أفلام سورية ممنوعة… هل تعود إلى الواجهة؟/ فؤاد مسعد

05 اغسطس 2025
حملت أفلام سينمائية سورية كثيرة في عمقها مضامين هامة ورؤى فكرية تنويرية، ملامسة الواقع ومُستشرفة المستقبل، منتصرة لتعزيز هوية أصيلة، مُوَثّقة عوالم المهمشين والمقهورين، ومؤرّخة التحولات المفصلية في المشهد العام، محاولة في أكثر من مكان السير بين الألغام واختراق تابوهات مُحصّنة نادراً ما كان يُسمح بالخوض فيها، فكان السينمائيون السوريون أمينين لمهمّة الفنان والمثقف في ظل أنظمة القمع، وصرخوا بأعلى ما يستطيعون بصوت شعبهم.
تناولت مختلف القضايا بجرأة تراوحت بين المباشرة والترميز والدلالة، للوصول بالفيلم إلى شاطئ الأمان، ليأخذ موافقة طرحه للعرض الجماهيري، الأمر الذي أشعل في مرّات عديدة فتيل الصدام بين مبدع ورقيب دأب على تهديد الشريط السينمائي بمقصٍ جائر، وعندما لا يجد في المقصّ نفعاً تصل به الأمور إلى حد المنع.
لعل المفارقة الهزلية الأقرب إلى السوريالية، أو الكوميديا السوداء المضحكة المبكية، أن عدة أفلام سورية أنتجتها المؤسسة العامة للسينما (الدولة السورية) جرى منعها بعد انتهاء تصويرها، في إجراء يشبه لوحة كوميدية شهيرة تحكي عن مخبر ضاقت به الدنيا، بعدما عرف أهل حارته بأمره، وصاروا متحفظين أمامه، فوصل إلى درجة من الإحباط أن كتب تقريراً أمنياً بنفسه.
من هذه الأفلام ما عُرضت ضمن أطر ضيقة جداً أو مرّة واحدة ثم مُنعت، أو بقيت في علبها فترة ثم أفرِج عنها. ومنها ما لم ترَ النور أبداً ولا تزال حبيسة العلب المعتمة وجليسة الرفوف الرطبة، في انتظار أن يُنفض غبار الظلم عنها لتولد من جديد عبر عروض جماهيرية، كاشفة مراحل هامة، وربما إشكالية من تاريخ سورية. ناهيك عن أفلام جرى عرضها بعدما عُقِّمت، وأخرى جرى تمريرها رغم جرأتها، بسبب مخرجها الذي تحايل على الرقيب بذكاء، فرمى له بمشاهد مباشرة يمكن التقاطها بسهولة ليفاخر بحذفها، وأبقى على مشاهد بُطِّنَت بما أراد قوله فمرّت بسهولة، لأن المبدع دائماً أذكى بمراحل من الرقيب. ولولا هذه الخطوة المتقدّمة، لما أنتجت البشرية الكثير من الأدب والفن الذي أصبح علامات فارقة في مسيرة الإبداع البشري، وأنتج في فترات من القمع والديكتاتورية، سواء في أميركا اللاتينية أو أفريقيا أو الشرق الأوسط، وحتى في أوروبا في عصور سابقة. وتأتي المشاهد المقصودة ضمن إطار أفلام أنتجتها المؤسسة العامة للسينما، وبعيداً عن الإنتاجات الخاصة والمستقلة التي صوّرت داخل سورية أو خارجها، ومُنعت لأسباب سياسية أو أمنية.
ضمن هذا الإطار، سرعان ما يتبادر إلى الذهن سؤال يتعلق بمبرّرات منع عرض فيلم جماهيرياً، رغم أنه سبق وتمت الموافقة على تصويره!..، ولكن لدى الدخول إلى دهاليز آلية عملية ولادة الفيلم، نجد أن السيناريو الذي يُقدّم للجنة القراءة الفكرية في المؤسّسة العامة للسينما، يُناقش وتُقدم بشأنه ملاحظات على المخرج الأخذ بها ليحصل على الموافقة النهائية، ويوضع النص على سكّة الإنتاج الفعلي، وخلال التصوير هناك مشاهد أو حوارات ربما تزيد هنا أو تنقص هناك، وفقاً لرؤية المخرج. كما أن النص عندما يُترجم إلى حياة نابضة على الشاشة ربما تختلف بعض المعايير فيه. كما أن لجنة القراءة تختلف عن لجنة المُشاهدة، وبالتالي، ما يوافق عليه قارئ ربما يرفضه مُشاهد، ويضاف إلى ذلك كله عاملان مهمّان، لا يمكن غض النظر عنهما “للأسف”، الأول المزاجية، والثاني الدسائس التي قد يقودها أحدهم ضد مخرج أو فيلم، ما يؤدّي أحياناً إلى عرقلة وصول العمل إلى الجمهور.
بعد أن يصبح الفيلم جاهزاً بشكل كامل، يجري عرضه على لجنة المشاهدة، فإما يُقرّ عرضه أو يُطلب حذف بعض المشاهد منه، أو يُمنع إلى حين تنفيذ جملة من الملاحظات. أما الأفلام الأكثر إشكالية فتُعرض على جهات أخرى، بما فيها وزير الثقافة وصولاً إلى رأس الهرم، ومثال ذلك فيلم “نجوم النهار” الذي أثار جدلاً، ما استدعى إرساله حينها إلى حافظ الأسد لمشاهدته والبتّ بأمره.
آليات المنع
لم يصدر بحق أي فيلم ضبط رقابي رسمي يمنع أو يوقف عرضه، إنما كان المنع يأتي بتوجيه شفهي. على سبيل المثال، عرض “نجوم النهار”، أحد أشهر الأفلام الممنوعة، من إخراج أسامة محمد وإنتاج 1988، مرّة واحدة فقط أمام الجمهور، ثم مُنع في الصالات السينمائية السورية، رغم أنه مثّل سورية في محافل ومهرجانات سينمائية دولية عديدة، وعُرض في افتتاح الدورة الخامسة من مهرجان دمشق السينمائي، كما حصد جوائز عديدة، منها أفضل مونتاج لأنطوانيت عازارية في مهرجان قرطاج، والجائزة الذهبية في فالنسيا وذهبية مهرجان الرباط. وتروى حكاية عن سبب منع الفيلم وطريقة هذا المنع، أن اللغط الذي أثاره وصل إلى الرئيس حافظ الأسد شخصياً، فطلب من نجاح العطار (وزيرة الثقافة آنذاك) مشاهدة الفيلم، فأحضروا بكرات الفيلم مع جهاز العرض إلى القصر الرئاسي، ثم دخل القاعة وحيداً فشاهد الفيلم، ثم خرج من دون أن يقول كلمة واحدة، ففهم مرافقوه أن عليهم منع الفيلم. وهذا ما حصل، وظلّ الفيلم ممنوعاً حتى سقوط ابنه بشار وفراره خارج البلاد، حيث استعادت دمشق عرضه لجمهور من الشباب، أغلبه لم يكن قد ولد بعد حين أنتج الفيلم.
وقبله مُنع الفيلم التسجيلي “الحياة اليومية في قرية سورية”، إخراج الراحل عمر أميرالاي، عام 1974، والذي تعاون فيه المخرج مع الكاتب المسرحي سعد الله ونوس، وتناول حكاية قرية مويلح (شمال دير الزور القريبة من نهر الفرات)، راصداً ما يعانيه سكانها من فقر وتجهيل وعطش وإهمال. ثم لاحقاً منعت كل أفلام أميرالاي، مثل “الدجاج” و”الرجل ذو النعل الذهبي” و”طوفان في بلاد البعث” وغيرها.
كما مُنِع فيلم “السيد التقدمي” (1974)، للمخرج نبيل المالح، ولكنه عُرض أخيراً بعد إسقاط نظام الأسد ضمن تظاهرة أقيمت احتفاء بالمالح. ويحكي الفيلم عن صحافي يحاول فضح أحد رجال السياسة الفاسدين. وقال الباحث والمخرج السينمائي فاضل الكواكبي لـ”العربي الجديد”، إن الفيلم بقي ممنوعاً عامين، شأنه شأن “كفر قاسم”، إخراج برهان علوية (1974)، ما يعود إلى آلية تعامل إدارة المؤسسة العامة للسينما معهما آنذاك.
وفي ما يتعلق بالفيلم التسجيلي “يوم في حي شعبي”، إخراج مروان حداد (1972)، جرى التوجيه بعدم عرضه، ويحكي عن معاناة أهالي أحد الأحياء الشعبية في دمشق وكفاحهم لتأمين لقمة العيش. وعانى الفيلم القصير الصامت “فلاش”، إخراج نبيل المالح (1997)، تأليف بسام كوسا وبطولته، من المنع، وعرض في مهرجان دمشق السينمائي، وهو يلقي الضوء خلال ثلاث دقائق على كيفية صناعة الديكتاتور.
وهناك أفلام أوقف عرضها لتتم معالجة مشاهد معينة فيها، كحال فيلم “اليازلي”، إخراج قيس الزبيدي، 1974، فبعد عرضه مُنع بسبب مشاهد فيه، ثم أطلق سراحه بعد اقتطاع العديد منها، كما أن الفيلم الروائي الطويل “الطحالب” للمخرج ريمون بطرس (1991)، بقي ممنوعاً فترة بعد عرضه الأول، بسبب مشهد النهاية الذي تغيّر أربع مرّات، حتى أُفرج عنه.
الولادة العسيرة
وجرى استبعاد الفيلم القصير “جدّاتنا” (1991)، ولم يحظَ إلا بعرض واحد في مهرجان دمشق السينمائي، وآخر خارج سورية وبعد إلحاح من معهد العالم العربي بباريس.. هذا ما أكدته الفنانة والمخرجة واحة الراهب المقيمة في فرنسا في حديثها مع “سورية الجديدة”، في حين جرى منع فيلمها “هوى”، إنتاج 2011، المأخوذ عن رواية لهيفاء بيطار، سيناريو رياض نعسان آغا، تقول: “أصرّت كاتبة الرواية أن أخرجه، وجرى التصوير أيام الثورة، ويتناول في موضوعه الفساد قبل الثورة، وحرصت على أن أشير فيه إلى أن هذا الفساد كان إشارات إلى القادم، كما حدث عندما حرق محمد بوعزيزي نفسه في تونس، حتى أنني وضعتُ لقطة له وهو يحرق نفسه في بداية الربيع العربي. ولكنهم أخبروني في المؤسّسة بأنهم سيوقفون الفيلم في حال بقيت اللقطة لأنها غير موجودة في السيناريو، وجاء جوابي أنه مكتوب في السيناريو عبارة مُشاهدة نشرات الأخبار، وأتيت باللقطة من التلفزيون السوري”. وسلّمت الراهب الفيلم للمؤسسة بعد انتهائه، وعلمت في ما بعد أنه مُنع، لأنها ورياض نعسان آغا من المعارضة، ولم يشارك الفيلم إلا في مهرجان مسقط.
ومن الأفلام التي عانت ولادة عسيرة الروائي الطويل “اللجاة”، إخراج رياض شيا (1993)، الذي لم يُعرض في البداية بسبب خصوصية الأفكار التي يطرحها، ولكنه شارك في ما بعد في المهرجانات، ثم بات متاحاً للمشاهدة. وهناك فيلمان للمخرج محمد عبد العزيز تعرّض أحدهما لمقص الرقيب بعد منعه سنتين، وهو “حرائق” (2017)، ولم يرَ الثاني النور، وهو “ليلى والذئب” (2016).
والتجربة المريرة نفسها تتكرّر مع المخرج غسان شميط، الذي قال لـ”العربي الجديد” إن فيلمه الروائي “الشراع والعاصفة” المأخوذ عن رواية حنا مينه والمُنتج عام 2012، عُرض بشكل خاص فقط، ولم يُطرح جماهيرياً في الصالات السينمائية. أما فيلمه الوثائقي “ياسمين شوكي” (2020)، فتم منعه ولم ير النور بعد، وبعد نشر مقال عنه، أرسل بشّار الأسد المخلوع طالباً الفيلم، الأمر الذي “أقام الدنيا ولم يقعدها”، ومن يومها بات الفيلم “خطاً أحمر”، وعن مصيره يقول شميط “لم نجرؤ على السؤال عنه”، وهو يتناول تداعيات الحرب على الأطفال، فاضحاً الاتجار بهم وكيف جرى استغلالهم، موضحاً أنه يطرح نماذج حقيقية، ومنها حكاية الفتاة التي تم إنقاذها من نهر بردى عندما سقطت فيه، وهي تستنشق مادة “الشعلة”.
وفي ما يتعلق بفيلمه الروائي “بوظة ساخنة” (2022)، يقول شميط “مُنع الفيلم لأننا وضعنا فيه المظاهرة التي حدثت في سوق الحميدية، كما رأوا أنه يحوي أموراً كثيرة ينبغي ألا تُعرض، وللبتّ بشأنه تم تشكيل لجنتين، الأولى من المؤسسة العامة للسينما، والثانية من وزارة الثقافة، وكلتاهما أقرتا بعدم عرضه إلى حين تنفيذ ما تم وضعه من ملاحظات، والتي كان من الصعب تنفيذها، لأننا لو فعلنا لضاع الفيلم”.
توارث التجربة
المفارقة الأشد غرابة أن السبق السينمائي في منع الدولة عرض أفلام أنتجتها، لم يقتصر على السينما السورية، وإنما انجر ليشمل تجارب أخرى في بلدانٍ عديدة، منها ما هو أقدم بكثير، وكأن التجربة يتم توارثها، ففي الاتحاد السوفييتي تم منع (وتقييد) أفلامٍ كثيرة من إنتاج “موسفيلم” الروسية، منها “فولغا فولغا”، إخراج غريغوري ألكسندروف 1938، و”تحت ظلال الأجداد المنسيين”، إخراج سيرغي باراغانوف 1964، و”سخرية القدر”، إخراج إدار ربازانوف عام 1975، والعديد من أفلام أندري تاركوفسكي، بما فيها “أغنية البيرد” 1960، “أندريه روبليف” (1966)، والذي جرى حظره في فترة العقد الأول من حقبة بريجنيف، وفيلم “سولاريس” عام 1972، “المرآة” (1975)، “ستالكر” (1979)، “الحنين للماضي” (1983).
وفي مصر أنتجت مؤسسة السينما المصرية أفلاماً عديدة، مُنع بعضها، كفيلم “جنون الشباب”، إخراج خليل شوقي، “ظلال على الجانب الآخر”، إخراج غالب شعث، “التلاقي”، إخراج صبحي شفيق.
يُدركون.. ويفعلون
حساسية المبدع تدفعه لمعرفة أو توقع أن ما يقدّمه سيصطدم بحائط أصم، وبالتالي هناك سينمائيون يدركون أن ما ينجزونه سيتعرض للمنع أو لمحاولة التشويه والفلترة، إلا أنهم يخوضون التجربة عن قناعة بأن أفلامهم تبقى للتاريخ، وما مُنع اليوم سيظهر إلى النور غداً لا محالة، الأمر الذي أثبتته الأيام والتجارب.
العربي الجديد



