سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

الرأي العام السوري.. صوت مفقود في صراع مستمر/ عبد الناصر الجاسم

 

2025.08.24

في السياق السوري ولاسيما في المرحلة الانتقالية والتأسيس لدولة سورية جديدة وبخصائص تليق بحريتها وخلاصها، يُعد الرأي العام عنصرًا حيويًا يجب أن تأخذه الأطراف المتصارعة بعين الاعتبار ومع ذلك، يبدو أن فعالية هذا الرأي قد تآكلت بشكل كبير، مما يجعل من الصعب على الأطراف المعنية الاستماع له أو الاستجابة لمطالبه.

لقد فقد الرأي العام في سوريا تأثيره، حيث أصبح صوته غير مسموع في خضم الصراعات المستمرة وهذا الوضع يعكس حالة من الإحباط وفقدان الأمل بين المواطنين، الذين يشعرون بأن آراءهم ومطالبهم لا تجد صدى لدى صانعي القرار من العاملين في أجهزة الدولة بشكل أساسي أو قوى الأمر الواقع التي تسيطر على جزء من أراضي وإرادة السوريين في شرق البلاد وجنوبها.

إن استعادة فعالية الرأي العام تتطلب جهودًا جماعية من جميع الأطراف المعنية، وفي مقدمتها المجتمع المدني ووسائل الإعلام، لضمان أن تكون أصوات المواطنين جزءًا من الحوار الوطني.

ولعل من أبرز التحديات التي تواجه المجتمع المدني في سوريا اليوم:

-الرقابة والسيطرة: على الرغم من سقوط نظام الأسد، لا يزال هناك تأثير كبير للسيطرة والرقابة على المجتمع المدني فقد عانت المنظمات من قيود صارمة خلال فترة حكم الأسد الأب ووريثه، مما أثر على قدرتها على العمل بحرية واستقلالية، حتى بعد التحرير والتغيير، لا تزال هناك مخاوف من عودة أساليب القمع والرقابة التقييدية.

-الانقسامات الداخلية: يعاني المجتمع المدني في سوريا من انقسامات عميقة بين مختلف الفئات والمجموعات، هذه الانقسامات سواء كانت عرقية أو دينية أو سياسية، تعيق جهود التعاون والتنسيق بين المنظمات المختلفة، مما يجعل من الصعب تحقيق أهداف مشتركة.

-التمويل والموارد: تواجه منظمات المجتمع المدني تحديات كبيرة في الحصول على التمويل اللازم لدعم أنشطتها فالعديد من المنظمات تعتمد على المساعدات الدولية، ولكن التغيرات في السياسات الدولية قد تؤثر سلبًا على تدفق هذه الموارد كما أن هناك قلقًا من سوء إدارة التمويل في بعض الحالات.

-غياب العدالة الانتقالية: تعتبر العدالة الانتقالية من القضايا الأساسية التي يجب معالجتها في سوريا وعدم وجود آليات فعالة لتحقيق العدالة والمساءلة عن الانتهاكات السابقة يعيق جهود المجتمع المدني في بناء الثقة بين المواطنين والسلطات الجديدة.

-التحديات الأمنية: لا تزال الأوضاع الأمنية في سوريا غير مستقرة في العديد من المناطق، مما يعيق قدرة المنظمات على العمل بفعالية، التهديدات الأمنية، سواء من سلطات الأمر الواقع التي لازالت تحتفظ بسلاحها أو من الأفراد والعناصر المنفلتة خارج سلطة القانون، تجعل من الصعب على المجتمع المدني تنفيذ مشاريعه بصورة فعالة.

-نقص الوعي والمشاركة: هناك حاجة ملحة لزيادة الوعي حول أهمية المجتمع المدني ودوره في بناء المستقبل عدم مشاركة المواطنين في الأنشطة المدنية والسياسية يحد من فعالية هذه المنظمات ويقلل من تأثيرها.

وعلينا أن نقر بأن التحديات التي تواجه المجتمع المدني في سوريا متعددة ومعقدة، وتتطلب جهودًا متكاملة من جميع الأطراف المعنية لتجاوزها وبناء مجتمع مدني قوي وفعال، ولكن يظل الدور الرئيس هو للدولة ومدى مساهمتها في خلق بيئة تساعد على استعادة المجتمع المدني لدوره.

وحين يستعيد المجتمع المدني نشاطه ودوره يمكنه أن يعيد صوت الرأي العام السوري الفاعل والمؤثر من خلال تعزيز المشاركة المدنية حيث يمكن للمجتمع المدني أن يلعب دورًا حيويًا في إعادة صوت الرأي العام السوري، فبعد سقوط نظام الأسد الهارب، هناك فرصة كبيرة لتشكيل منظمات مجتمع مدني قوية تعمل على تمثيل مصالح المواطنين السوريين وتوفير منصات للحوار والنقاش من خلال تنظيم الفعاليات والندوات ويمكن لهذه المنظمات أن تجمع بين مختلف الفئات الاجتماعية وتسمح لهم بالتعبير عن آرائهم ومخاوفهم. وكذلك من المهم تطوير آليات قياس الرأي العام وإنشاء مراكز مستقلة لقياس الرأي العام سيكون خطوة مهمة نحو فهم احتياجات وتطلعات المواطنين هذه المراكز يمكن أن تساعد في جمع البيانات وتحليلها، مما يوفر معلومات قيمة لصانعي القرار حول ما يريده الشعب السوري.

ويقع على عاتق المجتمع المدني دعم وتطوير وسائل الإعلام البديلة التي تعكس أصوات السوريين ويمكن أن يلعب الإعلام البديل دورًا حاسمًا في نشر المعلومات الدقيقة وتعزيز النقاش العام حول القضايا المهمة من خلال توفير محتوى يعبر عن تجارب وآراء المواطنين، يمكن للإعلام البديل أن يسهم في تشكيل الرأي العام.

ومن الضروري أن تعمل منظمات المجتمع المدني على بناء الثقة بين المواطنين والدولة الجديدة ويجب أن تكون هناك قنوات مفتوحة للتواصل، حيث يمكن للمواطنين التعبير عن مخاوفهم ومقترحاتهم وهذا سيساعد في خلق بيئة من التعاون والمشاركة، مما يعزز من فعالية الرأي العام.

كما يجب أن يكون هناك تركيز على العدالة الانتقالية كجزء من عملية إعادة بناء المجتمع من خلال معالجة الانتهاكات السابقة وتقديم التعويضات للضحايا وجبر الضرر، يمكن للمجتمع المدني أن يساعد في استعادة الثقة وتعزيز المشاركة الفعالة في الحياة السياسية.

ويجب أن تشمل جهود المجتمع المدني جميع فئات المجتمع، بما في ذلك الشباب والنساء من خلال تمكين هذه الفئات، يمكن تعزيز التنوع في الآراء والمشاركة، مما يسهم في إعادة بناء الرأي العام السوري بشكل شامل.

وختامًا نقول إن إعادة صوت الرأي العام السوري تتطلب جهودًا متكاملة من جميع مكونات المجتمع السوري وفعالياته وبتظافر هذه الجهود، يمكن للمجتمع المدني أن يسهم بشكل فعال في تشكيل مستقبل سوريا.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى