تطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمنوعات

معرض دمشق الدولي: “يا شام عاد الصيف…”/ سمر شمة

9 سبتمبر 2025

بعد توقف دام لستة أعوام وبعد نحو سبعين عامًا على انطلاق دورته الأولى، عاد معرض دمشق الدولي، أقدم وأعرق وأكبر المعارض في الشرق الأوسط، إلى الحياة، حاملًا رسائل التعافي والأمل بالتجدد والازدهار، في ملتقى يجمع بين الاقتصاد والثقافة والفن والفكر.

وأنت تدخل إلى مدينة المعارض بريف دمشق لزيارته في دورته الـ 62 يتناهى إلى سمعك صوت السيدة فيروز الذي ارتبط به وصدح في أرجائه لسنوات: “يا شام عاد الصيف متّئدًا وعاد بي الجناح/ صرخ الحنين إليك بي: أقلع ونادتني الرياح/ أصوات أصحابي وعيناها ووعد غد يتاح/ كل الذين أحبهم نهبوا رقادي واستراحوا/ فأنا هُنَا جُرحُ الهَوَى، وَهُنَاكَ في وَطَني جراحُ/ وعليكِ عَينِي يا دِمَشقُ، فمِنكِ ينهَمِرُ الصّبَاحُ”. وتشاهد عن كثب فرحة السوريين بعودته بعد أعوام مثقلة بالقتل والتدمير والفقر وانسداد الأفق واستخدام أشد الأسلحة فتكًا ضد البلدات والمدن السورية الثائرة دون رحمة. وتلمح قلقهم أيضًا وخوفهم مما يحدث في البلاد الآن من تجييش طائفي ودعوات للتقسيم وارتكاب للانتهاكات من أطراف متعددة. شرخ كبير قسّم المجتمع السوري وهدّد استقراره ووحدته، وضغوط كبيرة داخلية وخارجية، لكن تكتشف أن السوريين ما زالوا على يقين بأن دمشق تفتح أبوابها للعالم وقادرة على الاستمرار والنهوض رغم الصعاب والجراح القديمة والجديدة.

“سورية تستقبل العالم” كان شعار المعرض الذي أقيم على أرض مدينة المعارض بريف دمشق في الفترة ما بين 27 من أغسطس/ آب الماضي حتى 5 من سبتمبر/ أيلول الحالي وشارك فيه أكثر من 22 دولة وأكثر من 225 شركة دولية و750 شركة عربية ومحلية من مختلف القطاعات الاقتصادية والخدماتية والتعليمية والصحية والتراثية. ومن الدول المشاركة: قطر – تركيا – المملكة العربية السعودية – الأردن – الكويت – الجزائر إلى جانب السفارة الفلسطينية، وقدمت بعض الدول المشاركة عروضًا فنية وتراثية وموسيقية ومسرحية ومعارض للفنون التشكيلية، بينما شاركت جنوب أفريقيا بعروض موسيقية عالمية وأندونيسيا بعروض للرقص التقليدي ومقدونيا والتشيك بعروض مسرحية وموسيقية وبلجيكا بفعاليات للفنون البصرية. أما سورية فقد أقامت فعاليات اقتصادية وفنية وثقافية متنوعة، وسلسلة من العروض المسرحية والموسيقية إضافة إلى ندوات فكرية وأدبية استضافت نخبة من المثقفين السوريين والعرب، ومعارض تراثية وفنية ركزت على الحرف اليدوية والفنون التشكيلية السورية ومخطوطات نادرة وورش عمل تفاعلية في مجالات الكتابة والترجمة والفنون البصرية. واحتفت الفعاليات بالإصدارات الجديدة من الكتب وركزت على الشعر والمسرح ودورهما في توثيق نضال الشعب السوري لنيل حريته، واستضافت شعراء شباب ولدوا من رحم الثورة وآلامها وآلام اللجوء والتهجير، وكتبوا في قصائدهم عن كفاح السوريين من أجل الكرامة ودولة القانون، وعن الأثمان الباهظة التي دفعوها من أجل التغيير وإسقاط الاستبداد.

شاركت في فعاليات المعرض فرقة عمران للإنشاد وقدمت تراثًا حلبيًا في باقة من التواشيح الدينية، وفرقة المولوية، وأمسية غنائية “لفناني الثورة السورية”، وقدّمت فرقة بارامايا للتراث السرياني الآشوري عروضًا فولكلورية، وقدمت فرقة كردية عروضًا من التراث، إضافة إلى ليلة موسيقية أصيلة وفرقة الرقصات الشركسية وأمسية تفاعلية بعنوان “قصص نجاح لذوي الهمم” وفعالية أوركسترا سورية وعروض مسرحية ترفيهية للأطفال.

افتتحت فرقة إنانا للمسرح الراقص فعاليات المعرض بعد غياب طويل عن سورية دام أربعة عشر عامًا حاملة رسالة تعكس روح هذا البلد الذي يجمع كافة أبنائه في فسيفساء رائعة، وقد شارك في العرض أكثر من 200 فنان وراقص ومهندس وتقني من داخل سورية وخارجها، بحرفية ومهنية عالية تميزت بها الفرقة خلال عروضها السابقة كافة.

قدمت إنانا للفنون الاستعراضية لوحات فنية مستوحاة من تاريخ سورية وحضارتها تجمع بين الأصالة والابتكار، ومرّ العرض بالمحافظات والمدن السورية كافة مصحوبًا بإلقاء شعر عن كل منها في رمز لوحدة سورية وتمسك أبنائها بوطنهم، وقد بدأ العرض الراقص الغنائي الشعري بصوت: “شهيد الثورة السورية وحارسها” عبد الباسط الساروت بأغنيته الشهيرة: “يا يمّا بثوب جديد زفيني جيتك شهيد يا يمّا”. وقال مدير الفرقة التي تُعتبر من أبرز الفرق الفنية المسرحية الاستعراضية في المشهد الثقافي السوري جهاد مفلح المولود لعائلة فلسطينية في مخيم اليرموك عن العرض: “هذه العودة لها العديد من الرسائل، أولها أن إنانا رغم الغياب ظلت مشعلًا يمثل سورية فنيًا وثقافيًا وعالميًا. وثانيها: أهمية وحدة جميع أبناء الوطن السوري. وثالثها: قدرة سورية على تنظيم حدث عالمي وفني كبير بعد ثمانية أشهر فقط من التحرير”.

“شارك في المعرض أكثر من 22 دولة وأكثر من 225 شركة دولية و750 شركة عربية ومحلية من مختلف القطاعات الاقتصادية والخدماتية والتعليمية والصحية والتراثية”

ضم المعرض أجنحة محلية متنوعة منها جناح وزارة الطوارئ والكوارث الذي تميز بخصوصية بالغة، إذ عُرضت فيه معدات استخدمتها “منظمة الخوذ البيضاء” المعروفة في إنقاذ المدنيين شمال البلاد خلال الحرب وعند حدوث الكوارث الطبيعية، وقد تحول هذا الجناح إلى شاهد على وحشية النظام الأسدي البائد وحلفائه، ووُضع وسط المعرض الدولي كرسالة على القدرة على تجاوز آثار الدمار والموت والإجرام الذي لم يعرف العصر الحديث له مثيلًا.

تُعتبر الدورة الـ 62 لمعرض دمشق الدولي بعد كل ما مرت به سورية من جراح وعذابات لحظة اقتصادية واجتماعية هامة، شهدت حضورًا واسعًا للشركات التجارية والاستثمارية والقطاعات الصناعية والزراعية والطبية والغذائية والدوائية إلى جانب الجامعات السورية التي عرضت ابتكارات طلابها. ووفر المعرض أيضًا فرصة لتلاقي القطاعات الاقتصادية التقليدية مع مجالات حديثة كالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الصناعية، وللتواصل بين السوريين والعالم والتعرف على أحدث المنتجات والخدمات في مختلف القطاعات. وحمل المعرض رسائل بأن الحياة تنتصر على القتل وتعود رغم الأهوال وأن المؤسسات تحاول استعادة عافيتها معلنة بقطاعيها العام والخاص دورها في إعادة الإعمار وعودة النشاط الاقتصادي للبلاد بعد حرب طويلة ودامية.

تعود فكرة إنشاء معرض دمشق الدولي إلى مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، وعلى مسرحه القديم بالقرب من ساحة الأمويين وسط العاصمة دمشق ارتفع صوت كوكب الشرق أم كلثوم بأغنياتها “يا ظالمني”، “دليلي احتار”، و”شمس الأصيل” في عامي 1957 و1958. وحضر الموسيقار محمد عبد الوهاب إلى المعرض بموسيقاه الخالدة وباستضافة من الرئيس صبري العسلي الذي تولى رئاسة الحكومة السورية في الخمسينيات، وكان نائبًا للرئيس جمال عبد الناصر في الجمهورية العربية المتحدة 1958، وحضور الزعيم فخري البارودي أحد مؤسسي الكتلة الوطنية التي قادت النضال ضد المستعمر الفرنسي، وبعدها بثلاثة أعوام حضرت السيدة فيروز، وبدأت حكايتها وحكاية الأخوين رحباني مع الشام، ليمتزج صوتها على مدى سنوات بها وبنهر بردى ولتقدم على خشبته روائعها التي يتذكرها كل السوريين “سائليني يا شآم”، “قرأت مجدك”، “شام يا ذا السيف”، وآخرها “يا شام عاد الصيف”. ومن على خشبة مسرح المعرض نفسها صدح صوت نصري شمس الدين والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ والعملاق وديع الصافي ونجاح سلام ووردة الجزائرية، وكانت الإضافة التي رسخت مكانة المعرض ثقافيًا هي انفتاحه على الموسيقى العالمية واستضافته لفرق كبيرة وفنانين عالميين كديميس روسوس يوناني الجنسية الذي ولد بالإسكندرية بمصر. ولا ننسى أول عرض في تاريخ المعرض “أوبرا عايدة” 1954 والعرض المسرحي الاستعراضي الضخم “عرس التحدي” الذي جمع الفنانين وديع الصافي وسميرة توفيق وفهد بلان ومحمود جبر وأكثر من 70 فنانًا وفنانة.

تعود بدايته إلى عام 1932 عندما قرر محمد علي العابد إقامة معرض سنوي للصناعات الدمشقية وتقديم منتجات التجار المحليين للأسواق العالمية وذلك بعد انتخابه رئيسًا للجمهورية، وقد عّين الأمير مصطفى الشهابي مديرًا له، وافتُتح برعايته وحضوره في 31 مايو/ أيار 1936، بعدها طالب التجار بتحويله لفعالية سنوية لكن ذلك لم يحدث بسبب استقالة العابد ودخول سورية في مرحلة اضطرابات ما قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، وبقي الموضوع معلقًا حتى مجيء العقيد أديب الشيشكلي إلى الحكم، حيث أُقيم المعرض في الأول من سبتمبر/ أيلول 1954 بحضور رئيس الجمهورية آنذاك هاشم الأتاسي بدورته الأولى، وفاق عدد زواره المليون من مختلف دول العالم.

وخلال تاريخ المعرض الطويل الذي نُقل مكانه عام 2003 إلى مدينة المعارض بريف دمشق، لم تقتصر فعالياته على أجنحة الدول المشاركة والشركات والأجنحة التجارية والصناعية ومراكز الأعمال، بل كانت تُقام فيه أنشطة ثقافية وفنية لكبار الفنانين والمثقفين في سورية والعالم العربي والأوروبي والإسلامي.

ففي دورته الأولى مثلًا تمّ استخدام تقنية عرض سينمائي بانورامية باستخدام ثلاث كاميرات على شاشة عملاقة مما جعل سورية الدولة الأولى بعد الولايات المتحدة التي تقدم هذه التجربة السينمائية المتطورة، وفي دورته الثالثة 1956 ارتبط بتنوع ثقافي كبير بافتتاح أول مهرجان سينمائي رسمي في سورية والعالم العربي جرى بالتزامن مع فعاليات المعرض وشاركت فيه أفلام 13 دولة منها: فرنسا – إنكلترا – الهند ومصر.

المعروف أن سورية كانت مركزًا تجاريًا عالميًا بفضل موقعها الاستراتيجي وصناعاتها التاريخية الهامة، مما جعلها بيئة آمنة بين الشرق والغرب، ولكن النظام الأسدي في عهد الأب والابن وخلال عقود متتالية حوّل سورية إلى بلد طارد للاستثمار بسبب الفساد المستشري وسيطرة أزلام النظام على الاقتصاد بالكامل وابتزازهم لرجال الأعمال والمستثمرين مما أدى إلى هروبهم وتراجع الإنتاج ولا سيما في العقود الأخيرة من حكم بشار الأسد الهارب.

بعد انطلاق الثورة السورية أقفل المعرض أبوابه من 2011 – 2016 بسبب تدهور الوضع الأمني واحتدام المعارك بين النظام وحلفائه من جهة والمعارضة المسلحة من جهة أخرى ولا سيما في مدن وقرى محافظة ريف دمشق الثائرة والقريبة من مكان المعرض. وكانت الدورة 61 للمعرض في عام 2019 الأخيرة في عهد النظام البائد وتحولت هي وسابقاتها كما كل الفعاليات الثقافية والسياسية والفنية والسياحية إلى ساحة للتشبيح ومساندة النظام والدفاع عن جرائمه عبر الغناء والمسرح والفعاليات المتنوعة وإلى زيارات وفود من جرحى جيش النظام والحلفاء الروس والإيرانيين والميليشيات الطائفية من لبنان والعراق.

أعلن المعرض في ختام فعالياته قبل أيام عودة سورية إلى الساحة الاقتصادية واستعادة الدور التاريخي لها في التجارة الإقليمية الدولية، وسط تساؤلات مطروحة بجدّية حول ما إذا كان هذا الزخم وهذا الإقبال الكبير عليه سيتحول إلى خطوات عملية جدية لإعادة الإعمار والتنمية وتحقيق الاستقرار والسلم الأهلي، في بلد خرج للتو من حرب مدمرة، وشعبه ما يزال يعيش تحت وطأة الفقر والانقسامات، ويحلم بدولة المواطنة والقانون والمساواة للجميع وبفتح نوافذ المستقبل أمام سورية والسوريين ليصدح من جديد صوت السيدة فيروز عاليًا في أرجاء المعرض وأرجاء الشام: “وعليكِ عيني يا دمشق، فمنكِ ينهمر الصباح/ يا شام، يا بوابة التاريخ، تحرسكِ الرماح”.

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى