التدخل الاسرائيلي السافر في سورياسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

أنقرة وتل أبيب: نريدُ سوريا ولا نريدُ السوريين/ رامي شفيق

ثروات سوريا بين أنقرة وتل أبيب: صراع نفوذ تحت غطاء الاستثمار

2025-08-06

بينما تواصل سوريا التعرّض لأزمات متداخلة منذ أكثر من عقد، فإنها تمتلك ثروات طبيعية هائلة تتيح لها أن تكون نواةً للتعافي الاقتصادي، سواء عبر احتياطيات النفط والغاز، أو مناجم الفوسفات، وصولًا إلى الأراضي الزراعية الخصبة، ما يمثل فرصًا اقتصادية ضخمة.

وبناءً على ذلك، أصبح التنافس – بل الصراع – على الثروات الطبيعية في سوريا، بعد سقوط نظام الأسد الابن، أحد أبرز مسارات التنافس بين القوى الإقليمية والدولية، إذ تسعى كلّ من أنقرة وتل أبيب إلى انتزاع موطئ قدم جديد على رقعة الصراع الاستراتيجي والاقتصادي في البلاد. وفي هذا السياق، تبرز مؤشرات على تنسيق غير مباشر بين الطرفين للسيطرة على موارد سوريا الطبيعية.

وفي السياق ذاته، شكّلت الأوضاع المضطربة في سوريا خلال السنوات الماضية أرضية خصبة للأطماع الإقليمية، إذ تتحرك تركيا وإسرائيل ضمن مسارات الجغرافيا الاقتصادية لاستغلال تلك الموارد دون اكتراث بحقوق السوريين في ثرواتهم، أو بمصالح الأجيال القادمة، ودون التزام بأي ضوابط تكفل حماية هذه الموارد من النهب أو الاستنزاف، أو تحُدّ من ترسيخ نفوذ خارجي مستدام.

ويعيش المواطن السوري، في ظل هذا الواقع، على هامش مشهد مترقِّب للاستقرار، وتحسُّن في الخدمات، واستفادة من ثروات وطنه، الأمر الذي يُفترض أن يوفر له فرص عمل حقيقية وعوائد مالية تضمن حياة آمنة ومستقرة.

“اقتناص فرص اقتصادية”

وفي هذا السياق، يقول الدكتور فراس شعبو، الباحث والأكاديمي الاقتصادي، إن “أنقرة وتل أبيب لا تسعيان إلى إنقاذ سوريا أو دعم شعبها، بل إلى اقتناص فرص اقتصادية وجيوسياسية”. ويشير إلى أن الأرض السورية تُعامل كمورد استثماري، فيما يُترك الإنسان السوري بلا وطن، وبلا حماية، وبلا مستقبل.

ويتابع شعبو، أستاذ الإدارة المالية في جامعة باشاك شهير بإسطنبول، في حديثه لـ”963+”، أن “الدولتين تنظران إلى سوريا كفرصة استراتيجية واقتصادية، بينما يُنظر إلى الإنسان السوري، وخاصة اللاجئ، كعبء أو ورقة تفاوض ليس أكثر”.

ويبيّن أن “إسرائيل لا تُخفي اهتمامها بمرتفعات الجولان، الغنية بالمياه والزراعة والطاقة البديلة، مشيرًا إلى أنها منحت امتيازات لشركات أجنبية للتنقيب عن النفط في الجولان المحتل، مثل شركة Genie Energy “.

ويوضح أنه لا توجد نية لدى إسرائيل لإعادة اللاجئين أو دعم الاستقرار، بل إن تل أبيب تخشى من عودتهم.

أما بالنسبة لتركيا، فيوضح شعبو أن “هدفها لا يقتصر على الأمن القومي، بل يشمل أيضًا السيطرة على شريط حدودي استراتيجي يتيح لها التحكم بطرق التجارة والطاقة وربما الزراعة”.

ويضيف أن “أنقرة استغلت الأراضي السورية في الشمال (تل أبيض – رأس العين – عفرين – إدلب) من خلال زراعات تركية مكثفة، واستخدام الليرة التركية بدلًا من السورية، والتحكم بالخدمات كالكهرباء والاتصالات والمستشفيات”.

ويؤكد أن “تركيا لم تضع مشروعًا جادًا لإعادة اللاجئين بشكل طوعي أو كريم، بل استخدمتهم كورقة تفاوض مع الاتحاد الأوروبي، خصوصًا في اتفاق 2016 حول الهجرة مقابل تمويل، وذلك للضغط داخليًا كلما ارتفع الخطاب القومي التركي”.

وهذا الواقع أدى إلى التعامل مع السوريين كـ”أعباء” لا كمورد بشري، وانتهجت أنقرة سياسة “الباب الموصَد” عبر بناء جدار حدودي بطول 911 كم، مدعوم بأنظمة مراقبة إلكترونية، وتنفيذ عمليات ترحيل قسرية.

ويختتم شعبو حديثه بالإشارة إلى أن هذه السياسات تُظهر كيف يتم التعامل مع سوريا كمشروع استثمار إقليمي، دون اكتراث بمصير الإنسان السوري أو حقه في العودة والحماية والكرامة.

وقد تكون الشهور الأخيرة، وتحديدًا منذ سقوط نظام الأسد الابن، نقطة تحول في مسارات التعاون غير المباشر بين تل أبيب وأنقرة، من التنسيق إلى التنافس والصراع على الثروات السورية، ومحاولة الحد من نفوذ كل منهما في مناطق التماس، سواء في شمال سوريا أو جنوبها، حيث تتوزع الثروات الطبيعية من مياه عذبة إلى موارد طاقة.

وفي ظل هذه التوترات، تتصاعد الأسئلة في نفوس السوريين حول مستقبل أبنائهم ومصير بلادهم.

“عقدة جيو اقتصادية”

ويلفت الأكاديمي السوري، عماد مصبح إلى أن “تركيا وإسرائيل لا تتنازعان على سوريا بسبب نفط أو غاز محدودين، بل لأن البلاد تُعد عقدة جيو-اقتصادية تربط شرق المتوسط بالأناضول والخليج وآسيا الوسطى. فمَن يُمسك بالممر السوري يتحكم بتدفّق الطاقة والمياه والطرق التجارية ويؤمّن عمقه الأمني الإقليمي”.

ويوضح مصبح، في حديثه لـ”963+”، أن الموقع الاستراتيجي لسوريا يجعلها جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي الإقليمي، وهو ما يفسر شراسة التنافس عليها.

ويشير إلى أن التنافس التركي–الإسرائيلي على ثروات سوريا “لا يعدو كونه رأس جبل الجليد ضمن سباق أوسع للتمركز على خطوط الإمداد الحيوية”.

ويبيّن أن “تركيا تقلّص حصة نهر الفرات للضغط سياسيًا على شمال سوريا، بينما تسرّع إسرائيل عمليات الحفر في الجولان لربطه بمجمّعها الغازي شرق المتوسط”.

وبينما ترفع الدولتان شعارات “الاستقرار” و”الأمن”، تُغيب مصالح السوريين وحقوقهم الأساسية عن هذه المعادلة، إذ تنصبّ الأولوية على ضمان النفوذ الإقليمي وتأمين التدفقات الاقتصادية، لا على رفاهية المواطن السوري أو حقوقه في ثروات بلاده.

كما يوضح أن إدخال الليرة التركية في الأسواق من أعزاز إلى إدلب حوّل الشمال السوري إلى ذراع نقدي مباشر لأنقرة، فيما تخطط تركيا لمدّ خط الغاز القطري عبر الأراضي السورية ليجعلها بوابة الطاقة الرئيسية نحو أوروبا. هذا المشروع يُقلّص من هامش المناورة لدمشق، ويُنافس صادرات إسرائيل من شرق المتوسط.

وتكمن النتيجة في رسم خرائط لوجستية واقتصادية جديدة تُدار من خارج الحدود السورية، ما يعيد تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للبلاد لصالح قوى خارجية، على حساب السيادة الوطنية.

ويشير إلى أن غياب الدولة السورية الفاعلة وانهيار مؤسساتها خلال سنوات الحرب، أتاح لطرفَي الصراع “خصخصة” الموارد الطبيعية دون رقابة أو مساءلة.

ويوضح أن قطع تركيا لمياه نهر الفرات دمّر القطاع الزراعي وشبكات الكهرباء لأكثر من خمسة ملايين مواطن، بينما تعرّضت أراضي الزيتون في عفرين للنهب، وتم تمويل ميليشيات محلية، ما خلق اقتصاد حرب موازٍ يخدم المصالح التركية. أما إسرائيل، فتفرض على مزارعي الجولان المحتلّ تراخيص باهظة لشراء مياه أراضيهم، محوّلة الموارد الطبيعية إلى أدوات ضغط وسيطرة.

وفي هذه المعادلة، لا يرى المواطن السوري سوى الأضرار البيئية والمعيشية، دون أي استفادة تُذكر من ثرواته.

ويبيّن مصبح أن العمليات الجارية تجسّد نموذجًا متطورًا من الاستعمار الاقتصادي المُقنّع، حيث تستخدم القوى الخارجية أدوات “القوة الناعمة الصلبة” لفرض واقع اقتصادي طويل الأمد. فالتنقيب الإسرائيلي في الجولان المحتل بشراكات دولية، يُحوّل الاحتلال من عبء عسكري إلى مشروع ربح مستدام، فيما تستخدم تركيا بنيتها الخدمية وعملتها الوطنية وبرامج الإغاثة لتكريس تبعيات اقتصادية عميقة.

ويختتم مصبح حديثه بالتأكيد على أن استمرار هذا المسار يُهدد جوهر مفاهيم العدالة الاقتصادية والسيادة الوطنية في المستقبل، ما لم يُعاد بناء مؤسسات سورية قوية، قادرة على ضبط الحدود، وضمان التوزيع العادل للموارد، وإطلاق برامج تعويض بيئي شاملة للأقاليم المتضررة.

+963

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى