العدالة الانتقاليةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

العدالة الانتقالية تحديث 30 نيسان 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العدالة الانتقالية

تحديث 30 نيسان 2026

عاطف نجيب خلف ذلك كلّه/ زياد بركات

30 ابريل 2026

بينما كان مئات الآلاف من السوريين يتخبّطون في وحل العالم وانعدام حسّه الأخلاقي، كان عاطف نجيب في خلفية المشهد دائماً، لا بشّار الأسد، بل ابن خالته. هناك دائماً حجر صغير يَعلَق في كعب الحذاء ويسبّب الألم، وربّما الوقوع أرضاً، تماماً مثل عاطف نجيب الذي كان وراء كل شيء.

ثمّة من يُعيد السبب إلى طبيعة النظام، إلى وحشيّته ومراهقته التي لا تقيم وزناً لشيء، والحال هذه يكون عاطف نجيب تكثيفاً لهذه الحالة الشاذّة التي مرّ بها شعبٌ عظيم، تشرّد نحو نصفه في الأرض، وقضى بعضهم في البحار وعلى اليابسة، وقُتل آخرون بكلّ سلاح توفّر بين يدي نظامهم السياسي.

كنتَ تسمع دبيبَ الخوف، ذلك البكاء الصامت الذي يجرح قعر الروح، ذلك اليأس الذي مزّق قلوبهم، والشوق الجارف الذي ظنّوه مستحيلاً: أن ينتهي ذلك الكابوس، فيعودون مثل بقية شعوب الأرض مجرّد مواطنين في منطقة الشرق الأوسط، يعانون القمع السياسي مثل غيرهم، ومن الفساد والظلم، لكن ليس من الإفناء الممنهَج، لا لشيء إلا لأنّهم سوريون.

وراء ارتجافة اليدَين هناك التهذيب الزائد عن الحدّ، لأنّ عليهم أن يتدبّروا أمورهم في بلاد الناس، والخوف في الليل، لأنّ ثمّة دوريات قد تجدهم وهم يبحثون عن عمل، أو ملجأ يخلدون فيه إلى النوم. خلف ذلك كان عاطف نجيب، العلامة الفارقة في بلاد لم تعرف سوى القتل والإذلال نحو 14 عاماً بلا توقف، وبلا أمل في أحيانٍ كثيرة.

عندما تنظر إلى الخلف، ترى أنّهم مجرّد أطفال مثل مئات الملايين غيرهم، وأنّها مجرّد مدرسة، وأنّها مجرّد مدينة في هذا العالم الكبير، وأنّ رجلاً مثله كان بمقدوره تغيير الصورة لو كان مجرّد أبٍ مثل غيره على هذه الأرض، لكنّه لم يكن. لقد تملّكته تلك الغطرسة التي أعمت بقية رجال نظامه، فمن هؤلاء؟ مجرّد فلّاحين وعشائر صغيرة تظنّ أنّ لوجودها معنى في غياب “السيّد الرئيس”، والأخير ليس فرداً، بل حالة تستعصي على أريكة سيغموند فرويد نفسه.

لقد عذّبهم، ثمّ أهان آباءهم، واقترح إبدالهم بآخرين من نظامه لإنجاب أطفالٍ غيرهم لا يكتبون على جدران مدارسهم أنّ “الشعب يريد…”.

يظهر أحد أولئك الأطفال (معاوية صياصنة) في تقرير تلفزيوني، في نحو الثلاثين من عمره أو أقلّ، وما زال لا يستطيع أن يُعبّر بما يكفي عن كثافة تلك اللحظة التي نقلت بلاده من زمن إلى آخر، من الصمت على الطغاة إلى الإصغاء الفطري لنداءات الحرّية والانعتاق.

أحياناً كثيرة، تفكّر بل تتساءل: لماذا لا تستطيع الضحيّة التعبير بما يكفي عن نفسها؟ ألأنّ آلامها أكبر من أن تُحشر في لغة؟ ألأنّ للألم لغة أخرى؟ في الملامح التي يختلط فيها الانكسار بالرغبة المكبوتة في الانتقام، في التنحّي جانباً وبعيداً عن الناس، ثمّ التكوّم حول النفس إلى أن يصبح الجسد كلّه كتلة أصغر بلا ملامح، كأنّه يرغب في مغادرة اللحظة، ثمّ الحياة والكون كلّه؟

خلف ذلك، كان عاطف نجيب الذي عذّب سورية وليس أطفال درعا وحسب، وأهان معنى وجودها.

كان بإمكان بشار الأسد أن يقيله على الفور، لكنّه تأخّر عن محاكمته وسجنه، وعن أن يخترع سيناريو محكماً، وإن كان زائفاً يُظهره غاضباً من أجل شعبه، لكنّه لم يفعل، لقد فاتته الفرصة بأن يستفيد من صناعة الدراما السورية الحاذقة في الضحك على الذقون في عهد والده، لقد فاتته فرصة البقاء. خلف ذلك كان عاطف نجيب أيضاً وأيضاً… فالأخير لم يكن مجرّد نفسه، ليس فرداً، بل حالة تكثّفت فيها “الأسدية” في ذروة استخفافها وتجبّرها، فثمّة نخبوية ألغت من يفترض أن تمثّله، وهو الشعب أو الطبقة، وأصبحت أضيق حتى من أن تمثّل العائلة الصغيرة في نهاية المطاف، وثمّة نرجسية منتفخة وممتلئة بسادية سوداء، ربّما لو أُخضعت للتحليل النفسي لأعجزته، انتهت بانفجار الفقاعة وهروب الأسد نفسه بعد أن ترك بقيّة “الرفاق” لمصيرهم.

خلف ذلك كان عاطف نجيب. لو تصرّف كما يفعل الآباء حين أُحضر إليه أطفال درعا، مثل أي رجلٍ أنجبته أمّ ظلّت ترتجف خوفاً عليه من النوائب وهو يكبر أمام عينيها، لو فعل هذا لجنّب شعبه تلك المجزرة المهولة التي لم يحدُث لها مثيل في بقية الدول والأمصار.

العربي الجديد

————————————-

 هيئة العدالة الانتقالية تحضّر لرفع قضية ضد فادي صقر

الخميس 2026/04/30

قالت صحيفة “الغارديان” البريطانية إن هيئة العدالة الانتقالية السورية تحضر لبناء قضية ضد قائد الدفاع الوطني سابقاً فادي صقر، وهو المتهم بأنه أحد المتورطين بارتكاب “مجزرة حي التضامن” في جنوب العاصمة دمشق، وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

القضاء من سيقرر

وأفادت نائبة رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والمستشارة في وزارة الخارجية السورية، زهرة البراري، للصحيفة إن اللجنة تعمل مع الضحايا لبناء قضية ضد صقر، لافتةً إلى أنه على الرغم من أن اللجنة عينت من قبل السلطة، فإنها “هيئة مستقلة ستحيل نتائجها إلى القضاء السوري، الذي سيقرر بدوره ما إذا كان سيتابع القضية أم لا”.

وأضافت البراري “هناك أدلة كافية تماماً ضد صقر، كما أننا نعمل مع منظمات وثقت الكثير من هذه الأمور، لقد كان مفيداً لأسباب معينة، ولم يعد كذلك، لا أحد فوق القانون”.

وأوضحت أن خطط بناء قضية ضد صقر كانت قائمة منذ عدة أشهر، وخلال هذه الفترة ارتفعت الكلفة السياسية للإبقاء على قائد الميليشيا السابق. وقالت: “أعتقد أن هناك إدراكاً حقيقياً بأن المكاسب منه، عند موازنتها مع التوتر الذي كان يسببه لدى الجمهور، لا تستحق ذلك، اعتقال يوسف ساعد في دفع هذا الملف إلى الواجهة”.

التعاون مع صقر

وتعاونت السلطات السورية مع صقر، عقب سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، في ملفات أمنية، ما أثار غضب الضحايا الذين كانوا يسعون إلى محاسبته على الجرائم المنسوبة إليه.

وعلى الرغم من كون أمجد يوسف هو الاسم سيئ السمعة الأبرز بفعل المقاطع المصورة التي تظهره وهو يرتكب جرائمه، إلا أن سكان حي التضامن أكدوا منذ فترة طويلة أن هناك العديد من الجناة الآخرين، بمن فيهم عناصر من قوات الدفاع الوطني التي كانت تحت قيادة فادي صقر، كما طالبوا خلال الاحتفالات باعتقال يوسف، يوم الجمعة الماضي، باعتقال صقر.

وقال الناشط في لجنة تنسيق التضامن التي وثقت المجازر في الحي، أحمد الحمصي، إن يوسف كان “جندياً مقارنة بفادي صقر، في التضامن لم يحدث شيء بلا أوامر من فادي صقر، سواء كانت عمليات سلب أو اعتقالات أو إخفاءات أو قتل، كان هو المسيطر، وكان يعلم بكل شيء”.

إلا أن صقر نفى لـ”الغارديان” مسؤوليته عن المجازر، قائلاً إنه لم يعلم بالمجزرة إلا من خلال وسائل الإعلام، مؤكداً أنه يثق في المسار القضائي السوري.

وأضاف “يجب معاقبة أي شخص يثبت ارتكابه جرائم ضد الإنسانية، وصمتي تجاه الحملات ضدي نابع من رغبتي في عدم التأثير على مجرى التحقيقات”.

وتابع صقر، بأنه أصبح قائداً لقوات الدفاع الوطني في دمشق في حزيران/يونيو 2013، أي بعد شهرين من تسجيل المقاطع المصورة لما فعله أمجد يوسف، إلا أن “الغارديان” راجعت تسجيلات مصوّرة غير منشورة لعمليات قتل إضافية نفذها يوسف وعناصر من قوات الدفاع الوطني، وتتضمن لقطات صورت في تشرين الأول/أكتوبر 2013، أي بعد 4 أشهر من تولي صقر منصبه.

وقال الأكاديمي المقيم في أمستردام، البروفيسور أوغور أوميت أونغور، وهو من الذين حصلوا على المقاطع وسربوا بعضها، للصحيفة إن “ما يوصف الآن غالباً بمجزرة التضامن لم يكن حدثاً واحداً، بل كان عملية قتل جماعي استمرت طوال عام 2013، وفي السنوات التي تلت ذلك، شاركت قوات الدفاع الوطني في هذه الفظائع، وصقر، بغض النظر عن مدى تورطه الشخصي، كان جزءاً من سلسلة القيادة”.

غصب سوري

ومنذ فترة طويلة، عبّر سكان التضامن وسوريون آخرون منذ فترة طويلة عن غضبهم من تعاون الحكومة الجديدة مع صقر. ونقلت “الغارديان” ماهر رحيمة، وهو رجل عاش تلك الفظائع، قوله: “لو أن مسؤولي الحكومة الجديدة رأوا ما رأيت في التضامن، وسمعوا أصوات التعذيب، وشموا رائحة حرق الجثث، لكانوا سيخجلون من النظر إلى أنفسهم في المرآة بعد حماية فادي صقر وغيره من المجرمين”.

إلا الحكومة السورية برّرت الحكومة عملها مع شخصيات مثل صقر بالقول إنها تحاول الموازنة بين الحاجة إلى تحقيق العدالة والاعتبارات العملية لضمان استقرار سوريا في مرحلتها الانتقالية.

أمل جديد

والثلاثاء الماضي، زارت البرازي سكان حي التضامن، ودعتهم إلى توحيد جهودهم لبناء قضية ضد صقر، وشرحت لهم كيف ستضمن اللجنة حماية الشهود. وقالت: “قلنا لهم إننا سنساعدهم على الاجتماع معاً لتقديم قضية إلى الادعاء ضد فادي صقر، وهذا يعني أنه سيكون هناك طلب لإلقاء القبض عليه”.

ومنح احتمال محاسبة صقر أملاً جديداً للسكان الذين شهدوا تحول حيهم إلى ساحة قتل ويشعرون بأن القليل قد تحقق على صعيد المساءلة. وقال الحمصي: “اعتقال فادي صقر سيكون أكبر بكثير من اعتقال أمجد يوسف. سيكون بمثابة يوم تحرير ثانٍ”.

وفي النهاية، يعود إلى القضاء السوري، وليس اللجنة، إصدار مذكرة توقيف من هذا النوع، لكن البرازي قالت إنها لم تسمع عن أية معارضة لخطط رفع القضية.

——————————–

محاكمة بشار الأسد في دمشق… بداية العدالة أم اختبار لقوة القانون؟/ اسماعيل درويش

يرى حقوقيون أن بدء المسار القانوني خطوة إيجابية لكن تواجهه تحديات كبيرة

الخميس 30 أبريل 2026

تمكنت وزارة الداخلية السورية أخيراً، من إلقاء القبض على أمجد يوسف أحد أهم المتهمين بارتكاب جرائم حرب في سوريا، فيما عقدت وزارة العدل في دمشق أول جلسة علنية لمحاكمة بشار الأسد غيابياً وعدد من رموز النظام السابق، وسط تساؤلات عن جدية مسار العدالة الانتقالية في سوريا التي تواجه تحديات لوجستية وقانونية واقتصادية، ولم تنته بعد من نفض غبار الحرب.

في مبنى “قصر العدل” وسط العاصمة السورية دمشق، ينادي القاضي بصوت مرتفع على “المتهم بشار حافظ الأسد”، لمحاكمته على جرائم الحرب، في مشهد كان أقرب للخيال من كونه حقيقة، لكن بالفعل عقدت الجلسة الأولى في دمشق لمحاكمة عدد من أبرز رموز النظام السابق على رأسهم بشار الأسد وأخوه ماهر غيابياً، وابن خالته عاطف نجيب حضورياً، وهذا الأخير هو المتهم الأول بتعذيب المتظاهرين في مدينة درعا عام 2011.

عقدت الجلسة، لكنها لم تصدر حكماً، وتأجلت حتى الـ10 من مايو (أيار) 2026، ولقيت القضية تفاعلاً واسعاً بين أوساط السوريين، بين مرحب يرى أنها بداية جدية لتحقيق العدالة الانتقالية والانتصار للضحايا، وبين أن يرى أن المحاكم السورية ليست مؤهلة قانونياً للبدء بهكذا محاكمات مصيرية، وبين طرف ثالث يرى أن الخطوة على رغم أهميتها إلا أنها متأخرة. في هذا التقرير ترصد “اندبندنت عربية” آراء الحقوقيين والقانونيين المختصين في هذه القضية، التي شغلت الرأي العام في سوريا.

وسبق بدء محاكمة رموز نظام الأسد، بيومين اعتقال المدعو أمجد يوسف، وهو الذي ظهر في تسجيلات مصورة يطلق النار على عشرات المدنيين في حفرة بحي التضامن بالعاصمة دمشق، في تسجيلات تعود لعام 2013، وهي مجزرة شهيرة وثقتها عدسات مرتكبيها، ولقيت صدى دولياً، إذ فرضت الولايات المتحدة ودول أوروبية عقوبات على يوسف ومعاونيه، وحظي خبر إلقاء القبض على المتهم الأول بالمجزرة بترحيب محلي وإقليمي ودولي.

كما أعلن وزير الداخلية السوري أنس خطاب عبر منصة “إكس” أمس الأربعاء أن “اللواء عدنان عبود حلوة، أحد أبرز الضباط المسؤولين عن مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية في عام 2013، بات اليوم في قبضة إدارة مكافحة الإرهاب”.

سوريا بين السلم الأهلي والمحاسبة

وقال الباحث في مركز دراسات سوريا المعاصرة محمد السكري إن “اعتقال أمجد يوسف يمثل لحظة مهمة جداً في سياق البدء الحقيقي بمسار العدالة الانتقالية، ويعكس تفاعلاً من الحكومة السورية مع هذا الملف، سواء نتيجة ضغوط شعبية أم إدراك متزايد بضرورة التعامل الجدي معه، لأن الحديث عن السلم الأهلي من دون عدالة انتقالية لم يسهم في تحقيق الاستقرار”. وأضاف السكري أن “تحقيق السلم الأهلي يتطلب بالضرورة مساءلة قانونية ومجتمعية، إذ لا يمكن الحديث عن مصالحة حقيقية من دون محاسبة، كما أن الحالة السورية أكثر تعقيداً من تجارب دول أخرى، مما يحتم تحويل العدالة الانتقالية من عبء إلى ضرورة لبناء الدولة”.

وتابع الباحث أن “طبيعة العنف في سوريا كانت مركبة، بمشاركة أطراف داخلية وخارجية، مما يفرض مساراً طويلاً من التحقيقات وإعادة بناء المنظومة القانونية، خصوصاً وأن القوانين الحالية لا تعالج بصورة كافية جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية”.

وأشار إلى أن “هذا المسار ليس سورياً خالصاً، بل يتطلب تعاوناً دولياً، نظراً إلى وجود متهمين خارج البلاد، كما أن تجارب دول مثل الأرجنتين وجنوب أفريقيا ورواندا تؤكد أن المحاكمات قد تستمر لعقود، لكن الأهم هو البدء الفعلي بالمسار، كما أن هناك اعتبارات سياسية تحكم هذا الملف، إذ تخشى بعض الأطراف من أن يؤدي الكشف الكامل عن الجرائم إلى توترات طائفية، مما يدفع الحكومات إلى إدارة التوازن بين العدالة والاستقرار”.

ويختم السكري حديثه بالقول إن “للمجتمع المدني دور محوري في الكشف عن الانتهاكات والضغط على الحكومة، إضافة إلى طمأنة السلطة بأن العدالة الانتقالية يمكن أن تعزز السلم الأهلي لا أن تهدده”.

خطوات رمزية

أما الباحث في مركز “جسور” للدراسات وائل علوان فيعتبر أن “العدالة الانتقالية كانت مطلوبة منذ سقوط النظام، لكن تطبيقها يحتاج إلى ترتيبات أمنية وقانونية، ويحسب للحكومة إعلانها المحاكمات العلنية بما يعكس قدراً من الجدية والشفافية، كما أن هذه الخطوات تلبي مطالب شريحة واسعة من السوريين، لكنها ما تزال محدودة ورمزية، ويفترض أن تتحول إلى مسار متكامل واضح المعالم، من حيث الإطار القانوني والإجراءات والمدة الزمنية”. وزاد علوان أن “العدالة الانتقالية لا تقتصر على المحاسبة، بل تشمل التعويض وجبر الضرر، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، إلى جانب تفكيك شبكات الفساد، لكن بالمقابل هناك تحديات قائمة، خصوصاً في بناء مؤسسات تشريعية وقضائية قوية، لكن يمكن تجاوزها تدريجاً مع تعافي الدولة، كما أن إشراك المجتمع المدني والضحايا في هذا المسار يعد أمراً ضرورياً لضمان شموليته وصدقيته”.

إشكالية في تعريف جرائم الحرب

في المقابل يرى المحامي والحقوقي السوري فادي كردوس أنه “لا يوجد رابط قانوني مباشر بين اعتقال أمجد يوسف ومحاكمة عاطف نجيب، لكن يمكن الربط بينهما سياسياً، في ظل تباطؤ مسار العدالة الانتقالية وعدم صدور قانونها الخاص، إذ إن هذه الإجراءات لا تمثل بداية جدية للمسار، لأن الإطار القانوني الحالي لا يعرف بصورة واضحة جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية، مما يحد من فعالية المساءلة”. ويضيف المحامي السوري أن “الخطوات الحالية لا تلبي تطلعات الضحايا، خصوصاً في ظل غياب الكشف عن الحقيقة واستمرار وجود عدد كبير من المتهمين في حالة فرار، إذ إن انطلاق المسار فعلياً يتطلب إصدار قانون خاص بالعدالة الانتقالية، وتعديل التشريعات بما يتوافق مع المعايير الدولية، إضافة إلى معالجة ملفات أساسية مثل المفقودين وجبر الضرر، أما التحديات فتشمل ضعف خبرة الجهاز القضائي، وفقدان الأدلة، وخوف الشهود، فضلاً عن صعوبات ملاحقة المتهمين خارج البلاد”.

ويختم الحقوقي السوري حديثه بالقول إن “إشراك الضحايا يجب أن يكون فعلياً في تصميم المسار وتنفيذه، بينما يلعب المجتمع المدني دوراً رقابياً في التوثيق ومتابعة المحاكمات”.

غياب التشريعات

من جانبه قال المحامي والناشط السياسي أحمد شحادة، إن “اعتقال أمجد يوسف خطوة إيجابية تحسب للأجهزة الأمنية في ملاحقة المتورطين، كما أن محاكمة عاطف نجيب تمثل بداية لمسار المساءلة والمحاسبة، إذ إن العدالة الانتقالية مطلب أساس للسوريين، وجزء من تحقيق السلم الأهلي، لكنها تحتاج إلى إطار قانوني واضح يصدر عن السلطة التشريعية لمعالجة الثغرات القائمة”.

ويرى المحامي السوري أن “هناك تحديات قانونية تواجه تحقيق العدالة، تتمثل بغياب التشريعات المناسبة، إضافة إلى قضايا مثل التقادم التي تحتاج إلى معالجة خاصة، ومن جانب آخر فإن إشراك الضحايا يمكن أن يتم من خلال علنية المحاكمات وتمكينهم من تقديم الأدلة، إلى جانب دور المجتمع المدني في الرقابة”.

بداية أولية

في المقابل يختلف رأي الصحافي السوري حسام المحمود، إذ رأى أن “الخطوات الحالية لا تمثل بداية جدية لمسار العدالة الانتقالية، بل مجرد بداية أولية، إذ لا يمكن الحكم على المسار من خلال إجراءات محدودة، ومع ذلك فإن الشارع السوري يتفاعل بإيجابية مع هذه المحاكمات على رغم طابعها الرمزي، خصوصاً مع ارتباطها بذكرى بداية الأحداث في درعا، مما يمنحها دلالات معنوية”. وأضاف المحمود أن “هناك ممارسات قد تؤثر سلباً في صدقية المسار، مثل إشراك غير المختصين أو تقديم الملف إعلامياً بصورة غير مهنية، كما أن القوانين الحالية قد لا تكون كافية للتعامل مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مما يستدعي تطويرها، وتجاوز هذه التحديات يتطلب نقاشات موسعة بين القانونيين والحقوقيين، مع ضرورة إشراك المجتمع والمطالبة بتسليم المتهمين الفارين”.

في المحصلة، يتفق الحقوقيون على أن تحقيق العدالة الانتقالية والمحاسبة ضرورة لتحقيق السلم الأهلي في بلد مزقته الحرب، لكنهم يختلفون في آلية تعاطي السلطات مع الملف، فيما يطالب جزء منهم بسن قوانين وتشريعات خاصة بالعدالة الانتقالية، إذ إن القانون السوري القديم لا توجد فيه نصوص واضحة تتعلق بجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، كما أن هناك جزء من رجالات النظام السابق يعملون حالياً مع الحكومة الجديدة في ملفات تتعلق بتهدئة التوترات الطائفية، فضلاً عن شخصيات انشقت عن النظام خلال السنوات القليلة الماضية، أي بعد مشاركتها في جرائم حرب ببداية الانتفاضة، أما ملف الفارين خارج البلاد فيرى محللون أنه مرتبط بمدى علاقات سوريا مع الدول التي فر إليها هؤلاء، خصوصاً أن الحكومة السورية الجديدة تبدو وكأنها تبني علاقات متزنة مع غالب دول العالم، ولديها علاقات دبلوماسية قوية مع معظم الدول باستثناء إيران وإسرائيل، نظراً إلى موقفهما من سوريا الجديدة.

اندبندنت عربية

——————————–

رئيس الهيئة الوطنية: لا إفلات من العقاب في ملف مجزرة الغوطة الكيميائية

عبد الباسط عبد اللطيف: اعتقال مسؤول الكيماوي دليل على استمرار المحاسبة

2026-04-30

أوضح رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف أن توقيف أحد أبرز المشتبه بتورطهم في مجزرة السلاح الكيميائي بالغوطة الشرقية عام 2013 يشكل تأكيداً على أن جرائم الحرب لا يمكن أن يطويها الزمن أو يسقطها التقادم.

وفي تدوينة نشرها عبر منصة “X” يوم الخميس، أشار عبد اللطيف إلى أن إلقاء القبض على اللواء عدنان عبود حلوة، المرتبط بأحداث الغوطة الكيميائية، يعكس استمرار جهود المحاسبة وملاحقة المسؤولين عن تلك الانتهاكات وعدم السماح بالإفلات من العقاب.

ويأتي ذلك عقب إعلان وزير الداخلية أنس خطاب يوم الأربعاء عن تنفيذ عملية أمنية أسفرت عن اعتقال اللواء حلوة من قبل إدارة مكافحة الإرهاب، باعتباره من الضباط الرئيسيين المرتبطين بمجزرة الغوطة التي وقعت عام 2013.

وفي سياق متصل، كانت وزارة الداخلية قد أعلنت في 24 نيسان/ أبريل الجاري عن توقيف أمجد يوسف، المعروف بلقب “سفاح التضامن”، خلال عملية أمنية في سهل الغاب بريف حماة، في إطار سلسلة من الملاحقات التي تستهدف متورطين بانتهاكات سابقة.

كما نشر وزير الداخلية أنس خطاب عبر “إكس” تأكيداً على اعتقال اللواء عدنان عبود حلوة، مشيراً إلى دوره في أحداث الغوطة الشرقية، في وقت تتواصل فيه التحقيقات مع شخصيات أخرى مرتبطة بملفات الانتهاكات خلال سنوات الحرب.

وتعود مجزرة الغوطة الكيميائية إلى 21 آب/أغسطس 2013، حين شهدت المنطقة هجوماً بالأسلحة الكيميائية أدى إلى مقتل أكثر من 1400 مدني، بينهم عدد كبير من الأطفال والنساء، وفق تقديرات حقوقية.

وفي وقت سابق، كانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على عدنان حلوة إلى جانب ضباط آخرين على خلفية تورطهم في الانتهاكات، كما شملتهم إجراءات تقييد من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا.

وتواصل وزارة الداخلية السورية الإعلان عن عمليات توقيف تطال متهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين خلال سنوات النزاع، في إطار ما تصفه بجهود ملاحقة المسؤولين عن الجرائم السابقة.

——————————–

تسريبات لمقاطع تعذيب وتجارة أعضاء في مشفى تشرين العسكري بدمشق

عبد الله البشير

30 ابريل 2026

تداول سوريون، اليوم الخميس، مقاطع فيديو أكدوا أنها صُوِّرت في مشفى تشرين العسكري بدمشق، وتظهر صوراً عن عمليات تعذيب لمعتقلين داخل المشفى، إلى جانب تنفيذ عمليات سرقة للأعضاء. وجاءت المقاطع المتداولة تحت مسمى “ملفات مسرّبة”، ما أثار موجة استنكار واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ورصد “العربي الجديد” مقاطع فيديو عبر قناة على منصة “تليغرام” حملت اسم “ملفات مسرّبة”، إذ نقل أحد التسجيلات مشاهد سرقة أعضاء لمعتقلين من قبل الأطباء في المشفى.

وأوضح رئيس تجمع المحامين الأحرار، غزوان قرنفل، لـ”العربي الجديد” أن “هناك مئات الحالات التي تم توثيقها من قبل منظمات حقوقية ذات مصداقية وخبرة في التوثيق، مثل الشبكة السورية لحقوق الإنسان ومركز توثيق الانتهاكات، تثبت أنه تم استئصال أعضاء بشرية من معتقلين ومصابين جرى اعتقالهم ونقلهم إلى مشافٍ عسكرية، وهناك تمت تصفيتهم وأخذ أعضائهم، وأكدت لنا مصادر وجود شبكات من الأطباء والممرضات ورجال الأمن ضالعة في تلك التجارة”.

وجاءت هذه التسريبات بعد إعلان مديرية أمن دمشق القبض على الطبيب بسام علي، وهو أحد الضباط السابقين في المشفى، ويعد من بين الأطباء المتهمين بالتورط في جرائم ارتُكبت بحق المعتقلين، وكان له دور في عمليات تعذيب وقتل المعتقلين، إلى جانب ضلوعه في تجارة الأعضاء البشرية وابتزاز ذوي المعتقلين.

وقالت وزارة الداخلية السورية، إن التحقيقات مع الطبيب تهدف إلى الكشف عن شبكة الجرائم والشركاء المحتملين أيضا تمهيدا لإحالته إلى القضاء.

وفي يونيو/حزيران 2024، دانت محكمة ألمانية طبيبا سوريا، هو علاء موسى، بتهمة تعذيب وقتل معتقلين في مشفى عسكري وفي أحد مقار الاستخبارات العسكرية. وقد حُكم عليه بالسجن مدى الحياة لارتكابه جرائم ضد الإنسانية، من بينها إضرام النار في السجناء وإجراء عمليات جراحية دون تخدير.

وتم تأسيس مشفى تشرين العسكري الذي تحول في عهد نظام بشار الأسد إلى أحد “المسالخ البشرية” في سورية، عام 1982 ليكون واحدا من أكبر المراكز الطبية في سورية، حيث ضم 39 قسما تخصصيا، ليحول في بداية الثورة السورية عام 2011 ضد نظام الأسد إلى مركز لتنفيذ عمليات التعذيب والقتل والاتجار بالأعضاء، خاصة المعتقلين الذين يُنقلون له من سجن صيدنايا، وفق تقرير تحت عنوان “دفنوهم بصمت” صدر عن رابطة معتقلي صيدنايا، يؤكد وقوع المشفى ضمن سلسلة المسالخ البشرية التي اعتمدها نظام الأسد في عمليات القتل والإخفاء القسري.

وضم المشفى كوادر مقربة من رئيس النظام المخلوع بشار الأسد، أبرزهم اللواء عمار سليمان الذي كان من المسؤولين المباشرين عن عمليات القتل الجماعي، وينحدر من مدينة القرداحة. ووفقا لتقرير صدر عن شبكة “سيريا إنديكيتور”، يؤكد أن سليمان أشرف بشكل مباشر على عمليات القتل داخل المشفى. وترأس العميد أكرم الشعار قسم الطب الشرعي في المشفى منذ عام 2011، وكان مسؤولا عن فحص جثة الطفل حمزة الخطيب، الذي قُتل تحت التعذيب حيث نفى تعرضه للتعذيب على يد أجهزة الأمن.

ومن كبار المسؤولين في المشفى أيضا، وفق الشبكة، العميد إسماعيل كيوان الذي عمل نائبا لرئيس الطبابة الشرعية في المشفى، وهو ينحدر من مدينة السويداء، والمقدم أيمن خلو عضو شعبة الطبابة الشرعية بعد عام 2011، إضافةً إلى الملازم الطبيب منقذ شموط عضو شعبة الطبابة الشرعية في المشفى بعد عام 2011.

تحول المشفى أيضا بعد عام 2011 إلى مركز أمني، حيث أُقيمت فيه مفرزة للشرطة العسكرية، وكانت أولى النقاط التي يمر بها المعتقلون قبل دخول المشفى، ومفرزة للمخابرات العسكرية، ووحدة خاصة أيضا استقرت في الطابق الثامن من المشفى، وهو الطابق المحظور على المراجعين وفق الشبكة، وشهد أحداثا مريبة تتعلق بالقتل ونقل الجثث إلى المقابر الجماعية.

——————————-

مقاطع مسربة من مستشفى تشرين العسكري بدمشق تهز السوريين

نشرت صفحة على “فيسبوك” تحمل اسم “ملفات مسربة”، اليوم الخميس، مقاطع مصورة وصورا قالت إنها توثق عمليات تعذيب لمعتقلين سوريين خلال فترة حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد، وذلك داخل عدد من المواقع، من بينها مستشفى تشرين العسكري.

وأفادت الصفحة بأن المواد المنشورة توثّق نقل جثث لمعتقلين قضوا تحت التعذيب داخل المستشفى، وتجميعها في المكان ذاته، إلى جانب مشاهد وُصفت بالصادمة لعمليات تعذيب طالت معتقلين، إضافة إلى عمليات جراحية يُزعم أنها أُجريت بهدف انتزاع أعضاء بشرية من أجسادهم.

كما امتدت بعض المقاطع، بحسب ما تم تداوله، إلى مواقع عامة داخل الأراضي السورية، وأظهرت عمليات تعذيب علنية وجثث ضحايا، مع مزاعم بتصوير عناصر من النظام المخلوع لهم في مواقع مختلفة.

وقال صاحب الحساب إن الفيديوهات، التي تُنشر للمرة الأولى، صُوّرت من داخل أروقة مشاف عسكرية، وتُظهر بحسب زعمه أطباء وعناصر من المخابرات العسكرية أثناء انتزاع أعضاء من معتقلين، مضيفا أن هذه المواد توثق أيضا جثثا لمعتقلين قبل نقلها إلى المقابر الجماعية.

وقد أثارت هذه المشاهد موجة غضب واستنكار واسعة بين السوريين عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر ناشطون عن صدمتهم من حجم الانتهاكات الواردة في المقاطع، وسط مطالبات بفتح تحقيقات موسعة ومحاسبة كل المتورطين في هذه الانتهاكات.

وأفاد ناشطون بأن بعض هذه المقاطع صُوّرت داخل مستشفى تشرين العسكري في دمشق، فيما يعود بعضها إلى الفترة ما بين عامي 2011 و2013.

وتداول مغردون تعليقات غاضبة، واصفين سوريا بـ”السجن الكبير سابقا”، مشيرين إلى ما وصفوه بتعذيب المصابين داخل مشفى تشرين العسكري، الذي قالوا إنه “لا يقل دموية عن سجن صيدنايا”، على حد تعبيرهم.

وكتب أحد النشطاء معلقا: “من كتر الضرب جسمه مبنج وما عم يحس بالألم وقت عم يضربوه، ما عم يتحرك، فكرتوه أول شي ميت”.

إعلان

وأشار آخرون إلى أن ما جرى في سوريا خلال فترة حكم نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد لم يكن يتصوره عقل، مؤكدين أنه “مع مرور الوقت تتكشف مجازر بشعة وانتهاكات واسعة بحق المواطنين”.

كما وصف ناشطون آخرون المشاهد بأنها صادمة إلى حد يفوق الوصف، مؤكدين أن الكلمات تعجز عن التعبير أمام ما تضمنته المقاطع من صور قاسية ومؤلمة، وسط حالة من الذهول والصدمة بين المتابعين.

وأضاف ناشطون أن تداول هذه المشاهد أعاد إلى الواجهة ملف الانتهاكات خلال سنوات الحرب في سوريا، مشيرين إلى أن ما يظهر في المقاطع يستدعي تحقيقا جديا وموثقا لكشف الحقائق كاملة وتحديد المسؤوليات المحتملة.

وكتب أحدهم: “أقسم بالله ما قدرت أتحمّل أكثر من ثانيتين من مشاهدة المقاطع المسربة للتعذيب ونزع أعضاء المعتقلين في مشفى تشرين العسكري”.

وفي شهادة منسوبة لأحد الناجين من الاعتقال، روى تفاصيل قال إنها تعود إلى تجربة داخل أحد الأفرع الأمنية، مشيرا إلى تعرضه لتعذيب شديد وإصابات خطيرة، بينها جرح بالغ في القدم. وأضاف أنه خضع لاستجواب قاسٍ تخلله تعذيب متواصل، قبل نقله لاحقا إلى فرع أمني آخر، على حد روايته، بعد فشل محاولات انتزاع اعترافات منه.

ووصف ناشطون المستشفى بأنه “لم يكن مستشفى بل مسلخ تحت إشراف نظام مجرم”، معتبرين أن ما ظهر في المواد المصوّرة يمثل، بحسب وصفهم، “جرائم تهز الإنسانية”. وأكدوا أن كل من دافع عن النظام أو برّر أفعاله يتحمل مسؤولية أخلاقية عن الانتهاكات التي جرت، على حد قولهم.

كما شددوا على أن “الحقيقة ستبقى ظاهرة مهما جرت محاولات طمسها”، في إشارة إلى استمرار تداول هذه المقاطع وتفاعل الشارع معها.

وفي السياق ذاته، عبّر آخرون عن صدمتهم من صعوبة مشاهدة المحتوى المتداول، مؤكدين أن “الإنسان العادي لا يستطيع إكمال الفيديو حتى نهايته” لما يحمله من مشاهد قاسية ومؤلمة.

وطالب ناشطون ومنظمات حقوقية بضرورة توثيق جميع المواد المتداولة وحفظها ضمن ملفات قانونية، تمهيدا لاستخدامها في أي مسارات عدالة محتملة، مؤكدين أهمية التعامل مع هذه المقاطع كدليل على ما وصفوه بـ”مجازر نظام الأسد” والانتهاكات المرتكبة خلال سنوات الحرب.

المصدر: الصحافة السورية + مواقع التواصل الاجتماعي

——————————-

اعتقال ضابط سوري متهم بالمسؤولية عن مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية/ محمد كركص

29 ابريل 2026

أعلنت وزارة الداخلية السورية، اليوم الأربعاء، إلقاء القبض على اللواء عدنان عبود حلوة، أحد الضباط المتهمين بالمسؤولية عن مجزرة الكيماوي التي استهدفت الغوطة الشرقية في أغسطس/ آب 2013، وأسفرت عن مقتل أكثر من 1400 مدني، معظمهم من الأطفال والنساء. وقال وزير الداخلية السوري أنس خطاب، في تدوينة على منصة “إكس”، إن “اللواء عدنان عبود حلوة، أحد أبرز الضباط المسؤولين عن مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية عام 2013، بات اليوم في قبضة إدارة مكافحة الإرهاب”، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأن عملية الاعتقال أو ظروفها.

وتُعد مجزرة الغوطة الشرقية، التي وقعت في 21 أغسطس/ آب 2013، من أكثر الهجمات دموية خلال سنوات الحرب السورية، حيث استخدم نظام بشار الأسد المخلوع فيها غاز السارين، وهو غاز أعصاب شديد السمية، ضمن صواريخ أُطلقت على مناطق مأهولة بالسكان في ريف دمشق. وقد خلّفت الهجمات حصيلة بشرية كبيرة قُدرت بما لا يقل عن 1400 قتيل، إلى جانب مئات المصابين بحالات اختناق وإصابات خطيرة.

وأثارت المجزرة آنذاك ردات فعل دولية غاضبة، واعتبرت نقطة تحول في مسار الأزمة السورية، ما دفع إلى ضغوط دبلوماسية أدت لاحقاً إلى اتفاق دولي يقضي بتفكيك الترسانة الكيميائية السورية، رغم استمرار الجدل حول مدى اكتمال تنفيذ هذا الالتزام.

وشغل حلوة لدى النظام السابق منصب معاون مدير إدارة المدفعية والصواريخ، وكان مسؤولاً عن لواء صواريخ “سكود”، كما سبق أن شارك ضمن وفد النظام السوري السابق في محادثات أستانة، وورد اسمه ضمن قائمة ضمت 13 شخصية فرضت عليها الولايات المتحدة ودول أوروبية عقوبات على خلفية اتهامات تتعلق بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

وفي سياق متصل، كانت الولايات المتحدة قد فرضت، في 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2022، عقوبات على عدد من الضباط السوريين بموجب المادة 7031(ج) من قانون اعتمادات وزارة الخارجية، من بينهم عدنان عبود حلوة والعميد غسان أحمد غنام واللواء جودت صليبي مواس، بتهم تتعلق بالمسؤولية عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، أبرزها القتل الجماعي في الغوطة الشرقية. وشملت الإجراءات أيضاً منعهم وأفراد أسرهم المباشرين من دخول الولايات المتحدة.

ويوم الجمعة الفائت، أعلنت السلطات السورية توقيف أمجد يوسف، المتهم الرئيسي في “مجزرة حي التضامن” في دمشق عام 2013، والتي كُشف عنها عبر تسجيل مصور مسرّب وثّق عمليات قتل جماعي لمدنيين، وأثار حينها صدمة واسعة داخل سورية وخارجها.

ويأتي هذا التطور في ظل سلسلة من التحركات القضائية والأمنية التي أعلنت عنها السلطات السورية أخيراً، إذ بدأت، يوم الأحد الفائت، بمحاكمة شخصيات بارزة من حقبة حكم الرئيس السابق بشار الأسد، من بينهم المسؤول الأمني السابق عاطف نجيب، المتهم بارتكاب “جرائم بحق الشعب السوري”، بينها “تعذيب أطفال”، داخل القصر العدلي في دمشق.

وكانت السلطات قد ألقت القبض على نجيب، ابن خالة بشار الأسد، في 31 يناير/ كانون الثاني 2025 في مدينة اللاذقية، مسقط رأسه. ومثل نجيب حضورياً أمام المحكمة، حيث شملت الجلسة أيضاً محاكمة غيابية لكل من بشار الأسد وشقيقه ماهر، إلى جانب عدد من رموز النظام السابق. وتعيد هذه التطورات المتسارعة ملف الانتهاكات المرتبطة بسنوات الحرب السورية إلى الواجهة، في وقت تتجدد فيه المطالبات بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم الكبرى، وعلى رأسها استخدام السلاح الكيميائي ضد المدنيين.

—————————————-

القبض على عدنان حلوة أحد أبرز المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة

دمشق: «الشرق الأوسط»

30 أبريل 2026 م

أعلن وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، الأربعاء، عن اعتقال اللواء عدنان حلوة، أحد ضباط النظام المخلوع المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة الشرقية بريف دمشق يوم 21 أغسطس (آب) عام 2013.

وقال خطاب، في تدوينة عبر حسابه على منصة «إكس»، إن «اللواء عدنان عبود حلوة، أحد أبرز الضباط المسؤولين عن (مجزرة الكيماوي) في الغوطة الشرقية عام 2013 بات اليوم في قبضة إدارة مكافحة الإرهاب».

ما نعرفه عن عدنان حلوة

وفق وسائل إعلام محلية، فإن عدنان حلوة كان المسؤول عن منطقة خربة الشيّاب في جنوب دمشق، ونائب مدير إدارة المدفعية والصواريخ في ريف دمشق.

اتُّهم حلوة بضلوعه خلال الثورة في إطلاق صواريخ «سكود» تجاه مدن الشمال السوري خلال عمله نائباً لإدارة المدفعية والصواريخ في ريف دمشق.

وكان مسؤولاً في الوحدتين «155» و«157»، اللتين ارتكبتا انتهاكات ضد المدنيين واستخدمت الصواريخ والأسلحة الكيماوية ضدهم.

وأصبح بعد ذلك المسؤول العسكري في منطقة خربة الشيّاب في جنوب دمشق، وكان مسؤولاً عن إدارة الحواجز العسكرية في المنطقة، المتهمة باحتجاز وإخفاء مئات المدنيين.

وشارك الحلوة ضمن وفد النظام السوري في مفاوضات آستانة عام 2017، وهو ضمن 13 شخصية سمتهم الولايات المتحدة الأميركية مسؤولين عن جرائم قتل ضد المدنيين.

وُضع على قائمة العقوبات الأوروبية في 28 أكتوبر (تشرين الأول) 2016.

«مجزرة الكيماوي» في الغوطة الشرقية

وقعت المجزرة بمنطقة الغوطة الشرقية بريف دمشق يوم 21 أغسطس 2013، في هجوم أسفر عن مقتل أكثر من 1400 مدني بينهم مئات الأطفال والنساء.

وفي ذلك اليوم، استيقظ السوريون من أهالي عدد من بلدات الغوطة الشرقية على مشهد لمئات الجثث في الشوارع والمنازل لأشخاص قتلوا بغاز «السارين» السام، في واحدة من أعنف المجازر التي ارتكبتها قوات نظام الأسد بحق المدنيين على مدار سنوات الحرب.

ووفق «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، فإن نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد نفذ 217 هجوماً بأسلحة كيمياوية ضد مناطق سكنية كانت تحت سيطرة المعارضة في سوريا منذ بدأت الثورة عام 2011.

القبض على «سفاح التضامن» قبل أيام

يأتي هذا الإعلان بعد أيام من إعلان وزارة الداخلية القبض على أمجد يوسف، الملقب «سفاح التضامن»، وذلك بعملية أمنية في منطقة سهل الغاب بريف حماة.

والثلاثاء، نشرت وزارة الداخلية السورية على منصاتها، مقطع فيديو يظهر جانباً من تحقيقات مع 3 طيارين بالنظام السوري السابق، بينهم ميزر صوان الملقب «عدو الغوطتين»، الذي قال إن أمر القصف كان يأتي من الرئيس المخلوع بشار الأسد.

—————————————

سجن صيدنايا.. رحلة في “المسلخ البشري” من تأسيسه إلى سقوطه

سجن عسكري يعدّ من الأكثر تحصينا في سوريا، والأكثر رعبا أيضا في عهد بشار الأسد، فقد شهدت جدرانه على اعتقال العديد من المعارضين والمتظاهرين وحتى الأبرياء، وقضى فيه كثير منهم نحبه. كان يطلق عليه “المسلخ البشري” بسبب ما كان يجري فيه من تعذيب وجرائم إنسانية، كما لُقب بـ”السجن الأحمر” نتيجة الأحداث الدامية التي شهدها في عام 2008.

اقتحمته قوات الثورة السورية أثناء دخولها العاصمة دمشق في يوم سقوط نظام الأسد، 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وحررت كافة المعتقلين منه، قبل أن يعود إلى السجن المفتوح ذوو الضحايا يبحثون عن آثار ذويهم الذين لم يكتب لهم الخروج منه، أو أخبار عنهم تدلهم على مصائرهم، ويطالبوا بالعدالة من السجانين الذين عذبوهم وقتلوهم.

اعتقلت السلطات السورية الجديدة لاحقا عددا من الضباط والسجانين الذين كانوا يعملون في سجن صيدنايا، ووجهت إليهم تهما بارتكاب جرائم في السجن.

الموقع والتصميم

بني سجن صيدنايا عام 1987، قرب دير في صيدنايا -ومنها اكتسب اسمه- على بعد 30 كيلومترا شمال العاصمة دمشق. وينقسم إلى جزأين، يُعرف الجزء الأول بـ”المبنى الأحمر”، وهو مخصص للمعتقلين السياسيين والمدنيين، أما الثاني فيعرف بـ”المبنى الأبيض”، وهو مخصص للسجناء العسكريين.

يتميز سجن صيدنايا بتصميم فريد يجعله أحد أشد السجون العسكرية تحصينا، ويتكون من 3 مبان كبيرة تلتقي في نقطة يطلق عليها “المسدس”.

يتكون كل مبنى من 3 طوابق لكل منها جناحان، ويحتوي الجناح الواحد على 20 مهجعا جماعيا بقياس 8 أمتار طولا و6 أمتار عرضا، تتراص في صف واحد بعيدة عن النوافذ، لكن تشترك كل 4 منها في نقطة تهوية واحدة.

نقطة المسدس هي منطقة تلاقي المباني الثلاثة، وهي النقطة الأكثر تحصينا في السجن، توجد فيها الغرف الأرضية والسجون الانفرادية.

وفيها كذلك حراسات على مدار الساعة لمراقبة المساجين ومنعهم من مشاهدة أي ملمح من ملامح بناء السجن أو وجوه السجّانين.

التأمين والتحصين

كشف تقرير صدر عن رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا عن 3 مستويات تمرّ بها المنظومة الأمنية للسجن، إذ تعتبر الشرطة العسكرية (الفرقة الثالثة للجيش السوري) هي خط الدفاع الأول لحماية الجدران الخارجية من التهديدات الأمنية ومنع هروب المعتقلين.

كما تتولى وحدات من اللواء 21 التابع للفرقة الثالثة تأمين الجزء الداخلي من السجن ومراقبة وتأديب المعتقلين، ويحيط بالسجن حقلا ألغام، داخلي وخارجي، أحدهما مضاد للأفراد والآخر مضاد للدبابات.

وتوجد أيضا وحدة معينة مختصة بمراقبة الاتصالات الأرضية واللاسلكية الواردة إلى السجن والصادرة منه، إضافة إلى جميع الاتصالات اللاسلكية القريبة.

المعتقلون

كان سائدا أن يفرز المعتقلون داخل أقسام سجن صيدنايا حسب التهم السياسية الموجهة إليهم، فكان يضم معتقلي جماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي وحركة التوحيد الطرابلسية.

كما ضمّ السجن معتقلين لبنانيين من أطراف عدة غير موالية لنظام الأسد، وفلسطينيين متهمين بأن لهم علاقة جيدة مع المعارضة السورية، ومعتقلين شيوعيين ومن الأحزاب الكردية على اختلافها، إضافة إلى بعض العسكريين السوريين.

ومنذ غزو العراق عام 2003، اعتقل في السجن متطوعون عرب عائدون من العراق، وأعضاء من تنظيم القاعدة.

وضم كذلك أشخاصا من تيار “السلفية الجهادية” والتنظيمات الإسلامية الصغيرة غير المعروفة، إضافة إلى الفارين من أحداث مخيم نهر البارد في لبنان، وشيئا فشيئا تحول إلى “سجن للجهاديين” بسبب ارتفاع أعداد المعتقلين العائدين من العراق.

انتهاكات وتعذيب

دعت منظمة العفو الدولية الأمم المتحدة في فبراير/شباط 2017 إلى إجراء تحقيق مستقل فيما يجري في سجن صيدنايا من إعدامات للمعتقلين، بعد تقرير كشف إعدام قوات الجيش السوري نحو 13 ألف شخص شنقا بين عامي 2011 و2015.

وأفاد التقرير بأن ما بين 20 و50 شخصا يقتادون إلى المشنقة كل أسبوع في منتصف الليل.

وقالت وزارة الخارجية الأميركية عام 2017 إن الحكومة السورية لجأت إلى حرق آلاف السجناء في سجن صيدنايا، محاولة إخفاء عدد القتلى والتخلص من الأدلة التي قد تدينها بجرائم حرب.

ومن مظاهر المعاناة التي يعيشها سجناء صيدنايا، أنه من الممكن منع الماء والطعام عنهم لفترات تصل إلى أيام عدة حتى أنهم يضطرون لشرب بولهم، بحسب ما صرح أحد المعتقلين السابقين في السجن.

ويعاني السجناء في صيدنايا أشد أنواع التعذيب، من ضرب بالخراطيم أو أنابيب التمديدات الصحية أو الهراوات وغيرها من الأدوات على نحو مستمر.

يستخدم السجانون ما يعرف بـ”بساط الريح أو السجادة الطائرة” للتعذيب، وهو أداة تتضمن لوحا قابلا للطي يُربط عليها السجين ويوجه وجهه إلى الأعلى، ثم يُحرك كل جزء من اللوح باتجاه الآخر.

ويُحرم المساجين في صيدنايا من الرعاية الصحية أو تناول الأدوية، ويهدد العسكريون النساء بالاغتصاب أمام أقاربهن إذا لم يعترفن بما نسب إليهن (حسب منظمة العفو الدولية)، كما سجلت حالات اغتصاب وتحرش جنسي للرجال والنساء.

كما صرح أحد الناجين من سجن صيدنايا للمنظمة بأن المساجين كانوا يُجبرون على الاختيار بين موتهم أو قتل أحد أقربائهم أو معارفهم.

غرف الملح

هي غرف تمتلئ أرضيتها بالملح بارتفاع نحو 20 إلى 30 سنتيمترا، وتستخدم لتعذيب المعتقلين نفسيا، كما توضع فيها جثث المعتقلين الذين قضوا نتيجة التعذيب أو التجويع.

ويُكتب رقم على كل جثة، وتوضع في الملح مدة 48 ساعة، ثم تنقل إلى مشفى تشرين العسكري بسيارة نقل المعتقلين لمعاينة الجثة وإصدار شهادة وفاة، ثم تُرسل إلى فرع السجون في الشرطة العسكرية ثم إلى المقابر الجماعية.

التمرد الأول بسجن صيدنايا

تغيرت قليلا حياة مساجين صيدنايا أثناء فترة تولي عقيد يدعى لؤي يوسف الإدارة العامة للسجن، إذ وُصف بأنه شخص “متفهم ومنفتح” وحاول تغيير السياسة العامة للسجن، فقد سمح لعائلات المساجين بالزيارات، وكان يقابل المساجين شخصيا ويتجاذب معهم الأحاديث، ووعد بتحسين المعاملة داخل السجن، فكان أحد أبرز قراراته دمج المساجين في الغرف والمهاجع دون النظر إلى التهمة السياسية الموجهة ضدهم.

وقد جمع عددا من الإسلاميين الذين يُصنفون على أنهم متشددون مع آخرين متهمين بالتجسس لصالح إسرائيل، الأمر الذي ولّد توترا بين المساجين، وأسفرت عنه جريمة قتل نهاية 2005.

دخل سجن صيدنايا مرحلة جديدة من الشدة والحزم، وفُرضت عقوبات مغلظة بحق الإسلاميين فيه، وجرى تعيين مدير جديد يدعى علي خير بيك رفع حدة الإجراءات القمعية والعقوبات، أبرزها قطع التيار الكهربائي عن كامل السجن لأشهر عديدة.

وفي مارس/آذار 2008 فوجئ سجان بوجود خط كهرباء داخل أحد المهاجع، وأثناء محاولة معرفة مصدره أتى مدير السجن وبدأ بتعذيب رئيس جناح كل مهجع ومن بعده باقي السجناء، كما أرسل الكثير من المساجين إلى زنازين العزل الانفرادي.

نجح أحد المساجين بالهرب من أيدي معذبيه وساعده مساجين يقفون بجانبه، وبدأت حالة اشتباك بينهم وبين السجانين، وفتحت أبواب الزنازين وخرج الوضع عن السيطرة.

وأظهرت أوراق التحقيق أن التمرد تزامن مع استعدادات دمشق لاستضافة مؤتمر القمة العربية في 29 من الشهر نفسه، وحاولت السلطات تدارك الأمر دون لفت الانتباه، إذ وصل عدد من قادة الأجهزة الأمنية إلى صيدنايا لاستيعاب الموقف وطلبوا الاجتماع بمندوبين عن السجناء.

وسرعان ما توصلوا إلى اتفاق لإنهاء التمرد شمل إنهاء الإجراءات التعسفية التي مارسها علي خير بيك على السجناء، وفتْح الزيارات، وتحسين ظروف الاعتقال وإعادة النظر في المحاكمات.

وافقت الدولة على مطالب السجناء، وهكذا انتهى ما صار يعرف بالتمرد الأول الذي استمر يوما واحدا فقط، ثم دخل الاتفاق بين الدولة والسجناء حيز التنفيذ.

عصيان لأشهر عدة

لاحقا، عمّت أرجاء السجن حالة عصيان وفوضى وعدم انضباط للسجناء استمرت أشهرا عدة حتى فجر يوم 5 يوليو/تموز 2008 عندما قررت السلطات تحويل صيدنايا إلى سجن تأديبي.

بدأ عناصر الشرطة بتنفيذ إجراءات عقابية تعسفية، الأمر الذي أدى إلى انتفاضة المساجين، واستطاع أحد السجناء الالتفاف وراء الباب، ثم احتجز عددا من الجنود والضباط بمساعدة زملائه.

وفورا استنفرت الدولة وضربت طوقا أمنيا وعسكريا حول السجن، وبدأ إطلاق الرصاص والغاز المدمع بشكل عشوائي، بعدها استدعي مئات العناصر من قوات حفظ النظام والتدخل السريع التي حاولت تخليص أفراد الشرطة العسكرية لكن دون جدوى.

عُزِل علي خير بيك وعُيّن مدير جديد للسجن وهو العميد طلعت محفوظ الذي كان مديرا لسجن تدمر سابقا، وحاولت الدولة احتواء الموقف فأرسلت إلى الرئيس السوري بشار الأسد مندوبا شخصيا عنه لحل الأزمة وهو اللواء منير أدانوف أحد رجالات الحكومة البارزين.

شكلت لجنة لتمثيل السجناء تكونت من 6 أشخاص لحل أزمة السجن والحد من إهدار الدماء، وتم الاتفاق على تسليم دفعات من الشرطة مقابل إخلاء الجرحى والمصابين من السجناء إلى المستشفى العسكري.

لكن السجناء الذين نقلوا إلى المستشفى تعرضوا لجولات من التعذيب والاضطهاد حتى أن عددا منهم قتلوا تحت التعذيب، وخلال أيام عدة سلّم السجناء جميع أفراد الشرطة المحتجزين، ولكن بقي السجن في حالة استنفار، واستمر الطوق الأمني حوله.

الحل الأخير

استمرت هذه الأزمة أشهرا عدة، ولكن طبقت الدولة حصارا كليا على السجن لأسابيع عدة بقطع المواد الغذائية عنه ثم الماء والكهرباء.

وفي 6 ديسمبر/كانون الأول 2008 بدأت المرحلة الأخيرة والأصعب، إذ أرسلت الدولة عددا من الرافعات وسيارات الإطفاء التي أحاطت بالسجن، واعتلى القناصة تلك الرافعات وبدأت عملية استهداف المساجين أينما كانوا.

حاول المساجين حفر نفق للنجاة بأرواحهم ولكن باءت المحاولة بالفشل، وفي أواخر ديسمبر/كانون الأول 2008 قررت الحكومة السورية إخلاء سجن صيدنايا ونقل المعتقلين إلى سجن عدرا المدني.

أخلي السجن بالكامل ما عدا 20 شخصا رفضوا الخروج، ولكن بعدما مشطت الدولة السجن قتلت عددا منهم واعتقلت الآخرين، عندها انتهى العصيان الذي استمر نحو 9 أشهر متواصلة، ولاحقا استدعي أكثر من 100 شخص للتحقيق بتهمة قيادة التمرد وعرضوا على محكمة أمن الدولة فحكمت على 6 منهم بالإعدام، ونتيجة لهذه الأحداث أصبح صيدنايا يعرف بـ”السجن الأحمر”.

انتهاء كابوس سجن صيدنايا

تمكنت قوات الثورة السورية في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 من اقتحام سجن صيدنايا، وتحرير كافة المعتقلين منه، وذلك بعد دخولها العاصمة السورية دمشق، وسقوط نظام بشار الأسد وانسحاب قواته من وزارتي الدفاع والداخلية ومطار دمشق الدولي.

فتحت أولى القوات وصولا إلى السجن أبوابه بعد أن فرّ الضباط والسجانون منه، فرأى المساجين وجوها لا يعرفونها، غير تلك التي كانت تعذبهم، وخرجوا منه بأجسام هزيلة لا تقوى على الركض، مبتهجين مع ساعات الفجر الأولى من يوم الأحد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024. وما هو إلا أن توافد المواطنون إلى السجن بالعشرات، كل يبحث عن قريب له مغيّب فيه أو عن خبر عنه أو أثر يدل عليه.

وبالرغم من البهجة العارمة في ذلك اليوم، فإن كثيرا منهم عادوا خائبين مغمومين، لأن العدد الأكبر من مساجين صيدنايا لم يخرجوا منه، بل أعدموا فيه، وغيبتهم مقابر جماعية ما زالت تتكشف بعضها.

ومن الصور المؤثرة بعد تحرير السجن أيضا، أن بعض الخارجين منه كانوا قد أصيبوا بأذى بالغ من التعذيب فيه، ففقدوا ذاكرتهم أو تضررت عقولهم حتى ما عادوا يطيقون الكلام أو يدركون ما يجري حولهم. لذلك انتشرت في الأيام الأولى صور عديدة لبعض المحررين، تسأل عمّن يدلّ على أهلهم أو يعرف من هم، ووجد بعض هؤلاء في الحدائق، بل إن أحدهم نقل إلى الأردن ظنا أنه ابن إحدى أسرها، قبل أن تصل السلطات إلى أهله في سوريا وتعيده إليهم.

إعلان

المصدر: الجزيرة

——————————————–

سجن صيدنايا.. سردية الموت التي لا تنتهي/ عاصم الزعبي

 أبريل 30, 2026

يوم الإثنين الفائت، ظهرت ثلاثة مقاطع فيديو قصيرة من كاميرات المراقبة في سجن صيدنايا العسكري، سجلتها الكاميرات في المرحلة الأخيرة من حياة نظام الأسد المخلوع عام 2024، وكانت المقاطع مجتمعة لا تتجاوز مدتها ثلاث دقائق، إلا أنها أعادت إلى أذهان السوريين ملفا هو الأضخم من ناحية الانتهاكات بحق السوريين خلال فترة الثورة السورية، خاصة أن انتشارها بشكل واسع وخلال وقت وجيز جاء بالتزامن مع بدء محاكمات رموز النظام المخلوع، واعتقال أمجد يوسف، جزار التضامن، والحديث عن قانون قريب للعدالة الانتقالية.

كما طرح انتشار الأدلة تساؤلات عديدة حول أجهزة “الهارد ديسك” التي حفظت عليها تسجيلات كاميرات السجن، والتخوف من وقوعها بأيدي أشخاص قد يسعون إلى إتلافها أو بيعها، ما سيؤدي إلى ضياع الأدلة، في ظل محاولات لبث شائعات بأن التسجيلات تم العبث بها.

إلا أن ناشطين أكدوا، على صفحاتهم على منصة “فيسبوك”، أنهم تمكنوا من الوصول إلى الشخص الذي نشر التسجيلات، وتم استلامها منه وتسليمها إلى الجهات الحكومية المختصة، ليتبين أن هذا الشخص كان من ضمن الأشخاص الذين كانوا من أوائل من دخلوا السجن عند تحريره في معركة ردع العدوان، وتمكن من الحصول على أحد “الهاردات”، وهو شقيق لمعتقل قضى في سجن صيدنايا، وقام بنشر التسجيلات دون أن يدرك أهميتها أو مدى خطورة ذلك عليها بصفتها أدلة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن ردود أفعال ذوي ضحايا سجن صيدنايا تحديدا اعتبرت إخفاء هذه التسجيلات لمدة تصل إلى سنة ونصف سنة جريمة بحد ذاتها، وأن الاحتفاظ بها كل هذه المدة يطرح الكثير من التساؤلات حول أسباب ذلك، حيث اعتبروا أن هذا التصرف لا يمكن تبريره تحت أي ظرف.

مشاهد متنوعة

أظهرت التسجيلات أكثر من منطقة داخل ما يعرف بالسجن الأحمر، وهو الأسوأ، والذي طالما احتجز فيه نظام الأسد معتقلي الثورة السورية، من بينها غرفة انتظار الزيارات، والتي بدت، بحسب المشاهد، نظيفة، ما يدل على أن التسجيلات كانت في نهايات عام 2024، وهذه الغرفة، بحسب ما كتب المعتقل السابق في سجن صيدنايا محمد منير الفقير، على صفحته على منصة “فيسبوك”، كانت لثلاثة أنواع من المعتقلين بين عامي 2012 و2013، وهم:

من لديهم زيارة، حيث يصطفون وهم جاثون على ركبهم وبواطن أيديهم على أعينهم باتجاه الجدار، وكان جلوس أي معتقل بشكل طبيعي في تلك الحالة قد يكلفه حياته، ويخرج السجانون إلى الأهل الزوار لإخبارهم ببساطة أن ابنكم انتقل من السجن، في حين يكون قد تم قتله.

وأيضا، ففي قسم من الصالة، الذي يظهر فيه معتقلان وهما واقفان، كان هذا القسم مخصصا للمعتقلين الذين قضوا نتيجة التعذيب أو الإعدام أو المرض، ويتم رميهم بعضهم فوق بعض بانتظار نقلهم إلى مشفى “تشرين العسكري”.

وأيضا، كان المرضى يتواجدون عادة في القاعة نفسها ممن سيتم نقلهم إلى المشفى، وهؤلاء يتم تكليفهم بنقل الأموات من المعتقلين وحمل جثثهم إلى السيارة المخصصة لنقل اللحوم.

وأشار الفقير إلى أن الكاميرات تم تركيبها في السجن في عام 2019 نتيجة الضغوط الروسية على النظام المخلوع، وبعد التقارير التي خرجت لتكشف ما يجري داخل السجن، سواء من قبل المنظمات أو الناجين من سجن صيدنايا، أو من قبل منظمة العفو الدولية.

سجن صيدنايا والزنزانات

يعد سجن صيدنايا من أكبر السجون في سوريا، وتم بناؤه في عام 1987، وينقسم إلى قسمين: السجن الأحمر الشهير، وتم بناؤه على شكل إشارة شركة سيارات “مرسيدس”، والسجن الأبيض، وهو بناء منفصل مخصص للعسكريين.

ومع بداية الثورة السورية، تم استخدام السجن “العسكري” في الأصل لتوقيف المعتقلين المدنيين، وخاصة النشطاء، الذين يتم تحويلهم من الأفرع الأمنية، ليواجهوا وضعا لا يقل سوءا عما لقوه في تلك الأفرع.

وتعتبر مرحلة التوقيف في الزنزانات، في بداية التوقيف، هي الأسوأ، وهي غير مرتبطة بمدة محددة، حيث يحوي السجن الأحمر في القبو 70 زنزانة، مقسمة إلى قسمين “أ” و”ب”، في كل قسم منهما 35 زنزانة، ولا تختلف الزنزانات من حيث المبدأ إلا في طريقة إدخال الطعام إلى المعتقلين. ففي زنزانات القسم “أ”، يتم إدخال الطعام عبر فتحة في أسفل الباب تدعى “الشراقة”، أما في الزنزانات الأخرى، فيقوم السجانون بإدخال الطعام، ويترافق ذلك مع ضرب شديد للمعتقلين.

وفي الزنزانات، كانت هناك تعليمات صارمة تصدر إلى المعتقلين، فالطعام بأمر، والشرب بأمر، والدخول إلى الحمام بأمر، والنوم بأمر، والكلام ممنوع، والهمس ممنوع، وعندما يسمع المعتقلون صوت السجانين في الممرات يجب أن يكونوا بوضعية الجثو ووجوههم إلى الحائط.

إذلال المعتقلين بين المحكمة الميدانية وسجن صيدنايا

تم إنشاء المحكمة الميدانية العسكرية بموجب المرسوم التشريعي رقم 109 لعام 1968، وهي من المحاكم الاستثنائية، ويتم تعيين قضاتها من قبل وزير الدفاع، وكان مرسوم إنشائها من أجل النظر في الجرائم المرتكبة زمن الحرب، أي الأفعال الجرمية التي يقوم بها أفراد الجيش أثناء الحرب مع عدو خارجي، ويتم إحالة الموقوفين إليها عن طريق وزير الدفاع.

إلا أن المحكمة استخدمت في عهد الأسد، الأب والابن، لمحاكمة المدنيين والعسكريين على حد سواء، لينتفي بذلك الغرض من إنشائها.

وبعد اندلاع الثورة السورية في عام 2011، خصصت المحكمة لمحاكمة النشطاء المدنيين بشكل رئيسي، سواء العاملين في المجال الطبي أو الإغاثي أو الإعلامي أو الحقوقي أو غير ذلك. ويعتبر محمد كنجو حسن، الذي كان في الفترة ما بين عامي 2011 و2014 النائب العام للمحكمة، الأسوأ على الإطلاق، حيث تمكن من إصدار آلاف أحكام الإعدام بحق معتقلين مدنيين، وتمت ترفيعه لاحقا من رتبة عميد إلى رتبة لواء، وتعيينه مديرا لإدارة القضاء العسكري.

وفي حديث لصحيفة “الثورة السورية”، تحدث عماد المحمد، وهو شقيق أحد المعتقلين الذين قضوا في سجن صيدنايا، عن لقاء جمعه بمحمد كنجو حسن عبر إحدى الوساطات من أجل شقيقه، حيث أوضح أنه شاهد دفعة من المعتقلين تم جلبهم لعرضهم على حسن في المحكمة التي كانت ضمن بناء الشرطة العسكرية في القابون، وكانوا بأجسام هزيلة، وجاثين على الأرض، وتكاد رؤوسهم تلامس الأرض.

وأكد المحمد، الذي تمكن من لقاء كنجو لدقائق، أن كنجو أبلغه بأنه يمكن أن يساعد شقيقه في ناحية واحدة، وهي ألا يتم إعدامه، إلا أن شقيقه مات لاحقا نتيجة التعذيب والأمراض المنتشرة في السجن، وخاصة أمراض الرئة.

حماية الأدلة من أهم الأولويات

تلت سقوط الأسد خلال الأيام الأولى فوضى كبيرة، حيث دخل الأهالي إلى سجن صيدنايا العسكري، وإلى الأفرع الأمنية، بحثا عن أي دليل يكشف مصير ذويهم ممن تم اعتقالهم ولم يظهروا عند تحرير السجون، وأدت هذه الفوضى إلى ضياع العديد من الملفات والتسجيلات، كان من بينها تسجيلات صيدنايا.

وأكد المحامي إبراهيم القاسم، المتخصص في حقوق الإنسان، خلال حديث سابق لصحيفة “الثورة السورية”، أنه سيكون لتدمير هذه الأدلة وتهريبها أثر كبير خلال المحاكمات الجنائية وكشف الحقيقة، خاصة عند العمل على بناء الهيكلية الإدارية وتسلسل القيادة والأوامر لتحديد المسؤولية الجنائية. فعلى سبيل المثال، سيصعب تحديد سجلات المعتقلين والشهداء في المعتقلات، أو مواقع المقابر الجماعية، أو معرفة من أصدر الأوامر بارتكاب هذه الانتهاكات ومن نفذها بشكل مباشر. ومع ذلك، فإن تدمير جزء من الأدلة لا يعني ضياع كل شيء، إذ لا تزال هناك شهادات الشهود، وسجلات المشافي، والصور، والوثائق المسربة. لكن يمكن القول إن هذا التدمير سيجعل عملية كشف الحقيقة والمحاسبة أطول وأكثر تعقيدا.

وأوضح أن هناك عوامل تجعل عملية الوصول إلى الأدلة أمرا صعبا ولا يلبي طموح الضحايا. فنظام الأسد، شأنه شأن الأنظمة الشمولية والاستبدادية، كان يقوم على بنية أمنية كبيرة بناها عبر عقود طويلة، مما أكسبه خبرة واسعة في حماية البيانات والمعلومات وأرشفتها. كما أن مركزية هذا النظام جعلت غالبية المعلومات موجودة في العاصمة دمشق، آخر المدن التي سقطت قبل فرار رأس النظام، الأمر الذي سهل على الأجهزة الأمنية تهريب وتدمير العديد من البيانات والمعلومات قبل فرارها من دمشق.

إضافة إلى ذلك، فإن انتشار أماكن ارتكاب الانتهاكات في سوريا عموما، وفي دمشق خصوصا، جعل الوصول إلى كل هذه البيانات أمرا بالغ الصعوبة. فعلى سبيل المثال، كانت الانتهاكات ترتكب داخل المشافي العسكرية وحتى المشافي المدنية الحكومية والخاصة، فضلا عن انتشار المقابر الجماعية التي لم يتم اكتشافها جميعا حتى الآن.

ويعد ملف سجن صيدنايا من أكثر ملفات الانتهاكات في سوريا أهمية وحساسية في الوقت نفسه، نظرا إلى تعدد أنواع الانتهاكات التي ارتكبت فيه بحق المعتقلين، سواء بالقتل المباشر أو الإعدامات أو ترك المعتقلين للموت نتيجة المرض، والأدلة المرتبطة به تعد أولوية لا بد من جمعها وحمايتها من قبل الجهات المختصة.

————————————-

=======================

تحديث 29 نيسان 2026

—————————–

اعترافات «عدو الغوطتين»: هاجمنا الأهداف عشوائياً وأوامر القصف كانت تأتي من الأسد

وزارة الداخلية السورية نشرت فيديو

    دمشق: «الشرق الأوسط»

29 أبريل 2026 م

نشرت وزارة الداخلية السورية، مساء الثلاثاء، فيديو مسجلاً لاعترافات ميزر صوان، اللواء الطيار في عهد بشار الأسد والملقّب بـ«عدو الغوطتين»، والمدرَج على قوائم العقوبات الدولية، منها قائمة الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، ويتهم صوان بقصف غوطتي دمشق الشرقية والغربية.

ويتناول المقطع المصور تحقيقات مع 3 طيارين سابقين بالنظام أيضاً، بينهم ميزر صوان، الذي أكد أن أوامر القصف كانت تأتي من الرئيس المخلوع بشار الأسد.

ويظهر في الفيديو صوان وعبد الكريم عليا ورامي سليمان خلال الاستجواب.

وشغل صوان، مناصب عسكرية عدة، أبرزها قيادته «الفرقة 20» الجوية في مطار الضمير العسكري. وكان من «المتورّطين في إصدار الأوامر للطيران الحربي بقصف المناطق الثائرة ضد النظام البائد في الغوطتين» الشرقية والغربية اللتين شكلتا لسنوات أبرز معاقل الفصائل المعارضة قرب دمشق.

جاء توقيف صوان في يونيو (حزيران) الماضي في إطار سلسلة توقيفات أعقبت إطاحة الحكم السابق، شملت ضباطاً ومسؤولين سابقين ومقرّبين من العائلة الحاكمة، كان آخرهم وسيم الأسد، ابن عم الرئيس المخلوع بشار الأسد، وأحد أبرز المتهمين بالضلوع في تجارة المخدرات.

وقال صوان في التحقيقات المصورة: «كان أمر القصف يأتينا من بشار الأسد»، وقاطعه المحقق قائلاً: «أنت لست اللواء ميزر، بل أنت عدو الغوطتين» (الشرقية والغربية بريف دمشق).

وأضاف: «مع بداية 2013، بدأ الطيران الحربي بقصف مناطق واسعة في الجنوب مثل درعا والغوطتين، وكان بعض الطيارين مميزين ولديهم امتيازات».

وحول أوامر القصف، أوضح أنها «كانت تأتي عبر الفاكس مع تحديد عدد الطلعات والإحداثيات، ثم تُوزع على المطارات للتنفيذ».

وتابع أن «الطيارين كانوا ينفذون المهمة دون معرفة الأهداف وبشكل عشوائي». وعند سؤاله عن الدافع، أجاب: «الهدف لا أعرفه ولم أختره، بل كنت أنفذ الأوامر لأنني لا أستطيع الرفض، وفي حال الامتناع يكون الإعدام مصيري ومصير عائلتي».

وأدرجت بريطانيا صوان على قائمة العقوبات الخاصة بسوريا، للاشتباه في تورطه في «أنشطة نُفذت لصالح نظام بشار الأسد أو مرتبطة بسياسات القمع التي ينتهجها النظام».

كما اتهمه الاتحاد الأوروبي بالمسؤولية عن «قمع المدنيين بعنف، بما في ذلك عبر شنّ هجمات جوية على مناطق مدنية».

وفي المقابل، تحدّث الطيار السوري رامي سليمان في مقطع مصور عن إلقائه قنبلتين فراغيتين فوق مدينة دوما بريف دمشق، قائلاً: «لم أكن أعلم ماذا تحتويان، ربما تكونان كيميائيتين، وقد حلقت على ارتفاع 50 متراً فوق الغوطة، وكانت هناك طائرة مسيّرة توثق الضربة»، مضيفاً: «في اليوم الثاني، تحدثت وسائل الإعلام عن ضربة كيميائية».

يُذكر أن أكثر من 1400 شخص قُتلوا وأصيب ما يزيد على 10 آلاف، معظمهم أطفال ونساء، في هجوم قيل إنه «كيميائي» وينسب تنفيذه إلى قوات النظام السوري السابق، على الغوطتين في 21 أغسطس (آب) 2013.

وخلصت بعثة الأمم المتحدة في تقرير نشره الأمين العام آنذاك، بان كي مون، في 16 سبتمبر (أيلول) 2013، إلى أن «الأسلحة الكيميائية استخدمت في النزاع في سوريا، ضد المدنيين والأطفال على نطاق واسع نسبياً»، مؤكداً أن النتائج قاطعة، ولا تقبل الجدل.

————————–

ماذا تعني المحاكمات الغيابية والعلنية لمرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في سوريا؟/ علي إسماعيل

 أبريل 29, 2026

في جلسة علنية طال انتظارها، عقدت يوم الأحد 26 نيسان الجاري أول جلسة لمحاكمة غيابية لرئيس النظام المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر، مع عدد من رموز النظام المخلوع، وأولهم المسؤول الأمني السابق عاطف نجيب الذي مثل حضوريا.

وتعد المحاكمات الغيابية أداة قانونية هامة في النظم القضائية التي تسمح بمقاضاة المتهمين الهاربين أو الذين يتعذر حضورهم، إذ إن جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة الجماعية منصوص عليها في القوانين الجنائية لكل دولة، وتخضع للعقوبات بموجب تلك القوانين.

وذكر خلال الجلسة اسم طلال العيسمي كمتهم غيابي باعتباره أحد رموز النظام المخلوع، حيث كان العيسمي مسؤولا أمنيا في درعا عند انطلاق الثورة السورية، ويعتبر أحد المتورطين في المجازر واقتحام المسجد العمري. وبحسب المعلن، فإن العيسمي موجود في السويداء، وقد عينه حكمت الهجري مؤخرا قائدا لأمن ميليشياته.

وكان وزير العدل السوري الدكتور مظهر الويس قد أكد على منصة “إكس” أن أولى المحاكمات المرتبطة بأركان النظام السابق ستتركز على أحداث درعا، موضحا أن هذه المحاكمات لا تندرج ضمن إطار القضاء التقليدي، بل تأتي ضمن مسار شامل لتحقيق العدالة الانتقالية في سوريا، مشيرا إلى أن اختيار درعا كنقطة انطلاق يحمل بعدا رمزيا باعتبارها مهد الثورة، ومؤكدا أن هذا المسار يهدف إلى كشف الحقيقة وتخليد الذاكرة.

وخصصت جلسة المحاكمة الأولى للإجراءات الإدارية والقانونية الخاصة بالتحضير، حيث لم يستجوب القاضي المتهم عاطف نجيب خلال هذه الجلسة، معلنا عقد جلسة محاكمة ثانية في العاشر من أيار المقبل.

الجلسة الأولى من جلسات العدالة الانتقالية استهلت مسار التحضير لمحاكمة غيابية للمجرم بشار الأسد وشقيقه ماهر، مضيفا أن المحاكمات الحضورية ستشمل وسيم الأسد، أحد أقرباء الرئيس المخلوع، والمفتي السابق بدر الدين حسون، ومسؤولين عسكريين وأمنيين آخرين أوقفتهم السلطات الجديدة تباعا خلال الأشهر الماضية، وسيحاكمون بتهم ارتكاب فظائع بحق السوريين.

وكان رئيس محكمة الجنايات الرابعة بدمشق، القاضي فخر الدين العريان، قد افتتح الجلسة بالقول: “نبدأ اليوم أولى محاكمات العدالة الانتقالية في سوريا، وتشمل متهما ملقى القبض عليه، موجودا في قفص الاتهام، وتشمل متهمين هاربين من وجه العدالة”، وذلك قبل أن يتلو اسمي الرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، ممن سيحاكمون “غيابيا”.

ماذا تعني المحاكمة الغيابية؟

تعرف المحاكمة الغيابية بأنها جلسة محاكمة تعقد من دون حضور الأطراف المعنيين، ويمكن أن تشمل الأفراد الذين لم يحضروا رغم استدعائهم، أو أولئك الذين لا يمكن تحديد مكانهم. وفي الحالة السورية، لم يكن هذا الخيار ترفا قانونيا، بل ضرورة فرضها واقع سياسي، وغياب أي تعاون رسمي مع الهيئات القضائية الدولية.

إن جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة الجماعية منصوص عليها في القوانين الجنائية لكل دولة وتخضع للعقوبات بموجب تلك القوانين، رغم أن الاسم الدقيق المعطى لتلك الجرائم، وكذلك العناصر التي تحددها، قد تتفاوت من قانون وطني إلى آخر، وقد عملت المحكمة الجنائية الدولية على المواءمة بين التعريفات الوطنية لهذه الجرائم.

وتعد هذه الإجراءات وسيلة لضمان سير العدالة، وقد تتجلى في حالات مختلفة، مثل الجرائم التي تعد خطيرة، أو عندما تكون الأدلة كافية لإصدار حكم رغم غياب المدعى عليه.

ومن حيث المبدأ، برزت عدة محاكمات غيابية في أوروبا بحق مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أمام المحاكم الأوروبية. وفي هذا السياق، يقول الباحث والمحلل السياسي ميلاد مالك الأطرش في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”: “تبرز المحاكمات الغيابية لمرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في سوريا كأداة استثنائية لمواجهة واقع استثنائي. فمع تعذر الوصول إلى المتهمين، وعلى رأسهم بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، وجدت بعض الأنظمة القضائية الأوروبية نفسها أمام سؤال مهم مفاده: هل تعلق العدالة إلى حين تغير الظروف، أم تبتكر مسارات بديلة تبقيها حية؟”.

ويضيف بالقول: “هذا السؤال لم يبق نظريا، بل تحول إلى مسار قضائي فعلي، حيث أعاد تعريف حدود العدالة وفتح الباب أمام مقاربة جديدة تقوم على ملاحقة الجرائم الكبرى حتى في غياب مرتكبيها. ومع تراكم الأدلة من شهادات ناجين، وتقارير أممية، وتسريبات موثقة، انتقلت بعض الدول الأوروبية، خاصة ألمانيا وفرنسا، من مرحلة التوثيق إلى مرحلة المحاسبة، مستندة إلى مبدأ “الولاية القضائية الدولية”، الذي يتيح محاكمة مرتكبي الجرائم الجسيمة بغض النظر عن مكان وقوعها.”

ويذكر أن محاكمة أنور رسلان أمام المحكمة العليا الإقليمية في كوبلنز في ألمانيا شكلت محطة مفصلية، فرسلان، الذي لجأ إلى أوروبا، حوكم حضوريا، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد عام 2022 بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، شملت التعذيب الممنهج والقتل والاعتداء على مئات المعتقلين.

كما أدين في القضية ذاتها إياد الغريب لدوره في اعتقال متظاهرين وتسليمهم إلى مراكز الاحتجاز، ما رسخ مبدأ أن المسؤولية الجنائية لا تقتصر على القيادات العليا، بل تشمل المنفذين أيضا، واعتبرت هذه المحاكمة أول اعتراف قضائي دولي بأن التعذيب في سوريا لم يكن تجاوزا، بل سياسة ممنهجة ترعاها الدولة.

وهنا يذكر الباحث الأطرش أن العدالة في فرنسا اتخذت مسارا مكملا عبر المحاكمات الغيابية، حيث صدرت مذكرات توقيف وأحكام بحق شخصيات بارزة، من بينها بشار الأسد وماهر الأسد، في قضايا تتعلق بالاختفاء القسري والتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية، ورغم أن هذه الأحكام لا تنفذ حاليا، إلا أنها تخلق واقعا قانونيا جديدا يلاحق المتهمين خارج حدود بلادهم.

وأشار الأطرش إلى بروز صور “قيصر” بوصفها واحدة من أقوى الشواهد في هذا المسار، بما تحمله من تفاصيل دقيقة وأرقام وتواريخ وآثار تعذيب حولت الألم إلى دليل قانوني لا يمكن إنكاره. وأيضا في محاكم مثل كوبلنز، لم تكن هذه الصور مجرد مادة داعمة، بل ركيزة أساسية ساهمت في إثبات الطابع المنهجي للانتهاكات، وربطت بين شهادات الضحايا والبنية المؤسسية التي أنتجت هذه الجرائم.

وفي السياق نفسه أيضا، يقول القاضي الدولي المستشار وليد الحمود، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، إن “المحاكمات الغيابية بحق بشار الأسد وماهر الأسد ورموز النظام المخلوع ومرتكبي الجرائم والانتهاكات تأتي كاختبار مركب حول سؤالين: هل نحن أمام أداة قانونية تبقي العدالة حية رغم غياب المتهمين، أم أمام صيغة تدار بها الذاكرة دون أن تحسم بها المسؤولية؟ وهنا هي ليست مجرد إجراء شكلي، بل اعتراف قضائي بأن العدالة لا تنتظر اكتمال الظروف السياسية، وتهدف إلى منع تجميد العدالة بانتظار حضور المتهم، وتوثيق قضائي رسمي للوقائع، وتثبيت إطار قانوني للمساءلة”.

ويضيف أنه “ضمن مسار العدالة الانتقالية يمكن للمحاكمات الغيابية أن تكون أداة نافعة إذا استوفت شروطا صارمة، منها الإجراءات العادلة، ومعايير إثبات عالية تتجاوز الاعترافات إلى الأدلة المتقاطعة والموثقة، وقابلية إعادة المحاكمة عند مثول المتهم، والارتباط ببرامج أوسع مثل كشف الحقيقة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي”.

في مسار العدالة الانتقالية.. هل تكفي المحاكمات الغيابية؟

رغم أهمية هذه المحاكمات، فإنها لا تمثل العدالة الانتقالية الكاملة، بل جزءا منها، حيث تكسر منطق الإفلات من العقاب، وتنصف الضحايا معنويا عبر الاعتراف بمعاناتهم، وتنشئ سجلا قانونيا يمكن البناء عليه مستقبلا، لكنها في الوقت نفسه لا تحقق التنفيذ الفعلي للأحكام، وتبقي الشخصيات الأعلى نفوذا خارج متناول العدالة المباشرة.

وتشير تصريحات المسؤولين السوريين في الحكومة الجديدة إلى أن مسار العدالة الانتقالية طويل بمعناه الأشمل، باعتبارها تتطلب كشفا كاملا للحقيقة، ومحاسبة فعلية، وتعويضا للضحايا، والعديد من الإجراءات، وما يجري اليوم هو خطوة ضمن هذا المسار لا نهايته.

وفي هذا السياق، يشير الباحث الأطرش إلى أنه لا يمكن فصل هذه المحاكمات عن سياقها السياسي، فهي تنتج ما يمكن وصفه بـ”وصمة قانونية دولية” تلاحق شخصيات مثل بشار الأسد، وتعيد صياغة السردية العالمية حول الصراع في سوريا، من “نزاع معقد” إلى توصيف قانوني واضح هو جرائم ضد الإنسانية، وتعذيب ممنهج، واختفاء قسري.

ويضيف بالقول: “إن ما يجري اليوم ليس مجرد محاسبة قانونية، بل هو معركة على الذاكرة، ففي الوقت الذي يمكن فيه للسلطة أن تفرض سيطرتها على الأرض، يبقى توثيق الحقيقة وتثبيتها قانونيا أمرا يصعب محوه، فالمحاكمات الغيابية، المدعومة بشهادات الضحايا، تؤسس لشيء أعمق، وهو الذاكرة القانونية التي لا يمكن إنكارها، وفي عالم كثيرا ما تتأخر فيه العدالة، تبدو هذه المسارات إعلانا واضحا بأن الجرائم الكبرى قد تفلت مؤقتا، لكنها لا تختفي.”

وتتميز المحاكمات الغيابية في سوريا، مثل كثير من المحاكمات الدولية عقب الحرب العالمية الثانية، بأنها تمتد لتشمل شخصيات ميدانية وأمنية لعبت أدوارا مباشرة في تنفيذ الانتهاكات، من بينها طلال العيسمي، الذي يتهم بالتورط في أحداث دامية، لا سيما في محافظة درعا، حيث شهدت المنطقة واحدة من أعنف موجات القمع خلال السنوات الأولى من الثورة السورية.

وتقول التحليلات والتقارير الإعلامية إن إدراج مثل هذه الأسماء في المسارات القضائية، حتى لو بشكل غيابي، يعكس توجها نحو توسيع نطاق المساءلة، بحيث لا تقتصر على رأس الهرم، بل تشمل أيضا من يشتبه في ضلوعهم في التنفيذ والتخطيط على مستويات مختلفة. وقد يظن البعض أن الأحكام الغيابية ذات طابع رمزي فقط، لكن في الواقع لها تبعات قانونية مهمة، خاصة على المستوى الدولي.

وتشير إلى أن إدخال أسماء مثل طلال العيسمي ضمن هذا السياق يوضح أن مسار العدالة لم يعد نظريا أو انتقائيا، بل يتجه تدريجيا نحو بناء شبكة أوسع من المساءلة تشمل مختلف مستويات السلطة، وهذا ما يعزز الفكرة الأساسية بأن العدالة في الحالة السورية لا تبنى دفعة واحدة، بل تتشكل تدريجيا عبر تراكم القضايا، والأحكام، والاتهامات، إلى أن تتحول إلى واقع يصعب تجاهله.

وحول هذا الموضوع، يشير الباحث الأطرش إلى أنه في حال صدور حكم قضائي بحق أي متهم، مثل طلال العيسمي أو غيره من المسؤولين، فإن ذلك يؤدي إلى إصدار مذكرات توقيف دولية قد تعمم عبر آليات مثل “الإنتربول”، ما يجعل المتهم عرضة للاعتقال في حال دخوله أي دولة تتعاون مع هذه المذكرات، إضافة إلى تقييد الحركة والسفر، كما يعزز فرص المحاكمة المستقبلية، سواء داخل سوريا أو أمام هيئات دولية في حال فتح مسارات جديدة للمحاسبة. بمعنى أن الحكم الغيابي لا ينتهي عند صدوره، بل يتحول إلى أداة قانونية طويلة الأمد تلاحق المتهمين.

أما القاضي الحمود فيلفت، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، إلى أن القيمة الحقيقية لهذه المحاكمات ليست في أسماء المتهمين فقط، بل في مدى قدرتها على تتبع سلسلة القرار. وهنا يصبح مبدأ مسؤولية القيادة محوريا، بحيث لا تتوقف المساءلة عند المنفذ، بل تمتد إلى من أمر أو علم أو كان يجب أن يعلم وامتلك القدرة على المنع أو المعاقبة ولم يفعل. وإذا نجحت المحاكمات الغيابية في ربط الوقائع بسياقها القيادي، وإثبات أنماط الأوامر والسيطرة، وتوسيع الدائرة صعودا دون الاكتفاء بالقاعدة، فإنها تتحول من إجراء استثنائي إلى رافعة حقيقية للمساءلة، وإلى آلية لكسر بنية الإفلات من العقاب.

ويضيف بالقول: “هنا يجب التمييز الدقيق بين الفاعلية والرمزية، فهي فاعلة حين تنتج سجلا قضائيا متماسكا وتحفز تعاونا دوليا وتبقى مفتوحة لإعادة المحاكمة والتنفيذ، وهي رمزية حين تستخدم لإغلاق الملف سياسيا ويبقى من هم فوق الحلقة الأدنى خارج المساءلة، والخط الفاصل بينهما هو قابلية الاستمرار والتراكم”.

لمحة عن محاكمات نورنبيرغ وإرثها التاريخي

هي سلسلة من المحاكم العسكرية التي عقدتها قوات الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية وفقا للقانون الدولي وقوانين الحرب، حيث بدأت محاكمة المجرمين الرئيسيين الأربعة والعشرين من كبار ممثلي الدولة النازية في 20 تشرين الثاني 1945 في مدينة نورنبيرغ.

وتقول مصادر التوثيق إن اختيار مدينة نورنبيرغ لم يكن عبثيا، باعتبارها كانت مسرحا لمؤتمرات الحزب النازي التي سن خلالها القوانين العنصرية التي مهدت الطريق للهولوكوست، وللعديد من الجرائم ضد الإنسانية.

وشملت المحاكمات استجواب أكثر من 230 شاهدا خلال 218 يوما، وقراءة 300 ألف إفادة، وكتابة 16 ألف صفحة من المحاضر.

وتعتبر محاكمات نورنبيرغ أولى المحاكمات وأكثرها شهرة لمحاكمة كبار مجرمي الحرب أمام المحكمة العسكرية الدولية، حيث وصفها السير نورمان بيركيت، أحد القضاة البريطانيين الحاضرين طوال المحاكمة، بأنها “أعظم محاكمة في التاريخ”.

وعقدت المحكمة بين 20 تشرين الثاني 1945 والأول من تشرين الأول 1946، وأوكل إليها مهمة محاكمة 24 من أهم القادة السياسيين والعسكريين للرايخ الثالث، واعتبرت نقطة تحول في سير القانون الدولي من الكلاسيكي إلى المعاصر.

وتنبع أهمية هذه المحاكمات التاريخية من أن لوائح الاتهام فيها أشارت، للمرة الأولى في القانون الدولي، إلى الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، ومنها إبادة الجماعات الإثنية والقومية، وجرائم الحرب ضد المدنيين في بعض الأراضي المحتلة بهدف تدمير أعراق وطبقات معينة، والقضاء على مجموعات قومية أو عرقية أو دينية محددة، وخصوصا اليهود والبولنديين والغجر وسواها.

وكذلك مثل تصنيف الجنايات ونظام المحكمة قفزة قضائية اقتفت خطاها الأمم المتحدة فيما بعد لوضع فقه قضاء دولي متعلق بقضايا جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والحروب العدوانية، وأفضى ذلك في نهاية الأمر إلى تأسيس المحكمة الجنائية الدولية.

يوم الأحد الفائت عقدت الجلسة الأولى لمحاكمة رئيس فرع الأمن السياسي السابق في محافظة درعا، عاطف نجيب، الذي لعب دورا مهما في قمع الثورة السورية عند انطلاقتها من درعا، وتورط في عدة جرائم كالقتل والتعذيب، قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وكانت الجلسة هي الأولى من نوعها في تاريخ سوريا الحديث، وتجري بشكل علني وأمام وسائل الإعلام والمتضررين من المتهم وذويهم، وقد عقدت وفق قانوني العقوبات وأصول المحاكمات الجزائية السوريين، أي قبل أن يتم إقرار قانون خاص بالعدالة الانتقالية تختص نصوصه بالجرائم المرتكبة من رموز النظام المخلوع.

وأثارت المحاكمة، والجلسة الأولى منها، العديد من ردود الأفعال بين مؤيد لها ومعارض لها بالشكل الذي جرت عليه، وسط تبريرات لكل طرف، إلا أنها من الناحية القانونية محاكمة صحيحة، غير أن التهم الموجهة إلى المتهم ورموز النظام الآخرين لا بد أن تعالج بقانون خاص.

المحاكمة بداية لمسار محاسبة ضروري قانونيا

بتاريخ 17 أيار 2025، صدر مرسومان رئاسيان ينصان على إنشاء هيئتين حكوميتين جديدتين في سوريا، “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” و”الهيئة الوطنية للمفقودين”، وهو ما اعتبر نقطة تحول غير مسبوقة في مسألة العدالة والمحاسبة في سوريا، وفي كشف الانتهاكات وتحقيق المساءلة تجاهها.

وتتمتع “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” بصلاحيات محاسبة رموز النظام السابق، وعلى رأسهم بشار الأسد، وكافة مسؤولي نظامه العسكريين والمدنيين، ممن ساهموا في ارتكاب جرائم وانتهاكات بحق السوريين منذ انطلاق الثورة السورية في آذار 2011 وحتى سقوط نظامه نهاية عام 2024.

وكان من مهام “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” إعداد قانون خاص بالعدالة الانتقالية يتيح سن تشريع يحوي نصوصا قانونية لإنشاء محكمة خاصة تحاكم رموز النظام المخلوع وفق قانون خاص، يتناسب مع القوانين الدولية، ويتصل بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وعلى الرغم من أن المعلومات تؤكد أن مسودة القانون باتت جاهزة، إلا أن إقراره، كما هو في المسودة أو بعد إدخال تعديلات عليه، يرتبط بانعقاد مجلس الشعب لإقراره.

ونتيجة هذا التأخير، سواء في انعقاد مجلس الشعب لأسباب ترتبط بالأوضاع في مناطق من سوريا تم ترتيب أوضاعها مؤخرا، أو في الوقت الذي احتاجه وضع مسودة لقانون العدالة الانتقالية، كان لا بد من البدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع ممن مروا بمراحل التحقيقات القضائية، عبر قضاء التحقيق والإحالة وفق القانون السوري، والتوقيف ضمن مدة قانونية يمكن تمديدها لفترة محددة، إضافة إلى الضغط الشعبي من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، تم اتخاذ القرار بعقد الجلسات لمحاكمة هؤلاء الرموز أمام محكمة الجنايات الرابعة بدمشق، ووفق قانوني العقوبات وأصول المحاكمات الجزائية السوريين، ريثما يتم الانتقال، من خلال تشريع خاص، إلى المحاكمة وفق قانون العدالة الانتقالية بعد إقراره.

رئيس فرع درعا لنقابة المحامين، المحامي فضل الشوامرة، أوضح خلال حديثه لصحيفة “الثورة السورية” أن المحاكمة بدأت قبل إقرار قانون العدالة الانتقالية لأسباب عديدة، منها أن مدة التوقيف للمتهمين دون محاكمة مدة محددة وفق القانون السوري، وكان لا بد من البدء بها كي لا يكون هناك أي طعن في التوقيف أو المحاكمات في حال بدأت بعد نهاية هذه المدة، ولتلافي أي تدخلات خارجية من قبل قانونيين للطعن في نقطة التوقيف دون محاكمة، والمحاكمة هنا صحيحة إلى حين إقرار قانون العدالة الانتقالية، حيث راعت كل الأوضاع القانونية.

علنية المحاكمة نهاية لحقبة المحاكم الاستثنائية

لعل أهم ما ميز الجلسة الأولى من محاكمة عاطف نجيب هو علنية المحاكمة، فعلى الرغم من أن العلنية شرط أساسي في القضاء السوري، إلا أن ما جرى أنهى حقبة مظلمة للقضاء الاستثنائي في سوريا، الذي كرسه نظام الأسد على مدى أكثر من خمسين سنة، سواء من خلال المحاكم الميدانية أو محاكم أمن الدولة، وهو ما كان في الأصل مخالفا لقانون العقوبات وأصول المحاكمات الجزائية.

كما أن العلنية في المحاكمات تعطي مؤشرا مهما على الشفافية والرقابة الشعبية على المحاكمات، وهذا ما يدفع نحو تحري العدالة من القضاء بشكل أكبر.

وأكد الشوامرة أن علنية المحاكمة إجراء قانوني، ولا بد أن تكتب في محضر الجلسات للمحاكمات. وعادة ما تكتب عبارة “شرع في المحاكمة علنا”، وإذا لم تكتب فإن الإجراءات التي تتم بعدها تكون باطلة قانونا، كما أن العلنية جزء أساسي في أصول المحاكمات الجزائية وإجراء لا بد منه.

من جهتها، أكدت المحامية فاطمة حواصلي، خلال حديثها لصحيفة “الثورة السورية”، أن أهمية علنية المحاكمة تكمن في أنها من أهم ضمانات العدالة الجنائية، حيث تحقق رقابة شعبية على القضاء، وتعزز الثقة في الإجراءات، وتبعد عنها أي شبهة أو تعسف في تطبيق القانون.

وأضافت حواصلي أنه، في ما يتعلق بجرائم رموز النظام المخلوع، تزداد أهمية علنية المحاكمات كونهم مرتكبي جرائم حرب جسيمة من خلال نفوذهم الرسمي في مرحلة ما، كما تمثل توثيقا تاريخيا ومجتمعيا لمبدأ المحاسبة وأن الجميع تحت سقف القانون، كما أنها محاولة لجبر الضرر المعنوي لما سببه هؤلاء لكل أبناء الشعب السوري.

هل يفي قانون العقوبات السوري بغرض المحاكمات؟

بدأت المحاكمات في جلستها الأولى وفق القانون السوري، وتحديدا قانون العقوبات، ووفق إجراءات قانون أصول المحاكمات الجزائية، فاللجوء إلى محاكم دولية، أو وجود محاكم أو محكمة خاصة، لا يزال غير متاح في الوقت الحالي، ومن الناحية القانونية يفضل أن تتم المحاكمات في محكمة خاصة “وطنية”، إلا أن ذلك مرتبط بإقرار قانون العدالة الانتقالية.

ومن هنا، فإن القانون السوري، أي قانون العقوبات، يكون صالحا لإجراء المحاكمات، التي ستحتاج في الأصل إلى وقت طويل بسبب كثافة ملفاتها وتعدد الشهود فيها، إلا أن البدء في المحاكمات يعتبر إنجازا غير مسبوق في سوريا.

وأكدت المحامية حواصلي، في هذا السياق، أن قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات السوريين يستطيعان تغطية هذا النوع من الجرائم والانتهاكات التي مورست بحق الشعب السوري، لكن من الناحية الإجرائية يمكن الاستناد إليهما ريثما يصدر قانون العدالة الانتقالية، فقانون العقوبات تم وضعه بشكل ينص على جرائم وجنايات لا ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

ومن جهته، بين المحامي الشوامرة أن قانون العقوبات الحالي يشوبه القصور في نصوصه، ولا يوجد فيه تجريم لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، إلا أن الجرائم الموجهة حاليا إلى المتهمين، وخاصة في المحاكمة الأولى كالقتل والتحريض على قتل عدد من الأشخاص، تندرج ضمن نصوص قانون العقوبات، وهي كافية للوصول إلى العدالة المطلوبة.

انعقاد المحكمة صحيح

في انعقاد المحاكم وفق القانون، من المهم النظر إلى الناحية الشكلية في انعقاد المحكمة، ولا يكفي النظر إلى الإجراءات، فالأخطاء في الناحية الشكلية كفيلة بنسف وإبطال أي محاكمة حتى لو كانت محقة.

ومن هنا بدا واضحا حرص وزارة العدل والقضاء السوري على أن يكون انعقاد المحكمة لمحاكمة رموز النظام المخلوع صحيحا من الناحيتين الشكلية والموضوعية، سواء بعدد قضاة المحكمة، ووجود ادعاء وشهود، ومحامي دفاع، وطريقة الإبلاغ، والنداء على المتهمين سواء الحاضرين أو الذين ستتم محاكمتهم غيابيا، وبقية الإجراءات الأخرى.

وأكد المحامي الشوامرة أن المحكمة انعقدت بشكلها الصحيح، من خلال وجود قضاتها الثلاث بوصفها محكمة جنايات، ووجود النيابة العامة، ومحامي الدفاع الذي هو جزء أساسي من المحكمة، إضافة إلى شهود الحق العام.

أما المحامية حواصلي فبينت أنه، من الناحية القانونية، تم تطبيق أصول المحاكمات الجزائية من حيث تشكيل المحكمة وتبليغ الخصوم وحضور الدفاع، وضمان حق المواجهة، إضافة إلى الإجراءات الأخرى، أي إن انعقاد المحكمة صحيح.

وأضافت حواصلي أن أهمية هذه المحاكمات يجب أن تتبلور حول جوهرية المحاكمة وضمان حقوق كافة الأطراف من دفاع وشهود وادعاء، وبالفعل تم خلال الجلسة الأولى رؤية تمثيل النيابة العامة، ومحامي الدفاع، والمدعين الشخصيين، إلا أن التحدي الأكبر يبقى في الجلسات القادمة في إدارة محاكمات تراعي ثقل الملف وحساسيته تجاه كل مواطن سوري دون الإخلال بضمانات العدالة.

وحول الانتقال من تطبيق قانون العقوبات إلى قانون العدالة الانتقالية، أكدت حواصلي أن التحول بين قانونين أثناء المحاكمة يتطلب تشريعا خاصا يحدد نطاق سريان كل منهما، مع مراعاة قاعدة عدم رجعية القوانين الأشد، أو استثناء ذلك بشكل صريح كونها تتعلق بجرائم حرب، أي إنه في حال إقرار قانون العدالة الانتقالية يمكن أن يتم التعامل معه كنظام خاص يطبق على جرائم خاصة بنطاق زمني وموضوعي معين، مع إمكانية إحالة القضايا القائمة إليه وفق آليات انتقالية واضحة.

أما الشوامرة، فختم بأنه من المهم أن يقوم مجلس الشعب، بمجرد انعقاده، بإقرار قانون عدالة انتقالية يتناول جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بأثر رجعي منذ عام 1970، وهي الجرائم التي لا تسقط بالتقادم.

الثورة السورية

—————————–

سوريا ومعضلة الإعدام: علنية العقوبة وتسليم المجرمين/ منصور العمري

أبريل 29, 2026

خلال الأيام الماضية، وبعد القبض على أمجد يوسف، وبعد بدء محاكمة عاطف نجيب وبشار الأسد غيابياً، تكررت المطالبات بالإعدام، وتخلل هذه المطالبات أصوات تطالب بتطبيق عقوبة الإعدام بشكل علني في الساحات العامة. حتى أن أحد أعضاء مجلس الشعب طالب بالإعدام العلني في مقابلة تلفزيونية داخل قاعة المحكمة بدمشق.

الإبقاء على الإعدام كعقوبة أو إلغائها متروك للجهات المعنية وللنقاش المجتمعي والحقوقي والتشريعي، وهي ليست محظورة في القانون الدولي رغم أنها تواجه اعتراضات حقوقية من الأمم المتحدة، وتتصدر منظمة العفو الدولية المطالبين بإلغاء عقوبة الإعدام حول العالم.

حسب قاعدة بيانات منظمة العفو الدولية لعام 2025، تحافظ 54 دولة على عقوبة الإعدام في نظامها القانوني والتطبيق، من بينها سوريا والسعودية والإمارات والأردن وإيران والصين والولايات المتحدة واليابان وسنغافورة. من بين الدول التي ألغت عقوبة الإعدام للجرائم العادية فقط، البرازيل وإسرائيل وبوركينا فاسو، ومن الدول التي ألغت الممارسة الفعلية ولم تلغها من التشريع، تونس والجزائر وروسيا وكوريا الجنوبية.

إلا أن تنفيذ عقوبة الإعدام بشكل علني وأمام الجمهور مسألة مختلفة، ولا يمارسها إلا خمس دول ومليشيات حول العالم. نفهم أن هذه المطالبات يحركها الألم والسعي للعدالة، لكن بالنسبة للإعدام العلني أمام الجمهور تحديداً فهذا يتجاوز المطالب المحقة. حتى المطالب بالعدالة لها حدود ويجب ألا تنتهك حقوق وكرامة الإنسان، فمطالبنا تعبر عنّا، وعن مستقبل البلاد. لسنا أمجد يوسف حتى نهلل ونحتفي بآخر لحظات حياة الإنسان أو نعممها على الملأ. لا ينبغي أن نسمح لغضبنا وألمنا أن يتغلب على إنسانيتنا، فآخر لحظات الإنسان ليست ملكه ولا سيطرة له عليها.

بدأتُ بتوثيق الفظائع بحق الشعب السوري عام 2011، وفقدت عدداً من أقاربي خلال أعوام الثورة، وتعرضتُ للاعتقال بسبب عملي، وتعرضت للفظائع ورأيت الفظائع وحللتها لسنين خلال عملي في التوثيق، ولا زالت أقسى المشاهد التي لا تفارق ذاكرتي وكوابيسي وتقض أيامي هي مشاهد اللحظات الأخيرة للإنسان حين تفارق الروح الجسد.

الإعدام العلني ممارسة تنتهك أبسط حقوق الإنسان وكرامته، ولا تمارسه إلا 5 دول في العالم وبعضها في حالات معينة فقط، وتأتي إيران في مقدمة هذه الدول، ثم أفغانستان وكوريا الشمالية والصومال خاصة في مناطق المليشيات المسلحة، واليمن خاصة في مناطق الحوثيين، أما السعودية فأوقفت هذه الممارسة بشكل شبه كامل.

ينتهك الإعدام العلني التزامات سوريا القانونية بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وهي دولة طرف فيه. تحظر المادة السابعة من العهد على الدول الأطراف إخضاع الأشخاص إلى المعاملة الحاطة بالكرامة. فسرت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان والمفوضة بتفسير العهد في تعليقها العام رقم 36 أن الإعدام العلني ينتهك المادة السابعة من العهد، بالتالي يشكل أرضية لمساءلة سوريا قانوناً عن انتهاكها العهد.

تسليم المشتبه بهم إلى دول تطبق عقوبة الإعدام محظور في عديد من الدول، لا سيما في أوروبا. مثلاً، في ألمانيا، إذا كانت الجريمة يعاقب عليها الإعدام بموجب قانون الدولة الطالبة، فلا يجوز التسليم إلا إذا قدمت الدولة الطالبة ضمانة بعدم فرض عقوبة الإعدام أو عدم إنفاذها. وفي السويد لا يجوز الحكم بالإعدام على الشخص بعد تسليمه إلى الدولة الطالبة.

يثير هذا الموضوع أسئلة يجب أن يجد السوريون إجابات لها. فهل نتخلى عن عقوبة الإعدام من أجل استلام المشتبه بهم في أوروبا، أم نبقي عليها ونتخلى عن محاكمة سوريا لكثير من المشتبه بهم المتوارين في أوروبا؟ وهل يمكن الإبقاء على عقوبة الإعدام في القانون، واستلام المشتبه بهم بشرط عدم الحكم عليهم بالإعدام أو عدم تنفيذه؟ ينبغي أن تكون الإجابات على هذه الأسئلة جاهزة في أقرب وقت، وربما خلال نقاش قانون العدالة الانتقالية قبل إقراره.

تقول الأمم المتحدة إن عقوبة الإعدام ليست أداة فعالة لمكافحة الجريمة، ويمكن أن تؤدي إلى إعدام أبرياء، وغالبا ما تُطبق عقوبة الإعدام بشكل تعسفي وتمييزي، في انتهاك للمبادئ الأساسية للمساواة أمام القانون. كما تدعو الأمم المتحدة بشكل متكرر جميع الدول التي لا تزال تُطبق عقوبة الإعدام إلى وقف فوري لعمليات الإعدام، وتخفيف جميع أحكام الإعدام القائمة، والتحرك نحو إلغائها الكامل.

في نهاية المطاف، الإبقاء على عقوبة الإعدام أو إلغائها ستشكل جزءً من العقد الاجتماعي بين السوريين، وسيبقى السوريين مسؤولين عن خيارهم لعقود قادمة.

الثورة السورية

—————————–

 هل تستفيد سوريا من سابقة محكمة هامبورغ في مجزرة التضامن؟/ ميشال شمّاس

الأربعاء 2026/04/29

يعدّ توقيف أمجد يوسف، أحد المنفّذين لمجزرة التضامن، خطوة مهمة في مسار السعي نحو العدالة الانتقالية في سوريا، حيث لا تزال جروح هذه المجزرة وغيرها مفتوحة منذ أكثر من عقد. فمجزرة التضامن كانت واحدة من أفظع الجرائم التي ارتكبتها قوات الأسد المخلوع. فظاعة هذه الجريمة تتجلى في أن الجناة أنفسهم قاموا بتوثيق تفاصيلها بالصوت والصورة. هذا التوثيق المتعمّد يكشف عن مستوىً غير مسبوق من القسوة، وعن ثقة كاملة لدى المنفّذين بأنهم بمنأىً عن أيَّة مساءلة.

وقد بدا المشهد صادماً ومروعاً بعد نشر تحقيق صحيفة الغارديان في العام 2022 وتسريب أحد مقاطع الفيديو عن مجزرة “حفرة التضامن”، مشاهد قاسية لرجال يتم قتلهم بوحشية في سياق عنف منظّم، كشف عن بنية كاملة من الوحشية الممنهجة، وعن شبكة من المجرمين الذين تحركوا بثقة مطلقة بأن أحداً لن يحاسبهم. هذا التسجيل لم يكن مجرد دليل بصري فقط، بل وثيقة تُظهر كيف جرى تنفيذ الجريمة ضمن منظومة تعمل بلا رادع. وجاء توقيف أحد المنفّذين الرئيسيين لهذه المجزرة ليفتح باباً ظلّ مغلقاً طويلاً أمام الضحايا وعائلاتهم، ويعيد طرح أسئلة العدالة والمساءلة على نحو لا يمكن تجاهله.

تكمن أهمية هذا التوقيف في أنه كسر سردية الإنكار التي اعتمدها النظام السوري لسنوات، إذ كان يصرّ على نفي كل ما نُشر واعتباره مجرد “فبركات إعلامية”، رغم أن تحقيق صحيفة الغارديان أثبت أن المقاطع المسربة حقيقية وأصلية، وأن المجزرة حدثت فعلاً، وأن الأشخاص الظاهرين فيها ليسوا خيالاً. وجاء توقيف أمجد يوسف ليؤكد بصورة قاطعة أن المجزرة وقعت بالفعل، وأنها جريمة موثّقة بالصوت والصورة لا يمكن إنكارها أو الالتفاف عليها.

هذا التوقيف يطرح سؤالاً مهماً: لماذا وثّق الجناة جريمتهم بالصوت والصورة؟ فالمجرمون عادة ما يطمسون أدلة جرائمهم. وإن قيامهم بالتوثيق يثير تساؤلات حول الدوافع والجهات التي تقف خلف هذا السلوك الذي لا يصدر إلا ضمن سياق عمل منظّم، وموجّه من جهات عليا تريد التأكد من أن أوامرها يتم تنفيذها، وربما أيضاً للاحتفاظ بها لاستخدامها للمتابعة والسيطرة داخل المنظومة الأمنية نفسها. وهذا يعني أن السؤال لم يعد من نفّذ فقط؟ بل أصبح من أمر؟ ومن أشرف؟ ومن شاهد المقاطع؟ ومن احتفظ بها؟ فالتوثيق هنا دليل على وجود هيكلية كاملة تقف خلف الجريمة.

كما يفتح هذا التوقيف أسئلة مؤلمة تتعلق بهوية الضحايا الذين ظهروا في تلك المقاطع. ما أسماؤهم وأعمارهم وحكاياتهم، ومن تركوا وراءهم؟ لقد عرف السوريون بعض الجناة، لكنهم ما زالوا يجهلون هوية الضحايا. وهذا هو جزء من الظلم نفسه. فالعدالة لا تكتمل إلاعندما يتم التعرف على أسماء الضحايا، وإعادة الاعتبار لكل ضحية ظهرت في تلك التسجيلات.

وإلى جانب ذلك، يبرز بُعد آخر في أن هذا التوقيف يذكر أهالي الضحايا بأن العالم لم ينسَ أبناءهم، وأن مسار العدالة مهما طال يمكن أن يتحرك. فالعدالة في الحالة السورية هي مسار طويل ومعقّد، لكن كل مسار يبدأ بلحظة، وهذه اللحظة هي توقيف الشخص الذي ظهر صوتا وصورة وهو يشارك في تنفيذ الجريمة. إنها إشارة واضحة إلى أن الإفلات من العقاب بات صعباً، وأن المساءلة يمكن أن تطال كل من تورّط في مثل هذه الجرائم.

ولم يكن لهذا الإنجاز أن يتحقق لولا العمل الاستثنائي الذي قامت به الباحثة السورية انتصار شحود، إلى جانب زملائها حازم العبدالله ودمر سليمان ومهند أبو الحسن وأوغور أونغور، الذين قادوا تحقيقاً رقمياً دقيقاً استمر لسنوات، استخدمت فيه شحود هوية مزيفة للتواصل مع نحو مئتي شخص من داخل شبكات الميليشيات والأجهزة الأمنية التابعة لنظام الأسد. وكان لأحد أبناء مصياف دوراً حاسماً في الكشف عن المجازر المرتكبة في حي التضامن، عندما طلب منه “أمجد يوسف” إصلاح حاسوبه بوصفه تقني كومبيوتر. وخلال عملية الإصلاح اكتشف هذا الشخص مقاطع الفيديو التي توثّق المجازر، فصُدم لهول ما شاهده، وقام على الفور بنسخها وإرسالها إلى انتصار شحود التي واجهت “أمجد يوسف” مباشرة بلقطات من مقاطع الفيديو وسجّلت اعترافاته، ثم سلّمت كل الأدلة التي بحوزتها للشرطة الجنائية في ألمانيا وهولندا.

وهكذا انتقلت المقاطع المسربة من يد المسرّب إلى الباحثة، ثم إلى الشرطة الجنائية في ألمانيا وهولندا، قبل أن تُعرض لاحقًا في قاعة المحكمة في هامبورغ خلال محاكمة المتهم أحمد حمروني، الملقب بـِ “أبي حيدر التركس”، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في حي التضامن. وخلال الجلسات استمعت المحكمة إلى شهادة الباحثة السورية أنصار شحود حول عملها البحثي والفيديوهات التي حصلت عليها، واعتبرت المحكمة أن ما قامت به شحود يشكل عنصراً محورياً في القضية المنظورة واستندت إليه في تقييم الأدلة وإصدار حكمها بسجن “حمروني” عشر سنوات.

هذه المحاكمة تعد خطوة مفصلية في مسار توثيق مجزرة التضامن قضائياً، إذ باتت الجريمة جزءاً من سجلّ قضائي رسمي خارج سوريا، مع ما يعنيه ذلك من إمكان البناء عليه في أي مسار قضائي لاحق. فالمواد التي عُرضت في محكمة هامبورغ من مفاطع فيديو وشهادات وتحقيقات رقمية، أصبحت اليوم جزءاً من ملف قضائي مكتمل الأركان يمكن الاستفادة منه. 

وهذه فرصة ثمينة ينبغي أن تستغلّها الحكومة السورية، وتبادر اليوم قبل الغد إلى الاتصال بالسلطات الألمانية وطلب نسخة كاملة من ملف القضية، بما يتضمنه من مقاطع الفيديو الـ27 والتحقيقات والشهادات التي يمكن أن تشكّل أساساً لأي محاكمة جدّية وعادلة لأمجد يوسف ولغيره من المتورّطين في المجازر التي ارتُكبت في حيّ التضامن. فالاستفادة من هذا الملف ليست فقط إجراءً تقنياً، إنما هي أيضاً مسؤولية أخلاقية وقانونية تجاه الضحايا وتجاه الحقيقة، ومسؤولية تجاه مجتمع أنهكته سنواتٌ من الإنكار والإفلات من العقاب.

المدن

—————————–

الأمم المتحدة: محاكمة شخصيات النظام خطوة أولى مهمة

مسؤول أممي: سوريا تحتاج لعدالة انتقالية تضع الضحايا في صلب اهتماماتها

2026-04-28

قال المتحدث باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ثمين الخيطان، اليوم الثلاثاء، إن بدء المحاكمة الغيابية للرئيس المخلوع بشار الأسد وشخصيات من نظامه في دمشق يعد خطوة أولى مهمة.

وأضاف الخيطان خلال مؤتمر صحفي أنه من الضروري أن تمتد المساءلة لتطال جميع الأطراف التي ارتكبت انتهاكات وتجاوزات جسيمة في البلاد، سواء كانت قبل الحرب أو خلالها.

واعتبر المسؤول الأممي أن المشاهد المؤلمة للأمهات الثكلى وهن يذرفن الدموع داخل قاعة محكمة الجنايات الرابعة في دمشق تظهر الحاجة الماسة إلى عملية عدالة انتقالية تضع الضحايا في صلب اهتماماتها.

وشدد الخيطان على ضرورة أن يمثل الأسد وشقيقه ماهر وجميع من يحاكمون غيابياً أمام المحكمة حضورياً في نهاية المطاف، وأن يحاسبوا على كامل نطاق الجرائم والانتهاكات التي اقترفوها.

وفي وقت سابق اليوم الثلاثاء، كشفت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن المحاكمة الجارية بحق عاطف نجيب تسلط الضوء على مجموعة من القيود الهيكلية التي تحدد سقف ما يمكن أن يحققه القانون المحلي السوري في مجال المحاسبة، لا سيما في ما يتعلق بالجرائم ذات الطابع الدولي.

وأوضحت الشبكة أن الإشكالية الأساسية تكمن في الجانب التشريعي، حيث لا يتضمن قانون العقوبات السوري تعريفاً لجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية بوصفها فئات قانونية مستقلة.

وبحسب ما ورد، فإن السلوك المنسوب إلى نجيب، بما يشمل القتل المنهجي والتعذيب والاحتجاز التعسفي واضطهاد المدنيين، يستوفي الأركان المادية للجرائم ضد الإنسانية وفق المادة السابعة من نظام روما الأساسي.

ورغم ذلك، أشارت الشبكة إلى أن التهم ستُكيّف على الأرجح ضمن نصوص جنائية تقليدية، مثل القتل والتعذيب وإساءة استخدام السلطة، نتيجة غياب نصوص محلية تُعرّف الجرائم الدولية أو تحدد أركانها.

واعتبرت أن هذا القصور لا يعود إلى تقدير قضائي، بل إلى غياب الإطار التشريعي، الأمر الذي يؤدي إلى صدور أحكام لا تعكس الطبيعة المنهجية والواسعة النطاق للانتهاكات المرتكبة.

وبيّنت الشبكة أن هذه الفجوة لا تعني غياب الأساس القانوني للمحاسبة، مشيرة إلى أن المادة 15 (2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادقت عليه سوريا، تتيح محاكمة الأفعال التي كانت تُعدّ جرائم بموجب القانون الدولي العرفي وقت ارتكابها، حتى في حال عدم وجود نص وطني.

ولفتت إلى أن الجرائم ضد الإنسانية راسخة في القانون الدولي العرفي منذ ما قبل محاكمات نورنبرغ، ما يجعل توصيف الأفعال المرتكبة عام 2011 ضمن هذا الإطار غير مخالف لمبدأ عدم رجعية القوانين.

لكن الشبكة شددت على أن هذه المادة تعالج مبدأ الشرعية فقط، ولا تقدم آلية تطبيق واضحة، موضحة أن المحاكم السورية تفتقر إلى نصوص تحدد عناصر الجرائم ضد الإنسانية أو أنماط المسؤولية المرتبطة بها، ما يجعل الأساس القانوني قائمًا نظريًا، لكنه يفتقر إلى الأداة التشريعية اللازمة للتطبيق العملي.

وفي السياق الإجرائي، أكدت الشبكة أن حضور أقارب الضحايا، القادمين من درعا بصفتهم مدعين شخصيين وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، يحمل دلالة مهمة، إذ يمنحهم القانون حق الادعاء إلى جانب الحق العام، كما يُلزم النيابة العامة بمتابعة القضية عند تقديم الشكوى، وهو ما يعزز من مشاركة الضحايا في مسار العدالة، بما يتماشى مع مبادئ العدالة الجنائية الدولية.

وتناولت الشبكة مسألة ضمانات المحاكمة العادلة، معتبرة أنها تمثل اختبارًا حقيقياً لمصداقية الإجراءات، خاصة في ظل سياق انتقالي لم تكتمل فيه بعد البنية المؤسسية اللازمة، بما يشمل استقلال النيابة العامة، وكفاءة الدفاع، وشفافية المحاكمات.

وأشارت إلى وجود تعارض واضح بين القانون السوري والالتزامات الدولية فيما يتعلق بعقوبة الإعدام، إذ يسمح القانون المحلي بتطبيقها في جرائم لا تقتصر على القتل العمد، وهو ما يتعارض مع المادة 6 (2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي فسرتها لجنة حقوق الإنسان على أنها تقصر الإعدام على أخطر الجرائم التي تنطوي على قتل متعمد.

وأوضحت الشبكة أن لهذه المسألة أبعاداً عملية، إذ إن المتهم الذي يواجه عقوبة الإعدام يكون أقل ميلاً للتعاون مع السلطات في كشف معلومات حساسة، مثل هياكل القيادة أو مواقع المقابر الجماعية أو مصير المختفين قسراً، مقارنة بمن يواجه عقوبة سجن طويلة، ما قد يعيق جهود كشف الحقيقة.

ورأت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن محاكمة عاطف نجيب تمثل سابقة قضائية محلية وتحمل قيمة رمزية مهمة لذوي الضحايا، كما تعكس درجة من الجدية في مسار المحاسبة، لكنها لا تكفي لسد الفجوات البنيوية القائمة.

وأكدت أن الحكومة السورية لم تعتمد بعد قانوناً للعدالة الانتقالية، ولم تُنشئ محكمة خاصة، كما لم تُدرج الجرائم ضد الإنسانية ضمن التشريعات المحلية، ما يجعل تطوير البنية القانونية والمؤسسية أمراً ضرورياً، عبر إصلاحات تشريعية شاملة، وضمان استقلال القضاء، وتعزيز التنسيق بين المسارات المحلية والآليات الدولية.

———————————

مشاهد تُعرض لأول مرة من داخل صيدنايا وأسئلة عمّن سرق “ذاكرة السجن”؟

بثّت منصة “سوريا الآن” مشاهد حصرية للحظات الأولى لدخول الثوار السوريين لسجن صيدنايا، ليلة سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، والتي جاءت متزامنة مع تسريبات حديثة -غير معروفة المصدر- قيل إنها مُلتقطة بكاميرات المراقبة داخل السجن.

يُعد صيدنايا من أكثر السجون إثارة للرعب في الذاكرة السورية خلال حقبة حكم آل الأسد، إذ ارتبط اسمه بآلاف المعتقلين والمفقودين، بينهم من اعتُقلوا منذ عام 2013 دون معرفة مصيرهم حتى اليوم.

وتُظهر التسجيلات -التي بثتها المنصة السورية- شاشات المراقبة التي استخدمها النظام المخلوع لمتابعة جميع الزنازين والممرات داخل المعتقل، مما يؤكد أن أجهزة التسجيل كانت موجودة بعد هروب السجّانين من صيدنايا.

كما أظهرت المقاطع -التي التُقطت مع إعلان سقوط النظام رسميا في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024- اللحظات الأولى لفتح الزنازين وتحرير المعتقلين الذين بدت على وجوههم الدهشة وعدم التصديق، وسط تكبيرات وتهليلات الثوار.

ورصدت المشاهد كذلك أحد الثوار وهو يتحسس “إبريق شاي” كان قد أعده السجانون، إذ أشار إلى أنه ما زال ساخنا، في دلالة على فرارهم قبل وقت قصير من وصول “قوات ردع العدوان” إلى سجن صيدنايا.

أجهزة حاسوب وتسجيلات مفقودة

وفي السياق، وتزامنا مع المقاطع الحديثة التي سُربت من كاميرات سجن صيدنايا، أبرز تقرير للمنصة السورية ما تعرض له السجن من فوضى وتعامل غير مسؤول في الأيام والأسابيع الأولى من سقوط النظام، وهو الوقت الذي فُقدت فيه تسجيلات الكاميرات.

وبيّن تقرير المنصة أن “أدلة ووثائق حُرقت وأخرى تعرضت للإتلاف كما أن مسارح جريمة انتُهكت بكل الطرق”، مؤكدا في الوقت ذاته أن “المثبت لدى السوريين وجود جهازي حاسوب وذواكر تخزين كاميرات المراقبة كانت موجودة داخل السجن ليلة سقوط نظام الأسد”.

وفي 19 ديسمبر/كانون الأول 2024، أصدرت رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا تقريرا تحدثت فيه عن “قيام عصابة مرتبطة بالنظام المخلوع بسرقة أجهزة الحاسوب من غرفة المراقبة وعدد من الملفات من “القلم الأمني” داخل السجن”.

واستطاعت الرابطة -بحسب بيانها- تحديد اسمي شخصين من العصابة، وذلك عن طريق شهود عيان.

ويقول التقرير إن فريق الرابطة تواصل مع الجهات العسكرية التي كانت تشرف على السجن وقدم إليها المعلومات التي توصّل إليها، لكنْ منذ ذلك الحين لم يصدر شيء عن مصير الأجهزة المفقودة.

تسريبات حديثة

ويوم الثلاثاء 28 أبريل/نيسان 2026، ظهرت تسجيلات جديدة من الأشرطة المفقودة أعادت القضية إلى الواجهة من جديد، كما أعادت نكء جراح عائلات المفقودين الذين مثّل صيدنايا آخر محطة وصلوا إليها قبل أن تختفي آثارهم بعد ذلك.

ونشر حساب على منصة فيسبوك يحمل اسم “حيدر التراب”، ويعرّف نفسه بأنه من دمشق، مقاطع فيديو قال إنها من داخل السجن، إذ تُظهر المقاطع -التي يُعتقد أنها ملتقطة عبر كاميرات مراقبة- سجناء داخل ساحة داخلية يجلسون على الأرض في مواجهة الجدران، فيما تظهر ظهورهم باتجاه الساحة، وسط وجود عناصر أمنية داخل محيط المكان.

وبحسب ما أورده صاحب الحساب، فإن اللقطات -التي لم يتسنّ التأكد من صحتها- تعود إلى عام 2024، وتُظهر أيضا مشاهد ذات طابع إداري وكتابي داخل السجن، إضافة إلى عنصر أمني يتابع شاشات يُعتقد أنها مخصصة لمراقبة المحتجزين.

لكنّ الحساب الذي نشر المقاطع أقدم على حذفها لاحقا، بعد انتشارها على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، في وقت أثارت فيه ردود فعل متسارعة وتساؤلات حول مصدرها وتوقيتها.

وطرح ناشطون تساؤلات حول الجهة التي يُعتقد أنها استولت على وحدات التخزين (الهاردات) من داخل السجن، وما الهدف من إعادة نشر هذه المقاطع في هذا التوقيت.

وجاءت هذه التسريبات بعد أشهر قليلة على دعوات أطلقتها وزارة العدل السورية طالبت فيها المحتفظين بوثائق من السجون ومؤسسات الدولة بضرورة تسليمها، ملوحة بتنفيذ عقوبات بحق من يشارك هذه الوثائق مع طرف ثالث أو من يستغلها لتحقيق أهداف شخصية.

المصدر: الجزيرة

——————————

===========================

تحديث 28 نيسان 2026

—————————–

ورقة موقف حول مسار العدالة الانتقالية والتعاون مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية

 أبريل 27, 2026

تؤكد مجموعة روابط الضحايا ومنظمات المجتمع المدني السوريّة الموقعة أدناه بأن العدالة الانتقالية تشكّل ركيزة أساسية لأي مسار جاد نحو بناء سلام واستقرار مستدامَين في سورية. فلا يمكن تصور انتقال سياسي واجتماعي جدّي نحو دولة مواطنة متساوية وحقوق وواجبات وسيادة قانون ما لم يتم معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وضمان حقوق جميع الضحايا دون تمييز في الحقيقة والعدالة والمساءلة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار. كما تؤكد أن مسار العدالة الانتقالية يجب أن يعترف بالضحايا كأفراد متساوين/ات بصرف النظر عن الجهات أو الأفراد المسؤولين عن الانتهاكات بحقهم/ن، وأن يرتكز على مشاركتهم/ن الفاعلة في صياغة مستقبلهم/ن.

وإذ تؤمن المجموعة بأن المشاركة الفاعلة للمجتمع المدني وروابط الضحايا لا تقتصر على كونها مساهمة فنّية/ تقنية وحسب، وإنما تمثّل حقاً أصيلاً لهم/ن باعتبارهم/ن أصحاب مصلحة مباشرين، وأطرافاً فاعلة تمتلك الشرعيّة في تصميم مستقبل العدالة في البلاد؛ فقد بادرت المجموعة من رابطة ومنظمّة سوريّة في تنظيم عملية تشاور ومراجعة موسّعة لمسودّة مشروع القانون والسياسات ذات الصلة بالعدالة الانتقالية، قدّمت خبراتها وملاحظاتها إلى الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بما يضمن شمولية العملية ويسهم في تطوير إطار قانوني يعكس أفضل الممارسات الدولية في مجال العدالة الانتقالية ويتواءم مع السياق المحلي في سوريا. واستندت هذه الخبرة إلى تراكم سنوات من العمل المشترك في دعم هذا المسار، بما في ذلك الجهود الأخيرة التي بُذلت لبلورة رؤية مشتركة للعدالة الانتقالية في سوريا وإطلاق وثيقة “المبادئ العامة حول العدالة والحقيقة والإنصاف” في سبتمبر/أيلول 2025.

وفيما تؤكد المجموعة أن نجاح مسار العدالة الانتقالية يتطلب انفتاحاً حقيقياً على خبرات المجتمع المدني وروابط الضحايا من قبل هيئات ومؤسسات العدالة الانتقالية، كما يتطلب ضمان مشاركة فعّالة للضحايا وممثليهم/ن في جميع مراحل تصميم وتنفيذ مسارات العدالة الانتقالية؛ فقد أعدّت المجموعة مذكرة تفصيلية تجاوزت السبعين صفحة من الملاحظات القانونية والتقنية والعملياتية لمسودة مشروع القانون، وقدمتها مكتوبة إلى الهيئة. وركزت هذه المذكّرة على عدد من القضايا الأساسية المرتبطة بفعالية وشمولية مسار العدالة الانتقالية، ومن بين أهمّ الأمور التي تم التركيز عليها:

    وجوب أن يكتب القانون بلغة قانونية محايدة دقيقة مضبوطة المصطلحات وأن يجتنب مطلقاً أية لغة سياسية، وأية عبارات وأي مصطلحات تفضي إلى سرديات سياسية تؤثر على الحياد القانوني.

    وجوب أن يعتمد القانون تعريفاً موضوعياً وشاملاً للعدالة الانتقالية، يتضمن جميع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بصرف النظر عن الجهة أو الأفراد المسؤولين عنها أو المشتبه فيهم ارتكابها. وضرورة أن يلحظ القانون الطابع المركب للنزاع المسلح في سوريا وتعدد الأطراف المنخرطة فيه، ويكفل معالجة الانتهاكات المرتكبة من قبل تلك الأطراف دون تمييز، وألا يحصر نطاق العدالة الانتقالية بالجرائم “التي تسبب بها نظام الأسد”.

    وجوب النص بوضوح على تعريف شامل للضحايا على نحو يضمن الاعتراف بهم جميعاً؛ ويضمن تمتعهم المتساوي بالحقوق المترتبة على ذلك دون استثناء أو تمييز في الوصول إلى الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، بغضّ النظر عن الجهة أو الأفراد المسؤولين عن الانتهاكات، أو عما إذا كان قد جرى تحديد المسؤولين عن الانتهاكات أم لا.

    توسيع النطاق الزمني للقانون ليشمل جميع الجرائم والانتهاكات المرتكبة بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وحتى اعتماد دستور دائم للبلاد، بما يمنع نشوء أي فراغ قانوني في التعامل مع الانتهاكات الجسيمة خلال المرحلة الانتقالية. وأن يشمل أيضاً، من خلال بعض آليات العدالة الانتقالية، ولا سيما الحق في معرفة الحقيقة والاعتراف وتخليد الذكرى الانتهاكات التي تعود جذورها إلى ما قبل 1970، بما يضمن عدم إغفال السياق التاريخي لهذه الانتهاكات ومعالجته.

    وجوب تضمين القانون أحكاماً واضحة تكفل المشاركة الفاعلة والهادفة للضحايا وذويهم وروابط الضحايا ومنظمات المجتمع المدني في جميع مراحل مسار العدالة الانتقالية، بما في ذلك المشاركة في اتخاذ القرار وتصميم السياسات والآليات ذات الصلة وتنفيذها ومتابعتها ومراقبتها.

    وجوب إدراج ضمانات قانونية واضحة تكفل الاستقلال المؤسسي للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية واستقلال أعضائها وعضواتها، وآليات واضحة للتعيين والعزل والاستبدال، وتحديد دقيق لطبيعة العلاقة مع السلطتين التنفيذية والقضائية لضمان التعاون دون التبعية أو التدخل. ووضع قواعد تنظيمية واضحة لتوزيع الاختصاصات بين اللجان والوحدات المختلفة داخل الهيئة، وتحديد خطوط المسؤولية والتنسيق لمنع التداخل والتعارض.

    وجوب النص صراحة على الامتثال الكامل للقانون الدولي وسموّه في تفسير وتطبيق أحكام القانون، بما يشمل احترام حقوق الضحايا وضمان استقلال القضاء ومعايير المحاكمة العادلة، وتعريف الجرائم والمسؤولية الجنائية لمرتكبيها وفق القانون الدولي، وحظر عقوبة الإعدام، والاعتراف بجريمة الاختفاء القسري بوصفها جريمة دولية قائمة بذاتها.

    وجوب اعتماد مقاربة تراعي النوع الاجتماعي في مختلف مكونات العدالة الانتقالية، بما يشمل ضمان المشاركة والتمثيل المتساوي للنساء والاستجابة الملائمة للأضرار التي لحقت بهن.

في الوقت ذاته، تعرب الروابط والمنظمات الموقعة عن قلقها إزاء معالجة بعض القضايا المرتبطة بالانتهاكات الجسيمة أو جبر الضرر و المحاسبة أو التسويات السياسية خارج إطار مسار العدالة الانتقالية وعبر آليات منفصلة عنه وفي غياب الوضوح والشفافية والإطار القانوني الناظم لهذه الإجراءات، الأمر الذي قد يؤدي إلى تسييس العملية برمتها وتعزيز الإفلات من العقاب.

وتؤكد الروابط والمنظمات في هذا السياق أهمية أن تتم معالجة جميع القضايا المرتبطة بكشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر ضمن إطار متكامل للعدالة الانتقالية، بما يكفل احترام حقوق الضحايا ويعزز مبادئ الشفافية والمساءلة ويسهم في بناء الثقة العامة في مسار العدالة الانتقالية ومؤسساتها ومؤسسات الدولة، ويحقق تكامل الأدوار. 

كما تشدد أن نجاح مسار العدالة الانتقالية يقتضي أن تتبنى هيئة العدالة الانتقالية مقاربة واضحة وصريحة تعتبر المجتمع المدني ومؤسساته شركاء أساسيين في إنجاح هذا المسار، وأن تضمن حماية الحيّز المدني بما يتجاوز نطاق عملياتها الخاصة. وتعرب الروابط والمنظمات الموقعة عن قلقها إزاء التحديات والمخاطر التي تواجه المجتمع المدني نتيجة محاولات من جهات أخرى لتقييد أو تضييق الحيّز المدني بإخضاعه لقيود إدارية أو أمنية أو سياسية مرهقة ومعرقلة، وتؤكد أن سوريا المستقبل يجب أن تمتنع عن أي ممارسات قد تعيد إنتاج أنماط الإقصاء التي مهّدت للانتهاكات المريرة السابقة التي عانى منها السوريين والسوريات، إذ تشكّل هذه الحماية شرطاً بنيوياً لضمان عدم التكرار، مما يجعل من الضروري أن تكون هيئة العدالة الانتقالية الجهة الأولى التي تطالب وتعمل من أجل هذه الحماية، بما في ذلك المطالبة بإصلاح هذه الممارسات وإنهائها كجزء من ضمانات عدم التكرار.

وفي الختام، تؤكد الروابط والمنظمات الموقعة أن العدالة الانتقالية ليست مجرد إطار قانوني أو مسار رسمي حكومي فحسب، بل هي عملية سياسية واجتماعية طويلة الأمد؛ تتطلب إرادة سياسية جادة تسمح بتفاعل مدني سياسي اجتماعي يصب في مصلحة مسار عدالة انتقالية تعالج إرث الانتهاكات وتنصف الضحايا وتعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الثقة والمساءلة والاعتراف المتبادل، وتضع الأسس لمستقبل قائم على العدالة والكرامة وسيادة القانون.

ومن هذا المنطلق، تؤكد الروابط والمنظمات الموقعة أنها ستواصل أداء دورها في متابعة هذا المسار ومراقبته وتقديم المعارف والخبرات اللازمة لدعم تطوير الإطار القانوني والمؤسسي للعدالة الانتقالية في سوريا بما يعزز فعاليته وشموليته، كما تطالب هيئة العدالة الانتقالية في هذا السياق بالالتزام بما يلي:

    اعتماد ونشر استراتيجية شاملة أو خطة عمل ضمن إطار زمني واضح، تحدد الأهداف والأولويات ومراحل التنفيذ ومؤشرات القياس، بما يضمن الشفافية والتشاركية ويتيح تتبع التقدم وتقييم الأداء بصورة منهجية.

    إرساء آليات منتظمة وشفافة للتقييم والمراجعة، تشمل نشر تقارير دورية عن مستوى التقدم والتحديات,  بما في ذلك تقريراً يوضح مستوى التقدم والتحديات منذ تأسيس الهيئة وحتى تاريخه، على نحو يتيح المعلومات للرأي العام، ويعزز الشفافية والمساءلة والرقابة.

    إرساء آليات منتظمة وشفافة ورسمية للتواصل والتشاور والتنسيق بينها وبين المجتمع المدني وروابط الضحايا، بما يدعم اطلاعها قبل وقت كافٍ على مسار العمل، ومشاركتها في تطوير السياسات والقوانين والإجراءات ذات الصلة.

المنظمات الموقعة:

     اليوم التالي

     ميثاق الحقيقة والعدالة

    المركز السوري للإعلام وحرية التعبير

    النساء الآن للتنمية

    سين للسلم الأهلي

    البرنامج السوري للتطوير القانوني

    دولتي

    بدايتنا

    سوريون من أجل الحقيقة والعدالة

    عدالتي

    مسارات إبدالية

    دار عدالة

    حملة من أجل سوريا

    الأرشيف السوري

    بدائل

    رابطة المحامين السوريين الأحرار

    العدالة من أجل الحياة

    محامون وأطباء من أجل حقوق الإنسان

————————————–

سوريا والعدالة الانتقالية: طريق طويل أم يطول؟

بعد أن كان منحصراً في تشخيصات نظرية وسجالات قانونية ومناظرات حقوقية، وتجسد قضائياً في مناسبة شبه وحيدة هي محاكمات مجازر الساحل السوري التي وقعت أواسط آذار/ مارس 2025، اتخذ مفهوم العدالة الانتقالية وجهة عملية جذرية من خلال واقعتين طرأتا خلال الأيام القليلة الماضية، وبالتالي فإنّ الأسئلة الشائكة التي اكتنفت المبدأ وُضعت على محك التنفيذ الفعلي في قاعات المحاكم.

الواقعة الأولى هي نجاح قوى الأمن السورية في اعتقال أمجد يوسف، المسؤول الأبرز عن مجزرة حي «التضامن» جنوب العاصمة دمشق، التي شهدت إعدامات صورية وحشية لنحو 280 ضحية، قُتلوا وقُذفوا في حفرة أضرمت فيها النار وتحولت إلى واحدة من عشرات المقابر الجماعية وجرائم الحرب التي ارتكبها نظام الأسد الأب والابن الوريث على امتداد 54 سنة.

الواقعة الثانية هي افتتاح الجلسة الأولى ضمن إجراءات تطبيق العدالة الانتقالية، وشهدتها غرفة محكمة الجنايات داخل القصر العدلي في العاصمة دمشق، وتضمنت محاكمة غيابية لعدد من المسؤولين الأمنيين والعسكريين في النظام البائد، بينهم بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد. كما انعقدت محاكمة عاطف نجيب حضورياً، واتسم وجوده في قفص الاتهام برمزية معنوية وسياسية عالية لأنه كان أول آمر بإطلاق النار على المتظاهرين واقتلاع أظافر الأطفال وتعذيب بعضهم حتى الموت في محافظة درعا، فضلاً عن كونه ابن خالة الأسد.

وإذا كانت «رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة» كما في المثل الصيني الشهير، فإن طريق العدالة الانتقالية في سوريا الجديدة ليس طويلاً فقط، بل لعله يطول أيضاً، على غرار مسير الشاعر المتنبي، لأنه وعر وشاق ومعبد بالمصاعب والعراقيل. فليس غائباً عن ابتهاج السوريين باعتقال جزار حي «التضامن» أنه كان مجرد بيدق، في شطرنج نظام تبدأ جرائم الحرب عنده من الآمر الأعلى قبل أن تهبط إلى المرؤوس الأدنى.

وفي محاكمة عاطف نجيب، لم يكن الغائبون عن المحكمة أقل دموية منه أو أدنى مسؤولية، حتى إذا كان بعضهم مجرد بيدق بدوره، كما في نماذج فهد جاسم الفريج أو لؤي العلي، وأن بعضهم أو الأكبر منهم فداحة في الإجرام يواصلون اللجوء إلى دول الجوار أو العواصم ذاتها التي تستقبل الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بالترحاب والتهليل. الأنكى من ذلك أن أحد المحاكمين غيابياً، طلال العيسمي الرئيس السابق لوحدة المهام الخاصة في وزارة داخلية النظام، لا ينعم بالأمان في كنف الشيخ حكمت الهجري فقط، بل عيّنه الأخير قائداً للأمن الداخلي في السويداء.

ولعل العقبة الأولى تظل غياب القانون الخاص بتنظيم محاكمات العدالة الانتقالية، رغم أن سنة كاملة توشك على الانتهاء بعد إصدار المرسوم الرئاسي بتشكيل «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية»، وتكليفها بإحقاق العدالة لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها نظام الأسد.

طريق العدالة الانتقالية طويل، خاصة في ضوء الأعباء الثقيلة والاستحقاقات الملحة والعوائق والاستعصاءات التي تواجه سوريا الجديدة، ولكن هل يتوجب أن يطول أيضاً، بسبب من حسابات تستدعي الاستمهال أو التأجيل أو التباطؤ؟

القدس العربي

—————————-

تدويل مجزرة التضامن كمحرّك لتسريع محاسبة الجناة والمتورطين/ 28 ابريل 2026

تفرض مجزرة التضامن نفسها كنقطة ارتكاز في النقاش حول العدالة الانتقالية في سوريا، ليس فقط بسبب فداحتها، وإنما بسبب الكيفية التي تحولت فيها من حدث محلي إلى قضية ذات امتداد دولي واسع منذ عام 2022، بعد أن نشرت صحيفة “الغارديان” البريطانية تفاصيل مثيرة حول المجزرة عرضت لأول مرة بعد تحقيق مطول حول سياق المجزرة ومنفذيها وضحاياها؛ الأمر الذي أعاد طرح سؤال مركزي يتعلق بدور التدويل في تسريع مسارات المحاسبة. يكتسب هذا النقاش أهمية إضافية في سياق الدولة السورية الناشئة بعد سقوط الأسد، وتسعى إلى بناء شرعيتها وصورتها أمام المجتمع الدولي، حيث تصبح القدرة على التعامل مع الجرائم الكبرى معيارًا حاسمًا في تقييم جدية هذا الجسم السياسي الناشئ.

تتقدم مجزرة التضامن بالفيديوهات والتسريبات التي حصلت عليها الصحفية والباحثة السورية أنصار شحود، على اعتبارها مثالًا مكثفًا على كيفية تحول جريمة موثقة إلى قضية ضاغطة تدفع باتجاه محاسبة ومحاكمة أمجد يوسف، الذي اعتقله الأمن العام السوري كونه المسؤول الأول عن هذه المجزرة، وهذا ما أكدته اعترافاته، حيث تتقاطع عوامل قانونية وإعلامية وسياسية ضمن لحظة كثيفة بالأحداث تُسرع انتقال الملف من التوثيق إلى الفعل القضائي. تلعب قوة الأدلة وتماسكها دورًا حاسمًا في هذا المسار، إذ يختصر التوثيق البصري المباشر، وتراكب الشهادات، ووضوح الفعل والأمر والتنفيذ مسافات طويلة من التحقيق، ويمنح الجهات القضائية السورية أرضية للتحرك في هذا المسار. عزز الحضور الإعلامي (تقارير وإعلاميون ونشطاء ومؤثرون) الكثيف من زخم القضية، حيث حولها إلى قضية رأي عام عالمي، وخلق ضغطًا متواصلًا على الحكومات المناهضة لنظام الأسد والمؤسسات الدولية، ما يدفعها إلى إدراج الملف ضمن أولوياتها السياسية والقانونية.

تدفع الإرادة السياسية الدولية بهذا المسار نحو مزيد من التسارع عندما تتقاطع القضية مع مصالح دولية أو مع أجندات حقوقية نشطة، فتتحول إلى حديث داخل الدوائر الدبلوماسية، بمعنى السؤال ” ماذا عن مجزرة التضامن ضمن مسار العدالة الانتقالية؟” أو “ما الجديد في مسألة مجزرة التضامن من حيث التحقيقات؟”، وتُفتح عبرها قنوات قانونية متعددة. تتيح آليات الولاية القضائية مسارات إضافية للمحاسبة، حيث تنتقل القضية من حدودها المحلية إلى فضاءات قانونية أوسع، وتُصبح قابلة للملاحقة في محاكم خارجية (في حال ثبوت تورط مجرمين هاربين في هذا الفعل) تمتلك الاختصاص، ما يضاعف من جهود الوصول إلى المحاكمة. يسهل موقع أمجد يوسف ضمن الهرم الأمني كونه ضابط سابق في الفرع 227 في مخابرات نظام الأسد، وبوصفه من المنفذين المباشرين بالإضافة إلى جمال الخطيب وجمال اسماعيل، عملية الملاحقة، حيث تتوفر إمكانية أكبر لتحديد المسؤولية الفردية أو الجماعية وربطها بالأدلة المتاحة، مقارنة بمستويات قيادية أعلى ترتبط بشبكات حماية أكثر تعقيدًا.

تتفاعل هذه العوامل ضمن إطار أوسع يمكن قراءته كاقتصاد للانتباه الأخلاقي، حيث تعيد فكرة الندرة تعريف وزن مجزرة التضامن داخل سيل العنف السوري، الذي شهد مئات المجازر مثل مجزرة الحولة 2012 ومجزرة داريا 2012، وخان الشيح 2016، فتمنحها صفة الحدث الاستثنائي القادر على اختراق الوعي العالمي. تعطي الفردانية للضحايا، عبر الأسماء والوجوه والسرديات، مثل قصة الفلسطيني سعيد صيام، بعدًا إنسانيًا يخرج الجريمة من التجريد الرقمي إلى التجربة المعاشة، ويخلق حالة من التماهي تدفع نحو المطالبة بالمحاسبة. هنا تُبنى قيمة القضية من قابليتها للتحول إلى لغة قانونية عالمية، حيث تتكامل عناصر الجريمة ضمن توصيفات واضحة تندرج ضمن الجرائم الجسيمة، ما يعزز من فرص تداولها أمام المحاكم الدولية. يسرع القرب السياسي والإعلامي من مراكز القرار انتقال القضية إلى دوائر التأثير، حيث تتكثف التغطية وتتوسع دائرة الفاعلين المنخرطين في متابعتها.

تصنع القصة في هذا السياق الجسر بين المعرفة الاعلامية والفعل، حيث تنقل المتلقي (الجمهور السوري والعالمي) من حالة التأثر إلى حالة الفهم، ومن الفهم إلى التضامن الفعال، فتتحول مجزرة التضامن من واقعة موثقة إلى قضية تُستثمر في الضغط السياسي والقانوني، وتُترجم إلى مطالبات ملموسة بضرورة تسريع المحاسبة، لا سيما وان المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية ، نور البابا قد صرّح أن الصدمة العالمية التي أفرزتها صور و مستندات مجزرة التضمن كان لها أثر في عملية القاء القبض على أمجد يوسف؛ وكان الهدف منذ بداية تحرير سوريا. والآن يواصل الضحايا والناجون ومنظمات التوثيق تغذية هذا المسار العام المرتبط بالمجازر خلال 14 عام عبر تقديم الأدلة، وملاحقة الملفات ومراجعة أرشيفات الثورة السورية، وبناء سرديات قادرة على الاستمرار في الفضاء العام، ما يحافظ على زخم القضية ويمنع تراجعها ويفتح المجال أمام تناول قضايا أخرى.

تتداخل هذه العناصر لتجعل من محاسبة أمجد يوسف، مثلًا، جزءًا من دينامية أوسع، حيث تتحول مجزرة التضامن إلى رافعة تحرك مسار العدالة الانتقالية في سوريا، وتفتح الباب أمام ربطها بملفات أخرى، ضمن عملية تراكمية تسعى إلى تفكيك منظومة الإفلات من العقاب، لا سيما وأن الفاعلين عاشوا حياة طبيعية بعد سقوط النظام معتقدين أن تأخر مسار المحاسبة يوحي بغيابها، وإعادة تشكيل العلاقة بين الجريمة والعدالة ضمن إطار قانوني وأخلاقي أكثر رسوخًا.

ربما يكشف التركيز على مجزرة بعينها، رغم وجود مئات المجازر الأخرى الأشد فتكًا، عن طبيعة عمل النظام الدولي والإعلامي، حيث تلعب عناصر التوثيق البصري، وتوفر الأدلة، وسردية القصة الإنسانية، دورًا حاسمًا في تحويل جريمة محددة إلى رمز جامع. لا يلغي ذلك فداحة الجرائم الأخرى، وإنما يرتّبها ضمن هرم الاهتمام المحلي والدولي، وهو ما يمكن توظيفه استراتيجيًا لتحريك ملفات أوسع والمطالبة بمحاكمة بشار الأسد حضوريًا في المحاكم السورية. يتيح هذا التوظيف تحويل حالة بمفردها إلى مدخل لبناء أرشيف شامل، وإعادة فتح ملفات مجازر متعددة، وربطها ضمن إطار قانوني وسياسي واحد يندرج تحت مسار العدالة الانتقالية.

تعيد الدولة السورية الجديدة من خلال تبني هذا المسار صياغة علاقتها مع المجتمع الدولي، حيث تقدم نفسها كفاعل مسؤول يسعى إلى تفكيك إرث العنف، ويعمل على ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب. يعزز هذا التوجه من فرص الحصول على دعم سياسي واقتصادي، ويفتح المجال أمام شراكات مؤسساتية في مجالات القضاء وإعادة بناء المؤسسات؛ ويخلق هذا المسار أيضًا توازنًا حساسًا بين متطلبات الاستقرار الداخلي وضغوط العدالة، حيث تتطلب إدارة هذا التوازن رؤية سياسية قادرة على دمج المحاسبة ضمن مشروع وطني أوسع لإعادة بناء الدولة.

يدفع هذا النقاش نحو فكرة مفادها أن تدويل القضايا يتحول إلى رافعة داخلية تعيد تشكيل أولويات الدولة والمجتمع، وتسرع من الانتقال من مرحلة التوثيق إلى مرحلة المحاسبة، ومن السردية إلى الفعل القانوني، بما يضع أسسًا أكثر صلابة لمسار العدالة الانتقالية في سوريا ما بعد الأسد.

الترا صوت

—————————–

 محاكمة بشار الأسد الممكنة والمستحيلة/ عمر قدور

الثلاثاء 2026/04/28

يوم الأحد بدأت أولى جلسات محاكمة بشار الأسد غيابياً، في قضية تشمله مع شقيقه ماهر، وآخرين من أركان حكمه؛ حيث كان الأبرز وجود ابن خالته عاطف نجيب داخل قفص الاتهام في المحكمة. الجلسة كانت إجرائية من حيث الطابع القانوني، لأنها كانت مُخصّصة للإجراءات الإدارية الخاصة بالتحضير للمحكمة، على أن تُعقد الجلسة التالية في العاشر من الشهر المقبل. أيضاً على الصعيد المعنوي والإعلامي، كان واضحاً أن الحفاوة هي برمزية الحدث، وبأن ينطق قاضٍ في دمشق باسم بشار الأسد بوصفه متهماً غائباً.

محاكمة بشار الأسد حضورياً هي حلم لملايين السوريين، وإن اختلفوا في التفاصيل المتعلقة بإطار المحاكمة، وبالجهة المخوَّلة بها. ومحاكمته الحالية لا يُنظر إليها كمقدّمة لطلب تسليمه من قبل موسكو، وحتى إذا تم تقديم الطلب فقد يبقى في الإطار الشكلي، لأن قضية من هذا الوزن تخضع للاعتبارات السياسية أولاً وأخيراً. القناعة السائدة هي أن موسكو لن تسلّم الأسد، والعلاقة معها بعد إسقاطه تجاوزت هذا المطلب، وتجاوزت أيضاً كونها شراً لا بد منه.

وفي الواقع لا توجد تجربة في بلدان المنطقة لمحاكمة مسؤول من وزن بشار، ولدينا أمثلة مثل مصير القذافي وعلي عبدالله الصالح وسواهما ممّن قُتلوا بلا محاكمة، مع أمثلة أخرى على آخرين نجوا من القتل والمحاكمة. محاكمة صدام هي الوحيدة، وربما كان تيسّر له الهروب لو لم تكن سمعة واشنطن في الميزان. مع ذلك كان الدرس الذي قدّمته المحاكمة أقلّ بكثير مما يُرتجى، لأنه حوكم على قضية تُعدّ ثانوية بالقياس إلى قضايا أكبر، ونُظر إلى هذا الاختيار كتجنّب لفتح ملفّات أعقد غير بعيدة عن ضلوع قوى إقليمية ودولية، فضلاً عن أن هذه القضية وضعت المحاكمة في إطار الانتقام الطائفي لا ضمن مشروع أوسع للعدالة. أيضاً أمثولة محاكمة صدام تشير إلى استحالة محاكمة بشار بالمدلول الأوسع للكلمة.

ما نجزم به هو أن محاكمة بشار الأسد استحقاقٌ ضروري، ومستحيل إجرائياً على صعيد جلبه إلى المحكمة. لذا من المستبعد إلى أقصى حد تخيُّل محكمة يمثُل فيها ليواجه سيلاً من الاتهامات، والأهم ربما لتكون لدى السوريين فرصة الاستماع إلى تبريراته ودفوعاته وما يتخللها من كشف عن أسرار؛ سواء الأسرار الداخلية لحكمه أو المتصلة بقوى إقليمية ودولية.

وإذا نحّينا جانباً الاحتمال السابق، تبقى نظرياً إمكانية محاكمته غيابياً، إنما ليس على النحو الذي بدأ قبل يومين. نشير هنا إلى أن قاضي محكمة الجنايات استهلّ الجلسة بالقول إنها أولى محاكمات “العدالة الانتقالية في سوريا”، لكن من المعلوم أنه تم تشكيل هيئة للعدالة الانتقالية لم تنجز بعدُ مشروعاً يتم إقراره، ثم تقوم وزارة العدل بوضع التعليمات التنفيذية التقنية له. وعدم وجود أرضية قانونية، تُبنى عليها محاكم خاصة، يعيد المحكمة الحالية إلى قانون الجنايات المعمول به، وهو لا يلحظ الجرائم ضد الإنسانية ولا خصوصية الحالة السورية، على الأقل منذ العام 2011.

نظرياً، وحده وجود مشروع متكامل حقيقي للعدالة الانتقالية هو ما يجعل لمحاكمة بشار الأسد من معنى، فالأمر بالطبع لا يتعلق بتجريم مجرم معروف جداً، بل يمكن أخذ الكثير من أقواله العلنية كإثبات على جرائمه المتعددة، أي أن الجانب الجنائي محسوم، ولن تضيف المحاكمة الغيابية جديداً فيه. حتى على الصعيد المعنوي، لن يضيف الحكم على بشار وماهر جديداً، فاللحظة الرمزية حدثت وانتهت مع الجلسة الأولى.

الآن أو لاحقاً، بحضور بشار في القفص أو بغيابه، المحاكمة الأهم هي المبنية على العدالة الانتقالية، أي المبنية على رغبة حقيقية في الانتقال من عهد الأسدية بكافة مندرجاته. ثمة فهم مغلوط، ومنتشر على نطاق واسع سوريّاً، يقرن العدالة الانتقالية إلى حد كبير بتخفيف الأحكام على المدانين وتعليق بعضها الآخر. هذا الفهم، إذا صحّ جزئياً، ينصرف إلى مقتضيات المصالحة بلا توقّف عند كون الأخيرة من نتائج الاتفاق على الانتقال من مرحلة إلى أخرى.

إنَّ محاكمة بشار والأسدية، وفق فقه العدالة الانتقالية، تتطلب جهوزية على نطاق واسع للانتقال من حقبة الأسدية، وطي صفحتها نهائياً. الانتقال المطلوب ليس من أنصارٍ للأسد، وهي فكرة تنطوي على أن الباقين قد خرجوا من عباءة الأسدية. الانتقال المطلوب هو من نسبة كبرى من السوريين كانوا متورّطين في الحقبة الأسدية، ومنهم من خرج عنها ليكرر بعض أفعالها في تجربة “المناطق المحرَّرة”. نشير هنا إلى أن الأسدية ليست فحسب براميل متفجّرة ومحارق صيدنايا، فما دونهما الكثير الكثير مما صار يُنظر إليه مقبولاً بالمقارنة مع البراميل والمحرقة.

الانتقال الفعلي؛ أي التطهّر من الأسدية، لا يكون بالتبرّؤ منها على النحو الذي شهدناه بعد السقوط خصوصاً. التبرؤ هو أسلوب لتأثيم فئة ما، واعتبارها المسؤول الحصري عن الأسدية وجرائمها، سواءً كان الكلام طائفياً أو لم يكن. فالأسدية لم تحكم البلد بالبراميل والمحرقة طوال ما يزيد عن نصف قرن، ولم تحكم السوريين طوال الوقت بالمخابرات؛ هذا اختزال يصحّ لوصف النظام العسكري-المخابراتي، لكنه لا يقول ما يجب قوله عن تورّط نسبة كبرى من عموم السوريين في صناعة الأسدية. وهم لم يكونوا مُكرَهين دائماً، أقلّه لم يكون مُكرَهين ضمن الصيغة المباشرة للإكراه كما يتم تداولها. لقد تقاسمت شرائح واسعة من عموم السوريين مع سلطة الأسد أفكاراً وأيديولوجيات كانت منتشرة في حينها، وتقاسمت معها شرائحُ واسعةٌ مصالحَ اقتصادية لا تقل اتساعاً، عندما لم تكن الأسدية قد وصلت إلى درجة شديدة الجشع والتغوّل… إلخ.

في واحد من الأمثلة البسيطة والمباشرة، ينجز السوريون التحضير للانتقال عندما ينبذون كافة مظاهر تقديس أو عبادة الفرد، وعندما يرفضون أي مظهر من مظاهر الاستفراد بالسلطة العمومية. هذا المثال ليس على سبيل وضع اشتراطات تجعل الانتقال عسيراً، بل هو مثال في صلب ما يُفترض أنهم ثاروا عليه، وهو أسهل ما تُمتحن به النية على دفن الأسدية، وعل جعل محاكمة بشار الأسد ضمن مشروع حقيقي للعدالة الانتقالية، لا ضمن سعي للتبرؤ من علل الأسدية، مع الاستعداد للقبول مجدداً ببعض أهم عللها.

على السطح، لا يبدو أنَّ السوريين جاهزون للانتقال، ولمحاكمة الأسد ضمن مرحلة انتقالية حقيقية. لكن سيكون من الغبن أيضاً الظنُّ أن عموم السوريين غير مستعدّين للانتقال، وأن من طبعهم الدائم صناعة الأسدية بأسماء مختلفة. وإذا كانت محاكمة الأسد مستحيلة الآن فالعبور إلى الممكن ليس سهلاً ولا مستحيلاً.

المدن

——————————

حاكمنا الأسد الأصغر فمتي يقع الأسد الأكبر؟/ فضل عبد الغني

عاطف نجيب، ابن عمّ الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، يقف خلف القضبان في قفص مخصص داخل قاعة المحكمة خلال محاكمته في محكمة الجنايات الرابعة بقصر العدل في دمشق، سوريا، 26 أبريل/نيسان 2026

عاطف نجيب خلف القضبان خلال محاكمته في محكمة الجنايات الرابعة بدمشق (وكالة الأناضول)

في 26 أبريل/نيسان 2026، عقدت محكمة الجنايات الرابعة في قصر العدل في دمشق جلسة تمهيدية فيما يعد أهم إجراء جنائي تشهده سوريا منذ سقوط نظام الأسد.

مثلَ عاطف نجيب، العميد وابن خالة بشار الأسد، في قفص الاتهام مكبل اليدين. وحضر الجلسة النائب العام للجمهورية، إلى جانب عائلات ضحايا بشكل أساسي من محافظة درعا.

لم يجرَ أي استجواب، ولم تسمع أي شهادات، ولم يقدم أي دفع بالذنب أو البراءة؛ إذ رُفعت الجلسة إلى 10 مايو/أيار 2026، حيث يفترض أن تبدأ الإجراءات الموضوعية. لقد كان ما جرى اعتياديا من الناحية الإجرائية، غير أن دلالته بالنسبة إلى بنية المساءلة في سوريا مختلفة تماما.

شغل نجيب منصب رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا، واعتُقل في اللاذقية في يناير/كانون الثاني 2025.

وهو متهم- بصفته عضوا في اللجنة الأمنية في محافظة درعا- بالإشراف على عمليات الاعتقال والاستجواب، وبإصدار أوامر بالرد الوحشي على المظاهرات في مارس/آذار 2011، مما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين، واعتقال آلاف السوريين وتعذيبهم وإخفائهم.

والرمزية التي تحملها هذه التهم واضحة: فدرعا هي مهد الانتفاضة السورية، ونجيب هو الحلقة الفردية الأكثر مباشرة بين الأجهزة الأمنية التابعة للنظام، وتلك اللحظة التأسيسية.

تشمل التهم الرسمية، بحسب ما ورد، جرائم ضد الشعب السوري، تتضمن القتل، والتعذيب، والإشراف على انتهاكات واسعة النطاق ضد المدنيين. كما تشمل التهم الإضافية الموجهة إلى متهمين آخرين، الابتزاز والاتجار بالمخدرات.

غير أن الإطار القانوني الذي تسير بموجبه هذه التهم يفرض قيدا هيكليا يمس ما يمكن أن تحققه المحاكمة. فقانون العقوبات السوري رقم (148) لعام 1949 لا يتضمن نصوصا تجرم صراحة جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية بوصفها فئات قانونية مستقلة.

وبدلا من ذلك، فإن السلوك الذي قد يستوفي العناصر التعريفية للمادة (7) من نظام روما الأساسي- والمتمثلة في ارتكاب أي هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين، أي جرائم ضد الإنسانية- سيلاحَق بموجب نصوص القانون الجنائي العادي، كالقتل، والتعذيب. والنتيجة ليست مجرد مسألة مصطلحات.

إعلان

فالإدانة بموجب هذه النصوص، مهما بلغت شدة العقوبة، لن تشكل اعترافا قضائيا بالطابع المنهجي والمؤسسي للجرائم؛ إذ ستسجل أفعالا إجرامية فردية، لكنها لن تسجِل السياسة التي أنتجتها.

بعبارة أخرى، تتحرك المحاكمة ضمن معجم قانوني قاصر- من الناحية الهيكلية- عن استيعاب طبيعة الجرائم التي تسعى إلى معالجتها.

ويتفاقم هذا القصور بفعل الفجوة بين الإطار القضائي الحالي وبنية العدالة الانتقالية التي يجري إنشاؤها. فقد أنشئت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب المرسوم رقم (20) الصادر في مايو/أيار 2025، وشكلت لجنتها بموجب المرسوم رقم (149) الصادر في أغسطس/آب 2025.

ويجري إعداد مسودة قانون للعدالة الانتقالية، لكنها لم تقر بعد. والهيئة كيان معني بالحقيقة والمساءلة والتعويضات، ولا تملك صلاحية إجراء محاكمات جنائية.

أما مسودة القانون التي يفترض أن تنشئ غرفا جنائية متخصصة قادرة على تطبيق فئات القانون الجنائي الدولي، فلم تمرر بعد. وإلى أن يحدث ذلك، ستستمر الإجراءات الجنائية بموجب قانون العقوبات العادي.

وُجهت في المحكمة ذاتها تهم غيابية إلى بشار الأسد، وماهر الأسد، ومسؤولين كبار سابقين آخرين. وصدرت مذكرة توقيف قضائية بحق بشار الأسد في 25 أبريل/نيسان 2026. ويواجه ماهر الأسد، الذي كان يقود الفرقة الرابعة المدرعة، تهما بالقتل، والتعذيب، والابتزاز، والاتجار بالمخدرات.

وقابلية تنفيذ هذه التهم ضئيلة في الوقت الحاضر؛ فبشار الأسد موجود في روسيا، التي لا تملك اتفاقية لتسليم المجرمين مع سوريا، وقد دأبت تاريخيا على حماية مسؤولي عهد الأسد من المساءلة.

كما أن الإجراءات الغيابية لا توفر آلية تنفيذ فورية. غير أن أهميتها تكمن في موضع آخر: قطع الطريق أمام ادعاءات الإفلات من العقاب مستقبلا، وإرساء تحديد قضائي محلي للمسؤولية الجنائية.

ويضاف إلى ذلك أن بناء ملف قضائي متماسك، مستند إلى أدلة جنائية لا إلى دوافع سياسية، هو شرط مسبق لأي طلب تعاون مع الإنتربول؛ إذ تحظر المادة (3) من دستور المنظمة التدخل في قضايا ذات طابع سياسي.

وبالتالي، فإن صرامة الملف القضائي المحلي، وتأسيسه على وقائع جنائية موثقة هما اللذان يفصلان بين إمكانية إصدار نشرة حمراء دولية بحق الأسد، والاصطدام بقيود المنظمة التي تمنعها من التدخل في الملاحقات ذات الطابع السياسي.

وبهذا المعنى، فإن التهم الغيابية أدوات لبناء الهيكل القانوني للمساءلة، لا أدوات للاحتجاز الفوري.

وتضيف مسألة عقوبة الإعدام طبقة أخرى من التحديات. فسوريا ما زالت تبقي على عقوبة الإعدام، وقد أعربت عائلات الضحايا علنا عن أملها في أن ينال نجيب العقوبة القصوى. ويبرز هنا اعتراضان متمايزان.

الأول يستند إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان: فسوريا طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تقصر المادة 6 (2) منه عقوبة الإعدام على «أشد الجرائم خطورة»، وتفسر لجنة حقوق الإنسان هذه الفئة بأنها تقتصر على القتل العمد.

أما القانون المحلي السوري فيطبق عقوبة الإعدام على نطاق أوسع، مما يضعه خارج نطاق الامتثال للعهد الدولي. وإن صدور حكم بالإعدام وتنفيذه في هذه المحاكمة من شأنه أن يعرض الحكومة الحالية لانتقادات دولية في وقت تسعى فيه إلى نيل الشرعية، وإعادة التواصل مع المؤسسات الدولية.

إعلان

وبصرف النظر عن مآل عقوبة الإعدام في التشريع السوري مستقبلا، فإن الحد الأدنى الذي ينبغي أن تلتزم به الحكومة الانتقالية هو حظر تنفيذ أحكام الإعدام في الساحات العامة؛ فهذه الممارسة تتعارض مع حظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة بموجب المادة (7) من العهد الدولي، وتحول العقوبة من إجراء قضائي إلى مشهد عقابي يقوض مشروعية العملية القضائية ذاتها.

أما الاعتراض الثاني فيستند إلى منطق العدالة الانتقالية: فإعدام نجيب قبل تثبيت السجل المؤسسي الكامل، بما يشمل سلسلة القيادة، ومواقع المقابر الجماعية، ومصير عشرات الآلاف من المختفين قسريا، سيشكل خسارة إثباتية لا يمكن تعويضها.

وتظهر السجلات المقارنة لعمليات المساءلة في مراحل ما بعد الصراعات أن كشف الحقائق، لا الإعدام، هو ما يخدم المصالح طويلة الأمد للمجتمعات المتضررة.

إن استعجال العقاب، وإن كان مفهوما، لا يلغي ضرورة المعرفة.

يتبع التسلسل المعلن للملاحقات القضائية- نجيب أولا، ثم وسيم الأسد، ثم أمجد يوسف، وكذلك الطيارون العسكريون الذين قصفوا المدن السورية- منطقا يتصاعد في الأهمية السياسية، بدءا بشخصية يحمل ارتباطها بالمرحلة الأولى من الانتفاضة ثقلا خاصا.

وستكون الجلسة الموضوعية في 10 مايو/أيار أول اختبار حقيقي لنزاهة الإجراءات.

والمعايير المرجعية محددة ويمكن التعرف إليها: ما إذا كان نجيب ممثلا بمحامي دفاع؛ وما إذا كانت التهم الواردة في لائحة الاتهام ترسي نظرية للمسؤولية القيادية تتجاوز الأفعال الفردية إلى الهياكل المؤسسية التي أتاحت وقوعها؛ وما إذا كانت المحكمة تطبق معايير للأدلة تتفق مع ضمانات المحاكمة العادلة بموجب القانونين السوري والدولي؛ وما إذا كانت الجلسة ستظل علنية مع استمرار وصول الضحايا والصحفيين ومراقبي حقوق الإنسان؟

إن قاعة المحكمة في دمشق ليست مجهزة حاليا بالأدوات القانونية التي تتطلبها جسامة الفظائع السورية.

لكن ما يمكنها فعله، وما سيختبر في 10 مايو/أيار، هو إظهار ما إذا كانت العملية الجارية محكومة بالمبادئ القانونية أم بالمصلحة السياسية؟ والإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت هذه المحاكمة ستصبح حجر أساس لبنية المساءلة التي تحتاجها سوريا. اليوم نحاكم نجيب الأصغر ويد العدالة تنتظر نجيب الأكبر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، حاصل على الماجستير في القانون الدولي، ومتوّج بالجائزة الفرنسية الألمانية لحقوق الإنسان عام 2023

الجزيرة

—————————

محاكمة عاطف نجيب.. أول قطار المحاسبة في سوريا وحدود القانون المحلي/ فضل عبد الغني

أبريل 28, 2026

افتُتحت محاكمة عاطف نجيب في 26 نيسان/أبريل أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، لتشكّل أول إجراء جنائي محلي ضد شخصية رفيعة في الجهاز الأمني التابع للأسد في سوريا ما بعد النظام. ونجيب هو ابن خالة بشار الأسد، والرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا. وكان عضوًا في اللجنة الأمنية في محافظة درعا، وهي آلية تنسيق عليا تجمع رؤساء الأجهزة الأمنية العاملة في المحافظة ضمن إطار واحد لتوجيه العمليات الأمنية، بما في ذلك الاحتجاز والقمع والسيطرة على الاحتجاجات.

وقد مَثَل نجيب في جلسة علنية حضرها أهالي ضحايا من درعا وممثلون عن منظمات حقوقية، بما يفتح مسارًا قضائيًا محليًا للمسؤولية الجنائية الفردية. كما استُدعي بشار الأسد وماهر الأسد بوصفهما مُدعى عليهما غيابيًا في القضية ذاتها. ومع ذلك، تكشف المحاكمة عن جملة من القيود الهيكلية التي ترسم حدود ما يمكن أن يحققه القانون المحلي السوري في مجال المحاسبة.

تكمن المشكلة الأساسية في الجانب التشريعي؛ إذ لا يعرّف قانون العقوبات السوري جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية بوصفها فئات قانونية مستقلة. فالسلوك المنسوب إلى نجيب، بما في ذلك القتل المنهجي والتعذيب والاحتجاز التعسفي واضطهاد المدنيين، يستوفي العناصر المادية للجرائم ضد الإنسانية بموجب المادة 7 من نظام روما الأساسي.

ومع ذلك، فإنَّ التهم ستُصنّف على الأرجح وفق نصوص جنائية عادية، مثل القتل والتعذيب وإساءة استخدام السلطة، نظرًا إلى عدم وجود نصوص في القانون المحلي تتضمن أركان الجرائم الدولية. ولا يعود ذلك إلى تقدير قضائي، بل إلى نتيجة مباشرة لغياب النص التشريعي. ومؤدى ذلك أنَّ أي حكم يصدر سيعجز عن عكس الطبيعة المنهجية والواسعة النطاق للجرائم.

غير أنَّ هذه الفجوة التشريعية لا تجعل الإجراءات مفتقرة إلى أساس قانوني. فالمادة 15 (2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادقت عليه سوريا، تسمح بمحاكمة الأفعال التي كانت تُعدّ إجرامية بموجب القانون الدولي العرفي وقت ارتكابها، حتى في غياب تشريع وطني مقابل. وقد ترسخت الجرائم ضد الإنسانية في العرف الدولي منذ ما قبل محاكمات نورنبرغ. لذلك، فإنَّ تطبيق هذا التصنيف على السلوك المرتكب عام 2011 لا يُعدّ تجريمًا بأثر رجعي.

غير أنَّ المادة 15 (2) تعالج مبدأ الشرعية ولا تعالج آلية التطبيق. فالمحكمة السورية لا تملك، في قانونها الوطني، نصًا يحدد أركان الجرائم ضد الإنسانية أو عناصرها أو أنماط المسؤولية الخاصة بها، مما يعني أنَّ الأساس القانوني للمحاكمة قائم من حيث المبدأ، لكن الأداة التشريعية اللازمة لتطبيقه أمام محكمة محلية غائبة عمليًا.

ويحمل حضور أقارب الضحايا، الذين سافروا من درعا بصفتهم أصحاب ادعاء شخصي بموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، دلالة إجرائية مهمة. فالقانون السوري يمنح المدعين الشخصيين حق رفع دعاوى إلى جانب الحق العام، كما أنَّ تقديم الضحية ادعاءه يلزم النيابة العامة بمتابعة القضية. وهذا يمنح الضحايا صفة مشاركة حقيقية، وهي ميزة تنسجم مع مبدأ مشاركة الضحايا في العدالة الجنائية الدولية.

وإلى جانب الفجوة التشريعية، تبرز مسألة ضمانات المحاكمة العادلة بوصفها اختبارًا لمصداقية الإجراءات. والتحدي هنا أنَّ إرساء ضمانات المحاكمة العادلة في سياق انتقالي يتطلب بنية مؤسسية لم تكتمل بعد، بما في ذلك استقلال النيابة العامة، وكفاءة هيئة الدفاع، وشفافية الإجراءات.

وتطرح مسألة عقوبة الإعدام تعارضًا مباشرًا بين القانون المحلي السوري والالتزامات الدولية. فالقانون السوري يسمح بعقوبة الإعدام في جرائم تتجاوز القتل بكثير، مما يجعله خارج نطاق الامتثال للمادة 6 (2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي فسرتها لجنة حقوق الإنسان على أنَّها تقصر عقوبة الإعدام على الحالات التي تنطوي على قتل عمد.

والمشكلة السببية هنا محددة: فالمتهم الذي يواجه الإعدام لا يملك حافزًا للتعاون في الكشف عن هياكل القيادة، أو مواقع المقابر الجماعية، أو مصير المختفين قسريًا، في حين يحتفظ المتهم الذي يقضي عقوبة حبس طويلة بهذا الحافز. وبعيدًا عن قانون المعاهدات، يُنظر إلى حظر الإعدام العلني على نطاق واسع بوصفه جزءًا من معايير القانون الدولي العرفي لحقوق الإنسان.

إنَّ محاكمة عاطف نجيب تؤسس سابقة قضائية محلية، وتشكل رمزية مهمة لذوي ضحاياه، وتظهر نوعًا من الجدية في مسار المحاسبة، لكنَّها لا تسدّ الفجوات الهيكلية. فالحكومة لم تشرّع بعد قانونًا للعدالة الانتقالية، ولم تنشئ محكمة خاصة، ولم تدمج الجرائم ضد الإنسانية في التشريعات المحلية. وما يزال بناء البنية التحتية المؤسسية أمرًا ضروريًا، بما يشمل إصلاحًا تشريعيًا يدمج فئات القانون الجنائي الدولي، وتعيينات قضائية تضمن الاستقلال، وتنسيقًا منهجيًا بين الإجراءات المحلية والآليات الدولية.

الثورة السورية

—————————–

جلسات محاكمة رموز الأسد: ملاحظات قانونية لضمان مسار قضائي واضح/ محمد أمين

28 ابريل 2026

لم تكد تنتهي أولى جلسات محاكمة رموز النظام السوري السابق، أول من أمس الأحد، في العاصمة السورية دمشق، حتى أُثيرت الكثير من التساؤلات والملاحظات القانونية حول جلسة محاكمة رموز الأسد أمس، والتي رأى بعضهم أنها حملت طابعاً دعائياً في إطار الاستجابة لضغط الشارع، أكثر من كونها خطوة مدروسة في مسار العدالة الانتقالية الذي شُكّلت من أجله هيئة وطنية ما تزال تنتظر خطوة تشريعية لإقرار مسودة قانون أعدته تجري على أساسه المساءلة والمحاسبة.

وشهد القصر العدلي في شارع النصر في دمشق، الأحد، انطلاق أولى جلسات محاكمة رموز نظام الأسد، وفي مقدمتهم الرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر (غيابياً)، وابن خالة الأسد، الضابط في الأجهزة الأمنية عاطف نجيب (حضورياً) المتهم باعتقال وتعذيب أطفال سوريين في درعا مطلع الثورة السورية، في حدث غير مسبوق في التاريخ السوري، له الكثير من الدلالات القانونية والسياسية والوطنية. واقتصرت الجلسة على جوانب إدارية وإجرائية على أن تعود للانعقاد مجدداً في 10 مايو/أيار المقبل. وترأس أولى جلسات محاكمة رموز الأسد القاضي فخر الدين العريان، وهو قاض كان انشق عن النظام السابق، وصدرت بحقه أحكام غيابية بالإعدام، وصودرت أملاكه. وبُعيد الجلسة، قال الرئيس السوري أحمد الشرع في تدوينة على منصة “إكس”: “ستظل العدالة إحدى أسمى القيم التي انتصر لها شعبنا”، مشيراً إلى أنها “غاية كبرى تسهر الدولة ومؤسساتها على تحقيقها، إنصافاً للضحايا وتضميداً للجراح، وتعزيزاً للسلم الأهلي والعيش المشترك، وتأكيداً لعهدنا بملاحقة المتسببين في معاناة شعبنا وآلامه”.

رموز الأسد قيد المحاكمة

وجلسة الأحد، بداية سلسلة طويلة من محاكمات منتظرة ستشمل الكثير من رموز الأسد المتهمين بارتكاب جرائم إبادة أو ممن حرّض أو اشترك بها، سواء الذين تمّ بالفعل القبض عليهم أو أولئك المتوارين عن الأنظار والفارين من وجه العدالة. وارتبط اسم نجيب ببدء الثورة، إثر اعتقاله وتعذيبه مجموعة من الأطفال في محافظة درعا كتبوا على جدران المدارس عبارات مناهضة لنظام الأسد.

ورحّب الشارع السوري ببدء مسار العدالة الانتقالية في البلاد، والتي تعدّ مطلباً ملحّاً عاد مع جلسة الأحد إلى صلب النقاش الوطني السوري المحتدم منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، والذي طاول الكثير من جوانب هذا المسار القانوني والوطني، المعوّل عليه في حماية السلم الأهلي، بعدم فتح الأبواب أمام عمليات انتقامية فردية، ربما تخرج عن السيطرة وتدفع البلاد إلى الفوضى الأمنية.

وحملت الجلسة الأولى طابعاً استعراضياً ودعائياً واضحاً، أكثر من كونها خطوة مدروسة ضمن مسار قانوني وقضائي واضح، ما يشي أنها ربما عُقدت نتيجة الضغط الشعبي الذي تفجّر أكثر بعد القبض على أمجد يوسف، يوم الجمعة الماضي، وهو المتهم الأبرز في ارتكاب مجزرة حيّ التضامن الدمشقي في عام 2013. وبرأي زيدون الزعبي، وهو خبير في مجالات الحوكمة، فإن مسار العدالة الانتقالية هذا، والذي يقوم على أساس المساءلة والمحاسبة لرموز حقبة نظام الأسد، “بحاجة إلى رصانة أكثر”، مشيراً في حديث مع “العربي الجديد”، إلى أنه “يتفهم مشاعر الناس وحالة الاحتقان الكبير الموجودة في الشارع السوري”، بيد أنه رأى أن هذا المسار القضائي الطويل “يجب أن يكون ذا طابع قانوني وحقوقي رصين”. 

وتجري المحاكمات بناء على قانون العقوبات السوري الصادر في عام 1949، والذي لا يتضمن توصيفات مستقلة لجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الإبادة، وهو ما دفع قانونيين للمطالبة بتأجيل هذه المحاكمات إلى حين صدور القانون الذي أعدته “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”، والتي ما تزال تنتظر انعقاد البرلمان من أجل إقراره وبدء العمل به.

رفض للاستعجال

وتعليقاً على الجلسة الأولى من محاكمة رموز الأسد في دمشق، رأى المحامي غزوان قرنفل، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “الاستعجال في مسألتي المساءلة والمحاسبة يبدو ضرورياً في هذه المرحلة، وخصوصاً بعد تشكيل هيئة وطنية للعدالة الانتقالية”، مضيفاً أنه “آن الأوان لمعرفة الآليات القانونية لهذا المسار”، ومعرباً عن اعتقاده بأن “الاستعجال بعقد الجلسة (أول من أمس) كان هدفه امتصاص ضغط الشارع، ولا سيما بعد اعتقال أمجد يوسف مرتكب مجزرة التضامن، والذي نفى تلقيه أوامر من قادة لارتكاب تلك المجزرة ما أثار مخاوف من اقتصار المحاسبة عليه فقط”.

وأشار قرنفل إلى أنه “كان هناك قرار من وزارة العدل بعقد جلسات المحاكمة مسبقاً، ولكن أعتقد أنه تمّ استعجال عقد الجلسة بهدف تهدئة الشارع”، مضيفاً أن “السلطة أرادت إرسال رسالة واضحة مفادها بأنها لم تطو صفحة المحاسبة”. وأشار إلى أن معايير القانونيين وذوي الضحايا والناجين حول المحاكمات “مختلفة عن معايير السلطة، ولكن يجب أن يكون هناك مسار ونسق واضح حول آليات وطرق المحاكمة من الناحية القانونية”. وبرأيه، فإنه “كان ينبغي على السلطة ألا تستعجل الخطوات في هذا المسار، وكان عليها أن تكون أكثر شفافية ومكاشفة مع هذا الشارع، لجهة إيضاح الخطوات التي قامت بها في قضايا المساءلة والمحاسبة، ولإرساء آليات قانونية واضحة لها”. واعتبر أن “هذه المكاشفة كان يمكن لها التخفيف من الاحتقان الشعبي بانتظار التأسيس لمسار قانوني وقضائي صحيح على أسس واضحة، فلو أخذت مسألة المحاسبة فترة زمنية أخرى قبل الشروع بها، أفضل من التأسيس لمسار قضائي غير صحيح”. وبرأي قرنفل، فإن المسار الذي بدأ الأحد “خاطئ لأنه يتم على أساس قانون العقوبات السوري والذي لا يتضمن نصوصاً تتعلق بجرائم الحرب أو جرائم ضد الإنسانية”، متسائلاً “كيف يمكن مساءلة بشار الأسد وأركان حكمه من عسكريين وأمنيين عن جرائم لم ينص عليها قانون العقوبات السوري؟”.

وأوضح المحامي أن “هناك مئات آلاف القتلى، ومثلهم من المختفين قسرياً، وهناك مقابر جماعية، ومجازر بأسلحة محرمة دولياً، ارتكبها النظام البائد خلال سنوات الثورة (2011- 2024)”، لافتاً إلى أن “هذه جرائم كبرى لا يجوز تقزيمها عبر قانون قاصر ولا يحيط بها كما يجب”. وبرأيه فإن “هناك تعجلاً في البدء في محاكمات رموز الأسد”، معتبراً أنه “كان يُفترض انتظار صدور قانون العدالة الانتقالية، ومساءلة ومحاكمة المتهمين وفقه”. ولفت إلى أن “تأخير المحاكمات عدة أشهر أخرى، هو الأجدى والأصوب ويصب في صالح العدالة الانتقالية، فبحسب قانون العقوبات تسقط عقوبة القتل بالتقادم بينما القوانين الخاصة بالعدالة الانتقالية لا تقادم فيها”، مشدداً على أن “هذه القضايا كان يجب أن تكون محل نقاش واسع بين القانونيين السوريين، قبل البدء في إجراء المحاكمات”.

من جهته، لفت المحامي عارف الشعال، إلى ضرورة وجود محامٍ للدفاع عن المتهم، معتبراً أن غياب هذا الدفاع “طرح يصطدم مباشرة بالقانون والدستور وكافة المواثيق الدولية”، ومشدداً على أن وجود محامي الدفاع “ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه، بل حق مقدّس، وغيابه كفيل بإبطال المحاكمة برمّتها”. وأضاف لـ”العربي الجديد”، أن “مهاجمة محامي الدفاع أو التشكيك بدوره لا يعبّر عن حرص على حقوق الضحايا، بل عن فهم قاصر لمنظومة العدالة، فالدفاع عن المتهم هو دفاع عن عدالة الإجراءات، لا عن الجريمة، وهو جزء من حماية مسار العدالة”. ورأى الشعال أن “القيمة الحقيقية لهذه المحاكمة لا تكمن في تفاصيلها الآنية بقدر ما تكمن في دلالتها السياسية والقانونية العميقة، المتمثلة في طيّ صفحة المحاكم الاستثنائية التي شكّلت وصمة في تاريخ القضاء السوري، وإعادة الاعتبار للقاضي الطبيعي واختصاصه الأصيل”.

ومنذ إسقاط نظام الأسد، أوقفت الإدارة السورية عدداً كبيراً من المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية، من بينهم ضباط برتب رفيعة كانوا من الأركان العسكرية والأمنية الرئيسية لنظام الأسد. وشُكّلت في مايو/أيار 2025، هيئةٌ مستقلة باسم الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، من مهامها: كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي تسبب فيها نظام الأسد، ومساءلة المسؤولين عنها ومحاسبتهم بالتنسيق مع الجهات المعنية، وجبر الضرر الواقع على الضحايا، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصالحة الوطنية.

العربي الجديد

————————–

الحوكمة في سوريا الجديدة.. بين ضرورات الإصلاح ومخاطر استمرار الولاءات/ أحمد زكريّا

26 أبريل 2026

مع دخول المرحلة الانتقالية في سوريا عامها الثاني، يتقدم ملف الحوكمة إلى واجهة النقاش العام بوصفه التحدي الأكثر إلحاحًا أمام الإدارة الجديدة.

فبعد تحقيق قدر من الاستقرار الميداني وتثبيت ملامح السلطة، باتت الأنظار تتجه نحو كيفية إدارة الدولة، وآليات اتخاذ القرار، ومدى قدرة المؤسسات على الانتقال من منطق السيطرة إلى منطق الحكم الرشيد.

وفي ظل انتقادات متصاعدة تتعلق بضعف المشاركة وتغليب الولاءات على حساب الكفاءة، تبرز الحاجة إلى إصلاحات عميقة تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

الحاضنة الدستورية: أساس بناء القرار الرشيد

يرى مدير مركز النهضة للدراسات، الباحث عبد الحميد توفيق، في حديثه لـ “ألترا سوريا”، أن المدخل الحقيقي لتحسين آليات الحوكمة في سوريا يبدأ من تأسيس حاضنة دستورية وقانونية متكاملة، تكون بمثابة الإطار الناظم لعملية اتخاذ القرار.

ويؤكد أن غياب هذا الإطار يفتح الباب أمام الاجتهادات الفردية، ويُضعف من انضباط المؤسسات، ما ينعكس سلبًا على الأداء العام للدولة، وفق تعبيره.

ويشدد توفيق على أن وجود برلمان منتخب عبر انتخابات حرة ونزيهة يمثل حجر الأساس في هذا البناء، ليس فقط لكونه سلطة تشريعية، بل لأنه يعكس التمثيل الشعبي الحقيقي، ويُنتج حالة من التوازن بين السلطات.

ويضيف أن هذا البرلمان يجب أن يكون نتاج عملية سياسية ناضجة، تسبقها بيئة تعددية حقيقية، تتشكل فيها أحزاب وتيارات سياسية قادرة على التنافس ببرامج واضحة، وليس بمجرد شعارات عامة.

ويتابع أن هذه الأحزاب، عندما تدخل البرلمان، تشكل كتلًا سياسية تعبّر عن توجهات المجتمع، وتساهم في صياغة تشريعات قائمة على النقاش والتوافق، ما يعزز من جودة القوانين، ويحدّ من القرارات الارتجالية. كما يوضح أن هذه العملية تُنتج ما يمكن وصفه بـ”الوعاء التشريعي” الذي يضبط عمل الدولة، ويؤسس لممارسة مؤسساتية مستقرة، حسب وجهة نظره.

ويذهب توفيق أبعد من ذلك، معتبرًا أن ترسيخ هذا النموذج من الحكم كفيل بتقليص دور الولاءات الضيقة، سواء كانت أيديولوجية أو مناطقية أو حتى قائمة على العلاقات الشخصية، إذ تصبح هذه الاعتبارات أقل تأثيرًا في ظل وجود قواعد قانونية واضحة، ودستور شامل يحدد الحقوق والواجبات بالتساوي. ويؤكد أن هذا التحول لا يحدث بشكل فوري، لكنه يبدأ بالتراكم، مع ترسيخ ثقافة سياسية جديدة تقوم على التنافس والبرامج، لا على الانتماءات.

الشفافية واستقلال المؤسسات: مدخل استعادة الثقة

من جانبه، يسلط الباحث المختص في العلاقات الدولية، الدكتور عبد الباسط أبو نبوت، الضوء على أن التحدي الأبرز في هذه المرحلة يتمثل في كيفية تحسين آليات الحكم، خاصة بعد ملاحظات الشارع السوري حول وجود نوع من الاستئثار باتخاذ القرار، وغياب المشاركة الواسعة للنخب.

ويؤكد أبو نبوت في حديثه لـ “ألترا سوريا”، على أن الخطوة الأولى لمعالجة هذا الخلل تكمن في تعزيز الشفافية، موضحًا أن المواطن عندما يكون على اطلاع بكيفية اتخاذ القرار، والجهات التي تقف وراءه، يصبح أكثر قدرة على تقييم الأداء، وأكثر استعدادًا للتفاعل الإيجابي مع الدولة.

ويضيف أن الشفافية لا تعني فقط الإعلان عن القرارات، بل شرح خلفياتها وأهدافها، ما يساهم في بناء الثقة، ويحد من الشائعات والتأويلات.

ويشدد أبو نبوت على أهمية استقلال المؤسسات، من خلال التطبيق الفعلي لمبدأ الفصل بين السلطات، بحيث لا تتداخل الصلاحيات، ولا تُحتكر السلطة في جهة واحدة.

كما يرى أن هذا الاستقلال يجب أن يمتد إلى مختلف المستويات، بحيث تتمتع كل مؤسسة، بل وكل مديرية داخلها، بقدر من الاستقلال الإداري والرقابي، مدعومة بأجهزة قانونية فاعلة.

ويُبرز أبو نبوت أهمية تفعيل آليات الرقابة والمحاسبة داخل المؤسسات الحكومية، مشيرًا إلى أن وجود قوانين مثل قانون الخدمة المدنية لا يكفي بحد ذاته، بل يجب تطبيقها بشكل صارم، خاصة فيما يتعلق بالتوظيف، والترقية، والمساءلة. ويضيف أن هذا التطبيق، إذا ترافق مع برامج تدريب وتأهيل مستمرة، يمكن أن يسهم في إحداث نقلة نوعية في الأداء الإداري.

بين الاستفادة من الخبرات واستقطاب الكفاءات

وفي ما يتعلق بإشكالية الكفاءة مقابل الولاء، يحذر أبو نبوت من مخاطر إقصاء الكفاءات الموجودة داخل المؤسسات، تحت ذرائع مختلفة، مؤكدًا أن ذلك قد يؤدي إلى فقدان خبرات تراكمية مهمة، تحتاجها الدولة في هذه المرحلة.

ويشير إلى أن الإصلاح الإداري لا يعني بالضرورة استبدال الكوادر، بل إعادة تأهيلها، والاستفادة من خبراتها، بالتوازي مع استقطاب كفاءات جديدة، خاصة من السوريين الذين اكتسبوا خبرات علمية ومهنية في الخارج.

ويؤكد أن سوريا “تزخر بالكفاءات”، ما يتطلب وضع سياسات واضحة لاستثمار هذا المورد البشري.

كما يلفت إلى أهمية دور المجتمع المدني، الذي يمتلك، بحسب وصفه، معرفة دقيقة باحتياجات المجتمعات المحلية، ما يجعله شريكًا أساسيًا في عملية صنع القرار. ويضيف أن إشراك هذه الجهات يمكن أن يسهم في تسريع الاستجابة للمشكلات، وتحسين جودة السياسات، خاصة على المستوى الخدمي.

التحول الرقمي: رافعة لتحديث الإدارة

يتوقف أبو نبوت عند دور التكنولوجيا في تعزيز الحوكمة، معتبرًا أن إدخال الأنظمة الرقمية والمنصات الإلكترونية في العمل الحكومي يمثل خطوة ضرورية لتطوير الأداء، موضحًا أن التحول الرقمي يساهم في تبسيط الإجراءات، وتقليل الوقت والجهد، والحد من البيروقراطية، فضلًا عن تعزيز الشفافية.

ويضيف أن هذا التحول لا يقتصر على الجانب التقني، بل يتطلب تغييرًا في ثقافة العمل داخل المؤسسات، بحيث تصبح أكثر انفتاحًا على الابتكار، وأكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات.

ويرى أن هذا المسار يمكن أن يشكل أحد أهم أدوات تحسين صنع القرار، من خلال توفير بيانات دقيقة، وتسهيل الوصول إلى المعلومات.

اختلالات الحوكمة: قراءة في واقع الأداء الحكومي

من جهته، يقدم الباحث في المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، الدكتور سمير العبد الله تقييمًا أكثر شمولًا لأداء الحكومة الانتقالية، مشيرًا إلى أن اختلالات الحوكمة وآليات اتخاذ القرار كانت من أبرز التحديات خلال العام الأول.

ويوضح العبد الله في تصريحاته لـ “ألترا سوريا”، أن هذه الاختلالات ظهرت في عدة مؤشرات، من بينها تغليب الاعتبارات السياسية أو الولاءات على حساب الكفاءة، في بعض مفاصل الدولة.

ويؤكد على أن هذا الواقع انعكس في غياب رؤية استراتيجية واضحة في عدد من القطاعات، حيث تم التركيز على إدارة الأزمات اليومية، بدلًا من وضع خطط طويلة الأمد. ويضيف أن هذا النهج أدى إلى ضعف التنسيق بين المؤسسات، رغم وجود نوع من المركزية في القرار، ما حدّ من كفاءة الأداء الحكومي.

ويشير العبد الله إلى أن هذه الاختلالات لا يمكن فصلها عن السياق العام للمرحلة الانتقالية، التي تتسم بطبيعتها بالتعقيد، نتيجة تراكم الأزمات، وتداخل العوامل الداخلية والخارجية.

ومع ذلك، يرى أن استمرار هذه الاختلالات دون معالجة قد يؤدي إلى تآكل الثقة العامة، ويؤثر على شرعية الحكومة على المدى المتوسط.

الاقتصاد والخدمات: تحديات تضغط على الحوكمة

يضيف العبد الله أن ضعف الموارد الاقتصادية يشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومة، حيث ورثت اقتصادًا متضررًا، وقطاعًا إنتاجيًا شبه معطل، ما يحد من قدرتها على تمويل برامجها.

ويشير إلى أن تأخر مشاريع إعادة الإعمار، وانخفاض الاستثمارات، انعكسا بشكل مباشر على مستوى الخدمات، وزادا من معدلات الفقر والبطالة.

كما يلفت إلى أن تدهور البنية التحتية، خاصة في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، يمثل تحديًا إضافيًا، في ظل ارتفاع كلفة إعادة التأهيل، ونقص التمويل، مبينًا أن استمرار هذه الأوضاع يؤثر بشكل مباشر على تقييم المواطنين لأداء الحكومة، خاصة في ظل توقعات بتحسن سريع بعد تشكيلها.

توصيات لتعزيز الحوكمة

في ضوء هذه المعطيات، يطرح العبد الله مجموعة من التوصيات، أبرزها توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وتعزيز التوافق الداخلي بين مختلف القوى، بما يساهم في بناء شرعية تستند إلى الداخل، لا إلى الخارج.

كما يدعو إلى استكمال الأطر الدستورية والتشريعية، وإنشاء مؤسسات حكومية فاعلة، وتفعيل هيئات رقابية مستقلة، بما يعزز من سيادة القانون، ويحد من الفساد والمحسوبية.

ويشدد على ضرورة وضع جدول زمني واضح للمرحلة الانتقالية، يحدد الأولويات، ويمنح المواطنين رؤية واضحة للمستقبل.

ويؤكد أيضًا على أهمية تحسين إدارة الموارد، وضمان توزيعها بشكل عادل، إلى جانب إطلاق برامج اقتصادية تستهدف تخفيف الفقر، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مشيرًا إلى ضرورة تهيئة بيئة قانونية جاذبة للاستثمار، عبر تبسيط الإجراءات، وتعزيز الشفافية.

وفي الجانب الإداري، يشدد على أهمية الإسراع في معالجة ملف الكفاءات، بما في ذلك إعادة دمج الموظفين المفصولين، والاستفادة من خبراتهم، إلى جانب تعزيز دور الإدارة المحلية، بما يساهم في تحسين الاستجابة للاحتياجات.

اختبار الانتقال من الأزمات إلى السياسات

تشير مجمل هذه الطروحات إلى أن سوريا تقف أمام مرحلة حاسمة، حيث لم يعد كافيًا تحقيق استقرار نسبي، بل بات المطلوب إحداث تحول حقيقي في بنية الحكم.

ويؤكد الخبراء والمراقبون أن نجاح هذه المرحلة يعتمد على قدرة الإدارة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء سياسات مستدامة، تعالج جذور المشكلات، لا مظاهرها فقط.

وفي هذا السياق، يصبح إصلاح الحوكمة ليس مجرد خيار، بل ضرورة، لضمان استقرار طويل الأمد، وبناء مؤسسات تحظى بثقة المواطنين.

كما أن تحقيق هذا الهدف يتطلب توازنًا دقيقًا بين متطلبات الاستقرار، وضرورات التغيير، وبين مركزية القرار، وتوسيع المشاركة.

ووسط كل ما تم ذكره، تبدو معركة الحوكمة في سوريا الجديدة اختبارًا حقيقيًا لقدرة الإدارة على إعادة بناء الدولة على أسس حديثة، فإما أن تنجح في ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة والكفاءة، وتفتح المجال أمام مشاركة سياسية حقيقية، أو تستمر الاختلالات، بما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار، ومستقبل المرحلة الانتقالية.

وفي ظل تعقيدات المشهد، تبقى الإرادة السياسية، مدعومة بإصلاحات مؤسسية عميقة، العامل الحاسم في تحديد الاتجاه الذي ستسلكه البلاد في السنوات القادمة.

الترا سوريا

—————————————–

شبكة حقوقية: محاكمة عاطف نجيب تكشف قيوداً هيكلية في القانون السوري

تقرير: التهم الموجهة لعاطف نجيب ستُكيّف على الأرجح ضمن نصوص جنائية

2026-04-28

كشفت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن المحاكمة الجارية بحق عاطف نجيب تسلط الضوء على مجموعة من القيود الهيكلية التي تحدد سقف ما يمكن أن يحققه القانون المحلي السوري في مجال المحاسبة، لا سيما في ما يتعلق بالجرائم ذات الطابع الدولي.

وأوضحت الشبكة أن الإشكالية الأساسية تكمن في الجانب التشريعي، حيث لا يتضمن قانون العقوبات السوري تعريفاً لجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية بوصفها فئات قانونية مستقلة.

وبحسب ما ورد، فإن السلوك المنسوب إلى نجيب، بما يشمل القتل المنهجي والتعذيب والاحتجاز التعسفي واضطهاد المدنيين، يستوفي الأركان المادية للجرائم ضد الإنسانية وفق المادة السابعة من نظام روما الأساسي.

ورغم ذلك، أشارت الشبكة إلى أن التهم ستُكيّف على الأرجح ضمن نصوص جنائية تقليدية، مثل القتل والتعذيب وإساءة استخدام السلطة، نتيجة غياب نصوص محلية تُعرّف الجرائم الدولية أو تحدد أركانها.

واعتبرت أن هذا القصور لا يعود إلى تقدير قضائي، بل إلى غياب الإطار التشريعي، الأمر الذي يؤدي إلى صدور أحكام لا تعكس الطبيعة المنهجية والواسعة النطاق للانتهاكات المرتكبة.

وبيّنت الشبكة أن هذه الفجوة لا تعني غياب الأساس القانوني للمحاسبة، مشيرة إلى أن المادة 15 (2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادقت عليه سوريا، تتيح محاكمة الأفعال التي كانت تُعدّ جرائم بموجب القانون الدولي العرفي وقت ارتكابها، حتى في حال عدم وجود نص وطني.

ولفتت إلى أن الجرائم ضد الإنسانية راسخة في القانون الدولي العرفي منذ ما قبل محاكمات نورنبرغ، ما يجعل توصيف الأفعال المرتكبة عام 2011 ضمن هذا الإطار غير مخالف لمبدأ عدم رجعية القوانين.

لكن الشبكة شددت على أن هذه المادة تعالج مبدأ الشرعية فقط، ولا تقدم آلية تطبيق واضحة، موضحة أن المحاكم السورية تفتقر إلى نصوص تحدد عناصر الجرائم ضد الإنسانية أو أنماط المسؤولية المرتبطة بها، ما يجعل الأساس القانوني قائمًا نظريًا، لكنه يفتقر إلى الأداة التشريعية اللازمة للتطبيق العملي.

وفي السياق الإجرائي، أكدت الشبكة أن حضور أقارب الضحايا، القادمين من درعا بصفتهم مدعين شخصيين وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، يحمل دلالة مهمة، إذ يمنحهم القانون حق الادعاء إلى جانب الحق العام، كما يُلزم النيابة العامة بمتابعة القضية عند تقديم الشكوى، وهو ما يعزز من مشاركة الضحايا في مسار العدالة، بما يتماشى مع مبادئ العدالة الجنائية الدولية.

وتناولت الشبكة مسألة ضمانات المحاكمة العادلة، معتبرة أنها تمثل اختبارًا حقيقياً لمصداقية الإجراءات، خاصة في ظل سياق انتقالي لم تكتمل فيه بعد البنية المؤسسية اللازمة، بما يشمل استقلال النيابة العامة، وكفاءة الدفاع، وشفافية المحاكمات.

وأشارت إلى وجود تعارض واضح بين القانون السوري والالتزامات الدولية فيما يتعلق بعقوبة الإعدام، إذ يسمح القانون المحلي بتطبيقها في جرائم لا تقتصر على القتل العمد، وهو ما يتعارض مع المادة 6 (2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي فسرتها لجنة حقوق الإنسان على أنها تقصر الإعدام على أخطر الجرائم التي تنطوي على قتل متعمد.

وأوضحت الشبكة أن لهذه المسألة أبعاداً عملية، إذ إن المتهم الذي يواجه عقوبة الإعدام يكون أقل ميلاً للتعاون مع السلطات في كشف معلومات حساسة، مثل هياكل القيادة أو مواقع المقابر الجماعية أو مصير المختفين قسراً، مقارنة بمن يواجه عقوبة سجن طويلة، ما قد يعيق جهود كشف الحقيقة.

ورأت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن محاكمة عاطف نجيب تمثل سابقة قضائية محلية وتحمل قيمة رمزية مهمة لذوي الضحايا، كما تعكس درجة من الجدية في مسار المحاسبة، لكنها لا تكفي لسد الفجوات البنيوية القائمة.

وأكدت أن الحكومة السورية لم تعتمد بعد قانوناً للعدالة الانتقالية، ولم تُنشئ محكمة خاصة، كما لم تُدرج الجرائم ضد الإنسانية ضمن التشريعات المحلية، ما يجعل تطوير البنية القانونية والمؤسسية أمراً ضرورياً، عبر إصلاحات تشريعية شاملة، وضمان استقلال القضاء، وتعزيز التنسيق بين المسارات المحلية والآليات الدولية.

—————————–

عاطف نجيب خلف القضبان.. عن هيئة العدالة الانتقالية ومحاكمة المجرمين/ بتول الحكيم

28 أبريل 2026

14 عامًا عدها أهالي درعا بالساعات والدقائق، ليروا المجرم عاطف نجيب، الذي أوغل في دمائهم وتسبب بمقتل أبنائهم تحت التعذيب، واقفًا خلف القضبان، يواجه محاكمة عادلة، بالتزامن مع القبض على سفاح التضامن أمجد يوسف.

فكيف قيم الحقوقيون وأهالي الضحايا جلسة المحكمة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب وبشار الأسد وماهر الأسد؟

“الترا سوريا” حاور بعض الحقوقيين وأعضاء هيئة العدالة الانتقالية وممثلين عن منظمات المجتمع المدني العاملة في هذا الشأن، للوقوف على رؤيتهم للمحاكمة، في سياق مسار العدالة الانتقالية.

محاكمة عاطف نجيب حدث تاريخي

وصف الحقوقي السوري والباحث القانوني المختص بالعدالة الانتقالية والنزاع، منصور العمري، خلال حديثه لـ”الترا سوريا”، المحاكمة بالحدث التاريخي، وبداية مسار العدالة الانتقالية الجنائي، التي طال انتظارها من قبل الناجين والضحايا والعائلات والسوريين بشكل عام، لكن حتى اليوم هناك غموض في محاكمة عاطف نجيب بشأن النصوص القانونية المنطبقة أو التكييف القانوني المعتمد لتوجيه تهم بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فهل المحكمة تعتمد مبدأ سرية القانون المنطبق أو التكييف القانوني، أم ينتظرون صدور قانون العدالة الانتقالية لتصدر الأحكام بموجبه، أم سيصدرون أحكامًا اعتمادًا على القانون السوري، هذا الغموض بخصوص القانون المنطبق، لا ينتقص من علنية وشرعية المحاكمة والثقة بقانونية المحاكمة وحسب، بل قد يشكل مدخلًا لمحامي الدفاع للطعن في المحاكمة، ويقوض أول محاكمة تاريخية لنظام الأسد، ما يوجب أن تكون من أولويات المحكمة، توضيح هذه المسائل القانونية في أولى الجلسات.

ورأى العمري أن بدء المحاكمة أتى بعد قرار سياسي أكثر منه قانوني، نتيجة إرادة تسريع المحاكمات تحت الضغط الشعبي المفهوم الساعي للعدالة الجنائية، بما فيه بإصدار مذكرات اعتقال غيابية لبشار الأسد ورفاقه، وربما مصادرة أصول وأملاك لهؤلاء الأشخاص، محذرا من أن التوجه، قد يؤدي إلى متاهات قانونية ويقوض شرعية المحاكمات، مشيرا إلى أن الحل الأمثل هو انتظار صدور قانون العدالة الانتقالية المفترض أن يضم مواد تعرف الجرائم الجسيمة وتنص على عقوباتها، وإلى ذلك حين يمكن الاستمرار بالتحقيقات وتجهيز الأرضية السليمة للمحاكمات.

لائحة اتهامات عاطف نجيب

أوضح العمري أنه ضمن القانون السوري المطبق حاليًا، لا يمكن تحديد التهم التي ستوجه بدقة، إلا بعد اكتمال تحقيق المحكمة مع المتهم، ودراسة القضاة للأدلة وسماع الأقوال من المتهم والمدعين والشهود، اعتمادًا على التهم المتداولة في الإعلام بخصوص عاطف نجيب، وتوجيه أوامر بقتل المتظاهرين وتعذيب الأطفال، موضحًا أن المحدد الرئيسي للتهم والعقوبات، هو زمان ارتكاب الجريمة والقانون المنطبق حينها، الذي قد يكون القانون الوطني وأيضًا الدولي.

وعلق بالقول “بالنسبة التعذيب هو فعل محظور ومجرم، في القانون الدولي في كل الظروف، حتى وإن كان القانون السوري، لا يجرمه بالشكل المناسب وقت وقوع الجريمة، فالقانون المنطبق وقت وقوع الجريمة، وطنيًا قانون العقوبات العام، ودوليًا تطبق التزامات سوريا بموجب عضويتها في اتفاقية مناهضة التعذيب، وبموجب الحظر المطلق على التعذيب في القانون الدولي”.

وأضاف أنه بموجب قانون العقوبات العام لعام 1949، يمكن توجيه تهمة التعذيب ولكن المشكلة، تكمن في أن المادة 391 تصنف التعذيب كجنحة، وعقوبتها لا تتجاوز 3 سنوات، وهو ما لا يتناسب مع فظاعة ما حدث لأطفال درعا، ولكن الإعلان الدستوري في مادته 49 استثنى “كل الجرائم التي ارتكبها النظام البائد” من مبدأ عدم رجعية القوانين، بالتالي يمكن توجيه تهمة التعذيب، بموجب القانون رقم 16 لعام 2022 الذي يجرم التعذيب، والذي ينص على أن كل من ارتكب قصدًا التعذيب أو شارك فيه أو حرض عليه، وتكون العقوبة السجن المؤبد إذا وقع التعذيب على طفل، لأنه صدر بعد وقوع الجريمة، في هذه الحالة يمكن الحكم بالمؤبد على عاطف نجيب.

وفيما يتعلق بإصدار أوامر بإطلاق النار، التي أدت إلى قتل متظاهرين، فيمكن بموجب قانون العقوبات العام اللجوء إلى تهمة القتل العمد، عن طريق الاشتراك أو التحريض وعقوبتها نفس عقوبة الفاعل وهي الإعدام، وهذا ينطبق على حالة أمجد يوسف الذي ارتكب فعل القتل العمد وعقوبته الإعدام.

وأشار العمري إلى عدم وجود مواد في القانون السوري بشأن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وغيرها من الجرائم الجسيمة، ما  يعني عدم القدرة على استخدامه لمعاقبة هذه الجرائم، تبعا لعمق القصور القانوني من ناحية فلسفة العقاب وتوصيف الجريمة الحقيقي، ومواكبة التطورات القانونية الحضارية.

وفيما يخص المجرم أمجد يوسف، أوضح أن عدد الضحايا الإجمالي 288 في مقاطع الفيديو الـ 27 التي لم يكشف منها إلا فيديو واحد، ومعظم الضحايا من الشباب أو ممّن هم في منتصف العمر، بالإضافة إلى أطفال ونساء وكبار السن، فالأدلة على الجرائم ليست ملكية شخصية، وبموجب القانون وتحت طائلة المساءلة الجنائية، يجب تسليم جميع فيديوهات المجازر وكل شيء يتعلق بها وكيفية الحصول عليها، فهي جزء من تحقيق جار، وإخفاء دليل على وقوع جريمة هو جريمة بحد ذاتها في القانون السوري، تندرج تحت إعاقة العدالة والتستر على جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في القانون الدولي.

هيئة العدالة الانتقالية ومحاكمة المجرمين

من جهته أوضح عضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية رديف مصطفى لـ”الترا سوريا”، أن الهيئة تستند إلى مزيج من القواعد القانونية الدولية، سواء لجهة قواعد القانون العرفي الدولي أو الاتفاقيات الدولية الملزمة، كما هي حال اتفاقية مناهضة التعذيب على سبيل المثال، إضافة إلى تطبيق القانون السوري بشكل مؤقت إلى حين صدور قانون العدالة الانتقالية الجديد، مؤكدا أن الانتهاكات والجرائم الجسيمة التي ارتُكبت في سوريا تُعد جرائم دولية، ما يفرض إعمال الالتزامات الدولية التي ترتبط بها الدولة، بما في ذلك المبادئ العامة للقانون الدولي الإنساني ذات الصلة. كما يجري العمل على مواءمة الأطر القانونية بما يسمح بالتعامل مع هذه الجرائم وفق معايير قانونية معترف بها، دون الإخلال بالضمانات الدستورية والمعايير الدولية.

وأضاف أنه يتم التعامل مع كل ملف ومتهم، بناءً على الوقائع والأدلة المتوفرة، حيث يجري توصيف الأفعال ضمن الأطر القانونية المناسبة، سواء وفق القوانين الوطنية أو من خلال الاستفادة من المفاهيم القانونية المعترف بها دوليًا، بهدف الوصول إلى توصيف دقيق يعكس طبيعة الأفعال المرتكبة، والتي يجمعها كونها جرائم جسيمة، بما يضمن إمكانية ملاحقتها قضائيًا بشكل سليم، ويُحسم هذا الأمر ضمن المسار القضائي بناءً على توصيف الوقائع والأدلة، إلا أن طبيعة هذه الأفعال تشير إلى أنها لا تندرج ضمن الجرائم الجنائية التقليدية، حيث تقع ضمن نطاق الجرائم الأشد خطورة، كجرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب أو جرائم إبادة، وفي حال تبيّن أن بعض الوقائع تندرج ضمن الجرائم الجنائية العادية، يتم إحالتها إلى القضاء المختص في العدالة الانتقالية، الذي يتولى النظر في الجرائم الجسيمة، مع العمل على تهيئة الملفات بما يتيح التكييف القانوني الدقيق.

“التقادم” لن يحمي مرتكبي الانتهاكات

وحول مبدأ رجعية القوانين الجزائية، أفاد مصطفى أن هذا المبدأ يُعد من الركائز الأساسية، إلا أن تطبيقه في حالات الجرائم والانتهاكات الجسيمة له خصوصية، فوفقًا للقانون الدولي الإنساني، وما استقر عليه القانون العرفي الدولي، فإن هذه الجرائم لا يسري عليها مبدأ عدم الرجعية بالشكل التقليدي، ولا يُعد تطبيق القواعد الدولية عليها خرقًا لهذا المبدأ، نظرًا لطبيعتها وخطورتها، كما أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم.

وأضاف أن هناك آلية قانونية تسمح بالمحاسبة دون خرق هذا المبدأ، حيث يتم ذلك من خلال الاستناد إلى قواعد القانون الدولي الملزمة، إلى جانب التوصيف القانوني الدقيق للأفعال ضمن أطر قائمة، بما يحقق التوازن بين ضرورة المساءلة واحترام الضمانات القانونية، خاصة في ما يتعلق بالجرائم والانتهاكات الجسيمة التي تفرض التزامات خاصة على الدول.

بدوره تحدث العمري عن آليات تجاوز مبدأ التقادم في هذه القضايا، إذ إن نظام الأسد كان الخصم والحكم، فالضحية وقعت في استحالة مادية ومعنوية للمطالبة بحقها، مبينا أن تقادم الحق العام يعني سقوط الحق بالمطالبة به بمرور الزمن دون اتخاذ إجراء قضائي، فيسقط بعد 10 سنوات من وقوع جريمة القتل، وبعد 5 سنوات من ارتكاب جنحة التعذيب، الأمر الذي قد يعيق محاكمة عاطف نجيب بتعذيب الأطفال وقتلهم عام 2011، وكذلك محاكمة أمجد يوسف بالقتل عام 2013، ما يستوجب تدخل الاجتهادات القضائية، التي تعد أحد مصادر القانون، ويمكن بناء على ذلك اعتماد أسس عدة، تتمثل في مبدأ التمديد العادل للتقادم، وهو مبدأ قانوني مطبق دوليا، يسمح بتعليق أو تمديد مدة التقادم في ظروف معينة، حين يتعذر على المدعي رفع دعوى خلال المدة المحدد بسبب ظروف خارجة عن إرادته، وكذلك مبدأ الخداع إذ يمنع الجاني من الاستفادة من مرور الزمن، في حال ثبت إخفاؤه لمعالم الجريمة أو الحقائق التي تسمح للضحية بالادعاء، وهذا الأمر متوفر لدى عاطف نجيب وأمجد يوسف.

وأكد العمري أن القانون السوري يتضمن مبدأ “وجود مانع مادي أو معنوي يجعل من المستحيل على صاحب الحق المطالبة به”، ويتمثل في الخوف من الأجهزة الأمنية على زمن النظام المخلوع.

وختم مصطفى حديثه بأن التوجه هو نحو إنشاء محاكم متخصصة من حيث الموضوع في قضايا العدالة الانتقالية، وهو ما يجري العمل عليه فعليًا، بما يضمن معالجة هذه الملفات ضمن إطار قانوني متخصص، دون المساس باستقلال القضاء أو معايير المحاكمة العادلة.

كيف ينظر أهالي الضحايا للمحاكمة

رئيس مجلس إدارة رابطة عائلات قيصر في سوريا وأحد ذوي الضحايا، حسن عجم، علق على المحاكمة بوصفها من الخطوات المهمة التي تتبناها الحكومة السورية الجديدة، نحو طريق العدالة الانتقالية ومحاسبة مرتكبي الجرائم والمتسببين بالمآسي التي حلت على الشعب السوري.

وذكر عجم أن عاطف نجيب كان من أوائل الذين أشعلوا فتيل الثورة السورية، عقب اعتقاله لأطفال درعا وتعذيبهم، بأوامر من رأس هرم الإجرام بشار الأسد، ومحاكمة هذا المارد القاتل ومنظره مكبل اليدين في قفص الاتهام، شكل من أشكال جبر الضرر النفسي للضحايا وذويهم، مضيفًا أن سماع النداء على المجرمين بشار وماهر الأسد وبقية المجرمين في قصر العدل بدمشق، سيلقى صدى إيجابيًا داخل وخارج سوريا، فهذه المرة الأولى التي يحاكم فيها المجرمون داخل سوريا، وكانوا يلاحقون خارجها فقط.

وعبر عجم عن مدى رغبته ورغبة كل المكلومين في سماع الحكم على المجرم، الذي يمثل بداية الطريق الصحيح نحو سوريا جديدة، تضمن حقوق جميع مواطنيها وطي صفحة نظام الأسد الأب والأبن إلى الأبد.

انتظار قانون العدالة الانتقالية، يساهم في تجنب المتاهات القانونية، التي تطيل أمد إجراءات التقاضي في المحاكمات، وتضعف الثقة بهذه المحاكمات وتجعلها عرضة للطعن.

الترا سوريا

—————————–

محاكمة بشار الأسد في دمشق 2026/ بشار أمين العتمة

عاطف نجيب، ابن عمّ الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، يقف خلف القضبان في قفص مخصص داخل قاعة المحكمة خلال محاكمته في محكمة الجنايات الرابعة بقصر العدل في دمشق، سوريا، 26 أبريل/نيسان 2026

بعد أكثر من أربعة عشر عاما على انطلاق الاحتجاجات في سوريا، وما يقارب عاما ونصفا على أحداث الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 التي غيرت مسار البلاد، لا تزال ذاكرة السوريين مثقلة بثقل الخسارات: مدن مدمرة، وآلاف المفقودين، وملايين النازحين داخل البلاد وخارجها. وعلى امتداد هذه السنوات، بقي مطلب العدالة حاضرا في الخطاب العام، من درعا إلى حلب، مرورا بمراكز الاحتجاز التي ارتبطت بانتهاكات واسعة.

في هذا السياق، بدأت محكمة الجنايات الكبرى في دمشق أولى جلسات محاكمة عدد من المسؤولين السابقين، في خطوة تعد اختبارا فعليا لمسار العدالة الانتقالية في البلاد. وتشمل قائمة المتهمين الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد (غيابيا)، إضافة إلى عاطف نجيب الذي يمثل أمام المحكمة.

من درعا إلى دمشق.. مسار القضية

تعود إحدى أبرز القضايا المطروحة إلى أحداث درعا عام 2011، حين أثار اعتقال أطفال على خلفية كتابات مناهضة للنظام موجة احتجاجات واسعة. وكان عاطف نجيب، المسؤول الأمني آنذاك، من أبرز الأسماء المرتبطة بتلك المرحلة.

كما تشمل الملفات المطروحة قضايا موثقة لاحقا، من بينها حادثة حي التضامن في دمشق، التي أعادت إلى الواجهة نقاشا واسعا حول الانتهاكات المرتكبة خلال سنوات النزاع.

محاكمة علنية واختبار للشفافية

تكتسب هذه المحاكمات أهمية خاصة لكونها علنية، مع تعهد الجهات القضائية بإتاحة المجال أمام عرض الأدلة وسماع الشهادات، إضافة إلى ضمان حق الدفاع للمتهمين. ويرى متابعون أن هذه الخطوة تمثل تحولا في أداء المؤسسة القضائية، مقارنة بمراحل سابقة اتهمت فيها بغياب الاستقلالية.

ويقول أحد القضاة المشاركين في المسار إن “الهدف ليس الانتقام، بل ترسيخ مبدأ المساءلة وفق القانون”.

تحديات العدالة الانتقالية

رغم هذه الخطوة، لا تزال التحديات كبيرة. فملف التوثيق يشمل آلاف الشهادات والوثائق، إلى جانب الحاجة إلى إعادة هيكلة المؤسسات القضائية وتأمين حماية الشهود.

إعلان

كما يبرز تحد آخر يتمثل في تحقيق التوازن بين محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ومنع انزلاق المسار نحو تصفية حسابات سياسية أو اجتماعية.

لماذا الآن؟

يرى مراقبون أن تأخر بدء المحاكمات يعود إلى تعقيدات تتعلق بجمع الأدلة وبناء الإطار القانوني المناسب. فالمحاكمات المتسرعة قد تضعف مصداقية العملية برمتها.

أما اختيار دمشق مقرا للمحاكمات، فيحمل دلالة رمزية، إذ تنتقل المدينة من كونها مركزا للسلطة خلال سنوات النزاع، إلى ساحة لمحاولة إعادة بناء الثقة بالمؤسسات.

رسائل متعددة

تحمل هذه المحاكمات رسائل في أكثر من اتجاه: داخليا، تمثل محاولة لطمأنة الضحايا بأن مطالبهم لم تهمل.

دوليا، تعد اختبارا لمدى التزام سوريا بالمعايير القانونية.

سياسيا، تعكس بداية مرحلة جديدة تسعى إلى إغلاق ملفات الماضي عبر أدوات قانونية.

بين العدالة والمصالحة

يبقى السؤال الأهم مرتبطا بقدرة هذه المحاكمات على تحقيق توازن بين العدالة والمصالحة. فبدون مسار قانوني واضح وشفاف، قد تبقى الجراح مفتوحة، ويصعب بناء استقرار طويل الأمد.

ومع انطلاق أولى الجلسات، تدخل سوريا مرحلة دقيقة، عنوانها اختبار فعلي لشعار طال ترديده: العدالة لا تسقط بالتقادم.

—————————-

 تبعثر الوثائق الأمنية السورية.. أزمة الذاكرة والعدالة بعد السقوط/ عصام اللحام

2026.04.28

تبعثرت في كل مكان ملايين الوثائق من المؤسسات والأفرع الأمنية والمعتقلات والسجون، مع تبخر النظام المخلوع بكل قواته وعناصره، في اللحظة الفارقة التي لم ينسها السوريون في كانون الأول/ديسمبر 2024.

وهي اللحظة ذاتها التي ضاعت فيها تلك الوثائق في فوضى الفرح، وكانت كنزاً لا يُقدّر بثمن، ومباحاً في آنٍ معاً لكل من وصل أولاً أو حتى لاحقاً. فالتاريخ هنا توقف عند الخامسة وبضع دقائق من يوم الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، ولم يتحرك إلا بعد أن باتت كل المقرات مجرد جدران تختزن آلاف الآلام، وتخفي ذاكرة مئات آلاف الأرواح المعذبة، بلا وثيقة أو ورقة تثبت أن هناك من مرّ هنا واختفى.

“تسليع” الوثائق.. الاستحواذ المفتوح عليها

شكّلت وثائق النظام المخلوع، الأمنية منها على وجه الخصوص، سلعة تتبادلها وسائل الإعلام وبعض الجهات الحقوقية التي تصدر تقارير وتحقيقات استقصائية بشكل متقطع، في محاولة للقول للذاكرة إنه لا مكان للنسيان. لكن المحاسبة والتوثيق القانوني ما زالا غائبين وتائهين.

ظلّت سرقة الوثائق، أو الاستحواذ عليها، أو الاستفراد بها، مباحة وممكنة لأشهر. فمن تمكن من الوصول إلى تلك الأفرع والمعتقلات مبكراً، فقد حظي بما حظي، ومن فاته ذلك، بقيت لديه إمكانية الوصول المتقطع والمحدود لأشهر، قبل أن يُغلق الملف (كما كان يُظن) ببلاغين من وزارة العدل في 15-12-2025، تلاه بيان آخر من وزارة الداخلية في 27-1-2026، دعا فيهما إلى ضرورة تسليم الوثائق للحكومة السورية، مع تحذير مغلّظ من نشر مضمون هذه الوثائق أو المعلومات الرقمية عبر أي وسيلة، بما في ذلك الوسائل الإعلامية والإلكترونية، إذ يُعرّض مرتكب المخالفة للمساءلة القانونية أمام المحاكم السورية.

تحذيرات بلا أثر

بقي البيانان حبراً على ورق. فقبلهما، وما بينهما، وما بعدهما، وحتى الآن، تباغت الوثائق السوريين بتجديد الألم؛ تجديد لا علاج له، كونها صادرة عن أشخاص وصفحات، وكثير من الوسائل الإعلامية، التي تنشر تفاصيل مهولة تحتاج إلى إطار وأسس قانونية لحفظها وتبويبها وتنظيمها وترتيبها، لبناء قضايا المحاسبة، وهذا أقل المطلوب.

ويبرز الأثر الأكبر في الوثائق التي تتضمن أسماء وصور معتقلين ومغيبين قضوا تحت التعذيب، في ما وُصف بـ”بيروقراطية الموت”، كما أطلق عليه تحقيق استقصائي كبير حمل عنوان “وثائق دمشق”.

صيدنايا يعود إلى الواجهة.. أزمة سيادة وعدالة وذاكرة

اليوم، وبعد نحو 17 شهراً على السقوط، تتحول المسألة من ما كان يُفترض جمعه أو، على أقل تقدير، ردع من يملكه عن نشره، لتعود تسجيلات جديدة إلى العلن. وهذه المرة من سجن صيدنايا، في مقاطع توثق أوضاع المعتقلين هناك.

إن تبعثر الوثائق لا يشكّل أزمة دليل إدانة فحسب، بل يشكّل أيضاً أزمة سيادة وعدالة وذاكرة.

وفي تقرير سابق للمعهد العربي في واشنطن، قال الباحثان في جامعة جورج تاون، مروة داودي ونور الدين جبنون، إن مثل هذه الاكتشافات تقدم لمحة عن العمليات الداخلية لنظام الأسد، وإن الحفاظ على هذه الأرشيفات أمر ضروري لمستقبل سوريا، حيث يمكن أن تكون أساسًا للعدالة الانتقالية، وتعزيز المساءلة والمصالحة.

ووفقًا للباحثين، لا توثق هذه السجلات القرارات البيروقراطية فحسب، بل تؤرخ أيضاً للعنف المنهجي والمعاناة الإنسانية التي تكبدها السوريون لأكثر من خمسة عقود في ظل سلالة الأسد.

سوريا على مفترق طريق مشابه لتجارب فاشلة أو ملتبسة

إن حماية هذه الوثائق وتنظيم الوصول إليها يطرحان تحدياً مباشراً أمام أي حكومة سورية، في ظل مخاطر الاستغلال والتسييس أو الترحيل غير المصرّح به. وتقدم تجارب العراق وليبيا أمثلة تحذيرية واضحة، حيث خرجت الأرشيفات عن نطاقها الوطني واستُخدمت سياسيًا، بما قوض الثقة بالمؤسسات الجديدة.

وبذلك، يصبح التعامل مع الوثائق اليوم اختبارًا لشرعية الدولة الناشئة، ولمدى قدرتها على حفظ الذاكرة بوصفها حقًا عامًا وأداة للعدالة، لا مادة للتوظيف أو تصفية الحسابات.

تلفزيون سوريا

————————–

العدالة الانتقالية: من يضع القواعد؟

ثماني عشرة منظمة حقوقية تُصدر ورقة موقف بشأن مسار العدالة في سوريا

28-04-2026

        أصدرت ثماني عشرة رابطة ومنظمة حقوقية ومدنية سورية، يوم أمس، ورقة موقف حول مسار العدالة الانتقالية والتعاون مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، أكدت فيها أن العدالة لا يمكن أن تكون مساراً رسمياً مغلقاً، بل عملية طويلة تقوم على كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وجبر الضرر، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

        وشددت الورقة على أنّ الضحايا وذويهم وروابطهم ليسوا أطرافاً استشارية فقط، بل أصحاب حق مباشر في تصميم المسار ومراقبته. لذلك طالبت بمشاركتهم الفاعلة في صياغة القوانين والسياسات والآليات المرتبطة بالعدالة الانتقالية.

        وكان تجنّبُ العدالة الانتقائية أبرز مطالب المنظمات، وذلك عبر اعتماد تعريف شامل للضحايا والانتهاكات، لا يربط حقوق الضحية بهوية الجهة المسؤولة عن الانتهاك، وحذّرت المنظمات من حصر العدالة الانتقالية بالجرائم المرتبطة بحكم الأسد فقط، ودعت إلى مقاربةٍ تشملُ جميع الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها مختلف الأطراف خلال النزاع السوري.

        كما ترى المنظمات المُوقِّعة أن العدالة الانتقالية ليست قانوناً أو إجراءً رسمياً فحسب، بل عملية سياسية واجتماعية طويلة، هدفها كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وجبر الضرر، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. ويجب أن يُصمَّم مسارها بالشراكة مع الضحايا وممثليهم.

        كما دعت الورقة إلى توسيع النطاق الزمني للقانون ليشمل الانتهاكات التي وقعت بعد 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024 وحتى اعتماد دستور دائم، وإلى ضمان استقلال الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عن التدخلات السياسية والقضائية والإدارية. حيث اعتبرت المنظمات أنّ ضمان استقلال الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وأعضائها، وتحديد علاقتها بالسلطتين التنفيذية والقضائية، شرطٌ أساسيٌ لمسار عدالة انتقالية سليم، بالإضافة إلى اعتماد قواعد واضحة تمنع التداخل والتدخل السياسي في عملها.

        وطالبت المنظمات الهيئة بنشر خطة عمل واضحة، وجدول زمني، وتقارير دورية عن التقدم والتحديات، وآليات رسمية للتشاور مع المجتمع المدني وروابط الضحايا، مُعتبِرةً أن نجاح العدالة الانتقالية مرهونٌ بالشفافية، والشمول، وحماية الحيّز المدني.

        صدرت الورقة باسم كل من المنظمات والروابط التالية:

        اليوم التالي، ميثاق الحقيقة والعدالة، المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، النساء الآن للتنمية، سين للسلم الأهلي، البرنامج السوري للتطوير القانوني، دولتي، بدايتنا، سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، عدالتي، مسارات إبدالية، دار عدالة، حملة من أجل سوريا، الأرشيف السوري، بدائل، رابطة المحامين السوريين الأحرار، العدالة من أجل الحياة، محامون وأطباء من أجل حقوق الإنسان.

—————————-

تسريبات “صيدنايا” تثير جدلًا بشأن الأدلة وحقوق ذوي الضحايا/ آلاء شعبو

أثارت تسجيلات متداولة، قيل إنها من سجن “صيدنايا” قبل سقوط نظام الأسد، جدلًا يتجاوز مضمونها إلى الطريقة التي ظهرت بها إلى العلن.

التسجيلات نُشرت اليوم، الثلاثاء 28 من نيسان، عبر حساب على “فيسبوك”، وبعد نحو ثلاث ساعات فقط من النشر، أقدم صاحب الحساب على حذفها.

وبدلًا من أن تمثل هذه التسجيلات خطوة نحو كشف الانتهاكات، وضعت مسار المحاسبة أمام تحديات تتعلق بسلامة الأدلة الرقمية وإمكانية اعتمادها قضائيًا.

وتبرز مخاوف من أن يتحول هذا النوع من النشر إلى ثغرة قانونية يستفيد منها المتهمون، بما قد يضعف فرص تحقيق العدالة ويزيد من معاناة الضحايا وذويهم.

عرقلة لمسار العدالة

مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، يرى أن تداول هذه التسجيلات يقع ضمن منطقة متشعبة تتقاطع فيها ثلاثة أطر، تتمثل بالقانون الجنائي الدولي، والقانون الإنساني الدولي، وقانون الأدلة الرقمية.

وقال عبد الغني لعنب بلدي، إن تداول هذه المواد بشكل غير منضبط يقع في فراغ تنظيمي واضح، لعدم وجود سلطة مركزية معترف بها دوليًا حاليًا تملك حصرًا صلاحية التصرف بها، مؤكدًا أن الشخص الذي يحتفظ بنسخة من مواد بهذه الطبيعة يواجه إشكاليات قانونية متعددة المستويات.

وأوضح أن الاحتفاظ بأدلة تتعلق بجرائم دولية خارج سيطرة السلطات المختصة قد يُشكّل عرقلة لمسار العدالة، إذا ثبت أن ذلك كان متعمدًا أو أفضى إلى تدمير جزء من سجل الأدلة.

    تنص المادة 70(1)(c) من نظام روما الأساسي على مايلي:

    تكون للمحكمة اختصاص بنظر الجرائم التالية المرتكبة ضد إدارتها للعدالة عندما ترتكب عمدًا:

    (ج) إتلاف الأدلة أو التدخل في جمعها أو التلاعب بها.

سلسلة حيازة الأدلة

المبدأ الجوهري في القانون الدولي هو أن قيمة الدليل لا تقتصر على مضمونه، بل تشمل قابليته للتحقق ومسار حيازته.

وبحسب عبد الغني، فإن “سلسلة الحيازة” هي العمود الفقري لأي دليل رقمي، وهي تعني التوثيق المتسلسل لكل جهة أو شخص مرّت عليه المادة من لحظة التقاطها حتى تقديمها للمحكمة.

وبيّن أن قيام أي شخص بتسريب القرص الصلب، أو الاحتفاظ بنسخة لنفسه والنشر منها، يفكك هذه السلسلة، حيث لا توجد وثيقة تثبت متى التقطت التسجيلات، ولا ما يضمن عدم تحريرها أو تزويرها.

من جانبه، الخبير في القانون الدولي المعتصم كيلاني، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن قبول هذه التسجيلات كدليل قانوني مشروط بتوفر عناصر أساسية، أهمها إثبات أصالة التسجيل وعدم التلاعب به.

وأوضح الكيلاني أن “سلسلة الحيازة” عنصر أساسي لضمان المصداقية، وفي حالة المواد المسربة عبر حسابات شخصية، غالبًا ما تكون هذه السلسلة مفقودة، مما يضعف الثقة في سلامة التسجيل حتى لو بدا حقيقيًا.

    تنص المادة 69(4) من نظام روما الأساسي على:

    يجوز للمحكمة أن تبين ما إذا كان الدليل مقبولًا أو ذا صلة، آخذة في اعتبارها، من بين أمور أخرى، القيمة الإثباتية للدليل وأي مساس قد يسببه ذلك الدليل في إجراء محاكمة عادلة أو في تقييم شهادة شاهد على نحو عادل.

نشر يفتح جرح الأهالي

أكد الخبير القانوني المعتصم كيلاني أن المسؤولية القانونية لا تقتصر على البعد الجنائي، بل تمتد إلى حقوق ذوي الضحايا واعتباراتهم الإنسانية، معتبرًا أن نشر هذه المواد دون مراعاة المشاعر قد يُعد شكلًا من أشكال إعادة الإيذاء.

وقال الكيلاني إن الشخص الذي يقوم بتسريب أو الاحتفاظ بهذه المواد قد يواجه مسؤولية مدنية إذا أدى النشر إلى إلحاق ضرر مباشر بالعائلات، كتعريضهم لصدمة نفسية متجددة أو انتهاك خصوصية أحبائهم.

وفي الإطار ذاته، أشار مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، إلى أنه لا يوجد نص دولي يحظر النشر بشكل مطلق، إذ إن حق الوصول للمعلومات محمي بموجب المادة “19” (3) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لكن القيود تشمل حماية حقوق الآخرين.

    تنص المادة “19” من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على:

    2. لكل إنسان حق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود…

    3. تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسؤوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:

    (أ) لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم.

    (ب) لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.

وحذر عبد الغني من أن نشر محتوى صادم بهذا الشكل دون تحقق كامل يحمل مخاطر حقوقية مباشرة، فإذا ثبت لاحقًا أن المواد مزورة، فإن ذلك يلحق ضررا جسيمًا بمصداقية القضية برمتها، وقد يستخدم من قِبل المتهمين للتشكيك في سائر الأدلة.

وختم الكيلاني بالقول إن النشر العشوائي قد يؤدي إلى فقدان جزء من قيمة هذه المواد كأدلة قانونية، مفضلًا التعامل معها بطريقة مزدوجة تجمع بين التوثيق الحقوقي المهني وتسليم النسخ الأصلية لجهات التحقيق المختصة لضمان قيمتها أمام القضاء.

سرقة وثائق

في 19 من كانون الأول 2024، كشفت “رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا” عن عملية سرقة لوثائق وأجهزة كمبيوتر من سجن “صيدنايا” بعد سقوط نظام الأسد.

وقالت الرابطة في تقرير، إنها تمكنت من تحديد هوية بعض الأفراد المتورطين في سرقة أجهزة الكمبيوتر من سجن “صيدنايا”، من خلال شهادات متقاطعة لسكان محليين وأهالي المختفين، مع توثيق قام به أعضاء من الرابطة كانوا داخل السجن في 8 من كانون الأول، أي بعد بضع ساعات من سقوط الأسد.

ووفق شهود عيان، قامت مجموعة من “الشبيحة” واللصوص الذين كانوا على ارتباط بالنظام المخلوع بالتسلل إلى سجن “صيدنايا” مع بدء توافد الأهالي، وسرقوا أجهزة الكمبيوتر من غرفة المراقبة وبعض الملفات من القلم الأمني في السجن.

وبعد ساعات من سقوط النظام، انتشرت مقاطع مصوّرة من داخل سجن “صيدنايا” لمقاتلين ومدنيين يتجولون بين رفوف حوَت وثائق وتقارير كتبت نهاية حياة عشرات آلاف السوريين، أو أدت إلى اعتقالهم ومعاملتهم بطريقة غير آدمية، ووثقت أيضًا أسماء المسؤولين عن ذلك.

وثائق مرمية على الأرض، وأخرى أخذها أشخاص سواء مدنيون أو عسكريون، ومن الممكن أن يكونوا من أركان النظام السابق، أدت إلى فقدان أو تلف وثائق وتقارير أمنية، ولم يُعرف حجم الفقدان حتى الآن.

استمرت حالة عدم ضبط دخول الأشخاص إلى المعتقلات والعبث بمحتوياتها نحو أربعة أيام، إلى أن أغلقت “إدارة العمليات العسكرية” هذه المعتقلات، وأنهت فرق البحث والإنقاذ وعلى رأسها “الدفاع المدني السوري” عمليات البحث عن سجون أو غرف مخفية داخلها، وهو ما حدث في سجن “صيدنايا”.

——————————

 جدل واسع حول تسريبات صيدنايا.. مطالب بفتح تحقيق ومخاوف من طمس الأدلة/ آمنة رياض

2026.04.28

تداول سوريون على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فجر الثلاثاء، مقاطع مصوّرة مسرّبة توثّق مشاهد من داخل سجن صيدنايا السيّئ الصيت، وذلك قبل أيام قليلة من سقوط النظام المخلوع.

وبحسب ما جرى تداوله، تعود المقاطع إلى كاميرات مراقبة داخل السجن، ويظهر في أحدها تاريخ الثاني من كانون الأول 2024، أي قبل نحو ستة أيام من انهيار النظام المخلوع، ما منحها بعداً زمنياً لافتاً وأثار تساؤلات عن توقيت تسريبها ودلالاته.

المقاطع نُشرت للمرة الأولى عبر حساب على “فيس بوك” يحمل اسم “حيدر التراب”، قبل أن تُحذف لاحقاً، إلا أنها كانت قد انتشرت بسرعة، وأُعيد تداولها على نطاق واسع من قبل ناشطين.

مشاهد صادمة.. وتفاعل غاضب

وأظهرت إحدى اللقطات غرفة انتظار يُجبر فيها معتقلون على الوقوف بوجوههم نحو الحائط في وضعية مهينة، في حين وثّقت لقطات أخرى غرفة تحكم تضم عدداً كبيراً من شاشات المراقبة، إضافة إلى غرفة مخصصة لاستقبال ذوي المعتقلين، يظهر فيها عنصر من السجن يتحدث عبر نافذة صغيرة.

وأثارت المقاطع موجة من التفاعل بين السوريين، الذين عبّر كثير منهم عن صدمتهم من المشاهد، في حين طالب آخرون بفتح تحقيق عاجل للكشف عن مصدرها، ومصير بقية التسجيلات.

ونقل ناشطون دعوات لمحاسبة المسؤولين عن تسريب هذه المواد، وعدم تحويل معاناة المعتقلين إلى “محتوى قابل للتداول”، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على كرامة الضحايا.

وتعليقاً على الأمر، قالت المعتقلة السابقة في سجون النظام المخلوع، وعضو “رابطة الناجيات السوريات”، سوسن العبار: “أرى أننا نعيش حالة من الفوضى، إذ لا يوجد وضوح في أي أمر، ولا شعور بالارتياح تجاه ما يجري. يسود الشك كلَّ ما يحدث نتيجة الغياب التام للشفافية بين الدولة والشعب”.

واعتبرت “العبار”، في تصريح لموقع “تلفزيون سوريا”، أن السلطات السورية، ومنذ سقوط النظام المخلوع وتحرير سجن صيدنايا، لم تقم بخطوات توازي حجم وأهمية هذا المكان لتقوم بذلك الآن.

وتابعت: “لقد تم التعامل مع سجن صيدنايا بطريقة خاطئة ومقصودة منذ لحظة التحرير وحتى اليوم (..) فلا يوجد ما يمكن اعتباره عابراً، وفي الوقت ذاته لا يوجد ما هو واضح يمكن البناء عليه كأساس”.

ودعت السلطات إلى التحرك الفوري لتحديد الجهة التي قامت بنشر هذه الفيديوهات، وكيف وصلت إليها، ومحاسبة المسؤولين عن عدم تسليمها بشكلٍ مناسب، وعن نشرها بهذه الطريقة.

وفي تعليق على الأمر، دعا الناشط السوري صبحي البصاص، السلطات إلى فتح تحقيق فوري، معتبراً أن نشر هذه المقاطع دون سياق واضح يثير الشكوك حول أهداف التسريب، خاصة مع الحديث عن وجود تسجيلات أخرى لم تُنشر بعد.

تعليق ناشط سوري

ورجّح آخرون أن تكون المقاطع جزءاً من تسجيلات أوسع جرى الحصول عليها من أجهزة تخزين سُرقت سابقاً من داخل السجن، مشيرين إلى أن تلك المواد قد تحمل معلومات حساسة عن هوية السجّانين والضباط، إضافة إلى توثيق الانتهاكات التي وقعت داخله.

في المقابل، ظهر إعلاميان في مقطع مصوّر تم بثه على منصة “فيس بوك” أكدا من خلاله أن هذه المواد سُلّمت إلى الجهات المختصة، من دون تقديم تفاصيل إضافية.

وكتب المعتقل السابق في سجن صيدنايا، “حمزة نضر”، على حسابه في منصة “فيسبوك”:”بهمّة الرجال الشرفاء، وصلت 96 غيغابايت من تسجيلات كاميرات المراقبة في سجن صيدنايا الأحمر بأمان إلى الجهات المختصة”.

“هاردات” مفقودة وشكوك قديمة تتجدد

وأعاد انتشار هذه المقاطع إلى الواجهة قضية سرقة أجهزة الكمبيوتر والوثائق من سجن صيدنايا، والتي كانت “رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا” قد كشفت عنها أواخر عام 2024.

وقالت الرابطة حينئذ إن مجموعة من “الشبيحة” تسللت إلى السجن عقب سقوط النظام المخلوع، وسرقت أجهزة من غرف المراقبة وملفات أمنية، مشيرة إلى أن هذه المواد قد تكون مفتاحاً لكشف مصير آلاف المعتقلين.

وتكمن أهمية هذه الأجهزة، وفق الرابطة، في احتوائها على تسجيلات كاميرات المراقبة ووثائق حساسة، قد توثق الانتهاكات التي وقعت داخل السجن، وتساعد في تحديد مصير المفقودين.

سجن صيدنايا “المسلخ البشري”

ويُعد سجن صيدنايا أحد أبرز رموز الانتهاكات في سوريا، حيث ارتبط اسمه بعمليات تعذيب وإعدامات جماعية طالت آلاف المعتقلين منذ عام 2011.

ووصفه ناجون ومنظمات حقوقية بـ”المسلخ البشري”، في إشارة إلى حجم الانتهاكات التي شهدها، في حين وثقت منظمة العفو الدولية إعدام نحو 13 ألف معتقل بين عامي 2011 و2015، عبر عمليات شنق جماعية كانت تُنفذ بشكل دوري وسري.

وبحسب “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، بلغ عدد المختفين قسرياً في سجون النظام المخلوع منذ عام 2011 أكثر من 96 ألف شخص، ما يجعل قضية المعتقلين والمفقودين واحدة من أكثر الملفات إيلاماً في سوريا.

من لحظة التحرير إلى غصة الفقد

عقب سقوط النظام المخلوع، تحوّل سجن صيدنايا إلى وجهة لعائلات آلاف المفقودين، الذين توافدوا بحثاً عن أي أثر يدل على مصير أبنائهم، وسط شائعات عن وجود أقبية وسراديب سرية.

وحينئذ وتلبيةً لنداءات الأهالي أجرى الدفاع المدني عمليات بحث موسعة داخل السجن، بمشاركة فرق متخصصة، دون العثور على معتقلين في مرافق غير مكتشفة، ما عمّق من حالة الصدمة لدى عائلات المعتقلين.

وخلال الأيام الأولى بعد سقوط النظام، سادت حالة من الفوضى داخل السجن، حيث انتشرت وثائق وملفات على الأرض، وفُقدت أخرى، وسط دخول غير منضبط لمدنيين ومسلحين، قبل أن يتم إغلاق الموقع لاحقاً.

وبقيت الكثير من الأمهات والزوجات تعود إلى المكان وتبحث بين الجدران والأوراق عن أي دليل، أو اسم، أو إشارة قد تقود إلى مصير أحبائها، في انتظار كشف الحقيقة وتحقيق العدالة وملاحقة ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات بحق السوريين.

تلفزيون سوريا

———————————

3 فيديوهات جديدة من سجن صيدنايا.. تسريب شغل السوريين

الرياض – العربية.نت

28 أبريل ,2026:

على مدى الساعات الماضية انشغل السوريون على مواقع التواصل بمشاهد جديدة مسربة من سجن صيدنايا السيئ الصيت، الذي كان يلقب خلال عهد النظام السابق في ظل حكم بشار الأسد بـ “المسلخ البشري”.

فقد نشر حساب مجهول على فيسبوك منتصف ليل الاثنين الثلاثاء 3 مقاطع من هذا السجن المروع. حيث أظهر أحد المقاطع سجناء في باحة داخلية من السجن، منحني الظهر في ما بدا أنه عقاب فرض عليهم من السجانين.

كما أظهرت مشاهد أخرى شاشات لكاميرات مراقبة تصور زنازين السجن، حيث بدا من بين السجناء نساء وأطفال. وبين فيديو آخر موظفين من داخل السجن يقومون بأعمال مكتبية.

https://x.com/warfareanalysis/status/2048939690439405931?ref_src=twsrc%5Etfw%7Ctwcamp%5Etweetembed%7Ctwterm%5E2048939690439405931%7Ctwgr%5E%7Ctwcon%5Es1_&ref_url=https%3A%2F%2Fwww.alarabiya.net%2Fsocial-media%2F2026%2F04%2F28%2F3-D981D98AD8AFD98AD988D987D8A7D8AA-D8ACD8AFD98AD8AFD8A9-D985D986-D8B3D8ACD986-D8B5D98AD8AFD986D8A7D98AD8A7-D8AAD8B3D8B1D98AD8A8-D8B4D8BAD984-D8A7D984D8B3D988D8B1D98AD98AD986

حذف أثار التكهنات

إلا أن ناشر هذه الفيديوهات سرعان ما حذفها لاحقاً، ما أثار موجة من التساؤلات، وسط دعوات ومطالبات لوزارة الداخلية من أجل التحقيق في الموضوع.

وكان هذا السجن الذي ضم آلاف المعتقلين خلف قضبانه على مدى سنوات، بعضهم لم يعرف أهلهم عنهم شيئاً، فتحت أبوابه إثر سقوط تظام الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، مع دخول الفصائل المعارضة العاصمة دمشق.

فيما صعقت المشاهد من داخل صيدنايا الملايين حول العالم، لفظاعة ما شوهد في أقبيته، لا سيما حال السجناء والمعتقلين الذين خرجوا منه، بعضهم على شفا الموت، وبعضهم فاقداً لعقله. بينما بدا آخرون هزيلي الجسم وآثار التعذيب بادية على أجسادهم النحيلة.

يشار إلى أنه بعيد سقوط النظام السوري السابق، فتحت عشرات السجون في كافة المحافظات من أجل إطلاق المساجين الذين قضى بعضهم سنوات عدة، من دون حصول أهاليهم على أي معلومات عنهم.

———————–

قائد قوى الأمن الداخلي في السويداء مطلوب للعدالة في دمشق/محمد أمين

28 ابريل 2026

فتحت أولى جلسات محاكمة رموز في حقبة الأسد البائدة الملف الأمني للعميد طلال العيسمي، الذي عاد إلى واجهة الحدث السوري، إذ إنه من بين المطلوبين للعدالة في القضية التي بدأ النظر فيها الأحد، وتتعلق بالأحداث الدامية التي عصفت في محافظة درعا عام 2011، وكانت شرارة ثورة عمت البلاد.

العيسمي، الذي نُودي على اسمه مطلوباً للعدالة في أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب الضابط السابق في أجهزة النظام البائد الأمنية، يُحاكم غيابياً بتهم ارتكاب جرائم إبادة إبّان ترؤسه وحدة المهام الخاصة في وزارة الداخلية، والتي كانت مكلفة بـ”التعامل مع الاضطرابات”. العيسمي، والمنحدر من إحدى قرى محافظة السويداء، متهم بالمشاركة في مجزرة جرت في الجامع العمري في مدينة درعا في عام 2011، حيث اشتركت وحدته مع وحدات عسكرية وأمنية أخرى في قمع محتجين، ما أدى إلى مقتل وإصابة العشرات منهم، ومن ثم اندلاع ثورة عمّت البلاد واستمرت نحو 13 عاماً، انتهت أواخر عام 2024 بإسقاط النظام.

وشغل العيسمي بعد ذلك منصب معاون قائد شرطة العاصمة دمشق، قبل إحالته الى التعاقد في عام 2020. وبعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، عاد إلى الواجهة مجدداً بتوليه مهمة تسيير أعمال الشرطة في محافظة السويداء، ولكن من دون صدور تكليف رسمي من حكومة تصريف الأعمال في حينه. وظهر العيسمي في مقاطع فيديو بعد أيام من سقوط النظام البائد، مشرفاً على عمليات تسوية عناصر قوى الأمن الداخلي، وهو ما أثار استياء الشارع السوري في حينه.

وورد اسم العيسمي في إفادات منشقين عن النظام البائد، بوصفه أحد الضباط الذين أعطوا الأوامر لاستهداف المحتجين في درعا بالرصاص الحي. وعُيّن أخيراً قائداً لقوى الأمن الداخلي في محافظة السويداء، ضمن ما سمّي بـ”مجلس إدارة باشان”، الذي شكله الشيخ حكمت الهجري، أحد مشايخ العقل في المحافظة ذات الغالبية الدرزية مطلع الشهر الجاري. وخرج القسم الأكبر من محافظة السويداء عن سيطرة الدولة منذ منتصف العام الفائت عقب أحداث دامية تخللتها عمليات قتل وتهجير واسعة النطاق. وتعيش المحافظة منذ ذلك تحت وطأة فوضى وفلتان أمني، في ظل أوضاع معيشية خانقة. ورفض الهجري كل المبادرات التي طُرحت لتجسير الهوة الكبيرة مع العاصمة دمشق، ويطالب بـ”استقلال” كامل لمحافظة السويداء، معوّلاً على دعم إسرائيلي.

——————————–

===========================

تحديث 27 نيسان 2026

—————————–

دمشق تفتح دفاتر الحساب.. هل تنجح “العدالة الهجينة” بإنصاف ضحايا نظام الأسد؟

لم يكن وقوف رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب خلف القضبان في “قصر العدل” بدمشق مجرد إجراء جنائي اعتيادي، بل مثّل إعلانا رمزيا عن تصدع إرث “الدولة الأمنية” وبدء مرحلة المكاشفة القانونية.

ويتجاوز هذا المشهد كونه ممارسة قضائية ليصبح اختبارا مصيريا لقدرة سوريا “ما بعد التحرير” على صياغة مفهوم جديد للعدالة، ميزانه القانون، وهدفه السلم الأهلي، في ظل تركة ثقيلة جعلت من “العدالة الانتقالية” المسار الوحيد لترميم المجتمع وتفكيك بنية الاستبداد.

إلى قفص الاتهام

ويرى الكاتب والباحث السياسي حسن الدغيم أن هذه المحاكمة تحمل رسالة رمزية ووجدانية عميقة للسوريين، إذ إن أول المجرمين بروزا في تعذيب أطفال درعا عام 2011 بات اليوم أول اسم في قفص الاتهام.

ويؤكد الدغيم -خلال حديثه لبرنامج “ما وراء الخبر”- أن هذا المسار يهدف لتكريس “سردية وطنية” تصون أهداف الثورة، مشددا على أن الغاية ليست الانتقام بل الوصول إلى السلم الأهلي عبر شعار “فتحٌ لا ثأر فيه”، ووفق مستندات قانونية تفكك أجهزة القمع وتعيد بناء المؤسستين العسكرية والأمنية على أسس وطنية.

من جانبه، يوضح مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني أن رمزية عاطف نجيب تكمن في جمعه بين صلة القرابة برأس النظام (ابن خالة بشار الأسد) ومنصبه كصانع قرار أمني.

ويرى عبد الغني أن رؤية هؤلاء خلف القضبان هي “شكل من أشكال الإنصاف” للضحايا، مؤكدا أن المسار الحالي، رغم كونه “هجينا” يستند إلى قانون العقوبات السوري لعام 1949، إلا أنه يؤسس لمرحلة قادمة تتطلب قانونا خاصا ومحاكم مختصة بالجرائم ضد الإنسانية.

“فلترة” المؤسسات لا الانتقام

ويشير عبد الغني إلى تحدٍ لوجستي وقانوني هائل، إذ تفتقر سوريا إلى الكوادر القادرة على التحقيق في الجرائم المركبة.

وبناءً عليه، يقترح عبد الغني إستراتيجية تركز على محاكمة “كبار القادة” (نحو 1000 إلى 1500 شخصية) المسؤولين عن 90% من الانتهاكات، بينما يتم التعامل مع الرتب الأدنى عبر “آليات العزل المؤسساتي” والاعتذارات العلنية، نظرا لاستحالة محاكمة عشرات الآلاف جنائيا.

وفي سياق التحديات الاجتماعية، يحذر الدغيم من تحويل العدالة إلى “عدالة منتصر” أو استهداف مكون اجتماعي بعينه، مؤكدا أن العدالة الانتقالية مسار يشمل كشف الحقيقة وجبر الضرر (الدية) لتهدئة النفوس.

ويضيف أن الدولة السورية مطالبة بالتمييز بين “المحارب” الذي ألقى سلاحه وبين “مجرم الحرب” الذي تورط في الكيماوي والتعذيب.

المحاكمات الغيابية

ويختتم عبد الغني بالتأكيد على أهمية المحاكمات الغيابية لبشار وماهر الأسد أداةً قانونية يتيحها القانون السوري لتجميد أصولهما المالية وإرسال رسالة رمزية للعالم بانتهاء زمن الإفلات من العقاب.

ورغم اعتراف الدغيم وعبد الغني بوعورة الطريق والحاجة إلى دعم دولي، فإنهما يتفقان على أن قطار المحاسبة الذي انطلق من دمشق هو الضمانة الوحيدة لمنع الفوضى وترسيخ استقرار الدولة السورية الجديدة.

ومنذ سقوط النظام السابق في ديسمبر/كانون الأول 2024، اعتُقل عدد من رموزه، في حين فر عدد منهم إلى دول أخرى، وتسعى السلطات لاستعادة الفارين، وفي مقدمتهم الرئيس المخلوع الذي لجأ مع عدد من مساعديه إلى روسيا.

وتعلن السلطات السورية بين حين وآخر، إلقاء القبض على مسؤولين عسكريين وأمنيين من حقبة الحكم السابق، ضالعين في ارتكاب جرائم بحق السوريين خلال سنوات الثورة.

المصدر: الجزيرة

——————————-

أبرز رموز نظام الأسد المعتقلين لدى السلطات السورية

عقب سقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، شنت الإدارة السورية الجديدة حملة أمنية لملاحقة فلول ذلك النظام والمطلوبين الذين تورطوا في جرائم حرب وانتهاكات حقوق الإنسان وإبادات جماعية ضد المدنيين منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011.

في هذا السياق اعتقلت إدارة الأمن العام عددا من الشخصيات العسكرية والأمنية التي كانت تشغل مناصب رفيعة في النظام المخلوع، ومن بينهم محمد كنجو المسؤول عن الجرائم في سجن صيدنايا، وعددا من القادة العسكريين الذين ارتكبوا جرائم ضد السوريين والفلسطينيين.

وتتنوع التهم الموجهة إليهم بين التعذيب والقتل والانتهاكات وارتكاب مجازر وإعدامات ميدانية، إضافة إلى تورط بعضهم في تجارة المخدرات والأنشطة الإرهابية من خطف وترهيب وسرقة، وأتت هذه الاعتقالات في إطار محاولات السلطات السورية تفكيك الشبكات المرتبطة بالنظام السابق وحصر السلاح بيد الدولة وتحقيق العدالة للضحايا الذين عانوا من انتهاكات جسيمة طوال سنوات الحرب.

معتقلو أواخر 2024

محمد كنجو

    اللقب: “سفاح صيدنايا”.

    الميلاد: 1960 في مدينة جبلة.

    المنصب: قاض عسكري، شغل منصب النائب العام العسكري في المحكمة الميدانية، ومن أبرز رموز القضاء الاستثنائي.

    أبرز التهم: إصدار آلاف الأحكام بالإعدام والسجن المؤبد دون إمكانية للطعن، الإشراف على إعدامات ميدانية في سجن صيدنايا، تنفيذ إعدامات جماعية وأحكام تعسفية بحق معتقلين.

    تاريخ الاعتقال: ديسمبر/كانون الأول 2024.

    ملابسات الاعتقال: اعتُقل في عملية أمنية في ريف طرطوس، عقب اشتباكات أسفرت عن مقتل 14 عنصرا أمنيا إثر كمين نفذه مسلحون مرتبطون به.

معتقلو عام 2025

أوس سلوم

    اللقب: عزرائيل صدنايا، وهو من لقّب نفسه.

    المنصب: سجان في سجن صيدنايا.

    أبرز التهم: ارتكاب جرائم تعذيب وقتل بحق معتقلين داخل سجن صيدنايا، والمشاركة في عمليات قتل ممنهجة بحسب شهادات معتقلين سابقين.

    تاريخ الاعتقال: 4 يناير/كانون الثاني 2025

    ملابسات الاعتقال: أُلقي القبض عليه أثناء عملية تفتيش واسعة في مدينة حمص بحثا عن متورطين من فلول النظام السابق.

محمد نور الدين شلهوم

إعلان

    المنصب: مسؤول كاميرات المراقبة في سجن صيدنايا.

    أبرز التهم: تعطيل كاميرات المراقبة داخل سجن صيدنايا وسرقة ملفات منه، المشاركة في تأمين انسحاب حواجز محيطة بالسجن، إطلاق النار على مدنيين حاولوا دخول السجن، والارتباط بتصنيع وترويج المخدرات.

    تاريخ الاعتقال: 4 يناير/كانون الثاني 2025.

    ملابسات الاعتقال: ألقت إدارة الأمن العام القبض عليه أثناء عمليات تمشيط في مدينة حمص.

ساهر النداف

    المنصب: قائد ميداني ضمن مليشيات موالية للنظام السابق.

    أبرز التهم: المشاركة في مجازر بحق المدنيين، والضلوع في عمليات إعدام ميدانية بحسب ما ورد في الاتهامات الرسمية.

    تاريخ الاعتقال: 14 يناير/كانون الثاني 2025.

عاطف نجيب

    المولد: عام 1960 في مدينة جبلة.

    المنصب: رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

    أبرز التهم: اعتقال وتعذيب 15 طفلا في درعا عام 2011، والتورط في انتهاكات وجرائم قتل بحق أطفال ومحتجين، من بينهم قضية الطفل حمزة الخطيب.

    تاريخ الاعتقال: 31 يناير/كانون الثاني 2025.

    ملابسات الاعتقال: ألقت إدارة الأمن العام القبض عليه في ريف اللاذقية بعد اختبائه هناك.

اعتقال رئيس فرع الأمن السياسي في درعا السابق عاطف نجيب

محمد الشعار

    المولد: عام 1950 في مدينة الحفة بريف اللاذقية.

    المنصب: وزير الداخلية في نظام الأسد (2011-2018).

    أبرز التهم: الارتباط بانتهاكات واسعة أثناء فترة عمله الأمني والسياسي، من بينها اتهامات بالمشاركة في قمع الاحتجاجات السورية وتعذيب معتقلين، إضافة إلى اتهامات مرتبطة بمجزرة سجن صيدنايا (2008) وأحداث باب التبانة في لبنان (1986).

    تاريخ الاعتقال: 4 فبراير/شباط 2025.

    ملابسات الاعتقال: سلّم نفسه للسلطات السورية أثناء حملة أمنية استهدفت ملاحقة فلول النظام وسحب السلاح.

محمد الشعار – الداخلية السورية

إبراهيم حويجة

    ينحدر من ناحية عين شقاق في منطقة جبلة.

    المنصب: رئيس سابق لإدارة المخابرات الجوية في سوريا.

    أبرز التهم: التورط في اغتيالات سياسية في عهد الرئيس حافظ الأسد، من بينها اغتيال كمال جنبلاط، والمشاركة في قمع انتفاضة حماة عام 1982، وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وعمليات تصفية داخل سوريا وخارجها.

    تاريخ الاعتقال: 6 مارس/آذار 2025.

    ملابسات الاعتقال: ألقت قوات الأمن العام القبض عليه في مدينة جبلة بعد عمليات رصد وتحري أمنية.

إبراهيم حويجة

عبد الوهاب عثمان

    من مواليد مدينة كفرنبل جنوبي محافظة إدلب.

    المنصب: قائد عمليات مطار حماة العسكري.

    أبرز التهم: المشاركة في عمليات قصف استهدفت مناطق مدنية أثناء الثورة السورية.

    تاريخ الاعتقال: 19 مارس/آذار 2025.

    ملابسات الاعتقال: ألقت السلطات السورية القبض عليه وفق مصدر أمني في مدينة حماة.

لواء عبد الوهاب عثمان قائد عمليات مطار حماة العسكري في نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد

بشار محفوض

    المنصب: قائد مجموعات الاقتحام ومسؤول التجنيد والتدريب في “الفرقة 25” التابعة لسهيل الحسن.

    أبرز التهم: المشاركة في عمليات اقتحام وقمع احتجاجات تخللتها انتهاكات جسيمة، ارتكاب جرائم حرب في الثورة السورية، وتشكيل عصابة بعد سقوط النظام نفذت عمليات خطف مقابل فدية وسرقة منظمة في دمشق وريفها.

    تاريخ الاعتقال: 20 مارس/آذار 2025.

    ملابسات الاعتقال: ألقت مديرية أمن دمشق القبض عليه بعد عملية استخبارية ومداهمة أسفرت عن اعتقاله مع عدد من أفراد مجموعته ومصادرة أسلحة ومعدات، وتفكيك العصابة لاحقا بعد اعترافاته الأولية.

شادي محفوظ

    المنصب: عنصر سابق في شعبة المخابرات العسكرية (فرع 277) ومسؤول عن التجنيد لصالح الأمن العسكري.

    أبرز التهم: المشاركة في استهداف القوات الأمنية والعسكرية في الساحل السوري، والتورط بجرائم حرب بحسب الاتهامات الرسمية.

    تاريخ الاعتقال: 24 مارس/آذار 2025.

تيسير عثمان محفوظ

    اللقب: كان يطلب من الناس أن ينادوه “رب المزة”.

    المنصب: مسؤول الدراسات في سرية 215 (سرية المداهمة) التابعة لمخابرات النظام السابق.

    أبرز التهم: اعتقال وتعذيب أكثر من مئتي مدني، معظمهم من المزة وكفرسوسة، إضافة إلى جرائم سلب وسطو.

    تاريخ الاعتقال: 24 أبريل/نيسان 2025.

    ملابسات الاعتقال: ألقت قوات الأمن القبض عليه بمشاركة شابين من حي المزة كانا من ضحاياه السابقين

أهالي حي المزة بدمشق يخرجون فرحاً بعد القبض على المجرم تيسير عثمان كان يخدم في الفرع 215 والمتهم بقتل وإخفاء نحو 5 آلاف من شباب المزة

محمد جودت شحادة

    المنصب: عنصر سابق في “الفرقة 25”.

    أبرز التهم: المشاركة في مجازر بحق مدنيين، والتمثيل بجثامين مدنيين بحسب ما ورد في الاتهامات الرسمية.

    تاريخ الاعتقال: 28 أبريل/نيسان 2025.

    ملابسات الاعتقال: ألقت قوات الأمن السوري القبض عليه في قرية عين البيضا بمحافظة اللاذقية.

إدارة الأمن العام في محافظة اللاذقية تقبض على المجرم “محمد جودت شحادة” في قرية عين البيضا، وهو من عناصر الفرقة 25 سابقاً، وأحد المشاركين بارتكاب المجازر بحق

سالم إسكندر طراف

    المنصب: قائد سابق للواء 123 في الحرس الجمهوري بحلب، كما قاد الحرس الجمهوري في دير الزور.

    أبرز التهم: ارتكاب انتهاكات وجرائم في فترة حكم النظام السابق، تسهيل دخول عناصر من حزب الله إلى منطقة الصنمين، وتجنيد وإدارة مجموعة متورطة في هجوم الساحل في مارس/آذار 2025.

    تاريخ الاعتقال: 6 مايو/أيار 2025.

    ملابسات الاعتقال: ألقت قوات الأمن في محافظة طرطوس القبض عليه في عملية أمنية استهدفت مطلوبين مرتبطين بفلول النظام السابق.

وسيم الأسد

    المولد: عام 1980، وهو ابن عم الرئيس المخلوع بشار الأسد.

    المنصب: لا يتولى منصبا رسميا، لكنه يُعرف قياديا في شبكة محلية مسلحة في اللاذقية.

    أبرز التهم: الاتهام بالضلوع في تجارة المخدرات، فرض إتاوات على التجار، تهريب الوقود عبر المعابر، تشكيل مجموعات مسلحة محلية، والارتباط بجرائم ضد مدنيين في فترة النظام السابق.

    تاريخ الاعتقال: 21 يونيو/حزيران 2025.

    ملابسات الاعتقال: أُلقي القبض عليه في كمين محكم نفذه جهاز الاستخبارات العامة بالتعاون مع وزارة الداخلية بعد عملية استدراج أمنية.

رياض حمدو الشحادة

    المنصب: عميد سابق في جهاز الأمن السياسي، ورئيس فرع الأمن السياسي في دمشق.

    أبرز التهم: ارتكاب جرائم حرب بحق مدنيين، بما في ذلك تصفية مئات المعارضين واعتقالات تعسفية طالت نساء ورجالا.

    تاريخ الاعتقال: 8 يوليو/تموز 2025.

    ملابسات الاعتقال: ألقت قوات الأمن الداخلي القبض عليه في منطقة تلكلخ بريف حمص، وأُحيل لاحقا إلى القضاء المختص.

نمير بديع الأسد

    المولد: هو أحد أبناء عمومة الرئيس المخلوع، والأخ الأصغر لوسيم الأسد، وولد عام 1982.

    المنصب: لم يشغل منصبا رسميا؛ لكنه قاد خلية إجرامية مسلحة.

    أبرز التهم: إدارة عصابة مسلحة متورطة في جرائم قتل وخطف واغتصاب وسلب، تصنيع وترويج وتهريب المخدرات، السيطرة غير القانونية على مشاريع اقتصادية، والاشتراك في هجوم مسلح على مواقع للأمن الداخلي ووزارة الدفاع في صلنفة عام 2025.

    تاريخ الاعتقال: 16 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

    ملابسات الاعتقال: ألقت السلطات السورية القبض عليه مع عدد من أفراد خليته خلال عملية أمنية في مدينة القرداحة بريف اللاذقية.

قصي إبراهيم

    المنصب: ضابط في إدارة المخابرات الجوية، وقائد “كتيبة الجبل” في اللاذقية.

    أبرز التهم: قمع احتجاجات درعا عام 2011، المشاركة في فض اعتصام الجامع العمري وإطلاق النار على متظاهرين، الاعتقال والتعذيب داخل فروع المخابرات الجوية، التورط في حصار واقتحامات درعا وما رافقها من عمليات قتل، والارتباط بأحداث الساحل السوري في مارس/آذار 2025.

    تاريخ الاعتقال: 16 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

    ملابسات الاعتقال: اعتُقل في عملية أمنية في مدينة القرداحة بريف اللاذقية إلى جانب نمير الأسد وعدد من أفراد خلية مسلحة.

نائف صالح درغام

إعلان

    المنصب: النائب العام العسكري.

    أبرز التهم: كانت تتبع له المحاكم العسكرية والميدانية في تلك الفترة زمن توليه منصب النائب العام العسكري.

    تاريخ الاعتقال: 27 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

أكرم سلوم العبد الله

    المنصب: قائد سابق للشرطة العسكرية في وزارة الدفاع برتبة لواء (2014-2015).

    أبرز التهم: المسؤولية عن تنفيذ عمليات تصفية معتقلين داخل سجن صيدنايا، والارتباط بإنشاء ما يُعرف بـ”غرف الملح” لحفظ جثث المعتقلين قبل نقلها إلى مقابر جماعية.

    تاريخ الاعتقال: 22 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

    ملابسات الاعتقال: ألقت وزارة الداخلية القبض عليه عبر فرع مكافحة الإرهاب في دمشق في عملية أمنية محكمة.

معتقلو 2026

فياض الغانم

    المنصب: إدارة ميليشيا.

    أبرز التهم: إدارة شبكات واسعة لتهريب المخدرات (خصوصا الكبتاغون) داخل سوريا وخارجها، التورط في التهريب إلى لبنان والعراق وتركيا، وتأسيس ميليشيا مسلحة باسم “صقور الرقة” في سنوات الثورة.

    تاريخ الاعتقال: 29 مارس/آذار 2026.

    ملابسات الاعتقال: ألقت إدارة مكافحة المخدرات القبض عليه بعد رصد نشاطه في شبكات التهريب وارتباطاته بمجموعات مسلحة وشخصيات من النظام السابق.

سليمان ديوب

    اللقب: “الفرا”.

    المنصب: مقدم طيار في سلاح الجو.

    أبرز التهم: تزعم ميليشيات تعمل لصالح المخابرات الجوية في فترة النظام السابق، بالاشتراك مع شجاع العلي.

    تاريخ الاعتقال: 31 مارس/آذار 2026.

    ملابسات الاعتقال: ألقت مديرية الأمن الداخلي في تلكلخ بريف حمص القبض عليه بناء على معلومات استخباراتية دقيقة، مع الإشارة إلى أن التحقيقات الأولية كشفت ارتباطه بميليشيات موالية للمخابرات الجوية.

آمر يوسف سليمان الحسن

    المنصب: قائد العمليات الميدانية في فرع أمن الدولة بمحافظة اللاذقية.

    أبرز التهم: قمع المظاهرات السلمية في اللاذقية، المشاركة في معركة الحفة عام 2012، والتورط في انتهاكات مرتبطة بعمليات أمنية واسعة.

    تاريخ الاعتقال: 21 أبريل/نيسان 2026.

    ملابسات الاعتقال: ألقت وحدات وزارة الداخلية القبض عليه في عملية أمنية بقرية بعبدة بريف جبلة ضمن حملة استهدفت متهمين بارتكاب جرائم حرب

غيث محمد سليمان شاهين

    المنصب: قائد كتيبة في الفرقة 18 دبابات.

    أبرز التهم: المشاركة في قصف مدينة القصير (2012-2013)، وتدمير مدينة تدمر، وارتكاب انتهاكات أثناء إدارة حواجز أمنية بين حمص والحدود اللبنانية.

    تاريخ الاعتقال: 21 أبريل/نيسان 2026.

    ملابسات الاعتقال: أُلقي القبض عليه في العملية الأمنية ذاتها التي اعتقل فيها آمر الحسن

نزار شاهين شاهين

    المنصب: قائد كتيبة المدفعية والصواريخ ضمن الفوج 64.

    أبرز التهم: ارتكاب جرائم حرب وانتهاكات وعمليات اغتصاب بحق مدنيين في مدينة القصير.

    تاريخ الاعتقال: 21 أبريل/نيسان 2026.

    ملابسات الاعتقال: تم تطويق مكان تواجده والقبض عليه ضمن العملية الأمنية ذاتها التي اعتقل فيها آمر الحسن.

أمجد يوسف

    المولد: ولد عام 1986 في قرية نباع الطيب بمنطقة الغاب شمال غرب حماة.

    اللقب: “جزار التضامن”.

    المنصب: ضابط مخابرات ونائب رئيس الفرع 227، مسؤول عن العمليات الأمنية في جنوب دمشق في فترة الثورة السورية.

    أبرز التهم: المسؤولية عن اعتقال وتعذيب وقتل معارضين سياسيين ومدنيين من النساء والأطفال والشيوخ، والاتهام بالمسؤولية الأولى عن مجزرة حي التضامن عام 2013 التي أسفرت عن مقتل عشرات المدنيين، مع توثيق مقاطع فيديو وشهادات تشير إلى مئات الضحايا.

    تاريخ الاعتقال: 24 أبريل/نيسان 2026.

    ملابسات الاعتقال: ألقت السلطات السورية القبض عليه في عملية أمنية استمرت أشهرا بريف حماة بعد اختبائه عقب سقوط النظام السابق.

أمجد يوسف المصدر:وزارة الداخلية السورية

أمجد يوسف اعتقل يوم 24 أبريل/نيسان 2026 (وزارة الداخلية السورية)

المصدر: الجزيرة

—————————–

===========================

تحديث 26 نيسان 2026

—————————–

لماذا تشكّل المحاكمات العلنية حجر الأساس للعدالة في سوريا؟/ بسام الرحال

أبريل 26, 2026

في ظل ما تبذله الحكومة من جهود متواصلة لإرساء الأمن والاستقرار بعد التحرير، تعود قضية علنية المحاكمات إلى الواجهة من جديد كأحد المرتكزات الأساسية في مسار العدالة الانتقالية، بوصفها أداة لضمان الشفافية، وكشف الحقيقة، ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

وعلى خلاف ما كان سائداً خلال فترة حكم النظام المخلوع، حين غابت العلنية الحقيقية تحت وطأة القمع وهيمنة الأجهزة الأمنية ولغة القوة، تبرز اليوم مطالب متزايدة بين ذوي وأهالي ضحايا الانتهاكات والجرائم خلال تلك الفترة بإجراء محاكمات علنية تتيح لهم الاطلاع على مجريات العدالة عياناً على رؤوس الأشهاد.

ووسط الجدل المتصاعد حول مسار العدالة الانتقالية في سوريا، ولا سيما بعد إعلان إلقاء القبض على المجرم أمجد يوسف، أحد المتهمين بارتكاب مجزرة التضامن، تتزايد مطالب ذوي الضحايا بضرورة تحقيق محاكمات علنية تكشف الحقيقة، وتنصف المظلومين، وتنزل أشد العقاب بهذا المجرم وغيره ممن ارتكبوا أشنع الجرائم والانتهاكات بحق السوريين.

ذوو الضحايا: نريد أن نعرف ماذا جرى لأبنائنا

يطالب أهالي وذوو الضحايا والمفقودين بأن تتم محاسبة كل من ارتكب جرماً وخطيئة بحق أبنائهم وذويهم على مدى أكثر من 15 عاماً. في هذا السياق، قال محمد سليمان من مورك بريف حماة لصحيفة “الثورة السورية” إنه فقد شقيقيه داخل سجون النظام المخلوع منذ العام 2013، ولا يزال يجهل مصيرهما حتى اليوم، وأضاف: “هذا الشعور قاسٍ جداً، أن تبقى معلقاً دون حقيقة واضحة”.

وتابع سليمان: “خبر إلقاء القبض على أمجد يوسف أعاد الكثير من الألم دفعة واحدة، لكنه في الوقت ذاته حمل جانباً من الارتياح”، مشيراً إلى أن “مشاعر الغضب لا تزال حاضرة، لأن من ارتكبوا هذه الجرائم لا يزال العديد منهم حتى الآن دون محاسبة، لكن اعتقاله اليوم قد يكون بداية طريق نحو العدالة”.

وأكد سليمان أن الاعتقال وحده لا يكفي، ولا بد من إجراء محاكمة علنية، مردفاً: “نحن لا نريد محاكمات خلف الأبواب المغلقة، بل نريد أن تُعرض الحقائق أمام الجميع، وأن تكون المحاكمة واضحة وسريعة، وعلى مرأى العالم كله”.

وأشار إلى أن “مطلب العائلات لا يقتصر على محاسبة فرد واحد، بل يتعداه إلى كشف مصير آلاف المعتقلين. نريد أن نعرف ماذا جرى لأبنائنا، ومن المسؤول عن ذلك، والمحاكمات العلنية تمثل الأمل الوحيد في استعادة جزء من حقوقنا، وخصوصاً إذا كانت شفافة وسريعة”.

وأعلنت النيابة العامة في 30 تموز 2025 عن تحريك دعوى الحق العام بحق عدد من رموز النظام السابق، في خطوة قالت إنها تأتي ضمن مسار تطبيق العدالة الانتقالية، ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات، وضمان حقوق الضحايا وذويهم.

وبحسب بيان صادر عن النائب العام في دمشق القاضي حسان التربة، شمل القرار كلاً من عاطف نجيب، الذي ارتبط اسمه ببدايات الاحتجاجات في محافظة درعا عام 2011، والمفتي السابق أحمد بدر الدين حسون، المتهم بالتحريض على قتل السوريين، كما ضم القرار محمد الشعار، وإبراهيم الحويجة، أحد أبرز المسؤولين في إدارة المخابرات العامة خلال فترة حكم المخلوع بشار الأسد.

وأوضح البيان أن المتهمين أُحيلوا إلى قاضي التحقيق المختص، تمهيداً لبدء التحقيقات واتخاذ الإجراءات القانونية وفق الأصول، داعياً المتضررين وذوي الضحايا، إضافة إلى كل من يملك شهادات أو معلومات تتعلق بالانتهاكات المنسوبة إليهم، إلى التقدم بها لضمها إلى ملف القضية، كما نشرت وزارة العدل مقطعاً تشويقياً للمحاكمة.

السوريون لم يعتادوا العلنية في المحاكمات

ليس الأهالي وحدهم من يرى في العلنية مطلباً محقاً؛ فهناك من يراها لبنة أساسية في بناء مسار العدالة الانتقالية، وفي تضميد جراح السوريين. وفي هذا الصدد، اعتبر الصحفي والناشط محمد العويد، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية” أن “أهمية العلنية في المحاكمات القادمة تكمن في أنها تعد المرة الأولى التي يشهدها المجتمع السوري، الذي لم يعتد أن يرى أو يحضر محاكمات حول قضايا بحجم الانتهاكات والجرائم التي مورست من قبل عصابات النظام المجرم، وذلك يبعث برسالة مهمة مجتمعياً وسياسياً تؤكد على عدم السماح بتكرار ما جرى في عهد النظام البائد”.

وأضاف العويد: “هناك أهمية لوصول الرسالة إلى كل الأطراف المجتمعية، بمعنى أن يشعر ابن محافظة درعا في الجنوب، كما ابن محافظة الحسكة في الشمال، بأن جزءاً من حقوقه أو الانتهاكات التي مورست على أصدقائه وأهله في مناطق مختلفة يتم الاقتصاص من مرتكبيها وتطبيق الأحكام القضائية بحقهم”.

وفيما يتعلق بمدى كفاية المحاكمات العلنية لضمان الشفافية، أوضح العويد أن هذا المبدأ يُعد خطوة مهمة، لكنه لا يكفي بمفرده، قائلاً: “الحكومة، بحكم علاقاتها مع المنظمات والدول الأوروبية، تسعى للاستفادة من تجارب العدالة الانتقالية”، مشيراً إلى أن هيئة العدالة الانتقالية السورية قامت بزيارات لعدد من الدول، من بينها فرنسا، بهدف الاطلاع على نماذج مماثلة.

وبيّن العويد أن هناك مؤشرات على توفير شروط إضافية، لا سيما ما يتعلق بتأمين قضاة ومحامين للمتهمين ضمن إطار قانوني منظم، لكنه لفت إلى أن الجدل قد يُثار حول كفاءة بعض القضاة أو استقلاليتهم، مؤكداً أن الفصل في هذه المسألة يبقى من صلاحيات الجهة القضائية المختصة وتقديرها.

وحول الدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع المدني في مراقبة هذه المحاكمات، أشار إلى أن المجتمع المدني سيكون حاضراً وممثلاً، سواء بمنظماته المدنية المعنية بالجانب القضائي أو برديفه المتمثل بالمؤسسات الإعلامية التي ستكون حاضرة، وربما ستبث الكثير من الجلسات العلنية، وهذا يُعد أكبر تمثيل في هذا السياق، مضيفاً: “عادةً، قضايا من هذا النوع –قانونياً– ربما يُفضّل عدم إشراك الجمهور بها حتى لا يشكل عنصراً ضاغطاً على المحكمة أو القضاة، لأن الشارع يكون في حالة غليان أو في حالة صدمة أو لديه موقف من المنتهكين، وبالتالي فإن حضور المجتمع المدني يُعد نقطة مهمة تُحسب في هذا السياق”.

ويرى العويد أن المحاكمات العلنية ستسهم في تحقيق المصالحة المجتمعية، وتكون بوابة للصلح المجتمعي، بمعنى عدم انفلات الناس باتجاه أخذ حقوقها بطريقة فردية وعشوائية تهدد السلم الأهلي، وتزيد حدة الانتقام والثأر بين السوريين.

معايير المحاكمة العادلة في سوريا

وفي هذا السياق، أكد المحامي سعيد فروخ، على أهمية مبدأ العلنية في المحاكمة، لأنها تُعد ضماناً للعدالة والنزاهة وتعزيز الثقة في القضاء، إذ إن العلنية تحول دون الإجراءات السرية، وتحفظ حق الجمهور في معرفة ومشاهدة الإجراءات ومراقبتها، كما تسهم في تحقيق الردع من خلال اطلاع الجمهور على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والجزاءات المترتبة عليها.

وحول كيفية تطبيق معايير المحاكمة العادلة في سوريا، قال فروخ: “يمكن ذلك من خلال إصلاح المنظومة القضائية والتشريعية، عبر إلغاء المحاكم الاستثنائية، وتحقيق استقلال القضاء، وتعديل القوانين وانسجامها وتوافقها مع المعايير والمواثيق الدولية، وأن تكون هناك آلية واضحة للعدالة الانتقالية وملفاتها، ومنها ملف المعتقلين والمفقودين، وتوثيق الانتهاكات، والمساءلة والمحاسبة، وضمان عدم الإفلات من العقاب، وأن يكون هناك تطبيق عملي لمعايير المحاكمة”.

وأشار فروخ، في ختام حديثه لصحيفة “الثورة السورية” إلى أن التحديات القانونية التي تواجه مسار العدالة الانتقالية تتمثل في غياب الإطار القانوني، إذ لا بد من توافر قانون وطني شامل للعدالة الانتقالية، إضافة إلى وجوب توافر موارد مالية كبيرة تتطلبها المحاكمة، وهذا ما تعاني منه سوريا في الوقت الحاضر.

الثورة السورية

—————————

صكوك الغفران.. الإصدار السوري!/ غزوان قرنفل

منذ سقوط نظام الأسد، كثر الحديث في الخطاب الرسمي والعام معًا عن العدالة الانتقالية بوصفها أحد عناوين المرحلة الجديدة، غير أن ما يجري على الأرض لا يوحي بأن هناك مسارًا جديًا لتحقيق العدالة بقدر ما يشير إلى سياسة مقلقة تقوم على تمييع هذا الاستحقاق وتحويله إلى مجرد شعار فارغ، وبدلًا من أن تكون العدالة الانتقالية مدخلًا لمحاسبة مرتكبي الجرائم والانتصاف للضحايا، يجري التعامل معها وكأنها عبء يجب التخلص منه بأقل قدر ممكن من الإزعاج، حتى لو كان الثمن هو منح كثير من رموز الإجرام وداعميه ما يشبه صكوك الغفران.

العدالة الانتقالية في جوهرها ليست ترفًا سياسيًا ولا بندًا يمكن تجاوزه في جدول أعمال السلطة الجديدة، بل هي شرط أساسي لبناء دولة القانون واستعادة الثقة بين المجتمع والدولة، فالمجتمعات التي خرجت من حروب أو من أنظمة استبدادية لم تستطع الانتقال إلى الاستقرار إلا عندما واجهت ماضيها بصدق، وكشفت الحقيقة، وحاسبت المسؤولين عن الجرائم وأنصفت الضحايا، أما القفز فوق هذا الاستحقاق أو الالتفاف عليه ببعض الإجراءات الترقيعية فإنه لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الظلم بصيغ جديدة.

في الحالة السورية، تبدو المشكلة أكثر تعقيدًا وخطورة، فالجرائم التي ارتكبت خلال سنوات الصراع ليست جرائم عادية يمكن طي صفحتها بسهولة، فنحن نتحدث عن مئات آلاف القتلى وعن مئات آلاف المعتقلين والمغيبين قسرًا، وعن مدن دُمرت، وعن انتهاكات موثقة على نطاق واسع، ورغم ذلك كله، يظهر في الخطاب والممارسة ميل واضح نحو إغلاق ملف المساءلة أو تفريغه من مضمونه، عبر إدخال الضحايا وذويهم في متاهات إجرائية وقانونية طويلة، من بينها الزعم أن تحريك الدعوى القضائية يتطلب ادعاءات شخصية من الضحايا أو ذويهم، وكأن الجرائم التي ارتكبت هي مجرد نزاعات فردية بين أشخاص، وليست جرائم جسيمة ارتكبت بحق المجتمع كله. في حين أن القوانين تقضي بأن النيابة العامة هي الجهة المنوط بها تحريك الادعاء العام في الجرائم الكبرى، وخاصة تلك التي تمس الأمن المجتمعي العام أو تنطوي على جرائم ضد الإنسانية، أي أن تحريك الدعوى لا ينبغي أن يكون مشروطًا بقدرة الضحايا على التقدم بشكاوى فردية أو تقديم الأدلة، والأكثر غرابة أن هذا الطرح يأتي في وقت تتوفر فيه كميات هائلة من الأدلة والوثائق حيث جمعت خلال السنوات الماضية ملايين الوثائق التي تدين أجهزة النظام ورموزه، سواء تلك التي عثر عليها في المقار الأمنية أو سرّبت منها، أو تلك التي وثقتها منظمات حقوقية سورية ودولية وتم إيداع نسخ عنها لدى الآلية الدولية المحايدة والمستقلة التابعة للأمم المتحدة بموجب مذكرات تعاون بينها وبين المنظمات الحقوقية السورية.

الملف السوري من حيث حجم التوثيق وحرفيته، يعد واحدًا من أكثر الملفات توثيقًا في تاريخ النزاعات المعاصرة، وإذا كانت العدالة لا تتحرك رغم كل هذا الكم من الأدلة، فإن المشكلة لا تكمن في نقص المعلومات بل في غياب إرادة المساءلة.

إن أخطر ما في سياسة تمييع العدالة الانتقالية هو الرسالة التي تبعثها إلى المجتمع أو لذوي الضحايا أو الناجين، أن من ارتكبوا الجرائم أو دعموا مرتكبيها يحصلون على مواقع جديدة أو يعاد دمجهم في الحياة العامة دون مساءلة، فإن ذلك يعني عمليًا منحهم نوعًا من العفو الضمني، أو ما يشبه صكوك الغفران السياسية، وهذه الرسالة لا تمثل فقط خذلانًا للضحايا، بل تمثل أيضًا تشجيعًا ضمنيًا على الإفلات من العقاب.

لا يمكن لأي مجتمع أن يبني مستقبلًا مستقرًا على أساس إنكار الماضي أو تجاهل العدالة، فالجرح الذي لا يعالَج يبقى مفتوحًا، والظلم الذي لا يحاسَب مرتكبوه يتحول مع الزمن إلى مصدر دائم للتوتر والانقسام، لهذا فإن العدالة الانتقالية ليست مجرد محاكمات، بل هي عملية شاملة تهدف إلى كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وضمان عدم تكرار الجرائم، أما تحويلها إلى مسار بيروقراطي معقد، أو استخدامها كغطاء لسياسات التسوية مع الجناة، فإنه يعني ببساطة إفراغها من مضمونها، حينها تصبح العدالة مجرد شعار وتتحول المساءلة إلى استثناء نادر، إذ إن المجتمع يجد نفسه أمام واقع خطير، نظام جديد يعيد إنتاج واحدة من أسوأ سمات النظام القديم، وهي الإفلات من العقاب.

إن السوريين الذين دفعوا أثمانًا باهظة خلال السنوات الماضية لا يطالبون بالمستحيل، فالعدالة هي الضمانة للسلم الأهلي ولاستقرار المجتمع ولضمان عدم التكرار، والمصالحة الحقيقية لا يمكن أن تقوم على النسيان القسري، أو على عقد تسويات مقابل المال ومنح صكوك الغفران للجناة، بل على الاعتراف بالجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها، والاعتراف بفشل المؤسسات ومعرفة كيفية إصلاحها، من دون ذلك، ستبقى العدالة الانتقالية في سوريا مجرد عنوان جميل بلا مضمون، وسيبقى الخوف قائمًا من أن يتحول الحلم بدولة القانون إلى فصل جديد من فصول الخيبة السورية.

عنب بلدي

—————————————-

أمجد يوسف وأسئلة العدالة الانتقالية/ عبسي سميسم

26 ابريل 2026

أعاد اعتقال منفذ مجازر شارع نسرين في حي التضامن أمجد يوسف موضوع العدالة الانتقالية إلى واجهة الحدث السوري، فعلى الرغم من الارتياح الكبير الذي عمّ الشارع السوري نتيجة هذا الاعتقال كونه ارتكب أكثر الجرائم فظاعةً طوال سنوات الحرب في سورية، فإنه فتح الباب مجدداً حول أسئلة كثيرة مطلوب من الحكومة الإجابة عنها ضمن مسار العدالة الانتقالية.

ولعل أبرز هذه الأسئلة هو ما يتعلق بأسباب تأخر هذا المسار وعدم وضع آليات واضحة حتى الآن لإنصاف الضحايا، بعد مرور أكثر من عام على تشكيل هيئة وطنية خاصة بالعدالة الانتقالية، والتأخر الكبير في محاكمة المجرمين الذين مضى على اعتقال بعضهم أكثر من عام أيضاً، الأمر الذي يتسبب بزيادة خطاب الكراهية بين مكونات المجتمع نتيجة الإحساس بالظلم. كما يتسبب بوصم مكونات من المجتمع وتحميلها مسؤولية الجرائم التي حصلت، بدلاً من محاسبة الذي يثبت تورطه في الجرائم ضمن محاكمات عادلة بالتوازي مع إجراء مصالحة مجتمعية، من خلال وسائل مدروسة.

كما أن أمجد يوسف لم يكن الوحيد الذي ارتكب مجازر التضامن، فهناك من كان شريكاً له في تلك الجرائم وهناك من أعطاه الأوامر لارتكاب تلك الجرائم وهناك من خطّط، وهؤلاء جميعاً يجب على الحكومة القبض عليهم ومحاسبتهم. كما أن يوسف هو واحد من عشرات المجرمين الذين ارتكبوا جرائم مماثلة في كل الجغرافيا السورية، ولكنهم لم يُوثّقوا جرائمهم، كما فعل يوسف، وبالتالي تقع على الحكومة مسؤولية معرفتهم والقبض عليهم، مع ضرورة الانتباه للاعتقال بالشبهات أو التقارير الكيدية، وعدم تحول تهمة ارتكاب جرائم في عهد النظام ذريعة لمحاسبة من يعارض توجهات الحكومة. هذا بالإضافة إلى أن أعتى مجرمي النظام البائد قد أُفسح لهم المجال في الأشهر الأولى التي تلت التحرير للهرب خارج البلاد، وبالتالي يقع على عاتق الحكومة استعادتهم من الدول التي هربوا إليها وجعل هذا الأمر أولوية لاستكمال مسار العدالة الانتقالية.

كما أن إجراء الحكومة مصالحات مع مجرمين ارتكبوا انتهاكات بحق السوريين، سواء من خلال تسويات مالية أو تسويات سياسية أو حتى من خلال رضوخ لضغوط دولية خارجية، من شأنه أن يطيح مسار العدالة الانتقالية، فالمجرم يجب ألّا يخضع لأية تسويات قبل خضوعه لمحاكمة عادلة، كما أن هناك حقوقاً شخصية تتعلق بذوي الضحايا لا يحق للحكومة التنازل عنها تحت أية ذريعة. وهذا ما جعل اسم فادي صقر؛ المسؤول المباشر عن أمجد يوسف، يتردد مرة أخرى كونه مجرم حرب أجرت الحكومة السورية تسوية معه من دون محاكمة ومن دون وجه حق، هذه التساؤلات وأسئلة كثيرة غيرها بعضها بانتظار تفسيرات وأخرى بانتظار الكثير من العمل بهدف إحقاق الحق وإنصاف الضحايا وتجنيب المجتمع المزيد من التفكك.

العربي الجديد

————————————

هل تبدأ العدالة الانتقالية في سوريا مع محاكمة عاطف نجيب؟

تعقد محكمة الجنايات في دمشق، اليوم الأحد، جلسة علنية لمحاكمة رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب، في أول محاكمة تعلنها الحكومة السورية ضمن مسار محاسبة مسؤولي نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.

وتمثل محاكمة نجيب أول اختبار علني لمطلب العدالة الانتقالية في سوريا؛ فمنذ سقوط النظام في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، يطالب السوريون بتحويل ملف الانتهاكات الكبيرة، التي تعرضوا لها خلال السنوات الماضية، إلى مسار قضائي واضح، يعيد حقوقهم ويحاسب المجرمين ويمنع الإفلات من العقاب، في ظل بناء سوريا الجديدة.

وأعلنت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أن المحاكمة تأتي في إطار معالجة ملفات الجرائم والانتهاكات الجسيمة وفق الأصول القانونية، بما يمثل جزءا من مسار مستمر قائم على المحاسبة وكشف الحقيقة.

لماذا عاطف نجيب أولا؟

تولى عاطف نجيب -وهو ابن خالة بشار الأسد- رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا حتى اندلاع الثورة السورية عام 2011.

وعمل الفرع، في تلك الفترة، ضمن الجهاز الأمني الذي تولى ملاحقة المعارضين والناشطين في المحافظة، وكان له دور مباشر في التعامل مع حادثة اعتقال أطفال درعا الذين تعرضوا للتعذيب بعد كتابتهم شعارات مناهضة لنظام الأسد على جدران مدرستهم.

وقد أطلقت تلك الحادثة احتجاجات واسعة في المدينة، بعدما طالب الأهالي بالإفراج عن الأطفال ومحاسبة المسؤولين عن توقيفهم وتعذيبهم، لا سيما بعد تسليم قوى الأمن جثة الطفل حمزة الخطيب وتعرض الأهالي للإهانات.

وبعد سقوط النظام، أوقفت قوات إدارة الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية السورية نجيب في يناير/كانون الثاني 2025 خلال حملة أمنية لملاحقة فلول النظام السابق في محافظة اللاذقية. وشكّل توقيفه أحد أبرز الاعتقالات التي طالت مسؤولين أمنيين سابقين، كونه شغل موقعا أمنيا حساسا في درعا عند بداية الثورة.

إعلان

كما قال وزير العدل مظهر الويس إن المحاكمات العلنية ستبدأ من أحداث درعا، معتبرا أن “العدل يقتضي” أن ينطلق مسار المحاكمة من المدينة التي بدأت منها الثورة عام 2011.

ما العدالة الانتقالية؟

وتُعقد محاكمة نجيب وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية المعمول به في سوريا، إلى حين إقرار مجلس الشعب، بعد انعقاده، مشروع قانون خاص بالعدالة الانتقالية التي يطالب بها الشعب السوري.

وتشير العدالة الانتقالية إلى مجموعة إجراءات تعتمدها الدول الخارجة من حكم استبدادي أو نزاع واسع لمعالجة إرث الانتهاكات. ولا تقتصر على محاكمة المتهمين، بل تشمل جبر ضرر الضحايا، وضمان عدم تكرار الجرائم.

وفي الحالة السورية، يحدد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني –في مقال له على الجزيرة نت– 4 أركان مترابطة لتشكيل مسار العدالة الانتقالية وهي: المحاسبة الجنائية، وكشف الحقيقة بما يشمل تحديد مصير المفقودين والمختفين قسريا، وجبر الضرر والتعويض، وإصلاح المؤسسات القضائية والأمنية والعسكرية.

وبذلك، تمتد العدالة الانتقالية إلى معالجة أثر الانتهاكات على الضحايا والمجتمع ومؤسسات الدولة.

ما الذي ينقص المسار السوري؟

وحسب حقوقيين وقانونيين، لا يزال ينقص المسار السوري نحو العدالة الانتقالية إطار قانوني واضح يحدد كيفية التعامل مع جرائم النظام السابق.

فالقانون السوري يتيح ملاحقة ومحاسبة مرتكبي جرائم مثل القتل والتعذيب والتورط في انتهاكات محددة، لكنه لا يتضمن بالضرورة أدوات كافية للتعامل مع جرائم واسعة ومنهجية مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

بالتالي، إذا حوكم مسؤولون سابقون وفق قوانين جنائية فقط، فقد تنحصر القضايا في أفعال وعقوبات محدودة، بينما تضيع طبيعة الجرائم التي ارتُكبت ضمن سياسة دولة واسعة ضد المدنيين.

ويدعو حقوقيون سوريون إلى إنشاء محاكم أو دوائر متخصصة، والاستفادة من خبرات قانونية دولية، حتى لا تتحول المحاكمات إلى ملفات منفصلة عن السياق الأكبر للانتهاكات.

وفي مقابلة مع برنامج “ما وراء الخبر”، شرح الأكاديمي والباحث السياسي كمال عبود أن مسار العدالة الانتقالية في سوريا لا يمكن فصله عن السلم الأهلي، باعتبار أن المجتمع السوري مزقته الطائفية التي أسسها النظام المخلوع.

ومن ثم، أي خطوة في مجال العدالة الانتقالية يجب أن تسبقها أيضا خطوة في مجال السلم الأهلي، منعا لانزلاق الأمور نحو اقتتال داخلي أو عدالة انتقامية، وفق عبود.

كما يواجه المسار تحديات كبيرة تتعلق بحجم الملفات، فهناك آلاف العائلات التي تنتظر معرفة مصير المفقودين، ومعتقلون سابقون يحتاجون إلى الاعتراف والإنصاف، ومقابر جماعية تحتاج إلى فرق جنائية متخصصة، وأدلة ووثائق موزعة بين مؤسسات الدولة السابقة والمنظمات الحقوقية.

وكانت الرئاسة السورية أصدرت في مايو/أيار 2025 مرسوما بتشكيل هيئة للعدالة الانتقالية تتولى كشف الحقائق بشأن انتهاكات النظام السابق، ومحاسبة المسؤولين عنها، وجبر الضرر الواقع على الضحايا، لكنها لا تزال في طور التأسيس وسط الحاجة إلى إمكانات لوجستية ووقت للتعامل مع الملفات المعقدة.

هل تحتاج سوريا إلى نموذج خاص للعدالة؟

لا يوجد نموذج واحد للعدالة الانتقالية يمكن نقله إلى سوريا كما هو، فقد اعتمدت دول أخرى أدوات مختلفة بحسب طبيعة الانتهاكات وحالة المؤسسات وحجم الانقسام الداخلي، من لجان الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا، إلى المحاكم الخاصة في رواندا، والمحاكمات الدولية في البوسنة والهرسك.

إعلان

وتظهر هذه التجارب أن اختيار أدوات العدالة الانتقالية يرتبط بطبيعة الجريمة وبحالة الدولة بعد النزاع، لا بمجرد بدء المحاكمات.

فسوريا تواجه في الوقت نفسه ملفات المحاسبة، والمفقودين، والضحايا، وإصلاح المؤسسات، ومنع الثأر، مما يعني الحاجة إلى مسار يجمع بين القضاء وكشف الحقيقة وحماية السلم الأهلي.

ولا يقتصر الاختلاف بين التجارب على شكل المؤسسات التي أُنشئت فيها، بل يشمل أيضا نطاق المحاسبة. ففي الجرائم الواسعة، لا تتوقف العدالة عادة عند المنفذين المباشرين، بل تمتد إلى من خططوا وأصدروا الأوامر وأداروا أجهزة الانتهاك.

وهذا ما أظهرته محاكمات نورمبرغ، التي عُقدت في ألمانيا بين نوفمبر/تشرين الثاني 1945 وأكتوبر/تشرين الأول 1946 لمحاكمة قادة النظام النازي، ومحاكمة أدولف أيخمان في إسرائيل عام 1961 بسبب دوره في تنظيم ترحيل اليهود إلى الغيتوهات ومعسكرات القتل.

وتفيد هذه الأمثلة في الحالة السورية، لأنها لا تعرض فقط محاكمة أفراد متهمين بارتكاب جرائم، بل تختبر قدرة المسار القضائي على كشف من أمر وسهّل وغطى الانتهاكات داخل مؤسسات النظام السابق.

من أبرز المطلوبين؟

وفي سوريا، تتوزع ملفات المطلوبين والمتهمين بالانتهاكات ضد المواطنين على مستويات عدة. في المستوى الأعلى، يبرز بشار الأسد وأخوه ماهر وكبار المسؤولين السياسيين والعسكريين والأمنيين الذين ارتبطت أسماؤهم بإدارة سياسات القمع والحرب والاعتقال.

ويأتي بعدهم قادة الأجهزة والفروع الأمنية، وضباط الجيش، والمسؤولون عن السجون ومراكز التحقيق.

وكانت النيابة العامة السورية حرّكت دعاوى عامة بحق عدد من مرتكبي الانتهاكات أمام قاضي التحقيق، بينهم مفتي النظام المخلوع أحمد بدر الدين حسون، ووزير الداخلية السوري السابق محمد الشعار، والضابط إبراهيم الحويجة، والمتورط بتجارة المخدرات وسيم الأسد.

هل بدأت العدالة الانتقالية فعلا؟

وفي حين ينتظر الشعب السوري محاكمة جميع من اعتقلتهم قوى الأمن خلال الأشهر الماضية ومن تواصل السلطات ملاحقتهم، تبدأ سوريا، مع محاكمة نجيب، أولى الخطوات نحو العدالة.

مع ذلك، لا تزال العدالة الانتقالية تحتاج إلى أكثر من محكمة ومتهمين، فهي تحتاج إلى قانون واضح، وهيئة مستقلة، وقضاء موثوق، وإشراك الضحايا، وكشف مصير المفقودين.

المصدر: الجزيرة + وكالات + الصحافة السورية

——————————-

ما دلالات تزامن اعتقال “سفاح التضامن” مع محاكمة رموز النظام السوري المخلوع؟

شهدت الساحة السورية خلال اليومين الماضيين حدثين متزامنين على الصعيدين الأمني والقضائي، إذ أُعلن الجمعة عن اعتقال أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بتنفيذ “مجزرة حي التضامن”، بالتوازي مع إعلان وزارة العدل بدء محاكمة عدد من رموز النظام المخلوع يوم الأحد، يتقدمهم المسؤول الأمني الأسبق في درعا عاطف نجيب.

ويُتهم يوسف بالمسؤولية عن إعدام عشرات المدنيين في حي التضامن جنوب دمشق عام 2013 وإحراق جثثهم في حفرة جماعية، وهي مجزرة كُشف عنها عبر تسجيلات مصورة عام 2022. في المقابل، ارتبط اسم عاطف نجيب بالشرارة الأولى للثورة السورية، إثر حادثة اعتقال أطفال درعا لكتابتهم شعارات مناهضة للنظام.

ويحمل التزامن بين الإيقاع بالمنفذين الميدانيين ومحاكمة القيادات الأمنية دلالات تتجاوز البعد الإجرائي، لتوجه رسائل جوهرية للشارع السوري، ولفلول النظام، والمجتمع الدولي.

أولا: نهاية انتظار طال أمده

تتجلى الرسالة الأولى في محاولة تقليص الفجوة الزمنية بين ارتكاب الانتهاكات ولحظة المحاسبة، فبين أحداث درعا عام 2011، ومجزرة التضامن عام 2013، وما تلاها من كشف لصحيفة غارديان عام 2022، ثمة سنوات من الترقب.

هذا ما عبر عنه وزير العدل السوري مظهر الويس بقوله إن المحكمة “تتهيأ للحظة التي طال انتظارها من قبل الضحايا: انطلاق المحاكمات العلنية لأزلام النظام البائد”.

وتعد هذه المحاكمات، بالنسبة لأهالي الضحايا وعائلات المفقودين، خطوة عملية أولى نحو كشف مصير أبنائهم ومواقع المقابر الجماعية.

كومبو تجمع المتهمين الأربعة خلال جلسة التحقيق محمد ابراهيم الشعار – وأحمد حسون عاطف نجيب – ابراهيم حويجة المصدر حساب وزارة العدل السورية على إكس

قيادات من النظام السوري ظهروا في فيديو سابق (وزارة العدل السورية)

ثانيا: رسالة لفلول النظام.. المحاكمة ستصلكم

الرسالة الثانية أمنية بامتياز، ومفادها أن التخفي لا يضمن الإفلات من العقاب، فاعتقال أمجد يوسف في ريف حماة، بعد تواريه عن الأنظار منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، يعكس استمرارية عمليات الرصد والتتبع.

إعلان

هذه الرسالة لخصها السفير السوري لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي بتصريحه: “يمكنكم الهرب، لكنكم لن تفلتوا من العدالة أبدا”، متعهدا باستمرار الملاحقات “حتى نصل إلى كبار المسؤولين في سلسلة القيادة”.

ثالثا: مطالبات بتسليم الأسد

لا تقتصر المطالبات في الشارع السوري على محاكمة القيادات الوسطى والمنفذين، بل تمتد لتشمل رأس النظام. فمع بدء محاكمة الضباط، تتصاعد الدعوات للعمل على جلب الرئيس المخلوع بشار الأسد، الذي فر إلى موسكو.

وتعد محاكمة نجيب والتحقيق مع يوسف خطوة قانونية أساسية لإثبات تسلسل القيادة.

وفي هذا السياق، أوضح رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف أن ملاحقة الأسد تتطلب تجهيز ملفات تدينه شخصيا، تمهيدا لعرضها على القضاء واستصدار مذكرات توقيف تتيح التواصل مع “الإنتربول” لملاحقته دوليا.

رابعا: حماية السلم الأهلي وقطع الطريق على الثأر

تتعلق الرسالة الرابعة بالبنية المجتمعية، إذ تطرح المحاكمات المؤسسية بديلا لمنع الانزلاق نحو مسارات الثأر.

ويرى الأكاديمي والباحث السياسي كمال عبود أن مسار العدالة الانتقالية “لا يمكن فصله عن السلم الأهلي باعتبار أن المجتمع السوري مزقته الطائفية”، محذرا من أن غياب المحاسبة قد يدفع إلى اقتتال داخلي.

وهو ما يتفق معه الكاتب والمحلل السياسي عمر كوش، معتبرا أن الشروع الفعلي في تطبيق مسار العدالة من شأنه أن “ينفي عمليات الانتقام والثأر التي تحدث بين الفينة والأخرى”.

خامسا: تبديد مخاوف الانتقائية والقصور القانوني

تأتي الرسالة الخامسة استجابة غير مباشرة للانتقادات الحقوقية التي طالت مسار العدالة الانتقالية. فرغم الخطوات الراهنة، فإن حقوقيين يشيرون إلى غياب قانون شامل للعدالة الانتقالية، محذرين من بطء الإجراءات أو اتسامها بالانتقائية.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات المتزامنة قد تسهم في تبديد بعض تلك المخاوف، رغم تأكيد رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني استمرار “التقصير في ملف ملاحقة مرتكبي الانتهاكات”، ومطالبته بتوسيع حملات الاعتقال لتشمل آلاف المتورطين وتتجاوز الانتقائية في فتح الملفات.

الخلاصة

بين إنهاء انتظار طويل للضحايا، وتوجيه رسائل تحذير لفلول النظام السابق، وتصعيد المطالبات بتسليم الأسد، وصولا إلى حماية السلم الأهلي ومعالجة المخاوف الحقوقية، تضع هذه التطورات مسار العدالة الانتقالية في سوريا أمام اختبار حقيقي، سيحدد قدرة المؤسسات الراهنة على تقليص مساحات الإفلات من العقاب، والاقتراب من إنهائه نهائيا.

المصدر: الجزيرة

————————————————-

سوريا تبدأ محاكمة رموز النظام السابق من بوابة درعا.. وعاطف نجيب أول الماثلين

26 ابريل 2026

من بدلة السلطة الثقيلة وصلاحيات المسؤول الأمني الواسعة التي عرفها السوريون، إلى زي السجين المخطط داخل قاعة المحكمة، افتُتحت في دمشق أول محاكمة علنية لكبار رموز النظام السوري السابق داخل القصر العدلي، بحضور ذوي الضحايا ومحامين عرب ودوليين ووسائل الإعلام، وبمشاركة النائب العام للجمهورية القاضي المستشار حسان التربة، في خطوة تُعد بداية مسار العدالة الانتقالية وكشف الحقيقة.

وافتُتحت الجلسة برئاسة قاضي محكمة الجنايات الرابعة، لتكون أولى جلسات المحاكمة بحق المتهم عاطف نجيب، وسط إجراءات أمنية وقضائية مشددة.

ويمثل عاطف نجيب أمام المحكمة بتهم تتعلق بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري، ليكون أول المتهمين من رموز النظام البائد.

وقال قاضي محكمة الجنايات الرابعة إن أولى محاكمات العدالة الانتقالية في سوريا تشمل متهمًا ألقي القبض عليه وآخرين فارّين من وجه العدالة، مضيفًا: “نبدأ اليوم أولى محاكمات العدالة الانتقالية في سوريا لمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم وانتهاكات بحق الشعب السوري”.

ونادى القاضي على “المتهم بشار حافظ الأسد وشقيقه ماهر حافظ الأسد”، قبل أن يسجّلهما كمتهمين غيابيًا، ثم ينتقل إلى محاكمة نجيب.

كما تم تحديد يوم 10 أيار/مايو المقبل موعدًا للجلسة القادمة لمحاكمة نجيب وآخرين من رموز النظام البائد.

لماذا عاطف نجيب ومن يكون؟

بدأت محاكمة عاطف نجيب، الذي شغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا بين عامي 2008 و2011، وهي الفترة التي اندلعت فيها المظاهرات ضد نظام بشار الأسد عام 2011.

وُلد عاطف نجيب عام 1960 في مدينة جبلة بريف اللاذقية، ويُعد من الدائرة المقربة للنظام السابق، كونه ابن خالة رأس النظام بشار الأسد، ما عزز نفوذه خلال فترة خدمته.

وقد غاب عن الأنظار منذ ذلك الحين حتى إلقاء القبض عليه في 31 كانون الثاني/يناير 2025، بعد سقوط الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.

ويرتبط اسمه بالأحداث التي شهدتها محافظة درعا في بدايات الثورة السورية عام 2011، والتي شكّلت نقطة انطلاق الاحتجاجات في البلاد.

وأدرجته الولايات المتحدة على لوائح العقوبات في 29 نيسان/أبريل 2011، وتبعها الاتحاد الأوروبي في 9 أيار/مايو من العام ذاته.

لماذا بدأت المحاكمات بعاطف نجيب؟

وفيما يتعلق باختيار نجيب لافتتاح المحاكمات، قال وزير العدل مظهر الويس إن أولى محاكمات رموز النظام السابق ستكون حول أحداث درعا، مؤكدًا أنها ليست مجرد محاكمات عادية، بل جزء من مسار كشف الحقيقة وتخليد الذكرى.

وأضاف الويس في تدوينة على حسابه في منصة “إكس”، أمس، أنه كما كانت البداية من درعا، مهد الثورة، فإن العدل يقتضي أن تكون منها انطلاقة المسار القضائي المختص بالعدالة الانتقالية.

وأكد رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف أن انطلاق أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب خطوة طال انتظارها على طريق العدالة، من درعا حيث انطلقت الشرارة إلى قاعة المحكمة.

وقالت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية إن هذه المحاكمة تأتي في إطار العمل على معالجة ملفات الجرائم والانتهاكات الجسيمة وفق الأصول القانونية، وبما يضمن تحقيق العدالة وتعزيز سيادة القانون.

وأكدت أن هذه المرحلة تمثّل جزءًا من مسار مستمر قائم على المحاسبة وكشف الحقيقة، ضمن إطار مؤسسي وقانوني واضح.

محاكمات غيابية

لا تقتصر المحاكمات على عاطف نجيب الذي يمثل حضوريًا أمام القضاء، بل تشمل أيضًا محاكمات غيابية لكل من:

    رئيس النظام السابق بشار الأسد، الذي فرّ إلى روسيا خلال سقوط نظامه بعد حكم دام 25 عامًا ورثه عن والده حافظ الأسد، الذي حكم سوريا بين عامي 1970 و2000.

    ماهر الأسد، شقيق بشار وقائد الفرقة الرابعة في جيش النظام السابق، وأحد أكثر التشكيلات العسكرية بطشًا، ويقيم أيضًا في روسيا التي دعمت النظام خلال فترة حكمه.

    وزير الدفاع الأسبق فهد جاسم الفريج، الذي تولّى المنصب في بدايات الأحداث السورية بعد مقتل سلفه داوود راجحه خلال تفجير مبنى الأمن القومي في دمشق إلى جانب مسؤولين آخرين.

    رئيسا فرع الأمن العسكري وفيق الناصر وخلفه لؤي العلي.

    رئيس فرع المخابرات الجوية في درعا قصي مهيوب.

    الضابط محمد أيمن عيوش، الذي خدم في محافظة درعا وكان مسؤولًا عن أحد أكثر الحواجز سيئة السمعة في ذاكرة السوريين.

    العميد السابق طلال العسيمي.

الترا سوريا

—————————–

 من مهد الثورة إلى قفص الاتهام.. كيف يرى أهالي درعا محاكمة عاطف نجيب؟

2026.04.26

رصد مراسل تلفزيون سوريا في درعا حالة ترقب في الشارع تزامنا مع بدء محاكمة عاطف نجيب أحد رموز النظام المخلوع، وسط مطالبات بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات منذ بداية الثورة.

وأوضح المراسل أن الشارع في درعا يعتبر هذه المحاكمات خطوة مهمة لتهدئة الأوضاع، مشيرا إلى أن “ملف محاسبة رموز النظام المخلوع من القضايا الأساسية التي ينتظرها الأهالي منذ سنوات”.

وأشار إلى أن حالة من التوتر والجدل سادت خلال الفترة الماضية، ما يجعل إطلاق مسار واضح للعدالة الانتقالية عاملا أساسيا في تعزيز الاستقرار.

ولفت إلى أن بعض الشخصيات المرتبطة بالنظام المخلوع كانت ما تزال موجودة في مفاصل معينة، وهو ما زاد من حالة الاحتقان، ودفع الأهالي للمطالبة بمحاسبتهم.

“خطوة لاستعادة الاستقرار”

وأكد أن أهالي درعا ينظرون إلى هذه المحاكمات على أنها خطوة نحو استعادة الاستقرار، موضحا أن “محاسبة المجرمين الذين ارتكبوا انتهاكات بحق السوريين تمثل مطلبا أساسيا للناس”.

وأضاف أن الأهالي يعتبرون مسار العدالة الانتقالية ضروريا، لأنه يعزز الثقة بالدولة ويحد من التوترات. موضحا أن اعتقال شخصيات متهمة بارتكاب جرائم، مثل أمجد يوسف، ساهم في رفع منسوب الارتياح لدى السكان، رغم استمرار المطالب بتوسيع دائرة المحاسبة.

وأشار إلى أن الشارع شهد حالة من الفرح النسبي مع بدء هذه الخطوات، حيث يرى الأهالي أن محاسبة المسؤولين عن الجرائم، خاصة في درعا، تمثل بداية فعلية لتحقيق العدالة.

وأوضح مراسل تلفزيون سوريا أن إجراء المحاكمة بشكل علني عزز شعور الارتياح لدى الأهالي في درعا، مشيرا إلى أن “الناس ترى ما يجري بشكل مباشر، وهذا يعكس شفافية في التعامل مع الملف”.

وأضاف أن العلنية تحمل بعدا معنويا مهما، لأنها تعطي نوعا من التقدير للضحايا، خاصة الذين قُتلوا أو تعرضوا لانتهاكات في بداية الثورة، وقال: “هذا الأمر مهم جدا للناس لأنه يعيد فتح ملفاتهم التي بقيت لسنوات دون متابعة”.

وأشار إلى أن كثيرين فقدوا أبناءهم دون أن يحصلوا على أي إنصاف سابقا، موضحا أن “هناك أهالي يقولون إن أبناءهم ذهبوا ولم يقدم لهم أحد أي شيء أو اعتراف بما حدث”.

وأكد أن رؤية المسؤولين عن هذه الجرائم يمثلون أمام القضاء تسهم في تخفيف الاحتقان، وتساعد في تهدئة مشاعر الغضب لدى الأهالي، خاصة ممن فقدوا أقاربهم في بداية الأحداث.

وأوضح مراسل تلفزيون سوريا أن خصوصية المشهد في درعا ترتبط بطبيعة القضية، إذ تتعلق بمحاكمة عاطف نجيب، الذي يواجه دعاوى مباشرة من أهالي المحافظة.

وأشار إلى أن عددا من الأهالي الذين تقدموا بشكاوى جرى استدعاؤهم لحضور الجلسات، خاصة في القضايا المرتبطة باعتقال الأطفال، وكذلك في ملف قمع المظاهرات مع بداية الثورة.

وأكد أن بدء المحاكمات بهذه القضية يحمل أهمية كبيرة بالنسبة لأهالي درعا، لأنها تمس أحداثا مفصلية شهدتها المحافظة، وتعد خطوة أولى في مسار محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

—————————–

هيئة العدالة الانتقالية: انطلاق محاكمة عاطف نجيب خطوة طال انتظارها نحو العدالة/  هلا ماشه

أبريل 26, 2026

أكد رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عبد الباسط عبد اللطيف، اليوم الأحد 26 نيسان، أن انطلاق أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب يمثل خطوة طال انتظارها على طريق تحقيق العدالة والمساءلة.

وكتب عبد اللطيف في منشور على منصة إكس: “من درعا، حيث انطلقت الشرارة، إلى قاعة المحكمة اليوم.. تتقدّم المساءلة فعلياً وتُفتح أبواب الحقيقة”. وأضاف: “لا إفلات من العقاب، والعدالة مستمرة”.

وانتهت اليوم أولى جلسات المحاكمة العلنية للمجرم عاطف نجيب وآخرين من رموز النظام المخلوع، بحضور النائب العام للجمهورية القاضي المستشار حسان التربة، وذلك في القصر العدلي بدمشق.

وذكرت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في منشور عبر فيسبوك أمس السبت، أن هذه الخطوة تندرج ضمن مسار العدالة والمساءلة وبما يعكس تقدماً في معالجة ملفات الجرائم والانتهاكات الجسيمة وفق الأصول القانونية.

وأكّدت أن هذه المرحلة تمثّل جزءاً من مسار مستمر قائم على المحاسبة وكشف الحقيقة ضمن إطار مؤسسي وقانوني واضح يهدف إلى تحقيق العدالة وتعزيز سيادة القانون.

ولد عاطف نجيب عام 1960 في مدينة جبلة بريف اللاذقية، وتطوع في الكلية الحربية وتخرج منها برتبة ملازم، قبل أن يتدرج في المناصب الأمنية في العاصمة دمشق وصولاً إلى رتبة عميد وتسلّمه رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا بين عامي 2008 و2011.

ويعد عاطف نجيب من الدائرة المقربة للنظام المخلوع، كونه ابن خالة رأس النظام البائد بشار الأسد، ما عزز نفوذه خلال فترة خدمته.

ويرتبط اسمه بالأحداث التي شهدتها مدينة درعا في بدايات الثورة السورية عام 2011، والتي شكّلت نقطة انطلاق الاحتجاجات في سوريا.

وشهدت قاعة المحكمة بالقصر العدلي حضوراً لأهالي الضحايا ووسائل الإعلام، تتضمن لائحة الاتهام 24 تهمة جنائية ضد نجيب، ومن المتوقع صدور حكم خلال الأشهر المقبلة وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية.

—————————–

===========================

تحديث 25 نيسان 2026

—————————–

خايفين عليه أكثر منك”.. أهالي الغوطة يردون على حراس الشرع

الرياض – العربية.نت

23 أبريل ,2026

فيما اعتلى الرئيس السوري أحمد الشرع منصة الاحتفال في الغوطة الشرقية بريف دمشق، والتي عانت من دمار واسع وتهجير لأهاليها خلال عهد النظام السابق، استنفر فريق الأمن التابع للرئاسة السورية محاولاً إبعاد الناس عن المنصة.

الفريق الأمني للرئيس أحمد الشرع يقول للحضور : لا تقربوا

ليرد عليه أحد الحضور : لا تخاف ما حدا رح يقرب، خايفين عليه أكثر منك

https://twitter.com/ivarmm/status/2047308925834301493/video/1

وقال أحد حراس الأمن: رجاء لا تقتربوا من المنصة”. ليرد عدد من المحتشدين قائلين “خايفين عليه أكثر منك.. ما رح نقرب”.

فيما انتشر الفيديو بشكل واسع بين السوريين على مواقع التواصل.

وكان الشرع وصل الغوطة الشرقية، برفقة القيادي في وزارة الدفاع عصام البويضاني. وأكد أن الغوطة التي عانت الأمرين خلال الحرب في البال دوماً.

كما شدد على أنها ستكون حاضرة في برامج إعادة الإعمار، بدل العدم والدمار الذي عانته في عهد النظام السابق.

كيماوي وتهجير

يشار إلى أن الغوطة الشرقية من بين أكثر المناطق التي تعرضت للدمار خلال الحرب السورية. كما عانت من حصار شبه كامل منذ عام 2013، ما أدى إلى نقص حاد في الغذاء والدواء والوقود، وانتشار سوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال.

كذلك شهدت قصفا جويا ومدفعيا متكررا ومكثفا شمل أحياء سكنية وأسواقا ومدارس ومرافق طبية، ما أدى إلى سقوط مئات الضحايا المدنيين، وعانت من تهجير قسري لأغلب سكانها.

هذا، وعاشت الغوطة أيضاً هجمات بأسلحة كيميائية، أبرزها هجوم أغسطس 2013 بغاز السارين، الذي أسفر عن مقتل مئات المدنيين.

—————————–

===========================

تحديث 24 نيسان 2026

—————————–

أين الذين غيّبهم «جيش الإسلام»؟:     عصام بويضاني في دمشق، ومصير مغيّبي دوما ما زال مجهولاً.

    الجمهورية.نت

24-04-2026

        نجح الشرع في إخراج عصام بويضاني، قائد جيش الإسلام، من سجنه في الإمارات، وأعاده معه إلى سوريا وسط احتفاء رسمي، لكن مصير رزان زيتونة وسميرة الخليل وناظم حمادي ووائل حمادة ما يزال مجهولاً، شأنهم في ذلك شأن أكثر من 100 ألف غيّبهم نظام الأسد ومعه جهات أخرى أبرزها داعش، لكن من بينها أيضاً هيئة تحرير الشام التي صار قادتُها في السلطة، وجيش الإسلام الذي جرى الاحتفاء بعودة قائده يوم أمس.

        نستذكر المناضلين الأربعة اليوم، ونُجدِّدُ المطالبة ببذل كل جهد ممكن لمعرفة مصيرهم، لأن القرائن المتوافرة كلها تُشير إلى مسؤولية جيش الإسلام عن الجريمة، ويمكن للمهتمين الجادين الاطلاع على هذه القرائن التي نشرها موقع الجمهورية.نت وغيره مراراً خلال السنوات الماضية، ولعلَّ أبرزها أن شخصاً يدعى حسين الشاذلي اعترفَ في تحقيقات أجراها القضاء المحلي في الغوطة بأنه كتبَ رسالة تهديد لرزان زيتونة قبل الجريمة، وأنه كتبها بأمر من أبو عبد الرحمن سمير كعكة، الشرعي في جيش الإسلام، وقد قام القائد السابق لجيش الإسلام زهران علوش بإطلاق سراح الشاذلي من سجنه بالقوة لاحقاً. وبالمناسبة، ظهرَ الشرع يوم أمس ممسكاً بيد أبو عبد الرحمن كعكة في إحدى الصور.

        لكن السؤال لا يتعلق فقط برزان وسميرة ووائل وناظم، بل بكل الجرائم التي ارتكبها جيش الإسلام في دوما والغوطة، وفي عدرا العمالية ثم في عفرين بعد تهجيره إلى الشمال السوري. وهو لا يتعلق بجرائم جيش الإسلام فقط، بل بكل مسار العدالة المُعطَّل في البلد.

        إن لم يكن البويضاني نفسه يعرف، فلا بد أن هناك آخرين في جيش الإسلام يعرفون مصير المناضلين الأربعة، وهؤلاء أصبحوا جزءاً من السلطة التي تقول إن لديها برنامجاً للعدالة الانتقالية.

موقع الجمهورية

———————————–

سميرة ورزان ووائل وناظم… القصة مرة أخرى/ ياسين الحاج صالح

15 – أبريل – 2026

كانت بادرة طيبة من السيدة هند عبود قبوات، وزيرة الشؤون الاجتماعية السورية اليوم، أن ذكرت رزان زيتونة وسميرة الخليل في “مؤتمر التعافي” في دوما قبل أيام قليلة. هذا أول ذكر عام من قبل مسؤول في سوريا ما بعد الأسدية للمرأتين اللتين اختطفتا في دوما نفسها في الشهر الأخير من عام 2013، برفقة كل من وائل حمادة زوج رزان، وناظم الحمادي الشاعر والمحامي والناشط الحقوقي.

السيدة قبوات قالت إن رزان وسميرة “دفعتا ثمناً كبيراً في الحصار” الذي تعرضت له دوما والغوطة الشرقية حتى إعادة احتلالهما من قبل النظام وحماته في مثل هذه الأيام من عام 2018. العبارة غريبة بعض الشيء، فالمرأتان لم تدفعا على نحو خاص ثمن حصار النظام للمنطقة، لكنهما ربما تكونان قد دفعتا حياتيهما ثمن الحصار من الداخل الذي عزز به جيش الإسلام، المشتبه به الأوحد بارتكاب الجريمة، حصار النظام للمنطقة من الخارج. وبينما من المفهوم ألا توجه السيدة الوزيرة اتهاماً للتشكيل المذكور، المشارك اسمياً في حكم البلد اليوم، فقد كان يمكن لها أن تذكر اسمي وائل وناظم معهما، وربما أن تقول شيئاً عن تحقيق العدالة للمغيبين، ووجوب اهتمام لجنة المفقودين بقضية الأربعة. الوزيرة مشكورة على مبادرتها في كل حال، فقد قالت في دوما بعض ما كان ينبغي أن يقال في دوما.

وهذه مناسبة للتذكير بالقضية وما تجمع لدينا من معلومات موثوقة بشأنها عبر السنين. بوصفي زوج سميرة وصديق رزان ووائل وناظم، فقد كنت في موقع المتابعة الدائمة للأمر، وعلى صلة بأوثق مصادر المعلومات في شأن اختطافهم وتغييبهم.

كل ما هو متاح من قرائن يشير إلى ارتكاب جيش الإسلام لجريمة الخطف والتغييب، وربما قتل وإخفاء أجساد المرأتين والرجلين. كان القضاء المحلي في الغوطة الشرقية، وعلى رأسه وقتها الشيخ أبو سليمان طفور، قد أوقف حسين الشاذلي قبل نهاية عام 2014، واعترف هناك بأنه هو من كان وراء كتابة تهديد بالقتل لرزان في أيلول 2013، قبل نحو شهرين ونصف من الجريمة. أثناء توقيفه زاره زهران علوش، مؤسس جيش الإسلام وقائده في تلك الأيام (قتل في الشهر الأخير من عام 2015)، وطلب الاختلاء به، وهو ما رفضه المحقق في القضية، أبو تمام. زهران غضب وتوعد بإطلاق سراح الشاذلي بالقوة، وهو ما حدث بالفعل بعد أيام. وبالعكس، صار المحقق أبو تمام مطلوباً واضطر للنجاة بنفسه إلى تركيا. وأثناء توقيف “ضابط الأمن” المذكور، اتصل بي شخصياً محمد المصاروة (أبو سلمة) الذي عرفته أثناء إقامتي في دوما والغوطة الشرقية بين 3 نيسان و10 تموز 2013، وطلب إسقاط حقنا الشخصي على الشاذلي لأنه “لم يتصرف من رأسه”! من رأس من؟ سألت أبو سلمة، قال أنت تعرف أنه سمير كعكة. كنت أعرف بالفعل أن كعكة، شرعي جيش الإسلام والرجل الثاني فيه بعد زهران هو من أمر بذلك، وهو من أفتى مراراً باغتيال أشخاص متعددين منهم الشيخ أبو أحمد عيون والمناضل الناصري أبو عدنان فليطاني، ومحاولة اغتيال الشيخ طفور نفسه. كعكة أمر أحد أتباعه بقتل أسامة نصار في آب 2017، وهذا بعد مسعى آخر لاغتيال أسامة بعلم ياسر دلوان الذي يرى في التسجيل المصور للسيدة قبوات. أسامة نصار من ناشطي داريا المعروفين، وكان يعيش مع زوجته وطفلتيهما في دوما، يحرر مجلة “طلعنا عالحرية” التي كانت تصدرها لجان التنسيق المحلية، بينما تدير السيدة ميمونة العمّار، زوجته، منظمة حراس الطفولة التي تعتني بالأطفال في تلك المنطقة المحاصرة.

أما الشاذلي الذي نرى توقيعه على بعض الوثائق الصادرة آنذاك بوصفه “ضابط أمن الغوطة الشرقية” فقد شوهد مراراً بعد ذلك على رأس دوريات لجيش الإسلام.

ثم أنه بعد خطف الأربعة، نعرف يقيناً أن أحد عناصر جيش الإسلام، يونس النسرين، هو من فتح كمبيوتر رزان، وحين علم أننا علمنا بذلك أغلق صفحته على فيسبوك واختفى. وفي عام 2018 بعد سقوط دوما والغوطة الشرقية مجدداً بيد النظام، التقيت بعشرات الأشخاص المهجرين حديثا إلى الشمال، ومنهم من كانوا في جيش الإسلام، ولم يكن بينهم شخص واحد لم يقل إن جيش الإسلام هو المرتكب.

وهناك شهود مستعدون لإدلاء بشهاداتهم في كل هذه الشؤون، إن وجدت عملية قضائية مستقلة، ويجب أن توجد. لدينا امرأتان ورجلان، مشهود لهم بتاريخ شخصي وسياسي مشرف، معارضون للحكم الأسدي منذ سنوات طويلة، ومنذ عقود في حالة سميرة التي كانت معتقلة لأربع سنوات في سجن النساء في دوما نفسها أيام حافظ الأسد. والأربعة كانوا لاجئين ملهوفين في دوما، بعد أن عاشوا حياة التواري في دمشق منذ بداية الثورة في حالة رزان وناظم، وفي وقت لاحق في حالة وائل الذي اعتقل مرتين وتعرض لتعذيب شنيع، ثم في وقت متأخر بخصوص سميرة التي صارت مطلوبة للنظام في أواخر نيسان 2013. سميرة لجأت إلى دوما يوم 18 أيار 2013، وكانت رزان قد سبقتها بنحو ثلاثة أسابيع.

عانى الأربعة مثل غيرهم من الحصار الذي صار مطبقاً في تشرين الأول 2013 بعد الصفقة الكيماوية الأمريكية الروسية التي عنت للنظام إطلاق يده في قتل محكوميه بأي وسائل أخرى (بل وبالكيماوي ذاته كما سيقع لاحقاً عدة مرات). في كتابها يوميات الحصار في دوما 2013 تقارن سميرة بين الحصار في دوما وبين سابق سجنها في دوما كذلك، وتقول إن السجن لعبة أولاد مقارنة بالحصار الذي يستهدف الجميع، الأطفال والنساء والرجال، وبخاصة حين يقترن الحصار بالقصف اليومي العشوائي.

وخلال هذا الزمن الطويل، 12 عاماً وأربعة أشهر وسبعة أيام، 4612 يوماً، لم نتوقف، أهالي المرأتين والرجلين وأصدقاؤهما، عن طلب المساعدة في تحرير الأربعة أو الكشف عن مصيرهم من أي جهات عامة، بما في ذلك من جيش الإسلام بالذات. في عام 2015، وقت كان زهران علوش في زيارة إلى تركيا، وكان كاتب هذه السطور مقيماً فيها حينذاك، تقدمنا بمبادرة للتحكيم بيننا وبين جيش الإسلام. فبالنظر إلى أننا نتهمهم بالجريمة بناء على قرائن قوية، وأنهم ينفون ذلك، فليعرض كل منا ما لديه أمام محكمين عدول نتفق عليهم بالتراضي. لم يلق العرض أي استجابة. وبعد أشهر سلمنا باليد كتاباً لمحمد مصطفى علوش، أبو معن، عضو المكتب السياسي لجيش الإسلام، طالبين منه ومن تشكيله العون في القضية، والاستجابة لمبادرة التحكيم. الرجل أقر بالمسؤولية السياسية لتشكيله بالنظر إلى كونه سلطة الأمر الواقع في دوما، ووعد بالرد القريب، لكنه أخلف الوعد.

وفي العام نفسه طلبنا مساعدة المجلس الإسلامي السوري في إسطنبول، وهو مكون من مشايخ سوريين يعيشون في المنفى، برئاسة الشيخ أسامة الرفاعي (المفتي العام في سوريا اليوم)، ولم يرد الجماعة كذلك. فكان أن قصدنا مقرهم حيث مكتب الشيخ الرئيس للإلحاح في طلب العون، فوعدنا مدير مكتبه بالاتصال القريب من طرفهم. وأخلف الجماعة الوعد بدورهم. وكاتبنا الائتلاف، فلم نتلق رداً لوقت طويل، وفي النهاية قدمت لنا نصيحة مبتكرة: تواصلوا مع جيش الإسلام!

هذه للقول إن لدينا قضية كبيرة، مستمرة، معلومة التفاصيل، طرقنا كل الأبواب طلباً للمساعدة فيها دون جدوى. هذه القضية جزء من ملف المفقودين الضخم، الذي تأسست هيئة خاصة لمتابعته قبل 11 شهراً. تحقيق العدالة بشأنها ومعرفة الحقيقة ليس بالأمر الصعب في شأن هذه القضية بالنظر إلى ما تقدم من معلومات.

هل قتل جيش الإسلام سميرة ورزان ووائل وناظم؟ متى؟ وأين أجسادهم القتيلة؟ إن كانوا قد استشهدوا، فمن حقنا أن نحصل على جثامينهم من أجل الدفن اللائق ولنحد عليهم ونزور قبورهم.

في غيابهم وغياب الحقيقة عنهم، نعمل على حراسة ذكراهم.

في أواخر الشهر الأول من عام 2025، أي بعد أقل من شهرين من سقوط النظام، بادرنا، مجموعة من أصدقاء الأربعة إلى تعليق لوحة على باب البناء الذي كان فيه مركز توثيق الانتهاكات الذي اختطفوا منه في دوما. اللوحة تقول: في هذا المبنى كانت تقيم رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي حتى اختطافهم مساء يوم 9/12/2013. وهي لا تتضمن اتهاماً ولا مطالبة من أي نوع. فقط تبتغي التذكير بمغيبتين ومغيبين منذ أكثر من 11 عاماً وقتها، وهذا بعد أسابيع من بداية جديدة في البلد. في 17 أيار 2025 قصدت مع أصدقاء دوما من جديد، وكانت اللوحة قد اقتلعت. وفي أوائل شباط الماضي علق الصديق عساف العساف، صديق المغيبين الأربعة، لوحة جديدة بالمضمون نفسه. وفي أواخر آذار كانت معالم اللوحة قد طمست وصارت غير مقروءة. وحالت الظروف مؤخراً بيني وبين زيارة جديدة، كان من أهدافها حراسة الذكرى والذاكرة.

ظاهر أن في محاولة محو ذكرى الأربعة استمرارا لتغييبهم، بعد قتلهم المحتمل. كأنما لإنكار أنهم وجدوا يوماً. لكنهم وجدوا، يشهد عليهم هذا الدأب على محو ذكراهم. نحن نعرف أن القتلة لا يطيقون الذكريات، ولكننا أكثر منهم لا نطيق النسيان.

٭ كاتب سوري

القدس العربي

———————————

تفكيك واجهات الأسد «المدنيّّة » ركيزة للعدالة الانتقالية: من«التحديث السلطوي » إلى استعادة المجال العام/ يمان زباد

2026/04/23

تتناول الورقة فكرة تفكيك الواجهات “المدنية” التي صنعها نظام الأسد لجلب الدعم لنظامه وكسر العزلة الدولية المفروضة عليه بسبب الحرب التي شنها على شعبه بعد انطلاق الثورة عام 2011،  وتعتبر الورقة أن هذا التفكيك هو ركيزة أساسية ضمن مسار العدالة الانتقالية في مرحلة الانتقال السياسي التي تمر بها سورية، وتتضمن الورقة قراءة ديناميكيات تعامل بشار الأسد مع المجتمع “المدني”، ثم المراحل التي مرت بها تلك الواجهات عبر فكرة “التحديث السلطوي” التي تبناها الأسد وعززها بعد فرض العقوبات عليه وخاصة عقوبات قيصر عام 2019، وترسم الورقة مسارات تفكيك هذه الواجهات تقنياً عبر تصنيف هذه الواجهات ووضع آلية لتفكيك تلك الواجهات بالمشاركة بين السلطة التنفيذية والقضائية، دون أن يؤثر ذلك التفكيك سلباً على حرية المجال العام، بل بهدف التأكد من أن يصبح المجال العام مستقلاً ولا تتبع منظماته لأي واجهات عسكرية أو أمنية مرتبطة بنظام الأسد.

لقراءة المادة كاملة اتبع الرابط التالي

المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة

————————————

سوريا على مفترق العدالة: هل تنجح في بناء دولة القانون؟/ أحمد الجابر

تشير قراءات حديثة إلى أن السوريين لا يفتقرون إلى مقومات بناء دولة القانون، بقدر ما يواجهون تحدي تحويل هذه المقومات إلى مؤسسات فاعلة.

2026-04-24

في ظل التحولات السياسية العميقة التي شهدتها سوريا منذ أواخر عام 2024، عقب سقوط النظام السابق، برز ملف العدالة وسيادة القانون كأحد أكثر التحديات تعقيداً وإلحاحاً في المرحلة الحالية.

تشير قراءات حديثة إلى أن السوريين لا يفتقرون إلى مقومات بناء دولة القانون، بقدر ما يواجهون تحدي تحويل هذه المقومات إلى مؤسسات فاعلة. فهناك رصيد بشري من الكفاءات القانونية والإدارية القادرة على إعادة بناء الهياكل المؤسسية، إلى جانب وجود مجتمع مدني ونقابات وشبكات اجتماعية يمكن أن تدعم مسار الانتقال. كما يتوافر وعي شعبي متزايد بأن غياب العدالة وسيادة القانون كان أحد أبرز أسباب ترسّخ الاستبداد، ما يمنح فكرة “دولة القانون” بعداً مجتمعياً لا يقتصر على النخب.

ووفقاً لتقارير حديثة، من بينها تقرير هيومن رايتس ووتش لعام 2026، اتخذت الحكومة السورية خطوات أولية باتجاه المساءلة، مثل إنشاء هيئات للعدالة الانتقالية والمفقودين، إلا أن هذه الإجراءات ما تزال محدودة من حيث الفاعلية والشمول، إذ لا تغطي جميع الانتهاكات ولا تشمل كافة الأطراف المتورطة، ما يترك شريحة واسعة من الضحايا دون إنصاف حقيقي.

وفي السياق ذاته، يشير تقرير المركز السوري للعدالة والمساءلة لعام 2026 إلى أن البلاد تمرّ بمرحلة مفصلية، حيث شكّل سقوط النظام منعطفاً تاريخياً، لكنه لم ينهِ الانتهاكات أو يحقق العدالة المنشودة، في ظل استمرار تعدد القوى الفاعلة وغياب المساءلة الكاملة.

كما تؤكد تقارير حقوقية أخرى أن التحولات السياسية والأمنية المتسارعة أعادت طرح ملفات أساسية مثل العدالة الانتقالية والمفقودين وإصلاح المؤسسات، مع استمرار الانتهاكات التي تمس حياة المدنيين وحرياتهم.

وفي هذا السياق، برزت مؤشرات أولية خلال المرحلة الانتقالية تعكس توجهاً نحو بناء إطار قانوني جديد، من بينها الإعلان الدستوري الصادر في مارس 2025، الذي نصّ على الفصل بين السلطات واستقلال القضاء وحظر المحاكم الاستثنائية، إلى جانب تحديد مرحلة انتقالية زمنية. كما تصاعد حضور مسارات العدالة الانتقالية في النقاشات السياسية والحقوقية، بوصفها مدخلاً لمعالجة إرث الانتهاكات، عبر آليات تشمل المحاسبة وكشف الحقيقة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات.

ويبرز في هذا المشهد تعقيد إضافي يتمثل في تعدد مراكز السلطة القانونية والأمنية على الأرض، حيث ظهرت كيانات محلية وهياكل موازية في بعض المناطق، ما يعكس هشاشة سلطة الدولة المركزية ويقوّض مفهوم القانون كمرجعية موحدة.

في المقابل، تؤكد تقارير أممية أن العدالة الانتقالية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة سوريا الجديدة على بناء دولة مؤسسات، وأن نجاح هذا المسار يرتبط بكسر حلقة الإفلات من العقاب واستعادة ثقة المواطنين.

وبين الفرص المتاحة والمخاطر القائمة، تبدو المرحلة الحالية محكومة بمعادلة دقيقة: فالتقدم النسبي الذي تحقق يظل هشاً وقابلاً للتراجع، ما لم يُترجم إلى إصلاحات عميقة تشمل القضاء والأجهزة الأمنية، وتؤسس لعقد اجتماعي جديد قائم على المساءلة والعدالة.

مع ذلك، تبقى هذه الفرصة رهينة تحديات عميقة، أبرزها تآكل البنية المؤسسية بفعل سنوات الحرب، واتساع الانقسامات المجتمعية، واستمرار أزمة الثقة بين الدولة والمواطن. ويضاف إلى ذلك أن ترسيخ دولة القانون يتطلب شروطاً بنيوية، في مقدمتها احتكار الدولة للسلاح، وضمان استقلال القضاء، وتعزيز الشفافية، ومنع إعادة إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة. وعليه، فإن الإشكالية لا تكمن في غياب الرغبة أو الإمكانات، بل في القدرة على ترجمتها إلى قواعد مُلزمة ومؤسسات محصّنة من التسييس.

فقدان الثقة لا يعني فقدان القدرة على دولة القانون

يقول إبراهيم كابان، لـ”963+” إن قدرة المجتمع السوري على تبنّي مفهوم حقيقي لدولة القانون لا يمكن فصلها عن طبيعة العلاقة التاريخية بين الدولة والمجتمع.

ويضيف أن المشكلة لم تكن في غياب القوانين بقدر ما كانت في تفريغها من مضمونها وتحويلها إلى أدوات تخدم السلطة. ويرى أن الحرب لم تُسقط هذا النموذج فحسب، بل أدت إلى تفككه، حيث تعددت مصادر “القانون” بين قوى عسكرية وسلطات أمر واقع وشبكات نفوذ محلية.

ويتابع كابان أن القانون لم يعد مرجعية عليا، بل خياراً بين خيارات، وغالباً ليس الأكثر تأثيراً، مشيراً إلى أن المجتمع لم يفقد قدرته على تبنّي دولة القانون بقدر ما فقد ثقته بإمكانية تحققها. ويعتبر أن هذه الفجوة النفسية والسياسية العميقة لا يمكن ردمها بمجرد إعادة بناء مؤسسات شكلية.

ويلفت إلى أن تسييس القضاء والأجهزة الأمنية لم يكن انحرافاً طارئاً، بل جزءاً من بنية الحكم، موضحاً أن القضاء استُخدم لإضفاء شرعية على قرارات سياسية، فيما تولّت الأجهزة الأمنية تحديد حدود القانون وتطبيقه. ويعلل أن النتيجة لم تكن فقط غياب العدالة، بل تآكل فكرتها في الوعي العام، إذ ترسخ الاعتقاد بأن القانون أداة للضبط والإخضاع لا للحماية.

ويستطرد كابان أن إعادة بناء نظام قانوني موثوق تتطلب تفكيك هذه العلاقة المختلة بين القضاء والأمن، وهو ما يصطدم بطبيعة السلطة وآليات بقائها. ويشير إلى أن تحقيق سيادة القانون دون انتقال سياسي يبقى أمراً محدود الأثر، لأن أي إصلاح قانوني ضمن بنية سياسية لم تتغير جذرياً سيظل خاضعاً لقيودها.

وينوه إلى أن العدالة الانتقالية تمثل ملفاً معقداً، فهي ضرورة لمنع إعادة إنتاج العنف، لكنها تواجه واقعاً سورياً شديد التشظي. ويعتقد أن الحل يكمن في مقاربات تدريجية تبدأ بكشف الحقيقة وتوثيق الانتهاكات، وصولاً إلى أشكال من المساءلة والتعويض، محذراً من أن تجاهل هذا المسار يبقي الصراع كامناً في المجتمع.

ويضيف أن الانقسامات الاجتماعية التي تعمقت خلال الحرب قوّضت فكرة القانون كإطار جامع، إذ بات يُنظر إليه كأداة قد تُستخدم ضد جماعة لصالح أخرى. ويعزو ذلك إلى تآكل الثقة بالمؤسسات واستبدالها بثقة ضمن دوائر ضيقة كالعائلة أو الجماعة.

كما يوضح أن الفساد والانهيار الاقتصادي شكّلا عائقاً بنيوياً، حيث أصبحت شبكات المصالح غير الرسمية تتقدم على القواعد القانونية، وأصبح الالتفاف على القانون ضرورة عملية. ويختم بالإشارة إلى أن التحدي المستقبلي لا يقتصر على سنّ القوانين، بل على استعادة معنى القانون ذاته وبناء عقد اجتماعي يضمن شرعيته وفعاليته.

الانتقال السياسي شرط أساسي لسيادة القانون

يقول محمد فاضل فطوم، المقيم في دمشق، إن المجتمع السوري قادر على التعافي بعد سنوات الاستبداد والفساد، إذا ما تم استئصال المنظومة الأمنية والاقتصادية والسياسية التي قام عليها النظام المخلوع. ويضيف أن ذلك يتطلب الاعتماد على الكوادر المتضررة، وتنظيم رقابة شعبية فعالة، ومحاسبة قانونية شفافة للمسؤولين عن الانتهاكات.

ويشير فطوم إلى أن السلطة السابقة حكمت بعقلية “العصابة”، حيث وفرت الحصانة للمقربين، ومنحت الأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة لتجاوز القوانين، ما أدى إلى تغوّلها على القضاء والنقابات وإلغاء الفصل بين السلطات. ويعتبر أن القضاء تحوّل إلى أداة لإخضاع المجتمع بدلاً من حمايته وتحقيق العدالة.

ويؤكد لـ”963+”، أن تحقيق سيادة القانون لا يمكن أن يتم دون انتقال سياسي شامل، يترافق مع تطهير الجهاز القضائي والنقابي، والاعتماد على مؤسسات نزيهة لم تتلوث في المرحلة السابقة. ويشدد على ضرورة وجود إدارة سياسية تمتلك الكفاءة لبناء مؤسسات حديثة، وتحمي الحريات والمصالح الوطنية.

وفي ما يتعلق بالعدالة الانتقالية، يرى أنها ضرورية لمحاسبة جميع المرتكبين، سواء من النظام السابق أو من أي جهة أخرى، موضحاً أنها يجب أن تستند إلى قضاء مهني ونزيه بعيد عن الكيدية. ويعتقد أن تحقيق العدالة يمثل خطوة أساسية لجبر الضرر ومنع الفوضى والانتقام.

ويلفت إلى أن من أخطر إرث المرحلة السابقة تفكيك البنية الوطنية وإحياء الانقسامات، مشيراً إلى أن هذه الانقسامات ما زالت مستمرة. ويضيف أن مسؤولية النخب تكمن في تشخيص الواقع ووضع حلول تحمي مستقبل الدولة والمجتمع.

ويتابع فطوم أن التدخلات الخارجية تستثمر في هذه الانقسامات لتعميق الفوضى، ما يعيق بناء دولة القانون. ويؤكد أن المرحلة الانتقالية يجب أن تقوم على إشراك جميع الكفاءات الوطنية لمواجهة هذه التحديات.

وفي ملف الفساد، يوضح أن مكافحته تبدأ بالشفافية وكشف المتورطين، محذراً من محاولات بعض الفاسدين الإفلات من المحاسبة. ويشدد على أن ضمان الحريات ضروري لفضح الفساد ومنع استمراره.

ويختم بالقول إن الاستبداد والفساد كانا سبباً رئيسياً في معاناة السوريين وفقدان ثقتهم بالقانون، إلا أن البدء الفعلي ببناء دولة العدالة والمؤسسات هو الطريق الوحيد لاستعادة هذه الثقة وضمان حقوق المواطنين.”

+963

—————————–

===========================

تحديث 23 نيسان 2026

—————————–

تعميم العدالة الانتقالية في سوريا: مقترح للتكامل الوزاري/ منصور العمري

مقدمة

يمثل إنشاء “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية” في سوريا في 17 أيار/مايو 2025 خطوةً حاسمةً في سعي البلاد إلى تحقيق العدالة الانتقالية. لكن، وبالنظر إلى النطاق الهائل للانتهاكات السابقة، والدمار والأضرار واسعة النطاق في جميع أنحاء البلاد، والعدد الكبير من الأفراد المتضررين، يعد تأسيس لجنة مركزية واحدة غير كافٍ. ولمعالجة إرث الانتهاكات الممنهجة بشكلٍ أفضل، من الضروري دمج عمليات العدالة الانتقالية مباشرةً في صميم الحوكمة. وتدعو هذه الورقة البحثية إلى اعتماد مقاربة شاملة للحكومة بأكملها، من خلال إنشاء مكتب أو نقطة اتصال مخصصة للعدالة الانتقالية داخل كل وزارة ذات صلة. تتجاوز هذه المقاربة الآليات المركزية التقليدية، وتهدف إلى إدماج عمليات المساءلة والمصالحة والعمليات التي تركز على الضحايا مباشرةً في عملية صنع السياسات وتقديم الخدمات. وتحدد المهام المحتملة لهذه الوحدات الوزارية، وتوضح الشروط اللازمة لنجاحها، وترى أن هذه الخطوة التحويلية ضرورية لتنفيذ العدالة الانتقالية بفعالية.

إن الأساس المنطقي لاتباع مقاربة الحكومة بأكملها متعدد الأوجه. أولاً، لم تقتصر الانتهاكات التي وقعت أثناء النزاع على قوات أمن محددة، بل تغلغلت في مختلف أجهزة الدولة، ومن ضمنها المسؤولة عن الرعاية الصحية والتعليم والممتلكات. لذلك، تتطلب معالجة هذه الأمور فهمًا واستجابة خاصة بكل قطاع على حدة. وثانيًا، يعزز ثقافة المساءلة وحقوق الإنسان داخل البيروقراطية نفسها، وبالتالي يمنع حدوث انتهاكات في المستقبل. ثالثًا، يضمن أن تكون عملية صنع السياسات وتقديم الخدمات مستنيرة بطبيعتها بحتمية عدم تكرار الانتهاكات، وتعويض الضحايا. كما تشرح أهمية هذا النهج المتكامل في إعادة بناء ثقة المواطن في أجهزة الدولة ومنع تكرار الانتهاكات.

لكل وزارة تقريباً، بغض النظر عن وظيفتها الأساسية، دور في العدالة الانتقالية. وبالتالي، ينبغي إنشاء وحدة تكامل العدالة الانتقالية، أو مركز تنسيق معين داخل كل وزارة، تكون مسؤولة مباشرةً أمام الوزير أو نائب الوزير و”المجلس الوطني للعدالة الانتقالية” والتنسيق معه. ويُفضّل أن تُزوّد هذه الوحدات بموظفين ذوي خبرة في مجال حقوق الإنسان والقانون والعلوم الاجتماعية، والأهم من ذلك، فهم دقيق لعمليات الوزارة المعنية وسياقها التاريخي في النزاع. ويتعين تشكيل هذه الوحدات بموجب إطار قانوني من الحكومة، بالتشاور مع المجلس وخبراء آخرين، وسيقود أيضاً تدريب وبناء قدرات موظفي وحدة العدالة الانتقالية لضمان اتباع نهج متسق في جميع الوزارات.

I. الخلفية: العدالة الانتقالية والاعتماد التقليدي على اللجان المركزية

تمثّل العدالة الانتقالية مجموعةً شاملةً من العمليات والآليات التي تستخدمها المجتمعات لمواجهة ومعالجة الإرث العميق للانتهاكات واسعة النطاق التي وقعت في الماضي. وكما حددتها الأمم المتحدة، تتجسّد أهدافها الأساسية في ضمان المساءلة وخدمة العدالة وتحقيق المصالحة، وبالتالي تعزيز سيادة القانون. وهذا النظام متجذر بشكلٍ أساسي في القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي يُلزم الدول بتوفير سبل انتصاف فعالة لضحايا الانتهاكات الجسيمة.1 وبعيداً عن مجرد النظر إلى أخطاء الماضي، فإن العدالة الانتقالية هي أيضاً مسعى تطلعي يهدف إلى إحداث تحولٍ مجتمعي كبير عبر معالجة احتياجات الضحايا والأسباب الكامنة وراء الانتهاكات، وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة، وتعزيز سيادة القانون.

وجرت العادة أن يتجه تنفيذ العدالة الانتقالية في سياقات ما بعد النزاع، نحو نموذجٍ مركزي تقوده عادةً لجنة مخصصة للعدالة الانتقالية، ويُفعّل من خلال آليات مثل لجان الحقيقة والمحاكم الخاصة، وبرامج جبر الضرر. وفي حين تُعدّ هذه الآليات المركزية حيوية من دون شك، إلا أن تأثيرها قد يكون محدوداً إذا لم تُستكمل بدمج مبادئ العدالة الانتقالية على نطاقٍ أوسع، ومنهجية داخل مؤسسات الدولة نفسها. وتدعو مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في تقريرها “العدالة الانتقالية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية” إلى فهمٍ أوسع لهذه العدالة يشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ما يدعم مباشرة فكرة أن يكون للوزارات خارج قطاعات العدالة التقليدية دور في هذا المجال.

دور وولاية الهيئة المركزية للعدالة الانتقالية

تعمل “الهيئة المركزية للعدالة الانتقالية” عادةً كهيئة حكومية مستقلة، تُنشأ عبر تشريعات محددة. وتميل هذه اللجان إلى التمتع بسلطة واسعة للتحقيق في الإجراءات المتخذة خلال فترات الحكم الاستبدادي أو النزاع. في جوهرها، تعمل “لجنة العدالة الانتقالية المركزية” كهيئة استراتيجية وإشرافية، فتوفر الإطار المعياري وتقود العمليات العليا اللازمة لمواجهة إرث الانتهاكات الماضية، وتوجيه المجتمع نحو مستقبل أكثر عدالةً وديمقراطية. وتشمل أهدافها الأساسية غالباً إجراء تحقيقات رفيعة المستوى والبحث عن الحقيقة، والتوصية أو الإشراف على آليات لجبر المظالم وتقديم التعويضات، وإصدار توصيات للإصلاح المنهجي.2

وعلاوةً على ذلك، تهدف العدالة الانتقالية إلى ما هو أبعد من تلبية احتياجات الاستقرار في مرحلة ما بعد النزاع، إذ تطمح إلى العمل كمحفز للتحول المجتمعي الأوسع نطاقاً.3 ولا يقتصر عملها على معالجة الانتهاكات المباشرة فحسب، بل يشمل أيضاً معالجة الأسباب الجذرية الهيكلية الأعمق، مثل التفاوتات الجسيمة وهياكل السلطة غير العادلة، والتمييز المتجذر.4 وبالتالي، ينبغي ألا يقاس نجاح مبادرات العدالة الانتقالية بالمساءلة الفورية أو السلام فحسب، بل بمساهمتها في تفكيك المظالم المنهجية ومعالجة المظالم التاريخية، وتعزيز مجتمع أكثر إنصافاً وشمولاً. وينطوي ذلك على تفويض يتجاوز مجرد معالجة انتهاكات الماضي ليشمل تشكيل الحكم والهياكل الاجتماعية المستقبلية بشكلٍ فعال.

نقد لجان العدالة الانتقالية التقليدية

انتُقد الاعتماد على لجان العدالة الانتقالية المركزية، باعتبارها تخلق نهجاً منعزلاً ومنفصلاً عن الحكومة الأوسع نطاقاً، ما يحد من فعالية التدابير المقترحة أو المعتمدة.5 وتركز هذه الانتقادات على نطاق اللجان المحدود وطبيعتها المخصصة، وتحديداً القول إنها غير مدمجة بشكلٍ كافٍ ضمن الهياكل الحكومية الأوسع.6 وتكمن المشكلة الأساسية في أنه في حين تُكلّف اللجان بأهدافٍ معقدة وواسعة النطاق – من كشف الحقيقة إلى الإصلاح المؤسسي – إلا أنها نادراً ما تُمنح السلطة أو الدعم اللازمين لتحقيق هذه الأهداف في جميع مجالات الحكومة. وكتب المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار، بابلو دي غريف، على نطاقٍ واسع عن القيود التي تواجهها اللجان الموقتة والمخصصة. ومن بين أعماله، العدالة الانتقالية والتنمية: ويؤكد أن فعالية العدالة الانتقالية الحقيقية تتطلب ترسيخ مبادئها بشكلٍ دائم في مؤسسات الدولة لمنع تكرار الانتهاكات. وكتب:

“إن التعويضات فريدة من نوعها بين تدابير العدالة الانتقالية كونها تتطلب أداءً ملائمًا من مجموعة واسعة من الكيانات الحكومية. وعلى عكس لجان الحقيقة التي تُشكّل على أساسٍ مخصص، أو حتى المحاكمات التي تتولاها دوائر خاصة أو وزارات الشرطة والعدل في معظم الأحيان، يستلزم برنامج التعويضات المعقد مساهمة ومشاركة من وزارات حكومية عديدة، ومن ضمنها الصحة والتعليم والأراضي والإسكان والتخطيط والمالية.7

وأقرّ مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بالقيود التي يفرضها النهج الضيق للعدالة الانتقالية في معالجة الأسباب الكامنة وراء النزاع، بما فيها انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.8 وهذا يتحدى بشكلٍ مباشر، التركيز التاريخي لعمليات العدالة الانتقالية على الحقوق المدنية والسياسية، ويشير إلى الحاجة إلى نطاق أكثر اتساعًا، يشمل الوزارات المسؤولة عن التنمية والخدمات الاجتماعية.

يوجز ديفيد كروكر، وهو فيلسوف بارز في هذا المجال، في عمله “تصفية الحساب مع أخطاء الماضي”: إطار عمل معياري، متعدد الأهداف للعدالة الانتقالية. وهو يجادل بأن هذه العدالة يجب أن تسعى إلى تحقيق أهداف تتجاوز مجرد الحقيقة والملاحقة القضائية، ومن ضمنها الإصلاح المؤسسي والتنمية طويلة الأجل التي يستحيل تحقيقها من دون دمجها في هيكل الدولة الدائم.9

II. مقاربة “الحكومة بأكملها”: أمثلة على دمج العدالة الانتقالية في الوزارات من جميع أنحاء العالم

يستلزم التنفيذ الفعال للعدالة الانتقالية إدماجاً مستداماً في وزارات الدولة القائمة المسؤولة عن الخدمات العامة، كما يتضح من تجارب ما بعد النزاع من مختلف أنحاء العالم. وتوضح الأمثلة من تشيلي (الصحة) وكولومبيا (الإسكان والزراعة والبيئة) وتايوان (التعليم) وجنوب أفريقيا (العدل)، كيف يمكن تحقيق هذا الدمج في مختلف وزارات الدولة المسؤولة عن الخدمات العامة. ومع ذلك، فإن دمج آليات العدالة الانتقالية في مختلف الوزارات يتطلب أيضاً تنسيقاً قوياً عبر الحكومة، ومع أي لجنة مركزية للعدالة الانتقالية لضمان الدعم الشامل للضحايا، والسعي الاستراتيجي إلى تحقيق الأهداف. وهذا مهم بشكلٍ خاص في سوريا، حيث الثقة في مؤسسات الدولة منخفضة للغاية.

وزارة الصحة في تشيلي

كجزء من إطار التعويضات في مرحلة ما بعد النزاع، أطلقت وزارة الصحة التشيلية برنامج التعويضات والصحة الشاملة في العام 1991. وتوفر هذه المبادرة التي تقودها الدولة، لضحايا العنف السياسي خدمات الرعاية الصحية الشاملة، بما فيها الرعاية الصحية النفسية التي تُقدم عبر نظام الرعاية الصحية الوطني.10   يتميز برنامج (PRAIS) بنطاقٍ واسع بشكلٍ خاص، فشكّل التدبير الأساسي للتعويضات المتعلقة بالصحة لجميع فئات ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، مع توسيع الأهلية إلى الأقارب حتى الجيل الثالث. وأصبح هذا البرنامج الذي يعد أساسًا لجهود التعويضات في تشيلي، مدعوماً قانونيًا عبر قانون صدر في نهاية العام 2004.11

وزارات الزراعة والإسكان والبيئة في كولومبيا

وفي كولومبيا، أرسى قانون الضحايا وإعادة الأراضي (القانون 1448)12 الذي أصدره الرئيس خوان مانويل سانتوس في 10 حزيران/يونيو 2011، إطاراً شاملاً للعدالة الانتقالية، يهدف إلى ضمان حقوق ضحايا النزاع المسلح الداخلي.13 وينص هذا التشريع على اتباع نهج تعاوني مشترك بين الوزارات لتنفيذه، وتشكيل النظام الوطني للرعاية الشاملة، وتعويض الضحايا. وضمن هذا النظام، تُخوّل الوزارات الرئيسية، لا سيما وزارة الزراعة والتنمية الريفية ووزارة البيئة والإسكان والتنمية الإقليمية، أو الكيانات البديلة المعينة لها، بأداء وظائف محددة.14 فتُكلّف مثلاً وزارة البيئة والإسكان والتنمية الإقليمية صراحةً بإعادة المساكن إلى الضحايا الذين تضررت منازلهم بسبب نزع الملكية أو التخلي عنها أو فقدانها أو إضعافها.15 ويشدد القانون أيضًا على “النهج التفاضلي”، فيُصمم الدعم وفق نقاط الضعف الخاصة بالفئات المختلفة، مثل النساء والأطفال والمسنين والمجتمعات العرقية، ويتضمن أحكامًا للتعاون بين الوزارات وتنسيقها لتغيير التفاعلات بين الدولة والضحايا بشكلٍ جذري، وبالتالي تعزيز الثقة من خلال تبسيط العمليات الإدارية والشفافية.16

وزارة العدل في جنوب أفريقيا

في جنوب أفريقيا، أسست وزارة العدل والتنمية الدستورية وحدة لجنة الحقيقة والمصالحة التي تؤدي دورًا حاسمًا في التنفيذ المستمر لتوصيات لجنة الحقيقة والمصالحة. وعلى وجه التحديد، عُهد إلى وحدة اللجنة التابعة للإدارة، بالمسؤولية الشاملة عن معالجة إرث انتهاكات حقوق الإنسان في عهد الفصل العنصري.17 ويشمل ذلك تقديم المنح التعليمية، الدعم الطبي، مساعدة المجتمعات المحلية المتضررة، والمهمة الحاسمة المتمثلة في تحديد أماكن رفات ضحايا حقبة الفصل العنصري وإعادتها إلى أسرهم.18

وزارة التعليم في تايوان

في تايوان، أكدت لجنة العدالة الانتقالية التي أُلغيت في 30 أيار/مايو 2022، بشكل ٍكبير أهمية إدماج مفاهيم العدالة الانتقالية في مناهج التعليم الوطنية. وعلى وجه الخصوص، أوصت لجنة العدالة الانتقالية بأن تدمج المدارس العامة دروساً عن العنف الذي ارتكبته الدولة في مادتي التربية الوطنية والعلوم الاجتماعية، معترفةً بأنه أمر حاسم لتعزيز فهم أعمق لماضي تايوان الاستبدادي وانتقالها الديمقراطي.19 وبدعم من وزارة التربية والتعليم، أُدرج محتوى العدالة الانتقالية ضمن “البرنامج المؤقت لحقوق الإنسان والتربية المدنية”، إلى جانب جهود تدريب المعلمين على تقديم هذا المنهج الجديد بفعالية.20 عزز اليوان (الفرع التنفيذي لحكومة تايوان) هذا الالتزام في العام 2023 مع إطلاق برنامج العمل الوطني لتعليم العدالة الانتقالية، وهي خطة مدتها أربع سنوات (2023-2026) تشرف عليها وزارة التعليم، وتستهدف المدارس على جميع المستويات وموظفي الخدمة المدنية وعامة الناس، لتعزيز التفاهم الاجتماعي والمصالحة وقيم حقوق الإنسان.21

III. وحدات دمج العدالة الانتقالية في سوريا: المفهوم والتفاعل

تجسّد وحدات تكامل العدالة الانتقالية المقترحة نهجاً حكومياً شاملاً لتنفيذ العدالة الانتقالية في سوريا. ففي حين توفر “اللجنة المركزية للعدالة الانتقالية” التوجيه الاستراتيجي والإشراف رفيع المستوى، تُعد وحدات العدالة الانتقالية المتكاملة، وحدات تشغيلية مدمجة ضمن وزارات حكومية محددة. وتسمح هذه الهيكلية بترجمة التفويضات الواسعة للهيئة المركزية إلى تدابير عملية ومحددة السياق ضمن بيئاتها المؤسسية المعنية، بما فيها المساهمات في الإصلاح المؤسسي والتدقيق.

ستعمل “الهيئة السورية للعدالة الانتقالية” كهيئة استراتيجية وإشرافية. وهي مسؤولة عن تحديد السياسة الشاملة، وضع الإطار القانوني، إجراء تحقيقات رفيعة المستوى، وإصدار توصيات للإصلاح المنهجي.22 وستضمن أن تتماشى الاستراتيجية العامة للعدالة الانتقالية مع المعايير الدولية وتحافظ على الاتساق العام.

وفي الوقت نفسه، ستُكلّف وحدات العدالة الانتقالية في الوزارات المختلفة بما يأتي:

    الإصلاح المؤسسي الداخلي: تطبيق عمليات التدقيق والتطهير داخل الوزارة المضيفة، لإزالة أو استبعاد الأفراد المتورطين في الانتهاكات أو الفساد، ومراجعة السياسات الداخلية لتتماشى مع معايير حقوق الإنسان.

    دعم البحث عن الحقيقة: تيسير الوصول إلى الأرشيف والوثائق الداخلية المتعلقة بالانتهاكات السابقة، ضمن نطاق وزارتهم المحددة.

    جبر الضرر: المساعدة في تنفيذ برامج جبر الضرر ذات الصلة بنطاق وزارتهم، مثل تنسيق خدمات الرعاية الصحية للضحايا عبر وزارة الصحة.23

    تدابير عدم التكرار: دمج التدريب في مجال حقوق الإنسان والمناهج الجديدة للموظفين داخل وزارتهم، لمنع حدوث انتهاكات في المستقبل.24

ستوفر “اللجنة المركزية للعدالة الانتقالية” التوجيه الأساسي والمشورة الفنية والمراقبة المستمرة لوحدات العدالة الانتقالية. ويضمن ذلك الاتساق بين مختلف الوزارات والالتزام بالمعايير الدولية، ويمنع تشتت الجهود. وستقدم وحدات التنفيذ المشتركة تقارير منتظمة إلى اللجنة المركزية، تتضمن آخر المستجدات بشأن التقدم المحرز والتحديات. وتتيح هذه العلاقة التكافلية تطبيق مبادئ العدالة الانتقالية بشكلٍ متخصصٍ ومحدد السياق مع الحفاظ على الاتساق العام، والمساءلة أمام سلطةٍ مركزية.

وتتمثل إحدى المزايا الرئيسية لنموذج وحدة العدالة الانتقالية المقترح في ضمان الملكية الوطنية للمبادرات، ونهج مستدام وطويل الأمد لمعالجة الانتهاكات المعقدة والمتعددة الطبقات في سوريا. كما سيعزز احتمالات نجاح الأهداف الأساسية للعدالة الانتقالية، مثل الإصلاح المؤسسي وبرامج التعويضات والبحث عن الحقيقة، وضمانات عدم التكرار بهدف نهائي هو “إعادة بناء الثقة في المؤسسات والحكومة”.25

تكوين وحدات العدالة الانتقالية

لن يكون اتباع نهج واحد يناسب الجميع في التوظيف داخل وحدات العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية فعالاً. فيعتمد حجم وحدة العدالة الانتقالية وتكوين موظفيها بشكل كبير على مدى صلة وزارة معينة بالعدالة الانتقالية، إضافةً إلى السياق الفريد والتحديات الخاصة بتلك الوزارة. ويعني ذلك أن هيكل الوحدة وموظفيها يجب أن يُصمما خصيصاً للدور الخاص للوزارة في معالجة الانتهاكات السابقة وإمكانية الإصلاح المستقبلية.

على سبيل المثال:

    الوزارات ذات الصلة المباشرة بالانتهاكات السابقة (مثل الوزارات المرتبطة بالأمن): يُرجّح أن تتطلب هذه الوزارات وحدات أكبر حجماً وأكثر قوةً تتمتع بخبرة متخصصة في التدقيق والإصلاح المؤسسي، وربما توثيق الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. فالطبيعة المعقدة وكثيفة الموارد لمهام مثل تحليل البيانات والتحقق من عمليات التدقيق في مثل هذه الوزارات تستلزم العديد من الموظفين.

    الوزارات ذات التفاعل الكبير مع الضحايا (مثل الصحة والشؤون الاجتماعية): قد تحتاج وحدات العدالة الانتقالية والمصالحة في هذه الوزارات إلى موظفين ذوي خبرات كبيرة في دعم الضحايا وتقديم الرعاية النفسية وتيسير جبر الضرر، ما قد يتطلب فريقاً أكبر للتعامل مع حجم الحالات وحساسية العمل.

    الوزارات ذات التأثير المجتمعي الأوسع نطاقاً (مثل التعليم والإدارة المحلية): قد تركز هذه الوحدات بشكلٍ أكبر على تطوير المناهج الدراسية وتعزيز المشاركة المجتمعية والمصالحة على المستوى الشعبي، ما يتطلب موظفين ذوي خبرة في العلوم الاجتماعية والتعليم وتنمية المجتمع.

التغلب على تحديات تنفيذ وحدات العدالة الانتقالية المتكاملة

يواجه التشغيل الناجح لوحدات العدالة الانتقالية المتكاملة (TJIUs) العديد من التحديات الكبيرة، خصوصاً بالنظر إلى تفويضها للحثّ على إحداث التغيير داخل هياكل الدولة التي يُحتمل أن تكون مقاومة، بالإضافة إلى الحاجة إلى معالجة القضايا الحرجة المتعلقة بالتمويل والخبرة في سوريا ما بعد الأسد.

وسيعتمد تمويل وحدات العدالة والمساءلة المشتركة في سوريا على نموذج هجين من مصادر مختلفة، من ضمنها ميزانيات الوزارات الخاصة والمانحين الدوليين والأموال المخصصة من الأمم المتحدة والمؤسسات، وأصول مرتكبي نظام الأسد وشركائهم التي جرى الاستيلاء عليها بموجب العقوبات الدولية، والشركات المحلية والدولية.

وستستمد وحدات العدالة الانتقالية خبرتها من المجتمع المدني السوري والاختصاصيين الدوليين. وتعتبر مشاركة المجتمع المدني السوري مهمة جداً نظراً لمعرفته العميقة بالنزاع وتوثيقه الدقيق للانتهاكات الحقوقية على مدى سنوات. وتمتلك سوريا شبكة واسعة من المحامين والقضاة والأطباء والناشطين ذوي الخبرة الذين يعملون على قضايا العدالة والمساءلة من داخل البلاد ومن خارجها. ويمكن للهيئات الدولية والأمم المتحدة تقديم المساعدة التقنية والتدريب والتوجيه بشأن وضع الأطر القانونية وتنفيذ برامج جبر الضرر، وتكييف أفضل الممارسات من دول أخرى في مرحلة ما بعد النزاع مع السياق السوري.

ويتمثل أحد المخاطر والتحديات الكبيرة في النهج الحكومي الشامل المقترح للعدالة الانتقالية، في ضعف سلطة وقدرة وشرعية العديد من الوزارات السورية. فبعد سنواتٍ من النزاع والعقوبات، أُفرغت العديد من الوزارات من محتواها، ما يزيد خطر حدوث “فجوة في التنفيذ”، فتفشل السياسات والمبادرات المصممة جيداً من قبل وحدات العدالة الانتقالية في تفعيلها على أرض الواقع، وتصبح وحدات العدالة الانتقالية بعد ذلك إيماءات رمزية بدلاً من أدوات فعالة للإصلاح.26 لكن السبيل للتخفيف من هذا الخطر هو التركيز على بناء القدرات القوية وخطوط واضحة للسلطة والتقييم المستمر للتقدم المحرز في التنفيذ، والدعم السياسي المستدام داخل الوزارات المعنية.

ويكمن التحدي الآخر الذي تعاني منه وحدات العدالة الانتقالية والمشتركة، في التوتر المتأصل بين الحاجة إلى الحفاظ على المؤسسات التي يُحتمل أن تواجهها في العديد من الوزارات، وحتمية الإصلاح التحويلي الذي تأمل في تحقيقه. فهذه الوحدات مصممة لإصلاح المؤسسات من الداخل، إلا أنها، خصوصاً المرتبطة بالأمن، عملت تاريخياً كأدواتٍ للقمع والفساد. ويُتوقع أن تواجه مقاومة للتغيير داخل هذه المؤسسات، ومن ضمنها التردد في تبني ممارساتٍ جديدة. ويشير ذلك إلى أن الوحدات ستحتاج إلى اعتماد نهجٍ دقيق، يوازن بين ضرورة المساءلة والحاجة العملية إلى الاستقرار المؤسسي، والاحتفاظ بالخبرات. وقد تُزعزع عمليات التطهير العدوانية المفرطة استقرار وظائف الدولة الحيوية، في حين قد يؤدي الإصلاح غير الكافي إلى استمرار الإفلات من العقاب وتقويض ثقة الجمهور. وينبغي على هذه الوحدات أن تتخطى هذا التوازن الدقيق، ما يتطلب قيادة سياسية قوية وصنع قرار استراتيجي.27 ويطرح هذا الوضع معضلة جوهرية: الحاجة إلى تحويل المؤسسات المتواطئة بشدة مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرتها الوظيفية.

IV. أمثلة على الدور المحتمل للوزارات السورية الرئيسية في مقاربة الحكومة بأكملها للعدالة الانتقالية

في سوريا ما بعد النزاع، يجب أن تلعب وزارات عدة أخرى، غير وزارات العدل والداخلية والدفاع، دوراً حاسماً في العدالة الانتقالية عبر معالجة الأسباب الجذرية للنزاع وتنفيذ الإصلاحات اللازمة. وفي ما يأتي أمثلة على التدابير التي يمكن لبعض هذه الوزارات اتخاذها سعياً إلى تحقيق مقاربة شاملة للحكومة في العدالة الانتقالية.

وزارة الصحة

تعتبر وزارة الصحة السورية ذات أهمية قصوى في سياق العدالة الانتقالية، نظراً لاستخدام نظام الأسد للقطاع الصحي كسلاح خلال النزاع. فقصف المستشفيات التي فقد السيطرة عليها، بينما حوّل بعضها التي كانت تحت سيطرته إلى أماكن للتعذيب. كما كان للنزاع تأثير مباشر على المهن الطبية. فارتكب بعض العاملين في هذا المجال انتهاكات أو كانوا حاضرين أثناء جلسات التعذيب، في حين تعرض الأطباء أو الممرضون الذين سعوا إلى تقديم الرعاية للمتظاهرين الجرحى للاعتقال أو الاختفاء. يمكن لوحدة العدالة الانتقالية في وزارة الصحة أن توثق الاعتداءات على المرافق الطبية والعاملين فيها في ظل حكم نظام الأسد، وتسييس الوصول إلى الرعاية الصحية، وغيرها من الجرائم المتعلقة بالصحة. ومن الضروري توثيق هذه الجرائم والمستشفيات والمرافق المتورطة فيها بدقة قبل إجراء أي تعديلات عليها – سواء من خلال الترميم أو الهدم أو إعادة الإعمار – فشكلت هذه المواقع حلقة وصل أساسية في تفعيل الاختفاء القسري والقتل تحت التعذيب.

علاوة على ذلك، لوزارة الصحة دور أساسي في ما يتعلق بـ:

    التعويضات الصحية والنفسية التي تشمل تقديم المشورة بشأن برامج الدعم النفسي والجسدي للضحايا والأفراد المتضررين.

    إنصاف الأطباء والممرضين الذين فقدوا تراخيصهم أو وظائفهم، لمساعدتهم في علاج المتظاهرين أو المقاتلين الجرحى.

    اعتماد مدونة سلوك جديدة، تحتم عدم إشراف/مشاركة أي طبيب أو موظف طبي في التعذيب أو سوء المعاملة.

وزارة الأوقاف

وزارة الأوقاف هي الجهة المسؤولة عن إدارة الشؤون الدينية الإسلامية والأوقاف، ومن ضمنها الأوقاف الخيرية الإسلامية. وإلى جانب المؤسسات التي تمثل الأديان الأخرى، تضطلع الوزارة بدور فريد وحاسم في عملية العدالة الانتقالية في سوريا. وبفضل مكانتها الدينية والمجتمعية الكبيرة، وسيطرتها على عقارات وأموال وقفية كبيرة، يمكنها المساهمة في العدالة الانتقالية بطرقٍ مهمة.

وعلى وجه التحديد، تستطيع:

    تسهيل جبر الضرر الروحي والنفسي للضحايا، ومعالجة الأضرار غير المادية التي لحقت بهم. فيمكن أن تنظم وتدعم طقوس الشفاء للمجتمعات المتضررة، لخلق وتعزيز طقوس أو شعائر الشفاء التقليدية. فقد تساعد الضحايا على إيجاد معنى لمعاناتهم، وإعادة التواصل مع عقيدتهم أو هويتهم الثقافية، والمضي قدمًا نحو المغفرة والسلام الداخلي. وكما أشار كتاب “دليل أكسفورد للدين والصراع وبناء السلام”، لا سيما من قبل دانيال فيلبوت، فإن التقاليد الدينية توفر أطرًا أخلاقية عميقة لبناء السلام والمصالحة ومرتبطة بممارسات العدالة الانتقالية.

    توثيق وتسجيل الانتهاكات التي ارتكبت ضد المنشآت الدينية، وبالتالي ضد المرتبطين بها.

    المساهمة في تدابير جبر الضرر. في حزيران/يونيو 2025، صرح الوزير المعاون لوزير الأوقاف سامر بيرقدار، في مقابلة تلفزيونية أن “الوزارة تعيد تنظيم إدارتها وإعادة تقييم ممتلكاتها الوقفية”. وعرّف الوقف بأنه تخصيص أصل مادي للمنفعة العامة، ويتم التبرع به لجهة مباحة. وذكر أن الوزارة “غنية للغاية بالعقارات”. وقال أيضًا إن أموال الوقف تستثمر في أوقاف أخرى ومشاريع استثمارية وتنموية، كما تُنفق على الفقراء والمحتاجين، والجمعيات الخيرية.

وزارة التربية والتعليم

تعتبر وزارة التربية والتعليم في وضع فريد للاستفادة من دمج مستشارين متخصصين في مجال العدالة الانتقالية.28 ويمكن لهؤلاء الخبراء التعاون مع الوزارة لتطوير مناهج تعليمية تعمل بفاعلية على:

    تعزيز الوعي بتاريخ النزاع وانتهاكات حقوق الإنسان، وتعزيز قيم التسامح والتعايش السلمي. يمكن للوزارة فرض إدراج موضوعات تتعلق بالتسامح والتنوع وحقوق الإنسان وحل النزاعات بالطرق السلمية في جميع المواد الدراسية، وليس فقط الدراسات الاجتماعية. مثلاً تتيح دروس الأدب استكشاف كتبٍ من ثقافات مختلفة، وتدرس مادة التاريخ الأسباب الجذرية للصراع وحركات السلام الناجحة. وتستطيع الوزارة أيضًا تدريب المعلمين وتشجيعهم على استخدام أساليب تدريس تراعي الخلفيات الثقافية لجميع الطلاب.

    ضمان دمج روايات الضحايا والدروس المستفادة من الماضي لمنع تكرارها.

    تطبيق نهج يراعي الأطفال في عمليات وآليات العدالة الانتقالية ضمن المناهج الدراسية.29

يُعد دمج هذه المبادئ في النظام التعليمي أمراً بالغ الأهمية لتنشئة جيلٍ يفهم تاريخه، ويلتزم ببناء مستقبلٍ أكثر عدالةً واستقراراً. كما يمكن لوحدة العدالة الانتقالية التابعة لوزارة التربية والتعليم معالجة استخدام المدارس لأغراض عسكرية أو سياسات تعليمية تمييزية. يُسهم هذا الجمع المحلي للبيانات في دعم عمليات البحث عن الحقيقة على المستوى الوطني الأوسع نطاقًا.

الخاتمة والتوصيات الاستشرافية

يُعتبر تنفيذ وحدات العدالة الانتقالية المتكاملة في سوريا ما بعد الأسد ضرورةً حاسمة وتحدياً كبيراً في الوقت نفسه. وستعمل هذه الوحدات كآلية حيوية على الموقع الإلكتروني على مستوى الحكومة بأكملها، لتضمين المساءلة والإصلاح المؤسسي مباشرة داخل الوزارات التي كانت مركزية في الجهاز القمعي للنظام، والوزارات الأخرى المعنية بتنفيذ العدالة الانتقالية. وسيتوقف نجاح هذه الآلية على علاقة تكافلية مع هيئة مركزية للعدالة الانتقالية، ما يسمح باتباع نهج لامركزي ومتماسك في الوقت نفسه لمعالجة إرث الفظائع المنهجية. وستوفر مفوضية العدالة الانتقالية التوجيه والإشراف الاستراتيجي، بينما تقود وحدات العدالة الانتقالية التنفيذ التشغيلي على المستوى القطاعي.

الطريق إلى التشغيل الفعال لوحدات العدالة الانتقالية محفوف بتحدياتٍ كبيرة. فالعمل داخل وزارات متواطئة تاريخياً في الانتهاكات، لا سيما القطاعات المرتبطة بالأمن، ينطوي على مخاطر متأصلة تتمثل في مقاومة التغيير واستمرار الإفلات من العقاب، ومحدودية القدرة المؤسسية. كما أن هذه الوحدات معرضة للاستيعاب والاستغلال من قبل الجهات السياسية التي تسعى إلى تقويض ولايتها أو التلاعب بها. ويكمن وراء هذه العقبات التشغيلية تحدٍ مستمر يتجسد في توليد الإرادة السياسية والحفاظ عليها، فقد تكون مراوغة ومعقدة بسبب المصالح المتضاربة ومقاومة المتورطين في انتهاكات الماضي.

والأهم من ذلك، ونظراً إلى عمق انعدام الثقة بين المجتمعات المحلية ومؤسسات الدولة في سوريا، يبرز المجتمع المدني كشريك لا غنى عنه. فمنظمات المجتمع المدني ليست مجرد جهات معنية، بل هي الجهات الرئيسية التي تضفي الشرعية على العدالة الانتقالية وتدعمها. وتشمل أدوارها المناصرة وتعبئة الضحايا والرصد المستقل والمشاركة في تصميم البرامج، وتوفير الخدمات الأساسية التي تبني بشكلٍ مباشر ثقة المجتمع المحلي وقدرته على الصمود. كما أن مساهماتهم المتمثلة في “القوة الناعمة”، من خلال المبادرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الملموسة، تخلق بشكلٍ غير مباشر بيئة مواتية لجهود العدالة الانتقالية التي تقودها الدولة لتحظى بالقبول.

واستناداً إلى هذا التحليل، تُقترح التوصيات التطلعية الآتية على صانعي السياسات والممارسين:

    التصميم الاستراتيجي والتفويض القانوني: وضع إطار عمل واضح ومفوض قانونياً من قبل الحكومة، بالتشاور مع مفوضية العدالة الانتقالية لوحدات العدالة الانتقالية، يحدد بدقة صلاحياتها ومسؤولياتها وحدودها. يجب أن يضمن ذلك استقلاليتها التشغيلية في الوزارات المضيفة مع الحفاظ على رقابة وتوجيه قويين من هيئة مركزية للعدالة الانتقالية لضمان الاتساق والالتزام بالمعايير الدولية.

    إعطاء الأولوية للتنفيذ المرتكز على القدرات: يجب على هيئة العدالة الانتقالية والداعمين الدوليين لها في سوريا إعطاء الأولوية لبناء القدرات الكبيرة داخل الوزارات التي تستضيف وحدات العدالة الانتقالية، وتوفير الموارد البشرية والتقنية الكافية، إلى جانب برامج التدريب المستهدفة للموظفين.

    تنفيذ آليات مساءلة دقيقة: تصميم وتنفيذ سياسات التدقيق والتطهير التي توازن بدقة بين ضرورة المساءلة والحاجة العملية إلى الاحتفاظ بالخبرة المؤسسية الأساسية. والالتزام الصارم بمبدأ “التدقيق، لا التطهير”، مع التركيز على السلوك الفردي مع ضمان حماية الإجراءات القانونية الواجبة لمنع عمليات التطهير المزعزعة للاستقرار.

    تطوير استراتيجيات الإرادة السياسية متعددة الأبعاد: تنفيذ استراتيجيات شاملة لتوليد الالتزام السياسي بالعدالة الانتقالية والحفاظ عليه، ومن ضمنها بيروقراطية الدولة. ويشمل ذلك إشراك أصحاب المصلحة على نطاقٍ واسع، وتعبئة الجمهور عبر التواصل الشفاف، وتخصيص الموارد بشكلٍ متسق وطويل الأجل، وإنفاذ عقوبات موثوقة ضد من يعرقلون العدالة.

    تعزيز شراكات المجتمع المدني الممكّنة: إقامة شراكات عميقة ومصممة بشكلٍ مشترك مع منظمات المجتمع المدني، والاستفادة من شرعيتها المتأصلة وثقتها الراسخة داخل المجتمعات المحلية. والانتقال من التشاور الرمزي إلى التعاون الحقيقي في تصميم برامج العدالة الانتقالية، وتنفيذها والإشراف عليها في قطاعات خبرتها، مع الاعتراف بدورها الحيوي في سدّ فجوة الثقة.

    تبني نُهُج التكيف والنُهج الخاصة بالسياق: الاعتراف بأن عمليات العدالة الانتقالية ديناميكية وينبغي أن تتكيف باستمرار مع الظروف الفريدة والمتطورة لكل سياقٍ انتقالي. وتعد المرونة والتعلم المستمر، والاستعداد لتعديل الاستراتيجيات بناءً على التقييم المستمر، من الأمور الحاسمة لتحقيق النجاح على المدى الطويل.

الجدول 1: أمثلة على تكامل العدالة الانتقالية داخل وزارات الدولة

الدولة الوزارة/الوحدة وظيفة/مبدأ العدالة الانتقالية المتكاملة         البرنامج/الآلية المحددة         المصدر (المصادر)

تشيلي          وزارة الصحة    التعويضات (الرعاية الصحية)    برنامج التعويضات والرعاية الصحية المتكاملة (PRAIS)    ليرا, 2018؛ مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، من دون تاريخ

تشيلي          وزارة الداخلية التعويضات (المعاشات التقاعدية)       إدارة برنامج المعاشات التقاعدية بعد حلّ اللجنة الوطنية للتعويضات        المركز الدولي للعدالة الانتقالية، 2007 (بالنسبة إلى اللجنة الوطنية للتعويضات والمصالحة ودور الدولة اللاحق في المعاشات التقاعدية)؛ مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، رقم المبيع (بالنسبة إلى التعويضات العامة في تشيلي)

كولومبيا          وحدة الضحايا (UARIV)         التعويضات (المساعدة والإصلاح الشامل)           جزء من النظام الوطني للعناية بالضحايا وتعويضهم (NSARV)           منظمة العفو الدولية، 2012؛ القانون رقم 1448 لعام 2011؛ وحدة الضحايا في كولومبيا (UARIV، رقم التفويض الرسمي)

كولومبيا          وحدة إعادة الأراضي (URT)    التعويضات (استرداد الأراضي)           جزء من النظام الوطني للعناية بالضحايا وتعويضهم (NSARV)           منظمة العفو الدولية، 2012؛ القانون رقم 1448 لعام 2011؛ وحدة إعادة الأراضي في كولومبيا، بدون تاريخ (للاطلاع على التفويض الرسمي لوحدة إعادة الأراضي)

كولومبيا          المركز الوطني للذاكرة التاريخية (NCHM)      البحث عن الحقيقة (الذاكرة التاريخية)      جزء من النظام الوطني للعناية بالضحايا وتعويضهم (NSARV)           منظمة العفو الدولية، 2012؛ القانون رقم 1448 لعام 2011؛ المركز الوطني للذاكرة التاريخية، 2012 (للاطلاع على التفويض الرسمي للمركز الوطني للذاكرة التاريخية)

جورجيا           وزارة الشؤون الداخلية           حماية حقوق الإنسان إدارة حماية حقوق الإنسان          وزارة الشؤون الداخلية الجورجية، 2018 (عن إنشاء الإدارة)؛ تحليلات الأرقام، رقم (عن الحماية العامة لحقوق الإنسان في وزارة الشؤون الداخلية)

كينيا    القضاء الإصلاح المؤسسي (التدقيق)          مجلس فحص القضاة وقضاة الصلح الدستور الكيني، 2010 (للإنشاء)؛ السلطة القضائية في كينيا، الثانية (للاطلاع على لمحة عامة عن عملية التدقيق)

كينيا    الهيئة المستقلة للرقابة الشرطية     الإصلاح المؤسسي (التدقيق في الشرطة)        الرقابة على التدقيق في الشرطة والتجاوزات التي ترتكبها الشرطة           الهيئة المستقلة للإشراف على الشرطة (IPOA)، الثانية (للاطلاع على ولاية الهيئة المستقلة للإشراف على الشرطة)؛ دستور كينيا، 2010 (للاطلاع على الأساس القانوني)

جنوب أفريقيا   وزارة العدل والتطوير الدستوري         التعويضات (التعليم والطب والنصب التذكارية والإعادة إلى الوطن)          وحدة لجنة الحقيقة والمصالحة           وزارة العدل والتطور الدستوري، من دون تاريخ؛ برلمان جنوب أفريقيا، 2025

تايوان   وزارة التعليم (عن طريق توصية لجنة العدالة الانتقالية)        الإصلاح المؤسسي (مناهج التعليم) إدماج العدالة الانتقالية في العلوم المدنية/الاجتماعية           وزارة التربية والتعليم، الثانية – ب؛ تايبيه تايمز، 2020؛ تايبيه تايمز، 2023

تايوان   مجلس العدالة الانتقالية        التنسيق بين الجهات الحكومية         تنسيق مبادرات العدالة الانتقالية بين الوكالات          تايبيه تايمز، 2022 (في ما يخص حل مجلس العدالة الانتقالية ودور الآليات التي ستخلفه)؛ بوابة حكومة جمهورية الصين (تايوان)، عام 2022 (للإشراف/التنسيق الحكومي)

العراق وزارة الخارجية القانون الدولي الإنساني       قسم القانون الدولي الإنساني           اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولية، 2022 (للسياق العام لدمج القانون الدولي الإنساني في العراق)؛ القانون الدولي الإنساني في العراق، الثانية (إذا أمكن العثور على مصدر حكومي محدد لولاية القسم)

مراجع الجدول:

    Amnesty International. (2012). Colombia: The Victims and Land Restitution Law: An Amnesty International analysis. AMR 23/018/2012. https://www.amnesty.org/ar/wp-content/uploads/2021/06/amr230182012en.pdf

    Constitution of Kenya. (2010). Retrieved from https://www.parliament.go.ke/sites/default/files/2017-05/The%20Constitution%20of%20Kenya.pdf

    Department of Justice and Constitutional Development. (n.d.). Truth and Reconciliation Commission. Retrieved from https://www.justice.gov.za/trc/

    Georgian Ministry of Internal Affairs. (2018, January 15). Human Rights Protection Department Established at MIA. Retrieved from https://police.ge/en/useful-information/news/human-rights-protection-department-established-at-mia-0/

    ICTJ (International Center for Transitional Justice). (2007). Reparations in Chile: An Overview. Retrieved from https://www.ictj.org/sites/default/files/ICTJ-Reparations-Chile-Overview-2007-English.pdf

    ICRC (International Committee of the Red Cross). (2022). Iraq: Implementing International Humanitarian Law. Retrieved from https://www.icrc.org/en/document/iraq-implementing-international-humanitarian-law (This is a general article; a more specific governmental source on the IHL Section would be ideal if available).

    IPOA (Independent Policing Oversight Authority). (n.d.). About Us. Retrieved from https://ipoa.go.ke/about-us/

    Judiciary of Kenya. (n.d.). Judges and Magistrates Vetting Board. Retrieved from https://www.judiciary.go.ke/about-us/judges-and-magistrates-vetting-board/

    Law 1448 of 2011. Por la cual se dictan medidas de atención, asistencia y reparación integral a las víctimas del conflicto armado interno y se dictan otras disposiciones [By which measures of attention, assistance and integral reparation are dictated to the victims of the internal armed conflict and other provisions are dictated]. Retrieved from https://reparations.qub.ac.uk/assets/uploads/Victims-Law-1448-2011.pdf

    Lira, E. (2018). Reparation Policies in Chile. In The Politics of Memory in Chile (pp. 209-234). Oxford Academic.

    Ministry of Education, Republic of China (Taiwan). (n.d.-b). Implementation of the National Action Program for Transitional Justice Education and promotion of educational efforts in this area. Retrieved from https://english.moe.gov.tw/cp-48-39453-990a4-1.html

    Parliament of South Africa. (2025, May 20). Media Statement: Justice Committee Cautiously Optimistic About TRC Prosecutions Progress. Retrieved from https://www.parliament.gov.za/press-releases/media-statement-justice-committee-cautiously-optimistic-about-trc-prosecutions-progress

    Republic of China (Taiwan) Government Portal. (n.d.). Agencies. Retrieved from https://www.taiwan.gov.tw/gov/organ_en.php (This provides an overview of government structure; more specific info on a “Transitional Justice Board” might be needed if it’s a distinct entity post-TJC).

    Taipei Times. (2020, May 22). Schools to include lessons on state-inflicted violence. Retrieved from https://www.taipeitimes.com/News/taiwan/archives/2020/05/22/2003736853

    Taipei Times. (2022, May 31). Transitional Justice Commission disbands, tasks passed to government agencies. Retrieved from https://www.taipeitimes.com/News/taiwan/archives/2022/05/31/2003779373

    Taipei Times. (2023, July 16). Civil servants to take transitional justice courses. Retrieved from https://www.taipeitimes.com/News/front/archives/2023/07/16/2003803247

الجدول 2: التسلسل الزمني للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا (NCTJ)

13 آذار/مارس 2025

صدر الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية، ونصت المادة 49 منه، بعنوان هيئة العدالة الانتقالية على ما يأتي:

تُنشأ هيئة للعدالة الانتقالية، وتعتمد آليات فعالة وتشاورية تتمحور حول الضحايا، لتحديد آليات المساءلة والمحاسبة والحق في معرفة الحقيقة وإنصاف الضحايا والناجين، وتكريم الشهداء.

17 أيار/مايو 2025

أنشأ المرسوم الرئاسي رقم 20 رسميًا الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا.

كما نصّ المرسوم على:

    تعيين رئيس الهيئة.

    تحديد مهلة 30 يومًا لتشكيل فريق عمل وصياغة نظامها الداخلي.

23 أيار/مايو 2025

وأوجز عبد الباسط عبد اللطيف، الرئيس المعين للجنة، مهامها الرسمية على النحو الآتي:

    الكشف عن حقيقة الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها النظام السابق.

    محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.

    إنصاف الضحايا.

    إرساء مبادئ عدم التكرار وتعزيز المصالحة الوطنية.

وذكر عبد اللطيف عزمه تشكيل فريق عمل خلال مهلة الثلاثين يوماً، يضم ممثلين عن الضحايا وخبراء قانونيين وحقوقيين ومتخصصين في مجال حقوق الإنسان واختصاصيين في الطب الشرعي، وممثلين عن منظمات المجتمع المدني. ويشمل الهيكل التشغيلي المخطط له أيضًا:

    طلب المساعدة من مجلس استشاري يمثل الضحايا ويرافق عمل اللجنة في جميع المراحل، ومن ضمنها صياغة نظامها الداخلي.

    اعتماد خارطة طريق عملية وواضحة ومرحلية مبنية على أسس واقعية تراعي السياق السوري الفريد.

    خطة وطنية للتوعية بمفهوم العدالة الانتقالية.

     منصة إلكترونية لتلقي الشكاوى.

     آليات للتواصل مع المجتمع المحلي.

     إصدار تقارير دورية ذات مصداقية توثق إنجازاتها.

31 تموز/يوليو 2025

قدم رئيس هيئة العدالة الانتقالية تحديثاً للمعلومات، مؤكداً أن الهيئة لا تزال في طور التشكيل وتستعد لإطلاق عملها رسمياً.

13 آب/أغسطس 2025

نشرت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية تقريرًا موجزًا عن مرحلة التأسيس، مسلطًا الضوء على التحديات ومقترحًا توصيات استراتيجية.

ومن التحديات الرئيسية التي حددها التقرير صعوبة التعامل مع المؤسسات الحكومية. وأصدرت الهيئة توصية بإنشاء آليات تنسيق واضحة بين هيئة العدالة الانتقالية والوزارات والمؤسسات الحكومية ذات الصلة.

كما أكد التقرير أهمية التعلم من تجارب الدول الأخرى. 30 من الجدير بالذكر، أن التقرير أوضح أيضاً العبارة الغامضة في المرسوم المنشئ للهيئة، من “كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي تسبب فيها النظام البائد”، والتي فهمت على نطاق واسع أنها “تركز حصريا على انتهاكات النظام السابق”، إلى “كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال حكم النظام البائد”.

Endnotes ↑1 OHCHR, About Transitional Justice and Human Rights, n.d.,  https://www.ohchr.org/en/transitional-justice/about-transitional-justice-and-human-rights

↑2       UN Security Council Report, United Nations Approach to Transitional Justice, n.d.,  https://www.securitycouncilreport.org/atf/cf/%7B65BFCF9B-6D27-4E9C-8CD3-CF6E4FF96FF9%7D/TJ_Guidance_Note_March_2010FINAL.pdf

↑3       المرجع نفسه.

↑4       International Center for Transitional Justice, How Context Shapes Transitional Justice in Fractured Societies, 2017,  https://syriaaccountability.org/content/images/wordpress/ICTJ_Book_JusticeMosaics_2017.pdf

↑5       Naomi Roht-Arriaza and Javier Mariezcurrena, eds., Transitional Justice in the Twenty-First Century: Beyond Truth versus Justice, Cambridge University Press, 2006.

↑6       Amanda Cats-Baril, “Moving Beyond Transitions to Transformation: Interactions between Transitional Justice and Constitution-Building”, International IDEA Policy Paper No. 22, International IDEA, 2019.

↑7       De Greiff, Pablo, Duthie, Roger, “Transitional Justice and Development: Making Connections”, Social Science Research Council, June 2009.

↑8       OHCHR, Transitional Justice and Economic, Social and Cultural Rights, United Nations, 2014,  https://www.ohchr.org/sites/default/files/Documents/Publications/HR-PUB-13-05.pdf

↑9       David A. Crocker, “Reckoning with Past Wrongs: A Normative Framework”, Ethics & International Affairs 13 (1999), pp. 43-64, doi:10.1111/j.1747-7093.1999.tb00326.x

↑10     OHCHR, Rule-of-Law Tools for Post-Conflict States: Reparations Programmes, n.d.,  https://www.ohchr.org/sites/default/files/Documents/Publications/ReparationsProgrammes.pdf

↑11     Elizabeth Lira, “Reparation Policies in Chile”, in The Politics of Memory in Chile, Oxford University Press, 2018, pp. 209-234,  https://academic.oup.com/book/26106/chapter-abstract/194098865?redirectedFrom=fulltext

↑12     Law 1448 of 2011, Victims and Land Restitution Law, (By which measures of attention, assistance and integral reparation are dictated to the victims of the internal armed conflict and other provisions are dictated)  https://reparations.qub.ac.uk/assets/uploads/Victims-Law-1448-2011.pdf

↑13     Amnesty International, Colombia: The Victims and Land Restitution Law: An Amnesty International Analysis, AMR 23/018/2012, 2012,  https://www.amnesty.org/ar/wp-content/uploads/2021/06/amr230182012en.pdf

↑14     المرجع نفسه.

↑15     المرجع نفسه.

↑16     Law 1448 of 2011, Victims and Land Restitution Law, By which measures of attention, assistance and integral reparation are dictated to the victims of the internal armed conflict and other provisions are dictated  https://reparations.qub.ac.uk/assets/uploads/Victims-Law-1448-2011.pdf

↑17     Department of Justice and Constitutional Development (South Africa), Truth and Reconciliation Commission, n.d.,  https://www.justice.gov.za/trc//

↑18     Parliament of South Africa, “Media Statement: Justice Committee Cautiously Optimistic About TRC Prosecutions Progress”, 20 May 2025,  https://www.parliament.gov.za/press-releases/media-statement-justice-committee-cautiously-optimistic-about-trc-prosecutions-progress

↑19     Taipei Times, “Civil Servants to Take Transitional Justice Courses”, 16 July 2023,  https://www.taipeitimes.com/News/front/archives/2023/07/16/2003803247

↑20     Ministry of Education, Republic of China (Taiwan), Implementation of the National Action Program for Transitional Justice Education and Promotion of Educational Efforts in This Area, n.d.,  https://english.moe.gov.tw/cp-48-39453-990a4-1.html

↑21     المرجع نفسه.

↑22     US Department of State, Transitional Justice Overview, n.d.,  https://2009-2017.state.gov/j/gcj/transitional/257566.htm

↑23     US Department of State, Lustration and Vetting, n.d.,  https://2009-2017.state.gov/j/gcj/transitional/257569.htm

↑24     OHCHR, Rule-of-Law Tools for Post-Conflict States: Reparations Programmes, n.d.,  https://www.ohchr.org/sites/default/files/Documents/Publications/ReparationsProgrammes.pdf

↑25     United States Institute of Peace (USIP), Transitional Justice: Information Handbook, n.d.,  https://www.usip.org/sites/default/files/ROL/Transitional_justice_final.pdf

↑26     “A Framework for Assessing Political Willing in Transitional Justice Contexts”, n.d., متاح على https://www.researchgate.net/publication/331185315_A_framework_for_assessing_political_will_in_transitional_justice_contexts

↑27     Cynthia Horne, “Transitional Justice: Vetting and Lustration”, 2017, doi:10.4337/9781781955314.00030.

↑28     UNESCO, Recommendation on Education for Peace, Human Rights and Sustainable Development, 2023,  https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000391686_eng/PDF/391686eng.pdf.multi.page=3

↑29     UN Secretary-General, Guidance Note of the Secretary-General: United Nations Approach to Transitional Justice, n.d

↑30     المصدر نفسه.

تعبّر وجهات النظر المذكورة في هذه الورقة عن آراء كاتبها ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر مبادرة الإصلاح العربي، أو فريق عملها، أو أعضاء مجلسها.

مبادرة الاصلاح العربي،

——————————-

========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى