، حصلت صحيفة “الثورة السورية” على نسخة منه، أن عدد المنشآت الصناعية الغذائية المرخصة في عام 2025 بلغ 885 منشأة، والقائمة 153 منشأة، في حين بلغ عدد المنشآت الغذائية المنفذة وفق قانون الاستثمار مشروعاً واحداً.
كما بلغ عدد المشاريع الحرفية المرخصة 274 مشروعاً، نُفذ منها 66 مشروعاً حرفياً، في حين بلغ عدد المشاريع الغذائية المرخصة في المدن الصناعية مشروعين.
أما المنشآت المرخصة في المدن الصناعية فبلغت 105 منشآت، نُفذ منها 18 مشروعاً، في حين بلغ عدد المنشآت المنفذة وفق قوانين الاستثمار في المدن الصناعية مشروعاً واحداً.
ويرى رئيس القطاع الغذائي في غرفة صناعة دمشق، أسامة النن، أن الشركات العاملة في مجال الصناعات الغذائية، سواء كانت أجنبية أو مستثمرين، باتت تقتصر حالياً على عمليات الدراسة والتقييم لأسعار وتكاليف الإنتاج في سوريا، نظراً لارتفاعها الملحوظ مقارنة بالأسواق الخارجية، ما يحدّ من تدفق الاستثمارات الجديدة.
وقال النن لصحيفة “الثورة السورية”: رغم هذه الظروف، يحاول المستثمرون السوريون المغتربون توجيه نسبة محدودة من استثماراتهم الخارجية نحو سوريا، بهدف تأكيد حضورهم في السوق المحلية، نظراً للأهمية التي يمثلها القطاع الغذائي السوري، الذي يتمتع بتاريخ طويل وسمعة قوية عالمياً في مجال المنتجات الغذائية.
وأشار إلى أن المنتجات السورية تواجه منافسة كبيرة من قبل المنتجات التركية والأجنبية، مؤكداً في الوقت ذاته وجود جهود حكومية حثيثة لمعالجة هذا التحدي، من خلال العمل على فرض رسوم جمركية على المنتجات المستوردة، بهدف حماية المنتج الوطني وتعزيز قدرته التنافسية.
وتوقع النن أن يتجه الوضع نحو الأفضل، مع تزايد الجهود المبذولة لحماية الصناعة الوطنية ودعمها.
الزراعات التعاقدية
من جهته، يرى رئيس لجنة الكونسروة والطحينة في غرفة صناعة دمشق وريفها، سامر شولح، أن الصناعات الغذائية السورية تواجه حالياً “صدمة” نتيجة دخول البضائع الأجنبية بأسعار منخفضة وانتشارها في السوق، ما يفرض ضغوطاً على المنتج المحلي.
وأوضح شولح لصحيفة “الثورة السورية”: إن القوانين والأنظمة القديمة لا تزال تعيق تطور القطاع، مؤكداً في الوقت ذاته وجود فرص واعدة، خاصة في إعادة تأهيل المنشآت المتوقفة وجذب استثمارات جديدة.
وأكد ضرورة ربط الصناعة الغذائية بالقطاع الزراعي، معتبراً أن الزراعات التعاقدية هي الأسلوب الأمثل لتحقيق هذا الربط، وهو ما تتبعه دول الجوار والمنطقة مثل مصر بنجاح.
والزراعات التعاقدية هي نظام زراعي يقوم على اتفاق مسبق بين المزارع والمشتري مثل مصنع أو شركة أو جهة تصدير، قبل بدء الزراعة.
وأضاف شولح أن الزراعات التعاقدية تضمن توحيد المواصفات الزراعية من حيث البذور والحجم والمادة، ما يسهل على المصانع الحصول على مدخلات إنتاج موحدة وعالية الجودة، بعكس الزراعة التقليدية التي تعتمد على اجتهادات فردية.
وكشف أن المنتجات الغذائية الزراعية تُعد الأكثر تصديراً وتحظى بثقة المستهلك العالمي، لافتاً إلى أن منتجات مثل المكدوس والمخللات تحظى بموثوقية عالية.
وأشار إلى أن “قمر الدين” يُصدَّر بنحو 7000 طن سنوياً، معظمها إلى مصر، داعياً إلى تعزيز هذا القطاع لزيادة الصادرات.
تحديات قانونية ولوجستية
استعرض شولح أبرز التحديات التي تواجه الصناعات الغذائية، معتبراً أن “القوانين البالية” وعدم ترابط دوائر الدولة في اتخاذ القرارات من أبرز العقبات، لافتاً إلى أن بعض المخالفات قد تكون غير مبررة، وأن حجم العقوبة قد لا يتناسب مع حجم الخطأ.
كما سلّط الضوء على مشكلة الشحن التي تزيد من تكلفة المنتجات السورية مقارنة بالمنتجات المنافسة من مصر والأردن، حيث تصل تكلفة شحن حاوية من سوريا إلى روتردام إلى 2800 دولار، مقابل 700 دولار من مصر و1000 دولار من الأردن.
ولفت شولح إلى أن ارتفاع أجور العمالة يؤثر سلباً على الصناعات الغذائية المعتمدة على الأيدي العاملة، فيما يبقى التحديث الميكانيكي للمصانع مكلفاً وصعباً.
حذر وتباطؤ
يرى أمين سر غرفة صناعة حمص سابقاً – عصام تيزيني- أن المنشآت المنتجة للمواد الغذائية مستمرة في عملها لكن بوتيرة بطيئة، مبيناً أن بعض المنشآت توقفت فعلياً عن العمل بسبب المنافسة مع المنتجات المستوردة.
وقال تيزيني لصحيفة “الثورة السورية” :إن التحدي الأكبر الذي يواجه الصناعات الغذائية يتمثل في دخول منتجات مماثلة إلى السوق بعد أن كانت ممنوعة سابقاً، ما يفرض ضغطاً تنافسياً كبيراً على المنتجات المحلية.
وأضاف أن الصناعات الغذائية الثقيلة غير موجودة في سوريا، وأن التركيز ينصب على عمليات التعبئة والتغليف.
وأكد تيزيني عدم وجود استثمارات كبيرة أو مصانع حديثة لإنتاج المواد الخام على غرار المصانع الأوروبية، مشيراً إلى أن الحذر والتباطؤ يسيطران على القطاع الصناعي، بما في ذلك الصناعات الغذائية، نتيجة الظروف الاقتصادية العامة وصعوبة تأمين المواد الخام.
إدارة موارد ذكية
أكد الخبير التنموي والزراعي أكرم عفيف، أن إدارة وتصنيع المنتجات الزراعية في سوريا تتطلب “إدارة موارد ذكية” قادرة على تحويل الإنتاج الزراعي من حالته الأولية إلى منتجات صناعية قابلة للتخزين والتسويق محلياً وعالمياً، عبر تقنيات مثل التعبئة والتغليف والتجفيف والتفريغ من الهواء، وتحويلها إلى منتجات كالمخللات والمكثّفات والعصائر، مع ضرورة توسيع التصنيع ليشمل مختلف المواسم والمحاصيل.
وأوضح عفيف لصحيفة “الثورة السورية” أن المنتجات الزراعية المحلية تمتلك ميزة تنافسية بفضل الظروف الطبيعية، ما يستوجب استثمارها بالشكل الأمثل لضمان جودة المنتج النهائي.
كما أشار إلى أهمية التوسع في زراعات جديدة إلى جانب المحاصيل التقليدية، لافتاً إلى أن تطوير قطاع التصنيع الزراعي يسهم في خلق فرص عمل واسعة، ويتطلب إدارة فعّالة للموارد، لا سيما المياه، مع التركيز على إنتاج خالٍ من الأسمدة والمبيدات لتعزيز القدرة التنافسية عالمياً.
واعتبر أن الاستثمار في التصنيع الزراعي يمثّل مفتاح الاكتفاء الذاتي وزيادة الصادرات ودفع التنمية الاقتصادية.
الصناعات الزراعية
تمثل الزراعة والصناعات الزراعية التصديرية قاطرة التعافي والتنمية في سوريا، وفق ما أكده الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، مستنداً إلى المزايا التنافسية التي تتمتع بها البلاد من موقع جغرافي وتنوع مناخي، وهي كفيلة بتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي بوصفه أساس التنمية والسيادة.
وأوضح عياش لصحيفة “الثورة السورية” أن القطاع الزراعي، الذي كان يسهم بنحو 35 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، شهد تراجعاً إلى 27 بالمئة حتى عام 2005، ثم إلى 17 بالمئة نتيجة للسياسات الخاطئة المتراكمة، إضافة إلى الظروف الطبيعية القاسية كتعاقب فترات الجفاف، وتداعيات الحرب.
وشدد على أن القطاع الزراعي هو الأكثر قدرة على التعافي السريع والأكثر قابلية لزيادة الإنتاجية، لكن لتحقيق هذا التعافي واستعادة دوره التنموي، لا بدّ من مراعاة نقطتين جوهريتين: الأولى تتعلق بمدخلات الإنتاج الزراعي، والثانية ترتبط بمخرجاته.
وتتضمن النقطة الأولى تبني الزراعات التعاقدية كشرط لازم للتنمية الزراعية، لضمان استقرارها وتخفيف مخاطرها والحفاظ على استدامتها.
ويعني ذلك اعتماد التقنيات الزراعية المتطورة في مختلف مراحل المنظومة الزراعية، بدءاً من اختيار الأنواع الملائمة لمتغيرات المناخ وزيادة الإنتاجية في وحدة المساحة، مروراً بالري الذي يهدف إلى الاستغلال الأمثل للموارد المائية المحدودة، وصولاً إلى تحسين عمليات الحصاد.
كما تشمل التخطيط للإنتاج الزراعي للاستهلاك المحلي وللتصدير، وتنظيم النشاط الزراعي عبر شركات مساهمة زراعية قادرة على تجاوز عقبة صغر الحيازات، وتحقيق التنميط في الإنتاج، وتأمين التمويل المناسب، وفق عياش.
ومن الضروري أيضاً تحويل الدعم المخصص للإنتاج الزراعي من دعم المدخلات إلى دعم المخرجات، خاصة للمحاصيل الاستراتيجية والتصديرية، بما يضمن ضبط الهدر ومكافحة الفساد، ووصول الدعم إلى مستحقيه، وتحقيق الأهداف التنموية المرجوة، بما ينعكس إيجاباً على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية والديموغرافية.
أما النقطة الثانية- بحسب عياش- فتتكامل مع الأولى، وتركز على الصناعات الزراعية التصديرية التي تضمن تكامل سلاسل القيمة المضافة وتعظيمها.
وتُعد هذه الصناعات الأكثر قدرة على الاستثمار الأمثل للمزايا النسبية التي تتمتع بها سوريا على مستوى القطاعات الزراعية والصناعية والتجارة الخارجية.
وأشار عياش إلى أن الصناعات الزراعية تنقسم إلى شقين: الأول: يتعلق بالصناعات الخاصة بمدخلات واحتياجات الزراعة، كالبذور والأسمدة والأدوية والأعلاف والمكننة الزراعية وخطوط الإنتاج الزراعي، وما تتطلبه من دراسات وبحوث تخصصية وتقنيات متطورة.
أما الشق الثاني: فيتعلق بالصناعات الخاصة بمخرجات الزراعة بشقيها النباتي والحيواني، من تصنيع غذائي ونسيج وألبسة وجلديات، إضافة إلى خدمات ما بعد الحصاد كالفرز والتوضيب والتدريج والتشميع والتبريد.
وشدد عياش على ضرورة اعتماد مفهوم “العلامة التجارية الجغرافية” في تسويق المنتجات الزراعية السورية بالأسواق الدولية، بما يعزز خصوصية المنتج وسمعته.
ومع إضافة الخدمات واللوجستيات المرتبطة كالنقل والتمويل والتأمين والتصدير، تتشكل رافعة تنموية على مستوى الاقتصاد الكلي، قادرة على دعم التعافي وتحقيق تنمية مستدامة في سوريا.
الثورة السورية
—————————–
من التراجع إلى إعادة الانفتاح.. مؤشرات العلاقات الاقتصادية بين سوريا والاتحاد الأوروبي/ عزة شتيوي
أبريل 23, 2026
يتجه الاتحاد الأوروبي نحو إعادة تفعيل قنوات التعاون مع سوريا، في مسار يعكس تحول المقاربة الأوروبية بعد سنوات من القطيعة، مع تركيز متزايد على الاقتصاد ومشاريع الربط الإقليمي.
واقترحت المفوضية الأوروبية استئناف العمل الكامل باتفاقية التعاون المبرمة مع سوريا عام 1978، في خطوة تهدف إلى تعزيز التعاون قبيل انعقاد محادثات رسمية مع الحكومة السورية الشهر المقبل.
وأرسلت المفوضية، الإثنين، مقترحاً إلى المجلس الأوروبي لإعادة تفعيل الاتفاقية التي كانت معلّقة منذ عام 2011، على خلفية انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها النظام المخلوع، مشيرة إلى أن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وسوريا دخلت مرحلة جديدة.
ولفتت إلى أن هذه الخطوة تأتي بعد رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا في أيار الماضي.
وفي حال اعتماد المقترح رسمياً، سيتم إبلاغ الحكومة السورية بذلك، في خطوة تحمل دلالات سياسية قبيل انعقاد الحوار السياسي رفيع المستوى بين الجانبين، المقرر في 11 أيار المقبل.
وأكدت المفوضية أن التعاون مع سوريا سيُسهم في تلبية الاحتياجات الإنسانية ودعم جهود التعافي الاقتصادي.
وبحسب تفاصيل المقترح الذي اطلعت عليه وكالة “رويترز”، تتضمن الخطة تعزيز الشراكة الاقتصادية عبر إطار للتجارة والاستثمار، وتحفيز تمويل القطاع الخاص، ودعم الإصلاحات لتحسين بيئة الأعمال من خلال مركز جديد للمساعدة التقنية.
كما تشمل الخطة طموحات لدمج سوريا في مشاريع الربط الإقليمي، مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، بما يعزز دورها كمركز للنقل والطاقة والروابط الرقمية، إلى جانب العمل على تسهيل “العودة الآمنة والطوعية والكريمة” للاجئين.
ويشير المقترح أيضاً إلى إمكانية دعم الاتحاد الأوروبي تدريب الشرطة السورية وبناء القدرات المؤسسية في وزارة الداخلية، إضافة إلى التعاون في مكافحة الإرهاب ومواجهة تهريب المخدرات والجريمة المنظمة.
اتفاقيات وسياسات
أوضحت المفوضية أن اتفاقية عام 1978 شكلت إطاراً للتعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا منذ إقرارها، حيث دعمت التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سوريا، وعززت العلاقات التجارية بين الطرفين.
وأضافت أن الاتفاقية تلغي الرسوم الجمركية على واردات معظم المنتجات الصناعية السورية إلى الاتحاد الأوروبي وتمنع فرض قيود كمية على التبادل التجاري بين الجانبين.
حتى عام 2011، كانت العلاقات الثنائية بين الاتحاد الأوروبي وسوريا تُدار بموجب هذه الاتفاقية. كما تفاوض الجانبان على اتفاقية شراكة جديدة لتحل محل اتفاقية التعاون، ولتأسيس علاقة أقرب في إطار الشراكة الأوروبية–المتوسطية التي أُطلقت بموجب إعلان برشلونة عام 1995.
وقد تم التوقيع الأولي على اتفاقية الشراكة أواخر عام 2008، لكنها لم توقع بشكل نهائي، بسبب مخاوف تتعلق بسجل النظام المخلوع في مجال حقوق الإنسان. كما تم تعليق جزء من اتفاقية التعاون عام 2011 نتيجة القمع الذي مارسه النظام المخلوع في ذلك الوقت، حيث شمل التعليق تطبيق الاتفاقية على بعض السلع، لا سيما المنتجات النفطية والمعادن والأحجار الثمينة.
كما تعد سوريا واحدة من دول ما يُعرف بـ”الجوار الجنوبي” للاتحاد الأوروبي، ضمن سياسة الجوار الأوروبي، والتي تشمل الدول العربية المطلة على البحر الأبيض المتوسط والأردن. ومع ذلك، لا تملك سوريا اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي.
وأنشأ الاتحاد الأوروبي شراكة مع الضفتين الشرقية والجنوبية للبحر المتوسط عام 1995، مع إطلاق الشراكة الأوروبية–المتوسطية خلال مؤتمر برشلونة، بهدف إقامة منطقة من السلام والاستقرار والازدهار الاقتصادي، تقوم على احترام القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
لكن بعد القمع العنيف للثورة السورية عام 2011، علّق الاتحاد الأوروبي تعاونه مع الحكومة السورية ضمن إطار سياسة الجوار الأوروبي، وفق المفوضية.
بعد التحرير أواخر 2024، أعلن الاتحاد الأوروبي وقوفه إلى جانب الشعب السوري، مع تكثيف انخراطه لدعم انتقال سلمي وشامل بقيادة سورية، ومعالجة الاحتياجات الإنسانية، والمساهمة في جهود التعافي الاقتصادي.
وعلّق الاتحاد الأوروبي في شباط 2025 العقوبات المفروضة على قطاعات اقتصادية رئيسية (الطاقة والنقل)، كما أدخل استثناءات جديدة سمحت بإعادة انخراط القطاع المصرفي مع سوريا في هذه القطاعات، وإجراء المعاملات اللازمة لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
وفي أيار 2025، رفع الاتحاد الأوروبي عقوباته الاقتصادية عن سوريا، مع الإبقاء على العقوبات المفروضة على رموز النظام المخلوع وأعوانه، إضافة إلى العقوبات ذات الطابع الأمني.
اعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي في حزيران الماضي استنتاجات تحدد موقفه من التحديات التي تواجه سوريا، مؤكداً استعداده للتواصل مع الحكومة الانتقالية في الأطر الإقليمية والدولية، وداعياً إلى احترام وحدة سوريا وسيادتها، مع إدانة أي تدخلات أو عمليات عسكرية أجنبية أو محاولات لتقويض الاستقرار.
وشدد المجلس على أن إعادة إعمار سوريا تتطلب جهوداً طويلة الأمد، بالتوازي مع استمرار التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، ودعا المجتمع الدولي إلى تكثيف الدعم السياسي والمالي.
وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي قدّم خلال السنوات الماضية نحو 37 مليار يورو كمساعدات إنسانية وتنموية واقتصادية، معبّراً عن قلقه من استمرار الوضع الإنساني في البلاد.
العلاقات السورية الأوروبية بالأرقام
قبل عام 2011، كان الاتحاد الأوروبي أحد أبرز الشركاء التجاريين لسوريا، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين أكثر من سبعة مليارات يورو في عام 2010. ومع اندلاع الثورة السورية في العام ذاته وما تبعها من قمع وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، فرض التكتل إجراءات تقييدية أحادية على النظام المخلوع، شملت حظراً نفطياً وقيوداً تجارية وتجميداً لبعض الأصول السورية، مع استثناء المواد الغذائية والمعدات الطبية والأدوية من هذه العقوبات، وفق المفوضية.
وأدت الإجراءات التقييدية المفروضة منذ عام 2011 إلى تراجع حاد في حجم التبادل التجاري، حيث اقتصر في معظمه على المساعدات الإنسانية بدلاً من الأنشطة التجارية.
وتُظهر المؤشرات أن حصة سوريا من إجمالي تجارة الاتحاد الأوروبي تبقى محدودة للغاية، مع بقاء النشاط التجاري عند نطاق يتركز في سلع أساسية.
وفي عام 2024، تراجع إجمالي تجارة السلع بين الاتحاد الأوروبي وسوريا إلى نحو 368 مليون يورو، فيما بلغت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى سوريا 265 مليون يورو في عام 2023، مقابل واردات من سوريا بقيمة 103 ملايين يورو خلال العام نفسه.
وتشير البيانات إلى أن هيكل التجارة يميل بشكل واضح نحو المنتجات الزراعية والصناعية، إذ تشكّل المنتجات الزراعية نحو 88.3 بالمئة من واردات الاتحاد الأوروبي من سوريا، مقابل 11.7 بالمئة للمنتجات الصناعية.
وفي المقابل، تمثل المنتجات الصناعية نحو 74.2 بالمئة من صادرات الاتحاد الأوروبي إلى سوريا، مقابل 25.8 بالمئة للمنتجات الزراعية.
فيما يتعلق بتجارة السلع، تشير البيانات إلى أن واردات الاتحاد الأوروبي من سوريا استقرت عند نحو 0.1 مليار يورو خلال الفترة 2022–2024، فيما بلغت صادرات الاتحاد إلى سوريا نحو 0.3 مليار يورو خلال الفترة نفسها، مع تسجيل فائض تجاري لصالح الاتحاد الأوروبي تراوح بين 0.1 و0.2 مليار يورو سنوياً خلال هذه الفترة.
كما تُظهر بيانات تجارة الخدمات أن واردات الاتحاد الأوروبي من الخدمات السورية بلغت نحو 0.2 مليار يورو في 2021 و2022، وارتفعت إلى 0.4 مليار يورو في 2023، في حين استقرت صادرات الاتحاد إلى سوريا عند 0.1 مليار يورو خلال السنوات الثلاث، ما أدى إلى رصيد سلبي لصالح الاتحاد بلغ -0.1 مليار يورو في 2021 و2022 و-0.3 مليار يورو في 2023.
أما الاستثمار الأجنبي المباشر، فقد سجلت الأصول الواردة من سوريا إلى الاتحاد الأوروبي نحو 0.2 مليار يورو في 2023، مقابل أصول صادرة من الاتحاد إلى سوريا بلغت 0.8 مليار يورو، ما رجح الكفة لصالح الاتحاد الأوروبي بنحو 0.6 مليار يورو.
جسور الاقتصاد على مياه المتوسط
لطالما شكّلت الروابط التاريخية بين سوريا وأوروبا، إضافة إلى الموقع الجغرافي، ممراً أساسياً للتبادل التجاري، حيث أسهم النشاط عبر البحر المتوسط في رسم ملامح هذه العلاقة.
ويرى الباحث والمحلل السياسي فراس علاوي، أن العلاقة بين سوريا وأوروبا يمكن تقسيمها إلى أبعاد عدة، إلا أن العامل الجغرافي يبقى الأساس في تشكيلها، لا سيما من الناحية الاقتصادية.
وأوضح علاوي لصحيفة “الثورة السورية”، أن الدول العربية المطلة على البحر المتوسط، لا سيما سوريا، لطالما اعتُبرت منافذ للتجارة الممتدة من شرق وجنوب شرق آسيا ومنطقة الخليج العربي نحو أوروبا، حيث شكّلت الموانئ السورية بوابة عبور إلى الأسواق الأوروبية.
وأضاف أن هذه الموانئ شكّلت في فترات سابقة إحدى قنوات الدخول الأوروبي إلى سوريا، بما في ذلك خلال فترة الانتداب الفرنسي، مشيراً إلى أن العلاقات مع الدول الأوروبية ارتبطت تاريخياً بأطر التعاون ضمن دول حوض المتوسط.
وفي السنوات الأخيرة، اتسمت هذه العلاقة بالتوتر نتيجة سياسات النظام المخلوع، لا سيما ما يتعلق بملف اللاجئين، حيث لجأ مئات آلاف السوريين إلى أوروبا، ما شكّل ضغطاً على الحكومات الأوروبية.
وزاد من هذا الضغط انتشار عمليات تهريب المخدرات، بما في ذلك “الكبتاغون”، من سوريا إلى أوروبا، الأمر الذي انعكس على أمن الدول الأوروبية.
وأشار علاوي إلى أن الحديث عن إعادة العلاقات ورسم شكلها يعني وجود توجه لإعادة ربط سوريا بأوروبا عبر مسارات عدة، منها المسار السياسي القائم على استئناف العلاقات السياسية والدبلوماسية مع الحكومة السورية، بما يسهم في تسهيل التواصل والتعاون بين الجانبين.
كما يشمل ذلك المسار الاقتصادي، إذ ترى الدول الأوروبية في سوريا فرصة استثمارية لشركاتها وقطاعاتها المختلفة لتنفيذ مشاريع داخل البلاد، خاصة في ظل التراجع الاقتصادي بشكل عام.
وفي ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه الدول الأوروبية، تُعد سوريا واحدة من أبرز فرص الاستثمار في المنطقة. كما يرتكز التقارب الأوروبي السوري أيضاً على معالجة ملف اللاجئين، بحيث يصبح هذا الملف أحد أدوات التعاون بين الجانبين، خاصة في ظل سعي اليمين الأوروبي إلى توظيفه سياسياً والضغط على المجتمعات الأوروبية.
وأكد علاوي أن إعادة العلاقات مع أوروبا تمثل مصلحة سورية أوروبية مشتركة، بين دول تتقاسم الجغرافيا والتاريخ.
قدرات أوروبية ومقومات سورية
يشكل الاتحاد الأوروبي قوة اقتصادية ضخمة تحتل المرتبة الثانية عالمياً، وهو تكتل اقتصادي يمتلك خبرات تكنولوجية وعملية وإدارية وقانونية واستشارية عالية، يمكن الاستفادة منها بشكل كبير في سوريا، بحسب ما قال المحلل والخبير الاقتصادي رضوان الدبس، لصحيفة “الثورة السورية”.
وأوضح الدبس أن من مبادئ الاتحاد الأوروبي تقديم الخبرات والحلول والخدمات الاستشارية والتقنية أكثر من تقديم الدعم المادي، مشيراً إلى أن سوريا اليوم بحاجة إلى هذا النوع من الدعم بعد 14 سنة من الحرب، وقبلها سنوات طويلة من الفساد الإداري والمالي والتقني.
وأضاف أن التوجه الأوروبي يتحدث عن دعم القطاع الخاص في سوريا، وهو دعم مهم وناجع، باعتبار أن القطاع الخاص هو القطاع المنتج.
ودعا الدولة السورية إلى استقطاب القطاع الخاص الأوروبي الغني بالمستثمرين والشركات، لا سيما في مجالات التقنيات والطاقة والتصنيع والعقارات والقطاع الطبي، مشيراً إلى حاجة سوريا إلى هذه الاستثمارات.
وكما ورد في الوثيقة، يركز الأوروبيون على هذه المجالات لسببين رئيسيين: الأول هو الموقع الجغرافي لسوريا وأهميته الاقتصادية، إذ تقع في قلب شبكة ربط بين تركيا والعراق وإيران ودول الخليج والأردن ومصر وأفريقيا، والثاني هو اهتمام أوروبا بمشاريع الربط الإقليمي وسلاسل التوريد.
وأشار الدبس إلى أن قطاعات كبرى مثل السكك الحديدية والنقل الجوي والبري والبحري تمثل محاور أساسية، حيث تمتلك سوريا موانئ على البحر المتوسط قريبة من أوروبا وأفريقيا، ما يتيح لها أن تكون مركزاً لوجستياً في حال تطوير البنية التحتية.
ولفت إلى أن الموانئ تحتاج إلى إعادة إعمار، والمطارات إلى توسعة وترميم، وشبكات النقل البري إلى إعادة تأهيل.
وبحسب الدبس، يوجد خطان رئيسيان للسكك الحديدية: الأول يربط إسطنبول (تركيا) بسوريا والأردن وصولاً إلى غرب السعودية، والثاني من سوريا إلى الأردن وصولاً إلى شمال وشرق السعودية والخليج العربي.
ورأى أن تشغيل هذه الخطوط، في حال تنفيذه، قد يوفر بديلاً جزئياً عن مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، بحيث يمكن أن تصل البضائع خلال يومين أو ثلاثة إلى الموانئ السورية ومنها إلى أوروبا وأميركا.
وأكد الدبس أن سوريا تمتلك مقومات حل إقليمي بموقعها، لكنها تحتاج إلى تطوير الخدمات والبنية التحتية في مختلف القطاعات، بما يشمل الكهرباء والإنترنت والتشريعات والقوانين، التي تُعد ضرورية لحماية الحقوق وتنظيم العمل، إضافة إلى تطوير القطاع المصرفي وعمليات الرقمنة لمواكبة النظام المالي العالمي في حركة الأموال والتحويلات.
واعتبر أن هذه العملية يمكن أن يدعمها الاتحاد الأوروبي، فيما تبقى عودة اللاجئين عاملاً مهماً، في ظل حاجة سوريا إلى الخبرات واليد العاملة، خاصة أن الاتحاد الأوروبي يتحدث عن أعداد كبيرة من السوريين خارج سوق العمل، ما يفتح المجال لتنسيق يتيح خيارات العمل أو العودة والاستفادة من هذه الطاقات داخل البلاد.
الثورة السورية
————————
إطلاق سوق دمشق للعملات والذهب لتعزيز الاستقرار المالي
الخميس 2026/04/23
أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية عن إنشاء سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب، في خطوة وصفها بالمفصلية ضمن مسار تطوير السياسة النقدية وتعزيز الاستقرار المالي في البلاد، وذلك استناداً إلى قرار قرار رئاسة مجلس الوزراء السوري رقم 189 لعام 2025.
وأوضح في منشور عبر صفحته على “فيسبوك”، أن السوق الإلكترونية الجديدة ستُطلق للمرة الأولى في سوريا وفق معايير دولية، وتهدف إلى تنظيم عمليات تداول العملات الأجنبية والذهب وتوحيد مرجعية الأسعار، بما يسهم في الحد من التشوهات في السوق ويعكس قوى العرض والطلب بشكل دقيق وفوري.
وأشار الحصرية إلى أن المنصة ستعزز مستوى الشفافية من خلال توفير بيانات موثوقة وتحديثات مستمرة، ما يدعم ثقة المتعاملين ويحدّ من المضاربات غير المنظمة، إلى جانب المساهمة في القضاء على السوق السوداء والأسواق الموازية، للمرة الأولى منذ أكثر من سبعين عاماً.
منصة حديثة
وبيّن أن إدارة السوق ستتم عبر منصة حديثة تُحدَّث وفق المعايير الدولية، وبمشاركة جهات ملتزمة بهذه المعايير، ما يوفر بيئة تداول متطورة تعتمد أفضل الممارسات العالمية، ويعزز كفاءة سوق القطع الأجنبي والذهب ويخدم أهداف الاستقرار النقدي.
وأكد الحصرية أن هذه الخطوة تأتي ضمن حزمة إجراءات أوسع لإعادة تنظيم سوق الصرف والمهن المالية المرتبطة به، مشدداً على استمرار المصرف في تنفيذ استراتيجيته الهادفة إلى تحقيق التوازن في سوق الصرف ودعم مسار التعافي الاقتصادي
—————————–
===========================



