عن ورشة “المركز العربي” في دمشق: كيف يُكتب تاريخ سورية؟ -مقالات مختارة- تحديث 28 كانون الثاني 2026

تحديث 28 كانون الثاني 2026
——————————–
ورشة نقاشية … كتابة التاريخ السوري بالفعل المبني للمجهول
العربي الجديد
20 يناير 2026
أقام المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة في دمشق يومي 10 و11 يناير/ كانون الثاني الجاري ورشة عمل علمية في دمشق بعنوان: “كيف يُكتب تاريخ سورية؟ إشكاليات التاريخ ومنهجيات إعادة القراءة”.
اختار المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة صيغة الفعل المبني للمجهول عنواناً لورشة كتابة تاريخ سورية، منبّهاً عبر هذه الصيغة إلى أن التاريخ يمكن أن يكتبه من يشاء، وأن الأمر ليس بيد السوريين وحدهم، ما لم يقرّروا فعل ذلك. لكنّ عناوين جلساته التي توزعت على يومين، ركّزت على كل ما يجعل كتابة هذا التاريخ فعلاً معلوماً، وبيد السوريين أنفسهم، فخاضت جلسات المؤتمر بمصادر الأرشيف السوري، ودور الذاكرة الوطنية، والمذكرات الشخصية، وسواها من عناصر بناء سردية وطنية جامعة. فعلى مدى يومين، أقام المركز ورشة عمل في دمشق بعنوان: “كيف يُكتب تاريخ سورية؟ إشكاليات التاريخ ومنهجيات إعادة القراءة”.
بدأت بجلسة لشيخ المؤرّخين السوريين محمد حرب فرزات (صادف يوم افتتاح الورشة ذكرى مولده الرابعة والتسعين، والتي قضى منها 75 عاماً في دراسة التاريخ وتدريسه). وكان درسه هذا حول علاقة الذاكرة الجمعية بالسردية الوطنية، وتأثير الذاكرة على كتابة التاريخ. فرزات تحدّث من موقع الأستاذ والمؤرخ، وكذلك من موقع الشاهد، فهو من عاصر بدايات تأسيس قسم التاريخ في الجامعة، وشهد المحاولات التأسيسية لعلم التاريخ في سورية المعاصرة، فقدّم مسحاً تحليلياً شاملاً للكتابات التاريخية السورية الحديثة. وركزت ورقة خلود الزغير وسمير العبد الله على المرحلة العثمانية وما بعدها، حيث تعدّ هذه الحقبة مرحلة تشكّل الهوية السياسية السورية، ومصادرها من أهم أدوات فهم التشكّل، وصراع السرديات المتصادمة.
واختار محمد موفق أرناؤوط حافة تلك الحقبة أيضاً موضوعاً لجلسة بعنوان: قراءة نقدية في تجربة الحكومة العربية في دمشق، أوضح فيها مشكلة التداخل بين التاريخ والأدلجة، وتقييم التجربة، وتشريح مصادر تأريخها. وعرض لما قدّمته تلك المرحلة المبكرة على صعيد تأسيس مؤسسات حديثة، كالمجمع العلمي العربي ونواة الجامعة السورية. وحتى الدستور الذي كان سابقاً لزمنه، وقدّم نظام حكم مدني ولا مركزي. وأجرى مقارنة مع الحقب اللاحقة التي قضت فيها الأيديولوجيا على روح تلك الحقبة التي كانت محاولة تأسيسية لدولة وطنية حديثة.
في جلسة حول تاريخ الدستور السوري، قدّم إبراهيم دراجي عرضاً لما هو مفقود، أكثر مما هو موجود، مبيّناً واحدة من أزمات الذاكرة السورية، إذ يكشف غياب الوثائق والسجلات والمحاضر المتعلقة بكتابة كل الدساتير السورية، منذ أول دستور للدولة الناشئة في 1920، وحتى الإعلان الدستوري 2025. وفي رأي درّاجي، لا تقلّ محاضر اللجان، والمداولات المتعلقة بكتابة الدستور أهمية عن الشكل النهائي الذي خرج به الدستور، لأنها توضح خريطة القوى السياسية، وظروف المرحلة اجتماعياً وسياسياً، وتغييبها ليس بالضرورة إهمالاً أو تقصيراً من السلطات في تلك المراحل المتعاقبة، بل غالباً هو فعل مقصود لإخفاء تاريخ المرحلة. وركزت ورقة جمال باروت على المذكرات الشخصية مصدراً لكتابة التاريخ السوري الحديث، وقيمة المذكرات مقارنة بالوثائق الرسمية، وأهميتها لفهم السياق الاجتماعي والسياسي، وفصّل مشكلة التحيز في كتابة المذكرات، ومهارة غربلتها. مبيناً الأهمية التي تحتلها المذكرات الشخصية، على علّاتها، بسبب غياب المصادر القياسية للتاريخ. واعتبر أن بعض المذكرات الشخصية نافست المؤرخ في غنى مادتها، مع الإقرار بأن المذكرات ليست تاريخاً بالمعنى الدقيق، وعدّ المذكرات مصدراً لا غنى عنه لفهم التاريخ الاجتماعي والسياسي، والذاكرة الوطنية.
قدّم سامي مبيض نقداً لمناهج التأريخ السوري في القرن العشرين، ومشكلة تضارب السرديات الرسمية والمعارضة.
وفي جلسة مخصصة للأرشيف السوري بوصفه مصدراً أساسياً في كتابة التاريخ الحديث، أثار عمّار السمر قضية إشكالية، ونبّه إلى فداحة الواقع في هذا السياق، إذ قدّم عرضاً مخيفاً لواقع الأرشيف السوري، والإهمال الذي تعرّض له، في ظل عدم وجود مؤسسة وطنية معنية بالأرشيف كما في كل دول العالم. وعرض للمراحل الأولى لمحاولة تأسيس أرشيف وطني من خلال إحداث مركز الوثائق التاريخية في عام 1959، ثم استمرارها مؤسسة هامشية منزوعة الصلاحيات، محدودة الإمكانات، وصولاً إلى إغلاقه تماماً في 2023. لتصبح سورية الدولة الوحيدة في العالم التي لا تملك أي أرشيف وطني. وهذا الضعف انعكس بشكل مباشر على الإنتاج المعرفي عن التاريخ السوري، واقتصار الدراسات على الأرشيفين العثماني والفرنسي. ومن بين ظلال المشهد القاتم للأرشيف الوطني السوري، بشّر السمر بأن الإمكانية حالياً متاحة وواسعة لبناء أرشيف وطني حقيقي، بسبب خصوصية المرحلة، وإمكانية فتح أرشيفات ومصادر ظلت مغلقة لعقود طويلة، وصارت الآن متاحة ويمكن البناء عليها لإعادة كتابة تاريخ تلك الحقبة المظلمة، وأن الضرورة الوطنية تقتضي بناء أرشيف وطني مفتوح على أسس علمية عصرية، وجمع الوثائق المتناثرة للحقبة السابقة.
وخُصصت جلستان لفلسطين والجولان قدمهما عبد الرحمن البيطار وتيسير خلف، الذي بيّن إشكالات التأريخ الرسمي للجولان والحاجة لإعادة قراءة المصادر. وعُرضت التحولات البنيوية التي طرأت على إنتاج المعرفة التاريخية، وانزياح كتابة التاريخ من الحقل الأكاديمي إلى سياقات وظيفية تخدم الأيديولوجيا الرسمية. وفي ملف الجولان بيّن انتقال السردية من التوصيف الجغرافي البشري قبل 1967 إلى تاريخ عسكري اختزل الأرض في “مسرح عمليات” وخرائط صمّاء، وصولاً إلى سردية سيادية رمزية بعد عام 1974 جعلت من تحرير القنيطرة مركزاً للذاكرة الوطنية على حساب المأساة الإنسانية للمجتمع الجولاني المتنوع والحيوي. وقدّم أيضاً نقداً منهجياً لطريقة عرض فلسطين والجولان في المناهج المدرسية، وهو الموضوع الذي أثار نقاشاً واسعاً خلال جلسات الورشة، إذ كانت سمر بهلوان المشاركة في تأليف المناهج موجودة في الورشة، فقدّمت شرحاً لآليات إعداد المناهج، والضغوط التي كانت تتعرض لها لجان المناهج من ضغوط السلطة، وتدخلها حتى في مسائل علمية ومعرفية، لخدمة أيديولوجيا النظام البائد، وكان دفاع بهلوان مزيجاً من إبراء الذمة والاعتراف بالمشكلة، وفتح الباب أمام إعادة كتابة التاريخ في المناهج المدرسية والجامعية على أسس علمية ووطنية.
وقدّم محمد حسام الحافظ قراءة في التاريخ السياسي السوري بعد 2011 ومشكلات توثيق الحقبة الراهنة، وأكمل أحمد أبا زيد بعرض لمنهجية التوثيق في مشروع الذاكرة السورية. وتحدّث حسان القالش عن إشكالات تأريخ التنوع السوري وتحديات كتابة تاريخ اجتماعي موضوعي في ظل الهويات المتعددة في سورية. منطلقاً من أن مسألة التنوع الاجتماعي الثقافي السوري أساسية في إشكالات التأريخ السوري الحديث، فلم يعترف المؤرخ السوري بواقع التنوع الوطني إلا بصورة عمومية، وأهمل اعتبار العروبة إطاراً حضارياً جامعاً لهذا التنوع، على حساب التزامه بنزعة أيديولوجية قومية مركزية تريد صهر جميع المكونات لا التمازج معها. وأوضح أثر ذلك في موجة التطييف الحادة المنتشرة في السنوات الأخيرة والمستمرّة، والتي تهدد اليوم أول أساس لبنيان الدولة الحديثة، وضرورة إعادة التفكير في طريقة كتابة التاريخ السوري على أساس المواطنة بحقوقها المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية.
لم تكتف الورشة بالسرد السياسي التقليدي، بل دخلت إلى مناطق تتعلق بالأساسات مثل المصادر والأرشيف، وتميزت بحضور أكاديمي نوعي، غاب عنه الباحثون الشباب، والمتخصّصون في التاريخ الاجتماعي والأنثروبولوجيا، وغفلت عن الأدب والتراث الشعبي مصدراً من مصادر التأريخ. وتميزت الورشة بطرح إشكاليات حساسة، ضمن هدفها العام لبناء سردية تاريخية موضوعية وموثوق بها، بعيدة عن الانحيازات السياسية والأيديولوجية، إذ ناقشت جلساتها التداخل بين التاريخ والأدلجة، وشحّ المصادر بسبب طبيعة النظام السياسي، ومشكلات الوصول إلى الأرشيف، وغياب الشفافية في كتابة التاريخ الرسمي، وهي موضوعات عادة ما تتجنب المؤسسات الرسمية الخوض فيها.
العربي الجديد
—————————
“المركز العربي” في ورشة كتابة التاريخ: أسئلة سوريا الكبرى/ رائف مرعي
الأحد 2026/01/18
في تناغم منشود لجهد جماعي مشهود داخل عمل مشترك للمركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، اختُتمت في العاصمة دمشق، أعمال ورشة “كيف يُكتب تاريخ سورية: إشكاليات التاريخ ومنهجيات إعادة القراءة”. فعلى مدى يومين، بمشاركة نخبة من الباحثين والمؤرخين السوريين، تـم العمل من أجل استملاك جماعي لقضية جوهرية، مفادها أن الإشكال لا يكمن فقط في ما كُتب عن تاريخ سوريا، بل في كيف كُتب، وبأي مناهج، وتحت أي شروط معرفية وسياسية وثقافية، وأيضا غياب نقاش منهجي نقدي حول كيف كُتب هذا التاريخ، ومن أي زاوية، وبأية أدوات معرفية.
في اطار الإجابة على سؤال “المدن” حول دوافع إطلاق هذه الورشة، قال الدكتور ابراهيم دراجي مدير المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة: “بوصفنا مركزاً بحثياً، لاحظنا أن السرديات التاريخية السائدة تميل إلى التعامل مع التاريخ السوري الحديث إما بوصفه سرداً خطياً للأحداث، أو بوصفه مادة مؤدلجة تخضع لمنطق التبرير أو الإدانة مع غياب كافٍ للاشتغال الإيستوريوغرافي النقدي الذي يفكك أدوات الكتابة نفسها، وحدودها، وصمتها، وانحيازاتها”. مضيفا، “الدافع البحثي الأعمق كان الشعور بوجود فجوة حقيقية بين غنى التجربة التاريخية السورية وتعقيدها من جهة، وبين ضيق الأطر المنهجية التي كُتبت ضمنها من جهة أخرى”.
من جهته، رئيس مجلس الأمناء للمركز العربي لدراسات سورية المعاصرة الدكتور حسام الحافظ قال لـ”المدن”، إنه ثمة مبررات تأريخية لولادة هذه الورشة “تتمثل في أن سوريا تمر اليوم بلحظة مفصلية تتقاطع فيها الذاكرة الحية مع إعادة تشكل الدولة والمجتمع، وهي لحظة نادرة تاريخياً تفرض التفكير في التاريخ لا بوصفه أرشيفاً مغلقاً او مجموعة من الحكايات، بل كحقل صراع معرفي حول المعنى والتأويل والشرعية”.
ولفت الحافظ الى أن اختيار دمشق تحديداً “يحمل دلالة رمزية ومعرفية وزمانية، باعتبارها مركزاً متجدداً لإنتاج السرديات الرسمية وغير الرسمية وأنها اليوم تحظى بمقدار من حرية النقاش وبالتالي فإن فتح الحوار من داخلها حول كتابة التاريخ يمثل فعلاً نقدياً بحد ذاته”.
وشهدت الورشة نقاشات تناظرية، تناوب على المشاركة فيها باحثين ومؤرخين، من مشارب وتجارب راكمت رصيداً معرفياً ومنهجياً، وكذلك أكاديمياً معتبراً.
وهذا المنطلق، أكد عليه الدكتور دراجي بوصف الورشة “اعترافاً بقيمة ما أنجزه كبار مؤرخي سورية الذين أدّوا، على امتداد عقود، مهام علمية جليلة في توثيق تاريخ البلاد، في ظروف أكاديمية وسياسية بالغة الصعوبة. حرص المركز، على الاستعانة بهؤلاء الباحثين المخضرمين، لا بوصفهم مرجعيات مكتملة، بل شركاء أساسيين في نقاش نقدي مسؤول حول الكتابة التاريخية وحدودها”. و”إيماناً منا بأن إعادة قراءة التاريخ السوري لا يمكن أن تكون فعل جيل واحد، فالجمع بين الخبرة المتراكمة والرؤية النقدية الجديدة لم يكن خياراً تنظيمياً، بل خياراً منهجياً، يهدف إلى خلق تواصل معرفي حيّ بين أجيال الباحثين، وتوسيع أفق الأسئلة المطروحة”.
قضايا الأرشيف
وفيما شهد اليوم الأول من الورشة، سلسلة جلسات تناولت العلاقة بين التاريخ والذاكرة الوطنية السورية، تركزت جلسات اليوم الثاني على قضايا الأرشيف والسرديات التاريخية، وجميعها مخصصة للبحث في كيف كُتب التاريخ السوري، وكيف يمكن أن يُكتب اليوم، وسبل بناء سردية وطنية موضوعية، بعيدة عن الانحيازات السياسية والأيديولوجية.
تحدث الدكتور حسام الحافظ لـ”المدن”، عن أن العتبة البحثية التي انطلقت منها الورشة ” تقوم على التشكيك في المسلمات السردية التي استقرت خلال سنوات الصراع، سواء تلك التي صاغتها السلطة أو التي تبنتها قوى معارضة أو أطراف دولية. فالعنوان لا يفترض وجود تاريخ واحد جاهز للكتابة، بل يفتح السؤال حول شروط إمكان الكتابة ذاتها: من يكتب؟ ولماذا؟ وبأي منطق زمني؟ وبأي علاقة بين الحدث والذاكرة والوثيقة؟
كما تقوم هذه العتبة على الانتقال من تاريخ الأحداث إلى تاريخ المعاني، أي من تسجيل الوقائع إلى تفكيك أنماط التفسير، ومن السرد الخطي إلى قراءة التقطعات والانقطاعات، ومن البحث عن نهاية القصة إلى فهم تعدد المسارات التي لم تكتمل. بهذا المعنى، فإن الورشة تؤسس لمقاربة ابستمولوجية قبل أن تكون مشروعاً توثيقياً”.
المؤرخ سامي المبيض قال لـ”المدن”: إنه “من الضروري جدا معرفة الاخطاء التي أوصلتنا إلى انقلاب البعث عام 1963. تلك المرحلة لم يتم التعامل معها بحياد، فهناك من حملها لدرجة أسطورية، ومن حقرها من البعثيين وغيرهم، سواء عن جهل أو سابق اصرار وتصميم”. وأن “مرحلة البعث لم تدرس من قبل المؤرخين بشكل جيد بعد، اما بسبب الخوف او قلة الوثائق. هذه الحقب لا علاقة لها بتاريخ اليوم، الذي يكتب الآن”.
الدكتور دراجي، نبه إلى أنه “ثمة تحولات كبرى شهدتها سوريا، أثرت بعمق في شروط إنتاج المعرفة التاريخية، لتأتي هذه الورشة محاولة واعية لتسمية هذه الشروط”.
موضحا لـ”المدن” أنه “كان من الضروري إدماج قضايا، مثل التاريخ الدستوري، وتاريخ المفاوضات، إضافة إلى سؤال الذاكرة السورية وتوثيق أحداث الثورة بوصفها جزءاً من التاريخ الوطني لا مجرد مادة شهاداتية. كما حرصنا على إعادة الاعتبار لقضايا فلسطين والجولان في التاريخ السوري، لا باعتبارها ملفات خارجية، بل بوصفها مكوّناً بنيوياً في تشكّل الوعي الوطني”. مع ملاحظة “طرح مسألة الأرشيف السوري بوصفها مسألة مركزية، وبضرورة التفكير الجاد في سياسات الحفظ، والإتاحة، والتوثيق، قبل ضياع مزيد من المواد أو إخضاعها لانتقائية جديدة”.
ليختم دراجي في هذا السياق بالقول: “الورشة ذات طابع شبه تأسيسي، ليس لأنها تدّعي وضع منهج رسمي لكتابة تاريخ سوريا، بل لأنها تفتح نقاشاً علمياً مؤجّلاً حول الأسئلة الكبرى. وهذا الإطار العام هو ما حاولنا بلورته في الورقة الخلفية للورشة، وهو ما شكّل الأساس الفكري لإطلاقها بوصفها مساحة حوار علمي مفتوح ومسؤول”.
ومع تعددية مقاربات الفهم التاريخي للحدث السوري، وكذلك الاتجاهات المؤسِّسة في الكتابة التاريخية وميدانها من الوجهة المعرفية، ودورها في تسجيل حضور المؤرخ، وخصوصا لجهة منهجية إعادة قراءة تاريخ سوريا وكتابته، فيما لايزال الحدث السوري يعتبر آنيا، ومتزامن.
تحدث لـ”المدن” منسق منصة الذاكرة السورية، الباحث أحمد أبازيد عن مشروع الذاكرة السورية، الذي أطلقه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بوصفه تجربة في التأريخ الراهن والمتزامن لحدث آنيّ أو قريب، قائلا: “الذاكرة السورية كانت أضخم”.
من جهته أوضح الدكتور حسام، أن “التاريخ الآني لا يسمح بالحسم، لكنه يسمح بالتحليل، وبكشف آليات إنتاج السرديات أثناء تشكلها. المنهجية الممكنة هنا ليست منهجية إغلاق، بل منهجية تعليق الأحكام، والتمييز بين ما هو توصيفي وما هو تبريري، وبين الذاكرة بوصفها مادة خام، والتاريخ بوصفه بناءً نقدياً”. لافتا الى أن “الكتابة في وقت التزامن تفرض أدوات خاصة: تعدد المصادر، المقارنة بين السرديات، تفكيك اللغة السياسية، والوعي بخطر الغائية التاريخية التي تعيد قراءة الماضي بوصفه طريقًا حتميًا إلى الحاضر. بهذا المعنى، نحن لا نكتب التاريخ النهائي، بل نؤسس لشروط كتابة تاريخ مستقبلي أكثر اتزانًا”.
ومع اقرار الدكتور دراجي بمشروعية الاستفسار والاستفهام، عن ضرورة اكتمال الحدث كشرط للكتابة التاريخية عنه، الا أنه طرح وجهة نظر مطابقة لما قدمه الدكتور حسام، شارحاً لـ”المدن”، أن “الإشكال الحقيقي ليس في آنية الحدث، بل في الخلط بين التوثيق والتحليل الأولي من جهة، وإصدار الأحكام النهائية وبناء السرديات المغلقة من جهة أخرى”. وأضاف دراجي “من موقعنا، كمدير للمركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، نرى أن تأجيل التفكير التاريخي بحجة آنية الحدث يحمل خطراً لا يقل عن خطر التسرع: خطر ترك المجال للسرديات الشعبوية، أو السياسية، أو الإعلامية، لتملأ الفراغ وتفرض نفسها كبديل عن المعرفة المنهجية. التاريخ لا يُكتب فقط بعد انتهاء الصراعات، بل كثيراً ما يُشوَّه في غياب المؤرخين أثناء حدوثها”.
شهدت الورشة حالة من التحفيز على وضع تاريخ الذات في المرآة، وهو ما تمحورت حوله أوراق بحثية عدة، قدمت على سبيل توسيع دائرة الفهم التاريخي للمسألة السورية، وتكبير المنظور التاريخي لها.
الباحث أبازيد، ذكر أن الورقة التي قدمها “ركزت على عرض الموادّ التي تتضمنها منصة الذاكرة السورية، ومنهجية التوثيق والتحقق والكتابة فيها، بهدف أن تكون مرجعية موثوقة للباحثين والمهتمين وللسوريين على عمومهم. وشرحت الورقة. لتحديات المنهجية التي تواجه توثيق الثورة السورية، وأهمية منصة الذاكرة السورية للباحثين والمؤرخين اليوم”.
من جهته تحدث الدكتور حسام لـ”المدن” عن الاتجاه المعرفي للورقة التي شارك فيها، وقد “تناولت إشكالية العلاقة بين التفاوض السياسي وكتابة التاريخ السوري، باعتبار التفاوض ليس مجرد حدثاً سياسياً عابراً، بل ممارسة تاريخية تنتج سرديات، وتعيد تعريف الفاعلين، وتحدد ما يُحفظ في الذاكرة وما يُهمّش. حيث انطلقت الورقة من تحليل مسارات التفاوض السوري المختلفة بوصفها لحظات إعادة صياغة للشرعية وليس فقط محاولات لحل النزاع.
مضيفا “السياق البحثي للورقة كان نقد المنطق الذي اختزل السياسة السورية في سردية العنف أو الانهيار، متجاهلاً استمرارية الفعل التفاوضي بوصفه تعبيراً عن وعي الدولة والمجتمع بالسيادة وبحدود القوة. الهدف لم يكن إعادة سرد الوقائع، بل تفكيك دلالاتها التاريخية”.
لا غرو، أن أهمية المنهج والتناهج في موضوع هذه الورشة، شرط لازم ضروري، حوله وعنه، لفت الدكتور دراجي الى “أن المنهجية التي نطمح إليها، ليست منهجية تصفية حساب مع الماضي، بل منهجية تحرير الوعي التاريخي من الوصاية. تحريره من فكرة أن التاريخ إمّا مجيد بالكامل أو مدان بالكامل. هذا النوع من الوعي وحده يمكن أن يكون تأسيسياً، لأنه يسمح ببناء حاضر لا يخاف من ماضيه، ومستقبل لا يقوم على الإنكار.
ومن دون هذا التوازن، يتحول التاريخ من مورد معرفي إلى عبء سياسي. ومن دون هذا التمييز، تصبح كتابة التاريخ جزءاً من الصراع، لا أداة لفهمه وتجاوزه”.
مضيفا “تاريخ سورية، حتى في أكثر مراحله قسوة، لم يكن تاريخ سلطة فقط، بل تاريخ مجتمع، ومؤسسات، وأفكار، ونضالات، وتجارب فشل ونجاح متراكبة. أي كتابة تُلغي هذا التعقيد لصالح سردية بداية جديدة مطلقة تخاطر بإفقار الحاضر بدل تأسيسه”.
مع ضخامة العنوان الذي حملته هذه الورشة، وعمق الطرح النقدي القادم من صميم منظور إيستوريوغرافي، وميتا ايستوريوغرافي، لتناول تاريخ بلد جيواستراتيجي كسوريا، يتكشف لنا أهمية تحوله الى مشروع مكتمل الاركان والصياغة.
المدن
————————————
=======================
————————————-
ورشة “المركز العربي” في دمشق: كيف يُكتب تاريخ سورية؟/ أنيس المهنا
الأحد 2026/01/11
في محاولة لفهم الطبيعة المتنوعة للمجتمع السوري التي تشكل العروبة بمعناها وحدة اللغة- الثقافة- الحضارة، ركائز هويات مجتمعاتها المحلية الوطنية والمنوعة الغنية إلى طرح رؤية تاريخ وطني فاعل ومتواصل للشعب السوري خارج المحاولات والأهواء الانفصالية، الجهوية والإثنية، في إطار كل ذلك يقيم المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة على مدى يومين في دمشق ورشة بعنوان “كيف يكتب تاريخ سورية؟ إشكاليات التأريخ ومنهجيات إعادة القراءة”.
أهمية التوثيق
مدير المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، ابراهيم درّاجي، تناول في ورقته بعنوان ” التاريخ الدستوري السوري توثيق المسار وتغييبه قراءة في المصادر والمنهج”، كتابة التاريخ السوري من خلال نقدر المنهج السائد الذي اختزل هذا التاريخ في النصوص الدستورية النهائية، متجاهلا المسار الدستوري الذي أفضى إلى انتاجها، وفي لقاء خاص مع “المدن” اعتبر دراجي أن الورقة انطلقت من موقع بحثي وعملي مزدوج يجمع بين الاشتغال الأكاديمي على التاريخ الدستوري السوري والمشاركة المباشرة في مسارات دستورية معاصرة، ما أتاح معاينة الفجوة بين النصوص الدستورية من جهة والمسارات التي تنتج عبرها من جهة أخرى.
Image-1768076976
وأكد درّاجي أن أهمية التوثيق ومخاطر غيابه تبرز أهمية ما علينا فعله لأن اعادة كتابة التاريخ السوري “من زاوية المسار لا النص” تمثل مدخلا أساسيا لفهم ازمة الشرعية الدستورية ولأي تفكير جاد في “مستقبل دستوري مختلف” لسوريا.
المذكرات والسياق التاريخي
من جهته قدم الكاتب والمؤرخ السوري محمد جمال باروت ورقة بحث بعنوان “المذكرات كمصدر في كتابة التاريخ السوري الحديث”. معتبراً أن المذكرات هي من المصادر الأساسية في البحث التاريخي، بصرف النظر عن “اختلاف الاتجاهات والمنهجيات” من تاريخ الزمن الطويل إلى التاريخ الجزئي والمجهري واتجاهات التاريخ الجديد.
وقال باروت لـ”المدن”: إن تعزيز بنية النظام التسلطي السابق لسوريا سبب “شحاً كبيرا” في هذه المذكرات. وأن ورقته التي قدمها أمس تدور حول الفاعلين الاجتماعيين الذين تركوا تلك المذكرات والذين “ليسوا هم بالضرورة من الصف الأول” بل يمكن ان يكونوا ايضا من الصف الثاني أو حتى ” من الناس المغمورين”.
تدور ورقة باروت أيضا حول مشكلة “الكتابة المذكراتية” بعين المؤرخ المحترف وكيف يمكن أن ينقحها ويكتشف “تحيزاتها” والتي هي بطبيعة الحال تعتبر جزءاً أساسيا من طبيعة المذكرات، إلى “جانب المفارقات الزمنية والتاريخية” في تلك المذكرات احيانا.
ويختم باروت لـ”المدن” أن هذه المذكرات تحمل في طياتها معلومات أساسية وطبوغرافية وسياسية واجتماعية وفكرية مما لا تقوله تلك الوثائق الرسمية، لكنها ايضا “تسمح بفهم السياق التاريخي بشكل أفضل” .
وفي ذات الموضوع قدم الدكتور سامي مروان مبيّض، الكاتب والمؤرخ السوري، ورقة بعنوان “كيف كتبنا تاريخنا الحديث والمعاصر؟” في محاولة منه الإضاءة على الفجوة الكبيرة في تلك المرحلة والأخطاء التي وقعت أثناء عملية التأريخ.
لحظة مفصلية
اما د.محمد حسام حافظ، رئيس مجلس أمناء المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة والذي سيقدم ورقة بحثية اليوم فقد أكد لـ”المدن” على الإشكالية في عملية كتابة التاريخ السياسي من زاوية مهمشة، هي زاوية المفاوضات بوصفها “ممارسة سياسية مركزية” شكلت في لحظات مفصلية مسارات بديلة محتملة لإعادة تعريف الصراع ومآلاته. واعترف حافظ أن كتابة تاريخ هذه المرحلة “تعاني من اختلال بنيوي ناتج عن هيمنة سردية ما سماه “الحسم العسكري” التي أعادت ترتيب الماضي على نحو “يقصي البدائل ويختزل الصراع” في نتيجته النهائية.
وكان الدكتور محمد حرب فرزات، الكاتب والمؤرخ السوري، قد افتتح جلسات الورشة بورقة مهمة بعنوان “التاريخ والذاكرة الوطنية السورية”، وحاول فيها أن يقدّم مسحاً تحليلياً شاملاً للكتابات التاريخية السورية الحديثة والتي برزت مع نشوء تجربة الحكومة العربية بدمشق بين العامين (1918-1920) وتطورت خلال مرحلة الانتداب الفرنسي في صراع مع السردية الانتدابية الفرنسية لتحريف تاريخ سوريا، وتطورت بصورة نوعية بعد الاستقلال، وتأسيس قسم التاريخ بجامعة دمشق، حيث أرسى الأساتذة المؤسسون والمؤرخون السوريون، وفي مقدمتهم (جورج حداد. كامل عياد، توفيق برو، نور الدين حاطوم، قسطنطين زريق، نزار كيالي، علي سلطان، أمل بشور، وغيرهم)، كتابة تاريخ سورية الحديث خصوصاً وتاريخ العرب، مع التركيز على تاريخ بلاد الشام، ووحدتها الحضارية والإقليمية قبل التجزئة الاستعمارية، وزرع المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين.
أما الدكتور محمد موفق ارناؤوط، استاذ التاريخ الحديث والمعاصر في عدة جامعات أردنية، فحاول الغوص بعيداً في التاريخ مقدماً “مقاربة الحكومة العربية في دمشق بين 1918-1920”.
يستمر المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة اليوم في الجزء الثاني من الورشة حيث سيقدم عدد من الباحثين والمؤرخين رؤى مختلفة عن كيفية كتابة التاريخ السوري، وعن الأرشيف السوري كمصدر أساسي لهذا “التأريخ”، وعن حضور فلسطين والجولان في هذا التاريخ، ليختم اليوم بورقة مهمة عن توثيق الثورة والتفاوض هذه اللحظة المفصلية السورية، والتاريخية جداً.
المدن
—————————————
اختتام ورشة “كيف يُكتب تاريخ سورية” في دمشق/ نور ملحم
11 يناير 2026
اختُتمت اليوم الأحد أعمال ورشة “كيف يُكتب تاريخ سورية: إشكاليات التاريخ ومنهجيات إعادة القراءة”، التي نظمها المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة على مدى يومين في فندق الشيراتون بدمشق، بمشاركة نخبة من الباحثين والمؤرخين السوريين، في محاولة لإعادة فتح نقاش علمي معمّق حول إشكاليات كتابة التاريخ السوري الحديث والمعاصر، وسبل بناء سردية وطنية موضوعية، بعيدة عن الانحيازات السياسية والأيديولوجية.
وانطلقت الورشة من مقاربة تعتبر العروبة، بمعناها الثقافي والحضاري القائم على وحدة اللغة والثقافة، إحدى الركائز المؤسسة لهويات المجتمعات المحلية السورية المتنوعة والغنية، في مواجهة القراءات التفكيكية والانفصالية والجهوية والإثنية. وفي هذا السياق، سعت النقاشات إلى بلورة رؤية لتاريخ وطني فاعل ومتواصل للشعب السوري، يعيد الاعتبار للتعدد ضمن إطار جامع.
وأشار مدير المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، الباحث وأستاذ القانون الدولي إبراهيم دراجي، في حديثه لـ”العربي الجديد”، إلى أن الورشة تهدف إلى إعادة فتح النقاش حول القضايا التاريخية الحساسة في سورية بمنهج علمي وموضوعي، بعيداً عن الأحكام المسبقة والانحيازات.
وأوضح أن أهمية الورشة تكمن في مضمونها وتوقيتها معاً، خصوصاً في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها سورية، ما يستدعي قراءة نقدية للمصادر التاريخية المتعددة، بما فيها المحاضر والنصوص الدستورية منذ دستور عام 1920 وحتى دستور 1973، لفهم مسار تشكّل الدولة السورية وخياراتها المختلفة. وأضاف دراجي أن الهدف لا يقتصر على إعادة قراءة الماضي، بل على وضع أسس وطنية سليمة لبناء المستقبل، قائمة على التشاركية واحترام التعدد، مع الاستفادة من تجارب دول أخرى في التعامل مع التاريخ والذاكرة، بما يعزز المؤسسات الوطنية ويحفظ الحقوق.
وفي هذا الإطار، قال الكاتب والمؤرخ محمد جمال باروت لـ”العربي الجديد” إن “المذكرات تُعد من المصادر الأساسية في كتابة التاريخ السوري الحديث، على اختلاف الاتجاهات والمنهجيات، من تاريخ الزمن الطويل إلى التاريخ الجزئي والمجهري واتجاهات التاريخ الجديد. واعتبر أن “تعزيز بنية النظام التسلطي السابق في سورية أدى إلى شحّ كبير في هذا النوع من المصادر”، مبيناً أن اهتمامه ينصبّ على مذكرات فاعلين اجتماعيين لا ينتمون بالضرورة إلى الصف الأول، بل قد يكونون من الصف الثاني أو من شخصيات مغمورة. وأضاف أن “هذه المذكرات، رغم ما تحمله من تحيزات ومفارقات زمنية، تتضمن معطيات طبوغرافية وسياسية واجتماعية وفكرية لا ترد في الوثائق الرسمية، وتسمح بفهم السياق التاريخي بصورة أعمق”.
تطرّقت الجلسات إلى التاريخ الدستوري السوري وقضايا الأرشيف والسرديات التاريخية
وعن سنوات الثورة السورية ومسار الذاكرة الوطنية، لفت الباحث أحمد أبازيد، في حديثه لـ”العربي الجديد”، إلى أن “هذه الفترة تُعدّ من أكثر المراحل حسماً في التاريخ السوري المعاصر، إذ لم تكتفِ بتحديد مسار السوريين خلال العقد الماضي، بل ستظل ذات أثر بالغ في رسم اتجاهاتهم المستقبلية وفي تشكيل هويتهم وذاكرتهم الوطنية الجمعية. ورغم هذه الأهمية الاستثنائية، لم يحظَ هذا التاريخ خلال السنوات الماضية بالاهتمام البحثي الكافي، نتيجة هيمنة المقاربات السياسية والأمنية والعسكرية على الشأن السوري”.
وأضاف أبازيد أن مشروع الذاكرة السورية يُمثل اليوم مرجعاً للتاريخ القريب، وللذاكرات الجماعية والمحلية والشخصية للسوريين، ويتيح قراءة دقيقة للتجارب والتحولات التي عاشها المجتمع السوري.
وشهد اليوم الأول من الورشة سلسلة جلسات تناولت العلاقة بين التاريخ والذاكرة الوطنية، إذ قدّم محمد حرب فرزات قراءة حول التاريخ والذاكرة الوطنية السورية، فيما ناقشت خلود الزغير مرحلة الانتقال من العثمانية إلى تعقيدات الجوار السياسي. وتناول سمير العبدالله إشكاليات إعادة كتابة ما بعد العثمانية من منظور إيستوغرافي، وقدّم محمد موفق الأرناؤوط قراءة نقدية لتجربة الحكومة العربية في دمشق بين عامي 1918 و1920، متوقفاً عند التداخل بين التاريخ والأدلجة. كما تطرّقت الجلسات إلى التاريخ الدستوري السوري، إضافة إلى نقاشات حول كيفية كتابة التاريخ السوري الحديث والمعاصر.
أما اليوم الثاني، فتركّزت جلساته على قضايا الأرشيف والسرديات التاريخية، إذ تناول عمار السمر الأرشيف السوري كمصدر أساسي في كتابة التاريخ الحديث، فيما ناقش عبد الرحمن بيطار وتيسير خلف، كلٌّ على حدة، حضور فلسطين والجولان في كتابة التاريخ السوري وتأريخه، مع التركيز على إشكاليات السردية الرسمية ومنهجيات إعادة القراءة.
واختُتمت الورشة بتأكيد الحاجة إلى مشروع بحثي طويل الأمد يعيد قراءة التاريخ السوري بأدوات نقدية ومنهجية متعددة، ويوازن بين الوثيقة الرسمية والذاكرة والمصادر غير التقليدية، بما يسهم في صياغة سردية تاريخية أكثر عدالة وعمقاً، قادرة على ملامسة تعقيدات الماضي السوري وأسئلة حاضره ومستقبله.
—————————–
ورشة “كيف يكتب تاريخ سورية؟ الأرشيف وسرديات الجولان وفلسطين/ أنيس المهنا
الأحد 2026/01/11
تواصلت لليوم الثاني على التوالي فعاليات الورشة التخصصية التي ينظمها المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، تحت عنوان “كيف يكتب تاريخ سورية؟”، وركّزت الجلسات على قضايا الأرشيف، والسرديات التاريخية من الجولان إلى فلسطين، ومنهجيات إعادة القراءة النقدية.
تسعى الورشة من خلال هذا البرنامج الفكري المتنوع، إلى طرح أسئلة نقدية جوهرية تتعلق بمنهجيات كتابة تاريخ سورية. وتأتي هذه الورشة كتمهيد لإطلاق مسار أكاديمي أوسع، من المقرر أن يُتَوّج بعقد مؤتمر علمي شامل في المستقبل، يعالج هذه الإشكاليات التاريخية والمعرفية بمنهجية مستقلة وعلمية، شاملة.
الأرشيف، المصدر الأساسي
انطلقت النقاشات بمداخلة للباحث عمار السمر بعنوان “الأرشيف السوري كمصدر أساسي في كتابة التاريخ الحديث”، ناقش فيها الأهمية المركزية للأرشيف ودوره في تشكيل المرويّات التاريخية.
كذلك فقد تناول المحور الثاني قضيتين محوريتين، حيث ناقش كل من د.عبد الرحمن بيطار المختص بتاريخ سوريا المعاصر وتيسير خلف، في مداخلات منفصلة، حضور قضيتي فلسطين والجولان في كتابة التاريخ السوري، مع التركيز على إشكاليات الرواية الرسمية ومنهجيات إعادة القراءة النقدية.
وأكد البيطار لـ”المدن” أن “التاريخ سلسلة مترابطة لا ينقطع”، لكن يمكن أن يكون للطريق التي يكتب بها التاريخ مآخذ كثيرة، وانحرافات، لكن مع الأيام هناك آليات لتصحيح هذا المسار التاريخي، وهذا ما تقوم به هذه الورشة لتصحيح مسار ثبت في انحرافا كبيراً، نتيجة أنظمة الحكم التي مرت عليها بلادنا، والتي “كانت آثارها واضحة من تخلف والاف من القتلى والمهجرين”، كل ذلك لم يقدم بشكل حقيقي بل كان المؤرخ يقدم “امورا ترضي الحاكم” وتبتعد عن ذكر الحقائق.
فيما قدّم محمد حسام حافظ قراءة نقدية حول إعادة كتابة التاريخ السياسي السوري في مرحلة ما بعد الصراع، تناولت إشكالية كتابة التاريخ معتبرًا أن “التاريخ ليس ملكًا لأحد”.
التوثيق وتاريخ التنوع، التحديات
شمل هذا المحور مداخلة للباحث أحمد أبا زيد حول “منهجية التوثيق في مشروع الذاكرة السورية”. كما قدّم الباحث حسان القالش ورقة حول إشكاليات تأريخ التنوع الاجتماعي والثقافي السوري، معتبرًا أن المؤرخ السوري بالعموم كان “جبانًا” أمام آلة الاستبداد في عهد آل الأسد، الأمر الذي اعتبره “أكثر من طبيعي”.
في حديث لـ “المدن”، قال الباحث والمؤرخ، د. محمد توفيق أرناؤوط: “هذه الورشات تؤسس لمنهجية جديدة لكتابة سوريا المعاصرة وإعادة النظر بما كُتب عن تاريخ سوريا، التي نأمل أن تنتج معرفة جديدة بالتاريخ القريب لكي ننظر بتفاؤل نحو المستقبل”. وتحدث أرناؤوط عن ورقته التي تناولت الحكومة العربية في دمشق بين العامين (1918-1920)، والتي أثمرت بما يسمى “الاستقلال الأول” الذي أُعلن في 8 آذار 1920، وتبنت أول مشروع للدستور والذي لا يزال أول مشروع في الشرق الأوسط.
بدورها، قالت السياسية ومنطقة قسم الشهادات في منصة الذاكرة السورية، سهير الأتاسي في حديث لـ”المدن”: “في ظل كل هذه المتناقضات التي يعيشها السوريون، هل يمكن كتابة التاريخ الحقيقي للسوريين بكل موضوعية؟”. وأضافت: “من الملفت أن نملك منصة كمنصة الذاكرة السورية تستطيع توفير أرشيف ووثائق وشهادات، واليوم سنقوم باستعمال هذا الموضوع. وعلينا اليوم أن نسمع السردية من الناس الذين كانوا موجودين تحت سيطرة النظام السابق، كذلك من بقوا في مؤسسات الدولة، علينا اليوم أن نسمع سرديتهم. هي فرصة تاريخية لكتابة تاريخنا بأيدي أبنائه، ومن خلال فاعلين وباحثين ومختصين بالتاريخ السياسي”.
صور من الأرشيف المدفون
كان مسك الختام في هذه الورشة ما عرضه الباحث سامي مبيض في نهاية اليوم الثاني، بمداخلة بعنوان “صور من الذاكرة السورية”، فيها تسجيلات قديمة ممتعة من الأرشيف السوري. وكشف مبيض أن بعض هذه التسجيلات التاريخية كانت مدفونة في كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأميركية، وقام بعرض خبرته لتحليل تلك التسجيلات وطلب بالمقابل حرية عرضها.
شكّل اليوم الثاني من الورشة إطارًا عامًا وخطوة مهمة في نقد السرديات التاريخية السائدة في المجتمع السوري، وفتح آفاقًا واعدة للبحث. ركز فيه المحاضرون على ضرورة الاعتماد على الأرشيف كوصفة مضمونة وأداة أساسية، ليستطيع السوريون تبني قراءات نقدية تعيد الاعتبار لتاريخ سورية بكل تنوعه وتناقضاته.
المدن
————————–
التاريخ السوري: الأرشيف بديلاً عن الرواية الرسمية/ زيد قطريب
13 يناير 2026
عناوين شائكة حفل بها اليوم الثاني من الورشة الحوارية الموسعة التي أقامها المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة في فندق شيراتون دمشق، بشعار “كيف يكتب تاريخ سورية: إشكاليات التاريخ ومنهجيات إعادة القراءة”، واختتمت أمس بمشاركة العديد من الأخصائيين في التاريخ والوثائقيات.
ولأن جزءاً كبيراً من تاريخ سورية استُقي من المذكرات الشخصية، وتحكمت به الآراء الشخصية، فقد اختار الكاتب عمار السمر البدء بعنوان “الأرشيف السوري كمصدر أساسي في كتابة التاريخ السوري الحديث”، حيث أشار إلى أن سورية لم تعرف حتى اليوم قانوناً خاصاً بالأرشيف، ولم تنجح في تطوير مؤسسة أرشيف وطني حقيقية يمكن العودة إليها في صياغة حقائق الأحداث والمجريات التي مرت بتاريخ البلد.
الجعبة السورية المليئة بالقضايا الملحة والجوهرية، جعلت الجولان وفلسطين تتصدران واجهات النقاش، ما جعل الباحث عبد الرحمن بيطار يهاجم أسلوب تدريس التاريخ في المدارس والجامعات، مؤكداً أن الطلاب ينفرون من هذه المادة التي تزدحم بها الأرقام ومجريات المعارك وأسماء الشخصيات، دون التركيز على المغزى الذي يفيدنا بالحاضر. لكن الكف عن قراءة التاريخ أو القطع معه بشكل نهائي لم يكن المقصود، لكن تجريده من الأيديولوجيا والأهداف السياسية والشعارات هو الكفيل بجعله مقبولاً عند الطلبة وعامة الناس، كما أكد بيطار، وأضاف: “إن الكتابات عن الجولان وفلسطين لم تحررهما”!
لكن الكاتب تيسير خلف فنّد إشكالية السردية الرسمية في قضيتي الجولان وفلسطين في الكتب السورية، وعاد إلى قسطنطين زريق باعتباره ناقداً موضوعياً للتاريخ له السبق في استخدام مصطلح “النكبة”، لكنه يضيف أن الأبحاث التي صدرت لاحقاً وقعت في مطب التسطيح وعدم العمق، موجهاً الانتقاد لعدة كتب، منها كتاب سمر بهلوان، المشاركة في المؤتمر، إضافة إلى كتب التربية الوطنية بالمدارس والجامعة التي أغرقت بالشعارات وابتعدت عن حياة المجتمع.
مداخلة خلف استدعت رداً من سمر بهلوان، قالت فيه إنها كانت مضطرة لتأليف الكتاب بهذا النحو تحت ضغط نظام الأسد.
إزاء هذه العناوين الإشكالية، لم تخل جلسات الندوة من الجدل بين المتحاورين، خاصة في الشق المتعلق بتأريخ التنوع السوري، فالمتحاورون بدوا غير متفقين حول مصطلحات “الأقليات” أو “المكونات” أو “الأطياف”.
الباحث محمد حسام الحافظ تناول عنوان “بين التفاوض والذاكرة” مستنداً إلى تكريس مبدأ الوثائقية للاستفادة من الخبرات وبناء ثقافة تراكمية موضوعية وعميقة. وكانت حصة في الندوة لمشروع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة وخططه المستقبلية، حيث تولى الحديث عنها الباحث أحمد أبازيد، أما الباحث حسن قالش فتناول “إشكاليات تأريخ التنوع السوري”، وربما كان هذا من أشد العناوين إلحاحاً في هذه المرحلة، الذي من المفترض أن يشبع نقاشاً نتيجة التشظيات التي تحدق بالمجتمع السوري، لكنه لم ينل الاهتمام الكافي للأسف.
في ختام أعمال الندوة الموسعة، قدّم أستاذ التاريخ والباحث سامي المبيض فيلماً يُعرض للمرة الأولى، وفيه تظهر شخصيات سياسية سورية بالصوت والصورة، مع صور لأحداث وعروض عسكرية وشوارع وساحات واحتفالات، تصور سورية منذ عام 1918.
وقال المبيض إن الفيلم تم جمعه من 270 مقطع فيديو وُجدت في قبو بولاية كاليفورنيا الأميركية، حيث لم يكن المختصون يعرفون شيئاً عن تلك المقاطع سوى أنها من سورية، فتمت الاستعانة بها، ليتفق معهم على عرضها للجمهور بدمشق.
تضمن الفيلم توثيقاً لخطابات زعماء سوريين، منهم شكري القوتلي وفارس الخوري وخالد العظم، كما جالت الكاميرا في شوارع دمشق، وداخل نواديها، وأثار عرض فيديو من داخل كلية الفنون الجميلة يعود إلى خمسينيات القرن الماضي دهشة المتابعين. ويُظهر الفيديو الطلاب منهمكين برسم الموديلات، ومن بينها تمثال عارٍ يقوم بنحته أحد الفنانين، عدا عن اللباس العصري الذي ارتدته النساء، كأننا في مدينة أوروبية.
وانطلقت الورشة السبت الماضي، وناقش المشاركون فيها عدة عناوين، منها “ولادة سؤال التأريخ في سورية الحديثة”، و”التاريخ والذاكرة الوطنية”، وتولاهما الباحث محمد حرب فرزات. إلى جانب تناول الحقبة العثمانية، التي حفلت بعناوين مثل “من العثمانية إلى تعقيدات الحوار السياسي”، و”إعادة كتابة ما بعد العثمانية”، و”مقاربة الحكومة العربية في دمشق 1918- 1920 بين التأريخ والأدلجة”، وتناوله الباحث محمد الأرناؤوط، أما عنوان “التاريخ الدستوري السوري” فتناوله مدير المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة إبراهيم دراجي، إلى جانب “المذكرات كمصدر في كتابة التاريخ السوري الحديث” للباحث جمال باروت، و”كيف كتبنا تاريخنا الحديث والمعاصر” للباحث سامي المبيض.
من اللقطات اللافتة في الفيلم مشهد “دبكة الجماهير” بفوز الرئيس شكري القوتلي عام 1955، ما دفع المبيض للتعليق بأن الدبكة للرؤساء عادة سورية قديمة! إضافة إلى الجموع الغفيرة التي كانت في استقبال خالد بكداش أمين عام الحزب الشيوعي السوري أثناء وصوله لمطار دمشق وإلقاء خطبة حماسية أمام الجماهير بعد عودته من منفاه بموسكو سنة 1966، ما يدل على الانتشار الواسع للحزب في ذلك الوقت.
العربي الجديد
———————————–
====================



