بين الواقع والحلم.. إعادة بناء الدولة في سوريا/ أحمد عيشة

2025.09.30
بعد أكثر من 60 عاماً من هيمنة النظم الدكتاتورية (منها 54 عاماً في ظل السلالة الأسدية) وحوالي 14 عاماً من أبشع الحروب التي شنّها نظام على سكان البلاد، ناهيك عن الاقتتال المرافق بين الفصائل، تواجه الإدارة الجديدة تحديات هائلة: الانتقال السياسي، والمصالحة الاجتماعية، والعدالة الانتقالية، والتحول الاقتصادي، وعودة اللاجئين والمهجرين وإعادة الإعمار الشاملة، وقضايا أمنية شائكة.
لكن يبقى السؤال الأساسي أبعد من ذلك، وهو كيف يمكن إعادة بناء دولة لم يعد مواطنوها يتفقون على تعريفها ولا على طبيعة سلطتها ولا على معنى الانتماء إليها، في وقت ما تزال تتصارع دول عدة على مصالحها في سوريا، خاصة إسرائيل، التي تحتل جزءاً من أراضيها وتستبيح جوّها مستغلة ظروف هشاشة مرحلة ما بعد الأسد؟
ما نشهده خلال الشهور الماضية من أحداث وإعلانات في مناطق عدة من سوريا، حيث يصارح بعضهم بانتمائهم المتميز، وتحديداً بتعريف أنفسهم كأبناء طوائف وإثنيات أكثر من أنهم سوريين، هذا التعريف الذي يترافق مع الدعوات إلى تدخل خارجي، خاصة من إسرائيل، الذي ترتسم صورته كعدو في وجدان غالبية السوريين، ناهيك عن احتلاله اليوم لأجزاء جديدة من الأراضي السورية، وارتكابه الإبادة بحق الشعب الفلسطيني، وهو ما يسهم في تصاعد الانقسامات القائمة بين السوريين ويخلق مناخاً مناسباً لزيادة التوترات والخطابات الطائفية وزرع الشكوك والعداوات بين الطوائف والإثنيات وحتى المناطق، الأمر الذي يفرّغ العملية برمتها من معناها.
سعت الحكومة الجديدة لتبرير شرعيتها من خلال مبدأ كونها القوة التي حرّرت البلاد، وبالتالي فهي من يقرّر مصيرها في تقليد يعتمد على الشرعية “الثورية”، ورغم اعتراف رأس الإدارة، الرئيس الشرع، بالانتقال من مرحلة الثورة إلى الدولة، إلا أنّ ما يحكم عملية إعادة بناء الدولة هو ذهنية المنتصر في الثورة، بمعنى الاعتماد على الدائرة الضيقة التي شاركت بشكل مباشر وغير مباشر في عملية الخلاص من الأسد.
ولهذه العملية مخاطر كبرى يمكن استذكارها من خلال ما حلّ بتجربة الثورة الروسية ودور الكوميسار/المفوّض في مختلف الإدارات، خاصة الجيش، حيث حوّل “الكوميسار” مؤسسات الدولة إلى أدوات سيطرة حزبية أدخلت البلاد في مرحلة رعب ممنهج. كما حولتها لطرف بدل أن تكون الضامن للاستقرار والآمان.
ثمة استراتيجيات معروفة في بناء الدول أو إعادة بنائها: الاعتماد على الخارج من أجل ترتيب الداخل، والثانية ترتيب البيت الداخلي لتعزيز العلاقات مع الخارج، والواضح أن الحكومة الجديدة اعتمدت على الاستراتيجية الأولى، حيث نتيجة لوضعها الحالي والضغوط الكبيرة التي تمارس عليها مما أدخلتها في حالة من السيادة المنقوصة.
وما نشهده أن سوريا اليوم ليست دولة ذات سيادة كاملة، حيث بعد تسعة أشهر، هناك حوالي ثلث مساحة سوريا خارج نطاق سيطرتها، بل مصدر تهديد لاستقرارها، إضافة للتدخلات الأجنبية -وأهمها عربدة إسرائيل- التي تستثمر في هذا الانهيار بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، وتسيطر على جزء من القرار السوري، في حين السوريون يدفعون الثمن، وهو ما يجعل من عملية إعادة بناء الدولة أمراً في غاية الصعوبة.
اقتصادياً، ما تزال تعاني البلاد من العقوبات المفروضة سواء من الولايات المتحدة، وهي الأهم، ومن المجتمع الدولي (مجلس الأمن)، حيث تعيق بشكل واضح عمليات إعادة البناء والاستثمارات التي تدعو إليها الحكومة، والأهم من ذلك هو غياب رؤية اقتصادية حقيقية تربط بين إعادة الإعمار وبين إعادة توزيع عادل للثروة والفرص، إضافة إلى أن ما يتطلبه الاستثمار والنمو الاقتصادي هو الاستقرار، فمن دون تحسن الوضع الأمني ووضوح الرؤية السياسية المؤطرة للاقتصاد، لن يتدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إلى البلاد بالقدر اللازم لإعادة إعمار حقيقية.
والأمر المهم هو التعامل مع شبكات الفساد التي جنت ثروات هائلة إبان فترة الثورة من خلال التحايل على العقوبات وعمليات التهريب التي درّت على تلك الشبكات ثروات طائلة، في حين ما يزال يعاني غالبية السوريين من الفقر والعوز.
ويعاني السوريون أيضاً من حالة قصوى من التمزق الاجتماعي، فغير الدمار المادي الذي طال أكثر من ثلث البلاد سواء في محطات الطاقة (كهرباء ونفط ومياه) والطرق، إضافة لمنازل المواطنين، تعمّقت الشروخ بين السوريين، وزرِعت الشكوك والعداوات بين الطوائف والإثنيات والمناطق، وكان لنظام السلالة الأسدية دوراً كبيراً في تعميق هذا التمزقات وتحويلها إلى حدود من خلال الجرائم التي ارتكبها بحق السوريين والامتيازات التي قدمها لبعضهم، وهو ما يجعل من عملية المصالحة الوطنية شعاراً فارغاً ما لم يُفتح ملف العدالة الانتقالية، وما لم يُعترف بالانتهاكات والجرائم، بعيداً عن ثقافة الإفلات من العقاب، وهي شرط أساسي لإعادة بناء مؤسسات الدولة.
الخطر الأكبر أن يتحوّل “إعادة بناء الدولة” إلى مجرد عملية ترقيع للواقع القائم: بناء سلطة قوية تعتمد على الولاء أكثر من الكفاءات، وتقديم تنازلات للقوى الخارجية مقابل تدفق أموال الإعمار، ووعود هشة بالاستقرار.
لقد بدأت الحكومة الجديدة بسلسلة من العمليات سواء من حلٍ للفصائل وتشكيل الجيش الجديد وقوات الأمن حوار وطني وتشكيل حكومة وإعلان دستوري وموعد لتشكيل “مجلس الشعب”، لكن هل أدت هذه الخطوات دورها في إعادة تعريف الدولة وبنائها، أم تعيد إنتاج شكل جديد من الهيمنة، وهو ما يعيد طرح السؤال: هل هناك إرادة سورية، سياسية وشعبية، لإعادة تعريف الدولة على أسس المواطنة والعدالة والشفافية والمشاركة الأوسع، أم ستبقى البلاد تدور في دورة لا طائل منها؟
يستحق السوريون مستقبلاً أفضل، ولن يكون ممكناً، إلّا إذا استطاعت سوريا حكومة وقوى سياسية فعالة أن تخلق واقعاً سياسياً يجسر الفجوات بين السوريين، ويوفر البيئة لمشاركة أوسع من عموم السوريين في إعادة بناء بلدهم، بما يجعلهم أصحاب قرار في صنع مستقبلهم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، الشفافية في عمليات المحاسبة لمجرمي النظام وكل من ارتكب انتهاكات بحق السوريين منعاً لتكرارها، وأخيراً بناء الثقة مع المجتمع الدولي بناء على مصالح سوريا ضمن الإمكانات المتاحة آخذين بالحسبان الظروف التي تعيشها البلاد وما تفرضه عليها الضرورات.
الوقت ليس في صالح البلاد، فكلما طال أمد الوضع من دون تقدم وتحسين في ظروف المعيشة المادية والمعنوية، زاد احتمال استمرار التوتر وخلق مشاكل جديدة، وهو ما يقوض حلم السوريين في بناء حياة أفضل، وهم يستحقونها.
من حقنا أن نختلف وأن نتحاور، لكن لا مكان لنا سوى سوريا، وعلينا أن نسهم في إعادة بنائها، وكما يقول محمود درويش: “لنا هدف واحد واحد: أن نكون، ومن بعده نحن مختلفون على كل شيء”.
تلفزيون سوريا



