إشتباكات السويداءسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

من السويداء إلى الجنوب اللبناني.. إدارة الصراع أم بناء دولة؟/ صهيب جوهر

 

2025.08.29

تتحرك دمشق على مسارين متوازيين: تثبيت تفاهم 10 آذار في شرق الفرات عبر قنوات مع العشائر ومظلوم عبدي وعزل الجناح الأقرب إلى قنديل، ومنع أي صيغة للإدارة الذاتية في السويداء من خلال إعادة ربط الخدمات والعبور بدمشق. بالتوازي، تُناقَش ترتيبات أمنية مع إسرائيل تحت سقف اتفاق 1974 من دون الذهاب إلى سلام سياسي، في حين يطفو في لبنان طرح اقتصاد وظيفي جنوبي لتخفيف الاعتماد على اقتصاد الحرب.

غير أن النجاح مرهون بسيادة قابلة للقياس، وبنى أمن مشتركة، وحوكمة تمنع تحويل الاستثمار إلى نفوذ موازٍ للدولة. وإلا سنقع في إدارة صراع محسّنة لا في تحوّل مستدام.

تبدو دمشق، في ضوء المعطيات الراهنة، كمن اختار الانتقال من إدارة الانفجارات إلى إدارة الهوامش. مزيج من رسائل سياسية داخلية وخطوات رمزية خارجية يوحي برغبة في تثبيت الدولة كمرجعية وحيدة للعبور والجباية والأمن. يمكن قراءة زيارة وفد وزاري إلى المطران يوحنا العاشر يازجي، وزيارة الأخير للقصر الجمهوري ولقائه الرئيس أحمد الشرع، كإشارة منظمة لتطبيع العلاقة بين المركز ومكوّنات دينية واجتماعية مؤثرة، وإطلاق مسار مصالحات على الساحل وبين العلويين بما يطوي صفحة الفرز الأهلي الذي غذّى اقتصاد الحرب. ليست تلك الخطوات كافية بذاتها، لكنها تبني لغة سياسية جديدة تحاول وضع الفعل الديني والاجتماعي تحت سقف الدولة لا بجانبه.

في شرق الفرات، تعيد دمشق تقديم تفاهم 10 آذار كإطار واقعي لترميم وحدة المجال الإداري والأمني. تتعامل ببراغماتية مع ثلاث كتل داخل قوات سوريا الديمقراطية: العشائر التي تشكل الثقل البشري، ومظلوم عبدي بما يمثله من قدرة تفاوضية وتنظيمية، والجناح المحسوب على حزب العمال الكردستاني الأقرب إلى قنديل. الرهان هو ربط الأولى والثاني بصيغة إدماج تدرّجية داخل مؤسسات الدولة، وعزل الثالث سياسياً وميدانياً. هنا تتجاور روايتان: رواية تقول بإمكان تثبيت المحافظات الثلاث دير الزور والرقة والحسكة ضمن تفاهم إداري وأمني بلا اقتتال واسع، ورواية تتوقع مواجهة متدرجة تستعيد فيها دمشق السيطرة على دير الزور والرقة مع حصر قسد في الحسكة. وبينهما، تشتغل الدولة على ردع مساعي فرض أمر واقع انفصالي، عبر خلط أدوات التهدئة بالخنق اللوجستي لاقتصاد التهريب، وإعادة ربط الرواتب والوقود والمساعدات بقنوات رسمية.

السويداء تقدم الاختبار الأكثر حساسية لفكرة وحدة المجالين الإداري والاقتصادي. المؤشرات المتداولة تفيد بأن لا إدارة ذاتية ولا ممرات إنسانية مستقلة، لا باتجاه الجولان ولا باتجاه الشمال الشرقي. الطريق الوحيد للسويداء يمر عبر دمشق، وهذا ليس مجرد شعارات بل سلسلة إجراءات عملية: تثبيت مسار إدخال المساعدات عبر العاصمة، تعزيز دخول القوافل التجارية، وفتح سوق على تخوم المحافظة لكسر حلقات المنع والجباية غير الشرعية التي راكمت شرعية قوى محلية مسلحة.

إلى ذلك، وضِع ملف المخطوفين أولوية، لأن بقاءه مفتوحاً يوفّر ذريعة دائمة لاقتصاد الابتزاز والثأر. وفي خلفية المشهد، تبدّل في خطاب بعض المرجعيات الدينية والاجتماعية، حيث تراجع الشيخ موفق طريف والمقربون منه عن مقاربات كانت توحي بقبول معابر إنسانية خارج سلطة الدولة، ونُصح الشيخ الهجري بالتواصل المباشر مع دمشق. هذه التحولات، التي أسهم في تثميرها جهد دبلوماسي نشط نقل بعضه الموفد الأميركي توم باراك خلال لقاءات باريس، تمنح الدولة نافذة لإعادة ترتيب المركزية اللوجستية من دون صدام شامل.

وعلى خط إسرائيل، تبلور تعريف واضح لحدود الممكن. المفاوضات، كما تُقدَّم من جانب دمشق، ليست مقدمة لسلام سياسي، بل ترتيبات أمنية تمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة وتبقى تحت سقف اتفاق فك الاشتباك لعام 1974.

والسقف السوري لايزال ثابتاً: لا اعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان ولا تنازل عن عمق استراتيجي يقيّد حرية الحركة السورية. في المقابل، تتمسّك تل أبيب بالاحتفاظ بنقاط مراقبة استراتيجية تتجاوز روح الاتفاق، مثل مرصد جبل الشيخ وتل الحارة ونقاط إضافية.

والفجوة هنا ليست تقنية بل تعريفية لخطوط الأمان. لذلك يوازي المسار السوري مقاربة أميركية براغماتية تطلب من إسرائيل تقليص الضربات في لبنان لإتاحة هامش للحكومة اللبنانية كي تدفع خطوات داخلية، بما يربط الجولان والجنوب اللبناني في سلة واحدة عنوانها تخفيض التوتر مقابل تقدم تدريجي في مأسسة الأمن على جانبي الحدود.

ولبنان يدخل هذه المعادلة من بوابة الاقتصاد الوظيفي جنوباً. الفكرة بسيطة وخطرة في آن معاً: استخدام مشاريع نمو محلية لتخفيف الاعتماد الاجتماعي والاقتصادي على اقتصاد الحرب ومنظوماته، وإغراء البيئة المحلية بمصالح يومية مستقرة على حساب التعبئة المستدامة.

نظرياً، يمكن لاستثمارات في البنية التحتية والسياحة الساحلية والجبلية والخدمات أن تعيد تعريف المصلحة اليومية لبيئة الجنوب وتفك ارتهانها للريع الأمني. عملياً، السؤال الحاسم سيادي لا اقتصادي. من يضع القواعد ومن يجبي الضرائب ومن يحل المنازعات ومن يضمن حياد الأمن المحلي حين تتقاطع مصالح مستثمرين ونافذين وقوى مسلحة. إذا لم تتوافر إجابات مؤسسية واضحة، يتحوّل الاستثمار إلى اقتصاد ظلّ جديد وذراع نفوذ موازية للدولة، وتُعاد إنتاج الزبائنية بملابس تنموية.

تاريخ المنطقة القريب يضيف طبقة إضافية من التعقيد عبر العامل الروسي. فمنذ توسيع الحضور العسكري في سوريا، ثُبّتت معادلة أمنية تحمي المصالح الروسية والإيرانية وتضبط الحيز الجوي والبحري. قاعدة طرطوس منحت موسكو موطئ قدم في المتوسط، في حين وفّرت حميميم قدرة مراقبة وتنسيق لحظي مع دمشق. استفادت القوى الحليفة لطهران من غطاء ناري ومعلوماتي في مراحل مفصلية، خصوصاً شمالاً في مواجهة مجموعات شديدة الشراسة.

وفي مراحل لاحقة، اختارت موسكو سياسة الإمساك بالعصا من الوسط، بغض نظر محسوب لإسرائيل في سماء سوريا مقابل ضبط التصعيد وتجنب ارتطام مباشر. أهمية هذا العامل لا تقتصر على تكتيكات الضربات الجوية ومساراتها، بل تمتد إلى أي ترتيبات جديدة في الجولان والجنوب اللبناني، حيث ستسعى موسكو إلى ضمان حصتها في أي هندسة اقتصادية لاحقة كي لا تتحول التسويات إلى منصة إقصاء لنفوذها.

يبقى أن مغالبة اقتصاد الحرب بفكرة الازدهار ليست ترفاً خطابياً. التجارب المقارنة تقول إن كثافة الفرص ووثوقيتها تقلّص دوافع الانضمام إلى المجموعات المسلحة وتخفف منسوب القابلية للتعبئة الأيديولوجية. لكن هذا يحدث فقط حين تتحرك قاطرة الاقتصاد داخل سكك سيادية صلبة.

والسيادة هنا ليست شعاراً وطنياً مكروراً، بل مجموعة قياسات يومية: وجود سلطة جباية واحدة، تماسك الولاية القضائية، ضبط المعابر الرسمية، ووضوح قواعد الاشتباك. أي ثغرة في هذه القياسات تتحول بسرعة إلى قناة لتسرب النفوذ الموازي، ويعود معها العنف إلى الواجهة عند أول اختبار.

ما العمل إذاً حتى لا ننزلق إلى إدارة صراع محسّنة. في شرق الفرات، يلزم تحويل تفاهم 10 آذار من صيغة سياسية عامة إلى آلية تنفيذية معلنة بمراحل وجداول زمنية، مع إدماج وحدات من قسد ضمن تشكيلات أمن محلي مرتبطة بوزارتي الدفاع والداخلية، واتفاقات خدمات تضمن تدفق الرواتب والوقود عبر قنوات رسمية، وخطة لتفكيك اقتصاد التهريب ومحاسبة المستفيدين منه.

وفي السويداء، بدا المطلوب ربط سلس للوجستيات والمساعدات بدمشق مع ممرات تجارية منظمة، وآلية مستقلة لملف المخطوفين بضمانات قضائية تمنع الاستثمار السياسي في المآسي، وإعادة بناء شرطة محلية تحت إمرة الدولة وتدقيق مالي دوري يمنع القيود غير الرسمية على حركة السلع.

أما في لبنان، فأي مشروع نمو جنوبي يجب أن يُقارب كمشروع دولة لا كمشروع مانحين. وبدأ الحديث عن إصدار قانون خاص يحدد الحوكمة، وإنشاء هيئة تنظيم مستقلة تخضع لرقابة ديوان المحاسبة، وحصر الجباية بوزارة المالية، ومنع أي تسويات أمنية خارج القوى الرسمية.

من هنا تتحرك المنطقة على حافة دقيقة بين انتظام وظيفي يحد التوتر وبين انفلات مستأنف يعيد تطييف الاقتصاد وتذويب الدولة. ما سيحسم الاتجاه ليس وفرة الوعود ولا ضخ الأموال في ذاته، بل القدرة على صياغة قواعد ملزمة تُطبَّق وتُقاس. حينها فقط قد ينجح منطق ما بعد الاشتباك: أمن مضبوط بالقانون، واقتصاد محكوم بالشفافية، وسيادة تُقاس بالكفاءة على الإنفاذ لا بارتفاع النبرة. من دون ذلك، سنبقى ندور حول أنفسنا بين تهدئة معلّقة وانفجار مؤجّل.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى