إشتباكات السويداءالتدخل الاسرائيلي السافر في سورياالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر تحديث 03 آب 2025

لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي

التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

إشتباكات السويداء

لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

عن أشتباكات صحنايا وجرمانا

———————————-

تحديث 03 آب 2025

—————————

ديلفري الجريمة: القتل في زمن الإنستغرام/ رامة حيدر

01-08-2025

        يُخرج القاتل هاتفه، يفتح الكاميرا، يُثبّت اللقطة، ثم ينفّذ. طلقة واحدة أو عدة طلقات. صراخ ربما. صورة مشوشة لجسد يسقط، ومن بعدها تبداً مشاركة الفيديو على واتساب أو (ستوري) على إنستغرام. بهذه البساطة يُصبح دم الإنسان محتوىً سريع الهضم، يُقدَّم بلا سياق، بلا خجل.

        ما صار وتكرر منذ مجازر الساحل السوري إلى مجزرة مدينة السويداء منذ شهر آذار (مارس) الماضي وحتى اللحظة، عنف يصل إلى شاشاتنا كما تصلنا الوجبات الجاهزة. لا نحتاج إلى أن نبحث أو نتحقّق أو نفكر، الجريمة تُسلَّم إلينا جاهزة، مختومة بصوت الضحية ودمائها وبصمت الجلاد. بلا محكمة ولا شرطة ولا سؤال. ونحن «المتلقّون» نلعب دور القضاة، نُدين، نؤيد، نحزن، نُلقي بالشتائم ومن ثم نعود لحياتنا.

        عادةً ما كانت الجريمة تُرتكب في الخفاء، تُدفن في الظلال، ثم تُكشف بالتحقيق، بالأدلة، بالاعترافات أو لاحقاً بالصدف. أمّا اليوم وفي سياق النزاع المعاصر، وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي انقلب كل شيء رأساً على عقب، لا تنتظر الجريمة حتى تُكشف، بل تُعلن عن نفسها بنفسها.

        ما نشهده اليوم في سوريا لا يُختصر بمنطق الجريمة وحسب، بل يظهر وكأنه أحد تمثّلات ما وصفه ميشيل فوكو بـ«العقاب الاستعراضي»، حيث لا تمارس السلطة العقوبة، بل تُصبح الجريمة نفسها عرضاً سلطوياً، رسالة عنف موجهة للمجتمع بأسره. أي: حين تغيب الدولة أو تتواطأ، يعود البشر إلى حالة «الطبيعة الوحشية»، فقد صار القتل مُباحاً، وبدأت الانتقامات والانقسامات السياسية والدينية تطفو على السطح، عندما أصبحت السلطة في يد أولئك المتعطشين للدماء. تلك الدماء التي تحولت إلى مادّة للتجاذبات السياسية وتصنيف الأفراد حسب عرقهم أو دينهم وطائفتهم. يغيب القانون ويغدو الإعلام (الإنستغرامي) منصّة للعقوبة والتفاخر دون أن يترك هامشاً للتحقيق والمساءلة. ففي لحظةٍ كهذه، لا يُرتكب العنف فقط، بل يُبثّ ويُكرّس ويُستهلك علناً. يقتل بدوره العدالة ويُوصل المنظومة الأخلاقية للمجتمع إلى الحضيض.

        سقوط الدولة وصعود العالم الافتراضي

        حين تختفي الدولة أو تفشل في حمايتها للأفراد يتمدّد «الهاتف الذكي» كأداة لسلطة موازية. في مناطق مثل السويداء، الساحل السوري وحتى دمشق، ليس الجيش أو المحكمة هو من يصوغ صورة السلطة، بل الميليشيات والمجرمون الذين يرفعون كاميراتهم إلى جانب أسلحتهم، ويصوّرون وجهوههم الفخورة والمنتصرة مُطلقين تعليقات طائفية وعنصرية. ناهيك عن الأسلحة التي حصلوا عليها من الدولة نفسها أو غنموها عبر الحرب. فبعد 7 أشهر من سقوط نظام الأسد واستلام الحكومة الجديدة للسلطة ما نشهده فعلياً هو انقلابٌ على السردية التقليدية لمفهوم «توثيق الجريمة». فبدلاً من أن تُسجَّل الجريمة بعد التحقيق فيها أو العمل على طمس معالمها، بات القاتل هو من يوثّق فعله بدم بارد، ثم يروّجه عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون خوف من محاسبة قانونية أو مساءلة مجتمعية.

        هذا الواقع يذكّر بمشهدية القتل التي مارسها جنود الاحتلال الأميركي خلال غزو العراق عام 2003، حين وثق عدد من الجنود الأميركيين جرائم القتل عبر فيديوهات تم تداولها علناً، تحمل رسائل احتفالية واستعراضية. الفيديوهات أظهرت إطلاق النار على مدنيين، وهتافات مليئة بالشتائم، كما وثّقها العديد من المعنيين بحقوق الإنسان من هيومن رايتس ووتش والصحافة التي اعتبرت في حينها هذه الممارسات صادمة وقامت بإدانتها، لكنها لم تَتّخذ الإجراءات اللازمة كي تمنعها وتعتبرها بالضرورة انتهاكاً للقانون الدولي.

        من الناحية التاريخية، حضر توثيق الجرائم عبر الصورة كفعل موجّه ضد الجناة غالباً، يوظَّف كأداة إثبات قانوني أو احتجاج أخلاقي، كما حدث في توثيق المجازر النازية أو الإبادات الجماعية. تمت محاكاتها أيضاً في الفن التشكيلي وفي السينما والمسرح. لكن منذ بداية الألفية الثالثة، ومع التطور الهائل في تقنيات الهواتف المحمولة والمنصات الرقمية، بدأنا نشهد تحوّلاً جوهرياً: أصبح التوثيق بحدّ ذاته جزءاً من الجريمة، بل أحد أركانها. ترافق هذا الانزياح مع تصاعد ثقافة «اللاعب القاتل» في ألعاب الفيديو، حيث تتحول الكاميرا إلى عدسة مميتة، منظور بصري يمكّن اللاعب من القتل بدم بارد دون أن يرى عيون ضحاياه. لم تعد الكاميرا مجرد وسيط، بل أصبحت قاتلاً مشاركاً، أداة تنفيذ وليست أداة نقل فحسب، حيث أن هذا التشابك بين الصورة والقتل أعاد تعريف وظيفة الكاميرا، وجعل من عدسة التصوير نفسها موقعاً للعنف، لا مجرد راصد له.

        تتحوّل العلاقة بين الصورة والعنف من البُعد الترفيهي الذي اتخذته الجريمة إلى اعتماد الكاميرا كأداة قتل أساسية، لا تختلف كثيراً عن نظيرتها الحقيقية في ميادين الحرب. في عدد من ألعاب الفيديو القتالية، لا يُعطى اللاعب تحكّماً بالبطل بقدر ما يُعطى منظوراً قاتلاً من خلال عدسة الكاميرا، فتتحوّل الصورة إلى آلة موت، والعنف إلى متعة بصرية.

        تاريخ الجريمة في سوريا من الخفاء إلى العلن، ومن الإنكار إلى البث المباشر

        قبل قيام الثورة السورية في عام 2011، كان نظام الأسد (الأب والابن) يمارس العنف بسرّية منهجية. فقد قامت سياسة الدولة على الإنكار الكامل لجميع الاتهامات التي يُمكن أن توجّه ضدها إن حدث وتجرّأ أحدٌ على مساءلة السلطة عما ارتكبته من قمع وجرائم ومكائد. فالمجازر التي ارتكبها النظام في حماة عام 1982 والتجاوزات والقتل الذي قام به في سجن تدمر، مرّ دون توثيق أو تصوير، نسمع الحكايا ممّن نجوا أو عائلاتهم، تاركين هامشاً للخيال بأن يتجاوز تجاوزاته وحده. أمّا الإعلام، فقد كان موجهاً بالكامل، ولم تكن هناك وسائل تواصل اجتماعي، ولم يكن النظام يسمح بأي تسريب يوثّق القمع. الجريمة كانت تُرتكب في الظل، في غرف التحقيق وتحت الأرض، ويتمّ طمس آثارها بالكامل. هذا ما تغيّر طبعاً بعد أن بدأت الثورة، وخصوصاً بعد ظهور نشاط واضح لتطبيق فيسبوك في سوريا، فقد بدأت صفحات التنسيقيات والتوثيق، والصفحات المضادة التي تؤيد الأسد وإجرامه، توثّق مجازر الضباط وكيفية قمعهم للثوار من خلال تقييد أيديهم، وطرحهم أرضاً، والبدء بضربهم وركلهم، طالبين من المصوّر أن يُصور، ناهيك عن فيديو «مجزرة التضامن» الشهير الذي أثار صدمة واسعة وشكل نقطة تحول وحجر أساس لتجميع الأدلة التي تُدين الديكتاتور من بينها ملفات صور «قيصر» ذات العيون المفقوءة، والتي ساهمت كثيراً في إثبات تهم القمع والإجرام على نظام بشار الأسد. ومن بعدها اكتشاف سراديب وحكايا الرعب والتعذيب في المعتقلات السورية.

        في سوريا اليوم، تُقدّم حياة الإنسان كقرابين مجانية في مذابح العار السياسي والطائفي. لا تحقيق، لا محاسبة، لا أسى. فقط كاميرا مرفوعة، ويد تضغط على الزناد، ومنشور يحصد الإعجابات. خدمةً لشياطين لا تختبئ في الظلام، بل تصنع منه مسرحاً مفتوحاً، يُصوّر فيه فعل القتل بدم بارد، ثم يُشاركه القاتل بفخر على مواقع التواصل الاجتماعي، كما لو كان يدوّن إنجازاً شخصياً لا يخجل منه بل يتباهى به.

        القاتل لم يعد يرتدي قناعاً. بل يرتدي زيه الكامل، ويضع توقيعه أسفل المنشور، لا يخاف القانون، لأنه يعلم أنه لا قانون. يُخاطبنا جميعاً، نحن المتفرجون المربَكون، نحن الذين نضع «لايك» أو نمرّر المقطع أو نلعنه بلا حول، والأسوأ من القاتل هو الجمهور الصامت، العاجز عن الفعل، أو الذي يتعايش مع الجريمة وكأنها واقع لا مفر منه، والأخطر من كليهما هو الجمهور المؤيد والداعم للقتل والتحريض. هكذا يُصبح الدم رخيصاً، وتُقدَّم الأرواح قرباناً لنظام مريض، يوصل الجريمة إلى الباب ساخنة، جاهزة، معبّأة بإتقان، لخدمة الشياطين.

        تفكك الدولة ومركزية القرار

        بعد سقوط نظام الأسد الوحشيّ، وبعد 13 عاماً من الحرب، لم تعد «الدولة» موجودة كوحدة متماسكة، بل باتت (ميليشيات، فصائل، وأمراء حرب) ولم تعد هناك جهة واحدة تخشى الفضيحة، بل كل جهة تحاول إثبات «تفوقها الوحشي» عبر التصوير والبث، كما لو أن الجريمة أصبحت وسيلة لإثبات الولاء أو القوة. تصوير الجريمة أصبح وسيلة لإثبات السيطرة في زمن فقدان السيطرة. والنظام الجديد كغيره من الأنظمة القمعية التي تُستنزف داخلياً، لم يمضِ سبعة شهور على استلامه الحكم حتى بدأ باللجوء إلى التصفية العلنية كأداة ردع رمزية لكل أشكال الاختلاف أو المطالبة بالحرية والديمقراطية. يُوصل رسالة واضحة – عبر هذه الفيديوهات التي تنشرها الجهات التابعة للدولة – إلى المجتمع السوري أيّاً كان، لا ليُفزع الناس فحسب، بل ليقول لهم: «نحن لا نُخفي شيئاً، نحن لا نُحاسِب ولا نبذل جهوداً لردع أي شيء، ولن يُحاسَب أحد، أنتم وحدكم في ماكينة القتل الجديدة ولكم أعداءٌ جُدد، الشعب نفسه».

        بعد ثلاثة عشر عاماً على الحرب التي أنهكت سوريا على جميع المستويات، وبعد الانهيار المؤسساتي والتجاذبات والأطماع السياسية الواضحة والفجّة، لم تعد الدولة موجودة ككيان ضابط للجريمة، بل باتت الجريمة وسيلتها لإثبات القوة وفرضها. ورسالة تعويضية عن غياب السيطرة السياسية والقانونية، فالسلطة في دمشق لم تعد هي من يتحكم بالمشهد، فقد تفكك المركز وباتت القوى المحلية (أمنية، طائفية، ميليشياوية) والقوى الخارجية (إسرائيل، أميركا والغرب) تصنع سردياتها وتُقدّم عروضها كما تشاء. وباتت ثقافة العنف العلني تتمدد بلا هوادة، وكل مجرم يُدلي بجريمته كشهادة فوق القانون! هكذا أصبح القتل فعلاً مكرراً، والعين فقدت حساسيتها، الهواتف في يد الجميع والسلطة في يد من يجرؤ فقط.

        وهكذا أصبحنا نعيش عصراً جديداً، لم يعد العنف فيه مجرد حدث، بل مشهداً قابلاً للمشاركة والتكرار والاستهلاك الجماعي. وتصوير الجريمة لم يعد وسيلة إثبات، بل لغة سيطرة، وعلامة تفوّق، ومادة تسويقية في سوق مفتوح اسمه «الفراغ القانوني» الذي يُمارس تطبيعه العلني مع العنف.

        عندما يتحوّل التوثيق إلى سلاح، من السويداء إلى غزة

        سوريا ليست حالة معزولة عما نراه اليوم من جرائم؛ فهي جزءٌ من ظاهرة عالمية قاسية يتجلّى شكلها الأكثر سفوراً في الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. ففي غزة، كما في السويداء، لم تعد الجريمة ترتكب فقط، بل تُعرض، وتُدوَّن، وتُزيَّن بعبارات تهكمية واحتفالية، فحين يُوثّق القاتل جريمته، لا يفعل ذلك بدافع الغرور فقط، بل لأنه يعتبر الكاميرا جزءاً من الفعل.

        جنود إسرائيليون يصوّرون أنفسهم يقصفون منازل المدنيين، يضحكون ويحتفلون بعد كل ضربة ناجحة، كما في فيديوهات سربها جنود على تيك توك في إحدى مدارس الأونروا التي اقتُحمت في خان يونس ودُمرت بالكامل عام 2024. كتب الجنود على السبورة: «درسنا اليوم، قتلهم جميعاً». أمّا في مجزرة الشجاعية، صوّر الجنود أكوام الركام وقالوا: «هكذا نعلّمهم الأدب».

        تم تداول هذه الفيديوهات وغيرها عبر صفحات ومنصات التواصل الاجتماعي الإسرائيلية كمحتوى للهزل والضحك والتسلية مما أثار عند المتضامنين مع فلسطين الكثير من النفور والاستنكار لهذه السايكوباثية المُعلنة.

        القاتل الصامت: حين يُترك التوثيق للضحية

        ما يفعله الاحتلال الإسرائيلي في غزة لا يتوقف عند القصف أو التجويع كأفعال اعتدنا عليها منذ اندلاع الانتفاضة الثانية، بل يمتد إلى التحكم في السردية. أحياناً يوثّق الجريمة بنفسه ويحتفي بها، وأحياناً يترك توثيق الجريمة للضحية نفسها، لكنه يتحكم في كيف تُرى، ومتى تُعرض، ولمن تُسوَّق.

        المشهد أكثر خبثاً وظلاماً في حالة الاحتلال الإسرائيلي وعدوانه على غزة، فالقاتل لا يصور بنفسه، بل يترك عدسة الضحية تتولى المهمة. حيث يمسك الغزاوي تحت القصف هاتفه ليوثّق الركام، الجثث، الجوع، الطفلة التي تموت من الاختناق، الأم التي تحفر بيدها تحت الأنقاض بحثاً عن أطفالها، والاحتلال يُبقي المشهد مفتوحاً، وكأنّه يقول: «دعهم يُصورون، فليصرخوا، فليعرضوا كل شيء، لن نتوقف عن قتلهم».

        والمفارقة العميقة تكمن في أن القاتل يتركك تصوّر نفسك تموت، بينما العالم يُمرر الفيديو ومن ثم يُكمل حياته وكأن شيئاً لم يكن. يتمّ تفويض القتيل بمهمة التوثيق، ليس احتفالاً بالقتل، بل تبريد له، عبر الاعتياد البصري، فالحرب ليست فقط على الأجساد، بل هي حربٌ على القيمة الأخلاقية للمشهد. والكاميرا في يد الفلسطيني الذي يُصور موت أهله وخراب مدينته بعد أن كانت أداة مقاومة تحولت شيئاً فشيئاً إلى فخ أخلاقي عميق، لأن هذا الموتتحول إلى بضاعة يتداولها العالم ليشعر بالشفقة العابرة ثم يصمت. والاحتلال يعرف هذا جيداً، يعرف أن العالم لم يتحرك حين شاهد مجازر الفوسفور الأبيض، ولم يتغير الأمر بعد صور المجاعة في مخيمات الشمال، فهو يواصل جريمته، صامتاً، منهجياً، واثقاً من أن عدسة الضحية لن تُدين، بل ستُنسى بين الآلاف من الفيديوهات المنشورة والمتداولة هنا وهناك. والدليل هو إبادة أكثر من 70 ألف شخص في غزة خلال سنتين، والعالم ما زال عاجزاً عن إيقاف المجزرة.

        ما الرابط بين الحالات جميعها؟

        تكرر النمط نفسه في نظام الأسد بعد الحرب وخلالها، أو جيش الاحتلال في فلسطين، أو السلطة الجديدة في سوريا على السواء. الكاميرا تمسك بالمشهد كأداة هيمنة وتهديد وسخرية من المقتول ومن الموت نفسه، والتوثيق لم يعد في غايته دفاعاً عن الحقيقة بل سلاحاً نفسياً يُشهر في وجه من يعترض. في هذا السياق، فإن تصوير القتل ونشره أصبح «نصاً عنيفاً» يُخاطب الجمهور أياً كان، بلغة واضحة وفجة تقولها مثلاً السلطات المسؤولة عن الجيش الإسرائيلي ونتنياهو نفسه دون رادع: «نحن نملك الحق الكامل في الإبادة، ولسنا مضطرين لإخفائها» إن كان في قصفه لغزة أو لدمشق أو لسوريا ولبنان بشكل عام.

        القاتل هنا لا يبرر لا يخجل، بل يصنع محتوى يختفي بعد يومين بالكثير، محتوى لا تحتاج الديب ويب إلى ضمه إلى قوائمها الشاذة، فقد أصبح شيئاً عادياً. هناك من يبكي عليه وهناك من يضحك معه أو يشعر بالقرف منه، وهناك من يشجع على المزيد. وكأن رؤية الموت والمجازر لم تعد كافية، يجب التعليق على الخراب والسخرية منه وتمرير العنف الممنهج على شكل (رييل) إنستغرام رخيص. وفي جميع الحالات، من الساحل السوري إلى غزة لم يعد القتل فعلاً مرفوضاً، بل محتوىً منتَجاً يوزّع كأنه إعلان لقوّة خارقة وقتل واضح وصريح للعدالة أيّاً كانت. هي ديناميكية جديدة لرمي جميع ما قام القانون بإدانته عبر التاريخ في القمامة. ولا ينفع في شيء سوى تأجيج الشعور بالعجز أو الغضب أو التحريض.

        السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل ما نعيشه من كوارث أخلاقية وإنسانية في منطقتنا وفي العالم قد تجاوز قدرة الصورة على الإحاطة والتأثير والإنقاذ؟ ماذا عن السينما كأداة تأثير ومصدر غني بالصورة والسرد العميق في النفس البشرية؟ ففي أفلام الحرب، وفي وثائقيات الإبادة، وفي مشاهد الإعدام والتعذيب كانت الكاميرا تروي ما لا يُقال، وتكشف ما يُخفى.

        لكن ماذا يحدث حين تتجاوز الجريمة السينما؟ حين لا يحتاج القاتل إلى مُخرج ولا مونتاج، بل يفتح كاميرته ويصوّر الدم لحظة نزفه؟ أوحين تتحوّل الحياة نفسها إلى فيلم بلا مؤلف، بلا موسيقى، بلا نهاية سعيدة؟ هل يموت الفن في حضرة الواقع الذي أصبح أكثر قسوة من الخيال؟ فما جدواها هي والفن في مواجهة هذا الطقس اليومي من الموت؟

        لربما تواجه السينما منافساً وحشياً أمام الواقع الذي لا يحترم بناء القصة ولا يمنح الأبطال فرصةً للبقاء. «ديليفري الجريمة» في عصرنا ليس فقط وصفاً لزمن يُوثَّق فيه القتل على الهواء مباشرةً، بل هو نهاية للمعنى، حين يصير العنف والموت مُتاحاً ومبتذلاً ومصوّراً ومُعاداً آلاف المرات. هي مقبرة يموت الفن فيها أيضاً، وتُصبح الصورة عبئاً لا عزاء فيه، مشهداً دون روح، تكراراً دون توثيق. هكذا نموت كل يوم أمام الشاشات نحن أيضاً، وهناك من لا يهتزّ له وجدان، فكل ما هنالك أن الواقع والخيال معاً أصبحا أضعف من اللحظة، وأسرع من الرصاصة والفن صار أقلّ تأثيراً من فيديو عشوائي التُقط بيد مرتجفة.

موقع الجمهورية

—————————

السويداء بين التدخل العسكري والفراغ الأمني: تموضع وانتكاس

المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة

نشر في 20 تموز/يوليو ,2025

مقدمة

شكّلت محافظة السويداء مساحةً استثنائيةً في الخريطة السورية منذ عام 2011، إذ حافظت مدّة طويلة على نوعٍ من الحياد بين النظام والمعارضة، إلا أنها بعد سقوط نظام الأسد، في كانون الأول/ ديسمبر 2024، أخذت تدخل تدريجيًا في مرحلة جديدة من التفاعلات الأمنية والعسكرية، أدت إلى صدامات داخلية، وتدخلات إقليمية، واصطفافات معقّدة. وقد كشفت الاشتباكات التي بدأت فيها، في منتصف تموز/ يوليو 2025، حجمَ الهشاشة البنيوية التي يعانيها الجنوب السوري، حيث أظهرت أنّ الصراع تجاوز مسألة إعادة بناء الدولة وعودة مؤسساتها إلى المحافظة، وبات يدور حول إعادة ضبط التوازن بين المكونات المحلية، والفصائل المسلّحة، والسلطة الانتقالية في دمشق.

تسعى هذه الورقة إلى تفكيك مشهد الاشتباك في السويداء، وكشف دواعيه وأطرافه ونتائجه، وذلك من خلال تحليل مراحله الميدانية، وبنية الفصائل الفاعلة، وتقييم أدوار القوى الإقليمية والدولية، ولا سيما الولايات المتحدة وإسرائيل، لفهم حالة السويداء هل تمثل نموذجًا لحالة محلية عابرة، أم أنها باتت منصة لإعادة تعريف مفهوم السيادة والفواعل في الجنوب السوري؟

    خلفية الأحداث

عادت الزعزعة الأمنية في محافظة السويداء إلى الواجهة، بعد شهرَين من التوترات التي حدثت في مدينتي جرمانا وأشرفية صحنايا، وبدأت التوترات في السويداء باشتباكات بين عشائر بدو المقوس، والمجلس العسكري في المحافظة، على إثر عمليات خطف بين الطرفَين. وكانت بداية التوتر خطف شاب على طريق السويداء-دمشق، في 11 تموز/ يوليو 2025، إذ اتهمت المجموعات المحلية في بلدة عريقة )الريف الغربي من السويداء) عشائر البدو بخطف الشاب، وردّت المجموعات المحلية باختطاف 9 من مدنيي العشائر، ثم اختطف البدو لاحقًا 4 مدنيين، وأدت هذه الحوادث إلى مواجهة مباشرة بين الطرفين، أوقعت 37 قتيلًا على الأقل. ويبيّن الشكل (1) التسلسل الزمني لحوادث الخطف.

الشكل (1)

 على خلفية هذه الحوادث، تدخّلت القوات الحكومية التابعة لوزراتي الدفاع والداخلية، في 15 تموز/ يوليو 2025، ولكن المواجهات في المحافظة تحوّلت إلى مواجهةٍ بين القوات الحكومية، وميليشيات مسلّحة مقربة من الشيخ حكمت الهجري[1] وفصائل محلية رفضت التدخل العسكري الحكومي في المحافظة، مثل “رجال الكرامة”. وسُجلت انتهاكات عديدة من مختلف الأطراف، وفي خضمّ هذه التطورات، ظهرت أخبار تتحدث عن عبور مئات الدروز من مرتفعات الجولان إلى السويداء نصرة لأهلها، فازداد الوضع في المحافظة تعقيدًا.

وعلى الرغم من التقدّم الذي حققته القوات الحكومية على الصعيد العسكري، عبر فرض سيطرتها على المحافظة بشكل تدريجي، فإنها انسحبت من المدينة، بعد ضغوط دولية تزامنت مع تصعيد إسرائيلي ضدّ قوات الحكومة تمثل بقصف محاور السويداء، واستهداف مبنى قيادة الأركان في دمشق بـ 4 غارات. وبدأت عمليات الانسحاب في 17 تموز/ يوليو، عبر تفكيك الحواجز الأمنية، وإعادة انتشار محدود على أطراف الريف الشرقي، مع إبقاء بعض الوحدات في مواقع مراقبة متقدمة، ونُقلت المهام الأمنية رسميًا إلى الشرطة المدنية، في ما بدا استجابة لتفاهمات مرحلية، تهدف إلى تخفيف التوتر الميداني واستيعاب مطالب محلية وإقليمية، إلا أن هذا الانسحاب أوجد فراغًا أمنيًا في المحافظة، استغلته ميليشيات محلية مرتبطة بالشيخ حكمت الهجري، لبسط سيطرتها على عددٍ من المناطق، وتنفيذ عمليات استهداف لمدنيين من أبناء عشائر البدو عبر مداهمة مناطقهم واعتقال أعداد منهم. وكردة فعل على تلك الانتهاكات، بدأت مجموعات عشائرية بتنظيم تحركات مسلّحة، انطلاقًا من الريف الغربي لمحافظة السويداء، ما أسفر عن دخول المواجهات المسلّحة مرحلة جديدة، وهي تحشيد عشائري إضافي من خارج السويداء باتجاه المدينة لمواجهة المجموعات المسلحة في المدينة.

وفي اليوم التالي 18 تموز/ يوليو، توسّعت دائرة المواجهة عبر انخراط فصائل عشائرية، وقدوم فزعات عشائرية من كل المحافظات السورية، في مواجهات مباشرة ضد تشكيلات مرتبطة بالمجلس العسكري المحلي وميليشيات تابعة للشيخ حكمت الهجري، وامتدت الاشتباكات إلى أرياف السويداء الشمالية الشرقية والشمالية الغربية والغربية، وسُجّلت خلالها خسائر بشرية ومادية متبادلة، في ظل غياب كامل للقوات الحكومية عن الاشتباكات. وتميزت المعارك بطابع متحرك دون قدرة أي طرف على تثبيت خطوط تماس واضحة، مما عكس هشاشة المشهد الأمني.

في السياق نفسه، شكّلت السيطرة العشائرية على بلدة الصور الكبيرة (الريف الشمالي للسويداء) تطورًا لافتًا في ميزان القوى المحلي، نظرًا لموقع البلدة الاستراتيجي كممر لعددٍ من القرى ذات الأهمية اللوجستية، واندلعت مواجهات عنيفة في بلدة (تعار)، التي تمثل عقدة جغرافية تربط بين محاور متعددة في الريف، ما منحها أهمية ميدانية مضاعفة ضمن النزاع الجاري.

    الجيش السوري الجديد في السويداء

شكّلت قوات الجيش السوري الجديد التي تضمّ مقاتلين من فصائل سابقة ومجموعات محلية جرى دمجها، العمودَ الفقري للتدخل العسكري في السويداء، وشاركت في العمليات وحدات عسكرية متخصصة انتشرت في مناطق الاشتباك بهدف فرض وقف الاقتتال، وشملت هذه الوحدات عناصر من المشاة المدرّعة المزودة بدبابات وآليات ثقيلة. ومن خلال تتبّع التطورات الميدانية (كما تبيّن الخريطة رقم 1)، يتبين أن وحدات مدرّعة تقدّمت من ريف درعا باتجاه قرى غرب السويداء وصولًا إلى أطراف المدينة، حيث سيطرت القوات على قرية المزرعة وعدة قرى محيطة، وفرضت طوقًا محكمًا على مشارف المدينة من جميع الجهات، تخلل هذا التقدّم نصب حواجز وإغلاق مداخل القرى، لمنع تسلل عناصر مسلحة من الخارج بذريعة حماية المدنيين.

خريطة رقم (1)

ويُرجَّح أن مقاتلي “اللواء الثامن” السابق المنحدرين من درعا، الذين دُمجوا مؤخرًا ضمن قوات الجيش، كانوا جزءًا من القوة المهاجمة في ريف السويداء الغربي، بفضل معرفتهم الجغرافية وخبرتهم القتالية في الجنوب. وفي سياق العملية، برزت مشاركة تشكيلات عدة من الجيش السوري الجديد، يبيّن الجدول الآتي أبرزها:

في سياق العمليات، برز اسم مجموعة فرحان المرسومي[2]، ضمن المشهد العسكري في السويداء، كأحد الفاعلين غير النظاميين المرتبطين بتحركات وحدات موالية للحكومة السورية الانتقالية، إذ ارتبط حضوره في محافظة السويداء بظهوره العلني في تسجيلات مصوّرة إلى جانب مجموعة مسلّحة غير رسمية، قدّمت نفسها بوصفها تابعة له وأعلنت ولاءها لفرحان المرسومي[3]، وتعكس هذه المشاركة تحديات مرتبطة بحدود الشرعية والضبط المؤسسي داخل التشكيلات العسكرية، وتطرح إشكاليات حول أثر العناصر غير النظامية في ديناميات الأمن المحلي وتوازنات القوة في محافظة السويداء.

    المجموعات المسلحة في السويداء: التحالفات والخلافات

خلال سنوات الثورة، تباينت ظروف تأسيس الفصائل والميليشيات المسلحة في السويداء وتعددت أهدافها، واستمر ذلك حتى بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، إذ تبلورت التحالفات العسكرية ومطالب المجموعات المسلحة بعد سقوط نظام الأسد[4]، ومع التوترات الأمنية الأخيرة، تشكلت تحالفات ضمن المعارك، كان أبرزها مشاركة “رجال الكرامة” في الاشتباكات، ولكن في مواجهة العشائر والقوات الحكومية التي كانت تحاول الدخول للمدينة[5]، على الرغم من أن التحالف الذي أنشأته حركة “رجال الكرامة” مع “شيوخ الكرامة” و”أحرار الجبل” كان مؤيدًا للاتفاق مع الحكومة، الذي نص على تفعيل دور الضابطة العدلية والمؤسسات الشرطية من أبناء المحافظة.

وشاركت تلك الفصائل المحلية في الاشتباكات الدائرة، معترضة على الحملة الأمنية للقوات الحكومية، مما أحدث تغيرًا في خارطة التحالفات في المدينة، ومع أن مطالب تحالف حركة “رجال الكرامة” أظهرت تباينًا مع مطالب المجلس العسكري، فقد كان هناك توحّد في مطالبهم التي نصت على وجوب انسحاب القوات الحكومية من المدينة، وتصديهم لقوات العشائر، وهذا يُفضي إلى تراجع العلاقة بين الحكومة السورية وحلفائها السابقين، إذ أصبح احتمال الاعتماد على فصائل محلية كنواةٍ يمكن دمجها ضمن الجيش السوري الناشئ (على غرار تجربة فصيل أحمد العودة في درعا) ضعيفًا، ومن ثم لا بدّ من وضع خطةٍ لسحب السلاح بشكل متوازٍ من كل مكونات المحافظة، مع مأسسة لقوات وزارة الداخلية ضمنها، بحسب الاتفاق الذي ينص على أن يكون أبناء المحافظة هم مكون الضابطة العدلية والمؤسسة الشرطية.

    التدخل الإسرائيلي في الأحداث

مظاهر التدخل المباشر

يمثل التدخل الإسرائيلي في السويداء امتدادًا لمقاربة أمنية اسرائيلية قائمة على منع أي إعادة تموضع عسكري سوري قرب الجولان، ضمن سياسة الردع الاستباقي التي تتبناها إسرائيل منذ أعوام، وتعززت بعد أحداث السابع من أيلول/ أكتوبر 2023. فمنذ 16 تموز/ يوليو 2025، شنّت إسرائيل ضربات جوية استهدفت آليات ومواقع عسكرية سورية، امتدت من أطراف السويداء إلى ريف درعا والعاصمة دمشق، من ضمنها مبنى هيئة الأركان ومحيط قطنا، وبحسب تقارير وزارة الصحة السورية قُتل 3 مدنيين وأُصيب 34 آخرون، نتيجة الضربات على مبنى هيئة الأركان ومحيط القصر الجمهوري بدمشق[6]، وتُظهر الخريطة رقم (2) تفصيلًا للضربات الإسرائيلية التي استهدفت العاصمة دمشق وريفها، في 16 تموز/ يوليو 2025[7]، ويوضح الجدول الضربات الإسرائيلية التي استهدفت محافظتي السويداء ودرعا:

الخريطة رقم (2)

جدول يوضح الضربات الإسرائيلية التي استهدفت محافظتي السويداء ودرعا

في المقابل، غابت بشكل شبه كامل التدخلات الإسرائيلية، خلال اشتباكات 18 تموز/ يوليو، التي اندلعت بين مجموعات عشائرية وميليشيات محلية في السويداء، في ظل غياب تام لقوات الحكومة السورية الانتقالية، ويوضح هذا التباين أن دوافع إسرائيل تركّز على ضبط التحركات العسكرية النظامية قرب حدودها، فيما تُترك النزاعات المحلية لتتفاعل دون تدخل مباشر، ما يكشف الطابع الانتقائي في تدخلها، بحسب هوية الأطراف الفاعلة، وليس وفق اعتبارات إنسانية أو حماية مجتمعية.

الدوافع الإسرائيلية

يمثل التدخل الإسرائيلي الأخير في محافظة السويداء امتدادًا لنمط تفاعل تحكمه اعتبارات أمنية واستراتيجية، وإن ظهر في خطابه العلني طابع “حماية الدروز”، فبينما رُبطت الغارات بمطالب داخلية إسرائيلية صادرة عن مكونات درزية ترتبط اجتماعيًا بدروز الجولان وفلسطين، تشير القراءة التحليلية إلى أن هذا التبرير يُوظَّف كغطاء دبلوماسي لتقنين سلوك ميداني يهدف إلى ضبط إعادة التموضع العسكري الحكومي في الجنوب السوري.

في هذا السياق، يُفهَم التدخل ضمن استراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد تسعى إلى منع نشوء أي بنى عسكرية في جنوب سورية يُحتمل أن تُهدّد أمن الحدود، فعلى الرغم من تغير طبيعة السلطة المركزية في دمشق، ما تزال تل أبيب تنظر بريبة إلى أيّ تحرك عسكري ممنهج، وإن كان من طرف الحكومة السورية الانتقالية، وتشير أنماط التصعيد السابقة، خصوصًا منذ 2018، إلى أن إسرائيل أرست معادلة ردع غير رسمية، تُحدد فيها شروط الحضور العسكري في المنطقة الجنوبية، بدعم من أطراف دولية كروسيا والولايات المتحدة، والغارات التي استهدفت مواقع في السويداء ودرعا ودمشق، ومنها منشآت حساسة كمبنى هيئة الأركان ومحيط القصر الجمهوري، لا يمكن فصلها عن هذا الإطار، فهي تؤكد استمرار العمل الاسرائيلي بسياسة الردع الاستباقي.

وإلى جانب الأبعاد الميدانية، يُحتمل أن تشكل هذه التطورات جزءًا من ديناميكيات تفاوض غير علنية بين الحكومة السورية الانتقالية وإسرائيل، حيث تبدو محافظة السويداء مسرحًا لتبادل الرسائل السياسية، وقد تزامن التصعيد العسكري مع تسريبات عن قنوات خلفية تبحث قضايا استراتيجية، كملفّ الجولان، ما يعكس توظيفًا مزدوجًا للضغط العسكري والدبلوماسي من قبل إسرائيل، مستفيدة من حاجة الحكومة الانتقالية إلى نيل اعتراف سياسي خارجي، بعد العزلة السياسية التي صنعها نظام الأسد. ومن جانب آخر، يمكن تفسير موقف دمشق الرافض لهذه الغارات، رغم تراجع دورها الميداني، كمحاولة لاستثمار الحادثة سياسيًا، سواء من خلال تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه المكوّن الدرزي، أو عبر السعي لتحريك مواقف دولية منددة بالتدخلات الإسرائيلية، وتندرج هذه القراءة ضمن سعي دمشق لاستعادة أدوار تفاوضية عبر قنوات أممية أو إقليمية دون الوجود الفعلي على الأرض.

بهذا المعنى، لا يُعدّ التدخل الإسرائيلي مجرد استجابة لمطالب داخلية أو لحماية الأقليات، إنما يُعدّ أداة ميدانية لإعادة تثبيت التوازنات الأمنية الهشة في الجنوب السوري، ضمن مقاربة استراتيجية أوسع تُوظف الخطاب الإنساني في خدمة أهداف ردعية.

    الموقف الأميركي من أحداث السويداء

كان الموقف الأميركي من الأحداث في السويداء فاعلًا ومؤثرًا، حيث برزت مواقف المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، توم باراك، الذي رفض وجود تشكيلات عسكرية خارجة عن سيطرة الدولة، داعيًا دمشق إلى ضبط النفس وتفادي استخدام القوّة ضد المدنيين[8]. وصرّحت الخارجية الأميركية بأنها ترفض استخدام العنف ضد المدنيين، وطالبت بالتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة الجناة، وأشارت إلى أن السياسات الأميركية تجاه سورية لم تتغير[9]. إلا أن خطاب باراك تحوّل نحو التركيز على البعد الإنساني والدعوة إلى الحوار، وهو ما عكس وجود حالةٍ من التردد داخل الإدارة الأميركية، بين دعم بنية الدولة المركزية من جهة، وتفادي الاصطدام بالمكوّنات المحلية من جهة أخرى. ومع ذلك، تجنّب باراك توجيه انتقاد مباشر للهجمات الإسرائيلية، وأعرب عن عدم رغبة بلاده في التصعيد. وقد عُدّ ذلك على نطاق واسع قبولًا ضمنيًا باستخدام القوة، كأداة ضغط.

ولم تُظهر الإدارة الأميركية اعتراضًا قويًا أو إدانة للتدخلات الإسرائيلية، رغم استهدافها مؤسسات حكومية، بل بدت متفهمة لها، وأعلنت أنها لا تريد التصعيد بين سورية وإسرائيل. ويبدو أنها سمحت لإسرائيل باستخدام الضربات كوسيلة ضغط، معتبرة الأمر “سوء تفاهم”، كما وصفه وزير خارجيتها، ويشير السياق العام إلى أنّ اللقاءات التي جرت في باكو، بتاريخ 12 تموز/ يوليو 2025، بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين، أدّت إلى نشوء انطباعٍ مضلّل لدى الجانب السوري[10]، إذ تم نقل رسالة إسرائيلية تؤكد ضرورة التنسيق المسبق قبل أيّ تحرك عسكري سوري نحو الجنوب، إلا أنّ الوفد السوري فسّر ذلك على أنه ضوء أخضر غير معلن للانتشار في محيط محافظة السويداء، وقد ساهمت بعض التسريبات الصحافية في ترسيخ هذا الفهم، مشيرة إلى وجود تباينات في تفسير تفاهمات غير مكتوبة حول آليات ضبط الحدود، ما خلق اعتقادًا بأنّ إسرائيل قد تتغاضى عن تحركات محدودة للجيش السوري، مقابل التزامه بعدم استهداف الفصائل الدرزية [11].

من جانب آخر، يبدو أن الولايات المتحدة، وإن تفهمت دوافع إسرائيل، تخشى من تصعيد ينفلت عن السيطرة ويُفجّر الوضع الإقليمي، ولا سيما أن الواقع الجديد بعد سقوط نظام الأسد أوجد نظامًا منفتحًا على تفاهمات أمنية، وهذا ما يدفع الإدارة الأميركية إلى دعم نموذج “الاستقرار” أي حكومة مركزية مستعدة للتعاون الأمني معها، لذلك سعت أميركا إلى التهدئة عبر دعوة كل الأطراف للحوار، وساهمت أميركا في عقد الاتفاق الذي أُعلن يوم 19 تموز/ يوليو، بين إسرائيل وسورية، لوقف إطلاق النار، ودخول قوات الأمن إلى السويداء لفض الاشتباك بين الأطراف، ودعا توم باراك “الدروز والبدو والسنّة إلى إلقاء أسلحتهم، والعمل على بناء هوية سورية جديدة”[12].

وبرز خلال الأحداث دعم أميركي واضح للرئيس الانتقالي أحمد الشرع، بوصفه الشريك القادر على ضبط الأوضاع، مع تلميحات إلى تفاهمات أمنية مستقبلية بينه وبين واشنطن، وأظهرت تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو، وتواصل السيناتور جو ويلسون مع قيادات درزية، أن الشرع بات يحظى بقبول أميركي، ولا سيما أنه أظهر مرونة واستجابة لنصائح عربية وأميركية بطلب الانسحاب من السويداء، ويبدو أن هذا الدعم نابع من قناعةٍ بأنه يمكن العمل معه ضمن ترتيبات إقليمية، ويبدو أن واشنطن ترى في السويداء حقل اختبار لمدى جدية الرئيس الشرع في تطبيق سياسة مختلفة أكثر تصالحًا مع منطق الشراكة الأمنية، وتريده أن يكون قادرًا على ضبط الأمن، بلا تجاوز للخطوط الحمراء الأميركية – الإسرائيلية.

ويمكن توصيف المقاربة الأميركية في الجنوب السوري بأنها شكل من أشكال “الاستقرار المنضبط”، فهي تسعى إلى تجنّب الانفجار الأمني من دون الالتزام بمسار ديمقراطي فعلي، مما يؤدي إلى ترسيخ نماذج من الحكم الانتقالي غير التشاركي، وعلى الرغم مما تُبديه السياسة الأميركية من مرونة وتوازن، فإنها تكشف عن هشاشة بنيوية ناجمة عن إدارة متناقضة للأولويات الأمنية والسياسية، ما يُنذر بعدم قدرتها على الصمود في مواجهة أزمات لاحقة.

واللافت أن واشنطن استخدمت ملف السويداء كأداة لتمرير رسائل سياسية متعددة، أولها إلى دمشق، حين طالبت بسحب القوات الحكومية من المدينة، في لحظة تصعيد إسرائيلي، بهدف تفادي أي صدام مباشر قد يهدد التفاهمات غير المعلنة مع تل أبيب، وثانيها إلى الدروز في إسرائيل، حيث تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على ولاء الطائفة للمنظومة السياسية الإسرائيلية، ومنع أي تحركات تضامنية عابرة للحدود قد تخلخل الاستقرار الداخلي الإسرائيلي، وأرادت واشنطن من الدروز أن يكونوا “هادئين” لا مستقلين، فدعمت انسحاب الجيش السوري، بعد تحقيق مكاسب رمزية، ثم دفعت باتجاه الحوار.

 في المجمل، يُظهر الموقف الأميركي تجاه أزمة السويداء بُعدًا براغماتيًا، يتمثل في السعي لحماية الاستقرار الهش دون تقديم رؤية متماسكة لمستقبل الدولة السورية، وهذا ما يجعله أقرب إلى إدارة أزمة منه إلى استراتيجية مستدامة، وتكشف أحداث السويداء عن كونها منصة لإعادة ترتيب العلاقة بين دمشق وتل أبيب، برعاية أميركية، واختبارًا لقدرة الحكومة السورية على فرض سيطرة الدولة، دون تجاوز الخطوط الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، تمثل ورقة ضغط تستخدمها واشنطن في مفاوضاتها مع الأطراف كافة، حيث تبقى حماية أمن إسرائيل الثابت الوحيد في هذه المعادلة، في حين تُستخدم الأقليات كأدوات مساومة، فالموقف الأميركي من أحداث السويداء يُفهم بشكل أفضل، إذا وُضع في سياق “الاستقرار- أمن إسرائيل”، وهو موقف لم يُبنَ على رؤية لسورية كدولة قابلة للتعددية والشراكة، بل كساحة لإعادة التموضع الأميركي في الشرق الأوسط دون تكلفة سياسية أو عسكرية.

وتعكس أزمة (سوء الفهم)  في باكو، وما تلاها من تطورات ميدانية في السويداء، هشاشةَ قنوات التواصل غير الرسمية بين الجانبين السوري والإسرائيلي، وتُبرز الحاجة الملحّة إلى آليات تفاوضية واضحة ومضمونة، تقي من الانزلاق نحو مواجهات غير محسوبة. هذا الهدف لا يمكن تحقيقه إلا من خلال آلية مراقبة فعّالة، وضمانات إقليمية متوازنة لا تتجاهل متطلبات الاستقرار في سورية.

    المواقف العربية والدولية

شهدت أحداث السويداء تفاعلًا عربيًا ودوليًا فوريًا وكثيفًا، إذ سارعت معظم الدول العربية إلى تبنّي موقف داعم لما وصفته بـ “عودة مؤسسات الدولة”، وتأييد حكومة دمشق بما يكفل وحدة سورية وسلامة أراضيها، من خلال تأييد الاتفاق الذي أنهى الاشتباكات داخل السويداء، وتأكيد ضرورة محاسبة المسؤولين عن التجاوزات، وتوفير ضمانات لعدم تكرار العنف[13].

ولم تكن هذه التصريحات مجرد تعبير عن موقف أخلاقي، بل تحمل في طياتها بعدًا سياسيًا استراتيجيًا يتمثل في إضفاء شرعية على حكومة الرئيس الشرع، التي بدأت تنال اعترافًا فعليًا كسلطة جديدة قابلة للتعامل والتنسيق، ويعكس هذا التوجه كذلك رغبة عربية في احتواء التوترات ضمن الإطار السوري الرسمي، بدلًا من الانزلاق إلى صيغ الحماية الدولية أو التقسيم، وهو ما بدا جليًا في رفض الدول العربية لأي تدخل إسرائيلي في الجنوب، دون تنسيق مع الأطراف العربية الفاعلة. ويُمكن عدّ هذا الموقف استمرارًا لنهج عربي يقوم على دعم الاستقرار والنظام العام، لكنه يشترط وجود قيادة سورية عقلانية ومرنة، لا تعيد إنتاج الوحشية الأمنية، وفي الوقت نفسه لا تسمح بتمدد الفوضى.

هذا الانخراط العربي يعكس قناعة لدى الدول العربية بأن نموذج “إدارة الأزمات” لم يعد مجديًا، وأن ترك الجنوب السوري دون مرجعية واضحة سيخلق فراغًا تملؤه قوى دولية متنافسة، وأن هناك خشية من أن تستغل إسرائيل الفوضى لتوسيع تدخلها العسكري، مما يدفع إلى تفضيل التعامل مع حكومة دمشق، ما دامت مستعدة للتهدئة، وضبط الفصائل، والتفاهم مع المحيط العربي. وهذا الحذر من الفوضى لا ينفصل عن الاعتبارات الأردنية، حيث تنظر بقلق إلى أن حدوث فوضى في السويداء قد يُعيد تفعيل شبكات التهريب، أو يفتح الباب أمام موجات لجوء جديدة، أو يعيد نشاط خلايا متطرفة على الحدود، الأمر الذي يفسر تأييد الأردن الصريح لاستعادة الجيش السوري لمواقعه، ضمن اتفاق مع القوى المحلية، وليس عبر الاجتياح.

من جانب آخر، اتخذت تركيا موقفًا واضحًا، حيث حرصت على التذكير الدائم برفضها لسياسة إسرائيل التوسعية في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه تجنبت الخوض في تفاصيل الأزمة، واكتفت بالتأكيد على وحدة الأراضي السورية، والدعوة إلى حوار إقليمي شامل. ويعكس هذا الموقف التركي إدراكًا لتعقيدات الملف السوري، إذ ترى أنقرة أن الأحداث في السويداء قد تفتح الباب أمام مزيد من الفوضى على حدودها الجنوبية، وأن تصاعد التوتر في السويداء قد يؤثر سلبًا في توازنات الشمال السوري، ويفتح الباب أمام تداخل ملفات شرق الفرات والجنوب السوري، وهو ما تسعى تركيا لتجنبه.

أما روسيا، فقد اختارت الصمت التكتيكي، وامتنعت عن الإدلاء بأي موقف علني تجاه ما يجري في السويداء، في خطوةٍ تعكس تحوّلًا في مقاربتها لسورية وتعاملها مع الواقع الجديد، وبدا أنها لا تُمانع إعادة تموضع الحكومة في السويداء ما دام ذلك لا يُؤثر في ما تبقى من نفوذها، ولا يؤثر في تفاهماتها مع تل أبيب، ولا يدخل أطرافًا غربية إلى المعادلة من خارج التفاهم الروسي الأميركي غير المعلن، ويبدو أن موسكو تترقب نتائج المرحلة الأولى من حكم الشرع، لتُقرر مدى الانخراط معه لاحقًا، لكنها في الوقت الراهن تلتزم سياسة الحياد الإيجابي المشروط.

على الصعيد الغربي، الأوروبي خاصة، تبدو المواقف مترددة أحيانًا، حيث لا يوجد إجماع أوروبي واضح تجاه ما يجري، وإن كان هناك تخوّف من عودة النهج الأمني في معالجة أزمة السويداء، لكن التصريحات في معظمها جاءت داعمةً لحكومة الشرع، ويتخوف الأوروبيون من أن يؤدي تصاعد الأحداث في السويداء إلى موجة لجوء جديدة أو إلى عودة نشاط التنظيمات المتطرفة.

وفي هذا السياق، تُصبح أحداث السويداء مرآةً لانعكاسات التوازنات الإقليمية والدولية، ويبدو أن الأطراف كافة تتعامل مع الحدث من منطلق “إدارة المشكلة”، لا حلّها، فالعرب والأتراك يريدون تطويق الأزمة، والروس يراقبون، والأوروبيون يحلّلون، والأميركيون ينظمون تفاهمات ويتوسطون بين حكومة الشرع وإسرائيل، وتبقى إسرائيل الطرف الوحيد الذي يملك حرية الحركة العسكرية، مدفوعة بهاجس الأمن.

    اتفاق وقف إطلاق النار

شكّل الاتفاق على وقف إطلاق النار الذي أعلن يوم 19 تموز/ يوليو 2025، بعد التوصل إليه بوساطة أميركي ودعم عربي كبير، نقطة تحوّل في مسار الأحداث في السويداء، ولا سيّما بعد فشل اتفاق سابق شبيه بسبب خرقه من أطراف عدة، ورفض الشيخ حكمت الهجري والموالين له للاتفاق، ويأتي بعد تصاعد الاشتباكات بشكل كبير في السويداء، ودخول العشائر العربية المعركة نُصرةً للبدو في السويداء الذين تعرضوا لمجازر على يد بعض القوى الموجودة في المحافظة، وأسفرت الاشتباكات عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، ودفعت بالأوضاع إلى حافة الانفجار الأهلي.

وينص الاتفاق على وقف شامل لإطلاق النار، ودخول القوات التابعة لوزارة الداخلية إلى المحافظة، لفض الاشتباك بين البدو والفصائل الدرزية، ودمج المحافظة، إداريًا وأمنيًا، ضمن بنية الدولة، ودخول المساعدات الإنسانية، وتأمين خروج المختطفين والمحتجزين، وفتح ممرات إنسانية لخروج المدنيين والمحاصرين.

مع ذلك، يواجه الاتفاق جملةً من التحديات التي قد تهدد استدامته، أبرزها:

– ضعف الثقة بين قسم من المكوّن الدرزي والحكومة في دمشق.

– تعقيد البنية الفصائلية داخل السويداء.

– خرق الاتفاق من الأطراف المشاركة في الاشتباكات، أو من أطراف أخرى، مما يشعل الاشتباكات مجددًا.

– عدم التزام إسرائيل بالاتفاق وخرقه.

– موقف الشيخ حكمت الهجري المتقلّب.

– استمرار الخطاب التحريضي والطائفي من كل الأطراف، في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.

وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار في 19 تمّوز/ يوليو، برعاية أميركية، فإن نصوص الاتفاق لم تُحدّد بشكل واضح آليات تنفيذ بنوده، فقد تم الحديث عن دمج إداري وأمني لمحافظة السويداء من دون تحديد جدول زمني أو ضمانات واضحة[14]، ولم يتطرّق الاتفاق إلى مصير الفصائل المسلحة المحلية، ما دفع عددًا من الزعامات الدرزية، وعلى رأسهم الشيخ حكمت الهجري، إلى التشكيك بجدية الاتفاق، والتعبير عن تحفّظاتهم علنًا، أما بند إدخال المساعدات الإنسانية، فهو أيضًا غير محكَم، إذ لم تُحدّد الجهة المسؤولة عن الإشراف على عملية التوزيع، ما يفتح الباب أمام احتمالات خرق الاتفاق من أي طرف يرغب في إعادة إشعال التوتر.

    خاتمة

لطالما شكلت السويداء حالة خاصة في الجغرافية السياسية السورية، وفي المرحلة الراهنة أضحت ساحة اختبار فعليّة لمدى قدرة الحكومة الانتقالية على إدارة التنوّع المجتمعي، ومدى قدرتها على إنتاج شرعية توافقية، حيث تحوّلت السويداء من مجرد ساحة محلية للصراع، إلى منصة إقليمية لتصفية الحسابات وإعادة ضبط التوازنات، وقد استخدمت إسرائيل التدخل العسكري كأداة ردع استباقي ضد إعادة التمركز السوري العسكري الحكومي، وضمن أدوات رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لإدارة التوازنات والخلافات داخل حكومته، في حين تبنّت واشنطن سياسة “الاستقرار المنضبط”، القائمة على دعم الحكم المركزي، بشرط خضوعه لشروط الأمن الإقليمي وضمن حدود الهيمنة الإسرائيلية المتصاعدة في مرحلة ما بعد تحجيم ايران وقطع أذرعها في المنطقة، وفي المقابل، أظهرت الحكومة السورية الانتقالية في البداية قدرة نسبية على احتواء التصعيد، وإدارة الملف عبر التفاوض والتنسيق مع الفاعلين الدوليين والعرب، لكن المعطيات المتوافرة تشي بوجود عدم دقة في قراءة الواقع الإقليمي والرسائل السياسية/ الأمنية في خضم تعقيدات العلاقات الإقليمية الراهنة، إلى جانب التحديات الهيكلية العميقة المتعلقة ببناء الثقة مع المكونات المحلية في البلاد ولاسيما في محافظة السويداء.

إن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم في 19 تموز/ يوليو، برعاية أميركية، ليس سوى محطة مؤقتة، ما لم يُتبع بخطوات سياسية جدية، تضمن الدمج الأمني والإداري للمحافظة ضمن مؤسسات الدولة، وتعزّز تمثيل المكونات المحلية في مراكز القرار، وتضع حدًا للتدخلات الخارجية، ذلك بأن استقرار السويداء لن يكون مجرد استقرار موضعي، بل سيكون اختبارًا لقدرة الدولة السورية الجديدة على ترسيخ نموذج حكم تشاركي عادل. وإن مستقبل الجنوب السوري، والسويداء تحديدًا، سيعتمد على قدرة الحكومة على الانتقال من منطق ضبط السلاح إلى منطق بناء الشرعية واستعمال أدوات الدولة بعيدًا عن امتدادات مرحلة ما قبل سقوط النظام، ومن الاستجابة للضغوط الدولية إلى تلبية المطالب المجتمعية، في معادلة لا تستقيم إلا بسيادة كاملة، وعدالة متوازنة، وتوازن داخلي منضبط يحظى باعتراف الخارج.

[1] اعتمدت الورقة مصطلح “ميليشيات” للدلالة على المجموعات المسلحة التي تؤدي إلى زعزعة الأمن، إما عبر تجارة المخدرات أو المطالب بالانفصال عن دمشق، واعتمدت مصطلح “فصائل” للدلالة على الفصائل المحلية التي لم تمتهن تجارة المخدرات أو عمليات الخطف كمصدر دخل لها.

[2] كان يتمتع بعلاقات متينة مع دوائر النفوذ السابقة المرتبطة بنظام الأسد وطهران، لا سيما مع الحرس الثوري الإيراني وبعض وحدات الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد، وتُنسب إليه أدوار سابقة في تسهيل انتشار النفوذ الإيراني في شرق البلاد،

[3] فيديو نشر في 14 تموز/ يوليو 2025، https://bit.ly/4nYDXJg

[4] يمان زباد، السويداء بعد سقوط الأسد: قراءة في تحولات القوى العسكرية والمطالب السياسية، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 13 آذار/ مارس 2025، شوهد في 19 تموز/يوليو 2025، الرابط: https://bit.ly/44RxsiE

[5] بيان صادر عن حركة رجال الكرامة عبر صفحتها على الفيسبوك، 13 تموز/ يوليو 2025، شوهد في 19 تموز/ يوليو 2025، الرابط: https://bit.ly/4kOqelo

[6] عدوان إسرائيلي عنيف على دمشق: ثلاثة قتلى و34 مصابًا، العربي الجديد، نشر في 16 تموز/ يوليو 2025، شوهد في 18 تموز/ يوليو 2025، https://bit.ly/3IE84FG

[7] تم اعتماد الضربات التي وثقت إما عبر الوكالات الرسمية أو عبر مصادر المركز في الجنوب السوري.

[8] مبعوث واشنطن لسوريا يدين “العنف ضد المدنيين” في السويداء، صحيفة يني شفق، 16 تموز/ يوليو 2025، شوهد في 19 تموز/ يوليو 2025، الرابط https://bit.ly/4eYG7UZ

[9] واشنطن: لا تغيير في السياسة الأميركية تجاه سوريا، موقع العربية، 17 تموز/ يوليو 2025، شوهد في 17 تموز/ يوليو 2025، الرابط: https://bit.ly/40q33ql

[10] Arab News, Syrian, Israeli officials meet in Baku: Diplomatic source in Damascus, Published on 12 July 2025, Seen on 19 July 2025, https://bit.ly/451p945

[11] Investing, Syria believed it had green light from US, Israel to deploy troops to Sweida, Published on 18 July 2025, Seen on 19 July 2025, https://bit.ly/44WyHNo

 [12] تغريدة لتوم باراك المبعوث الأمريكي إلى سوريا على منصة X، بتاريخ 19 تموز/ يوليو 2025، الرابط: https://x.com/USAMBTurkiye/status/1946333767918080341

[13] سوريا.. بيان من 10 دول عربية وتركيا يعدد 6 نقاط لدعم دمشق، CNN بالعربية، 18 تموز/ يوليو 2025، شوهد في 19 تموز/ يوليو 2025، الرابط: https://bit.ly/4f4aMk6

[14] Reuters, Clashes rage in Druze region as Syria struggles to enforce ceasefire, Published on 20 July, Seen on 20 July, https://bit.ly/44Fapcb

  تحميل الموضوع

مركز حرمون

———————–

هل فات أوان عودة السويداء إلى حضنها السوري؟/ غازي دحمان

02 اغسطس 2025

ماذا فعلت الحكومة السورية المؤقّتة بإعلانها حرباً على السويداء، غير أنها نفّذت خطّةً إسرائيلية ما فتئت حكومة نتنياهو تعمل عليها منذ سقوط نظام الأسد، وتقوم على إحداث شرخ بين المكوّنات السورية، وتحوّل إسرائيل الأمَّ الحنون للأقلّيات في سورية، تمهيداً لتقسيم البلد إلى كانتونات طائفية وقومية، وتغيير المعادلات في المنطقة إلى الأبد؟

في السويداء اليوم، يُخوّن كلّ صوت يدعو إلى التحاور مع حكومة دمشق، الرأي العام في المحافظة متوتّر وموتور، إذ تعتقد الأغلبية أنه لم يعد ممكناً التعايش مع السُّنة في سورية بعدما جرّدت العشائر السُّنية آلاف المقاتلين لذبحهم، وثمّة كثر في السويداء يرغبون بأن تكون تل أبيب وجهتهم، لا دمشق، وبعضهم يتوسّط دروز إسرائيل لإقناعها بهذه الفكرة ومزاياها، التي ستدرّ على إسرائيل فوائدَ أمنية وسياسية عديدة. في الجهة المقابلة، هناك رأي عام سنّي يشعر بالخيبة والإحباط والحقد على سويداء حكمت الهجري، التي غدرت بأولادهم الذين دخلوا بلباس الأمن العام لفضّ النزاع لا محاربين، ثمّ استدعاء إسرائيل التي قتلت عشرات من العناصر بذريعة حماية السويداء، واستهداف السيادة السورية عبر ضرب مبنى الأركان، أحد أكثر الرموز السيادية أهميةً. ولكن أيضاً ثمّة احتقان ضدّ حكومة دمشق لأنها لم تستطع إدارة الأزمة باحترافية، وعكّرت المزاج السنّي المحتفل بالانتصار منذ بداية العام، فضلاً عن أنها منحت الهجري وجماعته انتصاراً مجّانياً لا يعكس موازين القوى الحقيقية، ويفتح الباب أمام حروبٍ جديدة قد تقوم بها أطراف سورية أخرى ترفض الاندماج في الدولة.

ارتكبت إدارة دمشق خطأ فادحاً في انجرارها إلى الحرب مع السويداء، فهي صنعتْ من الهجري ندّاً وسلطةً موازيةً لسلطتها، وجعلته ممثّلاً، بحكم الأمر الواقع، لغالبية الطائفة الدرزية، وبذلك قُضي على الأصوات المدنية في المحافظة، كما جعلت سلطة دمشق من “المجلس العسكري” (ذي التوجّهات المشبوهة) الفاعل الأمني الأساس في المحافظة، بعد إخراج القوى الوطنية المعتدلة مثل ليث البلعوس من المعادلة، وتصويره خائناً لطائفته ومحافظته. كان لافتاً، منذ البداية، أن الهجري يشتغل ضمن مخطّط مكشوف، فقد عمل على مدار الشهور السابقة في استنزاف قدرة الدولة على التفاوض معه، وأغلق جميع المنافذ لإمكانية التفاهم معها، ورفض التفاهمات الأمنية مع حكومة دمشق مراهناً على إسرائيل. وبالفعل، أجهض كلّ محاولات جسر الهوة بين دمشق والسويداء، ورفض أيّ تعامل مع الحكومة المؤقّتة، واصفاً إياها بالتكفيرية والإرهابية. كان على سلطة دمشق أن تدرك هذه اللعبة، وأن تدرك أيضاً شبكة العلاقات التي بناها الهجري مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والدفع الذي قامت به الأخيرة لإيصال الأمور إلى هذا المستوى الساخن من الصراع. والواقع أن الإدارة الكردية راهنت على ما حصل في السويداء لتتخلّص من الضغط الأميركي للاندماج في هياكل الدولة السورية، والتذرّع بعدم تسليم السلاح بحجّة أن الأقلّيات باتت في خطر، في ظلّ سياسات الرئيس أحمد الشرع وإدارته للعلاقة مع المكوّنات السورية الأخرى.

عزّزت أزمة السويداء نفوذ الفواعل المحلّية بديلاً من السلطة المركزية، بل ذهبت الأمور إلى حدّ تشكيل مراكز القرار في المحافظة بعيداً من الحكومة السورية، وليس ثمّة في الأفق ما يشي بتغيير المعادلة الراهنة، في ظلّ حالة غير مسبوقة من الاستقطاب والاستعصاء السياسيَّين. وتكمن خطورة الأمر في احتمال أن تقدم الجهات الفاعلة في السويداء على تشكيل هياكل حكم محلية، على المستويَين الأمني والمحلّي، وتتحوّل تجربةً مقبولةً دولياً، وقابلةً للتطبيق في غالبية المناطق السورية، وهو ما يعني (في ظلّ الأوضاع الحالية) ذهاب سورية إلى ما يشبه حالة يوغسلافيا عشيّة تقسيمها. ما حصل في السويداء يمكن تسميته “التأثيث للفيدرالية”، وقد تجلّى الأمر بوضوح عبر تهجير البدو من المحافظة، وهو ما يشبه عمليات التطهير العرقي التي كانت تسبق أو تتوازى مع حالات ذهاب الدول نحو التقسيم. وإذا ما أضفنا إلى ذلك “الفيتو” الإسرائيلي، الذي يمنع قوات الحكومة السورية من الانتشار في جنوب سورية، تصبح صورة المشهد أكثر وضوحاً، في ظلّ حالة من السعار الطائفي التي تسري في عموم سورية، وترفض أيّ صوت يدعو إلى التفاهم والحفاظ على وحدة البلاد.

هل كان من الممكن التعامل بمقاربة مختلفة مع الوضع في السويداء؟… أكيد، لو أن حكومة دمشق تراجعت عن خطواتها في إعادة تنظيم الدولة، أو تشكيلها، التي لم تلق قبولاً من مكوّنات سورية كثيرة، ولا سيّما الإعلان الدستوري وتشكيل الحكومة، وقد بدا واضحاً أن هذه الخطوات تهدف بدرجة كبيرة إلى احتكار السلطة والقرار في سورية بيد جهة معيّنة، ولا تصلح لإدارة بلد ينطوي على حساسياتٍ عرقيةٍ وطائفية وتعقيدات أنتجتها سنوات الحرب المديدة، لو فعلت دمشق ذلك، وهو أمر ما زال ممكناً، عبر إشراك أوسع للسوريين في صناعة المشهد السوري المقبل، لضمنت تعزيز الخطّ الوطني وتقوية حضوره وفاعليته في مواجهة الأطراف الداعية للانفكاك عن الدولة السورية، وأغلقت باب الذرائع أمام إسرائيل، وغيرها، للعبث بالمعادلات السورية، وصناعة واقع جديد يضع الوطن السوري في مهبّ الرياح.

العربي الجديد

————————–

 عن الاستقطاب الطائفي في سوريا ومخاطره/ محمود علوش

2025.08.01

شهدت محافظة السويداء مؤخرًا أحداثَ عنفٍ أثارت القلق، مُسلِّطةً الضوء على تصاعد الاستقطاب الطائفي في سوريا، وهو ما تجلّى أيضًا في أحداث الساحل السوري في مارس/آذار الماضي.

تُظهر هذه الأحداث أن الاستقطاب الطائفي يتحول تدريجيًا إلى تهديد خطير للسلم الأهلي وللاستقرار الهشّ الذي سعت السلطة الانتقالية إلى تثبيته بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد. يجد هذا الاستقطاب جذوره في تاريخ الصراع الطويل، بل يمتد إلى ما قبل ذلك، ويُغذّيه اليوم انعدام الثقة بين الحكم الجديد وأطراف داخلية معارضة له، فضلًا عن تدخلات خارجية، كتلك التي تقوم بها إسرائيل، والتي تسعى لتعميق الانقسامات. ومع ذلك، فإن الاستسلام لفكرة أن هذا الاستقطاب حتمي، أو تغذيته عبر سياسات الهوية الطائفية، يُعدّ الخيار الأسوأ الذي يمكن أن تسلكه سوريا.

تُبرز أحداث السويداء والساحل أن التحدي الأبرز الذي يواجه سوريا في مرحلة التحول هو إعادة بناء النسيج الوطني المتصدّع، وتهدئة التوترات الطائفية الموروثة من الحرب وعقود الاستبداد التي غذّت هذه الانقسامات. هذا التحدي لا يقتصر على تهديد السلم الأهلي، بل يُفاقم تحديات أخرى أو يُولِّد تحديات جديدة. فمن ناحية، يُشتّت الاستقطاب الطائفي أولويات سوريا في بناء دولة وطنية وتحقيق التعافي من آثار الحرب، مُخلّفًا المزيد من الندوب في نسيجها الاجتماعي. ومن ناحية أخرى، تُضعِف هذه الاضطراباتُ ثقةَ المجتمع الدولي في قدرة الحكم الجديد على تحقيق الاستقرار. علاوة على ذلك، يُشكّل الاستقطاب مدخلًا لدولٍ تسعى لزعزعة استقرار سوريا لتحقيق أهدافها الخاصة. فإسرائيل، على سبيل المثال، تستغل العلاقة بين بعض التيارات الدرزية والدولة لتعميق الانقسامات، ولا تُخفي رغبتها في تقسيم سوريا إلى كيانات طائفية وعرقية. وينطبق الأمر ذاته على دول أخرى تجد في التوترات الطائفية فرصةً للتدخل في استقرار سوريا.

تتعدد العوامل التي تُغذّي هذا الاستقطاب، ومعالجتها تتطلب وقتًا طويلًا، لكن سوء إدارتها يُضاعف من تأثيرها السلبي. أبدى الرئيس أحمد الشرع التزامًا واضحًا بتبنّي نهج وطني في إدارة التحول السياسي، وسعى لتبديد مخاوف مختلف المكونات من خلال تشجيعها على المشاركة في بناء سوريا الجديدة. لكن هذا النهج لم ينجح بعد في القضاء على هذه المخاوف أو الحد من سعي بعض المكونات إلى تأمين خصوصيات طائفية. وبغضّ النظر عن الدوافع العميقة لسياسات الهوية الطائفية والعرقية، فإن الحكم الجديد لم يتمكن حتى الآن من الحدّ من تأثيرها على العلاقة مع مختلف المكونات. فتركة الحرب الثقيلة والتدخلات الخارجية التي تُغذّي الانقسامات، تبدو أكبر من قدرة الشرع على تفكيكها في وقت قصير. ومع ذلك، يُسلّط تصاعد الاستقطاب الطائفي الضوء على ضرورة تبنّي نهج جديد يُركّز على تفكيك هذه الانقسامات كأولوية قصوى.

هناك نماذج إقليمية يمكن الاستفادة منها لمعالجة الاستقطاب الطائفي ونقل العلاقات بين المكونات من مرحلة الصراع إلى مرحلة الاستقرار. من بينها لبنان، الذي لا يُعدّ نموذجًا مثاليًا نظرًا لفشله في تجاوز سياسات الهوية الطائفية وبناء دولة وطنية متكاملة. لكن الأخطاء في لبنان لا تعود بالأساس إلى اتفاق الطائف، الذي أرسى استقرارًا طائفيًا نسبيًا، بل إلى استغلال هذا الاتفاق لتعزيز نفوذ الزعامات الطائفية على حساب مشروع الدولة. وهذا ما يُفسّر حساسية الرئيس الشرع تجاه نظام المحاصصة الطائفية. ومع ذلك، فإن البنية الطائفية للمجتمع السوري تفرض نوعًا من المحاصصة كوسيلة لتحقيق الاستقرار الطائفي والمجتمعي، لا كهدف نهائي.

في الواقع، يمكن لمثل هذا النهج أن يُسهم في الحدّ من التأثيرات السلبية للاستقطاب الطائفي على عملية التحول، شريطة ألّا يتعارض مع مشروع الدولة الوطنية، بل يدعمه. إن إشراك مختلف المكونات بشكل فعّال وشفاف في السلطة قد يكون خطوة أولى لتفكيك هذا الاستقطاب. لكن هذه المسؤولية لا تقع على عاتق السلطة الانتقالية وحدها، بل تتطلب من جميع المكونات إظهار التزام واضح بمشروع الدولة الوطنية، بعيدًا عن السعي لإقامة نظام سياسي قائم على المحاصصة الطائفية.

ففي لبنان، نجح نظام المحاصصة في نقل العلاقات بين الطوائف من الصراع إلى السلام، لكنه فشل في إطلاق مشروع الدولة الوطنية أو معالجة الاستقطاب الطائفي، الذي أصبح سمة دائمة في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية.

إلى جانب المشاركة الوطنية الشاملة في بناء سوريا الجديدة، يُعدّ التأخير في إطلاق مشروع العدالة الانتقالية محرّكًا رئيسيًا لتصاعد الاستقطاب الطائفي. فالعدالة الانتقالية ليست مجرد وسيلة لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة خلال الصراع، بل هي ضرورة لإطلاق عملية مصالحة وطنية شاملة. يتعيّن على السوريين إدراك أن التنوع الطائفي يُشكّل ميزة لسوريا، لا نقمة، وأن منطق الصراع بين الأقليات والأكثرية مكلف للغاية، ليس فقط للنسيج الوطني، بل لمشروع الدولة الوطنية برمّته. لم تعد سوريا تمتلك رفاهية التأخير في وضع أولويات إعادة ترميم النسيج الوطني وتحقيق الاستقرار في العلاقات بين مختلف المكونات. فأحداث العنف، التي تأخذ طابعًا طائفيًا واضحًا، وإن لم يكن المُحرّك الرئيسي لها، يمكن أن تتحول إلى صدعٍ مزمن يُقوّض مشروع العبور إلى الدولة، ويُرسّخ هوامش إضافية للخارج للعبث في بنية المجتمع السوري.

تلفزيون سوريا

—————————

غموض المفاوضات السورية الإسرائيلية/ بشير البكر

02 اغسطس 2025

لا أحد يعلم من السوريين تفاصيل المفاوضات التي تجري بين سلطات بلدهم وإسرائيل. وإلى وقت قريب، لم يكن مؤكّداً أن هناك لقاءات مباشرة بين الطرفَين، وظلّت موضع شكٍّ التسريباتُ عن لقاءات جرت على أعلى المستويات بين وفدَين في كلّ من الإمارات وأذربيجان. أمّا اليوم فقد صار مؤكّداً أن جولتَين عُقدتا في باريس يومي 25 و26 من الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، بين وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، ووزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، برعاية المبعوث الخاص للرئيس الأميركي، توماس برّاك. ولم تتوافر معلومات سوى ما أفادت به وسائل إعلام إسرائيلية من أن اللقاء الأول استمرّ أربع ساعات، وبحث سبل تخفيف التوتر بين سورية ودولة الاحتلال. وبخصوص الجولة الثانية، جاء في تقرير لصحيفة هآرتس أن “الهدف من المحادثات إبرام اتفاقية أمنية، ما قد يؤدّي إلى محادثات تطبيع لاحقاً”.

عُقدت الجولات السابقة جميعها قبل حصول المواجهات في السويداء، التي تدخّلت فيها إسرائيل، استجابةً لطلب حكمت الهجري، ووجّهت ضربات للقوات السورية، وقصفت مبنى قيادة الأركان في قلب دمشق، واضطرّت السلطات السورية إلى سحب قواتها من المحافظة، بعد تهديدات من إسرائيل، وبناء على اتفاق رعته الولايات المتحدة والسعودية والأردن. وبالتالي، فإن لقاءي باريس يختلفان عن اللقاءات التي حصلت في أبوظبي وباكو، من منطلق أن أوراق التفاوض الإسرائيلية باتت أقوى، وموقف المفاوض السوري أضعف، بغضّ النظر عن الموضوعات المطروحة على طاولة المفاوضات.

إذا كان هدف المفاوضات الفعلي التوصّل إلى اتفاق أمني، فإن سورية ليست مجبرةً على الجلوس مع إسرائيل على طاولة واحدة، ولا هي مضطرة لإرسال وزير خارجية ليتفاوض مع وزير مقرّب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. كان بوسع دمشق ألا تتنازل، وتدخل مفاوضات مباشرة على مستوى رفيع، وتترك المسألة للخبراء، تحت رعاية الأمم المتحدة، بتسهيل من الولايات المتحدة، وذلك للتوصّل الى اتفاق بين دولتَين، وليس مع وزير مفوّض عن نتنياهو، بإشراف المبعوث الأميركي برّاك.

ليس من حقّ السلطة السورية الحالية الدخول في مفاوضات ذات طبيعة استراتيجية مع إسرائيل، فهي سلطة انتقالية. وباعتبار أن المفاوضات تجري حول شأن سيادي، فمن حقّ الرأي العام السوري أن يكون على اطلاع تام حول موضوعات التفاوض، وسواء وقّعت السلطة اتفاقاً مع إسرائيل أم لا، عليها أن تغادر منطقة الغموض والتكتّم، التي تثير الشكوك والبلبلة، وأن تتعامل مع المسألة بشفافية وصراحة.

قد تكون السلطة خاضعةً لضغط أميركي إسرائيلي من أجل الدخول في هذه المفاوضات، لكن ذلك لا يبرّر لها هذا، بعيداً من القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة التي تخصّ الصراع العربي الإسرائيلي، وليس الشأن السوري وحده. والصيغة الأمثل للتفاوض أن تتولّى العملية الأمم المتحدة، وتلعب واشنطن دور المسهّل بين الطرفَين، وليس قوة إسناد للطرف الإسرائيلي، الذي يريد من سورية أن توقّع صكّ إذعان في هذا الظرف، وهي ضعيفة لم تستكمل وحدتها الترابية بعد.

في الأحوال كافة، كان في وسع السلطة أن تتريّث بدخول المفاوضات، رغم الضغط الإسرائيلي المتواصل، وتتفرغ أولاً لحلّ مشكلاتها الداخلية الكثيرة بفتح حوارات موسّعة مع السويداء و”قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) لإنهاء الانقسامات في جنوب وشرقي سورية، وعزل المجموعات التي تستقوي بالخارج، ومن بعد أن يتعزّز الوضع الداخلي، يصبح التفاوض مع إسرائيل من موقع قوة، وليس من موقع ضعف، تحت الضغط الخارجي والابتزاز الداخلي من طرف المراهنين على إسرائيل.

العربي الجديد

———————-

سَبعُ ملاحظاتٍ من تَرِكَة الأسبوع الماضي مهمةٌ للمستقبل/ مضر الدبس

(وهي ملاحظات مُهمةٌ، سواء صَمَدَ الاتفاق، أم لم يصمُد)

في غياب الإمكان السياسي لتحقيق الذات، أو ضعفه، يميل البَشرُ عادةً إلى مساعدة بعضهم بعضًا على تحقيق حالة من اللحمة العاطفية اليقينية، يسميها عالم الاجتماع الشهير إميل دوركهايم “الجَيَشَان” (Effervescence). وهي لحمةٌ هائِلة، قد تكون قاتلة، ومع ذلك يأمل الناس تحقيقَ ذواتهم بوساطتها.

في منتصف هذه اللحظات “الجَيَشَانِيَّة”، ومن واقع هذا الجَيَشَان، تُولَد الفكرة الطائفية، وهذا ما يحدث في سورية الآن؛ فـ “الجَيَشَان الطائفي” الناتج من استمرار غياب السياسة هو الذي يُنتِجُ الطائفيةَ، وليس العكس. يعني سورية ليس فيها طائفية، لكنَّ مرضَها نقصُ السياسة الذي يُولِّد الجَيَشَان، ومن ثم؛ فإن معرفة أسباب هذا الجَيَشَان بدِقَّة، والعمل على إيقافه، يعني، بالضرورة، الانتصار للإنسان السوري، والحفاظ على حياته، ووأد الفتنة، وتقليل احتمالات المواجهات الطائفية.

إذا بدأنا من ذواتنا الفردية جميعًا، واتفقنا على الفكرة الآتية، يمكن أن نُكمل النقاش بسهولة بعد ذلك.

الفكرة تقول:

كل سلوكٍ، أو فكرة، أو خطاب، يحطُّ من قيمة الفعل بالسلاح، ويرفع قيمة الفعل بالكلمات، وقيمة السياسة، هو العقل بعينه.

نُدرك جميعنا أن ثمة في البلد، من لا يريد أن يرفع قيمة الكلمة ويحطُّ من قيمة السلاح. وبطبية الحال، ليس لهؤلاء نوجه هذه القراءة.

استنادًا إلى هذه المنهجية السابقة، نطرح تَرِكَة الأسبوع الماضي في النقاط الآتية:

1) أخفقت الجهات الرسمية (إلى الآن) في واجبها المتمثل في حماية حياة السوريين، وفي تقليل الجَيَشان الطائفي إلى ما دون عتبة القتل بالحد الأدنى. وأخفق الخطاب الرسمي في حل المشكلات العالقة، مع أنه يُفيد دائمًا حسنَ النيات.

2) أخفق الشيخ الهجري، في إدارة الملف الذي تَنَطَّع له. ولم يبدِ الرجل رغبةً في السياسية التي تؤدي إلى تقليل الجَيشان الطائفي. وسار بدلًا من ذلك في طريق “الدرزية السياسية”، مستهلكًا رصيد أبناء السويداء الوطني المُشرِّف. ولذلك ثمة ضرورة للفصل بين الهجرية والدرزية، كما نفصل بين الدين وأيدولوجياته.

3) في الأيام المتوترة القليلة الماضية، كان أكثرُ الناس استعدادًا للطائفية أقلَّهم معرفةً بالدين الذي يتَّبِعونَه، وأكثر الذين ساهموا في الحشد الطائفي، وحث الناس على القتال، هم من الفئة الأقلِّ تدينًا، والأقل معرفةً بالدين، والعكس أيضًا صحيح.

4) الأغلبية الساحقة في السويداء، يعتقدون أن من بديهيات الحياة، بسيطة الإدراك، أن السوري (أيًا كانت طائفته) أقرب إليهم، وأبقى، من الدرزي الإسرائيلي الذي يقتل الفلسطينيين مع الجيش الإسرائيلي، والذي يقصف بلدهم، ويقتل شبابها، ويدمر بيوتها ومنشآتها؛ ومن “موفق طريف” الذي يُشجِّع على ذلك، ومن منتفعاته من الدروز السوريين الذين يستقوون بإسرائيل، والذين يُغريهم هذا العَلف الطائفي الذي يشترونه بدماءِ أبنائِهم.

5) خيرُ الأمورِ أوسطها، ودينُ التوتر العالي قد يحرق الأخضر واليابس، ورفع جهد الطائفيين أمرٌ لا يُستهان به، لأنه قد يسحق فكرة سورية عن بكرة أبيها؛ فهذه لعبةٌ خطيرة، لا ينبغي أن نجربها، لا في مستوى السياسة، ولا الأمن، ولا الإعلام، لأنها مسألةٌ قد تنهي فكرة سورية كلها، وعندها، ننتهي كلنا معها، من دون استثناء.

6) عندما تقع السياسية الرسمية في فخ فهم الشعب السوري بوصفه مجموعات من الأديان والطوائف، وتتبنى مثل هذه المقاربة؛ فهي تساهم، بالضرورة، في التأسيس لتوترٍ أهلي قد ينزلق إلى حرب، حتى وإن كانت نِيَّات القائمين على هذه السياسة صافية.

7) نحتاج مفهوم الحماية في منطقة بعيدة عن التي نضعه فيها هذه الأيام، الحاجة المُلحة إلى الحماية، تكون في حماية عقولنا، وقلوبنا، من الأيديولوجيات والأوهام والكراهية، وحماية ذواتنا من نفسها الأمارة بالسوء، وهذه الحماية لا تحتاج إلى دولة، بل إلى تفكير، لا شيء غير قليلٍ من التفكير، وبناء الأسئلة: لماذا أقتل؟ لماذا لا أتبادل الحياة مع الناس بدلًا من تبادل الموت؟ لماذا لا نمارس الحب بدلًا من الحرب؟ وهكذا. مفهوم الحماية في سورية يكون هنا حيث نُمعِنُ في هذا الحوار الصامت مع الذات أكثر، وأكثر.

—————————–

أزمة السويداء.. بين التدخل الخارجي ومصلحة الدولة الوليدة في سوريا/ فيصل علوش

2 أغسطس 2025

لم يكن لقاء باريس الذي جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر (24/7/2025)، برعاية السفير الأميركي في تركيا والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس براك، لقاءً عاديًا مثل غيره من الاجتماعات السابقة غير العلنية بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين، ومنها تلك التي عُقدت في باكو، عاصمة أذربيجان، وقيل إن أحدها جمع الشيباني ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي، بتنسيق من أنقرة.

أهمية اللقاء تتأتى من كونه أول اتصال علني ومباشر بين سوريا وإسرائيل على هذا المستوى منذ قرابة ربع قرن؛ بعد محادثات شيبردزتاون في العام 1999، التي رعتها إدارة كلينتون بين رئيس الوزراء الإسرائيلي حينذاك إيهود باراك ووزير الخارجية السوري الأسبق فاروق الشرع. ولماذا ديرمر وليس جدعون ساعر، وزير الخارجية الإسرائيلي؟ فقد أشير هنا، إلى أن المبعوث الأميركي براك لعب دورًا حاسمًا في اختيار ديرمر، بوصفه يتولى مسؤولية التواصل المباشر مع البيت الأبيض، ومُكلفًا حثّ الإدارة الأميركية على تقديم حوافز لتشجيع دمشق على التطبيع.

بيد أن ما تسرب عن فحوى اللقاء، الذي امتد نحو أربع ساعات، يوحي أنه ركز بشكل خاص على موضوع السويداء وأبعاد الموقف الإسرائيلي المساند للدروز وتداعياته، ولم يُكرَّس لمناقشة قضية العلاقة المستقبلية بين سوريا وإسرائيل، سواءً على مستوى التطبيع المحتمل، أم على مستوى وقف التصعيد الأمني والعسكري بين البلدين، وإمكانية التوصل إلى هدنة جديدة بضمانة أميركية تفضي إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط النظام البائد.

كما اكتسب اللقاء أهميته من كونه جاء عقب أحداث السويداء المأسوية والاعتداءات الإسرائيلية التي وقعت على القوات العسكرية السورية، وعلى مقرات سيادية في قلب العاصمة دمشق، على خلفية تلك الأحداث وطلب الشيخ حكمت الهجري الحماية من إسرائيل، في وقت تبدو فيه السياسة الإسرائيلية تجاه دمشق متأرجحة بين خيارين؛ تفضيل حكم مركزي قوي يقوم بتطبيع العلاقات معها، أو دولة ضعيفة مفككة تتوزع إلى “أقاليم” متعددة، لا تملك زمام نفسها وقرارها. وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة تبدو حتى الآن، ظاهريًا على الأقل، وكأنها تميل إلى إقامة دولة سورية موحدة، وتاليًا، سلطة مركزية تسيطر على جغرافيا الدولة بأكملها، لكن الصعوبات والمعوقات، (وأغلبها يعود إلى سلوكيات وتصرفات السلطة القائمة ذاتها، على الرغم من كل الدعم الإقليمي والدولي الذي حظيت به)، تجعل من الصعوبة بمكان تحقيق هذا المبتغى.

تسريبات غير رسمية

لم يرشح شيء رسمي، في الواقع، عن مخرجات لقاء باريس، ولكن التسريبات غير الرسمية أفادت أن ملف السويداء تم تحويله إلى الأميركيين، وهم سيلتزمون متابعة تنفيذ بنود الاتفاق الذي أكد على “منع دخول أي منظمة أو مؤسسة تابعة للحكومة السورية إلى السويداء، وتشكيل مجالس محلية من أبناء المحافظة تتولى مهمة تقديم الخدمات”، إضافة إلى “تشكيل لجنة لتوثيق الانتهاكات، على أن ترفع تقاريرها إلى الطرف الأميركي”.

وإذا صحت هذه التسريبات، أو بعضها على الأقل، فهذا يعني أن إسرائيل باتت حاضرة بقوة في معالجة ملفات داخلية سورية، وأقلها ملف السويداء والجنوب السوري، الذي يشمل كذلك محافظتي القنيطرة ودرعا. وقد يفسر هذا الصمت الرسمي السوري إزاء مخرجات اللقاء، والتركيز عوضًا عنه على البيان المشترك الذي صدر في اليوم التالي إثر اجتماع الشيباني مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل باروت والمبعوث الأميركي توماس براك، والذي قالت الخارجية السورية إنه شدد على “دعم الحكومة السورية في مسار الانتقال السياسي الذي تقوده، بما يهدف إلى تحقيق المصالحة الوطنية وتعزيز التماسك المجتمعي، لا سيما في شمال شرق سوريا ومحافظة السويداء”.

ارتكاسة لمسار الانتقال السياسي

غير أن الأحداث الأليمة التي شهدتها السويداء، وما رافقها من تجييش وانتهاكات جسيمة واسعة النطاق بحق المدنيين على خلفية طائفية؛ بما فيها عمليات قتل تعسفي وإعدامات ميدانية جماعية، وعمليات خطف ونهب وتدمير ممتلكات، فضلًا عن عمليات الإذلال والإهانة والإيذاء النفسي والجسدي، (من قبل مختلف الأطراف، وخصوصًا من عناصر وجهات محسوبة على القوات الأمنية والعسكرية الحكومية)، كانت كلها بمثابة ارتكاسة لمسار الانتقال السياسي، ووجهت ضربة في الصميم لإمكانية “تحقيق المصالحة الوطنية وتعزيز التماسك المجتمعي”، الذي أشار إليه “بيان باريس المشترك”، حسبما نقلته الخارجية السورية.

وقد ترتب على ذلك تبدلٌ في الخطاب الأميركي والغربي عمومًا تجاه دمشق، حيث بدأت مداولات في أروقة الكونغرس بشأن إعادة العقوبات واستمرار العمل بقانون قيصر؛ إلى جانب توجيه انتقادات صريحة للسلطات السورية، صدرت إحداها عن براك ذاته الذي قال في مقابلة مع “رويترز” إنه “حثّ الرئيس السوري أحمد الشرع، على إعادة ضبط سياساته”، مؤكدًا على “ضرورة دمج الأقليات سريعًا ضمن بنية الحكم”، ولافتًا إلى أن “استمرار الشرع في تجاهل دعوات التغيير قد يفقده الدعم الدولي ويؤدي إلى تفكك البلاد”.

فهل هذا ما كانت تتوخاه الحكومة السورية جراء تدخلها في السويداء؟ وإذا كانت إسرائيل لا تريد لسوريا أن تكون موحدة ومستقرة وقوية، وتبحث عن ذريعة تستغلها في سبيل تصعيد عدوانها وتدخلها فيها، وثمة أطراف في الداخل لا يمانعون من الاستقواء بها “من أجل حسابات سياسية ضيقة”، كما يقول وزير الإعلام السوري، فهل ما فعلته الحكومة هناك هو الكفيل بقطع الطريق عليها، وعلى إمكانية تدخلها في شؤوننا الداخلية؟ هل نذكّر هنا بأن الحكم البائد لم يفكر بأن يجتاح السويداء عسكريًا طوال قرابة سنة ونصف من الاحتجاجات التي اندلعت فيها قبيل هروب الأسد، وأخرجت المدينة عمليًا عن سيطرته، على رغم كل ما يوصف به، وما ناله من تحقير في تلك المدينة، وذلك لأسباب كثيرة لعلّ أهمها حساسية مثل هذا العمل وانعكاساته المحتملة على الإقليم؟

وهكذا تبدو الحكومة وكأنها أوقعت نفسها في “مطب” السويداء، على نحو فاقم من تمزيق النسيج المجتمعي السوري، وزاد من انعدام الثقة بين السلطة والعديد من المكونات الاجتماعية السورية، وأبعدنا، من ثم، عن إمكان تحقيق المصالحة الوطنية المنشودة، التي هي في غاية التعقيد والصعوبة أصلًا، في بلد باتت فيه الرابطة الوطنية في غاية الضعف والهشاشة.

خلط متعمد بين السلطة والدولة

والحال، فإن ما يحدث الان في سوريا هو نموذج بيّن لإشكالية “الحوكمة الرشيدة”، ومحاولة السلطة إخضاع الاجتماع السوري المتنوع إلى مركزية شديدة لا تؤمن بالاختلاف وقبول الآخر، وتنزع إلى ممارسة العنف المنفلت على خلفية طائفية؛ (أحداث الساحل السوري أولًا، ثم أحداث السويداء، والخشية كل الخشية من أن يكون الحبل ما زال على الجرار..). كل ذلك بمسوّغ أن “مصلحة الدولة” تقتضي ذلك، في خلط متعمد بين مفهومي السلطة والدولة، من دون تفريق بين مصلحة كلّ منهما، وخصوصًا حين تُنتهك حقوقَ الأفراد والجماعات. وواقع الحال هو أن الدولة الوليدة في سوريا لازالت في طور التشكل والتكوين، ولم تغدُ بعد دولة مكتملة الأركان ومتوافق عليها من المجتمع ككل، وتستوجب، بالتالي، الالتفاف حولها والدفاع عنها.

فما جرى من فظائع وانتهاكات متنقلة، وصولًا إلى التجاوزات المروعة في السويداء، إنما هي تمثيلات عيانية، مؤلمة ومأسوية، عن تفرد السلطة الحاكمة واستئثارها في تحديد مصير البلاد والدولة التي تسعى إليها؛ شكلًا ومضمونًا، بما في ذلك توجهاتها الاقتصادية والاجتماعية وعقيدتها الأيديولوجية، وعلاقاتها الإقليمية والدولية، في مقابل رفضها لأي حوار وتشاور حقيقي مع عموم السوريين بهدف إشراكهم في تقرير مصيرهم، ووضع أسس الدولة الجديدة التي يتطلعون إلى بنائها، ومن ثم اندماجهم في بنيانها ومؤسساتها بكل قبول ورضا؛ بوصفها دولتهم، دولة المواطنين السوريين جميعًا، من دون تمييز على خلفية الانتماء الديني أو المذهبي أو الإثني أو الثقافي.

————————

 رفع علم الاحتلال في السويداء يثير الجدل ويكشف انقساماً في الخطاب الاحتجاجي

2025.08.02

أثار رفع علم الاحتلال الإسرائيلي في ساحة الكرامة بمدينة السويداء أمس الجمعة موجة جدل واسعة، امتدت من الأوساط الشعبية إلى النقاشات السياسية والإعلامية، وطرحت تساؤلات جدية حول طبيعة التحوّلات التي يشهدها الخطاب داخل بعض حركات الاحتجاج في المحافظة.

جاءت الحادثة في ذروة التوتر الداخلي، وتزامنت مع إعلان وزارة العدل السورية عن تشكيل لجنة للتحقيق في الأحداث الأخيرة بالسويداء، ما زاد من حساسية التوقيت، ورسّخ الانطباع بأن ثمة تصعيداً في الرموز والشعارات المستخدمة يخرج عن الإطار الوطني المتعارف عليه.

ورغم أن بعض الفعاليات المدنية سارعت إلى التنصل من الواقعة واعتبارها سلوكاً فردياً، رأى آخرون أن ما جرى يعكس اختراقاً في البنية الرمزية للحراك، ويدفع نحو توظيف سياسي قد يُستثمر ضد مطالب سكان المحافظة.

ما دلالات رفع العلم؟

تعليقاً على الحدث، قال الدكتور رضوان زيادة، الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: “شيء مؤسف للغاية، ولا أعتقد أن هذه الحادثة تمثّل ساحة الكرامة. أنا زرت ساحة الكرامة وافتخرت بالتصوير فيها، واللقاء مع أبرز ناشطي السويداء، وأعتقد أنه لا يحق لعلم الاحتلال الإسرائيلي أن يُرفع مع صور خلدون الزين، الذي كان أول منشق من السويداء وانضم إلى الجيش الحر، أو مع صور غياث مطر. هذه الصور المرفوعة في ساحة الكرامة لا يشرفها أن يُرفع معها علم الاحتلال الإسرائيلي”.

وأضاف في لقاء مع تلفزيون سوريا: “أعتقد أن هذه الحادثة لا تمثل السويداء، ولا تمثل أولئك الذين حافظوا على ساحة الكرامة وصانوها حتى أصبحت ساحة للكرامة والحرية بشكل حقيقي. لذلك أرى أنها حادثة فردية، وربما هؤلاء الأشخاص يريدون الانتفاع، أو مغرَّر بهم بشكل أكيد، لأن الاحتلال الإسرائيلي لن ينصفهم، ولن يساعدهم، ولن يحميهم”.

وأشار إلى أن “الاحتلال الإسرائيلي موجود فقط لقصفهم واحتلال مزيد من الأراضي السورية. ولذلك، يجب على عقلاء السويداء الآن، وكذلك عقلاء الشعب السوري ككل، أن يحاولوا احتواء السويداء واحتضانها بشكل كبير، لأننا لا نريد لمثل هذه الأصوات أن تتزايد أو تتكاثر. ونؤكد باستمرار أن هذه أصوات معزولة، ولا تمثل الصوت الحر في السويداء”.

من جهته، قال عميد كلية العلوم السياسية في جامعة الشمال، الدكتور كمال عبدو: “أتمنى أن يكون الأمر كما تفضل الدكتور زيادة، أن تكون هذه قلة عابثة صادرت القرار في السويداء بأكملها لصالح أجندات طائفية، أجندات خاصة، لكن ما نراه للأسف الشديد، أو ربما قد أخطأنا التقدير، أن التيار الانعزالي أو الطائفي أو الانفصالي هو اليوم الغالب في السويداء، وهذه حقيقة لا تُنكرها العين. وبالتالي، لو كان هناك بالفعل تيار وطني، لو كان هناك من يفضلون التقارب مع دمشق على التقارب مع تل أبيب، ربما لاحظنا ردة فعل”.

ووفق عبدو، “على أقل تقدير، هذه ليست إساءة فقط لساحة الكرامة ولا للسويداء، بل إساءة لكل سوري. لا يمكن القبول برفع علم إسرائيل على أرض سورية تحت أي ظرف كان. والله لو طالبت السويداء أو طالب هؤلاء بالانفصال عن الدولة دون رفع علم إسرائيل، لربما احترمنا موقفهم على أقل تقدير، وقلنا إنهم يريدون وطناً لأنفسهم، وطناً يعتاشون عليه”.

واستدرك: “لكن أن يتم رفع علم إسرائيل، فهذا استفزاز لكل العرب والمسلمين. على أقل تقدير، إن لم يحترموا تضحيات السوريين، فليحترموا أهلنا في غزة. للأسف الشديد، لا أعلم. تطور الأحداث كان دراماتيكياً وسريعاً جداً، ودفع الناس دفعاً نحو هذا التيار”.

ولفت إلى أن “هذا التيار، الذي يقوده الهجري، كان تيار أقلية في السويداء، لكنه تضخم، وتطور الأحداث دفع به إلى الصدارة. هو اليوم، صحيح أنه يصادر القرار الوطني في السويداء، لكن له أتباع، وله عسكريون، وله سياسيون، وله رجال دين. هذا تيار قوي لا يمكن الاستهانة به، والتعويل على المكون الوطني لوحده في السويداء لم يعد يجدي نفعاً”.

وبحسب عبدو، فإن الأمر “يحتاج إلى تكاتف كل السوريين، كما تفضل الدكتور زيادة، لأننا اليوم أمام مسؤولية عظيمة جداً. لا سمح الله، خسارة أي جزء من الوطن لصالح إسرائيل في قادم الأيام ستدفعنا دفعاً إلى خسارة أجزاء أخرى من هذا الوطن لصالح إسرائيل، وهذا لا يريده أي عاقل في سوريا على الإطلاق”.

ما دور الدولة والتيارات المحلية؟

يعتقد الدكتور زيادة أن “أهالي السويداء يدركون تماماً أنهم ليس بقدرتهم الاعتماد على إسرائيل. وأعتقد أن الدروز، بشكل أو بآخر، انقسموا إلى دروز مع إسرائيل، ودروز في لبنان، ودروز في سوريا، وأرى أن دروز سوريا ولبنان لديهم مواقف وطنية مشرفة خلال القرن الماضي. لذلك، من غير المقبول تقريباً لأي شخص مثلي أو أي شخص آخر أن يزايد على هؤلاء”.

وقال: “من خلال زياراتي المتكررة إلى السويداء ولقائي مع الكثير من المثقفين والناشطين هناك، يمكنني التأكيد أن الخط الوطني هو الخط الغالب بلا شك، وأن الأقلية أو الأصوات المنفردة تؤثر وتشوّش”، معتقداً أن الهجري اختطف الصوت الدرزي في السويداء. ولذلك، هو لا يمثل الخط الوطني، ولا يمثل الغالبية في السويداء.

وتابع: “هناك شكوك كبيرة، فالمشكلة أن لقبه الديني هو (الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز)، ولا يحتفظ الحناوي وجربوع بهذا اللقب، بسبب أقدمية عائلة الهجري. وقد تسلّم مشيخة العقل من شقيقه الذي كان يشغل هذا الدور سابقاً. لذلك، أعتقد أن الوقت قد حان للتفكير جدياً على مستوى سوريا، ودروز سوريا ولبنان، وحتى على المستوى الوطني السوري، في كيفية فك الارتباط بين الهوية الطائفية الدرزية والانتماء الوطني، ليس هناك تناقض: تستطيع أن تكون درزياً، وتستطيع أن تكون سورياً، وتستطيع أن تكون وطنياً. لكن الاشتغال من منطق طائفي في الحقل السياسي هو المشكلة”.

ووفق زيادة، بالنسبة لأي مراقب خارجي، “هناك مشكلة ما في الحكم مع الأقليات. نعم، هناك عوامل خارجية كبيرة، منها التدخل الإسرائيلي، وفلول وبقايا نظام الأسد، لكن بالنسبة لنا كسوريين، وبالنسبة للحكومة، يجب أن نفكر في العوامل الداخلية التي يمكن السيطرة عليها، كيف يمكن أن ينفتح الحكم السياسي بحيث يشعر الجميع بالمشاركة المجتمعية والسياسية، بحيث تبقى هذه الأصوات المنعزلة والمنفردة خارج التيار العام؟ لأنه لا يمكن في ظل حرية الرأي والتعبير إسكات كل الأصوات، لكن عندما يكون التيار الغالب، أو التيار الرئيسي كما يقال في العلوم السياسية، هو التيار الوطني المعتدل، والداعم للدولة في مرحلتها الانتقالية، فإن الأصوات الفردية تنكشف وتخبو تدريجياً”.

بدوره، قال الدكتور عبدو: “نريد توصيف الواقع كما هو. قول الحقيقة أحياناً لا يعني أننا ضد هذا التيار أو ذاك. نحن نريد أن نصل إلى الحقيقة. هناك مشكلة حقيقية اليوم بين المكون الدرزي وحكومة دمشق. فهل أساس هذه المشكلة ينبع من شيء طائفي؟ لنفترض جدلاً أن هناك تعارضاً بين الانتماء للطائفة والانتماء للوطن، بالتأكيد الناس سيتحصنون خلف طوائفهم، وهذا أمر طبيعي جداً”.

وأوضح أن “زيارة أفيخاي أدرعي إلى بعض قرى جبل الشيخ تأكيد على أن إسرائيل تقف مع الدروز قولاً وفعلاً. إسرائيل وقفت عسكرياً مع الدروز، وقصفت صحنايا، وقصفت محيط دمشق، وفي الفترة الأخيرة قصفت الأركان، وحتى قصر السيد الرئيس”، ووجهت تهديداً مباشراً للقيادة السورية. الإسرائيليون يتحدثون علناً: “هؤلاء إخوتنا”.

وتابع: “أنا مع مشاركة الجميع، وأن يشارك الجميع في الحكم، وفي الحوار الوطني، وأن يتم توسيع الحوار الوطني ليشمل أشهراً وأعواماً، لا مشكلة في ذلك. المهم أن يشارك الجميع، وأن نتخلى عن فكرة أن الآخر سيدعمنا. اليوم، الإسرائيلي لا يستخدم الدروز حباً بالدروز. هو يقول: (هؤلاء إخوتنا)، لكنهم ليسوا إخوة، والجميع يعلم ذلك. إسرائيل تستخدمهم كورقة، أو كطريق للعبور إلى سوريا، لتفتيت سوريا”.

وأكمل: “اليوم الدروز، وغداً الأكراد، وربما بعدها العلويون، ثم الإسماعيليون، فالمسيحيون، وهكذا ستنتهي سوريا من الخريطة. إسرائيل اليوم تقدّم نفسها كداعم للدروز قولاً وفعلاً، تقدم مساعدات مادية وعينية وسلاحاً، ويقال إن هناك ضباطاً إسرائيليين يوجدون في المنطقة الجنوبية بشكل مباشر للإشراف على تطور الأوضاع”.

ويرى عبدو أن “الخروج من هذا المأزق التاريخي الذي وجدنا أنفسنا فيه هو أمر صعب وشاق جداً. ربما لا أملك الحلول، وربما حتى الحلول هي خارج مقدرات الحكومة. هناك اليوم مشكلة بيننا كمجتمع سوري، مشكلة في النظرة إلى الآخر، وهناك تدخل إقليمي أيضاً”.

————————–

 الخطاب المضلل في سوريا.. ما أنماط الانتشار وسبل المواجهة الرسمية؟/ عائشة صبري

2025.08.02

تتزايد التحذيرات في سوريا من تصاعد حملات التضليل الإعلامي التي تستهدف السلم الأهلي وتغذي الانقسام الطائفي، في ظل ما تصفه الجهات الرسمية بـ”هجمات رقمية ممنهجة” تزامنت مع الأحداث الأخيرة في محافظة السويداء، إذ تشير البيانات الحكومية إلى نشاط عشرات آلاف الحسابات الإلكترونية التي تُدار من الخارج وتروّج لمحتوى مضلل يتلاعب بالسياق ويعتمد على مشاهد مجتزأة أو مفبركة.

ووفقاً لبيانات وزارة الإعلام السورية، فإن أكثر من 300 ألف حساب إلكتروني تنشط ضمن هذه الحملة، وتعمل عبر أربع دول رئيسية لم تُسمّها الوزارة، بعضها يعادي الدولة السورية بشكل مباشر، وبعضها يتخفى وراء خطاب مؤيد ظاهرياً لكنه يحمل مضامين تحريضية وتقسيمية.

تحقيقات إعلامية متخصصة ومنصات تحقيق رقمية أظهرت أن هذه الحملات ليست وليدة اللحظة، بل سبقتها موجات مشابهة رافقت أحداثاً سابقة في جرمانا والساحل السوري وحمص، وارتبطت بنشاط شبكات إلكترونية مرتبطة بجهات دولية، من بينها إسرائيل وإيران، وتعمل من خلال ما يُعرف بـ”حرب النصف حقيقة”، التي تعتمد على تزييف السياق أو التلاعب بالزمن والمصدر.

وفي المقابل، دعا عدد من الصحفيين والخبراء في الإعلام الرقمي إلى ضرورة تأسيس هيئة وطنية متخصصة لرصد هذه الحملات والتصدي لها، مؤكدين أن الإجراءات الحكومية الحالية ما تزال غير كافية، وأن غياب الرد السريع يعمّق فجوة الثقة بين الجمهور والسلطات الرسمية، ما يمنح روايات التضليل فرصة أكبر للانتشار والتأثير.

وتلفت وزارة الإعلام إلى أن سوريا تواجه “حصاراً رقمياً” يمنع التواصل التقني المباشر مع المنصات الكبرى، وهو ما يعرقل الوصول إلى أدوات الدعم والإعلانات، ويحدّ من إمكانية تقديم الشكاوى أو تفعيل إجراءات الحماية الرقمية.

تحذيرات رسمية

حذر وزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، على صفحته في “فيس بوك”، قبل أيام، من تنامي الحسابات الوهمية التي تنشر محتوىً مضللاً بنحو 300 ألف حساب تتمركز في أربع دول رئيسية، موضحاً أن المحتوى المضلل لا يقتصر على الخطاب المعادي، بل يتخفى أحياناً في طابع مؤيد للدولة، في حين يحمل مضموناً تقسيمياً.

وفي السياق، أشار الصحفي المتخصص في التحقق من المعلومات، عدنان الحسين، إلى خطورة حرب التضليل الإعلامي، لما لها من أثر مباشر في تأجيج الانقسام الطائفي والمجتمعي، إذ تؤدي إلى استعداء الأقليات على الحكومة، واستعداء مناصري الحكومة على الأقليات، ما وسّع من حدة الشروخ الداخلية، وأسهم في اندلاع العنف والاقتتال.

وأضاف الحسين في حديث مع موقع تلفزيون سوريا أن حملات التضليل تقف وراءها دول كبرى ومؤسسات إعلامية منظّمة، تبث مشاهد مفبركة أو معلومات مجتزأة، تعتمد على نشر نصف الحقيقة، ما يؤدي إلى زعزعة الثقة بين الشعب والحكومة، موضحاً أن الحكومة حتى الآن لا تمتلك الأدوات الفاعلة للتعامل مع هذه الحملات، بل تتباطأ في بناء أدوات المواجهة.

من جانبه، أكد الصحفي ابن السويداء أيهم عساف لموقع تلفزيون سوريا، أن “التضليل الإعلامي لعب دوراً كارثياً في تغذية الخطاب الطائفي، من خلال تقديم ما حدث في السويداء على أنه مجرد صراع عشائري أو فتنة بين الدروز والبدو، فبعض وسائل الإعلام، ضخمت الحدث بطريقة خبيثة لتصوير الدروز كمحرضين أو معتدين، ما ساعد على خلق رأي عام مسموم خارج المحافظة، سهّل تبرير العنف ضد المدنيين”.

إسرائيل وإيران تدعمان الحرب الإعلامية

عن الحملة الإعلامية التي رافقت الاقتتال في السويداء في 13 تموز/يوليو الماضي تحت وسم “#السويداء_تحارب_الإرهاب”، وما سبقها من حملات مشابهة خلال أحداث جرمانا وصحنايا بريف دمشق والساحل السوري وحمص، أوضح الصحفي والأكاديمي يحيى الحاج نعسان لموقع تلفزيون سوريا أن الفوضى الإعلامية تقودها حسابات وهمية تابعة لإسرائيل تستند على أخطاء فردية للجيش السوري الناشئ، وتصبّ في مصلحة أطراف متعددة، بينها إيران، وحزب الله، وروسيا، وإسرائيل، ومن يدور في فلكهم، لإلحاق الضرر بسوريا حكومةً وشعباً.

وقال مدير الإعلام الرقمي في وزارة الإعلام السورية، عبد اللطيف شموط، لموقع تلفزيون سوريا إن التحليلات التي أجرتها الوزارة، إلى جانب بيانات تحليلية حصلت عليها من بعض منصات التواصل، تشير إلى أن معظم هذه الحسابات تنشط من إسرائيل وإيران، إضافة إلى كيانات تعمل داخل مناطق سورية خارجة عن سيطرة الدولة.

وأوضح المسؤول الإعلامي أن الخطاب المضلل يركّز على “التحريض ضد الدولة والطائفية، تشويه صورة مؤسسات الدولة، بثّ الذعر، وتضخيم الأحداث الميدانية بشكل يخدم أجندات خارجية”، كما يُستخدم التضليل لزرع الفتنة بين مكونات الشعب السوري.

وفي هذا السياق، أكد تحليل رقمي لمنصة “إيكاد” للتحقيقات أن أكثر من 122 ألف تفاعل عبر أكثر من 64 ألف حساب إلكتروني تابع لمحور إيران شارك في دعم الخطاب الإسرائيلي من 14 إلى 16 الشهر الماضي، سبقها تحقيق كشف عن شبكة متكاملة لدعم انفصال السويداء والتدخل الإسرائيلي.

كما أفاد تحقيق للتلفزيون العربي بأن 886 ألف حساب شاركوا في حملة رقمية ممنهجة ضد الحكومة السورية تزامنت مع أحداث السويداء بنحو ثلاثة ملايين منشور، مثّلت أميركا مصدر الحسابات بنسبة 40%، تلتها فرنسا بـ9%، ثم بريطانيا بـ8%، وتصدرت اللغة الإنكليزية بـ78% من المنشورات، وتميزت بظهور العلم الإسرائيلي ونجمة داود، تداولتها شبكات صهيونية، تحالف الأقليات السورية، واليمين المتطرف. سبقها تحقيق مماثل لحملة رقمية رافقت أحداث الساحل السوري.

وكشف تحليل رقمي لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عن نشاط منظم لشبكات من الحسابات الإلكترونية تنشر معلومات مضللة وتؤجج الخطاب الطائفي في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، واعتمد على أكثر من مليوني منشور استهدفت الحكومة السورية الجديدة وبعض الأقليات الدينية، وتركز أكثر من 60% من الحسابات الناشرة في العراق، اليمن، لبنان، وإيران.

محتوى التضليل الإعلامي

حسبما رصد موقع تلفزيون سوريا، فإن محتوى التضليل الإعلامي نوعان:

    الإشاعة: ادعاء مضلل عبر تضخيم الأخبار الصغيرة، وإظهارها بصورة تختلف عن حقيقتها، ويتم استخدام مواد إعلامية قديمة أو من أماكن أخرى لاستغلالها في تأجيج الصراع.

    الشائعة: ادعاء كاذب يختلق أخباراً غير موجودة لأغراض خبيثة، يتناقلها الناس من دون التحقق من صحتها، مثلما حذفت قناة “الميادين” أخبارها الزائفة عن مغادرة الرئيس أحمد الشرع لدمشق.

وقال الكاتب أحمد الصالح لموقع تلفزيون سوريا إن خطاب التضليل الإعلامي يعتمد على أخبار انتهاكات حقوق الإنسان، ما أدى إلى تأجيج الاحتقان بين السوريين، وتعميم ثقافة التخوين والطعن، وأضاع المصداقية، إضافة إلى أخبار السيطرة العسكرية على المناطق، أو التصريحات المنسوبة لمسؤولين محليين ودوليين، ما شكل “حرباً إعلامية ونفسية كبيرة”.

وأشار أيهم عساف إلى محتوى تضمن إشاعات بأن أهالي السويداء هجروا البدو، في حين أن ما جرى هو انسحاب مؤقت تقليدي متعارف عليه، واستخدام صور مفبركة أو قديمة لإدانة أهالي السويداء وتبرير الهجوم عليهم بدلاً من عرض الحقائق، وطمس محتوى يوثق الانتهاكات.

من يروّج للأخبار المضللة؟

حسب رصد موقع تلفزيون سوريا، يمكن تقسيم المروجين للتضليل الإعلامي إلى أربعة أنماط يستند بعضها إلى بعضه في محاولة تأكيد الرواية المضللة، ويتسم بعضها بعداء سابق للثورة السورية، أو أصبح التوجه معادياً بعد رئاسة أحمد الشرع لسوريا:

    التقارير الصحفية لقنوات ومواقع دولية.

    مراصد حقوقية وشبكات محلية.

    قنوات على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة تطبيقات “واتساب” و”تليغرام”.

    حسابات شخصية للمشاهير: مثل الفنانين، الصحفيين، والسياسيين.

وأشار الصحفي ياسين أبو فاضل إلى دور بعض القنوات الدولية في تأجيج الصراع عبر التضليل الإعلامي وتشويش “الترند” بتصدير قضايا أقل أهمية من قضايا أهم، موضحاً لموقع تلفزيون سوريا أن القنوات والحسابات تشترك في “توظيف الأخبار بما يدعم السردية التي تهاجم الدولة السورية الجديدة عبر تصدير قصص بحق الأقليات، ووصف الدولة بالداعشية، وإن تم ذكر تصريحات حكومية، يتم اجتزاؤها مع تعهد الحكومة بالمحاسبة، لتأكيد رواية ملفقة”.

ولفت أبو فاضل إلى الجدل حول هوية الضحايا والقاتل في المستشفى الوطني بالسويداء، ففي حين اتهم تقرير “BBC” القوات الحكومية بارتكاب “مجزرة” في المستشفى، أكدت منصة “إيكاد” أن الفصائل الدرزية هي من حاصرت المستشفى وسيطرت عليه، مع اعترافات منهم بالقضاء على عناصر حكومية فيه.

من جانبه، حذر يحيى الحاج نعسان من خطورة الإعلام كسلاح مزدوج، يناصر قضايا الشعوب ويسهم في تعزيز خطاب الكراهية، ما يهدد وحدة سوريا. وضرب مثالاً بـ”المرصد السوري لحقوق الإنسان”، الذي فقد مصداقيته لدى شريحة واسعة من الجمهور بعد تفنيد مزاعمه سابقاً، ورغم اعتماده من الإعلام الأجنبي، إلا أن تقريراً نرويجياً أكد أن المرصد مضلل وفاقد للمصداقية، بخلاف “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” التي وُصفت بالموثوقة لمصادرها.

كذلك أشار أحمد الصالح إلى قيامه بجهود فردية في استخدام سياسة فضح المنصات الكاذبة من خلال تأليف بعض الأخبار الزائفة مرفقة بصورته الشخصية، وتم تداولها من دون تدقيق من قبل منصات كثيرة مثل “مرصد انتهاكات الساحل”، و”زينو المحاميد”، وحساب “أس الصراع”، وهذا الأمر فضح عدم قيام هذه المنصات بالتحقق من الأخبار التي تصلها، وهو أسلوب ناجع في مواجهة الشائعات، فلا يمكن محاربة البروباغندا إلا ببروباغندا مضادة تنقض أصولها.

في حين أكد الصحفي زيد مستو، مدير معهد مصداقية الصحافة في واشنطن، لموقع تلفزيون سوريا، اعتماد كثير من المؤثرين السوريين على معلومات غير موثقة من مجموعات “تليغرام” و”واتساب”، وينشرونها من دون تحقق، ما يجعلهم أدوات لنشر محتوى كاذب يخدم أجندات سياسية أو عسكرية، ويضلل الرأي العام لتحقيق شهرة أو مكاسب.

وأوضح مستو أن التضليل الإعلامي يعزّزه تحيّز غير واعٍ (Implicit bias) يدفع الأفراد لتبنّي صور نمطية، وتحامل تأكيدي (Confirmation bias) يجعلهم يميلون لتصديق المعلومات التي توافق معتقداتهم، متجاهلين ما يخالفها، مما يُضعف قدرتهم على التمييز. لافتاً إلى أن جميع الأطراف يقعون ضحايا لهجمات التضليل الإعلامي التي يكون مصدرها “شعور طائفي أو إثني أو أيديولوجي، أو تقف خلفها جهات تحاول زعزعة النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي”.

سبل مكافحة التضليل الإعلامي

دعا الصحفيون المشاركون في هذا التقرير وزارة الإعلام السورية إلى الإسراع في إنشاء هيئة وطنية أو مكتب وطني لمكافحة الشائعات والتضليل الإعلامي، على أن تكون ذات كفاءة عالية وخبرة متخصصة، يعمل تحت مظلتها عدد من المؤسسات المختصة، وتدعم الشبكات التطوعية والجهود الفردية التي تنشط في مجال التصدي لحملات التضليل الإعلامي.

وقال يحيى الحاج نعسان إن “الماكينة الإعلامية المضللة تحتاج إلى ماكينة مضادة تُفنّد أكاذيبها بالأدلة”، مؤكداً ضرورة نشر الوعي الإعلامي بين الجمهور، لأن الوعي هو الحصن الأول ضد الشائعات. فحين لا يُفنّد الكذب، فإن الإغراق فيه يصبح وسيلة للتأثير على الرأي العام، مشيراً إلى أهمية منصات التحقق من الأخبار.

ولفت عدنان الحسين إلى وجود عدة مقترحات تم تقديمها للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، من بينها مقترحات شخصية قدّمها بنفسه، لكن من دون أي تحرك فعلي حتى الآن، مشدداً على أن “الاتهامات التي تُوجّه للحكومة تبقى قائمة طالما لا توجد ردود تُفنّدها، وهو ما يرسخ تلك الاتهامات كحقائق، في حين أن تأسيس مكتب وطني مهني يُعنى بنشر المعلومات الصحيحة بشكل فوري سيكون خطوة محورية في حماية الرأي العام من التضليل”.

بدوره، دعا ياسين أبو فاضل وزارة الإعلام إلى تأسيس مكتب اتصال بوسائل الإعلام الأجنبية، وإطلاق غرفة إعلامية ناطقة بلغات أجنبية ترد فوراً على التقارير المغلوطة وتقدّم رواية موثقة، فضلاً عن إعداد تقارير موجّهة للرأي العام الدولي بأسلوبه ولغته، ودعم حملات إعلامية تُحدث تأثيراً في الرأي العام الغربي. منوهاً إلى أهمية اللجوء إلى القضاء ضد بعض الوسائل المتورطة بالتحريض، فتفعيل مبدأ المحاسبة هو إجراء قانوني تتخذه كبرى الدول لمنع خطاب الكراهية.

مبادرات مدنية

نشر “مركز الحوار السوري” رؤية تدريجية لمعالجة خطاب الكراهية في سوريا، أوضح فيها دور نظام الأسد في تقسيم المجتمع السوري على أسس طائفية أو مناطقية أو طبقية، وبثّ الخوف بينهم وفق سياسة “فرّق تسد”، وشدّد على ضرورة تجريم خطاب الكراهية بالأدوات القانونية كخطوة أولى للعلاج، واتخاذ خطوات فعالة لمكافحته في المجال العام والإعلام، ودعم منظمات المجتمع المدني في دورها التوعوي.

ويرى أيهم عساف أن “الأداء الإعلامي الرسمي الحكومي كان منحازاً بشكل فج، ومشاركاً في تضليل الجمهور”، حسب وصفه، مضيفاً أن “الإعلام الحكومي تجاهل المجازر والانتهاكات، وضخّ خطاباً يتهم السويداء بالخيانة والعمالة، وروّج لروايات تخدم أجندة أمنية واضحة تهدف إلى شيطنة المجتمع المحلي في السويداء”.

وتابع عساف: “ما جرى في السويداء ليس مجرد نزاع محلي كما يحاول البعض تصويره، بل هو نتيجة تضليل إعلامي منظم استُخدم فيه التجييش الطائفي والتحريض، لتبرير انتهاكات ممنهجة ضد المدنيين”، مشيراً إلى أن إيقاف الحرب الإعلامية يحتاج إلى:

    إنتاج إعلام مستقل داخل السويداء يعكس صوت الأهالي الحقيقي ويعمل على توثيق الحقائق بالصوت والصورة.

    الضغط على المنصات العالمية (مثل فيسبوك ويوتيوب) لإزالة المحتوى التحريضي الذي يهدد السلم الأهلي.

    تنظيم حملات تضامن وتوضيح عبر الجاليات السورية في الخارج، لتفنيد الأكاذيب وكشف الجهات التي تروّج لها.

    سنّ قوانين صارمة تجرّم الخطاب الطائفي، مع آلية تنفيذ واضحة للعقوبات.

حصار رقمي على وزارة الإعلام

أكد وزير الإعلام حمزة المصطفى أن سوريا ما تزال تحت العقوبات الأميركية، ما يعوق التواصل المباشر مع منصات التواصل الاجتماعي، خاصة فيما يتعلق بمكافحة حملات التضليل والشائعات، وما يزال التقدم بطيئاً لجهة رفعها رغم الأمر التنفيذي الذي وقّعه الرئيس ترمب.

وأوضح مدير الإعلام الرقمي في الوزارة، عبد اللطيف شموط، أن العقوبات الأميركية تفرض قيوداً صارمة على تجاوب شركات التقنية والتكنولوجيا مع مؤسسات الدولة السورية، بما فيها وزارة الإعلام، فالأمر لا يقتصر على التواصل، بل يمتد إلى منع الوصول إلى أدوات الدعم، والتحليل، والإعلانات، وحتى تقديم الشكاوى الفنية.

ولكسر هذا الحصار الرقمي، أكد شموط التعاون مع جهات رسمية أخرى من دول صديقة تلعب دور الوسيط عبر قنوات دبلوماسية، بالإضافة إلى تطوير وابتكار أساليب محلية عبر التقنيين لتجاوز هذه العقبات، مشيراً إلى تنسيق مباشر مع وزارة الاتصالات، ووزارة الداخلية، والهيئات الوطنية المختلفة، بهدف مواجهة الحملات الرقمية الموجهة، وضمان التعامل السريع مع التهديدات الرقمية، وحل المشكلات التقنية المتوقعة، فضلاً عن التنسيق المستمر لتطوير العمل في هذه القطاعات الرقمية.

تلفزيون سوريا

————————–

3 أسباب تُشعل الطائفية في سوريا/  محمود علوش

2/8/2025

احفظ المقالات لقراءتها لاحقا وأنشئ قائمة قراءتك

قوات الأمن السورية تنتشر في محيط محافظة السويداء استعدادها لدخولها عقب التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار–من وكالة الأنباء السورية

قوات الأمن السورية في محيط محافظة السويداء (وكالة الأنباء السورية)

أحدثت أعمال العنف المأساوية التي شهدتها محافظة السويداء مؤخرا صدعا طائفيا جديدا في سوريا بعد أشهر قليلة على صدع طائفي آخر نتج عن التمرد الذي قاده فلول النظام السابق في الساحل.

ومع أن هذين الصدعين لهما جذور عميقة تمتد إلى ما قبل اندلاع أعمال العنف، إلا أنهما نقلا الاستقطاب الطائفي في سوريا إلى مستويات أكثر خطورة من ذي قبل.

إن التركة الثقيلة للحرب وحقبة دكتاتورية نظام البعث، التي غذّت العلاقة العدائية بين مختلف المكونات السورية طوال العقود الماضية، والتدخلات الخارجية في فترة الصراع وبعده ودورها المؤثر في تعميق الشرخ الطائفي، كلها عوامل موضوعية تفسر سياسة الهويات الطائفية التي تبدو مهيمنة في العلاقة بين مختلف الطوائف في سوريا بعد سقوط نظام الأسد.

يمكن تحديد ثلاثة محركات رئيسية تدفع هذا الاستقطاب الطائفي نحو صراع يتمحور حول منطق الأقليات في مواجهة الأكثرية، أو العكس:

    أول هذه المحركات، هو البيئة التي أنتجتها الحرب والتدخلات الخارجية، والتي أسست لواقع الكيانات الطائفية والعرقية.

في شمال سوريا، ساهم تدخل التحالف الدولي في الحرب على الإرهاب في ظهور مشروع الحكم الذاتي الكردي بقيادة قوات سوريا الديمقراطية “قسَد”.

وفي الجنوب، سعى نظام الأسد إلى تحييد الدروز عن الانخراط في الثورة من خلال منحهم نوعا من الإدارة اللامركزية. وعليه، فإن أطروحات اللامركزية التي تتبناها قوات سوريا الديمقراطية، والشيخ حكمت الهجري تستمد قوتها بدرجة أساسية من واقع هذه اللامركزية الذي تأسس في حقبة الصراع.

في السويداء، ازداد الوضع تعقيدا مع التدخل الإسرائيلي في الاشتباكات الأخيرة، حيث دعمت إسرائيل الجماعات المسلحة التي يقودها الشيخ الهجري في مواجهة الدولة السورية، التي حاولت تعزيز وجودها في المدينة ونزع السلاح غير الخاضع لسلطتها.

هذا التدخل يثير تساؤلات حول أهداف الهجري، وما إذا كان صراعه ضد الدولة يهدف إلى تأسيس خصوصية إدارية للسويداء على غرار النموذج الكردي في الشمال.

فإسرائيل لا تخفي طموحها في تقسيم سوريا إلى كيانات طائفية، مستفيدة من تقديم نفسها داعمة للدروز كجزء من إستراتيجية طويلة الأمد للتأثير في استقرار البنية الطائفية في سوريا.

    المحرك الثاني، يكمن في الهواجس التي تعبر عنها بعض المكونات تجاه الحكم الجديد، سواء بسبب تمثيله الأكثرية، أو بسبب خلفيته الأيديولوجية.

هذه الهواجس قد تكون مفهومة جزئيا، لكنها تبدو هامشية مقارنة بالدوافع الحقيقية التي تشكل سلوك هذه المكونات.

فأطروحات “قسَد”، التي تراجعت من الفدرالية إلى اللامركزية، ستبقى حاضرة بغض النظر عن هوية السلطة في دمشق. والأمر نفسه ينطبق على حالة الشيخ الهجري، الذي طالب منذ بداية التحول بأطروحات الفدرالية واللامركزية.

وبالنسبة للساحل، فإن التمرد الذي قام به فلول النظام السابق في مارس/ آذار الماضي كان مصمما لإسقاط الدولة في الساحل، والتأسيس لواقع مشابه لما يبدو الوضع عليه في الجنوب ومناطق سيطرة “قسد” من حيث الخصوصية الطائفية والعرقية.

    المحرك الثالث، يتمثل في تقاطع مصالح الأطراف الداخلية المعادية للحكم الجديد في تقويضه، وفرض تصوراتها لمستقبل النظام السياسي في سوريا.

هذا التقاطع يُبرز بوضوح منطق الصراع بين الأقليات والأكثرية، التي يمثلها الحكم الجديد بقيادة الرئيس أحمد الشرع. على الرغم من النهج الوطني الذي يتبناه الشرع، فإن ذلك لا يبدو كافيا لتبديد هواجس هذه المكونات، مما شكل حافزا إضافيا للتمسك بسياسات الهوية الطائفية والعرقية.

ومع أن رفض الشرع نظام المحاصصة الطائفية يستند إلى تجارب فاشلة في دول مثل لبنان والعراق، فإن البنية الطائفية للمجتمع السوري تفرض ضرورة إشراك مختلف المكونات في السلطة كمدخل لتحقيق الاستقرار الطائفي، وهو التحدي الأبرز الذي تواجهه سوريا في هذه المرحلة.

ليست أحداث السويداء والساحل مجرد اضطرابات طائفية عابرة، بل تعبر عن عمق الشرخ الطائفي الذي يهدد تماسك المجتمع السوري ويضغط على الحفاظ على بلد موحد.

ففي السويداء، ساهمت أعمال العنف الأخيرة في التأسيس لبيئة عداء دائمة بين المكون الدرزي والدولة، وأضعف التيارات الدرزية التي ترفض الاستثمار الإسرائيلي في حالة الدروز، والاندماج في مشروع وطني شامل.

والأمر نفسه ينطبق على الساحل، حيث أدت أحداث مارس/ آذار الماضي إلى تعميق الشرخ الطائفي الذي كان قائما أصلا في فترة الحرب.

هذه البيئة العدائية بين مختلف المكونات يراد لها أن تصبح جزءا أساسيا من هوية سوريا الجديدة، مما يعيق بناء دولة متماسكة، ويؤسس لحقبة طويلة الأمد من سياسة الهويات.

تقف سوريا اليوم على مفترق طرق حاسم. فخ منطق الأقليات والأكثرية يهدد بتقويض جهود بناء دولة موحدة، ويعزز من احتمالات دوامة لا تنتهي من الاضطرابات الطائفية والعرقية.

إن نجاح الحكم الجديد في تجاوز هذه التحديات يتطلب رؤية إستراتيجية شاملة تركز بصورة رئيسية على إعادة ترميم النسيج الوطني المفكك، وبناء علاقة ثقة مع المكونات المختلفة من خلال إشراكها في عملية بناء الدولة الجديدة، وتدشين حقبة المصالحة الوطنية الشاملة التي تشكل مدخلا حاسما للحد من حالة الاضطراب الطائفي.

ومثل هذه الخطوات ليست مجرد عناوين، بل تترجم إلى مسارات سياسية واضحة وممكنة تحقق هذا الهدف. وبقدر ما إن مثل هذه الاضطرابات تجلب مزيدا من الضغط على عملية التحول في سوريا، فإنها تجلب أيضا فرصا لتشخيص مكامن الضعف والخلل في هذه العملية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

باحث في العلاقات الدولية

الجزيرة

—————————–

حسام القطلبي: السلطة الحالية نجحت بدفع السوريين إلى هويتهم الطائفية

انقسام كبير تعيشه سوريا حالياً، في مقابلة مع “درج” يشرح الحقوقي السوري حسام القطلبي الواقع الحالي مشيراً الى تركة الأسد القمعية ومسؤولية السلطة الحالية عن الانتهاكات التي تشهدها سوريا، ناهيك بأسلوب السلطة الحالية في الحرص على صورة خارجية نظيفة، في تجاهل مقصود لما تشهده البلاد وتعطيل الحياة السياسية وترسيخ الانقسامات الطائفيّة.

—————————–

 من الردّ المؤجل إلى الفيتو المفعّل.. حكومة الاحتلال تصنع توازناتها جنوبي سوريا/ بشار الحاج علي

2025.08.02

على مدى عقود، شكّل شعار “الاحتفاظ بحق الرد” الذريعة الثابتة التي استخدمها نظام الأسد لتبرير صمته على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، حتى تحوّل مع الزمن إلى مرادف ضمني للشلل الاستراتيجي. ومع سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، لم يسقط معه فقط الخطاب الرسمي الذي كان يختبئ خلفه، بل تلاشى أيضًا الغطاء السيادي الذي كان – ولو شكليًا – يحدّ من تمدد إسرائيل داخل الجغرافيا السورية.

في ظل هذا الفراغ السياسي والعسكري، انتقلت إسرائيل من سياسة الضربات المحدودة إلى إدارة ميدانية شبه مباشرة، خاصة في الجنوب السوري، حيث باتت تمارس ما يشبه “الفيتو المفعّل” على أي تموضع أو ترتيبات أمنية لا تنسجم مع مصالحها.

لم تعد القضية مجرد مراقبة ما يجري، بل تحوّلت إلى صياغة وقائع على الأرض، واستخدام أدوات الردع السياسي والعسكري لمنع تشكّل أي بنى أمنية معادية لها.

بهذا المعنى، لم يكن سقوط النظام مجرد نهاية لمرحلة، بل بداية لتحوّلات إقليمية عميقة، يُعتبر الجنوب السوري أحد أبرز ساحاتها، حيث يجري إعادة تعريف النفوذ، وترتيب التوازنات، بعيدًا عن الشعارات القديمة، وبمقاربات ميدانية أكثر حسماً وصرامة.

بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024: من الاحتلال إلى الشريك غير المرئي

في الثامن من كانون الأول 2024، انهار النظام السوري القديم، وسقطت واجهة “السيادة الشكلية” التي ظلّت تغطّي على واقع التفتّت السياسي والأمني للدولة السورية منذ أكثر من عقد.

تَسلّمت قيادة انتقالية زمام الأمور في دمشق، بدعم وتوافق إقليمي ودولي غير مسبوق، معلنة عن بدء مرحلة جديدة “لإعادة بناء الدولة”.

لكن الدولة التي وُلدت بعد 8 كانون الأول لم تكن كالدولة التي عرفناها قبل 2011.

السيادة لم تعد مطلقة، والخرائط لم تعد وحدها ما يحدّد النفوذ. في هذا السياق، يعود السؤال بحدة وواقعية:

هل بات الكيان الإسرائيلي، الذي يحتل الجولان منذ 1967، يملك “فيتو” حقيقيًا على القرارات السورية، خاصة في الجنوب؟ ولماذا يُسمح له بلعب هذا الدور من دون اعتراض جدي؟

أولًا: من احتلال الأرض إلى التحكم بالقرار

بعد انهيار النظام السابق، وسقوط الخطاب الدعائي الطويل حول “تحرير الجولان” و”المقاومة اللفظية”، بدأت ترتيبات واقعية على الأرض تتكشّف:

    إسرائيل لم تعد فقط تحتل الجولان، بل أصبحت لاعباً ضامنًا لأمن الجنوب السوري!

هذا التحول لم يكن عسكريًا فحسب، بل سياسيًا وأمنيًا، عبر تفاهمات مباشرة وغير مباشرة مع الأطراف الجديدة في دمشق، ومع حلفاء دوليين كواشنطن وأنقرة وعمان.

ماضٍ من الخطاب وموت الفعل: النظام السابق و”حق الرد” المؤجل لأربعة عقود

ردد النظام السابق شعارات “الممانعة” و”تحرير الجولان”، لكنه فعليًا حول الجبهة الجنوبية إلى أكثر المناطق هدوءًا منذ 1974. لم تكن هناك مقاومة، بل صمت رسمي مبرمج تجاه الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.

مع كل قصف إسرائيلي لموقع عسكري أو منشأة سيادية، كان النظام يكرر عبارته الشهيرة: “نحتفظ بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين.”

لكن هذا الرد لم يأتِ أبدًا، بل تحوّل مع الزمن إلى كناية عن العجز السياسي، وتعبير عن تواطؤ ضمني.

ففي حين كان النظام يقصف مدنه الثائرة بالبراميل، كان يلتزم الصمت الكامل أمام تل أبيب!

النتيجة؟ ترسخ واقع الاحتلال بغطاء من “المقاومة الكلامية”، وتحوّل ملف الجولان إلى مادة دعائية محليّة، لا ورقة استراتيجية في السياسة الخارجية. ومع الوقت، شرعن الصمتُ ما لم يستطع النظام الاعتراف به صراحة.

هذه الخلفية ضرورية لفهم ما جرى لاحقًا: إذ حين سقط النظام، لم يكن هناك مشروع مقاوم بديل، ولا بنية دولة تستعيد الملف من يد الاحتلال، بل فراغ سيادي ملأته إسرائيل بخبث واستعلاء.

ثانيًا: لماذا ظهر هذا الدور؟

1 – لأن “الدولة السورية” الجديدة وُلدت مكبّلة بتوازنات خارجية

ما بعد 8-12-2024، لا سيادة مطلقة لأي طرف داخل سوريا.

فالترتيبات التي أعقبت سقوط النظام السابق قامت على تقاطع مصالح دولية وإقليمية، على رأسها:

    الولايات المتحدة (الشريك الضامن للاستقرار)

    تركيا (الفاعل الميداني الأكبر في الشمال والوسط)

    الأردن وإسرائيل (ضامنان لأمن الجنوب)

هذا يعني أن أي قرار سيادي حقيقي في الجنوب يجب أن يراعي الأمن الإسرائيلي، بصفته “ثابتًا غير قابل للتفاوض” في الخرائط الجديدة.

2 – لأن غياب بديل وطني مستقل يمنح إسرائيل وزنًا مفرطًا

في ظل عجز المؤسسة العسكرية الجديدة عن بسط سيطرتها على الجنوب، وتشرذم القوى المحلية بين ولاءات متعددة، ملأت إسرائيل الفراغ بحجة “أمنها”، وبارك المجتمع الدولي ذلك ضمنيًا.

ثالثًا: مظاهر الفيتو الإسرائيلي بعد سقوط النظام

    التحكم في دخول قوات الدولة إلى مناطق الجنوب

    كما حدث في اتفاق السويداء، حيث اقتصر دخول القوات الجديدة على 48 ساعة بضمانات دولية.

    حظر أي شكل من التسلح الثقيل أو التمركز الفصائلي في القنيطرة ودرعا

    وهو ما نُفّذ عمليًا، وتم سحب جميع الأسلحة المتوسطة من فصائل مسلحة متنوعة، بموجب تفاهمات شفهية بإشراف واشنطن – تل أبيب.

    منع أي سردية سياسية أو إعلامية تتبنى “تحرير الجولان” كأولوية

    حتى القيادة الانتقالية الجديدة التزمت “ضبط الخطاب”، وأعلنت أن الأولوية هي الاستقرار الداخلي، وليس المواجهات الخارجية.

رابعًا: هل أصبح الجولان جزءًا من “الترتيبات النهائية”؟

المخيف في المشهد بعد 8-12-2024 ليس فقط أن إسرائيل باتت تملك “فيتو” على تحركات الدولة السورية، بل أن ملف الجولان يُعاد تعريفه ضمن ترتيبات الأمن الإقليمي، لا كملف احتلال يجب إنهاؤه.

حتى أن اللغة الدبلوماسية الغربية تغيّرت من: “انسحاب إسرائيل من الجولان” إلى: “ضمان عدم استخدام الجنوب السوري لتهديد أمن إسرائيل”.

هذه الصيغة المقبولة “دوليًا” اليوم، قد تمهّد لتكريس الاحتلال، لا لإنهائه.

خامسًا: هل هناك من يواجه هذا المسار؟

    القوى الوطنية السورية الجديدة منشغلة بإعادة التأسيس، وتدرك أن الصدام مع إسرائيل الآن مكلف سياسيًا ودوليًا.

    المجتمع الدولي يعتبر أن إسرائيل “شريك استقرار”، لا عبئًا!

    الشارع السوري مرهق، ومحروم من أدوات الفعل السياسي أو العسكري.

    حتى فصائل الجيش الحر سابقًا جُرّدت من السلاح وأُبعدت تمامًا عن الجولان المحتل، بموجب تفاهم دولي – إسرائيلي – تركي غير مكتوب، لكنه نافذ.

وأخيرًا، “إسرائيل” لم تنتصر بالحرب، لكنها تربح في المفاوضات التي لا تُعقد والتي تُعقد!

أكبر ما تخشاه إسرائيل ليس حربًا على حدودها، بل نشوء مشروع وطني سوري حقيقي يُعيد ترتيب الأولويات، ويستعيد ملف الجولان كقضية سيادية لا تُساوَم.

وحتى يحدث ذلك، ستبقى إسرائيل تمارس “الفيتو” على سوريا، ليس بصفتها دولة كبرى، بل لأنها تعرف من أين تؤكل كتف السيادة المنهكة.

——————————-

 استراتيجية الانتصار في الفوضى.. لا أحد يربح والجميع يخسر إلا إيران/ محمد إيهاب الشبيب

2025.08.02

لم يكن صيف عام 2025 عاديًا في التاريخ السياسي السوري المعاصر. فبعد انهيار نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، بدأت ملامح الدولة السورية الجديدة تتشكّل ببطء، وسط تعقيدات داخلية وإقليمية، وشبكات نفوذ ترسّخت لعقود، لكن في زحمة هذه التغيّرات، برزت محافظة السويداء مجددًا إلى الواجهة، ليس بوصفها ساحة احتجاج حقوقي فحسب، بل كجبهة قد تستثمرها أطراف خارجية لإرباك المركز وعرقلة مسار استعادة الدولة لسيادتها.

في قلب هذه التطورات، تبرز إيران، التي وإن خسرت النظام المخلوع، إلا أنها لم تغادر المشهد السوري فعليًا. بل تشير الشواهد إلى أن طهران تحاول اليوم توظيف ملفات محلية – أبرزها ملف الطائفة الدرزية وجماعة الشيخ حكمت الهجري – كورقة ضغط جديدة على الحكومة السورية الناشئة، وعلى شركائها الإقليميين والدوليين، وذلك من بوابة الجنوب السوري، حيث تتقاطع الجغرافيا والسياسة والطوائف.

خلال العقود الأربعة الماضية، نسجت إيران شبكة نفوذ معقدة في سوريا، شملت الأجهزة الأمنية، والجماعات المحلية، والحركات المسلحة، والمؤسسات الدينية والاقتصادية، فبين عامي 2004 و2006، بدأت طهران تشييد قواعد عسكرية استراتيجية في منطقة تلال فاطمة قرب الجولان المحتل، حيث زرعت منصات صواريخ وأقامت مهبطًا للمروحيات.

لاحقًا، بعد اندلاع الثورة السورية، استُخدمت هذه المنطقة كمقر رئيسي لميليشيات إيرانية وشيعية – منها “حزب الله” و”لواء فاطميون” – لتنفيذ العمليات ضد فصائل المعارضة، والإشراف على خطوط التهريب بين لبنان والعراق.

وخلال سنوات الحرب، كانت إيران وحلفاؤها، وتحديدًا “فاطميون”، و”زينبيون”، وكتائب من “الحرس الثوري”، يعملون جنبًا إلى جنب مع قوات النظام المخلوع.

في أوج هذا التدخل (2013–2018)، وصل عددهم إلى نحو 10 آلاف مقاتل، تمركزوا في 55 قاعدة ومستودعًا عسكريًا، 33% منها في جنوبي البلاد، وقد تولّت إيران تنسيق العمليات ميدانيًا مع “حزب الله”، لإعادة السيطرة على مناطق مثل درعا وريف دمشق.

من الواضح أنه مع سقوط الأسد، لم تخسر طهران النظام فحسب، بل فقدت أحد أهم مواطئ أقدامها الاستراتيجية في سوريا، والذي كان يؤمّن لها خط إمداد مباشر إلى “حزب الله” في لبنان، ويمنحها قدرة على المناورة في مواجهة إسرائيل والأردن وتركيا.

هذا التحول الجذري، الذي لم تكن طهران مستعدة له بالكامل، دفعها إلى تفعيل ما يمكن تسميته بـ”تكتيك الفوضى المركبة”، أي توظيف التوترات الداخلية – الطائفية أو المناطقية – لإرباك عملية تشكّل مركز قرار سياسي جديد لا يدور في فلكها.

وهنا يبرز السؤال الحاسم: هل أصبحت السويداء محطة إيران الجديدة لإبقاء يدها في الداخل السوري، ولو بطريقة غير مباشرة؟

منذ منتصف عام 2023، ومع تصاعد الاحتجاجات في محافظة السويداء، بدأت تظهر مؤشرات على تحركات جماعات محلية خارجة عن الإطار الرسمي، بعضها مدني وحقوقي، وبعضها الآخر مسلح أو مرتبط ببُنى عشائرية ودينية.

ومع بداية عام 2025، وبعد سقوط النظام المخلوع، بدأت بعض الأصوات تتوجه إلى الخارج، حيث طالبت قيادات درزية – وعلى رأسها الشيخ حكمت الهجري – بالحماية الدولية، متحدثة عن عجز الدولة عن حماية الطائفة.

ثم تطوّر الموقف إلى ما هو أخطر: المطالبة بتدخل إسرائيلي مباشر وقد حدث ذلك بالفعل، حين استجابت تل أبيب عبر ضربات نوعية استهدفت عربات تابعة للجيش السوري الجديد، وقوات من وزارة الداخلية، إضافة إلى مقار حساسة مثل وزارة الدفاع ومحيط القصر الجمهوري في دمشق. كما نقلت تقارير إعلامية عن تقديم دعم لوجستي ومعدّات إلى مجموعات في السويداء، تزامنًا مع احتجاجات درزية في الجولان وفلسطين المحتلة.

وقد يبدو أن هذا التدخل الإسرائيلي يضرب مصالح إيران في الجنوب السوري، لكن الواقع أكثر تعقيدًا.

إيران لا تحتاج إلى نصر مباشر.. بل إلى فوضى دائمة

مع ظهور حكومة سورية جديدة لا تدور في الفلك الإيراني، فإن أي فوضى تُضعف مركز القرار في دمشق تخدم طهران، حتى لو جاءت من جهة لا تُجاهر بالتنسيق معها.

ورغم أن إيران لا تستطيع فعليًا العودة إلى الجنوب السوري بالأسلوب الذي اعتمدته في جنوبي لبنان أو الضاحية الجنوبية، بسبب خصوصية البيئة الدرزية وعلاقاتها المعقدة مع إسرائيل، إلا أن ذلك لا يعني خروج طهران من المشهد.

فإيران، بخبرتها الطويلة في استثمار الفوضى، لا تحتاج إلى تموضع ظاهر أو قبول شعبي مباشر، بل تكتفي بخلق واقع أمني وسياسي هش يضعف الدولة السورية الجديدة، ويمنع استقرارها أو صعود بدائل إقليمية مناوئة.

وهي تفعل ذلك بوسائل غير مباشرة: عبر تحريك واجهات محلية، أو شبكات تهريب، أو مجموعات لا ترتبط بها أيديولوجيًا ولكن تستفيد من فوضى السلاح والتمويل. كما توظف طهران كل قصف إسرائيلي كجزء من سرديتها الإعلامية عن “العدوان على محور المقاومة”، رغم أنها ليست هي المستهدفة هذه المرة.

بعبارة أخرى، إيران لا تعود إلى الجنوب كمحررة… بل كمُخرّبة صامتة، تستثمر في الفوضى وتُبقي يدها في الداخل من خلف الستار، منتظرة اللحظة المناسبة لتحويل هذا الفوضى إلى ورقة تفاوضية أو مكسب استراتيجي في صراعات أخرى.

وهكذا، تستفيد إيران من المشهد في كل اتجاه:

· ترى خصمها الجديد في دمشق يتعرض للإرباك والتآكل.

· تشاهد إسرائيل تحرق أوراقها بسرعة أمام الرأي العام السوري.

· وتُبقي خلاياها المحلية نائمة حتى يحين موعد إعادة التموضع.

إنها استراتيجية الانتصار في الفوضى: لا أحد يربح، والجميع يخسر… إلا إيران.

جماعة الهجري: من مرجعية دينية إلى أداة سياسية

لم تعد جماعة الشيخ حكمت الهجري مجرد مرجعية دينية محلية تعبّر عن مخاوف مجتمعية. بل تحوّلت – وفق الوقائع – إلى أداة سياسية وأمنية تُستخدم من أطراف متعددة، أبرزها إسرائيل، لزعزعة استقرار الدولة السورية الجديدة، ومنعها من استعادة سيادتها.

وإذا كانت تل أبيب قد دخلت المشهد العسكري استجابة للمطالب، فإن طهران دخلته استراتيجيًا، من خلال الاستثمار في نتائج الفوضى والانقسام الطائفي والسياسي الذي يتّسع يومًا بعد آخر.

بين الدولة واللادولة

ما يجري في السويداء يتجاوز كونه احتجاجًا عابرًا، إنه تجاذب بين مشروع الدولة ومشاريع اللادولة، بين قوى تسعى لاستعادة السيادة، وأطراف توظّف الطوائف لإعادة النفوذ.

وإذا كانت جماعة الهجري قد فتحت الباب لتدخلات خارجية غير مسبوقة، فإن المسؤولية تقع اليوم على عاتق الدولة السورية الجديدة: لا فقط في فرض الأمن، بل في استعادة الثقة، وفتح قنوات الحوار، وتثبيت مبدأ الشراكة الوطنية.

فإيران التي خسرت النظام، لن تغادر طوعًا، وإسرائيل التي دخلت على الخط، لن تتورع عن إشعال فتيل أوسع.

لكن السويداء، كما السوريين عمومًا، لا يمكن أن يكونوا وقودًا لصراعات الآخرين.. من جديد.

تلفزيون سوريا

—————————-

هاها” السويداء: الضحك على المأساة/ مناهل السهوي

01.08.2025

حين يسخر البعض من المأساة، فهم في العمق يحاولون إلغاءها من الوعي. لأن ما لا تسخر منه، لا يمكنك تجاهله، وما تعترف بوجوده، قد ينهشك من الداخل.

لم أكن لأتخيّل أن رمز “أضحكني” الذي نستخدمه للمزاح مع الأصدقاء سيُستخدم للتفاعل مع صورة طفلة قُتلت برصاص قناص في السويداء، أو صورة منزل يحترق، أو خبر عن مجزرة في الساحل السوري، تماماً كما استُخدِمَ سابقاً في قصف نظام الأسد على المدنيين.

أخيراً، وبين أصوات الرصاص في السويداء وصدى المناشدات المتقطّعة من حناجر أمهات فقدن كل شيء، كان هناك من يضحك. ليس ضحك النجاة من الموت، ولا حتى سخرية سوداء تعبر عن الاختناق أو اليأس، بل ضحك فجّ، ساخر، ساديّ، متلذّذ بمشهد الدم والدمار.

منشورات تُظهر عائلات نازحة، ودماراً مروّعاً في الأبنية السكنية، تعلوها تعليقات ساخرة أو رموز “😂”. فيديوهات يختنق أصحابها بالبكاء، تُقابَل أحياناً بنكات باردة وتعليقات تنمّ عن قسوة وكره طائفي.

المتعة الخفيّة عند رؤية معاناة الآخرين

في عام 2016، أطلقت إدارة “ميتا” رموز التفاعل التعبيرية كالـ”حزن” و”حب”، بهدف تمكين المستخدمين من التعبير عن مشاعرهم بشكل أدق تجاه الأحداث المتنوعة. وعلى رغم أن الهدف من هذه التفاعلات كان تعزيز مشاعر التعاطف ومنح المستخدمين مساحة للتعبير الإنساني، إلا أن رمز “هاها” انزلق تدريجياً إلى استخدام ساخر، وتحوّل إلى أداة للسخرية من معاناة الآخرين ومآسيهم.

هذا الاستخدام ليس جديداً تماماً، فقد برز بشكل لافت مع بداية جائحة كورونا، حين استخدمته مجموعات كانت تعتبر الفيروس مؤامرة، في ما عُرف لاحقاً بـ “الضحك التهكمي” أو “الترول الضاحك”. وهكذا، أصبح “الترول الضاحك” على فيسبوك، في بعض الحالات، تعبيراً قاسياً عن الاستهزاء بمآسي الآخرين، لا عن الفرح أو الطرافة.

فكيف تحوّل بعض الناس إلى قطيع يضحك على المأساة، ويتغذّى على وجع الآخرين؟

في علم النفس، يمكن تفسير هذا النوع من التهكّم بأوجه عدة، فبحسب دراسات نفسية، يعاني بعض الأشخاص من مشاعر تُعرف بـ”schadenfreude“، أي المتعة الخفية عند رؤية معاناة الآخرين. لا يرتبط هذا الشعور دائماً بالسادية، بل قد يكون سلوكاً دفاعياً ناتجاً من الغضب، العجز، أو الرغبة في استعادة الشعور بالتفوّق.

تشير الأبحاث إلى حالتين أساسيتين تفسّران هذا الشعور: الأولى حين يحقّق الفرد أو جماعته مكاسب غير مباشرة من مصائب الآخرين، كما يحدث في حالات التنافس بين المجموعات، والثانية عندما تُعتبر مصيبة الآخر مستحقّة، كأن تصيب شخصاً يُنظر إليه كمنافق أو ظالم أو مستحق للمأساة. في كلتَي الحالتين، تمنح الشادنفرويد شعوراً مؤقتاً بالراحة أو التفوّق، وغالباً ما تظهر لدى من يعانون من تدنّي احترام الذات أو يشعرون بالتهديد الاجتماعي.

لماذا يفعلون ذلك؟

باتت وسائل التواصل الاجتماعي بيئة مثاليّة للقسوة، توازي المعركة والفوضى الموجودة على الأرض،  فلا قيود ولا ضوابط، بل استخدام أقصى لفرصة الضحك الافتراضي.

يُفسّر علماء النفس ظاهرة “الانفلات السلوكي الرقمي” بما يُعرف بـ Online Disinhibition Effect، أي أن الناس يتصرّفون على الإنترنت بشكل مختلف عن الواقع لأنهم لا يشعرون بالمسؤولية المباشرة. لكن في الحالة السورية، يبدو التصرف على السوشيال ميديا انعكاساً للتصرفات على الأرض!

لا يضحك مؤيدو السلطة لأن لديهم فائضاً من القوة، بل لأنهم لا يملكون شيئاً آخر. هذا كل ما تبقّى لهم: الضحك على من “يملك أقل منهم”. ففي تلك اللحظة، يجدون أنفسهم في وسط هرم القوة، أسفل من يمتلك السلطة، أي الحكومة، وأعلى من سكان السويداء الذين يتعرضون للقتل. وفي الحقيقة هذه فرصة مثالية لإثبات وجودهم بعد سنوات من التهميش والتغييب. والأهم إنها فرصة لاستبدال الأماكن، وبخاصة أن كثراً من السوريين كانوا قبل أشهر فقط تحت قصف نظام الأسد.

لكن، هل السخرية والوجوه الضاحكة على فيديو إعدام رجل تُعد حقاً علامة على القوة؟ بخاصة أن القوة قد فُرضت بالفعل، ولا حاجة لاستعراض إضافي. فالقوة الافتراضية هنا لا تغيّر شيئاً.

في الواقع، هذه “القوة” ليست إلا مؤقتة وهشة، مبنية على لحظة نتماهى فيها مع القاتل. نتشارك معه في اللامبالاة، فالسّاخر هو الذي لا يعبأ بالألم أو المعاناة ويريد أن يمتلك برود القاتل.

هذه القوة ليست سوى وهم، درع هش يحجب الخوف والضعف، وحاجز يصنعه الألم ليُبعد عن الساخر إحساسه بالإنسانية. فالإنسانية خيار مكلف نفسياً واجتماعياً في بلد يهاجم المتعاطف ويتهمه بالخيانة. لذلك، نلجأ إلى السخرية كوسيلة دفاع وانتماء في الوقت ذاته.

السويداء هنا مجرد مثال، لكن القصة أوسع من ذلك. فهذا السلوك لم يظهر فجأة، بل مارسه طرفا الصراع خلال سنوات الحرب السورية، بخاصة في مراحلها المتأخرة، بعد ظهور الرموز التعبيرية التي لم تكن موجودة مع بداية الثورة.

في خضم سوريا المتغيّرة، أولئك الذين يضحكون اليوم قد يكونون هم من يبكون غداً. ومن يسخر من المعاناة الآن، قد لا يجد من يتعاطف معه حين يأتي دوره ويصبح صاحب الصوت المرتجف.

السخرية في هذا السياق تأتي ضمن هرمية القوي والأضعف، فهي تأتي من شعور الساخر بأن الضحية “أدنى” منه. في السخرية، ننتمي إلى القوي، أو على الأقل إلى من نعتقد أنهم الأقوى والأكثر نفوذاً. لا نسخر من شيء بمعنى التحقير إلا إذا شعرنا أنه “أدنى” منّا، أو إذا أردنا أن نُقنع أنفسنا أنه كذلك، وأنه يستحق ما يحصل له لنشعر بالأمان، وبخاصة عندما تكون الجريمة والمجزرة بهذا الحجم.

لذلك، حين يسخر البعض من المأساة، فهم في العمق يحاولون إلغاءها من الوعي. لأن ما لا تسخر منه، لا يمكنك تجاهله، وما تعترف بوجوده، قد ينهشك من الداخل.

السخرية ليست حياديّة

لكن الأخطر من كلّ ما سبق، أن السخرية في سوريا ليست حيادية أبداً. لا تكتفي بأن تكون تعبيراً عن قسوة أو انفصال عن الألم، بل كثيراً ما تتحوّل إلى أداة للتحريض، وتعبير مستتر عن الكراهية الطائفية أو العنصرية.

حين يُسحق حيٌّ ما تحت القصف، أو يُجوَّع أطفال طائفةٍ معينة، لا يتردد البعض في الضحك، لا لأن المشهد طريف، بل لأن الضحايا لا ينتمون إلى طائفتهم أو معسكرهم السياسي. تصبح المأساة في هذه الحالة فرصة لتسجيل نقاط في حرب الهوية، لا لحظة إنسانية مشتركة.

تُستخدم السخرية هنا كوسيلة لمسح ملامح الضحية، لتجريدها من إنسانيتها. إنها آلية تمويه، تُغطّي على العنف الحقيقي وتُشرعنه، بينما تحمل في طيّاتها ازدراءً متعمّداً للحياة، طالما أن تلك الحياة لا تشبهنا.

السخرية هنا ليست مجرد تهكم عابر، بل هي تعبير عن انتماء هش ومشوّه.

هي وسيلتنا لنقول بصمت إننا لسنا من بين هؤلاء الذين يستحقون ما حلّ بهم (من وجهة نظر الساخرين) حتى وإن كانوا مدنيين أبرياء أو أطفالاً صغاراً.

السخرية بهذا الشكل تصبح علامة على فراغ الانتماء الحقيقي، انتماءٌ لا يرتكز على قيم أو مشاعر مشتركة، بل على موقف متعالي، على وجه يضحك ويستهزئ على منشور مؤلم على فيسبوك، وكأن الألم هناك بعيد جداً، ولا يمسنا.

 – كاتبة وصحفية سورية

درج

———————————

الازدواجية وتعصب الصدفة/ عالية منصور

آخر تحديث 02 أغسطس 2025

من ينظر إلى المشهد في سوريا قد يظن لوهلة أن هذا الاحتقان الطائفي هو وليد الأحداث الأخيرة، ولكنه في الواقع من صلب المشهد السوري، الفارق أن ما كان يُحكى في المجالس المغلقة سرا بات اليوم يُحكى علنا بل ويتم التفاخر به، ومن لا ينضم إلى معسكر الطائفيين لأي جهة انتموا تنهال عليه شتى أنواع الاتهامات والأوصاف الشنيعة.

في السابق كنت أتساءل كيف لإنسان أن يتعصب لشيء لم يكن له أساسا رأي به، فأنت لم تختر لون بشرتك أو عرقك أو جنسك أو مذهبك، ومع ذلك نرى الكثيرين ينساقون وراء هذا النوع من التعصب الأعمى بحيث يصبح أي “آخر” لا ينتمي لنفس المجموعة خصما أو عدوا.

ما حصل في محافظة السويداء جريمة بكل ما لكلمة جريمة من معنى، وما حصل في الساحل السوري قبلها بأشهر، وكل الانتهاكات شبه اليومية التي نسمع عنها في سوريا كلها جرائم مستنكرة ومدانة، ومحاسبة الفاعلين واجب، ليس فقط لأن العدالة حق للضحايا، بل أيضا واجب من أجل سوريا الوطن والدولة.

قبل أسابيع- وكنت حينها في طرطوس في الساحل السوري- اتصل بي صديق يعيش في أوروبا وهو ابن الساحل ومعارض سابق لحكم الأسدين، الرجل لم يزر سوريا بعد التحرير، أخبرني أن الوضع في الساحل لا يطاق، على عكس ما قاله لي الكثير من أبناء الطائفة العلوية الذين لم يغادروا سوريا يوما، والذين قالوا حرفيا: “الوضع اليوم أفضل بالنسبة لنا بكثير من قبل شهرين”، ومع ذلك قلت لنفسي الرجل تصله معلومات مضخمة أو غير صحيحة من خلال ما ينشر على صفحات التواصل الاجتماعي، ولكن دهشتي- أو لأقل صدمتي- كانت حين قال لي حرفيا: “صرنا نترحم على أيام حافظ وبشار”. هالتني هذه العبارة، هالتني لأنها خرجت من شخص لطالما كان معارضا للأسدين وأمضى بعض سنين عمره في معتقلات الأب، أخافني أن يصدر هذا القول، وكأن المرء لا يستطيع أن يرفض ما يحصل اليوم دون أن يتمنى عودة من قتل أكثر من مليون سوري.

في السويداء جرائم شنيعة راح ضحيتها المئات من أبناء طائفة الموحدين الدروز ومن البدو من أهالي السويداء، إضافة إلى المئات من عناصر الأمن، ولا أفهم كيف لإنسان يدعي الثقافة ويقول إنه يؤمن ويطالب بدولة مواطنة أن يختار أحد الضحايا ليتعاطف معه ويبرر سقوط ضحايا آخرين، لا أفهم كيف أن من يدعي أنه “علماني” يعود بنا إلى عقود مضت ليقول إن تهجير البدو من أرضهم مسموح فهؤلاء معتادون على “الجلوة” (شخصيا لم أكن أعرف ما هي “الجلوة” قبل التصريح).

لا أفهم خطاب البعض بالقول: “تعاطفنا معكم طيلة 14 عاما عندما كان الأسد يقتلكم”، وكأن التعاطف مع ضحايا الأسد هو موقف بحد ذاته مبني على أسس طائفية.

في اليومين الماضيين قُتل شاب في سوريا– يوسف اللباد- تحت التعذيب على يد القوى الأمنية، بعدها بساعات قُتل شاب سوري أيضا- سليمان أحمد قرقماس- تحت التعذيب، ولكن على يد قوى الأمن اللبنانية بعد ساعات على توقيفه، الأول ضجت باسمه صفحات التواصل الاجتماعي، وهو أمر ضروري، فالموت تحت التعذيب كان في عهد بشار الأسد من أكثر أساليب القتل وحشية، والمفترض أن سوريا طوت صفحة “قُتل تحت التعذيب” إلى الأبد، لكن اللافت أن الشاب الذي قُتل بنفس الأسلوب ولكن في لبنان لم يحظ بأي تعاطف يُذكر، في مشهد كان أقرب للقول إن البعض لا يرفض القتل تحت التعذيب إلا إن كان الحادث يخدم سرديته السياسية.

معارضة الحكومة اليوم في سوريا حق بل وقد تكون واجبا، فسوريا اليوم بحاجة لجميع السوريين للتصويب والبناء، ولكن تجاهل ملايين الضحايا السوريين الذين سقطوا بين قتلى وجرحى ومهجرين على يد نظام الأسد وكأن شيئا لم يكن طيلة الـ54 عاما الماضية، وكأن جريمة لم ترتكب على مدى الـ14 سنة الأخيرة، ليس إلا إشارة إلى أن ما نعيشه اليوم في سوريا بحاجة إلى مصارحة قبل المصالحة.

سوريا الأسد انتهت للأبد ولا نريد أيا من “إرث” الأسدين في الحكم، سوريا التي نريدها لجميع السوريين، وعلى جميع السوريين المساهمة في إعادة بنائها على أسس صحيحة، دولة المواطنة حيث كل جريمة مدانة بغض النظر عن الجاني والضحية، لا دولة يتعاطف بعض مواطنيها مع بعضهم الآخر بناء على مذاهبهم أو ما سيحققه هذا التعاطف من “إعجابات” على صفحات التواصل الاجتماعي.

المجلة

——————————

تعالوا نرمم البشر قبل الحجر في سوريا الجديدة!/ د. فيصل القاسم

1 – أغسطس – 2025

دعونا نتفق أولاً أن كل السوريين دون استثناء هم صنيعة نظام البعث الساقط بكل أمراضه وأدرانه وعاهاته وسرطاناته. ولا ننسى طبعاً قوى الشر العالمية التي هندست جماعات التطرف وغذت الصراعات الأهلية والعقدية في الشرق الأوسط ومازالت تستخدمها خدمة لمشاريعها. لا ننسى الدور الإيراني الخبيث الذي دق الأسافين بين الطوائف والمذاهب ليتمدد فوق تناحرها وتناقضاتها.

نعم سقط النظام الأسدي وسقط معه السرطان الإيراني، لكنه ترك لنا ما نراه اليوم على أرض سوريا من صراعات وأحقاد وضغائن قاتلة تشتعل عند أول احتكاك، فقد دخلنا للأسف في كابوس جديد، وهناك من يدفع باتجاه التمزيق. الناس لم تتصالح، بل كشّر البعض عن أنيابه. الصراع لم ينتهِ، بل تغيّر شكله ولبس أقنعة جديدة: طائفية ودينية وعرقية ومناطقية وحتى شخصية. صار السوري عدو السوري. الطاغية سقط، لكن الطغيان ما زال حيّاً فينا. سقط رأس النظام، لكن الجثة ما زالت تتحرك بيننا. سقط القصر، لكن السجون بقيت في العقول، والمشانق في الذاكرة، والخوف في الدم. ظننا أن إسقاط الحاكم هو نهاية الطريق، واكتشفنا أنه مجرد بداية الكارثة. ما بعد سقوط النظام تجلّت سوريا الحقيقية التي صنعها آل الأسد: الممزقة، المريضة، المليئة بالانقسامات، بالأحقاد، بالعفن المتراكم تحت الركام.

خرجت الطوائف من مخابئها، خرجت العشائر بأسلحتها، خرجت القوميات بخطابها، وخرجت الميليشيات بأنيابها. سوريا لم تكن دولة… كانت للأسف ساحة مفخّخة، ونحتاج اليوم إلى نزع الألغام التي تهدد وجودها.

عندما ثار السوريون ضد نظام الأسد، ظنّوا أن سقوطه سيكون بوابة الخلاص. لكن الحقيقة التي لا يريد الكثيرون الاعتراف بها هي أننا لم نكن مستعدين للحظة ما بعد السقوط، لذلك أمامنا أشواط طويلة كي نملأ الفراغ بالعدالة والمؤسسات لا بالميليشيات والولاءات الضيقة والانقسامات العميقة كما أرادها النظام البائد تماماً.

هل كانت لدينا بنية حقيقية للحكم، للعدالة، للمشاركة؟ أم إن ما عشناه طوال العقود الماضية، وما نعيشه اليوم، يكشف أننا نحتاج إلى أكثر من ثورة… نحتاج إلى ولادة من جديد؟ لا يمكن بناء وطن على أنقاض إنسان محطم، فالثورات لا تُقاس فقط بعدد الشهداء، بل بعدد القيم التي تغيّرت. ولا معنى لسقوط النظام إذا كنا نعيد إنتاجه يومياً في كل شارع، في كل خطاب، في كل تصرف. إسقاط النظام لم يكن النصر. النصر هو أن نكفّ عن السير على خطاه.

اليوم، سوريا لا تنزف فقط من جراح الحرب، بل من عُقم الوعي، وخواء الضمير، وفقر العقل. أصبحنا نحارب بعضنا بأسلحة النظام نفسه: التخوين، الكراهية، التحريض، التكفير، الشيطنة.

أصبحنا نصنّف بعضنا كما صنّفنا هو: هذا من طائفة «خائنة»، وهذا من منطقة «عميلة»، وهذا من قومية «انفصالية»، وهذا من حزب «مرتزق». لقد انتقل النظام إلى دمنا، إلى لغتنا، إلى سلوكنا اليومي… دون أن نشعر. نحن لسنا ضحايا فقط… نحن أيضاً جزء من المشكلة. وإن لم نملك الشجاعة للاعتراف بأن المشكلة فينا كما فيهم، فلن نخرج من هذا الجحيم أبداً.

الخطأ الكبير الذي وقع فيه كثيرون هو أنهم اعتقدوا أن تغيير النظام السياسي كافٍ لبناء الوطن. لكن الحقيقة الجارحة أن البناء يبدأ من الإنسان. يمكنك أن تسقط طاغية في يوم، لكنك لا تستطيع أن تقتلع ثقافة الطغيان من عقول الناس بنفس السرعة. السوري اليوم – للأسف – لم يتحرر فعلياً، بل ورث منظومة كاملة من الكراهية، التبعية، الغرائزية، والانغلاق. نحتاج إلى ما هو أصعب: نحتاج إلى ثورة على الذات، ثورة تقتلع الأحقاد المتجذرة، تفكك الانتماءات القاتلة، وتبني وعياً جديداً، وهوية جامعة، وإنساناً حراً مسؤولاً.

من هو الإنسان السوري الجديد؟ هو من يفهم أن الوطن ليس مزرعة طائفة أو مذهب أو غنيمة عشيرة أو فصيل. هو من يعرف أن حريته تقف عند حدود حرية الآخرين. هو من يرى في المختلف شريكاً لا خائناً أو كافراً، وفي النقد ضرورة لا خيانة. هو من ينتمي لسوريا، لا لمذهبه أو زعيمه أو ميليشيات وشيوخ منطقته. لكن هل نملك الجرأة لنصبح هؤلاء؟ إن لم نعترف بأننا كلنا نتحمّل جزءاً من هذه الفوضى، فلن نخرج منها. إن لم نواجه أنفسنا بشجاعة، لن نصل إلى أي عدالة أو كرامة. الثورة ليست هتافاً ولا علماً، الثورة أن تهدم صنم الطاغية فيك قبل أن تهدمه في القصر. وإن لم نفعل ذلك، فكل ما نعيشه اليوم هو مجرد انهيار مؤجل، وانتحار جماعي بطيء.

لا قيمة للحجر قبل أن يُبنى الإنسان أولاً. كل مشاريع الإعمار لا يساوي شيئاً إذا ظل الإنسان السوري مكسوراً، ملوثاً، ومعبّأً بالجهل والحقد والطائفية. الخرسانة لا تُنتج وطناً، والطرقات لا تصنع دولة. من يصنع الدولة هو الإنسان، والإنسان فقط. وكل هذا الحديث عن إعادة إعمار المدن، والطرقات، والبنى التحتية، لا يساوي شيئاً أمام الحاجة لإعادة إعمار الإنسان. يمكنك أن تبني أجمل الأبنية، وأن تُطلق أرقى الخطط، لكن إن لم يكن الساكن إنساناً سوياً، فستنهار من الداخل. ولا ننسى أيضاً أن الاستثمارات لا يمكن أن تتدفق على بلدان تسكنها شعوب متناحرة، وبالتالي فإن الاستثمار بالإنسان بدوره سيعزز الاستثمار بالعمران.

من هو الإنسان السوري الجديد الذي نحلم به؟ لسنا بحاجة إلى نسخة حديثة من «المناضل القديم». نحن بحاجة إلى إنسان: لا يقدّس منطقة أو طائفة أو مذهباً أو راية أو لهجة، بل يقدّس العدالة والمواطنة والإنسانية. لا يورّث أطفاله أحقاداً، بل قيماً. هذا الإنسان لا يُصنع بالخطابات ولا بالمقالات ولا بالمفاوضات، بل يُصنع في المدرسة، والبيت، والجامع، والكنيسة، والمخيم، والمنفى، والمعركة. ويقول كانط: «لكي تغيروا المجتمع ينبغي أولاً أن تغيروا العقليات السائدة فيه عن طريق التعليم والتثقيف والتهذيب.» أعرف أن الوصول إلى هذا الهدف عسير جداً، وربما خيالي، لكن مع ذلك لا بأس أن نثرثر به، ولو على سبيل الهذيان.

والسؤال الذي يُفجّر القلب: حتى (لو) قررنا أخيراً أن نُرمّم إنساننا السوري…حتى لو اجتمعنا على نزع السلاح من عقولنا، قبل أكتافنا…حتى لو قلنا «كفى»، وأردنا أن نبدأ صفحة جديدة،

حتى لو قررنا أخيراً أن نبدأ من الإنسان…هل سيسمح لنا ضباع العالم أن نبني البشر؟ أن نُعيد إعمار الحجر؟ أم إن وظيفتنا، في عيونهم، أن نبقى وقوداً لصراعاتهم، سوقاً لسلاحهم، وأرضاً لتجاربهم؟ هل العالم مستعد لرؤية سوريٍ حرّ، مستقل، موحد، واعٍ؟ أم أن هذا هو الكابوس الحقيقي بالنسبة لهم؟ هل سيسمحون لنا أن نلمّ شظايا الوطن، أن نستفيق، أم إن وجودنا المفكك، الممزق، المجروح، هو ما يخدمهم؟ هل يرضيهم أن نعيش أحراراً، متساوين، متّحدين؟ أم أن سوريا القوية الجديدة هي الكابوس الذي لا يريدونه أن يتحقق أبداً؟

القدس العربي

——————————-

معوقات لجنة التحقيق في أحداث السويداء/ منهل باريش

يحتاج الفاعلون الروحيون والسياسيون والعسكريون في السويداء إلى رؤية نتائج لجنة التحقيق على الأرض وما حل بالمشتبه بهم والمرتكبون، لاستعادة جزء من الثقة مع دمشق.

أصدرت وزارة العدل في الحكومة السورية قرارا الخميس، بتشكيل لجنة للتحقيق في أحداث السويداء الأخيرة، نتيجة للأحداث الأمنية في المحافظة، وأتى القرار بناء على توجيهات من رئاسة الجمهورية بالالتزام بكشف الحقائق وسرعة المسائلة. ويأتي تشكيل اللجنة بعد مقاطع مصورة تداولها ناشطون لعمليات إعدام ميدانية وعشوائية، بحق أشخاص غير مسلحين، على يد قوات تردد أنها حكومية تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية وأخرى لعشائر محلية من الجنوب السوري ومناطق متفرقة من البلاد قدمت تحت مسمى الفزعة لـ «بدو السويداء».

وتألفت اللجنة من القضاة، حاتم النعسان وحسان الحموي وميسون الطويل وجمال الأشقر، والمحاميين طارق الكردي وعمار عز الدين، والعميد المنشق محي الدين هرموش رئيس فرع الأمن السياسي في حماة سابقا والذي شغل منصب وزير الداخلية في الحكومة السورية المؤقتة.

وأفاد وزير العدل، مظهر الويس، بأن تشكيل اللجنة جاء انطلاقًا من التزام الدولة السورية، تجاه كافة مواطنيها، بتوجيه من رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع.

وفي ذات السياق، قالت الأمم المتحدة، الخميس الفائت، إن القتال هدأ إلى حد كبير في السويداء، بينما تفاقم الوضع الإنساني بشكل كبير في المحافظة.

كما أشارت إلى أنه رغم انخفاض العنف، إلا أن البنية التحتية قد انهارت في السويداء، فيما لفت المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى أن بلاغات تصل عن بعض الاشتباكات في مناطق ريفية متفرقة بعد ما شهدته محافظة السويداء من عنف بين ميليشيا الدروز، والعشائر الموالية للحكومة.

وتواجه مستشفيات المحافظة نقصًا شديدا في الطواقم والإمدادات الطبية، بالإضافة إلى الماء والكهرباء، كما أن بلدات عدة في المحافظة توقفت فيها الخدمات العامة بشكل مطلق. فيما أفادت وكالة «سانا» الرسمية أن معظم سكان السويداء باتوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية.

وفي سياقٍ متصل، انطلقت من العاصمة دمشق، الخميس، القافلة الخامسة من المساعدات الإنسانية بمبادرة من الهلال الأحمر السوري، وإشراف الأمم المتحدة وتسهيلات من حكومة دمشق، وبالتعاون مع عدة منظمات أممية. وحسب مصادر محلية فإن القافلة التي دخلت السويداء من جهة بصرى الحرير تضم 47 شاحنة من المواد الطبية والغذائية واللوجستية، بالإضافة إلى عدة صهاريج من المحروقات، وست شاحنات تابعة لوزارة الكهرباء.

من جهة أخرى أجلى الدفاع المدني، يوم الجمعة، مئات الأشخاص من محافظة السويداء، وأوضح الدفاع المدني، في بيان، حصلت «القدس العربي» على نسخة منه أنه أجلى 77 عائلة عبر معبر بصرى الشام الإنساني، تضم 159 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، حيث جرى تأمينهم إلى الوجهات التي اختاروها بأمان.

وأوضح الدفاع المدني أن 55 عائلة، تضم 293 شخصا، عادوا إلى محافظة السويداء عبر المعبر ذاته.

والجدير بالذكر، أنه خرجت عدة دفعات سابقة من المدنيين من محافظة السويداء نحو مراكز الإيواء، وفي وقت سابق، قال الدفاع المدني إن عدد الأفراد الذين وصلوا إلى معبر بصرى الشام الإنساني منذ بداية عمليات الإجلاء والإخلاء، بلغ 3227 شخصا، و20 جريحا، و34 جثمانا. حسب ما جاء على معرفاته الرسمية يوم الأحد الماضي.

وكان مندوبو الدول الأعضاء في مجلس الأمن، قد أكدوا الإثنين في جلسة حول الوضع في سوريا، على دعم عملية انتقال سياسي شامل في البلاد، ودانوا أي تدخلات أجنبية من شأنها تقويض عملية الانتقال السياسي الشامل.

وأفاد المبعوث الخاص بالأمم المتحدة إلى سوريا، غير بيدرسون، بنزوح ما يقارب 175 ألف شخص من المحافظة، مؤكدا على أن الاحتياجات الإنسانية حادة، وأضاف بيدرسون حسب ما نشره الموقع الرسمي لمجلس الأمن، أن «التهدئة الهشة في السويداء صامدة إلى حد كبير، إلا أن الوضع يظل مشحونًا وغير مستقر».

وأكد المبعوث الأممي الخاص، على أن الحاجة ماسة إلى تصحيحات جوهرية في الانتقال السياسي والمسار الأمني عقب العنف الذي شهدته السويداء مؤخرًا، والذي أسفر حسب ما ذكره بيدرسون عن «أعداد كبيرة من الضحايا، واستنزاف الثقة، وزيادة مخاطر التفتت»، ولفت إلى أن العنف الحاصل ما كان ينبغي له أن يحدث، وشهد «تدخلاً أجنبيًا غير مقبول».

كما دان بيدرسون، ما وصفها بـ«الانتهاكات المروعة ضد المدنيين والمقاتلين في السويداء»، معبرًا عن قلقه من التقارير الموثقة التي وصلت إلى مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، والتي تشير إلى تجاوزات وانتهاكات واسعة النطاق، منها قتل تعسفي وإعدامات بإجراءات موجزة، وعمليات خطف، وتدمير ونهب ممتلكات خاصة ومنازل.

من جهته قال مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة، قصي الضحاك، خلال الجلسة، إن الحكومة السورية تعهدت بملاحقة ومحاسبة «مرتكبي الانتهاكات التي شهدتها السويداء» منددا بالانتهاكات التي وصفها بـ«الصادمة والجسيمة» التي شهدتها المحافظة.

وأشار الضحاك إلى أن السوريين تابعوا بقلق الأحداث الأليمة التي وقعت بالسويداء، وأكدوا على رفضهم الكامل لـ«خطابات الكراهية والتحريض على العنف»، لافتًا إلى التزام حكومة دمشق بضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين، موضحا أن الحكومة «نسقت مع وكالات الأمم المتحدة لإجلاء الموظفين والرعايا الأجانب بشكل آمن، وقد نجحت في ذلك».

إلى ذلك، قالت إديم وسورنو، مديرة قسم العمليات والمناصرة في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، إن من بين مئات الأشخاص الذين أفادت تقارير بمقتلهم يوجد نساء وأطفال وأفراد وطواقم طبية، لافتة إلى أن تقارير منظمة الصحة العالمية أكدت مقتل طبيبين واستهداف وعرقلة سيارات إسعاف، واحتلال مستشفيات بشكل مؤقت.

وأفادت إديم بتضرر بنية المياه التحتية في السويداء بشكل كبير، ما أسفر عن انقطاع امداد المياه في المدينة، بالإضافة إلى بلاغات عن انقطاعات في الكهرباء، واضطرابات خطيرة في إمدادات الغذاء والوقود والمستلزمات الطبية واللوجستية، وغيرها الكثير من مستلزمات الأسواق، مؤكدة على أن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» على الرغم من أنه منخرط مع كافة الأطراف لضمان السرعة في إيصال المساعدات، إلا أن الوصول لا يزال مقيدًا.

وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قد وثقت في أحدث تقاريرها عن السويداء، الصادر في 24 من الشهر المنصرم، مقتل ما لا يقل عن 418 شخصا سوريا، بينهم 34 امرأة، و20 طفلا، و6 أشخاص من الطواقم الطبية من بينهم ثلاث نساء، وشخصان من الطواقم الإعلامية، بالإضافة لإصابة حوالي 903 أشخاص بجروح متفاوتة الخطورة من 13 تموز(يوليو) الفائت، إلى تاريخ صدور التقرير من ذات الشهر. وأكد تقرير الشبكة أن الإحصائيات التي ضمها التقرير لا تشمل حالات مقتل المسلحين المنتمين للمجموعات الخارجة عن سيطرة الدولة، باعتبار أن مقتلهم خلال الاشتباكات لا يشكل انتهاكا لحقوق الإنسان.

وأوصت الشبكة في ختام تقريرها، حكومة دمشق بمجموعة توصيات، أبرزها ضبط استخدام القوة بما يتوافق مع المعايير القانونية الدولية، ومنع الاستخدام المفرط والعشوائي للأسلحة ضمن المناطق المأهولة، وفتح تحقيقات شفافة ومستقلة في كافة الانتهاكات المبلغ عنها، والتأكيد على حماية المراكز الحيوية، واحترام مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، كما أوصت باقي أطراف الصراع في السويداء بالتوقف الفوري عن استخدام السلاح والتحريض على العنف، والامتناع عن نشر أو ترويج أي خطابات تحريضية وطائفية على وسائل التواصل الاجتماعي.

على الجانب العملي، يتوقع أن تلاقي اللجنة صعوبات كبيرة في طريق عملها وعلى رأسها الدخول إلى مدينة السويداء والاستماع إلى شهادات وإفادات أسر الضحايا. حيث يطالب عدد كبير من الأهالي والقيادات الدرزية بلجنة تحقيق دولية مستقلة، ولا يثقون بالسلطات السورية المؤقتة أساسا. وهذا سيحصر عمل اللجنة ميدانيا في القرى والبلدات الدرزية التي نزح أهلها باتجاه مدينة السويداء، بدون الحصول على شهادات الضحايا. وتعرضت القرى المذكورة إلى عمليات نهب وسرقة شبه منظمة واحرقت عشائر البدو أغلب بيوت القرى حسب الصور والفيديوهات التي بثها المهاجمون وصحافيون دوليون ونشطاء محليون.

على الجانب السياسي، تحتاج السلطة السياسية السورية إلى مراجعة عميقة لأحداث السويداء والبحث عن حلول داخلية ترأب الصدع السياسي والاجتماعي الذي خلفته الأحداث الدامية، والبدء ببناء إجراءات الثقة بين دمشق والسويداء والبدء بشراكة حقيقية ووضع برنامج طويل لإعادة دمج المحافظة في الدولة السورية.

القدس العربي

———————————–

 لجنة تحقيق السويداء: رفع العلم الإسرائيلي جريمة

السبت 2025/08/02

 أكدت اللجنة المكلفة بالتحقيق في أحداث السويداء، أن رفع العلم الإسرائيلي جريمة قانونية تستوجب المحاسبة، فيما تعهدت بإجراء تحقيق شفّاف بأحداث المحافظة، على أن يتم إرسال نسخة من التقرير النهائي إلى الأمم المتحدة.

جاء ذلك في تصريحات لمسؤولين في اللجنة، بالتزامن مع عقدها اجتماعها الأول، اليوم السبت، من مقر وزارة العدل في العاصمة دمشق، برئاسة وزير العدل مظهر الويس.

لجنة مستقلة

وقال المتحدث باسم اللجنة عمار عزالدين، إن “اللجنة ستنهي عملها برفع تقرير مفصل إلى الجهات القضائية، ولن تتدخل في الأحكام أو المحاكمات، لأن مهمتها تقتصر على التحقيق وإعداد الوثائق اللازمة”.

وأضاف في تصريحات لـ”تلفزيون سوريا”، أن اللجنة “منفتحة على التعاون مع أي جهة دولية، لكن لا يمكن قانوناً تشكيل لجنة تحقيق دولية ما دامت الدولة قادرة على إجراء تحقيق وطني”.

وأشار إلى أن اللجنة سترسل نسخة من تقريرها النهائي إلى الأمم المتحدة، مؤكداً أن “رفع علم الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي السورية يُعد جريمة قانونية تستوجب المحاسبة”.

وقال إن “من حق الدولة التفاوض مع إسرائيل أو غيرها، لكن توقيع أي اتفاق نهائي يجب أن يمر عبر مجلس الشعب وفقاً للدستور”.

وذكر أن التعليمات الصادرة عن الرئيس أحمد الشرع واضحة بشأن “محاسبة جميع المتورطين، بمن فيهم أي عنصر أمني ثبت ضلوعه في الانتهاكات”، مؤكداً أن العنف والحل العسكري في السويداء مرفوضان تماماً، وأن إنصاف الضحايا سيتم عبر القانون.

محاسبة المتورطين

وبحسب وكالة الأنباء السورية (سانا)، فإن اللجنة باشرت أولى جلساتها الرسمية، اليوم السبت، من مقر وزارة العدل، برئاسة وزير العدل الدكتور مظهر الويس. وقالت الوكالة إن الوزير شدد على أن عمل اللجنة يجب أن يسير وفق مبادئ العدالة والشفافية، بما يضمن السلم الأهلي ويعيد الأمن إلى محافظة السويداء.

وعيّنت اللجنة القاضي حاتم النعسان رئيساً لها، والمحامي عمار عز الدين متحدثاً رسمياً، كما قررت فتح خطين هاتفيين للتواصل مع أهالي السويداء وتلقي الشكاوى، وتخصيص مقر دائم داخل وزارة العدل لمتابعة العمل اليومي للجنة.

وقال النعسان في تصريحات للصحافيين، إن التحقيقات ستبدأ فوراً بلقاء المسؤولين المحليين والأهالي المتضررين، موضحاً أن العمل سيجري وفق آليات شفافة وبمشاركة قانونيين وخبراء لضمان الوصول إلى الحقيقة وتحقيق العدالة.

والخميس، أعلنت وزارة العدل السورية تشكيل لجنة للتحقيق في أحداث السويداء الأخيرة مؤلفة من قضاة وضباط ومحامين، لكشف الملابسات التي أدت إلى الأحداث، والتحقيق بالاعتداءات والانتهاكات التي تعرض لها المواطنون، وإحالة كل من يثبت تورطه إلى القضاء السوري.

ويتوجب على اللجنة تقديم تقارير دورية بنتائج أعمالها، على أن تقدم تقريرها النهائي خلال مدة لا تتجاوز 3 أشهر من تاريخ تشكيلها، بحسب قرار التشكيل.

—————————-

اشتباكات محدودة في السويداء وقوات الهجري تسيطر على تل حديد/ عبد الله البشير

03 اغسطس 2025

تسجيل خرق لاتفاق وقف النار من قبل قوات الهجري في منطقة تل حديد

نفذ الاحتلال أشغالا ببيت غير مأهول قرب القنيطرة ليصبح نقطة عسكرية

أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي عن عمليات ضبط أسلحة في جبل الشيخ

اندلعت اشتباكات محدودة صباح الأحد بين قوى الأمن العام وعناصر المجموعات المسلحة التابعة لرئيس الطائفة الروحية للموحدين الدروز في سورية حكمت الهجري، على محورين في ريف محافظة السويداء جنوب البلاد. ونقلت مواقع إعلامية محلية في السويداء أن الاشتباكات وقعت على محور بلدة الثعلة، بعد سيطرة المجموعات المسلحة على تل حديد، مشيرة إلى أن الفصائل تصدّت لهجوم مضاد من قبل قوات الحكومة السورية على التل.

في المقابل، أكدت مصادر ميدانية لـ”العربي الجديد”، أن القوات الحكومية تسيطر أساساً على تل حديد منذ نحو أسبوعين، مؤكدة أن التل كان يضمّ مربضاً للمدفعية الثقيلة، بالإضافة إلى مستودع قذائف. وأشارت المصادر إلى أن المجموعات المسلحة تسللت إليه فجر اليوم واستولت على سيارات للأمن العام كانت داخله.

من جهته، أكد “تجمّع أحرار حوران” أن المجموعات المسلحة التابعة لـ”حكمت الهجري” خرقت وقف إطلاق النار في منطقة تل حديد اليوم، حيث هاجمت التل وسيطرت عليه. ونقلت قناة الإخبارية السورية عن مصدر أمني قوله إن المجموعات الخارجة عن القانون خرقت وقف إطلاق النار في السويداء وهاجمت قوى الأمن الداخلي، وقصفت عدة قرى في ريف المحافظة، مشيراً إلى أن تلك الهجمات أسفرت عن مقتل عنصر في الأمن الداخلي وإصابة آخرين. وأضاف المصدر أن الهجمات تزامنت مع سعي حكومي لإعادة الاستقرار والهدوء في المحافظة تمهيداً لعودة الخدمات ومظاهر الحياة فيها، موضحاً أن المجموعات الخارجة عن القانون تعمل على إبقاء السويداء في دوامة التوتر والتصعيد والفوضى الأمنية، وتؤثر بعمل قوافل الإغاثة التي تصل إلى السكان.

وفي ريف القنيطرة الشمالي، جنوبي سورية، استولت قوات الاحتلال الإسرائيلي، أمس السبت، على منزل غير مأهول على الطريق بين بلدتي حضر وطرنجة، واتخذته نقطة عسكرية جديدة بعد إدخال تعزيزات إلى المنطقة. وقال يوسف المصلح، مسؤول التحرير في “تجمّع أحرار حوران”، لـ”العربي الجديد”، إنّ نحو 40 جندياً إسرائيلياً، مدعومين بعدد من العربات، اقتحموا المنزل الذي لا يزال قيد الإنشاء، وشرعوا في أعمال تنظيف وتركيب نوافذ وتدعيم للجدران، ما يرجّح نية الاحتلال في استخدامه مقراً عسكرياً جديداً.

بدوره، أوضح الصحافي نور الحسن، المختص برصد تحركات الجيش الإسرائيلي في محافظة القنيطرة، عبر فيسبوك، أن التمركز في المنزل تزامن مع مرور سيارة عسكرية تابعة للجيش الإسرائيلي من مركز بلدة جباتا الخشب، فيما منعت القوات الإسرائيلية الأهالي من الاقتراب من المنزل واعتبرته منطقة عسكرية. وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد أعلن في بيان له عن تنفيذه غارة على أهداف جنوب سورية ومصادرة أسلحة منها.

من جانبه، أوضح الصحافي نور الحسن لـ”العربي الجديد” أن عمليات ضبط الأسلحة التي أعلن عنها الجيش الإسرائيلي تركزت في مناطق من جبل الشيخ، لافتاً إلى أن القوات الإسرائيلية أقامت نقطة عسكرية في أحد المنازل، أمس، دون معلومات عن عمليات ضبط للأسلحة هناك.

وفي سياق منفصل، أعلنت وزارة الداخلية السورية، مساء أمس الأحد، أن قوى الأمن في محافظة اللاذقية ألقت القبض على نبيل دريوسي، المتهم بارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين خلال الثورة السورية ضد نظام الأسد. وأوضحت الوزارة، في بيان لها، أن دريوسي شارك في حملات النظام المخلوع ضد المناطق الثائرة، وتورط في “انتهاكات جسيمة بحق المدنيين”، شملت التمثيل بجثث الشهداء، وجرت إحالته إلى إدارة مكافحة الإرهاب لاستكمال الإجراءات القانونية بحقه.

——————————-

 السويداء اجتازت المرحلة الأخطر.. البلعوس: نعمل على مصالحة شاملة في الجنوب السوري

2025.08.02

أكد قائد “قوات شيخ الكرامة” ليث البلعوس أن محافظة السويداء تتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها الاستقرار والأمان، وشراكة كاملة مع مؤسسات الدولة، مشيراً إلى استمرار العمل على اجتثاث الفوضى والجريمة بالتنسيق مع الجهات الأمنية والقضائية.

وأوضح البلعوس أن حماية وحدة البلاد أولوية لا يمكن المساومة عليها، وأن أبناء السويداء يشكّلون جزءاً لا يتجزأ من الدولة السورية، داعياً إلى إنهاء مظاهر السلاح العشوائي وترسيخ ثقافة الانتماء والحقوق ضمن مشروع وطني جامع.

وجدّد البلعوس رفضه لدعوات الانفصال ومحاولات توريط أبناء السويداء في صراعات هامشية، مشدداً على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والدخول في حوار صريح مع جميع الشركاء الوطنيين لترسيخ الأمن وتحقيق مصالحة مجتمعية شاملة في الجنوب السوري.

وبيّن أن التعاون مع مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية يأتي في مقدمة أولويات أبناء السويداء، خاصة فيما يتعلّق بملاحقة المتورّطين في الجريمة المنظمة من بقايا النظام المخلوع وشبكات الاتجار وتهريب المخدرات والسلاح، بحسب ما نقلت “الإخبارية السورية”.

وأضاف أن أبناء السويداء لم يكونوا يوماً مع الفوضى، بل كانوا من أوائل من واجه عصابات الخطف والنهب، مضيفاً: “آن الأوان أن ننظف المحافظة من كل مظاهر الإجرام بدعم شعبي وأهلي، وبعمل مشترك مع الدولة”.

السويداء اجتازت المرحلة الأخطر

ذكر البلعوس أن السويداء تجاوزت المرحلة الأخطر، وأن الالتزام بخارطة التهدئة وضبط السلاح المنفلت من أبرز عوامل استعادة الاستقرار بالكامل خلال بضعة أسابيع، لافتاً إلى امتلاك المحافظة لرأسمال بشري واجتماعي واقتصادي مهم، ينقصه فقط الشعور بالأمان.

وأشار إلى أن الدولة تعمل حالياً على خلق بيئة آمنة حاضنة للاستثمار والتنمية، مؤكداً أهمية فتح المجال أمام المبادرات الوطنية والمشاريع الإنتاجية فور تثبيت الأمن في السويداء.

وأعلن دعمه لاندماج تدريجي ومدروس لمن يرغب من المقاتلين من أبناء السويداء ضمن التشكيلات الرسمية لوزارة الدفاع، على أن يتم ذلك وفق ضوابط تحفظ الكرامة وتضمن الالتزام بالدستور والقانون.

وأشار إلى أنه “يجري العمل بهدوء لإعادة بناء الثقة بين الناس والدولة، وحماية الأبرياء، والدفع نحو مصالحة تاريخية شاملة في الجنوب السوري”، مضيفاً أن أبناء السويداء يطالبون بأن يُعامَلوا كمواطنين شركاء، وأن يتم احترام تضحياتهم.

وأعرب عن تفاؤله بالمستقبل، قائلاً إن القادم سيكون أفضل طالما وُجدت نوايا صادقة وقلوب مفتوحة وعقول واقعية، مشيداً في الوقت ذاته بدور محافظ السويداء مصطفى البكور، والهلال الأحمر، والوزارات المعنية في إيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين.

رفض مشاريع التقسيم والانفصال

وجدد التأكيد على أن مقام رموز المحافظة الأهلية والدينية مصان ومحفوظ، وأن أبناء السويداء لا يجاملون على حساب المصلحة الوطنية، موضحاً أن كل دعوة انفصالية أو تحريضية سيتصدّى لها المجتمع بالوعي والحوار والقانون.

وأضاف: “من أراد تمثيل السويداء أو طائفة الموحّدين الدروز، فعليه أن يكون حامياً لها، لا أن يزجّها في معارك خاسرة”.

ودعا إلى توحيد الخطاب الوطني والانخراط في مشروع جامع يعزز الانتماء للدولة ويروّج لثقافة الحقوق والواجبات، مطالباً الشخصيات الفاعلة بالمشاركة في هذا المسار لـفضح مشاريع التفرقة والخراب.

ولفت إلى أن الوعي يشكّل خط الدفاع الأول، مؤكداً أن أبناء السويداء يعملون مع الوطنيين لترسيخ هذا الوعي في المجتمع.

وأكّد أن السلاح العشوائي لا مكان له بين المدنيين، وأن الجهود الحالية تتركّز على جمعه وتنظيمه ضمن مؤسسات رسمية.

ووجّه البلعوس رسالة إلى السوريين مفادها أن السويداء كانت وستبقى جزءاً أصيلاً من الوطن السوري، وستقف دائماً مع وحدة البلاد، رافضاً أي دعوة مشبوهة تمسّ بتراب سوريا أو بهوية طائفة الموحّدين الدروز.

وشدّد على أن “أهالي السويداء ليسوا دعاة انفصال، ولا يسعون إلى تقاسم النفوذ”، مضيفاً: “وإلى كل السوريين، نحن معكم وأنتم معنا، وبلدنا تتسع للجميع”

——————————–

 الدفاع المدني: لن نسمح بنسيان حمزة العمارين وندعو المجتمع الدولي للتحرك

2025.08.01

جدد الدفاع المدني السوري المطالبة بالإفراج الفوري عن المتطوع حمزة العمارين، بعد مرور خمسة عشر يوماً على اختطافه في مدينة السويداء في أثناء تأديته لواجبه الإنساني في مساعدة المدنيين وإخلاء فريق تابع للأمم المتحدة من المنطقة.

وحمل الدفاع المدني الفصائل المحلية المسيطرة على السويداء المسؤولية الكاملة عن سلامة العمارين، مؤكداً أن استمرار احتجازه يُعد انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني، وتهديداً مباشراً للعمل الإنساني وسلامة العاملين فيه.

ودعا الدفاع المدني المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان والهيئات الإنسانية إلى التحرك العاجل والضغط من أجل الإفراج الفوري عن حمزة العمارين وضمان عودته سالماً.

تفاصيل اختطاف العمارين

ووفق بيان سابق للخوذ البيضاء، فقد دخل العمارين إلى مدينة السويداء، في مهمة لإجلاء فريق تابع للأمم المتحدة، وكان يقود سيارة تحمل شارات المنظمة بشكل واضح، ويرتدي اللباس الرسمي للدفاع المدني.

ونقلت إحدى السيدات من أهالي السويداء أن العمارين قدم لها المساعدة خلال توجهه إلى موقع الفريق الأممي، مضيفة أن مسلحين محليين اعترضوه في منطقة دوار العمران، واقتادوه إلى جهة مجهولة.

وخلال آخر مكالمة عبر هاتف العمارين بين الجهة الخاطفة والدفاع المدني، أفاد المتحدث بأن العمارين بخير، ثم انقطع الاتصال، ولم تتلق المنظمة أي رد بعد محاولاتها التواصل مع الفصائل المحلية عبر وسطاء.

وحمّلت المنظمة الفصائل المحلية في السويداء كامل المسؤولية عن سلامة العمارين، مطالبة بالإفراج عنه فوراً، ومحذّرة من استخدام سيارة الدفاع المدني في أي عمل كان.

—————————–

إسرائيل تتصرف كدولة احتلال في الجنوب السوري

مداهمات واعتقالات في عدة قرى بدعوى مكافحة الإرهاب الإيراني

تل أبيب: «الشرق الأوسط»

1 أغسطس 2025 م

في الوقت الذي يجري الحديث فيه عن مفاوضات إيجابية بين سوريا وإسرائيل في باكو، شكت مصادر في الجنوب السوري من أن قوات الجيش والمخابرات الإسرائيلية أقامت معسكراً يحتوي على خيمة اعتقال كبيرة، تجلب إليها معتقلين سوريين من سكان الجنوب، وذلك للتحقيق معهم حول نشاطات إرهابية تدعي أن إيران تحاول تنظيمها.

وقال عدد من أقارب هؤلاء المعتقلين إن المحققين الإسرائيليين يجرون تحقيقات في ظل التخويف والتنكيل، ولا تتردد في احتجازهم لعدة أيام، وفي بعض الحالات تنقل المعتقلين إلى إسرائيل لاستكمال التحقيق.

وقد شملت هذه الاعتقالات ثلاثة مواطنين من مدينة القنيطرة، في جنوب سوريا، فقط الجمعة، وصادرت جرّاراً زراعياً كانوا يستخدمونه لنقل بقايا أشجار في ريف القنيطرة، واقتادتهم إلى القاعدة العسكرية التي تضم خيمة الاعتقال.

وأكدت مصادر من بلدة مجدل شمس في الجولان المحتل، التي يرتبط أهلها بأواصر قربى مع المواطنين الدروز في السويداء، أن الأيام الأخيرة تشهد تحركات عسكرية إسرائيلية مكثفة وغير مسبوقة في الجنوب السوري، وخاصة في ريف القنيطرة ودرعا، وتنظم دوريات عسكرية تتوغل في القرى والبلدات وتنفذ اعتقالات عديدة. وهي تقيم تسعة مواقع عسكرية ثابتة، في المناطق التي احتلتها بعد سقوط نظام بشار الأسد، قبل ثمانية أشهر، وهذه المواقع تشهد حركة نشطة بشكل غير عادي. ويبدو أنها تحتوي على أكثر من خيمة اعتقال واحدة.

وعلى سبيل المثال، اقتحمت القوات الإسرائيلية قرية كودنة، ونصبت حاجزاً مؤقتاً على الطريق الواصل بين القرية وقرية عين زيوان، فيما اقتحمت، مساء الأربعاء، قوات محمولة على ثلاث مجنزرات، منزل المواطن محمد الجمعة في قرية الصمدانية الشرقية، واعتقلته دون توجيه أي تهمة أو توضيح للأسباب، ولا يزال مصيره ومكان احتجازه مجهولين حتى اللحظة.

والخميس، توغلت في قرية أم العِظام، وقامت بنصب حاجز طيّار، وفتّشت المارّة والمركبات، كما اعتقلت أربعة أشخاص، واقتادتهم إلى قاعدة العدنانية، إحدى القواعد العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، قبل أن تُفرج عنهم بعد ثلاث ساعات. وفي قرية بريقة بريف القنيطرة الأوسط، نصبت إسرائيل حاجزاً عسكرياً طيّاراً، وأجرت عمليات تفتيش للمركبات المارّة، وأوقفت إحدى الحافلات واستجوبت الشبّان الذين كانوا فيها. وفي الريف الشمالي، شهدت قرية جباثا الخشب، بعد ظهر الخميس، توغلاً جديداً لدورية إسرائيلية مكوّنة من سيارتين. فيما شهد الريف الجنوبي من محافظة القنيطرة، إضافة إلى الريف الغربي من محافظة درعا في جنوب سوريا، إطلاق قنابل مضيئة، بالتزامن مع تحليق مكثّف لطيران الاستطلاع والطيران الحربي في أجواء المحافظتين.

وذكرت المصادر أن قوات سلاح الهندسة الإسرائيلي نفذت عمليات حفر ورفع سواتر ترابية غربي بلدات بريقة وبئر عجم، ضمن مشروع «سوفا 53»، الذي بدأ الجيش الإسرائيلي بتنفيذه في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2022، ويهدف إلى تعزيز التحصينات العسكرية على طول الشريط الحدودي مع الجولان السوري المحتل.

وبحسب المصادر المذكورة، فإن العمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة في الجنوب السوري لم تعد عابرة وأصبحت يومية هدفها محاولة إفهام الناس أنها صاحبة القول والفصل. وبذلك تفرض نفسها كمحتل يفرض إرادته. وتقول السلطات الإسرائيلية إنها بهذه النشاطات تسعى لتحقيق أمن إسرائيل ومنع تنظيمات الإرهاب من الإطلال برأسها في هذه المنطقة. وهي تدعي أن إيران و«حزب الله» ما زالا يعملان في الجنوب السوري لتنظيم هجمات على مستوطنات الجولان شبيهة بهجوم «حماس» على غلاف غزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وأن كل عمليات الجيش في المنطقة محكومة بضرورة صد هذه المحاولات.

يذكر أن وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، التقيا الخميس في باكو، بهدف دفع المفاوضات بينهما للتوصل إلى تفاهمات أمنية. واتفقا على الاستمرار في المفاوضات.

————————-

 إعلام عبري: إسرائيل طلبت من سوريا نشر جهاز الأمن العام في الجنوب بدلاً من الجيش

2025.08.01

قالت وسائل إعلام عبرية إن إسرائيل وجهت رسالة إلى الحكومة السورية تطلب فيها نشر جهاز الأمن العام في الجنوب السوري، بدلاً من الجيش الذي تعارض انتشاره في المنطقة.

وأفادت هيئة البث العبرية الرسمية “كان”، أن إسرائيل تواصل اعتراضها على انتشار الجيش السوري جنوبي البلاد، مشيرة على أن إسرائيل طلبت وجود قوات أمنية تابعة لوزارة الداخلية السورية في المنطقة، شريطة أن تكون مكونة من عناصر درزية.

وأشارت “كان” إلى أن ذلك من شأنه أن يمنع قوات الأمن الحكومية السورية من تشكيل ما وصفته بـ”التهديد للدروز”.

الشيباني تواصل مع موفق طريف

من جانب آخر، زعمت القناة العبرية أن وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، اتصل قبل بضعة أشهر بزعيم الطائفة الدرزية في إسرائيل، الشيخ موفق طريف، ودعاه لزيارة دمشق، مشيرة أن الشيخ طريف “رفض الدعوة بأدب”.

وفي وقت سابق، أفادت وكالة الصحافة الفرنسية أن اجتماعاً وزارياً سيعقد، أمس الخميس، في العاصمة الأذربيجانية باكو، بين وزير الخارجية السوري ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر. وحتى اللحظة لم تصدر تصريحات رسمية حول انعقاد الاجتماع.

ونقلت الوكالة عن مصدر دبلوماسي قوله إن اللقاء سيتمحور حول “الوضع الأمني، خصوصاً في جنوبي سوريا”، وسيعقب زيارة يجريها الشيباني إلى موسكو الخميس أيضاً.

وكان مصدر دبلوماسي في دمشق قد أفاد للوكالة الفرنسية أن اجتماعاً غير مسبوق جمع وزير الخارجية السوري بوزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، في العاصمة الفرنسية باريس، في حين أكد المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، أن المسؤولين من كلا البلدين ناقشوا خلال المحادثات سُبل تهدئة الوضع في سوريا.

———————–

مظاهرات في السويداء تطالب بتحقيق دولي مستقل

دعت السلطات السورية إلى سحب مقاتليها من المنطقة ورفع «الحصار» عنها

1 أغسطس 2025 م

طالب أهالي محافظة السويداء (جنوب سوريا) بتحقيق دولي مستقل في الأحداث التي شهدتها المحافظة مؤخراً، رافضين لجنة التحقيق في أحداث السويداء التي أعلنت عنها دمشق.

جاء ذلك خلال تظاهر العشرات من سكان السويداء، ذات الغالبية الدرزية، في ساحة الكرامة وسط المدينة، رافعين مطالب عدة منها: سحب السلطات السورية مقاتليها من المنطقة، ورفع «الحصار» عنها، وفتح «معبر إنساني مع الأردن».

وقالت روان أبو عساف، الناشطة في منظمة غير حكومية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نتظاهر للمطالبة ببنود عدة بينها فكّ الحصار المفروض على محافظة السويداء، وخروج قوات السلطة من كل قرى المحافظة».

ورفع المتظاهرون لافتات بلغات عدة، جاء في بعضها «السويداء تحت الحصار» و«ارفعوا الحصار عن الأطفال»، وطالبت أخرى مكتوبة بخط اليد بـ«فتح ممر إنساني مع الأردن».

ويتهم السكان، السلطات بفرض «حصار» على السويداء، وتقييد حركة الوصول إليها، وانتشار قواتها في أجزاء عدة من المحافظة، وهو ما تنفيه دمشق.

وتنفي السلطات السورية بالمطلق فرض حصار على المحافظة، وتلقي باللوم على «مجموعات خارجة عن القانون».

وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، رداً على سؤال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنه لو كان ثمة حصار مفروض على السويداء «لما دخلت أساساً قوافل المساعدات الإنسانية إليها».

وقال الناشط المدني خالد سلوم، على هامش مشاركته في المظاهرة، إن «الوضع في السويداء كارثي بامتياز، وبالكاد تكفي المساعدات التي يتم إدخالها». وتابع: «نحن بحاجة ماسة إلى فتح معبر إنساني فوراً وفكّ الحصار عن السويداء».

بدوره ذكر موقع «السويداء 24» أن مئات المواطنين تظاهروا في الساحات الرئيسية لمدن السويداء وصلخد وشهبا، إلى جانب قرى عدة؛ استجابةً لدعوات مدنية.

وأشار إلى أن المظاهرات تأتي تعبيراً عن الغضب المتنامي لدى السكان، نتيجة الأحداث التي شهدتها المحافظة منتصف يوليو (تموز) الماضي.

ورفع المشاركون، حسب «السويداء 24»، لافتات حملت شعارات «ضد السلطة في دمشق»، بينما دعت أخرى لـ«فتح ممرات إنسانية ورفع الحصار الأمني والعسكري عن المحافظة».

كذلك رفع المشاركون لافتات تعبر عن «رفضهم» للجنة التحقيق التي أعلنت السلطات السورية عن تشكيلها الخميس، مطالبين بـ«لجنة تحقيق دولية»، حسب «الراصد».

وكانت وزارة العدل السورية قد أعلنت، الخميس، تشكيل لجنة كُلفت بالتحقيق في أعمال العنف الدامية التي وقعت في يوليو بمحافظة السويداء.

وأوضحت الوزارة في قرارها أن الهدف هو «كشف الظروف والملابسات التي أدت إلى الأحداث»، و«التحقيق في الاعتداءات والانتهاكات التي تعرض لها المواطنون»، و«إحالة مَن تثبت مشاركته إلى القضاء».

وتتألف اللجنة من 7 أعضاء، هم 4 قضاة ومحاميان وضابط برتبة عميد. ونص القرار على وجوب أن ترفع اللجنة تقريرها النهائي «خلال مدة لا تتجاوز 3 أشهر».

وشهدت محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، بدءاً من 13 يوليو ولمدة أسبوع، اشتباكات اندلعت بين مسلحين من البدو ومقاتلين دروز، قبل أن تتوسع مع تدخل القوات الحكومية ومسلحي العشائر، وفق مصادر وشهود وفصائل درزية. وأسفرت الاشتباكات عن مقتل المئات قبل أن يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار خلال الأسبوع الحالي.

تدفق المساعدات

إلى ذلك، استمر تدفق قوافل المساعدات إلى محافظة السويداء محملة بالمساعدات الإنسانية والإغاثية والمحروقات.

ودخلت، الجمعة، أكبر دفعة من الوقود إلى محافظة السويداء، وفق ما نقل موقع «الراصد» عن مصادر ذكرت أن القافلة تضم 96 ألف لتر من مادة المازوت، وهي الكمية الطبيعية التي كانت تدخل للمحافظة يومياً قبل الحصار.

وفي وقت سابق كانت وكالة «سانا» قد ذكرت أن قافلة محروقات، تضم 4 ناقلات محملة بـ96 ألف لتر من مادة المازوت، وصلت إلى مدينة بصرى الشام في ريف درعا؛ تمهيداً لإدخالها إلى محافظة السويداء، تحت إشراف منظمة الهلال الأحمر العربي السوري.

وقالت الوكالة: «يأتي إدخال هذه القافلة ضمن جهود الحكومة السورية لتلبية الاحتياجات الأساسية للمحافظة، وينفي مزاعم المجموعات الخارجة عن القانون بحصار محافظة السويداء من قِبَل الحكومة السورية».

ومنذ الإعلان عن وقف إطلاق النار خلال الأسبوع الحالي، ترسل الحكومة السورية بشكل يومي إلى السويداء قوافل مساعدات، تتضمن مواد إغاثية وغذائية وإمدادات طبية بالتعاون مع المنظمات الإنسانية المحلية والدولية، كما فتحت ممرات إنسانية لإدخال المساعدات للمدنيين داخل المحافظة، ولتسهيل الخروج المؤقت لمن شاء منهم خارج مناطق سيطرة المجموعات الخارجة عن القانون.

وتم الخميس إرسال قافلة مساعدات إنسانية من دمشق إلى السويداء هي الخامسة من نوعها، وذلك بمبادرة من الهلال الأحمر العربي السوري، وبالتعاون مع عدد من المنظمات الأممية، وتسهيل من الحكومة السورية، وإشراف الأمم المتحدة.

وضمت القافلة 47 شاحنة محملة بكميات كبيرة من المساعدات الغذائية والطبية واللوجيستية، من بينها 6 شاحنات من وزارة الكهرباء، إضافة إلى صهاريج من المشتقات النفطية.

وأعلنت الأمم المتحدة، الخميس، إرسال مساعدات منقذة للحياة من أجل تلبية «الاحتياجات العاجلة للأسر والمجتمعات المتأثرة بالتطورات الأمنية الأخيرة والانقطاع الحاد في إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية».

الشرق الأوسط

————————————

تحركات في السويداء للمطالبة بتحقيق دولي

دعوات إلى سحب قوات دمشق

دمشق: موفق محمد

2 أغسطس 2025 م

شهدت محافظة السويداء (جنوب سوريا) مظاهرات أمس تخللتها مطالبات بتحقيق دولي مستقل في الأحداث التي شهدتها المحافظة مؤخراً، ورفض لجنة التحقيق التي أعلنت عنها دمشق الخميس.

ورفع المتظاهرون لافتات بلغات عدة، جاء في بعضها «السويداء تحت الحصار» و«ارفعوا الحصار عن الأطفال»، وطالبت أخرى مكتوبة بخط اليد بـ«فتح ممر إنساني مع الأردن».

وتتألف لجنة التحقيق لتي أعلنت عنها الحكومة من 7 أعضاء، هم 4 قضاة ومحاميان وضابط برتبة عميد. ونصّ القرار على وجوب أن ترفع اللجنة تقريرها النهائي «خلال مدة لا تتجاوز 3 أشهر».

ويتَّهم السكان، السلطات بفرض «حصار» على السويداء، وتقييد حركة الوصول إليها، وانتشار قواتها في أجزاء عدة من المحافظة، وهو ما تنفيه السلطات السورية في المطلق وتلقي باللوم على «مجموعات خارجة عن القانون».

————————–

===================

تحديث 31 تموز 2025

—————————

معضلة السويداء: أي حل سياسي ممكن لإعادة الاستقرار؟/ عبسي سميسم

31 يوليو 2025

تشير حالة الاستقطاب الحاد التي أفرزتها أحداث محافظة السويداء منتصف الشهر الحالي، وما تبعها من تداعيات، إلى وجوب التوصل إلى حل سياسي يعيد الاستقرار للمحافظة، وينهي حالة الصراع المسلح التي تودي بالسويداء نحو اتجاهات خطيرة ليس أقلها تدويل قضيتها، والذهاب نحو صراعات طائفية، يساهم في تأجيجها أداء غير متوازن من طرف الحكومة، تقابله مطالب متطرفة من أصوات داخل المحافظة وصلت إلى حد طلب الحماية من إسرائيل. ولم تعتمد الحكومة السورية عقلية الدولة في التعاطي مع السويداء، إذ سمحت لمسلحي العشائر بالتوجه نحو السويداء نصرة لعشائر البدو من أبناء المحافظة الذين ارتكبت فصائل ما يعرف باسم “المجلس العسكري” انتهاكات بحقهم، متخذة دور الطرف المناصر لفئة ضد أخرى من السوريين، الأمر الذي أفقدها دورها دولةً، وساهم بإفساح المجال لتدخل الاحتلال الاسرائيلي بذريعة الدفاع عن الطائفة الدرزية. كذلك إن غياب الشفافية في مسألة التفاوض مع الجانب الإسرائيلي وعدم الإفصاح عما جرى التوافق عليه ساهما في فقدان الثقة وترك الأمر للتكهنات.

في الجانب الآخر، ذكرت وكالة الأناضول التركية، نقلاً عن مسؤول سوري لم تسمه، أن الشيخ حكمت الهجري، طلب عبر إسرائيل فتح معبر لمحافظة السويداء مع الأردن، وطالب بإقامة كانتون مستقل في السويداء محمي من إسرائيل. وتزامن نشر هذه الأخبار مع خروج مجموعات من مؤيدي الهجري بتظاهرة تطلب حماية من إسرائيل وتشكر رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، وظهر عدد من الاشخاص يحملون العلم الإسرائيلي ويجوبون به شوارع السويداء.

تطورات أزمة السويداء

وفي جديد التطورات في السويداء، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا، في تصريحات أمس، إن “مزاعم حصار محافظة السويداء من قِبل الحكومة السورية محض كذب وتضليل”، موضحاً أن الحكومة “فتحت ممرات إنسانية لإدخال المساعدات لأهلنا المدنيين داخل المحافظة بالتعاون مع المنظمات الإنسانية المحلية والدولية”. وأوضح أن الممرات فُتحت لـ”تسهيل الخروج المؤقت لمن شاء منهم خارج مناطق سيطرة المجموعات الخارجة عن القانون”. في المقابل، قال رئيس غرفة تجارة وصناعة السويداء أبو عدي نبيه بكري في تصريح لشبكة محلية إن المحافظة “محاصرة بكل شيء”، وما يدخل من مساعدات “ضئيل جداً”. كذلك قالت المحامية ديانا مقلد الموجودة في مدينة السويداء لـ”العربي الجديد”، إن الوضع الأمني مستقر في المدينة، حيث لم تعد تسمع أصوات إطلاق نار، أما في الريفين الغربي والشمالي من المحافظة، فما زالت تنتشر مجموعات من قوات العشائر. وأضافت أن المدينة تخضع للحصار، حيث لا يوجد بنزين ولا أدوية ولا أي نوع من الخدمات برغم دخول بعض قوافل المساعدات.

وعن أزمة السويداء، رأى المحلل السياسي والحقوقي محمد صبرا، في حديث لـ”العربي الجديد”، أنه لا يمكن التفكير في حل من دون تفكيك المشكلة وإعادتها إلى حجمها الطبيعي، مشيراً إلى أن الخطوة الأولى في هذا الصدد، أن تتوقف كل حملات التحريض والتجييش والتخوين من كل الأطراف، بالإضافة إلى ضرورة تشكيل لجنة تحقيق عليا ذات ولاية وقادرة على المحاسبة للتحقيق في كل ما حدث، وإعلان مسؤوليات الأطراف. وأضاف: بعد ذلك علينا أن نحدد ما هي الطلبات التي يتبناها الفاعلون في الصراع في هذه الأزمة، ومحاولة الوصول إلى مقاربة تلبي هذه الطلبات من دون الانزلاق إلى اعتبار الحكومة طرفاً مقابل طرف آخر يمثله حكمت الهجري أو “المجلس العسكري”، وهذا خطأ ارتكبته الحكومة منذ البداية عندما وضعت نفسها طرفاً مقابلاً لطرف محلي في السويداء.

ورأى صبرا أن الحكومة من وجهة نظرها تريد بسط سلطات الدولة على كامل التراب السوري، ومنها محافظة السويداء، وهذا بحد ذاته مطلب حق، لكن الوصول إليه لا يكون عبر العنف ولا عبر استرضاء الطرف المحلي للقبول بهذه السلطة. واقترح لحل هذه الإشكالية أن تعود السلطة إلى المبدأ القانوني البسيط، وهو انتخابات الإدارة المحلية، موضحاً أن هذا ليس حلاً في السويداء وحسب، بل يمكن تطبيقه في كل المحافظات السورية على مراحل تنتهي في نهاية العام، أي في نهاية السنة الأولى من المرحلة الانتقالية. وشدد صبرا على أن بناء مجالس محلية منتخبة في هذه الظروف بات أكثر من ضرورة، لأنه عملياً يعيد النقاش والصراع إلى حيز السياسة والقانونية، ويسحب الذرائع من كل الأطراف المغامرة، سواء الداخلية أو الخارجية، وما حدث في السويداء وقبلها في الساحل يثبت أن إشراك المجتمع المحلي في قيادة المرحلة الانتقالية وتوجيهها، هو الضامن حقيقة لسير هذه المرحلة وفق الأسس الصحيحة المنتجة.

أهداف إسرائيل

من جهته، رأى المحلل السياسي فراس رضوان ببيلي، أن ما تريده إسرائيل من أحداث السويداء، عدة أمور، أبرزها إيجاد شخصية درزية خاصة بها تستطيع من خلالها أن تشق صف القيادات الدرزية في سورية ولبنان، ومن الواضح أن حكمت الهجري يتماشى مع هذا السياق. وأضاف في حديث لـ”العربي الجديد” أن إسرائيل تسعى لأن تكون جزءاً من سورية القادمة وأن يكون لها أحزاب وأجسام سياسية في داخل المكون السوري يساعدها في التفاوض. وأشار إلى أن إسرائيل تستفيد من أحداث السويداء في المفاوضات التي تجريها حالياً مع القيادة السورية وتضع المسدس على الطاولة.

أما الباحث السياسي أدهم مسعود القاق، فقال في حديث لـ”العربي الجديد”، إن قرابة نصف السوريين الدروز يقيمون في ريف دمشق بين جرمانا والأشرفية وصحنايا، وبالتالي لا يجوز أن يقامر الهجري أو غيره على قضية السوريين الدروز الذين يتعايشون مع غيرهم من الطوائف السورية. وأكد القاق أنه لا الجغرافيا ولا التاريخ ولا الاقتصاد ولا الحياة الاجتماعية ولا السياسية تسمح بأن تأخذ السويداء أي قدر من الاستقلال عن الدولة السورية. وأكد أن وهم إنشاء دولة درزية أو حتى كانتون أو إدارة ذاتية للدروز في سورية التي يفكر فيها الهجري لا يمكن أن يتحقق، مضيفاً أن هدف إسرائيل من استغلال أحداث السويداء والتدخل، إضعاف الدولة السورية الناشئة وعرقلة مسارها. وانتقد القاق إرسال الحكومة السورية العشائر والفزعات والتغاضي عن أعمالها الخارجة عن القانون، ولا سيما حرق القرى والمنازل والممتلكات التابعة للسكان الدروز. وأكد أن على الدولة حالياً أن تفتح باب المساعدات الإنسانية وجبر الضرر لأهالي السويداء وتعويضهم والبدء بإنعاش السويداء وفتح حوار وطني شامل.

العربي الجديد

——————————-

إبادة جوّالة من الساحل إلى السويداء: هل هذا القتل الجماعي حدث أم نمط؟/ ياسين الحاج صالح

31-07-2025

        1

        المجازر بحق الدروز في السويداء على يد قوات الحكم الانتقالي أسوأ بكثير من نظيراتها بحق العلويين في آذار الماضي. هذا، أولاً، لمجرد أنه كرر المسالك الإجرامية التي سقط ضحيتها ما لا يقل عن 1500 من العلويين خلال خمسة أيام. التكرار شبه الحرفي ضد الدروز هذه المرة يُشكك بأنه جرى أخذ عبر أو استخلاص دروس مما أقرت السلطة نفسها بأنها مجازر، وظاهر أنه في أوساط تشكيلاتها المسلحة والقوات المرتبطة بها لم يخشَ أحد من اللوم، ولا يبدو أن أحداً عوقب، أو حتى عوتب، على دوره في القتل الجماعي الأول كيلا يشارك في قتل جماعي ثانٍ. وثانياً، لأن الهجوم على السويداء لم يكن مسبوقاً باعتداء على قوات حكومية ومقتل العديد من عناصرها، ولا ببلاغات تدعو إلى تمرد عام، كي يقال إن ما حدث هو تجاوزات في عملية أمنية لم تبادر إليها السلطة. ثم أنه ليس هناك ذاكرة مسمومة حيال السويداء والبيئات الدرزية في عمومها، فهي لم تكن على ولاء خاص للحكم الأسدي، بل إنها منذ سنوات مقاطعة لجيشه وحربه، وجسدت «ساحة الكرامة» في المدينة استمراراً للجذع الوطني الشعبي للثورة السورية واسترجاعاً لمنزعها السلمي الأصلي. مشاركة دروز في حرب الحكم الأسدي أو موالاة بعضهم له ليست أكبر من مشاركة سنيين أو موالاتهم للنظام الذي فتك ببيئات سنية أكثر من غيرها. وبينما أضعف البيئات العلوية العبء السياسي والأخلاقي المديد للأسدية، وحقيقة أن صاعق المجازر جاء من طرف مجموعات محسوبة على الحكم الأسدي، فإنه ليس هناك ما يماثل ذلك في السويداء. لم تتعرض أي قوات حكومية لهجوم من السويداء، وليس هناك عبء أخلاقي أو سياسي يُثقل كاهل الدروز السوريين.

        2

        يجمع بين مجموعتي المجازر صفتها الإبادية: أن علويين استُهدفوا لأنهم علويون، على نحو تجاوز كلياً الرد على هجمات فلول مسلحين على قوات حكومية. الإبادة هي استهداف جماعة أهلية أو مجموعات فرعية منها لما تكون وليس لما فعلت، أياً يكن عدد الضحايا. ومعلوم أن الممارسات الإبادية في الساحل اقترنت بقتل أسر بأكملها، بحرق منازل ونهب ممتلكات، بعمليات حيونة وإذلال (سبق غير قليل من هذه العمليات مسلسل المجازر، ولا ريب أنها أسهمت في دفع بعض العلويين إلى التسلح أو التراجع عن «التسويات»)، وبعض ممارسات الحيونة والإذلال مستمر إلى اليوم. وفي مجملها، كانت تلك معالجة أسوأ بكثير من المشكلة، على ما أقر الحكم الانتقالي نفسه حين شكل «لجنة تحقيق في أحداث الساحل».

        في السويداء كانت الصفة الإبادية ظاهرة بالقدر نفسه إن لم يكن أكثر: لقد استُهدِف دروز لأنهم دروز وليس لأي شيء قام بعضهم به، فقُتِلت أسر بأكملها، ونُهِبت ممتلكات، ودمرت منازل، وأُهين الناس في عقيدتهم وفي مظهرهم وفي هويتهم. كان قص الشوارب التي يعتز بها كثير من الدروز (وكثير من غير الدروز) بمثابة قتل معنوي للمستهدفين به، لا يقل سفاهة وطائفية عن نزع الحجب من رؤوس نساء محجبات. وفي المحصلة، كان ذلك استهدافاً وجودياً، غير مسبوق بدم أو استفزاز، تسبب برضة جماعية للدروز السوريين، نعرف جيداً أنها لا يمكن أن تزول من الذاكرة.

        يُمكن أن يقول أنصار الحكم الانتقالي إن هناك سلاحاً خارج سلطة الدولة، وهناك رفض لشرعية هذه السلطة من قبل فريق معلوم في السويداء. هذا صحيح، لكن هذه القضايا الخلافية كانت موضوع أخذ وعطاء سياسيَّين، ويُفترض أن لدينا مرحلة انتقالية طويلة للوصول إلى أنسب المعالجات لها. ما حدث هو العكس هنا أيضاً: كانت المعالجة أسوأ من المشكلة بما لا يقاس. لقد ظهر أن سلاح الدولة المزعوم هو السلاح الأشد انفلاتاً والأقل وطنية والأكثر إبادية. وأن أول نزع للسلاح يجب أن يكون من جميع تلك الأيدي النظامية والرديفة الملطخة بدماء مدنيين مسالمين، لأنها غير أمينة لا على الأرواح ولا على البلد. من شأن تسليم السلاح لتشكيلات من صنف تلك التي هاجمت السويداء، وقبلها مناطق في الساحل، أن يكون بمثابة تسليم العنق للسكين. وثناء الرئيس الانتقالي نفسه على دور مسلحي العشائر في ما يفترض أنها عملية نزع سلاح فصائلي واحتكاره من قبل الدولة هو بمثابة تكذيب لمنطق بسط سيادة الدولة، ومسلك خادع من نوع: أما أنا فلا أخلع صاحبي! أمّا بخصوص عدم الاعتراف بشرعية السلطة، فالأمر رهن بالتمثيل العادل في مراتبها، وأكثر السوريين ليسوا ممثلين، لا كجماعات أهلية ولا كمواطنين ومنظمات مدنية وأحزاب سياسية. وليس من الحق أن يكون للدولة ولاية عامة على الجميع دون تمثيل عام للجميع في الدولة. في مجتمع متعدد أهلياً وعلى نحو مركب مثل المجتمع السوري، يعادل هذا المبدأ، مبدأ أن لا ولاية عامة بلا تمثيل عام، المبدأ الذي تكرّس في سنوات حرب الاستقلال الأميركية: لا ضرائب بلا تمثيل، أي في الحالين دون مشاركة في السلطة. الأساس المشترك للمبدئين هو أن السلطة تقوم على التعاقد، على عقد ضمني يقايض السيادة بالسياسة: الدولة مقر السيادة، نعم، لكن الحقوق السياسية والمشاركة في السلطة معترف بها ومصانة. لماذا يجب على أي كان أن يقبل بسلطة لا يُشارك فيها ولا تعتبره نداً وشريكاً، بينما هي تقدم أناساً لهم أيديولوجيا فئوية فاقعة، يجاهرون بعدم احترام غيرهم، بعدم احترام أي كان غير أشباههم، والتصرف كأنهم وحدهم أهل البيت وغيرهم غرباء بلا حقوق، عبيد سياسياً؟

        3

        كنتُ في السويداء مرتين في الشهر الأول من هذه السنة. وكان المزاج العام لمن التقيتهم إيجابياً ومتطلعاً إلى المستقبل. لم يكن أحد غافلاً عن المشكلات الكبيرة في البلد، وعن ضعف القدرات والأدوات، لكن الابتهاج بطي صفحة سابقة، وإرادة السير المشترك إلى الأمام، كانت ظاهرة عند قطاع وازن من مجتمع المدينة وما حولها، من ساحة الكرامة إلى المضافات الكريمة لأسرٍ في السويداء نفسها وفي شهبا. أولئك الأصدقاء والشركاء اليوم مثل المضروبين على رأسهم بفعل ما ارتُكب من قتل وإذلال جماعيين بحق أهليهم. وهم من أضعفتهم وأهانتهم تلك المجازر والإذلالات الشنيعة، وليس من يخالفونهم التوجه والرأي في السويداء. وأكثر ما يهينهم أن إسرائيل بدت قوة منقذة، أوقف تدخلها المجزرة.

        وكنت في اللاذقية (وحمص) مرتين في الشهر الأول من هذا العام، ثم في الشهر السادس، وأكثر من التقيت بهم علويو المنبت. هنا أيضاً كان الجو العام إيجابياً يتطلع إلى أوضاع جديدة أكثر عدالة، دون أن يكون غافلاً لا عن التركة الموروثة والتحديات الناشئة، ولا بطبيعة الحال عن تكوين السلطة الجديدة. لكن أحداً لم يجعل من ذلك بحد ذاته مشكلة، بخاصة بعد ما اقترن به إسقاط الحكم الأسدي من انتهاكات محدودة قياساً للتوقعات السيئة التي سبقته عند الجميع. وهؤلاء، وليس الأسديين والموالين لهم، هم من أضعفتهم سياسياً ومعنوياً المجازر بحق أهليهم.

        وبقدر ما أمكنني تبيّنه خلال زيارتين، دامتا معاً نحو شهرين، والتقيت فيهما بأناس متنوعين دينياً وإثنياً، لم يجعل أحد من أصول وعقيدة المسيطرين الجدد مشكلة، بل لقد رأى البعض في «حكم سني» تخفيفاً لاحتقان وفرصة لاسترخاء عام في الأنفس وفي الأوضاع السياسية. كان النظر منصباً على المسالك والتصرفات، وليس على المنابت والأصول. 

        هذا للقول إنه ليس صحيحاً أن الحكم الحالي لم يُعطَ فرصة. لقد أعطي، لكن سوء تكوينه أهدرها مرتين. كانت المسالك والتصرفات شحيحة النفس، ضيقة العين، واستبعادية بجلاء تام. الواقع أنها تستأنف دينامية التقليل الأسدية المصممة كي لا تنشأ أكثرية سورية من أي نوع. لكنها هذه المرة دينامية تقليل ذاتية، تتمثل في قلة المعنى العام، القابل للمشاركة من آخرين، أي القابل للهيمنة وصُنع أكثرية. من شأن جماعة صغيرة نشطة، تخلق معان عامة تجمعها بغيرها، أن تطلق بذلك ديناميكية تكثير فتصير أكثرية سياسية، هذا بينما تتحول جماعة كبرى تعتمل في أوسطها ديناميكية تقليل، أي ضعف خلق المعاني الجامعة، أن تتحول إلى أقلية، طائفة بالمعنى المعجمي للكلمة. الأقلية والأكثرية مسألة معان، أي أفكار وقيم وبرامج، وليس حصراً معطى ديمغرافياً. ولذلك لا تتكون أكثريات حول الماضي، فقط حول الحاضر وتحدياته والمستقبل ووعوده يمكن أن تتشكل أكثرية.

        والجذر الأعمق لديناميكية التقليل النشطة في البيئات الإسلامية السنية هو أن الملأ من نخبها السياسية الدينية لم «يوقوا شح أنفسهم» بفعل استسلامهم لفكرة المظلومية (معززة بغرور التفوق)، وإرادتهم أخذ كل شيء لأنفسهم. لسان الحال يقول: نحن مظلومون، إذن نحن على حق في كل ما نفعل! ثم أننا متفوقون، فلا حاجة بنا لمعان وقيم جديدة تجمعنا بغيرنا. لكن هذا باطل ومنبع شرور كثيرة. وإذا أردنا أن نعرف إلى أين يؤدي تعريف النفس بالمظلوميات (والتفوق) فلننظر إلى إسرائيل، الكيان الأكثر أنانية في العالم، الذي لا يفعل خيراً لأحد، ولم يفعل غير الشر في هذه المنطقة التي نكبت به.

        4

        حين وقعت «أحداث الساحل»، لم يكن من غير المعقول التفكير فيها كحدث فرد، وقع بفعل تقاطع سلاسل أحداث وتقديرات متعددة، دون أن يكون مبيتاً سلفاً أو «مكتوباً» في نمط سابق له. لكن حين وقعت مجاز الدروز في السويداء، لم يعد صحيحاً التفكير في الأمر كحدث فرد وابن لحظته. صار أقرب إلى نمط، شيء يُحيل إلى بنية فكرية سياسية مؤسسية خلفه، ينبع منها ويُعززها. وقد وقع في الآونة الأخيرة حدثان يرجحان فكرة النمط المتكرر. أولهما ما تعرض له من اعتداء سفيه اعتصامٌ صامت عقدته مجموعة من المشتغلات والمشتغلين بالشأن العام أمام مقر مجلس الشعب السوري، كان شعاره الوحيد: دم السوري على السوري حرام! هاجم المعتصمين شبان موالون، جمعوا بين الجهل والبذاءة وانعدام الأخلاق، وطبعاً قلة الاحترام، ونال الزميلة زينة شهلة ضربة بعصا على العضد وصفعة على الوجه من أحد المهاجمين. وهذا بينما كان عناصر الأمن العام يقفون على مقربة دون أن يتدخلوا. في ذاكرتي الشخصية تجربة مماثلة في آذار 2005، تفيد بأن ما تغير هو من يحمل العصا ومن يصفع، ليس نظام الضرب بالعصي والصفع على الوجوه.

        ويثير التفكيرَ شعورُ المهاجمين بخطورة شعار تحريم الدم السوري، وما يضمره هذا الشعور من وعي بخطورة تجريد الحكم الذي يوالونه من القدرة على القتل الجماعي، كأنما لا يبقى دون ذلك. وما يدرج هذا الحدث ضمن نمط الإبادة هو الاعتداء على معتصمين مسالمين من قبل «متطوعين» فاشيين، يحللون الدم أو يحرمون تحريمه، بينما «الدولة» تتفرج.

        هل هم متطوعون أم مدفوعون؟ ليس الأمر أقل سوءاً إن كانوا متطوعين. وجود قوى قمعية رديفة مميز للتجارب الفاشية التي لا تطيق استقلال الدولة أو التمييز الصارم بين الدولة والمجتمع. هذا يمحو الفرق بين التطوع والتوجيه عبر تغلغل متفلت لقوى الدولة في المجتمع، وعدم انضباطها بالمؤسسات والأجهزة المعروفة. في مثل هذا الوضع، يكون الانفلات بنيوياً، ليس خروجاً على الانضباط المؤسسي، بل انضباط بمنطق آخر، مكمل: منطق الدين أو الطائفة أو العشيرة، المنظمات الرديفة للدولة. الردفاء الذين هاجموا الاعتصام المسالم شبيحة بكل معنى الكلمة، مثل من هاجموا اعتصامات وتجمعات المحتجين السوريين في بداية الثورة: قوى طائفية، بذيئة، عنيفة، غير نظامية، لكن مرجعها «الدولة الباطنة» (المقر الطائفي للسلطة الحقيقية). وهذه دولة مشرشرة، بلا حدود واضحة ولا قواعد عمل مطردة، كثيرة المجسات، لكنها غير عاقلة.

        بعد أيام من الاعتصام، وفي بيان مصور بادر طلاب من كلية الهندسة في جامعة دمشق إلى حظر دخول الطلاب الدروز إلى الجامعة، لأن «جامعاتنا لا تتسع لهويتين»، فـ«إما نحن وأما نحن»، في تعبير فاشي هو الآخر عن مبدأ نقاء، نعرف أن كل تنويعاته، سواءً كانت باسم العرق أو الدين أو الطبقة، اقترنت بمسالك إبادية. والـ«نحن» التي يُشهرها بيان مهندسي المستقبل هي كما يظهر من زي المجموعة إسلامية سنية سلفية، ليس مستغرباً ممن لهم تكوين مثل تكوينها في أن يتصرفوا كمُطوِّعة طائفيين، أو كقوة قمعية متطوعة، تعرف أن الدولة دولتها. يفترض المرء أن الجامعة مكان اختلاط وتعدد وحرية تفكير وتعبير وميدان للمعرفة والنقاش المفتوح، مكان تعدد وتفاعل هويات، وأن الجامع هو المساحة التي لا تتسع لهويتين (الواقع أن الجوامع في مراحل من تاريخنا اتسعت لهويات فقهية وكلامية متعددة). ولا يحتاج إلى تأكيد خاص أن شعار إما نحن أو نحن ذو مضمون إبادي، لا يختلف في شيء عن: الأسد أو لا أحد! في تنويعاته العدمية المتعددة. من كان يجب محاسبتهم والضرب على أيديهم علناً هم هؤلاء المحرضون الطائفيون الذين يمزقون مجتمعهم وبلدهم، وليس صحفية تحرض طائفياً على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا طلاب علويون ودروز اعتقلوا بذريعة حمايتهم أحياناً، وانقطع أثر بعضهم. 

        الجامعة التي لا تتسع لهويتين لن تلبث أن تضيق بكل غير المسلمين، ثم بكل غير المسلمين السنيين، ثم بكل المسلمين غير النمطيين، ثم بكل المسلمين المؤمنين من غير السلفيين. الانطلاق من الهوية لا يؤدي إلا إلى التفكك الكامل لكل معنى عام، لكل هوية جامعة، ولو جزئياً. هذا في واقع الأمر خطاب سلطة ومحو، وليس خطاب تأكيد لهوية. خطاب قتل جماعي، إبادة.

        5

        يثير النمط الإبادي انفعالات حادة محقة، لكن حقّيتها لا تضمن أن تفضي إلى مسالك صائبة. هذان شيئان مختلفان. الحق في الغضب لا يعني الحق في المسلك المبني على الغضب، وبخصوص السويداء يبدو أن غضبة الحق يمكن أن تُسخّر للتسبب بغير قليل من الباطل. الفترة الراهنة في السويداء هي الأخطر في تاريخ المدينة والجماعة الدرزية خلال أجيال لأنها تجمع بين الغضب والحق، وبين تدخل لاعب قوي له تاريخ إبادي نشط: إسرائيل. ويخشى المرء أنه إلى حين تهدأ النفوس قد يكون الوقت فات لإصلاح المسالك التي ألهمها الغضب. لدينا مثال قريب جداً على ذلك إلى درجة أننا قد لا نراه: الغضب المحق الذي تملك جماعات سنية واسعة أثناء سنوات الصراع السوري الطويلة يكمن بصورة مباشرة وراء كارثة الساحل، وبصورة ما وراء كارثة السويداء. هناك فيديو قصير للشهيد عبد الباسط الساروت يعبّر عما تتركه المعاناة القاسية من غضب يسهل توجيهه نحو الانتقام والإبادة. أن تكون مظلوماً، لا يضمن أنك محق فيما تفعل، لا إذا كنت سنياً ولا درزياً ولا علوياً. ولا يهودياً. 

        تهجير البدو من السويداء هو من تلك المسالك الخاطئة، وهو عملية تطهير عرقي لن تزول بدورها من ذاكرة الضحايا، والبلد. والتعاون مع إسرائيل هو قفزة واسعة في المجهول، في مجهول معلوم في واقع الأمر، يُرجح أن يؤول بالمتعاونين إلى رهائن لا إلى أحرار مالكين لقرارهم.

        الانفعالات الحادة تقطع روابط الناس بغيرهم، وتقطع روابطهم بأنفسهم وتاريخهم. تُصَغِّر وتُقلِّل. لسان حالنا حين نكون في أشد الانفعال هو: يا وحدنا! وفي وحدتنا نرتد إلى أنفس جزعة ناقمة، تقطع مع غيرها ومع ماضيها. وقد تهتف بهستريا: بدنا إسرائيل! في الشتات السوري، يظهر بوضوح اقتران الانفعالات الأشد مع الهوياتية المطلقة، آخذة أشكالاً نقائية و«تفاصلية»، تسوِّر نفسها بـ«عزلة شعورية» عن الغير من الشركاء المحتملين. التفاصل والعزلة الشعورية هي من عبارات غاضب سابق، كتب قبل أكثر من ستين عاماً: سيد قطب.

        6

        الدعوة الجماهيرية إلى «مسيرات جماهيرية حاشدة» يوم الجمعة، «تأكيداً على الوقوف خلف القيادة السورية، وتعبيراً عن الولاء للوطن ووحدته، ورفضاً لكل أشكال التدخل الخارجي»، تشبه في لغتها تماماً لغة الحكم الأسدي ومسيراته الجماهيرية دعماً لـ«القيادة التاريخية الحكيمة» في عامي 2011 و2012. ليس واضحاً من يدعو إلى المسيرات، لكن عليها عبارة «الجمهورية العربية السورية» و«الهوية البصرية» التي اعتمدت قبل أسابيع. وهي إن لم تكن دعوة رسمية، فعلاقتها بالسلطة مثل علاقة الشبيحة الذين هاجموا اعتصام تحريم الدم السوري، ومثل طلاب الهندسة السلفيين.  

        هذا مؤشر جزع في أوساط السلطة، يصدر على الأرجح عن إدراك لفقد ثقة واسع بها وتراجع في شعبيتها بعد مجازر الدروز. إنها محاولة للرد على ديناميكية التقليل الذاتية التي ذكرت فوق. لكن في هذه الدعوة تغذية غير عاقلة للاستقطاب الحاد المتفاقم في البلد، واستعراض قوة طائش. يقال إنه إذا وقعت في الحفرة، فأول ما يجب أن تفعله هو ألا تحاول الحفر مجدداً، لكن هذا ما تفعله السلطة اليوم، معمقة الوقعة على نفسها وعلى البلد.

        هذا هروب إلى الأمام، كأنما أخذت الجماعة العزة بالأثم. الصحيح هو الاعتراف بالخطأ ووقفة مسؤولة تُعيد هيكلة أجهزة الحكم باتجاه وطني تشاركي. كل يوم يمضي دون ذلك يجعله أكثر صعوبة ويُقربنا من كارثة أكبر من كل ما عرفنا.        

        7

        بنظرة عريضة، لا يبدو أن التاريخ الذي ابتدأ عقب نهاية الأبد الأسدي سيكون انتقالاً نحو أوضاع جديدة أوسع قاعدة وأكثر استقراراً. الأوضاع الحالية اتجهت لأن تكون أضيق قاعدة مما كانت قبل هذه البداية الكبيرة في تاريخ البلد، وأضيق أي بداية أخرى عرفها تاريخ سورية، خلافاً لما يبدو أن الطيف المسيطر الجديد والموالين له يعتقدون. هذا وضع لن يستقر ولا يمكن أن يستقر. وبينما يُفتَرض أن المرحلة الانتقالية، الطويلة، هي الأمد الزمني الأنسب بمعالجة مشكلات الانقسام الوطني والاجتماعي، الموروثة والمحتملة النشوء، على نحو يُمهد لأوضاع دائمة ذاتية الإصلاح، فإن مسالك السلطة القائمة تبدو ترسيخاً متعجلاً لدوام سلطتها، وهو ما يُبقي البلد في حالة استثناء مستمرة، أي في انتقال أبدي إلى لا شيء، مثل الأبد الأسدي.

        بصورة ما، يشبه الوضع اليوم وضع سورية بعد الاستقلال، لكن مكبراً عدة مرات: مشكلات كبيرة تكسر الظهر، وقدرات وموارد محدودة، وكفاءات متواضعة، واندراج غير حذر في بيئة إقليمية متقلبة تتغير استقطاباتها كل حين، وميول نابذة مبعدة عن المركز وأوضاع لا تستقر. وفوق ذلك طيش مأساوي في التعامل مع هذه المشكلات. الانقلابات تلوح في الأفق سلفاً. الفارق أنه يُستَبعد للانقلابات المحتملة اليوم ألا تكون دموية خلافاً لمعظم انقلاباتنا بعد الاستقلال، والأرجح أن تأخذ شكل انفجارات اجتماعية مكلفة كيانياً، وليس بشرياً ومادياً فقط.

        ثم بنظرة أطول أمداً، تبدو سورية بلداً تراجيدياً، كان غير مستقر لكنه غير دموي كذلك (بين 1946 و1963، وبصورة ما حتى 1970)، ثم صار مستقراً لكن بكثير من الدم (1970-2024). اليوم نبدو مقبلين على أوضاع عديمة الاستقرار وكثيرة الدم. إلا أننا حيال تراجيديا دون وعي تراجيدي، دون وعي بالتناقضات والصراعات بين الحقوق (وليس بين حق وباطل) والذاكرات المتنافسة (وليس المنفتحة على بعضها).

        الوعي السائد بين المتخاصمين اليوم مفعم بالهوياتية والكراهية.

        وباليقين. واليقين مميت، وهو في العربية اسم آخر للموت.

موقع الجمهورية

————————–

سوريا ومبدأ «حصر السلاح بيد الدولة»/ بكر صدقي

31 تموز 2025

 تورطت سلطة دمشق في مغامرة عسكرية فاشلة في محافظة السويداء تحت هذه الذريعة، كلّفتها خسائر سياسية من الصعب تعويض مفاعيلها، فضلاً عن كلفتها الباهظة على مصير سوريا والسوريين. ونترك جانباً ذرائع إعلام السلطة والمتطوعين للذود عنها «ظالمة كانت أو مظلومة» على سنّة المبدأ العشائري المعروف، من مثل تركيز الهجوم على حكمت الهجري وطلب الحماية من إسرائيل وغيرها من الذرائع المألوفة في البيئات الموالية لأنظمة إجرامية كنظام الأسد المخلوع في شيطنة الخصوم. نتركها جانباً لنركز على المبدأ نفسه وكيف يتم ابتذاله وإفراغه من محتواه الإيجابي وتحويله إلى مجرد أداة لتسويغ الجريمة.

وتقوم هذه الذريعة على مغالطة أساسية مألوفة أيضاً من العهد الأسدي البائد هي إقامة تطابق وهمي بين السلطة والدولة. لنتذكر أن الذريعة التي كان يستند إليها كثير من مؤيدي نظام الأسد الإجرامي لتبرير ولائهم الأعمى هي أنه هو «الدولة»! واقع الحال الآن هو أن دولة جديدة في طور التشكل على أنقاض «دولة الأسد» المزعومة. فلا يمكن الحديث عن دولة قائمة ينبغي الالتفاف حولها ونبذ المصالح والانتماءات الفئوية لمصلحة الانتماء إليها. وجذر المشكلة يكمن في أن المجموعة الحاكمة اليوم، وهي عبارة عن أقلية سلفية جهادية تقودها مجموعة صغيرة ذات بنية عائلية «موثوقة»، تتصرف وتريد من السوريين أن يتعاملوا معها، كما لو كانت هي الدولة.

إن ما حدث في السويداء، منذ منتصف شهر تموز الجاري وما زال، وقبلها في جرمانا وأشرفية صحنايا (نيسان) ومنطقة الساحل (آذار) إنما هي نتائج لرفض مثابر من قبل السلطة لإشراك عموم السوريين في تقرير مصيرهم ووضع أسس الدولة التي يتوقون إليها ويتوحدون حولها بصرف النظر عن هوياتهم الفئوية أو مصالحهم المتباينة، لتتفرد المجموعة الحاكمة بتحديد مصير البلاد وشكل الدولة ومضمونها وعلاقاتها الدولية ونظامها الاقتصادي الاجتماعي وفرض أيديولوجيتها وتصورها لشكل العلاقة بين الحكام والمحكومين، بما في ذلك فرض نوع من التراتبية الاجتماعية الضمنية بين مختلف المكونات الوطنية يهمش ملايين السوريين من حيث المبدأ بسبب انتماءاتهم الدينية أو المذهبية أو الإثنية أو الثقافية. كما اعتمدت المجموعة الحاكمة مبدأ الشوكة والغلبة والعنف في إخضاع من لا يوافقون بدلاً من مبدأ الإقناع والتوافقات والحلول الوسط التي هي أس السياسة. لقد رأينا أتباع هذا المنهج في تشكيل الحكومة الأولى والثانية، وفيما سمي بمؤتمر الحوار الوطني، وفي الإعلان الدستوري، وفي آلية تشكيل المجلس التشريعي المؤقت المزمع تحقيقه بعد أسابيع قليلة.

مبدأ «من يحرر يقرر» الذي أطلقه مؤيدون للسلطة منذ الشهر الأول انطوى على أساس النهج الذي تم اتباعه في الأشهر التالية على سقوط نظام الأسد. والحال أنه انطوى على مغالطة أساسية: ذلك أن قوات ردع العدوان بالكاد خاضت معركة على مشارف مدينة حماة، مقابل تقدمها بلا أي عقبات جدية طوال المسافة من إدلب إلى دمشق. وإذا تركنا جانباً الطيران الروسي الحليف لنظام الأسد، كان بوسع الطيران الإسرائيلي النشط آنذاك أن يدمر تلك القوات قبل وصولها إلى دمشق على غرار ما فعلت بكل تركة نظام الأسد العسكرية بعد فراره إلى موسكو. كما أن الاحتضان العربي والدولي الذي حظيت به السلطة الجديدة في دمشق، على رغم ماضيها الجهادي، يكفي لإفراغ ادعاءات التحرير من مضمونها.

وبصرف النظر حتى عن التوافقات العربية – الدولية التي أوصلت هيئة تحرير الشام لملء فراغ السلطة في دمشق، فإن واقع التفكك الذي نتج عن 14 عاماً من الحرب الداخلية وقبلها نحو نصف قرن من حكم النظام الأسدي، يحتم على السوريين أن يعيدوا تأسيس دولتهم على أسس توافقية يشعر فيها كل السوريين بأنها دولتهم بصرف النظر عن السلطة التي قد تحكمهم في هذه الفترة أو تلك. واقع الحال هو أن المجموعة الحاكمة اليوم قد حظيت بما يشبه القبول العام في أعقاب سقوط نظام الأسد، بما في ذلك الأوساط التي كانت مؤيدة للنظام المخلوع، على رغم توجس فئات واسعة من السوريين من جذورها السلفية الجهادية وتجربتها السلطوية في إدلب. بدلاً من استثمار هذا القبول العام بصورة إيجابية وتحويله إلى هيمنة اجتماعية قائمة على التوافقات، تم إفلات العنان للعنف بدوافع ثأرية أو للإخضاع، فتحولت التوجسات إلى قطيعة وانعدام ثقة.

فإذا عدنا إلى مبدأ «احتكار الدولة للسلاح» لرأينا أن السلطة حاولت، أو تظاهرت بمحاولة، تفكيك الفصائل المشاركة في «ردع العدوان» أو المؤيدة للسلطة الجديدة، منذ الأشهر الأولى، واتخذ قرار بدمج تلك الفصائل في وزارة الدفاع في «مؤتمر النصر» الذي تشكل من قادة تلك الفصائل وقرر اختيار أحمد الشرع رئيساً مؤقتاً للمرحلة الانتقالية. ولكن تلك الفصائل احتفظت ببناها وبسلاحها ضماناً لسيطرتها على «الدولة» الجديدة في كل مفاصلها. في حين تم استثمار تحرك «الفلول» في الساحل وتضخيم حجمها وفاعليتها لتبرير إخضاع السكان بواسطة العنف المنفلت. وبدأ الضغط على فصائل السويداء لتسليم سلاحها، مقابل محاولة الاعتماد على الضغط التركي لإخضاع قوات سوريا الديمقراطية ومطالبتها بالاستسلام تحت يافطة «حصر السلاح في يد الدولة».

الغريب أن السلطة ومؤيديها لم يستخلصوا أي دروس من الهزيمة التي ألحقوها بأنفسهم في «موقعة السويداء» التي كلفتهم قصف إسرائيل لمبنى قيادة الأركان والقصر الجمهوري في قلب العاصمة دمشق، ومهدت الطريق أمام انفصال محافظة السويداء عملياً إذا أمعنا النظر في اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقعت عليه السلطة بهذا الخصوص.

الخلاصة أن حصر السلاح بيد الدولة هو مطلب وطني لكل السوريين، ولكن شرطه الشارط هو إقامة دولة أولاً، وليس العمل بكل همة لتفكيك ما هو قائم.

 كاتب سوري

 القدس العربي

—————————

في باريس، تحذيرات للشيباني على مفترق طرق مصيري/ سمير التقي

لماذا استدعى باراك وماكرون الشيباني إلى باريس لتحذيره بحضور ديرمر؟علّق دبلوماسي فرنسي سابق ومتمرّس في الشأن السوري على سؤالي قائلاً: “لأنهم يعتقدون أن دمشق تظن أننا لا ندرك حقيقة ما يقولون ويفعلون”، ثم أوضح أنهم مطّلعون بدرجة مدهشة على تفاصيل ما تقوم به السلطات السورية، وما تعرضه الدبلوماسية السورية من وعود ومراوغات لكافة الأطراف الإقليمية والدولية. وشبّه لي تلك الدبلوماسية بتاجر عقارات يبيع الأرض ذاتها مراتٍ عدة ليحصل على العربون فحسب، دون نية حقيقية بالبيع.

في فترة سابقة، بدا لي أن الدبلوماسية السورية تتعامل مع الإقليم كما لو كان حديقة، تقطف من كل بستان زهرة. غير أن واقع الشرق الأوسط يُذكّرنا بأن رائحته أقرب لرائحة ساحات الحرب منها إلى عبير الزهور والياسمين.

المبدأ الجوهري في هذا الصراع هو أن من يهيمن على دمشق، يفرض هيمنته تلقائياً على لبنان والأردن، وربما العراق. ومع التآكل الاستراتيجي في سيادة الدولة السورية، تتصالب الرماح على جسدها وتنهشه.

منذ السابع من أكتوبر، لم تعد إسرائيل تقبل بأقل من ضمان أمنها بيدها مباشرة، بعيداً عن أي تعهدات أو وكلاء. ولهذا السبب استاءت من الحضور التركي في باكو، وفرضت استبعاده في باكو الثانية، ثم في باريس. فإسرائيل لن تسمح بوجود جيش سلفي جهادي، تعبئة وتسليحاً وتدريباً، تشرف عليه تركيا على حدودها. بل تصرّ على إدارة أمنها واستخباراتها ومعلوماتها داخل الأراضي السورية بنفسها، وهذا هو المحرك الأساسي للجانب الإسرائيلي في المفاوضات.

في المقابل، ترى تركيا أنه من حقها ترسيخ إنجازاتها في سوريا والمنطقة، والحصول على تفويض أمريكي يتيح لها لعب دور رئيسي في عملية التعافي السوري. ورغم الذرائع المُعلنة، فإن المسألة الكردية لم تعد مبرراً كافياً لحسم الوضع شرق الفرات، لا سيما أن أنقرة مضت في مصالحة داخلية مع الأكراد، مانحةً إياهم حقوقاً دستورية وإدارة لا مركزية في شرق تركيا. كما لا يمكن اعتبار العائد الاقتصادي محفزاً رئيسياً، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن إعادة بناء الاقتصاد السوري قد تحتاج إلى 15 أو 20 عاماً حتى يعادل اقتصاد محافظة تركية واحدة.

المسألة إذن ذات أبعاد استراتيجية. فبعد أن رسّخت تركيا نفوذها في وسط آسيا، وفي القوقاز، والبحر الأسود، فإن تثبيت وجودها في سوريا يجعلها تمسك بدور “وسيط القوة” الحاكم إقليمياً في صميم الخريطة الجيوسياسية.

لذلك، لا تنظر تركيا بعين الرضا إلى أي مساعٍ لفرض وقف إطلاق نار دائم برعاية إسرائيل، في ظل الضعف السوري. ومن غير المتوقع أن نشهد انفراجاً في التنافس التركي-الإسرائيلي قريباً، إلى أن يتبلور التغيير العميق الذي تشهده المنطقة، ويفضي إلى توزيع جديد للأدوار والثروات بين الطرفين.

أما أوروبا، فقد أدركت، بعد اهتزاز النظام العالمي وتراجع الشعور بالأمان، أنها لا تستطيع تجاهل فضائها الحيوي في شرق المتوسط. وهي تجد نفسها في تناقض استراتيجي مع التوجهات البريطانية والتركية التاريخية بشأن خطوط الهيمنة الإقليمية والبحرية في هذا الفضاء.

وتؤمن فرنسا بأنها تمتلك أوراقاً إضافية على الساحة السورية، بدءاً من علاقاتها التاريخية مع مختلف المكونات، لا سيما الأكراد، وصولاً إلى قلقها من انفلات الوضع الداخلي السوري. وتعتقد باريس أنها يمكن أن تكون شريكاً مفيداً للسياسة الأمريكية، خاصة في ظل التناقض التركي-الإسرائيلي المتزايد. كما لا تُخفي خشيتها من تداعيات الوضع السوري على لبنان، لا سيما مع صعود القوى السلفية الجهادية، وتنامي النفوذ التركي في طرابلس، ضمن مناخ لبناني شديد التوتر بفعل الضغوط الهادفة إلى نزع سلاح حزب الله.

لقد قرعت أجراس الخطر في باريس جراء التحركات التركية. وحمل اللقاء “الافتراضي التعارفي” الذي عُقد قبل أسابيع بين الرئيسين السوري والفرنسي، إلى جانب نظرائهما اليوناني والقبرصي واللبناني، إشارات واضحة للخطوط الحمراء المتعلقة بشرق المتوسط، وموارد الطاقة، والدور التركي. وفي الوقت نفسه، اشتد التوتر بين تركيا من جهة، وإسرائيل وفرنسا وأوروبا من جهة أخرى، بالتوازي مع الضغوط التي مورست على دمشق للموافقة على الشروط الإسرائيلية في مفاوضات باكو.

لكن كانت مذابح السويداء هي الشعرة التي قصمت ظهر البعير – والبعير هنا هو الثقة الدولية بقدرة الحكومة السورية على التحكم بالعناصر المنفلتة، وإدارة السلم الأهلي، والانخراط الجاد في عملية تفاوض تحقق الشروط الخمسة التي طرحها الرئيس ترامب في قمة الرياض، خصوصاً ما يتعلق بإسرائيل والمصالحة الداخلية، وصولاً إلى عقد اجتماعي جديد يتسع طوعاً لكل السوريين.

وقد تصاعد التوتر بين أنقرة وتل أبيب بعد تدخل القوات الإسرائيلية لاحتواء الهجوم على جبل العرب، وزادت الأمور تعقيداً تقارير تحدثت عن وجود خبراء أتراك يديرون المسيّرات التي استهدفت القوات المناهضة للحكومة السورية، وكادت أن تحتك بالقوات الإسرائيلية.

عند هذه النقطة، بدأنا نلحظ اختلافاً في الحراك الذي يقوم به باراك عن توجهات وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، تجاه دمشق والوضع في لبنان. فرغم التصريحات الإيجابية التي يدلي بها باراك حول الحكومة السورية، فإن التريّث والشك لا يزالان سيدي الموقف في واشنطن.

ومن جانبه، تحرك الرئيس ماكرون سريعاً لإقناع الإدارة الأمريكية بخطورة منح تفويض مفتوح لتركيا، أو منح الحكومة السورية بطاقة بيضاء قبل التأكد من قدرتها على السيطرة الفعلية وتحقيق شروط ترامب. وزاد من وتيرة تحرك ماكرون شعور فرنسا باحتمال وقوع صدام مباشر بين إسرائيل وتركيا في بيئة دولية بالغة التعقيد.

جاء اجتماع باريس، الذي ضم الوزير الإسرائيلي الموثوق ديرمر، ووزير الخارجية الفرنسي، والمبعوث باراك، والسيد الشيباني، بمثابة تحذير شديد اللهجة للحكومة السورية. رسالته الأساسية: ربط الأقوال بالأفعال. ومحوره الأول هو تركيا، والثاني العقد الاجتماعي الجديد لجميع السوريين.

ورغم موافقة دمشق على إقامة منطقة عازلة واسعة خالية من المقاتلين، والاتفاق على التنسيق الأمني والعسكري مقابل انسحاب جزئي لإسرائيل من مناطق سيطرت عليها بعد سقوط الأسد، فإن هنالك حديثاً عن طلب سوري للمهلة لترتيب الأوضاع الداخلية، ورسم طبيعة العلاقة مع أنقرة. غير أن اللقاء، بلا شك، كان بالغ الحساسية.

خلال مفاوضات سابقة، قال بشار الأسد للوفد المفاوض: “إنها لعبة ميكي ماوس. المهم أن يخرج الطرف الآخر متفائلاً من موقفنا، وبعدها يمكن أن نتحجج بأي ظرف طارئ”.

لكن خوفي أن سوريا لم تعد تملك ترف الوقت، ولا ترف “لعبة ميكي ماوس” هذه المرة. فالدبلوماسية ليست مجرد عبارات منمّقة أو مجاملات لفظية؛ بل هي قرارات استراتيجية مفصلية، لا بد أن تنبع من عمق عربي أصيل.

سوى ذلك، فإن كل التفاهمات والتوافقات لا معنى لها ما لم تُبْنَ على خيار سلمي حيادي، وعلى مصداقية في الفعل قبل القول.

فمن دون بعدها العربي، ستظل سوريا في مهب الريح، في وقتٍ أصبح فيه الإقليم بأسره على كف عفريت.

—————————–

التأكد من أن دمشق تستخلص الدروس الصحيحة من اشتباكات السويداء/ أندرو جي تابلر

on 27 يوليو 2025

كشفت الاشتباكات الأخيرة، وبشكل مأساوي، عن عمق الاختلالات داخل الصفوف الأمنية للحكومة الانتقالية، ما يستدعي من إدارة ترامب تكثيف الضغط حول ملف المقاتلين الأجانب والقضايا المرتبطة به – حفاظاً على مصالح الأقليات السورية، وصوناً للمصالح الأمريكية في المنطقة.

اندلعت اشتباكات مسلحة كبيرة في محافظة السويداء الجنوبية السورية في 13 يوليو، بعد كمين بدوي ضد بائع خضار درزي. ومنذ ذلك الحين، سادت الفوضى، حيث ارتكبت القوات الحكومية المنتشرة حديثاً انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وفقاً للتقارير، وشنت إسرائيل غارات جوية جديدة – بما في ذلك على عتبة الحكومة الجديدة في دمشق مباشرة – وسعى المسؤولون الأمريكيون جاهدين لتهدئة الوضع وسط روايات متضاربة حول ما يحدث فعلاً على الأرض. وعلى الرغم من وجود وقف إطلاق نار هش حالياً، فقد سلطت الأزمة ضوءاً أكثر إشراقاً على المخاوف المعروفة بشأن المشهد الطائفي في سوريا ما بعد الأسد وقدرة الحكومة الجديدة على التعامل بأمان مع الانتقال. للعثور على مسار دبلوماسي للخروج من إراقة الدماء، ستحتاج واشنطن إلى زيادة الضغط من أجل المساءلة في دمشق – مع الحفاظ على خيارات الإنفاذ الإسرائيلية مفتوحة في الوقت نفسه.

لماذا انفجر الجنوب؟

عندما اندلع القتال الأولي، نشر الرئيس أحمد الشرع قوات باسم استعادة النظام وحماية السكان وإخضاع المحافظة ذات الأغلبية الدرزية والمستقلة منذ فترة طويلة تحت سيطرة الحكومة المركزية. بدلاً من ذلك، سرعان ما اتُهمت بعض هذه القوات بارتكاب إعدامات ميدانية واغتصاب وحرق ونهب وجرائم أخرى وأشكال من الإذلال. رداً على ذلك، شنت إسرائيل غارات جوية ضد وحدات سورية في الجنوب ومقر وزارة الدفاع في دمشق، بشكل أساسي للرد على مخاوف الدروز الإسرائيليين بشأن الفظائع ضد إخوانهم في الجوار.

بحلول 16 يوليو، ساعدت واشنطن في التفاوض على وقفي إطلاق نار مزدوجين – إسرائيلي-سوري ودرزي-دمشقي – بينما خرجت القوات الحكومية من السويداء. بعد يوم واحد، ومع ذلك، حفزت عمليات القتل الانتقامية الدرزية البدو – الذين لم يكونوا طرفاً في وقف إطلاق النار – على نشر آلاف المقاتلين القبليين في السويداء. أعلنت إسرائيل حينها أنها ستسمح للقوات الحكومية “بدخول محدود” لمدة ثماني وأربعين ساعة للفصل بين الدروز والبدو. وقت كتابة هذا التقرير، عاد وقف إطلاق النار إلى موضعه وانسحبت القوات الحكومية مرة أخرى.

التوترات الدرزية مع السلطات ما بعد الأسد ليست جديدة. حدثت اشتباكات سابقة في أبريل ومايو، مدفوعة بمخاوف درزية حول مجموعة من القضايا التي تسبق الحرب الأهلية. تشمل المخاوف الأكثر استمراراً نقص حماية الأقليات في الدستور، ومحاولات الدولة نشر قوات خارجية في محافظة كانت تحت سيطرة الميليشيات الدرزية لأكثر من عقد، ودور العناصر الإسلامية السنية في سوريا الجديدة – خاصة هيئة تحرير الشام، المجموعة الجهادية السابقة للشرع التي يخدم أعضاؤها الآن كنواة للحكومة والجيش الجديدين.

في الواقع، تظهر الاشتباكات الأخيرة أن دمشق تبقى غير راغبة أو غير قادرة على السيطرة على قواتها، خاصة عند النشر في المناطق التي تهيمن عليها الأقليات. يبدو أن الحكومة لم تتعلم من الاشتباكات الساحلية في مارس التي قُتل فيها أكثر من 1500 شخص (انظر أدناه). الأهم من ذلك، تشير التقارير من السويداء إلى أن الحكومة لا تزال تستخدم مقاتلين أجانب في صفوفها، رغم توجيهات إدارة ترامب بإعطاء الأولوية لإزالتهم.

إلى جانب إثارة الفتنة الطائفية التي يمكن أن تغرق البلاد مرة أخرى في حرب أهلية، ستعقد الاشتباكات الجديدة بشكل كبير مفاوضات فك الارتباط الإضافية برعاية أمريكية بين سوريا وإسرائيل، وكذلك محادثات الإدماج الجارية للحكومة المركزية مع قوات سوريا الديمقراطية التي تهيمن عليها الأكراد، والتي أثبتت أهميتها البالغة في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية وتأمين مرافق الاحتجاز في الشمال الشرقي. إن تعلم الدروس الصحيحة من السويداء سيكون مفتاحاً لتحقيق هدف الرئيس ترامب المتمحور حول التجارة لمساعدة سوريا الجديدة على “التألق”. بعد تمديد جزرة رفع العقوبات مقدماً مع الإصرار على أنه “لا توجد خطة ب” للعمل مع حكومة الشرع، تحتاج الإدارة للضغط عليه للمعالجة الفورية للتطرف ونقص الانضباط الذي تظهره وزارة الدفاع والقوات الأمنية.

نمط طائفي مثير للقلق

منذ انهيار نظام الأسد الذي تهيمن عليه الأقليات، استمرت الأسئلة حول كيف يمكن للقادة السابقين لمنظمة جهادية سنية مثل هيئة تحرير الشام أن يحكموا مجتمعاً متعدد الطوائف حيث يشكل أكثر من ربع السكان من الأقليات (الدروز، العلويين، الشيعة، الإسماعيليين، والمسيحيين)، وحيث الأغلبية السنية متمايزة بشدة حسب المنطقة والعرق (مثل الشمال الشرقي الذي يسيطر عليه الأكراد). في البداية، لاحظ العديد من المحللين البراغماتية والذكاء السياسي الذي أظهره الشرع ودائرته في التعامل مع هذه القضايا داخل معقلهم في إدلب خلال السنوات الأخيرة من عهد الأسد – تقييم دعمته في البداية عدم وجود مجازر كبيرة ضد الأقليات في المناطق التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام أثناء انهيار النظام. لكن شهر العسل ما بعد الأسد كان قصيراً، والمشاكل الطائفية تنمو بدلاً من أن تهدأ.

في أوائل مارس، هاجمت بقايا النظام قوات الشرع في المنطقة الساحلية السورية التي يهيمن عليها العلويون، معقل الأسد القديم. لقمع هذا التمرد، نشرت الحكومة وحدات تضمنت أعداداً كبيرة من المقاتلين الأجانب، بعضهم ارتكب بحسب التقارير أعمالاً مروعة ضد المدنيين على طول الساحل وأبعد نحو الداخل بالقرب من حماة. القوات الحكومية لا تزال تسيطر على المنطقة اليوم، وطبيعتها الهجينة قد تسببت في قلق محلي كبير رغم طلب دمشق من غير السنة للانضمام إلى صفوفها.

رداً على ما أصبح يُعرف في سوريا بـ”الأحداث الساحلية”، أعلن الشرع تحقيقاً مستقلاً لمدة أربعة أشهر والتزم بمحاسبة الجناة. قُدمت النتائج إليه في 12 يوليو، اليوم السابق لاندلاع اشتباكات السويداء؛ لم يشر بعد إلى متى سيتم نشر التقرير علناً.

في مكان آخر، اندلعت اشتباكات بين 28 أبريل و 4 مايو عندما أدى مقطع فيديو مزعوم مزيف على وسائل التواصل الاجتماعي لرجل دين درزي يهين النبي محمد إلى قيام “جماعات متطرفة” سنية بمهاجمة المجتمعات الدرزية في عدة مواقع، بما في ذلك محافظة السويداء ومناطق جرمانا وأشرفية صحنايا خارج دمشق. لقمع العنف ومنع النشر الدائم لقوات خارجية في مجتمعاتهم، دعا القادة الدروز وزارة الداخلية والشرطة القضائية لدمج أفراد “مستمدين من أهالي” السويداء، مما يشير إلى استعداد للانضمام مع قوات الدولة.

من الناحية العملية، بقي الأمن المحلي بشكل أساسي في أيدي الدروز بعد اشتباكات أبريل-مايو. تم تفعيل وحدات الشرطة الحكومية المركزية لكنها بقيت ضعيفة دون دعم لوجستي كافٍ من دمشق. بعض الفصائل الدرزية الأكثر اعتدالاً – وأبرزها رجال الكرامة ولواء الجبل – سعت للتنسيق مع وزارة الدفاع حول الاندماج مع القوات الوطنية. لسوء الحظ، بقي اتفاق نهائي بعيد المنال دون إجماع بين القادة الروحيين الدروز الثلاثة الكبار الذين يشكلون جسم مشيخة العقل الروحي، أحدهم – حكمت الهجري – دعا لإعادة كتابة الدستور لضمان حكم علماني لامركزي.

في الوقت نفسه، استمرت العناصر البدوية خارج السويداء في استهداف المنطقة بنيران الهاون، وكثيرون اشتبهوا في أن الحكومة تتسامح مع هذه الهجمات كتكتيك ضغط على الدروز. تحت هذه الظروف، يبدو اندلاع العنف هذا الأسبوع حتمياً – لكن أيضاً قابل للتجنب تماماً إذا كانت الحكومة مستعدة حقاً لتغيير نهجها.

التوصيات السياسية

رغم العنف، لا تزال وقف واشنطن للعقوبات والمشاركة مع الشرع توفر فرصة هائلة لإعادة بناء سوريا ونقلها بعيداً عن المحور الإيراني-الروسي، بناءً بشكل أساسي على الأهداف الخمسة التي طلب الرئيس ترامب من الشرع إعطاؤها الأولوية في مايو: (1) الانضمام إلى اتفاقيات إبراهام مع إسرائيل؛ (2) طلب مغادرة الإرهابيين الأجانب لسوريا؛ (3) ترحيل الإرهابيين الفلسطينيين؛ (4) مساعدة الولايات المتحدة في منع عودة ظهور تنظيم الدولة الإسلامية؛ و(5) تحمل مسؤولية مرافق الاحتجاز التي تحتوي أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية ومؤيديهم وأفراد عائلاتهم في الشمال الشرقي. لكن هذه القائمة تتعرض لتقويض كبير من أعمال القوات الحكومية، التي يجب تحسين تركيبتها وقيادتها وسيطرتها وسلوكها بشكل جذري قبل أن يتمكن الشرع من بناء الثقة اللازمة لتوحيد سوريا تحت حكومة مستقرة واحدة لأول مرة في أكثر من قرن.

يجب أن تتضمن أي خطة لإصلاح هذه المشاكل الخطوات التالية:

    الضغط على الشرع لنشر نتائج تقرير الحكومة حول اشتباكات مارس. هذا من شأنه أن يظهر لجميع السوريين أنه جاد في توحيد البلاد ومحاسبة الجناة.

    الضغط على الحكومة لإعلان إطار لجيش وطني قادر على السيطرة على الأراضي السورية دون إثارة العنف الطائفي. يجب أن يتضمن هذا الإطار جهود تدريب وأيديولوجية تقلل بشكل واضح وفعال من التطرف بين الضباط والأفراد العاديين على حد سواء.

    إعطاء الأولوية للنقطة 2 من لقاء ترامب-الشرع في مايو: إخراج المقاتلين الأجانب من القوات الأمنية، وفي النهاية، من سوريا تماماً. التقارير العديدة عن مشاركة المقاتلين الأجانب في مجازر مارس ويوليو تقوض بشكل جذري الجاذبية القومية للحكومة الانتقالية – نفس الجاذبية التي أكد عليها الشرع خلال فترة قيادته لهيئة تحرير الشام في إدلب. وجود هذه العناصر هو أكبر مصدر للمخاوف الطائفية بين الأقليات السورية والمجتمعات السنية على حد سواء. محاولة تحقيق أهداف الرئيس ترامب دون معالجة النقطة 2 من شأنها أن تقوض المشروع بأكمله – في النهاية، ستبقى سوريا غير مستقرة، وسيستمر تهديد الانتشار إلى بقية المنطقة، وستكون الحاجة للعمل العسكري الأمريكي أكثر احتمالاً، وليس أقل.

    العمل مع إسرائيل لخلق حاجز صلب ضد الفظائع في جنوب سوريا. لخلق إلحاح في ما من المرجح أن يكون عملية طويلة من المساءلة الحكومية السورية وإصلاح القطاع الأمني، يجب على واشنطن فهم المخاوف الإسرائيلية والتسامح مع الضربات العسكرية المستقبلية إذا لزم الأمر لتجنب المزيد من المذبحة الطائفية في الجنوب حتى الوقت الذي يتمكن فيه الشرع من إظهار القيادة والسيطرة على قواته.المبعوث الأمريكي توم باراك محق في تأكيده أن “الإدماج” هو المفتاح لجمع أطراف المشهد السياسي السوري المتشظي. وكما أشار في 20 يوليو، فإن المزج المدروس بين الترغيب والترهيب في السياسة الأمريكية يمكن أن يسهم في وضع “حجر الأساس التالي نحو الإدماج وتهدئة التصعيد بشكل دائم”، ما يفتح الباب أمام عملية سياسية واقعية تُوحِّد سوريا تحت حكومة مستقرة. ومع تصاعد التوترات الطائفية واستمرار الشكوك حول استمرارية اتفاقات وقف إطلاق النار المحلية، فإن الوقت بات مناسباً الآن لتحرّك أمريكي أكثر حزماً.

معهد واشنطن

——————————–

التطبيع مع إسرائيل… خيار أم ضرورة؟/ أنس بن صالح

31 تموز 2025

حثيثا يمضي مسار التطبيع مع إسرائيل مخترقا جدران الممانعة، بعد أن تسرب إليها الصدع وعلتها الشقوق. وحدها أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول من عام ألفين وثلاثة وعشرين أفلحت في لجم هرولة الدول العربية نحو إسرائيل، ووقف دوران عجلة التطبيع، وقد أدرك زاحفا شبه الجزيرة العربية وقلب العروبة والإسلام.

إذ حققت إسرائيل في السنوات الأخيرة، برعاية من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اختراقات غير مسبوقة بتطبيع علاقاتها مع أربع دول عربية دفعة واحدة، بموجب ما بات يعرف بالاتفاقات الإبراهيمية، على قاعدة تفاهمات سياسية كان من نتائجها المباشرة فك عزلة إسرائيل الإقليمية، وبناء تحالفات إقليمية هجينة. وتنص الاتفاقيات المبرمة بين أغسطس وديسمبر من عام ألفين وعشرين على تعزيز السلم والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، والقضاء على التطرف، وإنهاء النزاعات ودعم التجارة، وتعزيز قيم التسامح والحوار.

على أن اللافت في هذه التفاهمات السياسية هو ارتكازها على اعتبارات ومبررات أمنية وسياسية وتجارية، ومزاعم بتحقيق الاستقرار والرفاه، فيما القاسم المشترك بين بعض هذه الدول هو معاداتها الصريحة للإسلام السياسي (الموقف من حماس تحديدا ومن مشاريع المقاومة في المنطقة بشكل أوسع)، والخشية المتعاظمة من موجة ثانية من الربيع العربي قد لا تبقي ولا تذر. الواضح في هذا المشهد أن لكل دولة من الدول الأربع دوافعها الذاتية وحساباتها الاستراتيجية لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، في سياق اتسم على وجه الخصوص بجمود في عملية السلام وانسداد أفق أي تسوية سياسية للقضية الفلسطينية. ومن هذا المنظور سمحت هذه الاتفاقات ببناء تحالف ثلاثي ضد إيران يضم إلى جانب إسرائيل، كلا من البحرين والإمارات العربية المتحدة، يروم ضمن أهداف أخرى تحجيم نفوذ طهران في المنطقة. كما قدمت تطمينات للأقلية السنية الحاكمة في البحرين من أي تغول إيراني مفترض.

وفي المقابل رسخت هذه الاتفاقات مكانة الإمارات العربية المتحدة كمركز دولي للتجارة الدولية والسياحة، وعززت ترسانتها العسكرية بأسلحة وطائرات مقاتلة أمريكية الصنع كانت إسرائيل تمانع في بيعها لأبوظبي. وعلى الصعيد الدبلوماسي، اعتمدت أبو ظبي سفيرا لها في تل أبيب، بينما أبرمت عام ألفين وثلاثة وعشرين اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة مع إسرائيل. وسرعان ما نجحت إدارة الرئيس ترامب في دفع السودان إلى الاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات معها، بعد شطب اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب ورفع العقوبات المرتبطة بها. وتلا ذلك انفتاح على المؤسسات النقدية الدولية، ووعود بدعم مالي واقتصادي للخرطوم.

في حالة المغرب، ثمة اعتبارات أخرى أملت التقارب مع إسرائيل، وإن كان بعضها لا يختلف كثيرا عن المسوغات التي ساقتها دول عربية أخرى لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل. فالمغرب الذي تعود ارتباطاته السرية والعلنية مع إسرائيل لستينيات القرن الماضي، يرى أن الانفتاح على إسرائيل لا يمس بالتزامه بالقضية الفلسطينية، والرأي عنده أن ذلك سيجعله في موقع يسمح له بخدمة القضية الفلسطينية، وزاد على ذلك بالقول إن الخطوة التي أقدم عليها ليست تطبيعا، بل هي مجرد استئناف لعلاقات دبلوماسية وسياسية تجمدت مع اندلاع انتفاضة الأقصى. لا يمكن أن ينظر إلى هذا التوصيف من منظور علم الدلالات إلا على أنه تحايل لفظي يراد به التخفيف من وقع الفعل الأصلي، انضمت إليه جوقة من أشباه المثقفين والسياسيين لتسويقه والترويج له. ولعل أكبر مكسب سياسي ودبلوماسي حققه المغرب من وراء تقاربه مع إسرائيل، هو انتزاعه اعتراف الولايات المتحدة على عهد إدارة ترامب الأولى بسيادة المغرب على الصحراء الغربية ظل يستجديه لعقود طويلة.

ومنذ التوقيع على اتفاقية التطبيع، تسارعت خطى التعاون الأمني والعسكري والتجاري بين إسرائيل والمغرب وشمل، من بين مجالات عديدة، افتتاح خطوط طيران مباشرة، والمشاركة في مناورات عسكرية مشتركة، وشراء مسيرات والاستعاضة عن أقمار صناعية للاستخبارات العسكرية فرنسية الصنع بأخرى إسرائيلية، ناهيك عن اقتناء برنامج التجسس بيغاسوس المثير للجدل، وأنظمة دفاع جوي متطورة. وحسب دراسة لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام، فإن إسرائيل أصبحت بحلول عام ألفين وثلاثة وعشرين ثالث دولة موردة للسلاح للمغرب، خلف فرنسا والولايات المتحدة.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ صمّت الدول الأربع آذانها عن جرائم الإبادة الإسرائيلية في غزة المستمرة منذ ما يقرب من السنتين، إلا من بيانات شجب وإدانة جوفاء، بل إنها اختارت عن طواعية عدم الترافع أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، أثناء نظرها في القضية التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل. ومع تصاعد وتيرة العمليات العسكرية الإسرائيلية في القطاع، وما رافقها من مشاهد مروعة لقتل وتجويع المدنيين العزل، لم يصدر عن الدول الأربع ما يفيد بنيتها وقف مسار التطبيع، على ما فيها من خطر على الأمن القومي العربي، واختراق للنظام الرسمي العربي، حتى بعد أن بات لها من المسوغات والقرائن ما يجيز لها قطع العلاقات مع إسرائيل والتخلص من هذا الارتباط المعاكس لإرادة الشعوب. الأنكى، أنه بينما تطالب دول غربية على نحو متواتر الحكومة الإسرائيلية بوقف عملياتها العسكرية في غزة وتلوح بعقوبات ضدها، وإعادة النظر في اتفاقات الشراكة المبرمة معها، اختارت الدول المطبعة أن تلوذ بصمت مشبوه تفوح منه رائحة التواطؤ.

وإذ أخفقت إسرائيل، حتى الآن على الأقل، في جر السعودية إلى شرك التطبيع، بما يعنيه ذلك من رمزية، لا يزال الشارع العربي يقاوم أشكال التقارب كافة مع إسرائيل أو التطبيع معها ضمن حراك شعبي جارف لم يسلم هو الآخر من حملات التضييق والقمع.

صحافي وكاتب من المغرب

القدس العربي

————————–

 عندما تطالب الأقلية بتغيير الأغلبية: تأمل في معنى التعايش/ إبراهيم محمد عكاري

27 تموز 2025

في الغرب، حيث يعيش ملايين المسلمين كأقليات دينية وثقافية، تشكلت خلال العقود الأخيرة تجارب تعايش معقولة، رغم التحديات. المسلمون في فرنسا، على سبيل المثال، يُقدّر عددهم بأكثر من خمسة ملايين (حوالي 8.6 في المئة من السكان)، لكنهم يواجهون تضييقا قانونيا، كحظر ارتداء الحجاب في المؤسسات العامة والتعليمية منذ عام 2004. وفي دول أوروبية أخرى، كالدانمارك والنمسا، سُنّت قوانين تقيد بناء المساجد أو تضع رقابة صارمة على المؤسسات الإسلامية.

ورغم هذه الضغوط، فإن الأغلبية الساحقة من المسلمين في الغرب تلتزم بالقانون وتؤدي واجباتها المدنية، وتطالب بحقوقها عبر القنوات القانونية والدستورية، دون أن تسعى لفرض رؤيتها على المجتمع العام. إنها تجربة أقلية واعية، تحاول أن توازن بين هويتها الدينية ومواطنتها المدنية، في سياق ثقافي مختلف.

والمسلمون كأقليات لا يوجدون في الغرب فقط. في الهند، أكبر ديمقراطية في العالم، يُشكّل المسلمون قرابة 200 مليون نسمة (أكثر من 14 في المئة من السكان)، لكنهم يواجهون منذ سنوات حملة تصاعدية من الإقصاء والتمييز، تغذيها بعض القوى السياسية اليمينية. وقد سجلت تقارير موثوقة، مثل تقارير هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، تزايدا في جرائم الكراهية، وخطاب التحريض، وسحب جنسية بعض المسلمين، بل وتهميشهم في التعليم والإعلام.

وفي الصين، الوضع أكثر مأساوية؛ إذ تخضع أقلية الإيغور المسلمة في إقليم شينجيانغ لسياسات قمعية واحتجاز جماعي في معسكرات إعادة تأهيل، بحسب تقارير الأمم المتحدة ووسائل إعلام دولية عديدة.

وفي بعض دول أفريقيا الوسطى، تعرض المسلمون لعمليات تهجير وقتل جماعي في صراعات طائفية عنيفة، وسط غياب تام للحماية الدولية.

في المقابل، وفي عدد من الدول العربية والإسلامية، توجد أقليات دينية أو طائفية أو عرقية، تطالب بحقوقها، وهذا مشروع ومفهوم، لكن المشكلة تظهر حين تنتقل هذه المطالب من العدالة والتمثيل والمساواة إلى السعي لتغيير هوية الأغلبية، أو حين تُوظَّف قضايا الأقلية سياسيا خارج البلاد، ما يهدد السلم المجتمعي.

في بعض الحالات، تسعى أطراف من هذه الأقليات إلى تصوير الأغلبية بأنها “معادية للديمقراطية”، أو “رافضة للتعددية”، فقط لأنها لم تتنازل عن ثوابتها الدينية أو الثقافية. وهذا -للأسف- يفتح باب التدخلات الخارجية، والاستقواء بالخصوم، بدلا من المعالجة الداخلية المتزنة.

ومع ذلك، من المهم التنبيه إلى أن الأقليات في العالم العربي ليست واحدة، وهناك نماذج مشرقة لأقليات وطنية بنّاءة، تتعايش وتُسهم في المجتمع، دون أن تسعى لفرض رؤاها أو التشكيك في هوية الأغلبية. المشكلة ليست في الأقليات، بل في بعض الأفراد أو الجماعات المتطرفة داخلها؛ كما هو الحال في كل طيف مجتمعي.

إن نموذج الأقلية الواعية، كما يقدمه المسلمون في كثير من دول العالم، يبرهن على أن التعايش لا يحتاج إلى تطابق، بل إلى احترام متبادل. لم يطالب المسلمون في الغرب بتغيير قوانين البلاد أو إلغاء رموزها الثقافية، بل طالبوا بمساحة تحفظ كرامتهم وهويتهم، ضمن الإطار القانوني. وهذا ما يجعل تجربة المسلمين مثالا مهما في كيف تعيش الأقلية بانسجام مع محيطها، دون أن تذوب أو تصطدم.

من المهم أن ندرك أن التعايش الناجح لا يقوم على فرض طرفٍ لرؤيته، ولا على تنازل الأغلبية عن هويتها لإرضاء الأقلية، بل على التزام الجميع بقاعدة ذهبية: نختلف ونتعايش، لا نتشابه ونتصادم. ففي مجتمعات التعدد، حيث لا يشبه أحدٌ الآخر تماما، يصبح الاحترام المتبادل والتفاهم المتبادل هما القاعدة الوحيدة للبقاء المشترك.

———————————

هذا الانشغال الأميركي بالوضع في سورية/ عمر كوش

31 يوليو 2025

يكاد لا يمرّ يوم في أيامنا هذه إلا ويخرج مبعوث الرئيس الأميركي الخاصّ إلى سورية توماس برّاك بتصريح حول التطوّرات فيها، وذلك في سياق الانشغال الأميركي بالوضع في سورية بعد سقوط نظام الأسد البائد، إذ يبذل برّاك جهوداً كبيرة لتدارك انفجار الأوضاع الداخلية، عبر قيامه باتصالات حثيثة لمنع حدوث أسوأ السناريوهات التي تدفع باتجاهها إسرائيل، وبعض القوى الإقليمية الأخرى في المنطقة، وتمكّن من وقف التصعيد الإسرائيلي، ودفع الطرفَين السوري والإسرائيلي إلى الحوار والتفاهم حول القضايا الأمنية، وتفعيل المفاوضات التي يبدو أنها لم تعد محصورةً بالجانب الأمني فقط، بل طاولت الجانب السياسي، وتجسّد ذلك في اجتماع باريس الذي جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، في لقاء غير مسبوق، بوصفه اللقاء الرسمي الأرفع بين مسؤولين إسرائيليين وسوريين منذ أكثر من 25 عاماً.

يبدو أن الإدارة الأميركية سعت عبر لقاء باريس إلى اجتراح مسار سياسي بين سورية وإسرائيلي يدعم المسار الأمني الذي ترعاه كلٌّ من تركيا وأذربيجان، وشهد عقد لقاء في 12 يوليو/ تموز الجاري بين مسؤولين أمنيين من الطرفَين في العاصمة باكو، وذلك على هامش زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى أذربيجان. وتعوّل الإدارة الأميركية على أن يمهّد اجتماع باريس لعقد لقاءات أخرى على المستويين، السياسي والأمني، بغية إنجاز اتفاق أمني، والمضي باتجاه توافقات أو تفاهمات سياسية.

تلتقي مساعي برّاك مع المسار الذي اتخذته الولايات المتحدة في تشجيع الحكومة السورية على المضي نحو توقيع اتفاق أمني مع إسرائيل، يمهّد الطريق لتطبيع العلاقات بينهما في مرحلة مقبلة، وذلك عبر انضمام الإدارة السورية إلى الاتفاقات الإبراهيمية. وبالتالي، فإن الاعتداءات الإسرائيلية تعرقل المسعى الأميركي الداعم للنظام السوري الجديد، ومحاولات مساعدته في استعادته السيطرة وضمان استقرار البلاد. ولم تخفِ الإدارة الأميركية انزعاجها من الغارات الإسرائيلية التي استهدفت وزارة الدفاع السورية وقيادة الأركان ومحيط القصر الجمهوري، التي قال عنها برّاك إنها جاءت في “توقيت سيئ للغاية”، واعتبرها وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو “تهديداً مباشراً للجهود المبذولة للمساعدة في بناء سورية سلمية ومستقرّة”.

لعلّها المرة الأولى التي تبدي فيها الولايات المتحدة عدم رضاها وانزعاجها من الأعمال العدوانية الإسرائيلية على سورية، الأمر الذي يكشف اختلافاً كبيراً بين أهداف كلّ منهما في سورية، إذ تعي الإدارة الأميركية أهداف إسرائيل التي عبّر عنها برّاك، ولخّصها في أن رغبتها أن تكون سورية مقسّمة ومجزّأة، بدلاً من أن تكون تحت قيادة دولة مركزية وقوية، الأمر الذي يعني أن لديه معلومة مؤكّدة، تعكس قناعة الإدارة الأميركية، ممثّلة بالبيت الأبيض، ويدعمها قيام إسرائيل باعتداءات متكرّرة لم تنقطع منذ سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، احتلّت فيها مزيداً من الأراضي السورية، وشنّت مئات الغارات على البلاد، بهدف مُعلَن، يتجسّد في عرقلة وحدة البلاد، ومنع إعادة بناء قدراتها العسكرية، وإبقائها ضعيفةً وتحت التهديد الإسرائيلي.

لا يقتصر الانشغال الأميركي في سورية على الوساطة بين الطرفَين، الإسرائيلي والسوري، ولا على رفع العقوبات التي فُرِضت عليها خلال فترة نظام الأسد البائد، بل يمتدّ إلى تفاصيل الوضع الداخلي، فلم يتردّد برّاك في تقديم النصح للرئيس السوري أحمد الشرع بعد أحداث السويداء، بإعادة النظر في بعض عناصر الجيش، والحدّ من الخطاب العقائدي الإسلامي، والسعي إلى الحصول على دعم أمني إقليمي، وتأكيده على أن تجاهل هذه النصائح قد يؤدّي إلى فقدان الدعم الدولي وتفكّك البلاد. إضافة إلى ضرورة دمج الأقلّيات بشكل سريع إلى مختلف مفاصل الحكم وبنيته. واللافت أنه لم ينطلق في نصائحه من باب البحث عن بديل للنظام الجديد، بل من اعتباره أنه “لا توجد خطّة بديلة”، وتأكيد “إذا فشل هذا النظام، وهناك من يسعى لإفشاله، فلا يوجد خلف له”.

لا تبتعد النصائح التي قدّمها برّاك للشرع من مطالب كثيرين من السوريين، تجنّباً للسير نحو السيناريو الأسوأ لسورية، والمشابه لسيناريو ليبيا أو أفغانستان وسواهما، لذلك المأمول من الرئيس الشرع أن تشكّل أحداث السويداء فرصةً لفتح نافذة بين الحكومة السورية ومختلف الفعّاليات المدنية والسياسية السورية، وأن تتبعها خطوات جادّة نحو استعادة الثقة بين مختلف أطياف الشعب السوري، وتعزيز دور مؤسّسات الدولة باعتبارها مرجعيةً جامعةً، عبر نبذ العنف والتجييش الطائفي والعشائري وتغليب الحوار، بما يفضي إلى الخروج من النفق الدامي عبر توافر إرادة سياسية مسؤولة، لتجنّب إعادة إنتاج تشنّجات الماضي، والاحتكام إلى القانون بوصفه الضامن الوحيد لأيّ حلّ مستدام، ونزع السلاح غير النظامي من المجموعات كافّة. والأكثر أهمية هو أن تغيّر الإدارةُ السوريةُ الجديدةُ المسارَ الذي اتبعته، وحصرت فيه مفاصل الحكم الأساسية في الجماعة التي وصلت إلى الحكم في 8 ديسمبر/ كانون أول الماضي، وسيطرت على جميع مفاصل الدولة، فيما تركت هامشاً تمثيلياً بسيطاً لباقي السوريين، الأمر الذي أسهم في تهميش غالبية مكوّنات الشعب السوري بذريعة رفض مبدأ المحاصصة، التي جعلت من مقولة مركزية السلطة مجرّد ادّعاء لا غير، فيما بقي الكلام عن اللامركزية الإدارية مجرّد كلام في الهواء، ولم يقترن بتحويله نظاماً إداريا يعزّز التنافس الإداري والتنموي بين المحافظات، وبما يقطع الطريق أمام فكرة التقسيم على أساس طائفي أو عرقي. والأدهى من ذلك أن الإدارة الجديدة تحاول تسويق خطاب ديني لا يتماشى من التعدّدية الدينية والمذهبية السائدة في المجتمع السوري، ما أدّى إلى استعصاء سياسي، وظهور اختلافات بين رؤى متنوعة، جسّد الصراع الطائفي والعشائري أحد جوانبه.

لا شيء يضمن استمرار الانشغال الأميركي بالوضع السوري، الذي يصل إلى درجة الاحتضان، خاصّة أن الإدارة الأميركية وضعت شروطها المعروفة لرفع العقوبات، وفي ظلّ استمرار النهج نفسه المتّبع من الإدارة السورية الجديدة خلال الأشهر الماضية، الذي لم يلتفت إلى ترميم ما أصاب الداخل السوري من تصدّعات وشروخ، بوصفه الضامن للاستقرار المنشود في سورية التي تتّسع لكلّ السوريين.

العربي الجديد

———————-

المفاوضات السورية مع إسرائيل بين حقبتين… هل من اختلاف جذري؟

انهيار الثنائية القطبية وصعود اليمين الإسرائيلي المتطرف يحيطان بالمباحثات الجديدة

دمشق: سعاد جرَوس لندن: «الشرق الأوسط»

30 يوليو 2025 م

بعد سقوط نظام الأسد، تجددت محاولات التفاوض بين سوريا وإسرائيل، كان آخرها الخميس الماضي في باريس، برعاية أميركية، حيث عدّ هذا الاجتماع أرفع مشاركة رسمية سورية منذ أكثر من 25 عاماً، عندما رعى الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون، عام 1999 – 2000، اجتماعاً بين وزير خارجية سوريا، فاروق الشرع، ووزير الخارجية الإسرائيلي حينئذ، إيهود باراك.

ورأى مراقبون أن اجتماع باريس، الخميس الماضي، كان «بمنزلة خطوة أولى» على مسار «اتخاذ تدابير لبناء الثقة من الجانبين»، لكن ثمة «اختلافات جوهرية» فرضها الواقع الجديد في سوريا والمنطقة والعالم. والاجتماع جرى برعاية المبعوث الأميركي، توم برّاك، الذي جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، مع وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، عشية لقاء ثانٍ، الجمعة، بين برّاك والشيباني ووزير خارجية فرنسا، جان نويل بارو، هدف إلى دعم العملية الانتقالية في دمشق.

«الشرق الأوسط» تواصلت مع ثلاثة من المرجعيات السورية المطلعة على مسار السلام مع إسرائيل منذ عهد نظام الأسد الأب وحتى الآن.

الدكتور سمير التقي، باحث بمعهد الشرق الأوسط للدراسات في واشنطن، كان في المقاعد الخلفية لمفاوضات السلام السورية – الإسرائيلية في مراحل مختلفة من فترة نظام حافظ الأسد. ويقول إن المفاوضات السورية – الإسرائيلية مرت بمراحل عدة، «تراوحت بين تبادل المبعوثين، واللقاءات الأمنية السرية وشبه السرية».

الروس غرّبوا ففعل حافظ الأسد

بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، ترسخت ثقة نظام حافظ الأسد بالعلاقة مع الولايات المتحدة؛ إذ بعد اتفاق إطلاق النار حصل من وزير الخارجية آنذاك، هنري كيسنجر، على تفويض لضبط الوضع في لبنان، (بحسب مذكرات كيسنجر).

لكن العامل الأساسي في دخوله مفاوضات السلام، أنه وجد، على حد قوله، في جلسة أن الروس قد غرّبوا» (ذهبوا غرباً)، وأن نموذج الدولة الذي بناه بوصفه نسخة عن النظام السوفياتي لا بد أن يتكيف، وينعطف غرباً. لذلك انضم الأسد للقوات العربية التي دعمت تحرير الكويت، على أمل ترسيخ الوضع الإقليمي لنظامه في ظل التحولات الدولية.

وفي سياق هذه التحولات الدولية والإقليمية يمكننا القول إن المفاوضات مع إسرائيل مرت من منظور سوري بثلاث مراحل.

مرحلة إسحق رابين

حيث كان الطموح هو استعادة كامل الجولان وتحقيق سلام بين سوريا وإسرائيل، مع الموافقة على فصل المسارات وترك القضية الفلسطينية جانباً، ليقررها الفلسطينيون.

في لحظات معينة، نشزت حالة ثقة شخصية واضحة بين الزعيمين، وبدأ الأسد يراهن على هذه الثقة. بل حزن حافظ الأسد بعمق لوفاة رابين؛ لأنه أدرك أن الصراع سيستمر لعقود في ظل وجود نواة قوية داخل الدولة الإسرائيلية لا توافق على تصوره للسلام العادل والشامل ولمستقبل نظامه، ضمن عملية التحول والانعطاف المنشودة.

مرحلة إيهود باراك

أصبح فيها وضع سوريا أضعف ليتحول النقاش حول إيجاد صيغ جديدة لموضوعة السيادة على الجولان. وفيما كان تركيز إسرائيل في المفاوضات على فصل سوريا عن إيران، كان حافظ الأسد يجد نفسه محاصراً إسرائيلياً في لبنان من جهة، وإيرانياً من جهة أخرى، مع تفاقم الدور الإيراني في لبنان، وتفاقم حاجته للتحالف معها، ناهيك عن تضعضع وضعه الدولي والعربي.

لذلك كان من الواضح لحافظ الأسد أنه لن يستطيع إتمام الوصول لذات المكاسب التي اقترب منها قبل مقتل رابين. وسرعان ما سقط باراك، ليستنتج الأسد أنه بغض النظر عن اللعبة السياسية في إسرائيل فإن الدولة العميقة لا تبدو جاهزة هناك.

مرحلة أولمرت

كان من الواضح أن موازين القوى قد باتت أصعب بالنسبة للأسد. وكان واضحاً أن قضية السيادة على الجولان لن تكون سيادة ناجزة. وأصبح الحديث يجري عن محمية طبيعية، وعن تقاسم السيادة. وإضافة لموافقة إسرائيل من حيث المبدأ على دور سوريا في ضبط الساحة اللبنانية، فإنها وضعت شروطاً محددة حول هذا الدور، وكذلك حول آفاق علاقة سوريا مع إيران على الصعيد الاستراتيجي؛ لذلك بدت المفاوضات نهاية لحالة الحرب أكثر منها تأسيساً لسلام دائم، ينهي مطالب الطرفين.

مرحلة الأسد الابن

لكن ماذا عن المفاوضات في عهد بشار الأسد؟… هل توقفت أم جرت في الخفاء؟ يقول الدكتور التقي إنها توقفت عدة مرات في فترة الأسد الابن؛ أُولاها بعد إقصاء أولمرت من الحكومة، ثم بعد توقف الوساطة التركية لأن علاقات تركيا مع إسرائيل كانت قد بدأت في التوتر (بخصوص غزة). والثالثة كانت بوساطة سويسرية وتوقفت عام 2011، عندما أبلغ الرئيس الأميركي باراك أوباما مبعوثه إلى سوريا، السفير فريدريك هوف، أنه لن يفاوض رئيساً يقتل شعبه.

أما عن المفاوضات الحالية، فيرى الباحث السوري سمير التقي، أنها تجري في ظروف «تداعٍ في السيادة السورية»، وخروج سوريا عما سُمي بـ«محور المقاومة»، وفي مناخ من التسييد الإسرائيلي؛ إذ تبدو إسرائيل مستعدة لسحب قواتها من المواقع التي احتلتها مؤخراً بعد سقوط النظام. لكن دافعها الجوهري هو السعي لمنع تحول سوريا لدولة تدور في الفلك التركي، وقطع الطريق على احتمال قيام تركيا بتدريب الجيش السوري واختراقه وتزويده بالسلاح، ناهيك عن تأسيس قواعد عسكرية تركية وقواعد تنصت ورادارات على الأراضي السورية.

لكن ذلك لا يعني أنها مستعدة للتنازل بأي شكل عن الجولان، بل هي تحاول المقايضة على السعي لدعم الاستقرار في سوريا مقابل تحقيق مطالبها. لذلك وكي تضمن هذا الاتفاق، فإنها تطالب بإبعاد القوات السورية لمسافة تصل لثمانين كيلومتراً عن الجولان.

ويختتم الدكتور التقي كلامه بالقول إن ثمة مخاوف إسرائيلية من تكرار تجربة مشابهة لتجربة «حماس» بوصفها إسلاماً جهادياً يمكن أن تستخدمه تركيا لتعزيز دورها في شرق المتوسط وعلي حدود إسرائيل، في مناخ من التوتر الناجم عن التسييد الإسرائيلي في الإقليم. ورغم ترديد وسائل الإعلام، فلا يبدو أن عودة إيران تشكل هاجساً حقيقياً وعملياً لإسرائيل.

انهيار الثنائية القطبية

رئيس مركز النهضة للدراسات والأبحاث بدمشق، عبد الحميد توفيق، يرى أن الفروقات بين مرحلة التسعينات من القرن الماضي والمرحلة الراهنة، من حيث الدولة السورية، أنها في التسعينات كانت دولة راسخة ولاعباً مؤثراً في المشهدين الإقليمي والدولي، بينما سوريا اليوم تفتقد من حيث البنية لمقومات الدولة المستقرة، كما أن واقعها الناشئ يعاني من تحديات بنيوية وسياسية وسيادية واقتصادية وأمنية، تجعلها أبعد ما يكون عن التأثير، وخصوصاً في ملف المفاوضات مع إسرائيل.

يضيف عبد الحميد أن مفاوضات التسعينات أفرزها مؤتمر مدريد الدولي، وكان إطارها القرارين الأمميْن 242 و383 الناظمَين لحقوق سوريا في استعادة أراضيها، إضافة إلى وجود ثنائية قطبية دولية كانت تستند دمشق حينها إلى واحد منهما هي روسيا.

لكن اليوم، ومع انهيار الثنائية القطبية وهيمنة القطب الأميركي بوصفها قوة وحيدة وقوة فاعلة تقف بالمطلق إلى جانب إسرائيل، يبرز «الخلل الكبير في ميزان القوة وموازين القوى لصالح إسرائيل، يقابله واقع سوري جديد يتسم بضعف شديد في جميع مناحيه».

ويبدو أن إسرائيل وغطاءها الأميركي يسعيان إلى استغلال ذلك لفرض «صيغة مختلة» على الجانب السوري، لا تخدم القضية الوطنية المتمثلة باستعادة الجولان وكامل الحقوق. على عكس مفاوضات السلام في التسعينات، لكن اليوم «لا تبدو هذه المقومات متوفرة لدى سوريا الجديدة التي تسعى سلطاتها الحالية إلى تثبيت وجودها عبر آليات سياسية تمنع التدهور في ظل ظروف معقدة وصعبة».

ورأى توفيق أن فرصة سوريا الاستراتيجية لتحقيق الحد الأدنى من سياستها الراهنة في المفاوضات، تكمن في استثمارها للدعم العربي والإقليمي والغطاء الأميركي والغربي، ولكن هذا الغطاء يبقى محدوداً مقابل النزعة الإسرائيلية العدوانية والتوسعية وطبيعة التحالفات القائمة بين تلك القوى وإسرائيل.

هدف المفاوضات وبيئتها

من جهته، يقول المحلل والكاتب السياسي فايز سارة، لـ«الشرق الأوسط»: «ثمة اختلافات جوهرية بين المفاوضات الإسرائيلية – السورية التي كانت تجري أواسط التسعينات والمفاوضات الجارية اليوم في باريس. الأولى كان هدفها الوصول إلى اتفاق سلام بين الجانبين السوري والإسرائيلي، أما الحالية فهي جهد مشترك للوصول إلى (ترتيبات أمنية بين سوريا وإسرائيل في الجنوب السوري)»، واللافت للانتباه في الحالتين أن الأميركي شاهد ومشجع على المفاوضات.

الاختلاف، بحسب سارة، يتمثل في «هدف المفاوضات»، ويعود ذلك لاختلاف في نقطتين؛ الأولى الاختلاف السوري في نوعية وخبرات فريق التفاوض، والثاني اختلاف البيئة التي تجري فيها المفاوضات. ففي المرة السابقة كان الفريق السوري يملك أكثر من الخبرات والتجارب، ولديه كثير من الأوراق، وكان يفاوض على نقاط أكثر أهمية وخطورة وحساسية للإسرائيليين والسوريين وللعالم من حولهم.

أما في موضوع بيئة المفاوضات، فيشير سارة إلى أن في المفاوضات السابقة كانت موازين القوى بين الجانبين مختلفة عن حالها اليوم. ورغم أن القوة تميل إلى جانب الإسرائيليين، فإن السوريين كانوا يملكون قوة عسكرية لا بد أن تؤخذ بالاعتبار من حيث النوعية والحداثة والعدد.

بينما تسجل إسرائيل تفوقاً كاسحاً على القدرات السورية اليوم، بعد أن تم نزع جزء من القوة وتدمير القسم الأكبر منها، وجرى حل الجيش ومؤسساته، وثمة بداية متواضعة لجيش سوري جديد.

وعلى صعيد الوضع على الجانب الإسرائيلي، يشير السياسي فايز سارة إلى وجود فوارق مهمة بين مفاوضات أواسط التسعينات والحالية، لعل الأهم فيها أن إسرائيل كانت تحظى بحليف أميركي له اشتراطاته، فيما هي اليوم تحظى بدعم أكبر من الولايات المتحدة.

ومن أبرز الفوارق، أيضاً، أن اليمين الإسرائيلي كان خارج السلطة، وقد خرج واحد من أفراده ليقتل رئيس الوزراء إسحاق رابين صاحب وديعة الانسحاب من الجولان، فيما يتربع على سدة القيادة الإسرائيلية اليوم يمين متشدد متطرف بقيادة بنيامين نتنياهو، ويرسل أحد أبرز رموزه ليقود المفاوضات مع الوزير السوري أسعد الشيباني، حاملاً معه إصراراً على الاحتفاظ بالجولان وهاجس ضمان أمن إسرائيل، والسعي إلى توسيع حدود وجودها وهيمنتها في سوريا. فيما اليسار العمالي الذي كان يحكمها في التسعينات ويسعى إلى تسوية مع سوريا بقيادة رابين ثم شمعون بيريس، أصبح في هامش السياسة الإسرائيلية.

الشرق الأوسط

————————–

 الأقليات المخطوفة وخطاب تمثيلها/ أحمد الشمام

2025.07.30

إن أحد أهم أركان الدولة في الدستور الألماني بعد الأرض والشعب هو الإرادة؛ أي إرادةُ الشعبِ ونُخَبه تشكيلَ الدولة أو تمكينها، وتقترن بمفهوم مواز هو السيادة أي تحقيق السيادة وإرادة الاستقلال للدولة بما فيها من أرض وشعب قبالة أي دولة أخرى، وسيادة جهازها الإداري – السلطة- كذلك.

يأتي الدستور بعد ذلك ليشكل إطارا مرجعيا قانونيا ينظم الحياة السياسية والاجتماعية، وأرضية تؤثث للعمل المشترك؛ بما في ذلك الضوابط العامة للعلاقات في المجتمع وبين السلطة والمجتمع. كما تقونن العمل السياسي، وتُعيِّنه بحدود ناظمة للتمييز بين ما هو حق أو واجب، وبين ما هو محظور من شتى أنماط العمل السياسي مما ينتهك السيادة والاستقلالية، و تم تضمينه في كل قوانين ودساتير الدول وثقافاتها بمفهوم الوطنية. بطبيعة الحال تضم أغلب الشعوب بنى اجتماعية ما دون دولتية، وتعتبر الدولة بما هي بنية فوقية متعالية على الانتماءات الجماعاتية، وصراع القوى والطبقات؛ نظاما يحقق قوة تتركز في جهاز إداري يحتكر العنف ويضبط اختلاف المصالح. وفي قلب هذا التنظيم يكمن مفهوم الوطنية، الذي وُضِع لضمان تماسك الشعب /الجماعة السياسية؛ رغم تعدد الانتماءات والتباينات الثقافية والاجتماعية. فالدولة الحديثة، في الغالب، تتكون من بنيات اجتماعية معقدة تتجاوز الانتماءات التقليدية (القبلية، الطائفية، الإثنية)، لكنها في الوقت ذاته تُعلي من شأن الانتماء إلى الكل الوطني. وهكذا تُبنى الدولة بوصفها كيانًا فوقيًا، لا يُعبِّر عن القوى ما دون الدولة، بل يُعيد تشكيلها ضمن منظومة قانونية ومؤسسية، تحتكر العنف المشروع وفقا لماكس فيبر، وتعمل على تنظيم تضارب مصالح الجماعات في الدولة، بما يضمن استقرار النظام العام، ويحفظ توازن الحريات والسيادة، وتحقيق تلك الإرادة.

بالنظر إلى الواقع السوري بعد سقوط الأسد؛ نجد بلادا مدمرة على مستوى المؤسسات و المجتمع، هتكها الأسد عبر خمسين عاما، ويظهر مطلب الحقوق والحريات قبل ضرورة رفع الأنقاض وبناء الدولة؛ من حيث ضمان السيادة وترسيخ إرادة تحقيق وتمكين الدولة؛ خصوصا وأن سيادتها منقوصة لوقوع جزء من رقعتها تحت سلطات أمر واقع تفرض وجودها، وتحاول تمكين نفوذها باتفاقات فوق الدولة وخارج الوطنية السورية، وتقوم بتحشيد ماقبل دولتي؛ تظهر الاستعصاءات التي تطال الدولة والسلطة كتعبيرات عن مناطق نفوذ واستحواذ من جماعات ما دون دولتية متلبسة بإطار سياسي وخطاب سياسي.

يقول د. مضر الدبس معلنا نفسه كسوري يتعالى على انتمائه المذهبي كدرزي أن “السويداء ليست رأس حربة للمطالبة بالديمقراطية؛ فالأخيرة مجالها العمومية السورية والساحة السياسية السورية عموما”، ومنه فلا يمكن لجماعة ماقبل دولتية استخدام حالة عصيان مسلح؛ لتحقيق مطلب سياسي دولتي كما في الهجرية السياسية وفقا لمصطلح الباحث الدبس، ولا يحق لحزب أو مليشيا تستأثر بالقوة على رقعة اغتصبتها من الدولة مثل مليشيات حزب العمال الكردي فعل ذلك أيضا.

يمثل الخطاب في الفقه السياسي أداة لإنتاج السلطة والمعرفة؛ متمثلا بجملة المفاهيم والقيم والمبادئ (عدالة، سيادة، حرية)، وتمثيل الواقع أو تصوره، الجماعة السياسية، الشرعية، الآخر، الهدف السياسي. بعد سقوط النظام يمكن قياس الجماعات ماقبل الدولة في كونها جماعات اجتماعية ذات خصائص ثقافية ودينية تميزها ويجب احترامها؛ وبين جماعات تنشط سياسيا محاولة تلبس دور ليس مناطا بها، بل بالعمومية السورية، ولتعيين ذلك نتساءل: هل حملت أو ارتجلت كل الأقليات في سوريا خطابا سياسيا يميزها كجماعات ماقبل دولتية؟ للإجابة على ذلك نجد:

لم تطرح الطائفة العلوية خطابًا خارج الوطنية السورية، بل انخرطت في مشروع الدولة مع مطالب محدودة تتعلق برفع المظالم السابقة التي حصلت إبان مكافحة الفلول، رغم محاولات مشيخة موالية للنظام، كغزال غزال، احتكار تمثيل الطائفة من دون شرعية حقيقية، خاصة مع توسع قاعدة المؤيدين للدولة. وفي مواجهة شبكات النظام الطائفية الساعية لصرف الأنظار عن المحاسبة، برز المثقف اليساري “نصر داهو سعيد” مثالًا على دور الفاعلية الثقافية العابرة للطوائف، حين شارك في استقبال الشيخ العرعور، داعيًا لبناء دولة تتجاوز الانقسامات الأيديولوجية والدينية، ما يؤكد تفوق دور المثقف على المرجعيات الطائفية.

في الطائفة الإسماعيلية والمكون المسيحي عموما والتي تمتلك شبكة علاقات واسعة خارج الدولة نجد أن كلا منها عمل كشريك وطني، ورفضت إلا أن تكون جزءا من مشروع الدولة؛ رغم وقوع بعض التجاوزات على بعض من أفرادها من عناصر منفلتة، ولا تحمل أي منهما خطابا خاصا بها يخرج عن خطاب الدولة الحديثة؛ سوى مطالب العدل وتوسيع دائرة الثقة وبناء أواصر الشراكة.

في الخطابين الهجري والقسدي نجد أن جملة ما يطرح، لا يعدو كونه يمثل اختطافا للجماعة وافتعالا لأي صدام يستدرج السلطة للقتال، ما يرفع من طاقة تحشيد الجماعة بناء على دوافع الخوف والدفاع عن الجماعة؛ واعتبار ذلك خطا دفاعيا فاعلا للدفاع عن النفس، هنا يغيب الفرد وتحضر الجماعة وتحضر لغة الحشد والقطيع بالمفهوم النفسي، وبتحليل ما يمكن تسميته خطابا نجد غيابا أو تلفيقا لكثير من أركانه؛ غياب للمبادئ والمعرفة وحضور للسلطة المراد ترسيخها لدى قادة الجماعة؛ وممثليها الراغبين باحتكار تمثيلها إكمالا لمفهوم الخطف الذي تم تطبيقه، ولا تحضر القيم والمبادئ التي يتطلبها الخطاب بل تحضر السرديات والمظلوميات، وتحضر المطالب – ما دون دولتية في إطار سياسي، وتقام تحالفات ومطالبات فوق الدولة وخارجها.

أما الآخر وتعريفاته ضمن الخطاب فتحول إلى رؤى متبادلة بين قواعد هائجة تأثرا بنزعة القتال والتحشيد، وظهر صوت المقاتل المدجج نسخة عن خطاب المشيخة التي تعلن قيادتها للمشروع، وإذا سلمنا جدلا بتساوي الانتهاكات بين قوى الأمن وقوى الحشد المقابلة نجد خطاب السلطة مختلفا عما بدر من الجماعات المنفلتة؛ بل ومتوعدا بالمحاسبة والمحاكمة. يحضر الآخر كداعشي أو سني إرهابي لدى المشيخة ولدى المقاتل، بل ويتم التبرؤ ممن لا يتعاضد ولايخدم “فورة” الجماعة، ووضع كل من لا يتبنى خطابها من بقية الطوائف في خانة العدو الداعشي كذلك.

يقول المعارض حبيب صالح “من هي داعش بعرف الهجري وقطيعه؟ كل سني هو داعشي، العشائر دواعش، المحافظات، الحكومة بكل موظفيها ووزرائها حتى غير المسلمين هم دواعش، كل علوي أو قومي لا يؤيد مشروع الهجري الانفصالي هو داعشي، كل مسيحي لم ينسق للفتنه هو داعشي”. هذا الركن من الخطاب إن جاز تسميته خطابا يتفق تماما وسردية النظام ضد الثورة، فالأعداء إرهابيون ودواعش ولا غرابة في غياب تهمة العمالة للخارج عن لغة الخطاب باعتبارهم متورطون بها.

أما في ركن مبادئ الخطاب تُطرح شعارات مثل العلمانية والعدالة وحقوق المرأة؛ إما من مشيخات دينية تبرأت من المثقفين الوطنيين المعارضين لها، وأقصتهم وهددت بتصفية من يطرح نفسه كممثل للجماعة خارج احتكارها، أو من مليشيات عابرة للحدود رفعت شعارات “أخوة الشعوب” قبل أن تُحوّل مطالبها إلى مصالح كردية خالصة، متجاهلة تاريخها الإقصائي. كلا المشروعين احتكر تمثيل جماعته، وأقصى الأصوات الرافضة، بينما تناقض خطابهما حول الحريات مع ممارسات قمعية، كعسكرة النساء وخطف القاصرات وتجنيدهن، وطلب الدعم من قوى أجنبية، بما فيها إسرائيل، في تجاهل تام لقضية فلسطين ومعاناة غزة.

في ظل الاصطفاف العصبوي، تفتقر الأطراف المتنازعة إلى الشفافية والقدرة على مواجهة قواعدها بحرية، مما يدفعها إلى التمترس خلف القتال والتعنت كوسيلة للتحشيد والخوف. بالتوازي، نشأ نمط من المثقفين يمارس دور “جيش موازٍ”، مدفوعًا بهاجس سلطة الكونتونات، ومتصورًا ذاته ضمن هويات أقلوية متضخمة، ما أفقدهم التوازن النقدي. أما المثقف المحايد، فيبدو رهانه على هذه الجماعات نفعيا، ورهان تلك الجماعات عليه أداتيًا، يخدم مصلحة آنية من دون رؤية سياسية متماسكة، وغالبًا ما يتجاهل عمدًا الأصوات الوطنية المستقلة، كصوت ليث البلعوس وقيادات كردية أخرى غُيّبت من قبل القوى المسيطرة

تلفزيون سوريا

——————————-

أما آن للآلام السورية أن تتوقّف/ أحمد طعمة

31 يوليو 2025

أثبتت أحداث السويداء أن السلطة الانتقالية في سورية ليس لديها رؤية استراتيجية لقيادة البلاد نحو واقع أفضل يتجاوز ما خلّفه النظام السابق من كوارث دمّرت البشر والحجر، كما تعاني من نقص حادّ في فهم الواقع الدولي والإقليمي، بل والمحلّي أيضاً، ولو كان لديها تصور واضح لمعالجة المشكلات الكبيرة التي تحيق بسورية، لما وقعت (وبسذاجة) في المأزق الخطير الذي انزلقت إليه نتيجة دخول قوات وزارة الدفاع والأمن العام قلب مدينة السويداء من دون دراسة ردّة فعل إسرائيل، والمواطنين في السويداء، على هذا الدخول غير المحسوب برويّة، ما شكّل خطورةً حقيقيةً على الشعب السوري بمختلف مكوّناته، بل على السلطة ذاتها.

لقد أدّى سوء تقدير السلطة إلى الاعتقاد أن بسط نفوذها على محافظة السويداء (وبالقوة العسكرية) يمكن أن يمرّ بسهولة دونما تبعات، طالما أن التفاوض مع إسرائيل يتناول قضايا أكبر وأخطر من قضية السويداء، متناسيةً أن إسرائيل وبعد “7 أكتوبر” (2023) تعتبر المناطق السورية المحيطة بها، بما فيها السويداء مسألة أمن قومي. حقيقةً نستغرب كيف لم تتنبه السلطة إلى الخطّ الذي رسمته إسرائيل شمالي السويداء، الذي لا يُسمَح لقوات السلطة السورية العسكرية بتجاوزه، وجعل من السويداء والقنيطرة، وربّما كامل درعا، مناطق منزوعة السلاح.

كان ينبغي على السلطة قبل أن تقدم على المغامرة أن تعرف حقيقة توجّهات المجتمع الدولي، وألا تعتقد بأن السياسة السورية الخارجية ناجحة بمجرّد عقدها عشرات اللقاءات الدولية المليئة بالابتسامات العريضة والمجاملات والوعود بلا نقود، ولا تنغرّ بالتصريحات التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، وكلّها مشروطة بتحقيق مجموعة طلبات لا يرغب الرئيس أحمد الشرع تنفيذها، أو ربّما لا يستطيع تمريرها بين جماعته، وكان ينبغي على السلطة الانتقالية ألا تقع في وهم الاعتقاد أنه بمجرّد إخراج إيران من سورية، فإن المجتمع الدولي سيكافئ السلطة الجديدة في دمشق بأن تسوس البلاد كما تشاء بمعزل عن مصالح الأطراف الداخلية والخارجية، وصدق من قال: في خضمّ أمواج البحر لا تكفي البوصلة وحدها، بل عليك أن تدرك طبيعة الرياح واتجاهاتها.

لقد خلّفت مصيبة السويداء خسائرَ استراتيجية فادحة، ليس أقلّها تناقص زخم عزم القوة الذي نجم عن الانتصار التاريخي الذي حقّقه الشعب السوري، وإنهاء نظام الإبادة، وعاد الوضع في السويداء إلى ما كان عليه قبل الأزمة، مع انسحاب مذلّ لقوات وزارة الدفاع والأمن العام، وترك جرحاً غائراً في نفوس أهل السويداء من الصعب اندماله قريباً، فضلاً عن تهجير العشائر بطريقة مروعة، بعد أن تركتهم السلطة لمصيرهم، ولم تؤمّنهم قبل الانسحاب. وفي المقابل، ستزيد مطالب قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وسيعلو مطلبهم باللامركزية السياسية، وصولاً إلى الفيدرالية، وسيزداد التعاطف الدولي معهم بعد فشل مشروع السيطرة على السويداء، الذي كان يراد منه إخافة مظلوم عبدي ورفاقه، فخاف بدلاً منهم أبناء القبائل والعشائر العربية شرقي الفرات، وهم الذين كانوا يمنّون النفس بقرب الخلاص، وعودة المنطقة تحت سيادة الدولة الواحدة.

لقد انخفضت ثقة أبناء الشعب بقيادته نتيجة الشكّ في صحّة القرارات المتّخذة قبل الفاجعة وفي أثنائها وبعدها، وكثير منهم زادت نقمته بعد جلاء غبار المعركة غير المبرّرة عن حجم الخسائر الفظيع من الضحايا من كلّ الأطراف، وكثير منهم في ريعان شبابهم، وطلاب جامعات زُجّوا في الأتون دونما خبرة سابقة بأبسط مبادئ القتال. إن ما جرى في السويداء قد يغري بعضاً من فلول النظام السابق في الساحل بتكرار التجربة، مع تغير المزاج في المجتمع الدولي تجاه السلطة الجديدة، وصدور قرارات جديدة من أجل حماية الأقليات، وهذا ما سيشكّل خطراً شديداً على سورية بأكملها. كنّا في غنىً عن هذا كلّه لو تعقّلت السلطة أكثر واعتمدت على خبراء ثقات يعرفون كيف يفكّر المجتمع الدولي، وكيف ينبغي أن يكون التعامل مع قضايا شائكة كهذه.

وأمام هذا الدرس الأليم المرشّح للتكرار، فلا بدّ وقبل فوات الأوان من مراجعة شاملة تقوم بها السلطة لكلّ القرارات الكُبرى التي اتّخذت منذ لحظة التحرير، بل ومراجعة التوجّهات التي تحملها، ودراسة آثارها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وليس عيباً الاعتراف بالأخطاء، ولو كان ذلك ثقيلاً عليها، فالاعتراف بالخطأ هو أول خطوات تصحيحه، بدلاً من الإصرار على الخطأ، فيكون كمن اكتسب سيئة، وأحاطت به خطيئته، يتبع ذلك الاعتراف قرارات تُتَّخذ بشجاعة لتدارك ما فات، ومن دون هذا، فإن الأزمات ستتفاقم، والنتيجة معروفة لكلّ صاحب بصيرة.

أول ما ينبغي مراجعته هو محتوى خطاب النصر في 29 يناير/ كانون الثاني، فهو أعطى انطباعاً بأن الحكم للعسكر، ولن تكون هناك مشاركة فعلية للمدنيين ولو علا شأنهم، فالثورة السورية ما قامت (وما بذل السوريون مهجة قلوبهم) إلا لنيل الحرية والعدالة الاجتماعية، والحصول على دولة مدنية ديمقراطية لجميع أبنائها. كما ينبغي مراجعة أن تكون السلطة من لون واحد بحجّة ضمان الولاء والانسجام، والنظر إلى الآخرين باعتبارهم أغياراً، فكانت النتيجة تولّي جهلاء مواقع حسّاسة في الدولة أوردوا فيها قومهم دار البوار. ليس مناسباً للسوريين أن تبدو البلاد كما لو أنها محكومة بأقلّية سلفية، ولو كانوا مخلصين لبلدهم، بل ينبغي مشاركة من يجمعون بين الإخلاص والصواب، ولو كانوا من مشارب مختلفة، وعندها تظهر عقلية الدولة بدلاً من عقلية التنظيم، وبهذا تنقذ البلاد ويعلو شأنها.

لا يمكن الخروج من المأزق العام من دون إعادة النظر بالإعلان الدستوري جملةً وتفصيلاً بما في ذلك مدّة المرحلة الانتقالية، فخمس سنوات زمن طويل جدّاً في مراحل حسّاسة للغاية، وكان الأولى تقصير المدّة، والسعي إلى إيجاد أكبر قدر من التوافقات، ولو بخفض جناح الذلّ من الرحمة لأبناء الوطن الواحد، ما يمهّد الطريق للإسراع بكتابة دستور توافقي يكتبه مختصّون لا هواة أو مؤدلجون، ويقرّه مجلس يحمل اسم المجلس النيابي، وليس اسم مجلس الشعب، الذي بهذه التسمية يشير إلى حقبة مظلمة من تاريخ سورية. من دون مجلس نيابي تمثيلي لشرائح واسعة من الشعب من الصعب أن نقول إن انتقالاً سياسياً في طريقه للتحقّق في سورية. كما أن سوريين كثيرين لا يوافقون على إعطاء صلاحيات مطلقة لرأس السلطة التنفيذية بعيداً من أي مساءلة، ومن شأن هذا التفرّد بقرارات مصيرية قد لا تكون محسوبة العواقب.

ينبغي إحياء الحياة السياسية في سورية بالسماح بتشكيل الأحزاب وجمعيات المجتمع المدني والأهلي، وإتاحة الفرصة لذوي الرأي الحكيم أن يقولوا كلمتهم من خلال الجهاز الإعلامي للدولة، بدلاً من حظرهم وقصر الحياة السياسية على الهيئات السياسية التابعة للسلطة، وهي مجموعة شبّان عديمي الخبرة، وليست لديهم سردية واضحة. ولعلّ أحسن في المخارج بادرةَ حسن نيّة، الدعوة الجدّية إلى مؤتمر للحوار الوطني، مؤتمر جادّ تُمثَّل فيه كلّ المكونات والطوائف، يطبخ على نار هادئة، يقوده عقلاء القوم ممّن فهموا التاريخ جيّداً، يتوّج بمصالحة تاريخية وطنية تعطي لكلّ ذي حقّ حقّه، وتبنى عليها أسس نظام تعدّدي ودولة مدنية ديمقراطية منشودة، ثمّ يصار إلى حكومة جديدة، وزراؤها يجمعون بين التمثيل العادل لكلّ الأطياف وأنهم تكنوقراط خبراء، يجيدون التصرّف في المواقف الحرجة بعيدون من الوصاية.

يجب إجراء تحقيق فوري معمّق ومفصّل وشفّاف في الانتهاكات التي جرت في السويداء بحقّ المدنيين من مختلف الأطراف، وتقديم المتورّطين فيها ولو كانوا عناصر من السلطة، والاستفادة من درس أحداث الساحل، إذا كانوا يريدون سورية واحدة موحّدة، خشية استغلال هذه القضية دولياً ونقع تحت رحمة تبعات لاقبل لنا بها. نصيحة من القلب لإخوتنا في السلطة أن يقودوا التغيير طوعاً، فتنتقل البلاد إلى برّ الأمان، وهذا خير من أن يحصل التغيير كرهاً وبأيد أجنبية، ويعاد وضع قرار مجلس الأمن 2254 على الطاولة، وليعلموا أن الشرعية تؤخذ من الداخل لا من الخارج.

العربي الجديد

——————————-

 “موتٌ هامشّي”.. حساسين ملوّنة وفراريج بيضاء/ مالك داغستاني

2025.07.31

هذه المادة ليست ردّاً على صديق، كما ستراودكم الشكوك بعد قليل. هي، بعيداً عن السياسة بمعناها المباشر، محاولةٌ لإعادة ترتيب شعورٍ شخصي، ومساهمة، أعتقد لن تنجح، في وقفِ إعادة إنتاج التمييز، ليس بين القاتل والضحية هذه المرّة، بل بين الضحايا أنفسهم.

نعم، مجرد تجربة ذاتية لشرح الشعور حين يُصبح موتك أمراً عادياً ومألوفاً، بينما موت آخرين فاجعة تنال “شهادةً” تُثبت أنها من النوع القابل للتضامن. تضامنٌ يتوجب عليك تكرار الإعلان عنه في كل لحظة، حتى لو كنت مشغولاً بالسير في جنازتك الخاصة. ما يجعل الأمر برمته يبدو نوعاً من التمييز في الحكاية، إضافة إلى أنه يمثل حالة إرهاب تحاصرك أخلاقياً.

في رسالةٍ صوتيةٍ، عاتبني صديقٌ، كيف أنّي لم أُظهِر موقفاً قويّاً من مجازر الساحل، ولم أتّصل به لأسأل عن سلامة أهله. آلمني كثيراً أن صوته كان حزيناً صادقاً ومملوءاً بالمرارة. لصديقي سيرة ناصعة البياض خلال الثورة وما قبلها في سجون الأسد الأب، ما جعلني أرسل له على الفور، روابط موادّ، تظهر موقفي الإنسانيّ والسياسيّ واضحاً من كلّ ما جرى. وتابعتُ برسالة تبيّن ما فاته، وبالتأكيد اعتذرت منه لعدم الاتصال والسؤال.

ما أحزنني أكثر من رسالته، هو أنّه لم يردّ. انتابني إحساس أنّ صمته ينمّ عن موقف بالغ القسوة، وكأنه كان يطالبني ببيانٍ سياسي شخصيّ! أو بكتابة منشوراتٍ على مدار الساعة، كما يفعل كثيرون. خلال كل ذلك، كانت تتناوبني مشاعر مختلطة بأن ثمة خللاً، فيما جرى بيننا، من النوع الذي يمكن وصفه، مجازاً، بأنه “مغالطة منطقية”.

خلال سنواتٍ طويلة، كان من الطبيعيّ، على ما وصلت إليه، ألا يسألني الصديق ولا مرّة واحدة عن أهلي، وهم يتلقّون كلَّ أنواع القذائف والبراميل. كان اسم قريتنا الصغيرة (عدّة مئات)، يتردّد في عواجل الفضائيات العربية مراراً وتكراراً. نعم، قريتنا “ديرفول” التي لا يظهر  اسمها على الخرائط المطبوعة، كانت خبراً عاجلاً لسنوات. خلال تلك الهجمات، كان أخي يقضي وقته في كهفٍ جهّزه تحت الأرض داخل حديقة بيته.

إضافة إلى أخي وعائلته، هناك يعيش أبناء وبنات عمومتي، وأقارب وأصدقاء. كانوا يومياً ينتظرون كلّ أنواع الموت. في يومٍ واحد، تلقّت القرية أكثر من تسعين قذيفة مدفعية. نعم، قذائف مدفعية ثقيلة، وليست قذائف هاون، فالأخيرة بمختلف عياراتها كانت من طبيعة أيامهم. هبطت فوق بيوتها البراميل المتفجرة، وكثير من المرّات قصفها الطيران المروحي والحربي بالصواريخ العادية والفراغية. أشياء يصعب تصديق أنها حدثت فوق رؤوس ساكني تلك البقعة متناهية الصغر، لكنها حدثت بالفعل.

في يومٍ من أيام عام 2017، بعد ضغوط التحقيق، خرج أخي وزوجته “مريضة قلب” من فرع “أمن الدولة” إلى المستشفى مباشرةً. كانوا أُوقفوا بسبب تقا رير المخبرين، فقريتنا ليست مُجمّعاً للملائكة، كما يمكن أن تبدو لكم في كتابتي هنا. صباح اليوم التالي، وبدلاً من خروجها من المستشفى إلى بيتها، خرجت معلّمة مدرسة القرية إلى مثواها الأخير. لليوم، أحتفظ بصورةٍ فوتوغرافية لأخي، أعاينها كلّ فترة وتغلبني دموعي.

لا أدري كيف خطر لابنه أن يلتقط له الصورة في تلك اللحظة. في منتصف الكادر، رجلٌ حزين يمشي وحيداً في البعيد، عائداً من المدينة بعد أن دفن زوجته، حيث لم تسمح قوى أمن الأسد بنقل جثمانها إلى القرية. يحمل بيده كيساً صغيراً من النايلون فيه بقايا أشياءها. بينما كان الابن عند المعبر الفاصل بين مدينة حمص والريف الشمالي. ينتظر أباه ليعيده وحيداً دون أمّه، وكان أوصلهما كلاهما إلى نفس المكان قبل أيّام.

كلّ ذلك كان يحدث، ولم يخطر لصديقي يوماً أن يسألني: هل أخاك بخير؟

أخجل أحياناً من فكرةٍ، أخمّنُ اليوم أنها تسود في الطبقات السفلى من اللا شعور لدى كثيرين (كان بودّي كتابة “البعض” بدل “كثيرين”). أنّ هناك في سوريا فئة موجودة بكثرة فائضة، تشبه فراريج المداجن البيضاء (بلا آباء ولا أمهات). هي بطبيعة الحال معدّةٌ للذبح، أو على الأقل من المألوف ذبحها. وفئاتٌ أقل عدداً، هي بمثابة عصافير الزينة (حساسين، ببغاءات وطيور كناري)، يجب ملاحقتها بالرعاية، والحفاظ على حياتها، وأحياناً تثبيت أجهزة تتبّعٍ عليها لمراقبة تحركاتها والتأكّد أنها بأمان، وأعتذر هنا للمبالغة الكاريكاتيرية. أعتذر لأني في حقيقة الأمر، بلا أية مجاملات كاذبة، حريصٌ على كل الفئات، لكن كباقي السوريين تماماً، لا أكثر ولا أقلّ. وأشعر أن أية حالة تمييزية للأقليات، تُستخدم بطرق مشوّهة، هي لوثةٌ شاذّة استمرأها بعض أصحابها.

 تعرَّضَ مصطلح “حماية الأقليات” (Minority Protection) وما زال للتشويه في سوريا. قبل وبعد سقوط الأسد، ما ولّدَ ليس فقط عَوَراً سياسياً، وإنما خللاً على صعيد المشاعر أيضاً لدى كثيرين. تشويهٌ سببته عقودٌ من الحكم القمعي الذي مارس تمييزاً ممنهجاً على الجميع، وتمادى خلال العقد الأخير ضد الأكثرية بمستوىً أشدّ. للمفارقة، باسم تلك الحماية جرى غالباً التمييز بدلاً من الحدِّ منه.

اليوم يبدو من الخطورة بمكان، ليس فقط أن تتعامل الإدارة الجديدة بمنطق الغلبة والقهر ضد الأقليات، وهذا مقتلٌ وطني. لكن الأخطر أن ذلك سيؤدي إلى أن ترى الدول المؤثرة الأقليات كشركاء ضعفاء يحتاجون الحماية المباشرة، ما يعيد إنتاج منطق الوصاية، ويُجهض أيّ إمكانية لمواطنة متساوية.

بالتأكيد حماية الأقليات من أي تغوّل ضرورة إنسانية وأخلاقية، لكن لا يجب أن تكون على حساب العدالة ولا على حساب الأكثرية المضطهدة بدورها. المعادلة السليمة تبدأ من الاعتراف المتبادل بالمعاناة، وتأسيس دولة لا تحتاج فيها أي جماعة إلى حماية خاصة. طبعاً من البديهي، في كل بلاد الأرض، أن إنجاز هذه الخطوة هو أولاً مسؤولية الدولة (التي لم نحُزها بعد للأسف)، لأن الجميع يجب أن يعيشوا في ظل الدستور والقانون، لا في ظلال الطوائف والأعراق.

بالعودة إلى قريتنا. فقد حدث ما حدث فيها قبل سنوات. مع ذلك، في ظلّ السعار الطائفي والعرقي الحالي من الجميع، الذي ساهمت (النخب) في تأجيجه، خصوصاً بعد أحداث السويداء المريعة والكارثيّة، عادت لي فكرة أنّ أخي وأهلي هناك ارتضوا أن يكونوا مع ذاك الفروج الأبيض، الذي يذهب للذبح يومياً، في دورة حياةٍ دمويةٍ بدت طبيعيةً لصديقي. هم لم يقدّموا أنفسهم كأقلية، أو بصفتهم طيوراً نادرة بريشٍ ملوّن، بل ضاعوا مع الفراريج البيضاء، وشاركوا معها في كلّ شيء: التظاهر السلمي والاعتقال والاختفاء القسري. القتال وتلقّي الموت يومياً في بيوتهم. الحصار والجوع ومن ثمَّ التهجير بالباصات الخضراء، واللجوء.

حدث كلّ ذلك، ولم أكتب أي بيان شخصي، بل ولم أتحدّث عن الأمر إلا لماماً. كان الأمر بالنسبة لي قضية خاصة تستنزف المشاعر في الكثير من الأيام والليالي. أما كقضية عامة، فهي كباقي الجغرافيا السورية التي عانت من جرائم مماثلة، ومقتل كل سوري مهما كان انتماءه جريمة موصوفة بالنسبة لي، وأنا أعلم أن هناك في كل مدينة وقرية من كان يدفن قلبه مع أحبائه. طبعاً هذا كله لا يعني أنني ألوم من يدافع ضد موت أهله، فهذه فطرة بشرية.

اليوم، بينما أكتب هذه المادة، خطر لي، أكثر من مرّة، أن أجعل حكايتها رمزيةً دون تسميات، فأحوّلها إلى قصة قصيرة على لسان الفراريج والحساسين وطيور الكناري، متكئاً على ابن المقفّع في كتابه “كليلة ودمنة”، كي لا أخدش مشاعر أحد.

طبعاً فشلتُ في مجاراة ابن المقفع، أدبياً على الأقل. وعلى سيرة الأدب، ومن أجل بعض الإنصاف، ردّاً على تعميمات تمييزية وسطحية بدأت تظهر في الفضاء العام هذه الفترة، واضحة حيناً أو مع بعض المواربة في أحيان كثيرة، يلزم أن أقول، أنه في قريتنا الصغيرة، قرية الفراريج البيضاء، يوجد سبعة كتّاب لديهم كتباً مطبوعة ومنشورة، وأكثر من هذا العدد فنّانون تشكيليون أعضاء في نقابة الفنون الجميلة. نعم، فراريج بيضاء لكن تصادف أيضاً أنهم يجيدون الأدب والفنون والأخلاق، وتشييع الجنازات. تماماً مثل أهلك الطيبين يا صديقي.

تلفزيون سوريا

———————–

 مؤتمر الحوار الوطني.. العنوان المخادع/ مصطفى إبراهيم المصطفى

2025.07.31

رغم التسميات المؤثرة والهالات اللامعة التي تحيط بكل ما هو ذو علاقة بالوطن والوطنية والحوار الوطني، ليس بالضرورة أن يكون طرح فكرة “مؤتمر الحوار الوطني” حلاً سحرياً لوقف الهزات الارتدادية التي أربكت المشهد السوري بعد الزلزال الكبير الذي أطاح بنظام البطش الذي جثم على صدور السوريين لما يزيد على نصف قرن. في مقال سابق يحمل عنوان “على السوريين نسيان أطروحات الديمقراطية في الوقت الراهن”، شَكَّك المقال في مقولة الالتجاء إلى الديمقراطية كحل لبلد مكانه الطبيعي غرفة العناية المركزة، والتي تحتاج إلى السرعة في اتخاذ القرار، ولا تحتمل إجراء تجارب نتيجتها الحتمية هي الفوضى العارمة وضعف السلطة. واستناداً إلى المعطيات نفسها، قد ينتج عن مؤتمر الحوار الوطني ما هو أشد سوءاً.

الطريق إلى دولة القانون

مع مرور الزمن، طورت المجتمعات القبلية عدة مؤسسات سياسية، في مقدمتها المصدر المركزي للسلطة، الذي مارس احتكاراً فاعلاً لاستخدام القوة العسكرية فوق قطعة محددة من الأرض، وهذا ما يسمونه الدولة. لم تعد توازنات القوة الغاشمة بين مجموعات الأقارب تحفظ السلم، بل يحفظه جيش الدولة وجهاز شرطتها، اللذان أصبحا الآن قوة منظمة على الأرض تستطيع أيضاً الدفاع عن المجتمع ضد الدول المجاورة. ولم تعد حقوق الملكية محمية بسلطة القرابة، بل بسلطة المحاكم والأنظمة القضائية التي امتلكت حق حل النزاعات والتعويض عن الأضرار والإساءات.

مع مرور الزمن أيضاً، صيغت القواعد الاجتماعية على شكل قواعد مكتوبة بدل تركها عادات وتقاليد وأعرافاً غير رسمية. واستخدمت تلك القواعد الرسمية لتنظيم عملية توزيع السلطة داخل النظام، بغض النظر عن الأفراد الذين يمارسونها، والفترة الزمنية التي يمارسونها فيها. بعبارة أخرى، حلت المؤسسات محل القادة والزعماء الأفراد، ومنحت الأنظمة القضائية والقانونية – في نهاية المطاف – السلطة العليا في المجتمع، وهي سلطة اعتُبرت أعلى من سلطة الحكام الذين يتولون آنياً قيادة قوات الدولة المسلحة وبيروقراطيتها، وهذا ما بات يعرف بحكم القانون.

الفئات الميراثية

استناداً إلى عبارة “مع مرور الزمن”، علينا أن نتصور أن بعض المجتمعات قد وصلت إلى خط النهاية في رحلتها الطويلة نحو دولة القانون، وبعضها ما زال في أول الطريق، والبعض الآخر يتأرجح في المراتب بين هذين الحدين. وفي مجمل الأحوال، لا تأخذ عملية إحلال سلطة القانون محل سلطة الأعراف والتقاليد خطاً متصاعداً بشكل دائم، وإنما غالباً ما تتعرض هذه العملية لارتكاسات مختلفة الشدة. فالبشر بطبعهم لديهم نزعة فطرية لتفضيل الأسرة والأصدقاء والعشيرة، وهو ما يسميه “فوكوياما” “الميراثية”.

هذه النزعة تعيد تأكيد ذاتها باستمرار في غياب حوافز مضادة. مع الزمن، تتخندق الفئات المنظمة – وتتكون غالباً من الأغنياء وأصحاب السطوة والنفوذ – في مواقعها، وتبدأ في مطالبة الدولة بامتيازات خاصة. ولا تنفك الفئات الميراثية الراسخة تسعى إلى توسيع نطاق هيمنتها، أو تمنع الدولة من ردعها باستجابة مناسبة. ويحصل هذا غالباً بعد حقبة سلام واستقرار طويلة تفضي إلى أزمة مالية أو عسكرية. (هل من حالة مشابهة في سوريا اليوم؟ وهل هناك من يسعى لتوسيع نفوذه ويطالب الدولة بالحصول على امتيازات خاصة؟)

تشظي المجتمع

في وصف دقيق للتركيبة السكانية في سوريا، يقول “هينبوش”: إن التركيبة الجغرافية المعقدة لسوريا شكّلت أساساً بيئياً لتعددية اقتصادية اجتماعية عززت بدورها الاختلاف الثقافي. هذه التعددية، والاختراق القبلي المتواصل للمجتمع (بما في ذلك عادات الزواج من الجماعة نفسها)، والإنتاج المحلي القائم على الملكيات الصغيرة، وكذلك بدائية وسائل النقل والتواصل، هذه العوامل مجتمعة ولّدت وحافظت على بنية مجتمعية مجزأة وذات انقسامات عميقة، ولم تولد نظاماً شاملاً موحداً ينتج قوى مكافئة تشاركية.

لم يسلم هذا النسيج الاجتماعي الهش بطبيعته من عبث نظام البعث، الذي دأب على تكريس التشظي وتفخيخ المجتمع ليجعل من نفسه الضامن الوحيد لبقاء الدولة ولاستمرار وحدتها. هذه التركة بدأت تطفو على السطح منذ انطلاقة الثورة السورية، التي ما لبثت أن تحولت إلى قصة حزينة لا يخلو فصل من فصولها من مشاهد العذابات والآلام. وهكذا، كان من الطبيعي أن ينزلق المجتمع الهش أصلاً نحو مزيد من التمزق تحت وطأة عصبيات كامنة انفلتت من كوابحها، وأحالت المشهد إلى بيئة مشحونة بعواطف الشك والتوجس وانعدام الثقة.

مؤتمر الحوار الوطني السوري

إذاً، يريد دعاة المؤتمر الوطني من ممثلي مجتمع بلغ قمة التشظي والتخندق والاستقطاب وفقدان الثقة المتبادل، مجتمعاً يمر بمرحلة الانحطاط السياسي، تسعى القوى الميراثية فيه إلى توسيع نفوذها وتكاد تحيله إلى مجتمعات ما قبل الدولة، يريدون منه أن يُنجز مؤتمراً وطنياً يجترح الحلول لبلد يكاد يحتضر. بلد أكثر ما يحتاجه سلطة بصلاحيات واسعة تجعلها أكثر رشاقة في اتخاذ القرارات وإجراء ما يلزم لإنقاذ البلد الذي تتهدده عشرات المخاطر، ابتداءً بمخاطر المجاعة، مروراً بمخاطر الحرب الأهلية، وانتهاءً بمخاطر التقسيم.

إن موافقة الحكومة على رعاية مؤتمر كهذا سوف تعطيه من الشرعية ما يرقى إلى مستوى شرعية سلطة تشريعية منتخبة، وبناءً على المعطيات السابقة ستتركز جهود بعض الجماعات على الحصول على مزايا تمكنها من التعطيل دون امتلاكها للأكثرية اللازمة، وهي إن لم تحصل على هذا المطلب سوف تنسحب من مؤتمر الحوار كتطبيق فعلي لحق النقض. والنتيجة الحتمية ستكون استقطاباً مجتمعياً أكثر حدة من ذي قبل. بمعنى آخر، إن تورط الحكومة برعاية مؤتمر وطني يتوافق ورؤية القوى المطالبة به؛ سيضعها أمام خيارين: إما مواجهة تبعات الفشل، وإما الاسترضاء الذي سيفضي إلى نموذج مستنسخ عن النموذج العراقي أو النموذج اللبناني.

أخيراً، كل هذا لا يعني أن تنأى الحكومة بنفسها عن إشراك الجميع في العملية السياسية والإدارية، بل على العكس تماماً، فإشراك الجميع في إدارة العملية السياسية هو الحل الأمثل، على أن تكون هذه المشاركة قائمة على مبدأ المواطنة والكفاءة ومراعاة التركيبة السكانية للمجتمع السوري دون الوقوع في فخ المحاصصة المُقننة والمُدسترة.

تلفزيون سوريا

——————————

 إلى الأقلّويّات: أحمد الشّرع باقٍ/ رضوان السيد

2025-07-29

تثير أحداث السويداء أسئلة كثيرة. صحيح أنّ التدخّل الإسرائيلي كان الأبرز في المشهد، لكنّ في المشهد أيضاً قضايا كثيرة أخرى، ومنها العلائق بين الدروز والبدو،…

ماذا يعني تصريح المبعوث الأميركي عن عودة لبنان إلى بلاد الشام؟ ما هي حيثيّاته التاريخية ووقائعه السياسية ودلالاته العميقة؟ وهل هو اجتهاد أم زلّة لسان…

ماذا يعني تصريح المبعوث الأميركي عن عودة لبنان إلى بلاد الشام؟ ما هي حيثيّاته التاريخيّة ووقائعه السياسيّة ودلالاته العميقة؟ وهل هو اجتهاد أو زلّة لسان…

أحدثت أحداث السويداء ردود أفعال في سورية ولبنان. وهي ردود أفعال إعلامية وسياسية تعلن التخوّف من الحكم الجديد في سورية، مرّةً بداعي تطرّف النظام، ومرّة بالدعوة إلى تحالف الأقليّات. نظام أحمد الشرع باقٍ بدعم عربي ودولي. ولا داعي للهواجس والمخاوف والعودة لتجارب ثبت فشلها وضررها على الوطن والدولة.

عندما سقط نظام الأسد أواخر عام 2024، ما حسبتُ أنّ أحداً في المنطقة أسِف لسقوطه، ربّما باستثناء جماعات المحور الإيراني وأنصاره. وتردّد الطائفيون في العراق ولبنان لأنّهم صاروا يخشون فكرة حكم الأكثريّة، وهم يفضّلون عليها الذلّ والتذلّل واستمطار فضائل آل الأسد. وهم بهذا السلوك يفضّلون نظام المذابح على فكرة الدولتين المستقلّتين والمتعاونتين. كانوا يشكون مُرَّ الشكوى من عدم ترسيم الحدود ومن أساطير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا ومن كثرة اللاجئين السوريين، لكنّهم يتسابقون لزيارة الأسد ومعاونيه ولا يطلبون منه غير الرضا وتبويس اللحى!

بدلاً من التطلّع لما أنزلته الميليشيات التي ذهبت من لبنان لمساعدة الأسد ضدّ شعبه بالسوريّين وبسورية، راحوا يتبادلون الهمسات التي أطلقها بصوتٍ عالٍ الراحل حسن نصرالله بقوله إنّما ذهب إلى سورية لحماية المراقد والمزارات ولكي يمنع الإرهابيين من دخول لبنان(!).

متاعب النّظام الجديد

كنت أرى من زمان أنّه عندما يختلف “عقائديّو” الموارنة والشيعة تحدث الحرب الأهليّة، وعندما يتّفقون تنتهي الدولة وينهار النظام لأنّهم ينصرفون إلى تقاسُم الغنائم على حساب الوطن والدولة. وهذا الذي حصل بين 2006 و2024 عندما تحالف الجنرال عون مع حسن نصرالله.

راحوا بالآلاف إلى سورية لمقاتلة الشعب السوري واستولوا على مناطق شاسعة من سورية بعدما أجلوا عنها أهلها من ضاحية السيّدة زينب إلى القلمون وحمص وحلب ومدن الحدود العراقية في البوكمال والميادين.

حتّى الآن من بين 1,400 سجين سوري في لبنان ثلاثمئة محبوسون بتهمة معارضة النظام السوري، وكان الأمن العامّ وغيره قد سلّم المئات من السوريين إلى نظام الأسد بناءً على طلب النظام الساقط. وفجأةً عندما شاع أنّ نظام الشرع يطلب تسلُّم السجناء برزت فذلكات قانونية والحاجة إلى اتّفاقات للتسليم، بينما كانت الأجهزة الحريصة تعمل عند النظام السوري لخدمته بدون شورٍ ولا دستور.

بدلاً من التطلّع لما أنزلته الميليشيات التي ذهبت من لبنان لمساعدة الأسد ضدّ شعبه بالسوريّين وبسورية، راحوا يتبادلون الهمسات التي أطلقها بصوتٍ عالٍ حسن نصرالله

منذ عام 2013 وبعد غزو “الحزب” لبيروت عام 2008 أعلنت إيران أنّ “محور المقاومة” سيطر في أربع عواصم عربية هي: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، فيا أيّها الغيارى على السيادة من “الحزب” ومن الإعلاميين أين كنتم وما هو موقفكم تجاه إعلانات السيادة والاستيلاء؟

نحن من جهتنا رأينا بعد أسبوع من هروب الأسد أنّ النظام الجديد حقّق إنجازين كبيرين: إرغام الأسد على الهروب وإزالة نظامه، وإرغام إيران وكلّ ميليشياتها على مغادرة سورية! وما منّا مَن لم يتوقّع أنّه ستحدث للنظام الجديد متاعب ما دامت شعاراته: استعادة وحدة سورية، واستعادة استقرارها، وإعادة الإعمار ونظام العيش والحياة الطبيعية. وكان الواضح أنّ النظام الجديد لا يريد الاصطدام بعشرات الآلاف من الضبّاط العلويّين الذين كانوا عماد جيش الأسد ونظامه، فانتشرت فكرة المصالحات. لكنّ من لم يستطِع الهرب من كبار العسكر والميليشيات (الوطنية!) حاولوا التمرّد فصارت فتنة الساحل التي جرت فيها مظالم على المدنيين، ينبغي المحاسبة بشأنها. وهذا الذي قرّره الشرع بتشكيل لجنة متابعة وتحقيق قدّمت تقريرها أخيراً والمطلوب إنفاذ الوعود.

ثمّ حدثت حادثة الكنيسة التي قام بها الدواعش. وكان المقصود التعبير عن عداء “داعش” للشّرع وحكمه، وأنّه غير قادرٍ على نشر الهدوء والانضباط. فكيف تتصاعد صرخات الاحتجاج في لبنان وسورية واتّهامات النظام بالداعشيّة؟ ويومها بدأت الأصوات التي تقول بطائفيّة النظام وإنّه لا بدّ من النظر في إمكان عودة التحالف مع “الحزب” لحماية المسيحيين في وجه الأكثرية السنّية الطائفية.

تحالف الأقلّيات (ضدّ السنّة) فكرة يحملها الرئيس اللبناني السابق ميشال عون منذ التسعينيّات، وكان يعني بها نظام الأسد (العلويّ) و”الحزب” (الشيعي) مع المسيحيين

بين الوحدة والتّقسيم

تحالف الأقلّيات (ضدّ السنّة) فكرة يحملها الرئيس اللبناني السابق ميشال عون منذ التسعينيّات، وكان يعني بها نظام الأسد (العلويّ) و”الحزب” (الشيعي) مع المسيحيين. وما كانت الفكرة غائبة حتّى تحضر. لكنّني أعترف أنّ عمق الإحساس الأقلّوي بالتوجّس والخوف واللجوء من أجل الحماية إلى أيّ جهة، هو إدراكٌ لا أستطيع متابعته إلى الآخِر. وأنا أقارنه بالإحساس بالظلم لدى السنّة من النظام واستيلاء الشيعة والعونيّين عليه وتخليد أبنائهم في السجون بحجّة الإرهاب، والآن المظالم اللاحقة بهم في التعيينات! بصراحة كلّ ذلك لا أستطيع فهمه أو التضامن الكبير معه. فالذي يصبر على نظام الأسدين وإدارة التوحّش في سورية ولبنان ليس من حقّه التظلّم نتيجة تعيين أو عدم تعيين هذا او ذاك أيّها الناس!

إنّ حدث السويداء مختلفٌ عن كلّ الأحداث السابقة في عهد الشرع. ففي السنوات الثلاث الأخيرة برز حكمت الهجري وشكّل ميليشيا وعاونه بعض الدروز في إسرائيل بمعرفةٍ من النظام هناك. ولأنّ مخابرات الأسد تعرف بذلك ما تدخّل جيشه لضرب التمرّد خشية التدخّل الإسرائيلي، وقد كان الإسرائيليون يغيرون في كلّ مكان بسورية بحجّة مكافحة الوجود الإيراني.

مع قيام حكم الشرع ازدادت الغارات الإسرائيلية على كلّ مكان في سورية وتجاوزت في عمليّاتها حدود فصل القوّات القائمة منذ عام 1974. لقد احتلّت قمّة جبل الشيخ واقتربت من دمشق. كان الخلاف واضحاً بين أميركا وإسرائيل لهذه الجهة. فالأميركيون تواصلوا مع حكومة الشرع، والرئيس ترامب التقى به في المملكة بتوسّط وليّ العهد السعودي، ورفع العقوبات عن سورية. ومن رأيهم أنّ بقاء سورية موحّدة يخدم الاستقرار بالمنطقة، بينما يريد الأوروبيون والدول المحيطة بسورية إنهاء مشكلة التهجير. في حين يريد الإسرائيليون تصعيد الضغط لتقسيم سورية. لقد حرّضوا الأكراد وحثّوا الهجري على التمرّد فعمد إلى الاصطدام بالبدو داخل السويداء وهبّ البدو في المحيط القريب والبعيد لنجدة إخوانهم وأعلنوا بشكلٍ استفزازيٍّ النفير العامّ. وسط الاشتباكات المتصاعدة كان على الشرع أن يتدخّل فاستغاث الدروز وأجابت إسرائيل بالتدخّلات الصاعقة المعروفة في السويداء وفي دمشق. أعلنت إسرائيل أنّها حامية الدروز، وقد تعلن عن قريب حماية الأكراد!

.. وما تغيّر الموقفان السعودي والأميركي من الحكم الجديد في سورية وكذلك تركيا. السعوديون أتوا إلى دمشق لاستثمارات هائلة، وتوم بارّاك جمع مسؤولين سوريّين وإسرائيليّين بباريس. وهكذا العرب والأميركيون والأوروبيون يراهنون على الاستقرار في سورية.

لن يصحّ غير الصحيح. حكم سورية الجديد باقٍ ويتمتّع بدعمٍ عربي ودولي. وتردّدات النظام الأسدي والعدوانية الإسرائيلية تتسبّب في عقبات وحوائل واضطرابات

دعم عربيّ ودوليّ

المزاج اللبناني متقلّب تحت وطأة الإعلام وهواجس ووساوس الأقليّات، وتخاذل السنّة اللبنانيين. إذاً عادت أوساط مسيحية بلبنان للتقرّب من “الحزب” وحتّى إعلان التضامن مع الدروز المتمرّدين على النظام السوري الجديد. تهدأ الاضطرابات في سورية، لكنّ الإعلام اللبناني يتفلسف في نشر الخطط الإسرائيلية لإسقاط النظام. لا أحد يقبل الحكم السوري الجديد في لبنان، تارةً لأنّه ذو أصول متطرّفة، وطوراً لأنّه سنّي أكثريّ.

إنّ الطريف أنّ رئيس الجمهورية جوزف عون كان هو الذي وجد نفسه مضطرّاً إلى التدخّل. ففي استقباله لمفتي الجمهورية عبداللطيف دريان يوم الخميس في 24/7/2025 قال الرئيس: لكلّ جماعةٍ لبنانيّةٍ قيمة مضافة تقدّمها للبنان، خصوصاً جماعة السنّة التي تعطيه قيمتين كبيرتين: الاعتدال في الداخل، وتأكيد انتماء لبنان إلى محيطه العربي! المطلوب من سنّة لبنان الثقة بأنفسهم ودورهم وعدم الاختفاء وراء أصابعهم الكليلة.

لن يصحّ غير الصحيح. حكم سورية الجديد باقٍ ويتمتّع بدعمٍ عربي ودولي. وتردّدات النظام الأسدي والعدوانية الإسرائيلية تتسبّب في عقبات وحوائل واضطرابات. والانقسامات التي حدثت أيّام بشّار الأسد لم تنتهِ ذيولها، لكنّها لا تغيّر من إمكانات الاستقرار والتقدّم، فلا يمكن أن تظلذ سورية عالقة تحت سيطرة القلّة الأوليغارشيّة خوفاً من “الوقوع” تحت تأثير حكم الأكثريّة.  فلا بدّ من الانتهاء من حواديت أهل القلّة اللبنانية التي لا يعجبها العجب، وبخاصّة وهي مملوءة بالتذمّر الآن من تأمّلات توماس بارّاك ومبادرات الرئيس الفرنسي ماكرون.

أيّها المتوجّسون من سورية الجديدة، الذين قتلوكم وقتلونا طوال عقود هم الأسديون و”الحزب” المسلَّح. وعندكم تجارب مع حكومات الأقليّات ليس في سورية فقط، فلماذا هذه الطلعات الإعلامية والسياسية التي تبدأ ولا تنتهي. لا يمكن لسورية أن تخضع بعد اليوم لحكمٍ دمّرها، ومعظم الشعب السوري مع النظام الجديد. وأنا واثق أنّ علاقاته بلبنان ومسيحيّيه ومسيحيّي سورية ستكون أفضل بكثير من علاقات التبعية والرعب والموت التي كان الأسديون يمارسونها. فتحيّةً للدكتور سمير جعجع وتحيّةً للزعيم وليد جنبلاط اللذين أصغيا للمصالح العليا للبنان وسورية في هذه اللحظات الحاسمة في تاريخ البلدين، ولا بُدَّ دون الشَهد من إبَر النحلِ!

 ——————————-

إلى د. رَضوان السيّد: ديمقراطية سوريا.. واستقلال لبنان!/ بيار عقل

on 29 يوليو 2025

لعلّه كان أفضل للدكتور رضوان السيّد لو اقتصر على موضوع اختصاصه وهو « الدراسات الإسلامية »، أو  حتى « فقه القرون الوسطى »، بدل « الخوض »، الآن فقط، في الموضوع السوري الذي لم يُعرَف عنه « تعاطيه » فيه حينما كان مئات « المعارضين » في السجون، وحينما كان النظام الحقير يزهق أنفاس مئات الألوف من السوريين.

مقال الدكتور رضوان السيد، وعنوانه « إلى الأقلويات: أحمد الشرع باقٍ »، ينضحُ بتهديدٍ صريح لجماعاتٍ تُعبَّرُ عن تنوّع سوري جميل، ويُذكّر بـ « نظام المِلَل » العثماني.. البائد، أكثر مما يشير إلى مستقبل سوريا كما يتمناه، ربما، معظم السوريين.

وصراحةً، لا نعتقد أن المقال يعبّر فعلاً عن موقف المملكة العربية السعودية التي لم تستخدم يوماً مثل هذه النبرة التهديدية إزاء مواطنين عرب أياً كان انتماؤهم الطائفي!

بدايةً، « نظام الشرع باقٍ ». صحيح. والحقيقة أن « أحداً» لا يسعى، الآن، لإسقاطه.

جاء نظام أحمد الشرع نتيجة تفاهم أميركي مع جماعة من الأصوليين السوريين يقودها السيد أحمد الشرع الذي تخلّى عن حلفاؤه السابقين من « القاعدة » و« داعش ».

وهذا يُحسَب له وليس عليه.  

ليس واضحاً حتى الآن ما هو الدور الذي لعبته روسيا، ولكن من الواضح أن الأميركيين أدخلوا تركيا على الخط السوري بعد تفاهمهم مع الشرع. ومن الواضح أيضاً أنه لولا تدخل السعودية الباهر لكانت سوريا المثخنة والمُنهكة ستظل خاضعة للعقوبات الأميركية إلى زمن بعيد (مثل كوبا). وهذا يُحسب للسعودية التي دعمت نظاماً يقطع طريق طهران ـ بيروت، كما يخفّف من نفوذ روسيا وحتى الصين (كما يرغب الأميركيون أيضاً).

إذا، لا أحد يسعى لإسقاط نظام السيد أحمد الشرع!  حتى إسرائيل!

ولكن ذلك كله ليس « القصة كلها »!

،عبثاً، بحثنا  في مقال المفكر والاستاذ الجامعي الدكتور رضوان السيد عن مفاهيم مثل « الدستور » و« الديمقراطية » و « البرلمان »، أو حتى « الإخاء » و« المساواة » التي راجت حتى في عهد « السلطان عبد الحميد » العثماني، فلم نجدها! بحثنا عن كلمة « الحرية »، لم نجدها!

وبالمناسبة، أنا نشرت في « الشفاف » أول « مسودة دستور سوري » لفترة ما بعد الأسد، أعدّها المحامي أنور البني، في العام 2005. أي قبل 20 عاماً. ثم نشرنا نسخة أكثر تطوّراً في العام 2024. لا يبدو أن الدكتور رضوان السيد يعرف ذلك لانشغاله بـ »المِلَل والنِحَل »!

هل يعتقد الدكتور رضوان السيد أن « إعلان دمشق » وكل إعلانات المعارضين السوريين كان موضوعها الوحيد استبدال « الأسد » بمستبدّ آخر؟ او استبدال طائفة بأخرى؟ وهل وجد في أي من أدبيات المعارضين السوريين مطلباً من نوع « دين الدولة الإسلام » ورئيس الدولة « سنُي ».

هل تذكّر د. رضوان السيّد”رزان زيتونة“، وعلي العبدالله، وميشال كيلو، ورياض الترك، ورياض سيف، وأنور البني، وجورج كتن، والدكتور منير شحّود،  واللبناني سمير قصير، ومئات غيرهم (وليعذروني.. لكثرتهم!) ممن عاشوا أو ماتوا من أجل سوريا ديمقراطية وتعددية؟

ماذا بعدَ بقاء احمد الشرع، الذي لا يطالب أحد بإسقاطه حتى الان؟

أي نظام سيحكم سوريا؟ أية أحزاب؟  هل ستعود سوريا إلى ما يشبه النظام   البرلماني والديمقراطي، أم هل ستغدو « إمارة إسلامية » نكايةً بالعلويين والدروز؟ هل يقتصر موضوع « الاكثرية » و « الأقلية » على الطوائف، أم أنه يمكن أن يعني الأكثريات والأقليات السياسية؟ واستطراداً، هل سيكون في سوريا صحف وتلفزيونات حرة؟ أم هل ستبقى في « نظام الحزب الواحد »؟

هذه أسئلة كنا نتمنى أن نسمعها من « مفكر » و »أستاذ جامعي » بمرتبة الدكتور رضوان السيد!

 نظام أحمد الشرع باقٍ الآن، وهو يحظى بدعم أميركي وسعودي وتركي وأوروبي واضح. وربما يعتبره معظم السوريين أفضل الموجود للحؤول دون تشرذم البلاد ومسلسل حروب أهلية.

لكن من يسميهم الدكتور رضوان « أقليات » هم مواطنون سوريون، وليسوا « أضراراً عرضية »، يتم ذبحها في « الساحل » وفي « السويداء ». وهم يطمحون لأن يكونوا « مواطنين » وليس « رعايا »!

كنا نتمنى على “المفكر الاسلامي” ان يبشر السوريين والشرع بنظام مدني في عصر العولمة والانفتاح العالمي، وليس بنظام يستلهم الشريعة الاسلامية ليتم استبدال الاستبداد العلوي باستبداد سني، بدولة طلب رئيسها مهلة خمس سنوات لانجاز دستورها! هل سيخترع البارود لكتابة دستور لسوريا علما ان هناك محاولتين سابقتين كان بامكانه الاستعانة بهما!

هل الذين أسقطوا نظام الاسد هم الشرع واعوانه؟

لقد بدأت الثورة السورية « سلمية سلمية » وانخرط فيها عامة الشعب السوري، فكان الاجدى بالدكتور رضوان، ان يلفت نظر الشرع الى ان جميع السوريين شركاء في الانتصار، قبل الايغور والشيشان والآذريين وشذاذ الآفاق من “الاسلامويين”، الذين وان نزعت عنهم اميركا صفة الارهابيين لا يغير في طبيعتهم اي شيء.

كلمة اخيرة: لا تعوَضوا « عِقدكم » اللبنانية في سوريا لفترة ما بعد الأسد!

————————-

خارطة طريق لحل أزمة محافظة السويداء

29 تموز 2025

مركز المواطنة المتساوية

في ظل التصعيد الخطير الذي شهدته محافظة السويداء مؤخراً،ومع تزايد منسوب العنف واتساع رقعة الانقسام المجتمعي والسياسي، برزت الحاجة الملحة إلى مقاربة واقعية وشاملة تنطلق من المصلحة الوطنية السورية وتؤسس لحل سياسي عادل ومتوازن. لقد مثلت الأحداث الدامية التي شهدتها المحافظة نقطة تحول تنذر بمخاطر جدية على السلم الأهلي ووحدة البلاد ليس فقط في الجنوب السوري بل على امتداد الجغرافية السورية. إن خطر الإنزلاق نحو حرب أهلية يتزايد لا سيما في ظل بيئة إقليمية ودولية مضطربة وتدخلات خارجية واضحة تحاول استثمار الأزمة الداخلية السورية وتوظيفها لفرض مشاريع تفتييت وتقسيم تستهدف بنية الدولة والمجتمع على حد سواء.

إن قراءة ماجرى في السويداء بمعزل عن السياق السوري الأوسع أو تسطيح أسبابه إلى أحداث أمنية موضوعية هو خطأ فادح قد يقود إلى تكرار الكارثة فالمشكلة الأعمق من مجرد مواجهة بين السلطة وفصيل محلي إنها انعكاس لفشل منهجي في إدارة الأزمات السياسية والاجتماعية ولسياسات التهميش والانغلاق الأمني والإفلات من العقاب وهي سياسات تراكمت على مدى سنوات طويلة.

وانطلاقاص من مسؤوليتنا الأخلاقية والسياسية والوطنية فإننا نتقدم بهذه القراءة الأولية التي تتوخى الموضوعية محاوليين تحديد المسؤوليات بوضوح كي نستطيع الانتقال إلى رسم معالم الحل آملين أن تقوم هذه الورقة بفتح أوسع حوار سياسي ومدني ومجتمعي يكون هدفه الأساسي الحفاظ على وحدة سورية واستقلالها وسيادتها وسلامة مواطنيها وحقهم في حياة آمنة وكريمة.

إننا نطمح لأوسع مشاركة تحليلية ونقدية لهذه الورقة وصولا إلى رسم المسار التشاركي الذي ينقذ سورية وينقذنا

للإطلاع على الملف اضغط هنا

———————————

هل لزيارة الشيباني المفاجئة لموسكو علاقة بتطورات الوضع في الجنوب السوري؟

أول زيارة لمسؤول سوري منذ إطاحة الأسد وبدعوة سابقة من لافروف

موسكو: رائد جبر

30 يوليو 2025 م

نقلت وسائل إعلام سورية وروسية متطابقة أن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، توجه، مساء الأربعاء، إلى موسكو في زيارة لم يعلن عنها مسبقاً. وينتظر أن يعقد الخميس جولات من المحادثات مع عدد من المسؤولين الروس وفقاً لتأكيد مصادر تحدثت إلى قناة «روسيا اليوم» الحكومية.

وتعد هذه أول زيارة يقوم بها مسؤول سوري إلى العاصمة الروسية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

ورغم أنه كان متوقعاً أن يقوم الشيباني بزيارة إلى العاصمة الروسية، منذ أن وجه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف دعوة رسمية له لزيارة موسكو نهاية مايو (أيار) الماضي، لكن الإعلان المفاجئ عن الزيارة قبلها بساعات فقط ومن دون الكشف عن ترتيبات مسبقة، عكس كما قال مصدر روسي لـ«الشرق الأوسط»، إن الاتفاق النهائي على موعدها «قد يكون جرى بسرعة وربما كان مرتبطاً بتطورات الوضع في الجنوب السوري، والاتصال الذي أجراه يوم الاثنين، الرئيس فلاديمير بوتين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو».

وكان لافروف قد أعلن أن توجيه الدعوة إلى الشيباني لزيارة موسكو، جاء استجابة لنصيحة تركية، وقال في حينها: «بدعوة طيبة من صديقي (وزير الخارجية التركي) هاكان فيدان، وجهنا الدعوة للسيد الشيباني لزيارة روسيا». وسبق أن التقى الوزيران لافروف والشيباني في العاصمة التركية في فبراير (شباط) الماضي.

عموماً، تُعد الزيارة التطور الأبرز في العلاقة بين القيادة السورية الجديدة وروسيا، الداعم الأبرز لرئيس النظام المخلوع. لكن الطرفين كانا قد أعربا عن استعداد لتطبيع العلاقات وتبادلا عدداً من الرسائل التي وصفت بأنها «إيجابية». وقال الرئيس السوري أحمد الشرع في وقت سابق، إن روسيا «دولة مهمة وهي ثاني أقوى دولة في العالم، وتربطنا بها مصالح استراتيجية عميقة».

بدوره أكد الرئيس فلاديمير بوتين في رسالة وجهها إلى الشرع، في مارس (آذار) الماضي، استعداد بلاده لـ«تطوير التعاون العملي مع السلطات السورية في كل المجالات».

وقال الناطق الرئاسي الروسي، ديمتري بيسكوف، إن الرسالة حملت تأييداً لجهود القيادة السورية الموجهة نحو «تحقيق الاستقرار السريع للوضع في البلاد بما يخدم ضمان سيادتها ووحدتها وسلامة أراضيها».

وكانت موسكو قد أعلنت أنها أطلقت سلسلة من الاتصالات الروسية مع دمشق، تهدف إلى ترتيب العلاقة الجديدة بين البلدين. وأكدت أنها تضع ضمن أولوياتها ضمان المصالح الروسية وخصوصا ما يتعلق بالوجود العسكري الروسي في قاعدتي «حميميم و«طرطوس» فضلاً عن استئناف التعاون في المجالات المختلفة.

وتبادل الطرفان عبر قنوات الاتصال مطالب محددة، بينها من الجانب السوري ضرورة أن تسهم موسكو في إرساء مبادئ العدالة الانتقالية، في إشارة إلى فرار مسؤولين سابقين بينهم الأسد إلى موسكو ومعطيات عن تهريب مبالغ ضخمة من الأموال إلى روسيا.

من جانبها أكدت موسكو استعدادها لتقديم العون في ملفات عدة بينها إعادة إعمار بعض منشآت البنى التحتية، خصوصاً تلك التي أسهمت روسيا والاتحاد السوفياتي السابق بتشييدها، وتحدث مسؤولون روس عن احتمال أن تذهب موسكو لتخفيف أعباء السلطات السورية الجديدة عبر إعفاء سوريا من الديون المستحقة لموسكو.

وفي 20 يوليو (تموز)، أعلن نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، الذي أعفي لاحقاً من منصبه، أن بلاده تواصل اتصالاتها مع الحكومة السورية بشأن مستقبل القواعد العسكرية الروسية في البلاد، معرباً عن أمله في التوصل إلى تفاهم يحفظ مصالح الطرفين. وأضاف بوغدانوف، في تصريح خلال مشاركته في منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي: «نحن على تواصل بالطبع، وكل شيء يسير جيداً حتى الآن، وآمل أن نتوصل إلى تفاهم مع السلطات الجديدة. لقد جرت فعلياً محادثات بهذا الشأن».

وأشار بوغدانوف في حينها إلى أنه يتوقع أن يلبي الشيباني الدعوة الموجهة له لزيارة موسكو قريباً، وأوضح أن الزيارة المرتقبة تهدف إلى مناقشة العلاقات بين البلدين، بما في ذلك التعاون العسكري والسياسي والاقتصادي، مؤكداً أن بلاده ترى أهمية كبرى في الحفاظ على علاقات وثيقة ومستقرة مع سوريا في المرحلة المقبلة. ولفت المسؤول الروسي إلى أن الحوار مع الجانب السوري بشأن مستقبل القواعد الروسية في سوريا، أي قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية وقاعدة طرطوس البحرية، مستمرة، وأن الحوار يجري «بروح من التفاهم المتبادل».

ورغم أن الدعوة الروسية طُرحت ضمن ما يوصف بتعزيز التعاون الثنائي، إلا أن هناك تفسيرات ترى أن زيارة الشيباني تأتي في إطار أوسع على خلفية محاولات موسكو تثبيت تموضعها الاستراتيجي في سوريا في مرحلة ما بعد بشار الأسد.

ووفقاً لتحليل نشره مجلس الشرق الأوسط بمعهد «كارنيغي» في يونيو (حزيران) الماضي، تسعى موسكو إلى تجديد حضورها في مواقع حيوية، من بينها ميناء طرطوس، وقواعد عسكرية في الساحل السوري، من خلال اتفاقات بعيدة المدى تضمن لها منفذاً دائماً إلى شرق المتوسط.

وبدا أن العنصر الجديد الذي قاد إلى تسريع ترتيب الزيارة مرتبط بتطورات الوضع في الجنوب السوري والتصعيد الإسرائيلي المتواصل ضد سوريا. خصوصاً أن بوتين أجرى قبل يومين اتصالاً هاتفياً مع نتنياهو بحث خلاله الطرفان التطورات المحيطة بالوضع في الجنوب السوري، وأكد خلاله الرئيس الروسي التزام بلاده بمبدأ وحدة وسلامة الأراضي السورية.

——————————-

وزير الإعلام السوري: أطراف داخلية تخدم إسرائيل لحسابات سياسية ضيقة

31 تموز 2025

دمشق: قال وزير الإعلام السوري حمزة مصطفى، الخميس، إن إسرائيل لا ترغب بوجود سوريا موحدة ومستقرة، واتهم أطرافا في الداخل بـ “خدمة السياسات الإسرائيلية من أجل حسابات سياسية ضيقة”.

جاء ذلك في مقابلة خاصة مع الأناضول، تطرق خلالها مصطفى إلى وقف إطلاق النار في محافظة السويداء جنوبي سوريا، والاعتداءات الإسرائيلية، إضافة إلى المحادثات المتعلقة بالاتفاق بين الحكومة وما يسمى قوات “قسد” (واجهة تنظيم “بي كي كي/ واي بي جي” .

الدولة لم تتدخل عسكريا بالسويداء

في ما يتعلق بأحداث السويداء في يوليو/ تموز الجاري، أكد مصطفى أن وقف إطلاق النار الذي حصل فيها جاء نتيجة وساطات عدة دول، بينها الولايات المتحدة الأمريكية.

وقال: “بعد العدوان الإسرائيلي على دمشق، أتيحت مساحة للتحرك نحو الحلول السياسية في السويداء والتي شكلت الخيارات المطروحة من قبل الدولة التي لم تقم بأي عملية عسكرية، ولم تكن لديها نية لذلك”.

وتابع مصطفى أن “الدولة، وعلى مدار الأشهر الستة الماضية، حاولت إعمال هذه الحلول وتوصلت إلى مجموعة من التفاهمات مع مختلف الفصائل السياسية والعسكرية في السويداء، بما في ذلك الشيخ حكمت الهجري (أحد مشايخ عقل الدروز)”.

وأضاف: “الدولة قدمت تنازلات كثيرة، بما فيها الضابطة العدلية التي أصرّت بعض فصائل السويداء على أن تكون من ضمن المدينة، لذلك، المقاربات والحلول السياسية واضحة وهذا أقصى شيء يمكن الوصول إليه، وأقصى مطالب قدّمتها الفصائل الموجودة داخل السويداء”.

وأشار مصطفى إلى أن “التوترات القديمة بين الدروز والبدو التي تعود إلى عقود مضت، تفجّرت ووضعت الدولة أمام مسؤولية إما أن تستجيب لها وتشكل قوات فصل، أو أن تبقى على الحياد ويؤدي ذلك إلى تراكم المسؤولية عليها”، وأكد أن “التدخل العسكري الذي جرى في السويداء لم يكن عملًا مخططًا له مسبقا”.

ولفت إلى أن وقف إطلاق النار في السويداء هو “نوع من أنواع التفاهمات” أكثر من كونه اتفاقًا مكتوبًا، مبينًا أنه يتكوّن من 3 مراحل.

وبحسب مصطفى، تتمثل المرحلة الأولى في فضّ الاشتباكات وسحب القوات (الحكومية) من مدينة السويداء، وإخراج المجموعات القتالية التابعة للعشائر التي دخلت المدينة، وأن تعيد الدولة انتشارها في الريف من أجل ضمان عدم تجدد الاشتباكات.

وأضاف: “حصل هذا خلال 3 أيام تقريبا، رغم وجود بعض المجموعات الخارجة عن القانون التابعة للهجري التي حاولت في مرات كثيرة خرق اتفاق وقف إطلاق النار أو القيام بإجراءات استفزازية”.

ولفت إلى أن “وقف إطلاق النار كان هشّا عندما بدأ، لكنه تعزّز في اليوم الثاني، وفي اليوم الثالث كانت نتائجه أفضل، ووصلنا إلى حالة من وقف إطلاق النار مقبولة تؤهلنا للدخول بالمرحلة الثانية”.

وأشار إلى أنه نتيجة الاشتباكات، أصيبت السويداء بنقص فيما يتعلق بالاحتياجات الأساسية كالوقود أو الخبز، وتضررت بعض القطاعات الحيوية فيها مثل الاتصالات والانترنت، وانقطاع التبادل التجاري، ما أدى إلى نقص حاد في احتياجات المدن.

وشدد مصطفى على أن “الدولة تقارب مواطنيها بسواسية، ومسؤوليتها تمتد إلى جميع مواطنيها بغض النظر عن انتماءاتهم”.

وأكد أن الدولة تتحمل مسؤوليتها لجهة إيصال المساعدات الإنسانية، وهو ما قامت به، وأضاف: “عقلية الدولة مختلفة عن عقلية الفئة وعقلية الجماعة، فلا شك أن جماعة الهجري وجماعات أخرى مشابهة أكبر أو أصغر، تفكر تفكيرا انعزاليًا وفئويا، وتحرص على إيجاد نوع من أنواع الرواية المؤيّدة لها”.

 جماعة الهجري تمنع دخول المساعدات

ورأى مصطفى أن الهجري “خاطر أو قامر” بمستقبل السويداء، مبينًا أنه “لا ينبغي أن تكون فكرة وجود حصار مطروحة نهائيًا، وليست في واقع أي سوري وطني”.

وفي هذا السياق، شدد مصطفى على أن الهجري استأثر بالمساعدات التي أدخلتها الدولة، ويحاول أحيانا استخدامها لـ”شراء الولاءات ومعاقبة الخصوم داخل السويداء”.

الوزير السوري أكد “رفض أي دعوات سواء في وسائل التواصل الاجتماعي أو من قبل الخطاب الطائفي والكانتوني الصادر عن جماعات خارجة عن القانون السوري”.

وأفاد أن “خطاب الدولة كان واضحًا يتمثل في أن حياة المدنيين يجب أن تبقى خارج أي توظيف سياسي وأن الخصومة السياسية تفترض تحييدهم”، مؤكدًا أن حمايتهم وتأمين احتياجاتهم في السويداء هي من مسؤولية الدولة.

وفيما يخص مزاعم حصار السويداء، شدد مصطفى على أن الدولة ليست طرفًا في أي شيء يعيق دخول المساعدات الإنسانية إلى السويداء، وأن جماعة الهجري هي من يعيق دخول المساعدات الإنسانية.

 نتنياهو يخاطر بالمنطقة

وتطرق مصطفى إلى موقف إسرائيل فيما يخص السويداء، مبينًا أن رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو “يخاطر بالمنطقة خدمةً لمستقبله السياسي”.

وأشار إلى أن المسألة في غزة وصلت إلى حد الافتراق مع الدول الغربية الحليفة لإسرائيل فيما يتعلق على الأقل بالأزمة الإنسانية.

وقال: “إسرائيل لا تنظر بإيجابية لوجود سوريا جديدة، لذلك تريد جعلها غير مستقرة وممزقة، وللأسف بعض الجهات الداخلية تحاول إعمال حسابات سياسية ضيقة باللعب على الحسابات الإسرائيلية، وهذا بالضبط ما حصل السويداء”.

وأكد أن “إسرائيل لم تتدخل يومًا لحماية الدروز”، وأضاف: “الجميع مطالب أن ينظر إلى وضعية الدروز داخل إسرائيل”، وأشار إلى أنها “لا تدعم الدروز، بل هي تضطهدهم داخل الخط الأخضر”.

وبيّن أن إسرائيل “تريد من خلال هذه الجماعات تطبيق تجربتها فيما يتعلق بالدروز داخل الخط الأخضر على الواقع السوري، وهي تعرف أن الغالبية العظمى من السوريين الدروز عينهم دائمًا باتجاه دمشق، ولا يرون ولم يروا يومًا في إسرائيل إلا احتلالًا”.

دور أمريكي مساعد بالسويداء

وحول الدور الأمريكي، ذكر مصطفى أن الولايات المتحدة مهتمة باستقرار سوريا من أجل مصالح مشتركة مع دمشق، مثل هزيمة تنظيم داعش نهائيًا ومواجهة النفوذ الإيراني.

وقال: “سوريا تحرص دائمًا على إقامة علاقات سيادية مع جميع الأطراف، وتنظر برؤيه منفتحة غير خشبية أكثر مرونة، آخذين بعين الاعتبار أن منطقة الشرق الأوسط صعبة ومليئة بالكثير من الانفجارات والظروف السياسية الدقيقة”.

وتابع أن “الإدارة السياسية هي مسألة سورية- سورية بحتة، لذلك يوجد للولايات المتحدة الأمريكية دور مساعد لا يمكن توصيفه بأكثر من ذلك”.

 الحكومة تعترف بأخطائها بشجاعة

وتطرق مصطفى إلى الانتهاكات التي وقعت خلال الاشتباكات بين عشائر البدو وجماعات درزية في السويداء، وقال: “الكثير من المقاطع المصورة تظهر انتهاكات لم ترتكبها القوات الحكومية، لكن القوات الحكومية ارتكبت انتهاكات، ونحن مهتمون بإجلاء الحقيقة لأن كل مواطن وكل فرد سوري يهم سوريا الجديدة”.

وتابع: “الحكومة لديها الشجاعة والقدرة على الاعتراف دائما بأخطائها، وتدرك أن مسألة تحييد الإعلام أو ممارسة الانتقائية في الإعلام قد تنفع على المدى المؤقت لبعض الجماعات، لكن على المدى الطويل لن تنفع ولن تؤتي بنتائج كبيرة”، وأعرب عن إيمان الحكومة بأهمية حرية الإعلام والصحافة.

وأكد مصطفى أن الحكومة تدرك أن سوريا تجتاز مرحلة انتقالية صعبة، وأن هناك تحولات كبيرة على مستوى فكرة بناء دولة وجيش احترافي.

وأشار إلى أن الانقسامات الاجتماعية “ولّدت لكثير من الضغائن والأحقاد”، وأن سوريا في بداية الطريق نحو “جيش محترف”.

وتطرّق الوزير إلى جهود جماعات غير قانونية (لم يحددها) لإقامة كيان كانتوني طائفي، وقال: “الحلول التقسيمية والكانتونية فشلت في التاريخ ولن تنجح، وعزل السويداء عن سوريا تاريخيا وشعبيا يتنافى مع الاتجاه الوطني لسكانها، عدا عن صعوبة التطبيق على أرض الواقع”.

ومنذ مساء 19 يوليو/ تموز الجاري، تشهد السويداء وقفا لإطلاق النار عقب اشتباكات مسلحة دامت أسبوعا بين مجموعات درزية وعشائر بدوية، خلفت 426 قتيلا، وفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

وتحت ذريعة “حماية الدروز” استغلت إسرائيل تلك الأوضاع وصعّدت عدوانها على سوريا، وشنت في 16 يوليو الجاري غارات مكثفة على 4 محافظات، وقصفت مقر هيئة الأركان ومحيط القصر الرئاسي في دمشق.

وضمن مساعيها لاحتواء الأزمة، أعلنت الحكومة السورية 4 اتفاقات لوقف إطلاق النار بالسويداء، أحدثها مستمر منذ 19 يوليو الجاري.

 اندماج شمال شرقي سوريا

بالحديث عن مسألة شمال شرق سوريا، شدد مصطفى على أن محور اجتماعات باريس يمثل بتسهيل أو الضغط على تنظيم “بي كي كي/ واي بي جي” المسمى “قسد” من أجل الالتزام باتفاق 10 مارس/ آذار الموقع مع حكومة دمشق.

وفي 10 مارس الماضي، وقّع الرئيس السوري أحمد الشرع، وقائد ما تسمى قوات “قسد”، فرهاد عبدي شاهين، اتفاقا لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز، وتأكيد وحدة أراضي سوريا، ورفض التقسيم.

وفي 25 يوليو الجاري، أعلنت الحكومة السورية أنها ستعقد جولة من المشاورات مع ما يسمى قوات “قسد”، في باريس، بأقرب وقت ممكن لاستكمال تنفيذ اتفاق العاشر من آذار بشكل كامل”.

جاء ذلك في بيان سوري فرنسي أمريكي مشترك نشرته الخارجية السورية عبر منصة إكس.

وفي هذا السياق، ذكر الوزير السوري أن هناك “مجموعة من المبادرات التدريجية التي يجب أن تحصل بموجب الاتفاق”، مؤكدًا أن الدولة السورية أوفت بالتزاماتها كما فعلت في السويداء.

وشدد أن “قسد” تقول إنها “ملتزمة بتطبيق الاتفاق في العموميات، ولكن على أرض الواقع لم يحصل حتى الآن تقدم”.

كما تطرّق إلى موقف تركيا الداعم لوحدة سوريا ومعارضة وجود تنظيم إرهابي شمالي البلاد، وقال: “هذه تصريحات دائمة على لسان الحكومات التركية المتعاقبة”.

وشدد على أن “هناك فرصة سياسية كبيرة بالنسبة لقسد، وهي أن الوصول إلى اتفاقات تضمن وجودا فاعلا لها في مستقبل سوريا يكون ضمن الأعمدة الثلاثة الرئيسية التي لا يمكن التنازل عنها وهي: بلد واحد، وحكومة واحدة، وجيش واحد”.

وأكد مصطفى أن سوريا على مدار الأربعة عشر عاما الماضية “واجهت تحديات كبيرة حتى في كيانها وبقائها كما هي، لأن نظام الأسد كان على استعداد أن يفعل المستحيل من أجل البقاء، بما في ذلك تقسيم البلد أو وهبها لقوة خارجية ودول إقليمية”.

واستدرك: “لكن بفضل التحرير وصلنا إلى فرصة تاريخية تكتنفها الكثير من التحديات، إلا أن وحدة الشعب السوري ووحدة أراضيه ومستقبله المزدهر في بلد واحد وشعب واحد، هذه مسألة حتمية لا يمكن لأحد التنازل عنها”.

واختتم الوزير السوري حديثه بالتأكيد على أن “الحلول السياسية دائمًا هي المفضلة للوصول إلى هذا الحلم، الذي يخص وجود الشعب السوري وسوريا، وليس خاصا بسياسة حكومة ولا باستراتيجية وزير ولا ضمن التفاهمات الدولية”.

(وكالات)

————————————-

اجتماع سوري ــ إسرائيلي جديد اليوم

مصدر دبلوماسي: اللقاء يُعقد في باكو ويتمحور حول الوضع الأمني

باريس: «الشرق الأوسط»

31 يوليو 2025 م

قال مصدر دبلوماسي إن وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، سيعقدان اجتماعاً جديداً اليوم (الخميس)، في العاصمة الأذربيجانية باكو.

وأوضح المصدر الدبلوماسي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن اللقاء يتمحور حول «الوضع الأمني خصوصاً في جنوب سوريا».

وعُقد لقاء سابق بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين في 12 يوليو (تموز) الحالي في باكو، على هامش زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى أذربيجان، حسب مصدر دبلوماسي في دمشق. ويعد اجتماع باكو الوزاري هو الثاني بين الشيباني وديرمر بعد لقاء مماثل استضافته باريس برعاية أميركية الأسبوع الماضي.

ومن المقرر أن يكون اجتماع باكو بعد زيارة يُجريها الشيباني لموسكو اليوم (الخميس) أيضاً. وأُعلنت زيارة موسكو «بشكل مفاجئ»، فسَّرها مصدر روسي لـ«الشرق الأوسط» بالقول إنها «قد تكون جرت بسرعة وربما كانت مرتبطة بتطورات الوضع في الجنوب السوري، والاتصال الذي أجراه يوم الاثنين، الرئيس فلاديمير بوتين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو».

——————————

ليست رأس الهرم الديني، ماذا نعرف عن “مشيخة العقل” لدى الدروز؟/ أميمة الشاذلي

26 يوليو/ تموز 2025

بعد الاشتباكات الدامية الأخيرة في السويداء بسوريا، حيث الكثافة السكانية الدرزية، برز اسما الزعيمين الدرزيين الشيخ يوسف جربوع، والشيخ حكمت الهجري، وكلاهما يحمل اللقب الديني شيخ العقل، إضافة إلى الشيخ سامي أبو المنى.

فماذا تعني “مشيخة العقل”؟ ومتى نشأت؟ ولماذا؟

العقل لدى الدروز

جاء في كتاب “مناقب الدروز في العقيدة والتاريخ” للدكتور سامي أبو شقرا نقلاً عن الشيخ عبد الغفار تقي الدين قوله: “لقد جعل الله للوجود علة وسبباً يتنزه به عن المباشَرة لإبداع الكائنات بذاته، هذه العلة هي العقل”.

ويقول شيخ العقل السابق في لبنان، نعيم حسن، إن العقل بالنسبة للموحدين “هو في المحل الأرفع، يقترن بالشرع الحق ويقود الإنسان بنوره”.

وأضاف في كتابه (الدليل إلى التوحيد) أن الدروز يُطلقون لقب “العقّال” على من وَعَوا عن الله أمره ونهيه وعملوا بمراده، وآمنوا أن العقل يجب أن يتوافق مع الشرع.

ومع ذلك، شدد سعيد أبو زكي، أستاذ التاريخ والأخلاق بالجامعة اللبنانية الأمريكية، على أن لقب العقّال “لا صلة له بمفهوم العقل الوجودي”، على عكس تفسير بعض الباحثين، “فلا يستقيم أن يكون شيخ العقل شيخاً لعلة الوجود، وكأنه شيخ لما هو أعلى منه”.

ويقول سعيد أبو زكي، في حديث خاص لبي بي سي، إنه كان يطلق على المتدينين “العُقّال” ومفردها عاقل، على عكس “الجُهّال”.

ولا يقتصر لقب العُقال على الرجال، حيث يُطلق أيضاً على المرأة الدرزية المتدينة “العاقلة”. وهناك “نساء عاقلات يبرزن بالتقوى والفضيلة الدينية، فيُكرّمن ويُقصدن أحياناً للمشورة، ويطلق عليهن لقب الست”، بحسب أبو زكي الباحث في تاريخ الدروز.

وأضاف أبو زكي أنه عند وفاة إحدى هؤلاء العاقلات، قد يُدفنّ بمدفن خاص، وتُنصَب عليه شواهد تذكر بعض فضائلهن، فيصبح مزاراً دينياً، ضارباً مثالاً بالست فاخرة البعيني من قرية مزرعة الشوف في القرن التاسع عشر؛ وهو تقليد غير ثابت. ومع ذلك فالدرزيات لا يتقلدن مناصب لا روحية ولا قانونية.

ويؤكد أبو زكي، مؤلف كتاب “مشيخة عقل الدروز في لبنان: بحث في أصولها ومعناها وتطورها”، على أن المنصب الديني واللقب يرجعان إلى “مسلك العقل”، وهو المسلك الديني الروحي لدى الدروز، الذي يُعنى بـ”تنمية وتهذيب الطبيعة العاقلة لدى الإنسان وإيصالها إلى كمالها”.

ما الحاجة إلى مشيخة العقل؟

ظهرت فكرة “مشيخة العقل” على الأرجح خلال الحقبة العثمانية في لبنان، في القرن الثامن عشر، وكان يطلق على كل مرجعية دينية في قرية أو منطقة؛ حيث كان جبل لبنان مقسماً إلى مقاطعات بها مجموعة من القرى، وكان في كل قرية مرجعية أو أكثر.

ويقول أبو زكي، وهو أيضاً باحث في تاريخ الدروز، إن لقبي “شيخ العُقّال” و “شيخ العقل” بدأا يظهران في المصادر التاريخية اللبنانية للدلالة على المرجعيات الدينية العليا لدى دروز جبل لبنان في القرن الثامن عشر.

وفي القرن التاسع عشر انفصلت “الرئاسة الروحية” عن “مشيخة العقل”، فلم يعد يستعمل لقب “شيخ العقل” للدلالة على مرجع الدروز الديني الأعلى.

وبعدها حدث تطور سياسي؛ حيث بدأ الدروز يفقدون الحكم في جبل لبنان بعد عام 1825، وحاول الأمير بشير الثاني الشهابي، الذي حكمت سلالته لبنان ما بين (1697-1841)، إدخال نفوذه على الرئاسة الروحية.

وبحسب أبو زكي، كان رد فعل عُقّال الدروز أنهم أنشأوا “مشيخة عقل” كمنصب له وظائف إدارية محدّدة تختص بالأوقاف والأحوال الشخصية، وحيّدوا الرئاسة الروحية، التي هي الولاية الدينية، عن اللقب، حفاظاً على استقلالها ووظيفتها.

ويقول المؤرخ اللبناني الدكتور صالح زهر الدين في كتابه (تاريخ المسلمين الموحدين الدروز)، إن “مشيخة العقل من المناصب الكبرى الحساسة والمسؤولة في البلاد؛ حيث كان يهابها الحكام، خاصة الشهابيون؛ لأهميتها وتأثيرها ووزنها الفاعل على كل الصُعد”.

ومع ذلك، يقول أبو زكي إن لقب “شيخ العقل” لم يشع استعماله داخلياً لدى الدروز إلا بعد عام 1861، خلال الحكم “المُتصرّفي”، وهو نظام حكم أقرته الدولة العثمانية بالاتفاق مع الدول الأوروبية الكبرى بعد ما يعرف بالفتنة الطائفية الكبرى بين الدروز والموارنة.

هل هو رأس الهرم الديني؟

يقول الشيخ يوسف جربوع، شيخ عقل الدروز في سوريا، في حديث خاص لبي بي سي إن مشيخة العقل هي رأس الهرم الرّوحي لطائفة الموحدين الدروز، وشيوخها هم أئمة هذه الطائفة، أو بمعنى آخر هم “المرجعية الدينية العليا” لديهم.

في المقابل، يؤكد سعيد أبو زكي، الأكاديمي والباحث المتخصص في تاريخ الدروز، أنّ غالباً ما يشغل منصب مشيخة العقل شيوخاً ينتمون إلى المرتبة الثالثة في الهرم الديني لدى الدروز؛ فهو “شيخ يُنتدب من قبل رجال الدين”.

وتأتي في المرتبة الثانية طبقة من الشيوخ تلبس عباءة خاصة مُقلّمة باللونين الأبيض والأسود، تميزها عن بقية رجال الدين.

أما المرتبة الأولى فتتكوّن من صفوة أعيان شيوخ الدين في البلاد، ويلبسون علاوة على العباءة البيضاء المقلمة، عمامة مكوّرة تُعرَف بالمُكَوْلَسة. ولا يُطلق على هؤلاء لقب بعينه، لأنه بحسب أبو زكي فإن رجال الدين الدروز لديهم “نفور من الألقاب” بشكل عام.

وقد يلبس هذه العمامة المُكوْلسة اثنين أو ثلاثة؛ كما يقول أبو زكي، لكن واحداً فقط يكون كبيرهم، فمثلاً في الثمانينيات، ألبس المرجعية العليا الشيخ أبو حسن عارف حلاوة، ثلاثة شيوخ العمامة المكولسة، فصاروا أربعة؛ أحدهم الشيخ ولي الدين، الذي خلفه بعد وفاته عام 2003.

وقد انفرد الشيخ أبو حلاوة بالرئاسة الروحية للدروز منذ عام 1979حتى وفاته. وفي عام 2006، ألبس الشيخ ولي الدين العمامة شيخان، أحدهما الشيخ أمين الصايغ الذي خلفه بعد وفاته في 2012، كما أوضح الباحث اللبناني.

أما رأس الهرم الديني لدى دروز لبنان، ولدى الكثير من الدروز في المنطقة حالياً، فهو الشيخ أمين الصايغ، وليس له لقب رسمي، لكنه يعد فعلياً المرجع الروحي الأعلى.

ويختار الرئيس الروحي الأعلى أو رأس الهرم الروحي شيوخ المرتبتين الأولى والثانية؛ “حيث يقدم في نواحي بلاده بعض الأعيان بآلية بسيطة غير محددة تنسجم مع تعلقهم بالزهد”.

وضرب الباحث اللبناني مثالاً كأن يدعو المرجع الأعلى إلى عقد حلقة ذكر في إحدى خلوات البلاد، وعند اكتمال الوفود، يتوجه إليهم بخطاب ديني قصير يبرز فيه فضل واحد أو أكثر من المشايخ الحاضرين، بالاستناد إلى فضيلتهم الدينية.

ويطلب هذا الإمام الأعلى من هؤلاء المُختارين لبس العباءة المقلمة، فتتحقق بذلك فكرة “الإشهار”؛ لكن أبو زكي يقول إن إقناع هؤلاء الشيوخ بقبول العباءة أو العمامة غالباً ما تكون مسألة صعبة؛ لتخوفهم من الجاه الاجتماعي المرافق.

ويعد هؤلاء الشيوخ “مرجعيات عرفية” كما يقول الباحث اللبناني، حيث يثق الناس في تجردهم الديني وحكمتهم، كما يرجع إليهم القادة السياسيون. وتتمحور وظيفتهم حول رعاية النشأة الروحية في مسلك العقل، كل في حيزه الجغرافي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود.

وفي الوقت الذي يُتوارث فيه لقب “شيخ العقل” في عائلات محددة، إلا أن الرئاسة الروحية العليا لا تعرِف الوراثة، كما يقول أبو زكي، كما تغيب عنها الأضواء الإعلامية.

شيوخ العقل في بلاد الشام

بالنسبة للبنان، يتولى منصب مشيخة العقل في الوقت الحالي الدكتور سامي أبو المنى، الذي اختِير للمنصب عام 2021، بعد إعلان من الشيخ نعيم حسن لانتخاب شيخ عقل جديد لطائفة الموحدين الدروز، خلفاً له.‏

وتضم مشيخة العقل في لبنان حالياً شيخ عقل واحد يتمتّع بالحقوق والامتيازات ذاتها التي يتمتّع بها رؤساء الطّوائف اللّبنانيّة الأُخرى، من غير استثناء أو تمييز، بحسب نص القانون الصادر عام 2006.

أما في السابق، فكان هناك شيخا عقل: شيخ للفئة الجنبلاطية، وشيخ للفئة اليزبكية من الدروز، لرعاية الأوقاف الدينية لعُقّال الدروز، وكهيئة إشراف على تطبيق الأحوال الشخصية عند قضاة المذهب، أي كهيئة استئناف، بحسب أبو زكي.

ويُعدّ القبول بمنصب شيخ العقل تنازلاً نهائياً من صاحب المنصب عن أي وظيفة أو مهنة أو حرفة؛ فلا يجوز قانونياً الجمع بين منصب شيخ العقل وأيّ منصب آخر من أيّ نوع كان، باستثناء المناصب الفخرية.

ويتولّى شيخ العقل رعاية شؤون طائفة الموحّدين الدّروز الرّوحيّة، وإدارة مصالحها الدينية والاجتماعية، كما يمثّلها رسمياً لدى السلطات العامة وبقية الطوائف.

وتساعده في تنفيذ مسؤوليّاته هيئة دينية استشارية تتكون من ستة شيوخ، يعينهم شيخ العقل خلال الشهر الأول من تاريخ تسلمه مهام منصبه، على ألا تربطه بأي منهم علاقة ما أو صِلة قربى حتى الدّرجة الرابعة.

ومع ذلك، يقول سعيد أبو زكي إن هذا القانون “يعبر عن الواقع التنظيمي لمنصب شيخ العقل، لكن التنظيم الديني الحقيقي، يقع خارج مجال هذا القانون، فهو تنظيم عرفي روحي. ولا يُسمح لشيخ العقل بالتدخل بالقرارات الدينية التي هي من اختصاص مشايخ البلاد”.

أما في سوريا، فيقول الشيخ يوسف جربوع، في حديث خاص لبي بي سي إن الحاجة إلى مشيخة عقل في سوريا ظهرت بعد هجرة بعض الدروز إليها، وتحديداً إلى جبل العرب أو جبل حوران قبل نحو 300 عام.

ومع ذلك، فإن بداية وجود الدروز هناك لم تكن تستدعي وجود مرجعية أو مشيخة، نظراً لقلة عددهم، بحسب شيخ العقل الذي تحدث لبي بي سي.

ويقول الكاتب تيسير أبو حمدان في كتابه “الدروز مسلكاً ومعتقداً” إن الحاجة إلى المرجع الروحي في جبل العرب، ظهرت عندما وجد حاكم الجبل حمدان الحمدان أنه لا بد من وجود من يتولى أمور الطائفة دينياً ويرعى شؤونها الشخصية.

وقد وقع الاختيار على الشيخ ابراهيم الهجري، “لنبوغه وصلاحه وتقواه”، بحسب أبو حمدان، ليصبح مؤسس الرئاسة الروحية في الجبل، وتصبح بلدته (قنوات) المركز الديني للطائفة في الجبل. وكان ذلك في الربع الثاني من القرن التاسع عشر.

وقد ظل الشيخ إبراهيم الهجري الشيخ الروحي الأوحد طيلة حياته؛ لكن بعد وفاته، اختار الدروز عائلتين أخريين هما عائلة جربوع من مدينة السويداء، وعائلة الحناوي من بلدة (سهوة بلاطة)، إلى جانب عائلة الهجري.

وقد توارثت العائلات الثلاثة المشيخة، باختيار الزعماء والحاضرين من هو أصلح من أسرة المتوفي، بإلباسه عمامة وعباءة المشيخة في يوم الوفاة أو بعدها بقليل.

وبحسب أبو زكي، فقد تمركزت مشيخة آل الهجري في قنوات والريف الشمالي والغربي للسويداء، في حين استقرت مشيخة آل حناوي في سهوة البلاط والريف الجنوبي، أما مشيخة آل جربوع فهي في مدينة السويداء والقرى المجاورة.

ويضيف أبو زكي أن دروز جبل حوران، اصطلحوا على تراتبية اجتماعية عرفية تضع مشيخة آل هجري في المقام الأول، ثم مشيخة آل جربوع في المقام الثاني، وبعدها مشيخة آل حنّاوي في المقام الثالث، وهي تراتبية معنوية لا دخل لها في الوظائف الدينية والاجتماعية والسياسية التي يتساوى فيها الثلاثة.

وتشير المصادر التاريخية في القرن التاسع عشر، إلى كون مشيخة آل هجري لها المكانة الأولى بين الثلاثة، وهو ما يفسر اللقب الرسمي الذي يستعمله الشيخ حكمت الهجري في وقتنا الحالي، باعتباره “الرئيس الروحي لطائفة المسلمين الموحدين الدروز” وهو لقب لا يستعمله شيخا العقل الآخران، بحسب الباحث اللبناني أبو زكي.

كما عرفت أرض فلسطين التاريخية، مذهب الدروز قبل نحو 1000 عام، بحسب أبو زكي.

وقد اعترفت إسرائيل بالطائفة الدرزية كطائفة مستقلة عام 1957، فأنشِئت رئاسة روحية بنفس مفهوم شيخ العقل، برئاسة الشيخ أمين طريف، الذي جمع بين هذا المفهوم وبين كونه المرجعية الدينية العليا للدروز هناك، كما يقول الباحث اللبناني أبو زكي، وهو جد الشيخ موفّق طريف، الرئيس الروحي الحالي للدروز في إسرائيل.

وأخيراً هناك الرئاسة الروحية لعدد قليل من الدروز في الأردن، في مناطق مثل الأزرق ووادي السرحان، قبل أن ينتقل بعضهم إلى عمّان والمناطق الحضرية الأخرى مع تَشكُّل الدولة.

ويقول الكاتب اللبناني فاروق غانم خدّاج، في مقال له إن معظم دروز الأردن “جاءوا من جبل الدروز في سوريا ومن فلسطين، بحثاً عن الاستقرار في ظل ظروف سياسية متقلبة”.

ويرأس دروز الأردن حالياً الشيخ أبو أشرف عجاج مهنّا عطا، الذي تعد مشيخته مشيخة دينية واجتماعية سياسية، بحسب أبو زكي، الذي أضاف لبي بي سي أنه بحسب الموروث الشفهي المحلي، فإن جده الكبير، كان أول من استوطن الزرقاء في شمال الأردن وأسس لتوطن الدروز هناك في أواخر القرن الثامن عشر.

وهناك تعاون بين مشيخة عقل الدروز في الدول المختلفة، وهو “تعاون ديني عقائدي واجتماعي” مع الحفاظ على استقلال كل منطقة بإدارة شؤونها بنفسها، على حد تعبير الشيخ يوسف جربوع، شيخ عقل سوريا.

وقال الشيخ جربوع لبي بي سي إن “ذلك يرجع إلى كون كل مرجعية تخضع لأنظمة سياسية مختلفة في البلدان الثلاثة”، مؤكداً أن كل مرجعية لم تتدخل في الشؤون السياسية الداخلية للمرجعيات الأخرى، رغم أن البرنامج العقائدي واحد.

ومن أوجه التواصل بين المؤسسات الدرزية في مختلف الدول، ما ذكره أبو زكي أنه في عام 1934، حدثت أزمة في فلسطين ضد الشيخ أمين طريف، جد الشيخ الحالي، فبادر أعيان مشايخ لبنان إلى الصلح وحل الأزمة.

وفي عام 1947، عندما حدث نزاع داخلي بين دروز جبل حوران فيما عُرف بالثورة الشعبية الثانية ضد بيت الأطرش، سافر الشيخ أمين طريف إلى دمشق لحل النزاع وحقن دماء الدروز.

بي بي سي

————————

وزير إسرائيلي يشوش على لقاء ديرمر والشيباني في باكو

يطلب ممراً آمناً بين الجولان المحتل والسويداء بحجة تقديم مساعدات إنسانية

تل ابيب: نظير مجلي

31 يوليو 2025 م

في الوقت الذي تفرض فيه الإدارة الأميركية على إسرائيل أن تتوصل إلى تفاهمات أمنية مع الحكومة السورية، ويلتقي فيه وزير الخارجية السوري، أسعد شيباني، لقاء مباشراً ثانياً مع وزير الشؤون الاستراتيجية في الحكومة الإسرائيلية، رون ديرمر، في العاصمة الآذرية باكو، للتقدم في المفاوضات حول هذه التفاهمات، قام وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، بزيارة إلى ما يسمى «غرفة قيادة العمليات الدرزية لدعم السويداء»، ودعا لإقامة ما سمّاه «ممراً إنسانياً» لإدخال الغذاء والدواء للدروز في السويداء جنوب سوريا.

وقال سموتريتش، في منشور على حسابه في منصة «إكس»: «قمت الآن برفقة رئيس الطائفة الدرزية في إسرائيل موفق طريف، بزيارة غرفة العمليات التي أقامتها الطائفة في جولس شمال إسرائيل للتواصل مع إخوانهم الدروز في السويداء ومتابعة وضعهم. إن الوضع في السويداء صعب للغاية ووقف إطلاق النار الحالي نوع من الهدوء المخادع لمحاصرة الدروز، وتخريب بعض قراهم في المنطقة، والتسبب في أزمة إنسانية خطيرة».

وأضاف سموتريتش، الذي تعاقبه دول غربية على تطرفه وتصريحاته الوحشية ضد الفلسطينيين في غزة وتمنعه من زيارتها، أن «رجال الجولاني، الإرهاب بالبدلة، يواصلون فرض حصار على السويداء وتنفيذ اعتداءات تخرب القرى الدرزية. وهذا يتسبب في نقص حاد في المواد الغذائية. دول الغرب المنافق تهتم بغزة وتتجاهل ما يجري في الجنوب السوري. واجبنا يحتم علينا أن نقيم ممراً يضمن توفير احتياجات الدروز وقد أبديت استعداداً لتوفير كل الموارد اللازمة لتمويل ذلك».

وقد عدّ هذا الموقف محاولة فظة للتشويش على المحادثات في باكو، التي تجريها الحكومة الإسرائيلية أصلاً مرغمة، لكي تتفادى الصدام مع الإدارة الأميركية. فالمعروف أن السويداء تبعد 80 كيلومتراً عن الحدود الحالية مع إسرائيل (الجولان المحتل)، ويفصل بينها وبين السويداء محافظة درعا بكاملها، مما يعني أن إقامة ممر مباشر يحتاج إلى احتلال درعا أيضاً، علماً بأن إسرائيل احتلت بعد سقوط نظام بشار الأسد نحو 400 ألف كيلومتر مربع.

وقد كان المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، قد فند الادعاءات الإسرائيلية بوجود حصار على محافظة السويداء، وقال إنها «مزاعم ترمي إلى فتح ممرات بهدف إعادة تجارة المخدرات». وأضاف المتحدث في بيان أن مزاعم حصار السويداء من قبل الحكومة السورية «محض كذب وتضليل، فالحكومة فتحت ممرات إنسانية لإدخال المساعدات لأهلنا المدنيين داخل المحافظة بالتعاون مع المنظمات الإنسانية المحلية والدولية».

يذكر أن ما يسمى «غرفة قيادة العمليات»، في بلدة جولس في الجليل، بالقرب من مقر الرئيس الروحي موفق طريف، مقر يشغله عدد من الضباط المسرحين من الجيش الإسرائيلي بقيادة غسان طريف، وهو ضابط برتبة مقدم في جيش الاحتياط. ويعمل فيه عدد من الضباط السابقين في شعبة الاستخبارات العسكرية والكوماندوز في الجيش الإسرائيلي. وفي حينه كان الهدف مناصرة أبناء الطائفة المعروفية الذين تعرضوا لاعتداءات ولكن، بعد التوصل إلى اتفاق بين الطائفة وبين الحكومة السورية، يحاول اليمين الإسرائيلي المتطرف الحفاظ على غرفة العمليات واستخدامها أداة ضد الاستقرار في سوريا. ومن يلتقي الضباط في هذا المقر يستمع إلى لهجة قتالية.

وكانت السلطات الإسرائيلية قد كشفت عن أنه خلال الصدامات الدامية التي وقعت في السويداء، دخل ألوف الشباب الدرزي من إسرائيل إلى سوريا بدعوى مناصرة الأقارب. وقد عادوا بمعظمهم، إلا أن ألفاً منهم بقوا هناك. وقسم منهم مسلحون. وبالمقابل، كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الخميس، عن أن الجيش الإسرائيلي ضاعف 3 مرات من وجوده في الجولان السوري، حيث ينصب تركيزه على الردع والبنية التحتية والتعاون الحذر مع القوات المحلية حتى في ظل التوتر السائد في جنوب سوريا.

وكان مراسل الصحيفة العسكري، يوآف زيتون، قد رافق قوات الجيش الإسرائيلي في العمق السوري في الأسبوع الماضي وأعد تقريراً عن انتشار جنوده في المنطقة الحدودية والعمليات التي ينفذونها هناك. فقال إن تحركات الجيش الإسرائيلي تصل إلى منطقة تبعد نحو 80 كيلومتراً من معبر القنيطرة الحدودي بين سوريا وإسرائيل. وقال إن مروحيات سلاح الجو الإسرائيلي أسقطت مؤخراً مساعدات على التجمعات السكنية الدرزية بالقرب من مدينة السويداء، وأجلت أكثر من 20 جريحاً من الدروز السوريين لتلقي العلاج في إسرائيل.

وورد في تقرير «يديعوت أحرونوت»، أن القوات الإسرائيلية سمحت للجيش السوري بالعمل كقوة شرطة في البلدات الواقعة شمال الجولان السوري المحتل، على بعد 30 كيلومتراً من الحدود. لكنها أكدت أيضاً أن القوات تتنقل بحرية عبر تلك البلدات في طريقها إلى 9 مواقع عسكرية جديدة شيدها جيش الاحتلال داخل الأراضي السورية، التي يعدّها الآن منطقة آمنة، حسب تقديره. وأضاف زيتون – في تقريره – أن جنوب الجولان السوري لا يزال مضطرباً، زاعماً أن القرى ذات الأغلبية السنية على الطريق المؤدي إلى مدينة درعا في أقصى جنوب سوريا، لم ينزع سلاحها.

وعلى الصعيد السياسي، نقلت الصحيفة عن ضابط رفيع المستوى في الجيش الإسرائيلي -لم تفصح عن هويته – القول إن نظام الرئيس السوري أحمد الشرع لا يزال يسعى لتوطيد حكمه، مضيفاً أن مناطق شاسعة من البلاد خارج سيطرته حتى الآن، بما في ذلك الساحل الذي يهيمن عليه العلويون، والمناطق الشمالية التي يسيطر عليها الأتراك والأكراد والمناطق البدوية في الجنوب الشرقي، معرباً عن شكوكه في أن تولي دمشق أولوية قصوى في الوقت الراهن للمنطقة الحدودية مع إسرائيل.

الشرق الأوسط

————————–

===================

تحديث 30 تموز 2025

—————————–

الدولة السورية بعد أحداث السويداء/ خضر خضّور

لم تكن الاشتباكات الأخيرة مجرّد حادثٍ أمنيٍّ عابر، بل نكسةً عميقة للمجتمع.

 نشرت في 24 يوليو 2025

تقدّم مدوّنة “ديوان” الصادرة عن مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط وبرنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي تحليلات معمّقة حول منطقة الشرق الأوسط، تسندها إلى تجارب كوكبةٍ من خبراء كارنيغي في بيروت وواشنطن. وسوف تنقل المدوّنة أيضاً ردود فعل الخبراء تجاه الأخبار العاجلة والأحداث الآنيّة، وتشكّل منبراً لبثّ مقابلات تُجرى مع شخصيّات عامّة وسياسية، كما ستسمح بمواكبة الأبحاث الصادرة عن كارنيغي.

للمزيد من المعلومات

بعد أربعة عشر عامًا من الحرب الأهلية، تخوض سورية أصعب معاركها حتى الآن، وهي إعادة تشكيل الدولة خلال مرحلةٍ انتقاليةٍ معقّدةٍ تشابكت فيها الديناميكيات المحلية والإقليمية. فالأحداث الأخيرة التي شهدتها السويداء، والتي سرعان ما تحوّلت إلى عنفٍ طائفي، كشفت حدود السيطرة المركزية ومحاولات فرض السيادة في سياقات محلية هشّة. لقد عاد جنوب سورية، الذي لطالما كان منطقة نفوذٍ مُتنازَع عليها، إلى الواجهة كساحة صراع، حيث امتزجت النزعة المحلية بالطائفية، وحيث اصطدمت السياسات الوطنية بالطموحات الإقليمية.

اندلعت اشتباكات السويداء عقب خطف تاجرٍ درزيٍّ على يد مجموعة بدوية في منطقةٍ لطالما شهدت خصومةً بين الدروز والبدو. وسرعان ما تصاعدت هذه الحادثة إلى عنفٍ طائفي واسع النطاق، تخلّلته هجمات انتقامية وإعدامات ميدانية. فأرسلت الحكومة الانتقالية، بقيادة أحمد الشرع، قوات حكومية إلى السويداء لإعادة فرض النظام، إلّا أن العملية العسكرية فشلت تكتيكيًا وسياسيًا، إذ اتُّهِمَت هذه القوات بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان ضدّ المدنيين الدروز. في غضون ذلك، اغتنمت إسرائيل الفرصة لتنفيذ قرار اتّخذته في شباط/فبراير الماضي يقضي بإبقاء جنوب سورية منطقةً منزوعة السلاح، ووفت بتعهّدها بحماية الدروز في السويداء من خلال قصف مبنى قيادة الأركان في دمشق، ومنطقة قريبة من القصر الرئاسي. أدّى ذلك إلى تدخّل خارجي لمنع التصعيد، ما أفضى إلى اتفاق بين الولايات المتحدة والسلطات السورية، فاضطّرت القوات الحكومية السورية إلى الانسحاب من السويداء، ومذّاك الحين يسود وقف هشّ لإطلاق النار.

وفي ذروة القتال، احتشدت العشائر البدوية على أطراف محافظة السويداء تضامنًا مع أبناء جلدتها من البدو، ولكن كانت تعوزها قيادةٌ موحّدة. وحوّل القتال بين البدو والدروز، في ظلّ انتشار القوات الحكومية في الخلفية، النزاعَ من خلافٍ محلي محدود نسبيًا إلى صراع متعدّد الأطراف معقّد ذي تداعيات إقليمية.

يكمن الخطر اليوم في تقاطع مساراتٍ ثلاثة: رغبة الدروز في طلب الحماية؛ واستعداد القيادة السورية لبسط سلطتها وسيادتها باستخدام القوة؛ وعزم إسرائيل على توسيع نطاق نفوذها في جنوب سورية. وما اعتبرته دمشق ضوءًا أخضر من الإسرائيليين لتوسيع سلطتها لتشمل محافظة السويداء، والذي قيل إنه أُعطي خلال محادثاتٍ في باكو في أذربيجان، اعتبرته إسرائيل انتهاكًا صارخًا للتفاهمات الذي توصّل إليها الطرفان. فكانت النتيجة كارثية: سفك دماء، وأزمة ثقة في القيادة السورية، وتوازنات قوى جديدة في جنوب سورية.

لم يكن ما جرى في السويداء مجرّد حادثٍ أمنيٍّ عابر، بل نكسة عميقة للمجتمع السوري. فقد أصبح العنف محفّزًا للاستقطاب الطائفي، ما يهدّد بتعطيل عملية الانتقال السياسي في البلاد، وتقويض التعايش بين مختلف طوائفها، وبين المواطنين والدولة الناشئة. هذا وصوّرت السلطات أعمالَ العنف بلغةٍ ثنائية: خيرٌ مقابل شرّ، ووطنيٌّ مقابل خائن، ومع الدولة أو مع الفوضى. وصُوّر الزعيم الروحي الدرزي البارز، الشيخ حكمت الهجري، على أنه رمز للتمرّد والخيانة، مع إغفال السياق الأوسع: إذ إن نفوذ إسرائيل في جنوب سورية لم ينشأ بين ليلة وضحاها، بل ترسّخ على مدى سنوات بعدما انسحبت السلطات المركزية من المنطقة، التي اتّسمت بغياب تامّ للأمن.

لم ينعم جنوب سورية بالهدوء يومًا. فبعد العام 2013، بات حقل تجارب لنماذج مختلفة من النفوذ الإقليمي، بدءًا من انخراط إيران الواسع النطاق في محاولة لحشد قواتٍ حليفةٍ لها في المنطقة، وصولًا إلى تجربة الجبهة الجنوبية، وهو تحالفٌ من الفصائل المسلحة المدعومة من الولايات المتحدة وحلفائها العرب. لقد أعاد هذا الواقع تشكيل الجنوب السوري بالكامل، وحوّله إلى ساحةٍ للتنافس الإقليمي. في الوقت الراهن، يبدو أن إسرائيل تحاول بناء منطقة نفوذٍ لها في الجنوب، مستوحيةً الفكرة من النموذج التركي شمال البلاد. ويشمل مخططها ترتيبات محلية مع إدارات غير رسمية في المنطقة بدعمٍ أمني خارجي، على أن تصبّ جميعها في خدمة مصالح إسرائيل، لكن من دون فرض سيطرةٍ إسرائيليةٍ مباشرة. هذا هو مفهوم “الحدود المرنة”، حيث تغيب السيادة الواضحة وتحلّ محلها تفاهماتٌ مُبهمةٌ تحقّق أهدافًا خارجية.

لا تكمن الخطورة الكبيرة لهذا المشروع في تداعياته العسكرية وحسب، بل أيضًا في تقويضه النسيج الاجتماعي. فتحويل السويداء إلى ساحة نفوذٍ خارجي بصورة دائمةٍ لا يسهم سوى في ترسيخ ظاهرة الكانتونات، بحيث قد يستتبع كلّ نزاعٍ محلي يطرأ تَدخّلَ قوى إقليمية أو دولية. كذلك، يؤدي إلى إرساء معادلةٍ مميتةٍ تتمثّل في انعدام الثقة بين السوريين وغياب سلطة واحدة تقودهم. لقد وضع الخطاب الانقسامي، الذي طفى على السطح خلال أزمة السويداء، الأساس لبروز وعيّ سوري منقسم عاجزٍ عن تحقيق الاستقرار.

كشفت أحداث السويداء في نهاية المطاف أن النهج الذي تتبنّاه الحكومة الانتقالية لإعادة بناء دولةٍ مركزيةٍ على النموذج البعثي، لم يَعد مُجديًا وحسب، بل قد يكون خطيرًا حتى. فأعمال العنف لم تكن حدثًا معزولًا، إذ شكّلت امتدادًا لأنماط برزت في وقت سابق في المناطق الساحلية السورية واتّسمت ببعدٍ إيديولوجي سياسي، أسهم في تعزيز الهويات السياسية والطائفية، ودفَعَ المجتمعات المحلية إلى التشبّث بسلاحها. وينطبق هذا بشكل خاص على دولةٍ كسورية، حيث المؤسسات الوطنية ضعيفة أو مُنهارة، لكنه قد ينطبق أيضًا بدرجة أقل على لبنان.

هذا النمط من العنف ليس محصورًا بالضرورة في المناطق الجنوبية أو الساحلية لسورية، فقد يمتدّ إلى مناطق أخرى مثل شرق سورية، حيث يقيم الأكراد، أو المناطق الحدودية مع لبنان، حيث يعيش الكثير من الشيعة في سهل البقاع. وقد تتسّع رقعة العنف نتيجة التفاعل بين الهويات السياسية المتضاربة، والضعف المؤسسي، والاحتكاكات الناجمة عن مناطق النفوذ الإقليمي المتداخلة. وفي مثل هذه البيئات المتقلّبة، لن يكون العنف أداة للإكراه وحسب، بل أيضًا وسيلةً لتشكيل هويةٍ جماعيةٍ في غياب الدولة.

سورية في مرحلة ما بعد الحرب ليست مجرّد دولةٍ بحاجة إلى إصلاحاتٍ مؤسسية، بل هي كيانٌ متعدّد الأبعاد يستوجب عملية إعادة تعريف مُعمّقة. إن الوضع الراهن يستلزم أكثر من إعادة نشر القوات أو فرض السيطرة بالقوة، إنه يتطلّب تصوّرًا سياسيًا جديدًا يعترف بمراكز قوة متعدّدة وحكم تشاركي، ويعتمد التفاوضَ في إدارة النزاعات. مثل هذا النهج قد يُبعد سورية عن أوهامٍ لم تعد تبدو ممكنة، وتتمثّل في إقامة دولةٍ موّحدةٍ وشديدة المركزية.

خضر خضّور

باحث غير مقيم, مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط

مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط

———————————-

مرّة أخرى: لن تحكموا سورية هكذا/ مروان قبلان

30 يوليو 2025

سبق أن استخدمت العنوان أعلاه في مقال سابق نشره “العربي الجديد” (19/3/2025). منذ ذلك الحين، جرت مياه كثيرة في النهر، وحصلت تطوّرات كبرى بعضها إيجابي والآخر سلبي. إيجابياً، رفعت الولايات المتحدة عن سورية جزءاً مهمّاً من العقوبات، التي لعبت الدور الأكبر في تدمير الطبقة الوسطى، التي تفتقدها البلاد اليوم في معركتها من أجل بناء دولة المواطنة والقانون، بعد أن حطّمت تلك العقوبات السوريين، وحوّلتهم جماعةً من الأشباح، همّهم الرئيس تأمين رغيف الخبز، أو أسطوانة غاز، أو ساعة من الكهرباء، أو قليل من الماء الصالح للاستخدام الآدمي. من الأحداث السلبية التي حصلتْ (منذ ذلك الوقت) انفلات الاحتقان الطائفي من عقاله، خصوصاً بعد أحداث السويداء الدامية، والانتهاكات التي ارتكبتها مختلف الأطراف بحقّ المدنيين في أثنائها، وعبّرت بالتوازي مع الخطاب الذي رافقها عن مخزون مخيف من العنف والكراهية. الأخطر من ذلك كلّه أن بعض السوريين بدأوا يتقبّلون فكرة أنهم غير قادرين على العيش المشترك في وطن واحد، ما يعني أن الدولة باتت مهدّدةً فعلياً بالتفكّك، في ظلّ دعمٍ إسرائيلي لهذا التوجه. ومن المظاهر السلبية التي تبلورت أيضاً خلال الشهور الأربعة الماضية، بين أحداث الساحل وأحداث السويداء، أن السلطة الجديدة بدأت تصبح أكثر انفتاحاً في التعبير عن نفسها باعتبارها حكومة بعض السوريين، وليس كلّهم، بعد أن كانت تنفي ذلك دائماً في خطابها السياسي، باعتراف أحد قياديّيها أخيراً، لدى تبريره ممارسات السلطة بأنه “حكم المنتصر” (يقصد هيئة تحرير الشام)، التي أصبحت تقدّم نفسها من دون مواربة الممثّل الحصري والوحيد للسُّنّة السوريين العرب، في أجواء طائفية مشحونة.

اللافت فوق ذلك أن السلطة الجديدة تمارس الحكم بثقة مفرطة، وبصلاحيات مطلقة، وليس على قاعدة أنها انتقالية، بل أبدية، تحكم مثل نظيرتها في العراق باسم الأغلبية الطائفية، ويتجلّى ذلك في تبنّيها سياساتٍ داخليةً وخارجيةً ذات طبيعة مصيرية، من دون أدنى اكتراثٍ بمواقف السوريين ورأيهم فيها، وتفويضهم لها، بدءاً بمفاوضات السلام مع إسرائيل، والتوجّه نحو قوننة الوجود العسكري الأجنبي في الأراضي السورية (قواعد تركية وأميركية، فضلا عن الروسية)، والقبول بمنطقة منزوعة السيادة في الجنوب، وصولاً إلى بيع أصول للدولة على شكل استثمارات أجنبية، مروراً بتصميم هويَّة بصرية جديدة للدولة السورية، تنسجم مع هويتها الطائفية، والعقيدة القتالية للجيش “الخاصّ” الذي تؤسّسه. تتأتى هذه الثقة من عاملين رئيسَين، يتمثّل الأول بالدعم والاحتضان الخارجي الذي تحظى به هذه السلطة (من بعض دول الخليج وتركيا وأوروبا والولايات المتحدة)، ولأسباب تخصّ مصالح الداعمين، بعد أن نجحت السلطة الجديدة بإقناعهم بقدرتها على تأدية بعض الأدوار الوظيفية المهمّة مثل محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومواجهة حزب الله وإيران، وتأمين حدود إسرائيل، وصولاً إلى تطمين الخائفين بأن لا تصدير للأيديولوجيا الإسلامية، من جهة، ولا ديمقراطية في سورية من جهة ثانية. العامل الثاني، يتجلّى في نجاح السلطة الجديدة في إقناع جزء معتبر من السُّنّة السوريين العرب بأنها تمثّلهم، تحمي مصالحهم، وتحكم الدولة باسمهم بعد إقصائهم عنها ستّة عقود.

خلال الأسابيع القليلة الماضية، تعرّضت السلطة الجديدة لهزّة عميقة، قد تكون أيقظتها على حقيقة أنها ربّما أفرطت الثقة في نفسها، كما أفرطت في الاتكال على جدار الدعم الخارجي والداخلي الذي حازته عقب نجاحها المشهود في إسقاط نظام الأسد البائد. تبيّن نتيجة أحداث السويداء أن الدعم الخارجي ليس غير مشروط، وأن الفوضى التي يخشاها العالم في سورية هي تماماً ما ستقود إليه سياسات العنف والطائفية والإقصاء والاستئثار. كما تبيّن، وللسبب نفسه، أن الدعم الداخلي ليس معطىً ثابتاً ومضموناً، بدوره، خصوصاً بعد أن وُضعت مكوّنات الشعب السوري (على خلفية أحداث السويداء) في مواجهة بعضها (العشائر ضدّ المليشيات المحلّية في السويداء) ما قد يفضي إلى حرب أهلية شاملة، وتدخّلات خارجية واسعة (إسرائيلية خصوصاً قد تجرّ تركيا وغيرها)، في وقتٍ باتت فيه طموحات توحيد البلاد أبعد من أيّ وقت مضى. لن تنجح حالة الإنكار التي تعيشها السلطة، ولا حملات التخوين، التي يقودها المخلصون من أتباعها في وسائل التواصل الاجتماعي، في حجب حقيقة التغيير الذي طرأ في الأسابيع الأخيرة على المزاجين السوري والدولي العام، وبداية تبلور إجماع وطني على ضرورة مراجعة المسار، ببساطة لأن سورية لن تُحكَم هكذا.

العربي الجديد

———————–

أحداث السويداء والمسألة الطائفية في سورية

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

20 يوليو 2025

شهدت محافظة السويداء، التي تبعد نحو 100 كيلومتر عن دمشق، جنوب سورية، وتقطنها غالبية من المواطنين السوريين الدروز، أحداث عنف طائفي دامية خلال الفترة 13-17 يوليو/ تموز 2025، ذهب ضحيتها العشرات من أبناء المحافظة من المدنيين، وقوات الأمن السورية، وأبناء العشائر من البدو، وعناصر فصائل ومليشيات محلّية. استغلت إسرائيل الأزمة التي اندلعت على خلفية حادث اعتداء على طريق دمشق – السويداء، وقدّمت نفسها باعتبارها حامية للمواطنين السوريين الدروز في السويداء الذين تعرضوا لانتهاكات وجرائم قتل وثّقها رجال الأمن، وشنت غارات جوية ضد قوات الحكومة السورية التي حاولت استعادة السيطرة على المدينة وأجبرتها على الانسحاب، بموجب اتفاق مع بعض الوجهاء والأعيان، كما قصفت مؤسسات سيادية للدولة في دمشق. وعلى إثر انسحاب القوات الحكومية، تعرّض المدنيون البدو لمجازر انتقامية وعمليات تهجير، ارتكبتها مليشيات محلية درزية؛ ما فتح الباب واسعًا أمام احتمال اندلاع صراع أهلي كبير. وتُعدّ هذه الأزمة آخر حلقة في سلسلة من المواجهات الطائفية المتنقلة التي بدأت في الساحل السوري في مارس/ آذار 2025، وانتقلت إلى مناطق تقطنها تجمعات درزية كبيرة في محيط دمشق (جرمانا، وأشرفية صحنايا) أواخر إبريل/ نيسان، وبات تكرراها يهدد، مع تعاظم التدخل الإسرائيلي، وحدة البلاد واستقرارها السياسي والاجتماعي.

جذور الأزمة

شهدت السويداء التي حاولت أن تتجنب تداعيات الصراع، خلال سنوات الثورة السورية الأولى، مظاهرات واسعة ومستمرة ضد نظام بشّار الأسد منذ مطلع عام 2023، وظلت خارج سيطرته حتى سقوطه في ديسمبر/ كانون الأول 2024. حاولت قوات الحكومة السورية الجديدة، بقيادة هيئة تحرير الشام، الدخول إلى السويداء لاستعادة السيطرة عليها باسم الدولة، لكن بعض الزعامات الروحية في المدينة، وعلى رأسها الشيخ حكمت الهجري، والفصائل المسلحة التي تدعمه، وأهمّها المجلس العسكري في السويداء (مليشيا محلية تشكلت بعد سقوط الأسد، ويُعتقد أن لها ارتباطات بإسرائيل) رفضت السماح لها بدخول المحافظة. وفي وقت لاحق، أعلن الهجري أنه يرفض الاعتراف بالحكومة الجديدة، والتعامل معها، ووصفها بأنها مجموعة من التنظيمات الإرهابية المتطرّفة. وعلى الرغم من الاتفاق على إعادة تفعيل مؤسّسات الدولة ودخول محافظ جديد عيّنته دمشق، فإن التوتر ظل سيد الموقف. وتفاقم الوضع على نحو خاص، بعد صدامات ذات طابع طائفي وقعت، في إبريل/ نيسان 2025، في جرمانا وأشرفية صحنايا في ريف دمشق، حيث تقطن غالبية من المواطنين الدروز، وامتدت إلى أطراف محافظة السويداء، بعد انتشار تسجيل صوتي مزوّر منسوبٍ إلى رجل دين من الطائفة الدرزية، تضمّن عبارات مسيئة للنبي محمد؛ ما أثار موجة غضب واسعة، رافقتها موجة من التحريض والتعبئة الطائفية ونشر الشائعات على منصات وسائط التواصل الاجتماعي. وبلغ التوتر ذروته في 21 مايو، حينما اقتحمت مجموعات مسلحة درزية قصر المحافظ واحتجزته، مطالبة بإطلاق سراح أحد الموقوفين بتهم جنائية؛ ما حدا بالمحافظ إلى تقديم استقالته احتجاجًا. لكنه لم يلبث أن عاد إلى عمله، بعد التوصل إلى اتفاق مع أعيان السويداء ووجهائها وبعض فصائلها السياسية والعسكرية، تضمّن أيضاً الموافقة على انضمام نحو ألفَي عنصر من أبناء المحافظة إلى قوات الشرطة والأمن العام، والاستعانة بهم لفرض الأمن في المحافظة.

في 11 يوليو/ تموز الجاري، هاجم مسلحون بدو شاحنة خضار على طريق دمشق – السويداء، فاعتدوا على السائق وسرقوا الشاحنة. أدت هذه الحادثة إلى إطلاق سلسلة من العمليات الثأرية بين البدو والدروز، أيقظت خصومات تاريخية قديمة بين الطرفين، بدأت بعمليات خطفٍ متبادلةٍ لم تلبث أن تطوّرت إلى اشتباكات مسلحة أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من الطرفين. في هذا السياق، قررت الحكومة التدخل لوقف القتال، محاولةً فرض سلطتها على المحافظة بعد تلقّيها دعوة من أطراف محلية لإنهاء فوضى السلاح. لكن القوات الحكومية وقعت في كمين نصبته لها المليشيات المعارضة لدخولها المدينة؛ ما أدى إلى مقتل عدة عناصر وأسر آخرين. وقد أدّت معارضة الهجري والقوى العسكرية التي تدعمه، والتي بدا واضحاً أنها تستند أيضاً إلى دعم إسرائيلي، إلى فشل عدة محاولات لوقف إطلاق النار، قبل انسحاب القوات الحكومية من المدينة، خاصة بعد ورود تقارير عن إعدامات ميدانية وانتهاكات ارتكبتها هذه القوات التي تمكنت من السيطرة على مركز مدينة السويداء.

العامل الإسرائيلي

تحاول إسرائيل، منذ سقوط نظام الأسد، فرض وقائع جديدة في جنوب سورية، حدّدها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في أمرين أساسيين: الأول، تحويل منطقة جنوب سورية الممتدّة من الجولان إلى السويداء مرورًا بدرعا وريف دمشق إلى منطقة منزوعة السلاح، يحظر دخولها على قوات الحكومة السورية. والثاني حماية الدروز، وهو الأمر الذي بات يشكّل، نتيجة وجود امتداداتٍ عائليةٍ ومذهبيةٍ درزية بين جنوب سورية وشمال فلسطين، إحدى الأدوات التي يستثمرها نتنياهو للحصول على مكتسبات سياسية داخلية. وكان المئات من دروز فلسطين عبروا الحدود مع سورية، في محاولة للوصول إلى السويداء، في وقتٍ تصاعدت فيه ضغوط القيادات الدينية الدرزية داخل إسرائيل على نتنياهو للتدخل عسكريّاً في الأزمة، وهو ما حصل. وقد نفذت إسرائيل غارات جوية أصابت ما لا يقل عن 200 هدف داخل سورية، استهدف بعضها قوات الحكومة السورية التي كانت تحاول استعادة السيطرة على السويداء من الفصائل المسلحة المحلية، لكن أكثرها لا علاقة له بأحداث السويداء، ومن ضمنها قصف مبنى الأركان العامة في دمشق والإغارة على أبنية تابعة لقصر الشعب، في رسالة الغرض منها النيل من هيبة الدولة السورية.

تستغل إسرائيل بوضوح التوترات والانقسامات الطائفية التي تشهدها سورية، لإعادة رسم المشهد في الجنوب السوري، وصولاً إلى هدفها النهائي المتمثل في تفتيت البلاد إلى كانتونات طائفية. فما إن سقط نظام الأسد، حتى نفّذت إسرائيل واحدة من أوسع حملاتها الجوية ضد سورية، استهدفت مواقع وتجهيزات عسكرية على امتداد الجغرافيا السورية، من أجل إضعاف الدولة وحرمانها من قدراتها العسكرية ومنعها من بسط سيادتها على المناطق الواقعة جنوب دمشق. علاوة على ذلك، أوقفت إسرائيل العمل باتفاق فصل القوات لعام 1974، واجتاحت مناطق واسعة من الأراضي السورية، فاحتلت المنطقة العازلة وقمة جبل الشيخ وصولاً إلى مناطق في ريف دمشق، في محاولة لإنشاء منطقة منزوعة السلاح، وتحويل سورية إلى دولة منزوعة السيادة عن مناطقها الجنوبية. وتحاول إسرائيل، لتسهيل حصول ذلك، استغلال عجز الإدارة السورية الجديدة عن قيادة حوار وطني وتبني عقلية دولةٍ تمثل جميع المواطنين، لتقديم نفسها باعتبارها حامية للدروز، كما راحت ترسل مساعدات إغاثية، وتعرض مغريات مالية، وخدمية، مما تعجز الحكومة السورية عن تقديمه.

وهذه هي المرّة الثانية التي تستخدم فيها إسرائيل القوة ضد وحدات عسكرية تابعة للحكومة السورية، بدعوى حماية المواطنين الدروز السوريين؛ فقد سبق أن نفذ سلاح الجو الإسرائيلي غارات استهدفت محيط بلدة صحنايا في ريف دمشق، في نيسان/ أبريل 2025، تنفيذًا لتعليمات أصدرها رئيس هيئة الأركان باستهداف مواقع تابعة للحكومة السورية، في حال استمرار ما وصفها بـ “أعمال العنف ضد أبناء الطائفة الدرزية”. ولم يتوقف التدخل الإسرائيلي وقتها عند هذا الحد، بل شنت إسرائيل حملة قصف جوي واسعة، شملت محيط القصر الرئاسي في دمشق، إلى جانب مناطق سورية عديدة، اعتبرها نتنياهو ووزير الأمن، يسرائيل كاتس، في بيان مشترك بمنزلة “رسالة تحذيرية” إلى حكومة دمشق لمنع أي أذى قد يلحق بالدروز.

لم تقدّر الإدارة السورية الحالية حقيقة الموقف الإسرائيلي وخطورته، فإسرائيل تخطّط للسيطرة على أجزاء سورية الواقعة جنوب دمشق بوصفها منطقة نفوذ لها، أو تقسيم البلاد. ولا تعارض الولايات المتحدة الأميركية الخيار الأول. وترفض إسرائيل الانسحاب إلى خطوط الهدنة من عام 1974، إلا إذا سلّمت الإدارة السورية بالخيار الأول. لقد تبنت الإدارة الجديدة موقفًا متحفظًا، ربما بنصائح عربية وغربية، إلى درجة تجنّب حتى إدانة القصف الإسرائيلي والاحتلال في بعض الحالات، وتجنّب تكرار الثوابت الوطنية السورية بشأن الجولان وغيره، وكأنه خطاب النظام السابق لا خطاب الدولة الوطنية السورية الذي يوحد الشعب السوري خلفه. وعلى أقل تقدير، لم يؤدِ هذا السلوك إلى النتائج المرجوّة، فتمادت إسرائيل في نهجها إلى درجة قصف مباني المؤسسات السيادية. ثمّة سوء تقدير للنيات الإسرائيلية، وثمّة وهم بإمكانية تحييد دولة الاحتلال التي إذا لم ينجح خيارها الأول سوف تسعى إلى تقسيم سورية. ولا بد من مواجهة هذه الخيارات. وهذا لا يكون بالاعتماد على دول متحالفة مع إسرائيل وتعتقد أنها تصنع معروفًا للإدارة السورية لمجرد القبول بها، بل اعتمادًا على وحدة الشعب السوري وبناء المؤسسات التي تمثله، فهي قادرة على إفشال مخططات إسرائيل، والتقليل من الاعتماد على نيات حلفائها، وعزل القوى التي تراهن عليها في الداخل.

أزمة سياسية تجلياتها طائفية وأمنية

تعكس الصدامات الطائفية، التي استهدفت هذه المرّة محافظة السويداء، أزمة سياسية عميقة، تتجلى في حالة من العنف الطائفي باتت تتنقل، منذ سقوط النظام، من منطقةٍ إلى أخرى، في غياب تجريم رسمي للتحريض والتعبئة الطائفيَين وعدم تبنّي خطاب رسمي يدينهما بصرامة وحزم. وصارت الصدامات على خلفية طائفية تشكل تهديداً فعليّاً لوحدة سورية الترابية والمجتمعية. وتتزايد خطورتها، نتيجة انتشار السلاح بيد الأفراد والجماعات المحلية، وامتناع السلطة عن بناء جهاز أمن داخلي وجيش بعقيدة دولة، عقيدة رسمية، لا عقيدة جماعة تسيطر على الدولة، وقوى حفظ نظام تعامل السوريين بوصفهم مواطنين من دون تمييز بموجب الانتماء المذهبي أو الطائفي أو على أساس الجنس، إضافة إلى عجز الإدارة السورية عن ضبط سلوكيات الفصائل المسلحة التي تتصرّف باسمها أو ترتبط بها. تفسّر هذه العوامل حالة انعدام الثقة بين أجهزة الدولة وأجزاء من الشعب السوري التي لا تعدّ الأجهزة الأمنية السورية ممثلة لدولةٍ تشمل جميع المواطنين، بل تمثل، شكلاً وخطاباً وممارسةً، جماعة عقائدية لديها مواقف مسبقة إزاء جماعات من المواطنين على أساس هويتهم. وعلاوة على ذلك، يشعر جزءٌ مهمّ من السوريين بحالة من التهميش والإقصاء؛ نتيجة الاستئثار بالسلطة من جماعةٍ واحدة، سيطرت على الدولة بعد إسقاط النظام، وانعكس ذلك في جميع الخطوات التي جرى اتخاذها، بما في ذلك مؤتمر الحوار الوطني الشكلي الذي أُعدّ على عجل لكي يُحسب أنه عُقد تلبية لمطالب الخارج، إلى الإعلان الدستوري الذي حظر الحياة الحزبية وركّز كل السلطات بيد الرئيس، إلى تشكيل حكومة تبدو حكومة تكنوقراط ولكنها حكومة هيئة تحرير الشام بمشاركة غير حزبيين، حيث غاب التمثيل السياسي الفعلي لمختلف التيارات وفئات الشعب السوري بالحد الأدنى المطلوب في ظروف عدم القدرة على تنظيم انتخابات، وصولاً إلى التباطؤ في إطلاق مسار العدالة الانتقالية والإعلان عن نتائج التحقيق في أحداث الساحل الطائفية. لم يُحاسَب أحد من الذين ارتكبوا جرائم في الساحل السوري، ولا حتى أولئك الذين صوّروا جرائمهم ووثّقوها تباهيًا، بحيث لا تحتاج محاسبتهم إلى انتظار نتائج التحقيق. فكيف تُستغرب الانتهاكات في السويداء؟

الغوص في تفاصيل مثل “من بدأ؟”، و”من ارتكب الجرائم الأفظع؟” نوع من العبث، ودوران في الدوّامة ذاتها، وحرف الانتباه عن القضية الرئيسة التي تنتظر الحل منذ سقوط النظام، إنها مسألة بناء الدولة الحديثة ومؤسساتها، دولة المواطنين جميعًا. لقد سارت الإدارة السورية الجديدة في اتجاه معاكس، تمثّل في سيطرة جماعة على مفاصل الدولة في محاكاةٍ لحكم الحزب الواحد، وتهميش غالبية المواطنين والكفاءات والامتناع عن تمثيل جميع فئات الشعب السوري بحجة رفض المحاصصة، وتبنّي خطابٍ عقائدي لا يناسب تنوّع المجتمع السوري.

تحتاج الإدارة السورية إلى البدء من الداخل، لكي تكون قويةً في الخارج، ولسد ذرائع التدخّل الخارجي في سيادة الدولة، وإلى التعامل مع أحداث السويداء باعتبارها جزءاً من هذه الأزمة السياسية التي تتطلّب إعادة نظر في كل الخطوات التي اتُّخذت منذ سقوط النظام، بما في ذلك إطلاق مؤتمر حوار وطني تمثيلي حقيقي، تُدعى إليه القوى السياسية والمجتمعية السورية والشخصيات المستقلة، للاتفاق على “خارطة طريق للمرحلة الانتقالية”، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، برئاسة الرئيس أحمد الشرع، وانتخاب لجنة لكتابة الدستور في إطار مؤتمر الحوار الوطني من شخصيات سياسية وخبراء قانون، وصولاً إلى إنتاج قانون أحزاب وقانون انتخابات جديد. فمن دون تشكّل إجماع وطني سوري على شكل الدولة ونظامها السياسي، بمشاركة جميع السوريين، لن تستطيع سورية تجاوز المرحلة الانتقالية بيسرٍ وسلام، وتهميش من يستقوي بالخارج داخل أي جماعة سكانية ومحاسبته قانونيّاً، ووضع حد لتدخلات دولة الاحتلال التي تستهدف وحدة سورية الترابية والمجتمعية.

———————————

من يعمل على إفشال السلطة الانتقالية في دمشق؟/ موفق نيربية

30 تموز 2025

نُقل عن المبعوث الأمريكي إلى سوريا ولبنان توماس براك قوله، إن هناك من يعمل على إفشال السلطة الجديدة في سوريا، بعد أن قال إنه نصح بإعادة النظر في تركيب الجيش وجعل الحكومة أكثر شمولاً. كذلك نصح الرئيسَ الشرع بطلب المساعدة الأمنية إقليمياً، لأن الوضع على هذه الحال قد يتطوّر إلى ما هو أخطر من ليبيا وأفغانستان.

مسألة من يعمل على إفشال الحكومة جديرة بالتوقف عندها وتقليبها قليلاً.

أوّل ما يخطر في الذهن السوري – القديم- هنا هو إسرائيل. حتماً يمكن القول إن إسرائيل بحكومتها المتطرّفة ترغب بإضعاف جارتها إلى الحد الأقصى، ونشر الاختلاف والتفتّت فيها وبين مكوّناتها، وربّما تقسيمها. من أجل ذلك لا بأس لدى نتنياهو بإفشال الحكومة الجديدة، التي تبدي ميولاً مركزية قوية لا أساس لها، سواء كانت مؤهّلةً لتحقيق هذا أو غير مؤهّلة، وبكونها حكومة الإسلام الجهادي أيضاً.

إضافة إلى ذلك، هنالك بعض التشكّك «الأكثرويّ» بالأقليات، من حيث قد تبطن طموحاً للانفصال والتقسيم. بالطبع يحتاج تحقيق ذلك إلى إضعاف السلطة الغضّة العود من كلّ النواحي، وفي جميع المجالات والمحافل، شعبياً ودولياً، وبالتعاون مع الشياطين لو لزم الأمر. لكنّ هذا الأمر ضعيف الإسناد والشعبية، مهما غذّته عصبية الأغلبية القومية أو الطائفية ونفخت فيه، ورغم ذلك، هناك في الواقع ما يمكن أن يدعم مثل تلك الأوهام، في تاريخ وواقع خطاب الكراهية وردود الفعل عليه، التي تكون أحياناً على شكله ومثاله من حيث انحطاط المستوى.

في تاريخ الأقلٍيات في العالم حلم دائم بالخلاص من مصادر الأذى، مع تعزيز الشخصيّة المستقلّة والمتميّزة، وفي تاريخ الأكثريّات وهم امّحاء تلك الشخصية في الجسم القوميّ الشامل: «الأمّة هي السنّة والسنّة هم الأمّة»، لم نكن نعرف عن جارنا أنه كردي أو مسيحي أو علوي كلّنا سوريون ونرفض تمييزنا بعرق أو طائفة.. حتى قال البعض إن الكرد عرب.

يثير حنق البعض أيضاً ما يسمعونه من انتقادات، قد تكون راديكالية بعض الشيء – من النخبة المثقفة التي يغلب عليها الطابع العلماني، خصوصاً تلك الشريحة السنّية منها، ومن ورائها من سنّة المدن المعتدلين. مصدر الحنق هنا هو اعتبار ذلك الموقف خيانة للانتماء، وتمزيقاً للصفوف الموّحدة للفئة – الأمة، رغم ذلك يمكن إضافة هذه الإشكالية إلى المصادر المحتملة لإفشال الحكومة المؤقتة، على الأقل من قبل أنصارها المتشدّدين. لكنّ الطرف الأكثر تأثيراً بهذا الاتجاه ما هو إلّا قوى السلطة ذاتها في الواقع، بعضها من دون أن يدري ما يفعله، وبعضها الثاني تجرفه الأيديولوجيا العميقة القديمة إلى حدود تهديد مستقبله، وبعضها الثالث مجرّد طفيلي يغطّي – بالحماسة وتطرّف الخطاب وعُدوانيّتِه- مصالحَه الخاصة التي يبتغيها من قربه من الحكم، وانتهازيّته على الأغلب. لكنّ ذلك يعني أيضاً من هم في النواة من سلطة الحكم وقيادته. فقد حققت تلك النواة نجاحاً معقولاً- وملتبساً – في عمل لجنة التحقيق بمجازر وانتهاكات الساحل في مارس الماضي، التي أعلنت انتهاء عملها وسلّمت تقريرها منذ أيام قليلة. وغلب الرضا النسبي على بعض المتلقّين، بمن فيهم لجنة التحقيق الدولية المستقلّة (المتميّزة الأداء على مدى أكثر من عقد من الزمن) والتي رأت فيه خطوة أولى مهمة وإيجابية في مسار الكشف عن الحقيقة وتحقيق العدالة في أحداث الساحل ومحاكمة المتهمين مع مراعاة حقوق الإنسان. في حين انتقد كثير من المراقبين غياب الإشارة حتى إلى مسؤولية السلطة العامة عن تلك الانتهاكات، حيث تُفترض قدرتها على تحمّل تبعاتها، ناهيك عن مشاركة عناصرها المباشرة: يستقيل وزير النقل في أماكن أخرى من العالم حين يخرج قطار عن سكّته، أو تسقط طائرة مدنية، ويُقال وزير الداخلية حين تقع كوارث أمنية لا تغطّيها مسؤولية أفراد معنيين بشكل مباشر، وغير ذلك… ولا يمكن بالطبع نفي فشل السلطة في حماية المدنيين، وفي منع وصول «القوى والعناصر غير المنضبطة»، وأصحاب الثأر- بعشرات الآلاف – إلى مساكن المدنيين والآمنين، في الساحل ثمّ في السويداء!

والمفارقة المبكية المضحكة، عودة الحديث عن «الدولة» وباسمها إلى الجميع من دون تفريق بين مفهومها، ومفهوم السلطة أو الحكومة، والخلط بينهما (كرّر وزير الإعلام الذي يُفترض أن يكون درع السلطة الواقعي، ومصدر منطقها الأفضل تعبير «الدولة» عشرات المرات ضمن مقابلة في الأسبوع الماضي)، ولعلّ ذلك من رجع صدى مصطلح « الدولة العليّة» العتيق واستخدامه الواسع في العهد العثماني، حيث كان « الخفير» في الريف المنعزل قادراً على القول «أنا الدولة»!

يكشف ذلك اللغو مشكلة حقيقية في الباطن، لا ترى في الدولة جانبها الحيادي والمؤسساتي ولا الدستوري – القانوني، ولا تراها دولة المواطنة والمواطنين الأحرار، بل تراها «الغنيمة» ونتيجة «الاستحواذ» و»المُلك» و»النصر العسكري».. وذلك بعض جوهر القضيّة والاختلاف. كما أن لذلك الخلط تداعيات معروفة في تجربتنا السورية، وتجارب أخرى غيرها، منها استخدام الحكومة مفهوم الدولة لتبرير أفعالها، خصوصاً عندما تنتهك تلك الأفعال حقوقَ الأفراد والجماعات، وللتأثير في المشاعر العامة في أوقات الأزمات، كالحروب أو الانهيارات الاقتصادية. عندها قد تقوم الحكومات بتوسيع صلاحياتها بدمج مصالح أمنها بأمن الدولة، وبترويج روايات الرفاهية العامة والأمان الشامل، وحدث ذلك تكراراً في عهد الاستبداد الأسدي. وحين تكون السلطة – أية سلطة – في حالة يُفترض فيها أن تنفّذ إصلاحات رئيسية، قد يعوقها ذلك التداخل في المفهوم أو الفهم، أو يعزّز من ميولها لمركزة السلطة أكثر فأكثر، ولتبرير تقاعسها عن الإصلاحات، التي تحتاج إلى زيادة المشاركة الديمقراطية، لأن ذلك – كما تقول- يضعف من تجانس الحكم وقدراته على مجابهة التحدّيات الكبيرة.

في السابع عشر من يوليو الجاري فجراً، قال الرئيس الشرع في كلمة متلفزة إن الخيار الأمثل في هذه المرحلة بخصوص السويداء «هو اتخاذ قرار دقيق لحماية وحدة وطننا وسلامة أبنائه بناءً على المصلحة الوطنية العليا، فقررنا تكليف بعض الفصائل المحلية ومشايخ العقل بمسؤولية حفظ الأمن في السويداء، مؤكدين أن هذا القرار نابع من إدراكنا العميق بخطورة الموقف على وحدتنا الوطنية، وتجنب انزلاق البلاد إلى حرب واسعة جديدة، قد تجرها بعيداً عن أهدافها الكبرى في التعافي من الحرب المدمرة، وإبعادها عن المصاعب السياسية والاقتصادية التي خلفها النظام البائد».

وبعد يومين، إثر زحف» العشائر السورية» على قرى السويداء ومدنها وحدوث المحذور، كان للرئيس كلمة ثانية أشار فيها إلى أن «خروج الدولة من بعض المناطق في السويداء أدى لتفاقم الأوضاع، لافتاً إلى أن دمشق تلقت العديد من الدعوات الدولية للتدخل لمنع تفاقم الأزمة. وأضاف، أن طموحات انفصالية ظهرت عند بعض الشخصيات في سوريا، وأن استقواء البعض بالخارج واستغلال أبناء السويداء لا مصلحة فيه لأحد». جاء الخطاب الأوّل كما قيل بعد مباحثات ماراثونية اشتركت فيها الولايات المتّحدة مع إسرائيل وتركيا والحكومة السورية وأطراف أخرى، والاتّفاق على وقف إطلاق النار. وجاءت الكلمة الثانية بعد تعطّل الاتّفاق المذكور عن طريق استنفار قوات العشائر التي وصلت من كلّ سوريا إلى جبل السويداء.. وحدث ما حدث. وملاحظة جانبية أخرى- متفائلة- ترى في الخطاب الأول بعض ملامح أوليّة جداً للتسليم بأهمية مبدأ اللامركزية من خلال بعض عناصره، حيث دعا إلى تولّي أهل السويداء، لأمنهم الخاص بأنفسهم، على عكس ما ورد في الخطاب اللاحق، عندما تكرّرت كلمات قوية، كالانفصال والتقسيم والاستقواء بالخارج، يوم انتشرت «فزعة العشائر» في الجبل، قبل تلبية مطالب الآخرين بالالتزام باتفاق وقف إطلاق النار وعودة الوضع إلى ما كان عليه. على كلّ حال، هيمن الهدوء الحذر في السويداء، وأُُعلِن تقرير انتهاكات الساحل، وشكّل وزير الدفاع المسؤول الأول عن قوات الحكومة وفصائلها – وليس الرئيس هذه المرة – لجنة خاصة للتحقيق بأحداث الجبل.

هناك عوامل جانبية عديدة أخرى، تُسهم في إضعاف السلطة الغضّة التي تفشل نفسها بنفسها، ربّما كان منها التباس أداء المبعوث الخاص براك، وارتجالاته المتلاحقة ورسائله المتناقضة.. ولم يبق هادئاً إلّا خطّ التماس مع الشمال الشرقي، حيث يمكن أن تذهب سوريا باتّجاه النجاة أو الكارثة.

وما زلنا نأمل خيراً!

كاتب سوري

القدس العربي

—————————

سوريا بين تدخّلين خبيث وحميد!/ محمد الرميحي

29 يوليو ,2025

سوريا الجريحة تتعافى. البعض يرى ضرورة أن تخلق في سوريا عقبات سياسية وطائفية، تعطل هذا البلد العربي، أما آخرون فيرون أن سوريا تتعافى، وأنها بخير، وتستطيع أن تصبح دولة مكتملة الأركان باسطة قدراتها على جميع أراضيها. الفكرة الأخيرة تتبناها دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.

تقدر المصادر الدولية أن سوريا تحتاج إلى أربع مئة مليار دولار من أجل عودة الدولة إلى مرحلة النهوض، هذه المليارات يحتاجها الإسكان، والبنية التحتية، والكهرباء والماء، والمدارس، والمستشفيات والقطاع الصناعي والزراعي، وهو مبلغ ضخم، إلا أنه من الواضح أن هناك تصميماً لتعويم الاقتصاد السوري، على الرغم من كل المنغصات التي تجري، إما لأسباب داخلية أو لأسباب خارجية.

من الواضح أيضاً أن النظام السوري الجديد يخطو خطوات حثيثة نحو إقامة الدولة الوطنية العادلة والحديثة، وهناك شواهد كثيرة يمكن التدليل بها على ذلك، منها رفع العقوبات الدولية، ومنها بناء علاقات متوازنة وإيجابية مع الدول العربية، والدول المجاورة، ومنها أيضاً الاستثمارات التي قدمت من دول غربية كفرنسا وغيرها من دول أوروبا الغربية، وعلى رأس الإنجازات تحرير الإنسان السوري من الاضطهاد.

اللافت في هذا الأمر, هو المنتدى الاقتصادي السعودي السوري الذي عقد الأسبوع الماضي في دمشق، والذي وقعت فيه 47 اتفاقية اقتصادية، كما شاركت عشرون جهة حكومية سعودية و100 شركة من القطاع الخاص. هذا المنتدى هو الفارق الحقيقي للتدخل الحميد، وهو يؤكد الثقة والدعم من الأشقاء. لقد جاءت قوى إلى سوريا بشرّها، جاءت بشعارات ملتحفة بأفكار ماضوية، وجاءت بالسلاح الفتاك، وجاءت بمصانع لترويج وصناعة المخدرات، كما مزقت سوريا شر تمزيق، بين شمال وجنوب، وشرق وغرب، فقد جاءوا بكل شرورهم إلى هذه البلاد، وإلى هذا الشعب المعطاء. ذلك أصبح تاريخاً، أما اليوم فإن الاتفاقات التي وقعت ما بين الجانب السعودي والجانب السوري التي تبلغ 6.4 مليارات دولار، هي الدفعة الأولى، وهي موزعة على مشاريع إسكانية، وتجارية وإصلاح البنية التحتية، وقطاع الكهرباء والمستشفيات، وهو دليل على إيمان لا يتزعزع بأن سوريا المقدمة على نهضة اقتصادية واجتماعية وسياسية وعلى استقرار، تختلف تماماً عن نصف القرن السابق، حين خضعت لعصابة حاكمة، تحت شعارات زاعقة، تمت فيها تصفية مئات الآلاف من السوريين في الداخل، وهجرت ملايين من البشر، في دول الشتات، يطارهم الخوف و الجوع.

هنا الفرق بين من يريد البناء ويريد الحياة، وبين من يريد الهدم ويدعو إلى الموت، هنا الفارق أيضاً بين النموذج الذي يبنى في دول الخليج، ونموذج جمهوريات الرعب، والذي استعان بشعارات جوفاء، من أجل تعزز قبضته على المال والسلطة وأرواح المواطنين، وإفساح المجال أمام فساد قاتم، تم فيه قتل الإنسان، وفناء الضرع والزرع.

القادمون من سوريا اليوم يفخرون بأنهم لم يعودوا مجبرين على دفع الإتاوات والرشى للموظفين العموميين كما كان سائداً في السابق، لأن الدولة قررت أن يختفي، فقد كانت تلك الإتاوات والرشى تستفيد منها طبقة سياسية استمرأت أكل المال الحرام، سواء كان من الرشى أو من تصنيع وتوزيع المواد المخدرة لتسويقها في الدول المجاورة.

لقد أعلن في هذا المنتدى وضع حجر الأساس لثلاث مصانع كبرى للإسمنت، ووقعت اتفاقيات في قطاع الاتصالات والمعلومات، وقطاع الخدمات المالية، والتعاون الصحي وغيرها من القطاعات، وهذا مؤشر ثقة.

بالطبع نحن أمام أشهر منذ أن وصل النظام الجديد في سوريا إلى السلطة، ومن الطبيعي جداً أن تكون هناك منقصات سياسية، إما من فئات كانت مغلوبة على أمرها، تريد أن تتنفس بمساحة أكبر، أو من فئات كانت مستفيدة في السابق، سواء كانت داخلية أو حتى خارجية، هذه القوى لن تترك الأمور تسير بشكلها الطبيعي.

ولكن المفرح أن هناك من العقلاء في النظام السوري الحالي من يعرف دوافع تلك القوى، ويتعامل معها تعاملاً صحياً، من أجل بناء الدولة المرتجاة.

أي مواطن سوري يعرف بأن القوى التي تدخلت في سوريا في العقود القليلة الأخيرة كانت قوى الشر. لم يكن يهمها الإنسان السوري أو الاقتصاد أو حتى الدولة السورية، لقد كان تدخلاً خبيثاً. اليوم بدأ التدخل الحميد، هناك خير عميم يأتي من أشقاء تهمهم سوريا، ويهمهم أساساً رفاه المواطن السوري، والذي يستطيع أن يحمل على عاتقه بناء الدولة الحديثة، فسوريا ولادة.

ومن الأخبار الإيجابية إعلان النظام السوري تنظيم انتخابات لمجلس الشعب، وهي خطوة مهمة وشجاعة وتشارك الشعب في اتخاذ القرار.

المنتدى السعودي السوري الاقتصادي، هو إشارة صحية للثقة في أن الدولة السورية في طريق التعافي، وهو ما يرجوه أي مواطن عربي، لأن سوريا هي حجر أساس في المنظومة العربية، بصحتها تعزز صحة العرب.

*نقلاً عن “النهار”

———————–

عن سورية… الحوار أولاً ودائماً/ أحمد مظهر سعدو

30 يوليو 2025

تنتاب الحالة المتحرّكة في سورية منذ أشهر قليلة تجاذبات وتصادمات كثيرة تذهب، في بعض الأحيان، إلى ما هو دراماتيكي دموي غير مسبوق، ضمن عديد من أنساق المجتمع السوري، من تعدّيات وانتهاكات فاقعة لأرواح الناس، من دون الارتكان إلى أيّ مسارات في العقلانية السياسية، وهي التي لطالما حلم بها الشعب السوري على مدى حكم آل الأسد 54 عاماً، قبل أن يُكنَس وأدواته التشبيحية كلّها على أيدي السوريين المنتفضين والثائرين 14 عاماً.

ولعلّ الأوضاع في الجنوب السوري، وما جرى أخيراً من صدامات أودت بأرواح مئات من السوريين، لا تتحمّل مسؤوليتها حكومة دمشق وحدها، بل لعلّ المجموعات العسكرية التابعة للشيخ حكمت الهجري، وارتداداتها وعلاقاتها الإقليمية، ثمّ استدعاؤها الفاجر المحتلّ الإسرائيلي، ليكون شريكاً لها، وحامياً لتحرّكاتها، وهيمنتها على الجنوب السوري، وخصوصاً جبل العرب ومحافظة السويداء، ضدّ حكومة دمشق، وصولاً إلى إعلان “الحكم الذاتي” المرفوض شعبياً في السويداء… هو ما ساهم في تأجيج المسألة برمّتها، وأودى بها إلى مهاوٍ لا يريدها السوريون، لا في محافظة السويداء ولا خارجها، لأن انتماء جبل العرب (والسويداء) كان على الدوام وطنياً بامتياز، وكلّ منعرجات التاريخ تشهد بذلك.

لكنّ بعضهم أبى إلا أن يقوم بمواصلاته وتشبيكه النفعي البراغماتي مع الخارج، المتربّص بسورية والمنطقة العربية، فكانت إسرائيل الأكثر جاهزيةً واستعداداً على طول الخطّ، وعبر استراتيجياتها للمنطقة العربية، وسورية خصوصاً بعد فرار بشّار الأسد، لتلعب (كما دأبت مراتٍ) على الوتر الطائفي، ولتكون السويداء ورقةً مهمّةً كي تفاوض عليها السوريين، وهو ما لوحظ عبر اللقاء التفاوضي بين وزير الخارجية السوري ومسؤول إسرائيلي، واجتماعهما في باريس برعاية أميركية، وقبله كانت لقاءات تفاوضية أخرى في أذربيجان، وغير مكان آخر.

أمام هذا الواقع المتفجّر والتدخّل الدولي والإقليمي ضمن الحالة السورية وتفاعلاتها ومتغيراتها، كيف يمكن الخروج جدّياً من عنق الزجاجة؟ وبالتالي يمكن أن يمنع انقساماً في سورية، ويحدّ من قيام فيدراليات، أو ما يسمّيه بعضهم (اللامركزية السياسية) وليس (الإدارية)، وهي التي من الممكن أن تكون بوابة ولوج نحو الانقسام والتقسيم والتفتت للدولة السورية، أو ما يشبه ذلك، بينما تنتظر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الضفة الأخرى تهيئةً وتوطئةً نحو إنفاذ تلك الأحلام، في قيام كيانات انفصالية، واللعب على ذلك ضمن سياقات حالة الاستقواء بالخارج، التي يشتغل عليها بعضهم في الجنوب السوري أو في شمال شرقي سورية.

وفي أتون مسارات هذا الواقع المرّ والمنغّص في سورية، يتمظهر أمامنا، ولدى المتابع للشأن السوري والمشهد المتغيّر، المعطى التالي عقلانياً سياساً ووطنياً، أن لا حلّ في سورية بعد كلّ ما حصل وجرى إلا بالحوار الوطني الواسع، تحت راية مهمّة وضرورية، هي وحدة كلّ السوريين ديمغرافياً وسياسياً، لبناء الوطن الذي حلموا به، وعملوا من أجله عقوداً مضت، وإلا تذهب المآلات حتماً نحو مزيد من الانقسام والتشظّي، وهو ما تريده إسرائيل عيانياً، كي تكون سورية أكثر ضعفاً، ومن ثمّ تساهم في إراحة إسرائيل من القلق الإقليمي عقوداً طويلةً مقبلة، ويبقى ما يسمّى “الأمن القومي الإسرائيلي” الأهم والأجدر بالبقاء والاستدامة، ليس لدى الإسرائيليين فحسب، بل أيضاً لدى الإدارات الأميركية المتعاقبة، مهما اختلفت الإدارات من جمهورية إلى ديمقراطية.

في سورية اليوم وبعد كلّ المياه التي جرت تحت الجسر، وكلّ الأحداث الدراماتيكية الحاصلة في السويداء وجبل العرب، وقبلها في الساحل السوري، لا يمكن أن تمرّ الأمور بالحلّ الأمني أو العسكري فقط، الحلّ لا بدّ أن يكون عقلانياً سياسياً واعياً ومدركاً طبيعة المسائل الحساسة في تلافيف وأنساق الوضع السوري ومتغيّراته التي لا تتوقّف عن الحدوث، عبر سياسات جديدة وعاقلة، تقوم على نهج المشاركة، أي مشاركة الجميع من كلّ الطوائف والإثنيات والأيديولوجيات السورية المتعددة والمتنوعة، في كامل الجغرافيا السورية، نحو سورية واحدة موحّدة لا تقبل القسمة أبداً، وهو ما ليس له من بدّ، أي تحريك عجلة الحوار السوري الجَدّي، الذي يمكن أن ينتج سلماً أهلياً سورياً، ويساهم فعلياً في عملية المشاركة السياسية والاجتماعية والمؤسّساتية، وعلى هذا الأساس يمكن أن تسير الأمور نحو صياغة متمكّنة ورصينة للعقد الاجتماعي الوطني الجامع الذي لا يستثني أحداً من السوريين، ويطمح إليه كلّ السوريين (وما زالوا)، رغم كلّ المنغّصات والمعوقات، وهم يصرّون على أن لا يتنازلوا عنه، وهو بالضرورة سوف يؤسّس واقعياً لقيام دولة المواطنة في سورية، بعد عقود خمسة من القحط، وغيابها كلّياً وليس جزئياً، دولة المواطنة الحقّة التي يكون فيها السوريون جميعاً سواسية أمام القانون وتحت سقفه، ومن ثمّ بناء الدستور الوطني الجامع والدائم والمعبّر عن كلّ أطياف الشعب السوري، المنهمك سابقاً ولاحقاً في سياقات بناء دولته التي يحلم بها على طول المدى، دولة المؤسّسات، وليس المحسوبيات، دولة العلم والمعرفة والديمقراطية، وليس دولة التشبيح والقمع وكم الأفواه، وكَنس (وإزاحة) كلّ سياسات النظام الأسدي الاستبدادي الكيماوي إلى غير رجعة.

ضمن هذه المعطيات، وفي أتون تلك المتغيرات والدماء التي سالت (ويمكن أن تسيل) خارج إطار العقلانية السياسية، ذلك كلّه، ومن خلاله، لا مناص من العمل الفاعل من الجميع، حكومة ومجموعات وأحزاباً وقوى فاعلة، للمضي في محدّدات ومسارات عدالة انتقالية سورية تقطع مع الماضي، لكنّها لا تتجاوز حقوق الناس، وتجبر الضرر لديهم، وبالتالي، تعمل على إعادة الحقوق إلى أهلها، ومن ثمّ تعيد إنتاج الواقع السوري على أسس جديدة لا تقبل إلا بالمحاسبة لكلّ من ارتكب فعلاً يعاقب عليه القانون، أو تعدّى فيه على الناس الأبرياء، وقبل ذلك كلّه (معه وبعده) يكون الحوار الوطني السوري سيّد المرحلة وحاميها بين ألوان الطيف كلّها.

العربي الجديد

——————————

جهات الجنوب الأربعة.. عن المفاوضات السورية الإسرائيلية والسيناريوهات المطروحة/ أحمد الكناني

29 يوليو 2025

تتصاعد وتيرة المحادثات الدبلوماسية، بشكل رسمي، في ملف التفاهمات الأمنية جنوبًا بين الطرفين السوري والإسرائيلي، وهي محادثات فرضتها إسرائيل على دمشق لضرورة وقف التوغلات وإنشاء القواعد الإسرائيلية، والتي سارعت تل أبيب إلى فرضها منذ لحظة سقوط النظام في الـ8 من ديسمبر 2024.

وبعد مباحثات باكو في 13 من تموز/ يوليو والتي قيل إنها عُلقت نتيجة للأحداث الدامية في السويداء، يتجدد مسار اللقاءات بشكل رسمي وسياسي في العاصمة الفرنسية باريس، وبرعاية فرنسية – أميركية ربما لإعطاء الصبغة الدولية على هذه التفاهمات وإجراء الحلحلة للعديد من الملفات، خاصة التفاوض مع قسد، والوضع الجديد في السويداء.

تشير التسريبات التي جاءت في قضية الجنوب السوري عقب اللقاءات السورية -الإسرائيلية في باريس إلى أنه جرى الاتفاق على نزع السلاح من محافظتي درعا والقنيطرة، وإعطاء الدور السياسي لأميركا لمراقبة الوضع في السويداء مع إدارة ذاتية خجولة، ولكن السردية المطروحة وفقًا للتسريبات لاتزال منقوصة في قراءة المشهد المعقد.

 إذ أن القضية جنوبًا غير منحصرة بالقنيطرة ودرعا، نظرًا لأهمية ريف دمشق والمتمثلة بجبل الشيخ، كذلك لا يكفل وجود الوصاية الخارجية على السويداء لإسرائيل أمنًا لحدودها دون رعاية ومشاركة من الحكومة السورية. وعليه يمكن أن تقسم المباحثات إلى أربع نقاط رئيسية مرتبطة بالمحافظات ذات الصلة بالجنوب السوري، والتي يمكن خلالها القول إن المحادثات باتت تأخذ طابعًا جديًا وحقيقيًا لرسم العلاقة الجديدة بين سوريا وإسرائيل.

ريف دمشق

شكل التوغل في ريف دمشق أول هدف استراتيجي و”لحظة تاريخية لإسرائيل منذ 51 عامًا” حسب وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، وذلك إثر الوصول إلى مرتفعات جبل الشيخ وما تؤمنه من إطلالة وسيطرة نارية على كل من سوريا ولبنان والأردن، كذلك ما يؤمنه المرصد المرتفع من تعزيز قدرات إسرائيل الدفاعية عبر منظومة الإنذار المبكر.

لا شك أن الحكومة السورية وإن طالبت بالعودة الإسرائيلية عما تم احتلاله بعد الثامن من ديسمبر إلا أنها تعي بأن إسرائيل لن تنسحب من هذه المرتفعات وستماطل لعدة سنوات، لا سيما وأن الجيش الإسرائيلي بنى مدينة عسكرية بشكل سريع وقياسي في المرتفعات، ما يدل على إقامة طويلة في المنطقة، وعليه تراهن إسرائيل على تفاهم يتيح ابقاء قواتها في المرصد وإنشاء خط جغرافي لمرور العربات العسكرية الإسرائيلية تجاه القنيطرة من جبل الشيخ، مع عدم توغلها داخل قرى جبل الشيخ، ومع التعهد بعدم المساس بكل ما يتعلق بالثروة المائية في المنطقة.

محافظة القنيطرة

من الواضح جدًا أن إسرائيل لم تضع قواعد عسكرية ثابتة كما هو الحال في جبل الشيخ، ما يعني إمكانية التنقل والرغبة في عدم الاستقرار، باستثناء بعض النقاط الاستراتيجية مثل تل الأحمر، إضافة إلى مطامعها في بعض السدود مثل سد المنطرة، وعليه ربما تعمل إسرائيل على الحفاظ على بعض النقاط العسكرية بشكل مستقل، وتفعيل دور القوات الدولية “الأوندوف” للفصل بين نقاطها والنقاط الحكومية السورية، بما يكفل لها الطريق الجغرافي الممتد من جبل الشيخ للقنيطرة ومنه إلى ريف درعا الجنوبي الغربي وهو نوع من تعديل اتفاقية 1974.

محافظة درعا

دون أدنى شك، المطامع الإسرائيلية متعلقة بمنطقة اليرموك في ريف درعا الغربي الجنوبي، لما له من اعتبارات جغرافية أمنية لقربها من الداخل الإسرائيلي بالدرجة الأولى، وثانيًا وجود حوض اليرموك والذي يتحكم بحصص مائية تجاه إسرائيل والأردن، وثالثًا منطقة تربطها بمحافظة السويداء، وعليه ربما تشهد المحادثات دورًا أردنيًا متعلقًا بحوض اليرموك في حال التعنت الإسرائيلي بالبقاء في هذه المنطقة، إضافة إلى الضغط السوري على إسرائيل للانسحاب من كافة النقاط التي تقدمت منها، مع ضمانات تقدمها السلطات السورية بعدم اقتراب أي جهة مسلحة من الحدود ، وأخيرًا تضمن إسرائيل خط سيرها الذي يربط جبل الشيخ بالقنيطرة بدرعا وصولًا للسويداء لضمان تحرك القوات الإسرائيلية بحرية جنوبًا، وربما تفضي المفاوضات إلى الانسحاب الإسرائيلي من كافة النقاط باستثناء حدود هذا الطريق المرسوم والذي يصلها بالسويداء.

محافظة السويداء

لا شك أن الدور الأميركي بات واضحًا في تبني التعاطي مع ملف السويداء، ويرى مراقبون وجود إشارات ووقائع على الأرض تشي بـ “إدارة ذاتية” من نوع ما، (لا سيما مع تعالي أصوات في السويداء تطالب بهكذا صيغة)، وإسرائيل ليست بعيدة عن هذا الطرح، إذ عبر هذه “الإدارة” تبعد كل ما يشوش على مشاريعها المتعلقة بربط السويداء مع شمال شرق الفرات.

هذه سيناريوهات مطروحة، وإذا كانت الرؤية قد بدأت تتوضح أكثر، فإن الضباب لا يزال يغلف نوايا إسرائيل ومفاوضاتها الجارية مع الحكومة السورية.

الترا سوريا

————————–

هل تضمن محادثات باريس حكماً ذاتياً لدروز سوريا؟ وما علاقة تركيا والسعودية؟/ محمد نعيم

الأربعاء 30 يوليو 2025

يتقاطع حرص نظام الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع على تثبيت أركانه، مع تطلعات محلية وإقليمية ودولية ترنو في معظمها إلى انفتاح على سوريا الجديدة، لإحراز أهداف ربما كان منالها صعباً في الماضي غير البعيد. وعلى أنقاض سيولة الواقع الأمني، وسباق تموضع القوى العرقية والسياسية في سوريا، لم يخطئ انتهاز الفرصة شهيَّة جهات خارجية، انبرت لاستغلال الواقع الدراماتيكي، وابتلع بنك أهدافها تسويات جيوسياسيةً قد تفرضها حتمية تماهي سوريا الجديدة مع دوائر إقليمية، للحفاظ على تناغم التوازن بين الداخل والخارج.

تغريدة نشرها سفير واشنطن لدى أنقرة، مبعوث الولايات المتحدة الخاص إلى سوريا توماس باراك، وضعت يد المراقبين على ما يجري خلف كواليس المشهد السوري وروافده الإقليمية. في التغريدة، أعلن باراك أنه “اجتمع مساء الخميس (24 تموز/ يوليو الجاري) مع مسؤولين سوريين وإسرائيليين في باريس”، وعزا الخطوة إلى ما أسماه “امتصاص الاحتقان وخفض التصعيد الحاصل بين الطرفين”.

وحديث الدبلوماسي الأمريكي حول الاجتماع وإطاره لم يكن كافياً، فأهمية اللقاء رسخها اجتماع آخر (صباح الجمعة 25 تموز/ يوليو 2025)، بحضور وزير الخارجية الفرنسي الجديد جان إيف لودريان، فضلاً عن تعهدات باستئناف المحادثات ذاتها في اجتماع مرتقب في العاصمة الأذرية باكو، بحسب تقرير نشره موقع “نتسيف” الإسرائيلي.

240 دقيقةً جمعت صديق نتنياهو والشيباني في باريس

ومع ندرة معلوماتية عن الاجتماعات “شبه السرّية”، التي جرت برعاية أمريكية في باريس، انفتحت دوائر المتابعة والرصد على التقاط جديد، لتفكيك قطع البازل، والوصول إلى ماهية التسويات ذات الصلة برأس النظام في دمشق، والمؤسسات الموازية في تل أبيب. وأفادت التسريبات باستغراق جلسة المحادثات السورية الإسرائيلية الأولى (يوم الخميس) 240 دقيقةً، وعدّها الطرفان أول لقاء بينهما منذ اندلاع أزمة مدينة السويداء في جنوب سوريا الأسبوع الماضي. مثَّل تل أبيب في الجلسة، وزير الشؤون الإستراتيجية المقرّب من نتنياهو، رون ديرمر، ومن الجانب السوري وزير الخارجية أسعد الشيباني.

وبينما يجري التسويق لامتلاك الدبلوماسي الأمريكي توماس باراك وبلاده زمام مبادرة الجمع بين الممثلين السوريين والإسرائيليين في باريس، تشي روافد معلوماتية موازية بوقوف أنقرة خلف التنسيقات الجارية، وتؤكد أن “رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالين، اقترح على مستشار الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هانغبي، دعوة مسؤولين سوريين للانضمام إلى اجتماعات من هذا النوع بعد انهيار نظام بشار الأسد”. وتزامناً مع اشتعال الخط الساخن بين تل أبيب وأنقرة لمنع اشتباكات جوية بينهما تحت السماء السورية، التقى هانغبي مرات عدة مع الشيباني في العاصمة الأذرية باكو.

وحسب تسريبات نشرها الصحافي الإسرائيلي باراك رافيد في موقع “أكسيوس”، فإنه خلال الأسابيع الأخيرة، ومع تزايد انخراط مبعوث ترامب في جهود التوصل إلى اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل، يمكن البناء عليه كخطوة أولى نحو التطبيع بين البلدين، انضم وزير الشؤون الإستراتيجية رون ديرمر إلى المحادثات، خاصةً أنه المسؤول عن تواصل حكومة بنيامين نتنياهو مع البيت الأبيض. وكان الاستنتاج في إسرائيل: “لكي يتقدم السوريون نحو التطبيع، لا بدّ من طرح حوافز أمريكية، وتم تكليف ديرمر بتطويرها”.

استكشاف سبل استقرار الوضع في جنوب سوريا

بعد الأزمة التي شهدتها السويداء، أيقن باراك أنّ الوقت قد حان لعقد اجتماع ثلاثي مع ديرمر والشيباني. في هذا الخصوص، نقل باراك رافيد عن مسؤولين في تل أبيب وواشنطن، أنّ “اجتماع العاصمة باريس كان بمثابة خطوة أولى”، حيث تمّ التأكيد على “ضرورة اتخاذ تدابير لبناء الثقة من الجانبين من أجل المضي قدماً والتبكير بانضمام سوريا الشرع إلى قطار التطبيع”.

عن بُعد، وفي محاولة لدعم موقف الوفد السوري في محادثات باريس، نقل موقع “تركيا اليوم” المحسوب على نظام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن “الوفد السوري حمّل إسرائيل مسؤولية التصعيد، وندد بحملتها الجوية في سوريا”، عادّاً أنّ “هذا السلوك العدائي يشكّل تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي. وأكدت دمشق أنها لن تقبل أي محاولة “لفرض واقع جديد على الأرض”. لكن ذلك لم يمنع إشارة التقرير إلى أنه “برغم عدم التوصل إلى اتفاق نهائي في محادثات باريس، اتفق الطرفان على مواصلة المناقشات واستكشاف سبل استقرار الوضع في جنوب سوريا”.

وفي حين لم تسفر جلسات باريس عن مخرجات معلنة يمكن التعويل عليها عند استشراف مستقبل منظور، لم تترك دوائر إسرائيلية مجالاً للضبابية، وحصرت ما وصفته بـ”بنود محادثات باريس” في تأمين الجنوب السوري مع خط التماس الإسرائيلي، ولخّصتها وفقاً لصحيفة “يديعوت أحرونوت” في 6 بنود:

    انسحاب القوى القبلية (البدوية) وقوات الأمن العام السورية كافة إلى ما وراء القرى الدرزية.

    قيام الفصائل الدرزية بتمشيط القرى كلها للتأكد من غياب القوات العشائرية والحكومية.

    تشكيل مجالس محلية من أبناء السويداء للإشراف على تقديم الخدمات للمواطنين.

    تشكيل لجنة لتوثيق الانتهاكات ورفع تقاريرها للجانب الأمريكي.

    نزع السلاح من أبناء محافظتَي القنيطرة ودرعا القريبتين من الحدود الإسرائيلية، وتشكيل لجان أمنية محلية من تلك المناطق بشرط عدم امتلاكها أسلحةً ثقيلة.

    عدم السماح لأي هيئة تابعة للحكومة السورية بدخول السويداء، ويقتصر السماح بدخول المدينة على وكالات الأمم المتحدة فقط.

اتفاق سرّي برعاية واشنطن وباريس ودعم تركي؟

برغم البنود المسرَّبة من محادثات باريس، لكنها ربما تغاير تماماً واقعاً غير معلن بين الطرفين، حسب الدكتور إبراهيم شتلو، أستاذ العلوم السياسية السوري المقيم في ألمانيا. يقول شلتو لرصيف22: “أقرّت ثلاثية حكومة الشرع والولايات المتحدة وفرنسا حتمية التحفظ على نشر بنود ‘الاتفاقية السرّية’، التي جرى التوصل إليها بالفعل مع إسرائيل برعاية أمريكية، وذلك خشية أن تعيد هذه البنود ترتيب الطاولة في مفاوضات باريس، ولكن في هذه المرة بين ‘قسد’ (قوات سوريا الديمقراطية) وحكومة الشرع، وتحسّباً لفتح الباب أمام مطالبة الأكراد بفيدرالية مماثلة لما أحرزته مفاوضات باريس”.

ولا يستبعد “إبرام وفدَي إسرائيل وسوريا في باريس اتفاقاً سرّياً برعاية أمريكية–فرنسية، يحصل الدروز بموجبه على إدارة ذاتية جنوبي سوريا، فضلاً عن مطالب إسرائيلية أخرى تتعلق بهضبة الجولان والسويداء”.

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

اطمئن/ ي!

ويرى شتلو ضلوعاً مباشراً لتركيا أردوغان في تجاوب حكومة الجولاني مع مطالب إسرائيل، ويضيف: “نظام الشرع يخضع تماماً لحكومة أنقرة، خاصةً في ما يتعلق بالقضايا الأمنية والعسكرية. وزير الخارجية الشيباني نفسه خرّيج مدرسة الاستخبارات التركية ويدين لها بالولاء، ما يعني أنّ اجتماعاته في باريس لا تخرج عن إطار التوجيهات التركية، لأنّ تركيا وفي سياقات صراعها على توسيع مناطق النفوذ في سوريا بحاجة إلى التهدئة مع إسرائيل من جهة، ومن جهة أخرى ترغب في ترسيخ مخططاتها الإستراتيجية وتوسعها في سوريا دون صدام مباشر مع إسرائيل. لذلك تبدي تركيا، خلافاً للحقيقة، أنها اللاعب المحوري في سوريا، وتروِّج زيفاً لوقوفها أمام مخططات وأطماع إسرائيل التوسعية”.

البنود التي جرى إدراجها على طاولة مباحثات سوريا وإسرائيل في باريس، لا تخرج عن اتفاق واشنطن وتل أبيب على توسيع دائرة ما يسمّى بـ”التطبيع الإبراهيمي”، حسب رئيس تحرير مجلة “الديمقراطية”، والباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية بشير عبد الفتاح. يقول عبد الفتاح لرصيف22: “الاتصالات التي جرت بين سوريا وإسرائيل في باريس ليست الأولى من نوعها، وإنما سبقتها اتصالات مباشرة في أذربيجان بين وزيرَي خارجية الجانبين على هامش زيارة أحمد الشرع للعاصمة باكو من أجل إبرام اتفاقات تتعلق بالطاقة”.

“في حقيقة الأمر، سوريا موضوعة على القائمة الأمريكية الإسرائيلية في هذا الخصوص، لكن هناك إشكاليةً تتمثّل في أنّ النظام السوري الحالي يتحدث عن انسحاب إسرائيل من الأراضي السورية المحتلة، فيما تتحدث إسرائيل عن الانسحاب من أراضٍ محتلة حديثاً بعد سقوط نظام بشار الأسد وليس الجولان. وفيما لا تزال المفاوضات أو بالأحرى المحادثات بين إسرائيل وسوريا معقدةً، تحاول إدارة ترامب طرح تعاون بين الطرفين في مجال الطاقة والمياه ومجالات اقتصادية متعددة بحيث يبدي نظام الشرع نوعاً من المرونة. لكن الهدف من هذه المحادثات هو أنها حلقة في سياق عدد من الجولات لتطبيع العلاقات بين سوريا وإسرائيل طبقاً لشروط الأخيرة، وهي: نزع سلاح سوريا، وعدم الانسحاب من الجولان على الأقل، وإقامة منطقة عازلة داخل الأراضي السورية في مقابل اعتراف تل أبيب بالنظام الحالي في سوريا، بالإضافة إلى مشاريع تعاون اقتصادي وأمني برعاية أمريكية”، يضيف عبد الفتاح.

السعودية أضعف من ثلاثية التحكم في قواعد اللعبة

وبخصوص الدور التركي غير المعلن في محادثات باريس، يتفق عبد الفتاح مع شتلو، في مدى تأثير حكومة أنقرة، وإن كان رأي الأول أكثر مرونةً من الثاني، إذ يشير إلى “احتفاظ تركيا بعلاقات مع الطرفين السوري والإسرائيلي، وهي أكثر دول الإقليم نفوذاً داخل سوريا، فضلاً عن علاقاتها الوطيدة بنظام الشرع. وإلى جانب الولايات المتحدة، ترعى حكومة أنقرة الاتصالات السورية الإسرائيلية سواء في باريس أو غيرها، لكنها حريصة في المقابل على مصالحها داخل سوريا، وعلى عدم تمكين إسرائيل من فرض هيمنتها المطلقة في سوريا. الأمر يتطلب بالأساس تفاهمات تركية–إسرائيلية أولاً، قبل محاولة فرض أي نمط من العلاقات على سوريا”.

في ملف إسرائيل وسوريا على وجه الخصوص، لا تخرج تركيا نهائياً في سياستها الخارجية من تحت مظلّة دول حلف ناتو؛ فإلى جانب عضويتها في الحلف، لا تحيد تركيا قدر أنملة عن سياساته في إفريقيا أو الشرق الأوسط. وفيما تحرص حكومة أنقرة على مصالحها في سوريا، تدرك جيداً أنّ مصالحها لا يمكن أن تتعارض بحال من الأحوال مع مصالح دول حلف شمال الأطلسي، يقول عبد الفتاح.

وعند الحديث عن فرضية إشراك السعودية في ضمانة تكريس اتفاق مستقبلي بين سوريا وإسرائيل، لا يعوِّل الباحثان كثيراً على تلك الفرضية. يرى شتلو أنّ “السعودية لا تستطيع لعب هذا الدور، لأنّ اللاعبين الآخرين أقوى من الرياض، فحين تسير الأمور في منحى جاد، يقتصر دور المملكة على تمويل مشروعات التعاون المقرر إدراجها في إطار اتفاق أو آخر، لكن لا مانع لدى الولايات المتحدة وربما إسرائيل من تعظيم أدوار هامشية للمملكة في محاولة لتشجيع تدفق أموالها على سوريا”.

في هذا السياق، يعتمد عبد الفتاح الرؤية ذاتها ولكن بأسلوب مختلف، مشيراً إلى “انحسار الدور السعودي وحتى الخليجي في الملفات الاقتصادية الداعمة للمسارات السياسية، وعند الحديث عن ضمانات تفعيل اتفاق أو آخر، يكفي في هذا السياق التنسيق بين الثلاثية التركية الأمريكية الإسرائيلية، فضلاً عن أن سوريا لم تبدي اعتراضاً على أي اتفاق يفضي إلى انضمامها لما يُعرف باتفاقات أبراهام”.

“لكن المشكلة تكمن في الكيفية، ولا سيما أنّ الشروط التي يضعها نظام الشرع ليست في ظاهرها بالهيّنة، وإسرائيل كالعادة تريد فرض شروطها على سوريا، على اعتبار أنّ الأخيرة دولة ضعيفة ومنزوعة السلاح، وتالياً تستطيع إسرائيل فرض شروط: التطبيع المجاني مع البقاء داخل سوريا ونزع سلاحها. لكن نظام الشرع يعلم جيداً مدى صعوبة فرض هذا الواقع، ويحاول تمريره عبر قربان يمكن تقديمه للشعب السوري”، يختم عبد الفتاح.

رصيف 22

——————————-

سوريا… الاختبار القاسي/ جمال الكشكي

30 يوليو 2025 م

سوريا لا تستحق ما يجري فيها الآن من اقتتال، وفتن، واعتداءات إسرائيلية، وتدخلات إقليمية، فكل ذلك سيؤثر على استقرارها أولاً، واستقرار الإقليم ثانياً، ويصنع أزمة مزمنة، كأزمة القضية الفلسطينية التي بدأت هكذا في بداية القرن العشرين الماضي، وانتهت إلى ما نحن فيه.

نعرف أن سوريا غنية بالأعراق، والثقافات، والطوائف، والأفكار، وكل ذلك يعد مصدراً من مصادر الثراء الإنساني، ولا يمكن أن يتحول الغنى إلى مأساة.

في السويداء، وقع الاصطدام، وتاهت البوصلة الوطنية السورية. سقط ضحايا من الطرفين، من أبناء جبل الدروز، والقبائل العربية، على رغم أنهما عاشا معاً مئات السنين في الأرض نفسها، ودائماً ما كان جبل الدروز مدافعاً عن سوريا بالكامل، ضد الغزاة والاستعمار، والتاريخ شاهد حي على دور سلطان باشا الأطرش، وكذلك القبائل العربية التي كانت حصناً منيعاً للهوية والثقافة العربيتين على مدى قرون طويلة. والوطن السوري هو الجامع الكبير.

هل يعقل هذا؟ ترتفع البنادق في وجوه إخوة الدم والوطن، إنه لأمر مقلق وخطير.

على السوريين بشتى أعراقهم وطوائفهم، أن يدركوا أن هناك قوى دولية ترنو إلى سوريا الحالية، كأنها غنيمة حرب، بعضها يريد السيطرة عليها، والبعض الآخر يرغب في تمزيقها بحرب أهلية مفتوحة.

سوريا لم تكن بلداً على هامش التاريخ، ولا فائضاً عن الجغرافيا، بل كانت في قلب الحضارات القديمة الحية، من حضارة أوغاريت، وتدمر، إلى دمشق أقدم مدن العالم المستمرة منذ اثني عشر ألف سنة، دائماً كانت سوريا حاضرة في صناعة العقائد والأديان والأفكار، ومعبراً مفتوحاً للثقافات العالمية.

من ينظر إلى سجلات التاريخ يتوقف أمام محطات صاغت وجدان البشرية بالكامل، ومن دون أن نخوض في التاريخ، فإن كل الحركات السياسية والثقافية، والاجتماعية الحديثة، خرجت من بلاد الشام مع نهاية القرن التاسع عشر، وبصمات سوريا محفورة في كل المدن العربية التي نهضت مع بداية القرن العشرين.

إذا نظرنا إلى الأثر الثقافي السوري على مستوى العالم، فسنجد الشعراء، والكتاب، والروائيين، ورجال الأعمال، جميعاً ينتمون إلى طوائف وأعراق شتى، منهم الدرزي، والعلوي، والمسيحي، والإسماعيلي، والكردي، والسني، والإيزيدي، والآشوري، أعراق وأديان شتى، لكنها أحفاد وطن واحد.

إن ما جرى في السويداء يوم 13 يوليو (تموز) 2025، إنما يمثل إشارة واختباراً قاسياً للتعايش بين أفراد البلد الحضاري الواحد، أعترف أن هناك تاريخياً مماحكات كالتي تجري في جميع أنحاء العالم، مناطقياً وجهوياً، لكنها لا ترقى إلى حمل السلاح بين الإخوة والأشقاء، فقد سقط على مدى ثلاثة أيام ضحايا، يربو عددهم على المئات، وحدث تهجير قسري، وهروب من المناطق التي وقعت فيها الأحداث، وصل إلى الآلاف، حسب تقارير الأمم المتحدة. والأخطر هنا أن إسرائيل تجاوزت جميع الخطوط الحمر، واستغلت الأحداث السورية – السورية، واعتدت على المؤسسات الاستراتيجية للدولة السورية، في محاولة لتفكيك الدولة السورية طائفياً، واستكمال مشروعها التوسعي في الجنوب السوري، بهدف صناعة ممرات تشق الأراضي السورية، إلى أبعد نقطة تصل إليها أحلام إسرائيل، كممر داوود الاقتصادي، وممر صوفا 53 العسكري، والاقتراب من خرائط إسرائيل التوراتية.

وبحق ردت الدولة السورية على هذا المخطط، بأنها لن تسمح بالتقسيم على أساس طائفي، فليس خافياً أن الولايات المتحدة الأميركية تحركت لوقف العدوان الإسرائيلي، وكذلك تحركت دول عربية على عجل، إدراكاً منها أن إسرائيل تخلط الأوراق، وتريد أن تضع سوريا في مأزق وجودي، ينعكس على خرائط المنطقة بالكامل، بل إن إسرائيل تريد خلق قضية مزمنة جديدة، تستقطع بها الوقت لتنفيذ مخططاتها الخطيرة، فهي تستخدم فلسفة التجريب في تركيبة اجتماعية حساسة، مثل الحالة السورية المتعددة، والمختلفة والمتفردة.

وسط هذه الأمواج الدموية، والقلاقل المستقبلية التي تحاك للشعب السوري، فإن ثمة سؤالاً يطرح نفسه: كيف يمكن إنقاذ سوريا من هذا الاختبار القاسي الذي قد يفضي إلى تلاشي وجود الدولة والأمة السورية؟

حقيقة أتذكر مقولة الرئيس السادات حين قال: «ارفعوا أيديكم عن لبنان»، ولعلى هنا أقول بكل ثقة: «ارفعوا أيديكم عن سوريا»، فسوريا الممزقة أخطر على الإقليم العربي والعالم من سوريا الدولة الوطنية لكل الأبناء، ولذا ألمح فرصة للتعامل مع هذا الاختبار القاسي، إذ يتطلب حكمة وسياسة رشيدة، وتحركات سريعة، من جميع الأطراف المنغمسة في الشأن السوري، داخلياً وخارجياً، فسوريا المست

الشرق الأوسط

—————————-

ما الذي ينتظر سوريا ولبنان؟/ جون بولتون

يكتب جون بولتون محذراً السفير الأميركي لدى تركيا من “الانصهار مع أجندة الدولة المضيفة”

الأربعاء 30 يوليو 2025

الإدارة الأميركية تصب اهتمامها على ما يبدو في تحقيق أولويات تركيا وسوريا على حساب مصالح الولايات المتحدة. ولا بد للحكومة السورية الجديدة أن تفتح ملفات نظام الأسد بالكامل فيما يخص الرهائن الأجانب وبرامج أسلحة الدمار الشامل، ولا شك في أن الكشف عن جميع الصفقات التي أبرمها الأسد مع “حزب الله” سيشكل مادة دسمة للقراءة.

يوم الخميس الماضي، تحدث سفير الولايات المتحدة لدى تركيا عن مساع “إلى خفض التصعيد وإطلاق الحوار” حول الصراع المتواصل في سوريا. ومع ذلك، فقد شنت القوات الأميركية الخاصة يوم الجمعة ضربات في أعماق سوريا، على مقربة من حلب، أسفرت عن مقتل أحد كبار قياديي “داعش”. وهذا التناقض الصارخ هو خير تجسيد لحجم تعقيدات مستقبل سوريا، ولحجم الرهانات الإقليمية والدولية المرتبطة به. وبما أن إسرائيل تنظر إلى حدودها الشمالية مع سوريا ولبنان على أنها امتداد حدودي واحد يقتضي آلية دفاعية متكاملة، فإن تهديدات الداخل اللبناني مرتبطة بصورة وثيقة بالتهديدات في سوريا، أو على نطاق أوسع، بالدور الإيراني في تقويض الاستقرار في أرجاء منطقة الشرق الأوسط.

سقوط نظام الأسد الديكتاتوري في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، إلى جانب الخسائر الفادحة التي تكبدها كل من “حزب الله” وحركة “حماس” سابقاً، ناهيك بالضربات الإسرائيلية والأميركية على برنامجي الأسلحة النووية والصواريخ البالستية في إيران، كلها مستجدات أحدثت تحولاً جذرياً في ما سماه السوفيات يوماً “توازن القوى” في المنطقة. وبالفعل، يشير الانقلاب الجذري في حظوظ إيران وحلفائها، في أعقاب الفشل المدوي لاستراتيجية “طوق النار” الموجهة ضد إسرائيل، إلى أن طهران ما عادت تمثل المصدر الأكبر والوحيد للخطر.

ومشكلات اليوم تتجذر من “معاهدة فرساي” المبرمة في عام 1919، وما تلاها من ترتيبات هدفت إلى إعادة رسم معالم الإمبراطورية العثمانية. ولا شك في أن تركيبات الحكم العثمانية كانت بعيدة كل البعد من المثالية، لكن فرنسا والمملكة المتحدة كانتا ترعيان فعلياً مصالحهما الخاصة، عبر تحويل الأراضي العربية الواقعة جنوب ما بات يعرف اليوم بالدولة التركية إلى دول منتدبة في “عصبة الأمم”. وفي هذا السياق، قررت فرنسا مواصلة تقسيم سوريا، وهي الدولة التي انتدبتها، فاستحدثت لبنان الكبير، وجبل الدروز، وحلب، ودمشق، والدولة العلوية. وصحيح أنه بعد سقوط الأسد، ما عاد أحد يتوقع من سوريا أن تضم لبنان إليها. لكن السؤال الأصعب يبقى عن الطريقة التي ستدار فيها العلاقات بين العلويين، والدروز، ومختلف الشرائح المسيحية في ظل حكومة “هيئة تحرير الشام” الجديدة. وفي لبنان، لا يزال الغموض يلف دور “حزب الله”، وهو الذراع الإيرانية، من وجهة نظر طهران طبعاً.

مع تراجع الدور الإيراني الذي لم يعد ذا أهمية كبرى يعتد بها في سوريا، فرضت تركيا نفسها بحزم، برئاسة رجب طيب أردوغان، منذ انطلاق الربيع العربي، وهو ما شكل تهديداً خطراً لنظام الأسد. وعلى امتداد الحرب الأهلية السورية التي أعقبت الربيع العربي، قدم أردوغان دعمه لعدد من المجموعات المتمردة، آملاً بذلك إرساء حكم “الإخوان المسلمين” في دمشق. وكان يسعى فعلياً إلى قدوم قائد سوري يمكن أن تتحكم به أنقرة، من دون أن يتلقى أي توجيهات من طهران.

ومع أن “هيئة تحرير الشام”، المعروفة سابقاً باسم “جبهة النصرة” المتحدرة من تنظيم “القاعدة”، لم تكن الخيار الأفضل بنظر أردوغان، لكنه اعتبرها أفضل من لا شيء. وبالتالي، قرر مع أبو محمد الجولاني استغلال الفرصة السانحة أواخر عام 2024 لإطاحة نظام الأسد بسرعة. وكانت اللحظة مواتية بسبب انهماك روسيا وإيران بحروبهما الخاصة، الأولى في أوكرانيا، والثانية في الشرق الأوسط، بعد أن اعتادتا حماية الأسد من الربيع العربي. ومن ثم، ما كانت مساعي “هيئة تحرير الشام” إلى إطاحة الأسد لتنجح يوماً بغياب الدعم التركي. ومع ذلك، وعلى رغم الدور الإيجابي لتراجع النفوذ الروسي والتخلص النهائي من دور إيران في سوريا، ما من توافق على الدور المرتقب لنظام “هيئة تحرير الشام”، فهل يكسب أردوغان رهانه؟ أم يعود ذلك النظام كلياً لجذوره الإرهابية؟ بكل بساطة، لا نعرف. بيد أن مشاهدة المقاتلين الأجانب، الذين كانوا التحقوا سابقاً بالجماعات الإرهابية، وهم ينضمون اليوم إلى الجيش السوري الجديد، لا تبعث أبداً على الاطمئنان. والمؤكد، في هذا السياق، أن أحداً لا يريد نسخة ثانية من الإمبراطورية العثمانية، أو أسوأ حتى، تحويل سوريا إلى “أفغانستان على ضفاف البحر المتوسط”.

والهدنة الأخيرة التي توصل إليها أردوغان مع المتمردين الأكراد في تركيا تبدو إيجابية، بيد أن ما دفعه إليها قد يكون منبثقاً من حاجته الملحة إلى حشد الدعم المحلي للتصدي للمعارضة التي توحد صفوفها أكثر فأكثر في أوساط الناخبين الأتراك المنتمين إلى الأقليات العرقية. والحال أن الأكراد في شمال شرقي سوريا، ولا سيما “قوات سوريا الديمقراطية” برئاسة مظلوم عبدي، قد دخلوا في مفاوضات صعبة مع نظام “هيئة تحرير الشام”. ولا شك في أن عداء أردوغان لـ”قوات سوريا الديمقراطية”، ووجود عديد الجيش الأميركي شرق نهر الفرات، قد حالا دون توغل الجيش التركي في شمال شرقي سوريا ومن الاستيلاء عليه.

وعليه، وقبل الانشغال إلى حد الهوس بالصراع في جنوب سوريا، الذي تدخلت فيه إسرائيل لحماية السكان الدروز والمسيحيين، من الضروري أولاً معرفة المزيد عن نظام “هيئة تحرير الشام” في دمشق. وقد سبق أن شرحت في هذه الصفحات أنه لا بد لمن أعاد تسمية نفسه اليوم بأحمد الشرع، ولحكومة “هيئة تحرير الشام” التي يترأسها، أن يمرا باختبارات عديدة، من بينها فتح ملفات نظام الأسد بالكامل، في موضوعي الرهائن الأجانب وبرامج أسلحة الدمار الشامل. ومن ثم، لا شك في أن الكشف عن جميع الصفقات التي أبرمها الأسد مع “حزب الله” سيشكل مادة دسمة للقراءة.

لكن البيت الأبيض، الذي يسعى طبعاً إلى الحصول على معلومات عن جهود الأسد في مجال تصنيع الأسلحة الكيماوية والبيولوجية من جهة، وعن المواطنين الأميركيين في عداد المفقودين من جهة أخرى، يصب اهتمامه على ما يبدو في تحقيق أولويات تركيا و”هيئة تحرير الشام”، على حساب مصالح الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، وجه السفير توماس باراك الانتقادات لإسرائيل على الهجمات التي شنتها على مراكز القيادة العسكرية السورية في دمشق. وهنا، يطرح سؤال حول ما إذا كانت تعليقات باراك تعبر عن وجهته الشخصية، أم أنها صدرت بتفويض من واشنطن، لأن انتقاد حليف للولايات المتحدة عادة ما يتطلب تفويضاً.

وعلاوة على ذلك، يصدر باراك اعتذارات علنية على خلفية تقاعس الشرع عن إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، علماً بأن تبرير أفعال أية دولة أخرى ليس من صلاحيات سفير الولايات المتحدة. وبالتالي، يدخل هذا النمط في صميم “الانصهار مع أجندة الدولة المضيفة”، وهو بمثابة داء مزمن ألم بوزارة الخارجية الأميركية، يطلق عليه أحياناً بنبرة ساخرة اسم “التأقلم المفرط مع البيئة المحلية”. وفي هذا السياق، لا بد من تنبيه السفير باراك من الأعراض التي يظهرها، فالطريق لا يزال طويلاً أمامه، وأمام البيت الأبيض، ليفهما تعقيدات المنطقة.

 “اندبندنت عربية”

—————————

كيف قَتل المهاجمون السوريون ضحاياهم: يد على الزناد وأخرى على الكاميرا

2025-07-29

وكالة رويترز

تحقيق من إعداد: دنيز أويار، مونيكا نايم، وبولا غرزانكا

تحققت وكالة “رويترز” من ثلاثة مقاطع فيديو يظهر فيها مسلحون يرتدون بزّات عسكرية وهم ينفذون إعدامات بأسلوب ميداني بحق 12 مدنياً أعزل من الطائفة الدرزية في جنوب سوريا في وقت سابق من هذا الشهر. وقد تم تصوير هذه اللقطات من قبل القتلة أنفسهم أو من قبل أشخاص كانوا يرافقونهم.

– لقطات فيديو تحققت منها رويترز تظهر مقتل مدنيين دروز رميا بالرصاص

– مراقبون: مقتل مئات الدروز في أعمال العنف في السويداء خلال يوليو

وجّه المقاتلون الذين كانوا يرتدون بزّات عسكرية بنادقهم نحو ثلاثة رجال عزل من الطائفة الدرزية، وأمروهم بالخروج إلى شرفة مشمسة، ثم صرخوا بهم أن يتوقفوا. قال أحد المهاجمين لزميله: «دقيقة واحدة. هل تريد أن تصوّرهم؟»

كان هذا الرعب قد بدأ يُصوَّر بالفعل بواسطة أحد المسلحين بهاتفه المحمول، إلا أن التنفيذ تأخر لحظات لإتاحة الفرصة لمقاتل آخر لبدء التصوير.

صرخ المسلحون في الضحايا، الذين ينتمون إلى الطائفة الدرزية في سوريا: «هيا! ارتمِ للأسفل!»

وأطلق مسلحان النار على الرجال واحدا تلو الآخر أثناء تسلقهم سور الشرفة قبل أن تتساقط جثثهم في الشارع، وفقا للقطات متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي وراجعتها رويترز.

الضحايا هم: معاذ عرنوس، شقيقه براء عرنوس، وابن عمهما أسامة عرنوس، وفقاً لصديق للعائلة وأحد الأقارب، وكلاهما أكد لـ”رويترز” أن الفيديو يُظهر مقتل الثلاثة في منزلهم في مدينة السويداء الجنوبية بتاريخ 16 يوليو.

وجاءت هذه الجرائم ضمن 12 عملية إعدام بأسلوب ميداني طالت مدنيين دروزاً عزّلاً، نفّذها مسلحون يرتدون بزّات عسكرية في ثلاثة مواقع داخل السويداء ومحيطها خلال هذا الشهر، بحسب المقاطع المصورة التي قام بتوثيقها القتلة أنفسهم أو من كانوا برفقتهم، والتي تحققت “رويترز” من صحتها.

ويظهر في فيديو آخر منير الرجمة، حارس بئر ماء يبلغ من العمر 60 عاماً، يُقتل بالرصاص على يد مقاتلين شابين بعد أن أخبرهم بأنه درزي، بحسب ما أفاد به ابنه وئام لـ”رويترز”. وتُظهر مقاطع أخرى مجموعة من المسلحين يجبرون ثمانية مدنيين على الركوع وسط ساحة ترابية، قبل أن يُطلقوا عليهم النار ويقتلوهم، وفقاً لشاهد وصديق لبعض الضحايا.

توفر هذه الفيديوهات من أكثر المشاهد توثيقاً لما جرى من إراقة دماء في محافظة السويداء منذ منتصف يوليو، والتي بدأت باشتباكات بين ميليشيات درزية محلية ومقاتلين من قبائل بدوية، ثم تدخّل لاحقاً الجيش السوري لفرض النظام. وأسفرت المواجهات عن مقتل المئات، معظمهم من الطائفة الدرزية، بحسب تقارير “رويترز” ومنظمتين للمراقبة.

تمكنت “رويترز” من تحديد مواقع الأحداث الظاهرة في كل مقطع فيديو من خلال المعالم الظاهرة فيه، كما تحققت من تاريخ وقوعها عبر مقابلات مع سبعة من أقارب وأصدقاء الضحايا، وجميعهم أكدوا أنهم يعتقدون أن القوات الحكومية السورية هي من قتلت ذويهم.

لم تتمكن الوكالة من التعرف على هوية المهاجمين في المقاطع، التي لا تحمل طابعاً زمنياً، كما لم يُعرف من نشرها أولاً على الإنترنت. وبدأ تداولها على وسائل التواصل بعد 18 يوليو، بحسب مراجعة منشورات المستخدمين.

لم ترد مكاتب الإعلام في وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين على استفسارات “رويترز” بشأن هذه الاعتداءات المصورة.

في 22 يوليو، قالت وزارة الدفاع السورية إنها على علم بتقارير عن “مجموعة مجهولة” ترتدي بزّات عسكرية ارتكبت “انتهاكات صادمة وفادحة” في السويداء، دون أن تذكر وقوع إعدامات بحق الدروز.

وأكدت الوزارة أنها ستفتح تحقيقاً لتحديد الجناة و”إنزال أقصى العقوبات” بحقهم، “حتى لو كانوا منتمين لوزارة الدفاع”.

وفي اليوم نفسه، أدانت وزارة الداخلية “بأشد العبارات الفيديوهات المتداولة التي تُظهر إعدامات ميدانية نُفذت على يد مجهولين في مدينة السويداء”.

ـ منظمة حقوقية: أكثر من 1,000 قتيل

تشهد سوريا موجات متكررة من الصراع الطائفي منذ السقوط المفاجئ لحكم الرئيس بشار الأسد ودولته الأمنية في ديسمبر الماضي، بعد 14 عاماً من الحرب. وقد شكّلت الحكومة الجديدة، بقيادة فصيل سلفي جهادي سابق، جيشاً وطنياً من عشرات الفصائل المعارضة السابقة، لكنه يواجه صعوبات في ملء الفراغ الأمني.

تُعد محافظة السويداء معقلاً للطائفة الدرزية، وهي طائفة متفرعة من الإسلام وتُشكل نحو 3٪ من سكان سوريا قبل الحرب والبالغ عددهم 24 مليون نسمة. وجاءت هذه الفظائع بعد أربعة أشهر فقط من موجة قتل استهدفت الأقلية العلوية، نُفّذت على يد فصائل مسلحة تابعة للحكومة الجديدة في المناطق الساحلية.

بدأت الاضطرابات في السويداء في 13 يوليو، بعد تصاعد التوترات المزمنة حول الأراضي والموارد إلى مواجهات بين ميليشيات درزية محلية ومقاتلين من قبائل بدوية، وهم، مثل الجيش، من الطائفة السنية، التي تُشكّل الأغلبية في البلاد.

وتصاعد العنف بشكل كبير بعد نشر الجيش السوري في السويداء يوم 14 يوليو، ودخوله مدينة السويداء نفسها في اليوم التالي، بحسب شهود عيان، ومنظمتين لمراقبة الحرب، ومراسلين ميدانيين.

وصرحت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” أن 1,013 شخصاً قُتلوا منذ 13 يوليو، بينهم 47 امرأة، و26 طفلاً، و6 من الكوادر الطبية. وأوضحت الشبكة أن معظم الضحايا من الدروز، لكنها لم تتمكن من تحديد عدد المقاتلين منهم مقابل المدنيين. وأضافت أن غالبية القتلى سقطوا بعد دخول الجيش، الذي أدى إلى تصاعد كبير في الاشتباكات.

وقال رئيس الشبكة، فضل عبد الغني، لـ”رويترز” إن منظمته وثّقت عمليات إعدام ميدانية ارتكبتها قوات النظام السوري، ومقاتلون بدو، ومجموعات درزية.

وكشف طبيب شرعي في مستشفى السويداء الوطني، تحدث لـ”رويترز” شريطة عدم الكشف عن اسمه، أنه عاين 502 جثة خلال موجة العنف هذه.

قال إن إحدى الجثث كانت مقطوعة الرأس، وأخرى (منها فتاة مراهقة) مذبوحة من العنق. أما البقية، فكانوا قد أصيبوا بطلقات نارية من مسافات قريبة.

لم تتمكن “رويترز” من التحقق بشكل مستقل من الأرقام أو التفاصيل الدقيقة للفظائع التي وثّقتها الشبكة والطبيب.

“هل أنت مسلم أم درزي؟”

تعرّف نجل الرجمة، حارس البئر البالغ من العمر 60 عاماً، على والده في مقطع فيديو تحققت “رويترز” من صحته، صُوِّر يوم 15 يوليو أمام مدرسة محمد صالح نصر في بلدة “الثعلة”، التي تبعد أقل من ميل عن منزلهم.

يظهر الرجمة جالساً على درجات مدخل المدرسة، فيما يصرخ عليه ثلاثة شبان مسلحين على الأقل يرتدون بزّات عسكرية: “أأنت مسلم أم درزي؟”

كان التصوير يتم بواسطة شخص يقف مباشرة بجوار المقاتلين، ولم يتضح ما إذا كان مسلحاً أيضاً.

أجاب الرجل المسن: “أنا سوري”، فردّ أحدهم: “شو يعني سوري؟ مسلم ولا درزي؟”

قال الرجمة: “يا أخي، أنا درزي.”

فأطلق ثلاثة من المقاتلين النار عليه فوراً.

ثم صاح أحدهم: “هذا مصير كل كلب منكم، يا خنازير.”

وفي فيديو آخر تحقق منه مراسلو “رويترز”، يُشاهد سبعة مقاتلين ببزّات عسكرية يحملون بنادق وهم يقودون ثمانية رجال بملابس مدنية على الرصيف. وبناءً على لافتات المحال وتخطيط الشارع، تمكنت “رويترز” من تحديد الموقع غرب ساحة تشرين، وسط مدينة السويداء.

الشعار الوحيد الظاهر على البزّات العسكرية هو شارة سوداء صغيرة على ذراع أحد المقاتلين الأيمن، مكتوب عليها الشهادة بأسلوب مشابه لذلك الذي استخدمه تنظيم الدولة الإسلامية. وقد لاحظ مراسلو “رويترز” جنوداً على حواجز حكومية يرتدون شارات مشابهة.

لم تُجب وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين عن أسئلة “رويترز” بشأن ما إذا كانت قواتهما ترتدي مثل هذه الشارات.

ولم يأتِ تنظيم الدولة الإسلامية على ذكر السويداء في أي من منشوراته الدعائية بعد 13 يوليو. ولم تتمكن “رويترز” من الوصول إلى أي ممثل عن التنظيم.

وبعد ثوان قليلة من بدء الفيديو، أدار المسلح الذي كان يصور كاميرا هاتفه إلى وجهه فيظهر رجل ملتح يرتدي زيا عسكريا ووشاحا أحمر حول رأسه ومؤخرة بندقية على صدره.

كان الضحايا الثمانية يسيرون في صف واحد، كل منهم يضع يديه على كتفي من أمامه.

وقد تعرّف صديق على الرجل الأخير في الصف، الذي كان يرتدي قميصاً بني اللون وصندلاً، على أنه حسام سرايا، وهو مواطن سوري-أميركي يبلغ من العمر 35 عاماً. وقال إن الرجل الأكبر سناً أمامه مباشرة هو والد حسام، والذي يليه هو شقيقه كريم. وأضاف أن معظم الآخرين من نفس العائلة الممتدة.

وأكدت ديما سرايا، زوجة علي سرايا – أحد الرجال في الصف – لـ”رويترز” أن رجالاً مسلحين يرتدون بزّات عسكرية حاصروا المبنى الذي كانت تعيش فيه العائلة غرب ساحة تشرين يوم 16 يوليو، وطلبوا من الرجال تسليم أنفسهم، واعدين بإعادتهم بعد استجوابهم لساعات قليلة.

وأكد السناتور الأمريكي جيمس لانكفورد عن أوكلاهوما أن حسام، الذي كان يعيش في الولاية “أُعدم بشكل مأساوي مع أفراد من عائلته في سوريا”. ولم يدل بمزيد من التفاصيل.

ويظهر مقطع فيديو آخر نفس الرجال الثمانية العزل راكعين على التراب عند دوار في ساحة تشرين. وتمكنت رويترز من التحقق من موقع الفيديو عن طريق التمثال الموجود في الدوار ومن خلال برج سكني يظهر خلفها مباشرة.

وتعرف نفس الصديق على حسام وشقيقه ووالدهما الذين كانوا من بين الرجال الراكعين في الفيديو الثاني. وأطلق مسلحان على الأقل النار مباشرة على المجموعة من مسافة قريبة ولمدة سبع ثوان على الأقل. وسقط الرجال على التراب بلا حركة بينما هتف المسلحون “الله أكبر”.

—————————-

 حصار السويداء من الداخل أو الخارج؟/ محمد الشيخ

الثلاثاء 2025/07/29

اتهامات بفرض حصار خانق، ونفي حكومي سوري، هذا هو المشهد السائد داخل محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، بعد التوصل لوقف الأعمال القتالية بوساطة أميركية.

والمؤكد، وسط دوامة الاتهامات ونفيها، أن هناك حلقة مفقود بحاجة إلى فك طلاسمها، حول الطرف الذي يفرض الحصار، لأن قوافل المساعدات تتقاطر يومياً إلى داخل مدينة السويداء، في حين تشير الأنباء إلى أن هناك طرفاً داخلها يحتكر المساعدات ويوجهها نحو فئة مستفيدة قليلة، مرتبطة بالجهة الأشد رفضاً للتواصل مع الحكومة السورية ومنع دخول كوادرها، وهي الزعامة الروحية المتمثلة بالشيخ حكمت الهجري والمجلس العسكري الموالي له.

لا حصار!

نفت الحكومة السورية نفياً متكرراً وجود أي حصار على السويداء، وتدفع بالمزيد من المساعدات الإنسانية عن طريق الهلال الأحمر السوري إلى داخل المدينة، حتى تقرن النفي بالأفعال على ما يبدو.

وأكد محافظ السويداء مصطفى بكور، الاثنين الماضي، أن “قوافل المساعدات الإغاثية والإنسانية تدخل إلى محافظة السويداء يومياً على نحوٍ طبيعي من جهة بصرى الشام في ريف درعا الشرقي، ولا توجد أية إعاقة في حركة المرور، والطريق سالك لدخول المنظمات الإغاثية إلى المحافظة”.

كما أكد مدير المؤسسة السورية للمخابز محمد الصيادي، أن المخابز في محافظة السويداء تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية حالياً، بالتنسيق مع المحافظة، بهدف تأمين الخبز للمواطنين من دون انقطاع.

أمام هذا النفي الحكومي، هناك رواية واحدة تصدّرها الجهات داخل السويداء، بأن الحكومة السورية “تفرض حصاراً عقابياً”، وأن الحل لا بالتوجه إلى الجهات الدولية للضغط على الحكومة ورفع الحصار، إنما بفتح معبر إنساني مع الأردن، على غرار المعابر السابقة مع تركيا وشمال سوريا، إبان وجود نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في الحكم.

وذهبت تلك الجهات إلى أبعد من ذلك، بالمطالبة بفتح طريق مع مناطق سيطرة الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، وهي مطالبات كررها ناشطون وصحفيون دروز. والهجري كان السبّاق لترويجها والمطالبة بها، وهو ما فتح الباب أمام حديث واسع على أن النيّة الخفية هي سلخ السويداء عن الجغرافيا السورية، والحصول على منطقة حكم ذاتي، عبر تصدير “مظلومية الحصار”.

وقال مسؤول حكومي سوري، الأحد الماضي، إن الهجري وجماعته يُطالبون بـ”منطقة حكم ذاتي”، كما فعلت عام 2023، ويطالب بمنطقة حظر جوي في السويداء، ومعبر حدودي مع الأردن، واستولى على قوافل مساعدات إنسانية أُرسلت إلى المدنيين المتضررين من القتال، ووزعها على جماعته وأقربائه، كما سمح فقط لمركبات الهلال الأحمر العربي السوري بالدخول إلى السويداء، وفق وكالة “الأناضول”.

ويؤكد مدير شبكة “السويداء24” ريان معروف، لـ”المدن”، أنه “من غير المنطقي أن يقوم الهجري بتجويع أهالي السويداء، لأي سبب كان، والحكومة السورية هي الطرف الذي يتحمل مسؤولية منع دخول القوافل التجارية للسويداء، لأنها المسيطرة على الطرقات الرئيسة”. ويلفت إلى أن المساعدات الإنسانية التي تدخل غير كافية.

حصار تجاري؟

والحال، أن قوافل المساعدات مهما كانت كبيرة، إلا أنها موجهة نحو الفئات الأشد حاجة وضعفاً، وبالتالي فإن ذلك لا يغني أبداً عن الحركة التجارية بين مدينة السويداء، والشريان الرئيس المغذي لها، الموجود في دمشق على وجه التحديد، وعليه فإن هناك فئة كبيرة عاجزة عن تأمين حاجياتها اليومية من مواد غذائية وتموينية يومية بحاجة إليها.

وقالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إن محافظة السويداء تشهد منذ 13 تموز/ يوليو، تدهوراً واسع النطاق على الصعيدين الإنساني والخدمي، كما وجّهت نداء استغاثة للسماح بدخول كافة أشكال المساعدات الإنسانية إلى السويداء والمشردين قسراً جرّاء الاشتباكات.

ويقول معروف، إن الحركة التجارية توقفت منذ 13 تموز/ يوليو، قبل يوم واحد من بدء العمليات العسكرية، وإن جميع الطرقات المؤدية إلى السويداء، قُطعت بشكل كامل، وأُقيمت حواجز عليها للأمن العام ووزارة الدفاع السورية، بما في ذلك طريق دمشق- السويداء.

ويضيف أن طريق دمشق- السويداء تحت سيطرة ما يسمى “جيش العشائر”، ويمنع التجّار من إدخال المواد الغذائية لأهالي المحافظة، كما يشير إلى أن القرى هناك تتعرض للسلب والنهب و”التعفيش” حتى اليوم.

ويتابع معروف، أن بعض تجّار مدينة السويداء حاولوا قبل أيام إدخال قافلة تجارية غذائية وخضار وفواكه عن طريق تجّار من دمشق، لكنهم مُنعوا من إدخالها. ويؤكد أن الوضع المعيشي أصبح كارثياً، وسط شح كبير بالمواد الغذائية، وأن الحصول على ربطة خبز أصبح صعباً جداً، في حين أن الخضار والفواكه غير موجودة أبداً.

خوف متبادل

من جانبه، يؤكد مصدر إعلامي سوري لـ”المدن”، أن ما يُشاع عن فرض حظر تجاري على مدينة السويداء، “هو عارٍ من الصحة”، متهماً الفصائل العسكرية المسيطرة على المدينة لا سيما المجلس العسكري، بمنع تجّار السويداء من الخروج، “بزعم الحفاظ على سلامتهم”.

ويضيف أن هناك خوفاً متبادلاً يمنع التجار من الدخول أو الخروج للسويداء، بسبب ما شهدته المدينة من أحداث، في حين أن تجّار درعا لا يجرؤون على إدخال أي قوافل تجارية خوفاً من السيطرة عليها من قبل عناصر الفصائل الموالية للهجري.

ويشير إلى أن الأمن العام هو من يسيطر على الطرقات المؤدية لمدينة السويداء، وهي “طرق آمنة لمن أراد الدخول أو الخروج”، كما لم يصدر أي قرار “علنياً أو سرياً”، بفرض حصار على السويداء، في الوقت الذي تتقاطر فيه قوافل المساعدات الإنسانية يومياً باتجاه السويداء، لسد الحاجة المُلحّة لأهالي المدينة، مع توقف القوافل التجارية، وفق قوله.

————————–

 هل إسرائيل في حالة ارتباك وتراجع؟/ محمود سمير الرنتيسي

2025.07.30

لأول مرة، تلقي دولة الاحتلال الإسرائيلي مساعدات إنسانية من الجو فوق غزة، وتعلن عن فتح ممرات لقوافل المساعدات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، بالإضافة إلى وقف إطلاق نار تكتيكي خلال ساعات النهار.

وعند التمعن في تفاصيل هذه الإجراءات، يتبين أنها لا تتعدى كونها خطوات دعائية؛ إذ لم تتجاوز كمية المساعدات التي تم إسقاطها ما يعادل حاوية ونصف، وسقطت في مناطق خطرة يتعذر الوصول إليها. كما أن الشاحنات التي دخلت تعرّضت، وفق مخطط صهيوني، للنهب من خلال منع المؤسسات الدولية والمحلية من توزيعها على مستحقيها من المحتاجين بشدة للمساعدات الإنسانية.

من زاوية أخرى، وكما أشار عدد من الكتاب الإسرائيليين، فإن هذا السلوك نابع من حالة ارتباك وتسرّع تعيشها الحكومة الصهيونية، التي تلقت موجة كبيرة من الانتقادات حتى من أقرب حلفائها مثل فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، بسبب سياسة التجويع ووفاة الفلسطينيين في غزة جراء نقص الغذاء وسوء التغذية الناجم عن الحصار المفروض على دخول المساعدات الإنسانية، وما يرافقه من غضب عالمي متصاعد.

هناك حالة احتقان وغليان كبيرة في أوساط الشعوب العربية وعلى الساحة الدولية، تترافق مع تزايد الزخم التضامني مع الشعب الفلسطيني في غزة، وخاصة بعد انكشاف الموقفين الإسرائيلي والأميركي الرافضين للمبادرات المرنة التي قدمتها حركة حماس في ملف المفاوضات لوقف إطلاق النار. كما وقع اعتداء ثانٍ على سفينة تضامن في البحر المتوسط، وتصاعدت مواقف الناشطين في عدد من عواصم العالم، وتكررت الاحتجاجات أمام السفارات الإسرائيلية، إلى جانب عمليات دعس داخل الكيان، وهجمات ضد صهاينة في دول أوروبية، وملاحقات قانونية وقضائية. هذا كله ينضاف إلى الخسائر الجسيمة التي تلحقها المقاومة الفلسطينية بالجيش الإسرائيلي في غزة، وآخرها تفجير ناقلتي جند شرق خانيونس يوم السبت الموافق 26 من الشهر الجاري.

في الوقت نفسه، تورطت دولة الاحتلال الإسرائيلي في سياسات عدائية صارخة ضد سوريا، متجاهلة إرادة الشعب السوري، عبر دعم بعض المجموعات في محافظة السويداء، إضافة إلى تنفيذ غارات جوية على مواقع تابعة للحكومة السورية.

تخشى دولة الاحتلال أن تفقد قدرتها على السيطرة على المشهد، في ظل الغضب العالمي المتصاعد، وفشلها في تحقيق أهدافها المعلنة في غزة، سواء في القضاء على المقاومة أو استعادة الأسرى بالقوة.

رغم الإنكار المتكرر من قبل المتحدث العسكري الإسرائيلي لوجود مجاعة في غزة، فإن إسرائيل لا تستطيع إنكار المشاهد الحية والمقاطع المنتشرة التي توثق حالات الوفاة بسبب الجوع.

وعلى الرغم من الطابع الدعائي لإجراءاتها الأخيرة، إلا أنها تُعدّ تراجعًا واضحًا عن الموقف الإسرائيلي المتشدد المعلن منذ بداية الحرب، والذي أعلنه وزير الدفاع المقال يوآف غالانت منذ الأسبوع الأول بقوله: “لا طعام، لا ماء، لا كهرباء” ستدخل إلى غزة.

لقد استخدمت دولة الاحتلال ملف المساعدات الإنسانية كسلاح منذ بداية عدوانها على غزة، لكنها فشلت في تركيع الشعب الفلسطيني، كما فشلت في خلق بدائل عبر مجموعات من العملاء، حيث اصطدمت هذه المحاولات بوعي الشعب الفلسطيني، الذي رفضها ونبذها، وتبرأت عائلات العملاء من أبنائها. كذلك لم تنجح الحيل الأميركية-الإسرائيلية المشتركة في تمرير مشاريع السيطرة من خلال شركات توزيع المساعدات، ولم تتمكن من فرض وقائع جديدة تدفع الفلسطينيين إلى التنازل عن أرضهم أو تهجيرهم.

تعاملت إسرائيل بعنجهية كبيرة، مدعومة بغطاء أميركي رسمي، ورفضت المضيّ في صفقات تبادل الأسرى، كما رفضت إدخال المساعدات، وأصرّت على احتلال مساحات واسعة من قطاع غزة. لكنها اليوم تضطر إلى التراجع تحت ضغط صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته، ونتيجة الدعم الشعبي والدولي المتصاعد للقضية الفلسطينية.

ولا يقتصر الإجرام على حكومة وجيش الاحتلال فحسب، بل يتعداه إلى المجتمع الصهيوني الذي يتحوّل، على مستوى الهوية، إلى مجتمع مجرم، يدعو إلى الإبادة الجماعية، ولا يُبدي أي ردّ فعل حيال قتل الأطفال والنساء وموت الرضّع جوعًا وعطشًا، بل يحثّ على التهجير والتدمير الشامل. وهذا الانزلاق الأخلاقي يعمّق عزلة إسرائيل الدولية ويضعف موقفها بشدة. وكما قالت الكاتبة الإسرائيلية يهوديت كارف في صحيفة “هآرتس”: “قد تدرك إسرائيل ما فعلته بغزة من دمار وقتل، لكنها لا تدرك ما فعلته بنفسها، وبمجتمعها، الذي سيتجه لا محالة نحو العنف الداخلي”.

على عكس ما كانت تتوقعه دولة الاحتلال، تتنامى ردود الفعل المؤيدة للمقاومة، ويتحوّل زخم النضال الشعبي والدبلوماسي الناعم إلى أدوات أكثر خشونة مع مرور الوقت. ومن المتوقع أن يتزايد الدعم الشعبي والدولي للقضية الفلسطينية، بالتزامن مع تصاعد الغضب ضد إسرائيل التي لا تزال تصرّ على تقديم نفسها كتهديد للمنطقة والإنسانية عبر الإبادة الجماعية، سواء بالقصف أو بالتجويع.

ومن المرجّح أن تتوسع رقعة الدعم الشعبي لكسر الحصار عن غزة، لا سيما في دول مثل الأردن ومصر، في ظل المؤشرات المتزايدة خلال الأيام الأخيرة، والتي تعكس حالة من الغليان الشعبي تدفع باتجاه تحرك فعلي لنصرة سكان غزة.

تلفزيون سوريا

—————————–

الطريق إلى “قسد”… ملاذ السويداء الأخير/ مصطفى رستم

أنقرة ودمشق تعارضانه… وإسرائيل تشجع فتح “ممر داوود”

الأربعاء 30 يوليو 2025

يرى مراقبون أن مطالبة الهجري بفتح ممر آمن للمساعدات لا طابع سياسياً له، وليس من المفيد تحميله أكثر مما يحتمل (اندبندنت عربية)

ملخص

طالب شيخ عقل الطائفة الدرزية، حكمت الهجري بفتح ممرات باتجاه مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بعد معارك قاسية خاضتها ميليشيات محلية في السويداء وجهاً لوجه مع البدو في المحافظة. وتفاقم الأمر واتسع مع وصول الآلاف من مقاتلي العشائر غداة غارات إسرائيلية شنت على مواقع في السويداء والعاصمة دمشق.

بهدوء حذر تلملم مدينة السويداء الجنوبية في سوريا أشلاء أبنائها، وتضمد جروح أثخنتها رصاصات الفتنة على مدى أكثر من أسبوعين من المعارك الدائرة في محيطها التي شهدت اتفاقاً لوقف إطلاق نار دخل حيز التنفيذ.

وساد قرار وقف الحرب في المدينة التي أعلنها ناشطون “منكوبة” مع فقدانها مقومات الحياة وغياب الخدمات الصحية. وتقول الناشطة الحقوقية، رفا أبو صعب إن “الوضع كارثي، والحياة في المدينة شبه معدمة، لقد أسهم أهلي بكمية من مادة المازوت المخزنة لديهم بالبيت لتشغيل مخبز الحي الذي نقطن به”.

ومع ذلك تتواصل قوافل إجلاء المدنيين من ريفي السويداء الشمالي والغربي إلى درعا القريبة. وخرجت أخيراً ست حافلات تقل 500 شخص من أبناء عشائر البدو، في ظل حال احتقان وتوتر طائفي بين مجموعات مسلحة تتبع للطائفة الدرزية وأخرى تابعة للعشائر العربية انتهت إلى هدنة.

فتح الممرات

وكان شيخ عقل الطائفة الدرزية حكمت الهجري طالب بفتح ممرات باتجاه مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بعد معارك قاسية خاضتها ميليشيات محلية في السويداء وجهاً لوجه مع البدو في المحافظة. وتفاقم الأمر واتسع مع وصول الآلاف من مقاتلي العشائر غداة غارات إسرائيلية شنت على مواقع في السويداء والعاصمة دمشق، وفي حال ظلت كل الطرق مغلقة فإن هذه المطالبة يمكن أن تنفذ لأسباب سياسية وأمنية وعسكرية.

وكان الشيخ الهجري طالب في بيان له في الـ17 من يوليو (تموز) الجاري بـ”فتح طريق باتجاه الأخوة الأكراد ونتوجه إلى جلالة الملك عبدالله الثاني في المملكة الأردنية الهاشمية التوجيه لفتح معبر حدودي بين السويداء والأردن لما لهذه الطرق من أهمية إنسانية في هذه اللحظات الحرجة، ونأمل اتخاذ خطوات عاجلة تسهل التواصل وتخفف من معاناة المواطنين”.

من جانبه جزم الناطق الرسمي باسم “حركة رجال الكرامة”، باسم أبو فخر لـ”اندبندنت عربية” بأن “أهالي السويداء افتقدوا شريكاً وطنياً حقيقياً يحفظ الدماء والممتلكات، ويحاول الإبقاء على المدينة كجزء من النسيج السوري”، في إشارة إلى السلطة الجديدة في دمشق. وتصرف هذا الطرف حسب قول أبو فخر “برعونة” و”نسف كل المساعي الوطنية، وارتكب المجازر والجرائم”. وأضاف “نحن الآن مقاتلون ندافع عن وجودنا ولسنا طرفاً في المفاوضات، هناك لعبة دولية قذرة وقودها الأبرياء، ونحن براء منها، وكل ما يهمنا هو إعادة القرى لأهلها وإحقاق الأمن والأمان”.

أنقرة ودمشق… والهجري

في الوقت ذاته التقطت أنقرة ودمشق إشارات الشيخ الهجري، وتعويله على فتح ممر يصل إلى مناطق “قسد” في الشمال الشرقي بكثير من الاهتمام، لا سيما تركيا الحريصة على حدودها الجنوبية والساعية إلى وأد المشروع الانفصالي من الجانب الكردي بالتوازي مع تدهور مسار التطبيع بين دمشق وتل أبيب بسبب أحداث السويداء الأخيرة.

في هذا التوقيت سارعت دمشق إلى الطلب من تركيا تعزيز قدراتها الدفاعية، وقالت وزارة الدفاع التركية في بيان، إنه “استجابة لطلب الحكومة السورية نواصل تقديم التدريب والاستشارات، والدعم الفني لتعزيز القدرة الدفاعية لسوريا”.

ولفت الباحث التركي في “مركز تركيا الجديدة للبحوث”، علي أسمر إلى “تزايد التحذيرات في الأوساط السياسية والأمنية التركية من مشروع يعرف باسم ’ممر داوود‘، وهو مخطط يتم الترويج له منذ أشهر تحت ذرائع إنسانية، بينما تجمع التقديرات التركية والسورية على أنه يشكل تهديداً مباشراً لوحدة الأراضي السورية وللأمن القومي التركي على حد سواء”.

وأردف “هذا الممر، الذي يفترض أن يربط جنوب سوريا، وتحديداً مناطق السويداء ودرعا، بشمال شرقي البلاد، مروراً بمناطق ذات حضور درزي وكردي، يعتبر في جوهره مشروعاً جغرافياً أمنياً يهدف إلى إنشاء شريط نفوذ يمتد من الحدود الأردنية إلى شرق الفرات، بطريقة تمنح إسرائيل منفذاً غير مباشر إلى شمال سوريا، بل وتضعها جغرافياً على تماس سياسي وأمني مع الحدود التركية من الجنوب. إنه مشروع تقسيمي مغلف بشعارات حماية الأقليات، لكنه في الواقع محاولة لفرض أمر واقع يخدم مصالح تل أبيب وبعض المجموعات الانفصالية”.

ويعتقد أسمر بأن “بعض الشخصيات المرتبطة بالخارج، مثل الشيخ حكمت الهجري ومحيطه تحاول تسويق هذا الممر بذريعة تقديم الحماية للمكونات الدينية، وعلى رأسها الدروز، إلا أن هذه الحجج لا تقنع تركيا ولا تمر على أنقرة، التي تعتبر هذا الممر مشروعاً صريحاً لإضعاف الدولة السورية وتقويض الاستقرار في المنطقة، فكل محاولة لإقامة ممرات بديلة عن الدولة المركزية، سواء كانت عبر قوات سوريا الديمقراطية أو عبر مجموعات انفصالية درزية أو كردية، ستؤدي إلى تفتيت البنية الوطنية السورية وتعريض الأمن التركي لأخطار استراتيجية”.

ممر آمن للمساعدات

في المقابل، يرى الباحث في مركز راصد لحقوق الإنسان الكردية، جوان اليوسف أن “مطالبة الهجري بفتح ممر آمن للمساعدات لا طابع سياسياً له، وليس من المفيد تحميله أكثر مما يحتمل، والآن بعدما دخلت الهدنة حيز التنفيذ يفترض أن يعود طريق دمشق وهو الأقرب والأكثر إفادة للسكان المحليين للتزود بأسباب الحياة”.

ويرى اليوسف أن “طريق الصحراء الذي يربط السويداء ومناطق شرق سوريا بالضرورة يمر بالمناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية بصورة خاصة بادية حمص، وإذا لم تؤمنه السلطة في دمشق يصبح الأمر غير عملي ولن يفيد. أتمنى أن تستمر الهدنة وتعود الحياة لطبيعتها وتنتهي الأزمة الوطنية في سوريا”.

تصريحات براك

في الموازاة دعا المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم براك الرئيس السوري، أحمد الشرع إلى تقويم سياساته، وتبني نهج أكثر شمولاً. وقال إنه نصح الشرع بمعاودة النظر في تكوين الجيش الجديد، وتقليص نفوذ المتشددين وطلب المساعدة الأمنية الإقليمية. وأكد براك في مقابلة بثتها وكالة “رويترز” على أنه “من دون تغيير سريع يخاطر الشرع بفقدان القوة الدافعة التي أتت به ذات مرة إلى السلطة”.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتسع رقعة المعارك الطائفية بين السلطة، ومجموعات تتبع للطائفة الدرزية، سبقها في مارس (آذار) الماضي معارك مع مجموعات موالية للسلطة ومجموعات مسلحة ذات غالبية من العلويين في الساحل السوري.

ولعل لجنة تقصي الحقائق وجدت نفسها أمام شبكة معقدة من الانتهاكات والمخططات، بحسب ما وصف المتحدث باسمها، ياسر فرحان، بعدما كشفت التحقيقات عن عشوائية وسلوكيات متباينة خلال أحداث الساحل أفضت إلى سقوط 1426 شخصاً وفقدان 20، مما يرجح حسب متخصصين في الشأن السوري، تأجيل المعركة في مناطق قوات “قسد” بحال لم تندمج مع الجيش السوري الجديد، إلى ما بعد حسم المعركة في السويداء.

في غضون ذلك تشكك أوساط مراقبة بدوافع الشيخ الهجري إلى المطالبة بفتح طريق إلى مناطق “قسد” أي إلى مناطق ضفاف الفرات، حيث يتطابق مع ما طرحته تل أبيب من مشروع “ممر داوود” الذي تسعى إلى تنفيذه عبر ربط مرتفعات الجولان مروراً بالقنيطرة والسويداء ودير الزور بشمال شرقي سوريا، مما يوفر لها نفوذاً أمنياً وعسكرياً وسياسياً واسعاً، وتغلغلاً إضافياً في الجغرافيا السورية.

ويجزم الباحث التركي علي أسمر بأن “أنقرة تدرك أن هذا المشروع لا يمكن أن يقوم من دون دعم لوجيستي وتنسيق بين قوى دولية وإقليمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، ولذلك تتحرك على أكثر من مسار لإجهاضه، فمن جهة، هناك توافق تركي – أميركي، تم تأكيده في الأسابيع الماضية، على ضرورة دمج ’قسد‘ ضمن هياكل الحكومة السورية الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، وحصر السلاح بيد الدولة وبسط سلطتها على كامل التراب السوري، ومن جهة أخرى فإن تركيا تنسق مع العشائر العربية في دير الزور والرقة والحسكة، بهدف منع أي مشروع يمر عبر أراضيهم ويهدد النسيج الوطني”. وأضاف أن “فتح ما يسمى ’ممر داوود‘ لن يؤدي فقط إلى تشجيع النزعات الانفصالية في صفوف بعض الأكراد والدروز، بل سيشكل أيضاً منصة لتوسيع التنسيق بين إسرائيل وهذه المكونات، في إطار تحالفات تبنى على حساب سيادة الدولة السورية، وهو ما تعتبره دمشق وأنقرة معاً خطاً أحمر لا يمكن القبول به”.

وعلى رغم تمسك تركيا بالمسار السياسي ودعمها استقرار سوريا من خلال الدولة المركزية، فإن الخيار العسكري يبقى حاضراً على الطاولة، ويعتقد الباحث الأسمر أنه “في حال رصدت تحركات فعلية لفرض هذا الممر، قد تقدم تركيا على تنفيذ عمليات جوية نوعية تستهدف البنية التحتية لهذا المشروع”. ويضيف “بل ومن المحتمل أن نشهد تحركات عسكرية من جانب مكونات محلية متحالفة مع دمشق وأنقرة على طول هذا الطريق، بدعم تركي مباشر، وقد تتطور الأمور إلى عملية عسكرية محدودة في حال اقتضت الضرورة، كما حدث في عمليتي درع الفرات ونبع السلام”.

—————————

اليمين الإسرائيلي.. وسوريا/ أيمن خالد

أيمن خالد

29 يوليو ,2025

يدفع اليمين الحاكم في إسرائيل الشارع نحو البقاء في “وضعية النجاة” بقصد إضعاف التفكير النقدي وتعزيز طاعة القطيع، ما يعني بقاء الشارع الإسرائيلي في حالة مستدامة من الطوارئ، ويكون ذلك عبر استئناف خلق عدو وتهديدات خارجية، ومخاطر مصطنعة بغية تحقيق كبير الأثر في تشكيل النفسية الجمعية، وبمقابل ذلك يظهر إلى الواجهة الزعيم أو الحزب المنقذ، ما يجعل الشارع يتوقف عن مساءلة السلطة وغير ذلك، تماماً على شاكلة بعض البلدان المستبدة حيث “تسطع في الأزمات” ظاهرة الشرعية الثورية لتلغي فكرة الحريات، وربما تكون الشرعية الدينية أو القومية وغيرها، وبالتالي تصبح سردية النجاة هي الكائن الحي في ذاكرة المشهد اليومي المتكرر.

لكن هذه السردية تحتاج دوماً إلى مبررات حتى تبدو مقنعة، وهي ما استُثمرت في وقت سابق، ففي الــ 30 من آذار 2018 أطلقت حماس نسخة غزة من مسيرات العودة وما ترافق معها من خطاب شعبوي اختلطت فيه أصوات قادة حماس بالانتصار على إسرائيل مع الدخان المنبعث بفعل الحرائق والذي غطى على حجم القتلى والجرحى الفلسطينيين آنذاك، ورويداً بعد ذلك تحولت إلى اشتباك وقصف متبادل بعد أقل من شهرين من انطلاقها، وانتهت بتفاهمات أيار مايو 2018، ثم اجتمع الكنيست في 19 يوليو تموز من نفس العام وصدر القانون الذي اعتبر إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي، وهو القانون الذي اعتبرته الأوساط العربية والدرزية ومراقبون دوليون بأنه القانون الأكثر عنصرية وفي مساء الرابع من أغسطس 2018 بعد أقل من شهر خرجت تظاهرة احتجاج في ساحة رابين في تل أبيب قدرت بخمسين ألفاً بحسب الإعلام الإسرائيلي، قال خلالها الشيخ موفق طريف شيخ الطائفة الدرزية في إسرائيل إن “الدولة لا تعتبرنا متساوين”. لكن الطريف في الأمر كله، أن قانون يهودية الدولة سنته آنذاك حكومة نتنياهو بواقع 62 صوتاً فقط في الكنيست، غير أن ذلك القانون كان صعباً أن يمر دون خطاب شعبوي يومي قامت به حماس مستغلة مسيرات العودة والأحداث اليومية المتتالية، لتمرير خطابها، ما صب لاحقاً في خدمة نتنياهو، وتبقى خطورة هذا القانون أنه فتح بوابة الاستيطان واسعة في الضفة، وبالتالي فإن الخطاب الشعبوي الذي يخلط السياسة بالدين، والذي سارت به حكومة نتنياهو آنذاك، أراد تضليل العقل الجمعي ما يجعل الحقائق السياسية تختفي لتسير الأمور باتجاه “وضعية النجاة”.

من هنا نجد أن نتنياهو ينظر إلى سوريا، وترعبه صورة الدولة الباحثة عن الاستقرار والتي للتو خرجت من عمق المأساة، وبينما سوريا تسير على خطى العرب، وتقترب خطوة خطوة نحو طي صفحة الحروب، تأتي الاستفزازات الإسرائيلية لسوريا على مدى الأشهر الماضية عبثاً غير أن سوريا تنجح في امتصاصها، فالعرب قديماً وجدت في سد الذرائع قوة، فرفع الحطب من أمام النار يجعلها تخمد، وبالتالي نجحت سوريا على خطى العرب، ونجحت السلطة الفلسطينية في الحفاظ على الضفة وشعبها، وفشلت حماس وكامل المليشيا في اجتياز المرحلة وعلقت مصائر شعوبها نحو المجهول لكنها قبل ذلك خدمت نتنياهو في تمرير مشروعه في تجنيد عشرات الآلاف من الحريديم عند اكتمال المشروع وفق ما ذكره وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، وهو القانون الذي كان من غير الممكن تمريره في وقت سابق لولا تلك الذرائع.

إشكالية اليمين الإسرائيلي أنه يعيش وهم زواله وزوال دوره، لأن ما بناه الليكود وما لحق بهم خلال العقدين الماضيين في المخيلة لم يعد مقنعاً في العالم الجديد، هذا العالم الذي يتجه نحو الشراكة في الرؤية العربية في حل القضية الفلسطينية من جانب، يضاف إلى ذلك توجه سوريا نحو الانفتاح على المجتمع الدولي وهو ما لم يحدث منذ قرابة نصف قرن، هنا يجد اليمين الإسرائيلي في سوريا إشكالية كبيرة، فهي تفتح الأبواب صوب العالم الخارجي، في الوقت الذي تصبح فيه هذه الأبواب لا تسمح بعبور أوهام السلطات الحاكمة في إسرائيل، ما بات يشكل لليمين الإسرائيلي حالة من العجز عن تصدير الرؤية المتخيلة التي عمل عليها خلال عقود وعقود مضت، وهو ما يطرح من جديد إشكالية الشيخوخة السياسية في إسرائيل، إضافة إلى إشكالية عجز الفكرة المتخيلة من أن تتحول الى واقع، وفي الوقت ذاته، يكبر المشروع العربي للشرق الأوسط الجديد.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

انضم إلى المحادثة

———————–

 مصدر إسرائيلي لـ “العربية”: مفاوضات إيجابية مع سوريا في باريس وعواصم أخرى

المصدر الإسرائيلي أوضح أن “المفاوضات مع الحكومة السورية تتناول نزع السلاح من جنوب البلاد”

الرياض : قناة العربية

30 يوليو ,2025

كشف مصدر إسرائيلي لقناتي “العربية” “والحدث”، الأربعاء، أن “مفاوضات باريس مع سوريا كانت إيجابية”، كاشفاً عن “لقاءات مستمرة بين الجانبين تسير جيدا في عدة عواصم”.

وأوضح المصدر أن “المفاوضات مع الحكومة السورية تتناول نزع السلاح من جنوب سوريا”.

وقال المصدر الإسرائيلي إن “تل أبيب لديها إنذارات بنية جهات تابعة لإيران الاعتداء على إسرائيل من الجنوب السوري”.

وشدد المصدر الإسرائيلي على أن “الحديث عن اجتياح إسرائيلي للجنوب السوري عار عن الصحة”.

وذكر المصدر أن إسرائيل ترفض “المس بالدروز في الجنوب السوري والاعتداء عليهم”.

وقبل 3 أيام، أفاد مصدر دبلوماسي سوري أن اللقاء الذي جمع في باريس وفدين من سوريا وإسرائيل بوساطة أميركية تطرّق إلى إمكانية تفعيل اتفاقية فضّ الاشتباك و”احتواء التصعيد” بين البلدين، بدون أن يسفر عن “اتفاقيات نهائية”، مشيراً إلى لقاءات أخرى ستعقد مستقبلاً، وفق ما نقله التلفزيون السوري الرسمي.

وشهد الخميس الماضي اجتماعاً غير مسبوق في باريس جمع وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، بينما أعلن المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم برّاك، في منشور على “إكس” أنه التقى بمسؤولين سوريين وإسرائيليين في العاصمة الفرنسية.

ونقلت القناة السورية الرسمية عن المصدر الدبلوماسي أن “الحوار جمع وفداً من وزارة الخارجية وجهاز الاستخبارات العامة السوري مع الجانب الإسرائيلي بوساطة أميركية”.

وتابع المصدر الدبلوماسي أن “اللقاء لم يسفر عن أية اتفاقيات نهائية، بل كان عبارة عن مشاورات أولية تهدف إلى خفض التوتر وإعادة فتح قنوات التواصل في ظل التصعيد المستمر منذ أوائل ديسمبر (كانون الأول)”.

وقال إن الحوار تطرق إلى “إمكانية إعادة تفعيل اتفاق فضّ الاشتباك” لعام 1974 “بضمانات دولية، مع المطالبة بانسحاب فوري للقوات الإسرائيلية من النقاط التي تقدمت إليها مؤخراً”.

وعُقد هذا اللقاء في أعقاب الاشتباكات التي اندلعت في محافظة السويداء في 13 يوليو (تموز)، والتي دخلت إسرائيل على خطها عبر شن غارات على أهداف في جنوب سوريا وفي دمشق. وتؤكد إسرائيل أنها لن تسمح بوجود عسكري في جنوب سوريا.

وشدّد الوفد السوري خلال اللقاء مع نظيره الإسرائيلي على أن “وحدة وسلامة وسيادة الأراضي السورية مبدأ غير قابل للتفاوض، وأن السويداء وأهلها جزء أصيل من الدولة السورية، لا يمكن المساس بمكانتهم أو عزلهم تحت أية ذريعة”.

——————————-

مدير الأمن الداخلي في السويداء، العميد أحمد الدالاتي: انسحبنا من السويداء تجنباً لحرب مفتوحة مع إسرائيل

2025.07.30

أفاد مدير الأمن الداخلي في السويداء، العميد أحمد الدالاتي، بأن انسحاب قوات الدولة من المحافظة جاء استجابةً لضغوط دولية، وتفادياً لاندلاع حرب مفتوحة بين سوريا وإسرائيل.

وذكر الدالاتي، خلال إحاطة قدّمها لبعض الموقوفين على خلفية الأحداث الأخيرة، أن بعض الأطراف وجّهت خلال الأيام الماضية “استدعاءً واضحاً” لإسرائيل لاستهداف قوات الأمن والجيش، أعقبه قصف مباشر لمبنى وزارة الدفاع في دمشق ثم القصر الجمهوري، واصفاً المشهد بأنه “شديد التعاسة”.

وأضاف أن بعض الجهات في السويداء استعانت بقوة خارجية ضد بلدها، متسائلاً عن الأسباب التي دفعت تلك الأطراف لطلب حماية دولية وفتح معبر مع الأردن، رغم إعلانها الدائم أنها جزء من سوريا.

وأشار الدالاتي إلى أن غرفة العمليات التي تواجه الدولة في السويداء تضم شخصيات محسوبة على النظام المخلوع، وأيديهم ملطخة بدماء السوريين، بمن فيهم أبناء السويداء أنفسهم.

وفي معرض حديثه، أشار إلى أن شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في سوريا، حكمت الهجري، نشر على صفحته بياناً يدعم دخول الأمن إلى السويداء، وتبعه بعد دقائق بفيديو متناقض، مضيفاً أن ذلك شكّل مفاجأة له وأحرجه أمام الآخرين، خاصة بعد الإعلان عن وجود تفاهم بين الدولة وأطراف السويداء.

انسحاب الدولة من السويداء

قال الدالاتي إن الدولة تعرّضت لضغوط لإخراج قواتها، رغم تحذيرها من تبعات الانسحاب، موضحاً أن الأجهزة الأمنية حذّرت الدول من أن انسحابها سيؤدي إلى تدخل العشائر، ويطلق العنان لصراعات لا يمكن السيطرة عليها، إلا أن تلك التحذيرات لم تجد آذاناً صاغية.

وأكد أن الدولة خرجت تحت ضغط القصف، حرصاً منها على منع التصعيد مع إسرائيل وجرّ البلاد نحو حرب مفتوحة مع الاحتلال، مضيفاً أن العشائر دخلت لاحقاً بعد أن قُتل أقاربهم، في حين لم تكن قوات الأمن قادرة على التحرك.

وبيّن أن الجهات الدولية عادت بعد يومٍ واحد فقط لتطلب من الدولة التدخل وفض النزاع بين العشائر والفصائل المحلية في السويداء، مشيراً إلى أن الوضع استقر منذ أربعة أو خمسة أيام بعد نشر النقاط الأمنية.

الملف الإنساني في السويداء

شدّد الدالاتي على أن الدولة تعاملت مع الملف الإنساني بشكل مستقل، حيث أسهمت في إخراج المحتجزين من أبناء العشائر، وتأمين المحروقات والكهرباء والمساعدات إلى السويداء.

واعتبر أن ما جرى يمثل “جرحاً كبيراً” في تاريخ البلاد، مشدداً على أن الدولة لا تكنّ إلا الخير لأهالي السويداء، انطلاقاً من واجبها وأخلاقها وفهمها لتنوع المجتمع السوري.

ودعا إلى توحيد الكلمة والصف لمواجهة الأجندات الخارجية، مؤكداً أن الدولة، حتى وإن تعرّضت لضغط، تبقى ملتزمة بدورها في رعاية السوريين واحتوائهم، مهما كانت الأخطاء.

ضرورة البدء بمسار المصالحة

أشار الدالاتي إلى جهود بناء مسار تصالحي لتعويض المتضررين وإعادة السويداء إلى وضعها الطبيعي، مؤكداً أن هذه الخطوات ليست للاستهلاك الإعلامي، بل ستتحول إلى واقع ملموس.

وتطرّق إلى تجارب سابقة في مناطق مثل جرمانا وصحنايا ونبل والزهراء، حين أعادت الدولة الأهالي إلى منازلهم، معتبراً ذلك نموذجاً لفهم الدولة لدورها الحقيقي.

ورأى أن التذكير المستمر بأخطاء الماضي يعطّل جهود المصالحة، مطالباً جميع الأطراف بإظهار روح المسؤولية، والالتزام بخيار وطني دون أجندات خارجية.

وختم بالقول إن الوجود الحالي للموقوفين مؤقت، فرضته ظروف غير مرغوبة، وإن الدولة تتواصل مع عائلاتهم لتمكينهم من العودة في أقرب وقت ممكن، مؤكداً أن كل من يهدد مصالح البلاد يجب أن يُنبذ.

تلفزيون سوريا

————————

Mootaz Fakhreddine

لأنني ابن هذا المشرق الذي لم يعرف إلا الألم والانقسام… ولأنني أؤمن أن صوت المثقف هو الحصن الأخير قبل السقوط… أكتب هذه الكلمات لأخوتي في سورية، ولأصحاب الكلمة والوعي فيها… نداءً من القلب إلى القلب، قبل أن نُجرّ جميعاً الى ما يُراد لنا…

نداء إلى مثقفي سورية ونخبها… قبل أن يبتلعنا الحريق جميعاً

من مواطن عربي لبناني… ابن هذا المشرق الذي بعثرته حدود سايكس – بيكو، ومزّقته خناجر الطائفية والتعصب والمصالح… من زمن الهويّات الضائعة والخرائط الممزقة، إلى إخوتي في سورية، وإلى مثقفيها، وإلى كل من بقي في صدره نبضٌ لهذا الوطن الجريح:

الفتنة لا تُولد من فراغ…

تُصنع في الغرف السوداء، وتُغذّى بالخوف والأحقاد وأوهام التفوق… لكنها لا تجد طريقها إلى الناس إلا حين يصمت العقل، ويغفو الضمير، ويتفرّج أصحاب الكلمة على النار وهي تشتعل.

وما يجري اليوم في السويداء  وما قد يُراد له أن يتكرر في غيرها — ليس حدثًا عابراً ولا شأناً محلياً… إنه واحدٌ من فصول مشروع خبيث يتربّص بسورية وبكم جميعاً… مشروع لا يريد إلا أن يجهز على ما تبقى من وطنكم، ويحيل وحدتكم إلى رماد.

لذلك، أقولها بصرخة الأخ لأهله:

لا تتركوا الفتنة تمر. لا تسمحوا للأيادي العابثة وتجار الدم وسماسرة السياسة أن يزرعوا الشقاق بينكم.

لا تدعوا مشاريع التقسيم والشر تجد لها في قلوبكم مدخلاً، ولا في وعيكم مستقراً.

يا مثقفي سورية… يا كتّابها، ومفكريها، وأصحاب الرأي والضمير فيها…

أنتم اليوم لستم شهوداً على الحدث… أنتم إمّا جسور تجمع بين القلوب، أو خناجر — لا سمح الله — تُطعن بها خاصرة الوطن.

لا تخافوا من كلمةٍ تجمع…

ولا تترددوا في موقفٍ يداوي…

ولا تغلّبوا حذر السياسة على نداء الحق ومسؤولية الضمير.

اجعلوا صوتكم فوق صوت العصبيات، وفوق همسات التحريض، وفوق صفقات المساومة على حساب الناس.

اجعلوا من هذه اللحظة الصعبة منبراً للحكمة، ومناسبةً للقاء لا للفرقة، وللبصيرة لا للانفعال.

واذكروا  واذكروا جيداً  أن سورية ليست طائفة، ولا منطقة، ولا راية حزب… سورية وطنٌ لكل أبنائه… وإن سقطت، سقطنا جميعاً معها.

أيها المثقفون… أنتم آخر السدود قبل الطوفان. فلا تخذلوا الناس… ولا تخذلوا أنفسكم… ولا تخذلوا سورية.

—————————–

المدينة السورية تعرف الله بهدوء، وتحب نبيها دون أن تزعج الجيران، فيها، يُحترم المتدين دون أن يُقدّس، ويُترك غير المتدين دون أن يُلاحق.

سُنّة المدن في سوريا، من حلب إلى دمشق، ومن حمص إلى حماة،  لم يكونوا يوماً حاضنة للتطرف، بل كانوا الحامل الاجتماعي للأمة، وعمقها المدني الذي يُوازن بين العقل والدين، بين التراث والتجديد، وما يحدث اليوم  من انفجارات خطابية، وتوترات طائفية، ومواقف يُراد لها أن تمثل “الأغلبية”،  ليس إلا وقتاً مستقطعاً من تاريخهم.

المدينة السورية لا تهاجم الأقليات، لأن المدينة ذاتها بُنيت بأيدي الجميع، مسلم ومسيحي، سنّي وعلوي، درزي وإسماعيلي.

المدينة تعرف أن التنوع ليس تهديداً، بل حياة، وإذا بدا أن هذا الصوت خافتٌ اليوم، فهو سيعلو غداً.

سُنّة المدن سينتفضون، من أجل أنفسهم، من أجل صورتهم الحقيقية، من أجل إسلامٍ يُشبههم، ووطنيّةٍ تحميهم وتحمي سواهم.

المدينة لا تُشبه مثقفًا يحرّض الغرائز ليصنع صورته الدامية ويصنع جمهورًا غاضبًا، بل تُشبه الضمير حين يصمت الجميع.

المدينة تتباطأ لكنها لا تخون نفسها.. الخوف كل الخوف، أن تطيل صبرها،  أن يأتي زمن لا يتبقى فيه شيء تُنقِذه.

التطرف إذا دخل المدينة السورية فهو “قوّة احتلال” لطبائع المدينة وشرفها.

نبيل الملحم

—————————————

ترامب يحاول أن يَبلُف نتنياهو والشرع يدفع الثمن/ رغيد عقلة

اختتمت مقالتي السابقة على هذا الموقع بسؤال محدد: هل يستطيع الشرع خلال الفترة التي يقود فيها سورية اليوم (والتي يفترض أنها انتقالية) أن يحدث فيها التغييرات التي قد تؤسس لحكم التيار الإسلامي السلفي؟ أو على الأقل أن تضعه بقوة على الخارطة السياسية السورية لعقود قادمة؟ واستطردت بأن الرد عليه ربما يكون بسؤال أكثر أصالةً: هل سيستطيع الشرع أن يؤدي الأدوار المطلوبة منه إقليمياً بما يُؤَمِّن له الاستمرار في هذه اللعبة المزدوجة؟ وكان طبيعياً أن يثير هذين السؤالين العديد من الاستفسارات والتساؤلات المحقة التي تطالب بمزيد من التوضيح لما قَصَدَتْهُ تلك الخاتمة المفتوحة، ولو أني أعتقد أن ما شهدته سورية عموماً، والسويداء خصوصاً، منذ تاريخ نشر المقالة السابقة، ربما يحمل العديد من الأجوبة، ولكن أيضاً العديد من الأسئلة الجديدة، وأختار أن أبدأ هنا من زاوية أبعد قليلاً.

أحاول ألا أستخدم في مقالاتي مفردات عامية، ولكنني أعترف أن ذخيرتي اللغوية العربية، والتي أعتز بها دوماً، قد عجزت عن الإتيان بمفردة تنطبق على سلوك الرئيس ترامب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، سوى أنه يحاول أن (يبلفه) بصفقة تشمل المنطقة بِرُمَّتِها، يرفضها نتنياهو جملةً وتفصيلاً، وأعتقد أن رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع هو من يدفع ثمن هذا التباعد الكبير بالمواقف بين واشنطن وتل أبيب، والذي يختار العديد من المراقبين والمهتمين، وفي مقدمتهم جمهور الشرع نفسه، ألا يقرؤوه أو يعترفوا بوجوده. نعم، الرئيس ترامب وقف بقوة مع الانفتاح على سورية بقيادة الشرع، هذا جزء من المشهد الذي ينتشي به جمهور ترامب والشرع من السوريين، واللذين يغفلون عمداً الإطار الأوسع لهذا الانفتاح، وأنه ليس سوى تفصيل صغير في رؤيته للمنطقة، والتي يعمل عليها مندوبه توماس باراك بلا هوادة، بالمقابل يدرك نتنياهو رؤية ترامب هذه بمنتهى الوضوح، ويرفضها بمنتهى الإصرار، هذه الرؤية أكبر من سورية والشرع معاً، واللاعبان الأهم فيها هما المملكة العربية السعودية وإسرائيل، وبتناقض حاد بينهما، ليس له علاقة بسورية ولا بمن يدير المشهد فيها، بل بموقفيهما المتباعدين من إيجاد حل نهائي للقضية الفلسطينية، فالرياض التي أعلنت مراراً وتكراراً أنها لن تطبع علاقاتها مع إسرائيل إلا من خلال مشروع سلام في المنطقة يستند لمبدأ حل الدولتين، الأمر الذي يرفض نتنياهو مجرد طرحه للبحث رغم كل المغريات التي يقدمها الرئيس ترامب وتصب مباشرةً في مصلحة إسرائيل، وفي مقدمتها ترسيخ نهج الإتفاقيات الإبراهيمية، الذي يؤمن لها موقعاً ريادياً مهماً في المنطقة، دون تقديمها أي التزامات حقيقية تتعلق بالحقوق السورية في الجولان، ولا في غيرها، الأمر الذي لم يعارضه الشرع، لا بل ويختار جمهوره عن سابق إصرار ألا يتوقف عنده، أو أن يلقي إليه بالاً، بل أكثر من ذلك، فقد تعالت أصوات متعددة بين مؤيديه في الأسابيع التي سبقت أحداث السويداء ومضاعفاتها، تتحدث بإسهاب عن مدى حاجة سورية والسوريين لسلام مع إسرائيل، واشْتَطَّت في تعداد فوائد التطبيع معها على سورية والمنطقة كلها، دون أية إشارة ولو من بعيد لموضوع الجولان أو أي حقوق سورية أو عربية أخرى، مع تركيز وتكرار متعمدين لمقولة الشرع نفسه لرجل الأعمال الأميركي وصديق ترامب “جوناثان باس” لدى استقباله له في القصر الرئاسي بدمشق، والتي نقلها “باس” بدوره في مقالته لصحيفة “جويش جورنال” الصادرة في لوس أنجلوس أواخر مايو/أيار الماضي، والتي أكد فيها الشرع لضيفه أن “لسورية وإسرائيل أعداء مشتركين، وأن بإمكاننا أن نلعب دوراً بالأمن الإقليمي”، ونقطة على السطر.

اللافت أن الشرع أكد لجون باس في اللقاء نفسه أن “دروز سوريا ليسوا بيادق، بل مواطنون متجذرون وموالون للدولة السورية تاريخيا، وسلامتهم أمر غير قابل للتفاوض” ..!! لتأتِ أحداث السويداء الأخيرة لتضع تصريحات الشرع موضع تشكيك لدى واشنطن، تَبَدَّى جلياً في سلسلة علامات لافتة، بدأت بتغريدة وزير الخارجية الأميركي “ماركو روبيو” في التاسع عشر من الشهر الجاري، ولن تنتهِ مع نتيجة التصويت في جلسة الكونغرس الأميريكي في الثاني والعشرين من يوليو/تموز الجاري، والتي من المتوقع لها حال إقرارها أن تعيد قضية إلغاء قانون قيصر خطوات للوراء، مع احتمال تفعيل آليات جديدة تجعل من أي محاولة رفع عقوبات عن سورية أمراً أكثر تعقيداً، مع حزمة من التوصيات حول تعامل السلطات مع (الأقليات)، كل ذلك دفع العديد من المراقبين، وفي مقدمتهم جمهور الشرع، للاعتقاد بأنه كان ضحية فخ نصبه له نتنياهو وترامب، على يد مبعوثه لسورية والمنطقة توماس باراك، الأمر الذي لا أرجحه على الإطلاق، فلا توماس باراك ولا رئيسه ترامب خدعوا الشرع، لا في السويداء ولا في غيرها، كل مافي الأمر أنهما لم يتمكنا (حتى الآن على الأقل) رغم كل إمكانياتهما التسويقية وبراعتهما العقارية، أن يبيعا نتنياهو صفقة الشرق الأوسط الجديد بتقليعة الإتفاقيات الإبراهيمية، رغم كل ماتحمله من مزايا تفضيلية لإسرائيل، ليس فقط لأن نتنياهو أشطر منهما، وله باع أطول في الصفقات، قد يكون أحد أسباب مشاكله المستمرة والمتفاقمة مع القضاء الإسرائيلي، ولكن لأن نتنياهو شخصياً، واليمينين الديني والسياسي، وحتى بعض أطراف اليسار الإسرائيلي، قد وضعوا قضية حل الدولتين خلف ظهورهم، وبالمطلق، منذ طوفان غزة في أكتوبر 2023، بل ويعتبرونه من ضروب الماضي الذي لن يعود إطلاقاً للحياة.

إسرائيل ليست بحاجة إلى أي خدمات من الشرع ومنظومته، فيدها اليوم هي الطولى على امتداد الفضاء السوري، جواً وبحراً وأرضاً، ناهيك عن يقينها بعدم قدرته على تقديم أية خدمات أصلاً، وإسرائيل التي اعتادت حدوداً شمالية هادئة في ظل الأسدين، تعلمت درسها مع الأسد الابن عندما قام بمالم يفعله أباه، بأن جعل إيران وأدواتها على حدودها، الأمر الذي اضطرها آسفةً لإلغاء توكيلها لآل الأسد بتأمين هذه الحدود، هذا التوكيل لن تعطه إسرائيل بعد اليوم سوى لآلتها العسكرية والاستخباراتية، التي لاتثق حتى بالشريك الأميركي، فما بالك بالسيد الشرع، بسيرته الذاتية التي تدركها تماماً، ولن تغير فيها لديها ساعة الباتيك فيليب الفاخرة أو ربطات عنق فيرزاتشي … على العكس تماماً فإن إسرائيل تدرك بوضوح أن أية اتفاقات أو تفاهمات مع دمشق اليوم، ستحد ولو نظرياً من قدرتها على التواجد في المكان الذي تريد، باللحظة التي تشاء، في الخارطة السورية كلها، أما فصل المقال فهو أنه حتى لو أشعل السيد الشرع أصابعه العشرة شموعاً لإسرائيل فإن نتنياهو. غير معني بالمطلق، طالما أن الانفتاح على الشرع هو جزء من إطار أوسع يسعى الرئيس ترامب والأمير محمد بن سلمان من خلاله لإيجاد أي صيغة، ولو في حدود أقل من الدنيا، تؤمن شكل من أشكال حل الدولتين، فنتنياهو قَلَبَ الصفحة عن هذا الموضوع، وأغلق الدفتر، وأنا أعتقد أن السعودية والأمير محمد بن سلمان قد وصلوا اليوم لقناعة كاملة بأن إسرائيل (نتنياهو على الأقل) لن تمضِ بحل الدولتين، ومن هنا فلعل خيارهم (المنطقي والممكن) هو ترك الأمر في ملعب الرئيس ترامب ليروا كيف سيتعامل معهُ، وإن كان سينجح في تغيير موقف نتنياهو خصوصاً وإسرائيل عموماً، الأمر الذي لم نره بعد، وقد لانراه أبداً، رغم ذلك وبانتظار أن تحدث تغيرات في المشهدين الحكومي والسياسي في إسرائيل، فإن المملكة العربية السعودية تدرك تماماً أن خيارها الإيجابي هو أن تبقى متواجدة في الشأن السوري، وبثقل وازن، يحظى بدعم الأمير محمد بن سلمان الشخصي، ليس فقط تماهياً مع موقف أميريكي بريطاني قد يشهد انحساراً قريباً، ولكن لأن أي بديل لذلك، سيفضي لحالة استفراد تركي بدمشق، شبيهة بحالة الاستفراد الإيراني مع بشار الأسد، لايغير كثيراً في الأمر أنه مامن تناقضات حادة بين أجندتي المملكة وتركيا في سورية، كما كان الأمر مع طهران أيام النظام البائد، يضاف لذلك كله حقيقة ثابتة ومهمة، وهي أن الإستقرار في سورية، في ظل الشرع أو غيره، هو أمر يعني السعودية لأبعد الحدود.

في مشهد سوريالي يعكس حالة التذاكي بين بنيامين نتنياهو والرئيس دونالد ترامب، وعلى مسرح البيت الأبيض دون سواه، خلال زيارته الأخيرة لواشنطن، لم يتورع نتنياهو بدوره أن (يبلف) ترامب، بأن يرشحه لنيل جائزة نوبل للسلام … على أنه لم يتعهد أبداً أنه هو من سيدفع فاتورة هذه الجائزة، لا إكراماً للرئيس ترامب، ولا للأمير محمد بن سلمان، وقطعاً ليس للسيد الشرع، لا في فلسطين، ولا في سورية، ولا على المريخ.

———————————-

رسالة/ وائل ميرزا

سالة إلى أهلنا السوريين: لا تفشّوا غلّ خمسين سنة في جسدٍ عمره ثمانية أشهر!

أيها السوريون، يا أبناء الأرض التي نزفت كثيراً ومازالت تنبض.

ما تراه سوريا الجديدة اليوم ليس مجرد مواجهةٍ مع تحديات داخلية متوقعة، وإنما هو محاولة مستميتة لإعادة محاصرة بلدنا بشكلٍ معلن وصامت في آنٍ واحد، تُحكم خيوطه من داخل البلاد وخارجها، بأصابع جهات كثيرة تتربص بكل خُطوة، وكل نجاح، وكل بادرة استقرار.

فلنكن واضحين: لا يُعقل، ولا يُقبل، ولا يُغتفر، أن نُحمّل دولةً، لم تُكمِل عامها الأول، وِزرَ خمسين عاماً من الظلم والاستبداد والخراب. إن من الظلم السياسي بل من الحمق التاريخي أن (يُفشّ) الغضب الشعبي المشروع، من نظامٍ بائد، فوق رأسِ سلطةٍ وليدة، تحبو في خطواتها الأولى، وتتلمّس طريقها وسط ركامٍ لا يُحصى من الخرائب.

نحن اليوم أمام لوحة عدوان صامتة قاتمة مرسومة بأيادٍ كثيرة، وهناك، في صفوفنا، أكثر من مليون شخص من الخاسرين من سقوط النظام البائد، هرب بعض هؤلاء، لكن كثيرين منهم يعيشون بين ظهرانينا، كالثعابين، ينفثون سمومهم في كل مكان، ويزرعون بذور الفرقة والتحريض على كل مستوى. فدعونا نتذكرها (كما عددها الكاتب إياد البطل Eyad Batal):

أولاً الفلول في الداخل:

1-مخلفات الأجهزة الأمنية: في سوريا، كان يوجد أربع أجهزة أمن رئيسية: الأمن العسكري، الأمن العام، أمن الدولة، والأمن الجوي. ويوجد ضمنها ما يقارب ٤٨ فرعاً أمنياً مع فروع إقليمية تابعة، ليصل العدد إلى ما يفوق ٢٤٠ فرعاً. هذه الفروع كانت بمثابة مسالخ بشرية، يعمل بها مجرمون محترفون.

2- اللجان الشعبية (قوات الدفاع الوطني) التي شُكلت من المدنيين “الزعران” بهدف احتواء الحراك الشعبي. بلغ عددها حسب التقديرات ١٠٠,٠٠٠ عنصر في عام ٢٠١٣، منهم ٦٠ ألف عنصر فعّال تماماً.

3- فلول الجيش: إذا لم نشمل كامل الجيش واخترنا أسوأ الفرق، نجد:

 أ – الفرقة الرابعة: فرقة الإجرام والفساد، يتراوح عدد عناصرها بين ١٦ و١٨ ألف عنصر موزعين على أربعة ألوية.

 ب – الفرقة الثالثة (ريف دمشق الشمالي): فرقة الحصار والتعفيش.

 ج – الفرقة السادسة المدرعة: تتمركز في اللاذقية، وتضم عدة ألوية منها “لواء الموت”، ويبلغ عددها قرابة ١٥ ألف عنصر.

 د – الفرقة ١٥ قوات خاصة (الاقتحام الدموي): تترافق غالباً مع عناصر المخابرات الجوية.

 هـ – قوات الحرس الجمهوري: صاحبة السجل دموي في اقتحام داريا وبرزة وقدسيا.

 و – الفرقة ١٧ في الرقة ودير الزور: والتي اشتهرت بالسجون السرية.

 ز – الفرقة ٢٥ (قوات المهام الخاصة): كانت تُعرف بقوات النمر بقيادة سهيل الحسن.

4- عناصر حزب البعث، من القيادة القطرية واعضاء الفروع والشعب والفرق وحتى أعضاء الوحدات الحزبية، الذين شكّلوا جيوشاً من كُتّاب التقارير والمخبرين، ولا يقل عدد الفاعلين منهم عن مليون شخص.

5- عشرات الالاف من الموظفين الحكوميين من أصحاب المناصب والفاسدين ممن حصلوا على مناصبهم أصلاً عبر كتابة التقارير بزملائهم او عبر شراكات نهب وفساد مع قياداتهم الأعلى والأدنى

6-  فئة رجال الاعمال والتجار: وهؤلاء كانوا ينقسمون من حيث تبعيتهم للنظام الى ثلاث فئات فرعية:

 أ – رجال الأعمال التقليديين ممن بقي في البلد وطور شراكات عميقة مع رجالات النظام قائمة على الفساد واحتكار قطاعات كاملة في الدولة.

 ب – رجال أعمال “واجهات” انتجهم اقتصاد الحرب ليغسلوا أموال النهب والتعفيش ولادارة املاك كبار مسؤولي الدولة ورجال الامن

 ج -رجال أعمال جدد : من رواد تجارة الاسلحة والكبت/اغون وباقي انواع المخدرات وصولاً الى تجارة المحروقات مع الدوا/عش تحت الاشراف المباشر للنظام والشراكة معهم في القطاعات السابقة

7- الحثالات المدنية من جماعه”الأسد أو نحرق البلد”، إلى إعلاميين مغمورين ورجال دين وواجهات اجتماعية انتفعت من الفراغ السياسي التي خلفته السنوات الماضية ليتبوؤا اماكن لم يكونوا ليحلموا بها لو كانت الظروف طبيعة أو لو لم تشهد سوريا كل هذه الهجرة..

8- شرائح هنا وهناك من مكونات سورية كانت ترى النظام ممثلاً لها، أو عارضت الثورة بدافع طائفي لا سياسي. تعتبر ان هذه الثورة هي ثورة للطائفة السنية لتغير النظام ولا تؤمن بمصلحتها بهذا التغيير رغم ان بعض هذه الشرائح لا تجادل بفساد النظام وعدم صلاحيته..ولكنها تفضل العلاقة النفعية معه على تغييره ..

جميع الفئات السابقة، كانت تشكل القوة الصلبة للنظام والتي استيقظت على نبأ هروبه وهروب قيادات الصف الاول وتركهم بمواجهة مجتمعاتهم ومصيرهم بعد ان انهارت سرديتهم وانكشف الغطاء عنهم..

أما في الخارج، فهناك متضررون آخرون من سقوط النظام:

1-  ايران والتي فقدت بسقوط النظام مشروعاً عملت عليه سنوات كثيرة ووصلت به الى مراحل متقدمة على الصعيد السياسي والديموغرافي ايضاً..خسرت بسقوطه الكوردور الذي يصل بين ايران ولبنان والشريان الذي كان يمد عصابات حزب/الله وخسرت كل ما انفقته بخسارة ما منحها النظام الساقط من عقارات وامتيازات في سوريا

2- جماعة حزب/الله ومؤيديهم في لبنان وجمهور اليسار العربي وجمهور الممانعة ممكن لم تعنهم مئات المجازر  ومئات الالاف من القتلى والمفقودين والملايين من المهجرين من الشعب السوري طالما أن ادانة النظام ستؤدي الى هدم السردية التي يعتاشون عليها ويجترونها بوعي او دون وعي

3- اسرا/ئ/يل: والتي تملك سرديتها الخاصة امام المجتمع الدولي ويُعتبر وجود الاسد ضروري لها لضرب العمق السوري متى تشاء وبنفس الوقت ابتزاز الامريكان والاوربيين بمساعدات مليارية بحجة خطر وجودي على حدودها..وسقوط الاسد كان مقبولاً لها عندما قررت القضاء على التهديد الايراني ولكن على ان تبقى سوريا مهشمة ضعيفة بل ومقسمة..لذلك فوجئت بالتطورات المتسارعه بخصوص رفع العقوبات واقبال دول الخليج على الاستثمار في سوريا بالاضافة الى وصول تركيا لحدودها بشكل او بآخر لذلك بدأت “تستكلب” في محاولات دعم التقسيم باي طريقة ممكنة او غير ممكنة حتى! وربما يدعي احدهم انها مازالت تستطيع ان تضرب متى تشاء وهذا صحيح ولكن اذا مارُفعت العقوبات عن سوريا وجذبت استثمارات اقليمية ودولية ستكون اسرا/ئيل بمشكلة مع العشرات من الأطراف اذا ضربت سوريا وعطّلت المصالح الاقتصادية لهذه الأطراف

4- فئات “معارضة سابقة” انتهازية: كانت مشاركتها في الثورة تحت عنوان تغيير الحكم وتعتبر نفسها خاسرة اليوم باستبعادها عن السلطة وخصوصاً ان السلطة في دمشق تعتمد على مبدأ حكم الجماعة والمقربين منها او الثقات لديها وتم استبعاد كل ماكان محسوباً على الثورة الا بحالات قليلة بل ربما كان الاعتماد على بعض فلول النظام أكثر من الاعتماد على كوادر من مجتمع الثورة..هذه الفئات تؤمن بقاعدة (البول بالثياب نكاية بالطهارة) وهي مختلفة عن معارضة السلطة الحالية من ثوريين آمنوا بقيم الثورة ووجدوا ان السلطة الحالية تبتعد عنها او لا تبشر بقيام دولة عدالة وديمقراطية ومواطنة ..اي وبعبارة اخرى انا هنا لا اشير لهذه المعارضة بوصفها قوة هدم لان دوافعها مختلفة عن تلك الفئة التي خسرت اخلامها بالسلطة ولا مشكلة لديها بتخريب اللعبة اذا لم تكون لاعباً فيها

٥- المتطرفين من الفئات اللادينية العلمانية: كانت تؤمن بأن الثورة هي ثورة على النظام والمجتمع والدين والاخلاق والمبادئ والانتماء وفوجئت بعد سقوط النظام بأن هناك مسلمين في سوريا ومجتمع باغلبيته محافظ !! وأغمضت عيونها عن اي اخطار

يا أهلنا السوريين..

كل هؤلاء لايزالون يقفون خلف الستائر هنا وهناك.. إنهم بقايا الماضي.. المتلوّنون.. أولئك الذين ما زالوا يحلمون بالعودة ليركبوا على أعناقنا من جديد، كما كانوا، بل وأبشع.

وما أكثر ما يُعينهم اليوم؟

إنه جلدنا المفرط لأنفسكنا، ونقدنا الذي لا يحمل ومضة ضوء، ومزايداتنا التي تتزيّا بلباس الوطنية، بينما لا تفعل سوى تمهيد الطريق لأعدائها.

ليس أسهل من أن تصرخ وتشتم.. لكنّ الأصعب دائماً أن تبني.

ومن لا يبني اليوم، سيُجبر غداً على الانحناء.

فلنتذكر جيداً: الثورات التي لا تعرف متى تتوقف عن الصراخ، تأكل أبناءها يوم انتصارها. والغضب إذا لم يتحول إلى عقل، يصبح معول هدم.

نعم. من حقنا أن نحلم، وأن نُطالب، وأن نُحاسب. لكن النقد ليس كسراً. والصمت ليس تبعية. ودولتنا الوليدة، مهما كانت هشاشتها، هي مشروعنا الوحيد، ولا رفاهية لتدميره باسم الطهرانية الثورية.

نحن، سوياً، نحارب العالم من أجل هذه البلاد. فدعونا نحارب، سوياً أيضاً، كل من يريد أن يدفعنا للانتحار من داخلنا. فنحن، جميعاً، لم نكسر القيد، لنُقدّم مفاتيح الحياة طوعاً للموت.

أيها السوريون: الحذر، الحذر. سوريا ليست بحاجة لصوتٍ أعلى، بل لعقلٍ أوسع.. ولقلبٍ أكبر.. فالعالم كله يعرف أن سوريا تنهض.. ولم يعد ثمة إلا رهانٌ وحيدٌ لأعدائها: أن أبناءها سيُسقطونها بأنفسهم.

فلنُفشل، سوياً، هذا الرهان.

——————————–

=================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى