إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر تحديث 22 آب 2025

متابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي
التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
=================
تحديث 22 آب 2025
——————————
التفاوض مع إسرائيل بين براغماتية السلطة وأخلاقية الموقف الشعبي السوري/ أحمد جاسم الحسين
2025.08.22
اضطر الموقف الدولي المعقد السلطة السورية الحالية إلى إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل للبحث عن حلول لتبريد العلاقة المشتعلة معها، وما زاد التركيز على التفاوض معها أحداث السويداء، والحل الأمني هناك الذي أربك موقف السلطة السورية وجعله أكثر تعقيداً. وما دفع السلطة إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل أثرها الكبير في الملف الدولي بخاصة أميركياً، خاصة أن العقوبات على سوريا لم ترفع بعد، وكون إسرائيل تعيش حالياً نشوة نصر، وقوة على مختلف الأطراف في المنطقة. ودورها المركزي في مختلف ملفات المنطقة.
تسعى إسرائيل إلى الإفادة من الموقف الإقليمي الحالي لتوقيع تفاهمات مع السلطة الحالية بدمشق أقرب ما تكون إلى اتفاقية سلام دائمة، في حين تسعى سلطة دمشق للبحث عن حلول تجنبها التصعيد أقرب إلى إدارة الأزمة، فقد حاول الطرف السوري سحب ورقة الدروز من الأيادي الإسرائيلية بالتفاوض كي لا تضاف أوراق جديدة بيدهم، وهم الذين يدركون أن السلطة الحالية ليست في أحسن أحوالها من حيث التسليح والاعتراف والقوة الاقتصادية والإمساك بزمام البلد.
ليس تفاوض السلطة مع إسرائيل هو الخيار السياسي المفضل لديها، بقدر ما هو حالة اكتفاء شر جار متعنت محتل قوي، حيث إنه منذ الأيام الأولى لاستلام السلطة الحالية الحكم قام بضرب معظم مستودعات الأسلحة في سوريا، وأبطل من جانب واحد اتفاقية فض الاشتباك الموقعة منذ نصف قرن، بل حاول اكتساب نقاط تفاوضية جديدة من خلال الانتشار في مزيد من الأراضي السورية، إضافة إلى عمل مخابراتي مع الأطراف الفاعلة في محاولة إبقاء السلطة السورية معزولة، وكذلك في محاولة فرض شروطه على السلطة في الجنوب السوري من حيث نوعية السلاح وعدد الجنود، وفرض حضوره أكثر من خلال الضغط على نوعية التعاون السوري التركي والقواعد التركية في سوريا.
ما يمكن دعوته بالواقعية السياسية أو البراغماتية أو البحث عن المصلحة العليا للدولة جعل السلطة الحالية تدخل في مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل في باكو وباريس، ومحاولة وضع جدول أعمال للنقاط الخلافية والبحث لها عن حلول آنية أو طويلة المدى.
ومنذ وصول السلطة الجديدة إلى الحكم في سوريا كان صوتها عبر الرئيس أحمد الشرع واضحاً لن نكون محطة تهديد لجيراننا بمن فيهم إسرائيل، فسوريا لديها من الجراح ما يكفي، والأولى لديها حالياً معالجة جراحها الداخلية وتأمين البنية التحتية والحاجات الأساسية والأمان الداخلي. وهو ما تم التأكيد عليه المرة تلو الأخرى. وهذا كله في سياق قرار سيادي بعدم جعل سوريا محطة لإزعاج الآخرين لا عبر المواقف السياسية ولا عبر الجماعات المسلحة ولا عبر الكبتاغون. فكل دقيقة من الزمن السوري الأولى بها أن تخصص للبناء الداخلي وترميم جراح الشعب.
لو حاولنا النظر في الخلفية الدينية للسلفية الجهادية في الموقف من التفاوض مع العدو الخارجي وهل هي أولوية على محاربة الفتن الداخلية ربما لوجدنا إجابة من نوع ما في أولوية محاربة أعداء الداخل على الوقوع في صراعات خارجية لها خلفياتها وإشكالياتها، بل قد تكون قراءة أدبيات هذه الفكرة تكشف الكثير من تفاصيل التفاوض في هذا الملف المتشابك.
ما هو غير معتاد في المشهد السوري أن تكون الحكومة واضحة مع شعبها، وتحدثه عن التفاصيل، فقد اعتاد الشعب السوري زمناً طويلاً أن تكون الصفقات سرية فيما الخطاب العلني للسلطة خطاب تصعيدي!
غير أن مصارحة الشعب بالتفاوض مع إسرائيل لا يعني أن السوريين موافقين على هذه الخطوة، أو مرحبين بها أو مهللين لها، فالعلاقة مع إسرائيل شعبياً فيها خطوط حمراء كثيرة ذات أبعاد وجدانية أخلاقية وقيمية!
يتساءل السوريون اليوم على سبيل المقارنة: لماذا لا تبدأ السلطة السورية بالتفاوض مع الدروز مثلاً فالطريق بين دمشق والسويداء أقرب منه إلى تل أبيب!
عدد من المتابعين يرون أن السلطة السورية لم تترك طريقاً للتفاوض مع القيادات الدرزية من قبل، غير أن حالة من الرفض والتشكيك كانت هي السائدة منذ اللحظة الأولى إلى أن حدثت مجازر السويداء من كل الأطراف التي جعلت الموقف معقداً جداً، مما يجعل باب التفاوض اليوم دون وسطاء محليين أو إقليميين صعباً حالياً!
ثمة اختلاف في الرؤيا بين السلطة في دمشق والسويداء في الموقع والهدف والرؤيا: ففي الوقت الذي ترى فيه السلطة السورية المركزية أنه من الطبيعي أن تلتحق السويداء في السلطة المركزية ترى فعاليات في السويداء أن لديها فرصة تاريخية كي تفرض شروطها وتحقق ما يشبه الحكم اللامركزي إدارياً للمحافظة بل ربما سياسياً!
ثمة جانب آخر يشهره كثيرون في وجه السلطة السورية على سبيل المحاججة: كيف تتفاوضون مع إسرائيل وتعيبون على الدروز السوريين استعانتهم بها أو رفع العلم الإسرائيلي؟
وهذه مقارنة غير منصفة، فلا يمكن المقارنة بين حكومة تبحث عن مصلحة البلاد العليا في التفاوض مع قوة محتلة كمرحلة على طريق إحلال السلام معها والتخلص من شرورها والسير في طريق الواقعية السياسية باستعانة فصيل محلي بها أو رفع علمها وهو يدخل في باب الخيانة قانونياً وعرفاً. خاصة أن مفهوم الدولة في أحد تعريفاته يقوم على ترك الشؤون الخارجية لها، وإلا فإن من حق أي فصيل سوري القيام بما يرديه على مستوى التواصل مع الدول!
وفي سياق التبرير يشير متابعون إلى المجازر وعدم الشعور بالأمان، وأنه هو الدافع في طلب المساعدة من إسرائيل والدعوة إلى التخلي عن سوريا ورفع العلم الإسرائيلي كذلك!
بل إن كثيرين يرون أن دافع السلطة للتفاوض مع إسرائيل هو بقاؤها على كرسي الحكم في محاولة إشارة تقليدية إلى أن كل سلطة عربية يجب أن ترضى عنها أميركا أو إسرائيل، غير أن الواقع مع السطلة السورية اليوم مختلف، ولئن كان من الحكمة عدم الدخول في حروب أو مناكفات مع الجيران غير أن الواقع يؤكد على أن إسرائيل ليست سعيدة أبداً بوصول سلطة ذات خلفية سلفية جهادية إلى دمشق، وهو يوم كئيب في حياة قادة إسرائيل!
وفي سياق متابعة المقارنة؛ فإن ما تعرض له الشعب السوري من مجازر منذ عام 2011 يجعل من المسموح له إذاً أن يطلبوا المساعدة من جزر البحر الكاريبي أو أن تنفصل كل حارة عن جارتها الأخرى، وكأن الوطن على شفا حفرة بحيث إنه كلما تعرضنا لصعوبة ما أو موقف ننفصل عمن حولنا!
ولا يقصد برفض الاستعانة بإسرائيل التخفيف من هول ما حدث أو الاستهانة بالجرح الدرزي السوري أو البدوي، غير أن طريقة المعالجة ينبغي أن تكون منطقية ومقنعة وواقعية، وألا ينتظر الحل ممن يقدم الشرور لكل المحيطين به، وينبغي البحث عن حلول واقعية في إطار القانون السوري.
المؤلم لكثير من السوريين والعرب في الوقت نفسه كيف يخطر ببال شريحة سورية أن تشعر بالأمان أو تعتقد أن إسرائيل ستساعدها وهي التي ترتكب المجازر يومياً بحق الفلسطينيين والكثير منها على يد مجندين دروز؟
والمؤكد أن إسرائيل ليست حمامة سلام للدروز بقدر ما تريد استعمال مطالبهم كورقة ضغط على السلطة السورية الجديدة، وفي كل المفاهيم والطروحات فإن العقيدة الإسرائيلية لا تحبذ أن تكون نسبة الدروز لديها أو دورهم أكثر مما هو موجود حالياً!
من المهم في هذا السياق عبر الواقع أو وسائل التواصل الاجتماعي عدم تخوين الدروز ككتلة سورية واحدة ومحاولة وصمهم بذلك، فهذا غير صحيح منطقاً وواقعاً، فالكثير من أبناء الجولان السوري المحتل رفض حمل الهوية الإسرائيلية، والكثير منهم كان عضواً في حركات المقاومة الفلسطينية. وللدروز دورهم في بناء الدولة السورية وكذلك مشاركتهم في الألم السوري والتراث المادي واللامادي وهم جزء رئيس من الأدب والغناء والوجدان السوري. وما الحدة المنتشرة بين السوريين حالياً إلا لون من ألوان التعبير عن غياب الفعل السياسي وكذلك انكسار الأمل والشعور بالخذلان!
في الشارع السوري عامة ما زالت الجولان في القلب والشتات الفلسطيني في العين وخيمة اللاجئ جزء من الذاكرة السورية، وهذا يجعل التفاوض برأي جوانب من الشارع السوري خدشاً في الكرامة! ويرى معظم السوريين أن أي اتفاق نهائي مع إسرائيل عليه ألا يبدأ من الأعلى ويفرض على الشعب بل أن تسبقه حوارات طويلة وعميقة وصريحة مع مختلف أطياف الشعب السوري لمعرفة رؤيتهم وقراراهم ومصلحتهم، فالسلام يبنى لبنة لبنة بشجاعة واعتراف بالحقوق لكل الأطراف!
تلفزيون سوريا
—————————–
سوريا ـ الأردن ـ لبنان: مقاربات مختلفة تجاه إسرائيل؟
رأي القدس
الجمعة , 22 أغسطس , 2025
أعلنت وكالة الأنباء السورية الثلاثاء الماضي خبر لقاء وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني بوفد إسرائيلي في العاصمة الفرنسية باريس، وحصل اللقاء، حسب وكالة «سانا»، بوساطة أمريكية في إطار جهود دبلوماسية «لتعزيز الأمن والاستقرار في سوريا والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيها»، وتناولت النقاشات «خفض التصعيد وعدم التدخل بالشأن السوري الداخلي، والتوصل لتفاهمات تدعم الاستقرار في المنطقة، ومراقبة وقف إطلاق النار في محافظة السويداء، وإعادة تفعيل اتفاق 1974».
يعتبر نشر الخبر الإعلان الأول الذي يتحدث صراحة عن لقاء بين وفد رسمي تابع للحكم الجديد في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وآخر إسرائيلي، وهو حدث يغيّر، بهذا الإعلان البسيط المفترض، ديناميّات السياسة بين سوريا وإسرائيل، وهو ما سينعكس، بالضرورة، على علاقات السياسة ضمن الإقليم، وخصوصا ضمن مثلث سوريا – الأردن – لبنان، الذي يقع كل واحد من أطرافه الثلاثة في دائرة الخطر الإسرائيلي.
رغم توضيحات «مصدر حكومي سوري» تبعت الخبر عن عدم الاتفاق مع وفد تل أبيب على «ممر إنساني» من إسرائيل إلى السويداء، ورغم إشارة الخبر قبله إلى «عدم التدخّل بالشأن السوري الداخلي»، فإن الواضح أن الإدارة السورية بإقرارها مبدأ الانخراط المباشر في المفاوضات مع إسرائيل، أقرّت عمليا بالمعادلة المختلة لعناصر القوة الفائضة لدى الدولة العبرية، والضعف الفائض لدى الحكم السوري، الذي عزّزته أخطاء سياسية داخلية، بدءا من القصور في إجراءات «العدالة الانتقالية»، وفي الترتيب المتواضع لعملية «الحوار الوطني»، وفي النقاط المثيرة للجدل في «الإعلان الدستوري»، وصولا إلى الانفلات الأمني الخطير في مناطق الساحل، والانجرار إلى ممارسات عنفية وانتهاكات جسيمة في محافظة السويداء، وهو ما ساهم في إعطاء إسرائيل تعزيزا لمبرراتها حول «حماية الأقليات»، كما ساهم في إعطاء دفعة قوية للفئات الدرزية السورية المنادية بالتحالف مع إسرائيل.
وهكذا، وفي الوقت الذي تقوم فيه إسرائيل بغاراتها اليومية على سوريا وبالتدخل في شؤونها عبر إعلان «حماية الدروز» وتسليحهم ودعمهم (وهو ما يؤدي عمليا إلى تقويض سيادة الدولة السورية) فإن غاراتها على لبنان واحتلال تلال خمسة فيه تقوم على معادلة معاكسة تبرر التدخّلات العسكرية بمطالبة الدولة بالسيادة على كل أراضيها ونزع سلاح «حزب الله»!
لا يتعلّق نزع سلاح «حزب الله»، بالنسبة للبنان، بإسرائيل وحدها، بل بمصير الدولة واللبنانيين عموما، وهو ما عبر عنه إعلان الحكومة قرارها حصر السلاح بيد الدولة، ولجوء السلطات اللبنانية – حسب تقارير أمريكية – للتعامل مع إسرائيل عبر آلية تنسيق «غير مباشرة» ومعقدة، يشرف عليها ضباط أمريكيون وفرنسيون ومن قوة السلام الأممية (اليونيفيل) يعود لكون السلطات اللبنانية تخضع بدورها لضرورات سياسية داخلية لا يمكن تجاوزها، مما يوضّح اختلافا في ظروف السلطات في البلدين، كما يشير، بطريقة غير مباشرة، إلى خلافات أخرى (بينها ملف المعتقلين السوريين على خلفية العداء للنظام السابق) وهو ما يسعى لقاء مقبل بين المسؤولين بين البلدين لحلحلته.
يمثّل إعلان ولي عهد الأردن، قبل أيام، إعادة تفعيل «برنامج خدمة العلم» (التجنيد العسكري الإلزامي) بعد 35 عاما من إلغائها، وهو ما قرئ على أنه استجابة أردنية لما أعلنه نتنياهو عن مشروع «إسرائيل الكبرى» التي قد تشمل «مناطق من الأردن»، وتبعت ذلك تصريحات لنائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، الذي حذر من «التبعات الكارثية على الأمن الإقليمي والدولي للسياسات العدوانية والتوسعية الإسرائيلية».
في التصريحات نفسها، أشار الصفدي إلى «وقوف الأردن بالمطلق إلى جانب سوريا» وضمان «وحدتها وأمنها وسيادتها واستقرارها وسلامة مواطنيها»، وسبق ذلك لقاء للملك الأردني عبد الله الثاني مع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، وأكد الملك فيه أيضا على «دعم الأردن للبنان في تعزيز أمنه والحفاظ على سيادته»، وتطرق في اللقاء نفسه إلى «دعم جهود السوريين في الحفاظ على استقرار بلدهم وسيادته وسلامة مواطنيه».
في الوقت الذي تظهر التصريحات الأردنية استيعابا لترابط قضايا الاستقرار والسيادة والأمن وسلامة المواطنين في الأردن وسوريا ولبنان، واستشعارا للخطر الإسرائيلي على المشرق كلّه، يبدو لبنان وسوريا منهكين بالقضايا الداخلية التي يترابط فيها التدخّل الإسرائيلي مع مخاطر تفكك النسيج الوطنيّ والطائفيّ، وهو ما ينعكس في مقاربتين مختلفتين تجاه إسرائيل، وكذلك تجاه القضايا العالقة فيما بينهما، وهو ما يعطي حكومة نتنياهو مجالا أوسع لإدامة التدخّل والاحتلال والتوغّلات على أراضيهما.
القدس العربي
—————————-
ذكرى مجزرة الغوطة: أيّ روابط مع الساحل والسويداء؟/ صبحي حديدي
الجمعة , 22 أغسطس , 2025
مآذن عديدة، في أرجاء سوريا عموماً وفي العاصمة دمشق وضواحيها خصوصاً، صدحت ليل أمس بتكبيرات اتسمت أيضاً بتعدّد في النصّ والنبرة والرسالة القصدية؛ وذلك على سبيل إحياء الذكرى الـ12 للضربة الكيميائية التي نفذها النظام السوري ضدّ الغوطتين الشرقية والغربية. وكما بات معروفاً، نُفّذت الضربة في الساعات الأولى من يوم 21 آب (آغسطس) 2013، واستخدم النظام خلالها صواريخ تحتوي على غاز السارين، وأسفرت عن 1400 ضحية، ولسوف يقول تقرير صادر عن «مجلس حقوق الإنسان» التابع للأمم المتحدة، صدر لاحقاً في سنة 2014: «استُخدمت كميات كبيرة من غاز السارين في هجوم خُطّط له جيداً لاستهداف مناطق مأهولة بالمدنيين، مما تسبب في خسائر بشرية كبيرة».
ومنذ ابتداء ذلك العام، ارتكب جيش النظام السوري سلسلة مجازر وحشية، بينها في شهر كانون الثاني (يناير) مصرع 87 من طلاب جامعة حلب و106 من أبناء حمص بينهم نساء وأطفال قُتلوا حرقاً أو بالسلاح الأبيض، والعثور على 80 جثة في نهر قويق، حيّ بستان القصر في حلب؛ وفي شباط (فبراير) مقتل 83 من المدنيين، بعضهم سقط جراء تفجير قرب مقرّ حزب البعث في دمشق؛ وفي نيسان (أبريل) أكثر من 483، بينهم نساء وأطفال، في مجزرة «جديدة الفضل» التي ارتكبتها وحدات الحرس الجمهوري؛ وفي أيار (مايو) إعدام قرابة 50 من السجناء في سجن حلب المركزي، ومقتل 145 رمياً بالرصاص في مدينة بانياس الساحلية؛ وفي حزيران (يونيو) مجزرة سقط خلالها 191 مواطناً في قرية «رسم النفل» من ريف حلب…
غير أنّ ذكرى مجزرة الغوطتين تحلّ هذا العام والنظام الذي ارتكبها انهار تباعاً وتفكك وسقط خلال زمن قياسي، الأمر الذي يعطي للاستعادة صفات خاصة عديدة، رمزية وإنسانية في المقام الأوّل، لا تخلو أيضاً من أبعاد سياسية تربط ذاكرة الماضي بالحاضر والمستقبل بالنظر إلى أوضاع شتى متقاطعة في سوريا الجديدة الراهنة. ولعلّ البعد الثقافوي لن يغيب أيضاً، حتى إذا كان الترجيحات لا تنتظر علوّ أصوات تردّد أصداء أدونيس (لماذا التكبيرات من المآذن، على غرار استنكار خروج مظاهرات احتجاج 2011 من المساجد، مثلاً)؛ أو أصوات تنشغل بالسجال حول منع الموديل العارية في كلية الفنون الجميلة (وهل القرار من الأسد الأب، أم زاده وريثُه سوءاً على سوء، أم اتخذته سلطات الشرع الحاكمة اليوم بأمرها).
وقد يصحّ، حتى يثبت العكس ربما، الافتراض بأنّ غاز السارين وأيّ من شقيقاته الكيميائيات لم يُستخدم في مجازر الساحل السوري، مطلع آذار (مارس) الماضي، سواء من فلول النظام التي دشنت التحرّك العسكري العنفي، أو من فصائل موالية للسلطة الانتقالية ردّت بانتهاكات وفظائع، قد ترقى إلى جرائم حرب على الطرفين معاً؛ ولا في معارك السويداء ومجازرها، حيث تماثلت الحال بمعدلات أقلّ أو أكثر، لدى القوى الموالية أو ميليشيات الشيخ حكمت الهجري. غير أنّ وتائر المأساة، ودماء الأبرياء التي أريقت، والجراح التي انقلبت سريعاً إلى شروخ عظمى في الجسد الوطني السوري لن تندمل بيسر أو في زمن قريب مرئي… كلها، وسواها، عناصرهيهات لها أن تحجب واقع، أو على الأقلّ الحقّ في، ربط الغوطتين 2013 بالساحل والسويداء 2025.
الأكثر تشاطراً، والأشدّ سطحية استطراداً، سوف يكون ذلك الرأي الذي يضع نظام «الحركة التصحيحية» وسلطات الشرع الانتقالية في خانة تشابه، أو حتى إعادة إنتاج ميكانيكية؛ ليس من وحي استخدام العنف وارتكاب المجازر (إذْ أنّ البراهين المتوفرة هنا لن تسعف القائل بهذه الخلاصة) بل اتكاء على أصعدة أخرى عمادها العقائد الجهادية والإسلاموية، أو السلوك الطائفي معلَناً أو مضمراً، أو التعطش للثأر من جماعات سبق لبعض أبنائها أن تورطوا في فظائع خلال خدمتهم في صفوف النظام الساقط؛ أو (ولعلها حالة مثلى!) الانفراد بالحكم، وارتكاب الأخطاء، والإعلان الدستوري القاصر، والتملّق للغرب، والتفاوض غير المباشر مع دولة الاحتلال، وما إلى ذلك كثير ومتشعب.
أكثر انحيازاً إلى معطيات ملموسة فعلية، ضمن منهجية في السياسية لا تستند على ما هو مستوهَم قبل، أو بعد، معطيات الأمر الواقع على أرض السورية فريدة التعقيد والتشاكل والتناقض والتقاطع؛ سوف يكون ذلك الرأي الذي لا يقرّ التماثل بين آل الأسد وآل الشرع، في الحكم كما في شبكات الولاء، وفي الآن ذاته لا يستعبد تسخير أدوات العنف على اختلاف ضروبها لتمكين السلطة وحراسة بيتها وتحصين قلاعها؛ حتى حين لا يكون السارين خياراً مطروحاً بالضرورة، أو على سلّم أولويات الردع والسيطرة. في عبارة أخرى، قد يصحّ وطنياً بادئ ذي بدء وضع مجازر الغوطتين 2013 نصب أعين السوريين، عند تحليل مجازر الساحل والسويداء 2025؛ ولكن ليس عبر نظرة خرقاء قوامها التمييز بين سيئ وأسوأ، بقدر التبصّر المعمّق في طبائع السلطة خلف الانتهاكات، وأنها ليست محض عربدة طائفية أو جهادية بقدر ما تبدأ من، وتنتهي أيضاً إلى، معمار سياسي واجتماعي وإيديولوجي محرِّك وناظم.
النظرة ذاتها يتوجب أن تقرأ سلسلة أنساق التناظر ودلالاتها، بين ردود أفعال قوى عظمى إقليمية أو دولية على مجزرة الغوطتين، مقابل التعاطي مع مجازر الساحل والسويداء؛ ليس لأغراض فضح الكيل بأكثر من مكيال تجاه الملفّين فحسب، بل كذلك لاستقراء السياسات الذرائعية التي كانت تحكم النظرة إلى نظام «الحركة التصحيحية» بالمقارنة مع السلطات الانتقالية الراهنة في سوريا الجديدة. وللمرء أن يدع دولة الاحتلال الإسرائيلي جانباً، إذْ أنَ إشفاق بنيامين نتنياهو على دروز السويداء ليست له سابقة، حتى رمزية، على امتداد مئات المجازر التي ارتكبها النظام السوري الساقط منذ انتفاضة 2011 ضدّ عشرات المدن والبلدات والقرى في سوريا. وبالتالي فإن معادلة نتنياهو مع الشرع لا تبدأ من الأقليات عموماً، ولا تنتهي عند ما تبقى في الترسانة العسكرية السورية من صواريخ ودبابات ومدافع.
الأجدر بالتأمل هو ما وقعت فيه إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما من تخبط إزاء قصف الغوطتين بالأسلحة الكيميائية، حيث بدأ الارتباك من زلّة لسان أوباما بصدد «خطّ أحمر» تجاوزه النظام السوري، ومرّ بالضجيج حول ضربة عسكرية عقابية، ثمّ سوء التخطيط لها، ورداءة إدارتها سياسياً وإعلامياً وعسكرياً، ومع الكونغرس والحليف البريطاني… إلى أن انتهت الحال بصفقة روسية تضع ترسانة النظام السوري من الأسلحة الكيميائية قيد الرقابة الدولية، والتخلص منها نهائياً… الأمر الذي لم يتحقق، بالطبع. السنوات التالية بعد 2013 شهدت فصولاً دراماتيكية من التعامل مع النظام السوري، سواء لجهة مغازلته والتمهيد لإعادة التطبيع معه، أو لجهة مسارعة كتّاب ومعلّقين في الغرب إلى تبرئته من الضربة الكيميائية ذاتها!
للمرء أن يتخيل ما ستكون عليه الحال اليوم لو أنّ أنصار الشرع اتُهموا باستخدام غاز السارين في بيت عانا ـ محافظة اللاذقية (مسقط رأس «النمر» مجرم الحرب سهيل الحسن) أو في السويداء (حيث «ضريح» حزار دير الزور عصام زهر الدين)؛ وهل كانت فرنسا ستكتفي باستقبال موفق طريف شيخ عقل الدروز في دولة الاحتلال، كي يفاوض باسم دروز سوريا؛ أو أن يذهب أتباع الشيخ الهجري إلى رفع صورة نتنياهو نفسه، وليس علم الاحتلال وحده؛ أو أن تُزال مفردة «المسلمين» عن توصيف الموحدين الدروز، في قلب السويداء؛ أو، أخيراً وليس آخراً، ألا يُكتفى بمنع مئذنة مسجد السويداء من التكبير في ذكرى قصف الغوطتين بالسارين، بل أن… تُقصف المئذنة ذاتها!
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
القدس العربي
————————-
سوريا بين محاور التحالفات الجديدة.. تقارب مع إسرائيل أم مناورة مؤقتة؟/ عدي محمد الضاهر
2025.08.22
تمرّ سوريا في مرحلة إعادة تموضع استراتيجي شديدة الحساسية، بعد التحولات الجذرية التي شهدتها البلاد بعد إسقاط النظام السابق وصعود إدارة جديدة برئاسة أحمد الشرع. هذه الإدارة تجد نفسها في قلب شبكة معقدة من التحالفات والمصالح المتشابكة، حيث لم تعد سوريا مجرّد ساحة صراع بين قوى إقليمية ودولية فقط ، بل تحاول أن تتحول إلى طرف فاعل يسعى إلى إعادة صياغة موقعه في المعادلة الجيوسياسية.
التحولات الأخيرة على خط العلاقات بين أذربيجان وتركيا وإسرائيل وسوريا تكشف عن ولادة محور جديد، أو على الأقل شبكة مصالح مشتركة، يمكن أن تعيد ترتيب موازين القوى في المنطقة. هذا المحور بدأ يتبلور من خلال ملفات الطاقة والسلاح، حيث دخلت شركة النفط الأذربيجانية “سوكار” إلى قطاع الغاز الإسرائيلي بحصة في حقل “تامار”، وهو ما أسس لعلاقة اقتصادية استراتيجية بين باكو وتل أبيب. لكن البعد الأهم بدأ يظهر حين ظهر الرئيس السوري أحمد الشرع إلى جانب نظيره الأذري إلهام علييف في منتدى أنطاليا أبريل الماضي ، وهي صورة قرأها مراقبون كإشارة إلى فتح قنوات اتصال غير معلنة بين دمشق وتل أبيب عبر بوابة باكو.
خط الغاز وهدف التعاون
التقارير اللاحقة دعمت هذا التصور، إذ أشارت إلى أن أذربيجان استضافت لقاءات عسكرية تركية إسرائيلية ناقشت إدارة الأجواء والأراضي السورية في مرحلة ما بعد الأسد، كما رعت قنوات اتصال بين مسؤولين سوريين ونظرائهم من المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية. ولعل التطور الأهم الذي نقل العلاقة من مستوى الرمزية إلى التطبيق هو بدء ضخ الغاز الأذري إلى سوريا عبر الأراضي التركية، في خطوة جاءت بعد قمة سورية أذرية الشهر الماضي، كان من أبرز نتائجها الاتفاق على توريد الغاز للمساهمة في تخفيف أزمة الكهرباء الخانقة في البلاد.
النفوذ الروسي في القوقاز وانحسار الدور الإيراني
بالنسبة لإيران، فإن رؤية هذا النمط من التعاون بين دمشق وأنقرة وباكو وتل أبيب ليست مجرد تطور عابر، بل تهديد مباشر لموقعها الإقليمي. فالمحور الذي يتشكل حول سوريا اليوم يتقاطع مع أهداف استراتيجية لتركيا، أبرزها إعادة إحياء مشاريع الربط البري في جنوب القوقاز، وعلى رأسها “ممر زانجيرو” الذي يربط الأناضول بآسيا الوسطى من دون المرور بإيران أو روسيا. هذا الممر، إذا تحقق، سيقصي طهران من معادلة النقل في المنطقة، ويضعها في مواجهة تحالف تركي أذري مدعوم إسرائيلياً.
وتتزامن هذه التطورات مع تراجع النفوذ الروسي في القوقاز نتيجة انشغال موسكو بالحرب الأوكرانية، وفقدانها القدرة على لعب دور الضامن الأمني لأرمينيا أو الوسيط الحصري بين باكو ويريفان. هذا التراجع أتاح لتركيا فرصة التمدد، وفتح الباب أمام الولايات المتحدة لعرض إدارة ممر زانجيرو، ما يضع النفوذ الأميركي عملياً على حدود إيران الشمالية.
غير أن التحديات أمام طهران لا تقتصر على القوقاز. ففي جبهة المتوسط، يشهد الشمال اللبناني تنامياً للحضور التركي عبر أنشطة إغاثية واجتماعية وسياسية، وهو ما يضيف ضغطاً جديداً على حزب الله من الشمال والشرق، إلى جانب الحصار الإسرائيلي التقليدي من الجنوب. هذه التحركات تجعل من الصعب على إيران الحفاظ على حلقات نفوذها التقليدية، في وقت تتشكل فيه بيئة إقليمية لا تصب في صالحها.
ماذا تريد الحكومة السورية؟
لكن السؤال الأهم من منظور سوري داخلي هو: هل هذا التقارب مع إسرائيل، الذي تجري ملامحه في سياق أوسع من التعاون الإقليمي، يمكن أن يكون خياراً استراتيجياً دائماً لدمشق، أم أنه مجرد خطوة تكتيكية هدفها التعافي الاقتصادي واستعادة بعض التوازن في السياسة الخارجية؟ هناك من يرى أن سوريا قد تحذو حذو تركيا في المزج بين التعاون في أوقات السلم والمواجهة في أوقات الحرب، بحيث تستفيد من الفرص الاقتصادية والأمنية دون أن تتخلى عن أوراق الضغط في ملفات حساسة. هذا النموذج التركي قد يوفر لدمشق مساحة للمناورة، لكنه يتطلب قدرة عالية على إدارة التعقيدات والحفاظ على التوازن بين الأطراف المختلفة.
من جهة أخرى، فإن أي انفتاح سوري على إسرائيل لا يمكن قراءته بمعزل عن البيئة الإقليمية التي تشهد إعادة ترتيب أولويات، خاصة مع ميل بعض دول الطوق إلى البحث عن ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة تضمن الاستقرار على المدى القصير، ولو على حساب الملفات الخلافية طويلة الأمد. السؤال هنا: هل ترى إسرائيل في التمدد التركي شريكاً مرحلياً لمواجهة النفوذ الإيراني، أم أن ما يجري هو مناورة مؤقتة لضمان هدوء الجبهات تمهيداً لمواجهة جديدة في المستقبل؟ التجربة التاريخية تشير إلى أن تل أبيب تتعامل بحذر مع أي قوة إقليمية قادرة على لعب دور مستقل، لكنها في الوقت ذاته لا تتردد في استغلال أي فرصة لتقليص نفوذ خصومها، حتى لو كان ذلك يعني منح مساحة مؤقتة لشركاء محتملين مثل أنقرة ودمشق.
محور جديد أو مناورة عابرة
إن موقع سوريا بين القوقاز والمتوسط يمنحها ميزة استراتيجية فريدة، لكنه في الوقت نفسه يضعها في قلب تناقضات معقدة. فالتقارب مع إسرائيل قد يمنحها دعماً اقتصادياً وأمنياً في المدى القريب، لكنه قد يفتح عليها جبهات سياسية داخلية وخارجية إذا اعتُبر تجاوزاً للخطوط الحمراء التقليدية في الصراع العربي الإسرائيلي. كما أن المضي في هذا المسار سيضعها تحت ضغط من بعض القوى الإقليمية التي ترى في أي تحالف جديد تهديداً لمصالحها.
في المحصلة، فإن سوريا تقف أمام مفترق طرق حاسم: إما أن تندمج بشكل كامل في محور إقليمي جديد يعيد رسم التوازنات في مواجهة إيران ويعيد تعريف علاقتها مع إسرائيل، أو أن تستخدم هذه المرحلة كجسر لإعادة بناء قوتها وموقعها، قبل أن تحدد خياراتها النهائية في لعبة معقدة لا تزال فصولها مفتوحة. وفي كلا الاحتمالين، فإن السنوات القادمة ستكون حاسمة في تحديد موقع دمشق في الخريطة الجديدة للمنطقة وفي الإجابة عن سؤال ما إذا كانت قد اختارت فعلاً سياسة التحالفات الدائمة، أم أنها ما زالت تراهن على المناورة كأداة أساسية لإدارة صراعها في الإقليم.
تلفزيون سوريا
—————————
هل استحق الأمر ذلك الثمن؟/ صبا ياسر مدور
الجمعة 2025/08/22
ربما كان صادماً للكثيرين إعلان وكالة “سانا” عن اللقاء الذي جرى في باريس بين وزير الخارجية أسعد الشيباني، مع وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر. فالاجتماع مع وزير إسرائيلي بشكل مباشر، سابقة من الصعب استيعابها أو التعامل معها على أنها حدث “طبيعي”، سواء على أساس تاريخ العلاقات السورية الإسرائيلية، واستمرار إسرائيل باحتلال أراض سورية، أو في سياق العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، والتعقيدات المتوقعة في “تفهّم” اجتماع من هذا النوع.
وفق أي اعتبار، حتى من الناحية البراغماتية الصرف، فإن اجتماعاً مع “عدو تاريخي” سيكون خطأ استراتيجياً، إن لم يترافق مع مكاسب واضحة ومتفق عليها سلفاً، بمعنى أن الاجتماع سيكون مجرد “ثمن” استعراضي لمكاسب تم الاتفاق عليها سلفاً تحصل عليها سوريا. صحيح أن السياق العربي، لم يعد هو ذاته الذي كان سائدا عام 1977 حينما قام الرئيس المصري الراحل أنور السادات بزيارة القدس، وواجه ما واجه حينها من غضب ومقاطعة عربية، لكن الأمر اليوم يتجاوز التوافق مع مزاج عربي لم يعد ينظر للحديث مع إسرائيل بالصرامة نفسها، إلى محاولة جعل مثل هذه الخطوة مرهونة بفرص حقيقية لسوريا، سواء على صعيد استعادة أرضها المحتلة، أو معالجة الوضع الشاذ في السويداء ووقف التدخل الإسرائيلي.
وليس معروفاً حتى الآن إن كان مثل هذا الترتيب قد حصل فعلاً، بل لم تُعرف حتى نتائج اجتماع باريس، وهو ما سيكون مؤثراً بشكل أو بآخر في تقييم هذا الاجتماع، من قبل جزء من السوريين. فيما سيرى جزء آخر أن الأمر بكامله ما كان يجب أن يسير على هذا النحو، وأن الوسيط الأميركي توماس باراك كان يمكن أن يعالج التجاوزات الإسرائيلية على سوريا، من دون حاجة إلى اجتماع مباشر مع الإسرائيليين، مهما كانت نتائجه.
يمكن تقدير الوضع المعقد المحيط بسوريا منذ سقوط نظام الأسد. وهذا الأمر هو ما جعل الرأي العام السوري يتقبل مبادرات دبلوماسية نشطة، يتعارض بعضها مع المزاج الشعبي العام مثل استمرار العلاقة مع روسيا، ويقبل أيضاً بمواقف داخلية وجد فيها غياب إجراءات الحسم السريع، كما حصل في السويداء، أو حتى ما يحصل مع قسد. بل وأبدى السوريون صبراً على استيعاب النظام الجديد لشخصيات عرفت بموالاتها للنظام المخلوع وترويجها له، وهي اليوم تواصل نشاطها داخل البلاد، وبعضها غيّر بسرعة ولاءه، وآخر ما زال ينتظر، بل إن مسؤولين في عهد النظام المخلوع، ومنهم سفراء، ما زالوا في مواقعهم الوظيفية، فيما يجري تهميش مسؤولين وضباطاً منشقين عن نظام الأسد وإعلاميين وناشطين بذلوا للثورة ومن أجلها كل شيء. الشعب أبدى صبراً على كل ذلك بدواعي الظرف المعقد والخاص الذي واجه سوريا بعد سقوط نظام الأسد. وفي هذا السياق من “التفهم” ربما يعمد البعض الى التعامل مع قضية اجتماع باريس على اعتبار أنه خطوة “اضطرارية” لمعالجة وضع قائم ومعقد، وأن وحدة سوريا، ومصلحة شعبها اقتضت ذلك، لكن هل كان الأمر كذلك بالفعل؟
يبدو أن بعض السوريين نظروا للنصف الفارغ من الكأس، فمنهم من قال إن إعلان الدولة عن الاجتماع فور حدوثه، يكفي وحده للتأكيد على “شفافية” الحكم واحترامه لمواطنيه، وذلك بالقطع أفضل من أنظمة تجتمع سراً مع إسرائيل وتتعامل معها سياسياً وأمنياً من تحت الطاولة، وربما تدعي العكس في العلن، فقط لتواصل خداع مواطنيها والادعاء بكونها دول أو جماعات “مقاومة”. وهناك من بين السوريين أيضاً من يعطي للحكم الجديد حق عمل “أي شيء” لإخراج سوريا من عنق الزجاجة. وهؤلاء يقولون إن الحكم الجديد، ومنهم الوزير الشيباني والرئيس الشرع، قالوا في العلن إن سوريا حريصة على عدم استعداء أي طرف من جيرانها، ومنها بالطبع إسرائيل كما فهم الجميع. ولذلك، فاجتماع باريس ليس مفاجئاً ولا ينبغي أن يكون صادماً لأحد. وهو عندهم في النهاية جزء من محاولات إنقاذ سوريا بأي وسيلة وأي ثمن.
وبالطبع، سيكون هناك من يقول أن نظام الأسد لم يفعل ذلك رغم إجرامه، وإن كان قدم لإسرائيل خدمات تفوق أي حوار مشترك. ويكفيه أنه أبقى جبهة الجولان باردة طوال نصف قرن، حتى وهو يعتبر نفسه جزءاً مما يسمى “محور المقاومة” وقبل ذلك “جبهة الصمود والتصدي”، وغيرها من مسميات لم تحرر أرضاً لكنها كانت غطاء للقمع والتنكيل بالشعب.
بكل الأحوال، ليس لأحد أن يبرر للحكم في سوريا ما حصل في باريس. وعليه هو أولاً أن يفسر ما حصل بالشفافية نفسها التي أعلن فيها نبأ الاجتماع، وأن يوضح للسوريين قبل سواهم، المكاسب التي حصل عليها مقابل ذهابه لاجتماع من هذا النوع، وما أن كان الأمر يستحق تضحية من هذا القبيل. والأهم، ما يمكن أن تقود له هذه الخطوة الواسعة في المستقبل من تطبيع متوقع مع إسرائيل، ومصير الأراضي المحتلة، وفي المقدمة منها الجولان. ففي النهاية لا يمكن جعل الظروف الاستثنائية سبباً لقرارات تؤثر على المستقبل، لا سيما وأن الناس حينما تنتهي من هذه الظروف ستعود للتساؤل عن الأثمان التي دفعت، وستجد كثيرين وافقوا أو صمتوا سيعترضون لاحقاً، ويعتبرون أن الثمن كان أعلى كثيراً مما ينبغي في مقابل عائد محدود أو زمن محدود. وذلك ما ينبغي أن تنتبه له دمشق وتعنى به على مستوى مضامين مفاوضاتها مع إسرائيل، والأهم في كيفية تسويق هذه المفاوضات ونتائجها للرأي العام السوري
المدن
—————————
سوريا ميدان تنافس تركي – إسرائيلي/ عبدالله تركماني
2025.08.22
استبقت إسرائيل الإعلان السوري – التركي عن الاتفاق بينهما مؤخراً لتحديث قدرات الجيش السوري، وليس اتفاق دفاع مشترك، فتوغلت في الجنوب السوري متجاوزة خط الهدنة لعام 1974، وأعلنت أنها ترفض أي وجود تركي على حدودها.
في حين أن تركيا اعتبرت هذا التوغل تهديداً لأمنها القومي، إضافة إلى أن سوريا تمثل فرصة اقتصادية مهمة، بمعنى أنها تحول لا يمكن الاستهانة به. ويبدو أن لكل منهما مصالح وأهدافاً مختلفة عن الآخر، والسؤال هو: هل يصل الأمر إلى حدِّ الحرب بينهما؟ أم التفاهم على تقاسم النفوذ في سوريا؟
وتبدو مشروعية التساؤل من خلال متابعة مسار العلاقات بينهما، حيث اتسمت بالتفاهم والتنافس المستمرين في التاريخ المعاصر. وبعد أن أُعيد تشكيل المشهد الإقليمي إثر سقوط نظام الأسد، وإضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة، ثمة أمل بمنظومة أمن إقليمي في الشرق الأوسط الجديد، يطمح كل منهما بأن تشكل التطورات السورية مدخلاً له كي يحقق أهدافه الوطنية من جهة، وأن يكون له دور وازن في هذه المنظومة.
لقد تباعدت مصالحهما في سوريا لعدة أسباب، فقد خشيت إسرائيل، بعد التنسيق الواسع بين تركيا والسلطة السورية الجديدة، من أن تحل تركيا محل إيران في سوريا، فبادرت إلى التوغل في العمق السوري، ودمرت معظم القدرات العسكرية. بينما كانت تركيا تأمل بتسريع عودة اللاجئين السوريين، واستكشاف فرص الاستثمار هناك.
وباعتبارهما حليفين للغرب، فقد استجابا لرغبة الرئيس الأميركي في تخفيف التوتر بينهما، فالتقى وفدان تقنيان بأذربيجان في 9 نيسان/أبريل، لخلق آلية لتحاشي الاشتباك في ظل رغبة مشتركة بعدم حدوث ذلك، على طريق تحقيق المصالح المشتركة. وعُقدت الجولة الثالثة في 8 أيار/مايو، وكما أعلنت القناة 11 الإسرائيلية عشية اللقاء، فإن إسرائيل ستطرح مطلبين رئيسيين، هما: عدم وجود قوة عسكرية تهدد إسرائيل بالقرب من الحدود مع سوريا، وألا تكون هناك أسلحة استراتيجية قد تشكل تهديداً لأمنها.
ولكن تكمن المشكلة في أن قيادة إسرائيل تريد سوريا ضعيفة ومفككة، ولا تثق بالقيادة السورية الجديدة، ذات الخلفية الجهادية، وتعتقد بأنها تشكل تهديداً مستقبلياً، وهي تستخدم كل الوسائل كي تحول دون إعادة بناء جيش سوري يمتلك قدرات هجومية. بينما ترى القيادة التركية أن بناء جيش قادر على منع قوات “قسد” من تهديد الأمن القومي، إضافة إلى رفع العقوبات، يضمن مصالح الشركات التركية في إعادة الإعمار، وضمان طرق التجارة، بما فيها طموحها إلى أن تكون ممراً لأنابيب موارد الطاقة. وعليه، يبدو أن التوافق بينهما يحتاج إلى أكثر من لقاء، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار التنافس بينهما في المجال الإقليمي الشرق أوسطي.
وربما في اللقاءات القادمة بينهما، تلبية لرغبة الإدارة الأميركية، تدرك إسرائيل إيجابية الدور التركي في سوريا، لضبط الأمن في الداخل السوري، والمساعدة في إعادة البناء الاقتصادي والاجتماعي والاستقرار السياسي، وليس العسكري الذي قد يهدد أمنها مستقبلاً. ومن مؤشرات ذلك ما قاله وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة مع وكالة رويترز على هامش اجتماع وزراء خارجية دول حلف شمال الأطلسي في بروكسل: “إن بلاده لا تريد أي مواجهة مع إسرائيل في سوريا.. وإذا كانت الإدارة الجديدة في دمشق ترغب في التوصل إلى تفاهمات معينة مع إسرائيل، فهذا شأنها الخاص”.
وبالرغم من ذلك بقي التوتر قائماً بينهما، إذ بقيت إسرائيل مصرة على مواجهة تركيا، ربما لحرف الانتباه عن المخطوفين الذين يحتضرون في أنفاق غزة، كما ذكر عومر بارليف في صحيفة “هآرتس” يوم 14 نيسان/أبريل 2025. وفي هذا السياق، ثمة تقدير أمني إسرائيلي لا يستبعد زيادة التوتر مع تركيا بشأن دورها في سوريا، خاصة أنها تنسق مع المملكة العربية السعودية لدعم قيادة المرحلة الانتقالية، وأنها تطمح لأن تكون القوة المهيمنة في الشرق الأوسط الجديد الذي يبشر به نتنياهو.
ومنذ بداية سنة 2025 أصدرت لجنة يرأسها الجنرال المتقاعد يعقوب ناغل، رئيس مجلس الأمن القومي الأسبق، تقريراً حذر فيه من أن “التهديد القادم من سوريا قد يتطور ليصبح أكثر خطورة من التهديد الإيراني”، إذ إن “القوات المدعومة من تركيا قد تعمل كوكلاء يعززون عدم الاستقرار في المنطقة”.
وفي المقابل، تقلق تركيا من الدعم الإسرائيلي لـ “قسد” والاقتراب من حدودها الجنوبية، أي زرع لغم عند المثلث الإيراني – العراقي – التركي، وبالتالي احتمال الاشتباك المباشر بين البلدين. وقطعاً لهذا الاحتمال، تستغل تركيا نفوذها على النظام السوري الجديد بهدف استقرار حدودها، وبالتالي تعزيز نفوذها الإقليمي، خاصة بعد أن تحسنت علاقاتها مع السعودية والإمارات ومصر، وأيضاً توظيف النظرة الإيجابية للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الرئيس أردوغان.
وفي الوقت نفسه ترسل رسالة طمأنة إلى إسرائيل، ففي 25 تموز/يوليو صرح وزير الخارجية: “لا أجندة خفية لدينا… سوريا خط أحمر بالنسبة لنا، فهي مسألة أمن قومي… لا نسعى للهيمنة”. مما يشير إلى استبعاد الصدام بين البلدين، خاصة بعد دخول ترامب على خط الوساطة بينهما، وطلبه من إسرائيل الاقتناع بأنها لا تملك حق الفيتو على العلاقات التركية – السورية ولا على سيرورة بناء سوريا الجديدة، بعد أن بدا أن نهجي تركيا وإسرائيل يهددان بتحويل سوريا إلى نقطة خلاف في علاقات الولايات المتحدة مع هذين الحليفين. وعليه جاءت اللقاءات التقنية في أذربيجان استجابة لرغبة الرئيس الأميركي، حيث يدرك الرئيس أردوغان أن بناء علاقات ثقة مع الإدارة يعتمد على علاقات إيجابية مع إسرائيل.
إذ إن زيارة نتنياهو إلى واشنطن، في نيسان/أبريل الماضي، حملت معها إمكانية تقسيم سوريا إلى منطقتي نفوذ بين إسرائيل وتركيا. خاصة أن زيارة وزير الخارجية التركي إلى واشنطن، قبيل زيارة نتنياهو، كانت تهدف إلى التدخل الأميركي للوساطة ونزع فتيل التوتر التركي – الإسرائيلي، بالاستناد إلى ما ذكره وزير الخارجية الأميركي، الذي تحدث عن “التعاون مع تركيا في مواجهة الأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار في سوريا”. وأيضاً عن ضرورة “التعاون الوثيق مع تركيا لدعم الاستقرار والوحدة والسلام في سوريا، حتى لا تعمل كقاعدة للإرهاب الدولي”.
وفي هذا السياق، من المفيد مراقبة تطور العلاقة التركية – الإسرائيلية، على أساس الاعتراف الإسرائيلي بوجود علاقة في العمق بين الحكم السوري الجديد وتركيا، انطلاقاً من أن تراجع الدورين الإيراني والروسي يمنحها مساحة أكبر للتحرك في إطار رؤيتها الخاصة للحل في سوريا. وفي هذا السياق أيضاً، سعت إلى وجود مظلة حماية عربية ودولية، بالاستناد إلى اجتماع العقبة.
وهكذا، ترصد الدولتان تحركات بعضهما في سوريا وإقليم الشرق الأوسط، ولكن الاتجاه العام هو نحو التهدئة، فتركيا لا رغبة لها بالدخول في مواجهة مع إسرائيل، حسب تصريحات وزير خارجيتها، وهي لا ترى في تفادي الصدام مع إسرائيل تنازلاً، بل تمهيداً لمفاوضات أكثر شمولاً تهدف لإعادة رسم موازين القوى في سوريا والمنطقة. وفي المقابل، ثمة رغبة في إسرائيل بعدم الدخول في مواجهة مع تركيا. ومن المؤكد أن دخول الوسطاء على خط التهدئة بينهما قد أدى إلى هذا الاتجاه لدى الطرفين. مما يفتح في الأفق مجالاً للتفاهم حول قواعد ترسيم حدود النفوذ بينهما، إذ لا عداء حقيقياً بين إسرائيل وتركيا، فالعلاقات الاقتصادية والسياسية، وإن توترت مراراً، لا تزال قائمة، وهي تشكل عامل ضبط للمصالح بينهما. وسوف يبقى السيناريو الأقرب للواقع هو استمرار ما يمكن وصفه بـ “التوتر المُدار”، أي تنفيذ إسرائيل ضربات نوعية في العمق السوري لمنع أي تموضع تركي، مقابل ردود تركية غير مباشرة، سياسية أو عبر قنوات الحلفاء المحليين. أما سيناريو التصعيد المحدود، فيظل ممكناً في حال أُصيب جنود أتراك أو تم استهداف منشآت تركية بشكل مباشر، فقد يتطور الوضع نحو تصعيد محدود يشمل ضربات انتقامية أو تحريك وكلاء محليين. بينما يبقى سيناريو الحرب الشاملة مستبعداً ما لم تطرأ تطورات دراماتيكية تُدخل المنطقة في حال استنزاف دائم.
وبحسب تقديرات مركز “بيغن – السادات” الإسرائيلي للدراسات الاستراتيجية، فإن احتمال اندلاع مواجهة مباشرة بين إسرائيل وتركيا لا يتجاوز 20 في المئة على المدى القصير، بينما تصل احتمالات التصعيد غير المباشر أو عبر أطراف ثالثة إلى 55 في المئة. ويفسر المركز ذلك بوجود مصالح اقتصادية وجيوسياسية مشتركة بين الطرفين تمنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، إضافة إلى أن أميركا تعتبرهما من أهم حلفائها في المنطقة.
ومن جهة أخرى، فإن السلطة السورية تحرص على عدم تعرضها لتهديدات إسرائيلية إضافية أو عدم رضا غربي، لذلك تكتفي بتعاون عسكري محدود مع تركيا، وليس اتفاقية دفاع مشترك بين البلدين. وعلى هذا الأساس تم مؤخراً توقيع مذكرة تفاهم بين وزارتي الدفاع بشأن التعاون في مجالي التدريب العسكري والاستشارات.
وهكذا، فإن المخاوف الإسرائيلية من النفوذ التركي في سوريا تعكس قلقاً استراتيجياً على صلة بالأدوار في الشرق الأوسط الجديد، حيث من المتوقع أن تكون سوريا ساحة اشتباك على هذه الأدوار بين القوى الإقليمية. وثمة مخاوف أن تصبح سوريا مجالاً لتفاهم إسرائيلي – تركي، مدعوماً من الإدارة الأميركية التي تسعى لتقليص وجودها في المنطقة، والاعتماد على شركائها في الشرق الأوسط.
تلفزيون سوريا
——————————-
تعالوا إلى السويداء/ ممدوح عزام
22 اغسطس 2025
من المريع ألّا يكون في سورية كلها اليوم، مثقف واحد، أو مجموعة من المثقفين، مستعد، أو مستعدون لزيارة السويداء. فالمدينة باتت كلها في رأي كثيرين من بينهم، خارجة عن القانون، والأمر العجيب أنهم كانوا قبل بضعة أشهر فقط، يعتبرون أن الخروج على هذا القانون نفسه شكل من أشكال البطولة. بينما تصرخ المدينة وهي تطلب الإنصاف والفهم والمؤن والوقود والدواء والماء. غير أنّ المثقف السوري والفلسطيني السوري، ارتاحا إلى شكل العلاقة الذي يضعهما هما في خندق الوطنية، ويحشر خصومهما الدروز في سجن الطائفية.
كأنّ الدروز قد ولدوا وحدهم في قالب من المعدن على صورة واحدة، ووحيدة، تصلح للإدانة والشجب والاتهام بالخيانة، بينما يحق لغيرهم أن يكون متنوعاً ومختلفاً.
وهكذا فإن الكلام عن موضوعية الباحث، أو شرفه الأخلاقي، أو ضميره ووجدانه، تختفي كلها كي تمرر السردية التي وجد نفسه معجباً بها، لا يمكن لشهر من الحرب أن يحول بين مثقف وضميره قطعاً، إلا إذا كان الضمير نفسه معطوباً.
لا يتردد هذا المثقف السوري، وهذا المثقف الفلسطيني السوري اليوم في كيل الاتهامات للدروز، أو السخرية منهم، وهناك مثقف فلسطيني يسخر من مرضى السرطان بينهم، دون أن يتجشم، أو يكلف نفسه – ذلك أنّ المفردة الأولى قد تتطلب من المثقف بعض الجهد الفكري، أو الأخلاقي، أو الإنساني – عناء التعرف إلى وضعهم في الأشهر الماضية، وإلى الكارثة التي حلت بهم جميعاً في الشهر الماضي.
لا يريد المثقف أن يأتي بنفسه ليرى ماذا حدث وما الذي يحدث، يضع عصبة سوداء على إحدى عينيه كي لا يرى بالعينين، بل بعين واحدة هي عين الانحياز الموجه نحو جهة واحدة بريئة في تقديره من كلّ عيب.
لا يرى المثقف سواء كان ينعم بخيرات أوروبا، أو يشرب مياه عين الفيجة في دمشق، أن البشر في تلك المدينة القريبة من فمه وأذنيه، عطشى، وأن أهاليها يقفون ساعات وساعات قبل أن يحصلوا على بضعة أرغفة من الخبز، أو أن حبة البطاطا صارت احتفالاً يمكن أن يدعوا إليه الأقارب والأصحاب، أو أن مريض السرطان في السويداء جدير بأن يوقظ لدى المثقف صوتاً يمكن أن يرتفع ويطالب السلطة التي يناصرها بأن تكون إنسانية، أو إدارية ناجحة، فالمريض هناك مجرم بانتمائه إلى طائفة، والمثقف السوري أو الفلسطيني ليس مطالباً بتحمل أعباء الضمير.
ثمة من يتغاضى عن الكارثة، التي حلت بالبشر، مطالباً إياهم بالموت، حرقاً أو إعداماً في الميدان، بينما يصفهم الجنود من أنصاره بالخنازيرـ دون أن يشتكوا لأحد. وبفضل هذه الوطنية المنفوخة، لا يظهر أي تعاطف مع الضحايا.
من يمكن أن يستمع إلى صوت البشر، وهو قادر على أن يستمع إليهم، شخصياً، بدل أن يجلس خلف هاتفه النقال، ويوزع عليهم اتهامات الخيانة، بدل أن يداوي جراحهم، أو يوزع عليه الخبز؟
تعالوا إلى هناك، واكتبوا قصصكم، ورواياتكم، ومسرحياتكم، قولوا ما تشاؤون عن المدينة، وأهل المدينة حين ترونهم، وتتحدثون إليهم، وتزورون بيوتهم، وتأكلون من خبزهم وملحهم.
* روائي من سورية
العربي الجديد
—————————
حزب اللواء السوري.. صعوده في السويداء وعلاقته بإسرائيل/ فراس فحام
22/8/2025
صعّدت بعض التيارات في محافظة السويداء بشكل غير مسبوق ضد الحكومة السورية، حيث رفعت شعارات تدعو إلى الانفصال عن البلاد والانضمام إلى إسرائيل، ضمن مظاهرة رفعت شعار “حق تقرير المصير” نظمتها في 16 أغسطس/آب الجاري، وشارك فيها مئات المتظاهرين.
أتت هذه المطالب بعد مواجهات بين عشائر بدوية وفصائل درزية في المحافظة، وما تبعها من تدخل للقوات الحكومية لفصل الجانبين وبسط الأمن، مما أدى إلى وقوع مواجهات بينها وبين فصائل محلية يقودها المجلس العسكري، انتهت بضربات إسرائيلية في مساندة للأخير.
وتصدر حزب اللواء السوري، التيار الداعي إلى انفصال السويداء عن سوريا، حيث أصبح الأمين العام للحزب، مالك أبو الخير، يصرح بهذا المطلب في المقابلات التلفزيونية منذ أواخر يوليو/تموز الماضي، مستغلاً الأحداث الدامية التي وقعت في المحافظة.
من حزب اللواء السوري؟
أول نشاط إعلامي لحزب اللواء السوري كان في منتصف عام 2021، لكن نشطاء كثر من محافظة السويداء يؤكدون أن جهود تأسيسه بدأت منذ أواخر عام 2019 من العاصمة الفرنسية باريس، حيث يقيم الأمين العام للحزب مالك أبو الخير.
في بداية التأسيس أكد الحزب أنه علماني ويتبنى وحدة الأراضي السورية، ويعمل من أجل التخلص من هيمنة الأجهزة الأمنية، والانتقال إلى حكم ديمقراطي، ويعمل على عودة السويداء إلى دورها التاريخي سوريا وعربياً.
وقبل سقوط نظام الأسد في سوريا، ركز حزب اللواء السوري على رفضه النفوذ الإيراني في السويداء وجنوب البلاد عموما، وحذر من أن استمرار نفوذ إيران يساهم في جلب التدخل الخارجي إلى سوريا، وأن هذا النفوذ قد يؤدي إلى حرب إقليمية على الأراضي السورية.
وفي أواخر عام 2021، عزّز حزب اللواء من تنسيقه مع تشكيل عسكري كان يعرف باسم “قوة مكافحة الإرهاب” ويقوده سامر الحكيم، وكان معقله الأساسي في بلدة خازمة جنوب شرقي السويداء، وصار يصرح الحزب بوجود وثيقة تفاهم بين الطرفين، وهو يتولى التمثيل السياسي الدولي، في المقابل تقوم القوة بحماية المدنيين من الإرهاب بإشراف مراقبين من حزب اللواء.
وسعى الحزب بهذا التحالف إلى زيادة ثقله في المشهد، في ظل نظرة له من تيار شعبي واسع على أنه مشروع خارجي غير واضح الأهداف.
الحزب والحراك المدني
مع بدايات تأسيس الحزب ظهرت تحذيرات في أوساط السويداء “من المشاريع الخارجية” حيث طالب بعض مشايخ العقل وعلى رأسهم يوسف الجربوع بالتصدي لهذه المشاريع، كما تجنبت حركة رجال الكرامة أكبر فصيل عسكري في السويداء العمل المشترك مع قوة مكافحة الإرهاب المتحالفة مع الحزب.
وبعد اندلاع الاحتجاجات في السويداء ضد نظام الأسد عام 2023، حاول حزب اللواء التغلغل في الحراك المدني الذي كان يتخذ من “ساحة الكرامة” مكاناً لاعتصاماته.
وفي مطلع 2024، جرت مشادات بين الحراك المدني في السويداء وأعضاء في حزب اللواء على خلفية محاولة الأخير المشاركة في الاحتجاجات ورفع علم الطائفة الدرزية، وتبني شعارات الإدارة الذاتية.
وسعى الحزب إلى اختراق الحراك عبر “هيئة بناء وطن” التي يرأسها خالد جمول، و”مجلس الجنوب السوري”، إضافة إلى التحالف مع ما يعرف بـ”تيار الفدرالية”.
واتهم مشاركون في الحراك حزب اللواء بأنه يسعى إلى شق الصف، أو تمريره دسائس أمنية، وأبدوا الحرص على عدم سيطرة اللواء على اعتصامات ساحة الكرامة بسبب التوجس من توجهاته.
العلاقة بـ”قسد”
تحدثت تحقيقات صحفية نشرتها وسائل إعلام سورية عام 2022 عن تنسيق مشترك بين قوة مكافحة الإرهاب المرتبطة بحزب اللواء السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وقيام الأخيرة بتدريب القوة.
تعرضت “قوة مكافحة الإرهاب” منتصف العام ذاته لحملة عسكرية من نظام الأسد وفصائل مسلحة موالية لإيران، وتمكنت الحملة من قتل الحكيم قائد القوة، التي تفرق عناصرها على فصائل محلية متعددة.
وشكل حزب اللواء عام 2023 مكاتب خدمية في السويداء، مستغلاً اندلاع احتجاجات شعبية على نظام الأسد بسبب تردي الواقع الخدمي، كما أعلن اللواء أن هذه المكاتب ستكون نواة لتأسيس “إدارة ذاتية” في المحافظة.
وأفادت تقارير صحفية تضمنت شهادات منتسبين سابقين للحزب، أن هذه الخطوة اتخذت بعد تلقي الأمين العام للحزب دعماً من “قسد” يقدر بـ 200 ألف دولار أميركي.
في مطلع مايو/أيار 2025، أعلنت قوات الأمن السورية عن ضبط شحنة أسلحة في منطقة السخنة بالبادية السورية، كانت متجهة من مناطق سيطرة “قسد” إلى محافظة السويداء.
الإدارة الذاتية والانفصال
بعد سقوط نظام الأسد، صعد حزب اللواء ضد الحكومة السورية الجديدة ودعا في مارس/آذار 2025 إلى “النفير العام ضد هيئة تحرير الشام” وتأكيده الوقوف في وجه المشروعين الإيراني والتركي، مع تبنيه منع دخول القوات الحكومية إلى السويداء، وإعلانه التنسيق مع شيخ العقل حكمت الهجري الذي وقف هو الآخر ضد امتداد سيطرة الحكومة الجديدة للسويداء.
وأعلن الحزب في منتصف أغسطس/آب 2025 الشروع في تطبيق نموذج “الإدارة الذاتية” والتأكيد على أن الجنوب السوري أصبح كياناً سياسياً وأمنيا مستقلاً عن سوريا، وأن العمل جارٍ على إلحاق درعا بهذا النموذج، وأتبع خطوته هذه بقيادة مظاهرات وسط السويداء تطالب بتقرير المصير، وتدعو للانفصال عن سوريا.
وبرر الأمين العام للحزب هذه المظاهرات بأنها حق لأبناء السويداء لأن الحكومة السورية لا تمثل الحالة الوطنية السورية، وتعرض الطائفة الدرزية لهجمات طائفية، حسب وصفه.
وبدا لافتا أن هذا التصعيد في الخطاب تزامن مع تدخل إسرائيلي مباشر في سوريا والسويداء، وإعلان تل أبيب على لسان وزير الخارجية جدعون ساعر ضرورة التحالف مع الأقليات السورية وخاصة الدروز والأكراد، وأن الحلفاء الطبيعيين لدولة إسرائيل يجب أن يكونوا الأقليات في المنطقة.
العلاقة بإسرائيل
لسنوات عدة، حاول حزب اللواء نفي تنسيقه مع إسرائيل، وقلل أمينه العام مالك أبو الخير من مصداقية الاتهامات التي وجهتها وسائل إعلام تابعة لنظام الأسد بوجود علاقة بين الحزب وتل أبيب.
اتجه حزب اللواء إلى المجاهرة بالعلاقة بإسرائيل بعد سقوط نظام الأسد، ومع التوتر بين بعض الفصائل المحلية في السويداء والحكومة السورية الجديدة الذي بلغ ذروته في يوليو/تموز 2025، وتصاعد دور شيخ العقل الدرزي الإسرائيلي موفق طريف في السويداء.
ومنذ أواخر يوليو/تموز 2025، رفع منتسبون للحزب، إلى جانب عناصر سابقين في قوة مكافحة الإرهاب ممن انضموا إلى مجلس السويداء العسكري، علم إسرائيل في السويداء علنًا.
وفي 16 أغسطس/آب 2025، أصدر الحزب بيانا رسميا أعلن فيه أن السويداء دخلت في “تحالف إستراتيجي” مع إسرائيل لمواجهة ما وصفه بـ”الإرهاب المدعوم من تركيا”، مؤكدا أن أولويات المرحلة المقبلة ستتركز على رصد ومتابعة نشاط حركة حماس في درعا وجنوب دمشق، في لهجة تعكس بوضوح تبني الخطاب الإسرائيلي.
ويتزامن كشف الحزب عن علاقته بإسرائيل مع مساعي الأخيرة إلى توسيع نفوذها في محافظة السويداء، إذ أفاد موقع أكسيوس الأميركي في أغسطس/آب 2025 بأن إسرائيل تعمل على فتح ممر مع محافظة درعا، في ظل معارضة الحكومة السورية لهذا الطرح خشية استخدامه لتهريب الأسلحة إلى المحافظة.
واللافت أن الحزب أصبح يستخدم لهجة في بياناته تهدف لاسترضاء إسرائيل، إذ يؤكد أن كوادره تعكف على رصد نشاطات قادة حماس في محافظة درعا، والتأكيد على أن القيادات الأمنية الحكومية السورية العاملة هناك لديها ارتباطات بالحركة الفلسطينية، وهو ما يتلاقى مع المطالب التي تكررها إسرائيل بجعل منطقة الجنوب السوري منزوعة السلاح، وإيكال مهمة ضبط الأمن فيها وخاصة السويداء لجهات محلية.
مستقبل الحزب
من الواضح أن الحزب استثمر بشكل كبير في التوتر الواسع الذي شهدته محافظة السويداء منتصف 2025، ويعمل على دفع الرأي الشعبي باتجاه تبني رؤية إسرائيل بخصوص الجنوب السوري، في محاولة لتعزيز نفوذه داخليا بدعم خارجي، لكن من غير المؤكد ما إذا كانت هذه الجهود ستنجح.
الحزب في بيان تأسيسه أعلن بوضوح أنه “علماني ديمقراطي” وهذا التوجه يجعل من الصعب عليه أن يحظى بدعم المرجعيات الدينية التي اتضح أنها تسعى هي الأخرى إلى قيادة المجتمع المحلي كما في حالة حكمت الهجري.
من جهة أخرى، من المتوقع أن تزداد الأصوات الرافضة لتوسع دور حزب اللواء، خشية من تبعات ذلك، خاصة مع الاستياء الشعبي في الأوساط السورية من المجاهرة بدور إسرائيل في السويداء، ودعوة الحزب لانفصال المحافظة عن سوريا.
فمن شأن استمرار هذا النهج للحزب، أن يزيد من التأييد الشعبي للإجراءات الحكومية التي تتخذ ضد السويداء، وبالأخص التشديد الأمني على الشرايين التي تصل المحافظة مع باقي الجنوب السوري ودمشق، الأمر الذي ينعكس سلباً على السكان المحليين.
في المقابل، من غير المستبعد أن يتمكن الحزب من توسيع دوره في مستقبل السويداء في حال استمرت التدخلات الإسرائيلية، التي ازدادت بعد تسريبات نشرت مطلع يوليو/تموز 2025، التي تحدثت عن رفض الحكومة السورية مطالب إسرائيل بتوقيع اتفاقية سلام بمحددات جديدة أوسع من اتفاقية فك الاشتباك الموقعة عام 1974.
المصدر: الجزيرة
———————-
وقائع خطف وإطلاق رصاص متكررة على طرق السويداء/ حسام رستم
21 اغسطس 2025
يُعدّ معبر بصرى الشام الطريق الوحيد المتاح للتنقل حالياً في السويداء ويستخدم لإدخال المساعدات وإجلاء العائلات الراغبة في مغادرة مناطق النزاع إلى مراكز إيواء في درعا أو العاصمة دمشق.
تقلصت حركة أهالي محافظة السويداء في الجنوب السوري خلال الأيام الأخيرة على وقع تكرار حوادث الخطف والهجمات المسلحة التي يتعرض لها المدنيون خلال محاولات التنقل، وسط جهود من فرق الدفاع المدني في عمليات النقل عبر معبر بصرى الشام الإنساني.
ويوم الأحد الماضي، اعترض مسلحون حافلة صغيرة كانت متوجهة من صحنايا في ريف دمشق إلى السويداء، وخطفوا من فيها، وهم ست نساء ورجلان. وذكرت وسائل إعلام محلية أن مسلحين اعترضوا الحافلة قرب بلدة كحيل، شرقي درعا، واختطفوا ركابها.
وفي اليوم نفسه، أطلق مسلحون الرصاص على شاحنة تجارية كانت متوجهة إلى السويداء قرب قرية رخم، شرق درعا، ما أدى إلى مقتل السائق. وسبق هاتين الحادثتين مقتل امرأة سورية بإطلاق مسلحين النار على سيارتين بعد عبورهما معبر بصرى الشام بريف درعا الشرقي المحاذي لمحافظة السويداء. كما اختطف مسلحون أربعة من متطوعي منظمة الهلال الأحمر السوري بعدما اعترضوا قافلة مساعدات إنسانية في ريف درعا الشرقي كانت متجهة من مدينة جرمانا في ريف دمشق إلى محافظة السويداء.
من السويداء، تقول ميساء العبد الله لـ”العربي الجديد”، إن “الطريق الإنساني الوحيد المفتوح حالياً هو معبر بصرى الشام، وأصحاب الحالات الإنسانية والاضطرارية يخرجون ويدخلون عبره، ومن بينهم المرضى. الأقارب في جرمانا وصحنايا بريف دمشق الذين يرغبون في زيارتنا، أو أهالي السويداء الذين يحاولون الخروج بمفردهم يتعرضون لإطلاق النار من قبل المسلحين، مثل قائد السيارة والشابة اللذين قتلا أثناء محاولتهما الخروج من المحافظة إلى لبنان”.
وتوضح العبد الله أن “عدداً محدوداً من طلاب السويداء في المحافظات الأخرى تمكن من العودة، بينما لا يزال معظمهم عالقاً، ويقتصر عمل شركات نقل الركاب حالياً على الحالات الاضطرارية، وفي هذا معاناة كبيرة للكثير من المرضى الذين لا يمكنهم الحصول على العلاج. لدينا خلال الأيام الأخيرة حالتا وفاة: مريض بالسرطان ومريض بالسكري، وقد توفيا نتيجة نقص الأدوية وعدم القدرة على الخروج لتلقي العلاج”.
من مدينة السويداء أيضاً، يقول كمال السعداوي لـ”العربي الجديد”، إن “طريق دمشق السويداء مغلق، والأهالي عاجزون عن التنقل، وهناك حصار مفروض على المحافظة منذ أكثر من شهر، ما يفاقم معاناة الجميع، سواء المرضى أو العمال أو الطلاب أو التجار أو غيرهم”. ويوم الأحد الماضي، أعلنت منظمة الدفاع المدني السوري أن 97 عائلة غادرت السويداء عبر معبر بصرى الشام، مع استمرار موجات نزوح المدنيين التي تشهدها المنطقة منذ أسابيع.
ويؤكد مدير مديرية الجنوب في الدفاع المدني شادي الحسن، لـ”العربي الجديد” قائلاً: “تعمل فرقنا على إخراج الراغبين بمغادرة مدينة السويداء يومياً، وأجلت منذ بدء عمل معبر بصرى الشام أكثر من 21 ألف شخص عبر سيارات آليات الدفاع المدني، وأشرفت على نقلهم إلى الأماكن التي يرغبون بالذهاب إليها، سواء في دمشق أو محافظات أخرى”.
ويضيف الحسن: “نحن موجودون على مدار الساعة في معبر بصرى الشام، ويعمل المعبر في الفترة بين الثامنة صباحاً والخامسة مساءً مراعياً الوضع الأمني ومشكلات الطرقات، خاصة من جانب المجموعات المجهولة التي تتعرض لقوافل المساعدات، والدفاع المدني يعمل بالتنسيق مع الأمن العام وأمن الطرق لضمان سلامة المدنيين. لدينا فرق للدعم النفسي، وفريق للخدمات الطبية، وفرق نسائية، وأخرى للتوثيق، وفرق مجهزة لاستقبال الاتصالات التي تأتي من داخل السويداء لتأمين الخروج بطريقة آمنة”.
ويتابع: “نواصل نقل المدنيين الراغبين بدخول السويداء أيضاً، وتأمينهم من معبر بصرى الشام حتى آخر منطقة فاصلة بيننا وبين حواجز المجموعات المسلحة الموجودة داخل السويداء، والأمر نفسه بالنسبة للراغبين بالخروج من المنطقة إلى خارج السويداء. ندير أمور الإغاثة الطارئة بالتنسيق مع مؤسسات حكومية ومنظمات محلية ودولية، ويكون لنا الدور القيادي في إغاثة الحالات الطارئة، ولدينا 69 مركز إيواء في ريف درعا، و25 مركز إيواء في منطقة السيدة زينب في ريف دمشق، ويوجد نحو 28 ألف نازح في مراكز ريف درعا، ونحو 3500 نازح في مراكز إيواء السيدة زينب”.
وقدّرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تقرير حديث نزوح أكثر من 191 ألف شخص من منازلهم في الجنوب السوري بسبب تدهور الأوضاع الإنسانية، وأشارت إلى معاناة نازحي السويداء الذين انتقلوا من قرى شهدت عمليات عسكرية من نقص في الغذاء والمياه والمأوى.
العربي الجديد
——————————-
قيادي في السويداء يهاجم مشاريع الانفصال ويدعو لـ”حلول منطقية”/ حسام رستم
22 اغسطس 2025
دعا سليمان عبد الباقي، قائد فصيل “تجمع أحرار جبل العرب” في محافظة السويداء السورية، إلى إيجاد حلول جذرية وإسعافية في المحافظة ترضي جميع الأطراف، لا سيما أولياء الدم، والابتعاد عما وصفه بأوهام دولة مستقلة أو معابر يُروّج لها على حساب مصالح أهالي المحافظة.
وأكد عبد الباقي، في منشور على صفحته الشخصية في فيسبوك، اليوم الجمعة، أن أهالي السويداء “لا يرضون بالعيش على المساعدات، ولا أن يتم المزاودة عليهم، ولا أن يتعرضوا لابتزاز يمس كرامتهم من أجل سلة غذائية”. وأكد أن أهالي السويداء بحاجة اليوم للاستقرار والعودة إلى منازلهم ولملمة جراحهم.
وقال عبد الباقي إن “امراء الحرب” لا يميّزون “بين سوري درزي وسوري سني وسوري مسيحي، وغايتهم هي مصالحهم”، وشدد على أن “كرامة الإنسان وأهالي المحافظة أهم من كل مصالح وغايات أي جهة”.
ووجه عبد الباقي، قبل يومين، انتقادات لاذعة لشيخ العقل حكمت الهجري، الذي يقود الحملة المعارضة للحكومة السورية، محمِّلاً إياه مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في السويداء، ومتهماً إياه بالتصعيد والمتاجرة بدماء الضحايا وتشريد الأهالي. واتهم عبد الباقي الشيخ الهجري بأنه أطلق خطاباً تحريضياً منذ مارس/آذار الماضي حين وصف الحكومة بالإرهاب، ما تسبّب في تجييش ضد الدولة، وفرض حالة صدام امتدت من جرمانا إلى جبل الشيخ، مؤكداً أن ذلك الخطاب أسهم في “تعميق الفتن وزيادة الشرخ مع بقية الشعب السوري”.
وسبق أن تعرض قائد “تجمع أحرار جبل العرب” في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي لمحاولة اغتيال أدت إلى إصابته. ووقع الهجوم أمام المشفى الوطني في السويداء من قبل مجهولين. وعُرف عبد الباقي بمعارضته النظام السوري السابق وقيادته الحراك الشعبي في السويداء، وأسهم خلال السنوات السابقة في إطلاق سراح معتقلين عبر الضغط على النظام السابق من خلال احتجاز ضباط ومبادلتهم.
ولا يُعرف حالياً إذا كان عبد الباقي يقيم في السويداء أم خارجها، لكن أنصار الشيخ حكمت الهجري يتهمونه مع قائد فصيل “شيخ الكرامة”، الشيخ ليث البلعوس الذي غادر السويداء الى دمشق، بالعمالة للحكومة السورية.
—————————-
الجنوب و”قسد” ورفض التقسيم.. تفاصيل ما دار في اجتماع باريس بين الوفدين السوري والإسرائيلي
عربي بوست
2025/08/20
“رفض أي مشاريع تقسيم، وتأكيد خصوصية السويداء، والانتقال إلى ترتيبات ميدانية وإنسانية ملموسة تخفّف الاحتقان”، كانت هذه ثلاثة اشتراطات رئيسية وضعها وزير الخارجية السوري والوفد المرافق له خلال الاجتماع الذي جمعهم في باريس مع وزير الخارجية الإسرائيلي، برعاية أمريكية، وفق ما كشفته مصادر مطلعة لـ”عربي بوست”.
تحوّلت باريس إلى ساحة رئيسية لمسار دبلوماسي أمني غير معلن بين دمشق وتل أبيب. وبعد سلسلة لقاءات جرت بعيداً عن الأضواء، انعقد يوم الثلاثاء 19 أغسطس اجتماع جديد ضمّ وزير الخارجية السوري أسعد شيباني ونظيره الإسرائيلي وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، بمشاركة مدير المخابرات السورية حسين سلامة، ومدير المخابرات الخارجية الفرنسية نيكولا ليرنر.
اللقاء الذي جرى وسط تكتم لافت، وأُعلن عنه للمرة الأولى من قبل وكالة الأنباء السورية الرسمية، بدا وكأنه يعكس محاولات لاستكشاف إمكانات التقدّم. وتمكّن “عربي بوست” من الوصول إلى كواليس أولى المباحثات العلنية في عهد النظام الجديد، التي جرت بين الوفدين السوري والإسرائيلي في باريس.
تصلّب سوري وطلبات إسرائيلية
مصادر دبلوماسية سورية مطلعة أوضحت لـ”عربي بوست”، معلقة على أجواء اجتماع باريس، أن اللقاء الذي انعقد برعاية المبعوث الأمريكي إلى سوريا ولبنان، السفير توماس باراك، جاء في إطار مسارٍ يهدف مباشرةً إلى احتواء التوتر في الجنوب السوري وإعادة تثبيت قواعد الاشتباك على جبهة الجنوب.
وبحسب المصادر، فإن وفد دمشق، برئاسة شيباني وسلامة، ركّز منذ البداية على ثلاثية واضحة: وحدة الأراضي السورية ورفض أي مشاريع تقسيم، تأكيد خصوصية السويداء باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الدولة السورية ومكوّنها الدرزي مكوّناً أصيلاً في النسيج الوطني، ثم الانتقال إلى ترتيبات ميدانية وإنسانية ملموسة تخفّف الاحتقان وتمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
وتقول المصادر إن البحث توزّع على أربعة محاور مترابطة:
المحور السياسي: أعاد الجانب السوري تثبيت مرجعية السيادة الكاملة للدولة على الجنوب، ورفض أي صيغ دائمة تُكرّس وقائع أمر واقع خارج هذه السيادة، مع إبداء الاستعداد لمناقشة إجراءات بناء ثقة تحت مظلّة أممية–أمريكية–عربية، تُترجم بخطوات قابلة للقياس.
المحور الأمني: طُرحت “آلية واضحة” لإعادة تفعيل اتفاق فصل القوات لعام 1974، تتضمن: وقفاً فورياً لأي توغلات عبر خط وقف إطلاق النار، إعادة تنشيط دوريات “الأندوف” وتسهيل حركتها، اعتماد خطوط اتصال ساخنة لمعالجة أي احتكاكات، وضبط تموضع التشكيلات غير النظامية ضمن نطاقات متفق عليها جنوب سوريا. على أن يُستكمل ذلك بمراجعة ميدانية مشتركة بإشراف فني دولي. كما جرى التطرّق إلى تكثيف إجراءات مكافحة التهريب عبر البادية والريف الجنوبي باعتبارها أحد عوامل التأزيم.
المحور الإنساني: اتُّفق على توجيه حزمة مساعدات عاجلة للسويداء ومحيطها ولتجمّعات البدو في البادية الجنوبية، تشمل الغذاء والدواء والوقود والدعم الخدمي لشبكات المياه والكهرباء، على أن تُنفّذ عبر قنوات أممية ومحلية، بعيداً عن التسييس أو الاستخدام كورقة ضغط.
المحور المجتمعي: شدّد الوفدان على ضرورة معالجة القضايا المعيشية والأمنية عبر الدولة ومؤسساتها، مع بحثٍ تمهيدي في خطوات إنسانية إضافية مثل متابعة ملفات المفقودين وعمليات تسليم الجثامين عند الحاجة، بوصفها إجراءات تُخفّف التوتر.
ملف “قسد” حاضر في لقاء الوفدين السوري والإسرائيلي
بحسب مصادر “عربي بوست”، طُرح على الطاولة ملف الجنوب السوري من زاوية منع تكرار الاستهدافات التي طالت وحدات الجيش السوري خلال اشتباكات السويداء، حيث قدّم الوفد السوري طلباً صريحاً للحصول على ضمانات عملية في هذا الشأن.
كما استحضر الوفد مواقف معلنة لوزراء ومسؤولين إسرائيليين، منهم جدعون ساعر، تحدّثت عن الدفع نحو صيغة تحالف كردي–درزي–إسرائيلي، معتبرين أن هذه الطروحات تشكّل خلفية سياسية لمساعٍ لفرض “منطقة عازلة” في الجنوب، تكون نواتها مجموعات محلية قريبة من الشيخ حكمت الهجري، على أن تُربط بشريط عازل موازٍ للحدود السورية–العراقية تُهيمن عليه “قسد” من البوكمال حتى تخوم التنف عند المثلث الحدودي.
وفي هذا السياق، أكّد الجانب السوري امتلاكه معطيات حول اجتماعات عُقدت بين قيادات في “قسد” ومسؤولين في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية لبحث هذه السيناريوهات، لا سيما عقب المؤتمر الأخير لـ”قسد”.
وشدّد الوفد على أن أي ترتيبات من هذا النوع ستُبقي الجنوب والشرق في حالة فوضى مزمنة، وتُقوّض سلطة الدولة المركزية، بما ينعكس سلباً على الأمن الإقليمي. وأوضح المفاوضون السوريون أن دمشق، ومعها دول إقليمية في المنطقة، تدرك هذه المقاربة وترفض تحويل الحدود السورية–العراقية إلى فضاء مفتوح للتهريب أو مناطق نفوذ لفصائل موازية، مؤكدين أن ضبط الحدود يجب أن يتم حصراً عبر مؤسسات الدولة—الجيش والأمن العام السوري—وتحت سيادة الحكومة المركزية.
وخَلُص النقاش إلى تثبيت مبدأ أن أي ترتيبات أمنية في الجنوب أو الشرق لا تُقرّ إلا ضمن مرجعية الدولة وبإشرافها المباشر، مع إبقاء قنوات المتابعة مفتوحة لبحث آليات الضمان والتطبيق.
——————————-
الجيش الإسرائيلي يتوغل في عدد من قرى القنيطرة ودرعا جنوبي سوريا
دمشق: توغلت قوات الجيش الإسرائيلي في قرى وبلدات محافظتي القنيطرة ودرعا في جنوب سوريا، وقامت بنصب الحواجز وتفتيش المدنيين واعتقال عدد منهم.
ووفقا الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا)، دخلت دورية مؤلفة من 6 عربات تابعة للجيش الإسرائيلي فجر اليوم الجمعة من جهة الجولان المحتل إلى بلدة عابدين في منطقة حوض اليرموك غربي درعا، واعتقلت 3 شبان قبل أن تغادر المنطقة وتفرج عن الشبان الثلاثة في وقت لاحق.
وأشارت الوكالة إلى أن أربع آليات تابعة للجيش الإسرائيلي توغلت في قرية العجرف في القنيطرة، وقامت بتفتيش عدد من المنازل داخل القرية، ونصبت حاجزا عسكريا على مدخلها.
ومنذ سقوط نظام بشار الأسد، تشن إسرائيل عمليات توغل بري في أرياف دمشق والقنيطرة ودرعا، حيث سيطرت على المنطقة العازلة، ثم انتقلت لتنفيذ مداهمات في المناطق الحدودية، في انتهاك لاتفاق فض الاشتباك عام 1974 ولقواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بسيادة الدول.
(د ب أ)
———————-
الأمم المتحدة تتهم الحكومة السورية المؤقتة بـ”الإخفاق الممنهج” في حماية الأقليات
بيروت: أعرب خبراء أمميون عن قلقهم العميق إزاء الهجمات المسلحة الأخيرة ضد الدروز في جنوب سوريا، بما في ذلك أعمال عنف جنسي استهدفت نساء وفتيات.
وأشار تقرير نشره مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان، الخميس، إلى أن النساء والفتيات كن ضحايا للاختطاف والعنف الجنسي خلال موجة العنف الأخيرة.
وتتّهم الأمم المتحدة السلطات السورية المؤقتة بـ”الإخفاق الممنهج” في حماية الأقليات، والتقصير في مواجهة أعمال العنف القائم على النوع الاجتماعي قضائياً، فيما تشير تقارير أخرى إلى أن القوات الحكومية كانت متورطة أيضاً في تلك الهجمات.
وبحسب الخبراء، فقد قُتل، منذ منتصف يوليو/تموز، أكثر من ألف شخص، واختُطف المئات، ودُمّرت أكثر من 33 قرية في منطقة السويداء. كما اختُطفت أكثر من مئة امرأة وفتاة درزية على الأقل، ولا تزال 80 منهن في عداد المفقودين.
وفي ثلاث حالات موثقة على الأقل، تعرضت نساء للاغتصاب قبل قتلهن. كما وردت تقارير عن حلق لحى رجال دين دروز قسراً، وشنّ حملات كراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ودعوات صريحة لاستعباد النساء الدرزيات.
واندلعت أعمال العنف في محافظة السويداء، الشهر الماضي، بين أفراد من الأقلية الدرزية ومجموعات قبلية سنية.
وتقول الحكومة في دمشق إنها أرسلت قوات لتهدئة الوضع، لكنها وُجهت إليها أيضاً اتهامات بارتكاب أعمال عنف وحشية ضد الدروز.
(د ب أ)
———————–
ترتيبات لفتح طريق دمشق-السويداء خلال 48 ساعة
الجمعة 2025/08/22
علمت “المدن” من مصادر سورية، أنه سيتم فتح طريق دمشق السويداء خلال 48 ساعة. ويتم رصد قوة عسكرية قوامها ألفي عنصر، بهدف تأمين الطريق وضمان سلامة الجميع.
وكشفت المصادر أن المفاوضات مستمرة لإطلاق سراح عدد من الأسرى والمختطفين، لافتة إلى أن الزعيم الروحي للدروز الشيخ حكمت الهجري، اعترف بوجود 19 عنصراً مختطفاً لديه من الأمن العام، وقد عرضت الحكومة السورية ممثلة بقائد الأمن الداخلي في محافظة السويداء أحمد الدالاتي، أن يتم اطلاق سراح 38 معتقلاً لدى دمشق من المحسوبين على الهجري، إلا أن الأخير لم يوافق على العرض حتى الآن.
إطلاق سراح مختطفين
وأمس الخميس، قالت وزارة الداخلية السورية، إن قوى الأمن الداخلي نجحت في تحرير مخطوفين من منطقة جرمانا، بعد احتجازهم في محافظة درعا.
وشدد قائد الأمن الداخلي في محافظة السويداء العميد أحمد الدالاتي، الذي استقبل المخطوفين عقب وصولهم إلى دمشق، على استمرار جهود القوى الأمنية في حماية المواطنين وتعزيز سلامتهم، مع تكثيف التنسيق بين مختلف المحافظات لضمان أمن المجتمع واستقراره، بما يعكس التزام قوى الأمن الداخلي الكامل بحفظ الأمن والاستقرار.
ولم تكشف وزارة الداخلية عن تفاصيل إضافية حول الجهة الخاطفة، والمخطوفين الذين من بينهم متطوعون دروز في الهلال الأحمر السوري.
وساطة لبنانية
والأربعاء الماضي، أكدت مصادر متابعة لـ”المدن”، الإفراج عن 4 متطوعين دروز في الهلال الأحمر السوري، وذلك بعد نحو أسبوع على اختطافهم من قبل مسلحين يرجح بأنهم من عشائر البدو، أثناء دخولهم مع قافلة مساعدات إنسانية كانت بطريقها إلى مدينة السويداء. وقالت المصادر إن الإفراج عن المتطوعين الأربعة، جرى عن طريق الدولة السورية.
وأكدت المصادر أن عملية الإفراج تمت بوساطة من الزعيم السابق للحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني وليد جنبلاط.
وكان المفرج عنهم قد ظهروا ضمن مقطع مصور بثه الخاطفون، الذين قالوا إن احتجازهم “ليس بغرض الأسر”، إنما من أجل إطلاق سراح رجال ونساء، في إشارة لمفاوضات الإفراج عن المحتجزين خلال أحداث السويداء، من البدو والدروز.
————————
المجموعة العربية تؤكد على ربط أمن سوريا بالأمن العربي.. ورسائل ضمنية إلى إسرائيل/ سامر القطريب
2025.08.22
تتسارع التحركات السياسية والدبلوماسية حول سوريا في ظل ثبات التوتر في الجنوب السوري وتكرار التوغلات الإسرائيلية التي تزامنت مع تصريحات رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو عن إسرائيل الكبرى ومحاولات الاستيطان في الجولان السوري، ما دفع المجموعة العربية والدول الفاعلة في مجلس الأمن إلى تأكيد ارتباط أمن سوريا بالأمن العربي والإقليمي، والدعوة لتفعيل اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974. وتزامن ذلك مع الإعلان عن لقاء سوري–إسرائيلي في باريس، ومطالبات أممية بإصلاحات أمنية لمكافحة الإرهاب، ما يعكس تعقيد المشهد السوري وتعدد الأطراف المنخرطة فيه.
المجموعة العربية في الأمم المتحدة أكدت عبر بيان تَلَته مندوبة قطر علياء آل ثاني، أن أمن سوريا واستقرارها “جزء لا يتجزأ من الأمن العربي والإقليمي”، مشددة على ضرورة الحفاظ على وحدة البلاد ومؤسساتها، باعتبار ذلك الضمانة الأساسية لمنع زعزعة الاستقرار ومكافحة الإرهاب.
وأشارت المجموعة إلى أن سوريا تمر بمرحلة دقيقة تواجه خلالها تحديات أمنية وإنسانية واقتصادية، الأمر الذي يستدعي دعمًا دوليًا مباشرًا لتعزيز جهود التعافي. ودعت إلى ترسيخ الوحدة الوطنية تحت مظلة الدولة، وبسط الأمن والنهوض بالتنمية، والمضي بعملية سياسية شاملة تشمل جميع مكونات الشعب السوري.
وجاء في البيان العربي إدانة واضحة للانتهاكات الإسرائيلية المتكررة، وُصفت بأنها خروقات تمثل انتهاكًا صارخًا للسيادة السورية وميثاق الأمم المتحدة. وطالبت المجموعة مجلس الأمن بالتحرك لإلزام إسرائيل بوقف انتهاكاتها، والانسحاب من الأراضي المحتلة، والالتزام باتفاق فضّ الاشتباك، مؤكدة أن الجولان السوري المحتل يظل أرضًا عربية محتلة وفق القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن.
الجنوب السوري محور اشتباك إقليمي دولي
يعكس التركيز العربي والدولي على الجنوب السوري حساسية هذه المنطقة، التي باتت مركزا لتقاطع المصالح الدولية وتبادل الرسائل السياسية. في ظل التصعيد الإسرائيلي ودعوات الانفصال التي أثارت حساسية عربية وإقليمية. وبرز ذلك في تصريحات مندوب تركيا الدائم لدى الأمم المتحدة أحمد يلدز، الذي أكد أن المهمة الرئيسية للمجتمع الدولي تكمن في استعادة الاستقرار والأمن في سوريا، مشدداً على أن “الحكومة المركزية والجيش الوطني الموحد عاملان لا غنى عنهما للوصول إلى هذا الهدف”.
وتُظهر التحركات العربية والدولية رغبة في احتواء التوتر ومنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة أوسع، لكن استمرار خروقات الاحتلال وتنامي تهديد “داعش”، إضافة إلى هشاشة المؤسسات المحلية، تضع هذه الجهود أمام تحديات حقيقية تتطلب توافقا إقليميا ودوليًا أكثر فاعلية، خاصة فيما يتعلق بإكمال رفع العقوبات ودعم إعادة هيكلة الجيش السوري والمؤسسات الوطنية.
الموقف العربي.. ورسائل ضمنية بشأن التطبيع
بدأت الجلسة بتأكيد عربي على أن أمن سوريا جزء لا يتجزأ من الأمن العربي والإقليمي، في رسالة تتجاوز البعد الأمني المباشر لتدخل في صلب التوازنات السياسية الإقليمية، خصوصًا في ما يتعلق بالعلاقة مع دولة الاحتلال.
وأعلنت مندوبة قطر، علياء آل ثاني، باسم المجموعة العربية، أن وحدة سوريا ومؤسساتها تمثل حجر أساس لمنع زعزعة الاستقرار ومكافحة الإرهاب، معتبرة أن تجاوز الأزمة السورية يتطلب دعمًا دوليًا مباشرًا لإنجاح جهود التعافي والتنمية.
لكن اللافت في التصريحات العربية أنها لم تكتفِ بإدانة الانتهاكات الإسرائيلية والدعوة إلى انسحاب الاحتلال من الأراضي السورية، بل طرحت بشكل غير مباشر معادلة سياسية مفادها أن أي مسار للتطبيع العربي مع إسرائيل يجب أن يمر عبر احترام السيادة السورية وإنهاء الاحتلال، وربما التنسيق المسبق مع دمشق بشأن أي خطوات إقليمية ذات صلة.
هذا الربط بين الأمن السوري والأمن العربي لا يقتصر على التنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب، بل يُفهم أيضا في سياق إعادة رسم العلاقات العربية–الإسرائيلية، ليضع سوريا ضمن أي معادلة للتطبيع، ويعكس رفضا عربيا ضمنيا للقفز فوق الملف السوري أو اعتباره خارج الحسابات.
وجاء التحرك السوري في مجلس الأمن عبر إدانة ممارسات الاحتلال، حيث طالب المندوب السوري في الأمم المتحدة، قصي الضحاك، بإدانة الهجمات الإسرائيلية على الأراضي السورية، وأبرزها استهداف القصر الرئاسي ووزارة الدفاع في دمشق والتوغلات البرية. واعتبر أن هذه الهجمات تقوّض استقرار البلاد وتعطل مسيرة التقدم.
وشدد الضحاك على أن “الحكومة مع الحوار والمصالحة، وترفض التدخلات الخارجية الهدامة”، مؤكداً تطلع سوريا إلى دعم دولي إيجابي في هذه المرحلة.
لقاء بين دمشق وتل أبيب.. ماذا دار في باريس؟
في تطور لافت، عقد في باريس لقاء جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ورئيس جهاز الاستخبارات، حسين سلامة، مع وزير الشؤون الاستراتيجية لدى الكيان، رون ديرمر.
وأوضح المصدر أن الطرفين ناقشا سبل احتواء التوتر في الجنوب السوري، وتمسك الجانبين بوحدة الأراضي السورية ورفض مشاريع التقسيم، مع التأكيد على أن محافظة السويداء “جزء لا يتجزأ من سوريا”، وأن المواطنين الدروز “مكوّن أصيل من النسيج الوطني”.
كما تطرق اللقاء إلى الملف الإنساني، واتفقت الأطراف على ضرورة تكثيف المساعدات للسويداء والبدو في الجنوب. وناقش الجانبان آلية لإعادة تفعيل اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، بهدف وقف التوغلات الإسرائيلية وتهيئة بيئة أكثر استقرارا. وانتهى اللقاء بالتأكيد على خفض التصعيد في الجنوب وتفادي الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة.
وكان مصدر حكومي قد أكد في تصريح لوكالة الأنباء السورية (سانا) أنه “لن يكون هناك ممر إنساني عبر الحدود”.
وشدد المصدر في تصريحاته للوكالة على أن “تقديم المساعدات الإنسانية يتم حصراً بالتنسيق المباشر مع مؤسسات الدولة في العاصمة دمشق”.
وأوضح المصدر أن هذا الإجراء يهدف إلى “ضمان وصول المساعدات بشكل آمن ومنظّم إلى جميع المستحقين بما في ذلك محافظة السويداء وغيرها من المناطق”.
الرفض السوري “للممر الإنساني” لا ينعزل عن السياق السياسي الأوسع، إذ يُنظر إلى المقترح الخاص بفتح ممر إنساني – خصوصًا إذا تم عبر الأردن أو مناطق محاذية لمرتفعات الجولان – على أنه مرتبط بمشروع سياسي إقليمي تتداخل فيه المصالح الإسرائيلية والغربية، وتراه دمشق محاولة لفرض قنوات موازية تتجاوز سلطتها الرسمية، وتفتح ثغرة دبلوماسية وأمنية في الجنوب.
مواقف دولية.. دعم للسيادة السورية ودعوة للإصلاحات
عبّر عدد من أعضاء مجلس الأمن عن دعمهم لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، مع تباين في مستوى التأييد لخطوات دمشق.
أكدت الولايات المتحدة دعمها سيادة سوريا، ورحبت بتعاون سوريا مع الأمم المتحدة في التحقيق بالانتهاكات، ودعت إلى محاسبة عناصر الأمن المسؤولين عن انتهاكات القوانين، مشددة على إنهاء “العنف الطائفي” في البلاد.
ورحبت فرنسا بالحوار السوري–الإسرائيلي في باريس، واعتبرته فرصة على إسرائيل استغلالها، داعية إلى انسحاب الاحتلال الإسرائيلي إلى ما وراء خطوط اتفاق 1974.
أما روسيا، فدعت إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري، وطالبت بإجراء إصلاحات هيكلية في أجهزة إنفاذ القانون التابعة للنظام، في إشارة إلى الحاجة لإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية.
ورحّبت المملكة المتحدة بجهود إرسال المساعدات إلى الجنوب السوري، في حين عبّرت المجموعة العربية عن دعمها الكامل لجهود مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود ومنع تهريب السلاح والمخدرات.
تهديد “داعش” يتمدد
في السياق، حذر وكيل الأمين العام لمكتب مكافحة الإرهاب، فلاديمير فورونكوف، من عودة تنظيم “داعش” للنشاط في البادية السورية، مستغلاً التوترات الطائفية والدعوات الانفصالية. وأشار إلى أن التنظيم يسعى لاستعادة قدراته العملياتية، ما يهدد الأمن المحلي والإقليمي.
كما أكدت ناتاليا جيرمان، المديرة التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة، أن الأوضاع في مخيمات شمال شرقي سوريا تشكل بيئة خصبة للتطرف، مطالبة بدعم عاجل لمعالجة الأزمة الإنسانية وتحسين قدرات الدول في مكافحة الإرهاب.
وكان وفد من وزارة الداخلية السورية شارك في المؤتمر العربي السابع والثلاثين لفريق الخبراء العرب المعني بمكافحة الإرهاب في تونس، برئاسة العميد سامر الحسين. وتناول المؤتمر تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب وتبادل الخبرات الأمنية.
وفي لقاء آخر، بحث وزير الداخلية أنس خطاب مع المبعوث الإسباني الخاص إلى سوريا، أنطونيو غونزاليس، سبل التعاون في مجالات الهجرة والجوازات، وتدريب عناصر الأمن الداخلي.
بيدرسن والقرار 2254
قدم المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، غير بيدرسن، إحاطة لمجلس الأمن أكد خلالها التزام الأمم المتحدة بسيادة سوريا، ورفضها للانتهاكات الإسرائيلية. ورحب بتشكيل مجموعة عمل بين الولايات المتحدة والأردن وسوريا لدعم وقف إطلاق النار، لكنه حذر من هشاشة الوضع، مشيراً إلى استمرار الغارات الجوية الإسرائيلية والعمليات البرية جنوب غربي سوريا، رغم توقيع الاتفاق. ودعا بيدرسن إلى الالتزام التام باتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، واحترام استقلال ووحدة أراضي سوريا. مجدداً دعوته إلى “تطبيق بنود القرار الأممي رقم 2254 التي تنص على وضع دستور للبلاد وإجراء انتخابات ديمقراطية”.
تلفزيون سوريا
————————
=================
تحديث 21 آب 2025
————————
ورقة جديدة في لعبة تقسيم سوريا/ عمر كوش
20/8/2025
ليست المرة الأولى التي يُرفع فيها علم إسرائيل في السويداء 16 أغسطس/آب الجاري، لكن رفعه هذه المرة اقترن بصور شيخ العقل حكمت الهجري في مظاهرة تدعو إلى الانفصال، وتطالب بـ”حق تقرير المصير”، والانضمام إلى إسرائيل، ورفعت فيها لافتات تشكر نتنياهو على تدخله.
فيما أظهرت مقاطع مصورة مسلحين موالين لشيخ العقل حكمت الهجري اعتلوا مقام مشيخة العقل في عين الزمان وسهوة البلاط، ورفعوا عليهما علم إسرائيل إلى جانب صور للشيخ الهجري.
أثار ما جرى في هذه المظاهرة، ردود فعل متناقضة، وأشعلت مشهديتها جدلا واسعا بين معظم السوريين والمهتمين بالشأن السوري، وطرحت أسئلة كثيرة حول المسؤول عنها، ودوافع منظمي المظاهرة، وعما إذا كانت الانتهاكات الجسيمة التي حدثت في السويداء، والصدام الحاصل مع السلطة في دمشق يبررها، كونها تشكل سابقة تتجاوز مسألة استفزاز السلطة ومناكفتها.
الحيثيات والأسباب
بداية، يمكن القول إن رفع المحتجين والمتظاهرين أعلام دول أجنبية حدث خلال فعاليات حركات احتجاج عديدة في العالم، وغايته مناكفة السلطة الحاكمة، والانتقاص من شرعيتها، ومن تمثيلها للمحتجين، لكن في الحالة السورية، تمثل إسرائيل دولة احتلال لأراضيها منذ 1967، فضلا عن احتلالها للأرض الفلسطينية، وحرب الإبادة والتجويع التي تخوضها حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلية منذ نحو عامين ضد الشعب الفلسطيني في غزة.
وبالتالي، فإن رفع العلم الإسرائيلي يثير غضب عموم السوريين بمختلف أطيافهم، ويسهم في فقدان السويداء تعاطف ودعم شرائح واسعة من المجتمع السوري، فضلا أنه لا يحقق أي مكاسب سياسية واضحة.
ولن يستدرّ رفع علم الكيان الإسرائيلي سوى إثارة غضب مضاد، وذلك في ظل تصاعد خطاب الكراهية والحشد الطائفي بين بعض أوساط من السوريين في الآونة الأخيرة.
كما أنه يكشف عجز القادة السياسيين في السويداء عن صياغة برنامج سياسي واقعي يناسب مصالح أبناء السويداء وأهلها، الذين يشكلون جزءا أساسيا من النسيج السوري، وساهموا في بناء سوريا الحديثة منذ بداية تشكلها.
ليس خافيا أن المتظاهرين في السويداء، أيا كانت أعدادهم، خرجوا لأسباب مختلفة، ولا يمثل من حملوا الأعلام الإسرائيلية تطلعات قسم كبير منهم، ولا مواقف غالبية أهل السويداء، وأن من يقف وراءهم ثلة من السياسيين الذين يتخفى بعضهم في لباس رجال دين، إلى جانب قادة مجموعات مسلحة ترتبط بإسرائيل.
نصب هؤلاء الساسة والعسكريون أنفسهم كسلطة أمر واقع في محافظة السويداء، مسؤولة عن “حماية الدروز”، ويلتقون بذلك مجرم الحرب بنيامين نتنياهو الذي يستخدم الذريعة نفسها.
لكنهم في الواقع لا يدركون أن حكومة نتنياهو تستخدمهم كورقة من أجل مصالح إسرائيل ومخططاتها الهادفة إلى ضرب النسيج السوري وتمزيق سوريا، ولا يكترثون بذلك؛ لأن غايتهم فرض خياراتهم ومطامحهم على السلطة السورية الجديدة، من أجل الحفاظ على مكاسبهم ومصالحهم الشخصية الضيقة، وتثبيت سطوتهم وسيطرتهم على سكان المدينة وما حولها، لذلك لم يقيموا حسابا للعواقب السياسية التي تضر بأهل السويداء وناسها.
لا شك في أن ثمة أسبابا وتراكمات سياسية أفضت إلى مظاهرة السويداء، وتأججت بفعل الصدمة التي أصابت المجتمع في محافظة السويداء بعد الأحداث التي حصلت في يوليو/تموز الماضي، وليس ذلك فحسب إنما أيضا بسبب علاقة الهجري بإسرائيل ومواقفه منها، التي عبر عنها صراحة في مقابلة أجرتها صحيفة واشنطن بوست الأميركية في شهر مايو/أيار الماضي، واعتبر فيها أن “إسرائيل ليست العدو”، بل وزعم أن ما عاشه السوريون لعقود من شعارات معاداة إسرائيل لم يكن يخدم مصلحتهم.
وهذا يتنافى مع مواقف غالبية السوريين، ومن بينهم غالبية أهل الجولان السوري المحتل، وهم من الدروز الموحدين، الذين يرفضون الاحتلال الإسرائيلي والجنسية الإسرائيلية، ويتمسكون بانتمائهم لسوريا وهويتهم السورية.
ليس جديدا القول إن حيثيات وأسباب الأزمة سياسية بامتياز، إذ تلجأ بعض القوى لتسييس المسألة الطائفية، وتقحم الدين بالسياسة، كي تخفي مطامحها ومصالحها الضيقة.
ويسهم في تسعير ذلك سياسيون ومثقفون، يتحدثون عن “إبادة جماعية” متنقلة، وعن خطر وجودي زائف يعيشه العلويون والدروز، متناسين سياق الأحداث ووقائعها، وأن أحدا لم يمس مئات آلاف الدروز الذين يعيشون في بلدات جرمانا، وصحنايا، وأشرفية صحنايا، وفي محافظة إدلب وسواها.
ثمة اختلاف واسع بين تحميل السلطة السورية الجديدة مسؤولية الانتهاكات التي حصلت في السويداء، والمطالبة بالانفصال عن سوريا وحق تقرير المصير، ليس فقط بسبب التاريخ والعيش المشترك، والارتباط الكامل لمحافظة السويداء بسوريا على كافة المستويات، لذا من الحكمة والواقعية الابتعاد عن رد الفعل الغاضب الذي يصل إلى حد الطيش.
موقف الحكومة
لم يتأخر موقف السلطة في دمشق حيال ما جرى في مظاهرة السويداء، حيث أقر الرئيس السوري أحمد الشرع بحصول “تجاوزات من كل الأطراف”، وأن الدولة ملزمة بمحاسبة كل من قام بهذه الانتهاكات، ثم أرجع الشرع أحداثها إلى عاملين:
الأول هو وجود “فئة تحاول أن تؤزم المشهد وعندها نوايا ليست جيدة”، ويقصد بها الهجري والمجموعات المسلحة التابعة له.
الثاني هو تدخل إسرائيل المباشر، ومحاولتها تنفيذ سياسات تهدف إلى “إضعاف الدولة أو محاولة اختلاق حجة للتدخل”.
اللافت هو إعلانه أن “توحيد البلاد يجب ألا يكون بالدماء والقوة العسكرية”، الأمر الذي يشي بأن الإدارة الجديدة أدركت أنها لابد أن تغير سياستها مع محافظة السويداء، وكذلك الساحل السوري.
إذًا، ثمة تغير في الخطاب الذي صدر عن الشرع، تجسد في إعلانه الصريح في استبعاد القوة العسكرية وسفك الدماء في مسعى إدارته الرامي إلى إعادة توحيد سوريا، وهو ما يعتبر شرطا أساسيا لاعتماد الحوار كأسلوب وحيد لبحث ممكنات ترميم ما أصاب الجسد السوري من تهتّكات.
المطلوب سوريًا
المأمول من هذا التغير في خطاب الشرع أن يُترجم إلى أفعال تبدد القلق، الذي أثار في الفترة الماضية بعض المكونات في المجتمع السوري، كما تم اتباع أسلوب فصائلي، اعتمد على مناورات أثارت توجس فصائل وقوى الأمر الواقع في شمال شرقي سوريا وجنوبها وساحلها، ورأت فيه محاولة من الإدارة الجديدة تهدف إلى تفكيكها، لذلك لم تخفِ تمردها على مشروع الدولة الجديدة التي لم تثبت أقدامها بعد.
وتجسد ذلك في مؤتمر “توحيد الموقف” الذي عقد في الحسكة، وأعلنت فيه القوى المجتمعة تمردها على هذا المشروع، وطالبت بتقاسم السلطة، والاعتراف بسلطتها على المناطق التي تسيطر عليها، حفاظا على مكاسب القوى المهيمنة فيها.
بات المطلوب سوريًا الخروج من منطق العصبيات القاتلة، الذي تنتهجه المجموعات المسلحة والفصائل، وتبني نهج يسهم في بناء دولة تشاركية جديدة، وعدم الاستقواء بقوى الخارج، أو الركون إلى دعمها لتحقيق الاستقرار في الداخل؛ لأن الداخل شأن سوري بحت قبل كل شيء.
ولعل عقد مؤتمر وطني جامع يمكن أن يشكل سبيلا لتحقيق ما يريده السوريون من دولتهم الجديدة، لذلك تبرز أهمية التخلي عن منطق التحشيد والفزعة والتجييش، والسعي إلى تبني منطق الدولة التي يحكمها القانون ومبادئه، وتعمل من خلال مؤسساتها الإدارية والقانونية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
كاتب وباحث سوري
الجزيرة
—————————
السويداء… أول اختبار حقيقي لـ«سوريا الجديدة»
لجان درزية لإدارة المحافظة «مؤقتاً»… ودمشق ترفض التقسيم
سلطان الكنج
21 أغسطس 2025 م
في خطوةٍ قد ترسم ملامح مستقبل العلاقة بين محافظة السويداء ودمشق في ظل السلطة الجديدة، أعلنت الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز في أواخر شهر يوليو (تموز) الماضي عن تشكيل لجان قانونية وأمنية لإدارة شؤون المحافظة.
هذه الخطوة، التي تمثل تحولاً جذرياً في المشهد السياسي العام في جنوب سوريا، لم تأتِ من فراغ، بل كانت تتويجاً لأحداث دامية وتوترات متصاعدة شهدتها المحافظة منتصف الشهر ذاته، لتضع الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع أمام تحدٍ معقد في مسعاها لـ«توحيد سوريا» بعد «تحريرها»، في ظل سياق عام من التناقض بين روايتي المرجعيات الدرزية والحكومة التي تشير إلى أن تدخل قوات الأمن العام كان لفض النزاع بين عشائر بدوية ودروز في محاولة لردع الطرفين.
خصوصية السويداء
لمحافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، خصوصية وحساسية في بنية المجتمع السوري وتركيبته. ورغم تجنبها الدخول المباشر في أتون الحرب الأهلية طوال العقد الماضي، فإنها حافظت على حالة من الاستقلال الذاتي النسبي، رافضةً إرسال أبنائها للقتال في صفوف جيش النظام السابق.
وقد تفجرت الأوضاع الأخيرة على خلفية اشتباكات عنيفة، تباينت حولها الروايات بشكل واضح. وتشير الرواية الرسمية للحكومة السورية إلى «تدخل قوات الأمن العام لفض النزاع بين بعض العشائر البدوية والدروز، في محاولة لردع الطرفين».
إلا أن هذا التدخل زاد الأمر تعقيداً بعد سيطرة قوات الأمن والجيش السوري على بعض الأحياء داخل المدينة وعلى أطرافها، وتدخل إسرائيل مباشرة طرفاً في الأزمة من خلال غارات جوية استهدف على ما يبدو مواقع للقوات الحكومية التي قررت الانسحاب من المدينة بشكل كامل.
ومما زاد في تعقيد المشهد وفتح المجال واسعاً لمزيد من التصعيد، التباين في الروايات حول حقيقة ما جرى وسط أجواء من عدم الثقة بأي من الروايتين الحكومية والدرزية. إذ قدمت المرجعيات الدرزية رواية مغايرة تتهم فيها الحكومة بمحاولة «بسط سيطرتها على المحافظة بالقوة عبر دعم العشائر البدوية»، وتؤكد أن لديها «وثائق تدين جهات في الحكومة» في مؤشر على تجاوز الأزمة بعدها المحلي الذي يحمل صفة النزاع بين القبائل البدوية ومسلحين دروز.
مرجعيات درزية ضد دمشق
منذ سقوط النظام السوري، كان الشيخ حكمت الهجري الزعيم الأبرز للطائفة الدرزية ورأس الحربة في المعارضة للحكومة السورية. بالمقابل، كان كل من المرجعين الدرزيين حمود الحناوي ويوسف الجربوع يميلان إلى التفاهم مع دمشق ويدعوان إلى التعاون مع الحكومة، في موقف يختلف عن سياسة الهجري المعارضة للتقارب مع دمشق.
وتشكل هذه الشخصيات الثلاث المرجعيات التقليدية للطائفة الدرزية في سوريا، إذ تنتمي كل منها إلى عائلة كانت منذ عقود مركز المرجعية داخل الطائفة: آل لهجري، والحناوي، والجربوع.
لكن أحداث يوليو (تموز) الدامية أحدثت تحولاً مفاجئاً في عموم الموقف الدرزي. إذ أصدر الحناوي والجربوع، اللذان كانا أقرب للحكومة من الهجري، بيانات متزامنة رفضا فيها الحكومة وممارساتها ودعوة المجتمع الدولي للتحقيق فيما سموها «الجرائم» ووقف العنف ضد المدنيين. وبعد ساعات، خرج الهجري ببيان مصور، ليذهب أبعد من ذلك، مكرراً الاتهامات ذاتها، ومطالباً بتحقيق دولي مستقل، و«إحالة المسؤولين عن الجرائم إلى المحكمة الجنائية الدولية، ووقف الدعم السياسي والعسكري لما وصفه بالفصائل المحيطة بالسويداء»، وفي خطوة لافتة، شكر إسرائيل على دعم موقفهم ضد الحكومة السورية.
لا رجعة إلى دمشق
توضح الخطوات العملية التي اتخذتها قيادات السويداء طبيعة المرحلة الجديدة. فتشكيل لجان إدارية وقانونية جاء لملء فراغ السلطة الذي خلفته الدولة.
في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، قالت صفاء جودية، الناطقة باسم اللجنة القانونية العليا في السويداء، إن تشكيل اللجان جاء نتيجة ما وصفته بـ«التخريب والتدمير الممنهج للبنى التحتية في المحافظة، وقطع الكهرباء والماء والإنترنت، فضلاً عن الحصار ومنع دخول المواد الغذائية والأدوية». وأضافت أن «غياب أصحاب القرار والفراغ الإداري المتشكل فرض ضرورة سد هذا الفراغ وإدارة القطاعات الخدمية لتخفيف وطأة الحصار الخانق»، حسب قولها.
وأكدت جودية أن مهام هذه اللجان «تتمثل في قيادة الإدارات وتسيير المرافق الخدمية لتلبية احتياجات المواطنين»، موضحة أن عملها «مدني وإسعافي ومؤقت ولا يحمل أي مشروع سياسي في الوقت الراهن».
وحول العلاقة المقطوعة مع العاصمة، أوضحت جودية أن «أهالي السويداء تعرضوا إلى جرائم إبادة جماعية وحرق منازل وسيارات ومحال تجارية وفُرض عليهم حصار خانق». وشددت على أن أي تفاهم مع دمشق «لن يُبحث قبل التعويض عن الأضرار وفك الحصار».
وفق جودية، فإن «المبادرة لاقت تأييداً واسعاً وإجماعاً لافتاً، إذ يتسابق المواطنون لتقديم الدعم والمساعدة للجان المشكلة». وعن التعاون مع كيانات سورية أخرى مثل الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا، قالت إن السويداء لم تغلق الباب، مؤكدة أنه «لا خصوصية للسويداء تمنع التعاون مع أي جهة مدنية نيرة وحضارية»، مستشهدة بمحاولة الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا إرسال مساعدات منعت وصولها «حكومة الأمر الواقع» في إشارة إلى الحكومة السورية. لكنها استدركت بأن «التحالفات شأن سياسي وعسكري خارج صلاحيات اللجنة القانونية».
وخلصت إلى أن «السويداء تُدار اليوم من قبل لجنة قانونية عليا مدنية مؤقتة فرضتها الحالة الطارئة والفراغ الحكومي»، مؤكدة أن اللجنة «تسعى إلى الحفاظ على وحدة سوريا بدستور شامل يصون تلك الوحدة، بغض النظر عن التسميات أو الصيغ السياسية التي لا تدخل في صلاحياتها».
الاستقلال عن سوريا
إلا أن المشهد لا يقتصر على المسار الإداري الذي تقوده المرجعيات أو اللجان المشكلة حديثاً. فالشارع في السويداء شهد تصعيداً أكبر، حيث طالب متظاهرون في ساحة الكرامة، يوم 16 يوليو بالانفصال التام عن سوريا وإعلان الاستقلال.
وفي مشهد غير مسبوق، رفع المتظاهرون أعلام الطائفة الدرزية إلى جانب أعلام إسرائيلية، ما أثار ردود فعل غاضبة ليست فقط من الموالين للحكومة في دمشق، بل أيضاً من شخصيات معارضة، عدّت هذه الخطوة «خيانة»، مؤكدين أن الاختلاف مع الحكومة لا يعني التخلي عن الوطن أو الانفصال عنه أو الدعوة لتمزيق الوطن.
جاء رد دمشق الرسمي سريعاً وحازماً. ففي كلمة بثها التلفزيون السوري خلال لقائه بوجهاء وإعلاميين من إدلب بحضور وزراء ومسؤولين، أكد الرئيس أحمد الشرع أنّ «المجتمع السوري يرفض بشكل قاطع أي مشروع للتقسيم»، واصفاً الداعين إلى ذلك بأنهم «سياسيون جهلاء وحالمون».
وأضاف الرئيس الشرع، في تأكيد على الأولوية الجديدة لحكومته: «أسقطنا نظام الأسد في معركة تحرير سوريا وأمامنا معركة توحيدها». وشدد على أن عوامل التقسيم «غير متوافرة لدى أي طرف»، وأن البلاد لا تواجه مخاطر حقيقية للتقسيم، بل مجرد «رغبات لدى بعض الأطراف في إنشاء كانتونات محلية داخلية، وهو أمر مستحيل الحدوث».
وأشار الشرع إلى أنّ هناك قوى دولية لا تريد لسوريا أن تكون قوية، وتسعى إلى ضرب أهم ركائزها المتمثلة في وحدتها الداخلية. وقال إن «استقواء بعض الأطراف بإسرائيل أمر بالغ الصعوبة»، موضحاً أن «المنطقة الجنوبية ذات كثافة سكانية عالية، وأي عدو يحاول الدخول إليها فسيضطر إلى وضع شرطـي على باب كل بيت، وهذا أمر غير واقعي على الإطلاق».
«حذر وحكمة»
على صعيد ذي صلة، يرى محللون وباحثون أن دمشق تتعامل مع ملف السويداء بحذر وصبر وحكمة. وقال الباحث مصطفى النعيمي لـ«الشرق الأوسط» إن ما يحدث هو «محاولة عبثية للسيطرة على جزء من المحافظة خارج نطاق الدولة السورية عبر مجموعات مسلحة خارجة عن القانون تستقوي بأجندات خارجية لفرض الهيمنة وإبقاء المحافظة خارج سلطة الدولة».
وحذر النعيمي من أن هذه التحركات «ستعزز الانقسام الداخلي، ولن تقتصر تداعياتها على السويداء، بل ستطول محافظات أخرى» خاضعة لنفوذ قوات سوريا الديمقراطية والولايات المتحدة.
ويعتقد النعيمي أن «الإرادة الدولية اليوم تتجه نحو التنمية المستدامة، ما يجعل هذه المشاريع العبثية الممولة إقليمياً مرفوضة دولياً، فيما تحاول إسرائيل تصدير أزمتها الداخلية عبر تغذية بؤر التوتر في سوريا». وأشار إلى أن هذه التطورات «قد تسهم في زيادة نشاط الجماعات المسلحة خارج سلطة الدولة في منطقة الساحل السوري، خصوصاً بعد فشل محاولات الانقلاب السابقة».
وعدّ النعيمي أن «المحافظة اليوم تحت سيطرة مجموعات لا تحمل أجندة وطنية، وهو ما أدى إلى محاصرتها وإبقائها خارج سلطة الدولة، وزاد معاناة المواطنين بسبب الأزمات المركبة، من اقتصاد وإنسانية ودواء وغذاء وطاقة».
وأكد أن إدخال المساعدات الإنسانية إلى المحافظة «يثبت جدية الحكومة السورية في إيجاد حلول مستدامة ودمج السويداء في مؤسسات الدولة، رغم استمرار سيطرة بعض المجموعات المسلحة على القرار السياسي والعسكري».
تفكيك جماعات التوتر
تتبع دمشق، وفق النعيمي، «سياسة الاحتواء المتدرج لتفكيك بؤر التوتر في السويداء، وإشراك المجموعات الوطنية في مؤسسات الدولة، وهو ما تؤكده خطوات مثل لجنة ترشيح شخصيات لمجلس الشعب السوري»، مشيراً إلى أن «المشهد الراهن يتطلب إرادة محلية وإقليمية ودولية لإنهاء حالة التوتر»، ومؤكداً وجود «مؤشرات على حلول مستدامة برعاية عربية وإقليمية ودولية، تقودها الولايات المتحدة عبر مبعوثها توماس برّاك، لإشراك أهالي السويداء في عملية إعادة الإعمار وتحقيق الأمن المستدام».
ورأى النعيمي أن الحكومة «تنتهج سياسة واضحة لتفكيك هذه المجموعات تدريجياً عبر آليات أمنية واستخبارية داخلياً، ومن خلال موقع سوريا الإقليمي والدولي خارجياً، رغم أن تنفيذ الخطة قد يتطلب وقتاً أطول، لكنه المسار الأمثل لتقليل كلفة الدم السوري».
ويبقى المشهد في السويداء مفتوحاً على كل الاحتمالات، بين لجان تشبه الإدارة الذاتية تسعى لتثبيت أقدامها، وشارع درزي يطالب بالانفصال، وحكومة مركزية ترفض التنازل عن وحدة أراضيها، لتكون المحافظة الجنوبية أول اختبار حقيقي لقدرة سوريا الجديدة على لملمة جراحها وتوحيد صفوفها وتجاوز تبعات هذه الأزمة.
ويعتمد المسار القادم على مدى حكمة القيادات الدرزية المحلية في إدارة هذه الأزمة التي خلقت واقعاً جديداً يتطلب رؤية مشتركة للقوى الفاعلة والحكومة لتجاوز الأزمة التي لا يمكن من خلالها إغفال دور القوى الإقليمية والدولية التي تراقب ما يجري، كما ستكون لها بصمات في رسم مستقبل السويداء وهوية الدولة السورية لعقود قادمة.
الشرق الأوسط
———————
إعلان رسمي سوري عن المحادثات.. هل بدأ تطبيع العلاقات بين دمشق وتل أبيب؟/ سلطان الإبراهيم
2025-08-21
كشفت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) يوم الثلاثاء الماضي، عن إجراء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الاستخبارات العامة حسين سلامة، مباحثات مع وفد إسرائيلي برئاسة وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر في العاصمة الفرنسية باريس، بشأن أمن الحدود والأوضاع في الجنوب السوري وخاصةً محافظة السويداء، لكن اللافت في الأمر هو أن الإعلان الحكومي السوري عن مباحثات مع إسرائيل هو الأول من نوعه منذ عقود، ما قد يعني المضي في مسار تطبيع العلاقات بين الطرفين وتجاوز مرحلة التفاهمات أو خفض التصعيد والاشتباك على المناطق الحدودية.
تفاهمات لخفض التصعيد
وقالت “سانا” في منشور على “فيسبوك”، إن “المناقشات تركزت حول خفض التصعيد وعدم التدخل بالشأن السوري الداخلي، والتوصل لتفاهمات تدعم الاستقرار في المنطقة، ومراقبة وقف إطلاق النار في محافظة السويداء، وإعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل عام 1974”، مشيرةً إلى أن “هذه المناقشات تجري بوساطة أميركية، في إطار الجهود الديبلوماسية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في سوريا والحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي السورية”.
ومن جانبها، نقلت قناة “الإخبارية” السورية الرسمية عن مصدر في الحكومة، أن “وزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس الاستخبارات العامة حسين سلامة، عقدا اجتماعاً مع وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر في باريس”، وقال المصدر، إن “الجانبين أكدا على التمسك بوحدة الأراضي السورية ورفض أي مشاريع تستهدف تقسيمها وأن السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا وأن المكون الدرزي جزء أصيل من النسيج السوري”.
وأضاف، أنه “جرى التطرق للأوضاع الإنسانية في الجنوب السوري، واتفق الطرفان على ضرورة تكثيف المساعدات الموجهة لأبناء السويداء والبدو للتخفيف من وطأة الظروف المعيشية الصعبة، وضرورة التوصل لآلية واضحة تعيد تفعيل اتفاق وقف الاشتباك الموقع عام 1974، بما يضمن وقف التوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية ويؤسس لبيئة أكثر استقراراً، والتأكيد على التزام الجانبين بالعمل من أجل خفض التصعيد في الجنوب السوري، منعاً لانزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة”.
دور إسرائيلي في سوريا
إعلان الإعلام الحكومي السوري عن الاجتماعات إلى جانب أنه الأول من نوعه منذ أكثر من ربع قرن، فإنه يسلط الضوء على معطيات جديدة للتعاطي مع الملف في جنوب سوريا وإعطاء صورة بأن إسرائيل لاعب أساسي في الجانب الأمني هناك، وأنها أصبحت جزءاً مهماً من الترتيبات الأمنية الداخلية في سوريا بدءاً من الجنوب، إلى جانب أنه يتضمن إرسال رسائل متعددة لأطراف مختلفة داخلياً وإقليمياً ودولياً بشأن حدود الدور الإسرائيلي والوضع في مناطق الجنوب السوري التي تمتلك خصوصية معينة منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة.
يوضح الباحث والمحلل السياسي السوري عباس شريفة المقيم في دمشق، أن “الإعلان الرسمي السوري بشأن المحادثات مع إسرائيل يأتي في إطار تعزيز الرواية السورية بشأن هذه الاجتماعات، في ظل وجود روايات إسرائيلية وأميركية قد تكون غير مكتملة”، ويقول خلال تصريحات لـ”963+”، إن “الدولة السورية حصرت المفاوضات فقط بالجانب الأمني ورفض أي سيناريوهات من شأنها إعطاء ذريعة لإسرائيل للتدخل بالشؤون الداخلية السورية، لذلك فإن المفاوضات كانت حول اتفاق فض الاشتباك، والحديث بشكل أساسي عن اتفاق عام 1974، لأنه هو المتاح، حيث أنه لا يمكن الاحتكام لغيره قانونياً وسياسياً وواقعياً على اعتبار أن الحكومة الحالية هي انتقالية ولا تملك القدرة على الذهاب إلى اتفاق تطبيع في ظل عدم وجود مجلس شعب منتخب من الشعب السوري”.
السويداء ملف ثانوي!
ويشير، إلى أن “ملف السويداء لم يبحث خلال الاجتماع كقضية سياسية بين سوريا وإسرائيل بل كملف أمني، حيث أن المحافظة جزء من الدولة السورية وهي شأن سوري داخلي”، معتبراً أن “إسرائيل في الأصل غير متمسكة بالسويداء بقدر ما تستخدمها كملف للضغط على الحكومة في دمشق، ولا تريد أن تتحمل عبء المحافظة لا على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو العسكري، لأنه بالنهاية اتفاق تل أبيب هو مع دمشق، لكن يستخدم ملف السويداء ضمن هذا الاتفاق”.
ويقول الكاتب السياسي أحمد الإيوبي المقيم في لبنان، إنه “من الواضح أن السلطات السورية تنتهج خطاً يقوم على الشفافية، وعليه كان هدفها من هذا الإعلان ليس التطبيع مع إسرائيل، بل مكاشفة الرأي العام بما يجري خاصةً في مرحلة بناء الدولة ومنع إسقاط تجربة الشرع”، معتبراً خلال تصريحات لـ”963+”، أن “العلاقة بين دمشق وتل أبيب ستبقى محكومة بموقف تركيا والسعودية وقطر من حيث التوازنات، مع الاتجاه العام لتسكين المواجهات في سوريا”.
وينوّه، إلى أن “المسؤولين في دمشق كانوا ينتظرون انفراجة في ملف السويداء، ويبدو أنّ مسار التفاوض سيؤدي في النهاية إلى تأكيد مسألتين، أولهما حرص الإدارة السورية على عدم قتال أيٍّ من جيرانها، واستعادة السيادة على السويداء وخروج الجيش الإسرائيلي وفق هذه العناوين من الأراضي التي احتلها بعد إسقاط نظام بشار الأسد.
ويرى الكاتب والباحث السياسي عمران زهوي، المقيم في العاصمة اللبنانية بيروت، أن “دمشق تربط هذه المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل بالعودة إلى تطبيق اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، لجهة وقف الأعمال القتالية وإشراف قوة من الأمم المتحدة على المنطقة منزوعة السلاح الفاصلة بين الطرفين، والإعلان الرسمي السوري يصب في هذا السياق اذ لا يخجل من في السلطة من الانفتاح على إسرائيل”.
ممر إنساني نحو السويداء
وبالتزامن مع لقاء الشيباني وديرمر، الذي حضره المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك، عقد الأخير اجتماعاً مع الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز في إسرائيل موفق طريق، وقال باراك في منشور على منصة “إكس”، إن “اللقاء كان ودياً ومثمراً وبحث الأوضاع في محافظة السويداء، وسبل توحيد مصالح جميع الأطراف وخفض حدة التوترات وتعزيز التفاهم”، فيما أكد طريف أنه “طلب من المبعوث الأميركي استمرار وقف إطلاق النار بالسويداء وإنهاء حصارها وفتح معبر درزي – درزي إلى المحافظة من إسرائيل”، نافياً الأنباء التي تتحدث عن دخول قوات إسرائيلية إليها.
ونقلت قناة “i24” الإسرائيلية عن مصدر سوري لم تسمه أمس الأربعاء، أن “اللقاءات بين المسؤولين السوريين والإسرائيليين في باريس، كان هدفها إخراج سوريا وإسرائيل من أزمة السويداء”، موضحاً أن “التطبيع بين دمشق وتل أبيب لا يزال بعيد المنال لكن هناك أساساً للتعاون الأمني، ونقترب من اتفاق أمني سيتم عرضه بالأمم المتحدة في أيلول/ سبتمبر القادم”.
ومنتصف تموز/ يوليو الماضي، كشفت تقارير إعلامية عن اجتماع بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين في العاصمة الأذربيجانية باكو، لبحث التهدئة والوضع الأمني في الجنوب السوري، تلا ذلك لقاء بين الشيباني وديرمر في العاصمة الفرنسية باريس بحضور المبعوث الأميركي إلى سوريا، لم يتم الكشف عن فحواه أو الإعلان رسمياً عنه من قبل الحكومة السورية.
وتطالب الرئاسة الروحية لطائفة الموحدين الدروز في سوريا ممثلةً بالشيخ حكمت الهجري، وسكان في محافظة السويداء بفتح ممر إنساني من إسرائيل إلى المحافظة، في ظل ما يقولون إنه حصار خانق تعيشه تفرضه قوات وزارة الدفاع والأمن الداخلي، ووسط أزمة إنسانية كبيرة تعيشها، ونقص حاد في المواد الأساسية.
وشهدت المحافظة الجنوبية منتصف تموز/ يوليو الماضي، عمليات عسكرية وأعمال عنف أعقبت دخول قوات وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين إلى المحافظة، ما أسفر عن مئات القتلى والجرحى، وسط تقارير عن انتهاكات ارتكبت بحق مدنيين، شملت عمليات إعدام وتعذيب وحرق وتخريب للممتلكات، قبل أن تعلن الحكومة قبل أيام عن تشكيل لجنة للتحقيق في الأحداث التي شهدتها المحافظة.
+963
———————————
مفاوضات باريس السورية الإسرائيلية… طريق دمشق ـ السويداء أقصر/ محمد أمين
21 اغسطس 2025
في أول إعلان رسمي من نوعه، أكدت وسائل الإعلام السورية الحكومية حصول لقاء بين وزير الخارجية أسعد الشيباني، ووفد إسرائيلي في باريس أمس الأول الثلاثاء، ناقش عدداً من الملفات المرتبطة بتعزيز الاستقرار في المنطقة والجنوب السوري، ومنها ملف السويداء، وسط تساؤلات عن أسباب عدم علاج أزمة هذه المحافظة عبر حوار سوري ـ سوري، ولجوء الحكومة السورية للتفاهم حول هذا الملف مع مسؤولين إسرائيليين وتحويله إلى ورقة ضغط/تفاوض مع إسرائيل، بدل فتح حوار مع أهالي المحافظة، مع كل ما يستدعيه ذلك من خطوات في مقدمتها التحقيق الجاد في الجرائم والانتهاكات التي شهدتها المحافظة والمحاسبة السريعة للمتورطين بمختلف إنتماءاتهم إلى جانب تأمين طريق دمشق ــ السويداء والسماح بتدفق المساعدات الإنسانية إلى المحافظة وإنهاء الحصار المفروض عليها. كما برز حضور الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل، الشيخ موفق طريف، مع الوفد الإسرائيلي، واللقاء الذي جمعه بالمبعوث الأميركي توم براك، بحسب ما أعلن الأخير على حسابه على منصة إكس.
لقاء سوري إسرائيلي في باريس
وذكرت وكالة الأنباء السورية “سانا” أن الشيباني التقى الوفد الإسرائيلي في باريس، “وتركزت النقاشات حول خفض التصعيد وعدم التدخل بالشأن السوري الداخلي، والتوصل لتفاهمات تدعم الاستقرار في المنطقة، ومراقبة وقف إطلاق النار في محافظة السويداء، وإعادة تفعيل اتفاق 1974”. وأضافت أن هذه النقاشات “تجري بوساطة أميركية، في إطار الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في سورية والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيها”. ولفتت الوكالة إلى أن الشيباني كان قد التقى في عمّان في 12 من الشهر الحالي نظيره الأردني أيمن الصفدي، والمبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى سورية توماس برّاك، وجرى خلال اللقاء بحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين الأطراف الثلاثة، بما يخدم استقرار سورية وسيادتها وأمنها الإقليمي، والاتفاق على تشكيل مجموعة عمل سورية ـ أردنية – أميركية لدعم جهود الحكومة السورية في تعزيز وقف إطلاق النار في محافظة السويداء، والعمل على إيجاد حل شامل للأزمة.
ومساء أمس، أعلن مصدر حكومي سوري، أنه لن يكون هناك ممر إنساني عبر الحدود، مؤكداً أن تقديم المساعدات الإنسانية يجري حصراً بالتنسيق المباشر مع مؤسسات الدولة في العاصمة دمشق. ونقلت وكالة “سانا” الرسمية عن المصدر قوله إن هذا القرار جاء “حرصاً على ضمان وصولها بشكل آمن ومنظّم إلى جميع المستحقين، بما في ذلك محافظة السويداء وغيرها من المناطق”. وأضاف المصدر أن الحكومة السورية “منحت المنظمات الأممية المختصة التسهيلات والموافقات اللازمة للقيام بمهامها الإنسانية، كما تواصل القوافل الوطنية والإغاثية السورية عملها بشكل منتظم بما يعكس التزام الجمهورية العربية السورية بتأمين الاحتياجات الإنسانية بالتعاون مع شركائها الدوليين”.
من جهتها، نقلت “الإخبارية السورية” عن مصدر حكومي أن اجتماع باريس أمس الأول جرى بين الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، وأكد اللقاء “التمسك بوحدة الأراضي السورية ورفض أي مشاريع تستهدف تقسيمها”. وقال المصدر إنه “جرى التطرق إلى الأوضاع الإنسانية في الجنوب، واتفق الجانبان على ضرورة تكثيف المساعدات الموجهة لأبناء السويداء والبدو، للتخفيف من وطأة الظروف المعيشية الصعبة”. وأشار إلى التشديد على “ضرورة التوصل إلى آلية واضحة تعيد تفعيل اتفاق وقف الاشتباك الموقَّع عام 1974، بما يضمن وقف التوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية ويؤسس لبيئة أكثر استقراراً”. واختتم اجتماع باريس بالتأكيد على “التزام الجانبين بالعمل من أجل خفض التصعيد في الجنوب، منعاً لانزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة”، بحسب “الإخبارية”.
وفي حين ذكر مراسل موقع أكسيوس الأميركي باراك رافيد أن هذه “المرة الثانية خلال شهر التي يلتقي فيها ديرمر والشيباني برعاية أميركية”، لفت إلى أنّ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحاول “التوسط بين إسرائيل وسورية للتوصل إلى اتفاق بشأن إنشاء ممر إنساني (وليس معبراً) من إسرائيل إلى مدينة السويداء جنوبي سورية، لتقديم المساعدة إلى الطائفة الدرزية هناك”، الأمر الذي تم تتطرق إليه “سانا”.
من جهته، قال موقع “واينت” العبري إن لقاء باريس الثلاثاء كان من المقرر أن يُعقد الأسبوع الماضي، إلا أن وزير الخارجية السوري أوضح أنه بحاجة إلى “إجراء نقاش معمّق إضافي” قبل اللقاء، وطلب تأجيله لبضعة أيام، حتى انعقد فعلياً أمس الأول. كما تبيّن، وفق الموقع العبري، أن إسرائيل تلقت رسالة تفيد بأن تنظيمات إرهابية في جنوب سورية تستعد لاستغلال “الممر الإنساني” بين هضبة الجولان ومنطقة السويداء لتهريب أسلحة ومواد متفجرة. وزعم “واينت” أن اللقاء عُقد بعد أن رفضت عمّان طلباً إسرائيلياً لنقل الغذاء والأدوية والمعدات الطبية إلى الدروز في محافظة السويداء. وسبق لقاء الشيباني وديرمر مساء الثلاثاء، لقاء جمع برّاك بالزعيم الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل، الشيخ موفق طريف، والذي يدفع باتجاه فتح “ممر انساني” ما بين هضبة الجولان السورية المحتلة ومحافظة السويداء.
وقال برّاك في حسابه على منصة إكس أول من أمس “عقدتُ اجتماعًا ودّيًا ومثمرًا مع الزعيم الروحي للدروز في إسرائيل، الشيخ موفق طريف وفريقه. ناقشنا الوضع في السويداء وسبل توحيد مصالح جميع الأطراف، وخفض التوترات، وبناء التفاهم”.
كما نقلت قناة i24NEWS الإسرائيلية عن “مصدر رفيع المستوى ومطلع” على تفاصيل اللقاء بين طريف وبرّاك أن “أبناء الطائفة الدرزية، بقيادة الشيخ طريف، خرجوا من اللقاء بانطباع إيجابي”. بحسب المصدر “ركز الاجتماع بشكل أساسي على فتح الممر الإنساني، وأعرب الأميركيون عن التزامهم بالتعمق في الحدث ومعالجته”. ووفقاً للمصدر نفسه “هذا حدث مهم، لأنه للمرة الأولى يستمع مسؤولون مؤثرون عالميا ويعترفون بأبناء الطائفة الدرزية بما هي جهة مركزية. بالإضافة إلى ذلك، يمنح هذا التحرك شرعية للاعتراف بأن القضية واسعة النطاق وليست مجرد نزاع داخلي”.
وفيما ركزت التسريبات الإسرائيلية على “الممر الإنساني”، فإنه ينظر بخطورة إلى تداعيات خطوة كهذه إن تمت. ويقتضي فتح الممر، عبور محافظة درعا المتاخمة للسويداء من الجهة الغربية، وهو ما يحمل الكثير من المخاطر الأمنية في ظل رفض شعبي في هذه المحافظة لأي محاولة من شأنها تسهيل فتح ممر بري عبرها إلى السويداء، يمكن أن تستغله إسرائيل للوصول إلى العمق السوري.
السويداء ملف تفاوضي
وتتهم فعاليات دينية في المحافظة الحكومة بمحاصرة السويداء منذ أكثر من شهر، ما تسبّب بكارثة إنسانية تتفاقم يومياً مع انقطاع في العديد من الأدوية تحديداً للأمراض المزمنة، بينما تنفي الحكومة هذه الاتهامات، وتؤكد أن أطرافاً مرتبطة بإسرائيل هي من دفعت الأوضاع في الجنوب السوري إلى هذا المآل بسبب رفضها كل الحلول التي تقدمت بها الحكومة لمعالجة ملف المحافظة بشكل سلمي. وأعلنت الحكومة عن لجنة للتحقيق وتقصي الحقائق عن الأحداث التي عصفت بالسويداء، إلا أن الفعاليات الدينية والمجتمعية في السويداء رفضت التعاطي معها، مطالبة بلجنة تحقيق دولية. وجرت قطيعة كما يبدو كاملة بين الحكومة السورية والشيخ حكمت الهجري، أحد مشايخ العقل في الطائفة الدرزية. ومنذ استلام الإدارة الجديدة زمام الأمور في البلاد أواخر العام الماضي، مرت العلاقة بين دمشق والسويداء بالعديد من المنعرجات التي أدت في النهاية إلى مشهد متأزم تشابكت خيوطه.
وبرز إعلان صادر عن “التجمع المدني في جرمانا” أعرب عن القلق من “التظاهرة التي خرجت في مدينة السويداء، ورُفع فيها العلم الإسرائيلي، في مشهد لا يمكن تجاهل رمزيته ولا التقليل من خطورته”، لكنه شدد على أنه “لا يجوز أيضاً إسقاطه من سياقه الاجتماعي والسياسي العميق”. وأضاف أن “رفع هذا العلم لا يُقرأ على أنه خيانة ولا تحوّل في الهوية والانتماء، بل بما هو صرخة رمزية عنفها في معناها أكثر من كونه في شكلها. هو احتجاج على دولة فقدت توازنها مع مواطنيها، وانهارت الثقة بينها وبين مكوّن أساسي من مكونات المجتمع السوري”. ورفض التجمع “أي قراءة طائفية لهذا الحدث. فالدروز لم يكونوا يوماً أقلّ وطنية أو انتماءً، بل كانوا في مقدمة النضال الوطني السوري منذ الثورة ضد الاستعمار وحتى اليوم”. وشدد على أن “ما جرى في السويداء لا يمثل كل أبناء المحافظة، ولا يعكس رغبة في تبعية أو انفصال، بل هو فعل احتجاجي استثنائي أمام انسداد الأفق وغياب الدولة الحاضنة، وهو ما نعتبره لحظة إنذار وطني حادّة، يجب عدم التعامل معها بالأمن والعصا الغليظة، بل بالفهم والمعالجة السياسية والاقتصادية والاجتماعية”. وإذ شدد التجمع على رفض رفع غير العلم السوري في سورية كلها، أكد “ضرورة أن تتحمل الدولة مسؤولياتها كاملة بمحاسبة كل المتورطين في الانتهاكات من أي طرف كان وبضرورة فتح طريق دمشق السويداء فوراً وتأمينه تمهيدا لعودة الحركة العادية والتجارية للمحافظة والعمل مع كافة الأطراف على إنهاء ملف المخطوفين والمفقودين”. وختم بالقول “إن تجاهل هذا الحدث أو الرد عليه بالوعيد والاتهام، لن يفضي إلا إلى مزيد من الانهيار”.
وقال الباحث السياسي زيدون الزعبي، لـ”العربي الجديد”، إن الطرف الذي يرفض الحوار “يتحمّل مسؤولية تحويل ملف السويداء إلى مشكلة عصية على الحلول الوطنية”، مضيفاً أنّ “رفض الحوار خيار انتحاري. الطرفان معنيان بالحوار والحوار فقط”.
وتعليقا على اجتماع باريس أمس الأول الثلاثاء، رأى الأكاديمي المنحدر من السويداء يحيى العريضي، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “الطريق بين دمشق والسويداء أقصر، وأقل كلفة من الذهاب باتجاه باريس وباكو وتل أبيب”. وتابع: “إنه أقل كلفة من ارتكاب جرائم حرب، وأخف وطأة على السوريين من أخذ التعليمات الإسرائيلية، وبرعاية أميركية، وبشكل علني”. وأشار إلى “أن السويداء وأهلها جزء من سورية”، مضيفاً: “السويداء محاصرة؛ الأمر الذي استوجب إنقاذ هؤلاء السوريين بممر إنساني، وبالفعل الإسرائيلي، والرعاية الأميركية، والشهادة الفرنسية”. وتساءل: “بعد كل هذا، كيف يمكن المطالبة بالجولان السوري المحتل؟ أو العودة إلى اتفاقية 1974؟ والسؤال الأهم: لماذا يحدث كل ذلك؟”.
إلى ذلك، أبدى المحلل السياسي عبد الكريم العمر، في حديث مع “العربي الجديد”، أسفه لـ”تحوّل ملف داخلي سوري إلى ورقة تفاوضية مع جهة إقليمية وتحديداً إسرائيل”، مضيفاً: “كان يمكن أن يكون ملفاً وطنياً يُحل عن طريق الحوار مهما كانت علاقة مجموعات بالسويداء مع إسرائيل”. وتابع: “كان بإمكان الحكومة السورية سحب البساط من تحت أولئك الذين يتآمرون على البلاد في السويداء ومن تحت أقدام إسرائيل. مؤسف الحديث عن معبر إنساني بين إسرائيل والسويداء”. وأشار إلى أن هناك بالفعل مجموعات في السويداء “رفضت الحوار وانقلبت على الاتفاقات مع الحكومة”، لكنه لفت إلى أن “الوقت لم يفت بعد لفتح حوار جديد بين الدولة وكل الأفرقاء في السويداء من أجل التوصل إلى حلول وطنية كيلا يتم تدويل أي ملف داخلي. على الحكومة ترتيب الأوراق من جديد ليعود ملف السويداء ملفاً وطنياً بعيداً عن إسرائيل التي تستغل هذا الملف لفرض إملاءات وشروط على الحكومة”.
العربي الجديد
—————————-
نصٌ بلا عنوان/ مضر رياض الدبس
2025.08.21
إنني أشعر بالخجل من نقاش انفصال مدينةٍ سوريةٍ وكأنه أمرٌ طبيعي ونقاشٌ مُمكن. ولأن هذا النص يناقش تلك المسألة، رأيتُ، من فرط خجلي، أن أتركه كما ينبغي أن يكون: نصٌ بلا عنوان. الخجلُ من العنوان، هو خجلٌ من أطفالنا السوريين عندما يكبرون، هذا إنَّ تركناهم يكبرون بسلام، وقد يقع بعضهم مصادفةً على نصٍ مثل هذا.
وفي الوقت الذي أدرك شخصيًا أنّه لا يحق لي الكلام باسم السوريين، ولا باسم أي فردٍ، أو جماعةٍ منهم؛ فإنِّي أمنح نفسي حقَّ الخجل باسمهم جميعًا، لأننا كلنا مسؤولون عن الوصول إلى هذه النقطة، وهو خجلٌ أُعبِّر عنه بتغييب العنوان، نتيجة قلِّة حيلتنا وضعف قدراتنا على تغيير الموضوع. ويدل الضمير المتصل “نا” هنا، وفي هذا النص كله على الجماعة السورية، حيثما ورد.
السويداء سوريَّةٌ بالبداهة، لكن، على أيَّة حال، لا ضير في نقاش تلك البداهة في هذه الأيام الغريبة والعجيبة. ويفرض سياق الغرابة والعجب قولٌ تمهيديٌ ثانٍ، قبل البدء بالنقاش، على النحو الآتي: القول بأن السويداء سورية لا يعني، في أي حالٍ من الأحوال، إنكار أنها قد تعرضت لمجزرة، وسلوكيات قتلٍ وتنكيلٍ طائفي أقل ما يقال فيها أنَّها مشبعة بالحقد، ولا يمكن للإنسان المتوازن سياسيًا وإنسانيًا أن يتجاهلها، ولا أن يسوِّغ حدوثها، أو يلتمس الأعذار لمرتكبيها؛ فهي فعلُ شرٍّ مطلق، لا يدافع عنه إلا شرير، غير أن العقل يمكن أن يقول أنا لن أكون مع المجزرة، ولا مع السلطة، ولكنّي لست مع “الدرزية السياسية”، ولا مع التعامل مع إسرائيل، ولا مع قتل البدو الأبرياء أو تهجيرهم؛ فالقاعدة الأصيلة تقول: إن الشرَّ لا ينتصر على الخير إلا إذا صنع منه شرًّا مقابلًا، والطائفي لا ينتصر على الإنسان، إلا إذا تحوَّل الأخير إلى طائفيٍّ مثله، وكذلك لا ينتصر قتلة الإنسانية في السويداء، إلا إذا ساد العنف فيها منهجًا، وغاب عنها التفكير. إن هؤلاء القتلة وقد خرجوا من مفهوم الإنسان، لا يُكفى شرّهم في حالة السويداء إلا بالعقل والإنسانية، وبالتحالف مع السوريين، الذين لا يزالون مفعمين بالعقل والإنسانية والطموح إلى حياة كريمة؛ تلك هي قوة الحق في نهاية المطاف. ومن جهةٍ أخرى، فإنَّ أحداثًا، بالحجم الذي جرى في السويداء، ليست إلا صورةً للدولة في المرآة، ومن ثم للمجتمع السوري في المرآة. نحن السوريين، عندما ننظر إلى السويداء هذه الأيام، لا نكون نرى سوى ذاتنا السورية المُهمَّشة منعكسةً فيها؛ ذاتٌ لو عالجت جراحها بهدوءٍ وتفاؤل، لكان ذلك، من دون شك، أفضل من التفكير في كسر المرآة.
مؤسفٌ أنَّ كلَّ ذلك ينتمي إلى حقبة ما بعد الأسد! وبعد هذا التقديم نبدأ النقاش.
سوريَّةُ السويداء، ووهم انفصالها، يستند إلى أسبابٍ منطقية وعقلانية يمكن تكثيفها في خمس نقاطٍ موضوعية، على النحو الآتي:
أولًا: توقيت هذا النقاش الآن غير ملائم؛ فالسويداء اليوم بيت عزاءٍ مفتوح، والحديث عن الانفصال في زمن المأتم فكرةٌ قد تكون مفتعلةً لطرح موضوعٍ لا يقبل الناس طرحه في وقتٍ آخر؛ فالمأتم ليس لقاءً ملائمًا للقرارات المصيرية.
ثانيًا: ثمة في العالم حالة أنموذجية لانفصالٍ ناجحٍ ومُفيد، هي تجربة انفصال النرويج عن السويد عام 1905. وتوافرت في تلك التجربة خمسة عوامل حاسمة تجعل منه نموذجًا مرجعيًا لتقويم مدى واقعية أي مشروع انفصالي. سنستعرض هذه العوامل وننظر في مدى توافرها في السويداء، ثم نحكم بعدها على إمكان نجاح هذا الطرح:
1) الإطار القانوني والدستوري: تمَّ انفصال النرويج بوساطة بنية سياسية مؤسسيَّة راسخة، كان في مقدَّمها برلمانٌ نرويجي متمكِّن، وقدرة سياسية متكاملة أهلت البلاد لطرح هذا المشروع وضمان نجاحه، كما جرى الاستفتاء في وقت السلم، وباعترافٍ متبادل. أمّا في السويداء، كما في سوريا عمومًا، فكل شيءٍ حاضر إلا السياسة بالمعنى المؤسسي؛ ومن ثم تغيب كليًا القدرة السياسية والمؤسساتية اللازمة لخوض غمار تحدٍّ بهذا الحجم.
2) الاكتفاء الاقتصادي: كانت النرويج آنذاك قادرة اقتصاديًا على تحقيق الاكتفاء الذاتي، وإدارة تجارتها بفعالية. وهذا ايضًا عامل غير متوافر في السويداء، إلا في حدودٍ عاطفيةٍ مقرونةٍ بخطابٍ يفتقر إلى الدقة العلمية والموضوعية.
3) غياب تهديد أمني مباشر: أنجزت النرويج انفصالها في مناخٍ سلمي، إذ لم يكن ثمة خطر قمعٍ دموي من جانب السويد، بل على العكس، أبدت السويد استعدادًا لقبول هذا الخيار بروحٍ سلمية، وهي التي طالبت بالاستفتاء، أمَّا في سورية، الأمر على النقيض تمامًا؛ فخطوة كهذه ستؤدي بالضرورة إلى حربٍ مدمرة مع السويداء، تحديدًا في ظل الظروف الراهنة.
4) غياب عوامل التشظي الاجتماعي بعد الانفصال: كان النسيج الاجتماعي النرويجي قائمًا على روابط مدينية وفردانية، كوّنت معًا رأس المال الاجتماعي للجماعة، فوفَّرت ضمانةً للاستقرار بعد الانفصال.
وأما عندما تكون الروابط الاجتماعية قبلية، وطائفية، وعائلية؛ فإنَّ الجماعة المنفصلة تصبح عرضةً بالضرورة لصراعاتٍ داخلية دموية، هذا ما حصل في انفصال باكستان عن الهند مثلًا عام 1947، حيث غاب عنها هذا الشرط النرويجي كليًا، ولم تراكم باكستان رأس مال اجتماعي مديني، بل كانت الروابط الدينية هي الأساس في تخيل الجماعة الجديدة.
5) الاعتراف الدولي السريع: لم تُعارض الدول انفصال النرويج، بل سُجِّل الاعتراف به سريعًا. وهذا أمرٌ غير متصوّرٍ في حالة السويداء إلا ضمن نطاق تفكيرٍ متسرِّع، أو في حدود هذيانٍ هويَّاتي يمكن تفهمه نفسيًا بعد مجزرة مروعة، ولكنَّه لا يصلح ليُقدَّم بوصفه طرحًا سياسيًا واقعيًا قابلًا للتحقيق.
إذًا، لا يتوافر في السويداء أيٌ من شروط الانفصال المُفيد، المستخلصة من الحالة الأنموذجية النرويجية.
ثالثًا: الانفصال يخلق بالضرورة بيئة عدائية، وهذا يعني أن الموارد الشحيحة أصلًا ستصرف كلّها على مسائل الدفاع والأمن، ولن يتبقَّى دولارٌ واحد يخصَّص لمدرسةٍ أو مستشفى، وعندها تبدأ دوامة الفقر والجهل والإنهاك الاجتماعي، وستظل السويداء عرضةً للتدخلات الخارجية التي تمنع الاستقرار.
ويقترح كثيرون بأن الانفصال سيوقف الحرب مع المركز، أو ينهي حالة العداء والقتل في المستقبل؛ غير أنَّ السياق التاريخي يثبت أنَّ معظم حالات الانفصال في التاريخ لم تفضِ إلى إنهاء الحرب، بل إلى تجددها من جديد كما في يوغسلافيا السابقة، وباكستان مع الهند. أمّا الحالات النادرة التي حلَّ فيها الانفصال مشكلة العنف، فلها شروطٌ معينة جدًا، ومنها مثلًا استقلال بنغلاديش عن باكستان (1971)، وتيمور الشرقية عن أندونيسيا (2002)، وجنوب السودان عن السودان (2011)، في حالة باكستان وبنغلاديش لم يكن بينهما حدود برية، وكانتا متباعدتين جغرافيًا، وتفصل بينهما الهند الواسعة، الأمر الذي جعل حرب بعد الانفصال غير ممكنة، وفي حالة تيمور الشرقية فقد وافقت الأمم المتحدة في استثناءٍ نادرٍ جدًا على الاستفتاء في تيمور الشرقية استنادًا إلى اساسٍ قانوني هو أن أندونيسيا ضمَّتها إليها بالقوة عام 1976 بعد الاستعمار البرتغالي، وهذا غير متوافر في حالة السويداء أيضًا. وفي حالة جنوب السودان وافقت الدولة الأم، وتمَّ توقيع اتفاقية نيفاشا بشكلٍ مشترك منعَ استمرار الحرب، وهذا غير متوافر في حالتنا أيضًا.
رابعًا: ثمة خطورة حقيقة، لا مجازية، في أيِّ انفصال يستند إلى أساس هوية فرعية؛ إذ إنَّ هذا الفعل يقطع السردية التاريخية المشتركة، ويحوِّل الاختلاف الديني والثقافي إلى حدودٍ هشة أمنيًا، لا تنتج سوى تسييس
الهوية وترسيخ الانغلاق الهوياتي. ولم تنجح دولة واحدة في العالم في تحقيق الانفصال في أثناء العنف، وتحت تأثير الهوية المحلية الضيقة، وإن نجحت شكليًا، فإنّها عانت لاحقًا من تفتّت داخلي مُميت.
خامسًا: النقاش الداخلي السائد في السويداء الآن ينفي الأساس النظري الذي يستند إليه دعاة الانفصال، فالعناوين العريضة التي يقدمونها، مثل الديمقراطية، والعلمانية، والحداثة، والتنمية، والخلاص من مشكلات سورية، لا تجد ما يقابلها في سلوكهم العملي، إذ سرعان ما يظهر التناقض بين الشعار والممارسة؛ فهم لا يحتملون اليوم أيَّ نقدٍ موجّهٍ إلى أفكارهم أو إلى قادتهم، وقد طوَّرا تهمة جاهزة يرمون بها أي مخالف وهي “أنت مع الشرع الذي قتلنا”! لو كان المشروع الديمقراطي في السويداء مُبشرًا بحق لما تمت ممارسة العنف الرمزي ضد أبناء السويداء من الرافضين للانفصال وللتعاون مع إسرائيل. إن هذا السلوك منذ بدايته لا يبشر بالخير، بل باستبدادٍ أيضًا.
أخيرًا، إسرائيل هي الطرف الوحيد الذي يمتلك ما يكفي من قوة الشر، ومن سياسة الشر، لفرض الترويج لهذا الانفصال، وهي أكثر الرابحين منه، غير أنها لن تسمح بحدوثه لأنه سيغذي نزعات انفصالية داخل إسرائيل نفسها مثل بدو النقب وغيرهم، ويظل الخاسر الأكبر في هذا الترويج هم أهالي السويداء جميعًا، من دون استثناء.
تلفزيون سوريا
————————————–
اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل والتوقيع 25 سبتمبر بحضور ترمب/ اسماعيل درويش
سيسبقه بيوم خطاب للرئيس الشرع في نيويورك ضمن مشاركته باجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة
الخميس 21 أغسطس 2025
يجري مسؤولون سوريون وإسرائيليون محادثات بوساطة أميركية في شأن تهدئة الصراع في جنوب سوريا، وأجريت جولة سابقة من هذه المحادثات في باريس في أواخر يوليو (تموز)، لكنها انتهت من دون التوصل إلى اتفاق نهائي.
أفادت مصادر سورية رفيعة المستوى في تصريحات خاصة لـ”اندبندنت عربية” بأن سوريا وإسرائيل ستوقعان اتفاقاً أمنياً برعاية الولايات المتحدة في الـ25 من سبتمبر (أيلول) المقبل.
وأوضحت المصادر أن الاتفاق سيسبقه بيوم الـ24 من سبتمبر خطاب لرئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع في نيويورك، ضمن مشاركته باجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وبحسب المصادر، فإن تل أبيب ودمشق لن توقعا اتفاق سلام شامل في المستقبل القريب وسيقتصر الاتفاق على الجانب الأمني لوقف التوترات بين البلدين.
وكان مصدران سوريان مطلعان أفادا بأن وزير الخارجية أسعد الشيباني اجتمع مع وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر في باريس، لمناقشة ترتيبات أمنية في جنوب سوريا.
يجري مسؤولون سوريون وإسرائيليون محادثات بوساطة أميركية في شأن تهدئة الصراع في جنوب سوريا، وأجريت جولة سابقة من هذه المحادثات في باريس في أواخر يوليو (تموز)، لكنها انتهت من دون التوصل إلى اتفاق نهائي.
وذكرت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) أن الشيباني اجتمع مع وفد إسرائيلي أول أمس الثلاثاء، لكنها لم تذكر ديرمر.
وأضافت الوكالة أن النقاشات تركزت على “خفض التصعيد وعدم التدخل بالشأن السوري الداخلي، والتوصل إلى تفاهمات تدعم الاستقرار في المنطقة، ومراقبة وقف إطلاق النار في محافظة السويداء”.
وتناول الاجتماع أيضاً إعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك بين إسرائيل وسوريا الموقعة عام 1974، التي أنشئت بموجبها منطقة عازلة تحت إشراف الأمم المتحدة في هضبة الجولان.
وقبل أيام أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن معركة توحيد بلاده بعد أعوام من الحرب “يجب ألا تكون بالدماء والقوة العسكرية”، رافضاً أي تقسيم، ومتهماً إسرائيل بالتدخل في الجنوب.
وقال خلال جلسة حوارية مع عدد من وجهاء محافظة إدلب في حضور وزراء وسياسيين بثها التلفزيون الرسمي ليل السبت الأحد، “أسقطنا النظام في معركة تحرير سوريا ولا يزال أمامنا معركة أخرى لتوحيد سوريا، ويجب ألا تكون بالدماء والقوة عسكرية”، مؤكداً إيجاد آلية للتفاهم بعد سنوات منهكة من الحرب.
وأوضح الشرع “لا أرى أن سوريا فيها أخطار تقسيم (…) هذا الأمر مستحيل”. وتابع “بعض الأطراف تحاول أن تستقوي بقوة إقليمية، إسرائيل أو غيرها، هذا أمر صعب للغاية ولا يمكن تطبيقه” في إشارة إلى مطالب بعض الدروز في السويداء بالتدخل الإسرائيلي.
—————————-
المحادثات السورية-الإسرائيلية: لا لتموضع حزب الله وإيران
الخميس 2025/08/21
نقلت صحيفة “هآرتس” العبرية عن مصادر مطلعة، قولها إن المحادثات السورية-الإسرائيلية تهدف بشكل رئيسي لمنع تموضُع حزب الله، أو القوات الإيرانية، أو أي قوة معادية لإسرائيل، في جنوب سوريا، مؤكدةً إعداد مسودة لفتح ممر من إسرائيل إلى الدروز في السويداء.
والثلاثاء، التقى وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية رون ديرمر مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في العاصمة الفرنسية باريس، كما جرى لقاء آخر بين الزعيم الروحي للدروز في إسرائيل موفق طريف، والمبعوث الأميركي توم باراك.
تقاطع المصالح
وقالت الصحيفة إن اللقاءات تشير إلى أن المنطقة أصبحت ساحة تتقاطع فيها المصالح الأمنية والسياسية لكل من إسرائيل والولايات المتحدة، وهو ما قد يحولها إلى نموذج نادر من التعاون بين خصمين لدودَين (إسرائيل وسوريا).
لكنها اعتبرت أن في حال فشلت الجهود الدبلوماسية واستمرت الاضطرابات في المنطقة، فقد يتطور الوضع إلى تصعيد يتجاوز الحدود الإسرائيلية، لافتةً إلى أن الدور الأميركي في المحادثات يدل على رغبة واشنطن في بلورة النظام السوري الجديد هناك، فيما تسعى تركيا ايضاً لتعزيز نفوذها في سوريا.
تغطية غير مسبوقة
وقالت الصحيفة إن ديرمر سبق أن التقى الشيباني، في تموز/يوليو الماضي، بوساطة من باراك، لمناقشة الترتيبات الأمنية بين سوريا وإسرائيل والنشاط العسكري الإسرائيلي في سوريا، لكن اللقاء الجديد حظيَ بتغطية غير مسبوقة من الإعلام الرسمي السوري.
ونقلت عن مصادر مطلعة على تفاصيل المحادثات، قولها إن الهدف الرئيسي منها هو منع تموضُع حزب الله، أو القوات الإيرانية، أو أي قوة معادية لإسرائيل، في جنوب سوريا، مضيفةً أن من بين الأفكار التي طُرحت عدم وجود الجيش السوري في المنطقة الحدودية، إنما قوات أمنية أُخرى مزودة بسلاح خفيف يقتصر دورها على حفظ النظام.
واعتبرت الصحيفة أن المحادثات تشكل من منظور الإدارة السورية الجديدة، “فرصة” لفتح قناة اتصال مع إسرائيل، وكذلك لتعزيز العلاقات مع واشنطن، لكن أي تنازلات من الرئيس السوري أحمد الشرع، “قد تُفسر داخلياً بأنها خيانة، وهو ما قد يُضعف شرعية حُكمه”.
من جهة إسرائيل، التي يسيطر جيشها حالياً على أجزاء من منطقة الحدود، فإنها لا ترغب في تحمُّل مسؤولية السكان هناك، وتسعى لإعادتها إلى سلطة دمشق.
ممر للسويداء
وأشارت الصحيفة إلى أن طريف حضر اجتماع الشيباني- ديرمر في باريس، فيما أوضحت أن اللقاء الأخر بين طريف وباراك ركّز على التوتر في محافظة السويداء. ونقلت عن مصادر مطلعة، أن النقاش مع باراك ركّز بشكل أساسي إنشاء ممر إنساني بين سورية وإسرائيل، يسمح بإيصال مساعدات دولية إلى الدروز في المحافظة.
وأضافت المصادر أن “مسودّة أولية أُعدّت فعلاً، وانصب النقاش على آليات تنفيذها بإشراف أميركي. وإذا ما تحقق هذا المشروع، فسيكون اختباراً لقدرة سوريا على التعاون مع إسرائيل”.
وأكد مقربون من باراك، أن “الولايات المتحدة تواصل دعم كل جهد يقود إلى الاستقرار والسلام الدائم بين إسرائيل وجيرانها”. وأضافوا أن هذا الدعم يتماشى مع “رؤية الرئيس دونالد ترامب لشرق أوسط مزدهر، تكون فيه سوريا مستقرة، وفي سلام مع نفسها، ومع جيرانها، ومن ضمنهم إسرائيل”.
المدن
—————————-
لقاء باريس السوري – الإسرائيلي: جدل حول حدود “الواقعية السياسية” ونتائجها/ أغيد حجازي
21 أغسطس 2025
أعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا”، يوم الثلاثاء الماضي، أن وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني التقى في العاصمة الفرنسية باريس وفدًا إسرائيليًا، لمناقشة ملفات متصلة بالاستقرار في المنطقة والجنوب السوري. وأكدت أن اللقاء جرى بوساطة أميركية، ضمن جهود دبلوماسية تهدف إلى تعزيز الأمن والحفاظ على وحدة الأراضي السورية.
غير أن الإعلان المفاجئ أثار موجة واسعة من الجدل في الأوساط السورية والعربية، إذ رآه البعض اعترافًا بشرعية الاحتلال الإسرائيلي وتجاوزًا للثوابت الوطنية، فيما اعتبره آخرون براغماتية سياسية.
اللقاء استمرار لمسار التطبيع الأمني
قال الكاتب والمحلل السياسي محمد هويدي لـ”الترا سوريا” إن اللقاء الحالي يُعتبر الثالث أو الرابع في مسار المحادثات، لكنه الأول الذي جرى الإعلان عنه رسميًا عبر وكالة سانا، موضحًا أن الإعلان جاء استكمالًا لسلسلة اللقاءات السابقة، وتحديدًا بعد اجتماع أذربيجان الذي خرجت منه – بحسب وصفه – السلطة المؤقتة بمفاهيم خاطئة، وأقدمت على عملية السويداء.
وأضاف هويدي أن تفاهمات الأردن، التي جمعت بين المبعوث الأميركي باراك ووزير الخارجية الأردني الصفدي ووزير الخارجية السوري الشيباني، مهّدت لعقد لقاء باريس، مشيرًا إلى أن الرعاية الأميركية جاءت مشفوعة بشروط إسرائيلية واضحة، من أبرزها إقامة ممر إنساني وتثبيت منطقة عازلة في الجنوب منزوعة السلاح. ورأى أن هذه الترتيبات تندرج في إطار مسار التطبيع الأمني والتنسيق المباشر بين السلطة المؤقتة وإسرائيل.
وأشار هويدي إلى أن الإعلان في الأنظمة الديمقراطية يُعد شكلًا من الشفافية السياسية، حيث تسعى الحكومات إلى إظهار أنها لا تعمل في الخفاء، خصوصًا في القضايا الحساسة. لكنه اعتبر أن الحالة السورية مختلفة، إذ إن السلطة المؤقتة أُجبرت – وفق تقديره – على الإعلان نتيجة التسريبات السابقة وضغوط من قوى داخلية وخارجية، أرادت من خلاله إرسال رسائل مزدوجة: إلى أهالي السويداء بأنها قادرة على تجاوزهم عبر التواصل المباشر مع إسرائيل، وإلى المجتمع الدولي بأنها طرف منخرط وموثوق في المفاوضات مع تل أبيب.
ومن جهة أخرى، قال الباحث في الشؤون الدولية إسماعيل أحمد ديوب إن الإعلان الرسمي عبر الوكالة السورية للأنباء، مع انطلاقتها الجديدة، يُعدّ انتقالًا سرديًا في طريقة عرض المجريات والأحداث السياسية للدولة، مشيرًا إلى أنه يمكن اعتباره انعكاسًا لتحول في السياسة الخارجية، حيث بدأت الدولة تجد أن الواقعية في الطرح باتت ضرورة سيادية.
وأوضح ديوب لـ”الترا سوريا” أن الإعلان الرسمي واللقاء المباشر جاءا ليكسرا ليُعيدا تعريف السياسة الإعلامية أولًا والسياسية ثانيًا، ولا سيما تجاه إسرائيل في ظل الظروف القاهرة. وذكّر بأن ملف التطبيع مع إسرائيل كان في صدارة الشروط الأميركية الخمسة التي نُقلت إلى سوريا.
ورأى ديوب أن هذا الانتقال له ثمنه بالطبع، وقد يؤثر سلبًا على موقف ومكانة الدولة السورية التي وصفها اليوم بأنها “طرف في صفقة وليست حاملة للواء”.
مطالب إسرائيلية صارمة
وقد نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” في وقت لاحق، بعد سلسلة من التسريبات الإعلامية الإسرائيلية وما جرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي بعد اجتماع باريس، عن مصدر حكومي قوله إنه لم يتم التوصل إلى أي اتفاق لفتح ممر إنساني عبر الحدود، مؤكّدًا أن المساعدات الإنسانية تُقدَّم حصريًا بالتنسيق المباشر مع مؤسسات الدولة في العاصمة دمشق.
وأوضح المصدر أن هذا الإجراء يأتي حرصًا على ضمان وصول المساعدات بشكل آمن ومنظّم إلى جميع المستحقين، بما في ذلك محافظة السويداء وسائر المناطق السورية.
وفي المقابل، قال الكاتب والمحلل السياسي محمد هويدي إن المطالب الإسرائيلية لا تحتمل اللبس، مشيرًا إلى أنها تتضمن ممرًا إنسانيًا، وتثبيت وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، وإقامة منطقة منزوعة السلاح في الجنوب تخضع عمليًا لسيطرة أمنية وعسكرية واستخباراتية إسرائيلية.
ورأى أن مسار السلطة المؤقتة منذ دخولها دمشق بعد سقوط النظام كشف توجّهًا واضحًا نحو عقد سلام مع إسرائيل، بدءًا من تسليم وثائق تخص الجاسوس إيلي كوهين، مرورًا بالتحقيق مع قيادات فلسطينية واعتقال البعض منهم، وصولًا إلى تصريحات متكررة تنسف الموقف السوري التقليدي من القضية الفلسطينية. معتبرًا أن السلطة المؤقتة لا تمتلك أوراق ضغط، وكل ما تقوم به يهدف فقط إلى كسب رضا إسرائيل لتحافظ الحكومة المؤقتة على حكمها.
وأضاف هويدي أن السلطة السورية المؤقتة تحاول تقديم نفسها كحليف لإسرائيل من خلال براغماتية سياسية، لكنه أكد أن هذا لا يُعدّ تفاوضًا بين ندّين، بل خضوعًا للإملاءات الإسرائيلية، خاصة في ظل استمرار مشاريع الاستيطان في الجولان السوري وتوسع الاعتقالات في الجنوب. ووصف المشهد بأنه أقرب إلى “كوميديا سوداء”، مؤكدًا أن المفاوضات لن تغيّر واقع الاحتلال الإسرائيلي على الأرض السورية.
وأشار ديوب إلى أن اللقاء المباشر جاء بعد انتهاكات صارخة للسيادة السورية من قبل إسرائيل، تمثلت – بحسبه – في قصف مبنى هيئة الأركان وهدف آخر بالقرب من قصر الشعب، إلى جانب اختراق بعض المستوطنين الإسرائيليين للسياج الحدودي ودخولهم الأراضي السورية.
وختم ديوب بالإشارة إلى أن الإعلان الرسمي عبر الوكالة السورية هو محاولة من الإدارة السورية للسيطرة على الرواية أولًا بما يخفف من ردود فعل الداخل، لكنه سياسيًا قد يهدد مجددًا الشرعية الداخلية للإدارة ويدخلها في جدالات مع الفواعل الإقليمية المنافسة لإسرائيل، وهو ما قد يضعها في موقف لا تُحسد عليه.
الترا سوريا
—————————
خطف على «الممر الآمن» إلى السويداء
اعتداءات متكررة تؤدي إلى تغيير طريق دخول قوافل الإغاثة إلى المحافظة
20-08-2025
بعد الهجمات المسلحة من جانب قوات تابعة للسلطة الانتقالية ومسلحين عشائريين، والاشتباكات والأيام الدموية التي شهدتها محافظة السويداء في أواسط تموز (يوليو) الماضي، ما زال الأهالي يعانون من التضييق والحصار. وعلى الرغم من محاولات إدخال المساعدات عبر قوافل الهلال الأحمر وغيرها من المبادرات، بقيت احتياجات السكان كبيرة، خصوصاً النازحين.
من مدينة جرمانا، بادرت مجموعات أهلية إلى جمع التبرعات وتوفير المواد الطبية والغذائية والاحتياجات الأساسية. وكان من بين المتطوعين عابد أبو فخر، فداء عزام، سمير بركات، يامن الصحناوي، ورضوان الصحناوي. غير أنّ رحلتهم الإنسانية تحوّلت إلى مأساة بعد أن اختطفتهم مجموعة مسلّحة أثناء توجههم مع قافلة إغاثية عبر طريق دمشق-درعا باتجاه السويداء، وما يزال مصيرهم مجهولاً حتى اليوم، رغم أنّ عملية الاختطاف جرت قرب حاجز يتبع للأمن العام وفي منطقة خاضعة لسيطرة السلطات السورية.
القافلة الإنسانية التي ضمّت المتطوعين الخمسة انطلقت في 11 آب (أغسطس) من مدينة جرمانا، محمّلة بالمواد الطبية والغذائية والملابس وحليب الأطفال، برفقة قافلة إغاثية تابعة للهلال الأحمر السوري، وبعد استكمال جميع الموافقات الرسمية وفق ما أكدت عائلاتهم. وعند وصول القافلة إلى ممر بصرى الشام، وبالقرب من حاجز للأمن العام، اعترضتها مجموعة مسلّحة صادرت الحمولة واحتجزت الفريق التطوعي، المعروف بانخراطه الطويل في العمل الإغاثي والإنساني بمناطق سورية مختلفة.
للمختطفين تاريخ في العمل الإغاثي والإنساني:
– عابد أبو فخر: متطوع سابق في الهلال الأحمر وناشط في العمل الإغاثي.
– سمير بركات: مدرس وموجّه سابق، وعضو في لجنة وقف جرمانا.
– فداء عزام: متطوع سابق في الهلال الأحمر ومساهم في المبادرات الإغاثية والإنسانية.
– يامن الصحناوي: صاحب فرن في حي النهضة في جرمانا، وله مساهمات إنسانية وإغاثية.
– رضوان الصحناوي: مُتبرع ومساهم في المبادرات الخيرية والإنسانية في جرمانا.
لاحقاً، ظهرت تسجيلات مصوّرة للمخطوفين، ظهر في أحدها عابد أبو فخر وهو يقول إن القافلة «كانت تحمل مواد تجارية لا مساعدات»، غير أنّ هذا التصريح صدر عن شخص مخطوف يُحتمَل أنه تحدّثَ تحت تهديد السلاح. ومن واجب السلطات الأمنية تتبع مصدر هذه التسجيلات لتحديد هوية الجهة الخاطفة والعمل على تحرير المختطفين العاملين في المجال الإنساني.
وفي تسجيل آخر، ظهر ثلاثة من المختطفين (عابد، سمير، وفداء) مع شخصين مجهولين مجتمعين حول طبق طعام، بينما كان المصوّر يؤكد أنّ عملية الاختطاف هدفت إلى مبادلتهم بأشخاص محتجزين في السويداء.
وعقب نشر التسجيل، أصدرت عائلة الصحناوي بياناً أوضحت فيه إلى أنّ يامن ورضوان الصحناوي لم يظهرا فيه، محمّلة السلطات السورية كامل المسؤولية عن سلامتهما وسلامة رفاقهما. بدوره، أدان التجمع المدني في جرمانا، الذي يضم عدداً من وجهاء المدينة وفعالياتها الاجتماعية والثقافية، وعدداً من التجمعات المحلية الأخرى حادثة الاختطاف، واعتبروها اعتداءً صارخاً على حق المدنيين في الحصول على المساعدات الإنسانية. وأكد التجمّع أن القافلة كانت مُرخّصةً ورسمية، تسير برفقة الهلال الأحمر السوري، ما يجعل استهدافها انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني.
وفي ظل تدهور الأوضاع الإنسانية وشح المواد الأساسية في السويداء، دخلت يوم أمس إلى المحافظة قافلة إغاثية تضم نحو 15 شاحنة محملة بمساعدات ومواد غذائية من منظمات أممية وتبرعات، وذلك بمرافقة سيارات للأمم المتحدة والهلال الأحمر. وقد سلكت هذه القافلة طريقاً جديداً إلى السويداء هذه المرّة، إذ دخلت من طريق بصر الحرير-ولغا، المعروف بطريق الشام القديم، وليس من طريق بصرى الشام الذي عُرف خلال الفترة الماضية بـ«الممر الإنساني» وشهد جرائم الخطف والقتل التي استهدفت مدنيين وعمال إغاثة وقوافل إغاثية، إذ لم يكن اختطاف المتطوعين الخمسة هو الاعتداء الوحيد على ذلك الطريق.
وبينما تنفي السلطة المركزية في دمشق جميع الاتهامات بأنها تفرض حصاراً على السويداء، فإنها ما تزال تقطع طريق دمشق السويداء الرئيسي الذي تسيطر عليه تماماً، ولا تعمل على تأمين طريق «بصرى الشام» عبر محافظة درعا الذي يُفترض أنه كان بديلاً آمناً عن طريق دمشق الرئيسي، فيما وقعت جميع الاعتداءات وأعمال الخطف التي شهدها الطريق مؤخراً في مناطق خاضعة لسيطرتها.
موقع الجمهورية
——————————-
مثلث سوريا- لبنان- إسرائيل: شروط دمشق “الصعبة” على بيروت
الخميس 2025/08/21
لم يكن أمراً تفصيلياً أن تعلن وكالة سانا الرسمية خبر اللقاء بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر في باريس. هذا حتماً ليس اللقاء الأول. لكن إعلانه رسمياً له الكثير من المؤشرات والدلالات التي لا بد من التوقف عندها، لا سيما على أبواب التحضير لمشاركة الرئيس السوري أحمد الشرع في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، واللقاءات التي سيعقدها، وسط محاولات أميركية لتأمين عقد لقاء أو إجراء مصافحة أو حتى إلقاء سلام بين الشرع ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. يأتي ذلك في ظل تسارع وتيرة اللقاءات الأميركية- السورية، والأميركية- الإسرائيلية لتحقيق تقدم في مسار الوصول إلى تفاهم حول الترتيبات الأمنية بين الجانبين.
إطلاق الموقوفين هو المدخل
على المستوى السياسي تتوزع اهتمامات دمشق على ملفات متعددة. أهمها الوصول إلى حلّ ومعالجة لمشكلة السويداء، والوصول إلى إطار لتطبيق اتفاق 10 آذار بين الحكومة السورية من جهة وقوات سوريا الديمقراطية من جهة أخرى. وتُبذل جهود كثيرة للوصول إلى حلول سياسية وتجنّب الضغط العسكري أو المعارك أو المواجهات. والملف اللبناني يبقى حاضراً بالنسبة إلى دمشق، وسط استعداد لتطوير العلاقات وتحسينها وتفعيل العمل الديبلوماسي بين البلدين. وهو ما تعتبر سوريا أن المدخل الفعلي إليه ينطلق من خلال معالجة ملف الموقوفين الإسلاميين في السجون اللبنانية.
في هذا السياق، تكشف مصادر متابعة أن سوريا تولي اهتماماً كبيراً لملف الموقوفين، وتسعى إلى إطلاق سراحهم جميعاً، كمدخل فعلي لتطوير العلاقة. وتؤكد المصادر أن دمشق كانت تنتظر من لبنان مبادرة حسن نية في إطلاق سراح هؤلاء الموقوفين، من دون الحاجة إلى المطالبة بهم، ولكن لبنان رفض ذلك واعتبر أنه لا بد من وضع إطار قانوني لهذه المعضلة. ويتوزع الموقوفون السوريون في لبنان على ثلاثة أقسام: الأول، للمحكومين بجنح. والثاني، للمحكومين بجنايات. والثالث، لغير المحكومين. دمشق تطالب باسترداد الجميع ومحاكمتهم أو قضاء محكومياتهم في سوريا.
وفد سوري إلى بيروت الأسبوع المقبل
وحسب المعلومات، فإن دمشق شكلت وفداً يضم مسؤولين من وزارات الخارجية، الداخلية، العدل، والداخلية والاستخبارات لزيارة لبنان خلال الأسبوع المقبل، من أجل البحث في توقيع اتفاقية تسمح بنقل الموقوفين إلى داخل سوريا. وفي دمشق أيضاً، هناك حرص على موقوفين لبنانيين ناصروا الثورة السورية، وهي تعتبر أن توقيفهم جاء بسبب مناصرتهم للثورة، وحان الوقت لإطلاق سراحهم ما دامت هذه الثورة قد انتصرت.
في الموازاة، فإن الوفد سيبحث في ملفات أخرى، من بينها معالجة آليات الدخول والخروج للسوريين إلى لبنان، وإحسان معاملة المواطنين السوريين على الأراضي اللبنانية، لاسيما بعد ما تعتبره دمشق تجاوزات ومضايقات كثيرة يتعرضون لها، إضافة إلى استمرار حملة التوقيفات الواسعة بحق السوريين، وزجهم في السجون بحجج كثيرة مثل عدم حيازة أوراق، أو الدخول خلسة إلى لبنان. ويقول المسؤولون السوريون إن هذه الحالات كلها تحتاج إلى معالجة. كذلك هناك مطالبات تتصل بتعزيز العمل في سبيل ضبط الحدود ومنع تهريب السلاح أو المخدرات، وصولاً إلى العمل على ترسيم الحدود بشكل نهائي. وتؤكد المصادر أن التنسيق قائم ومستمر بين المعنيين في البلدين، من قوى عسكرية أو أمنية، وأنه لا بد من تعزيز ذلك.
ما بعد إنجاز هذه الملفات، يفترض أن يتم الانتقال إلى مسار جديد من العلاقة، مثل إعادة تفعيل العمل الديبلوماسي وتعيين السفراء في البلدين، إضافة إلى البحث في مشاريع تجارية مشتركة، يتمكن لبنان عبرها من الاستفادة من خطوط التجارة والترانزيت، وفي مجالات الطاقة والنفط. كما يمكن للبنان أن يكون أحد المنطلقات الأساسية لإعادة إعمار سوريا، ما ينعكس إيجاباً على وضعه الاقتصادي.
نحو إنهاء الصراع بين لبنان وإسرائيل
إلى انهماك لبنان بالسعي إلى ترتيب العلاقة مع سوريا وتحسينها بدفع أميركي وعربي، وبرعاية سعودية لملف ضبط الحدود وترسيمها، يبقى لبنان في مواجهة التحديات الإسرائيلية وانتظار الجواب الذي سينقله الموفد توم باراك، كرد من تل أبيب على ورقته. وذلك في موازاة استحقاق التمديد لقوات الطوارئ الدولية اليونيفيل، والتي تشترط واشنطن أن تحدد عملها في لبنان بمهلة زمنية معينة قبل إنهاء مهامها بشكل كامل.
وهذا الإنهاء يرتبط بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية بنقطة أساسية، وهي الدفع باتجاه الوصول إلى حالة إنهاء الصراع بين لبنان وإسرائيل، وربما الانتقال إلى مرحلة جديدة من العلاقات، خصوصاً عندما كرر باراك في بيروت أكثر من مرة، عبارة ضرورة تحسين العلاقات مع الجيران، وعندما تحدث عن السلام في المنطقة. هذه الإشارات لا يمكن فصلها عن الإشارات السورية والتي وصلت إلى حدود الإعلان الرسمي عن لقاءات سورية- إسرائيلية.
وفي السابق، كانت مهمة اليونيفيل العمل على ضبط الوضع بين لبنان وإسرائيل، كما اضطلعت بمهمة نقل الرسائل أو المواقف بين الجانبين ولعبت دوراً في المفاوضات غير المباشرة. في هذا السياق، هناك من يدفع لبنان إلى قراءة تطورات الوضع السوري ومعرفة حجم الشروط الإسرائيلية، التي ربما تقود إلى الدخول في مفاوضات مباشرة.
المدن
———————
الدور الأردني في سوريا.. استراتيجية التوازن وكسب ثقة الأطراف المتنازعة/ أحمد الكناني
20 أغسطس 2025
شكلت المملكة الأردنية الهاشمية منذ سقوط النظام ثقلًا رئيسيًا في الملف السوري، وذلك لارتباط البلدين جغرافيًا وسياسيًا وعشائريًا، إضافة لوجود آثار سلبية خلفها نظام الأسد المخلوع على المملكة، سواء من حيث أزمة اللاجئين، أو فتح المعابر غير الشرعية للتهريب، وتجارة المخدرات، وعليه لعب الأردن دورًا سياسيًا، عربيًا، ودوليًا منذ سقوط النظام السوري لاحتواء أي آثار سلبية على أراضيه.
كانت البداية باجتماعات العقبة في 14 كانون الأول/ ديسمبر 2024 وبمشاركة وزراء الخارجية لكل من العراق، مصر، السعودية، قطر، البحرين والإمارات، الأمر الذي أعطى الأردن ثقلًا عربيًا في مساعيه الدبلوماسية تجاه سوريا، وتطور الأمر لأدوار سياسية واتفاقيات مشتركة وتبادل تجاري، خاصة وأن إشارات خرجت من دمشق تقول إنها بدأت العمل بشكل فعلي على طي كافة الملفات التي تقلق الجار الأردني.
وعلى الرغم من الثقل العربي والدولي للمملكة، إلا أنها حافظت على نفسها بعيدًا عن التجاذبات الإقليمية ولم تحسب نفسها ضمن أطراف الصراع الدولية في المشهد السوري، ما أعطاها موثوقية سياسية، سواء من قبل الجانب الحكومي، أو الأطراف المتنازعة معها، وهو ما ظهر مؤخرًا في الأحداث الأخيرة في محافظة السويداء.
دور سياسي طارئ
يعتقد أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال، حسن الدعجة، أن الأردن يتعامل مع الملف السوري من منظور أمني وسياسي متشابك، حيث يشكل الجنوب السوري بالنسبة له عمقًا استراتيجيًا وأرض تماس مباشرة مع التحديات والتهديدات القادمة من الساحة السورية، بما في ذلك المخاطر الأمنية المتعلقة بضبط الحدود مع الأراضي السورية، وما تحملته المملكة من أعباء إنسانية كبيرة باستضافة مئات الآلاف من اللاجئين السوريين.
فيما يرى مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، حسن المومني، بأن الدور الأردني في سوريا يوصف في سياقه العام بالمساند للحكومة السورية ومؤسساتها، في سبيل إعادة بناء سوريا وتسريع عجلة استقرارها، يعزز ذلك الثقل الأردني عربيًا ودوليًا، وعلاقات المملكة الوطيدة مع الأطراف المعنية بالملف السوري، سواء كان ذلك داخليًا متمثلًا بعشائر درعا والسويداء، أو خارجيًا مع الدول الفاعلة في الملف السوري.
مصالح مشتركة؟!
ينوه حسن الدعجة إلى مجموعة من الملفات الأمنية والاقتصادية المشتركة بين البلدين، إذ يشكل انتشار شبكات تهريب المخدرات والسلاح في الجنوب السوري تهديدًا مباشرًا لكلا البلدين، إلى جانب مخاطر من تسلل عناصر مسلحة، أو خلايا إرهابية عبر الحدود، إضافة إلى مخاوف اقتصادية من تعطل الحركة التجارية عبر معبر نصيب–جابر نتيجة الوضع الأمني غير المستقر، وما يترتب على ذلك من خسائر مادية وتراجع في حركة البضائع والركاب، وإبطاء فرص الانخراط في مشاريع إعادة الإعمار أو تعزيز التجارة العابرة.
وفي هذا السياق يشدد حسن المومني على ملف الإرهاب، والذي يشكل هاجسًا مشتركًا بين البلدين، لاسيما الخطوات الأمنية التي اتخذتها المملكة مؤخرًا، ومحاولة تنظيم “داعش” إعادة انتشاره في البادية السورية، لافتًا إلى أن المملكة تسعى بشكل جدي وفعال مع الحكومة السورية في سبيل حل مشكلة اللاجئين السوريين على أراضيها.
ثقل أردني في الجنوب السوري
منذ اندلاع الأحداث الدامية في السويداء لعب الأردن دورًا فاعلًا في تهدئة المشهد السوري جنوبًا إذ عقد في الـ 19 من تموز/ يوليو اجتماعات مكثفة ركز فيها على وقف إطلاق النار في السويداء، وإيجاد حل شامل ومستدام للأزمة فيها، ليستمر في جهوده الدبلوماسية والإعلان عن تشكيل مجموعة عمل ثلاثية (سورية-أردنية-أمريكية) في الـ 12 من آب/ أغسطس بهدف دعم الحكومة السورية في جهودها لتثبيت وقف إطلاق النار في محافظة السويداء، وذلك بناءً على طلب رسمي من دمشق.
وفي هذا السياق يشير الدعجه إلى امتلاك الأردن ثقلًا في الجنوب السوري بفعل موقعه الجغرافي واتصاله المباشر بمحافظتي درعا والسويداء، وعلاقاته مع بعض الفصائل المحلية والشخصيات العشائرية، إضافة إلى دوره النشط في المبادرات العربية لإعادة إدماج سوريا إقليميًا. إلا أن هذا الثقل يظل مرهونًا بمدى قدرة الأردن على تنسيق المواقف مع دمشق، وضبط التدخلات الإقليمية والدولية، حيث إن أي تسوية سياسية في الجنوب لا يمكن أن تنجح من دون تفاهمات دولية أوسع قد تشمل روسيا والولايات المتحدة وإيران.
أما المومني فيشير إلى المكانة الخاصة والمصداقية للأردن عند العشائر السورية سواء كان في درعا او السويداء، الأمر الذي يجعل دوره أكثر فاعلية في أي وساطة في الجنوب، ويعطيه هوامش واسعة في العمل، بما يصب في المصلحة السورية، لافتًا إلى وجود دعم أميركي للجهود الأردنية بعيدًا عن الأطراف الفاعلة في الجنوب.
مخاوف من أطماع اسرائيلية
على الرغم أن الأردن أبدى في مراحل سابقة انفتاحًا على إنشاء ممرات إنسانية عند الضرورة، إلا أنه رفض بشكل قاطع طلبًا إسرائيليًا بإنشاء ممر إنساني باتجاه السويداء عبر الأراضي الأردنية، نظرًا لما يحمله من أبعاد سياسية وأمنية حساسة، ولإدراكه أن مثل هذه الخطوة قد تُستغل لتكريس نفوذ إسرائيلي في منطقة شديدة القرب من حدوده.
يفسر أستاذ الدراسات الاستراتيجية، حسن الدعجه، الموقف الأردني تجاه المشاريع الإسرائيلية ويراه نابعًا من إدراك عمان بأن أي وجود إسرائيلي مباشر قرب الحدود السورية ـ الأردنية يشكل تهديدًا للأمن القومي، وقد يفتح المجال أمام توترات مع دمشق، فضلًا عن احتمال تحفيز جماعات معادية للأردن على تكثيف نشاطها، وعليه تعمل المملكة على قطع الطريق أمام أي اختراق إسرائيلي للجنوب السوري، بما يحافظ على استقرار حدودها ويمنع تحويل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح ينعكس سلبًا على أمنها الداخلي ومكانتها الإقليمية.
فيما يؤكد هذا السياق مدير مركز الدراسات الاستراتيجية حسن المومني بأن الأردن يعي الأطماع الإسرائيلية في المنطقة الجنوبية السورية خاصة ملف المياه، وما لذلك من انعكاسات سلبية على الأردن، وعليه يقود الأردن حراكًا سياسيًا ودوليًا لقطع الطريق على الأطماع الاسرائيلية، وهو ما كان واضحًا في البيان المشترك (السوري – الأميركي – الأردني) والذي ركز على وحدة الأراضي السورية بعيدًا عن أي أجندة انفصالية.
الترا سوريا
————————–
الأمم المتحدة: أكثر من 190 ألف شخص نزحوا من السويداء/ محمد كركص
21 اغسطس 2025
أكد آدم عبد المولى، المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في سورية، بعدما زار محافظة السويداء أمس الأربعاء، أن التعاون مع الحكومة سمح لوفد الأمم المتحدة بتقييم الوضع الإنساني على أرض الواقع والتواصل مباشرة مع المجتمعات المتضررة والمسؤولين المحليين ومنظمات المجتمع المدني.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فقد نزح أكثر من 190 ألف شخص، غالبيتهم داخل محافظة السويداء، ولجأ كثيرون منهم إلى مدارس، ما يثير مخاوف ملحة مع اقتراب العام الدراسي. وشدد المكتب على ضرورة إيجاد حلول كريمة وآمنة للعائلات النازحة لضمن استمرار الأطفال في الحصول على تعليم. وأشار إلى أن الخدمات الصحية في المحافظة تتعرض لضغط شديد، إذ تواجه المستشفيات والعيادات نقصاً حاداً في الأدوية الأساسية مثل الإنسولين ولوازم غسل الكلى وعلاجات السرطان، بينما يعمل الطاقم الطبي في ظروف صعبة ويحتاج إلى دعم عاجل لمواصلة إنقاذ الأرواح.
ووصفت الأمم المتحدة الأوضاع الإنسانية في السويداء ومواقع النزوح في درعا وريف دمشق بأنها “مزرية”، وأكدت أن المدنيين تحمّلوا وطأة العنف، وباتوا في حاجة ماسة إلى دعم. ولفتت إلى أن منظمات المجتمع المدني المحلية تلعب دوراً محورياً في مساندة النازحين والمجتمعات المضيفة، وأن جهودها تستحق التقدير والدعم المستمر لتوسيع نطاقها.
وحالياً يُعاني السوق المحلي في السويداء من نقص حاد في المواد الغذائية بالتوازي مع ارتفاع كبير في أسعار السلع الأساسية، ويقف الناس في طوابير طويلة للحصول على الوقود والمواد الضرورية. وشددت الأمم المتحدة على أن المساعدات الإنسانية لا تستطيع وحدها أن تعالج هذه التحديات، واستعادة تدفقات آمنة وموثوقة للسلع التجارية أمر بالغ الأهمية لاستقرار الوضع ومنع مزيد من التدهور.
وذكرت الأمم المتحدة أنها أرسلت، بالتنسيق مع الهلال الأحمر العربي السوري، 12 قافلة مساعدات إلى المحافظة، وقدمت مجموعة واسعة من المساعدات المنقذة للحياة. وأوضحت أن أشكالاً مختلفة من المساعدات تصل حالياً إلى أكثر من 300 ألف شخص شهرياً. لكن رغم هذه الجهود، أوضح المكتب أن الاستجابة لا تزال محدودة بسبب نقص التمويل، داعياً المانحين إلى “التضامن مع أهالي السويداء وأولئك في أنحاء سورية من خلال زيادة الدعم بشكل عاجل لتلبية الاحتياجات الأكثر إلحاحاً”. ورصد مراسل “العربي الجديد”، صباح اليوم الخميس، وصول قافلة إغاثية وغذائية تضم 29 شاحنة إلى جسر مدينة إزرع، في طريقها إلى محافظة السويداء.
——————————
جيش الاحتلال يختطف مواطنين سوريين في جبل الشيخ وريف درعا/ محمد كركص
21 اغسطس 2025
اختطفت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم الخميس، ثلاثة شبان مدنيين في منطقة حوض اليرموك بريف محافظة درعا جنوبي سورية، في إطار عمليات الاقتحام والاعتقال المتواصلة في محافظتي درعا والقنيطرة. فيما أعلن جيش الاحتلال عن تنفيذه عمليات في جبل الشيخ السوري ومصادرة أسلحة و”اعتقال عدد من المواطنين”.
وقال يوسف المصلح، مسؤول التحرير في “تجمع أحرار حوران”، لـ”العربي الجديد” إن “قوة إسرائيلية خاصة اقتحمت قرية عابدين بريف درعا الغربي، انطلاقاً من جهة الجولان المحتل، وداهمت عدداً من المنازل في الحي الشرقي للقرية، ما أسفر عن اختطاف ثلاثة إخوة (عمر عبد العزيز المصري وزياد عبد العزيز المصري ومحمد عبد العزيز المصري)”، مؤكداً أنهم مدنيون يعملون في الزراعة ولا يرتبطون بأي جهة عسكرية.
وأوضح المصلح أن القوات الإسرائيلية تنفذ من وقت لآخر حملات اعتقال في محافظة درعا، لاسيما في منطقة حوض اليرموك لقربها من الحدود، حيث يضطر السكان للاقترب من الشريط الحدودي لمتابعة أعمالهم الزراعية. وهذه الاعتداءات الإسرائيلية تثير مخاوف الأهالي وتحول دون وصول كثير منهم إلى أراضيهم ومزارعهم، رغم اعتمادهم على الزراعة والرعي مصدراً رئيسياً للعيش. الأمر نفسه ينطبق على القرى والبلدات الواقعة في محافظة القنيطرة.
وأشار المصلح إلى أن القنيطرة تشهد توغلات إسرائيلية شبه يومية، تتخللها عمليات مداهمة واعتقال وتضييق على الأهالي، ما يفاقم حالة التوتر وعدم الاستقرار الأمني في المنطقة. ولفت إلى أن كاميرات “تجمع أحرار حوران” رصدت قبل يومين أعمال حفر وتجريف تنفذها قوات الاحتلال داخل الأراضي السورية قرب بلدتي بريقة وبئر العجم بريف القنيطرة، وذلك بعد ساعات من دخول قوات إسرائيلية إلى الحدود السورية ووضعها “حجر أساس” لمستوطنة في المنطقة، قبل أن يعيدهم الجيش الإسرائيلي إلى داخل الجولان المحتل.
وكان أربعة جنود إسرائيليين أُصيبوا، أمس الأربعاء، من جراء انفجار قنبلة يدوية داخل موقع عسكري في منطقة جبل الشيخ. وأوضحت القناة 12 العبرية أن الانفجار وقع خلال نشاط عملياتي للقوات، مشيرة إلى أن طواقم طبية عسكرية هرعت إلى المكان وقدمت الإسعافات الأولية، قبل أن تُخلي المصابين بواسطة طائرات مروحية إلى مراكز طبية داخل الأراضي المحتلة.
عمليات للاحتلال في جبل الشيخ
وفي جبل الشيخ السوري، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي في بيان، اليوم الخميس، اعتقاله “مشتبهاً بهم” ومصادرة أكثر من 300 وسيلة قتالية في جبل الشيخ بمواقع زعم أنها تابعة للنظام السوري السابق. وأوضح البيان أن قوات لواء “الجبال 810″، بقيادة الفرقة 210، “استكملت أمس الأربعاء عملية اقتحام لعدد من مواقع الكوماندوز التابعة للنظام السوري القديم في منحدرات قمّة الحرمون بسورية”.
وأضاف البيان: “قامت القوات باعتقال عدد من المشتبه بهم الذين انشغلوا بتهريب والاتجار بوسائل قتالية من سورية إلى لبنان، حيث تمت مصادرة الوسائل التي تاجروا بها”، وزعم أنه “خلال العملية وأعمال التمشيط في المواقع، عُثر على أكثر من 300 وسيلة قتالية تمت مصادرتها جميعاً”.
—————————–
————————-
=================
تحديث 20 آب 2025
——————————
هل الجنوب السوري بوابة “إسرائيل الكبرى”؟/ مهيب الرفاعي
الثلاثاء 2025/08/19
مؤخراً، عادت فكرة إسرائيل الكبرى إلى الواجهة بقوة، ليس فقط كحلم تاريخي متجذّر في أدبيات الصهيونية المبكرة، بل كأداة سياسية حاضرة في خطاب بنيامين نتنياهو وحلفائه من اليمين الإسرائيلي. قبل عدة أشهر، أثارت صورة جندي من الجيش الإسرائيلي يرتدي شارة تتضمن خريطة تمتد من النيل إلى الفرات موجة من الجدل، إذ تضم هذه الخريطة أجزاءً واسعة من مصر ولبنان وسوريا والعراق والسعودية، بالإضافة إلى كامل الأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة.
وعلى الرغم من أن هذا التصوّر ليس جديداً، إذ تعود جذوره إلى كتابات تيودور هرتزل وخطط عوديد ينون وصياغاتهم الجيوسياسية، فإن عرضه العلني جعله أكثر استفزازاً وأشد ارتباطاً بالواقع السياسي الراهن. اليوم، تتقاطع هذه الرؤية الأيديولوجية مع معطيات ميدانية متغيرة على حدود إسرائيل الشمالية الشرقية، ولا سيما في جنوب سوريا، حيث تتشكل بيئة أمنية وسياسية تبدو ملائمة لاختبار سيناريوهات تتجاوز حدود 1967.
هوس نتنياهو
على مستوى القيادة الحالية، يُنظر إلى نتنياهو على أنه شخصية مركزة بشكل مبالغ فيه على الأمن والتوسع الإقليمي، إلى حد الهوس الأيديولوجي، ويربط البقاء القومي بالقدرة على السيطرة الشاملة على الأراضي المحيطة بإسرائيل. هذا الهوس يتجلى في سياسات تتخطى الاعتبارات الأمنية إلى طموحات توسعية تتضمن إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط وفق رؤية إسرائيل الكبرى المبنية على ادعاءات توراتية، وقد اعتُبرت تصريحاته المتكررة بشأن المناطق الواقعة خارج حدود 1967، والتي تشمل جنوب لبنان، ومحيط غزة، وجنوب سوريا، وحتى أجزاء من الأردن، مؤشراً على تصور يرى في الهيمنة الإقليمية وسيلة للسيطرة الاستباقية على أي تهديد محتمل، بما يشمل استخدام القوة العسكرية والسيطرة غير المباشرة عبر وكلاء محليين وفصائل مسلحة. بعض المراقبين ذهبوا إلى وصف هذا الهوس بأنه يضفي بعداً قريباً من تصور الإبادة الجماعية، ليس بالضرورة بمعناها المباشر، بل كاستراتيجية تهدف إلى تفكيك الكيانات السياسية والاجتماعية للخصوم وضمان عدم قدرتهم على تشكيل أي قوة معارضة فعالة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي أو الديموغرافي، ما يعكس رؤية نتنياهو التي تجمع بين التوسع الاستراتيجي، الهيمنة العسكرية، والهندسة السكانية كأدوات للبقاء القومي.
تتجلّى خطورة مقاربة نتنياهو في الجمع بين الإطار الأيديولوجي والممارسات الميدانية؛ فالترويج العلني لخريطة إسرائيل الكبرى يطبع في الوعي العام فكرة التوسع كخيار مشروع، بينما تعكس التحركات على الأرض، من عسكرة الجولان ودعم فصائل في جنوب سوريا، إلى إعادة تشكيل المشهد الأمني في غزة، تنفيذاً تدريجياً لهذه الرؤية دون الحاجة إلى حرب شاملة. الأزمات، مثل حرب غزة أو الاضطرابات في السويداء، تصبح فرصاً لتبرير التمدد الإقليمي باعتباره ضرورة للبقاء، ما يمنح شرعية سياسية للمطالب التوسعية التي كانت مثيرة للجدل سابقاً. ومع ضعف الموقف العربي، والاكتفاء بالإدانات اللفظية، تبقى هذه الرؤية في حالة تقدم تدريجي، تتغذى من الفوضى المحيطة وتعيد صياغة خرائط النفوذ في المشرق، حيث يلتقي التوسّع الإسرائيلي، والهشاشة السورية، والضغط على الأردن في مشهد جيوسياسي واحد.
الأزمة ودور الجنوب السوري
منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، لعب الجنوب السوري دوراً حساساً في الحسابات الإسرائيلية؛ حيث بدأت إسرائيل باتباع سياسة الحدود المرنة، حيث وفرت دعماً محدوداً ومنتقى لفصائل المعارضة السورية في المنطقة، خصوصاً في ريف القنيطرة المحاذي للجولان. هذا الدعم، الذي شمل مساعدات طبية في مستشفيات ميدانية داخل الأراضي المحتلة، وإمدادات غذائية ووقود، وأحياناً معدات اتصالات، لم يكن مجرد خطوة إنسانية، بل جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف لخلق حزام أمني غير معلن.
وفق تقارير ميدانية وشهادات من سكان محليين، كانت وحدات من الجيش الإسرائيلي تتعامل مباشرة مع قادة مجموعات مسلحة في القنيطرة، وذلك تحت ذريعة المساعدات الإنسانية. لكن هذه العلاقة تجاوزت الجانب الإغاثي لتشمل تنسيقاً أمنياً محدوداً، ما سمح لإسرائيل برسم صورة دقيقة للوضع الميداني. الجنوب السوري بالنسبة لإسرائيل أكثر من مجرد منطقة حدودية؛ فهي بوابة نحو عمق جنوب سوريا، ومفتاح لتوسيع مجال السيطرة في الجولان بما يتجاوز حدود 1974. ومن منظور أيديولوجية إسرائيل الكبرى، فإن توسيع السيطرة في القنيطرة ودرعا و السويداء يُنظر إليه كخطوة مرحلية نحو إعادة صياغة الحدود، خصوصاً في ظل الانهيار المؤسسي السوري وضعف الرد العربي. وبالفعل، فإن استمرار الفوضى في الجنوب السوري، يمنح إسرائيل الذريعة لتصعيد تدخلها، بداية من المساعدات والدعم الإنساني، وصولاً إلى تحركات أمنية أو عسكرية مبررة بخطر الميليشيات المعادية.
بهذا يتحول الجنوب السوري إلى مسرح اختبار للمعادلة التي تجمع بين العمل الإنساني المعلن والأهداف الأمنية الخفية، وهي المعادلة التي أثبتت إسرائيل نجاحها سابقاً في جنوب لبنان قبل اجتياح 1982. اليوم، ومع تصاعد خطاب التوسع الإقليمي لدى نتنياهو، فإن أي تحرك في الجنوب السوري قد يكون مقدمة لتغيير خرائط السيطرة في المنطقة الشمالية لإسرائيل، بعد أن أبرزت المعارك الأخيرة هشاشة الأطراف الشمالية والشمالية الشرقية، ما دفع إسرائيل إلى إعادة تقييم أهمية جنوب سوريا كمنطقة عمق استراتيجي حيوي؛ لا سيما وأن المواجهات بين القوى المحلية والموالية للإدارة الجديدة قد خلّفت فراغاً سلطوياً يمكن لإسرائيل استغلاله لتعزيز نفوذها بشكل غير مباشر.
وأكدت هذه التجربة أن السيطرة على المناطق الحدودية وتشكيل تركيبة الفاعلين المسلحين فيها يُمثل عنصراً أساسياً في ضمان الأمن الإسرائيلي طويل المدى، وهو مبدأ محوري في رؤية إسرائيل الكبرى. يكتسب الجنوب السوري أهمية خاصة في الحسابات الإسرائيلية باعتباره منطقة عازلة وعمقاً استراتيجياً؛ وقد أدت التطورات الأخيرة منذ تموز/يوليو 2025، إلى خلق فراغ أمني يعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة. بالنسبة لإسرائيل، فإن جنوباً سورياً ممزقاً يوفر فرصة لتعزيز النفوذ أو فرض ترتيبات أمنية، بل وربما استثمار الحزام الدرزي كمنطقة عازلة أو ورقة تفاوض مستقبلية. هذه الحسابات ليست بعيدة عن منطق إسرائيل الكبرى، حيث يُنظر إلى الحدود لا كخطوط ثابتة، بل كجبهات متحركة تُعاد صياغتها ميدانياً وفق مبررات أمنية وأيديولوجية متشابكة.
دور الأردن
في هذا السياق، يبرز دور الأردن كفاعل إنساني واستراتيجي في آن واحد. لكن هذه الممرات، وإن كانت تحمل غطاء إنسانياً، تخلق بالضرورة ممرات نفوذ، ما يجعلها جزءاً من التوازنات الإقليمية الحساسة. في التصوّر الأوسع لـ”إسرائيل الكبرى”، تُدرج بعض الأراضي الأردنية ضمن الخريطة المتخيّلة، وهو ما يمسّ سيادة عمّان ودورها الإقليمي. وكلما تعمّق عدم الاستقرار في جنوب سوريا، ازدادت فرص إسرائيل لطرح ترتيبات أمنية تمسّ المجال الحيوي الأردني، الأمر الذي يحوّل الممر الإنساني من أداة دعم إلى ورقة ضغط محتملة، خصوصاً إذا ارتبط بخطاب أمني أو ذريعة لمكافحة الإرهاب. إلى جانب ذلك، أبرزت الأزمة أهمية القنوات الإنسانية كأداة نفوذ استراتيجية. فالممرات الإنسانية، خصوصاً تلك عبر الأردن، لم تعد مجرد وسيلة لتقديم المساعدات، بل تحولت إلى أدوات فعّالة لتمديد السيطرة الإسرائيلية من خلال دعم الفاعلين بالوكالة في جنوب سوريا. وبهذا الأسلوب، تستطيع إسرائيل توسيع نطاق تأثيرها دون اللجوء إلى ضم رسمي، بما يتماشى مع النهج التدريجي لرؤية إسرائيل الكبرى. أصبحت هذه القنوات الآن بمثابة حاجز أمني ورافعة سياسية في الوقت نفسه، ما يعكس قدرة إسرائيل على ترجمة طموحاتها الإقليمية تحت غطاء إدارة الأزمات الإنسانية، وإضفاء شرعية على وجودها الفعلي في مناطق حساسة.
السياسات التوسعية
كشفت هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، عن نقاط ضعف استراتيجية في منظومة الأمن الإسرائيلي، لكنها في الوقت ذاته عززت المبررات الأيديولوجية للتوسع الإقليمي، حيث تم تصوير هذه الهجمات داخلياً كدليل على ضرورة السيطرة على أراضٍ أوسع لإقامة مناطق عازلة يمكن الدفاع عنها ضد الفاعلين المعادين. استغل نتنياهو وحلفاؤه هذا السياق لتأكيد أن المناطق الواقعة خارج حدود 1967 — مثل جنوب لبنان، ومحيط غزة، وجنوب سوريا — لا يمكن تركها تحت سيطرة جزئية أو معادية، كما ساهم الشعور بالخطر الوجودي في تطبيع خطاب “إسرائيل الكبرى”، بحيث تُطرح السياسات التوسعية كضرورة للبقاء القومي وليس مجرد طموح أيديولوجي. كما ساهمت حرب غزة في تعزيز الدعم الداخلي لرؤية التوسع، إذ سمحت لنتنياهو بتعبئة الرأي العام حول دولة قوية، آمنة، ومبررة تاريخياً. في الخطاب العام، لم يعد التوسع الإقليمي مجرد أيديولوجيا، بل تحول إلى وسيلة دفاعية براغماتية تربط إسرائيل الكبرى بالحاجة للبقاء في مواجهة التهديدات الملموسة. ووجد الحلفاء المتطرفون، مثل بتسلئيل سموترتش وإيتمار بن غفير، أن الأزمات الأمنية الأخيرة وفرت لهم دليلاً عملياً على صحة برامجهم، ما منح شرعية سياسية لمطالب إقليمية كانت مثيرة للجدل.
على المستوى الدولي، رغم أن المعارك الأخيرة (غزة ولبنان وسوريا) جذبت الانتباه العالمي، إلا أنها عززت أيضاً الحجة الإسرائيلية بأن منطقة بلاد الشام المتقلبة، تتطلب قوة قادرة على إعادة تشكيل الحدود بشكل استباقي. فالثغرات التي أظهرتها حدود إسرائيل شمالاً و جنوباً، أصبحت مبرراً لتبرير التدخل أو النفوذ في الأراضي المتنازع عليها، معززة بذلك الخطوات التدريجية نحو تحقيق خارطة “إسرائيل الكبرى”. هذه الرؤية، التي تمثل مزيجاً من الأيديولوجيا والتوسع الاستراتيجي والعمق الأمني، تعكس فهم إسرائيل لطبيعة الصراع في المنطقة عبر استغلال الفراغات، تحويل المساعدات الإنسانية إلى أدوات نفوذ، وتعبئة الداخل السياسي لدعم سياسات توسعية تحت غطاء الدفاع عن الأمن القومي، وهو ما يجعل جنوب سوريا والجولان والمناطق الحدودية الجنوبية، جزءاً لا يتجزأ من مشروع جيوسياسي طويل الأمد يسعى لإعادة رسم خرائط السيطرة في الشرق الأوسط.
المدن
—————————–
المخاض السوري طائفية وعلمانية/ علي العبدالله
20 اغسطس 2025
أثار عقد كونفرانس “وحدة الموقف لمكوّنات شمال وشرق سورية”، الذي نظمته في الحسكة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سورية، ردود فعل شعبية متباينة متعارضة متناقضة تبدأ بالاستهزاء والتسخيف وتنتهي بالتخوين من دون أن نعدم دعوات إلى المواجهة (بيان عشائر عربية)، من موالي السلطة السورية الجديدة، وبالترويج والتعظيم من موالي الإدارة الذاتية وموالي الشيخ حكمت الهجري من الموحدين الدروز وموالي الشيخ غزال غزال من العلويين. وصفه “حلف الأقليات” موالو الطرف الأول، و”حلاَ تاريخياً لسورية”. وجاء ردّ فعل السلطة حادّاً عكسه رفضها ما جاء في بيانه وإعلانها عن عدم المشاركة في اجتماع مع قيادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) كان سيعقد في باريس ودعوتها إلى نقل كل الاجتماعات إلى دمشق.
لا يشكّل عقد ذلك الكونفرانس تحوّلاً درامياً في مواقف “الإدارة الذاتية” وتوجّهاتها، فلا جديد في عقده، والبيان الصادر عنه ليس أكثر من نقلة على رقعة شطرنج المفاوضات مع السلطة السورية الجديدة، هدفها الرئيس تحديد تخوم عملية التفاوض لدعم الجنرال مظلوم عبدي، في مواجهة المبعوث الأميركي إلى سورية، توم برّاك، الذي يضغط عليه للقبول بتفسير السلطة لاتفاق 10 مارس (2025) وبشروطها للاندماج، من جهة، وتعزّز موقفه وتثقل أوراقه في المفاوضات عبر إشراك عرب وتركمان وشركس وسريان في “الكونفرانس”، وجلب دعم من خارج منطقة شمال سورية وشرقها عبر مشاركة الشيخين حكمت الهجري وغزال غزال بكلمتين مسجلتين عن طريق تقنية الفيديو، من جهة ثانية، وقد منح عقده وبيانه السلطة فرصة لتلبية طلب تركيا بعدم المشاركة في اجتماع باريس، والعمل على نقل المفاوضات إلى دمشق. وطلب أنقرة مرتبط بتقدير مفاده بأن عقد الكونفرانس جرى بدفع فرنسي توسيعاً للاشتباك السياسي الفرنسي معها بإضافة الساحة السورية، حيث تتباين التصورات والخيارات والتحالفات بشأن مستقبل سورية، إلى ساحات اشتباك أخرى كثيرة.
انطوت كلمة رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى، غزال غزال، الموجّهة إلى المشاركين في المؤتمر، ومن خلفهم إلى السوريين والمجتمع الدولي، على المطالبة بدولة علمانية، سبق لشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز، حكمت الهجري، المطالبة بذلك، ما اعتبرها كثيرون مطالبة غريبة من شيخين يدافع كل منهما عن مصالح طائفته، ويدفع، في الوقت نفسه، نحو قيام نظام سياسي علماني في البلاد، موقف مركب جمع نقيضين: الطائفية والعلمانية. وواقع الحال أن هذا الموقف، ومطالبة رجال دين بدولة علمانية، واعتبرت غريبة، يمكن فهمها وتفهمها في السياق السوري، حيث قادت سياسة عقود من التمييز والقمع طوال حكم الأسدين وملاحقة نشاط الأحزاب السياسية ومنظّمات المجتمع المدني، ومنعها من العمل القانوني والعلني وزج قياداتها وكوادرها وبأعداد كبيرة في السجون فترات مديدة، وفشل من تبقّوا من هذه القيادات والكوادر طلقاء في تحقيق معادلة البقاء والنجاح في تحقيق تأثير في الواقع وشدّ انتباه المواطنين إلى دعواهم ومطالبهم وخياراتهم، مقابل نجاح رجال الدين من كل الأديان والمذاهب في اقامة توازن دقيق بين التعاطي الإيجابي مع تطلعات أبناء أديانهم ومذاهبهم الدينية السياسية والاقتصادية وعدم مواجهة السلطة وتوجهاتها وخياراتها بشكل مباشر، قادت إلى تصدّر المشهد السياسي بكسبهم الحسنيين: شعبية بين أبناء أديانهم ومذاهبهم الدينية تحصّنهم من بطش السلطة وقبول من السلطة يمنحهم فرص لحل بعض مشكلات أبناء أديانهم ومذاهبهم الدينية وحمايتهم من بطش السلطة فغدوا قبلة للسلطة، لضبط ردود فعل المجتمعات على قراراتٍ غير شعبية تتخذها، ولأبناء أديانهم ومذاهبهم الدينية، لحل بعض مشكلاتهم مع السلطة وحمايتهم من بطشها. وهذا وضع المجتمع السوري ومكوناته الاجتماعية تحت رحمة ثنائية قاتلة: السلطة ورجال الدين، يؤدّي الاختيار الأول إلى الاستسلام للاستبداد والتمييز والاختيار الثاني يؤدي إلى تكريس الانقسام المجتمعي على أسس دينية ومذهبية، ووضع المتضرّرين من السلطة والرافضين لتوجهاتها وخياراتها أمام خيار وحيد: رجال الدين لما لهم من مكانة اجتماعية وحصانة أمنية، يتقرّبون منهم يتلقون إرشاداتهم وتوجيهاتهم وينالون حمايتهم، النسبية بالطبع. يلتفون حولهم، كي يحصلوا على الحماية من قمع السلطة وكي يحصلوا على فرصة للتعبير عن مطالبهم السياسية والاقتصادية.
مع سقوط النظام البائد تخلخل هذا المشهد، وانهارت المعادلة السياسية أعلاه، على خلفية ممارسات السلطة الجديدة وقراراتها السياسية والإدارية وما انطوت عليه من دلالات تعبّر عن خيارها لهوية النظام السياسي المستهدف: نظام سُنّي، وتغوّل فصيل هيئة تحرير الشام على المجتمع عبر تعيين كوادرها في مستويات متقدمة وفي كل المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والإعلامية والثقافية وغيرها من مجالاتٍ ترتبط بحياة المواطنين اليومية، وغضها الطرف عن تعديات عناصر الأمن العام على المواطنين ومشاركتهم في انتهاكات ومجازر في الساحل وصحنايا والسويداء ومباركتها للفزعتين، مشاركة مدنيين في الهجوم على الساحل والعشائر في الهجوم على السويداء، ما دفع مجلس الأمن إلى التذكير بقراره 2254 وبنود هذا القرار التي دعت إلى “انتقال سياسي شامل وذي مصداقية”، ما يعني تقييد مسار المرحلة الانتقالية بذلك، وصولاً إلى الدبلوماسية التي تحوّلت إلى أداة لتنفيذ ما تريده إقليميا ودوليا، من دون مراعاة حساسية الموقف وضرورة أن تؤدي دوراً متوازناً يلاحظ أهمية الحفاظ على أدوار القوى السياسية والاجتماعية لباقي أبناء المجتمع السوري، عبر التصرّف بمنطق الدولة ودورها ومهامها ومجالات سلطتها، والمواطن ودوره في بناء قدرات البلاد وقوتها وحماية سيادتها في مواجهة الأخطار والتهديدات الخارجية ومحاولات النيْل منها، وتباين مواقف رجال الدين واختياراتهم واصطفافاتهم إزاء توجهات السلطة، حيث مال المشايخ السُنّة إلى الانحياز إلى السلطة الجديدة، اعتبروها سلطتهم، كونها سُنّية، ومال الآخرون من الأديان والمذاهب الإسلامية الأخرى إلى الحذر والقلق، في ضوء تاريخ هيئة تحرير الشام وتوجهات السلطة الجديدة وخياراتها الفئوية والمغلقة، ودعوا إلى احترام التعدّد والذهاب نحو التشاركية في ظل وطنية وعدالة ومساواة، لكنهم لم يحصلوا على استجابة مناسبة، فقد استمرّت السلطة الجديدة في استئثارها بالقرارين، السياسي والاقتصادي، ما قاد إلى تصاعد التوتر والانقسام المجتمعي على خطوط الأديان والمذاهب الدينية ودفع أبناء مذاهب إسلامية من غير السُنة نحو مطالبات من الوزن الثقيل: لامركزية، حكم ذاتي، حماية دولية، زادت تظاهرة السويداء السبت 16 أغسطس/ آب الجاري الموقف حدّة بمطالبتها بحق تقرير المصير، والمناداة بالعلمانية مدخلاً لكسب الندّية والمساواة مع أكثرية مذهبية حاكمة، لأن العلمانية تقضي بهما، وتحرير العلاقات بين الأديان والمذاهب الدينية من ثنائية أكثرية وأقليات دينية، يمكن تلمّس هذا المسعى حتى في المجال السياسي، حيث مال أبناء الديانة المسيحية والمذاهب الإسلامية الصغيرة إلى الالتحاق بالأحزاب الشيوعية والعلمانية للسبب نفسه: البحث عن العدالة والمساواة في بيئة قابعة تحت ثقل ثنائية أكثرية وأقليات دينية مجلّلة بذكريات تاريخية شديدة المرارة. ترتب على هذه التركيبة الخطيرة تعميق التفكك الاجتماعي وتكريس الانقسام السياسي وتحويل سورية إلى ساحة للتنافس الإقليمي والدولي ابتلع دور السلطة وحضورها، حدّ من مساحة تحرّكها وقيد قدرتها على المناورة، وعلى بسط سيطرتها على الأرض السورية.
يقتضي الموقف الدقيق والخطير تحرّكاً عاجلاً على صعيدين، صعيد السلطة السورية الجديدة بتبريد البؤر الساخنة في الساحل والسويداء وشمال سورية وشرقها وتنفيذ إعلاناتها المتواترة بشأن معاقبة مرتكبي الانتهاكات بحق المواطنين ورفع الحصار عن السويداء ومدّها بالأغذية والأدوية والكهرباء والماء والإعلان عن استعدادها لإعادة نظر شاملة بما اتخذته من قرارات وأصدرته من مراسيم، من توصيات “همروجة” مؤتمر الحوار إلى الإعلان الدستوري، والبدء بذلك عمليا. الصعيد الثاني من شيوخ المذهب الإسلامي الأكبر، السُنّة، ومجلس الإفتاء العتيد، الذي يستطيع كسر الجليد بينه وبين بقية المذاهب الإسلامية بالاعتراف بشرعيتها وانتمائها إلى الجذر الإسلامي، كما فعل شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت عام 1959 عندما أفتى بالاعتراف بالمذهب الشيعي الاثني عشري وعدّه مذهباً خامساً في الإسلام يجوز التعبّد به، والقول إن اجتهاداتها الخاصة لا تخرجها من الدين الحنيف، حيث إنها متمسّكة بأصول الإيمان الثلاثة: الله والرسل واليوم الآخر، بقدر ما تجعلها صاحبة اجتهاد خاص. وتعديل نظرته إلى أصحاب الديانات السماوية الأخرى التي لها قراءات خاصة لطبيعة الذات الإلهية، ما أثار شكوكاً بشأن حقيقة توجهها التوحيدي، علما أن في اجتهادات مسلمين مواقف مشابهة تتعلق بطبيعة الله عز وجل كالمشبهة والحشوية واتباع القول بوحدة الوجود وإسباغ أصحاب الحديث على الحديث النبوي الشريف مكانة أكبر من مكانة القرآن الكريم تجسّد في قولهم إن الحديث النبوي ينسخ القرآن الكريم، مواقف تعكس نقطة ضعف في العقل البشري الذي لم ينجح في التفاعل مع كيان مجرد وتقبّله والتعايش معه ما دفعه إلى وضع المجسّد والملموس في مكانه والتعاطي معه باعتباره الأصل والمنبع، وترك الفصل بينها لله عز وجل كما قال في محكم كتابه: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ” (الحج: 17).
العربي الجديد
————————
—————————-
======================



