تحقيقاتسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

محافظة دمشق “القابضة”: “عاصمة الأسد” التي وجدها رجال الشرع!/ عمّار المأمون – فراس دالاتي

02.10.2025

نقرأ في هذا التحقيق عن تاريخ شركة “دمشق- الشام القابضة” والمرسوم 66 الذي أصدره بشار الأسد عام 2012، عبر وثائق حصرية حصلنا عليها في “درج ميديا” بعد سقوط النظام من وسيط بين المحافظة والشركة. تكشف الوثائق خطة بشار الأسد لتطوير العاصمة دمشق وريفها، وتشير مقارنة هذه الوثائق مع الاستثمارات التي أعلنتها السلطة الانتقالية الجديدة، الى غموض مفهوم “إعادة الإعمار” الذي تحتاجه سوريا الآن بشدة.

في نهاية شهر أيلول/ سبتمبر عام 2025، تجمع أعضاء “رابطة يسقط المرسوم 66 الظالم”، احتجاجاً على المرسوم الذي أصدره الأسد عام 2012، وطالبوا باستعادة أراضيهم التي استملكتها محافظة دمشق، وشركة “دمشق- الشام القابضة” في منطقة “خلف الرازي” بحي المزة غرب دمشق. الاحتجاج أخذ منحى رمزياً، إذ تخلل هتاف “يا محافظ سماع سماع… أراضينا ما بتنباع” ومحاولات تحطيم حجر أساس “ماروتا سيتي” الموجود أمام مقر الشركة.

ماروتا سيتي واحد من المشاريع “الإشكالية” التي أطلقها نظام الأسد أثناء الثورة السوريّة، عبر استملاك أراضٍ ومساكن عشوائية، و”نقل” سكانها مقابل وعود بسكن بديل ما زال إلى الآن مصيره مجهولاً. وبعد سقوط النظام، استبشر ملّاك الأراضي والبيوت في المنطقة بأن حقهم سيعود!

لكن، المفاجأة التي أثارت حنق ملاك أراضي المنطقة، كانت ظهور مخطط ماروتا سيتي في “منتدى الاستثمار السوري-السعودي 2025″، وعرضه أمام المستثمرين. يومها أثارت مساحات ومشاريع مطروحة كثيرة جدلاً، كون بعضها ينتمي الى مشاريع سبق لنظام الأسد أن وضع خططها. وحين سألنا الرابطة عن ظهور مخطط ماروتا سيتي في منتدى الاستثمار قالوا :”يبدو أن بعض المستثمرين لا يعلمون أن هذه الأراضي تعود الى عائلات هُجّرت قسرًا، ولم تُعالج قضيتهم حتى الآن”. وأضافت الرابطة: “المشاريع أصبحت في عهدة اللجنة الاقتصادية التابعة لرئاسة الجمهورية”.

منذ سقوط النظام وقّعت الحكومة السورية المؤقتة، مُذكرات تفاهم وعقود استثمار قيمتها مليارات الدولارات، الكثير منها في العاصمة دمشق، والسؤال: هل نحن أمام مشاريع إعادة إعمار أم استثمارات ربحيّة؟ وهل تتبنى الحكومة المؤقتة مشاريع “دمشق-الشام القابضة”؟

ما بعد عشوائيات دمشق: حلم الأسد بمدينة فاخرة

بدأ مشروع المخطط التنظيمي لمدينة دمشق عام 2006 للحد من انتشار العشوائيات، وظهر اسم شركة “تيركون” الألمانيّة بوصفها من قام بدراسة المخطط العام لمدينة دمشق وتطويره. قدمت تيركون  بإدارة مازن عظمة حسب حسابه على لينكد إن، مخططاً لإعداد “الدراسات التخطيطية والتنظيمية التفصيلية لمناطق التوسع والمخالفات الجماعية والتطوير في محافظة دمشق” ، وتم اختيار 18 موقعاً، كما في الخريطة أدناه.

ملامح وخطط تطوير مدينة دمشق، التي بدأها نظام الأسد قبل اندلاع الثورة في سوريا، بدأ تنفيذها بصورة أكثر جديّة مع صدور المرسوم التشريعي رقم 66 في 18/09/2012، الذي ينص على أن يحدث في نطاق محافظة دمشق منطقتان تنظيميتان، الأولى: خلف الرازي-مزة وكفر سوسة أو “ماروتا سيتي”، والثانية “تنظيم جنوبي المتحلق الجنوبي (قنوات-بساتين داريا -قدم). لتنفيذ هذا “المشروع”، صدر المرسوم التشريعي رقم 19 عام 2015، القاضي بموجب قرار من وزير الإدارة المحلية، بإحداث “شركة سوريا قابضة مساهمة مغفلة”، هذه الشركة هي “دمشق الشام القابضة”، التي تأسست عام 2017 ورئيس مجلس إدارتها محافظ دمشق، بشر الصبان، وعادل العلبي نائباً له، وكلاهما خاضع للعقوبات  الأوروبيّة.

تواصلنا مع مازن عظمة الذي أكّد أن دور “تيركون” كان “الإشراف فقط” على المخطط، وأن “الشركة أنهت عقدها في 2012/12/31 بسبب الأحداث في سوريا، وليس لدينا أي علم بتوجهات المحافظة في موضوع البناء أو الهدم أو الترحيل، عندما أوقفت تيركون أعمالها كان العمل بالمخطط التنظيمي قد توقف، ولم يتم استلام المرحلة الثالثة من المخطط”، ويضيف عظمة :”قامت المحافظة في ما بعد بنفسها ومن دون إشرافنا… بإضافة مناطق جديدة لهذا المخطط، ورفع عامل الاستثمار بشكل كبير،  ما أدى إلى تخريب المخطط وجعله غير قابل للتنفيذ على رغم كل عمليات المكياج” .

مخطط دمشق الجديد و”محيطها الحيويّ” كُلّفت بهما “شركة خطيب وعلمي أوف شور” عام 2008 بالتعاقد مع محافظة دمشق، الشركة ذاتها التي زارت دمشق في ظل الحكومة المؤقتة في أيار/ مايو الماضي. وأبدى نجيب الخطيب، الرئيس التنفيذي للشركة ورئيس مجلس إدارتها: “استعداد الشركة لدعم جهود المحافظة، وتقديم رؤى وخطط تنفيذية متقدّمة من شأنها إحداث أثر تنموي ملموس”. تواصلنا مع “شركة خطيب وعلمي أوف شور” فأحالتنا إلى محافظة دمشق للتواصل معها بخصوص العقود السابقة!

التخطيط لدمشق والخلاص من العشوائيات، يُشرح سببه في أحد البنود في عرض المشروع في المحافظة في عهد الأسد، إذ نقرأ مثلاً أن منطقة خلف الرازي “بؤرة لعيش المتطفلين تسبب مشاكل اجتماعية كبيرة، مع حدوث عدد كبير من الجرائم بها”، وأيضًا “تشكل تشوهاً بصرياً وعمرانياً لمدينة دمشق، على رغم موقعها المميز وقربها من مركز المدينة”.

لاحقاً، مع صدور المرسوم 66،  حُددت ملكية الأرض ومن عليها، وقسّمت المنطقة بين: ملاك المنازل والأراضي، بالإضافة إلى ملّاك آخرين، وحسب إخراج قيد بالحصص السهمية الملّاك الآخرون همّ: “الجمهورية العربية السورية، أمانة العاصمة، ومحافظة دمشق”، وقد بلغ عدد المقاسم التابعة للمحافظة حينها 76 مقسماً غالبيتها سكنيّة.

أما السكن المؤقت لأصحاب المنازل والأراضي، فهو حسب “دمشق الشام القابضة” متاح لنحو 5500 عائلة من سكان ماروتا سيتي، وضمن باسيليا سيتي يستحقه نحو 20 ألف عائلة و 3700 عائلة ضمن منطقتين في المدينة ذاتها، التي كان من المفترض أن ينتهي مخطط إخلائها حسب المناطق عام 2019.

تنفيذ “المشاريع” تم عبر إشراف شركة دمشق- الشام القابضة على شركات أصغر عدة (في الجدول أدناه)، وهي تمتلك أيضاً حصصاً في الأراضي، بعضها رفعت عنها العقوبات عام 2020 لأنها “أوقفت سلوكها الخاضع للعقاب”.

عُرضت بعض المساحات على المخطط للاستثمارات الخارجيّة، وضمن مراسلات “دمشق -الشام القابضة” نقرأ عن دراسة واتفاق لتخصيص عقارات لصالح مؤسسة الآغا خان، وهي “مركز ثقافي، مدارس تعليم أساسي وثانوي، مركز صحي، مساحة خضراء، إسكان”. تواصلنا مع مؤسسة الآغا خان، لمعرفة مصير هذه المشاريع التي تتجاوز قيمتها الـ35 مليون دولار، فردت  المؤسسة مؤكدة أنه “لم تُحوَّل أي أموال، لأنه لم يتم إبرام أي اتفاق مع محافظة دمشق، ولم تشارك مؤسسة الآغا خان في أي مشروع في ماروتا سيتي سواء قبل فرض العقوبات أو بعدها، ولا نملك أي استثمار في مشروع ماروتا سيتي، ولا توجد لدينا أي خطط للاستثمار فيه”.

دمشق الإيرانو-روسيّة: والشك في”مذكرات التفاهم”!

خرج الكثير من مساحة سوريا من تحت سيطرة بشار الأسد بحلول عام 2017، وأصبح “سيداً” على “سوريا المفيدة”، التعبير الذي أطلقه الأسد بداية عام 2016 على المناطق التي يسيطر عليها، والتي تُستثنى منها المنطقة الشرقية والسويداء وإدلب، وأصبح لقب بشار الأسد حينها “مختار حي المهاجرين” في سخرية من تضاؤل مساحة سيطرته واقتصارها على دمشق، التي تحولت إلى مرتع للميليشيات الإيرانية وميليشيا حزب الله، ومقرات قيادتها المتنوعة، وفي الوقت ذاته، كانت الهيمنة الروسية حاضرة.

وثائق من محافظة دمشق حصل عليها “درج” تكشف أن المحافظة وقّعت نهاية عام 2017 “اتفاقية تعاون “مع “محافظة خراسان الرضوية” ممهورة بتوقيع بشر الصبان، وتكليف محمد زهير العقاد المقيم في إيران، ومالك شركة “ساران التجارية الإيرانيّة” لتسهيل التعاون مع دمشق الشام القابضة. كذلك تم التجهيز لتوقيع مذكرة تفاهم مع شركة “خاتم الأنبياء” الإيرانية التابعة للحرس الثوري. ووقع أيضاً محافظ دمشق  ومدير شركة دمشق- الشام القابضة عام 2018، مذكرة تفاهم مع شركة “CJSC” الروسيّة بهدف تطوير المواصلات وإقامة “مترو خفيف” ومشروع معالجة النفايات الصلبة

اللافت هو انتقاد شركة  دمشق-الشام القابضة في العام ذاته مذكرة التفاهم الإيرانية، في رسالة موجهة إلى رئاسة مجلس الوزراء، إذ وصُفت المذكرة بأنها “لا ترقى إلى اتفاق بين حكومتين” ومشاريعها لا تتجاوز “التنمية المحليّة”. المفارقة أننا أمام مؤسستين في ظل الأسد، إحداهما تنتقد الأخرى بخصوص “جديّة” مذكرات التفاهم الموقعة مع الحليف الإيراني، بوصفها لا تحوي قيمة اقتصادية قادرة على “إعادة الإعمار” أو حتى “الاستثمار”، بل تركّز على مفهوم التنمية المحليّة. وجاء في الرسالة توصية بألا “داعي لإحداث هيئة ماليّة، على شكل صندوق يدعى (الصندوق المشترك السوري – الإيراني لتنمية المشروعات)”.

الشك حول جديّة مذكرات التفاهم، والانتقادات التي تواجهها استمر حتى بعد سقوط النظام، وتولّي الإدارة الجديدة مقاليد الحكم في دمشق، وبقيت التكهنات قائمة حول جديتها إلى أن نشرت صحيفة المدن اللبنانية، تسريباً، لم يُنشر بصورة رسميّة، عن مصدر مجهول مفاده: “أن الرئاسة السورية أصدرت توجيهاً إلى جميع الوزارات، لمراجعة مذكرات التفاهم الموقعة مع الشركات المحلية والدولية، وتقييم مدى جدّيتها وتقدّمها على أرض الواقع. وأضاف المصدر لـ”المدن”: “التوجيه ينص على اعتبار أيّة مذكرة لم تُترجم إلى خطوات تنفيذية فعلية حتى يوم السبت 13 أيلول/ سبتمبر 2025، لاغيةً حكماً، ولن يترتب عليها أيّ التزام مستقبلي من الدولة”.

“نظام الأسد” واللعب مع العقوبات

عام 2019، وجّه قيس محمد خضر، الأمين العام لمجلس الوزراء في سوريا في زمن الأسد، كتاباً إلى وزير الإدارة المحلية والبيئة، ووزير الأشغال العامة والإسكان ومحافظة دمشق، الكتاب يحوي مقترحات “لتجنيب مشاريع إعادة الإعمار في البلد الأضرار الناتجة من قرار العقوبات الصادر عن الاتحاد الأوروبي، والذي شمل الشركات العقارية التي أبرمت اتفاقيات مع شركة دمشق الشام القابضة في مدينة ماروتا سيتي”.

التوصيات التي اقترحها الكتاب مصدرها “منظمة المبادرة الخضراء للتنمية”، التي يرأسها المهندس محمد ديب، والذي تحضر مبادراته مع وزارة الزراعة السورية في ويكيليكس عام 2011. يشير الكتاب إلى أسلوب لـتفادي العقوبات الدوليّة، عبر “اعتماد المعايير الخضراء في تنفيذ المشاريع”، بالتالي “تصنيفها كمشاريع خضراء”، لكن التوصية الأكثر مفارقة هي: “الابتعاد عن الترويج لهذه المشاريع على أنها مشاريع استثمارية، والترويج على أنها مشاريع إعادة إعمار ومشاريع تنمويّة”.

التوصيات تهدف الى الاستفادة من ثغرة قانونية، إذ تُستثنى المشاريع “الخضراء” من العقوبات الأوروبية والأميركيّة التي تستهدف المستثمرين في مشروع ماروتا سيتي الموصوف في نص العقوبات كـ”أكبر مشروع استثماري في سوريا”، وحسب وصف عقوبات الخزانة الأميركيّة، تستهدف العقوبات “أفراد ومؤسسات تسعى الى الربح من التهجير الكبير للمدنيين السوريين”.

سعت محافظة دمشق وشركة “دمشق-الشام القابضة” الى تفادي العقوبات ومحاولة رفعها زمن الأسد، وحسب مسودة رسالة موجهة من “دمشق الشام القابضة” إلى المفوضية الأوروبية في دمشق عام 2019 بعنوان “توضيح بخصوص شركة دمشق- الشام القابضة ومشروع ماروتا ستي”، نقرأ نفياً قاطعاً لادعاء “أن شركة دمشق الشام القابضة من الشركات المدعومة من النظام”، و”وجود عقارات (في مشروع ماروتا ستي) مصادرة” و “المساهمة في المال العام بسوريا”.

حجة النفي حسب مسودة الرسالة، أن الأموال والعقارات “تملكها محافظة دمشق، وأموال المحافظة ليست من أموال الخزينة العامة أو الدولة، بل هي أموال أهالي مدينة دمشق”، و”لا يوجد أي دعم مباشر أو غير مباشر من الحكومة السورية للشركة”.

الهوس بـأبراج “عاصمة بني أمية”

لا نعلم بدقة عدد العروض الاستثمارية والشراكات التي أبرمتها المحافظة وشركة دمشق- الشام القابضة في عهد الأسد، لكن العروض التقدميّة تكشف عن مشاريع متعددة في مدينة دمشق، مثلأً “مشروع نادي محافظة دمشق الرياضي والثقافي والاجتماعي” في كفرسوسة، ومشروع شركة النقل في العاصمة دمشق، وتطوير طرق المواصلات،  بالإضافة الى مشاريع في العاصمة تشمل مرائب سيارات تحت الحدائق ومراكز للترفيه والتسلية وأبنية طابقية.

بعد سقوط الأسد، وانفتاح سوريا على الاستثمارات وتوقيع “مذكرات التفاهم” المثيرة للجدل، بدأت تتسرب مخططات المشاريع في ظل الحكومة المؤقتة، نظراً الى أنه لا توجد منشورات رسميّة عن تفاصيل هذه “المذكرات” و”الاستثمارات”، وأبرزها ما عُرض في “منتدى الاستثمار السوري-السعودي 2025” الذي أقيم في دمشق، والذي وُقعت فيه اتفاقيات تصل قيمتها إلى نحو 6.5 مليار دولار!

واحد من المشاريع المقترحة في المؤتمر السابق، هو مشروع “العدوي السياحي الترفيهي-السكني” الذي “يُقدَّر بنحو 600 مليون دولار، ويهدف إلى إنشاء متنزه وطني ضخم ومرافق متكاملة تواكب أعلى المعايير العالمية في السياحة والخدمات”، كما نشرت الإخبارية السورية تفاصيل عنه بوصفه  “متنزَّهاً وطنياً بمقاييس عالمية”، وقالت إن الإعلان عنه تم ضمن المنتدى الاقتصادي السعودي كما يتضح من البروشورات التي وُزّعت على المستثمرين.

المفارقة أن هذا المشروع هو نسخة عن آخر في المكان ذاته باسم “البارك الشرقي”، طوّرته شركة “دمشق الشام القابضة” سنة 2017؛ المشروع كان معلّقاً لعدّة أسباب مالية وقانونية، لعلّ أبرزها هو قيام جزء كبير منه، على أراضٍ استملكها حافظ الأسد في منطقة بساتين أبو جرش. الأمر الذي لم تُذكر تفاصيله حين عُرض المشروع الجديد، ولا نعلم إن تمّ إعلام المستثمرين و الأهالي والملّاك الأصليين بطبيعة هذه المشكلة القانونية، أو هل سيتمّ حلّ أزمة الاستملاك القديم!

الهوس بإعمار العاصمة دمشق التي لم تتعرّض للتدمير منذ عهد الأسد إلى عهد الحكومة المؤقّتة، يتجلّى عبر مشاريع استثمارية جديدة تحيط بساحة الأمويين مثلاً، بعضها يجاور مشاريع سابقة اقترحتها “دمشق الشام القابضة” كـمشروع خلف الجمارك (ديار دمشق).

موقع مشروع ديار دمشق- دمشق الشام القابضة- عرض تقدمي

مشروع “ديار دمشق” كان مخطّطاً منذ العام 2008 حيث ستقيم شركة “الديار” القطرية مجمّعاً سكنياً- تجارياً- ترفيهياً يمتدّ على مساحة إجمالية تزيد عن 490 دونماً في منطقة الجمارك. لكن بعد ثلاثة أشهر من اندلاع الثورة السورية في عام 2011 وحسم قطر موقفها من نظام الأسد، أعلنت الشركة وقف العمل في المشروع وتجميده.

بقي المشروع على حاله حتى العام 2017، ثم بدأت المحادثات المبكرة بين النظام السوري وشركة “داماك”، عملاقة العقارات الإماراتية، لكنّ إصدار قانون قيصر في عام 2019، جعل “داماك” تعدل عن ذلك على اعتبار أن حجم المخاطرة يفوق المكاسب.  يفيد مصدر مطّلع على واقع الاستثمار في سوريا الآن  لـ”درج”،  بأن المشروع “أُعيد طرحُه على الديار القطرية، على أن تُجرى دراسات الجدوى والدراسات الهندسية خلال الأشهر المقبلة قبل أن يحظى به المستثمر النهائي”.

الرغبة في إعمار دمشق بناطحات سحاب، لم تتغيّر حتى بعد سقوط النظام،  فمثلاً، في الملفّ الذي تقدّم فيه “دمشق- الشام القابضة” مشاريعها في عهد الأسد، هناك المقسّم رقم 50، وفيه مقترح لبناء برج يحوي “أبنية تجارية ومرأب سيّارات، ومطاعم وأماكن للترفيه” بجانب برج دمشق، المفارقة أن مكان إقامة المشروع يقع في مواجهة موقع  برج الجوهرة الذي دشّنته وزارة الاستثمار السعودية في دمشق، إذ نشاهد في فيديو شاركه موسى العمر، عرّاب المشروع، المكان الذي وُضع فيه حجر الأساس، وهو على الشارع المقابل!

(موقع بناء طابقي من عهد نظام الأسد- دمشق الشام القابضة-عرض تقدمي)

اللافت في البرجين السابقين، هو اختيار المنطقة، فنحن أمام تقاطع طرق وأبنية قديمة وفنادق، ضمن العاصمة التي لم تتعرّض لقصف ذي دمار واضح إلا مؤخّراً، وهنا مفارقة أخرى، إذ نرى أيضاً مشروع “ديوان دمشق” الذي يُظهر المخطّط في البروشور مكان امتداده، ويشمل وزارة الدفاع التي قصفتها إسرائيل حين استهدفت العاصمة دمشق.

أين/ متى إعادة الإعمار؟

الكثير من الانتقادات وُجّهت إلى المشاريع الاستثمارية الموعودة بها سوريا إلى حدّ وصفها بـ”الوهمية”، ومفارقات تشابهها مع مشاريع الأسد في دمشق ليس من السهل تجاوزها، وربما أبرز الانتقادات والغضب الشعبي تجاه هذه المشاريع بعد سقوط الأسد، هو “ماروتا سيتي”، إذ عرضت “المدينة” للاستثمار في المؤتمر السوري السعودي، ونُشر  مخطّط “ماروتا سيتي” ذاته أمام المستثمرين السعوديين.

كلمة مستثمرين هنا هي التي أثارت الجدل، خصوصاً ملّاك الأراضي في “ماروتا سيتي”، إذ لا ملامح أو خطّة واضحة لإعادة الإعمار، أو السكن البديل، بل مشاريع استثمارية  تسعى للربح، ما أدّى إلى  تصاعد أصوات السوريين المحتجّين على المرسوم 66، وتأسّست رابطة “يسقط المرسوم 66 الظالم“، التي تطالب مثلاً بـ”إلغاء الاستيلاء على 83% من الحصص الاستثمارية، وإعادة توزيعها بعدالة وفق القيمة الحقيقية ومعايير البناء الطابقي”، هذا الاستيلاء كما أشرنا أعلاه تابع لـ “الجمهورية العربية السورية، أمانة العاصمة، محافظة دمشق”.

تقول الرابطة أيضاً إن “إلغاء المرسوم لا يعني إلغاء المشاريع العمرانية القائمة، بل يعني رفع الغطاء القانوني المزيّف عن الجريمة وعن مرتكبيها، تمهيداً لإعادة تنظيم هذه المشاريع وفق أسس عادلة، وبما يضمن حقوق جميع أصحاب الأرض الأصليين، بعد تصحيح التوصيف القانوني، وإدماج المتضرّرين في صياغة الحلّ، ضمن رؤية وطنية منسجمة مع مبادئ العدالة الانتقالية واسترداد الحقوق”.

مع تزايد الاحتجاجات على المرسوم 66، أصدرت محافظة دمشق بياناً أكّدت فيه “تجميد الأعمال في باسيليا سيتي”، وأن جميع الملاحظات “محلّ اهتمام ورعاية وتتابع باستمرار لضمان الاستجابة لها بما يحقّق العدالة والإنصاف، ولو على حساب محافظة دمشق”، وتشكيل لجنة مختصّة لمتابعتها.

توجّهنا بالأسئلة إلى عدد من أعضاء رابطة “يسقط المرسوم 66 الظالم” بالأسئلة بعد الإعلان عن طرح “المدينة” أمام المستثمرين السعوديين، وسألناهم عن موقفهم المتصاعد ضدّ ما يحصل، فأجابوا “بحسب ما وصلنا، لم تأتِ الشركات السعودية بمشاريعها الخاصّة، بل وُضعت أمامها مشاريع جاهزة أعدّتها محافظة دمشق مسبقاً على المخطّطات، وقُدّمت مباشرة كفرص للبيع أو الاستثمار. ولم يُفتح أي نقاش جادّ حول ملكية الأرض أو حقوق أصحابها الأصليين. ويبدو أن بعض المستثمرين لا يعلمون أن هذه الأراضي تعود لعائلات هُجّرت قسراً، ولم تُعالج قضيّتهم حتى الآن”.

وأضافوا أن “المالك الأصلي مستبعد تماماً، ما يجعل هذه المشاريع تُقام على أراضٍ ما زالت حقوق أصحابها معلّقة. ونحن أصلاً نطالب بأن يتمّ التعاقد بين أصحاب الأرض والمستثمر بطريقة مباشرة، ولا نحتاج إلى شركة “دمشق الشام القابضة” لتكون شريكاً في تطوير أراضينا، ونهب 83% منها بحجّة تغطية المصاريف وتمويل البنية التحتية”.

اللافت في ردّ الرابطة هو الإشارة إلى أن  تفاصيل العقود لم تُعرض رسمياً على الملّاك الأصليين، ولم تتمّ استشارهم بشأنها. ويقول المتحدّث باسم الرابطة: “ما وصلنا يشير إلى أن العقود تقوم على حصول محافظة دمشق أو شركة “دمشق الشام القابضة” على نحو 60% من عوائد الاستثمار، مقابل 40% للمستثمر، في المقاسم المنقولة إلى ملكية المحافظة”.

أما المقاسم التي تمّت مصادرتها من رجالات النظام السابق، والتي يبلغ عددها أكثر من 35 فتقول الرابطة: “طالبنا بالحصول على السكن البديل المجاني ضمن الأبراج والمقاسم التي تمّت مصادرتها… وجاء الردّ بالرفض، بحجّة أن هذه المقاسم أصبحت في عهدة اللجنة الاقتصادية التابعة لرئاسة الجمهورية. ونتيجة لذلك، تمّ إبلاغنا بأن مطلبنا المتعلّق بالسكن البديل المجّاني المخصّص لأهالي بساتين المزّة وكفرسوسة لن يُنفّذ في مشروع ماروتا سيتي، بل سيبقى في مشروع باسيليا سيتي وبالتقسيط الميسّر، بما يعني استمرار حرمان الأهالي من حقّهم المشروع في أرضهم الأصلية والتعويض العادل، وإبعادهم قسراً عن مناطقهم”.

المقصود باللجنة الاقتصادية التابعة لرئاسة الجمهورية، هي اللجنة التي يترأسها حازم الشرع، شقيق الرئيس السوري، وإلى جانبه جهاديون سابقون منهم أبو مريم الأسترالي (إبراهيم سكرية) وأبو عبد الرحمن زربة (عمر قديد)، والمعنيّة بإعادة هيكلة الاقتصاد السوري بعيداً عن المساءلة قانونية ضمن العدالة الانتقالية،  وعقد صفقات و”تسويات” مع رجال أعمال كانوا على علاقة مع النظام السوري.

 نشاط اللجنة سرّي وغير معلن، التهم التي ردّ عليها لاحقاً ممثّل من الحكومة السورية رفض التصريح عن اسمه، بأن ما تقوم به الحكومة الانتقالية “جهد ضروري لاستقرار بلد مدمّر تحت ضغط هائل”، وأضاف أن “الدولة ملتزمة باستعادة ما تمتلكه، لكنّها أيضاً حريصة على تفادي خلخلة اقتصادية غير ضرورية… الهدف هو ليس تفكيك الأعمال، بل السماح لهم بالعمل، والإبقاء على الموظّفين في أماكنهم، ودعم الاقتصاد”.

نرى دمشق المستقبلية اليوم من خلال “بروشورات” وعروض “باور بوينت” تحوي ناطحات سحاب ومدناً رياضية وملاعب غولف تُعيد رسم أفق المدينة، في وقت ما زال فيه الريف القريب مثل داريا والزبداني والعسالي والقابون والتضامن وجوبر مدمّراً، والعظام تفيض من المقابر الجماعيّة هناك، وربما، قد يطلّ واحد من الأبراج في دمشق على إحدى هذه المناطق، ومن أعلى البرج، يمكن رصد أشباح من ما زالوا تحت التراب، أو أحبائهم الذين يجمعون رفاتهم عظماً عظماً علّهم يعيدون تشكيل أجساد من فقدوا.

هامش: حاولنا التواصل مع محافظة دمشق عدّة مرّات، وفي كلّ مرّة كان يتمّ تأجيل الردّ بلطف، كما تواصلنا مع وزارة الاستثمار السعودية ولم يصلنا ردّ حتى لحظة نشر هذا التحقيق.

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى