سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

وسائل “التخاصم” الاجتماعي في سوريا ساحات قتال جديدة/ عمار عبد اللطيف

خطاب الكراهية في سوريا بعد سقوط الأسد.. تراكمات داخلية وتدخلات خارجية

2025-09-20

تتصاعد التحذيرات في الأوساط السورية والدولية من خطورة خطاب الكراهية والانقسام الطائفي على مستقبل البلاد، خصوصاً في المرحلة الانتقالية التي تلت سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، فقد تحوّلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة رئيسية للصراع، حيث تداخلت فيها العوامل الداخلية مع أجندات خارجية، لتنتج خليطاً من التوترات التي انعكست مباشرة على حياة السوريين اليومية.

ولم تقتصر هذه الظاهرة على الشتائم والاشتباكات اللفظية عبر الفضاء الإلكتروني، بل تحولت إلى عوائق أمام إعادة البناء وإرساء مؤسسات دائمة، فضلاً عن كونها استنزفت جهوداً وموارد كبيرة، وعمقت هذه الخطابات الشرخ الاجتماعي وتؤجل الوصول إلى الاستقرار السياسي المطلوب.

ويقول الصحفي السوري محمد فتوح، المقيم في العاصمة البريطانية لندن لـ”963+”، إن جذور خطاب الكراهية في سوريا تمتد إلى عقود سابقة، لكنه ازداد حدة بعد سقوط النظام، حيث تداخلت فيه تراكمات داخلية طويلة الأمد مع تدخلات خارجية منظمة.

تراكمات انفجرت مع سقوط النظام

يرى فتوح أن ما برز عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعد سقوط نظام الأسد لم يظهر فجأة، بل هو تعبير عن تراكمات خلّفها النظام المخلوع، وأن هذه التراكمات لم تقتصر على سنوات الثورة، بل تعود لعقود سابقة من خلال ترسيخ الفكرة الطائفية وتغييب حرية التعبير وحجب وسائلها، لتنفجر بشكل صاخب مع بداية المرحلة الانتقالية.

ويشير، إلى أن خطاب الكراهية والطائفية لم يكن سورياً صرفاً، بل تدخلت فيه أطراف خارجية لعبت دوراً بارزاً، لافتاً إلى تحقيقات صحفية دولية، بينها تقارير لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، أظهرت نشاط آلاف الحسابات الوهمية والجيوش الإلكترونية التابعة لدول إقليمية، معتبراً أن هذه الجهات استهدفت تأجيج الصراع الطائفي بما يخدم مصالحها في سوريا، بدءاً من لحظة سقوط النظام، ليتصاعد هذا التدخل بشكل ملحوظ خلال أحداث الساحل وأحداث السويداء.

ويحذر، من أن الترويج للكراهية والطائفية عبر المنصات الرقمية كلّف السوريين دماء من مختلف الأطراف والطوائف، وخلق حواجز بينهم، ما يجعل الحفاظ على وحدة البلاد مهمة معقدة تحتاج إلى جهود مضاعفة، وأن هذا الخطاب يحوّل الأنظار عن إعادة الإعمار وإنجاز المرحلة الانتقالية، ويزج السوريين في معارك جانبية تشبه “إطفاء الحرائق” التي تستهلك الموارد والطاقات.

ويؤكد فتوح، أن هناك عقبات جدية تعرقل التصدي لهذه الظواهر، أبرزها صعوبة تحديد المسؤولين الحقيقيين عن نشر خطاب الكراهية، سواء لوجودهم خارج البلاد أو لاعتمادهم على حسابات وهمية، إضافة إلى أن الجدل القائم حول حدود حرية التعبير، وما إذا كان ما يُكتب يدخل في إطارها أم يشكل تحريضاً صريحاً على الكراهية، موضحاً أن السلطات تواجه انتقادات عند ملاحقة ناشرين لهذه الخطابات بتهمة “تكميم الأفواه”، إلا أن ذلك لا يعفي من ضرورة ملاحقة المحرضين وتشديد القوانين لتوضيح الحد الفاصل بين حرية التعبير والتحريض الطائفي.

ويحذر من أن هذه الانقسامات التي يزرعها هذا الخطاب ستتحول إلى جروح عميقة تمتد آثارها لسنوات طويلة، موضحاً أنها لا تبقى في إطار “اشتباك لفظي” عبر الإنترنت، بل تنعكس مباشرة على الأرض.

ويشير إلى أن التعويل على العقلاء لمواجهة هذه الموجات يواجه عراقيل، فالأصوات الداعية للتهدئة غالباً ما تُتهم بالخروج عن السياق العام أو تبقى غير مسموعة وسط الضجيج، وأن مواجهة الحملات التي تخاطب الغرائز والمخاوف ليست سهلة، لكن تحسّن الظروف المعيشية يساعد على تقليص تأثير هذه الخطابات، إذ تتغذى على صعوبة الأوضاع وتتراجع مع تحسنها.

انفجار التناقضات

ويقول الدبيلوماسي المستقل عزت بغدادي لـ”963+”، إن سقوط النظام في سوريا لم يفتح مساراً سياسياً منظماً، بل أدى إلى فراغ كامل سمح بانفجار التناقضات وصعود خطاب الكراهية واللغة المحقّرة كبديل عن السياسة.

ويضيف أن هذا الخطاب ليس مجرد انفلات أخلاقي، بل انعكاس للخوف الذي زرعه النظام حين ربط بقاءه بتجنب الفوضى. ويشير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى مسرح رئيسي لتفريغ العداء، فيما غذّت حملات منظمة يقودها “تيكتورز” و”إنفلونسرز” هذا المناخ ورسخت الانقسام.

ويرى بغدادي أن النزاع تجاوز الخلاف حول شكل الحكم ليتحول إلى معركة هوية، حيث استندت بعض القوى إلى منطق الأكثرية المذهبية باعتباره شرعية سياسية، فيما تراجعت الأصوات المعتدلة إلى الصمت خوفاً من الاتهام بالخيانة.

ويؤكد أن الشباب تأثروا بشكل خاص فبعضهم انخرط في خطاب الكراهية، بينما انسحب آخرون بالهجرة أو الانعزال، ما أضعف فرص التعايش وأفرغ الساحة من البدائل الوسطية.

ويشدد بغدادي على أن مواجهة هذا الواقع تتطلب برامج تربية إعلامية، ومبادرات مصالحة رقمية، وتحالفات للشتات تقدم خطاباً جامعاً. ويختم بالتأكيد أن التعليم هو الأساس لبناء ثقافة تعتبر التنوع مصدر قوة لا تهديد، وترسخ قبول الآخر كشرط للحياة المشتركة.

وفي أيار/ مايو الماضي، كشف تحقيق استقصائي أجرته شبكة “بي بي سي” البريطانية، عن وجود شبكات خارجية على منصة “إكس” تعمل لتأجيج الطائفية ونشر خطاب الكراهية في سوريا”، وأن “عشرات آلاف الشبكات الخارجية على منصة إكس، تروّج لمعلومات مضللة حول الأوضاع في سوريا”.

وقال التحقيق، إن “هذه الشبكات تدار بشكل منسّق ومنهجي ضمن حملات إلكترونية استهدفت الحكومة السورية الانتقالية وبعض الأقليات، بالتزامن مع التغيرات السياسية التي تشهدها البلاد”.

وتمكّن فريق التحقيق، من تتبع نشاط هذه الحسابات من خلال رصد أكثر من مليوني منشور منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وقام بتحليل عينة تشمل أكثر من 400 ألف منشور على منصة “إكس”، بحسب شبكة “بي بي سي”.

وأكد الفريق أنه فحص 50 ألف منشور تحتوي على ادعاءات كاذبة أو غير موثوقة ضد الإدارة السورية الجديدة، وتبيَّن أن 60% من هذه المنشورات صادر عن حسابات موقعها الجغرافي خارج سوريا.

+963

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى