سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

استقطاب واستقطاب مضاد وصراع مظلوميات.. هل ستواجه سوريا حالة استعصاء جديد؟/ عبد القادر المنلا

 

2025.08.22

أن يكون أحد أطراف الصراع مخطئاً فلا يعني أن الآخر على حق وبشكل مطلق، ففي المسألة السورية اليوم يبدو الجميع مخطئاً ومصيباً في ذات الوقت، وإن لم تُبنَ التقييمات من خلال أفق واسع يستوعب الهواجس المتعددة لكل الأطراف، فإن المسافة ستتّسع باطراد بين السوريين، ولن يعود بالإمكان ردم الفجوة التي تكبر، ولا لجم كرة النار القابلة للتدحرج والانتشار لتأكل ما تبقى من الجسد السوري المتهدم، والذي تقع المسؤولية علينا جميعاً في ترميمه وإعادة تأهيله.

ربما تكون الفرصة الأخيرة أمام السوريين، كل السوريين، لاسترداد بلدهم معافى وموحداً وخالياً من الألغام التي خلّفها نظام الأسد، ومن الألغام الجديدة التي يزرعها بعض السوريين معتقدين أنها الحل الأمثل، والكثير من الأيادي الخارجية التي راعها أن تعود سوريا بلداً ذا سيادة. هي فرصة أخيرة لإعادة النظر والتفكير في العواقب التي يمكن أن تنجم عن حالة العناد والعداء والتفكك والاستقطاب والفرز والرفض والانحياز والتشبث بالرأي الأوحد، واللغة اليقينية التي يستخدمها الجميع. فرصة أخيرة قبل أن تتسرب سوريا من بين أيدينا كما يتسرب الماء من قربة مثقوبة.

في أقل من تسعة أشهر، وقبل أن يكتمل نمو الجنين السوري المنتظر، بدأت الطعنات تتكاثر من جديد على الجسد السوري المنهك في محاولة لإجهاض التجربة وجعل الولادة عسيرة، وربما لتشويه الوليد وإضعافه قبل أن يرى النور. ثمة معاول وفؤوس تحفر قبراً لسوريا الجديدة في محاولة وأدها قبل الولادة.

يجد السوريون أنفسهم اليوم في مواجهة مشهد معقد ومصير مجهول ومستقبل مضطرب لم يتوقعوا أن يواجهوه بعد الخلاص من نظام الأسد، الذي اعتبروه العقبة الكأداء الوحيدة التي تحول بينهم وبين حلمهم، والتي كانوا يرون في زوالها الحل الأمثل لسوريا وقدرتها على النهوض من جديد بصرف النظر عن البديل الذي سيحكمها بعد الأسد.

ويوماً بعد يوم يزداد المشهد تعقيداً وصعوبة، وتخيم حالة من الإحباط واليأس على الشعب السوري، الذي يحس أنه يعود تدريجياً إلى عنق الزجاجة التي اعتقد أنه استطاع الخروج منها بعد أربعة عشر عاماً من الاختناق الذي عاشه في أثناء الثورة، وأكثر من خمسين عاماً من القمع والخوف الذي لم يفارقه في عهد الأسدين.

هل انكسر الحلم؟ هل انتهى الأمل في بناء بلد متطور ومتقدم ومزدهر وموحد بعد كل الدمار الذي تعرضت له سوريا؟ وهل على السوريين أن يعيشوا عقداً آخر وربما أكثر في انتظار اللحظة التي يودعون فيها المأساة المتواصلة؟ وهل عليهم أن يعيشوا مرة أخرى حالة التوحش والعنف والاقتتال؟ أم أن ما يحدث اليوم هو من توابع الهزات الارتدادية التي خلفها زلزال السقوط، وأن الحالة السائدة حالياً عبارة عن عاصفة طبيعية لا بد من مواجهتها في شتاء التحولات السياسية؟ هل هو الهدوء الذي يسبق العاصفة أم أنها العاصفة ذاتها التي لا بد أن تهدأ ليعم السكون والسلام بعد مرورها؟

في انتظار ما ستؤول إليه الحال في ظل هذا المخاض الصعب لسوريا ما بعد الأسد، وفي ظل التفاؤل الكبير الذي تبديه شريحة ضخمة من السوريين، وتشاؤم وتشكيك مضاد لفئات أخرى، جاء مؤتمر تحالف الأقليات قبل أيام ليؤكد الكثير من المخاوف ويزيل النقاط عن الحروف لتبدو الكلمات حافية لا قدرة لها على إيصال المعنى..

ليست مشكلة هذا المؤتمر في تطلعاته وأسبابه وأهدافه، فلا بد من احترام مخاوف الأقليات التي دُعمت بأسباب موضوعية تجلّت في الانتهاكات التي تم ارتكابها ضدهم من قبل أشخاص أو فصائل، ولا تكمن مشكلته في التسمية (الأقليات)، فوجود الأقليات واقع لا يمكن نكرانه أو التهرب منه. ومن حق كل المواطنين السوريين أن يعبروا عن مخاوفهم بكل الطرق والأشكال التي يرتؤونها مناسبة. ولكن المشكلة التي يمثلها المؤتمر تتجلى في قدرته على المساهمة في خلق حالة الاستعصاء السياسي والعسكري والاجتماعي، وربما تعميق حالة العداء أكثر بين المكونات السورية المتعددة حتى وإن لم يتعمد ذلك، وفتح الباب واسعاً أمام الدعوات الانفصالية، وبالتالي الوصول إلى ما يخشاه السوريون جميعاً، بمن فيهم أصحاب الدعوات الانفصالية ذاتهم، وهو تفتيت الخريطة السورية وتمزيقها والتفريط بالجغرافيا الأصلية.

وفي ظل وضع إقليمي ودولي معقد، فإن أخطر ما في الأمر أن تتحقق مصالح الآخرين، كل الآخرين المتربصين بالجسد الجريح، على خلفية اختلاف أطراف الجسد على طريقة مداواته، وعدم إجماعهم حتى على الحلول الإسعافية العاجلة التي يجب ألا تكون موضع خلاف..

ويمكن تلخيص كل المخاطر التي تواجه سوريا اليوم بكلمة واحدة، وهي حالة “الاستقطاب” والاستقطاب المضاد، حيث كل طرف ينكر الآخر ويجرّمه ويشيطنه ويعامله على أنه شر مطلق، وبالتالي تسهل عملية التشكيك والتخوين من دون إعطاء الفرصة للحكمة والتعقل لحل تلك الاشتباكات السياسية والفكرية والأيديولوجية المعقدة، والتي لا يمكن تفكيكها إلا بالحوار المحايد وبالتخلي عن حالة الاصطفاف المطلق والعداء المطلق.

وإذا ما استمرت حالة الاستقطاب بما هي عليه، فستواجه سوريا مجدداً حالة الاستعصاء التام التي شهدتها خلال سنوات الثورة. ولكن حالة الاستعصاء تلك فرضها الأسد باعتباره الطرف الأقوى حينها، ليس بحكم قوته الذاتية فقط، بل بحكم الدعم الذي تلقاه من دول إقليمية ومن دول عظمى كروسيا. وهو كان المتحكم بحالة الاستعصاء التي وجد فيها فرصة لاستمراره غير الشرعي وحلم الأبدية الذي كان يعتقد أنه يمكن أن يحققه بالاعتماد على القوى المستعارة التي توارى خلفها، ما أدى إلى مأساة لم يشهد التاريخ ربما مثيلاً لها، ومع ذلك فقد اضطر بالنهاية للهروب تاركاً وراءه مخلفات حرب لا نزال نرى تردداتها حتى اليوم..

ولكن حالة الاستعصاء اليوم تشارك بها وتدعمها أطراف متعددة، بل ربما الأطراف المتعددة، بمن فيها الحكومة السورية وجمهورها الذي يساهم الكثيرون منه في نشر العداء والكراهية بشكل عفوي أو متعمد. فمعظم جمهور الثورة الذي تعرض لمظلومية تفوق الخيال، لن يكون حكيماً في ردات فعله على أي شيء يرى فيه تهديداً لحالة العدالة التي وجدها في سقوط النظام. ومن هنا كان موقفه الحاد من كل صوت ينتقد الحكومة التي أنقذته وأسقطت قاتله، الحكومة التي يعدّها البطل المخلص ولا يسمح بسماع انتقادات ضدها وضد أخطائها حتى لو اعترفت الحكومة نفسها بتلك الأخطاء. ومن هنا بات هذا الجمهور جاهزاً لبناء علاقة عداء مع أي صوت مختلف، تماماً كما جمهور الأطراف الأخرى التي باتت جاهزة بدورها لتبني حالة العداء مع كل من يخالفها الرأي ولو في تفاصيل صغيرة.

على المقلب الآخر، فقد كان ادعاء الأسد بأنه حامي الأقليات أمراً مثيراً للضحك حتى عند الأقليات ذاتها التي ادعى حمايتها. ولكن خوف تلك الأقليات من بديل متطرف بدأ بالتنامي بعد انتهاكات حصلت في الساحل أولاً ثم في مناطق أخرى اعترفت حكومة الشرع بها ودعت إلى محاسبة فاعليها، غير أن تلك الانتهاكات قلّصت مساحة الثقة بالحكومة وولّدت مظلوميات أخرى بدأت تتصارع مع المظلوميات القديمة. إنه نوع من صراع الضحايا وعدائهم البيني، فبدلاً من توحد الضحايا نجد اليوم وجهات نظر متعددة في التعامل مع الضحية، والنظر لمفهوم الضحية كل من منظوره وطريقة فهمه لمفهوم الظلم ذاته، الأمر الذي يعقّد الوصول إلى فهم مشترك لأبسط القضايا.

غير أن استغلال بعض الشخصيات الدينية والسياسية لمخاوف طوائفهم ولمظلومياتهم والركوب عليها وصولاً لأهداف سياسية شخصية، زاد القضية خطورة، ولا سيما مع انزياح كل جمهور إلى زاويته الضيقة والتمترس خلف الفهم الخاص، واعتماد ما هو أبعد من اللغة الخشبية والتي يمكن تسميتها باللغة الفولاذية في التعامل مع الآخر. ذلك ما أفقد اللغة المتبادلة قدرتها على التوصيل، وحوّل الجمل إلى أسلاك شائكة تجرح أي إمكانية لحوار يلوح بالأفق وتخنق الجنين المنتظر في مهده.

وإذا ما استمرت حالة الاستقطاب، فلسوف تتصلب حالة الاستعصاء بلا شك وتخرج الأمور عن السيطرة، في ظل انتشار السلاح مترافقاً مع انتشار العصبيات والأحقاد والكراهية ونار الطائفية التي لا يمكن السيطرة عليها إن لم ننتزع الجمرات المزروعة تحت العشب الناشف وفي الأفكار المجففة التي لا تزال فئات كبيرة من الشعب السوري تحتفظ بها كحقائق مطلقة من دون أن تعي خطورتها وقابليتها للاشتعال..

الكرة اليوم في ملعب الجميع. ربما يُعوَّل على القيادة السورية الجديدة أن تلعب دور الحكم المحايد، فهي الوحيدة القادرة على استيعاب الحالة المعقدة التي وصلت إليها سوريا، وبالتالي تفكيك الأسباب التي أدت لها. ولتجرّب الدولة أن تتعامل مع خصومها على أنهم مخطئون لا خونة، وألا تسمح لجمهورها بتخوينهم ولا باستسهال مبدأ التخوين. فالدولة اليوم أمام امتحان مصيري لا يتعلق بمصير القيادة وحدها بل بمصير بلد بأكمله. ولربما تبدو الحاجة إلى إعادة الإعمار النفسي والاجتماعي أهم من إعادة الإعمار ذاته، وذلك لقطع الطريق على دمار جديد قد تحمله الأيام القادمة إن لم يصغِ الجميع لصوت العقل، وإن لم يضع الجميع مصلحة البلد فوق كل اعتبار.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى