جرحان على جلد مدروز/ يعرب العيسى

25 نوفمبر 2025
ينضُّ الجرح الطازج بأشدّ مما يصرخ الجرح العميق. هذا من طبيعة الأشياء، ليس فيه تقليل من ألم الجرح القديم، ولا مفاضلة بين الجراح، ولا استهانة بأصحابها.
في جسد سورية جراحٌ أسمعت العالم صوت مرور السكين على العظم. جراحٌ عميقة توزعت على كامل جلد البلاد، وتركته مدروزاً بالندوب من أقصاه لأقصاه. وكأنما مرّت عليه إبرة مكنة خياطة.
بعد التحرير، استيقظت الندوب جميعها، وكان أكثرها صراخاً محقّاً هو جرح صيدنايا، برمزيته العالية، مكاناً ينوب عن كل منظومة الأسد الأمنية، وفروعها الوحشية. فزحف الناس بمئات آلاف يبحثون عن أحبائهم الغائبين، ويستعيدون حجم العذاب الذي تعرضوا له قبل أن تغيب أصواتهم إلى الأبد. ثم ومع مرور الأيام والأسابيع، بدأت ندوب دمار داريا وحمص وجوبر تصرخ بألمها أيضاً. ثم ندوب أملاك الناس المستولى عليها، ثم أموال الدولة التي شطّبها الفساد بسكينه الفاجرة.
في خضم ذلك، وفيما تحاول سورية إحصاء جراحها، ورسم خريطة لندوب جلدها، وقع جرح جديد، اسمه مجازر الساحل، والتي جاءت رداً مفرطاً بعنفه وطائفتيه ووحشيته البدائية، على شرذمة من عناصر النظام السابق، ذهبوا إلى خيار عدمي يصل إليه كل المجرمين اليائسين حين تحاصرهم ذنوبهم، فأشعلوا فتنة انطفأت خلال بضع ساعات، لكن الرد عليها استمر لأيام في مساحة جغرافية واسعة، وطاول غالباً أبرياء فقراء لا علاقة لهم لا بهذا ولا بذاك.
صار للساحل جرحه الجديد، والذي أيقظ أيضاً جراحاً عمرها قرون ربما. وقبل أن يتوقف نزيفه، انفجر جرح غريب وغير مفهوم في الجهة الثانية من البلاد. فخلال أيام تورّط الإعلام بتصعيد حدث سخيف ومزيف، وحوّله مادة تحريض عمياء وحمقاء ضد طائفة ومنطقة كاملة، جرى التدرّب على “غزوها” بغزوتين راح فيهما أكثر من مائة قتيل في جرمانا وأشرفية صحنايا بريف دمشق القريب، لكنهما بدتا صغيرتين حين قورنتا بالمجزرة الكبيرة والفادحة التي وقعت في السويداء بعد أسابيع من التحريض والتصعيد المنفلت وغير الواعي وغير المفهوم. والذي لم تدرك وسائل الإعلام حتى الآن فداحة ما فعلت فيه.
أدت مجازر السويداء، وما رافقها من فتح قمقم العصب العشائري، ونداءات الفزعات البدائية، ومنح الذريعة لتدخّل إسرائيل بطريقة وقحة، إلى نتائج كارثية على المستوى الوطني: مزّقت ما تبقى من فرصة لإعادة بناء الوحدة الوطنية، ودوّلت الشؤون الداخلية، وأضافت جرحاً جديداً إلى الجسد المثخن أساساً. وجعلت آلام الناس مادة للمقارنة، وانحدرت بالخطاب العام إلى مستوى غير مسبوق، حتى أننا صرنا نسمع شخصاً عاقلاً (يُفترض) متعلماً، يقول على شاشة تلفزيون (لا في جلسة مقهى ولا صفحة فيسبوك): هذه تنكيشة أسنان، وماذا يعني أن يموت ألفا درزي، مات منّ السنّة مليون.
ولا يكون لديك منبر تقول منه: لا لهول القاع الذي وصلت إليه سورية. بل الإنسانية نفسها.
أصدرت لجنة التحقيق الخاصة بأحداث (مجازر) السويداء قبل أيام تقريراً، لا يستحق قيمة الورقة التي طبع عليها. وبدأت أيضاً محاكمات بأحداث (مجازر) الساحل. لا أحد يضمن أنها لن تكون صوريّة كإجراءات سياسية وقانونية كثيرة جرت منذ بداية العام.
أمامنا فرصة واحدة لنعود خطوتين إلى الوراء: أن يقطّب هذان الجرحان بعقلية وطنية تفهم أن من حقّ الجرح الجديد أن يصرخ. من دون أن يعني ذلك طمر الجراح القديمة. إذ لا يليق بالجراح أن تتقايس.
العربي الجديد



