حين تنزلق النخبة إلى الشعبوية/ نور الدين الإسماعيل

ديسمبر 22, 2025
تعتبر النخب المثقفة واجهةً لضبط التوازن في مقابل أصحاب الخطابات الشعبوية غير المدروسة، والتي تنطلق من: دوافع عاطفية وشخصية، وعدم القدرة على التحليل والتفسير، ولاسيما في عصرنا الراهن؛ مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وقدرة الجميع على التعبير عن آرائهم بحرية، ومن دون التفكير في عواقب بعض الأفكار المنحرفة أو المغلوطة وآثارها في المجتمع، خصوصاً المجتمع السوري الذي خرج منهكاً من حرب استمرت 14 عاماً، وقبضة أمنية حاصرته طوال 55 عاماً، حيث كان التعبير عن الرأي فيها جريمةً تودي بمرتكبها في غياهب السجون.
المشكلة اليوم هي في أن بعض هذه النخب المثقفة انزلقت، من دون أن تدري، لتغوص في الشعبوية المفرطة، بغطاء نخبوي هش وضعيف، فيتحول المثقف؛ من دوره النهضوي إلى شخص مشحون أو موتور في بعض الأحيان؛ تحركه دوافع مختلفة، يفرّغها بخطابات وأفكار تنعكس، إما على السلم الأهلي، وإما تعرقل عملية الاستقرار والبناء، وتسهم في تعزيز فقدان الثقة.
وفق عدة دراسات فإن الخطاب الشعبوي يتنامى وتزيد نسبته في حالات معينة، منها: الظروف الاقتصادية، والاجتماعية المتردية، وذلك حين تعجز النخب عن تقديم الحلول الواقعية، إضافة إلى تآكل الشرعية المؤسسية نتيجة الأزمات السياسية، في حين تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في تنامي الخطاب الشعبوي، خصوصاً لدى قلة من النخب ممن يبحثون عن إرضاء الجمهور وكسب المتابعين، وذلك حين فرضت المنصات الرقمية واقعاً سريعاً ومباشراً يغري النخبة بالتخلي عن التحليل المعمق لمصلحة الشعارات الكبيرة والرسائل السريعة التي ترضي الجمهور.
توجه المثقف النخبوي إلى الشعبوية، يحوله من ضابط للتوازن إلى مشكلة تحتاج حلاً، حيث يصبح بإمكانه تضليل الرأي العام، وفي بعض الأحيان تشكيل رأي عام يسيطر من خلاله على جمهور واسع، إضافة إلى أثره في إضعاف دور المؤسسات لمصلحة الخطاب المباشر، ما يتسبب بفقدان الثقة بالخبراء والمختصين، وهذا ما سينعكس على المجتمع؛ من خلال تعزيز الأفكار المغلوطة وغير السوية، والذي سيؤثر في مجتمع، مثل المجتمع السوري؛ المنهك أساساً والمثقل بأحمال تمتد عقوداً، ما يؤدي إلى استمرار حالة عدم الاستقرار، ويلعب دوراً في تغذية الصراعات.
يسهم المثقف أحياناً في تعزيز حالة عدم الثقة؛ من خلال تبنيه أفكاراً مسبقة بشأن قضايا غير واضحة للجمهور، ما يعزز حالة الشك لديهم، سواء كان ذلك الشك في سلطة أو مجموعات أو أفراد.
ما مر به السوريون خلال السنوات الماضية أكسب شريحةً واسعةً منهم خبرةً في دراسة القضايا وفهمها وتحليلها، ومن بينهم المثقفون الذين تلاقحت أفكارهم بثقافات وتجارب أخرى، نتيجة العمل والتجربة في الظروف الصعبة أو الهجرة أو التنقل والسفر، ما مكنهم من اكتساب معارف وخبرات جديدة؛ يمكن أن تغني وتعزز عملية البناء والنهوض بمستقبل البلاد.
عملية البناء صعبة، وتحتاج إلى تضافر الجهود من قبل الجميع، ويكون دور المثقفين فيها أساسياً ومحورياً، من خلال التوجيه الواعي، واقتراح الحلول والنقد البناء، بعيداً عن التحيز المفرط الذي يتحول إلى بروباغندا مع الزمن، فيُؤطّر المثقف في إطار مقيد يمنعه من الرؤية السليمة، أو الهجوم المحموم بدوافع شخصية أو فئوية أو عرقية أو طائفية، والتي تفقد صاحبها المصداقية وتدفعه إلى مستنقع الفكر الضيق والمنغلق، والأهداف المسمومة.
الثورة السورية



