معضلة التعيينات بين الولاء والكفاءة -مقالات مختارة-

معضلة التعيينات بين الولاء والكفاءة/ عدنان علي
2026.02.03
أثارت التعيينات الأخيرة في وزارة الخارجية داخل الساحة السورية موجة واسعة من الجدل والنقاش العام، وهو جدل لم يتوقف عند أسماء المعينين فحسب، بل امتد ليشمل “فلسفة التعيين” ذاتها في هيكلية الدولة الجديدة، حيث تتركز الانتقادات اليوم حول غياب المعايير المهنية الواضحة، وصغر سن بعض الكوادر التي كُلفت بمهام دبلوماسية جسيمة، فضلاً عن المخاوف من عودة “شبح المحسوبية” وصلات القرابة كعامل حاسم في تولي المناصب السيادية. إننا أمام تساؤل جوهري: هل نبني دولة مؤسسات تقوم على الكفاءة، أم نستنسخ آليات الإدارة القديمة بوجوه جديدة؟
الواقع أن هذه الانتقادات ليست وليدة اللحظة، بل هي صدى لمخاوف متراكمة من تكرار الأنماط الإدارية التقليدية التي تعتمد على “التزكية والولاء” بدلاً من “الاستحقاق والخبرة”. في الدولة المنشودة، يُفترض أن تكون المسطرة التي يُقاس بها المرشح للمنصب العام هي الكفاءة المعرفية والنزاهة الأخلاقية، مع شرط إضافي حاسم وهو عدم التورط في انتهاكات النظام المخلوع. لكن الصورة الراهنة تعكس آليات قرار تبدو محصورة في دوائر ضيقة، حيث تتم بعض الاختيارات بعيداً عن أعين الرقابة العامة أو المسابقات الوظيفية الشفافة، مما يفتح الباب للتأويلات حول غياب تكافؤ الفرص.
يستند المدافعون عن التعيينات الأخيرة إلى التاريخ النضالي للأشخاص المعنيين وتجربتهم الميدانية في الشمال السوري، مع التشديد على نزاهتهم الشخصية وما حققوه من تحصيل علمي رغم ظروف قاهرة. لا خلاف على هذه المعطيات ولا على حجم التضحيات الميدانية، غير أن الإشكال السياسي يبقى مطروحاً: هل تكفي السيرة الحميدة وحدها لإدارة ملفات بالغة الحساسية كالعاصمة الأميركية واشنطن وغيرها؟
العمل الدبلوماسي ليس مجرد منصب تشريفي، بل هو فن يتطلب إتقان لغة الحوار الدولي، وفهم بروتوكولات معقدة، وامتلاك شبكة علاقات قوية. إن الدبلوماسي في هذه المرحلة هو وجه الثورة والدولة معاً، وهذا يتطلب تكويناً معرفياً تراكمياً لا يمكن اختزاله في “النية الحسنة” أو النضال الميداني، فالدبلوماسية علم يُدرس وتجربة تُصقل بالوقت، وليست هبة تهبط فجأة بموجب قرار تعيين.
اليوم، يروج البعض لفكرة مفادها أن الولاء والنزاهة هما الأساس، أما “الخبرة فيمكن اكتسابها لاحقاً”. هذا المنطق قد يصلح كترضية أخلاقية، لكنه انتحار إداري. فالدولة لا تُدار بالتدريب خلال العمل في مناصب حساسة، والخطأ الدبلوماسي أو الإداري في هذه المرحلة قد يكلف البلاد فرصاً استراتيجية لا تُعوض.
ومن أخطر الظواهر التي ترافقت مع هذه التعيينات هي شبهة الإقصاء على أساس جغرافي. فليس صحيحاً، ولا ينبغي أن يكون، أن الوطنية السورية محصورة فيمن عاش في بقعة جغرافية معينة (مثل إدلب ومحيطها) قبل عام 2024 فالتشكيك في ولاء السوريين الذين عاشوا خارج هذه المناطق هو لغم يهدد الوحدة الوطنية.
ينبغي على الحكومة الآن أن تثبت أنها لكل السوريين، وأن المعيار الوحيد للثقة هو القانون والكفاءة. وبناء الثقة بين الدولة والمواطن يبدأ عندما يشعر الدبلوماسي في دمشق، والطبيب في حلب والرقة والصحفي في درعا والمغترب في أوروبا، أن أبواب الخدمة العامة مفتوحة له بناءً على ما يحمله في رأسه من علم، لا على ما يملكه من وسائط أو تزكيات.
لا شك أن بناء الدولة الحديثة يتطلب “ثورة إدارية” لا تقل أهمية عن الثورة السياسية، تقوم على تفعيل المسابقات العامة، وتحييد الرغبة في الاستئثار بالسلطة، وإرساء مبدأ “الرجل المناسب في المكان المناسب”.
إذا أرادت الحكومة اليوم أن تكسب رهان الاستمرارية والشرعية، فعليها أن تدرك أن المواطن لن يقبل بـ “الولاء” بديلاً عن “الأداء”. إن الطريق الأسلم لتعزيز دور الدولة هو إقناع الناس بأن الكفاءة هي المصعد الوحيد للمناصب.
تلفزيون سوريا
———————————
تعيينات الخارجية السورية تثير جدلاً واسعاً/ محمد أمين
30 يناير 2026
لم تكد تظهر تسريبات عن أسماء عدد من القائمين بالأعمال في سفارات سورية، عُيّنوا في سفارات في دول فاعلة ومؤثرة في الملف السوري، حتى أُثيرت تساؤلات عن المعايير التي تنتهجها وزارة الخارجية السورية في الحكومة الجديدة في تعيين رؤساء بعثات خارجية، لا سيما أن العدد الأكبر منهم لم يتدرج في خطوات تؤهله لشغل هذه المناصب. وبحسب تسريبات غير رسمية، عُيّن محمد قناطري قائماً بالأعمال في سفارة سورية في الولايات المتحدة، وفي روسيا أشهد صليبي، ومحسن مهباش في السعودية، ومحمد الأحمد في مصر، وإياد هزاع في لبنان، وفي ألمانيا محمد براء شكري، وفي الصين زكريا لبابيدي. وبحسب مصادر مطلعة، ما تسرب هو جزء من قائمة أطول لوزارة الخارجية السورية تشمل جميع العواصم المهمة، مشيرة إلى أن الدبلوماسيين المعيّنين اتبعوا دورات رفع مستوى وتأهيل دبلوماسي في الأردن والسعودية.
تعيينات الخارجية السورية
وتوقف ناشطون على وسائل التواصل عند بعض الأسماء التي عُينت في هذه المناصب الدبلوماسية الرفيعة، ومنها محمد براء شكري كونه ابن وزير الأوقاف في الحكومة السورية. وكان شكري يشغل منصب مدير إدارة أوروبا في وزارة الخارجية السورية سابقاً. وكان القائم بالأعمال المعيّن في واشنطن (قناطري) نائب مدير إدارة أميركا في الخارجية، وسبق له العمل في هيئة إدارة الشؤون السياسية في “حكومة الإنقاذ” في إدلب، شمال غربي سورية، التي كان يديرها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني. ومُنح قناطري منصب القائم بالأعمال في واشنطن رغم وجود عدد من الدبلوماسيين المنشقين في الولايات المتحدة، وأبرزهم جهاد مقدسي الذي كان ناطقاً باسم وزارة الخارجية السورية قبل انشقاقه في عام 2012، وبسام بربندي الذي كان دبلوماسياً في السفارة السورية في واشنطن قبل انشقاقه.
وقد أعادت وزارة الخارجية السورية هيكلة الإدارات والسفارات والبعثات الدبلوماسية في الخارج بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، معتمدة على مجموعة من الدبلوماسيين الجدد. كما أعادت الوزارة سفراء عُيّنوا إبان النظام البائد إلى الإدارة المركزية، وأجرت مجموعات تعيينات لعل أبرزها: تعيين إبراهيم العلبي، وهو محام ومستشار قانوني متخصص في القانون الدولي، سفيراً مفوضاً فوق العادة ومندوباً دائماً لسورية لدى الأمم المتحدة في نيويورك في أغسطس/آب العام الماضي. وأعادت الخارجية السورية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي العشرات من الدبلوماسيين الذين انشقوا عن النظام البائد إلى السلك الدبلوماسي، ومنحت البعض منهم لقب سفير، ولكن من دون إسناد مهام لهم، خصوصاً لجهة تمثيل البلاد في الخارج لا سيما أن الخبرات التي اكتسبوها تؤهلهم لهذه المهمة.
ولكن مصدراً في الخارجية السورية قال في حديث مع “العربي الجديد” إن هذه التعيينات “مؤقتة أملتها الظروف التي تمر بها البلاد”، مؤكداً أن الوزارة “لم تُقصِ أو تهمّش الدبلوماسيين المنشقين عن النظام البائد”. وأضاف أنها بصدد وضعهم في الأماكن المناسبة لهم خلال الفترة المقبلة. وبيّن أنه عُيّن السفير المنشق عن النظام البائد عبد اللطيف دباغ قنصلاً عاماً في دبي في أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وأشار إلى أن الدبلوماسيين الجدد “قادرون على النجاح، فهم يملكون القدرة والحماسة لذلك”، مضيفاً: الخبرات تُكتسب بالعمل. كما بيّنت مصادر مطلعة لـ”العربي الجديد” أن بعض الدول العربية “وضعت شرط الكفاءة والخبرة لقبول مرشحين لشغل منصب السفير السوري لديها”، مضيفة: العرف الدبلوماسي يقتضي موافقة الدولة على اسم المعيّن لديها. وأشارت إلى أنه “ليس لدى وزارة الخارجية السورية حالياً العدد الكافي لتعيينهم سفراء، لذا تكتفي حالياً بتعيين قائمين بالأعمال”، مضيفة: الوزارة حالياً بصدد إعادة تأهيل عدد ممن تم تعيينهم في الوزارة بعد إسقاط نظام الأسد.
وقالت إن الكفاءة الدبلوماسية والخبرة المطلوبة لشغل المناصب الرفيعة في وزارة الخارجية موجودة لدى فلول نظام الأسد من الدبلوماسيين، والاعتماد على هؤلاء مرفوض شعبياً وأخلاقياً. ورأت المصادر أن الحل الموجود حالياً “هو تقديم المنشقين عن وزارة الخارجية إبان النظام البائد من سفراء ودبلوماسيين، والاستعانة بسفراء سابقين مشهود لهم بالكفاءة”.
وتعليقاً على التعيينات الجديدة في وزارة الخارجية، وجّه سفير سورية السابق في السويد بسام العمادي في حديث مع “العربي الجديد” انتقاداً لاذعاً لوزارة الخارجية، معتبراً التعيينات الجديدة “خارج الأصول المهنية في تعيين الدبلوماسيين. فكيف بتعيين رؤساء للبعثات؟”. وتابع: الدبلوماسي يتدرب على الأقل عامين في الوزارة، ويتبع دورات دبلوماسية ثم يُرسل ملحقاً في إحدى السفارات، وبعدها يترفع في المنصب، ولا يتسلم العمل رئيساً للبعثة قبل مرور على الأقل 15 عاماً في العمل الدبلوماسي. وأشار إلى أن هذا العمل “يتطلب معرفة عميقة بالشؤون الإدارية والقنصلية والثقافية والإعلامية والتواصل مع المسؤولين في الدولة المضيفة والقيام بأعمال تفاوض”، مضيفاً: “هذا كله ضمن أصول بروتوكولية صارمة يؤدي الإخلال بها إلى إساءة للعلاقات الدبلوماسية”.
كما أشار العمادي إلى أن هناك في العرف الدبلوماسي “تعيينات لسياسيين تجرى من خارج وزارة الخارجية يرسلون سفراء”، مضيفاً: “ولكنهم يتسلمون العمل في سفارات قائمة يعمل بها دبلوماسيون محترفون ويبقى عليهم فقط القرار السياسي. وأضاف: “في الحالة السورية، هذا غير صحيح. لأن الموجودين في السفارات في معظمهم فلول النظام البائد، وسيعملون على إفشاله أو وضع عوائق مهنية تسقطه، ناهيك عن عدم قدرته على معرفة الأصول المتبعة في العمل في السفارات. وأشار إلى أن “التجارب السابقة تثبت أن معظم من جاء من خارج الوزارة سفيراً كان فاشلاً بامتياز، حتى لو عمل في السياسة مدة طويلة، لأن هناك أموراً كثيرة غائبة عنه في العمل الدبلوماسي”، مضيفاً: “ما يحدث في وزارة الخارجية السورية هو وصفة للفشل، وسيتضح ذلك قريباً جداً. المنشقون أعيدوا على الورق من دون عمل ومن دون تحميلهم أية مسؤولية بالرغم من الحاجة الماسة لهم.
مقاربة الدولة الفتية
من جانبه، رأى الباحث في المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة محمد السكري، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “مقاربة الحكومة السورية لهذا الملف، مقاربة الدولة الفتية”، مضيفاً: “تفُضّل سياسة الاستثمار الاستراتيجي في الكوادر. وأشار إلى أن “جزءاً من الاعتراضات حول سياسة التعيينات هو أن المعينين هم من الفئة الشبابية”، مبدياً اعتقاده أن هذا اعتراض تقريري كلاسيكي، وهناك مسلّمات في السياق السوري فحواه أن وجود شباب بين سني 25 و35 أو حتى ربما تمتد هذه الفئة العمرية السياسية إلى 40، يعني عدم وجود خبرة وقدرة وأهلية. وتابع: “أعتقد أن النظرة إلى عمر المعينين بدلاً من خلفياتهم الأكاديمية والسياق الذي يعينون به والاستراتيجية التي أيضاً مرتبطة برؤية الحكومة السورية، قد تكون قاصرة”.
وأوضح السكري أنه لا يوجد حتى اللحظة سفراء في سورية للكثير من الدول، مشيراً إلى أنه “لا يمكن تعيين سفراء أيضاً من قبل الحكومة السورية في هذه الدول”. وأضاف أنه بالسياسات الحوكمية الدبلوماسية، لا بد أن يكون هناك التناظر الدبلوماسي، فمصطلح القائم بالأعمال أو منصب القائم بالأعمال هو منصب مرحلي متعلق بتقدم العلاقات بدرجة أساسية. ورأى السكري أن “تعيين شاب أو شابة في منصب القائم بالأعمال قد يكون صحيحاً في هذا الإطار”، مضيفاً: “يجب أن نأخذ العوامل السياسية والبيروقراطية التقنية بعين الاعتبار”. ورأى أنه “جرى تعيين شخصيات لديها تحصيل علمي أكاديمي متقدم. هناك تباين في الخلفيات الفكرية للمعينين، وجزء من التعيينات ذو طابع بيروقراطي تقني. وأشار إلى أن “هناك سياقاً سياسياً وحوكمياً أُخذ بعين الاعتبار من قبل الحكومة بما يتعلق بهذه التعيينات”، مضيفاً: هناك استحقاقات سورية تفرض شكل التعيينات. يجب أن تكون نظرة الذين يرون أن لهم الأحقية مرتبطة بالواقع السياسي والأمني.
العربي الجديد
————————————–
دبلوماسية “اللون الواحد” تثير استياء الشارع السوري/ مصطفى رستم
توزعت الآراء بين مؤيد ومعارض لهذه التعيينات
السبت 31 يناير 2026
ذكر دبلوماسيون قدامى أن العمل في السلك يتطلب تدرجاً بالسلم الوظيفي، فالموظف يمر بدرجة سكرتير ثالث عند تعيينه، ويقضي في هذه الدرجة 3 سنوات في الأقل في إحدى البعثات، ويرقى إلى سكرتير ثانٍ بعد تقييم عمله، وكذلك المدة نفسها كسكرتير أول، ومستشار، وعقب ذلك وزير مفوض وسفير، وهذه الدرجات تحتاج إلى سنوات لا تقل عن 15 في العمل الدبلوماسي.
أثارت تسريبات في وزارة الخارجية السورية عن تعيين أسماء في مناصب رؤساء بعثات دبلوماسية وقائمين بالأعمال جدالاً واسعاً في الشارع السوري، لا سيما أن شخصيات غير معروفة ستتولى مسؤوليات حساسة في دول أجنبية وعربية، ومعظمهم ليست لديهم الخبرة المطلوبة التي تستحق تسلمها هكذا مناصب خارج البلاد.
وعرف من بين هذه الأسماء بمنصب قائم بالأعمال: محمد قناطري (الولايات المتحدة الأميركية)، ومحمد براء شكري (ألمانيا)، وزكريا لبابيدي (الصين)، ومحمد مهباش (السعودية)، ومحمد الأحمد (مصر)، وغيرهم.
وانقسم السوريون بين مؤيد ومعارض لهذه التعيينات، فمنهم من اعتبرها خللاً إدارياً، وفضيحة مدوية، لا سيما أن القرار اعتمد على ولاءات، ومعظم المعينين يطلق عليهم اسم “أبناء الثورة”، أي إنهم شاركوا بها، وسأل كثر هل هذا السبب وراء إبعاد الدبلوماسيين المؤهلين والمدربين بذريعة أنهم كانوا يعملون، في زمن الحرب، بمؤسسة وزارة الخارجية، وانتقد آخرون الإجراء بوصفه يندرج من باب تقاسم السلطة بين شخصيات بلون واحد.
في مقابل هذه الآراء، دعا مؤيدو هذه التعيينات إلى توسيع دائرة التغيير لتشمل مزيداً من التبديلات في المواقع الدبلوماسية للاستغناء عن دبلوماسيي الرئيس المخلوع بشار الأسد، والاستعانة بالدبلوماسيين الذين انسحبوا أو أعلنوا انشقاقهم عن عملهم بوزارة الخارجية منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011 وإعادتهم إلى مناصب رفيعة.
واجهة البلد
كانت وزارة الخارجية أعادت قبل عام ترتيب بيتها الداخلي عبر إعادة هيكلة الإدارات، وكذلك البعثات بالاعتماد على شخصيات جديدة تنتمي للثورة السورية.
وأفادت مصادر سياسية بأن التعيينات المتوقع صدورها قريباً تعود لسفراء ومناصب إدارية، ومن المرجح تعيين شخصيات ذات كفاءة سياسية عالية، إضافة إلى أن القائمين بالأعمال الجدد اتبعوا دورات رفيعة المستوى داخل البلاد وخارجها وباتوا مهيئين بصورة جيدة.
آلية صناعة القرار
في السياق قال السياسي السوري طلال عبدالله جاسم “آليات التعيين والتأهيل ومعاييره لم تتضح بعد، ولم تعرض كفاءات الأشخاص الذين جرى اختيارهم. في المقابل، يلاحظ غياب شبه كامل للسفراء المنشقين، ولعدد من السياسيين السوريين المعروفين ممن يمتلكون خبرات عميقة في سياسات الدول المستضيفة، وفهماً دقيقاً لآليات صناعة القرار فيها، على رغم إعادة بعضهم من دون توضيح أدوارهم المستقبلية”، وأضاف “يثير استمرار بقاء عدد من السفراء وموظفي السفارات الذين عينهم النظام السابق لخدمة أجهزته الأمنية، لا لخدمة الدولة والمواطنين، حال قلق وتساؤل لدى السوريين عموماً، والمغتربين خصوصاً، ولم تقدم الإدارة السورية تفسيرات مقنعة، مكتفية بتبريرات تتعلق بالحفاظ على الخدمات أو الخشية من اضطرابات غير محسوبة، بخاصة في ظل الارتباط السابق لكوادر تلك السفارات بالأجهزة الأمنية”. وتابع جاسم أن “تعيين أشخاص في مواقع دبلوماسية عليا من دون امتلاكهم الخبرة العلمية والتقنية والمهنية اللازمة، يعد مخاطرة كبيرة بمصالح الدولة السورية في الخارج، وبمصالح الجاليات السورية، بل بمستقبل هؤلاء الشبان أنفسهم لأن أي فشل سينعكس على مستقبلهم السياسي والعملي، فالتحديات المطروحة أمام البعثات الدبلوماسية تشمل إعادة تفعيل العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية، والتواصل مع مراكز القرار والإعلام، وتنظيم شؤون الجاليات في بيئات تعاني استقطاباً وانقسامات حادة، وهي مهام تتطلب خبرة طويلة وقدرات عالية”، وأوضح أنه “من المعروف أن رتبة القائم بالأعمال أو السفير لا تكتسب بالقفز فوق المراحل، بل تحتاج إلى مسيرة علمية وعملية تمتد عقوداً. ففي عديد من الدول، لا يصل الدبلوماسي إلى هذا الموقع إلا بعد 20 أو 30 عاماً من الخبرة، إضافة إلى إعداد قانوني ودبلوماسي عميق، وإتقان لغوي عالٍ، ليس فقط للغة الإنجليزية، بل للغة الدولة المستضيفة، لما لذلك من أثر مباشر في تجنب الأزمات السياسية وفهم السياقات المحلية بدقة”.
دبلوماسيون سابقون
في الأثناء، تداول سوريون اسم الدبلوماسي السوري جهاد مقدسي الذي عمل، قبل انشقاقه عن النظام المخلوع، متحدثاً باسم وزارة الخارجية، وتساءل ناشطون عن موقعه في الوزارة اليوم، بخاصة أنه لم يعين بأي منصب، أو يشغل مسؤولية وهو دبلوماسي محنك، وهناك أيضاً أسماء لدبلوماسيين منشقين ليسوا في واجهة عمل الخارجية، ورد المقدسي مباركاً للقائمين بالأعمال وقال “افتتاح السفارة في واشنطن خبر إيجابي وسعيد لنا جميعاً كجالية ومغتربين. نتمنى التوفيق لهم جميعاً في مهامهم”.
أثارت تعيينات حديثة في وزارة الخارجية السورية جدالاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، وسط انتقادات بأن غالبية المعينين سبق أن عملوا في إدارة الشؤون السياسية في إدلب شمال سوريا، ما اعتبره منتقدون عودة إلى نهج اختيار المسؤولين على أساس سياسي.
وتزايد الجدل بعد تعيين محمد براء شكري، نجل وزير الأوقاف، قائماً بالأعمال في برلين، في ظل انتقادات تتعلق بحداثة خبرته الدبلوماسية التي لا تتجاوز عاماً واحداً، على رغم توليه مناصب في الوزارة منذ مطلع 2025، من بينها مدير الشؤون الأوروبية ضمن تعيينات صدرت في الـ30 من مايو (أيار) الماضي.
سلم وظيفي
في غضون ذلك أعادت وزارة الخارجية عشرات الدبلوماسيين المنشقين في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2025، ضمن سياسة الدولة بإعادة الخبرات والكوادر الفنية، ومنها الخارجية، ومن بينهم سفراء وقناصل وموظفون إداريون، والتقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني معهم بعد قرار إعادتهم إلى عملهم، وأعرب حينها عن تطلع الحكومة “نحو بناء دولة يشعر جميع أبنائها بالأمان والانتماء والشراكة الحقيقية والتكامل في علاقاتها الإقليمية والدولية”.
وذكر دبلوماسيون قدامى أن العمل في السلك يتطلب تدرجاً بالسلم الوظيفي، فالموظف يمر بدرجة سكرتير ثالث عند تعيينه، ويقضي في هذه الدرجة ثلاث سنوات في الأقل في إحدى البعثات، ويرقى إلى سكرتير ثانٍ بعد تقييم عمله، وكذلك المدة نفسها كسكرتير أول، ومستشار، وعقب ذلك وزير مفوض وسفير، وهذه الدرجات تحتاج إلى سنوات لا تقل عن 15 في العمل الدبلوماسي.
في هذا الوقت، استغرب المستشار المالي عبدالسلام المبروك طريقة التعيينات الأخيرة في ظل العهد الجديد، ورأى “أنها جاءت بقرار سياسي. كان النظام البائد يهب هذه الدرجات بقرار سياسي متجاوزاً التدرج الوظيفي والخبرات وأصحاب الكفاءات”.
في المقابل، اعتبر مؤيدو هذه التعيينات “أنها موفقة استناداً إلى ضرورة الاعتماد على الكفاءات الجديدة والوجوه الشابة، في وقت أثبتت فيه وزارة الخارجية كفاءة عالية خلال عام من العمل المتواصل بعد التحرير في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024، ومن الضروري إعطاء فرصة للدبلوماسيين الشبان ليثبتوا قدراتهم على أرض الواقع”.
الاستقرار المؤسسي
وسط هذه الأجواء، طرح السياسي السوري طلال عبد الله جاسم تساؤلات عدة حول استبعاد الكفاءات “إذ يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا يتم استبعاد السفراء المنشقين والسياسيين السوريين ذوي الكفاءة العالية والخبرة الدولية الواسعة على رغم أنهم أبناء الثورة وانحازوا لشعبهم من دون أي مبرر منطقي؟ لا سيما أن السفراء يفترض أن يكونوا موظفين دائمين بالملاك العام، في حين يعمل عديد من المعينين الجدد بصفة عقود موقتة، ما يضعف الاستقرار المؤسسي للعمل الدبلوماسي ويؤثر في شرعيتهم”، وشدد على ضرورة القيام بمراجعة شاملة لعمل وزارة الخارجية، لا سيما أن وزير الخارجية الشيباني يبذل جهداً واضحاً، ويحسب له السعي لإعادة تفعيل الدور الخارجي لسوريا، إلا أن حجم التحديات المطروحة يتطلب كادراً خبيراً ومتمرساً وقادراً على إدارة ملفات كبرى، مثل جذب الاستثمارات، ومعالجة القضايا القانونية والدبلوماسية المعقدة، وإعادة بناء صورة الدولة السورية في الخارج”، وتابع “ليس واضحاً حتى الآن ما إذا كانت الحكومة تعتمد على الأشخاص المناسبين لمواجهة التحديات في أعمال السفارات والقنصليات، ولا سيما بعد تعيين عدد من الشبان من تيار معين في مواقع كبرى في أهم الدول بالنسبة إلى سوريا، إذ تبدو الشراكة والتمثيل والعدالة وتكافؤ الفرص من أبرز الغائبين، إضافة إلى أن الزج بشبان من دون خبرة أو تجربة مخاطرة كبيرة جداً على مصالح سوريا في تلك الدول، وعلى مصالح المهاجرين السوريين”.
——————————-
تعيينات المناصب بين الكفاءة والمحسوبيات/ حسام جزماتي
2026.02.02
لدى السلالة الكبيرة من آل الأسد سردية خاصة بهم عن «مظلومية» لم يسمع عنها معظم السوريين لكنها تُطرح في داخل العائلة على أنها حقيقة ثابتة. وهي أن «المؤسِّس» حافظ الأسد كان حذراً للغاية من تعيين الأقارب الذين يحملون كنيته في المناصب العليا التي يستحقونها -وفق رأيهم طبعاً- لئلا يستغل خصومه ذلك فيتهموه بالحكم العائلي. ولذلك لجأت الآساد المتناثرة هنا وهناك، المحرومة من الفرصة، إلى «الأعمال الحرة»، كالتخليص الجمركي الحصري في المرفأ، وفرض الخوّات مقابل الحماية، والتهريب، والتشبيح، وما إلى ذلك من أبواب الاسترزاق. أما من ظهروا من آل الأسد في الحياة العامة فقد اضطر حافظ إليهم ولم يجد عنهم بديلاً مكافئاً. كشقيقه رفعت قائد قوات «سرايا الدفاع»، وابن شقيقه عدنان قائد «سرايا الصراع» المنافِسة، وابن شقيقه كمال الرئيس المزمن لغرفة تجارة وصناعة اللاذقية، وبعض الأسماء الأخرى.
وفي المرحلة التي كان الأب يعدّ فيها ابنه لوراثة الحكم، ونوقش الأمر على منصات إعلامية عربية لا داخلية بطبيعة الحال؛ فإن ممثلي النظام في هذه السجالات كانوا يعتمدون طرحاً أساسياً هو أن بشار، الشاب الطبيب المثقف خريج الغرب والضابط الملتزم والمعلوماتي المبشر؛ ينبغي ألا تحول بنوّته لرئيس البلاد دون أن يكون رئيساً بدوره. فأي شخص في مكانه، يملك هذه المواصفات كلها، يستأهل الفرصة التي يجب ألا يعوقها نسبه الأسري!
وربما لم يعد من المستغرب أن يلجأ بعض أنصار السلطة الحالية إلى تكرار حجج سبق أن استخدمها مؤيدو العهد «البائد»، سواء أدركوا ذلك أم لا. ولذلك قرأنا وسمعنا من يقول مؤخراً إن القرابة ليست مانعة من تولي المسؤولية لأن وجود كفاءات كثيرة في عائلة كبيرة أمر طبيعي في المجتمع السوري. ولا يعقل أن يتم حرمان كفاءة معينة فقط لأن له أخاً أو أباً يشغل موقعاً آخر من الوظائف العامة البارزة. وقد ظهر هذا التبرير بعد انتشار أكثر من خبر عن قرارات بتسليم مناصب مرموقة لبعض أقارب الدرجة الأولى لمسؤولين كبار في الحكومة.
والحق أن هذا النوع من المصادفات قد يحصل بالفعل لكن تنزيهه عن المحسوبية يطلب شروطاً عدة. ربما كان أولها بقاؤها في حدود نسبة عددية معقولة للمصادفة لا أن تصبح ظاهرة مألوفة. وثانيها وجود معايير محايدة ودقيقة لتقدير الكفاءة المفترضة للأقارب المعيَّنين لا مجرد التزكية أو الـCV السريع. وثالثها حصول ذلك في بيئة سياسة وعمل طبيعية، لا في مرحلة انتقالية فيها كثير من السجالات عن حكم الجماعة والعُصبة.
وهنا أتت الحجة الثانية التي تقول إن هذه المرحلة المصيرية والحساسة لا تحتمل التجريب ولا التهاون في مسألة الثقة، حذراً من تسلل أعداء الحكم إلى داخل أجهزته لتخريبه أو الانقلاب عليه. ولذلك يفضّل المسؤولون أن يعملوا مع من تم تجريبهم، أو مع أقارب مضموني الولاء لا تُتوقَّع منهم الخيانة والغدر. ويتناقض هذا الطرح مع رؤية «سوريا الجديدة» لسيرها وأهدافها الحالية كما جرى التعبير عنها مراراً؛ من الانتقال إلى «عقلية الدولة» التي لا تتوافق مع حكم الثقات بل مع تكافؤ الفرص، إلى رفض المحاصصة الطائفية في المناصب على الطريقة اللبنانية واعتماد المؤهلات معياراً معلناً، وأخيراً إلى التعاون مع بعض رجالات النظام السابق الذين ربما ينطبق عليهم وصف «الفلول» أكثر من غيرهم بكثير، في أمثلة شهيرة أثارت كثيراً من الجدل.
أما الحجة الثالثة فهي مرتبطة بالجو الإسلامي السائد في البلاد حالياً. وتستند إلى قصة موسى وهارون عليهما السلام، حين بشّر الله كليمه بقوله ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾. والحال أن هذه حالة لم يشتهر تكرارها في سير الأنبياء كما تروي الكتب المختصة بذلك. صحيح أن بعض الأنبياء كانوا من سلالة واحدة متتالية لكن كلاً منهم عاش قصة رسالته الخاصة. أما سيرة الأنبياء الإخوة فليست مألوفة. مما يحيل، مرة أخرى، إلى الفارق بين الوقائع المفردة، أو قليلة الحدوث، وبين ما يبدو أنه يتحول إلى ظاهرة في الواقع الحالي.
ناهيك عن أن نموذج البلاد الذي تقول السلطة إنها تسعى إليه، وهو الذي يجمع بين أحدث المعطيات التقنية والأنظمة الإدارية وقوانين الاستثمار الجاذبة مع الانفتاح على الغرب وبناء الشراكات مع مؤسساته المالية والتنموية؛ لا ينسجم مع «عقلية الحجي» التي تدار بها بعض المشروعات العائلية الموروثة عن بنية اقتصاد تقليدي كان يميز العالم القديم واستمر في سوريا بحكم الخوف من نهب الدولة أو ممثليها أو أقارب بعض رموزها المعروفين.
ولعلاج ذلك كله، وسواه من العيوب التي تتناوب على المشهد، ثمة وصفة لا تتقادم رغم كثرة تكرارها. تتلخص في التشاركية النزيهة اللائقة ببلد خاض ثورة شرسة وهو يستحق أن يجني ثمارها القريبة بحكومة تسعى إلى تحقيق معايير الشفافية والعدالة والابتعاد عن المحسوبيات.
ومهما بدت القيم الأولى للثورة مطمورة تحت ركام الانفعالات الآن فإنها صلبة بما يكفي لأن تعيد الأمور إلى نصابها مجدداً وتفرض نفسها على جميع الذين اضطروا إلى التسليم بها علناً رغم كراهيتهم الضمنية ولن يستطيعوا التهرب من استحقاقاتها لوقت طويل. فقد سقط الأبد إلى غير رجعة…
تلفزيون سوريا
——————————–
التعيينات الدبلوماسية السورية بين منطق الشراكة وضرورات المرحلة الانتقالية/ طارق كتيلة
2026.02.02
في خضمّ الجدل الدائر حول جدول تعيين القائمين بأعمال السفارات السورية في عدد من العواصم المؤثرة، مثل واشنطن وبرلين وغيرها، انقسمت الآراء داخل الأوساط السورية بين اتجاهين واضحين، يعكسان في جوهرهما أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة المرحلة الانتقالية، وحدود التغيير الممكن، وأولويات الحكم في لحظة سياسية شديدة الحساسية.
الوجهة الأولى: توسيع الشراكة السياسية
ينطلق أصحاب هذا الرأي من تطلّع مشروع إلى أن تكون الحكومة السورية الجديدة أكثر انفتاحاً وتمثيلاً لتنوّع التيارات التي شاركت في الثورة السورية، أو ساندتها سياسياً وشعبياً على مدى سنوات. كثير من السوريين كانوا يأملون أن تشكّل التعيينات الدبلوماسية فرصة لإشراك شخصيات مدنية وثورية من خارج هيئة تحرير الشام، ولا سيما أن هذه المواقع تمثّل واجهة الدولة الجديدة أمام العالم، وتحمل أبعاداً رمزية لا تقل أهمية عن أدوارها العملية.
من هذا المنظور، بدت بعض التعيينات مفاجئة، بل ومحبِطة للبعض، لأنها أعادت إنتاج دائرة ضيقة من الثقة السياسية، بدلاً من توسيعها. ويخشى أصحاب هذا الرأي أن يؤدي ذلك إلى ترسيخ انطباع خارجي بأن التغيير لم يصل بعد إلى مستوى التنوع السياسي والمؤسساتي الذي حلم به السوريون بعد سقوط نظام الأسد، وأن منطق “الاستحواذ” قد يطغى على منطق “الشراكة”، ولو مؤقتاً.
الوجهة الثانية: منطق المرحلة الانتقالية
في المقابل، هناك رأي آخر – وهو الأقرب إلى قناعتي في هذه المرحلة – يرى أن ما يجري مفهوم إلى حدّ بعيد إذا ما وُضع في سياقه الزمني والسياسي الصحيح. نحن أمام مرحلة انتقالية شديدة الهشاشة، لا تزال فيها بنية الدولة قيد التشكّل، ولا تزال التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية متداخلة ومعقّدة. في مثل هذه الظروف، تميل القيادات الجديدة بطبيعة الحال إلى الإبقاء على المناصب الحساسة بيد أشخاص يحظون بثقة عالية وقريبة، ليس بدافع الإقصاء، بل بدافع الحفاظ على تماسك القرار وضبط إيقاع المرحلة.
الدبلوماسية، خصوصاً في العواصم الكبرى، ليست مجرد عمل بروتوكولي، بل هي امتداد مباشر للسياسة العليا، وأي خلل أو تناقض في الرسائل قد تكون كلفته باهظة. من هنا، يمكن فهم رغبة القيادة السورية الجديدة في ضمان الانسجام السياسي الكامل بين الداخل والخارج، ريثما تستقر مؤسسات الحكم الانتقالي وتتوسع دائرة المشاركة لاحقاً.
بين النقد والتجربة الشخصية
شخصياً، أتفهم جانباً كبيراً من الانتقادات المطروحة، وأعتبرها صحية وطبيعية في مرحلة ما بعد ديكتاتورية الأسد، حيث يُعاد الاعتبار لحرية الرأي والتعبير والاختلاف. كما أن التساؤلات حول خبرة بعض المعيّنين مشروعة، خاصة أن عدداً منهم لا يمتلك مساراً دبلوماسياً تقليدياً، كأن يكون سفيراً سابقاً أو خريج سلك دبلوماسي طويل.
لكن في المقابل، ومن خلال تجربتي الشخصية المباشرة، أرى أن اختزال الكفاءة بعامل السن أو بالشهادات التقليدية وحدها قد يكون ظلماً في بعض الحالات. لقد أثبتت التجربة السورية خلال سنوات الثورة أن كثيراً من الكفاءات تشكّلت خارج الأطر الكلاسيكية، واكتسبت خبراتها من العمل الميداني، ومن الاحتكاك المباشر مع الفاعلين الدوليين.
وإذا جاءت التعيينات الدبلوماسية المتبقية بالمستوى نفسه من الجدية والكفاءة الذي عكسته الأسماء المعلنة مؤخراً، فأعتقد أننا أمام فرصة لتحقيق أداء دبلوماسي جيد في هذه المرحلة، خاصة إذا جرى لاحقاً تعزيز هذه الفرق بأشخاص ذوي خبرة دبلوماسية أوسع، يعملون ضمن فريق متكامل يجمع بين الثقة السياسية والخبرة المهنية.
المرحلة الانتقالية لا تحتمل المثالية الكاملة، لكنها أيضاً لا تحتمل إغلاق الأبواب. التوازن بين الأمرين -وهو الأصعب دائماً- سيكون المعيار الحقيقي لنجاح التجربة السورية الجديدة، داخلياً وخارجياً.
تلفزيون سوريا
—————————-
سوريا: التعيينات الدبلوماسية تفجّر جدلاً.. ضبابية بالمعايير/ مصطفى محمد
السبت 2026/01/31
فجّرت تعيينات وزارة الخارجية السورية لدبلوماسيين في السفارات السورية، موجة واسعة من الجدل، وانقسام بين منتقدين للمعايير التي جرى على أساسها اختيار الدبلوماسيين “الجدد”، وانتقادات لشمولها ابن وزير، وبين مؤيدين للقرارات تحت اعتبار “النجاح” الذي حققته المؤسسة الدبلوماسية السورية الوليدة في غضون عام.
ومن دون إعلان رسمي من الخارجية السورية، تداولت أوساط سورية أسماء قائمين بالأعمال جرى تعيينهم في عدد سفارات سوريا في الدول المؤثرة، مثل أميركا وألمانيا وروسيا والصين والسعودية ومصر.
وشملت التعيينات، وفق المعلومات الأولية، القائم بأعمال السفارة السورية في واشنطن محمد قناطري، والسفارة السورية في موسكو أشهد صليبي، والقائم بأعمال السفارة السورية في برلين محمد براء شكري، والقائم بأعمال السفارة السورية في بكين زكريا لبابيدي، والقائم بأعمال السفارة السورية في الرياض محسن مهباش، والقائم بأعمال السفارة السورية في القاهرة محمد الأحمد.
وأكد دبلوماسي سوري لـ”المدن”، صحة التعيينات الأخيرة، مبيناً أن “التعيينات الدبلوماسية، اقتصرت على القائمين بالأعمال فقط”.
جسن نبض
وعن أسباب عدم تسمية الخارجية للسفراء بعد، وصف الدبلوماسي القرارات الأخيرة بـ”جس نبض” الدول، موضحاً أن “الدول لا تميل إلى قبول دبلوماسيين من خلفيات جهادية”.
وأكد أن طريقة تعاطي الدول المعنية مع هذه القرارات ستحدد مستقبل الدبلوماسيين الجدد، بمعنى هل ستتم تسميتهم سفراء للدولة السورية أم عبارة عن موظفين في البعثات.
ووصف الدبلوماسي القرارات بـ”غير المرضية”، وقال: “التعيينات لم تلقَ قبولاً في الشارع السوري، خصوصاً أن التعيينات تجاوزت الإجراءات المهنية أي التدرج في المناصب الدبلوماسية، ومن غير المقبول أن يتم تعيين دبلوماسيين بمناصب مفصلية، دون تجربة في الخارج، والأصح أن يتم تعيينهم في وظائف مثل ملحق أو سكرتير”.
وفور تداول التعيينات الجديدة، شكل اسم محمد براء شكري المعين بمنصب القائم بأعمال السفارة السورية في برلين، مثار جدل واسع، لأنه ابن وزير الأوقاف السوري محمد أبو الخير شكري. وانتقد سوريون تعيين شكري في هذا المنصب، وسط استحضار المخاوف من توزيع المناصب لأقارب المسؤولين، كما درج عليه النظام السوري البائد.
وجوه واعدة
في المقابل، دافع سوريون عن تعيين وجوه “شابة” في المناصب الدبلوماسية، وأشادوا بـ”نجاح” الدبلوماسية السورية الجديدة. وقال عضو مجلس الشعب السوري عقيل حسين، إن المشكلة ليس في انتقاد الخيارات، “طبيعي أن يرى البعض أن هناك خيارات أفضل من وجهة نظره”.
فيما انتقد الخبير القانوني والأكاديمي عبد الرحمن علاف، الحديث عن قلة خبرات الدبلوماسيين، وقال: “البلد بحاجة الشباب الواعد المخلص الثائر الذي اكتسب خبرات خلال 15 عاماً من الثورة، لم يكتسبها كبار السياسيين. نحن نثق بالتعيينات”.
ماذا عن الدبلوماسيين المنشقين؟
وفي مطلع تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وقّع وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني، قرار عودة مجموعة من الدبلوماسيين المنشقين عن وزارة الخارجية زمن النظام السابق، إلى عملهم.
لكن دبلوماسياً سورياً اشتكى من الإجراءات البطيئة التي تتخذها الوزارة لإنصاف الدبلوماسيين المنشقين. وقال لـ”المدن”: “قرار العودة لم يُفعّل، ولم يتم تكليف أي سفير أو دبلوماسي منشق في عمل جديد”.
وكانت الخارجية السورية قد أكدت في تصريح سابق لـ”المدن”، أن الوزارة بصدد تعيين كل الدبلوماسيين المنشقين عن النظام.
المدن
—————————–
مسؤول سوري سابق عن جدل التعيينات الدبلوماسية: نوع من الجور
الدغيم تساءل: هل يُعقل حرمان أصحاب كفاءات من التعيينات لمجرد وجود أقرباء لهم في مواقع معينة؟
الرياض – العربية.نت
31 يناير ,2026
فقد رأى حسن الدغيم المتحدث الرسمي باسم الحوار الوطني السوري، وعضو اللجنة العليا للانتخابات، أن صلة القرابة ليست مانعاً من مسؤولية المنصب.
ودافع الدغيم عن مبدأ تعيين أقارب المسؤولين في مناصب عامة طالما امتلكوا المؤهلات اللازمة، معتبراً أن الهجوم على التعيينات بناءً على الأسماء والكنى فقط يندرج تحت باب “الجور”.
كما أكد في منشور له على صفته الرسمية، أن وجود صلة قرابة بين مسؤولين لا ينبغي أن يكون حائلاً دون تولي الكفاءات لمناصبهم، مشيراً إلى أن المجتمع السوري يزخر بعائلات كبيرة تضم مئات المؤهلين علمياً وفنياً.
وقال: “ليس من المعقول حرمان كفاءة معينة فقط لأن له أخاً أو أباً في موقع آخر، مضيفاً “يمكننا نقاش الأداء والأفضلية”.
إلى ذلك، انتقد الدغيم ما وصفه بـ “الضجيج” الذي تحدثه منصات التواصل الاجتماعي بمجرد الإعلان عن أي تعيين جديد، حيث يتم التركيز على تطابق الكنى بدلاً من تقييم المحتوى والمؤهلات.
ودعا في ختام تصريحه إلى ضرورة الابتعاد عن “القشور والاستعراضات” والاتجاه لـ”المضامين والمحتوى”.
وضرب السياسي السوري مثالاً بعائلته لتوضيح وجهة نظره، مشيراً إلى أنها تضم أكثر من 1500 مؤهل علمي موزعين بين الداخل والشتات، شارك معظمهم في العمل الثوري بشتى جوانبه.
وتساءل مستنكراً: “هل يُعقل حرمان هؤلاء من الفرص والتعيينات لمجرد وجود أربعة أو خمسة منهم في مواقع معينة؟”.
جدل وانقسام
وكانت التسريبات المتعلقة بتعيين وزارة الخارجية عدداً من قائمي الأعمال في عواصم عالمية، أثارت ردود أفعال واسعة نظراً لأهمية التمثيل الدبلوماسي السوري في مرحلة مفصلية ضمن تاريخ البلاد، واستفسارات حول صحة هذه المعلومات، لكونها لم تصدر رسميّاً بعد.
وجرى تسريب التعيينات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال نشر المباركات للأشخاص المزمع استلامهم حقائب دبلوماسية ومناصب في السفارات السورية، دون أي تأكيد رسمي حتى الآن.
لكن التسريبات فجّرت جدلا واسعا عبر مواقع التواصل الاجتماعي وفي الأوساط السورية حول معايير الكفاءة والمهنية التي من خلالها اختيرت التعيينات الجديدة.
وبينما رأى بعض المعلقين على وسائل التواصل الاجتماعي أن الأسماء ارتبطت حصراً بمنظومة سياسية واحدة، تحت شعار “كلو من إدلب”، أثنى آخرون على التعيينات، ورأوا أن ما يتم تسريبه “أخبار إيجابية بأسماء وطنية مشرّفة، وأن خدمة سوريا مسؤولية وطنية جامعة”.
——————————-
التعيينات في المؤسسات الحكومية.. بين الكفاءة والتزكية/ نادر دبو
هل تعيد التعيينات إنتاج الخلل الإداري في سوريا؟
2026-01-31
في مرحلة انتقالية يُفترض أن تشكّل بوابة لإصلاح مؤسسات الدولة، يعود ملف التعيينات في المؤسسات والدوائر الحكومية السورية إلى الواجهة بوصفه أحد أكثر الملفات إثارةً للجدل. فبينما يطالب مواطنون وموظفون بأن تكون الكفاءة والخبرة أساساً لإعادة بناء الجهاز الإداري، تشير شهادات متعددة إلى أن المحسوبيات و”التزكية” باتا معياراً فعلياً في شغل الوظائف، ما يهدد بتحويل المرحلة الانتقالية إلى إعادة إنتاج لخلل قديم بأدوات جديدة.
يرى سكان أن الكفاءة هي الطريق الوحيد لإنجاح البلد في هذه المرحلة الحرجة، حيث يُفترض أن تُصلح فيها المؤسسات، ويُعالج الخلل الإداري والفساد المتراكم. ويؤكد هؤلاء أن بناء دولة ومؤسسات لا يمكن أن يتم عبر العلاقات الشخصية أو التزكيات، بل من خلال معايير واضحة تقوم على الجدارة والاستحقاق.
وتعكس هذه الآراء نقاشاً متصاعداً في الشارع المحلي، ولا سيما في المحافظات التي أنهكتها سنوات طويلة من المعاناة، حيث تُطرح تساؤلات حول معايير التعيين، وحدود العدالة الوظيفية، وتأثير ذلك على مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة. فبالنسبة لكثيرين، لم يعد الأمر متعلقاً بوظيفة أو منصب، بل بمستقبل الإدارة العامة وقدرتها على استعادة ثقة المواطنين.
“التزكية” من إجراء مؤقت إلى مدخل جديد للفساد
بحسب شهادات موظفين في القطاع العام فإن اعتماد “التزكية” في بدايات المرحلة الانتقالية جرى تبريره على أنه إجراء مؤقت يهدف إلى منع عودة شخصيات متورطة بالفساد أو بانتهاكات سابقة إلى مواقع القرار. غير أن هذا الخيار، الذي قُدّم بوصفه استثنائياً، سرعان ما انحرف عن غايته الأساسية.
ويوضح موظفون أن التزكية تحولت تدريجياً إلى مدخل جديد للفساد، حيث بات بإمكان أي شخص يمتلك علاقات داخل دوائر القرار فرض أسماء معينة دون النظر إلى الخبرة أو الكفاءة، وأحيانًا من دون تدقيق جدي في السجل الوظيفي أو السابق لمن يتم تزكيتهم.
ويشير هؤلاء إلى أن هذا الواقع أتاح في بعض الحالات تعيين أشخاص غير مؤهلين، بل وحتى عودة شخصيات كانت لها ارتباطات سابقة بالنظام.
المحسوبيات تتقدم على الكفاءة
يعكس رأي العديد من السوريين مزاجاً عاماً متصاعداً من القلق حيال آليات التعيين داخل المؤسسات الحكومية، إذ يرى كثيرون أن المحسوبيات والعلاقات الشخصية باتت العامل الأبرز المتحكم بعملية التوظيف.
ويعتبر آخرون أن الولاءات السياسية أو الفصائلية تلعب دوراً حاسماً في اختيار شاغلي المناصب، مقابل حضور محدود لمعياري الكفاءة والخبرة.
ويشير متابعون إلى أن هذه الممارسات كرّست انطباعاً سائداً بأن الاعتبارات غير المهنية أصبحت هي القاعدة لا الاستثناء، فيما جرى دفع الكفاءة إلى مرتبة ثانوية لا تأثير فعلياً لها في اتخاذ القرار.
ويؤكد سوريون أن معايير التعيين اليوم تنحصر غالباً بين المحسوبيات الشخصية أو المحاصصة السياسية، الأمر الذي ينعكس سلباً على الأداء الإداري داخل المؤسسات.
ويحذّر آخرون من أن استمرار هذا النهج لا يهدد كفاءة العمل الحكومي فحسب، بل قد يفتح الباب أمام توترات اجتماعية أوسع نتيجة الشعور بالظلم وغياب تكافؤ الفرص، ما يراكم حالة من الاحتقان في مجتمع لا يزال هشاً بعد سنوات طويلة من الانقسام والمعاناة.
المنشقون والمفصولون.. ملفات عالقة
إلى جانب ذلك، يبرز ملف المنشقين والمفصولين من وظائفهم خلال سنوات الثورة، ولا سيما العاملين السابقين في وزارة الداخلية، بوصفه أحد أكثر الملفات إشكالية. فهؤلاء، بحسب شهادات متطابقة، ما يزالون حتى اليوم بانتظار البت في أوضاعهم الوظيفية من دون قرارات واضحة، رغم امتلاكهم خبرات طويلة في العمل الإداري.
ويقول كمال وهو موظف سابق في دائرة الهجرة والجوازات في تصريحات لـ”963+”: إن المفصولين والمنشقين لا يزالون ينتظرون قرار “النظر بأمرهم”، في وقت جرى فيه شغل مواقعهم الوظيفية بأشخاص آخرين.
ويضيف: “نحن نمتلك الخبرة في التعامل مع الملفات والأضابير والمعاملات، لكننا ما زلنا بلا عمل، بينما يشغل أماكننا اليوم أشخاص قادمون من الشمال السوري، بعضهم غير مؤهل لهذا العمل، وتم تعيينهم فقط بناءً على تزكية من قادة فصائل”.
ويشير كمال إلى أن هذا الواقع يعمّق الشعور بالظلم، ويطرح تساؤلات جدية حول أولويات العدالة الوظيفية، خاصة تجاه فئة دفعت ثمن مواقفها سابقًا، لكنها تجد نفسها اليوم خارج مؤسسات الدولة.
تفاوت الرواتب.. انعكاس لاختلال التعيين
لا ينفصل الجدل حول التعيينات عن ملف تفاوت الرواتب داخل المؤسسات الحكومية، إذ اشتكى موظفون من وجود فروقات كبيرة في الأجور بين موظفين يعملون في الدائرة نفسها ويؤدون المهام ذاتها، لكنهم يتقاضون رواتب متفاوتة بشكل لافت.
ويرى مراقبون أن هذا التفاوت يُعد امتداداً مباشراً لاختلال معايير التعيين، حيث تتحول الرواتب إلى امتياز مرتبط بطريقة الوصول إلى الوظيفة لا بالكفاءة أو سنوات الخدمة، ما يضرب العدالة الوظيفية ويقوّض الاستقرار داخل بيئة العمل.
وفي سياق متصل وجّه السفير السوري السابق في السويد بسام العمادي انتقادات حادة للسياسات الإدارية والديبلوماسية المتبعة في سوريا الجديدة، محذراً من أن استمرار تهميش الخبراء وتعيين غير المؤهلين سيقود إلى فشل الدولة. جاء ذلك في تقرير نشره على موقع “مصدر” الإخباري بعنوان “ما هكذا تُبنى الدول“.
وانتقد العمادي: الأداء الديبلوماسي لوزارة الخارجية، مستشهداً بزيارتي الرئيس الشرع الأخيرتين إلى روسيا وفرنسا، معتبراً أن غياب الوفود التحضيرية المتخصصة أدى إلى أخطاء بروتوكولية واضحة، وواصفاً زيارة فرنسا بأنها “خطيئة لا تُغتفر”، خاصة بعد اعتبارها بمثابة “استدعاء” لفرض شروط.
وأكد العمادي أن وزارة الخارجية جرى تهميشها عبر وضع مستشارين ومدراء غير مختصين فوق دبلوماسيين مهنيين، واصفًا ذلك بسياسة “تعيين الشيوخ فوق المهنيين”، التي تتناقض مع الممارسات العالمية القائمة على تكريم الخبرات.
وحذر من أن تجاهل المعرفة والكفاءة في إدارة مؤسسات الدولة سيؤدي إلى فشل السلطة الجديدة، ويدفع السوريون ثمن ذلك فقرًا وقرارات عشوائية.
الإعلام لا يحتمل التجريب
يقول الصحفي أحمد المذيب خريج كلية الصحافة والإعلام من جامعة دمشق في تصريحات لـ”963+” إن المبدأ الذي يجب أن يحكم التعيينات في المؤسسات الإعلامية هو وضع الشخص المناسب في المكان المناسب مؤكداً أنه لا يمكن القبول بتعيين شخص غير مختص وزيراً للإعلام أو مسؤولاً في موقع حساس دون امتلاكه شهادة أو اختصاص أو خبرة حقيقية في المجال.
ويضيف المذيب أن المطلوب بالدرجة الأولى أن يكون المسؤول الإعلامي حاصلاً على شهادة في الإعلام، أو على الأقل مختصاً ويمتلك خبرة عملية لأن الإعلام مهنة دقيقة ولا تحتمل التجريب أو المجاملات مشدداً على أن الكفاءة والخبرة هما الأساس الذي لا يمكن القفز فوقه.
وحول مسألة التزكية، يوضح المذيب أن هذا المبدأ موجود ومكرّس ولا يمكن إنكاره، وربما سيبقى حاضراً في هذه المرحلة الانتقالية، لكن الخطأ يكمن في استخدامه كأداة إقصاء وتهميش بدل توجيهه وضبطه ليكون أداة إيجابية داعمة للكفاءات لا بديلًا عنها. مؤكداً أنه لا يدعو إلى وضع أشخاص غير مناسبين في مواقع حساسة لمجرد أنهم مزكّون.
ويشير إلى أن أي تعيين لا يراعي الخبرة والاختصاص محكوم عليه بالفشل، موضحاً أنه لا يمكن في المرحلة الحالية تعيين شخص كان وزيراً للإعلام في عهد النظام السابق أو داعماً له في موقع رسمي جديد لأن المجتمع سيرفضه وسيتم استحضار مواقفه وتصريحاته السابقة.
ويضيف المذيب: “سوريا ما زالت تعيش مرحلة ثورية لها خصوصيتها، ولا يمكن تجاوز هذه الحقيقة”، معتبراً أن المرحلة القادمة قد تشهد تحولاً نحو اعتماد الكفاءة وحدها بعد استقرار الدولة، لكن في الوقت الراهن لا بد من توفر خلفية وطنية معارضة للنظام السابق أو موقف واضح غير متورط معه.
وعن تجربته الشخصية يقول المذيب: إنه طوال سنوات الثورة لم يتقدم لأي وظيفة رسمية في مجال الإعلام، لأنه كان يعلم أن الاختيار يتم لصالح المقربين من النظام المخلوع، بينما كان محسوباً على الحراك الثوري في درعا، مشيراً إلى أن شهادته بقيت معلقة على الجدار لمدة ستة عشر عاماً دون أن يعمل بها ضمن إطار مؤسساتي رسمي واقتصر عمله على النشاط الإعلامي الثوري فقط.
ويختم المذيب بالقول: إنه بعد سقوط النظام كان يتوقع فتح مساحة حقيقية أمام الكفاءات، وأن يصبح المؤهل والخبرة معياراً للتوظيف، إلا أن الواقع كان مخيباً للآمال، حيث تقدم عبر روابط متعددة للتوظيف دون أن يتلقى رداً، في حين جرى اختيار أشخاص غير مختصين.
ويعتبر أن هذا الواقع يوحي بأن التعيينات لا تقوم على الكفاءة بقدر ما تقوم على العلاقات، وهو ما يتناقض مع فكرة بناء مؤسسات مهنية حقيقية في مرحلة يُفترض أنها مرحلة إصلاح.
—————————-
===================



