منوعات

تراتيل فراتية: الصيد صلاةٌ محرابها الفرات/ أسماء خليفة الحاج بدران

08-11-2025

        جُلُّ ما يحتاجه الصياد الفراتي في رحلته هو «النِتَّالة»،1 وصبراً جَمّا – والصبر هنا ليس فضيلة أخلاقية، إنما هو شرطٌ للبقاء في لعبة الاحتمالات التي تفرضها سرمدية النهر – يحملهما كتميمةٍ سومرية كي تقيه شرور الحظ العاثر، وتمنحه شجاعة الغوص في غياهب المجهول. لم يكن الفرات مجرد مجرى ماء، بل ذاكرة حيّة تسري في لغة أهله. تناسلت عند ضفافه الحكايا والأساطير التي لم تكن حبيسة ألواح الطين، لكنها انبثقت في منطوق اللسان الفراتي لتصبح زاد الهوية الذي يُوحِد القلوب.

        الصيد في الفرات ليس رزقاً يومياً، بل طقسٌ مقدّس حيث تتقاطع الأسطورة بالتاريخ، تُستحضر فيه الأرواح ليذوب الموروث الشعبي في أصداء الحاضر، وتُستنهَض الأساطير، وتُستعاد فيها الذاكرة الأولى للنهر العظيم. كما خطت ملحمة گلگامش سطورها الأولى لتروي رحلة البحث عن الخلود على ضفاف النهر، كان الماء باب الحكمة ومعبراً إلى الماوراء، فكذلك هو فراتنا؛ مَعينٌ للأسرار ووجدان الأهل، ومهوى الأماني.

        يستعد الصياد الديري ليستقبل الفجر موجهاً قلبه للنهر، فما أن يُقَبّل الفرات «الحِصّيوهِ» 2 حتى يستهل الصياد شعائره بالجثو على ركبتيه برفق، ويستقبل وجه الشمس الوليدة كمن يدخل محراباً قديماً يُضارع في قدسيته صلاة تؤدى في معبد الفجر. يبسط كفّيه نحو صفحات الماء كمن يقرأ تراتيل مطوية على سطور الزبد ويتعمد بمائه عمادة الحياة الأولى. ما إن يخطو إلى مياهه حتى يخلع عن جسده ما تراكم من أثقال الروح، ويرمي النتالة في حركات لا يقرأها إلا من فهم رموزها. الأمر ليس استعارة حسيّة، بل ممارسة واقعية يُميز بها الصياد حركة التيارات ومسالك السمك. في يومنا هذا، لا يكتفي الصياد بالابتهال، بل يتهيأ بعتاده واضعاً طُعمه في السنارة، مثبتاً العجين أو الدود على الخطاف موزعاً إياها في مواقع محسوبة بعين الخبرة.

        كان الأجداد يَروُون أن أرواح الحظ ترافق الصياد في رحلته وجنيات النهر تهمس له بمكان الخير المُقدّر. هناك… حيث يتوقف النبض، تتسلل التيارات بين أصابعه رويداً رويداً، وتغمره ببرودتها الحكيمة فيقرأ طالع جوف الأعماق لتُقِره بموعد غيث رزقه. في لحظة تُثقِل النفْس رهبةً، يلتوي سنسول3 كعين إلهية، يرقص بصخب على أهداب النهر.. عندها، تبدأ الجنيات بالظهور؛ لا بأس بألا نراهُنَّ، فالجنيات في ميثولوجيا الفرات لا يُرى لهنَّ جسد، بل يُسمَع لهنّ همس. اللافت هنا أن كلمة «جنية»، (تحتفظ بجذرها ‘جنّ‘  j-n-n   بمعنى استترَ وتخفّى)، وهذا ما اعتدنا عليه من أميرات النهر، يخرجنَ من أعماقه كما تخرج الكلمات المنسية في ذاكرتنا الجمعية، محمّلات بأسرار وخبايا الصيد السرمدي، في حضرة الإله إنبيلولو.4 هذه الحكايات ما زالت تتردد على مسامعنا من كبار السن في جلساتهم العتيقة التي تملؤها غبار ألواح الطين المكدّسة في ذاكرتهم. فالحديث اليوم بين الصيادين تملؤه تعابير متوارثة مثل «النتالة ما خانت» أي أن سنارته أتت بخيرها – جلبت الرزق له؛ «الشَّنبَر ينْدَل الطريق» أي أن الخطّاف يعرف الطريق نحو الرزق؛ «الفرات يقرانا قبل ما نقراه» و هذا يدل على العلاقة الحيّة بين النهر والصياد.

        عمل لعبّود سلمان

        كان الأجداد يحدثوننا بأن الجنيات تشرعنَ بترتيل تهويداتهنّ ــ لا تشبه تهويدات الأمهات، بل ترتيلة من نوعٍ آخر ففي أصواتهن إيقاع مسحور كوميض يترك في ذاكرة السامع وشماً – تفتَحنَ معها صفحات النهر، وتَقرأنَ أنواع السمك المكنون في أعماق الفرات المهيب كما تُقرأ صحف الأولين؛ وفي سرد حديثهم يخبروننا عن تعاليم الجنيات قائلين: «يا حارس النهر، يزخر النهر بأنواع كثيرة من الأسماك،5 فهنالك السمك البني، وهناك الشبوط، والكرب،6 والرومي، والمجنّس، والخِشّيني، والجِرّي، وأبو شويرب، ’يُعرف محلياً بأبو الزنّير‘ والحنكليس».7 كل اسم هنا يحمل مساراً لغوياً طويلاً، من اللغة السومرية للأكديّة فالآراميّة من ثم العربية، مروراً بالدخيل الفارسي من ثم التركي فاللاتيني.

        ما إن انحسر الموج معلناً انتهاء الجلسة حتى اختتمت الجنيات حديثهن بهمسات مُحمّلة بالتحذيرات لتُنبِئَ الصياد من مغبة التجرؤ على استخدام أساليب مستهترة، كرمي الزْهر،8 أو صعق المياه، أو الدنميت – قائلات: «لا تُغضِب الأقدار السامية يا حارس أسرار النهر!» وأفَلْن في الأفق العتيق لم يتركن أثراً سوى الهدير.

        لوَّح الصياد بخيط الفجر9 بيده و«الشَّنبَر» 10 المُغلّف بالعجين كقربان يُرفرِف في سرِّ أعماق النهر لشبابيط الفرات، لتبدأ بعدها صلاته الصامتة – فهذه اللحظات من الترقب لا تُقاس بعقارب الزمن، بل يحكمها إيقاع الفرات العتيق فيلتحما معاً كصورة ملحمية حيث يتقاطع الحسُّ الديني مع الدنيوي. الفرات ليس نهراً فحسب، بل نصٌّ حيٌّ تحفظه ذاكرة الشفاه والألسن، وتتناقل مفرداته الأجيال في مجرى الخلود حيث تتعانق الألفاظ في زمن التغير المناخي كمشهد بياني يدل على الاحتكاك اللغوي على ضفاف الفرات ليصيغ الصيادُ علاقته بالنهر كما صاغ گلگامش بعد رحلته الأخيرة مفاهيم الحياة والموت.

        لكن الفرات اليوم ليس كما عهدناه من ذي قبل، كان يوماً فضاءً أسطورياً، أمسى نهراً يئن تحت ثقل الجفاف والانحسار. أخذ ماؤه يتراجع شبراً بعد شبر، حتى صار مجراه مكشوف القاع، وكأنما أعلن لعنته الأبدية بعد أن انتُهِكت حرمته بإقامة السدود على امتداد حوضه بأهداف قذرة – ظاهرها تنموي وباطنها خبثٌ جيوسياسي – لتحجز الماء عنه كما تُحبَس الكلمات على شفاه المتحدث بانتظار لحظة انبثاقها. لم يكن لبناء السدود الأثر الوحيد في التهديد لفناء الفرات العظيم، بل جاءت أساليب الصيد الجائرة لتستكمل نقضِها للعهد القديم. فبالرغم من التحذيرات السماوية بأن «لا تفسدوا في الأرص بعد إصلاحها»، حيث نهتنا هذه الآية عن الفساد في الأرض التي وضعت أمانة بين أيدي البشر، يأتي الإنسان ليتحدى صمت السماء المشروط غير مكترث، لكن الأرض والسماء شاهدان على كل يد تعبث ببركة الخلق. فقدان السمك اليوم لا يعني خسارة لقمة العيش فحسب، بل تهديداً لذاكرة النهر والبشر.

        لعل ما تبقّى من الجنيات، ليس سوى أصوات الصيادين المسنّين، أولئك الذين يحكون للأبناء والأحفاد عن طقوس الصيد كما لو أنهم يحكون عن زمنٍ أسطوري، بعيدٍ جداً، أقرب إلى الخرافة منه إلى الحقيقة. لكن الحقيقة، أن الفرات ما زال يتنفس، وأن مياهه، وإن قلّت، ما زالت تحمل في أعماقها أسراراً تستحق أن تُروى، وتُصان، وتُستعاد. يبقى الفرات محراباً للغة والماء، وتبقى السنارة بيت من قصيدة كتبها الخلود منذ الأزل حتى تُتلى على يد من يفك رمزيتها.

        * * * * *

        د. أسماء خليفة الحاج بدران؛ باحثة في علم اللغة و اللسانيات المجتمعية، و مترجمة أدبية.

        1.النِتَّالة: السنارة باللهجة الديرية – مدينة دير الزور / شرق سوريا

        2.الحِصّيوه: حصى الشاطئ الناعم

        3.دوامة

        4.إنبيلولو : إله الأنهار

        5.انحسرت أعداد السمك في الفرات جراء الصيد الجائر، وتَراجُع منسوب المياه بسبب السدود، وتشظي المَوَاطن الطبيعية.

        6.الكارپ: كما يُسمّى محلياً كرب.

        7.الحنكليس: كما يُسمى محلياً نص حية نص شَبّوط.

        8.الزْهر: سُم – كلمة فارسية دخيلة

        9.السنارة

        10.الشنبر: الخطاف

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى