العدالة الانتقاليةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

العدالة الانتقالية تحديث 12 شباط 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العدالة الانتقالية

———————————————-

متى نلمس تحركاً فعلياً بملف العدالة الانتقالية؟ – صالون الجمهورية

————————–

كيف يُدار مسار العدالة الانتقالية في سوريا؟ | مع د. محمد الدغيم – ملفات

—————————

حق النقاش العام في مسودة قانون العدالة الانتقالية/ مصطفى حايد

السرّية قد تحمي لحظةَ صياغة القانون لكنها لن تحمي لحظات تطبيقه

10-02-2026

        * تنويه من الكاتب: تم استخدام صيغة المذكر لسهولة الكتابة والقراءة، لذا أودُّ التأكيد على أن المحتوى يشير للتنوع الجندري والجنساني الذي تشمله التعابير المستخدمة في هذا المقال.

         *****

        يجري الحديث مؤخراً عن إعداد مسودة قانون للعدالة الانتقالية في سوريا من قبل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، يترافق – بحسب ما يتم تداوله – مع كلام عن أن المسودة تُدار بسرية تامة، وأن عدداً من جمعيات المجتمع المدني السورية والدولية التي جرى التشاور معها واطّلعت على النص قد وقعت اتفاقيات «عدم إفصاح».

        يضعنا هذا الخبر أمام سؤال تأسيسي عن طبيعة العدالة الانتقالية التي نريدها، وكيف يُمكن لقانون يُفترَضُ أن يؤسِّسَ لمعنىً جديد للحقيقة والكرامة والحقوق أن يُصاغ بمنأىً عن أصحاب الحقوق وأصحاب الخبرات أيضاً. وفي الوقت نفسه، لا أتعاملُ هنا مع السرّية كإدانة بحد ذاتها، لأنني أعرف أن بعض المخاطر والتوجّسات في السياق السوري الحالي حقيقية، لكن ما يشغلني هو أن تُستخدَمَ هذه المخاطر لاحتكار القرار وعدم إشراك المجتمع والناجين وعائلات الضحايا وروابطهم كما يجب.

        أُفكِّر في مسألة «السرية» هنا بوصفها أكثر من تفصيل إجرائي مرتبط بإعداد مسودة قانون. فالسرّية في لحظات التحوُّل تُصبح إشارة مبكرة إلى نوع الدولة التي تُبنَى، وإلى طبيعة العلاقة التي ستتشكل بين السلطة والمجتمع بعد سنوات طويلة من الخوف وانعدام الثقة. لذلك، حين يتردد أن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية تعمل على مسودة قانون مهم، لكن المسودة تُدار ضمن دائرة ضيقة وتُحاط باتفاقيات عدم إفصاح مع من اطّلعوا عليها، يُصبح من الطبيعي أن يتبادر إلى الذهن سؤال مشروع: هل تُكتَب هذه الوثيقة لتكون عقداً اجتماعياً جديداً يملكه السوريون والسوريات، أم لتكون إطاراً تقنياً مُحكَمَاً لكنه بلا حاضنة اجتماعية كافية؟

        لا أقصد بهذا السؤال اتهاماً لأحد بقدر ما أراه تنبيهاً إلى مخاطرة استراتيجية، لأن قانون العدالة الانتقالية في سوريا تحديداً ليس مجرد «نص تنظيمي». هو قبل كل شيء رسالة سياسية وأخلاقية تقول للناس إن ما حدث لن يُختَزل في روايات متنافسة، وإن الألم لن يُدار بالنيابة عن أصحابه، وإن «الدولة الجديدة» لا تبدأ بترتيبات سرية بل بحوار شفاف وشجاع ومسؤول حول الحقيقة والحقوق والكرامة. وكلما ابتعد القانون عن هذا المعنى، ازداد احتمال أن يبقى حبراً على ورق أو أن يُستقبَلَ بالشك أو أن يتحوَّلَ إلى ساحة تجاذب بدل أن يكون نقطة ارتكاز للاستقرار.

        السرّية قد تكون مفهومةً جزئياً في سياقات تكون فيها سرّيةُ البيانات وخصوصية الشهود والناجيات ضرورة لا جدال فيها. هناك فرق كبير بين شفافية مسؤولة توازن بين السلامة العامة وحق المجتمع في المعرفة، وبين غياب الشفافية الذي يخلق فراغاً قد تملؤه الشائعات ويعيد إنتاجَ الإحساس القديم بأن القرارات المصيرية تُتَّخذُ بعيداً عن الناس. وفي بلد عانى من سياسات الإخفاء والمنع والتضليل، تُصبح الشفافية نفسها جزءاً من العدالة ومن الحق العام.

        من هذا المدخل، أرى أن القيمة الحقيقية لأي مسودة قانون عدالة انتقالية لا تُقاس فقط بما تتضمنه من مواد ومسارات، بل أيضاً في الطريقة التي تَضمنُ بها حقَّ السوريين في المعرفة وحقَّ الضحايا والناجين في المشاركة الآمنة، وفي قدرة القانون على أن يرى الفئات التي اعتادت الأنظمة والقوى المتصارعة تهميشها: النساء ضمن تجاربهنَّ المتنوعة، والشباب الذين دفعوا كلفة التحوّل منذ بداياته، والأطفال الذين لم يعرف كثيرٌ منهم سوى الحرب والنزوح وذوو الاحتياجات الخاصة والمُهجَّرون داخل البلاد وخارجها، والمجتمعات المهمشة التي تراكمَ فيها الألم مع الفقر والعزلة وفقدان الخدمات. هذه هي بعض المفاتيح لضمان أن العدالة الانتقالية لا تُعيد إنتاجَ اللامساواة نفسها التي غذّت الانفجار أصلاً.

        قانون العدالة الانتقالية في أي بلد لا يكون مجرد وثيقة تنظيمية تُحدِّدُ تعريفات وصلاحيات وتواريخ. هو إطار تأسيسي يرسم حدود الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي، ويحدد من يُسمَع ومن يُرَى ومن تُحمَى شهادته ومن يحصل على حقه ومن تُغلَق أمامه الأبواب. وفي السياق السوري تحديداً، حيث تراكمت الصدمات على مستوى الأفراد والعائلات والمجتمعات، يصبح من الصعب تصور نجاح أي مسار من هذا النوع من دون استشارة أوسعِ قدرٍ ممكن من السوريين والسوريات، وبشكل خاص الناجين والناجيات وعائلات الضحايا. ليس من باب الحق في المشاركة فقط، بل لأن التجارب تُخبرنا أن العدالة التي تُصاغ بعيداً عن أصحابها غالباً ما تفقد شرعيتها قبل أن تبدأ، أو تُحاصرها الشكوك أو تتحول إلى مشروع لا يملكه أحد.

        المُفضَّلُ أن تبدأ المقاربة من استراتيجية بسيطة تنطلق في الحد الأدنى من إتاحة نسخة عامة من المسودة تُنشَر للنقاش، وأن تُصمَّمَ مشاوراتٌ آمنةٌ مع الناس عبر قنوات استماع متعددة مثل جلسات مغلقة مع ناجيات وعائلات الضحايا. واستشاراتٌ عن بعد للمُهجَّرين واللاجئين، ولقاءات محلية مع مجتمعات مُتضرِّرة وفي المخيمات. الفكرة هنا هي بناء مُلكية عامة للقانون، تنطلق من «الحق في المعرفة»، الذي هو العمود الفقري لأي مسارِ حقيقةٍ يُراد له أن يُبدِّدَ الشكَّ ويكسر إرثَ الإخفاء أو الاحتكار.

        أمّا فيما يخص النقاش حول الأساسيات التي يجب ألا يَغفَلَ عنها أي قانون عدالة انتقالية، فيجب أن يعترف القانون صراحةً بأن معرفة الحقيقة هي حقٌّ ثابت للضحايا وعائلاتهم وللمجتمع، وهو غير قابل للمساومة أو التضييق. هذا الحق يحتاج إلى إجراءات ملموسة تتضمن ما يحق للعائلات أن تعرفه عن ملفّاتها، وما هي المهل التي يجب أن تلتزم بها المؤسسات في الردّ، وما هي الاستثناءات التي تُبرِّرُ حجب معلومة، وكيف يمكن الاعتراض على الحجب وكيف تُكتَب التقارير العامة بلغة مُبسَّطة ومفهومة لا بلغة بيروقراطية.

        لكن لا معنى للحق في المعرفة من دون حوكمة صارمة للمعلومات. لهذا أرى أن أي قانون جدّي يجب أن يتضمَّنَ قواعد واضحة لحماية البيانات، تشملُ موافقات مُستنيرة والحقَّ في التراجع أو الانسحاب، وتصنيفاً للسرّية وسياسات أرشفةٍ وإتلافٍ آمن، وكذلك شروط مشاركة المعلومات بين مؤسسات الحقيقة والادعاء والقضاء، وضمانات صارمة ضد التسريب أو الاستخدام السياسي.

        ثم هناك مسألة غالباً ما تُختزَل في «تمثيل النساء» بنسبة ما، بينما هي أعمق بكثير وتحتاج إلى مقاربة تقاطعية. على القانون أن يرى الأذى كما عاشه الناس فعلاً، وليس كما تحب الأنظمة القانونية أن تُصنِّفَه. الضرر ليس انتهاكاً منفرداً، بل هو تَراكُبٌ بين اعتقال وتعذيب وفقدان مُعيل ونزوح وفقر وإقصاء اجتماعي ووصمة عار وحرمان من التعليم أو العلاج، وهو يتضاعف عند النساء وعند ذوي الاحتياجات الخاصة وعند من عاشوا التهجير المتكرر وعند من يعيشون في المخيمات. إذا لم تُترجَم هذه الرؤية إلى قواعد تشغيل، فسُيعَاد إنتاجُ اللّامساواة داخل العدالة نفسها. كل هذه الأمور لن تُتيحها وتُعمِّقَ فهمها سوى نقاشات تشملُ من عاشوها ومن يعانون منها.

        لهذا أرى أن «مركزية الناجيات/الضحايا» يجب أن تَظهر كحقوق إجرائية، تضمن حقَّ المشاركة الفعلية وحقَّ الحماية وحقَّ الدعم وحقَّ الوصول إلى ملفاتهم وحقَّ الاعتراض على القرارات التي تمسّ كرامتهم أو مصالحهم. وأرى أيضاً أن تعريف الناجية/الضحية ينبغي ألا يتوقف عند من تعرَّضوا لانتهاك مباشر، بل يتجاوز ذلك ليشمل من تَحمَّلَ عبء الأذى بحكم العلاقة والرعاية والإقصاء، لأن سوريا علّمتنا أن دوائر الضرر أوسع بكثير من الفرد المُتضرِّر.

        ولأن العدالة الانتقالية تُقاس في النهاية بمن استطاع الوصول إليها، لا بمن كُتِبَت لأجله نظرياً، فالقانون يجب أن يفرض على مؤسساته أن تكون «قابلة للوصول» من خلال مكاتب في المحافظات وآليات عن بُعد، وترتيبات لذوي الاحتياجات الخاصة وترجمة عند الحاجة ودعم قانوني ونفسي، وكذلك مراعاة من لا يملك وثائق كاملة أو يَخشى الظهور أو لا يرغب بالإدلاء بشهادة علنية. 

        ومن المهم أيضاً أن تصبح هذه الرؤية قابلة للقياس، أي أن يلتزم القانون بإنتاج معرفة عامة آمنة ومجهولة الهوية عمَّن يتقدمون إلى المؤسسات، ومن يحصل على الخدمات ومن يُستبعد ولماذا، حتى لا يبقى الإقصاء صامتاً وغير مرئي. لأن العدالة التي لا تنتبه لاختلالاتها مبكراً، ستكتشف بعد سنوات أنها أعادت توزيع الأذى بدل أن تعالجه.

        أمّا الأطفال والشباب، فيُخشى عليهم من وضعين متناقضين لكنهما شائعان. فهم إما أن يُترَكوا خارج الصورة، أو أن يتم الإشارة إليهم واستخدامهم دون ضمانات تَحميهم من إعادة الأذى.

        في سوريا، كثيرٌ من الأطفال والشباب كانوا ضحايا وشهود وجناة، وبعضهم جرى استغلاله أو تجنيده أو تحميله أدواراً أكبر من سنه. لذلك، يجب على القانون أن يتضمَّنَ بوضوح مبادئ حماية ومشاركة خاصة بهم، وأن تُنشَأ داخل الهيئات والمؤسسات المعنية بُنية مُتخصِّصة تُعنى بالسلامة والمشاركة، وتضمنُ أن كلَّ مسارٍ يمسُّ الأطفال يخضع لمعايير حماية ومشاركة تراعي السن والضرر، وتضع قواعد لمشاركة صديقة للطفل وللتعامل الحسّاس مع الصدمة والإحالة إلى خدمات الدعم. مشاركة الشباب يجب ألا تُحصَر في منصات حوار شكلية، يجب أن تُبنى آلية استشارية حقيقية تؤثر في السياسات، لأن الشباب هم الجزء الأساسي في التجربة السورية كمُتلقّين وفاعلين وحَمَلة ذاكرة، وكأصحاب مصلحة في عدم التكرار.

        وهنا نصلُ إلى فكرة «العدالة الشفائية»، التي أَعتبِرُها شرطاً لنجاح أي قانون للعدالة الانتقالية. العدالة يمكن أن تُشفي ويمكن أيضاً أن تُعيدَ فتح الجروح. الفارق ليس في النوايا إنما في التصميم. تجربة سوريا المتواصلة مع التعذيب والاعتقال والإخفاء القسري تجعل كثيرين يترددون في أي عملية قد تُعيدهم إلى لحظة فقدان السيطرة. إذا لم يُلزِم القانون مؤسساته بمبدأ «عدم إحداث ضرر» وإذا لم يضمن للناجين حقَّ التحكم بسردهم وحقَّ التوقف أو الانسحاب وحقَّ اختيار السرية أو العلنية وحقَّ تلقي دعم نفسي واجتماعي وقانوني، فستصبح عمليات الحقيقة والمحاسبة شديدة الكلفة على من يُفترَض أنها جاءت لحمايتهم. وأنا أرى أن جبر الضرر تحديداً يجب ألا يُختزَل إلى تعويض مالي، رغم جوهرية وأولوية هكذا تعويض. التعويض مهم لكن «الإقرار» والاعتراف وطلب الصفح وإعادة التأهيل هي قلب جبر الضرر، في بلد يحاول الخروج من التعذيب والإفقار والتهجير.

        في العلاقة بين الحقيقة والمحاسبة، يجب الموازنة بين الحقيقة التي تخدم العدالة الجنائية بمعايير وإثباتات ومسارات إحالة واضحة، والحقيقة التي تخدم المجتمع والتي تحتاج إلى مساحة أوسع للنقاش والسرد والمعنى. كلاهما ضروري، لكن خلطهما بلا قواعد يخلق التباساً وخوفاً لدى الشهود، ويخلق فوضى لدى المؤسسات. لذلك، من المهم أن يوضح القانون كيف تنتقل الملفات من لجان الحقيقة إلى الادعاء ومتى وبأي شروط، وكيف تُحمَى السرّية وكيف يُحمى الشاهد وكيف يمكن ضمان ألا تتحول المعلومات المقدمة لأجل التعافي إلى فخ قضائي أو سياسي.

        أمّا في موضوع المصالحة والآليات غير القضائية، فأرى فرصة كبيرة وخطراً كبيراً في آن واحد. الفرصة هي معالجة النزاعات المحلية وإعادة نسج الحد الأدنى من الثقة المجتمعية، أما الخطر فيكمنُ في أن تَتحوَّلَ «المصالحة» إلى باب جانبي لإغلاق ملفات الجرائم الجسيمة، أو إلى ضغط اجتماعي على الضحايا للتنازل. لذلك، أرى أن القانون يجب أن يضع حدوداً واضحة حول ما الذي يمكن أن يدخل في مسارات غير قضائية وما الذي لا يمكن أن يدخل أبداً، وكيف تُحَمى إرادة الضحية من الإكراه وكيف تُراجَعُ النتائج قضائياً عندما تمسّ حقوقاً أساسية أو تتعلق بانتهاكات وجرائم جسيمة.

        أُدركُ حساسية اللغة في بلد يُحاول الخروج من الاستقطاب، ولهذا أُفضِّلُ مقاربة هادئة لكنها صارمة في النتائج، تتضمن تقليص النصوص الفضفاضة التي قد تُستخدَم لاحقاً كسلاح ضد حرية التعبير أو البحث أو النقاش العام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتجريم «الإنكار» أو «التمجيد» بصيغ واسعة. المجتمع السوري يحتاج إلى مواجهة الماضي، لكنه يحتاج أيضاً إلى فضاء نقاش لا يخاف من السؤال ولا يخاف من الاختلاف ولا يخاف من النقد. القانون الذي يفتح باباً لمعاقبة الكلام بسهولة سيُنتِجُ صمتاً جديداً، والصمت هو أحد أعداء العدالة الانتقالية.

        في النهاية، أعود إلى النقطة التي أعتقد أنها الأكثر استراتيجية: نجاح قانون للعدالة الانتقالية لا يتوقف على نصٍّ ومواد مثالية، بل على إمكانية احتوائه اجتماعياً. السرّية قد تحمي لحظةَ الصياغة، لكنها لن تحمي لحظات التطبيق. ما يحمي التطبيق هو أن يشعر السوريون والسوريات أن القانون يخصّهم ويمثلهم، وأنهم رأوا أنفسهم فيه وأنهم أثّروا فيه وأنه صُمِّمَ ليُقلِّلَ المخاطر عليهم لا ليزيدها. لهذا أرى أن أفضل ما يمكن أن تفعله الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، إن أرادت حماية المسار لا مجرد حماية مسودة القانون، هو أن تعتمد شفافية مسؤولة من خلال نشر مدروس لمسودة القانون، ومشاركة آمنة وحوار واسع بما يكفي لإغناء القانون ومنحه شرعية يحتاجها بقدر ما يحتاج إلى موادٍ وتعريفاتٍ وأحكام.

موقع الجمهورية

—————————-

مسؤولية الحكومة عن صون مسارح الجريمة في سجون قسد/ فضل عبد الغني

فبراير 11, 2026

يمثل انتقال السيطرة على مرافق الاحتجاز التي كانت تديرها قوات سوريا الديمقراطية إلى الحكومة السورية الحالية منعطفاً في مسار محاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة داخل هذه المرافق. فبدلاً من أن يؤدي هذا الانتقال إلى إعفاء الدولة من التزاماتها التحقيقية، فإنه ينشئ مسؤولية قانونية مباشرة تتمثل في حماية الأدلة وصونها، وضمان عدم إفلات أي مشتبه به من المساءلة.

وقد وُثّقت هذه المرافق، الواقعة في منطقة الجزيرة السورية، بوصفها أماكن شهدت حالات اختفاء قسري وتعذيب ووفاة في سياقات احتجاز، وهي تحتوي على أدلة جوهرية لأي إجراءات مساءلة جنائية مستقبلية. فبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ما زال لدى قوات سوريا الديمقراطية ما لا يقل عن 3705 مختفٍ قسرياً، كما قتلت 122 شخصاً تحت التعذيب منذ تأسيسها حتى الآن.

ويُعد مبدأ وراثة السلطة لواجب التحقيق في الانتهاكات السابقة وحفظ الأدلة مبدأً راسخاً في القانون الدولي؛ فعندما تنتقل السيطرة على مرافق احتجاز من سلطة إلى أخرى، تتحمل الجهة المستلمة مسؤولية قانونية مباشرة عن حماية سلامة مسارح الجريمة المحتملة وضمان فاعلية آليات المساءلة.

وبموجب القانون الدولي، تلتزم السلطات السورية الحالية بالتحقيق في الوفيات التي يُحتمل أن تكون غير قانونية، وفي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الواقعة داخل أراضيها أو ضمن نطاق ولايتها القضائية. ويمتد هذا الالتزام ليشمل مرافق كانت سابقاً تحت سيطرة جهات فاعلة غير حكومية، بما في ذلك قوات سوريا الديمقراطية، ويغطي جميع الأدلة المتوافرة في تلك المواقع.

يوفر بروتوكول مينيسوتا بشأن التحقيق في الوفيات التي يُحتمل أن تكون غير قانونية توجيهات مرجعية لطبيعة هذه الالتزامات، إذ يؤكد وجوب أن تكون التحقيقات سريعة وفعّالة وشاملة، ومستقلة، ونزيهة، وشفافة. وتبرز قوة هذه المتطلبات على نحو خاص في سياق مرافق الاحتجاز التي ثبتت فيها أنماط من الوفاة وسوء المعاملة. وعلى نحو مكمل، يقرر بروتوكول إسطنبول وجوب معاملة مرافق الاحتجاز التي وقعت فيها وقائع تعذيب أو سوء معاملة باعتبارها مسارح جريمة، مع إلزام خبراء الطب الشرعي بحماية سلسلة الحيازة لجميع فئات الأدلة، بما في ذلك الإفادات، والأدلة المادية، والأدلة الطبية والقانونية، والأدلة الرقمية.

وتؤكد مجموعة من الصكوك الدولية التزامات محددة تتعلق بصون الأدلة في مرافق الاحتجاز التي كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية. إذ تُلزم الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري الدول بالاحتفاظ بسجلات دقيقة، وبالبحث عن المفقودين وتحديد أماكن وجودهم والتعرف عليهم. وبالنظر إلى أنماط الاختفاء القسري الموثقة في تلك المرافق، تقع هذه الالتزامات على عاتق الحكومة السورية بصفتها السلطة القائمة حالياً على تلك المواقع.

ولا تقتصر متطلبات الاتفاقية على حفظ السجلات، بل تشمل اتخاذ تدابير فعّالة لتحديد مصير وأماكن وجود الأشخاص الذين تعرضوا للاحتجاز دون اعتراف، بما يضمن إمكان تتبع مسارات التوقيف والنقل والاحتجاز، وكشف أماكن الدفن أو الاحتجاز غير المعلنة عند الاقتضاء.

وفي هذا السياق، تشكل المواد الإثباتية الموجودة في مرافق مثل سجن الأقطان ومخيم الهول، بما في ذلك السجلات الإدارية وملفات المحتجزين، وتكوينات أماكن الاحتجاز، وأدوات التقييد أو التعذيب، والعينات البيولوجية المحتملة، والأنظمة الرقمية، وأي مواقع دفن مرتبطة، أدلة حاسمة في أي ملاحقات محتملة أمام المحاكم السورية أو أمام ولايات قضائية أجنبية في إطار الولاية القضائية العالمية، فضلاً عن إمكان توظيفها في مسارات تقصي الحقيقة وتحديد هوية الضحايا.

تكتسب الجوانب العملية لصون الأدلة أهمية بالغة، لأن أي خلل إجرائي في جمع الأدلة أو حفظها أو توثيقها قد يفضي إلى التشكيك في مصداقيتها أو إلى استبعادها لاحقاً، بصرف النظر عن جسامة الانتهاكات. ويترتب على ذلك مساس مباشر بحقوق الضحايا في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة وجبر الضرر. وتُظهر تجربة إعادة فتح مرافق احتجاز بعد ديسمبر/كانون الأول 2024 كيف يمكن أن تُفقد أدلة بصورة لا رجعة فيها في غياب ضمانات فورية وقواعد دخول واضحة.

وتتعدد مصادر التهديد التي تطال سلامة الأدلة وقابليتها للاعتماد، بما يشمل التدمير المتعمد من قبل الجناة، ودخول العائلات دون ضبط بحثاً عن معلومات عن أقاربهم المفقودين، وإزالة الوثائق من قبل صحفيين أو باحثين. وعليه، يتعين على الحكومة السورية نشر أفراد أمن مدربين لتأسيس نطاقات حماية مادية، وتطبيق بروتوكولات دخول صارمة تتطلب تصاريح كتابية وسجلات دخول وخروج كاملة، ومنع أي إزالة أو نقل أو إتلاف لمحتويات المواقع، إلى حين قيام فرق مختصة بتوثيقها وفق المعايير المهنية.

أما الأدلة الرقمية، بما في ذلك أنظمة المراقبة وملفات الحواسيب والاتصالات الإلكترونية، فتستلزم تصويراً جنائياً فورياً باستخدام تقنيات الحماية من الكتابة لمنع أي تعديل عرضي، إلى جانب احتساب قيم التجزئة المشفرة للتحقق من سلامة البيانات ومنع العبث بها. ويجب إنشاء سلسلة حيازة منذ اللحظة الأولى لجمع الأدلة، مع توثيق دقيق لكل عملية استلام، أو نقل، أو إيداع، أو فحص، بما يضمن استيفاء الأدلة لمتطلبات القبول في الإجراءات الوطنية والدولية.

تستمد الحكومة السورية مسؤوليتها عن صون مسارح الجريمة في مرافق احتجاز قوات سوريا الديمقراطية السابقة من المبادئ الأساسية للقانون الدولي التي تحكم التزامات الدول بالتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ولا ينتقص انتقال السيطرة على هذه المرافق من واجب ضمان المساءلة، بل ينقل هذا الواجب مباشرة إلى السلطة المستلمة بوصفها الجهة صاحبة الولاية الفعلية على المواقع وما تحتويه من أدلة. وتؤكد الأطر المعيارية التي تقدمها بروتوكولات مينيسوتا وإسطنبول، إلى جانب الالتزامات ذات الصلة المنبثقة عن الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، ومعايير التعاون وحفظ الأدلة، وجوب التعامل مع مرافق الاحتجاز باعتبارها مسارح جريمة تتطلب حفظاً احترافياً ومنهجياً لجميع الأدلة.

وإذا ما حُميت الأدلة الموجودة في هذه المرافق وعولجت وفق معايير مهنية دقيقة، فإنها قد تفي بمتطلبات المساءلة الجنائية وتقصي الحقيقة وتحديد هوية الضحايا، ولا سيما ضحايا الاختفاء القسري الممتد لسنوات. وفي المقابل، فإن فقدان الأدلة بفعل التلف أو التلوث أو العبث يمثل خسارة لا يمكن تعويضها، ليس فقط على مستوى الملاحقات الفردية، بل أيضاً على مستوى بناء سجل تاريخي موثوق للانتهاكات المرتكبة بحق السوريين.

الثورة السورية

—————————-

 شروط التسوية الاقتصادية واستبعاد الجرائم الدولية: حالة محمد حمشو وحدود الشرعية/ فضل عبد الغني

2026.02.11

تُعدّ مسألة إمكان التوصل إلى تسوية مع جهات اقتصادية مرتبطة بالنظام السابق، وتحديد شروطها وحدودها، في سياق التحولات ما بعد الاستبدادية، من أكثر موضوعات العدالة الانتقالية إثارةً للجدل.

وتُجسّد حالة محمد حمشو، رجل الأعمال السوري الذي فرضت عليه وزارة الخزانة الأميركية عقوبات بسبب دوره في دعم نظام الأسد اقتصاديًا، التوترات العميقة بين البراغماتية التفاوضية من جهة، ومتطلبات المساءلة القانونية والشرعية المعيارية من جهة أخرى. ويُظهر تحليل هذه الحالة أنه، رغم عدم ندرة التسويات مع ممولين مرتبطين بأنظمة استبدادية في تجارب انتقالية مختلفة، فإن شرعيتها تظل مشروطة بالكامل بقيود صارمة، وشفافية عالية، واستبعادٍ صريح لأي تغطية تمس الجرائم الدولية. ويستلزم ذلك فحصًا دقيقًا لطبيعة الادعاءات الموجهة، وللحدود المفاهيمية لمعيار “الجريمة الكبرى” في العدالة الانتقالية، وللشروط التي قد تجعل التسويات قابلة للدفاع، وللخطوط الحمراء التي تجعل أي ترتيب من هذا النوع غير مقبول قانونيًا ومعياريًا.

طبيعة الادعاءات ودلالات التواطؤ الاقتصادي

يقتضي تقييم إمكانات أي تسوية قانونية تحديد طبيعة الادعاءات الموجهة إلى الشخص المعني بدقة. وفي هذا السياق، تعد وزارة الخزانة الأميركية من أبرز الجهات الدولية التي فرضت عليه عقوبات، إذ أدرجته منذ آب/أغسطس 2011 على قوائم العقوبات استنادا إلى معلومات تفيد بتقديمه دعما مباشرا لبشار الأسد وماهر الأسد. كما وصفته الوزارة بأنه رجل أعمال نافذ ينشط في قطاعات متعددة من الاقتصاد السوري، ويؤدي عمليا دور واجهة اقتصادية لماهر الأسد.

وأشارت كذلك إلى أن حمشو استغل موقعه ونسج علاقات مع مسؤولين كبار لتيسير معاملات مشروعة وغير مشروعة لصالح شخصيات نافذة، بما في ذلك ادعاءات تتصل بممارسات فساد مرتبطة بالانتخابات البرلمانية، عبر دفع مبالغ مالية لضمان الحصول على مقعد في المجلس التشريعي.

تضع هذه الادعاءات حمشو ضمن فئة “الميسّرين الاقتصاديين” الذين شكّلت أدوارهم عنصرًا بنيويًا في دعم القاعدة المالية لنظام استبدادي، فدوره كوسيطٍ وميسّرٍ لشخصيات إجرامية تقع في قمة هرم السلطة يوحي بدرجة من التواطؤ تتجاوز النشاط التجاري المعتاد. ومع ذلك، فإن الاتهامات والتوثيقات المتاحة لا تنسب إليه بصورة مباشرة إصدار أوامر بارتكاب جرائم دولية أو ارتكابها. ويكتسب هذا التمييز أهمية عند بحث إمكان التسوية، لأن الحد الفاصل بين “التمكين الاقتصادي” و“المسؤولية الجنائية المباشرة” ينعكس مباشرة على طبيعة الأدوات التي يجوز لآليات العدالة الانتقالية تفعيلها، وحدود ما يمكن تسويته دون مساسٍ بمقتضيات المساءلة.

مفهوم “الجريمة الكبرى” في أطر العدالة الانتقالية

إن تحديد ما إذا كان الفرد يُصنَّف ضمن “المجرمين الخطرين” في منظومات العدالة الانتقالية ينطوي على تمييزات مفاهيمية كثيرًا ما تُغفل في الخطاب العام. ووفقًا للممارسات في هذا المجال، كما تُفهم في عدد من الوثائق الإرشادية ذات الصلة، ينصرف الوصف عادةً إلى أولئك الذين يتحملون المسؤولية الأكبر عن الجرائم الدولية، وبوجه خاص من خططوا أو أمروا أو قادوا أو أسهموا إسهامًا جوهريًا في جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية. ويحوّل هذا التصنيف مركز الثقل من مجرد الربح أو المنفعة المتحققة في ظل نظام قمعي إلى المشاركة الفعّالة والخطيرة في أخطر الانتهاكات.

وعند إسقاط هذا المنطق على السجل المتاح للعموم بشأن حمشو، يظهر بوصفه داعمًا اقتصاديًا محوريًا وركيزة لشبكات المحسوبية، إلا أن ما هو متاح من هذه الوثائق وحده لا يثبت أنه أمر بارتكاب جرائم دولية أو ارتكبها بصورة مباشرة. وليس هذا التمييز تقنيًا فحسب، بل يترتب عليه أثر جوهري في تحديد نطاق المساءلة المشروعة: فالفاعلون الاقتصاديون الداعمون، مهما بلغت أهمية أدوارهم في استدامة النظام، يحتلون موقعًا مختلفًا ضمن سلم العدالة الانتقالية عن أولئك الذين اضطلعوا بأدوار قيادية في العنف أو شاركوا مباشرةً في الفظائع. ولا يقلل ذلك من خطورة التواطؤ الاقتصادي أخلاقيًا، لكنه يوضح الأدوات المؤسسية الأجدى، والشروط التي يمكن بموجبها النظر، من حيث المبدأ، في ترتيبات تفاوضية.

شروط التسوية المشروعة

إذا طُرحت تسوية مع شخص في وضع حمشو، فإن مشروعيتها تتوقف على إطار مشروط صارم يميز بين ترتيبات مقبولة وبين إفلاتٍ مقنع من العقاب. وتكتسب التسوية قابليةً أكبر للدفاع عندما تُبنى بوصفها آلية مساءلة اقتصادية تتضمن استرداد الأصول، وكشف الحقيقة، والتعاون، من دون أن تعيق التحقيق أو الملاحقة القضائية في الجرائم الدولية الجسيمة. كما يتعين، من حيث المنطق المعياري العام، التمييز الصارم بين العفو الشامل غير المشروع وبين ترتيبات مشروطة تدعم الحقيقة والتعويضات والمساءلة، مع مراعاة التزامات الدول إزاء الجرائم الخطيرة بموجب القانون الدولي.

أما الشروط العملية المتوقعة في حالة مماثلة، فيجب أن تكون واسعة ودقيقة وغير قابلة للمساومة.

أولًا، الإفصاح الكامل عن الأصول، بما يشمل الممتلكات داخل البلاد وخارجها، على أساس إقرارات موثقة ومدققة، وربط ذلك بإجراءات استردادٍ أو مصادرةٍ موجهة نحو التعويضات وإعادة الأموال العامة.

ثانيًا، الكشف الكامل عن الهياكل التجارية المستخدمة كواجهات، وتحديد المالكين المستفيدين الحقيقيين، وبيان أساليب التحايل على العقوبات، ورسم خريطة تفصيلية للعلاقات الاقتصادية مع الأجهزة الأمنية، بما في ذلك القنوات المتصلة بماهر الأسد.

ثالثًا، اشتراط تعاون فعّال وقابل للتحقق ضد مرتكبي الجرائم والشبكات رفيعة المستوى، بما يشمل الميسّرين الماليين وسلاسل التوريد وبنى تمويل الميليشيات، مع تضمين بنود إخلال نافذة تضمن أن عدم التعاون أو تقديم معلومات مضللة يُسقط أي حماية مقررة.

وفوق ذلك كله، ينبغي أن تُدار العملية علنًا وبمنظور يراعي مصالح الضحايا، عبر نشر شروط التسوية، وإخضاعها لإشراف مستقل، وتقديم تبرير واضح لأساسها ومنطقها. فالسرية في هذا السياق تقوّض الشرعية وتعمّق فجوة الثقة لدى الضحايا، وتُضعف مشروع العدالة الانتقالية، حتى لو تضمن الاتفاق في ذاته منافع موضوعية.

القيود الجوهرية والترتيبات غير المسموح بها

مهما اتسعت مساحة التسويات المشروطة نظريًا، فإن ثمة ترتيبات تجعل أي اتفاق غير مقبول قانونيًا وسياسيًا؛ فالتسوية التي تمنح حصانة شاملة، أو تفتح باب “شراء الإعفاء” من المساءلة، تُغلق الأفق أمام الأهداف التي تدّعي خدمتها، لا سيما إذا ارتبطت الأدلة بتمويل أو دعم جرائم وحشية. إن ظهور أدلة موثوقة تُثبت أن الشخص لم يكن مجرد رجل أعمال منتفع أو ميسّر اقتصادي، بل مساهمًا واعيًا وكبيرًا في جرائم محددة، من شأنه أن يُعيد تشكيل التقييم جذريًا. وقد تشمل هذه الأدلة تمويل وحدات متورطة في فظائع جماعية، أو غسل عائدات النهب، أو التسهيل المباشر لأفعال الاضطهاد المنهجي.

إذا ظهرت مثل هذه الأدلة في شأن حمشو، فسينتقل من خانة “الميسّر/المستفيد الاقتصادي” إلى خانة من يتحملون مسؤولية أكبر عن الجرائم الجسيمة، وستتقلص مساحة التسوية إلى حد بعيد. فالقانون الدولي الجنائي، من حيث بنيته ووظائفه، يرسّخ حدودًا خارجية لا يجوز لأي ترتيبات انتقالية تجاوزها، إذ لا يجوز تسوية الجرائم الدولية الخطيرة بما يؤدي إلى تعطيل واجب التحقيق والملاحقة، أو إضفاء حصانة على مرتكبيها أو المساهمين الجوهريين فيها، مهما كانت المبررات السياسية أو الاقتصادية.

خاتمة

تُبرز مسألة التسوية في حالة محمد حمشو توتراتٍ أوسع داخل العدالة الانتقالية بين منطق التوافق العملي ومنطق المساءلة المبدئية. فبينما شهدت تجارب انتقالية ترتيبات لإعادة الأصول والتعاون مع فاعلين اقتصاديين مرتبطين بالنظام السابق، فإن هذه الترتيبات لا تكتسب شرعية إلا إذا كانت مشروطة بإحكام وشفافة، وتستبعد الجرائم الدولية بصورة لا لبس فيها. ويُظهر السجل العام حمشو بوصفه عامل تمكين اقتصاديًا محوريًا أكثر من كونه فاعلًا مباشرًا في الجرائم، بما يفتح، من حيث المبدأ، باب النظر في ترتيبات مشروطة إذا استوفت شروط الإفصاح، واسترداد الأصول، والتعاون القابل للتحقق. غير أن الإطار القانوني لا يستوعب أي ترتيب يفضي إلى إفلات من العقاب أو إلى تغطية سلوك يرقى إلى جرائم دولية. وعليه، يبقى الحد الفاصل بين هاتين الفئتين، والذي تحسمه طبيعة الأدلة ومدى اتصالها بالجرائم الجسيمة، المحددَ النهائي لما إذا كانت التسوية أداةً مشروعة من أدوات العدالة الانتقالية، أم تنازلًا غير مقبول يمس حقوق الضحايا ويقوض الغاية التي يفترض أن تخدمها.

تلفزيون سوريا

—————————-

الملفّات النازفة… أين اختفت أرشيفات القضايا الحساسة لنظام الأسد؟/ أنس أزرق

11 فبراير 2026

أمّا وقد سقط النظام في سورية، فقد حان الوقت لإغلاق بعض الملفات المأساوية وهي كثيرة ومتعدّدة، بعضها يتصل بسورية وأخرى تتصل بمحيطها الإقليمي ولا يمكن إهمال بعض الملفات ذات البعد الدولي. ليس الهدف من فتح هذه الملفّات نكء الجراح والغرق بالنواح، ولكن بغية استكمالها تمهيداً لإغلاقها نهائياً. وأبرز الملفات التي ما تزال تنزف وما تزال لها تداعياتها ملف الأحداث في حلب وجسر الشغور 1980، ومجزرة سجن تدمر عام 1980، ومذبحة حماة 1982، وصولاً إلى المجازر في عهد الأسد الصغير. ويبقى ملف اغتيالات نظام الأسد الأب والابن في صدارة القضايا الغامضة والتي تحتاج فعلاً لفك تعقيداتها.

الأسئلة هنا، وقد سقط النظام منذ عام، أين أرشيفات الدولة السورية من رئاسة الجمهورية إلى رئاسة الوزراء إلى القيادة القطرية لحزب البعث والقيادة القومية، والجبهة الوطنية، فضلاً عن أرشيف أجهزة الأمن المختلفة ومكتب الأمن القومي، ولاحقاً مكتب الأمن الوطني؟ أين أرشيف وزارة الدفاع وأرشيف عنجر (بلدة لبنانية في البقاع كانت فيها قيادة المخابرات السورية في لبنان)؟ أين أرشيف وزارة الداخلية وأرشيف الوزارات الأخرى؟ لماذا لا تفتح هذه الأرشيفات للمتضرّرين وأصحاب الحقوق؟ لماذا لا تقدم للباحثين ليكملوا دراساتهم حول طبيعة هذا النظام؟ قد يعترض من يقول وهل هذا وقته؟ وهل هو أولوية الآن؟ وماذا ينفع؟

طبعاً هذا وقته وإتاحة الوصول لهذا الأرشيف يساعد ببلسمة الجراح والوصول للعدالة الانتقالية التي تساعد على التعافي والشفاء الوطني. وهذه الملفات لا تخص سورية فقط ولا منطقة منها بعينها أو طائفة، بل هي عابرة للطوائف والمناطق والدولة السورية كلها.

أضرب أمثلة: ماذا عن تعويضات المعتقلين من كل الطوائف؟ ماذا عن اغتيال الشيخ العلوي الدكتور المهلب حسن عام 1985، والذي ساهم باغتياله عديله الضابط علي يونس؟ أين ملف اغتيال محمد عمران عام 1972؟ وقبل عهد الأسد لماذا تخفي الدولة السورية مكان دفن سليمان المرشد وكذلك ابنه مجيب المرشد؟

في ملف الاغتيالات الأسدية، هناك أسماء كثيرة أبرزها اللواء محمد عمران، والذي اغتيل عام 1972 في مزعة قرب طرابلس حيث كلفت المخابرات السورية “نزيه زرير” ( كان رئيس فرع أمن الدولة في حمص حينها) بدس مجموعة من منظمة الصاعقة الفلسطينية مؤلفة من رجلين وامرأة بإطلاق الرصاص عليه، وقد روى الطيار محمد سيجري الذي اعتقله نظام حافظ الأسد عشر سنوات بسبب وشاية عليه أنه لن يقصف حماة بأنه شاهد رجلي الصاعقة يتمتعان بامتيازات كبيرة في سجن تدمر.

جاء اغتيال صلاح البيطار، أحد مؤسسي حزب البعث عام 1980، في باريس بعد لقاء جمعه مع حافظ الأسد عام 1978، إذ أراد الأخير أن يعود البيطار من منفاه ليكون رئيساً للوزراء، ما يعطيه الشرعية الحزبية، وربما السنية، لعهده، بعد بداية صراعه مع النظام البعثي العراقي وبداية ما عرفت بأحداث الثمانينات والتي أثرت على حكمه.

عرض الأسد على البيطار ما ظنّه منحة كبيرة وتنازلاً منه، فيما اشترط البيطار وقف القبضة الأمنية ومكافحة الفساد وفتح التعدّدية السياسية، ما أوصل العلاقة إلى مزيد من السوء، فكتب البيطار مقاله الشهير “عفوك شعب سورية العظيم”، فتلقى رد الأسد بأربع رصاصات قاتلة.

لم يكن الرد بالاغتيال على الكلمة استثناء، فقد سبقه اغتيال الصحافيين اللبنانيين سليم اللوزي، رئيس تحرير مجلة الحوادث عام 1977 في بيروت، وقد وجدت أصابع يده مكسورة، ثم اغتيال نقيب الصحافة اللبنانية رياض طه ورئيس تحرير صحيفة العمل عام 1980 في بيروت. وطبعاً لا يمكن إغفال اغتيال كمال جنبلاط عام 1977، والذي جاء اعتقال مدير المخابرات الجوية والمخابرات العامة سابقاً، اللواء إبراهيم حويجة، بعد سقوط النظام بسبب دوره باغتيال جنبلاط وغيره.

أما دور نظام بشار الأسد بملف الاغتيالات فيكفيه ملف اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005 في بيروت، وبعده عدة نواب (وليد عيدو عام 2007، أنطون غانم عام 2007) وسياسيين مثل (جورج حاوي عام 2005، بيار الجميل عام 2006) وإعلاميين (سمير قصير عام 2005، جبران تويني عام 2005) وأمنيين (وسام عيد عام 2008) فضلاً عن محاولات عدة فشلت كلياً أو جزئياً لشخصيات في سورية أو خارجها.

ما دفعني إلى هذا البحث، إعداد مقابلة مع باحثة فرنسية – سورية شابة، هي ليلى سورا، والمتخصصة بدراسة حركة حماس.

لم تعرف ليلى والدها الباحث والصحافي الفرنسي، ميشيل سورا، فقد ولدت قبل عام من اختطافه في بيروت، فحرمت هي وأختها من رعاية والدهما.

اختُطف ميشيل سورا مع زميله الصحافي جان بول كوفمان في مايو/أيار 1985، عند حاجز مسلح في بيروت الغربية، حيث النفوذ السوري، وأعلنت جماعة الجهاد الإسلامي (كان اسماً منتحلاً لحزب الله) عن مسؤولية الخطف. أطلق سراح كوفمان عام 1988 وتلقى نظام الأسد كالعادة الشكر على دوره بإطلاق الرهينة، فيما أعلنت المنظمة الخاطفة إعدام سورا الذي تبيّن أنه لم يُعدم، إنما مات بسبب إهمال علاجه، ومع ذلك لم تسلم جثته لذويه إلا بعد 20 عاماً، إذ دُفن في باريس عام 2005. المفارقة أن سورا لم يكن له أي دور أمني، إنما كان يعمل باحثاً في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ويداوم في مركز دراسات وأبحاث الشرق الأوسط المعاصر في بيروت، وهو مركز بحثي فرنسي كان ينشط في لبنان خلال الثمانينيات.

لا يمكن فصل عميلة خطف سورا وموته وتأخر تسليم جثته عن جوهر تحليله نظام حافظ الأسد، والذي اختصره بالدولة المتوحشة والحالة الهمجية والنظام البربري. مزج سورا بين أدوات التحليل الاجتماعي الحديثة مع منهج ابن خلدون عن العصبية واستطاع تشريح نظام حافظ الأسد كما نجده بالكتاب الذي جمع مقالاته عن نظام الأسد عام 2012، وصدرت ترجمته العربية عام 2016 عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر. وقد تحدث سورا “حول الطغيان الحاصل اليوم” عن سورية بين سنتي 1979 و1982، إذ كان الغرب يغدق على نظام الأسد الثناء بسبب حربه ضد المتطرّفين الإسلاميين. يصف سلطة الأسد: “تعرف تماماً كيف تستغل تباينات المجتمع واختلافاته بمهارة أقل ما يقال عنها إنها مذهلة، وكيف تلعب على كافة الثنائيات في وقت واحد من دون أن تمنح أي طرف السيطرة على الآخر أبداً، خشية أن يخلق ذلك حالة من اللاعودة”.

من المفارقات أن يتحدّث سورا في إحدى مقالاته في الكتاب عن الربط بين المنظمات الإرهابية اللبنانية والنظام السوري: “الضحية تختفي من دون أن يتبنى أحد من الفاعلين العملية، أو أن يكشف عن هويتهم، ولكن الضحية تظهر من جديد دائماً – في حال تم التوصل إلى حل للموضوع – مثل أرنب أبيض يخرج من قبعة المخابرات السورية”. ويضرب أمثلة على ذلك بما حدث من إطلاق سراح المختطفين، كما الدبلوماسي الأردني هشام المحيسن، ونائب رئيس الجامعة الأميركية ديفيد دودج، والقنصل السعودي حسين فراش.

ما نتحدث عنه من ملفات وأرشيفات لنظام الأسد بعهديه، وضرورة الكشف عنه، ليس فقط تفصيلا عابرا في مجرى تحقيق العدالة أو معرفة ما جرى حبا بالفضول. إن ملاحقة وكشف هذه الملفات سيكون بمثابة DNA لتشريح بنية هذا النظام الأكثر دموية في العصر الحالي. سنعرف كيف كان يفكر وكيف ينفذ ومع من يتعامل وكيف تماسك وعاش لحوالي 55 عاما رغم كل الهزات التي تعرض لها داخليا وخارجياً.

تبقى الأسئلة مشروعة أيضا، هل تم العثور على مثل هذه الأرشيفات في الأفرع الأمنية وأقبية المخابرات، وإذا كان كذلك، لماذا لم يفرج أو يتم الإعلان عنها؟

هل احرق النظام بعضها؟ لا أظن لأن سقوطه السريع لم يسمح له بذلك. هل يمكن أن يكون أخفى بعضها بأماكن سرية؟ ربما ولكن بنية النظام وتفككها وطمعها بالمال والنجاة تسمح لمن يبحث أن يجد هذه الأماكن وهذه الوثائق آجلا أو عاجلا ولقد بدأت بعض الوثائق بالتسرب، وهي غالبا ما أخده بعض موظفي النظام الكبار معهم حين هربوا ليلة السقوط في حين أن الآف الوثائق وربما الملايين موجودة وبعضها صارت بيد النظام الجديد وهي ما زالت تنتظر من يقوم بدراستها وتحليلها.

العربي الجديد

————————

 بعد شائعة ترقيتها:”العدل”السورية تحيل القاضية دغلاوي للتحقيق

الخميس 2026/02/12

استجابت وزارة العدل لدعوات ناشطين في مواقع التواصل اتهموا فيها القاضية كاترين دغلاوي، بالضلوع في إصدار أحكام وقرارات وصفت بأنها ظالمة وجائرة بحق مئات الشبان على خلفية مشاركتهم في الاحتجاجات التي انطلقت في العام 2011، مع تداول شهادات لذوي موقوفين ومعتقلين سابقين قالوا إن ملفاتهم مرت أمامها ضمن سياق قضائي ارتبط بمرحلة النظام السابق.

وقالت الوزارة في تصريح رسمي نقلته “وكالة سانا” أنها تتابع ما يتم تداوله من أخبار انطلاقاً من مسؤوليتها في تعزيز الشفافية واحترام حق الرأي العام، مضيفةً أنها باشرت عبر إدارة التفتيش القضائي إجراءات التحقيق في القضايا المنسوبة، مع تأكيد باتخاذ ما يلزم من إجراءات أصولية عند ثبوت أي مخالفات بما يضمن تطبيق القانون ومساءلة المسؤولين بلا استثناء.

وإثر انتشار أخبار عن ترقيتها، نفت الوزارة ما تم تداوله حول وجود ترقية للقاضية دغلاوي، مؤكدة أنها ما زالت في الموقع الوظيفي السابق نفسه، وأن ما جرى يندرج ضمن التشكيلات القضائية الدورية التي يقرها مجلس القضاء الأعلى وفقا لأحكام القانون، مع تشديدها على صون استقلال القضاء وترسيخ مبدأ المحاسبة وتعزيز الثقة بمؤسسات العدالة.

وكانت موجة غضب واسعة قد اجتاحت مواقع التواصل على خلفية معلومات غير موثقة تحدثت عن ترقية دغلاوي، قبل أن يتحول الجدل إلى الحديث عن تعيين منسوب إلى وزارة العدل يقضي بتسميتها مستشارة في محكمة الجنايات الأولى في حمص، وهو ما دفع ناشطين وذوي ضحايا إلى اعتبار الخطوة استفزازاً لملف العدالة في المدينة، وفتح الباب أمام إعادة تدوير روايات قديمة وحديثة ربطت اسمها بمسار محاكمات وأحكام صدرت في سنوات الثورة الأولى.

تفاصيل المنشورات

وتوزعت المنشورات والفيديوهات الغاضبة بين شهادات شخصية، ومقاطع مصورة ورسائل مكتوبة ركزت على اتهام القاضية بالتشدد في ملفات المظاهرات والتعامل مع الموقوفين بمنطق التخوين، مع تداول شهادات تحدثت عن ضغوط وعبارات مهينة داخل قاعة المحكمة وعن مسارات توقيف ومحاكمات رافقها ابتزاز أو طلب مبالغ مالية لتعديل توصيفات قانونية في بعض القضايا، وهي اتهامات لم يصدر بشأنها حتى الآن رد تفصيلي يتجاوز إعلان فتح التحقيق.

وفي السياق، استعاد ناشطون شهادة للناشط مازن نجيب تتحدث عن توقيفه في أيلول/ سبتمبر 2011 برفقة شقيقه الأصغر وصديق له، وقال إن القاضية التي تولت ملفهم استخدمت عبارات تخوينية من بينها “العراعير” واعتبارهم “مشاغبين” يسعون إلى “تفتيت الوطن”، كما تحدث عن رفض الحكم بالبراءة، وعن دفع مبالغ مالية مقابل تخفيف التهم إلى توصيفات أقل، فيما أشار آخرون إلى “سمعة قضائية مثيرة للجدل” داخل أروقة عدلية حمص في تلك المرحلة، مع تحذيرات متكررة للموقوفين من المثول أمامها، واعتبار ملفات الثورة خطاً أحمر في تعاملها القضائي، وفق تعبير متداول على الصفحات.

المدن

—————————-

الرقة تفتح أبواب سجونها، والعائلات تبحث عبثاً عن آلاف المفقودين/ هيبار عثمان

“منذ أسبوع وأنا أمشي يومياً في هذه الأوحال، وأنتظر تحت المطر لعلّ ابني يعود”، هكذا تتحدث فاطمة الراوي بحسرة وهي تسير مع بضعة شبان في شارع موحل ينتهي إلى محكمة الرقة.

تبحث فاطمة عن اسم ابنها، موفق النهار، الذي كان معتقلاً في سجن الأقطان شمالي مدينة الرقة الواقعة في شمال شرقي سوريا، وقد أعلنت جهات قضائية تابعة للحكومة الانتقالية السورية فتح باب الزيارات للسجون بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من المدينة في الشهر الماضي.

فاطمة، التي لا تقرأ ولا تكتب، يُنبهها أحد الشبان إلى وجود اسم ابنها ضمن قوائم الزيارات المعلقة على جدران المحكمة، ويقول لها إن الزيارة متاحة هذا الأسبوع في سجن الأقطان.

أتت فاطمة من بلدة في ضواحي الرقة، وتخبرنا أن ابنها لم يتجاوز عمره عشرين سنة، واعتقلته قوات “قسد” ثم أصدرت بحقه حكماً بالسجن ستة أشهر بعد أن فتشت هاتفه المحمول ووجدت صوراً وشعارات للنظام السوري”. “لقد أنهى محكوميته”، تقول فاطمة.

“كان عتّالا في دمشق، لكنهم اعتقلوه بتهمة الإرهاب .. ها نحن ننتظر في الشوارع، نحرق إطارات السيارات لنقاوم البرد، وننتظر رحمة الله”.

ليست فاطمة وحدها هنا، إذ بمقربة منها يقف إبراهيم عبد الله الخليل والقلق يلتهمُ ملامحه بعدما عجز عن العثور على اسم أخيه عبد الستار ضمن القوائم.

اختفى عبد الستار منذ يوليو / تموز 2017 خلال العمليات العسكرية التي شنتها قسد ضد تنظيم ما يسمى “الدولة الإسلامية”.

يخبرنا إبراهيم أن أخاه خرج ليشتري الخبز من حي الفردوس وسط مدينة الرقة، ومنذ ذلك الحين انقطعت أخباره، ويضيف: “بحثنا عنه في سجون القامشلي والحسكة، وبحثنا عن جثته في مستشفيات الرقة، وبحثنا عنه بين الجثث المنتشلة من المقابر الجماعية، لكننا لم نعثر له على أثر”.

تخطى الأكثر قراءة وواصل القراءة

ويضيف: “نريد خبراً واحداً عن أخي، سواء كان حياً ليعود لأطفاله أو ميتاً لنرتاح .. نريد أن نعرف أيَّ جهةٍ أخذته … نأمل أن يكون في سجن الأقطان أو أي سجن آخر”.

ولا تتوقف مأساة إبراهيم عند هذا الحد، فابن أخيه الآخر، الذي يدعى عبد الله، اعتُقل منذ بضعة أسابيع أثناء توجهه إلى عمله حارساً مدنياً للسوق الشرقي لمدينة الرقة، وحُرم حتى من حضور جنازة والده، وقد سعى إبراهيم عبثا للإفراج عن ابن أخيه، قائلا لنا: “إنه شاب لم يتجاوز إحدى وعشرين سنة، لم يرتكب أي جناية، قدمتُ طلباً للإفراج عنه وأحضرتُ شهوداً إلى المحكمة .. نتمنى أن يفرجوا عنه”.

وفي زاوية أخرى من المدينة، تأخذنا هالة خليل محمد، السيدة الستينية، إلى غرفةِ ابنها الوحيد مهند. الغرفة باقية كما هي، لكن مهند اختفى بعدما خطفهُ مسلحو تنظيمِ الدولة بعد شهرٍ من زواجهِ عامَ 2014.

كان مهند، والكلام لأمه، من نشطاء الثورة السورية، وكان يملك مقهى للإنترنت وسط الرقة خلال سيطرة التنظيم المتشدد عليها.

رحلةٌ مضنية من البحثِ المتواصل خاضتها هالة، للبحثِ عن مهند، إذ بدأت من سجون التنظيم المتشدد في الرقة إلى آخر معاقله في قرية الباغوز على الحدود السورية العراقية عام 2019، وسط أنباءٍ انتشرت آنذاك تفيد بأن مقاتلي التنظيم استخدموا المعتقلين دروعاً بشرية لتجنب قصف طائرات التحالف الدولي.

ثم توجهت هالة إلى سجون قسد في مناطق شمال شرقي سوريا، إذ تقول إن “ولدها اعتُقل عن طريق الخطأ لأنه كان في الجيب الأخير لتنظيم الدولة”.

وتضيف هالة خليل محمد، التي تسكن وحيدة قرب دوار أمن الدولة في الرقة: “بحثت عنه منذ سنوات في 27 سجناً، قيل لي إنهم أخذوه من الباغوز عام 2019 ، ثم اختفى .. أنا على يقين أنه موجود، وما أزال أبحث عنه، كان لدي أمل في أن يكون موجوداً في سجن الأقطان، ولا يزال الأمل موجوداً”.

وتقول هالة بنبرة حزنٍ شديدة: “عندما خطفوه سرقوا حياتي. أحياناً، وأنا نائمة، يتراءى لي طيفه وهو يمشي في الممر، ليجلس على أريكته المعهودة .. أحس به يجلس هناك، هو دائماً يؤنسني”.

سيدة ترتدي لباساً أسود و حجاباً رمادياً ونظارة طبية تجلس على أريكة بنفسجية اللون خلفها ستارة فضية، تبدو وكأنا تتحدث إلى شخص لا يظهر في الصورة وتبدو عليها علامات الحزن

التعليق على الصورة، تقول السيدة هالة خليل محمد إنها بحثت عن أخيها مهند على مدى سنوات في 27 سجناً

30 ألف معتقل ومصير الآلاف مجهول

بعد انسحاب مقاتلي قسد من مناطق جديدة في شمال شرقي سوريا سيطرت قوات تابعة للحكومة الانتقالية السورية على تلك المناطق أواسط الشهر الماضي، وفتحت أبواب السجون كسجن الأقطان في الرقة والسجن المركزي في الطبقة وسجن الشدادي وغيرها من السجون في مناطق شرقي نهر الفرات.

وقد مكن نشرُ قوائمِ المحتجزين، في هذه السجون، مئاتِ العائلاتِ من معرفةِ مصير أبنائها هناك، إلا أنَّ عائلاتٍ أخرى أصيبت بخيبةِ أمل.

وتؤكد الهيئةُ الوطنية للمفقودين في سوريا، التي تأسستْ في مايو/أيار من العامِ الماضي، أن مصيرَ الآلافِ من المغيبينَ قسراً في الرقة معقدٌ جداً وشائك، نظراً لتعاقبِ أطرافِ النزاعِ في سوريا على المدينة خلالَ سنوات الحرب.

ويقول محمود الأسمر، عضو الفريق الاستشاري للهيئة الوطنية للمفقودين، إن موضوع فتح السجون: “كان صدمة مدوية بالنسبة للأهالي، كنا نتوقع العثور على مئات الآلاف، لكن خيبة أملنا كانت كبيرة، فقد وجدنا ثلاثين ألفاً فقط”.

وتجهز الهيئةُ مراكزَ خاصة لاستقبالِ بلاغاتِ الأهالي في الرقة وغيرها من المحافظات لمعرفة مصير أبنائهم سواء أكانوا محتجزين في السجون أو دفنوا في مقابر جماعية خلال سنوات النزاع.

وتؤكد الهيئة أن أولوياتها في هذه المرحلة هي حماية المقابر الجماعية من العبث والبحث عن مقابر جديدة، بالإضافة إلى إزالة الجثث المكشوفة، وتوفير أجهزة تحليل الحمض النووي للتعرف على الجثث عند فتح هذه المقابر مستقبلاً.

يضيف محمود الأسمر: “قبل فتح المقابر الجماعية مستقبلاً، سنجمع بيانات المفقودين ونأخذ عينات من الأهالي، وذلك كي نربط العينات التي ستـؤخذ من الجثامين مع العينات المأخوذة من الأهالي، حتى يسهل التعرف على هوية الجثث”.

المقابر الجماعية في الرقة.. “شاهد صامت على الجرائم”

الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ومقرها هولندا، تشير تقاريرها إلى وجود نحو 8000 شخص لا يزالون في عداد المفقودين في شمال شرقي البلاد، وذلك خلال فترة سيطرة تنظيم الدولة على تلك المناطق، فأغلب الجثث المنتشلة من المقابر الجماعية ومن بين الأنقاض تبقى مجهولة الهوية، لعدم وجود أجهزة لتحليل الحمض النووي وبسبب قلة الخبرة الجنائية بحسب تعبير الأمم المتحدة.

فريقُ شؤونِ المفقودين والطبِ الشرعي في سوريا قال في تصريحات سابقة، إنهُ انتشلَ قرابةَ 6000 جثة من 27 مقبرة جماعية ضمن الحدود الإدارية لمحافظة الرقة بعد أن تمكنت قسد من طرد مقاتلي التنظيم من تلك المنطقة، كما تمكنت مئات العائلات في محافظة الرقة من التعرف على أبنائِها المفقودين من خلالِ لونِ الثياب أو كسورٍ في العظام وغيرها من العلاماتِ الفارقة في الجثثِ المكتشفة.

أين أبناؤنا؟

ومع الغموضِ الذي يكتنفُ مصيرَ آلافِ المفقودين من سكانِ الرقة تزدادُ المخاوفُ بين أهالي المدينة من أنَّ التنظيم ربما قتلَ جميعَ المحتجزينَ لديه.

عبد القادر حاج عبد الله، وهو من مؤسسي رابطة ذوي المفقودين في الرقة، لا يخفي تشاؤمه قائلاً إن معظم العائلات فقدت الأمل في العثور على أبنائها أحياء، ولا سيما بعد أن فُتحت أبواب غالبية السجون.

ويضيف أن الشك لا يزال يراود قسماً من العائلات بأن أحبابهم المعتقلين ربما يقبعون الآن في سجون تعتقل فيها قسد محتجزي تنظيم ما يسمى “الدولة الإسلامية” في الحسكة والقامشلي، وسط غياب عمليات التدقيق في خلفيات من اعتُقِلوا في معركة الباغوز عام 2019.

عبد القادر كان يأمل أن يجري التحقيق مع محتجزي التنظيم في سجون قسد لمعرفة مصير أخيه إسماعيل وبقية المفقودين الذين كانوا في سجون التنظيم قبل انسحابه من الرقة عام 2017.

ومع بدء عملية نقل محتجزي “تنظيم الدولة “من سجون قوات قسد إلى العراق على أيدي القوات الأمريكية، يردد الرجل: رغم كل ما حدث، من حقنا أن نسأل أين أبناؤنا سواء كانوا أحياءً أو أمواتاً.

بي بي سي

—————————-

القانون آخر خطوط الدفاع.. حين تسقطه السلطة/ غزوان قرنفل

القانون في أي دولة حديثة ليس نصوصًا جامدة تُدوّن بين دفتي كتاب، أو تُستحضر في البيانات والخطب، بل هو العقد الناظم للعلاقة بين السلطة والمجتمع، والضامن الموضوعي لفكرة العدالة وتكافؤ الفرص، وبالقطع هو الحاجز الأخير الذي يمنع تحوّل الدولة إلى مزرعة خاصة، أو غنيمة حرب.

المأساة تبدأ حين تكون السلطة ذاتها هي أول من ينتهك القانون ويخرقه، لا خرقًا عارضًا ولا استثناء اضطراريًا، بل ممارسة يومية وسلوكًا ممنهجًا، حتى يبدو وكأنها تدوس على القانون علنًا بلا استحياء، وبلا خجل ولا خوف من مساءلة!

كل ما جرى ويجري اليوم من تعيينات وظيفية لإشغال الوظائف العامة في مؤسسات الدولة يتم خارج الإطار القانوني الذي نص عليه القانون الأساسي للعاملين في الدولة والمعدّل بالقانون “50” لعام 2004، والذي يوجب الإعلان عن فرص العمل المتاحة والمطلوب إشغالها، وبيان شروط التقدم إليها بشكل واضح ومفصل، بما يراعي شروط الكفاءة والعلنية والشفافية، ويتيح لكل من تنطبق عليه هذه الشروط  ذكرًا كان أم أنثى، أن يتقدم إليها إعمالًا لمبدأ تكافؤ الفرص، الذي يفترض أنه أحد أسس الدولة الحديثة والذي نص عليه الإعلان الدستوري نفسه لكن لم يجد لتطبيقه حتى الآن سبيلًا! فما يحدث فعليًا هو نقيض ذلك تمامًا، إذ يتم التعيين في تلك الوظائف بالاستنساب والمحسوبية، وصلات القربى، أو على أساس الولاء السياسي والأمني، لا على أساس الكفاءة والخبرة والاستحقاق.

هكذا تتحول الوظيفة العامة من حق للمواطنين كافة إلى مكافأة توزعها السلطة على الموالين والمصفقين والمطبلين، أو إلى غنيمة يتقاسمها المتنفذون ويغدو القانون الذي يفترض أنه وُضع لضمان العدالة والمساواة مجرد ورقة مهملة لا وزن لها أمام توصية نافذ أو إشارة رضا من صاحب قرار. وفي هذا السياق لا يعود المواطن يشعر بأنه متساوٍ أمام الدولة مع أقرانه في الحقوق، بل مجرد متفرج على مسرح عبثي تدار فيه شؤون الناس وفق مزاج السلطة لا وفق نصوص القانون.

وما ينطبق على التوظيف ينطبق، وبصورة أكثر فجاجة، على العطاءات والمناقصات وعقود الاستثمار  التي أوجب قانون العقود العامة المعدل بالقانون “51” لعام 2004 بشأنها، وكل تلك القوانين لا تزال سارية المفعول وفق نص واضح في الإعلان الدستوري، أن يتم طرحها عبر إعلان علني، ودفتر شروط واضح وشفاف، وإتاحة الفرصة للجميع من أفراد وشركات بحسب مقتضى الحال، ثم اختيار العرض الأفضل وفق معايير محددة ومعلنة وشفافة تضمن إنجازًا أفضل ومردودية أعلى وبتكلفة أقل.

هذا الكلام ليس ترفًا إداريًا، بل ضمانة أساسية لحماية المال العام ومنع الفساد وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع، لكن ما نراه في الواقع هو عكس ذلك تمامًا، ما نراه عقود تُبرم وتُمنح في الغرف المغلقة، ومشاريع ترسو على شركات بعينها، لا لأنها الأكفأ بل لأنها الأقرب إلى صنّاع القرار ودوائر النفوذ!

بمثل تلك الممارسات تتحول الدولة من حكم محايد إلى شريك في الفساد، ومن راعٍ للمصلحة العامة إلى أداة لإعادة إنتاج شبكة من المصالح الضيقة، ويصبح الاقتصاد نفسه رهينة لهذه العلاقات الزبائنية، حيث يقصى المستثمر الجاد، ويولّي رأس المال النظيف هاربًا، بينما يزدهر اقتصاد المحاسيب والمناسيب والوسطاء واللقطاء، والنتيجة ليست فقط هدرًا للمال العام، بل إفقار للمجتمع، وإضعاف لمؤسسات الدولة، وتعميق لفجوة الثقة بين الحاكم والمحكوم.

الأخطر من كل ذلك أن هذا السلوك لا يدمّر القانون فحسب، بل يدمّر فكرة الدولة ذاتها، فعندما يرى الناس أن القانون لا يطبق إلا على الضعفاء، وأن الأقوياء فوق المساءلة، يتآكل الإحساس بالمواطنة ويتحول الانتماء للدولة إلى عبء لا قيمة له، عندها، يلجأ الأفراد إلى بدائلهم الخاصة كالعشيرة والطائفة أو أي مظلة توفر لهم الحماية التي فشلت الدولة في توفيرها، هنا تبدأ عملية التفكك البطيء، ويصبح الوطن مجرد مساحة جغرافية لا رابطة قانونية أو أخلاقية تجمع أبناءه.

إن سلطة تتعامل مع الدولة على أنها غنيمة حرب، لا يمكن أن تبني لا دولة ولا مؤسسات، وسيكون من المستحيل عليها أن تؤسس لاستقرار أو تنمية، لأن سلطة كهذه لا ترى في القانون سوى عائق يجب الالتفاف عليه، أو أداة تستخدم انتقائيًا لمعاقبة الخصوم وحماية الحلفاء، ومع تكرار هذا السلوك، يبدأ المواطنون بالاعتقاد أن هذا الوطن بالنسبة لتلك السلطة ليس سوى مرحاض تفرغ فيه مثانتها على القوانين والحقوق، وتداس فيه الكرامات دون رادع أو محاسبة!

سبيل الخلاص واضح وبيّن، وهو يبدأ من استعادة هيبة القانون وسموّه، لا كشعار بل كممارسة فعلية تطبّق على الجميع دون استثناء، فلا دولة بلا قانون، ولا قانون بلا مساءلة، ولا مساءلة في ظل سلطة ترى أو تجعل نفسها فوق الجميع، وأي حديث عن إصلاح أو بناء أو مستقبل، سيبقى مجرد وهم ما دامت السلطة مصرّة على ازدراء القانون والتبوّل عليه مرّة تلو مرّة، غير آبهة بما يتساقط مع شرعيتها وهيبتها مع تساقط بقايا دولة ووطن.

عنب بلدي

———————————

تقرير “هيومن رايتس ووتش” الأخير.. المساءلة وحدودها في المرحلة الانتقالية السورية/ ميسون محمد

7 فبراير 2026

في المراحل الانتقالية، لا تُقاس جدّية السلطة الجديدة بتصريحاتها المستقبلية، بل بكيفية إدارتها للإرث المؤسسي والقانوني الذي ورثته. وسوريا اليوم، وهي تحاول الخروج من عقود طويلة من الاستبداد، تقف أمام اختبار معقّد: كيف تُثبت أنها تختلف عمّا سبقها، دون أن تُستنزف في معارك الماضي أو تُستدرج إلى فوضى سياسية وقانونية.

من هذا المنطلق، لا يُطرح ملف الانتهاكات بوصفه أداة اتهام أو تصفية حسابات، بل كجزء من مسؤولية الدولة في تثبيت شرعيتها وبناء الثقة العامة. وهنا تحديدًا تبرز الأسئلة الصعبة، لا حول النوايا، بل حول الآليات، وحدود الشفافية، وشكل المساءلة الممكنة في سياق انتقالي هشّ.

أين الخلل الحقيقي؟

الخطاب السائد يميل إلى حصر الإشكالية في مقاربات جزئية: إما إنكار الانتهاكات بدعوى “المرحلة الحساسة”، أو اختزالها في “أخطاء فردية” لا تمسّ بنية السلطة. لكن تقرير “هيومن رايتس ووتش” الأخير يكشف أن الخلل أعمق من ذلك. الإشكال ليس في غياب التحقيقات كليًا، بل في غياب الشفافية حول من يُحاسَب، وكيف، ولماذا يتوقف المسار عند حدّ معين.

المساءلة هنا تُعالَج ضمن إطار إجرائي ضيق، بينما هي في الحقيقة مسألة سياسية قانونية تمسّ تعريف الدولة الجديدة لنفسها: هل تتجه الدولة نحو تغيير منهجي في مقاربة المساءلة، أم نحو الإبقاء عليها ضمن سقف سياسي وقانوني محدود؟

بين التحقيق والمسؤولية

يقرّ تقرير “هيومن رايتس ووتش” بأن السلطات السورية الانتقالية تعاملت مع موجات عنف خطيرة وقعت خلال عام 2025، واتخذ بعضها طابعًا قائمًا على الهوية/الطائفة، عبر فتح تحقيقات رسمية في هذه الوقائع. هذا التطور يُحسب ضمن سياق مرحلة انتقالية معقّدة، ويعكس اعترافًا بضرورة عدم تجاهل ما حدث. غير أن التقرير يلفت إلى أن التحقيق، حين يقتصر على توصيف الوقائع أو مساءلة أفراد في الميدان، يبقى قاصرًا عن معالجة جذور المشكلة.

الفرق الجوهري هنا يكمن بين مساءلة الفعل ومساءلة السياق الذي سمح بحدوثه. فحين لا يُوضَّح دور القيادات العسكرية أو المدنية في اتخاذ القرار، أو في الإشراف، أو في ضبط السلوك، تبقى منظومة العمل نفسها قائمة من دون مراجعة. هذا يعني أن الخلل لا يُعالج بوصفه مسألة بنيوية، بل يُختزل في حوادث منفصلة، وكأنها خرجت عن السياق العام للدولة ومؤسساتها.

    الإشكال ليس في غياب التحقيقات كليًا، بل في غياب الشفافية حول من يُحاسَب، وكيف، ولماذا يتوقف المسار عند حدّ معين

في تجارب دول مرّت بمراحل انتقالية مشابهة، تُبيّن الخبرات أن الاقتصار على محاسبة المنفذين المباشرين قد يلبّي مطلبًا آنيًا بالردّ، لكنه لا يمنع التكرار. فغياب تحديد المسؤوليات القيادية والمؤسسية يبقي القواعد غير واضحة، وحدود الصلاحيات ملتبسة، وآليات الضبط ضعيفة. عندها، يتحوّل العنف في السردية الرسمية إلى استثناء عارض، لا إلى مؤشر على خلل يستوجب إصلاحًا أعمق.

من هذا المنطلق، لا تُطرح المسؤولية المؤسسية كإجراء قانوني إضافي، بل كوسيلة لضبط آليات القرار والتنفيذ داخل المؤسسات، بما يحدّ من تكرار الانتهاكات مستقبلًا.

العدالة في سياق انتقالي

سوريا اليوم ليست دولة مستقرة، ولا نظامًا مغلقًا كما في السابق، بل دولة تمرّ بمرحلة انتقالية تفرض مقاربة مختلفة لمسألة العدالة، مقاربة لا تقوم على التشدد أو التساهل، بل على التوازن. فالعدالة الانتقالية، وفق ما استقرّ عليه القانون الدولي العام، لا تهدف إلى الانتقام ولا إلى استدعاء الماضي لذاته، بل إلى التعامل معه بوصفه شرطًا ضروريًا لمنع تكرار الانتهاكات وبناء ثقة عامة مستدامة.

في هذا السياق، يلفت تقرير “هيومن رايتس ووتش” إلى غموض في كيفية إشراك الضحايا وأصحاب المصلحة في صياغة مسارات المساءلة وفي المشاركة بها. هذا الغموض لا يتعلق بالاعتراف بوجود الضحايا، بل بموقعهم الفعلي في العملية: هل هم مجرّد شهود على ما تقرّره المؤسسات، أم أطراف يُؤخذ برأيهم في تحديد الأولويات وحدود المحاسبة؟ في تجارب انتقالية سابقة، أظهرت مشاركة الضحايا أنها عنصر أساسي في منح أي مسار عدالة شرعية اجتماعية، بينما يؤدي تغييبهم إلى تراكم شعور بالإقصاء قد يظهر لاحقًا على شكل توترات جديدة.

تفكيك سردية “الأولوية للاستقرار”

من أكثر الأفكار تداولًا في النقاش العام هو أن فتح ملفات الانتهاكات قد يهدد الاستقرار في مرحلة انتقالية حسّاسة. هذه المقاربة تبدو واقعية للوهلة الأولى، لأنها تربط الاستقرار بتجنّب الصدام، لكنها تتجاهل عنصرًا أساسيًا: طبيعة الاستقرار نفسه. فالاستقرار الذي يقوم على تجاهل ملفات الانتهاكات وعدم حسمها، لا على معالجتها ضمن إطار واضح، يظلّ هشًّا وقابلًا للاهتزاز عند أول أزمة.

تجارب دول مرّت بظروف انتقالية مشابهة أظهرت أن ما يُسمّى “النسيان المنظّم” قد يخفف التوتر مؤقتًا، لكنه لا يعالج أسبابه. ومع مرور الوقت، تعود المشكلات بأشكال أكثر حدّة، خصوصًا حين تترافق مع أوضاع اجتماعية واقتصادية ضاغطة. تقرير هيومن رايتس ووتش يضع هذه النقطة في إطار واقعي حين يشير إلى أن غالبية السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن نسبة كبيرة منهم تعاني من انعدام الأمن الغذائي. في سياق كهذا، لا يكمن الخطر في طرح ملف المساءلة، بل في ترك مظالم غير معالجة داخل مجتمع يعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية وانعدام ثقة.

القانون الدولي كمرآة

إن إشارة تقرير “هيومن رايتس ووتش” إلى أهمية الانضمام إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لا تأتي بوصفها توصية قانونية معزولة، بل في سياق تقييم قدرة الدولة على التعامل مع الجرائم الخطيرة وفق معايير معترف بها دوليًا. فمثل هذا الانضمام، أو تعزيز التعاون مع آليات الأمم المتحدة المعنية بالمساءلة، يُنظر إلى هذا الانضمام أو التعاون بوصفه أداة داعمة حين تكون الأطر الوطنية في طور البناء أو التطوير، لا كبديل عنها.

في هذا الإطار، لا يُفهَم اللجوء إلى الآليات الدولية على أنه تنازل عن السيادة، بل كطريقة لإعادة تأكيدها في مرحلة انتقالية حسّاسة. فالدولة التي تختار إخضاع نفسها لمعايير واضحة للمساءلة تُرسل رسالة بأنها تسعى إلى ضبط ممارساتها ضمن قواعد معلنة، وأن حماية الحقوق لا تتعارض مع سيادة القرار الوطني، بل تشكّل أحد أسسها في المدى الطويل.

الإصلاح الأمني: العقدة الصامتة

إن ملف الإصلاح الأمني يُعدّ من أكثر الملفات حساسية في أي مرحلة انتقالية، وهو ما يشير إليه تقرير هيومن رايتس ووتش بوضوح حين يدعو إلى إقصاء العناصر التي ثبت تورطها في انتهاكات، وإلى اعتماد هياكل قيادة واضحة ومدونات سلوك ملزمة. هذه الدعوة لا تتعلق بإجراءات تنظيمية شكلية، بل بمحاولة ضبط كيفية اتخاذ القرار، وحدود الصلاحيات، وآليات المساءلة داخل المؤسسات الأمنية.

فحين تستمر الأجهزة الأمنية بالعمل وفق قواعد غير محددة أو رقابة غير فعّالة، فإن الممارسات القديمة قد تستمر حتى لو تغيّر الخطاب السياسي العام. التجارب المقارنة تُظهر أن غياب إعادة الهيكلة لا يؤدي فقط إلى ضعف الثقة العامة، بل يخلق فجوة بين السلطة والمجتمع يصعب ردمها لاحقًا. من هنا، يتقاطع الإصلاح الأمني مع مسار العدالة: فلا يمكن ترسيخ الأمن دون قواعد مساءلة واضحة، ولا يمكن للعدالة أن تُطبَّق في بيئة أمنية غير منضبطة.

في المحصّلة، ومع اقتراب المرحلة الانتقالية من اختباراتها الأكثر حساسية، يضع تقرير هيومن رايتس ووتش سؤالًا جوهريًا لا ينحصر في تقييم ما إذا كانت السلطات قد قامت بما يكفي حتى الآن، بل يتعلّق بالمسار الذي يُراد للدولة أن تسلكه في هذه المرحلة المفصلية. فطريقة التعامل مع ملف المساءلة اليوم لا تعكس فقط إدارة أزمة، بل ترسم ملامح نموذج الدولة التي تتشكّل على المدى الطويل.

هل تُعامل المساءلة كملف مرحلي يُدار ضمن حدود ضيّقة لتجاوز الظرف الراهن، أم تُدرج بوصفها عنصرًا أساسيًا في بناء مؤسسات أكثر انضباطًا ووضوحًا؟ هذا الفرق ليس نظريًا، بل ينعكس مباشرة على ثقة المجتمع بالدولة وعلى قدرتها على تجنّب تكرار أخطاء الماضي.

—————————-

هيئة العدالة الانتقالية: قانون العقوبات السوري لا يجرّم جرائم الحرب

تحديات تواجه مسار العدالة الانتقالية في سوريا

2026-02-09

أكدت هيئة العدالة الانتقالية السورية أن قانون العقوبات المعمول به حالياً في سوريا لا يتضمن نصوصاً صريحة تجرّم جرائم الحرب أو انتهاكات حقوق الإنسان.

وأشارت الهيئة إلى أن هذا القصور القانوني يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه مسار محاسبة مرتكبي جرائم الحرب، وفق ما نقلته قناة “الحدث”.

وقالت، إنها تدرك حجم الألم والمعاناة التي عاشها السوريون خلال السنوات الماضية، إلا أن الإرث القانوني الذي خلّفه النظام المخلوع يُعد ثقيلاً ومعقّداً.

وأضافت الهيئة أن مبدأ سيادة القانون سيُطبق على الجميع دون استثناء، مؤكدةً أن “لا أحد فوق القانون، وجميع المنتهكين سيخضعون للمحاسبة”.

ولفتت إلى أن حجم المتهمين والمشتبه بتورطهم في هذه ارتكاب جرائم الحرب وانتهاكات لحقوق الإنسان كبير.

وفي الثامن من كانون الثاني/ يناير الماضي، نفت هيئة العدالة الانتقالية في سوريا، وجود أي عفو أو تسامح ضمن مسارها مع مرتكبي الجرائم والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

اقرأ أيضاً: العدالة الانتقالية والسلم الأهلي في سوريا: بين الحق والأمن

وقالت الهيئة، إنها لم تصدر أي عفو عن كل من شارك أو نفّذ أو موّل أو حرّض على ارتكاب الجرائم بحق الشعب السوري خلال فترة حكم النظام المخلوع.

وذكرت، أن النفي جاء رداً على تساؤلات وشكاوى مواطنين تابعتها الهيئة في الآونة الأخيرة، على خلفية ما جرى تداوله إعلامياً بشأن اتفاقات أو تسويات فُهم منها وجود عفو أو طي لملفات مرتبطة بجرائم جسيمة.

ونوهت الهيئة، إلى أن الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري لا تسقط بالتقادم ولا يمكن تبريرها أو تجاهلها تحت أي ظرف أو مسمّى، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).

وأكدت أن أي إجراءات أو تسويات تحمل طابعاً إدارياً أو اقتصادياً يتم تداولها حالياً لا ترتبط بمسار العدالة الانتقالية، ولا تُعد بديلاً عن المساءلة القضائية، كما أنها لا تمنح حصانة قانونية دائمة أو إعفاءً من المسؤولية.

وبيّنت الهيئة أنها تعمل حالياً على الخطوة الأولى في مسارها، والمتمثلة بإعداد قانون عدالة انتقالية شامل يضع إطاراً قانونياً واضحاً لتجريم كل من تورّط في الانتهاكات الجسيمة، ويضمن حقوق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة، والمحاسبة، والإنصاف، وضمان عدم التكرار.

وشددت على أن العدالة الانتقالية ليست إجراءً إعلامياً ولا تسوية ظرفية، بل مسار قانوني تقوده إرادة الضحايا ويستند إلى سيادة القانون، بهدف بناء مستقبل لا تتكرر فيه المآسي، مع الالتزام بالشفافية والاستماع إلى مخاوف المواطنين وتساؤلاتهم.

—————————-

 العدالة الانتقالية في دير الزور “تنتقل” بعيداً عن الضحايا!/ محمود الفتيح

2026.02.08

بينما كان وفد من السلطات السورية يزور باريس، أمس السبت، للقاء قضاة وضباط في الشرطة القضائية الفرنسية، ضمن برنامج تدريبي متخصص في الجرائم الدولية والطب الشرعي ودعم مسار العدالة الانتقالية في سوريا، كان مدلول العزيز، عضو مجلس الشعب السابق وأحد قادة الميليشيات المرتبطة بإيران، يتجول في شوارع مدينة دير الزور وسط تهاني حاشيته وتبريكاتهم على عودته، في مفارقة تكشف الهوّة العميقة بين خطاب العدالة المعلن، وواقع يُعاد فيه إنتاج المتورطين بالجرائم داخل البلاد.

ينحدر مدلول عمر العزيز من قرية الهرموشية غربي دير الزور، وينتمي إلى عشيرة العبيدات التابعة لقبيلة البكارة، مع اندلاع الثورة، انخرط في أحد الفصائل العسكرية المحلية، قبل أن يفرّ إلى دمشق عقب دخول “تنظيم الدولة” (داعش) إلى المحافظة، حيث أجرى تسوية مع نظام الأسد. ولاحقاً، عاد إلى المنطقة بوصفه شخصية صاعدة تحظى بدعم إيراني، وأسّس ميليشيا من أبناء عمومته، ليستثمر هذا الدعم في الوصول إلى مجلس الشعب، حيث شغل عضوية الدور التشريعي الثالث بين عامي 2020 و2024، قبل أن يرفع نظام الأسد الحصانة عنه ويحيله إلى التحقيق في قضايا تهريب.

لم يكن لمدلول العزيز أي حضور يُذكر، وبقي اسمه هامشياً ومحصوراً في نطاق ضيق، إلى أن ظهر فجأة بصفته “رجل أعمال” غامض النشاط الاقتصادي ومصادر التمويل، حيث أسس شركة “شام العزيز” للاستيراد والتصدير، ودخل في شراكات مع شركة القاطرجي لنقل وترفيق النفط، المقربة من إيران أيضاً. وبالتوازي، عمل على بناء قاعدة اجتماعية عبر شراء الولاءات ودعم منظمات خيرية، وتولى رئاسة نادي الفتوة الجماهيري في دير الزور، وضخ أموالاً طائلة مكّنته من تحقيق بطولتي دوري متتاليتين في كرة القدم، في مسعى واضح لصناعة اسم ونفوذ داخل المحافظة، غير أن هذا المسار انتهى مؤقتاً عقب سقوط النظام، مع إعلان جهاز الأمن الداخلي، في 25 من حزيران 2025، اعتقاله في دمشق.

كانت سيرة الرجل وصعوده السريع إلى عالم المال، وتقربه غير الخفي من القادة الإيرانيين في سوريا، كافية للإشارة إلى كونه واجهة اقتصادية للمشروع الإيراني في المنطقة، خاصة أن اسمه وعائلته لم يكونا معروفين سابقاً بامتلاك أي ثروات.

يتفق كثير من السوريين على أن ملف العدالة الانتقالية في البلاد بلغ مستوى من الهشاشة يدعو للتهكم، لكن هذا الملف في دير الزور يبدو الأكثر ابتذالاً، فإطلاق سراح مدلول العزيز الذي توعد ناشطاً بعد سقوط نظام الأسد بـ”قطع أصابعه” بسبب منشورات ناقدة، ليست سوى حلقة جديدة في مسلسل تفريغ العدالة من مضمونها، بعد أن سبقتها تسوية وضع فرحان المرسومي، المتهم الأبرز في المحافظة بتهريب السلاح والمخدرات، والعمل مع الحرس الثوري الإيراني.

مع تسارع إعادة تعويم رؤوس الإجرام في دير الزور وإعادتهم إلى مسرح جرائمهم، لا يكاد ينقص المشهد سوى عودة قائد ميليشيا “الدفاع الوطني” فراس الجهام، ليُغلق الباب نهائياً أمام أي أمل لدى الضحايا وذويهم في محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، فخلال الأيام الماضية، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب حسابات تعود لعناصر سابقين في الميليشيا، أنباء عن عودة الجهام إلى دمشق واستكماله تسوية وضعه، تمهيداً لعودته إلى دير الزور، في مؤشر على أن الأمر قد لا يقتصر على مجرد شائعات وتمنيات شبيحة عاطلين عن الإجرام، بل يتجاوزها إلى محاولة لجس نبض الشارع الديري.

قبل أيام، ظهر وزير العدل الدكتور مظهر الويس في برنامج “صالون الجمهورية”، مؤكداً أن الفلسفة الأساسية للعدالة الانتقالية تبدأ بإصلاح المؤسسات وجمع الأدلة لمنع إفلات أي مجرم من العقاب، واصفاً نفسه بأنه “وليّ دم لجميع الضحايا السوريين”، غير أن السؤال الجوهري يبقى مطروحاً: كيف يمكن التوفيق بين هذا الخطاب وواقع إعادة المجرمين إلى مسارح جرائمهم، وتسوية أوضاعهم بهذه الجرأة؟ وهل يتعارض إصلاح المؤسسات، مع محاسبة رؤوس الإجرام بدلاً من “مسامحتهم”؟

إن تمسك السوريين عموماً، وأولياء الدم خصوصاً، بمبدأ العدالة الانتقالية ليس ترفاً ولا نزعة انتقامية أو نبشاً عبثياً بمآسي الماضي، بل ضرورة لمنع تكرار الجرائم ومعالجة جذور الانتهاكات، تمهيداً لإعادة كتابة عقد اجتماعي جديد لبلد سحقته سياسات نظام الأسد الممنهجة لعقود، وأوصلته إلى هذا المستوى من العنف والطائفية والدموية.

وأمام هذا الواقع، قد يكون من الأجدى للهيئات والمؤسسات التي تشكّلت بعد سقوط نظام الأسد، تحت عناوين العدالة الانتقالية والبحث عن مصير المغيبين قسراً، أن تعيد النظر في دورها، وربما في جدوى وجودها بعد قرابة عام على تأسيسها، فما القيمة العملية لهذه الأطر، في حين ترى عائلات الضحايا قتلة أبنائها يعودون واحداً تلو الآخر إلى الواجهة، وينخرطون في شراكات اقتصادية واستثمارات علنية مع الحكومة، في وقت اختُزل فيه دور هذه الهيئات في تنظيم ندوات الدعم النفسي لأسر الضحايا، وإجراء لقاءات إعلامية، بعيداً عن غرضها الأساسي في تلبية مطالب العدالة، واستعادة النسيج الاجتماعي، وبناء سلام مستدام في البلاد.

تلفزيون سوريا

————————

مطالبات في دير الزور بمحاسبة عناصر النظام المخلوع والمحافظ يتعهد بالمتابعة

2026.02.08

جدّد محتجّون في محافظة دير الزور، مطالبتهم بمحاسبة عناصر وقادة سابقين في ميليشيات النظام المخلوع، كانت قوى الأمن الداخلي قد ألقت القبض عليهم عقب سقوط نظام الأسد قبل أن يخلى سبيلهم مجدداً في الآونة الأخيرة .

جاء ذلك في لقاء دعا إلى عقده “تجمّع ثوّار دير الزور” وجمع عدداً من أبناء مدينة دير الزور مع المحافظ غسان السيد أحمد، مساء أمس السبت، في مقر “مضافة دير الزور”.

طالب المجتمعون خلال اللقاء، بالإفراج عن معتقلين من قادة سابقين في فصائل المعارضة بالمدينة، ونددوا بعمليات الإفراج عمّن وصفوهم بـ “المجرمين من عناصر وقادة ميليشيا الدفاع الوطني التابعة لنظام الأسد”، مطالبين “بمحاسبة القائمين على تلك الأفعال التي تحاول النيل من كرامة السوريين والاستهتار بدماء الشهداء”، وفق ما ورد في نص الدعوة.

6745

أحد أعضاء التجمّع -فضّل عدم ذكر اسمه- قال لموقع تلفزيون سوريا: “عملية الإفراج عن شبيحة النظام المخلوع وأشخاص عُرفوا بعدائهم للثورة، شكلت استفزازاً وخذلاناً لنا جميعاً”.

وأضاف أن “الذين أفرج عنهم مارسوا الاستفزاز العلني وهددوا الثوار بالصوت والصورة، بل وتسلّم بعضهم مناصب في الجيش والأمن، بينما يُترك الأحرار الحقيقيون في المعتقلات بلا ذنب ولا تهمة”.

وأضاف متسائلاً: “أي قانون هذا الذي يطلق سراح المسيء والخائن، ويعاقب من وقف مع الحق؟ وأي منطق يقبل أن يُطلق سراح المجرم ويُسجن الحر؟”.

وأوضح أن “تجمّع ثوار دير الزور” طالب خلال اللقاء بالإفراج الفوري عن مقاتلين وقادة سابقين في الجيش السوري الحر “المعتقلين ظلماً، دون أي مبرر قانوني أو اتهام واضح، من بينهم: رائد الكحم، وساهر الدغيم، وفراس خرابة”.

محافظ دير الزور: الداخلية تبدي اهتماماً بالمطالب

بدوره، أكد محافظ دير الزور غسان السيد أحمد، تبنّيه وتأييده الكامل لمطالب المحتجين، وقال إنه تواصل مع وزير الداخلية السوري أنس خطاب ونقل إليه تلك المطالب.

وأوضح السيد أحمد أن وزير الداخلية أبدى اهتماماً بالملفات المتعلقة بإطلاق سراح “مجرمين وقياديين تابعين للنظام المخلوع”، مشيراً إلى أن أحد أولئك المطلق سراحهم “نشر تسجيلاً مصوراً عبر حسابه، وهو يتوعّدنا ويهددنا”، على حد تعبيره.

وطلب المحافظ من المجتمعين تحديد مطالب واضحة ومدروسة كي ينقلها بصورة رسمية إلى السيد رئيس الجمهورية ووزير الداخلية لاتخاذ القرارات المناسبة.

القضاء يفرج عن “متورطين بجرائم حرب” في دير الزور

وتسود منذ شهر أيلول الماضي، حالة من الاستنكار في دير الزور احتجاجاً على عمليات إطلاق سراح موقوفين يصنفهم ناشطون بأنهم “متورطون بجرائم حرب بحق أبناء الدير خلال حكم النظام المخلوع”.

هؤلاء “المتورطون” كانت السلطات السورية قد أوقفتهم في حملات أمنية خلال الأشهر السابقة، وجاء الإفراج عنهم “بعد تحقيقات أثبتت عدم تورطهم بسفك الدماء”، وفق بيان ردّت فيه قيادة الأمن الداخلي بدير الزور على تساؤلات المحتجين.

وبلغت الاحتجاجات ذروتها بعد الإفراج عن دفعة جديدة من الموقوفين، من بينهم المدعو “عمار الأحمد” الملقب بـ “الحصان”، وهو عسكري سابق في صفوف قوات النظام المخلوع، واشتهر في قمع المظاهرات وكتابة التقارير الكيدية والوشاية بعناصر من الجيش الحر وتسليمهم إلى أجهزة المخابرات التي أقدمت على تصفيتهم لاحقاً في سجونها، وفق ما صرّح ناشطون لـ موقع تلفزيون سوريا.

كما شملت الدفعة أيضاً المدعو “محمد غضبان”، ويعرفه غالبية أبناء دير الزور كواحد من عناصر ميليشيا الدفاع الوطني التابعة لنظام الأسد المخلوع، وخدم سابقاً ضمن حامية مطار دير الزور العسكري، وهو عنصر سابق في فرع المخابرات الجوية بالمدينة، بالإضافة إلى إطلاق سراح “خالد السرحان”، القيادي في ميليشيا الدفاع الوطني أيضاً.

وبلغت الاحتجاجات ذروتها مع الإفراج مؤخراً عن المدعو “مدلول العزيز”، أحد كبار قادة ميليشيات الدفاع الوطني، والذي أثار نبأ إطلاق سراحه غضباً واسعاً بين أبناء دير الزور، وخلق موجة انتقادات طالت الحكومة السورية وممثليها في المحافظة.

تلفزيون سوريا

—————————-

====================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى