بلاغة الفراغ وحديث القشور في المشهد السوري/ عبد الله مكسور

2026.03.02
قد نختلف وقد نتفق، عبارة مطّاطة يستخدمها كثير منا للهروب من اتخاذ موقف واضح، في الوقت الذي يسود الذهنية التي تعبِّر عن الشارع السوري براعة مذهلة في تزيين الفراغ، ليس مهماً الذي قيل، ولا من قاله، ولا حتى ما إذا كان قابلاً للتصديق، المهم هو الطريقة التي قيل بها، تلك الثقة الملساء التي تُقال بها أكثر الأفكار هشاشة وسطحية، وكأنها حقائق نهائية لا تحتمل النقاش.
فجأة، يصبح أي كلام مهما كان مرتجلاً أو متناقضاً أو غير ممكنٍ للفهم قابلاً للتسويق، طالما خرج بنبرة محسوبة، وحاجب مرفوع قليلاً، وأحرف مدروسة التجويد بجملة افتتاحية يستخدمها عادة المعلقون السياسيون من نوع “دعنا نكون واقعيين”.
قد نختلف وقد نتفق في الشارع السوري لكننا نتفق غالباً على تجاهل البدهيات الواضحة، التي لا تحتاج إلى كثير من التفكير، من قبيل أن تعيين الأقارب ليس مسألة فلسفية معقدة، وأن التسويف ليس وجهة نظر، وأن المرحلة الحساسة الانتقالية ليست شماعة أبدية.
ومع ذلك، يخرج من يشرح لنا، بهدوء الواثق، وبُعدِ نظر العارف، أن كل هذه التفاصيل الصغيرة لا تُفهم إلا ضمن “سياق أوسع”، سياق لا يُعرَّف أبداً، ونحن غير قادرين الآن لـ”قُصر نظرنا” على معرفته وإدراكه، لكنه رغم كل التعقيد حاضر دائماً، مثل شبح أنيق يبرر كل شيء.
المثير للسخرية لا يكمن في التصريح العابر الذي يُقال على عجل بسرعة وغير اكتراث، إنما في الشخصية التي تقوله وتمنحه وزناً لم يكن فيه، تعيد تقديمه بوصفه فكرة مكتملة الأركان، نحن أمام حالة متحدث لا ينطلق من صلابة المعنى أو وضوحه، ولكن من مهارة تشكيله بعد تدريبات يبدو أنها لم تُأتِ بأُكُلِها، يلتقط عبارة عادية، أو حتى مرتبكة، بجهل واسع ورهيب بالتاريخ وربما بالجغرافيا، ثم يمررها عبر طبقات من اللغة حتى تبدو كأنها خلاصة تفكير طويل.
يسكنُ في داخله يقين تشكّل وتراكم من كثرة التكرار، من الجلوس طويلاً -مع الأسابيع الأولى للتحرير- في بهو استقبال فندق الشيراتون بالعاصمة دمشق، حاملاً حقيبة تضم ربطات عنق متعددة الألوان لضمان مراكمة الخبرة الحديثة بالشاشة والظهور التلفزيوني، يقينٌ يقول له إنّ النبرة الواثقة قادرة على تعويض كل نقص، وإن إيقاع الصوت المتماسك يمكن أن يمنح الجملة ما لم تحمله في أصلها من معنى.
الضيف المقصود -أستخدم ضمير الغائب المفرد على قصد الجماعة- يتحدث وكأنه يخبر الناس قراراً، لا يعرض رأياً، يعتقد أنه يقدّم حقيقة غير قابلة للنقاش، يختار مفرداته بعناية تمنحها حجماً أكبر من مضمونها، ويعرف كيف ينقل النقاش من مستوى إلى آخر قبل أن يكتمل السؤال في ذهن المستمع.
هكذا تتحوّل الجملة المرتجلة إلى مقاربة، والالتفاف إلى ذكاء، والتبرير إلى قراءة واقعية، والأحداث إلى سياق، والذي لا نعرفه نحن كمشاهدين ومتابعين يمثِّلُ سرديةً نحن غير قادرين على إدراكها، ليس مهماً في هذا المقام قوة الحجة وحسن الإخراج، فالمتحدث يمثِّل اتقان ترتيب الفكرة بحيث تبدو متماسكة، حتى لو كانت مفككة في أصلها، لاجئاً لترديد وفرة من مصطلحات حفظها عبر سنوات لتغطية غياب الدقة وربما الجهل. مالئاً الفراغ بإيقاع ثابت يمنح المستمع شعوراً كاذباً بالاطمئنان.
هذه الشخصية الوهم لا تسعى إلى تفسير الواقع بقدر ما تسعى إلى إعادة صياغته، تنتقي منه ما يلائم البناء الذي تريده، وتترك ما يربك الصورة خارج الكادر، ثم تعود لتغلف النتيجة بلغة توحي بالعمق، ومع كل جملة، تنشأ هالة خفيفة من الحكمة، لا لأنها تحمل معرفة حقيقية، ولكن لأنها قيلت بما يشبه الطريقة الصحيحة، بما يُعتَقَد أنها اللحظة المناسبة، وبطبيعة الحال بالثقة الكافية التي تجعلها تبدو قابلة للتصديق، وهنا يصبح الفرق بين المعنى وشكله ضئيلاً إلى حد التلاشي، فتُستقبل العبارة كما لو كانت نتيجة تحليل، بينما هي في حقيقتها تمرين متقن على إدارة الكلام.
ما يلفت في هذا النموذج للمتحدثين “غير الرسميين” الذين يظهرون على شاشات الأخباركمعلِّقين أو باحثين أو كُتَّابٍ ومؤخراً بألقابٍ أكاديمية، أنه لا يخشى الخطأ بقدر ما يتحاشى الوضوح، لأنّ الوضوح يعرّض الفكرة للاختبار، بينما يمنحها التعقيد مساحة للحركة، ويتيح لها أن تبقى صامدة أمام السؤال الأول، ومع كل انتقال بين جملة وأخرى، تتسع المسافة بين ما يُقال وما يعنيه فعلاً، وتتحوّل اللغة إلى غطاء أنيق يخفف من خشونة الواقع، ويجعل الفكرة تبدو أعمق مما هي عليه.
في نهاية الأمر، لا يقدّم المتحدث فكرة بقدر ما يقدّم إحساساً بها، ولا يجيب عن السؤال بقدر ما يبدّل شكله، حتى يبدو وكأنه قال شيئاً مهماً، بينما كل ما فعله أنه أعاد ترتيب الفراغ بطريقة مقنعة، تستند إلى “قراءة عميقة”، ترتكز في جوهرها على تحويل التبرير المرتجل إلى “مقاربة واقعية”، والالتفاف الواضح إلى “ذكاء سياسي”، وإعطاء كل جملة تمرّ هالة من الحكمة، حتى لو كانت خاوية تماماً.
فالسؤال المباشر يُربك في الحالة السورية، السؤال المحدد يُزعِج، لذلك يجب قتله بسرعة، عبر دفنه تحت طبقات من المصطلحات الثقيلة: “التحولات البنيوية”، “إعادة التموضع”، “تعقيدات المرحلة” “بضاعة الفلول قد ردَّت إليهم”، كلمات كثيرة ذات معنى قليل، وراحة نفسية كبيرة لمن لا يريد أن يجيب، الأداء في هذه الحالة هو البطل الحقيقي.
تحضرني عبارة قرأتها في أحد غرف التحقيق التي مررت بها خلال حياتي “العبرةُ بما قيل وليس بمن قال”، لكن ما قيل وقال في المقام السوري عصيٌّ على الفهم، رغم أن إيماناً عميقاً يسكن الذين يظهرون بأن المشاهد الخائف على الدولة السورية، المرعوب من فكرة الفراغ، يمكن إقناعه بأي شيء، شرط أن يُقدَّم له بثقة كافية وبشكل مقنع على الشاشة.
قد نختلف وقد نتفق، ولكن إذا تعارض الواقع مع الخطاب، فالمشكلة في الواقع، الأسعار؟ سوء فهم، الاحتقان والغضب؟ مبالغة، الوقائع الموثقة؟ سياق ناقص، غياب الخدمات؟ تركَةٌ من إرث النظام الساقط، تعيين الأقارب؟ مبدأ الولاء والخوف من الفلول.. دائماً هناك زاوية أخرى، تفسير آخر، رواية بديلة أكثر أناقة وأقلَّ إزعاجاً.
المدهش في هذا السياق أن كثيراً من المدافعين لا يدافعون عن سياسات محدّدة بقدر ما يدافعون عن حق الخطاب في أن يكون فوق المساءلة، كأن ما يُطرح ليس مسألة فهم أو نقاش، إنه اختبار للقدرة على الصبر والتحمّل، تجربة في تحمل العبثية المنظمة، حيث يصبح السؤال المباشر عبئاً، والإشارة إلى أي خلل بمثابة استفزاز وعملية تآمر، فالمطلوب ليس إقناع المتلقي بما قيل أو يُقال، ولكن جعله يخرج من النقاش وهو مثقل بالإرهاق الذهني، حاملاً الشعور بأن السؤال نفسه كان ساذجاً، وأن أي محاولة للوصول إلى حقيقة بسيطة تُستقبل بالرفض أو إعادة التفسير، وأن التعقيد مهما كان مصطنعاً هو المؤشر الأكاديمي على العمق، المؤشر الذي يبرّر كل غياب للوضوح وكل التفاف على الواقع.
قد نختلف وقد نتفق، لكننا نمارس من دون أن نعترف لعب الدور نفسه في هذه المسرحية: المتحدثون يرفعون أصواتهم بثقة مبالغ فيها، يملؤون الفضاء بكلمات منتقاة بعناية لتعطي انطباعاً بأنهم يملكون خريطة كاملة للأحداث، بينما الجمهور من خلف الشاشات يصفق أو يهاجم، يختار جانباً أو يثبت مواقفه، لا بناء على الوقائع، لعبة تحوّل كل نقاش فيها إلى حلبة اختبار للولاءات. في هذه البيئة، يصبح الخطاب غطاءً يحمي المتحدث من النقد، وجداراً يمنع وصول السؤال الحاد إلى قلب المشكلة، فيتبدد الواقع خلف ستار الأداء والإيماءات والنبرة المطمئنة.
الواقع، في هذه المعادلة، يقف جانباً صامتاً، كأنه تفصيل غير ضروري، كضيف ثقيل لم يُدعَ إلى المسرحية، وكل ما يُرى هو الإخراج المبهر للحديث، الإيقاع المتقن للجمل، والقدرة على تحويل كل موقف محرج إلى فرصة لعرض مزيج من الحكمة والمبالغة المهيكلة.
في النهاية، لا أحد ينتصر على أحد، فالخطاب يزداد صلابة، يتضخّم حجمه ويكتسب مقاومة أكبر لأي شك أو تساؤل، بينما الأسئلة تزداد هشاشة، تصبح مجرد إطارات فارغة تُستعمل لإظهار مهارة المتحدث في المناورة اللفظية أكثر من كونها أدوات للمعرفة أو التحقيق، والحقيقة تُؤجل دائماً إلى حلقة قادمة، ربما لتعود على شكل تقرير أو فقرة ثانية في نشرة ما، لكنها تبقى حية في انتظار من يمنحها فرصة الظهور خارج دوامة الأداء الهزيل أمام الكاميرات واللغة المبالغ فيها والثقة الزائدة التي تغطي على الفراغ.
في هذه المساحة، يصبح كل نقاش عرضاً مسرحياً فنياً، كل إجابة بمثابة تمرين في التهرب من الحديث المباشر، وكل سؤال فرصة لإظهار القدرة على تحويل الواقع المعقد إلى لوحة متناغمة، رغم أن تفاصيلها الحقيقية قد ضاعت في الضجيج، وفي نهاية اليوم يبقى الإحساس لدى الضيوف الدائمين بصفات غير رسمية سورية على المنصات الإعلامية بأنهم قادرون على تبرير كل شيء، وقول أي شيء، لأن المتلقي الذي يسمع ويرى سيكون قادراً على جعل كل شيء يبدو مترابطاً ومنطقياً حتى لو لم يكن كذلك، فنحن دائماً قد نختلف وقد نتفق لأن المسائل كلّها قشور.
تلفزيون سوريا



