قطار ما بعد منتصف الليل… كيف يصبح البُعد جنّة؟/ بادية فحص

27.06.2025
في غربتي السابقة كبرتُ أكثر مما تكبره امرأة في دهر، تكثّفت أحزاني وأصاب الهرم روحي، عدت مشتاقة إلى بيتي، لكنّ الحرب خرّبت عليّ فرحتي. سمعت خلال 18 شهراً انفجارات وأزيز طائرات وأصوات غارات، ورأيت دماً وأشلاء وناراً ودماراً وفزعاً وقهراً ودموعاً لا تمرّ على أمّة في عصر واحد
أصحو هنا عند الثانية بعد منتصف الليل، موعد بدء الدوام في بيروت، تلكزني ساعتي البيولوجية، فأقوم متثاقلة وشعور بالنعاس يغالبني، فأغلبه. من عادتي أن أتغلّب على مشاعري، هذا ليس بجديد.
هنا، صرت خبيرة في التغلّب على مشاعر النعاس فجراً، ونهاراً على مشاعر الشوق، وليلاً على مشاعر الوحدة!
قد يحدث أحياناً، أن أصحو مثل نحلة نشيطة، أقوم من فراشي مندفعة بطاقة هبطت عليّ من حيث لا أدري، شعور بالامتنان يتملّكني لحظة أستيقظ، ويستمرّ حتى لحظة الخلود إلى النوم مجدداً، فأحسّ وكأني أسبح في لجج من النعم الإلهية…
هناك في لبنان مواعيد الاستيقاظ، يحدّدها ديك الجيران البعيد، حين يسارع إلى الصياح حالما يرتخي أوّل خيوط الفجر، وميكروفون الحسينية وقت الأذان، وجرس المدرسة القريبة، ومنذ حرب الإسناد صار يحدّدها صوت “أم كامل”؛ طائرة الاستطلاع الإسرائيلية.
هنا، في موعده اليومي عند الثالثة فجراً يمرّ القطار خفيفاً، سريعاً، يشقّ دويّ صفّارته سكون العتمة، فترتجّ الشمعة عند حافّة الشبّاك، أحسّ أنها تغمزني، فيغمرني فرح يشبه فرح طفلة تنتظر أباها العائد في المحطّة، أنغمس في المشهد، فأسمع صوت أبي يطلّ من الشبّاك، يعيد على مسمعي كما في كلّ ليلة في مثل هذا الوقت: “والريح من الرقعة تغتال شموعي رقعة الشبّاك كم تشبه جوعي”.
هناك لا شيء يحدث في موعده، دورة حياة اعتباطية تنظّمها الفوضى، ويتحكّم بجريانها عنصر المفاجأة، الزيارة مفاجأة، الاتّصال الهاتفي مفاجأة، انهيار العاشقات الشاكيات من خيبة أو خذلان مفاجأة، طرقات القلقات الهاربات من جحيم الأسئلة على الباب عند منتصف الليل مفاجأة، وعناق خاطف انتفض على ثقل القيود مفاجأة…
هنا أخلد إلى النوم عند السابعة مساء، قبل أن تغيب الشمس، أتكوّم فوق سريري مثل دب محلّي، وأدخل فوراً في سبات عميق، أحسّ أحياناً لشدّة الهدوء، أني خرجت من دائرة هذا الكوكب المزدحم، ودخلت في فضاء أثيري، لا يمكن فهمه بالحواسّ، فأسوق مع خيالي الجامح إلى ما لا نهاية.
لا مواعيد هناك للنوم، لا يدخل فصل النوم، إلا بعد أن تهدأ طقوس السهرات على البلاكين، ويهدأ صراخ الأطفال، ومشاجرات الأزواج، وتختفي قرقعة الأراكيل وصدى ارتطام زهر الطاولة بخشبها، وصوت يلعلع بين الفينة والأخرى “دشش”.
كلّ شيء هنا قيمته مختلفة، حتى الشمس التي كنت أهرب منها هناك، صرت ألاحقها هنا كما يتتبّع عاشق طيف حبيبته، الغابة لم تعد تخيفني، صرت أقصدها لأمضي وقتاً أطول في التأمّل، في عدم التفكير، أحياناً أتجمّد لساعات وأنا جالسة على صخرة، أصبح جزءاً من الطبيعة حولي، أتماهي مع عناصرها، الأرض تدور، السماء لا تسقط، الماء يتدفّق في النهر، الأشجار ترقص في مكانها… كلّ شيء مرتّب مثل لوحة تأخّرتُ كثيراً في رسمها.
هل كان الحال هناك أفضل مما هو عليه هنا؟ طبعاً لا، هناك لم يكن لي ملامح، لا جسدية ولا روحية، كان وجهي مسروقاً، وجسدي عبارة عن غياب يتراكم عند كلّ لقاء أو اجتماع.
منذ فقدت أسباب حياتي هناك، وداخلي يبتعد عن محيطي، لم يسألني أحد ماذا فقدت، لا يهمّ، فأنا نفسي لا أسأل نفسي، لأنني أعرف أن فقدي عميق الى درجة أنني لم أعد أراه، لم أعد أميّزه، لم يعد بإمكاني وصفه…
هنا أحاول أن أرتّب الحال كما يحلو لي، أحمل ورقة وريشة في خيالي… أرسم بيتاً دافئاً، في داخله امرأة بكامل مشمشها وخوخها وحنطتها وحقولها وجبالها وأنهارها، تشعل ناراً صغيرة، تصنع قهوتها، تتمدّد على أريكتها الوثيرة، تفتح كتاباً وتقرأ: ألف مثل امرأة، باء مثل بيت، جيم مثل جحيم، دال مثل دمع…
ما أسعد المرأة في الرسم! ما أتعس تلك التي في الكتاب!
لماذا يضيق صدر الدنيا بالأحلام البسيطة؟ ألأنها تُحرج جبروتها؟ تعرّي تعقيدها؟ أتراها تفضّل الشرهين وتتلذّذ في تعذيب الزاهدين؟ أهكذا تتجلّى القوّة، ويصبح البذل والسخاء والرضا مكامن ضعف ومصيدة لا تشبع من الفرائس؟ لا أدري.
في غربتي السابقة كبرتُ أكثر مما تكبره امرأة في دهر، تكثّفت أحزاني وأصاب الهرم روحي، عدت مشتاقة إلى بيتي، لكنّ الحرب خرّبت عليّ فرحتي. سمعت خلال 18 شهراً انفجارات وأزيز طائرات وأصوات غارات، ورأيت دماً وأشلاء وناراً ودماراً وفزعاً وقهراً ودموعاً لا تمرّ على أمّة في عصر واحد.
في غربتي الحالية، أحاول أن أداوي خرابي بالوحدة، هذه الوحدة التي صارت أعظم تحوّلاتي، أراحتني قليلاً من ثقل ما اختزنته، وتقاسمت معي عناء الكتمان، وحمتني من شعور الظلم الذي يستهلك روحي.
في أيّام الوحدة التي أعيشها هنا، أتعمّد أن أتحدّث مع كلّ ما حولي، أُلقي على الأشجار والزهور والعصافير والفراشات والحيوانات الصغيرة اللطيفة التي تعبر فوق سور حديقتي، النظرات والابتسامات والتحيّات، صار عندي شجرة صديقة، كلّما جلست تحتها تُحني أحد أغصانها لتسلّم عليّ، لتربّت على قلبي، أعرف أن الصمت والانسحاب وعتمة النفس، بقع داكنة في عمق الروح، لا يشفيها إلا التواصل، لا تزيلها إلا اللمسات الحانية!
هناك كان يحدث أن أجدني فجأة لم أعد أرغب في أن أحكي شيئاً حتى لنفسي، ليس لأني أريد أن أنسى، ولا لأن أحداً لا يسمعني، بل لأن ما سبق أن رأيته وسمعته أفقدني الرغبة في التعبير. أفضل ما أتقنته هناك كان الصمت، كانت تمرّ أيّام لا أتكلّم فيها مع أحد، حتى إن صوتي يغدو غريباً عليّ.
الذين مرّوا بتجارب تنقّل كثيرة، يعيش في داخلهم بدويّ مرتحل، لا يعنيه الاستقرار بقدر من يعنيه المحيط، محيط يصنعه هو، لا يفرضه عليه أحد. الذين تنقّلوا كثيراً، ينتصرون على مشاعرهم، تبرد حساسيتهم، تهدأ أفكارهم، وتنعدم توقّعاتهم، فلا يعودون كما كانوا.
هل تقصدين أنهم لا يعودون ضعفاء كما كانوا؟ لا، أقصد يصبحون أكثر معرفة بما لا يريدونه، فلا يعودون يتحمّلون العلاقات المرهقة، ولا المشاعر الناقصة، ويبتعدون عن الشرح، شرح العواطف وشرح المواقف، يصبح ما زهدوا فيه أعزّ عليهم ممّا امتلكوه. هكذا يغيّرنا الانتقال: يجعل ابتعادنا جنّة، ووحدتنا طمأنينة، ويصبح سقف أحلامنا أن ينقضي ما تبقّى لنا من العمر خفيفاً، سريعاً، مثل قطار ما بعد منتصف الليل.
– صحافية وكاتبة لبنانية
درج



