الناسسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

صوت الناجيات من العنف والجفاف يروي حكايات الأمل والصمود في الجزيرة السورية/ محمد جفال

12 سبتمبر 2025

في الجزيرة السورية، حيث كانت الأنهر والوديان والعيون يومًا تغذي أرضًا خصبة بأحلام المزارعين، تقاوم النساء الريفيات اليوم لعنة الحرب والجفاف. هذه المنطقة كانت سلة غذاء سوريا، لكنها اليوم أرض موحشة، مشوهة بندوب النزاعات المسلحة وسيطرة “داعش” السابقة.

منذ 2011، تحولت الحقول إلى مسارح للدمار، والفقر المدقع يخنق 90% من السكان، بحسب تقارير الأمم المتحدة لعام 2025. النساء اللواتي يشكلن نصف سكان الريف، يقاومن بأيدٍ متشققة من العمل في الحقول، يزرعن القمح والقطن بقلوب مثقلة بالخسارات.

قصصهن ليست مجرد حكايات، بل ملاحم مأساوية تروي كيف يصارعن الحرب، والأعراف القاسية، وألم الفقدان، بينما يتشبثن بخيط أمل هش ينبت من تربة قاحلة.

عماد الحقول.. صمود وسط الخسائر

في قرى الجزيرة المتربة، تستيقظ النساء مع الفجر، يحملن فؤوسهن كما يحملن أعباء أسرهن. الزراعة هنا ليست عملًا، بل معركة يومية ضد الجفاف والفقر. حورية، مزارعة في الأربعين من ريف الحسكة، تقف وسط حقلها من القطن اليابس الذي مات قبل أن ينضج، عيناها تحملان حزن السنين. تقول لموقع “الترا سوريا”: “فقدت زوجي في الحرب، والجفاف يسرق حصادي. أزرع القطن، لكن الأرض لم تعد تعطي، والخوف يلازمني كل ليلة”.

الحرب دمرت الأراضي الزراعية، والجفاف خنق الأنهار، مخلفًا نساءً يواجهن البطالة التي قفزت في السنوات الأخيرة. هاجر كثير من الرجال للعمل في لبنان أو إلى أوروبا أو قُتلوا، تاركين النساء كمعيلات لأسر مفككة، يصارعن الجوع والخوف.

زينب، من قرية نائية، تحكي لـ”الترا سوريا” بصوت مكسور: “كنت أحلم بمستقبل لأطفالي، لكن الحرب أخذت كل شيء. تعلمت الزراعة المستدامة من منظمة محلية، لكن كل يوم هو اختبار. اشتريت بذورًا بقروض، لكن الدين يثقل كاهلي”.

رغم ذلك، ألهمت زينب خمس نساء أخريات لبدء مشاريعهن، لكنهن يعشن تحت وطأة نقص المياه وغياب الدعم. هؤلاء النساء لا يزرعن الحقول فقط، بل يزرعن بذور الأمل في أرض محروقة، رغم أن 58% منهن يعملن في ظروف اقتصادية هشة، كما تظهر إحصاءات 2024.

بين أنياب الأعراف وجروح الحرب

في ظلال الأعراف القبلية، تعيش المرأة الريفية محاصرة بجدران من القيود. التعليم، الذي كان يومًا بوابة للحرية، أصبح حلمًا بعيد المنال. العديد من المدارس أغلقت أبوابها تحت وطأة النزاع، والتقاليد تُفضل تعليم الذكور.

مها، فتاة في السابعة عشرة تقطن مخيمًا أقيم على أطراف الحسكة، تنظر إلى الأفق بعيون ممتلئة بالدموع: “أجبروني على الزواج في الرابعة عشرة. كنت أحلم بأن أصبح طبيبة، لكن الحرب والأعراف دفنتا حلمي تحت التراب”. الزواج المبكر يطارد 30% من فتيات الريف قبل سن 18، مقيدًا أحلامهن ومستقبلهن.

العنف الأسري يزدهر كالأعشاب الضارة في ظل الفقر والتوترات. من ريف الدرباسية، إحدى الناجيات، التي رفضت ذكر اسمها، تهمس: “هربت من منزلي بعد أن ضربني أخي. كنت أشعر أنني سأموت. هنا في الحسكة وجدت عملًا وسكنًا، لكنني لا أزال أخاف العودة”.

غالية أحمد، ناشطة محلية، تصف الواقع بمرارة: “الفقر يدفع النساء لقبول الإهانة، والمنظمات القليلة لا تستطيع حماية الجميع”. في الريف، حيث تنعدم الحماية القانونية، تصبح النساء فريسة للأعراف والعنف.

صحة معلّقة على حافة الهاوية

في قرى الجزيرة النائية، الرعاية الصحية تكاد تكون أسطورة. المراكز الطبية نادرة، والطرق إليها محفوفة بالمخاطر. معدلات الوفيات أثناء الولادة ترتفع إلى 20 حالة وفاة لكل 100 ألف حالة، متجاوزة المتوسط السوري بسبب الجفاف والحرب.

وضحة، أم من الريف البعيد بين الحسكة ودير الزور، تحكي بصوت مخنوق: “فقدت ابنتي أثناء الولادة لأنني لم أجد مستشفى قريبًا. كنت أصرخ وسط البرية، لكن لا أحد سمعني”.

الأمراض المعدية وسوء التغذية يهددان النساء الحوامل، بينما الكثير من الأدوية الأساسية والأدوات الصحية النسائية غائبة. ابتسام، أم أخرى، تقول بحسرة: “مرضت ابنتي ولم أجد دواءً. أحيانًا أشعر أننا نعيش لنموت ببطء”.

بصيص أمل وسط الألم

رغم الألم، تتشبث نساء الجزيرة بالأمل. الطريق طويل. التوصيات واضحة: يجب بناء مدارس ومراكز صحية في الريف، وسن قوانين تحمي من العنف والزواج المبكر، ودعم المنظمات غير الحكومية لتوفير خدمات إنجابية. كما أن القروض الصغيرة والتدريب المهني يمكن أن يحولا النساء إلى رائدات في الاقتصاد.

في الختام، المرأة الريفية في الجزيرة ليست مجرد ضحية للحرب والجفاف، بل بطلة مأساة تحمل على كتفيها أحلام مجتمع مدمر. قصصهن صرخة في وجه العالم، تدعو إلى العمل. تمكينهن ليس خيارًا، بل ضرورة لإعادة إعمار سوريا. أنصتوا إلى أصواتهن، ففي صمودهن يكمن أمل أمة تكافح للبقاء.

الترا سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى