«بلاغ المستشارين، حين ينهار اقتصاد البروباغاندا»

Marco Olabi
في دولة تُدار قراراتها المالية عبر المراسيم، وتُصاغ سياساتها الاقتصادية والاجتماعية خلف الأبواب المغلقة، يبدو أن أقل وظيفة تأثيراً يمكن أن يشغلها أحدهم اليوم بعد أن يترك ألمانيا أو هولندا، ليستغنى عنه غداً، هي وظيفة… «مستشار».
البلاغ الصادر بالأمس عن الأمين العام لرئاسة الجمهورية، الدكتور ماهر الشرع، والقاضي بإلغاء جميع الصكوك المتضمنة وظيفة مستشار في الجهات العامة، لا يُقرأ كإجراء إداري اعتيادي (حتى وإن كان يتعدى على كل الوزارات وصلاحياتها). بل هو انعكاس مباشر لقلق السلطة الحاكمة – هيئة تحرير الشام – من تسرّب المعلومات من داخل النظام إلى خارجه، ومن تحوّل النصيحة التي لا يؤخذ بها أصلاً، إلى تمرّد هادئ، ظهرت بعض بوادره من خلال استقالة إحدى المستشارات، وتسريبات وتصريحات إعلامية غير موائمة لبعض مستشارين الـ Show والتفاخر.
فمنذ أن أحكمت الهيئة قبضتها على مفاصل الحكم في البلاد، لم تتوقف عن تصدير خطابات تدّعي الانفتاح، والاستثمار، وتحفيز السوق. لكنها، في المقابل، تُحكم الخناق على أدوات المعرفة والتحليل والمساءلة. كل وظيفة تفكير مستقلة باتت تُعامل كاختراق أمني. كل عقل لا ينتمي عضويّاً إلى دائرة الولاء بات يُشتبه به كخطر.
والسبب؟ أن الرواية الرسمية لم تعد قابلة للحفاظ على تماسكها.
—
حين تنكشف اللعبة الاقتصادية
في الأشهر الماضية، انكشفت ملامح ما يمكن تسميته بـ«النظام الاقتصادي الفعلي لسوريا الجديدة» حيث جسدت ممارسات السلطة في الأشهر الأخيرة شكله الأولي في نظام موازٍ للاقتصاد الرسمي، لتُتوِّجهُ بعدئذٍ مراسيم جمهورية أنشأت صناديق سيادية وتنموية، ومجلساً أعلى للتنمية، وهيئات استثمار، جميعها مرتبطة مباشرة برئيس الجمهورية، وتُدار من شخصيات مقرّبة من القيادة.
هذه البُنية الجديدة لا تنتمي إلى الاقتصاد المؤسسي، بل إلى اقتصاد مركزي مغلق، غير خاضع للرقابة، يعمل بمنطق موازٍ للمنظومة الدستورية. لا توجد لجان رقابة مستقلة، ولا آليات مساءلة تشريعية، ولا موازنات منشورة. كلّ ما هو عام يُدار كما لو أنه خاص وملك للحاكم.
لعلني وغيري كتبنا كثيراً حوله، وحتى أني استطعت رسم هذه الهيكلية (في التعليق الأول)، ليأتي بعدها تقرير «رويترز» الصادر مؤخراً، والذي كشف تفاصيل ممارسات مالية غير شفافة وشبكات احتكار سلطوية، ورسوم وتسويات تُفرض دون سند قانوني، واحتكار إداري للموارد من قِبل محاسيب السلطة، ما عمّق مأزق الخطاب الرسمي، وفضح ما حاولت البروباغندا تسويقه على مدى ثمانية أشهر.
—
سقوط شعارات المرحلة الانتقالية
السلطة نفسها كانت قد رفعت، منذ شهور، شعاراتٍ برّاقة: «الرجل المناسب في المكان المناسب»، «الاعتماد على الكفاءات»، «فتح المجال أمام القطاع الخاص». لكن هذه الشعارات تحوّلت بسرعة إلى كوابيس داخل القصر.
فأصحاب الكفاءة، حين لا يكونون مؤدلَجين كفاية، يبدأون بطرح الأسئلة الخطأ: أين تُدار الأموال؟ من يقرّر فعلاً؟ أين التقارير المالية؟ ولماذا لا يحقّ لأحد الاطلاع عليها؟
وحين تبدأ هذه الأسئلة بالخروج إلى العلن، يتحوّل أصحابها من مستشارين… إلى مُخرّبين. ومن هنا جاء بلاغ الإلغاء..
—
اقتصاد مغلق لا يَقبل التعدد ولا التنافس
نحن أمام سلطة تدّعي تشجيع السوق، لكنها تخاف من السوق الحقيقي. فالتنافسية تفترض قانوناً شفافاً، وقضاءً مستقلاً، وفرصاً متكافئة. أما ما جرى ويجري، فهو اقتصاد يقوم على السيطرة لا التنظيم، على الولاء لا الإنتاج، وعلى الاحتكار لا الانفتاح. تنافس بين المحاسيب، ينتج شكلاً أقرب للاقتصادات العثمانية الإقطاعية في المنطقة إبان سنوات تراجع قوة وسطوة السلطنة (كما سطوة الدولة في سوريا اليوم)، حيث بات لكل منطقة أمير، ولكل ناحية آغا، ولكل سلعة «بيك» والتنافس هو بين إقطاعيين على نيل رضى السلطان، لا على إرضاء واجتذاب المستهلك، وبكل تأكيد لا على إنصاف العامل.
الاستثمار في سوريا اليوم – وفق هذا النموذج – لا يُقاس بالفائدة المرجوة، بل بدرجة القرب من الحلقة الضيقة.
وتغيب دراسات الجدوى ويغيب التخطيط والتنسيق، لتظهر من العدم صناديق وهيئات لا تصح تسميتها بأداة لتنمية طويلة الأجل، بل قناة
لتجميع القرار المالي خارج سلطة الوزارات والمجالس. وحتى المجلس الأعلى للتنمية، المُفترض أن يكون عقل الدولة الاقتصادي، لا يملك إلا ما يُفوضه له الرئيس، وكل ذلك يعتبر قطعاً خرقاً مباشراً للدستور وأبسط مبادئ الحوكمة الراشدة.
—
حين تصبح النصيحة خطراً على السلطة
بلاغ إلغاء وظيفة المستشار لا يُخفي شيئاً، بل يكشف كل شيء.
هو إعلان صريح بأن ما يُدار في الخفاء، لا يجوز أن يُمسّ بالنقاش. أن اقتصاد السلطة ليس مجالاً للتحليل، بل طقس ولاء. وهكذا، تُقصى الخبرات، وتُقمع الأسئلة، وتُلغى الوظائف الفكرية. ويُترك الحقل الاقتصادي لعقيدة لا تؤمن إلا بنفسها.
لا استثمار نظيف في ظل هذا النظام الإقطاعي، فأغلبه سيمتزج بدماء وعرق الأبرياء والمساكين… ولا إصلاح دون تفكيكه
كل ما يُطرح اليوم من دعوات للتمويل الخارجي، أو جذب المغتربين، أو تشجيع القطاع الخاص، لا معنى له في ظل هذه البنية.
فالاقتصاد لا يقوم بلا مؤسسات، ولا مؤسسات في ظل عقيدة تُقصي الفكر وتختزل الدولة بشخص. وهنا، لم تعد المشكلة نظرية أو إيديولوجية، بل وجودية.
إما تفكيك هذا النموذج المغلق… أو غرقٌ أعمق في اقتصاد الظلّ، وهنا أشدد كما شددتُ دائماً أن الانفجار القادم لن يكون مالياً فقط، بل بالضرورة أمنياً واجتماعياً أيضاً.



