افتتاح معبر التنف مع العراق.. خطوة لتعزيز المركز أم تكريس لتهميش شرقي سوريا؟/ محمد الحمادي

2025.08.22
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبدو أن شرقي سوريا، وتحديداً محافظة دير الزور، على موعد جديد مع فصل من التهميش الاقتصادي والجغرافي، مع الإعلان الرسمي عن قرب افتتاح معبر “التنف” الحدودي مع العراق، في خطوة قد تحمل في طيّاتها تأثيرات سلبية مباشرة على معبر “القائم-البوكمال”، الشريان التجاري الرئيسي الذي يُفترض أن يُنعش المنطقة الشرقية المنهكة من سنوات الحرب والتهميش.
معبر “التنف”.. مشروع استراتيجي محفوف بالمخاطر
أعلنت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية، عبر مدير العلاقات فيها، مازن علوش، عن بدء التحضيرات لإعادة تأهيل معبر “التنف” الحدودي مع العراق خلال الأسابيع المقبلة، تمهيداً لإعادة تشغيله أمام حركة الشحن والمسافرين خلال الأشهر القادمة. الخطوة، التي تأتي ضمن خطة سوريّة أوسع لإعادة التموضع الاقتصادي والجغرافي، تنطوي على أبعاد سياسية واقتصادية تتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية.
يقع معبر “التنف” في عمق البادية السورية، ويقابله على الجانب العراقي معبر “الوليد”، في منطقة ترتبط جغرافياً بمحافظة حمص، وتاريخياً بسياسات الصراع الإقليمي والدولي، لاسيما مع التواجد المستمر لقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وفصائل محلية مدعومة منها، مثل “جيش سوريا الحرة”.
وبحسب تصريحات رسمية سورية، فإن إعادة افتتاح المعبر تهدف إلى إعادة ربط محور بغداد-دمشق البري وتعزيز دور سوريا الإقليمي ضمن شبكة النقل الإقليمي، إلا أن هذا المشروع، وفق مراقبين، لا يخلو من مخاطر أمنية ولوجستية جسيمة نظراً للطبيعة الجغرافية الوعرة للبادية السورية وسجلها الحافل بنشاط الجماعات المتطرفة والميليشيات المسلحة.
معبر “القائم-البوكمال”.. الشريان المهدّد
على بعد نحو 220 كيلومتراً شرق معبر “التنف”، يقع معبر “القائم-البوكمال”، البوابة الحيوية التي تربط العراق بسوريا عن طريق محافظة دير الزور السورية، المعبر الذي أعيد افتتاحه مؤخراً بعد تقييمات أمنية مشتركة بين دمشق وبغداد، كان يُنظر إليه كمنفذ استراتيجي لإحياء التبادل التجاري بين البلدين وإنعاش الاقتصاد المنهك في شرقي سوريا.
مصادر عراقية، من بينها هيئة المنافذ الحدودية، أكدت أن المعبر يعمل الآن بكامل طاقته أمام حركة الشاحنات التجارية وتنقل المدنيين، في خطوة تُعد مؤشراً على تحسن العلاقات بين بغداد ودمشق بعد تولي الرئيس السوري أحمد الشرع مقاليد الحكم، ومساعيه لإعادة بناء العلاقات مع دول الجوار، وفي مقدمتها العراق.
لكن افتتاح “التنف” يهدد هذا التوجه، ويضع مستقبل معبر “القائم-البوكمال” على المحك، خاصة مع سعي بغداد ودمشق لخلق بدائل لوجستية أقرب إلى وسط وغربي سوريا، ما يعني عملياً تقليص الأهمية الجيو-اقتصادية لمعبر البوكمال، وإبعاد المنطقة الشرقية مجدداً عن خارطة المشاريع التنموية الحيوية.
وقد أوضح مدير العلاقات العامة بالهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية، مازن علوش أن تشغيل معبر التنف الحدودي ما يزال بحاجة إلى عدة شهور قبل أن يبدأ العمل بشكل فعلي، كون الإجراءات اللوجستية والفنية ما تزال قيد الإعداد.
وحول تأثير إعادة تشغيل معبر التنف على حجم الحركة التجارية في معبر البوكمال قال علوش في تصريحات لموقع تلفزيون سوريا: إن تحضيرات تشغيل معبر التنف لا تعني بأي حال من الأحوال التراجع عن تفعيل معبر البوكمال، والذي سيبقى فاعلاً وله أهميته الاستراتيجية في الربط بين سوريا والعراق.
الأصوات المحلية.. قلق متزايد ومخاوف مشروعة
في الأوساط المحلية في دير الزور، يُقابل الإعلان عن افتتاح “التنف” بقلق بالغ، وسط مخاوف من أن يتحول هذا المعبر إلى مسار رئيسي لحركة التجارة والبضائع على حساب معبر البوكمال، ما يعني فعلياً تقليص الحراك الاقتصادي في شرقي سوريا وزيادة عزلته عن مسارات التنمية.
يرى “عبدالكريم المرشد”، وهو ناشط من ريف مدينة البوكمال أن دمشق وبغداد تُسرع من خطوات افتتاح معبر التنف لأهداف يمكن القول أنها تصب بشكل رئيسي في الجانب الاقتصادي، خاصة بالنسبة للحكومة السورية التي تسعى لتعزيز الربط مع المدن الكبرى. أما بالنسبة للعراق، فيأتي الهدف مشتركاً؛ فهو يهدف إلى تعزيز المقاربات الاقتصادية مع دمشق والمراكز الحضرية الكبيرة، إضافة إلى كونه خطوة سياسية تُسهم في تعزيز التواجد العراقي الدائم على الأراضي السورية.
ويشير المرشد في تصريحات لموقع تلفزيون سوريا إلى أن أثر افتتاح معبر التنف على معبر البوكمال ودور دير الزور اقتصادياً هو ذو طابع سلبي، نظراً لقرب التنف من مدن مثل حمص ودمشق وغيرها، في حين تظل المحافظات الشرقية بقيادة دير الزور ذات أهمية استراتيجية بفضل قربها من العراق، وهذا قد يؤدي إلى فقدان موارد هامة، سواء من ناحية التحصيل الجمركي أو من خلال تنشيط المشاريع الأهلية لمنتجات يحتاجها العراق يومياً، مما يفقد دير الزور ميزة قربها الجغرافي وفرص التصدير.
في حين يرى “بشار الحسان”، وهو ناشط وصحفي من ريف ديرالزور أن تسريع افتتاح معبر التنف يعكس رغبة مشتركة من دمشق وبغداد لتعزيز التعاون الاقتصادي، خاصة في ظل حاجة سوريا لممرات تجارية جديدة وكفاءة الطريق الذي يربط بغداد بدمشق مباشرة، الهدف في جوهره اقتصادي بالدرجة الأولى، لكنه لا ينفصل عن بعد سياسي وأمني، خصوصاً بعد التفاهمات الأخيرة بين الحكومتين.
ولفت الحسان في تصريحات لموقع تلفزيون سوريا إلى أن افتتاح معبر التنف قد يُضعف موقع معبر البوكمال، نظراً لتفضيل التجار الطريق الأقصر نحو دمشق، هذا التحول قد ينعكس سلباً على ديرالزور، التي تعتمد على البوكمال كمصدر إيرادات وحركة اقتصادية، أي تراجع في النشاط الجمركي أو التجاري هناك سيزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي في المحافظة.
المخاطر الأمنية وتداعياتها بمحيط معبر التنف
وحول المخاطر الأمنية المحيطة بمعبر التنف وتأثيرها على جدوى المعبر أوضح عبدالكريم المرشد أن منطقة التنف تقع ضمن منطقة صحراوية غير مأهولة وكانت سابقاً معقلاً لبعض التنظيمات المسلحة، مما يجعلها منطقة ذات مستوى أمني غير مرتفع. وقد شهدت المنطقة في السابق عمليات استهدفت الشاحنات، خاصة على الجانب العراقي في معبر الوليد، إلى جانب استهدافات أقل خلال عهد النظام. هذا الواقع الأمني قد يؤثر سلباً على جدوى تشغيل المعبر نظراً للمخاطر المحتملة.
وفي نفس السياق أكد الصحفي بشار الحسان أن المنطقة الصحراوية المحيطة بمعبر التنف لا تزال غير مستقرة، مع وجود نشاط متقطع لخلايا داعش وخطر الألغام، ضعف البنية الأمنية يزيد من تكاليف النقل والحاجة لمرافقة عسكرية، ما يؤثر على الجدوى الاقتصادية للمعبر، رغم الجهود العراقية في تأمين منفذ الوليد من الجانب الآخر.
أبعاد سياسية عميقة.. وشرقي سوريا في مرمى التهميش
ليس خافياً أن ملف المعابر الحدودية السورية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتوازنات الصراع والنفوذ في البلاد، ففي حين تسعى الحكومة السورية لتوسيع سيطرتها على المعابر الواقعة تحت إدارة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في شمال شرقي البلاد، وفق الاتفاقات الأخيرة بين دمشق و”قسد”، تبدو خطوة فتح معبر “التنف” محاولة للالتفاف على معبر البوكمال وتعميق المركزية الاقتصادية حول دمشق وحمص، على حساب دير الزور والمناطق الشرقية.
إذ أن عودة العمل بمعبر “التنف” ستعزز من ربط العراق بسوريا عبر خط يصل مباشرة إلى حمص وريف دمشق، متجاوزاً المنطقة الشرقية بشكل شبه كامل، وهو ما يعيد إلى الأذهان سياسة التهميش المنهجي التي عانت منها دير الزور لعقود، وتفاقمت خلال سنوات الصراع الأخيرة.
من جهة أخرى، لا يغفل المتابعون أن البادية السورية المحيطة بمعبر “التنف” تُعد من أكثر المناطق خطورة أمنياً، حيث تنتشر خلايا “داعش” وتنشط ميليشيات متعددة الولاءات، إلى جانب التواجد العسكري الأميركي المستمر، ما يجعل أي استثمار اقتصادي في هذا المعبر محفوفاً بالمخاطر.
هل افتتاح معبر التنف يعكس تهميشاً مقصوداً للمنطقة الشرقية من سوريا؟
يقول بشار الحسان إنه وبالرغم عن عدم وجود نية معلنة لتهميش المنطقة الشرقية، إلا أن إعادة توجيه التجارة نحو معبر التنف قد يضعف من دور دير الزور، خصوصاً إن لم تُرافق العملية بخطط إنمائية محلية، الشعور بالتهميش سيتعزز إذا لم يتم إشراك أبناء المنطقة في الاستفادة من حركة التجارة الجديدة.
في حين قال الناشط عبدالكريم المرشد: من وجهة نظري، لا يُعتبر افتتاح معبر التنف تعبيراً عن تهميش مقصود للمنطقة الشرقية، بل هو نتيجة لتأثيرات عراقية معينة، إضافة إلى “توجه جزئي لتحييد المدن السنية العراقية من الاستفادة من مناطق مثل القائم وحصيبة الحدودية لأسباب طائفية”، مع ذلك، قد يؤدي هذا التحرك إلى تأثير سلبي على مدينة ديرالزور من الناحية الاقتصادية والجغرافية، على حد تعبيره.
حسابات بغداد ودمشق.. مصالح اقتصادية تتجاوز حدود دير الزور
من الناحية السياسية، يبدو أن كلاً من العراق وسوريا يُعيدان صياغة أولوياتهما الجغرافية وفق اعتبارات تتعلق بتأمين طرق التجارة بعيدًا عن المناطق التي ما تزال تشهد توترات أمنية أو صراع نفوذ. بالنسبة لبغداد، معبر “الوليد-التنف” يوفر خطاً برياً نحو دمشق يُنظر إليه على أنه أقل ارتباطاً بتعقيدات الملف الكردي في شمال شرقي سوريا، وأسهل إدارياً من التعامل مع معابر مثل “القائم-البوكمال” التي تقع في قلب المناطق الحدودية ذات الحساسيات السياسية والعشائرية.
أما دمشق، فهي تدرك جيداً أهمية استعادة السيطرة على المعابر الاستراتيجية، خاصة تلك التي تربطها مباشرة بالعراق بعيداً عن مناطق النفوذ الأميركي أو الكردي، وهو ما يفسر تسريع خطوات تأهيل “التنف”، بالتوازي مع التحركات لتسوية ملف معابر شمال شرقي سوريا مع “قسد”.
يؤكد الأستاذ مازن علوش وجود خطة عمل حالية لتطوير مرافق معبر البوكمال، بهدف تحسين الأداء ورفع مستوى الخدمات المقدّمة، بما يتناسب مع حجم الحركة التجارية والعبور المتوقعة في المرحلة المقبلة، وأن الاهتمام ينصبّ على ضمان استمرار تشغيل كلا المعبرين، لما لذلك من أهمية اقتصادية وأمنية مشتركة، “يهمنا أن يبقى المعبرين قيد العمل لما فيه مصلحة الجميع”.
في الختام، فإن افتتاح معبر “التنف” مع العراق ليس مجرد حدث اقتصادي أو لوجستي، بل هو انعكاس لتعقيدات المشهد السوري والعراقي، حيث تتداخل حسابات الأمن والسياسة والنفوذ الجغرافي. وفي حين يبدو أن حكومتي بغداد ودمشق تمضيان قدماً نحو إعادة تفعيل خطوط التجارة البرية، يبقى مصير شرقي سوريا، وتحديداً دير الزور، معلّقاً بين مطرقة التهميش وسندان الصراعات الإقليمية، في انتظار حلول حقيقية تُعيد للمنطقة موقعها الطبيعي في خارطة الاقتصاد والجغرافيا السورية.
تلفزيون سوريا



