التدخل الاسرائيلي السافر في سورياتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

متابعة حثيثة للحرب على ايران وتأثير ذلك على الاوضاع في سورية -مقالات وتحليلات مختارة- تحديث 22 نيسان 2026

تابع الملف في الروابط التالية

متابعة حثيثة للحرب على ايران وتأثير ذلك على الاوضاع في سورية -مقالات وتحليلات مختارة- تحديث 15 نيسان2026

متابعة حثيثة للحرب على ايران وتأثير ذلك على الاوضاع في سورية مقالات وتحليلات مختارة تحديث 08 نيسان2026

متابعة حثيثة للحرب على ايران وتأثير ذلك على الاوضاع في سورية -مقالات وتحليلات مختارة- تحديث 31 أذار 2026

متابعة حثيثة للحرب على ايران وتأثير ذلك على الاوضاع في سورية -مقالات وتحليلات مختارة- تحديث 19 أذار 2026

متابعة حثيثة للحرب على ايران وتأثير ذلك على الاوضاع في سورية -مقالات وتحليلات مختارة

تحديث 22 نيسان 2026

صراع الجبابرة: حرب البراغماتية الفظّة مع الأيديولوجيا الشرسة/ موفق نيربية

بعد مفاوضات أوّليّة لاهثة لـ21 ساعة متواصلة في إسلام أباد، خرج جي دي فانس ليعطي انطباعاً متشائماً بمستقبل السلام، ما أغضب الإيرانيين الذين قالوا عكس ذلك. بعد ذلك بأقل من يومين صرّح فانس نفسه، بأن المفاوضات كانت منتجة نسبياً، بعد أن قالت رويترز أيضاً، إن نسبة عالية من الخلافات قد تمّت تسويتها. يمثّل ذلك التعارض صراع عقليّتين حول مفهوم التفاوض في كلّ من إدارة ترامب، وإدارة الملالي مع الحرس الثوري.

كان دونالد ترامب صاحب برنامج تلفزيوني اسمه «المتدرّب». يدرِّب فيه رجال الأعمال الجدد، ويدفعهم إلى إتقان التنافس. وهو بدوره، في حياته العقارية والسياسية، كان قد خضع لتدريب ودروس من محامٍ نيويوركي اسمه روي كوهن. كان هذا في خمسينيات القرن العشرين أقرب مساعد للسيناتور مكارثي، صاحب الملاحقات والتحقيقات سيّئة الصيت في إرهاب النخب الفنية والثقافية والسياسية الليبرالية/اليسارية الأمريكية. تعرّف في ما بعد على ترامب الشاب وابتدأت بينهما مسيرة طويلة حتى منتصف الثمانينيات، عند وفاته. وقد اشتهرت تلك القواعد الستّ في» إدارة المواقف والأشخاص والسيطرة عليهم»، وشكّلت قلب نظريّته «التربوية» التي نقلها إلى متدرّبه:

أولّها كان ألّا يعتذر ولا يعترف بالخطأ إطلاقاً، وأن «حَذارِ من الندم». وثانيها أن يهاجم دائماً، وبقوة أكبر من هجوم الخصم، مع التصعيد اللجوج لإدارة المواقف والأشخاص والسيطرة عليهم. وثالثها اعتبار النظام القانوني سلاحاً فعّالاً في الخصومة لا ملاذاً لتحقيق العدالة، وقد دخل ترامب بالفعل في أكثر من 3500 دعوى قضائية في حياته العملية. وكان رابعها التلاعب بوسائل الإعلام بلا هوادة، ومن ذلك رشّ الاتّهامات الجريئة، لأنّها كثيراً ما لا تُدحض، وقد استخدم ترامب هذا الأسلوب في معاركه أيام ما قبل وسائل التواصل الاجتماعي واستمرّ. خامسها استخدام الترهيب والتخويف كدرع وكسيف، وقد ابتدأ ترامب قديماً واستمرّ حديثاً في استخدام اليسار والشيوعية كفزّاعة، وأبدع لاحقاً باستخدام المهاجرين والمسلمين والجريمة والمخدّرات لذلك الهدف، ومن «الدولة العميقة» كما يفعل الشعبويون عادةً. بالطبع يمكن إضافة المبالغة دائماً سلباً وإيجاباً، خصوصاً عندما تكون الحقيقة شيئاً مختلفاً تماماً. كذلك دغدغة ميول المستَهدَف وطبيعته الخاصة، أو تضخيم وتصنيع الأخطار المحدقة به وتيئيسه من إمكانية النهوض من حفرته، وتهوين المصائب أو تلوينها، إلخ، مع خصائص أخرى في سمات المقاولة والمناورات، أو التلاعبات التي تحدث أثناءها، ويمكن نقلها مباشرة إلى عالم إدارة السياسات.

البراغماتية ليست سيّئة بشكل مطلق في حالتها العادية، لكنها تنحدر أحياناً إلى «تبرير كلّ ما يُجدي منفعةً» أو إلى مسعى متوحّش وراء السلطة والمردود. وفي حين أن الأيديولوجيا أساساً نسق من المفاهيم والأفكار، يحتوي على تفسير للعالم وتصوّر للمستقبل، لكنّه غالباً ما يُستخدم بذاته لتبرير وترتيب برامج وتصوّرات لتحقيق ذاك التصوّر، ويبالغ أصحابه في وسائلهم بغية النجاح في الحفاظ على السلطة/القوة أو الوصول إليها. فهي إذن على قرابة بالبراغماتية من ذلك المدخل العملي، تبلغ مبلغاً أسمى وأخطر حين تأتي من جهة العقيدة أو الدين.

في إيران ونظام الملالي فيها يحدث ذلك، وبشراسة وعنف:

فمن يستطيع التمييز ما بين سياسات الهيمنة القوميّة، التي صبغت عهد الشاه مثلاً (ومفهوم شرطي المنطقة!)، وتلك التي تَخَلّقت تماماً خلال عامين من انتصار الثورة الإسلامية، التي وعدت بحكم الشعب وبالحرية والحريات عام 1979، ومالت تدريجياً إلى جعل الحاكم المطلق نائباً عن الإمام الغائب المعصوم، قائد الأمة الإسلامية ومدبّر شؤونها. وباعتبار كون الراحل حسن نصرالله أبرز ممثّل لذلك النظام ومعبّرٍ عنه من ناحية السياسة الإقليمية، يمكن الاستشهاد بما باعترافاته الفخورة، حين كان يصف نفسه كفرد في ولاية الفقيه، أو جنديٍّ في صفوف قوّاتها. نُقل عنه أن الهدف الأسمى أن يسود ذلك النظام في كل ديار الإسلام، وأنّ نظام الولى الفقيه يسمو على الدستور (اللبناني هنا)، مثلما أن دولته هي «دولة القانون» ولا غضاضة، تزايد ذلك الميل إلى التعبير ذاته في العقد الثاني من هذا القرن، حين أصبح الحفاظ على نظام الأسد الهمّ الأوّل لحكومة المرشد الأعلى والحرس الثوري وحزب الله.

أصبح التمدّد الخارجي وبناء «محور المقاومة» في العراق وسوريا ولبنان وغزة واليمن، وتعزيزه بتوسّعات جديدة تبدأ بالتفجّرات والتفجيرات سياسة أكثر وضوحاً مع الزمن، تعبر الجسر من الأيديولوجيا الثورية؛ التي لا تتطوّر صناعتها إلّا بالتصدير؛ إلى براغماتية نزعة الهيمنة بسهولة، ومن دون تردّد.

دفع ذلك التوجّه بالكثير من أهل المنطقة إلى الاتجاه الآخر، الذي لم يدخلوه عبر التاريخ الحديث. فلم يعد مستهجناً، بالدرجة نفسها على الأقل، أن يضعف ولو نسبياً ذلك الصوت العربي المدافع عادة وأصولاً عن أهل غزّة تحت الضربات النارية المدمّرة لإسرائيل؛ والصوت اللبناني، ومعه العربي أيضاً، أمام تدمير الجيش الإسرائيلي للبنان في طريقه، وهو يضرب حزب الله، ذلك الحزب الذي يحتاج البلد والدولة بشكل مصيري إلى نزع سلاحه «المقاوم»، لذلك ليس من السهولة تلمّس ردود الفعل الملتبسة وشدّتها في المنطقة حالياً، حيث يتحارب بالشراسة التي رأيناها تحالف البراغماتية الأمريكية مع الأيديولجيا الإيرانية التي تتفتّح براغماتيّتها المتفهّمة لسياسات عدوّها، ويواجه الشرق الأوسط مصيراً مجهولاً تختلط فيه آلام ولادة مسخ جديد غير محدّد الملامح بعد.

قد تساهم «مخرجات السلام» القادم حين تتبلور، في إبراز بعض هذه الملامح بشكل أوّلي، لكنّ هذا لا يمنع هنا استنطاق الصورة القائمة وهي ما تزال مجهولة عملياً. يعتمد الأمر على ما يمكن أنه أصبح أقرب إلى النتائج الفعلية، وأهمّها تراجع قوة ونفوذ النظام الإيراني في كلّ المجالات، وتغيير مهم في سياسات دول الخليج، خصوصاً ما يتعلّق بالانتقال من الحالة السلبية في الحقل الدفاعي إلى أخرى إيجابية وواثقة، يكون لها فيها دور مهم لاحق وأساسيّ في الدفاع عن نفسها وفرض احترامها بقوة، على الرغم من المرور بمرحلة انتقالية صعبة أوجبتها عمليات قصف البنية التحتية، وعلى الأخص في مجال الصناعات النفطية، الأمر الذي سوف يدفع بدوره إلى تصليب العزيمة على تنويع أشكال الاقتصاد الوطني وتحويلها، بما يعزّز الميل الموجود أساساً في السعودية والإمارات وغيرهما، بل ربّما يساعد جيداً على تصويب ذلك الميل بناءً على التجربة الكبيرة الراهنة. تلك الثقة بالنفس ربّما تساعد أيضاً على مزج التنمية السياسية والاجتماعية بالاقتصادية، وتكون الرفاهية في العيش أكثر ارتباطاً مع الحداثة الشاملة.

لا بدّ أيضاً أن يتأثّر المسار السياسي للعراق، لتتقدّم قليلاً القوى التي أضعفتها الهيمنة الإيرانية وتتراجع – أيضاً قليلاً- تلك التي دعمتها وزرعت فيها عوامل الغطرسة والضرب بسيف وسمعة غيرها من وراء الحدود. وسيحدث مثل ذلك في اليمن، لو استطاع تجنّب عثراته المستمرة في طريق وحدته ووحدة شعبه، واتفقت قوى الجزيرة العربية الرئيسية على سياسة واحدة توافقية هناك.

ربّما يكون لبنان من أهم الرابحين بين تلك الأطراف بعد خيبته طويلة الأمد، على الرغم من أن انعكاس التراجع الإيراني سوف يأخذ وقته حتى يصل إلى حزب الله وسلاحه، السدّ المانع لاستعادة الدولة ميزاتها الأساسية… يحتاج ذلك أيضاً إلى حكمة اللبنانيين، التي تستطيع إنتاج حتى ما هو أفضل وأكثر حداثة – نسبياً- من اتفاق الطائف. هنا قد يزدوج العاملان: التراجع الإيراني والسلام الإسرائيلي، بمقدار ما يستطيع العرب والعالم أن يفرض من العقلانية على إسرائيل، وذلك ليس سهلاً أبداً.

يبقى المكان الأكثر استعصاءً على رسم الملامح هو سوريا، حيث تفرض تراجيديا التحوّل، الذي حدث في ظروف مختلفة تماماً عام 2024 ومع سماته المتناقضة، تعاملاً دقيقاً واستعادةً لقوة الشعب وقواه. ولن يكون ممكناً توحيد البلاد إلّا باللامركزية المعقولة، ولا «دسترة» الدولة وتحديثها إلّا بفرض تراجع القوى «الرجعية»، من قبل نهضة سياسية وشعبية تظهر بعد ما يشبه انقراضاً أوجده ورعاه استبداد نظام الأسدين المديد، وأعطاه شكله ومضمونه، وتلك مسائل لا يمكن المغامرة بقراءة فنجانها بعد.

كاتب سوري

القدس العربي

—————————-

هل خسرت الولايات المتحدة حربها على إيران؟/ كريستوفر فيليبس

النظام الايراني أثبت قدرته على إلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي عبر توجيه ضربات موجعة إلى حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، وإغلاق مضيق هرمز

آخر تحديث 19 أبريل 2026

للولايات المتحدة تاريخ حافل في الخلط بين الهزائم والانتصارات في الحروب. ففي عام 1973، أعلن الرئيس ريتشارد نيكسون أن إدارته حققت “سلاما مشرفا” لم “يخذل” حلفاء واشنطن في فيتنام الجنوبية، لكن سايغون سقطت بعد عامين فقط. وفي مايو/أيار 2003، أعلن جورج دبليو بوش انتهاء العمليات القتالية الرئيسة في العراق، وأن “حليف القاعدة” لم يعد قائما. غير أن الولايات المتحدة بقيت غارقة في مستنقع عسكري، تحارب تنظيم “القاعدة”، بين تنظيمات أخرى، لثماني سنوات إضافية، ثم عادت مجددا عام 2014 لمحاربة تنظيم “داعش”. وهكذا سار دونالد ترمب على النهج المألوف نفسه حين قال بإصرار: “لقد انتصرنا في هذه الحرب”، حتى قبل وقف إطلاق النار مع إيران في أبريل/نيسان.

وبالطبع، يشتهر ترمب بإصراره على إنجازاته حتى في مواجهة أدلة دامغة تشير إلى عكس ذلك. لكن حتى وفقا لمعاييره هو، يصعب تفسير ما أفضت إليه تلك الحرب على أنه نصر أميركي بأي معنى من المعاني. فعلى الرغم من أن ترمب ظل يبدل أهدافه من الحرب على نحو يكاد يكون يوميا قبل وقف إطلاق النار، فإن معظم هذه الأهداف، بما في ذلك بعض القضايا الرئيسة مثل تغيير النظام الإيراني وإلغاء برنامجه النووي، لم يتحقق حتى الآن. ومع ذلك، انطوت هذه الحرب على تداعيات تجاوزت تلك الأهداف المباشرة. فعلى المدى القصير، خرج ترمب شخصيا، والولايات المتحدة عموما، من الصراع في موقع أضعف. أما على المدى البعيد، وعلى الرغم من أن الصورة لم تتضح بعد، فمن المرجح أن تتعرض مكانة واشنطن الاستراتيجية، إقليميا وعالميا، لأضرار جسيمة.

الانتكاسات قصيرة المدى

عند إعلان وقف إطلاق النار، لم يكن موقف الولايات المتحدة أفضل مما كان عليه قبل اندلاع الحرب. فعلى الرغم من مقتل عدد من القادة الإيرانيين، بينهم “المرشد الأعلى” علي خامنئي، وتراجع القدرات العسكرية الإيرانية على نحو ملحوظ، فإن تغيير النظام لم يتحقق، كما لم تحرم طهران من قدرتها على تصنيع الأسلحة النووية. وبطبيعة الحال، يبقى احتمال تحقق الأمر الأخير واردا عبر المفاوضات، وقد تفضي انتفاضة شعبية ما إلى تغيير النظام، لكن هذا كله كان واردا قبل الحرب أيضا. وإذا كان ثمة ما تغير، فهو أن الصراع خفض من احتمال تحقق الأمرين كليهما. بل يمكن القول إن النظام الإيراني، على الرغم من الهزائم التي مني بها، خرج من الصراع في موقع أقوى، بعدما أثبت قدرته على إلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي عبر توجيه ضربات موجعة إلى حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، وإغلاق مضيق هرمز.

وإذا صمد وقف إطلاق النار، فسيشكل ذلك انتكاسة كبيرة لترمب وللولايات المتحدة بالفعل. فمن المرجح أن يعاقب الناخبون الأميركيون الجمهوريين بقيادة ترمب في انتخابات التجديد النصفي إذا ظلت أسعار النفط مرتفعة وبقي التضخم ملموسا. وأي خسارة لاحقة في الكونغرس أو مجلس الشيوخ في نوفمبر/تشرين الثاني ستنعكس على أجندته الداخلية. بل إن جزءا من قاعدته المحافظة المؤيدة لشعار “لنجعل أميركا عظيمة مجددا”، التي تعارض بشدة الحروب الخارجية، والتي أصابها الذهول من انتقاده البابا ومن الصور المتحركة التي ظهر فيها مرتديا زي السيد المسيح وانتشرت أخيرا، قد ينقلب عليه. أما على الصعيد الدولي، وكما كان الحال في فيتنام وحرب العراق عام 2003، فقد كشف صراع ترمب حدود القوة الأميركية وعجزها عن ترجمة التفوق العسكري إلى نتائج سياسية إيجابية. وكما حدث بعد عام 2003، من شأن ذلك أن يشجع خصوم الولايات المتحدة الجيوسياسيين، وحتى بعض حلفائها، على التحلي بجرأة أكبر في تحدي رغباتها، في الشرق الأوسط وفي أماكن أخرى.

اف ب / غيتي اف ب / غيتي

أما إذا لم يصمد وقف إطلاق النار وتجدد الصراع، فستتفاقم هذه المشكلات بلا شك، ما لم ينهَر النظام الإيراني على نحو غير متوقع. وقد تضطر الولايات المتحدة إلى التورط أكثر في الصراع، بما يعرضها لخطر الغرق في مستنقع يصعب الخروج منه. ولن يقود ذلك إلا إلى تصاعد المعارضة الداخلية لترمب، في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي صعوبات جمة، بما قد يجبره على التراجع على نحو أشد إذلالا.

الأضرار بعيدة المدى

حفزت الحرب أيضا، أو كشفت، توترات قائمة قد تضعف الولايات المتحدة على المدى البعيد. ففي الشرق الأوسط، باتت العلاقة الأمنية مع واشنطن موضع تساؤل جدي للمرة الأولى منذ عقود. إذ يشعر كثير من الحلفاء بالغضب من ترمب لأنه زج بهم في حرب غير مبررة، ويعتريهم الإحباط لأنه، ما إن اندلعت تلك الحرب، حتى عجز عن تغيير النظام، وترك في مكانه نظاما جريحا وغاضبا. ومع إظهار إيران استعدادها لضرب معظم جيرانها في الشرق الأوسط، بصرف النظر عن طبيعة علاقاتهم بها، تجد غالبية الحكومات، ولا سيما في الخليج، نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الدفاعية. وقليلون من سيفكرون في قطع العلاقات الأمنية مع واشنطن، وقد يعمد كثيرون إلى زيادة مشترياتهم من الأسلحة الأميركية على المدى المتوسط. إلا أن ذلك قد يترافق مع تنويع أكبر للشركاء الأمنيين. وبالفعل، أعربت دول خليجية عدة عن انفتاحها على زيادة الوجود العسكري الأوروبي. وربما يستكشف بعضها أيضا مزيدا من التعاون مع الصين، متسائلا عما إذا كانت استضافة قاعدة صينية صغيرة إلى جانب القاعدة الأميركية، كما هي الحال في جيبوتي، من شأنها أن تردع الهجمات الإيرانية المقبلة.

وثمة توتر آخر اشتد داخل التحالف عبر الأطلسي. فقد أدى إحجام الحلفاء الأوروبيين عن تأييد الحملة ضد إيران، وتقديم المساعدة عند طلبها، إلى سيل من الإهانات وجهها ترمب. واستهدف على وجه الخصوص الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، على الرغم من علاقاتهم الودية الحديثة العهد مع الرئيس الأميركي. وقد تكون هذه الإهانات أكثر من مجرد شتائم. فحتى قبل الحرب، كانت العلاقات متوترة بعدما عارضت القوى الأوروبية علنا مخططات ترمب بشأن غرينلاند. ولطالما شكك ترمب في جدوى حلف “الناتو”، ويبدو أن رفض الحلف الانضمام إلى حربه قد سرع هذه النزعة. وحذر ترمب الحكومات الأوروبية في منشور له بتاريخ 31 مارس/آذار قائلا: “لن تكون الولايات المتحدة موجودة لمساعدتكم بعد الآن”، وهو تهديد أخذ بجدية بالغة، ودفع الأمين العام لحلف “الناتو”، مارك روته، إلى زيارة واشنطن بعد أسبوع في محاولة فاشلة لتغيير رأي الرئيس. وعلى الرغم من أن هذه التوترات قد تهدأ مع مرور الوقت، فإن مجلة “الإيكونوميست” حذرت أخيرا من أن الحرب ربما تكون قد “دفعت حلف (الناتو) إلى نقطة اللاعودة أكثر من أي وقت مضى”. ونتيجة لذلك، يجد القادة الأوروبيون أنفسهم مضطرين، رغم أملهم في أن يعود ترمب أو خليفته إلى نهج العلاقات عبر الأطلسي، إلى التفكير مليا وعلى وجه السرعة في مستقبل ما بعد الولايات المتحدة. ومن شأن هذه النتيجة أن تقسم الغرب، بما يجعل أوروبا والولايات المتحدة أضعف على الصعيد العالمي.

انتصار صيني؟

وهذا يسلط الضوء على نتيجة سلبية أخرى للصراع بالنسبة إلى الولايات المتحدة، إذ وفر مزايا جمة لمنافسي واشنطن العالميين. فبهدف التخفيف من حدة ارتفاع أسعار النفط العالمية، نالت روسيا تخفيفا مؤقتا للعقوبات، أتاح لها بيع جزء من إمداداتها، وأدى بالتالي إلى زيادة الإيرادات الحيوية لموسكو. وقد يدفع غضب ترمب من حلفائه في “الناتو”، وانشغاله في الخليج، فلاديمير بوتين إلى رفع سقف آماله في أن يفقد البيت الأبيض اهتمامه بالحرب الأوكرانية، أو أن يضغط على كييف لتقبل اتفاقا يصب في مصلحة روسيا. إلا أن هذه المكاسب، في معظمها، قصيرة الأجل، على الأقل في الوقت الراهن.

ويمكن القول إن المستفيد الأكبر كان الصين. فبرغم انزعاجها من التداعيات الاقتصادية للحرب، ومن الضعف النسبي الذي أصاب حليفتها إيران، خرجت بكين من الأزمة في موقع أقوى. فعلى الصعيد الاقتصادي، أثبتت استثمارات الصين الضخمة في الطاقة المتجددة جدواها، بما حصنها من بعض مشكلات الإمداد، وفي الوقت نفسه أعادت بيع جزء من الغاز الطبيعي المسال الذي اشترته سابقا إلى جيرانها بأسعار أعلى. أما على الصعيد الجيوسياسي، فقد عزز الضرر الذي أصاب مصداقية الولايات المتحدة بفعل الصراع الرواية المفضلة لدى شي جينبينغ، ومفادها أن بكين فاعل عالمي أكثر موثوقية، وأكثر قدرة على صون الاستقرار الدولي. بل إن الولايات المتحدة اضطرت إلى طلب المساعدة من الصين لإعادة فتح مضيق هرمز، فيما أدت بكين دورا هادئا، لكنه بالغ الأهمية، في تأمين وقف إطلاق النار بوساطة باكستانية. وبمقابل جهد ضئيل، خرجت الصين من الصراع وقد تعززت سمعتها، في حين وجد منافسها الأميركي نفسه في وضع أسوأ. وما هذا إلا واحد من الأهداف الكثيرة التي سددتها إدارة ترمب إلى مرماها في هذه الحرب، وقد تتردد أصداؤه السلبية سنوات طويلة مقبلة.

المجلة

——————————

أين تقف باكستان من الحرب على إيران؟/ مروان قبلان

22 ابريل 2026

تنصرف أنظار العالم اليوم، الأربعاء، إلى إسلام أباد، حيث تستأنف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، ويتطلع الجميع إلى نجاح جهود رئيس الوزراء، شهباز شريف، وقائد الجيش، عاصم منير، في إبرام اتفاق، أو أقله، تمديد فترة الهدنة، بما يجنب منطقة الخليج العودة إلى الصدام العسكري، وإدخال العالم في كارثة اقتصادية محققة. ورغم أنها قوة نووية (تملك نحو 180 رأسا نوويا، ما يجعلها السادسة بين القوى النووية التسع)، لم تكن إسلام أباد تثير، حتى وقت قريب، اهتماماً كبيراً في دوائر السياسة الإقليمية والعالمية، بل كان ينظر إليها غالباً دولة هشة، فقدت أهميتها الجيوسياسية بعد انتهاء الحرب الباردة، وباتت تقترب، بسبب أوضاعها الاقتصادية الصعبة، سوء الإدارة، وسيطرة الجيش على الحياة السياسية، من كونها دولة فاشلة. لكن هذا الوضع أخذ يتغيّر على نحو ملحوظ، خلال العام المنصرم، بفعل ثلاثة تطورات مهمّة: أولها، المواجهة العسكرية بين الهند وباكستان، في مايو/ أيار 2025، وتمكّن فيها سلاح الجو الباكستاني من إلحاق هزيمة نكراء بسلاح الجو الهندي، في واحدة من أكبر المواجهات الجوية الحديثة، شاركت فيها أكثر من مائة طائرة من الجانبين. وقد أحدثت صور طائرات رافال الهندية (فرنسية الصنع) التي أسقطتها باكستان، باستخدام مقاتلات J-10C صينية الصنع، زلزالاً في العالم، ولفتت انتباه الرئيس ترامب إلى قائد الجيش الباكستاني، الذي برز اسمُه، بعدها، على الساحة الدولية، باعتباره الحاكم الفعلي لباكستان، خصوصاً بعد أن أطاح حكومة رئيس الوزراء السابق، عمران خان، في انقلاب برلماني.

التطور البارز الثاني الذي استفادت منه باكستان، تحولها إلى قطب مركزي في نظام الأمن الإقليمي الخليجي بعد تراجع ثقة دول الخليج العربية بالضمانات الأمنية الأميركية، وخصوصاً بعد سماح إدارة الرئيس ترامب لحكومة رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، نتنياهو، بالاعتداء على قطر في سبتمبر/ أيلول 2025، واستهداف الوفد المفاوض لحركة حماس في الحرب على غزّة. وقد أعاد هذا الحادث باكستان إلى دائرة الاهتمام الخليجي بعد أن تحوّل عنها إلى الهند، خصوصاً بعد توقيع اتفاقية إنشاء المعبر الهندي- الشرق أوسطي- الأوروبي، برعاية أميركية، في نيودلهي، في أثناء قمة الاقتصادات العشرين الكبرى، في سبتمبر 2023. تغير المشهد كلياً بعد عامين (سبتمبر 2025) عندما ظهر رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، وقائد الجيش عاصم منير، في الرياض، لدى توقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك مع السعودية.

ولأنه في السياسة، كما في غيرها من المجالات، مصائب قوم عند قوم فوائد، برزت باكستان (إلى جانب دول أخرى، طبعا، مثل روسيا وتركيا) باعتبارها أحد كبار المستفيدين من الحرب على إيران، وهو التطوّر البارز الثالث الذي أسهم، في غضون عام، في استعادة باكستان أهميتها، وتعزيز مكانتها قوة إقليمية ذات فائدة كبرى للولايات المتحدة. كانت باكستان، في فترة الحرب الباردة، أحد أبرز حلفاء الولايات المتحدة، ولعبت دوراً مركزياً في هزيمة الاتحاد السوفييتي، في أفغانستان، ثم فقدت تلك المكانة، وتدهورت صورتها أكثر بعد أحداث 11 سبتمبر (2001)، واتهامها أميركيا بدعم حركة طالبان، وبأنها “منبع كل الجماعات الإسلامية المتشددة في العالم”. وقد انتقدها ترامب نفسه، في ولايته الأولى، وجمّد مساعداتها العسكرية. لكن الوضع تغيّر، خصوصاً في الظروف الراهنة، إذ يعدّ الدور الباكستاني فريداً وأساسياً في المفاوضات مع إيران. وإذا كانت هناك دولة لا ترغب إيران في كسب عداوتها اليوم فهي، بالتأكيد، باكستان التي تشترك بحدود برّية طويلة معها، من جهة، وترتبط، من جهة ثانية، باتفاقيةٍ دفاعيةٍ مع خصمها، السعودية.

فوق هذا، تدرك إيران أهمية العلاقة الشخصية القوية التي تربط قائد الجيش الباكستاني بالرئيس ترامب، وتعتمد عليه في نقل الأفكار إليه، والتأثير عليه. وما يعزّز من مصداقية الموقف الباكستاني في المفاوضات أيضا أن لباكستان مصلحة حقيقية في وقف الحرب، لأنها تخشى التورّط فيها، بسبب اتفاقها الدفاعي مع السعودية، ولخشيتها من انعكاسات هذه الحرب على الداخل الباكستاني نظراً إلى وجود أقلية شيعية كبيرة فيها (20% من 240 مليونا). ويقلقها، فوق هذا، احتمال تفكك إيران وتداعياته على مناطق باكستان الحدودية معها، خصوصاً إقليم سيستان بلوشستان، الذي تنشط فيه جماعات انفصالية. على الأرجح، ونظراً إلى التحوّلات العميقة التي تسببت بها حرب إيران في البنية الأمنية الإقليمية لكل منطقة غرب آسيا، ستتحوّل باكستان إلى أحد أبرز الفاعلين فيها، خلال المرحلة المقبلة.

العربي الجديد

———————————

أبعد من التفاوض صراع بين رؤيتين/ رفيق خوري

22 أبريل ,2026

لا جديد في الخلاف على معنى النصر والهزيمة بعد كل حرب بين “حزب الله” وإسرائيل منذ حرب 2006، بصرف النظر عن الوقائع القاسية والمشاهد المؤلمة. حتى الجدل حول أبوة وقف النار الموقت في لبنان، فإنه ليس مجرد تناقض في الروايات بل تعبير عن صراع بين رؤيتين لحاضر لبنان ومستقبله. رؤية فك الارتباط بين لبنان وإيران بدعم من الرئيس دونالد ترامب لجهة ترتيب التسوية بين لبنان وإسرائيل في معزل عن حرب “حزب الله” دفاعًا عن إيران في الحرب الأميركية – الإسرائيلية وعلى حساب سلاحه ودوره العسكري. ورؤية الربط الكامل بين لبنان وإيران، واعتبار وقف النار هنا جزءًا من وقف النار هناك، وبالتالي ورقة في لعبة التفاوض الكبيرة بين واشنطن وطهران في إسلام آباد، وعلى أساس أن “محور المقاومة وإيران كيان واحد في الحرب” کما قال رئيس مجلس الشورى وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف.

ولا مهمة تتقدم اليوم على العمل لإخراج الوطن الصغير من واقع الاحتلال الإسرائيلي الذي تجدد بعد حرب “إسناد غزة” وتوسع بعد “إسناد إيران” على يد “الحزب” بمشاركة الحرس الثوري. ولا بداية جديدة لهذه المهمة قبل وضع نهاية لإجبار لبنان على القيام بدور عسكري في الصراع مع إسرائيل وفي حماية الجمهورية الإسلامية ومشروعها الإقليمي أكبر من إمكانات العرب جميعًا ومعهم إيران ومحور المقاومة التابع لها. والخيار الوحيد أمام الدولة هو التفاوض بوساطة أميركية من دون تردد ولا توقف أمام “التخوين والتهجم” كما تعهد الرئيس جوزاف عون.

ومن الطبيعي طرح أسئلة عدة في البلد عما يضمن التوصل إلى الانسحاب الإسرائيلي في ظل تجربة التفاوض الفلسطيني مع نتنياهو بعد “أوسلو” وتجربة سوريا الجديدة في التفاوض معه بعدما أضاف إلى احتلال الجولان احتلال المنطقة العازلة بموجب اتفاق فك الإرتباط بالجولان عام 1974 المدعوم أميركيًا. صحيح أنه ليس من المؤكد أن يقود التفاوض إلى كل ما يطلبه لبنان. لكن الصحيح أيضًا والواقع المؤكد أن سلاح “حماس” قاد إلى تدمير غزة وإعادة احتلالها، وسلاح “حزب الله” قاد إلى احتلال إسرائيل لجزء مهم من الجنوب مع تفريغ 55 قرية فيه من الأهالي وإنشاء منطقة عازلة ضمن “الخط الأصفر” على طريقة غزة.

والمجال قصير جدًا أمام الجميع خلال هدنة الأيام العشرة. فالمطلوب الأميركي من السلطة أن تقوم بخطوات عملية في امتحان سحب السلاح من “الحزب” كما سحب السلاح الثقيل من “حماس والجهاد الإسلامي”. و “التأسيس” الإسرائيلي لمنطقه عازلة لا أحد يعرف كم تدوم ليس عاملًا مساعدًا للدولة في ضمان حصرية السلاح بمقدار ما يعطي مشروعية للسلاح.

وخطاب “حزب الله” يزيد في تعقيد الأمور. فهو يصر من جهة على الاحتفاظ بالسلاح وربط قرار الحرب والسلم في لبنان به وعمليًا بإيران من دون حساب لما تكبده البلد من دمار وضحايا وتهجير، بحجة أن المهم هو عجز العدو عن القضاء على “الحزب ومحور المقاومة”. وهو يحذر وربما يهدد، من جهة ثانية، من أن التفاوض المباشر “انتحار” للسلطة الحالية، وأن السلام مع إسرائيل يعني دفع البلاد إلى فتنة داخلية خطيرة. حتى مشروع “بيروت آمنة وخالية من السلاح”، فإنه في نظر رافضي التفاوض تهديد لهم، في حين تسعى أكثرية اللبنانيين إلى “لبنان آمن وخالٍ من السلاح”.

و”الحديث عن الحلوى لا يجعل الفم حلوًا” كما يقول مثل روسي. كذلك الحديث عن النصر في حرب ملتبسة لا أحد يعرف متى تعود وماذا بعد الحرب.

*نقلاً عن “نداء الوطن”.

———————————

الحرب الإيرانية الأمريكية.. 4 سيناريوهات لما سيحدث بمفاوضات باكستان

تتجه أنظار العالم إلى إسلام آباد، اليوم الأربعاء، حيث تبذل باكستان جهودا مكثفة للدفع نحو انعقاد جولة ثانية من المفاوضات. ومن المتوقع أن يقود هذه الجولة  جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي ممثلا الولايات المتحدة، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف عن الجانب الإيراني، إذا وافق الطرفان على انعقادها.

يأتي هذا الحراك تزامنا مع قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار بانتظار المقترح الإيراني، غير أن الميدان يشي برواية أخرى، إذ فرضت واشنطن حصارا بحريا في مضيق هرمز، قابله لاحقا رد فعل إيراني بإعادة إغلاق المضيق بعد يوم واحد من فتحه، ووصل الاحتكاك البحري ذروته باحتجاز الولايات المتحدة سفينة إيرانية فجر الاثنين.

وسط هذا الغموض، نستعرض آخر المستجدات و4 سيناريوهات محتملة قد ترسم ملامح الأيام المقبلة:

ما آخر المستجدات من كلا الجانبين؟

وبينما تتواصل التجهيزات في إسلام آباد لاستضافة محادثات لا يُعرف حتى الآن إذا كانت ستنعقد أم لا، تبدو إيران متمسكة بإستراتيجية “عدم التنازل تحت التهديد”، إذ أعلنت طهران أنها أبلغت الجانب الأمريكي عبر باكستان أن وفدها لن يتوجه إلى إسلام آباد الأربعاء من أجل المفاوضات.

ومن جهته، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار مع إيران إلى أجل غير مسمى قبل ساعات من انتهاء الهدنة التي أعلنها قبل نحو أسبوعين، وذلك لتمكين البلدين من مواصلة محادثات السلام، وفق تعبيره، كما أعلن تأجيل زيارة نائبه جيه دي فانس إلى إسلام آباد، والتي كانت مقررة اليوم الأربعاء، مما يضع الجولة الثانية من المحادثات في مهب الريح ويحبس أنفاس العالم بانتظار الخطوة المقبلة.

وفي بيان على منصته تروث سوشيال، ⁠قال ترمب إنه وافق على طلب من باكستان -التي تتوسط في محادثات السلام- “لإيقاف هجومنا على إيران إلى أن يتسنى لقادتها وممثليها التوصل إلى اقتراح موحد”.

إعلان

وكانت وكالة تسنيم قد أفادت بأنها حصلت على معلومات من مصادر -لم تكشف عنها- تؤكد أن وفد التفاوض الإيراني لن يحضر في إسلام آباد اليوم الأربعاء لأسباب مختلفة.

وفي ما يلي أهم السيناريوهات المتوقعة بشأن مفاوضات الجولة الثانية في باكستان، وما قد يترتب عليها:

السيناريو الأول: عدم انعقاد جولة ثانية من المفاوضات

ويعني هذا الخيار -غير المرجح- تعثّر المسار التفاوضي قبل استئنافه أصلا على الأقل في مرحلته الثانية، بحيث لا يوافق أحد الطرفين أو كلاهما على الجلوس مجددا إلى الطاولة، وذلك نتيجة لتباعد المواقف وعدم قبول الطرفين بتقديم تنازلات كبيرة، تقنع الطرف الآخر.

في هذا السيناريو، تظل الخلافات كما هي أو تتفاقم، وقد يلجأ كل طرف إلى أدوات ضغط بديلة بدل الحوار، مثل العقوبات أو التصريحات التصعيدية أو التحركات الدبلوماسية المضادة، كما قد ينعكس غياب المفاوضات على دور الوسطاء، إذ تتراجع فرصهم في تقريب وجهات النظر.

السيناريو الثاني: إجراء محادثات والتوصل إلى اتفاق

أفادت مصادر مطلعة على جهود الوساطة لقناة الجزيرة بأن باكستان تسعى إلى إقناع الولايات المتحدة وإيران بالموافقة على مفاوضات تستمر لعدة أيام.

ورغم تأجيل سفر فريقي التفاوض الأميركي والإيراني إلى باكستان، فإن إسلام آباد ما زالت تبذل جهودا مكثفة لجسر الفجوات بين الطرفين، من أجل التوصل إلى “مذكرة تفاهم” بينهما في محاولة لكسب الوقت من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي وتمديد وقف إطلاق النار.

وتشير التحليلات إلى أن هذا السيناريو -إذا تحقق- لا يعني الوصول لاتفاق نهائي، بل ربما سينتج عنه تفاهم مؤقت وتثبيت لوقف إطلاق النار، وإطار عام للخطوات النووية التي يقابلها تخفيف العقوبات على طهران.

ومع ذلك، فإن ثمة فجوة كبيرة بين المطالب والتوقعات من كلا الجانبين، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، والسيطرة على مضيق هرمز، والعقوبات المفروضة على إيران وأصولها المجمدة.

وتقول الممثلة الدائمة السابقة لباكستان لدى الأمم المتحدة ( في مقال نشر في الجزيرة نت) مليحة لودهي إن المخاطر ما زالت كبيرة بالنسبة للطرفين اللذين يريدان مخرجا من الحرب، لكن العقبات لا تزال قائمة، ولا يزال بإمكان إسرائيل أن تلعب دور المفسد وتضع العراقيل أمام أي إنجاز يمكن تحقيقه، مما يجعل الساعات القادمة عصيبة في انتظار ما ستسفر عنه.

السيناريو الثالث: انعقاد المفاوضات وعدم حدوث اختراق

تربط الزميلة المشاركة في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز تشاتام هاوس للأبحاث، أنيسة باسيري تبريزي، الوصول إلى اتفاق بين طهران وواشنطن بتغير مواقف الجانبين بالضرورة.

ويعني ذلك -وفقا لحديثها لقناة الجزيرة– أن التقدم المحرز في المفاوضات ينبغي أن ترافقه تنازلات من كلا الجانبين، والمؤشرات الحالية تقول إن الفجوة كبيرة جدا أمام الوصول لاتفاق.

وشدد ترمب خلال الأيام الأخيرة على إصراره على أن توقف إيران جميع عمليات تخصيب اليورانيوم وأن تسلم مخزونها الحالي من اليورانيوم المخصب. وقد رفضت إيران هذه المطالب.

إعلان

في المقابل، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أول أمس الاثنين، “إن الولايات المتحدة لا تتعلم من تجاربها، وهذا لن يؤدي أبدا إلى نتائج جيدة”.

السيناريو الرابع: فشل المحادثات وانتهاء وقف إطلاق النار

لا يُعرف حتى الآن ما إذا كانت باكستان ستنجح في تحقيق اختراق تفاوضي يسمح بانعقاد الجولة الثانية من المفاوضات.

ولكن حتى مع انعقاد تلك الجولة، فلا شيء يضمن حدوث توافق بين الطرفين في ظل الفجوات الكبيرة بينهما، مما يعني أن خيار فشل الجولة الثانية من المفاوضات -على غرار ما حصل في الجولة الأولى- أمر وارد.

وكان ترمب قد أكد أن “كثيرا من القنابل ستبدأ بالانفجار”، وذلك ردا على سؤال عما سيحدث في حال انتهاء وقف إطلاق النار من دون التوصل إلى اتفاق.

وقبل الإعلان عن تمديد وقف إطلاق النار، وانتهاء فترة الهدنة، نقلت شبكة “بي بي إس” عن ترمب قوله إن إيران “كان من المفترض أن تكون حاضرة” في المفاوضات، وتابع: “سنرى إذا ما كانت ستكون حاضرة أم لا. وإن لم تكن، فلا بأس أيضا”.

من جهته، قال قاليباف أمس الثلاثاء إن ترمب “يسعى إلى تحويل طاولة المفاوضات هذه، في مخيلته الخاصة، إلى طاولة استسلام أو لتبرير تجدد التحريض على الحرب”.

وأضاف قائلا: “لقد أكملنا استعداداتنا للكشف عن أوراق جديدة في ساحة المعركة”، في إشارة إلى أن طهران كانت مستعدة عسكريا لاستئناف القتال.

وفي السياق، يرى مدير مشروع إيران في مركز الأبحاث “مجموعة الأزمات الدولية” علي واعظ -في حديثه للجزيرة- أن العقبة الرئيسية قبل أي جولة ثانية من المحادثات هي “إذا ما كانت الولايات المتحدة مستعدة لتخفيف الضغط بما يكفي لجعل الدبلوماسية ذات مصداقية، وإذا ما كانت إيران مستعدة للحد من نفوذها بما يكفي لإبقاء المحادثات قائمة”.

ويحذر واعظ من أن أي انهيار لوقف إطلاق النار قد يزيد من احتمالية استهداف الولايات المتحدة للبنية التحتية الحيوية في إيران، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى تصعيد العنف في بقية المنطقة.

المصدر: الجزيرة

——————————————-

حرب إيران تعيد تشكيل النموذج الاقتصادي بين الصين والخليج/ شربل بركات

صدمة هرمز قد تسرّع اتفاق التجارة الحرة العالق منذ 20 عاما

20 أبريل 2026

خلطت حرب إيران الحسابات الجيوسياسية بالأرقام الاقتصادية على نحو غير مسبوق. فمع تحوّل مضيق هرمز إلى عنق زجاجة مغلق أمام صادرات الخليج النفطية، ومرور النفط الروسي بعثرات الحرب والعقوبات، أصبح النفط الإيراني المتحرر من قيود المضيق، والنفط الأميركي المدعوم بوفرة الإنتاج، الأكثر حضورا في السوق نظريا.

وقد دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب الدول المتضررة إلى زيادة مشترياتها من النفط الخام الأميركي، فيما وضعت تكلفة الطاقة المرتفعة الصين، الأقرب أيديولوجيا إلى طهران ودول الخليج، الشريكة التاريخية لواشنطن، في خندق واحد أمام تقاطع غير مألوف للمصالح بين إيران والولايات المتحدة.

حاولت الصين الحفاظ على موقع وسطي خلال الحرب، في حين قرأ كثير من المحللين الاستراتيجيين هذا الصراع، في إطاره الأوسع، كجزء من سياق يهدف إلى كبح نفوذ بكين وتحسين شروط الولايات المتحدة في المنافسة الاستراتيجية معها. غير أن غموض أهداف إدارة ترمب، ولا سيما في ظل مقاربة “أميركا أولا”، يفتح البابا أمام احتمالات أخرى.

إلى جانب الإشارات الصريحة في شأن تراجع واشنطن عن بعض خطوطها الحمراء، بما في ذلك حماية الملاحة في مضيق هرمز، والسعي إلى إعادة رسم خريطة الطاقة بطريقة قد تمسّ بمركزية دول الخليج فيها، فتح الباب أمام تساؤلات أوسع.

وقد برزت هذه التساؤلات خصوصا لدى دول الخليج، التي وجدت نفسها أمام تسارع غير مسبوق في الضغوط. إذ فرض الوضع عليها إعادة تعريف دورها الاقتصادي، في لحظة تتأرجح فيها بين مسارين: إما الانخراط في إعادة تشكيل الدور القيادي للولايات المتحدة ضمن شروط أكثر انتقائية في إطار الشراكة التقليدية، أو التوجه نحو تنويع شراكاتها وبناء علاقة أقل شرطية وأكثر مصلحية مع الصين، تقوم على التكامل في الصناعة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية، لا على مجرد تصدير الطاقة.

في المقابل، أظهرت هذه التطورات أن بكين بدت الأكثر استعدادا للتعامل مع مثل هذه السيناريوهات. ودفعتها إلى طرح تساؤلات موازية حول إمكان تحوّل تداعيات الحرب إلى رافعة سياسية واقتصادية تدفع العلاقات الخليجية–الصينية نحو مزيد من التنظيم والتثبيت والتقنين، سواء عبر توسيع العقود الطويلة الأجل، أو تعزيز التكامل في سلاسل القيمة، أو حتى كسر الجمود الذي يحيط بمفاوضات اتفاقية التجارة الحرة العالقة منذ نحو عقدين.

وفي هذا السياق تحديدا، تميل القراءة الصينية إلى اعتبار أن ما فرضته الأزمة من تقارب مصلحي قد لا يبقى ظرفيا، بل قد يكون مرشحا لأن يتحول إلى مسار أكثر استدامة، وهو ما يفسر الاتجاه نحو مقاربة العلاقة مع الخليج باعتبارها شراكة قابلة لإعادة البناء على أسس أكثر صلابة.

علاقة تُختبر ولا تُفكك

يقول الدكتور شو مينغتشي، أستاذ الاقتصاد في جامعة بكين، لـ”المجلة” إن الأزمات الجيوسياسية لا تُسقط العلاقات الاقتصادية الكبرى، بل تكشف بنيتها الحقيقية. وفي الحالة الخليجية–الصينية، تظهر العلاقة، وفق تعبيره، كعلاقة “هيكلية” لا ظرفية، إذ يشكل الخليج ركيزة أساسية في أمن الطاقة الصيني، فيما تعتبر الصين شريكا اقتصاديا طويل الأمد لدول الخليج، ليس فقط كمستورد للطاقة، بل كسوق واستثمار وشريك صناعي.

لكن الحرب، بحسب شو، لم تغير جوهر العلاقة بقدر ما غيرت “طريقة إدارتها”. فالعالم الذي كان يفترض مرور النفط عبر مسارات مستقرة نسبيا، أصبح اليوم محكوما بمخاطر الملاحة، وارتفاع التأمين، وتذبذب سلاسل الإمداد، وتزايد التوترات الجيوسياسية.

وهنا لا تتجه بكين إلى تقليص الانكشاف، بل إلى إعادة هندسته، من تجارة نفط خام مباشرة إلى منظومة أكثر ترابطا، تقوم على عقود طويلة الأجل، وتكامل في التخزين والخدمات اللوجستية، وتوسع في الصناعات التحويلية، وآليات مؤسسية لتقاسم المخاطر. وفي هذا المعنى، لا ترى الصين في الأزمة سببا للابتعاد عن الخليج، بل تعتبرها سببا لتعميق العلاقة على أسس أكثر صلابة.

الطاقة: تنويع لا استبدال

في ملف الطاقة تحديدا، يوضح شو أن الصين ستواصل سياسة تنويع مصادرها، إنما ليس على حساب الخليج. فالمسألة ليست “استبدال مورد بآخر”، بل تقليل الاعتماد على مسار واحد شديد الحساسية.

ويضيف أن أهمية الخليج لم تتراجع على الرغم من الحرب، بل ربما أصبحت أكثر وضوحا. ففي لحظات عدم الاستقرار، لا يقاس المورد فقط بالتكلفة، بل بالقدرة على توفير كميات ضخمة بشكل مستمر. وهذه ميزة لا يزال الخليج يحتفظ بها، مقارنة بغيره.

لكن التحول الأهم، كما يراه، هو في طبيعة الشراكة نفسها، من تبادل تجاري تقليدي إلى شبكة مصالح أعمق تشمل التكرير والبتروكيماويات، والغاز الطبيعي المسال، والبنية التحتية للشحن، والتخزين، والتنسيق اللوجستي.

ومع توسع هذا “النسيج غير النفطي”، تصبح شراكة الطاقة أكثر استقرارا، لأنها لم تعد قائمة بذاتها، بل تصير جزءا من منظومة اقتصادية أوسع.

شريك متعدد الأبعاد

من هذا المنطلق، ترى بكين أن الخليج لم يعد مجرد منطقة طاقة، بل نقطة تقاطع لمجموعة مصالح استراتيجية، هي: رأس مال سيادي، وممرات تجارية، وبنية تحتية، وتحول صناعي متسارع. وهذا ما يفسر، وفق شو، لماذا تنظر الصين إلى دول مجلس التعاون كشركاء “طويلي الأمد ومتعددي الأبعاد، قادرين على التخطيط الاستراتيجي وتنفيذ مشاريع ضخمة وإعادة هيكلة اقتصاداتهم بعيدا من النفط وإعادة تموضعها ضمن شبكات التجارة والاستثمار العالمية”. وبالتالي، فإن مفهوم “الاستراتيجيا” في بكين لم يعد مرادفا للطاقة وحدها، بل لمجمل منظومة التنمية.

تحسين البنية

يتقاطع هذا التوجه مع قراءة الباحثة في جامعة فودان، وانغ شياويو، التي ترى أن الحرب ستدفع التعاون إلى إعادة ترتيب أولوياته لا تقليصه. ففي المدى القصير، ستفرض تكلفة الشحن والتأمين والضغوط الأمنية مزيدا من الحذر. أما في المدى المتوسط، فسيبقى التعاون قائما، لكن مع تركيز أكبر على أمن الإمدادات، وتعديل مسارات النقل، وتوسيع الطاقة المتجددة، وتعزيز آليات التعاون القائمة، بدلا من إطلاق مشاريع جديدة فقط.

وتقول وانغ لـ”المجلة” إن التحول الأهم، في رأيها، هو انتقال التعاون من منطق “التوسع الكمي” إلى منطق “تحسين البنية”، أي جعل العلاقة أقل هشاشة وأكثر كفاءة في مواجهة الصدمات. وهي ترى أن القمة العربية -الصينية الثانية المقرر عقدها في الصين العام الجاري، ستشكل فرصة سياسية جديدة لدعم هذه التعديلات.

التوجه شرقا

في المقابل، يعتبر الكاتب السياسي والباحث الصيني تشاو تشي جيون أن الحرب لا تُضعف العلاقات الطاقية بين الصين والخليج، بل تدفعها إلى تحول جذري من علاقة “بيع وشراء” إلى ما يشبه “مجتمعا أمنيا للطاقة”. وهو يرى أن اعتماد الصين على استيراد نحو 72 في المئة من نفطها الخام، يأتي ربعها تقريبا من الخليج، يجعل الاستقرار مع هذه المنطقة مسألة استراتيجية وليست تجارية.

ويشير إلى أن اضطرابات مضيق هرمز وارتفاع تكاليف التأمين لم تدفع إلى فك الارتباط، بل إلى تعزيز التوجه شرقا. فالصين، باعتبارها أكبر سوق صناعية مستقرة في العالم، توفر طلبا طويل الأمد لا يخضع لتقلبات سياسية مفاجئة، فيما تمنحها احتياطاتها الاستراتيجية الضخمة قدرة على امتصاص الصدمات.

لكن الأهم في طرح تشاو هو البعد المالي. إذ يرى أن الحرب سرّعت استخدام أدوات مثل التسويات بالعملة المحلية ومقايضات العملات لا سيما بين السعودية والصين، كوسيلة لتقليل التعرض للنظام المالي الغربي، وهو اتجاه مرشح للتوسع تدريجيا.

وفي ملف إصلاح الأضرار في محطات الطاقة الخليجية التي استهدفت بالعدوان الإيراني، وقدّرتها مؤسسة “ريستاد إنرجي” بما لا يقل عن 25 مليار دولار، يعتبر تشاو أن الشركات الصينية مرشحة للعب دور أكبر، ليس فقط بسبب التكلفة، إنما بسبب قدرتها على تقديم حزم متكاملة تشمل التمويل والهندسة وسلاسل الإمداد، في وقت تواجه فيه الشركات العالمية تأخيرات طويلة في الإنتاج والتوريد.

ويخلص تشاو إلى أن تسريع اتفاقية التجارة الحرة بين الصين ودول الخليج غدا ضرورة استراتيجية. فالحرب، وفق قراءته، كشفت هشاشة سلاسل الإمداد، ورفعت التضخم، وأظهرت حاجة الخليج إلى الانتقال من نموذج تصدير النفط إلى نموذج “المركز اللوجستي والرقمي” المرتبط بأكبر اقتصاد صناعي في العالم.

وينقل تشاو عن بيانات صينية أنه من المتوقع أن يؤدي إبرام اتفاقية تجارة حرة إلى رفع نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في دول الخليج بنحو 2.1 نقطة مئوية. وهو يرى أن إنشاء منطقة تجارة حرة بتعريفة شبه صفرية مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم لا يقتصر أثره على خفض تكاليف المواد المرتبطة بمشاريع إصلاح البنية التحتية للطاقة، بل يمتد أيضا إلى توفير قاعدة نمو أكثر استقرارا لدول الخليج في بيئة اقتصادية عالمية تتسم بتقلبات متزايدة وعدم يقين متصاعد.

نحو علاقة تعاد هندستها

عند تقاطع هذه القراءات الثلاث، لا تبدو الحرب عامل إضعاف للعلاقة بين الصين ودول الخليج، بقدر ما تكشف عن تحوّل أعمق في البيئة التي تدار فيها هذه العلاقة. فالعلاقة التي جرى طويلا اختزالها في بعدها الطاقي، تظهر اليوم كشبكة مصالح أوسع، لكنها تُدفع تحت ضغط الأزمات إلى البحث عن قواعد أكثر ثباتا وتنظيما، في عالم لم يعد يوفر مظلات مستقرة كما في السابق.

غير أن ما يمنح هذه التحولات معناها الحقيقي لا يكمن فقط في تطور العلاقة مع الصين، بل في السياق المقابل الذي سلطت حرب ايران الضوء عليه . فمقاربة “أميركا أولا”، بما تعكسه من ضغط متزايد على الحلفاء وإعادة ترتيب لأولويات الالتزام، ترسل إشارة واضحة إلى أن تكلفة الحفاظ على ملامح العلاقة التقليدية قد تتحول تدريجيا إلى عبء مستمر، الأمر الذي يجعل مسار إعادة التوازن أو التحول الجذري خيارا أكثر حضورا وواقعية.

في هذا السياق، يكتسب التقارب الصيني–الخليجي بعدا مختلفا، بوصفه جزءا من إعادة تموضع أوسع تسعى من خلاله دول الخليج إلى موازنة علاقاتها وبناء شراكات أكثر ارتباطا بالمصالح المباشرة وأقل عرضة للتقلبات السياسية.

وفي المقابل، تبدو المقاربة الصينية أقرب إلى استثمار هادئ في لحظة تراجع اليقين في الدور الأميركي، من دون أن تعني بالضرورة استبداله، بقدر ما تعني ترسيخ موقعها كشريك يمكن البناء عليه على المدى الطويل.

لكن المفارقة الأهم أن هذا التحول لا يقاس فقط بصعود دور الصين، إنما بتراجع قابلية النظام القديم للاعتماد عليه كما كان. وبينما تعيد القوى الكبرى ترتيب أولوياتها، تواجه دول الخليج اليوم اختبارا من نوع مختلف؛ لا يقتصر على إدارة توازناتها الخارجية، بل يمتد إلى قدرتها على إعادة صوغ مفهوم أمنها الاقتصادي في عالم تُبنى فيه المظلات وفق منطق المصالح لا الالتزامات.

المجلة

————————-

ما وراء تمديد ترامب مهلة وقف إطلاق النار مع إيران

22 ابريل 2026 

نقل موقع “أكسيوس” الأميركي، اليوم الأربعاء، عن ثلاثة مسؤولين أميركيين قولهم إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب مستعد لمنح إيران ثلاثة إلى خمسة أيام إضافية من وقف إطلاق النار للسماح للإيرانيين بترتيب أوضاعهم، وتقديم مقترحهم بشأن أي اتفاق محتمل، وإلا فإن وقف إطلاق النار سينتهي وسيعود إلى الحرب. وقال مصدر مقرب من ترامب إنه “يبدو أن الرئيس الأميركي لا يريد استخدام القوة العسكرية بعد الآن، وقد اتخذ قراراً بإنهاء الحرب (…)، لكن إذا لم يتمكن الوسطاء الباكستانيون من تأمين مشاركة إيران ضمن المهلة التي حددها ترامب، فإن الخيار العسكري سيعود إلى الواجهة”.

وبحسب الموقع الأميركي، يعتقد المفاوضون الأميركيون أن التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب ومعالجة ما تبقى من البرنامج النووي الإيراني لا يزال ممكناً، لكنهم قلقون أيضاً من عدم وجود جهة في طهران مخوّلة لاتخاذ قرار بالموافقة. وقال مسؤول أميركي: “لاحظنا وجود انقسام حاد داخل إيران بين المفاوضين والعسكريين، بحيث لا يملك أي منهما إمكانية الوصول إلى المرشد الأعلى، الذي لا يستجيب”.

وعصر يوم الثلاثاء، عقد ترامب اجتماعاً مع فريقه للأمن القومي، الذي ضم نائب الرئيس جي دي فانس، وستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الحرب بيت هيغسيث، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين، ومسؤولين كباراً آخرين. وقبيل الاجتماع، لم يكن بعض مستشاري ترامب يعرفون اتجاه قراره، وهو توجيه ضربة كبيرة للبنية التحتية للطاقة في إيران، أم منح الدبلوماسية مزيداً من الوقت، وفي النهاية اختار الخيار الثاني.

ونقل الموقع عن المسؤولين الأميركيين مزاعمهم بأن المرشد الإيراني مجتبى خامنئي بالكاد يتواصل مع قياداته، حيث بات الجنرالات في الحرس الثوري يسيطرون على البلاد، ما أسفر عن خلافات مع هيئة التفاوض الإيرانية بشأن الاستراتيجية التي تسير عليها طهران.

ويقول المسؤولون الأميركيون إنهم بدأوا يلاحظون هذه الانقسامات بعد الجولة الأولى من محادثات إسلام أباد، عندما اتضح أن قائد الحرس الثوري الجنرال أحمد وحيدي ونوابه رفضوا كثيراً مما ناقشه المفاوضون الإيرانيون أنفسهم. وظهر الانقسام إلى العلن يوم الجمعة الماضي، فعندما أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي إعادة فتح مضيق هرمز، رفض الحرس الثوري تنفيذ القرار.

ولم تقدم إيران، في الأيام السابقة، رداً جوهرياً على المقترح الأميركي الأخير، ورفضت الالتزام بجولة ثانية من المحادثات في باكستان. ورجّح المسؤولون أن الانقسام يعود جزئياً إلى اغتيال إسرائيل علي لاريجاني، الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، حيث كان لاريجاني يمتلك السلطة والوزن السياسي للحفاظ على تماسك عملية صنع القرار في إيران.

مع ذلك، صرّح مسؤول أميركي مطلع على الوضع، في حديثه مع صحيفة “نيويورك تايمز”، بأن العودة إلى القصف ليست وشيكة، حتى مع استمرار البنتاغون في دراسة الخيارات المتاحة. ولا تزال الولايات المتحدة في وضع يمكّنها من شن موجة أخرى من الضربات، بفضل احتفاظها بوجود عسكري كبير في المنطقة. كما حذر المسؤول من إمكانية استئناف زيارة فانس إلى باكستان في أي لحظة بموافقة ترامب. وينتظر المسؤولون الأميركيون أيضاً إشارة واضحة تفيد بأن المفاوضين الإيرانيين قد منحوا الصلاحيات الكاملة للتوصل إلى اتفاق.

من جهتها، نقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن الخبيرة في العلاقات الأميركية-الإيرانية سوزان مالوني، قولها إن “ما رأيناه حتى الآن هو أن إيران تحاول استخدام الوقت كسلاح، لكنها أبدت استعداداً للنظر في مخرج. إنها تحاول فقط رفع الكلفة”، مضيفةً: “إنهم يختبرون لمعرفة ما الذي يمكنهم تحقيقه أيضاً”. وأضافت مالوني أن كلا الطرفين من المرجح أن يكون لديهما دافع للعودة إلى طاولة المفاوضات في نهاية المطاف، لأن إيران تسعى أيضاً إلى ضمان استمرار حقولها النفطية في الضخ، ولا تمتلك سوى قدرة تخزين محدودة للاحتفاظ بالنفط في ظل الحصار الأميركي الذي يمنع ناقلاتها من مغادرة الخليج الفارسي. كما أن الصين، الداعم الخارجي الرئيسي لإيران، غير مرتاحة للاضطرابات الممتدة في الاقتصاد العالمي، ويمكنها ممارسة ضغوط على طهران للتوصل إلى اتفاق.

إلى ذلك، نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن سفير إيران لدى الأمم المتحدة قوله إن بلاده مستعدة للتفاوض مع الولايات المتحدة بمجرد أن تنهي الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية. وقال أمير سعيد إيرفاني إن إيران تلقت “بعض المؤشرات” على استعداد الولايات المتحدة لإنهاء الحصار، الذي وصفه بأنه انتهاك لوقف إطلاق النار. وأضاف: “بمجرد كسر هذا الحصار، أعتقد أن الجولة التالية من المفاوضات ستُعقد في إسلام أباد”.

وقبل ساعات قليلة من انقضاء مهلة وقف لإطلاق النار، أعلن ترامب تمديد الهدنة مع إيران إلى حين تقديم مقترح إيراني وانتهاء المباحثات، فيما تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن حسم طهران قرارها بعدم المشاركة في جولة المفاوضات المقرّرة اليوم الأربعاء في إسلام أباد.  وذكر ترامب في منشور على منصة “تروث سوشال” ليل الثلاثاء- الأربعاء أنّ قراره جاء بناء على طلب باكستان تأجيل الهجمات حتّى يتسنى للقادة والممثلين الإيرانيين التوصل إلى ما أسماه اقتراحاً موحداً، وأضاف ترامب “لذلك، أصدرت تعليماتي إلى جيشنا بمواصلة الحصار والبقاء على أهبة الاستعداد والقدرة على التحرك، وبالتالي سأمدّد وقف إطلاق النار لحين تقديم اقتراحهم، وانتهاء المباحثات، بطريقة أو بأخرى”.

——————————

حروب ترامب: كيف يتشابك الداخل والخارج؟

أياً كانت الأسباب الفعلية وراء استقالة وزيرة العمل الأمريكية، وما إذا كانت أقرب إلى الإقالة منها إلى المغادرة الطوعية للمنصب، فإن الحقيقة التي لا جدال فيها تشير إلى أنها الثالثة التي تخرج من الفريق الحكومي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد إقالة وزيرة الأمن الداخلي، ثم وزيرة العدل.

صحيح من حيث الشكل والملابسات المعلنة أن الحالات الثلاث ليست على صلة مباشرة بالحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية الراهنة ضد إيران، أو بتداعياتها الداخلية على الحياة اليومية للمواطن الأمريكي في مسائل الطاقة وأسعار الوقود مثلاً. ولكن الصحيح الموازي هو أن الإقالات أو الاستقالات وثيقة الصلة بسياسات ترامب الداخلية، وآثار فضائحه الشخصية، وتدابيره الإدارية والإنفاقية ذات العواقب الفدرالية من جهة أولى. وغير منفصلة، من جهة ثانية، عن سياساته الخارجية بصدد الرسوم الجمركية، وأطماع التوسع الخارجي، واستعداء أوروبا، واستسهال شنّ الحروب هائلة التدمير.

ولم يعد جديداً أن يناقض ترامب تصريحات كبار المسؤولين ممّن اختارهم بنفسه بسبب ولائهم له، كما فعل مؤخراً حين اعتبر أن وزير الطاقة “مخطئ تماماً” لأن الأخير قدّر أن أسعار الوقود الراهنة قد لا تعود إلى مستوياتها السابقة قبل الحرب على إيران، أو حين بدأت مواقف انتقاد سياساته تصدر عن إعلاميين وصحافيين وساسة كانت ولاءاتهم لشخصه معلنة ومطلقة واعتاد على توظيفها في وجه خصومه.

هذا عدا عن معدلات شعبيته الآخذة في الانخفاض والتناقص، ليس على صعيد سواد الجمهور الأمريكي فقط، بل كذلك في قلب حاضنته الانتخابية وأنصاره على تنوع مشاربهم بين منظمات الـMAGA والتفوق الأبيض والتيارات الشعبوية واليمينية والعنصرية. ففي استطلاع رأي جديد أجرته شبكة NBC هبطت شعبية ترامب إلى مستواها الأدنى خلال ولايته الثانية فلم تتجاوز 37%، مقابل 63% من المعارضين، وعلى صعيد تعامله مع الحرب ضد إيران لم يؤيده سوى 33% مقابل رافضين بلغت نسبتهم 67%.

وقد يساجل البعض بأن الرئيس الأمريكي الحالي لم يعد يكترث بالقاعدة الانتخابية ولا حتى بالحاضنة الشعبية، لأنه أتمّ دورة رئاسية ثانية ولا يطمع منطقياً في ثالثة، وهذا رأي يغفل سمة كبرى ناظمة في شخصية ترامب هي تضخم الأنا والنرجسية والدوس على القوانين والنُظُم سارية المفعول، إذ ألمح مراراً إلى إمكانية تعديل العرف السائد والترشح لولاية ثالثة.

كذلك فإن القائلين بانتهاء عهد ترامب يتغافلون عن مواعيد انتخابات التجديد النصفي مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، والتنافس على 435 مقعداً في مجلس النواب، و35 مقعداً من أصل 100 في مجلس الشيوخ، فضلاً عن 39 انتخاباً لحكام ولايات وأقاليم. ولن يكون ترامب معنياً بهذه الانتخابات من باب الانحياز إلى الحزب الجمهوري، فهذا بات في عداد آخر همومه، بل لأن إحكام قبضته على الكونغرس تجنّبه مفاجآت المستقبل وإعادة فتح ملفات فضائحه، وهذه كثيرة أصلاً أو سوف تتكاثر.

حروب ترامب تتشابك في الداخل كما في الخارج، على مرأى التاريخ وشهادته.

القدس العربي

———————————

================

تحديث 21 نيسان 2026

———————————

الأموال الإيرانية المجمدة.. أرقام متضاربة وسباق على الثروة في لحظة أزمة/ ضياء قدور

أبريل 21, 2026

كلما اشتد الضغط على طهران، تعود قضية الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج إلى واجهة النقاش مرة أخرى، والدلائل تشير إلى أن القضية مرتبطة ارتباطاً وثيقا بعلاقة السلطة بالثروة والرقابة، وهي امتحان لقدرة الدولة على إدارة احتياطياتها بشفافية في لحظة أزمة سياسية واقتصادية وعسكرية خانقة.

لكن الأمر الأبرز في هذا الملف هو تضارب الأرقام بصورة لافتة، إذ باتت التقديرات تتفاوت بين عشرات المليارات وأكثر من مئة مليار دولار، مع بروز تساؤلات حول سبب عدم وجود رقم واحد واضح ومتفق عليه بين كل الأطراف المعنية بالقضية؟

الضبابية هنا قد لا تكون مجرد تقصير. في الأنظمة المغلقة، يتحول اختلاف الأرقام بسهولة إلى أداة سياسية، وكلما اتسعت الفجوة بين التقديرات، سَهُل تمرير التسويات بعيدًا عن رقابة الرأي العام، وازدادت قدرة شبكات المصالح على إعادة توزيع الموارد داخل الغرف المغلقة. ولهذا السبب، يُنظر إلى ملف الأموال المجمدة بوصفه أحد أكثر الملفات قابلية للاستغلال في لحظات التفاوض أو التوتر.

بحسب تقديرات وتصريحات متداولة منذ سنوات، تتراوح الأرقام بين حدّين متباعدين. فالرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما كان قد أشار إلى رقم يقارب 100 مليار دولار قبل أن يتحدث لاحقًا عن نطاق 50 إلى 60 مليارًا. وفي المقابل، قدّر الخبير الاقتصادي نادر حبيبي الأصول بأكثر من 100 مليار دولار منذ عام 1979. أما داخل إيران، فقد حاول رئيس البنك المركزي الأسبق وليّ الله سيف خفض الرقم إلى 29 مليار دولار، متحدثًا عن 23 مليارًا في اليابان وكوريا الجنوبية والإمارات، و6 مليارات من مبيعات نفط للهند.

وفي ذات الإطار، يمتد التباين إلى تقديرات الدول، ففي الصين تُذكر أرقام بين 22 و45 مليار دولار، وفي العراق تحدث السفير الإيراني في نيسان 2023 عن وصول المبلغ إلى 11 مليارًا بعد أن كان يُقدّر بنحو 5 مليارات. وفي كوريا الجنوبية تُذكر قرابة 7 مليارات دولار، بينما تُذكر لليابان نحو 3 مليارات، وللوكسمبورغ 1.6 مليار دولار.

يعود جزء من المشكلة إلى اختلاف تعريف المجمد. هل هو مال غير قابل للتحويل أصلًا، أم مال يمكن استخدامه ضمن قيود؟ وهل نتحدث عن احتياطي نقدي رسمي، أم عن عائدات نفط وبتروكيماويات، أم عن أموال شركات شبه دولية؟

من الواضح أن كل فئة من هذه الفئات تُنتج رقمًا مختلفًا، كما تتيح بعض الدول استخدامًا محدودًا لهذه الأموال تحت شروط، ما يجعل المتاح أقل بكثير من الموجود.

في هذا السياق، يتكرر الحديث عن اشتراطات أميركية تقيّد الاستخدام بفاتورة معتمدة للغذاء والدواء عبر قنوات مصرفية محددة، ما يعني أن النظام لا يتحكم بحرية بهذه الموارد. وفي المقابل، تُتداول تقديرات من صندوق النقد الدولي تفيد بأن نسبة كبيرة من احتياطيات إيران الأجنبية غير متاحة فعليًا، وأن ما يصل النظام ليس سوى جزء محدود منها في أفضل الأحوال.

لا يتحول المال المجمد إلى أزمة سياسية إلا لأن الداخل الإيراني يعيش ضغطًا معيشيًا شديدًا، فكلما ضاقت الموارد وتراجعت قدرة الدولة على الاستيراد والتمويل، ارتفعت احتمالات الغضب الاجتماعي. هنا يصبح السؤال عن الثروة سؤالًا عن الشرعية. لماذا تُحرم قطاعات واسعة من الناس من الدواء والوظائف، فيما تُدار المليارات بمنطق السرية؟

ومن هذا المنظور يمكن فهم تشديد القبضة الأمنية وتزايد لغة الردع، فحين تُحاصر السلطة اقتصاديًا، تميل إلى تعويض العجز المالي بقوة أمنية أكبر لمنع انفجار الشارع. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى تزايد تنفيذ إعدامات بحق سجناء سياسيين، بينهم وحيد بني عامريان، في خطوة تُقرأ بحسب منظمات معارضة كجزء من محاولة ترهيب البيئة الاجتماعية في لحظة حساسة.

وما بين 29 إلى 100 مليار دولار، لم تعد الضبابية في إيران مجرد رقم بريء، بل أصبحت نافذة للفساد، وفيما يحاول النظام إغلاق الشارع بالقمع، تطرح المعارضة الإيرانية تصورًا لمرحلة انتقالية. وفي هذا السياق، ترى المعارضة الإيرانية أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين تعزيز الشفافية والانتقال السياسي. فاستعادة أموال الشعب، بحسب رؤيتها، تحتاج إلى سلطة تخضع للمساءلة العامة وتعتمد على آليات إدارية واضحة. ومن هنا يأتي اقتراح تشكيل حكومة انتقالية لفترة محدودة، كوسيلة لتنظيم انتقال سلس يضمن مشاركة أوسع في اتخاذ القرارات وتوزيع الموارد، ضمن إطار سياسي واضح.

خلاصة القول: أزمة الأموال الإيرانية المجمدة باتت قضية تتعلق بالثقة والإدارة الجيدة. ووسط التضارب في التقديرات والقيود على الاستخدام، يظل السؤال الرئيسي كيف يمكن ضمان إشراف أفضل وأكثر فعالية على ثروة البلاد؟ في إيران اليوم، يبدو أن الحلول تتجاوز الجانب المالي لتصل إلى الجانب السياسي، حيث تبدأ الشفافية الحقيقية عندما تكون الدولة أكثر مسؤولية أمام شعبها.

الثورة السورية

——————————

كيف سهلت هونغ كونغ تدفق مليارات إيران الخفية؟/ كفاية أولير

تفقد العقوبات الأميركية تأثيرها في المدينة الصينية حيث يسهل تأسيس الشركات وتحويل الأموال

الثلاثاء 21 أبريل 2026

تستغل إيران سهولة إنشاء الشركات وتحويل الأموال في هونغ كونغ للالتفاف على العقوبات الأميركية والحصول على تقنيات وأموال حيوية، وتلعب الصين دوراً محورياً في دعم هذا النظام عبر التجارة والنفط، بينما تواجه الجهود الأميركية صعوبة في إيقافه.

تفقد العقوبات الأميركية تأثيرها في هونغ كونغ إذ يسهل إنشاء الشركات وتحريك الأموال، فلأعوام، ازدهرت المدينة الصينية كمركز يساعد إيران على الصمود في وجه عقوبات قاسية، الأمر الذي أثار إحباط المسؤولين الأميركيين الذين خاضوا حملة مستمرة أشبه بلعبة “اضرب الخلد” لإغلاق مليارات الدولارات من التجارة.

تحدثت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن حامد دهقان، وهو رئيس تنفيذي لشركة تجارية مقرها طهران، وقالت إن في عام 2019، اتهمت وزارة الخزانة الأميركية دهقان باستخدام شركة في هونغ كونغ كواجهة لشراء معدات حساسة تزيد قيمتها على مليون دولار لاستخدامها من قبل شركات مرتبطة ببرنامج الصواريخ الإيراني والحرس الثوري.

لكن ذلك لم يوقفه وفقاً للصحيفة، فإدراج وزارة الخزانة لشركة ما يهدف إلى منع استخدامها للحصول على سلع مقيدة، لكن في هونغ كونغ من السهل إنشاء شركة جديدة.

وأضافت الصحيفة “منذ ذلك الحين، اتهمت الوزارة شركات مرتبطة بشبكة دهقان بشراء ملايين الدولارات من التقنيات الغربية المقيدة عبر مجموعة متغيرة من الشركات الوهمية لمصلحة شركات إيرانية.

وشملت هذه شركات تطوير طائرات “شاهد” الهجومية من دون طيار، التي أصبحت عنصراً أساسياً في الهجمات الأخيرة التي شنتها إيران على جيرانها في الخليج.

وأشارت إلى أن الصين ساعدت طهران على تحمل أعوام من العزلة التي فرضتها الولايات المتحدة، وسمحت لها ببيع النفط وشراء أجزاء الصواريخ ومكونات الطائرات من دون طيار وغيرها من الإمدادات لتعزيز قدراتها العسكرية.

في حين أن جزءاً كبيراً من هذه التجارة يمر عبر هونغ كونغ، إلا أن سهولة إنشاء شركات جديدة وتحويل الأموال جعلت المدينة مركزاً مالياً عالمياً ومكاناً مناسباً للالتفاف على العقوبات.

4.8 مليار دولار معاملات مالية

وجد تحليل لوزارة الخزانة الأميركية أن الكيانات في هونغ كونغ، ومعظمها على الأرجح شركات وهمية، أجرت معاملات مالية بقيمة 4.8 مليار دولار يُحتمل ارتباطها بأنشطة مصرفية إيرانية خفية في عام 2024.

وقالت المديرة المشاركة في مبادرة الحرف الاقتصادية في المجلس الأطلسي، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن مايا نيكولادزه، للصحيفة “ستصبح الصين شريكاً تجارياً وهونغ كونغ مركزاً للمعاملات المالية ذات أهمية كبيرة”.

وتشتري الصين تقريباً كامل صادرات إيران النفطية عبر نظام مصمم لتقليل تأثير أي عقوبات محتملة، وتقول الصحيفة إنه على رغم أن الصين لم تعلن بيع أنظمة أسلحة لإيران منذ أوائل الألفية التزاماً بعقوبات الأمم المتحدة، فإنها تسمح بتدفق مستمر لمواد أولية لوقود الصواريخ وأجزاء الطائرات من دون طيار والصواريخ. وتشير إلى أنه على رغم أن هذه المواد لها استخدامات مدنية ظاهرياً، فإن المسؤولين الأميركيين يعتقدون أنها تدعم الجيش الإيراني.

وتواجه الشركات التي تتحايل على العقوبات الأميركية في هونغ كونغ أخطاراً قليلة من السلطات المحلية، فمثل بقية الصين، لا تعترف هونغ كونغ بالعقوبات “الأحادية” التي تفرضها دولة واحدة مثل الولايات المتحدة.

لعبة الشركات الوهمية

أشارت “وول ستريت جورنال” إلى أنه في عام 2024، وبعد محاولة وزارة الخزانة الأولى لإيقاف دهقان، أدرجت الولايات المتحدة ثلاث شركات إضافية في هونغ كونغ على القائمة السوداء، قالت إنها استخدمت من قبل شركته للحصول على ملايين الدولارات من الأجزاء لمصلحة شركات إيرانية.

وبعد إدراج تلك الشركات، قالت الوزارة إن الشبكة الإيرانية استخدمت شركات جديدة في هونغ كونغ لمواصلة نشاطها، وفي العام الماضي، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على خمس شركات أخرى في هونغ كونغ وشركة في مدينة شينزن الصينية، بزعم حصولها على أجزاء وأدوات غربية لصناعة الطائرات الإيرانية من دون طيار. ولم يتسن الوصول إلى دهقان للتعليق.

وتعد الصين العقوبات الأميركية الأحادية غير قانونية، وخلال إدارة بايدن، نفى مسؤولون صينيون أحياناً لنظرائهم الأميركيين شحن مواد مقيدة عبر بلادهم، بحسب ماثيو أكسلرود، الذي شغل منصب مساعد وزير لشؤون إنفاذ الصادرات في وزارة التجارة الأميركية.

وقال أكسلرود، “كان هناك بالتأكيد إنكار للمسؤولية عن اتخاذ إجراءات لأنها لا تنتهك قوانينهم. وكان هناك حديث عن السيادة وما اعتبروه محاولات منا لفرض قيود خارج الحدود على السلع الأميركية”.

وفي هونغ كونغ، تعرض عدد من كبار المسؤولين أنفسهم لعقوبات أميركية وفقاً للصحيفة، إذ فُرضت عقوبات على الرئيسة التنفيذية لهونغ كونغ جون لي، وسلفها كاري لام، وكبار مسؤولي الشرطة والأمن بسبب حملة بكين على المدينة.

ووصف لي العقوبات الأميركية على مسؤولي هونغ كونغ بأنها “عمل همجي للغاية”، وتجعل هذه القيود من الصعب عليهم الاحتفاظ بحسابات مصرفية، وقالت لام في عام 2020، إنها تحتفظ بأكوام من النقد في منزلها بدلاً من ذلك.

وحتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، فرضت الولايات المتحدة عقوبات مرتبطة بإيران على ما لا يقل عن 366 كياناً في الصين القارية أو هونغ كونغ، وفقاً للجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية – الصينية.

اتُهم بعض هذه الكيانات بالمساعدة في نقل النفط الإيراني، إذ فرضت وزارة الخزانة عقوبات على ثلاثة إخوة هم فضل الله ومنصور وناصر زرنجلام، لاستخدامهم شبكة لنقل مليارات الدولارات من مدفوعات النفط عبر شركات واجهة في دبي وهونغ كونغ.

وتذهب هذه الأموال إلى مجموعة من المسؤولين والكيانات الإيرانية الخاضعة للعقوبات، بما في ذلك الحرس الثوري، بحسب مسؤولين أميركيين.

استراتيجية جديدة

في حين أصبح انتشار الشركات الوهمية في هونغ كونغ مشكلة كبيرة لدرجة أن السلطات الأميركية بدأت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، باستهداف عناوين الشركات التي تتولى إجراءات تأسيس الشركات.

ويجعل إدراج عناوين ما يُعرف بـ”أمناء الشركات” من الصعب على المهربين إنشاء شركات وهمية جديدة والتهرب من الرقابة، بحسب وزارة التجارة الأميركية.

وأي شركة تشترك في عنوان مُدرج تواجه قيوداً صارمة على تصدير السلع الخاضعة للرقابة من الولايات المتحدة، التي قد تراوح ما بين إلكترونيات متقدمة ذات استخدامات عسكرية واضحة وأجهزة بسيطة في طائرات عسكرية من دون طيار.

ومن خلال مساعدة عدد قليل فقط على التهرب من العقوبات، قد يتسبب أمين شركة في فرض أعباء تنظيمية ثقيلة على مئات عملائه.

وقال الباحث في مشروع ويسكونسن للرقابة على الأسلحة النووية، تريستون تشاندلر، “إنها طريقة مثيرة للاهتمام للحصول على مساعدة من هونغ كونغ، ليس من الحكومة بل من القطاع الخاص، عبر جعل حياتهم أكثر صعوبة”.

وفي أكتوبر 2025، حددت وزارة التجارة الأميركية عناوين في هونغ كونغ مرتبطة بـليو باوشيا، وهي سيدة أعمال صينية متهمة بتزويد إيران بإلكترونيات حساسة من الولايات المتحدة لمدة تقارب عقدين.

ووُجهت اتهامات إلى ليو وثلاثة آخرين في عام 2024 بالتآمر والتهريب وانتهاك القوانين الأميركية المتعلقة بالتجارة مع إيران، ولا يزالون طلقاء، وعرضت وزارة الخارجية مكافأة تصل إلى 15 مليون دولار مقابل معلومات تؤدي إلى تعطيل أنشطتهم. ولم يتسن الوصول إلى ليو للتعليق للصحيفة.

وقال تشاندلر، إن إدراج العناوين المرتبطة بشبكة ليو كان له تأثير متباين، ففي حين توقفت إحدى شركات خدمات السكرتارية عن التعامل معهم، انتقلت شركة أخرى ببساطة إلى موقع جديد.

وأصبح أحد العناوين المُدرجة، في مبنى تجاري يضم أيضاً طبيب طب صيني ومتجر أحجار لعبة “ماجونغ” ومتجر ساعات فاخرة، صالوناً للأظافر الآن.

——————————————–

==================

تحديث 20 نيسان 2026

———————————

إيران وإسرائيل: الحاجة إلى كبح مزدوج/ طوني فرنسيس

طهران غير قادرة على التصرف كدولة طبيعية والهدنة استراحة نحو صدامات جديدة

الاثنين 20 أبريل 2026

فجأة، وربما بسبب هذه التصريحات المُحرجة، أعادت إيران الأمور إلى ما يشبه نقطة الصفر. توالت بيانات مسؤوليها ومجالسها الأمنية والعسكرية عن مطالب ترمب “المفرطة” قبل أن تعلن عن إعادة إقفال المضيق الذي اكتشفت، ومعها أميركا والعالم، أنه سلاحها الأقوى في الابتزاز والتفاوض.

عندما عادت إيران إلى الإعلان عن إغلاق مضيق هرمز السبت الماضي، كان المضيق ومعه موانئ إيران جميعها لا تزال تحت الحصار البحري الأميركي. لذلك لم يكن للقرار الإيراني أي معنى فعلي غير الحرص على البقاء في صورة الطرف القوي القادر على اتخاذ القرارات الحاسمة، التي ستؤخذ في عين الاعتبار مع اقتراب مهلة وقف النار من نهايتها في الـ21 من الشهر الجاري، وما رافقه من حديث الوسطاء الباكستانيين المكثف عن احتمال تحقيق تفاهمات حاسمة.

سبقت القرار الإيراني سلسلة مواقف أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أوحت بأن اتفاقاً بات في متناول اليد، وأن القيادة الإيرانية هي في طريقها إلى ما يشبه استسلاماً كاملاً لم يكفّ ترمب عن الحديث عنه. وفي جملة ما قاله ترمب إن إيران “وافقت على وقف دعم ‘حزب الله‘ وحركة ‘حماس‘”. كان هذا التصريح الأكثر وضوحاً لناحية مصير علاقة إيران بأذرعها، لكن إيران أو “حزب الله” أو “حماس” لم يعلقوا على هذا الإعلان الذي جاء في سياق قول الرئيس الأميركي لـ”سي بي أس” إن “إيران وافقت على كل شيء وستعمل مع الولايات المتحدة على إزالة اليورانيوم المخصب… وسننزل نحن وهم لنقل اليورانيوم المخصب، ثم سنأخذه ونحصل عليه معاً لأنه بحلول ذلك الوقت سيكون لدينا اتفاق، ولا حاجة للقتال عندما يكون هناك اتفاق”.

في تصريحات أخرى متزامنة أشار ترمب إلى أن “المفاوضات تسير بسرعة، وأن معظم النقاط الأساسية جرى التفاهم عليها بالفعل، وأنه لم تعد هناك أي نقاط عالقة”. ثم لدى وصوله إلى مضيق هرمز والحصار البحري الذي تفرضه بلاده على إيران، قال إن “الحصار سيبقى مفروضاً بصورة كاملة إلى حين الانتهاء من جميع التفاهمات بنسبة 100 في المئة”. وهذا ما أمِل في تحقيقه “خلال يوم أو يومين”، إذ إن حكومته وإيران يقتربان من “اتفاق من ثلاث صفحات لإنهاء الحرب”، على رغم بقاء بعض الفجوات بين الجانبين.

فجأة، وربما بسبب هذه التصريحات المُحرجة، أعادت إيران الأمور إلى ما يشبه نقطة الصفر. توالت بيانات مسؤوليها ومجالسها الأمنية والعسكرية عن مطالب ترمب “المفرطة” قبل أن تعلن عن إعادة إقفال المضيق الذي اكتشفت، ومعها أميركا والعالم، أنه سلاحها الأقوى في الابتزاز والتفاوض. ومع استمرار الغموض في الكثير من التفاصيل المجهولة، فإن المفاوض الإيراني أوحى أن المفاوضات فشلت، وأن الوسيط الباكستاني بشخص قائد الجيش عاصم منير الذي انتقل من طهران إلى واشنطن، لم يحقق أي نجاح في اتصالاته.

وليس الأسلوب الإيراني في التخفي وتأجيل إعلان الحقائق بجديد، فهذه طريقة مألوفة تنتهجها القيادة في طهران، وهي اتبعتها لدى انطلاق جولة المفاوضات الأولى في إسلام آباد، حيث استنفد خط سير وفد التفاوض ومحطاته وتوقيت وصوله ساعات من التكهنات، فيما كانت طلائعه قد حطت في العاصمة الباكستانية.

في خطوتها إعادة إغلاق مضيق هرمز الذي بقي سلاحها الأقوى حتى فرض أميركا الحصار الشامل على سواحلها، أثارت إيران ضجةً غير ذات شأن، فهي كمن يقوم بإقفال باب غرفة داخلية في منزل شاسع سُدَّت جميع منافذه بإحكام. ولذلك فلا جدوى كبيرة من هذه الخطوة غير المساس بشروط الهدنة التي شارفت على نهايتها. كانت إيران جادلت في موضوع إعادة فتح المضيق بمقتضى اتفاق وقف إطلاق النار. وقدمت التأخير في الالتزام بتنفيذ هذا البند على أنه محاولة للضغط لإجبار إسرائيل على وقف إطلاق النار في لبنان، لكن الولايات المتحدة الأميركية سارعت إلى فصل المسار الإيراني عن الواقع في لبنان، ففرضت حصاراً بحرياً على المضيق المخطوف من جهة،  ودعمت قرار السلطات اللبنانية السيادي في دعوتها إلى وقف الحرب وبدء مفاوضات ثنائية برعاية ترمب تقود إلى انسحاب إسرائيلي كامل من لبنان، بمعزل عن التوظيف الإيراني لحرب “حزب الله” خدمة لتحسين شروط إيران في التفاوض. أما الآن وبعد العودة إلى إقفال الممر المائي، فليس محسوماً ما سيكون عليه مصير الهدنة في لبنان وما سيتخللها ويليها، وهل ستتم إعادة ربط جبهة “حزب الله” مجدداً بإيران كأحد عناصر قوة الجانب الإيراني، مع ما يتطلبه ذلك من تفجير عسكري شامل على الجبهة اللبنانية؟

كل شيء سيكون مرتبطاً بمآلات المفاوضات الأميركية – الإيرانية وما ستسفر عنه في النهاية، خصوصاً بعد اكتشاف أميركا المتأخر لسلاح الحصار البحري، الذي يمكن أن يعفيها من حملة برية ويؤخر لجوءها مرة أخرى إلى لغة القصف الجوي.

هذه المرة تستعير واشنطن نظرية إيران في مسألة “الصبر الاستراتيجي”. يستلهم الطرفان الكاتب الروسي ليو تولستوي في روايته “الحرب والسلام”، حيث يقول فيها إن “كل شيء يأتي في وقته لمن يعرف كيف ينتظر، ولا شيء أقوى من الصبر والوقت”. لكل من الطرفين دوافعه للصبر والمماطلة. ترمب يبحث مع معاونيه الخطوات المقبلة، وطهران تكرر تصريحاتها وتطلق العنان لخطابات أنصارها في اليمن والعراق ولبنان وسط إحساس الجميع بفداحة الخسارة وثقل الهزيمة وأثمانها الكبرى. الطرفان، وهذا ما تقوله الوقائع، يحتاجان إلى تسوية لا يمكن الخروج إليها من دون تنازلات إيرانية أساسية، فيما لا تتحمل الإدارة الأميركية ترف صرف الوقت في انتظارها. بهذا المعنى جاء تبني ترمب لمشروع التفاوض اللبناني – الإسرائيلي بعد هدنة الأيام الـ10، ترجمة أولى لمطلبه في قصقصة أذرع إيران في الإقليم بدءاً من ذراعها الأبرز، لكن الوصول إلى تثبيت أسس جديدة للأمن الإقليمي سيحتاج إلى أكثر من ذلك، حيث لا يمكن ترك مشروع الحرب الإسرائيلية المتفلتة ضد الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين من دون ردع، كذلك لا يمكن إغفال مسائل الأحزمة الأمنية التي يقيمها الجيش الإسرائيلي في غزة وسوريا ولبنان بهدف توسيع الاحتلال.

وفي الخليج أيضاً ستتطلب التسوية بين أميركا وإيران ضمانات تشارك الدول الخليجية في تحديدها كي لا تتكرر الاعتداءات العشوائية الإيرانية ضد هذه الدول.

لكن إيران لا تبدو مستعدة للقبول بتغييرات تعيدها إلى حجمها كدولة طبيعية في الإقليم، تقيم علاقات احترام وحسن جوار مع محيطها في إطار القوانين والشرائع الدولية. وهي قد تميل إلى تقديم تنازلات ما لأميركا من دون أي اعتبار لمصالح شعبها والشعوب المجاورة، وتجربة شهر ونصف الشهر من الحرب لا تجعل خصومها يستعجلون اتفاقاً يمهد لحرب جديدة بعد حين. واستناداً إلى تطورات الأيام الأخيرة، ومع احتمالات اتفاق يهبط في اللحظة الأخيرة، أو استئناف لعمليات عسكرية سمحت الهدنة باستعداد الطرفين لخوضها، فإن صورة الانتصارات العسكرية الحاسمة تتضاءل أمام ضرورة البحث عن حلول سياسية يمكنها الصمود والاستمرار.

———————————

 تباين داخلي بين مؤسسات الدولة الإيرانية تجاه مساعي الوفد الباكستاني بشأن جولة المفاوضات الجديدة

عربي بوست

2026/04/17

شهدت زيارة وفد باكستاني رفيع المستوى إلى إيران تحركات تهدف إلى تمهيد الأجواء لجولة جديدة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، وفق ما كشفت مصادر إيرانية مطلعة، وذلك في ظل تمسك كل طرف بمواقفه. وقد ترأس الوفد قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، وهو الشخصية الأقوى في المؤسسة العسكرية الباكستانية وصاحب النفوذ الأوسع في رسم توجهات السياسة الخارجية والأمن القومي في البلاد، خصوصًا في الملفات الحساسة المتعلقة بإيران والولايات المتحدة وأفغانستان.

كما ضم الوفد وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، إلى جانب مسؤولين عسكريين وأمنيين ودبلوماسيين رفيعي المستوى، في إطار بعثة تجمع بين البعدين الأمني والسياسي، حيث لعب الوفد دور ناقل الرسائل وتنسيق المواقف، في محاولة لإقناع إيران باستئناف التفاوض مع الولايات المتحدة مجددًا.

مسار الردع المركّب

بحسب مصدر إيراني مطلع على سير النقاشات داخل “مؤسسة المرشد”، فإن طهران لا تنظر إلى المفاوضات الجارية باعتبارها مسارًا منفصلًا عن سياستها العامة القائمة على “الردع المركّب”، بل كأداة مكمّلة تُستخدم عند الضرورة لتخفيف الضغوط دون تقديم تنازلات جوهرية.

ويشير المصدر إلى أن الموافقة التي أبدتها وزارة الخارجية الإيرانية للوفد الباكستاني، الذي يزور إيران حاليًا لتسهيل معالجة ملفات عالقة بين طهران وواشنطن تمهيدًا لجولة جديدة من المفاوضات، لم تكن قرارًا نهائيًا بقدر ما كانت “إشارة تكتيكية” تهدف إلى اختبار نوايا الطرف الآخر وقياس حدود الممكن في ظل الظروف الإقليمية الراهنة.

ويضيف المصدر أن أحد أبرز محاور الخلاف في هذه الجولة من الاتصالات يتمثل في ملف الأموال الإيرانية المجمدة، التي تُقدّر بنحو 8 مليارات دولار، حيث تصر طهران على الإفراج الكامل عنها كشرط أساسي لأي تقدم ملموس. كما يبرز ملف مضيق هرمز كأحد الملفات الحساسة، في ظل ما تصفه طهران بضغوط وحضور عسكري أمريكي في المنطقة. وفي المقابل، تحاول الأطراف الوسيطة، وعلى رأسها الجانب الباكستاني، الدفع نحو حلول مرحلية أو جزئية، وهو ما لم يحظَ حتى الآن بقبول كامل داخل مراكز القرار الإيرانية.

وفي سياق متصل، تلعب إسلام آباد دورًا متزايد الأهمية كقناة اتصال غير مباشرة، إذ عقد الوفد الباكستاني سلسلة لقاءات مع مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، شملت شخصيات سياسية وأمنية بارزة، في محاولة لتقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن. ووفق المصدر، فإن هذه اللقاءات لم تقتصر على الجانب الدبلوماسي، بل امتدت لتشمل نقاشات أمنية حساسة، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بالممرات البحرية الحيوية.

مضيق هرمز

في الوقت نفسه، يؤكد المصدر أن مضيق هرمز لا يزال في صلب الحسابات الإيرانية، ليس فقط بوصفه ورقة ضغط استراتيجية، بل كجزء من معادلة الردع الشامل التي تعتمدها طهران. ورغم الحديث المتداول في بعض الأوساط عن “فك الحصار” أو تخفيف القيود المرتبطة بالمضيق، فإن المؤسسة الأمنية الإيرانية ترى في هذا الطرح “خطًا أحمر”، وترفض إدراجه ضمن أي تفاوض مباشر أو غير مباشر، معتبرة أن السيادة على هذا الممر غير قابلة للمساومة.

وبخصوص نظرة إيران إلى ملف مضيق هرمز، قال حجة الإسلام سيد محمود نبويان، نائب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان وأحد أعضاء وفد المفاوضات مع الولايات المتحدة، في بيان له:

“يُعد استمرار سياسات الجمهورية الإسلامية الإيرانية القائمة على الردع الفعّال وحماية المصالح الوطنية ومواجهة التهديدات الخارجية أمرًا أساسيًا، في حين أن مضيق هرمز، باعتباره ممراً استراتيجياً، سيظل ضمن إطار السيادة الوطنية الإيرانية، وأي عمل عدائي ضد البلاد سيُقابل برد مماثل ورادع”.

وأضاف:

“يتمتع مضيق هرمز بموقع جيوسياسي واستراتيجي في نظام الطاقة والتجارة العالمي، وقد تعاملت الجمهورية الإسلامية الإيرانية دائمًا مع هذا الممر الحيوي بنهج مسؤول قائم على الاستقرار الإقليمي، لكنها في الوقت نفسه ستستخدم جميع قدراتها القانونية والسياسية والردعية ضد أي تهديد للأمن القومي أو المصالح الاقتصادية أو السلامة الإقليمية للبلاد”.

وتابع نبويان قائلًا:

“سيتم اتخاذ القرارات المتعلقة بهذا الممر المائي الاستراتيجي في إطار المصالح الوطنية، مع مراعاة الأمن والاقتصاد، كما ستستخدم الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسائلها المناسبة والقانونية في مواجهة أي إجراءات تقييدية أو ضغوط أحادية الجانب”.

ملف لبنان

أما فيما يتعلق بالملف اللبناني، فيشير المصدر إلى أن توقف العمليات العسكرية هناك قد أزال أحد العوائق الرئيسية أمام استمرار النقاشات، لكنه لم يكن كافيًا لتحقيق اختراق حقيقي. فطهران، بحسب المصدر، تنظر إلى الساحة اللبنانية كجزء من منظومة توازن إقليمي أوسع، وليس كملف منفصل يمكن التعامل معه بمعزل عن بقية القضايا، خاصة تلك المرتبطة بالدور الإسرائيلي في المنطقة.

في السياق نفسه، يربط الأكاديمي في جامعة طهران، حسين رويوران، بين التطورات في لبنان، ولا سيما وقف إطلاق النار هناك، وبين المناخ العام الذي يحيط بالمفاوضات الإيرانية الأمريكية. فبحسب قراءته، فإن التهدئة في الجبهة اللبنانية لا يمكن اعتبارها معزولة عن التفاهمات الإقليمية الأوسع، حتى وإن لم تكن جزءًا مباشرًا من الملف النووي. إذ إن أي خفض للتصعيد على جبهة واحدة ينعكس تلقائيًا على حسابات الأطراف في الجبهات الأخرى، ويعيد ترتيب أولويات الضغط والتفاوض، سواء بالنسبة لإيران أو الولايات المتحدة أو حلفاء الطرفين في المنطقة.

ويشير الأكاديمي الإيراني إلى أن وقف إطلاق النار في لبنان قد يفتح نافذة مؤقتة لإعادة تقييم أدوات الضغط المتبادل، لكنه في الوقت نفسه لا يعني بالضرورة اقترابًا حقيقيًا من تسوية شاملة. فإيران تنظر إلى هذه التطورات باعتبارها جزءًا من “إدارة صراع طويل الأمد”، وليس بوصفها مقدمات لاتفاق سريع. كما أن واشنطن، من جهتها، تتعامل مع الملفات الإقليمية باعتبارها مترابطة، حيث يتم استخدام كل ساحة ضغط لدعم الموقف التفاوضي في ساحات أخرى.

تباين المواقف داخليًا

غير أن التحدي الأكبر، وفق المصدر، لا يكمن فقط في الخلاف مع الأطراف الخارجية، بل في التباين الداخلي بين مؤسسات الدولة الإيرانية. فبينما تميل وزارة الخارجية إلى استكشاف فرص التفاوض وإبقاء القنوات مفتوحة، تتبنى جهات أخرى، وعلى رأسها الحرس الثوري وبعض دوائر الأمن القومي، موقفًا أكثر تشددًا يرفض أي انخراط في مسار تفاوضي لا يضمن تحقيق مكاسب واضحة وفورية.

ويبرز في هذا السياق موقف شخصيات بارزة داخل التيار المحافظ، التي عبّرت بشكل صريح عن رفضها لفكرة التفاوض في الظروف الحالية، مثل محسن رضائي المحسوب على الحرس الثوري، معتبرة أن التجارب السابقة أثبتت عدم جدوى الرهان على المسارات الدبلوماسية مع واشنطن. هذا الانقسام، بحسب المصدر، لا يصل إلى حد الصراع المؤسسي، لكنه يعكس اختلافًا في تقدير الأولويات والتوقيت، وهو ما يؤثر بدوره على وتيرة اتخاذ القرار.

وفي موازاة ذلك، يشير المصدر إلى أن القيادة الإيرانية تحرص على الحفاظ على ما يُعرف بـ”الغموض الاستراتيجي”، بحيث لا تُغلق باب التفاوض بشكل كامل ولا تفتحه على مصراعيه. هذه المقاربة تتيح لطهران المناورة بين الضغوط الدولية ومتطلبات الداخل، مع الحفاظ على صورة الدولة القادرة على الجمع بين الصلابة والمرونة في آن واحد.

وهو ما أكدته أيضًا وكالة “تسنيم” المقربة من الحرس الثوري، التي قالت إنه على الرغم من إعلان وسائل الإعلام الأمريكية عن إجراء محادثات خلال عطلة نهاية الأسبوع (السبت أو الأحد)، فإن المعلومات التي حصلت عليها الوكالة تُظهر أن إيران لا تزال مترددة بشأن حسن نية الأمريكيين وعدم مبالغتهم، وتعتقد أنه بسبب إخلال الولايات المتحدة بوعدها في بداية المفاوضات واستمرار هذا الإخلال حتى الآن، فمن غير المرجح أن تُثمر الجولة القادمة من المحادثات.

وقالت الوكالة: “أكدت إيران، من خلال باكستان، ضرورة أن تفي الولايات المتحدة أولًا بالتزاماتها، وثانيًا أن تتوقف عن تجاوزاتها المستمرة في المفاوضات. ويسعى الوسيط الباكستاني إلى عقد جولة ثانية من المحادثات، لكن إيران تقول إنه بدون استكمال الاستعدادات والتوصل إلى الإطار اللازم، لن تكون هذه المحادثات ذات فائدة”.

وقد برز التباين في المواقف الإيرانية حول دور باكستان بوضوح في تصريح لإبراهيم رضائي، البرلماني الإيراني والمتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان، الذي كتب في تغريدة له:

“إن السبب وراء ضغط العدو على إيران لإخراج المواد أو تخفيف تركيزها والوصول إلى نسبة تخصيب صفرية هو تجريدها من قدرتها على الردع في الحرب القادمة، حتى تتمكن من المضي قدمًا بثقة في مشروع التدمير والتفتيت. ولا ينبغي لنا أن نتفاءل بشأن حليف ترامب المقرب، قائد الجيش الباكستاني”.

وحسب المصدر الإيراني، تعكس هذه التغريدة بوضوح حالة “الريبة” المتصاعدة داخل جزء من المؤسسة السياسية الإيرانية تجاه مسار المفاوضات الجارية، إذ يُنظر إلى الضغوط الغربية على أنها لا تستهدف فقط الملف النووي، بل تسعى في جوهرها إلى تقليص القدرة الردعية الإيرانية وإعادة تشكيل ميزان القوة لصالح خصومها في أي مواجهة مستقبلية.

كما يكشف الخطاب الذي تبناه رضائي عن قناعة راسخة لدى هذا التيار بأن مطلب “التخصيب الصفري” لا يمكن فصله عن سياق أوسع يهدف إلى إضعاف إيران استراتيجيًا، وهو ما يفسر التحذير من الثقة الزائدة في بعض الوسطاء الإقليميين، ومن بينهم باكستان، باعتبار أن أدوار الوساطة قد لا تكون محايدة بالكامل في الحسابات الإيرانية.

مشهد تفاوضي شديد التعقيد

تكشف المعلومات، وفق ما قال المصدر الإيراني، أن اللقاء الذي جمع قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، مع اللواء علي عبد اللهي، قائد مقر خاتم الأنبياء المركزي، لم يكن بروتوكوليًا فحسب، بل تناول بشكل مباشر قضايا التنسيق الأمني الإقليمي، وإمكانية لعب دور أوسع في تخفيف حدة التوتر بين إيران والولايات المتحدة. ويُنظر إلى هذا اللقاء، بحسب المصدر، كجزء من تحرك أوسع تقوده إسلام آباد لتعزيز موقعها كوسيط إقليمي موثوق.

ويضيف المصدر أن هذه التطورات تعكس مشهدًا تفاوضيًا شديد التعقيد، تتداخل فيه الحسابات الاستراتيجية مع الضغوط الاقتصادية والاعتبارات الأمنية. وبينما تبدو بعض المؤشرات إيجابية من حيث استمرار قنوات الاتصال، إلا أن الطريق نحو أي اتفاق فعلي لا يزال محفوفًا بالعقبات، سواء على مستوى الخلافات مع الأطراف الخارجية أو التباينات داخل بنية النظام الإيراني نفسه.

وأشار إلى أن طهران لن تقدم على أي خطوة حاسمة في هذا الملف إلا بعد التأكد من توافر “ضمانات حقيقية” تضمن تحقيق مصالحها الأساسية، وفي مقدمتها رفع الضغوط الاقتصادية والحفاظ على توازنها الإقليمي. وحتى ذلك الحين، ستبقى المفاوضات في إطار “إدارة الأزمة” أكثر من كونها مسارًا لحلها بشكل نهائي.

في سياق متصل، قال الأكاديمي في جامعة طهران، حسين رويوران، إن زيارة الوفد الباكستاني إلى إيران وما تخللها من لقاءات مع عدد من المسؤولين الإيرانيين والأطراف المرتبطة بملف التفاوض مع الولايات المتحدة، تعكس دخول الوساطات الإقليمية مرحلة أكثر نشاطًا في محاولة إعادة ضبط مسارات التوتر بين طهران وواشنطن. ووفق هذا التصور، فإن التحرك الباكستاني لا يمكن فصله عن حالة السيولة السياسية التي تشهدها المنطقة، حيث تتقاطع ملفات غزة ولبنان والبحر الأحمر مع الملف النووي والعقوبات الاقتصادية في شبكة واحدة من التأثيرات المتبادلة.

ويرى رويوران أن طبيعة اللقاءات التي عقدها الوفد الباكستاني داخل إيران، والتي شملت أطرافًا متعددة ذات صلة بملف المفاوضات مع الولايات المتحدة، تشير إلى أن إسلام آباد تحاول تثبيت دورها كقناة تواصل مقبولة لدى مختلف الأطراف، خاصة في ظل تعقّد قنوات الوساطة التقليدية. ويضيف أن إيران تتعامل مع هذه التحركات من منطلق براغماتي، إذ لا ترفض مبدأ الوساطة، لكنها في الوقت نفسه تحرص على ألا تتحول هذه الوساطات إلى أداة ضغط سياسي أو إعادة صياغة لشروط التفاوض خارج الإطار الذي تراه مناسبًا لمصالحها.

وفي ما يتعلق بمسار التفاوض بين إيران والولايات المتحدة، يرى رويوران أن طهران تتوقع استمرار حالة “اللا حسم” في المدى القريب، أي عدم الوصول إلى اتفاق شامل، ولكن أيضًا عدم الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. هذا الوضع الوسطي، بحسب وصفه، يعكس توازن الردع القائم، حيث لا يمتلك أي طرف القدرة أو الرغبة في الذهاب إلى النهاية، في حين يستمر كل طرف في تحسين شروطه التفاوضية عبر الملفات الإقليمية.

ويضيف أن إيران تدرك أن المرحلة الحالية تقوم على إدارة دقيقة للتصعيد، وأن أي تقدم في المسار التفاوضي سيكون مرتبطًا ليس فقط بالملف النووي، بل أيضًا بتطورات الساحات الإقليمية، من لبنان إلى البحر الأحمر إلى العراق. وبالتالي، فإن زيارة الوفد الباكستاني، ووقف إطلاق النار في لبنان، والحراك الدبلوماسي غير المباشر، كلها عناصر ضمن لوحة واحدة معقدة، لا تزال في حالة إعادة تشكّل مستمرة، دون ملامح تسوية نهائية واضحة في الأفق القريب.

تجارب سابقة غير إيجابية

من جانبه، قال الأكاديمي في جامعة طهران، صادق كوشكي، إن الحديث عن جولة ثانية من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة لا يمكن فصله عن “تجارب سابقة اتسمت بانعدام الثقة” من وجهة النظر الإيرانية، معتبرًا أن أي مسار تفاوضي جديد لا ينطلق من أرضية مستقرة، بل من إرث طويل من الاتفاقات التي انهارت بفعل قرارات سياسية مفاجئة من الجانب الأمريكي.

ويضيف كوشكي أن ما يزيد من حالة التشاؤم في إيران هو الاعتقاد بأن السياسات الأمريكية، خصوصًا في ظل عودة الخطاب المرتبط بترامب أو بنهجه السياسي، تتسم بعدم الاستقرار الاستراتيجي، إذ يمكن التراجع عن الالتزامات بسهولة بمجرد تغيّر الحسابات الداخلية في واشنطن. وهذا، بحسب رأيه، يجعل إيران أكثر ميلًا إلى التشدد في وضع الشروط المسبقة لأي مفاوضات جديدة، بهدف ضمان وجود آليات تنفيذ وضمانات تمنع تكرار سيناريو الانسحاب الأحادي.

وفي هذا السياق، يشير الأكاديمي الإيراني إلى أن طهران لا تنظر إلى الجولة التفاوضية المحتملة باعتبارها فرصة لاتفاق سريع، بل اختبارًا جديدًا لمدى جدية الطرف الأمريكي في الالتزام طويل الأمد. ولذلك، يتجه الموقف الإيراني، وفق هذا التحليل، نحو رفع سقف المطالب المرتبطة بالضمانات الاقتصادية ورفع العقوبات بشكل قابل للتحقق العملي، وليس فقط عبر وعود سياسية أو تفاهمات غير ملزمة قانونيًا.

كما يرى كوشكي أن هناك قناعة متزايدة داخل إيران بأن البيئة الإقليمية والدولية الحالية لا تشير إلى استقرار كافٍ يسمح ببناء اتفاق دائم، بل على العكس، فإن مؤشرات التصعيد في عدة ساحات، من البحر الأحمر إلى بعض مناطق الشرق الأوسط، تعزز احتمال العودة إلى المواجهة العسكرية في حال فشل إدارة التوتر. ويذهب إلى أن “انفجار الحرب” يبقى احتمالًا قائمًا إذا انهارت قنوات التواصل أو إذا استُخدمت المفاوضات كغطاء لإعادة فرض الضغوط بدل تخفيفها.

ويؤكد أن هذا الإدراك يدفع صناع القرار في طهران إلى التعامل مع التفاوض بوصفه جزءًا من استراتيجية ردع وليس مسار تسوية فقط، أي أن الهدف ليس الوصول إلى اتفاق بأي ثمن، بل منع الطرف الآخر من استغلال العملية التفاوضية لتحقيق مكاسب تكتيكية دون التزام فعلي.

ويعتقد صادق كوشكي أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر حساسية وتعقيدًا، وأن إيران ستدخل أي جولة تفاوضية جديدة وهي محمّلة بذاكرة سياسية ثقيلة وتجارب سابقة غير مطمئنة، ما يجعل هامش الثقة محدودًا للغاية، ويجعل احتمالات التوتر أو حتى الانفجار العسكري قائمة ما لم تظهر ضمانات مختلفة جذريًا عن كل ما سبق.

———————————

المضيق والمريض والطبيب الباكستاني/ غسان شربل

 20 أبريل 2026 م

قرعُ طبولِ الحرب قد يؤدّي إلى الانزلاق مجدّداً إليها. يمكن أن يؤديَ أيضاً إلى خفضِ مطالبِ الصقور وإنضاجِ شروطِ التسوية. إنَّنا في خضمّ أزمةٍ كبرى أشد خطورةً من كلّ الحروب التي عرفَها الشَّرقُ الأوسطُ المريض. أطرافُ النّزاع يلتفتون إلى ساعاتِهم. الوقتُ ينفدُ والأنظارُ معلقةٌ على العقارب. الهدنةُ الأميركيةُ – الإيرانية تنتهِي الأربعاء. والصَّبرُ ليسَ من طبائع دونالد ترمب. والاستسلامُ أكبرُ من قدرة جنرالات «الحرس الثوري» على تجرّعه. ثمةَ طرفٌ آخرُ ينظر بقلقٍ إلى المشهدِ والمواعيد. إنَّه الاقتصادُ العالمي الذي وقع رهينةً في مضيق هرمزَ وفي أزمةٍ عسكريةٍ واقتصادية تمسُّ مصيرَ خرائطَ قريبةٍ وبعيدة.

لا غرابة أن تكونَ الأيامُ الحالية الحاسمة حافلةً بالمناورات وعضّ الأصابع والتسريباتِ والتهديدات. يطالبُ ترمب إيرانَ بتنازلٍ صريحٍ عن الحلم النوويّ والإقلاعِ عن ارتكابِه مرة أخرى. من هنَا يأتي موقفُه الرافضُ للتَّخصيب وإصرارُه على تسلّم ثروة اليورانيوم العالي التَّخصيب المدفونةِ حاليّاً تحت ركامِ الغارات الأميركية. يطالب إيرانَ أيضاً بلجمِ حدود ترسانتِها الصَّاروخية التي بادرت إلى استخدامِها ليس فقط ضدَّ خصومِها بل أكثر ضد جيرانِها الذين تفادوا الانخراطَ في الحرب. يطالبها أيضاً بالتَّوقف عن تحريكِ أذرعِها أي «الجيوش الصغيرة» الموازية التي تولَّى الجنرال قاسم سليماني رعايتَها وتمويلَها وتسليحها. وتجاوبُ إيرانَ مع هذه المطالبِ يغيّر، في حالِ حصوله، موقعَها وحدودَها ودورها.

في أيام خامنئي الأبِ وقاسم سليماني وسَّعت إيرانُ حدودَها محاولةً الإمساكَ بمفاتيح الإقليم. صارتِ الحدودُ السوريةُ – الإسرائيلية حدوداً إيرانية – إسرائيلية. حقَّقت الشَّيء نفسَه على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية والأمرَ نفسَه في غزة. وانضوت فصائلُ عراقيةٌ في «محور المقاومة» وأطلَّ الحوثيون. حقَّقت إيرانُ تقدّماً في الإحاطةِ بإسرائيلَ بشبكةِ أنفاقٍ وصواريخَ وتجدَّد حلمُها بقطع «الخيط الأميركي» في الشرق الأوسط.

تغيَّرتِ الصورة. أسقطت حروبُ ما بعد «طوفان السنوار» الحدودَ الإيرانية – الإسرائيلية في غزة. خسرت إيرانُ حدودَها مع إسرائيل عبر «الجسر» السوري. وهي ستخسرها أيضاً عبر لبنان. الكلامُ الأخير للرئيس جوزيف عون واضحٌ وقاطع. لا تقبلُ الدولةُ اللبنانية شريكاً لها في قرار الحرب والسلم. لا تسلّم لأي طرفٍ خارجي بحقّ التَّحدثِ نيابةً عنها أو التفاوضِ في غيابها. إنَّه تمرّدٌ صريحٌ على الوصايةِ الإيرانية التي ورثتِ «الوصاية السورية». وهذا أيضاً موقفُ حكومةِ نواف سلام وأكثريةِ اللبنانيين.

لم يسقطِ النظامُ الإيرانيُّ تحتَ وطأةِ الضَّرباتِ الأميركية والإسرائيلية. ولم يكن متوقَّعاً أن يسقط. لكنَّ النَّظامَ يواجه حالياً امتحاناً بالغَ الخطورة. عودةُ الحربِ ستعمّق خسائرَه والحشدُ العسكريُّ الأميركيُّ هائل. «الغضبُ الاقتصادي» ومطاردةُ الخزاناتِ العائمة والحصار البحري عواملُ ستجعل الحصارَ البحري أشدَّ فتكاً من قذائف الطائرات. تدربت إيرانُ على العيشِ في ظلّ العقوبات لكنَّ قدرتَها على احتمال «الخنق الاقتصادي» قد لا تكونُ مضمونة.

يلتفت العالمُ إلى ساعته قلقاً. الآمالُ معلقة الآن على جهود المشيرِ الباكستاني عاصم منير. عسكري بتجربة غنية. وُلد في بلادٍ تعرف قسوةَ الجغرافيا فهي تقيم بين الهندِ والصين وأفغانستان وإيران. تقيمُ في قلبِ الهدير الآسيوي مع جرحٍ قديمٍ مع الهند كانَ منير طرفاً في آخرِ التهاباته.

يمتلكُ منير أوراقاً عدة تؤهلُه للتَّحركِ بين طهرانَ وواشنطن. علاقة ثقة مع الرئيس الأميركي. وعلاقة مع قادة «الحرس الثوري» بدأت في أيامِ قاسم سليماني. يستند أيضاً إلى علاقات بلادِه الوثيقة مع الصين وأميركا في وقتٍ أحد. يستندُ كذلك إلى العلاقاتِ العميقة بين باكستانَ والسعودية وهي علاقةٌ استراتيجيةٌ تتضمَّن معاهدةً دفاعية تُرجمت بوصولِ مقاتلاتٍ باكستانية إلى السعودية في خضم التَّصعيدِ الذي شهدته المنطقة. ومنير أصلاً رجلُ معلومات. تولَّى المخابراتِ العسكرية وبعدَها المخابراتُ العامَّة قبلَ توليه رئاسةَ الأركانِ وقيادة الجيش. تجربتُه في الصّدام الأخيرِ مع الهند رسَّخت حضورَه كضامنٍ للسيادة والاستقرار من خلالِ الجمع بين الجرأةِ والمسؤولية.

يعرفُ منير أثمانَ الحروب. لا مصلحةَ لبلاده في إيرانَ غارقة في الفوضى أو التفكك الذي يفتح بابَ الرياح العابرةِ للحدود. لا مصلحةَ لها أيضاً في التهديدِ الإيراني لاستقرار منطقةِ الخليج وفي طليعتِها السعودية التي لم تبخلْ على باكستانَ بالدعم لتجاوز صعوباتِها الاقتصادية. يعرف أيضاً أنَّ بينَ طهرانَ وواشنطن سبعةً وأربعين عاماً من الكراهية وتبادلِ الضربات. لهذا يدرك أنَّ مهمتَه ليست سهلة. عليه كسحُ الألغامِ للتَّمكن من عبورِ مضيق المفاوضاتِ لإسكات طبولِ الحرب ووضعِ إطار لعلاقات مختلفة بين إيرانَ وأميركا وبين إيرانَ ودولِ مجلس التعاون الخليجي.

تشبه المنطقةُ السفنَ العالقة في المضيق. لا بدَّ للطبيب الباكستاني من تشخيصٍ دقيقٍ وحلولٍ مبتكرة ثم توزيع الضمادات والضمانات. الوقتُ ينفد والعالمُ ينظر إلى ساعتِه وثمة رجلٌ اسمُه نتنياهو يشعر بالقلق. يخشى ألا يكونَ العلاج مناسباً لما وعدَ به نفسَه وناخبيه. دواءُ منير قد يكون مرّاً لكنَّ فشلَ وساطتِه قد يفتح «أبوابَ الجحيم» التي يلوّحُ ترمب بها لتشجيعِ «الحرس الثوري» على تجرُّع سمّ التسوية.

الشرق الأوسط

—————————

 إسلام آباد الثانية محفوفة بالآمال والتهديدات… وتوقعات باتفاق إطاري ومفاوضات لشهرين/ سميح صعب

الاثنين 20 أبريل 2026

على الأقل، نجحت باكستان في إقناع واشنطن وطهران بالعودة إلى إسلام آباد لإجراء جولة ثانية من المفاوضات، ترمي إلى التغلب على الفجوات التي لا تزال تفصل بين الموقفين الأميركي والإيراني، ولا سيما في ما يتعلق بالبرنامج النووي ومضيق هرمز. تصعيد التهديدات وتضارب الرسائل وبعدما كانت أجواء التشاؤم هي الغالبة في عطلة نهاية الأسبوع وسط تبادل الاتهامات بانتهاك هدنة الـ15 يوماً التي تنتهي الأربعاء، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تغريدة اليوم الأحد أن الوفد الأميركي المفاوض سيصل إلى باكستان بحلول مساء الغد، حاملاً “عرضاً عادلاً ومقبولاً”، تحت طائلة قصف محطات الكهرباء والجسور، في حال عدم التوصل إلى اتفاق. وصعّد نبرته لاحقاً ليهدد بـ”تدمير إيران بأكملها”. ويتناقض تصعيد التهديدات مع التقرير، الذي نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية السبت، حيال مخاوف أبداها الرئيس من التورط في نزاع طويل في إيران ورغبته في الانتقال إلى التركيز على قضايا أخرى. وأحدث ترامب لغطاً بإعلانه أن الوفد لن يكون برئاسة نائبه جي. دي. فانس، وذلك “لأسباب أمنية”. لكن البيت الأبيض أوضح لاحقاً أن الوفد سيكون برئاسة فانس وعضوية ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. وبحسب شبكة “سي أن أن” الأميركية، فإن الوفد الإيراني سيصل إلى إسلام آباد الثلاثاء، بالرغم من أن وكالة “تسنيم” الإيرانية أفادت بأن طهران لم تتخذ قراراً بعد بالمشاركة، نظراً إلى استمرار الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية. يذهب المفاوضون الأميركيون والإيرانيون إلى جولة إسلام آباد الجديدة متمسكين بالخطوط الحمراء ذاتها. (أ ف ب) رهانات الاتفاق الإطاري والخطوط الحمراء تتطلع باكستان إلى تمديد الهدنة، إفساحاً في المجال أمام مزيد من الجهود الديبلوماسية. وهناك كلام عن إمكان إصدار إعلان مشترك في هذا الشأن الأربعاء. وسادت توقعات، الأسبوع الماضي، باحتمال توقيع اتفاق-إطار بين واشنطن وطهران، على أن يعقب ذلك مفاوضات تفصيلية على اتفاق نهائي شامل في غضون 60 يوماً. وتكهنت “سي أن أن” باحتمال حضور ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى باكستان للتوقيع على الاتفاق، وربما عقد لقاء بين الرئيسين. وهنا، حذّر ديبلوماسيون أوروبيون، لديهم خبرة سابقة في التعامل مع طهران في مقابلات مع “رويترز”، من أن الحلفاء الأوروبيين يخشون أن يضغط فريق التفاوض الأميركي، الذي لا يتمتع بالخبرة (المقصود ويتكوف وكوشنر)، من أجل التوصل إلى اتفاق إطاري سريع يتصدر العناوين مع إيران، وهو اتفاق قد يؤدي إلى ترسيخ أكبر المشكلات عوض حلها. يذهب المفاوضون الأميركيون والإيرانيون إلى جولة إسلام آباد الجديدة متمسكين بالخطوط الحمراء ذاتها. ترامب يصر على اتفاق خالٍ من حق إيران في تخصيب اليورانيوم، على أن يضمن حصول الولايات المتحدة على 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة المدفونة تحت أنقاض منشأة أصفهان النووية، التي قصفتها القاذفات الأميركية في حزيران/يونيو. أما إيران، فتبقى متمسكة بحق التخصيب مع الانفتاح على فترة تجميد تستمر لسنوات، وهي تشعر بأن التسليم بعدم التخصيب نهائياً يُعد من المسائل المتعلقة بالسيادة الوطنية، لكونها ستكون الدولة الوحيدة العضو في الوكالة الدولية للطاقة الذرية المحرومة من حق التخصيب، ولو بنسبة متدنية تضمن عدم الوصول إلى العتبة النووية. والخط الأحمر الإيراني الثاني يتعلق بمضيق هرمز ومطالبة إيران بترتيبات تضمن لها حق استيفاء رسوم من السفن العابرة للمضيق، الأمر الذي يلقى معارضة أميركية.

—————————–

 استعراض القوّة بين أميركا وإيران يضع الوساطة الباكستانية على المحك/ سميح صعب

الاثنين 20 أبريل 2026

تمرّ الولايات المتحدة وإيران بذلك المسار الضيق الذي يفصل بين العودة إلى الحرب أو المضي في إرساء مستلزمات السلام، عبر التوصل إلى اتفاق ينطوي على تنازلات مؤلمة من الطرفين، لكنها تبقى أقلّ كلفة عليهما من مخاطر الخيار العسكري. واشنطن وطهران، كلتاهما، تستعرضان قوتيهما قبل الجلوس مجدداً إلى طاولة المفاوضات في إسلام آباد، أو قبل استئناف العمليات العسكرية، وتالياً انهيار الوساطة الباكستانية غداة انتهاء هدنة الـ15 يوماً. استعراض القوة قبل التفاوض البحرية الأميركية، التي تفرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية منذ 13 نيسان/أبريل، تمنع السفينة التجارية الإيرانية “توسكا” من خرق الحصار، وينفّذ جنود أميركيون إنزالاً على متن السفينة، وينشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب تغريدة يشيد فيها بنجاح العملية، على أنها صورة نصر يبحث عنها قبل الدخول المنتظر للوفد الأميركي إلى قاعة المفاوضات في فندق سيرينا بإسلام آباد، حيث عقدت محادثات الأسبوع الماضي. لم تعد مرامي ترامب خافيةً. إنه يريد التفاوض في ظلّ الحصار البحري، أملاً في إقناع المسؤولين الإيرانيين بأنه يملك من عناصر القوة ما يجعلهم يستجيبون للمطالب الأميركية. وإيران، التي توعدت بـ”الرد قريباً على القرصنة المسلّحة التي ارتكبها الجيش الأميركي”، تستعرض بدورها قوتها المستمدة من إرباك الاقتصاد العالمي انطلاقاً من مضيق هرمز، الذي عاودت إغلاقه السبت، وأمرت ناقلات نفط بالعودة أدراجها، ووصلت الرسالة إلى أسواق النفط، فارتفعت مجدداً، بعدما كانت هوت إلى ما دون الـ90 دولاراً عقب تغريدات مهدئة أطلقها ترامب الخميس والجمعة بقرب التوصل إلى اتفاق مع إيران. والآن، يغرّد النائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا عارف على وسائل التواصل الاجتماعي: “لا يمكن تقييد صادرات النفط الإيرانية وتوقع أمن مجاني للآخرين… الخيار واضح: إما سوق نفط حرة للجميع، أو المخاطرة بتكاليف باهظة للجميع”. وأتبعت وسائل إعلام إيرانية رسمية ذلك بأن طهران ترفض إجراء محادثات سلام جديدة، نظراً إلى الحصار المستمر ولهجة التهديد الأميركية ومواقف واشنطن المتقلبة و”مطالبها المفرطة”، في إشارة إلى تهديد ترامب بـ”تدمير إيران بأكملها” إذا رفضت “العرض العادل والمقبول” الذي يحمله الوفد الأميركي إلى إسلام آباد. فندق سيرينا في إسلام آباد، حيث عقدت المحادثات الأميركية الإيرانية. (أ ف ب) الوساطة الباكستانية بين الضغط والتعقيد وسبق لإيران أن أعلنت عدم مشاركتها في جولات سابقة من المفاوضات، لتعود وتشارك فيها. وليس من مصلحة طهران الآن أن تضع الوسيط الباكستاني في موقف محرج في حال إصرارها على عدم المشاركة في الجولة الجديدة من الحوار، التي مهدت لها زيارة قائد الجيش الباكستاني الماريشال عاصم منير إلى العاصمة الإيرانية الأسبوع الماضي. وهذا ما حمل منير على تكثيف اتصالاته مع الجانبين في محاولة جديدة لإقناعهما بالقدوم إلى إسلام آباد غداً الثلاثاء. وبحسب “رويترز”، فإن الماريشال الباكستاني اتصل بترامب، وأبلغه بأن حصار هرمز يشكل عقبة أمام المفاوضات، وأن الرئيس الأميركي وعده بالنظر في الأمر. لكن إيران تريد المشاركة وهي تملك رافعة أكبر في مواجهة المطالب الأميركية. ذلك يبدأ من هرمز ويمرّ بالتلويح أيضاً بإغلاق باب المندب، إلى مصير 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، إلى القدرات الصاروخية وتحالفاتها في الإقليم. وحتى التردد في الذهاب إلى إسلام آباد هو جزء من استراتيجية التفاوض الإيرانية. العقدة الأساسية الجاري التفاوض في شأنها، سواء انعقدت محادثات إسلام آباد أم لم تنعقد، هي إيجاد مخرج لمسألة تخصيب اليورانيوم. وأظهرت طهران انفتاحاً الأسبوع الماضي على القبول باقتراح أميركي تجميد التخصيب لمدة 20 عاماً، لكنها اشترطت أن يكون في وسعها القيام بتخصيب محدود بعد مضي عشرة أعوام. وتبقي إيران ورقة هرمز في يدها إلى حين التوصل إلى اتفاق شامل ونهائي مع الولايات المتحدة، يضمن عدم تعرضها لمزيد من الحروب الأميركية والإسرائيلية في المستقبل.

النهار العربي

—————————————

فاتورة الحرب على دول الخليج.. من سيتحمل كلفتها؟/ أحمد حافظ

حين يسكت دوي القذائف، ترتفع أصوات سجال آخر لا يقل ضراوة عن المعركة ذاتها؛ سجال الحقوق والمسؤوليات وفواتير التعويضات المتراكمة خلف كل قذيفة وكل صاروخ باليستي وكل طائرة مسيرة.

وفي أعقاب الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، وجدت دول الخليج نفسها في واحدة من أعنف المواجهات العسكرية التي شهدتها المنطقة منذ عقود، وإن لم تكن طرفا في إشعال فتيلها، حيث وقعت بنيتها التحتية تحت وطأة أكثر من 5 آلاف ضربة صاروخية وبالطائرات المسيّرة خلال الأسابيع الأولى، وتكبّدت خسائر تتراوح بين 170 و200 مليار دولار في منشآتها الحيوية والنفطية.

وهنا، يبرز سؤال جوهري: هل تملك دول الخليج حق المطالبة بتعويضات عن كل هذا الدمار؟

والإجابة القانونية واضحة، والنصوص الدولية تؤيدها، لكن المسافة بين الحق المكتوب وتطبيقه الفعلي تمتد عبر متاهة من التعقيدات السياسية وموازين القوى، حسب تحليلات خبراء القانون والعلاقات الدولية في تصريحاتهم للجزيرة نت.

وهناك تحرك خليجي منسق ظهر في أروقة مجلس الأمن وفي رسائل دبلوماسية رسمية، سعى إلى تحويل عبء الكلفة من الدول المتضررة إلى الطرف المعتدي، وأشار الخبراء إلى أن هذه الخطوات تستلهم سوابق دولية راسخة أثبتت أن التعويضات ليست ترفا قانونيا، بل تمثل أيضا أداة ردع إستراتيجية.

غير أن الواقع يكشف عن أن إيران لم تُهزم، وأن القانون الدولي يفتقر إلى آليات تنفيذ مركزية تلزم الطرف المعتدي بالامتثال، وذلك ضمن سياق حرب لم تبرد فوهات مدافعها إلا على وقع هدنة هشّة قد يثور لهيبها في أي لحظة، وفي وقت تجري فيه مفاوضات شاقة في كواليس الدبلوماسية الدولية تشبه السير في حقل ألغام نتيجة تصريحات متضاربة وتوترات تصعد إلى الواجهة مع كل حادثة جديدة بين احتجاز السفن واشتباكات بمضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط مجددا.

الأضرار الخليجية في أرقام

ووجدت دول الخليج نفسها في أتون هذه الحرب رغما عنها، وحسب بيانات وتقارير فقد شنّت إيران أكثر من 5200 هجوم صاروخي وبالطائرات المسيّرة على دول الخليج خلال الشهر الأول وحده، كما أظهرت الأرقام أن نحو 80% من مجمل الضربات الإيرانية وُجهت نحو هذه الدول، مقابل 20% فقط باتجاه إسرائيل.

إعلان

وعلى صعيد الخسائر، استُهدفت مصافي النفط ومنشآتها والموانئ في قطر والسعودية والكويت والإمارات وعمان والبحرين مما أسفر عن تعطيل نحو 20% من طاقتها التصديرية.

وفي سياق هذه الأضرار الضخمة، يُقدّر الأكاديمي والكاتب العماني محمد بن عوض المشيخي حجم الخسائر المتعلقة بالبنى الأساسية والمرافق النفطية في دول الخليج بما يتجاوز 170 مليار دولار، في حين ترتفع بعض التقديرات إلى ما يزيد على 200 مليار دولار أمريكي، “وهي خسائر تأتي في ظل حرب لم تصل إلى هدنة واضحة ولم نتأكد أنها توقفت تماما”.

وقد أسفرت هذه الهجمات عن اضطراب غير مسبوق في حركة الملاحة الجوية، إذ ألغيت أكثر من 5400 رحلة في 7 مطارات خليجية خلال أول يومين فقط من الحرب، في حين تجاوز عدد الرحلات الملغاة في المنطقة 50 ألف رحلة حتى نهاية مارس/آذار 2026.

وعلى الصعيد الاقتصادي الأشمل، يصف المشيخي -في تصريحاته للجزيرة نت- الوضع بأنه “غير مسبوق في دول الخليج، مع ركود اقتصادي وتراجع في النمو إلى مستوى قريب من الصفر”، مشيرا إلى أن هذه الدول تحتاج إلى 10 سنوات قادمة على الأقل لاستعادة وضعها الاقتصادي وإعادة النفط والغاز والمرافق إلى حالتها السابقة.

الحق ثابت وفق القانون الدولي

القانون الدولي في جوهره قواعد أُسست على مبدأ عدالة بسيط: كل فعل غير مشروع دوليا يُرتّب مسؤولية على مرتكبه، ويُلزمه بجبر الضرر. وهذا المبدأ تجسد في مشروع مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليا الذي أقرّته لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة، ليصبح مرجعا شبه ملزم في الممارسة الدولية المعاصرة.

وبموجب هذا الإطار القانوني، يرى أستاذ القانون الدولي بالجامعة العربية الأمريكية رائد أبو بدوية أن استهداف المنشآت المدنية والاقتصادية الخليجية -كالمطارات والمنشآت النفطية- خارج إطار الضرورة العسكرية المشروعة يشكل انتهاكا صريحا يفتح الباب للمطالبة بالتعويض، مستدلا بأن “القانون الدولي العام يقوم على مبدأ أساسي مفاده أن كل فعل غير مشروع دوليا يرتب مسؤولية على الدولة التي ارتكبته، ويُلزمها بجبر الضرر”.

غير أن الإقرار بالحق شيء، وإمكانية تفعيله شيء آخر مختلف تماما، فالقانون الدولي يفتقر إلى سلطة تنفيذ مركزية قادرة على فرض الأحكام بشكل مباشر، وهنا تبدأ الإشكالية الحقيقية التي يُقرّ بها الدكتور المشيخي حين يرى أنه “من الناحية القانونية يحق لدول الخليج المطالبة بتعويضات”، لكنه يُلفت إلى أن “القانون الدولي لا يلزم أي طرف، والدليل على ذلك أن الحرب نفسها قامت بخلاف القانون”.

وتتشابك في هذا السياق جملة من التحديات؛ فمنذ اندلاع الحرب وجدت دول الخليج نفسها في موقف حرج: فقد استُهدفت دون أن تكون طرفا في قرار الحرب، وتضرّرت دون أن تُعطى ضمانات حماية كافية، حسب ما أشار إليه الأكاديمي العماني.

أربعة مسارات للمطالبة

لا تُقرأ قضية التعويضات الخليجية في فراغ قانوني مجرد، بل في سياق نظام دولي تتحكم فيه موازين القوى بقدر لا يقل عما تتحكم فيه النصوص، ولذلك تتعدد المسارات الممكنة، وتتباين في جدواها وفق درجات من التعقيد السياسي.

إعلان

ويستعرض أستاذ القانون الدولي 4 مسارات رئيسية:

    محكمة العدل الدولية التي تعد الجهاز القضائي الرئيسي للنظام الدولي، لكنها “لا تملك ولاية تلقائية على جميع النزاعات، بل تتطلب قبول الدول لاختصاصها”، وهو شرط يمثّل عقبة جوهرية في حالة إيران.

    التحكيم الدولي الذي “يمكن للأطراف الاتفاق على إخضاع النزاع لهيئة تحكيمية مستقلة”، غير أنه يفترض حدا أدنى من الإرادة السياسية لدى الأطراف.

    مجلس الأمن الدولي الذي يبقى “الأكثر فعالية من حيث النتائج” حين تتوافر الإرادة السياسية للقوى الكبرى.

    المفاوضات السياسية المباشرة، حيث “قد تُستخدم أدوات مثل الأصول المجمدة أو رفع العقوبات كوسائل ضغط لتحقيق نوع من التعويض غير المباشر”.

وفي هذا السياق، يُضفي المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية الدكتور خالد الجابر بُعدا عمليا على هذا الحديث القانوني، إذ يرصد تحركات ميدانية فعلية جرت خلال الأسابيع الأخيرة، قائلا إن “قطر والسعودية والبحرين والإمارات والكويت شهدت تحركا منسقا وواسع النطاق على مستوى المنظمات والمؤسسات الدولية، خاصة داخل مجلس الأمن، وبالاستناد إلى آليات قانونية مثل لجنة الأمم المتحدة للتعويضات، بهدف تحويل الكلفة من عبء تتحمله الدول المتضررة إلى مسؤولية قانونية تقع على الطرف المعتدي”.

وحسب تصريحات الجابر للجزيرة نت، فقد تصدّرت قطر هذا المسار، إذ رفعت “رسالة رسمية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي”، واضعة إيران أمام معادلة جديدة لا لبس فيها: “العدوان له ثمن، والثمن سيُدفع”.

سوابق تاريخية

التاريخ ليس مجرد ذاكرة، بل هو حجة دامغة في عالم القانون الدولي. وحين تستند دول الخليج إلى سوابق تعويضية راسخة، فإنها تُؤطّر مطالبها ضمن تقليد معترف به في المنظومة الدولية المعاصرة، لا باعتبارها مطالب استثنائية أو انتقامية.

ويستحضر المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط هذه السوابق التاريخية، مُستهلا بالنموذج الأكثر قربا من المنطقة: “بعد غزو العراق للكويت عام 1990، حيث أنشأت الأمم المتحدة لجنة التعويضات التي ألزمت العراق بدفع مليارات الدولارات للضحايا”. وهو نموذج يُثبت -حسب قراءته- أن التعويض ليس مسألة قانونية مجردة، بل هو في جوهره نتاج توازنات القوى داخل النظام الدولي، حين تتوافر الإرادة السياسية.

غير أن أبو بدوية ينبه إلى نقطة جوهرية تتعلق بالاختلاف الجوهري بين نموذج الكويت والوضع الحالي لدول الخليج، إذ إن “إيران لم تهزم، ولا تزال تملك الإمكانات التي تجعل فرض التعويضات عليها أمرا مُعقّدا”.

ويعود الجابر ويضرب مثالا أبعد في الزمان وأعمق في الدلالة، فقد “دفعت ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية ثمن عدوانها عبر اتفاقيات طويلة الأمد كاتفاق لوكسمبورغ مع إسرائيل ودول أوروبا، حيث تحوّلت التعويضات إلى جزء من إعادة اندماجها الدولي”. وهنا يتجلى بُعد إستراتيجي أعمق: التعويضات ليست عقوبة مالية فحسب، بل هي بوابة إلزامية نحو إعادة الاعتراف الدولي بالجاني.

التعويض سلاح للردع أيضا

ثمة بُعد يتجاوز المطالبة المالية الآنية إلى ما هو أبعد وأعمق أثرا في بنية العلاقات الإقليمية؛ فالتعويض ليس مجرد استرداد لما ضاع، بل هو رسالة للمستقبل مفادها أن العدوان سيكون دائما ذا ثمن لا يُحتمل.

ويُفصح الجابر عن هذه الرؤية حين يقول إن “القيمة الجوهرية لهذا المسار لا تكمن فقط في استعادة الخسائر المادية، بل في تأسيس منظومة ردع مستقبلية جديدة”. ويُضيف أنه “عندما يدرك أي طرف أن العدوان سيُترجم إلى فاتورة باهظة تُطارد مسؤوليه اقتصاديا وقانونيا، تصبح الحرب قرارا مكلفا لا مغامرة سياسية قابلة للاحتواء لاحقا”، وعنده “تتحول التعويضات إلى أداة إستراتيجية تكتب مسبقا كلفة الحرب ضمن حسابات الردع”.

إعلان

وقد كشفت المطالبة القطرية -وفق تحليل الجابر للجزيرة نت- عن بُعد رمزي لا يقل عن قيمته العملية؛ فهي “ليست مجرد موقف سياسي، إنها إعلان عن نهاية مرحلة كان الإفلات من المسؤولية يُعتبر فيها قاعدة التعامل الإقليمي”. ومن ثمّ، فإن “المسار الذي تطلقه قطر يعتمد على المنهج القانوني الدقيق في تقييم الأضرار وملاحقة المسؤوليات حتى آخر دولار، ليس بأسلوب الدعوات الرمزية، بل عبر أدوات دولية ذات قوة إلزامية”.

من يدفع ثمن التعويضات؟

يصطدم ملف التعويضات الخليجي بحائط صلب مزدوج: فمن جهة، تأتي تعقيدات تحديد المسؤولية في صراع متعدد الأطراف؛ ومن جهة أخرى، تغيب آلية دولية قادرة على إلزام القوى الكبرى بقرارات لا ترغب في تنفيذها.

فعلى صعيد المسؤولية، يُشير أستاذ القانون الدولي في الجامعة العربية الأمريكية إلى أن “القاعدة القانونية واضحة من حيث المبدأ: الدولة المسؤولة عن الفعل الضار هي التي تلتزم بجبر الضرر”، لكن “الواقع العملي قد يكون أكثر تعقيدا، خاصة في الحروب متعددة الأطراف، حيث تتداخل الأدوار بين الفاعل المباشر والداعم غير المباشر”. وفي هذه الحالة ثمة تداخل واضح بين إيران بوصفها الطرف الذي شنّ الهجمات مباشرة، والولايات المتحدة وإسرائيل اللتين أشعلتا فتيل الحرب.

وعلى هذا الأساس، يطرح الأكاديمي العماني إشكالية جوهرية مفادها أنه “إذا كانت دول الخليج قد تضررت من إيران، وإيران هي التي استهدفت دول الخليج، فإن المسبب الرئيسي هو أمريكا وإسرائيل من بعدها”. وهو يُقرّ بأن إيران “استهدفت المنشآت المدنية مثل المطارات وآبار النفط والمرافق العامة، وهذا بطبيعة الحال مخالف للقانون ويعد جرائم حرب”، لكنه يحذر من تبسيط المسؤولية دون استيعاب السياق الأشمل للصراع.

أما على صعيد آليات التنفيذ، فيحذر المشيخي أيضا من أن القانون الدولي غير كافٍ لأنه معطل، والدول التي لا تحترمه هي أول من تتجاوزه. ويرى أن “إيران لم تُهزم، وبالتالي المنتصر عادة لا يُطبَّق عليه القانون ولا ينفّذ القانون في هذا المجال”. وهذا الواقع يُؤطّر المشهد بدقة: “الحق موجود، لكن القدرة على انتزاعه تظل رهينة بتحولات ميدانية وسياسية لم تكتمل بعد”.

ويخلص أبو دية إلى أن “أمر الجهة التي تتحمل عبء التعويض يبقى محل تعقيد في الحروب متعددة الأطراف، حيث قد تتوزع المسؤولية أو يعاد تعريفها في إطار تسوية سياسية شاملة”.

وبعبارة أخرى، قد يكون التعويض الأكثر واقعية ليس ذلك المنتزع بحكم قضائي مباشر، بل ذلك المدرج ضمن صفقة أشمل تعيد رسم خريطة العلاقات الإقليمية برمتها.

المصدر: الجزيرة

———————————

ماذا يعني إعلان واشنطن فرض حصار بحري عالمي على سفن إيران؟/ أحمد مريسي

مع اقتراب انتهاء الهدنة المؤقتة بين واشنطن وطهران، انتقلت المواجهة من سماء الشرق الأوسط لتشمل مياه العالم المفتوحة. فقد أعلن الجيش الأمريكي توسيع نطاق حصاره البحري المفروض على إيران، ليتحول من طوق محلي حول الموانئ الإيرانية إلى مطاردة بحرية عالمية تستهدف أي سفينة مرتبطة بطهران في أي مكان.

في هذا التقرير، نستعرض ما يعنيه هذا القرار فعليا على الأرض، وتداعياته العسكرية والقانونية.

“غضب ملحمي” و”غضب اقتصادي”

أعلن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال دان كين أن القوات الأمريكية ستلاحق “بنشاط” أي سفينة ترفع علم إيران أو تحاول تقديم دعم مادي لها، بغض النظر عن موقعها في أعالي البحار (المياه الدولية).

هذا التصعيد العسكري -الذي يأتي ضمن العملية العسكرية الجارية ضد إيران والمسماة “الغضب الملحمي”- تزامن مع إطلاق وزارة الخزانة الأمريكية عملية موازية أطلقت عليها اسم “الغضب الاقتصادي”.

وقد وصف وزير الخزانة سكوت بيسنت العملية الأخيرة بأنها “المعادل المالي” لحملة القصف، إذ تشمل عقوبات ثانوية على المؤسسات الدولية.

جدل قانوني واستثناءات التنفيذ

تطرح صحيفة نيويورك تايمز تساؤلات حول قانونية هذا الحصار، وتنقل عن رئيس الإستراتيجية البحرية في الكلية الحربية البحرية جيمس آر. هولمز قوله إن الحصار من الناحية القانونية يعد “عملا من أعمال الحرب”، وهو قانوني وفقا للصلاحيات الأمريكية ما دامت عملية “الغضب الملحمي” قائمة.

وأضاف أنه رغم عدم وجود إعلان حرب رسمي من الكونغرس، فإن “الحروب غير المعلنة هي القاعدة وليست الاستثناء في التاريخ الأمريكي”.

أما على صعيد القانون الدولي، فقد أوضحت مديرة التحليل العسكري في مركز “أولويات الدفاع” جينيفر كافانا أن هذا القانون يشترط لشرعية الحصار أن يكون “فعالا وقابلا للتنفيذ”، وأشارت إلى أن فكرة “الحصار العالمي” قد تعتبر غير مسموح بها قانونيا لكونها “واسعة النطاق بشكل مفرط”.

إعلان

ولتوضيح نطاق الاستهداف القانوني والتمييز بين الخطاب السياسي والقيود الفعلية، أكدت القيادة المركزية الأمريكية أن الحصار لا يستهدف السفن المتجهة إلى موانئ غير إيرانية أو تلك الخارجة منها، كما تُستثنى من ذلك الشحنات الإنسانية التي تخضع للتفتيش.

تحديات لوجستية

على الأرض، يواجه هذا الإعلان تحديات لوجستية وسياسية، ويؤكد هولمز لنيويورك تايمز أن “البحار السبعة مكان كبير، وأكبر بحرية تبدو ضئيلة بالمقارنة”.

ويرجح أن تلجأ واشنطن لـ”تطبيق انتقائي”، كأن تتغاضى بهدوء عن سفن تنقل النفط إلى الصين، تجنبا لإغضاب بكين قبل القمة المرتقبة بين الرئيسين دونالد ترمب وشي جين بينغ.

وفي الإطار ذاته، يرى خبير الملاحة صالح حجازي -في حديث للجزيرة مباشر- أن الحصار قد لا يكون كافيا لخنق طهران، إذ تمتلك 11 ميناء، منها 3 على بحر قزوين (أنزلي ونوشهر وأمير أباد) تمنحها متنفسا نحو روسيا، فضلا عن مسارات بحرية وبرية بديلة نحو الصين.

المشهد الميداني وحادثة السفينة “توسكا”

لفرض هذا الطوق، أفادت وكالة رويترز بأن واشنطن حشدت أكثر من 10 آلاف جندي أمريكي وعشرات السفن. وقالت القيادة المركزية الأمريكية إن 25 سفينة امتثلت لأوامر القوات الأمريكية بالاستدارة والعودة حتى أمس الأحد.

وفي خطوة لتشديد الرقابة، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تسيير دوريات مراقبة بمروحيات أقلعت من حاملات طائرات ومدمرات في بحر العرب.

وقد شهد يوم الأحد تطبيقا عمليا لهذا الحصار، إذ أعلن الرئيس ترمب قيام المدمرة “يو إس إس سبروانس” باعتراض سفينة الشحن الإيرانية العملاقة “توسكا” في خليج عُمان.

ووفقا لبيان القيادة المركزية، تم توجيه تحذيرات للسفينة لمدة 6 ساعات. إثر ذلك، أطلقت المدمرة 3 قذائف من مدفعها نحو “غرفة محركات” السفينة لتعطيلها دون إغراقها، ثم نفذت قوات “المارينز” عملية إنزال لاحتجازها.

وأوضحت الصحيفة أن السفينة تتبع شركة الشحن الإيرانية (IRISL) الخاضعة للعقوبات، وكانت عائدة من ميناء تشوهاي الصيني. ولم يتضح على الفور نوع الشحنة التي تحملها، غير أن صحيفة واشنطن بوست نقلت عن خبراء إشارتهم إلى أن هذا الميناء يُعرف بتحميل مواد كيميائية -مثل بيركلورات الصوديوم- تُستخدم وقودا صلبا للصواريخ الباليستية الإيرانية.

الدبلوماسية تحت النار: ماذا بعد؟

يأتي هذا التصعيد في ظل إغلاق إيران لمضيق هرمز مجددا، وقبل أيام من انتهاء الهدنة.

وأرسلت واشنطن وفدا رفيعا إلى باكستان يضم جيه دي فانس -نائب الرئيس الأمريكي- وجاريد كوشنر في محاولة للتوصل لاتفاق. ورغم نقل الإعلام الإيراني “رفض” طهران المشاركة بسبب المطالب الأمريكية “المفرطة”، هدد ترمب بأنه إذا فشل التوصل لصفقة فإنه سيأمر بتدمير “كل محطة طاقة وكل جسر في إيران”.

وفي المحصلة، وحول النتيجة المتوقعة لهذا الضغط، نقلت نيويورك تايمز عن المحللة جينيفر كافانا قولها: “بالنسبة لإيران، هذه الحرب وجودية ولن تستسلم بسهولة. الضغط الاقتصادي قد ينجح على المدى الطويل جدا، لكن يبدو أن ترمب غير صبور بما يكفي لانتظار هذه النتيجة”.

إعلان

المصدر: الجزيرة + وكالات

———————————

 حسن أحمديان نجم الدعاية الإيرانية الموجهة/ بشير البكر

الاثنين 2026/04/20

لمع نجم الخبير الإيراني الدكتور حسن أحمديان على شاشة “الجزيرة” في الشوط الأخير من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. برع في الدفاع عن بلاده بلغة وحجة وأسلوب وجد صدى لدى فئات من الجمهور المتابع للقناة. ومنذ البداية، مارس هذا الشاب الهجوم كـ “أفضل وسيلة للدفاع” من دون مواربة، أو مجاملة دبلوماسية، حتى أنه لم يتحرج، في اعتبار الاعتداءات الإيرانية على بلدان الخليج عملا مشروعا، من دون أن تفلح مداخلات خبراء شاركوه المنصة في تخفيف حدة خطابه.

من حيث الشكل، لا يصح الاعتراض على دعوته من قبل قناة الجزيرة، فهي منبر مفتوح للآراء كافة، وليست طرفا في الحرب ضد إيران. محايدة، لا تتبنى وجهة نظر طرف، تنقل الأحداث بموضوعية، وتوظف معلقين مهمتهم قراءتها بما يساعد المشاهد العادي على فهم التطورات، كي يكوّن وجهة نظر، من دون توجيه إعلامي أو سياسي، غير أن المعلومات التي تداولها خبراء في الشأن الإيراني، كشفت عن أحمديان لا يعد خبيرا متخصصا في الشأن الإيراني فقط، بل هو عضو في جهاز الدعاية التابع للحرس الثوري الإيراني. وما يؤكد صحة هذه الرواية أنه قدم معلومات مضللة في بعض مداخلاته.

على أي حال، ليس منح أحمديان حق الكلام بجديد على قناة الجزيرة، ففي مرات سابقة قدمت شخصيات إشكالية في رداء خبراء، ولم تراجع نفسها لاحقا، وتجري نوعا من النقد الذاتي. وفي هذه المناسبة التي تعرضت فيها قطر لاعتداءات إيرانية، هناك رأي يرى بأن المنطق يقتضي ألا توفر الجزيرة منبرا لترويج بروباغندا إيران التبريرية. هذه ليست موضوعية، ونقل روايتي الطرفين، بل منح المعتدي فرصة كي يقدم جريمته على أنها حق مشروع للدفاع عن النفس. وحسنا فعلت قناتا التلفزيون العربي والجزيرة في إنجاز تحقيقين مصورين عن الاعتداءات الإيرانية على قطر، وفي ذلك فائدة للرأي العام.

تتجاوز المسألة في الحالات العادية عرض روايتين، فالخط التحريري هو الأساس في زمن الحرب، وحين يتعلق الأمر بطرفين أحدهما يعلن عدوانه، والآخر يتلقى الصواريخ ويحاول أن يصد الضربات. واللافت هنا أن أغلبية نشرات أخبار الجزيرة أطلقت على حرب أميركا وإسرائيل على إيران عدوانا، وضربات إيران على دول الخليج هجمات أو قصفا. الواضح هنا هو أن القناة لا تضعهما بنفس المستوى، ما يطرح سؤالا حول المعيار الذي اعتمدته، قد يجوز أنها نظرت للمسألة من زاوية أن دول الخليج ليست طرفا في حرب مع إيران، وهناك حرص من القناة على عدم تحويل الحدث إلى عداوة مع إيران، بخلاف قنوات عربية أخرى بدت منحازة لمواقف دولها، على عكس قنوات أجنبية، اعتمد بعضها التوازن على غرار بي بي سي.

خطاب أحمديان لا يختلف عن دعاية يروجها جيش إيراني كبير بارع، موجهة نحو العالم العربي، وقائمة على تضليل الرأي العام، وبث معلومات هدفها خدمة المشروع الإيراني، ولم تنكشف لعبتها إلا في البلدان التي اخترقتها طهران من الداخل. ومثال ذلك سوريا، العراق، لبنان، اليمن. لقد دمرت إيران الدولة في هذه البلدان، وشكلت ميليشيات تدافع عن مشاريعها، وتخوض حروبها بالوكالة بعيدا عن أراضيها. وكان الاستثمار في القضية الفلسطينية والعداء لأميركا وإسرائيل مربحا جدا، أمن لها الانتشار الواسع في أوساط جماهير عربية عاشت الخسارة الوطنية، وتبحث عن أي انتصار يعيد لها الإحساس بقيمة الكرامة. وقد حصل ذلك بسبب الفراغ غياب عربي.

في الوقت الذي كانت تنهال الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية على بلدان الخليج العربي والأردن وسوريا جزئيا، كان هناك من العرب من يدافع عن إيران، من دون أن يصدر عنه أي موقف إدانة لاعتداءاتها على البلدان العربية، ومرد ذلك وجود تيار داخل أوساط عربية ودولية، لا يجد حرجا في مناصرة ديكتاتورية الممانعة، التي فتكت بشعوبها، ورفعت شعارات العداء لإسرائيل وأميركا. ولا يقتصر ذلك على فئة ذات لون سياسي واحد، بل يشمل اليسار والقوميين والناصريين، الذين كانوا يناصرون بشار الأسد، ولا يحرج ضمائرهم قتل السوريين بالأسلحة الكيمائية وتغييب قرابة 200 ألف معتقل في سجون صيدنايا وتدمر. بعض هؤلاء ينطلق من أن إيران بلد مسلم يتعرض لعدوان أميركي إسرائيلي، ويرد بضرب إسرائيل ومصالح أميركا. ولو مددنا هذا المنطق على استقامته لوصلنا إلى استنتاج صريح مفاده طالما أن إيران تضرب إسرائيل، فليس هناك أي حرج في أن تعتدي على الخليج. وهذا يمنحها موقع صديقة العرب شاءوا أم أبوا، لأنها تعادي عدوهم.

استغلت إيران عدم وجود مشروع عربي، وتمددت بسرعة بفضل دعايتها الموجهة التي استثمرت فيها ماليا وسياسيا وثقافيا وعسكريا، وقد سارت بموازاة ذلك عملية التشييع وتشكيل الميليشيات المقاتلة، التي جندت عددا كبيرا من شباب المنطقة العربية العاطلين عن العمل، بعد أن غسلت أدمغتهم. ولا يقتصر ذلك فقط على البلدان التي اجتاحوها وسيطروا عليها، بل وصل لأماكن أخرى، وهذا هو ما يفسر أن هناك العديد من الكتاب والصحافيين والفنانين من شتى بلدان العالم العربي الذين تبنوا الرواية الإيرانية بخصوص تبرير قصف بلدان الخليج العربي.

المدن

 ——————————

إسرائيل حائرة.. لماذا لا ينضم الحوثيون للحرب؟ واستخباراتها تطرح 4 تفسيرات

لماذا لا يطلق الحوثيون النار على إسرائيل هذه المرة، وهل المفاجأة ما زالت أمامنا؟ يتساءل المحلل العسكري في موقع “والا” العبري، أمير بوحبوط، لافتا إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تحاول أن تتوصّل إلى جواب على هذا السؤال: لماذا لا ينضم الحوثيون في اليمن للمعركة بشكل كامل إلى جانب إيران؟

يشير بوحبوط إلى ترجيحات إسرائيلية بأن استنكاف انضمام الحوثيين في اليمن عن هذه الحرب بعكس ما شهدته حرب الإبادة على غزة، إلى مرده الضرر الكبير اللاحق بالبنى التحتية، والخوف من تحامل إقليمي عليهم، إضافة لأزمة اقتصادية تضبط التنظيم. ومع ذلك، يستعد الجيش الإسرائيلي لسيناريو تصعيد مفاجئ يشمل جبهة اليمن أيضا.

ويضيف بوحبوط: “تواصل الاستخبارات العسكرية في إسرائيل متابعة ما يجري، وترقب ما يدور في اليمن في ظل هدوء نسبي من جهة الحوثيين. ومن ضمن السيناريوهات المطروحة من قِبَل الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، سيناريو يتحدث عن قيام الحوثيين بإغلاق مضيق باب المندب الاستراتيجي الذي تمر منه 10-12% من التجارة العالمية، كردّ على ما يحدث في إيران، أو المبادرة إلى هجمة صاروخية واسعة على الجبهة الإسرائيلية الداخلية”.

ويتابع: “لكن هذا لا يحدث، ورغم أن قسم الأبحاث في الاستخبارات العسكرية يواصل توجيه السؤال: لماذا لم ينضم الحوثيون للحرب مع إيران؟ وهل هم قادرون على الانتقال إلى هجمات واسعة مباغتة؟”.

حسابات محتملة

يشير موقع “والا” إلى أن أحد الأجوبة المقدمة من قبل جهات استخباراتية في إسرائيل، هو أن “ثمن الخسارة” له معنى فارق بالنسبة للحوثيين، وأن ضربات الجيش الإسرائيلية لهم كانت موجعة: تدمير موانئ ومرافق طاقة ومخازن وقود واغتيال قيادات ووزراء.

أما الترجيح الثاني لدى الجيش الإسرائيلي، بحسب موقع “والا”، فإن الحوثيين يخشون تحالفا إقليميا ضدهم في حال وسعوا جبهة النار: السعودية والإمارات والولايات المتحدة، خاصة أن المنطقة كلها مشبعة بالتوتر”.

ويشير الموقع إلى تفسير ثالث يكمن في الحالة الاقتصادية السيئة وفق تقديرات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، فيما يرى تفسيرها الرابع أن هناك صيرورة سرية تحدث، وبموجبها لم يعد يرى اليمنيون أنفسهم جزءا من محور المقاومة بشكل دائم. ويرجح هذا التفسير أن الحوثيين يرون أن لديهم طاقة وفرصة بعد سقوط النظام في إيران بالتحول للجهة الأقوى والأكثر تهديدا في المنطقة، فيما ينزع الآخرون للضعف.

ويخلص “والا” للقول إنه مع ذلك يستمر الجيش الإسرائيلي في تجميع معلومات عن الحوثيين، وزيادة مستوى التأهب والاستعداد جوا وبرا لكل سيناريو وسط التفاتة خاصة للبحر الأحمر. ويضيف: “طبقا لهذا، فقد قام الجيش بتدريبات تشمل سيناريو هجمة مباغتة من جهة الحوثيين. بالطبع وسعّت الاستخبارات العسكرية بنك الأهداف في اليمن وزادت من قدراتها الدعائية المطلوبة والخاصة بالحوثيين”.

تقديرات وأمنيات

بالتزامن مع بلوغ لعبة “عض الأصابع” أو “حافة الهاوية” بين الولايات المتحدة وإيران، تواصل جهات إسرائيلية رسمية وغير رسمية الترجيح بأن المفاوضات ستتعثر وأن الحرب مع إيران ستتجدد، وأن جيش الاحتلال يستعد لها. وكان رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو قد ألمح لذلك بالقول ليلة أمس: “إننا في أوقات التحديات الكبرى، كل لحظة يمكن أن تفضي إلى تطور جديد. نحن وأمريكا ضد إيران الراغبة بهدم الحضارة الغربية”.

وقال وزير الزراعة آفي ديختر، عضو الكابنيت الذي سيجتمع اليوم الاثنين، إن الحرب قد ألحقت ضررا فادحا بإيران وحزب الله لكن هناك حاجة للمزيد، مرجحا أن إيران تراهن على كسب الوقت فقط.

وترجّح أوساط غير رسمية إسرائيلية أن الحرب ستتجدد حتما لأن هناك فجوة كبيرة في المواقف، وأن واشنطن لا تفهم جوهر حقيقة إيران. فيما تقول جهات غير رسمية أخرى إن الحرب ستتجدد بالتأكيد لأن إيران منقسمة على نفسها، وإن هناك خلافات بين الحرس الثوري وبين المستوى السياسي مما يؤدي لهذه البلبلة الحاصلة التي ستدفع ترامب في نهاية المطاف لفقدان صبره والذهاب لتصعيد أخطر.

في المقابل، ترى أوساط إسرائيلية أخرى أن ترامب لن يسارع للتصعيد بسبب وجود مصالح تدفعه للتسوية وتحاشي المغامرة الخطيرة ولذا تتوقع تمديد الهدنة مرة أخرى.

 ———————————

إيران واليورانيوم.. القصة كاملة/ أيمن الغبيوي

تسعى واشنطن لانتزاع مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم المخصب الإيراني في مفاوضات مصيرية، فيما يبقى هذا المعدن الغامض مجهولاً لدى كثيرين رغم حضوره في كل شيء من مصابيح الكهرباء إلى رؤوس الصواريخ

الاثنين 20 أبريل 2026

وقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمام البيت الأبيض، وفي يده ورقة مفاوضات، وعلى وجهه ابتسامة الواثق، وقال إن إيران وافقت على تسليم ما وصفه بـ”الغبار النووي”، مخزون ضخم من اليورانيوم المخصّب مدفون في أعماق الأرض الإيرانية. وبدورها طهران لم تؤكد ولم تنفِ، وهي التي كثيراً ما وصفت تصريحات خصمها اللدود بـ”الكاذبة”.

واليورانيوم أو ما يعرف بـ”الكعكة الصفراء”، قامت لأجله الحرب ولأجله فقدت طهران كبار جنرالاتها وقادتها ورجل دينها المقدس، علي خامنئي.

كل هؤلاء دفعوا ثمن عنصر من صخرة صغيرة، أصغر من حبة البطاطس.

وثمة تساؤلات حول ذلك، نسردها لكم، ولكل ما يتعلق باليورانيوم، ما هو، وكيف يُستخرج، ولماذا باتت إيران تحديداً في مواجهة العالم بسببه؟

معدن رمادي بوزن الدول

واليورانيوم، وفق ما تعرفه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، معدن مشع موجود في باطن الأرض منذ تشكّل الكوكب، وهو أثقل من الحديد بثلاثة أضعاف، وليس إيران وحدها من تخرجه أو أخرجته وخصبته، بل يوجد في أكثر من 40 دولة حول العالم.

ولا يبدو اليورانيوم أكثر خطورة من صخرة رمادية عادية، إلا أن ما يخفيه في بنيته الذرية يجعله واحداً من أكثر المواد خطورة على وجه الأرض.

ويتكون اليورانيوم الطبيعي من نوعين ذريين رئيسين، الأول هو اليورانيوم-238 الذي يُشكل نحو 99.3 في المئة من كتلته الإجمالية، وهو غير قابل للانشطار النووي بسهولة ومن ثم فهو غير صالح وحده لتوليد الطاقة أو صنع الأسلحة.

والثاني هو اليورانيوم-235 النادر الذي لا يتعدى 0.7 في المئة فقط، وهو يمكننا القول إنه “قلب” كل شيء، المفاعلات النووية والقنابل الذرية على حد سواء.

من الصخرة إلى التخصيب

لا يمكن استخدام اليورانيوم في صورته الطبيعية مباشرة، إذ يجب أولاً رفع نسبة اليورانيوم-235 فيه عبر عملية تُسمى التخصيب، وهي قلب الجدل النووي كله، بخاصة في بلاد أصحاب العمائم البيضاء.

بالعودة للكعكة الصفراء وطرق تخصيبها، فهي تعتمد على أجهزة طرد مركزي عبارة عن أسطوانات تدور بسرعات هائلة تبلغ عشرات الآلاف من الدورات في الدقيقة، مما يفصل الذرات الأثقل عن الأخف تدريجاً.

وكلما تكررت الدورات ارتفعت نسبة التخصيب، وكلما ارتفعت النسبة اقتربنا من “سلاح نووي” بيد دولة فارسية وضعت نصب أحلامها تصدير الثورة مع قلاقلها وأفكارها المتطرفة.

للخير وظائف وللشر وظيفة واحدة

ولأن للحجر الأصفر وظائف كثيرة فإن لكل نسبة وظيفة، فمثلاً عند ثلاثة إلى خمسة في المئة يُصبح اليورانيوم وقوداً صالحاً للمفاعلات المدنية لتوليد الكهرباء والنور والطاقة.

وعند 20 في المئة يمكن استخدامه في وقود الغواصات والسفن الحربية النووية.

أما حين تتجاوز النسبة 90 في المئة فنحن أمام مادة قادرة على صنع أسلحة الدمار الشامل.

إذاً وجه واحد للشر قادر على نسف وجوه الخير الكثيرة، لمشتقات الصخرة المثيرة للجدل، أي وظيفة واحدة قادرة على تدمير وظائف كثيرة مع بشرها وحجرها.

وهنا يكمن جوهر الأزمة الإيرانية، إذ إن طهران بلغت 60 في المئة من التخصيب، وهو مستوى لا تفسير مدنياً مقنعاً له في نظر المجتمع الدولي. وتفسيره الوحيد هو سلاح نووي لا يمكن التكهن إلى أي أرض وبلد سيتجه. لكن إسرائيل التي جرت واشنطن و”ترمبها” أكثر خشية وتحسساً منه. والمفارقة أنها تمتلكه وفق كثير من الروايات.

8 استخدامات لمعدن واحد

الشيء الذي لا يجب علينا إغفاله ونسيانه، هو أن لليورانيوم استخدامات تمتد عبر قطاعات قد لا يتوقعها كثيرون.

وعلى رأس الاستخدامات توليد الكهرباء، إذ يعمل اليوم أكثر من440  مفاعلاً نووياً حول العالم بوقود اليورانيوم، توفر نحو 10 في المئة من الكهرباء العالمية، وفق بيانات الرابطة العالمية للطاقة النووية والوكالة الدولية للطاقة الذرية.

والرقم الأكثر إثارة للدهشة أن كيلوغراماً واحداً من اليورانيوم المخصّب ينتج طاقة تعادل 3 آلاف طن من الفحم، وهو ما يجعل الطاقة النووية من أكثف مصادر الطاقة المعروفة، بحسب الرابطة العالمية للطاقة النووية.

وتأتي الأسلحة النووية في المرتبة الثانية من حيث الشهرة، وإن كانت الأقل انتشاراً من الناحية التطبيقية بسبب أعين الوكالة الذرية ومراقبيها.

وبحسب البحرية الأميركية، الاستخدام الثالث الذي يجهله كثيرون هو دفع السفن والغواصات الحربية، فالغواصات النووية الأميركية والروسية تعمل بمفاعلات يورانيوم تمنحها قدرة الإبحار لـ20 عاماً متواصلة من دون توقف لإعادة التزوّد بالوقود، وهو ما يجعلها سلاحاً استراتيجياً بامتياز. وهذه ربما أكثر الاستخدامات غرابة.

وفي الطب يلعب اليورانيوم وعناصره المشعة المشتقة منه دوراً محورياً في علاج السرطان بالإشعاع، وفي التصوير التشخيصي النووي، وفي تعقيم الأدوات الطبية.

 أما اليورانيوم المنضب، وهو ما تبقى بعد استخلاص الجزء القابل للانشطار، فيُستخدم بسبب كثافته الهائلة في صنع القذائف المدرّعة الخارقة للدروع وتدريع الدبابات الثقيلة كالـM1 Abrams الأميركية، وفق وزارة الدفاع الأميركية.

وفي الفضاء تعتمد المسابر البعيدة كـVoyager وCassini على مولدات حرارية نووية لأن الشمس تكون بعيدة جداً منها بحيث تعجز الألواح الشمسية عن إمدادها بالطاقة.

وعلى الأرض يُشعَّع بعض الأغذية كالتوابل والفواكه المجففة بالإشعاع لإطالة صلاحيتها.

 وأخيراً يستخدم الجيولوجيون التحلل الإشعاعي البطيء لليورانيوم لتأريخ الصخور القديمة بدقة تصل إلى ملايين السنين.

أين يختبئ اليورانيوم؟

وخلافاً للنفط الذي يتركز في مناطق جيولوجية محددة، يوجد اليورانيوم في ثلاثة أنواع رئيسة من التضاريس.

الأول الصخور الرسوبية كالرمال والحجر الرملي، وهي الأكثر شيوعاً وتضم معظم مناجم كازاخستان وأميركا، حيث يترسب اليورانيوم في الطبقات الرسوبية القديمة على أعماق متوسطة.

والثاني صخور الغرانيت والبيغماتيت النارية القديمة التي تحتوي على تركيزات طبيعية، وهي سمة مناجم كندا وأستراليا.

أما الثالث، فهو الرواسب تحت السطحية حيث يكون اليورانيوم مذاباً في المياه الجوفية ضمن طبقات رملية، ويُستخرج بضخ محاليل كيماوية تحت الأرض ثم سحبها إلى السطح من دون حفر تقليدي.

أما طرق الكشف عنه فتبدأ من الجو، إذ تحلق طائرات متخصصة على ارتفاع منخفض حاملة أجهزة كشف تقيس الإشعاع الطبيعي الصادر من التربة. قبل أن يهبط الجيولوجيون إلى الأرض حاملين أجهزة “غايغر” المحمولة باليد، وتُستكمل الصورة بتحليل عينات التربة والمياه الجوفية مخبرياً قبل إطلاق مرحلة الحفر الاستكشافي للتحقق الميداني.

سوق تعمل في الظل

هل يباع؟ وله سوق كسوق النفط والذهب؟ بلا أدنى شك، لكن بقيود وشكل محدود، فقيمته اليوم في أتون الحرب وهدنتها، بلغت نحو 85 دولاراً للرطل الواحد، أي ما يعادل 187 دولاراً للكيلوغرام.

وشهد تقلبات حادة هذا العام، إذ بلغ ذروته عند101  دولار في يناير (كانون الثاني) الماضي مدفوعاً بالطلب المتصاعد من شركات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، قبل أن تُهبطه الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز.

والسعر الحالي يبقى أعلى بنحو32  في المئة مقارنة بالعام الماضي. غير أن هذه السوق تعمل بطريقة مختلفة عن سائر السلع، فاليورانيوم لا يُتداول في بورصة مفتوحة كالنفط والذهب، بل يُباع عبر عقود خاصة تُفاوَض بين المنتجين والمشترين بعيداً من الأضواء.

تُعدّ هذه المبادرة جزءًا من استراتيجية كازاخستان للوصول إلى قدرة إنتاجية للطاقة النووية تبلغ 2.4 جيجاواط بحلول عام 2035. (حقوق الصورة: SkazovD/Shutterstock)

ليست إيران بين الملاك الرئيسين لمعدن “اليورانيوم”، فسوقه تهيمن عليها ثلاث دول، سلمية لا تعرف الثورات ولا فكرة تصديرها، وهي كازاخستان التي تستحوذ وحدها على نحو 43  في المئة من الإنتاج العالمي (حقوق الصورة: SkazovD/Shutterstock)

المشترون المسموح لهم قانوناً بالشراء هم حصراً الجهات المرخصة، شركات الطاقة النووية والحكومات وشركات تشغيل المفاعلات المدنية.

وكل صفقة تخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تتحقق من أن اليورانيوم المُباع ذهب فعلاً لاستخدامه المُعلَن.

ليست إيران بين الملاك الرئيسين لمعدن “اليورانيوم”، فسوقه تهيمن عليها ثلاث دول، سلمية لا تعرف الثورات ولا فكرة تصديرها، وهي كازاخستان التي تستحوذ وحدها على نحو 43  في المئة من الإنتاج العالمي، تليها كندا بنحو 15 في المئة وهي الأعلى جودة ونقاء، ثم أستراليا التي تمتلك أضخم الاحتياطات المؤكدة في العالم.

وكانت روسيا مورداً رئيساً حتى فرضت الولايات المتحدة عقوبات على وقودها النووي أخيراً.

النووي تملكه 9 دول فلماذا إيران وليس غيرها؟

هذا السؤال الذي يطرحه كثيرون وعرجنا سابقاً عليه، لكن لإجابته تفاصيل، فالقنبلة النووية، التي تخطت مراحل التخصيب والتطوير، يملكها على الأقل تسع دول، لكن إيران القلاقل حالة خاصة.

والإجابة حول السوال المثير، تقول إن المعضلة ليست في اليورانيوم وحده، بل في المعادلة الكاملة.

ومعضلة إيران وقصتها مع اليورانيوم، يمكن القول إنها بدأت في عام 2002 حين اكتُشفت منشآت “نطنز وأراك” السريتان النوويتان عبر “أعين صديقة”، وهم معارضون إيرانيون، ومن هنا بدأ العالم يتوجس خيفة من نوايا طهران، وأفكارها التي لا تختلف كثيراً عن أيديولوجيا وأفكار ومعتقدات أرباب “إسرائيل الكبرى”.

“إيران الكبرى”

كانت تمضي في ذلك العام، في فكرة يمكن وصفها بـ”إيران الكبرى”، وإن لم تعلنها صراحة بنفس المصطلح، لكنها فكرة شائعة بمصطلح آخر هو “تصدير الثورة”، ولم تلبث طويلاً في ذلك العام حتى وضعت أول أقدام تمددها في العراق، حين سقط غريمها السابق صدام حسين، عام 2003.

وفي نفس العام الذي اكتشفت فيه منشآت النووي الكامنة، أطلق جورج دبليو بوش الرئيس الأميركي الأسبق المصطلح الشائع اليوم “محور الشر” إلى جانب العراق وكوريا الشمالية.

وما يجعل الثقة مفقودة هو أن قادتها أطلقوا تصريحات عدائية صريحة تجاه إسرائيل، الحليف الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة في المنطقة، كما أنها، أي طهران، تدعم علناً جماعات مسلحة كـ”حزب الله” و”حماس” والحوثيين.

وفوق هذا كله، تتحكم في مضيق هرمز الذي يعبره خمس إنتاج النفط العالمي يومياً، مما يعني أنها إن أصبحت “دولة نووية” فإنها ستُمسك بخناق الاقتصاد العالمي. كما يحدث اليوم تماماً، خلال إغلاقه.

هذا ما يقوله حلفاء إيران

وثمة صوت يمكننا طرحه، وهو صوت حلفاء “البلاد الفارسية” وهو إشارتهم إلى ما يصفونه بـ”ازدواجية” المعايير الغربية.

بقولهم إن باكستان، التي تقود وساطة بين الفرقاء اليوم، امتلكت القنبلة عام 1998، وبعد أعوام قليلة أصبحت حليفة أميركا في أفغانستان فغُضّ الطرف.

وإسرائيل التي تمتلك ترسانة نووية يُعتقد أنها تضم نحو 90 رأساً حربياً لم يصدر بحقها قرار أممي واحد. المعيار المطبق إذاً، كما يقول هؤلاء، ليس اليورانيوم ذاته بل طبيعة العلاقة مع واشنطن. وهذه تفسيرات نوردها لمهنية تفرضها علينا الصحافة الحرة من دون تبنيها.

رصد لا تراه العين المجردة

في طريق تحرير هذه المادة، ثمة تساؤل بسيط، ولكنه مهم، وهو كيف يعرف العالم نبش إيران صخورها لاستخراج ما تضمره من شر، في بلاد جبلية صعبة التضاريس؟ لكن هذا لا تنتظره الاستخبارات الغربية بإعلان إيراني لتكتشف ما يجري في المنشآت النووية تحت الأرض.

فثمة منظومة رصد متكاملة تعمل من دون توقف.

تبدأ من الفضاء، حيث تلتقط الأقمار الاصطناعية أي حركة غير اعتيادية حول المنشآت المشتبه بها، شاحنات، حفريات، تغيّرات حرارية تدل على نشاط مفاعل.

وتُكمل طائرات الاستطلاع المتخصصة الصورة بشمّ الجزيئات المشعة في الهواء، إذ يترك التخصيب أثراً إشعاعياً في الغلاف الجوي لا يُمحى بسهولة.

وتضطلع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدور حاسم عبر مفتشين ميدانيين يأخذون عينات من الهواء والتربة والمياه قادرة على الكشف عن آثار التخصيب حتى في المنشآت المدفونة على أعماق عشرات الأمتار.

وأخيراً لا تغيب الاستخبارات البشرية، إذ تشير تقارير متعددة إلى نجاح “الموساد” الإسرائيلي والـCIA الأميري في تجنيد مصادر داخل المنظومة النووية الإيرانية على مدى أعوام. وهذا غير العملاء والعلماء النوويين الذين انشقوا عن النظام ليبوحوا بما وراء النوايا والأسرار.

أسابيع تفصل بين اليورانيوم والقنبلة

وما يُقلق واشنطن وتل أبيب أكثر من أي شيء آخر هو أن إيران وصلت إلى 60 في المئة من التخصيب، والقفز من هذا المستوى إلى 90 في المئة العسكري لم يعد يحتاج أعواماً بل أسابيع، وذلك باستخدام نفس أجهزة الطرد المركزي الموجودة.

ومن ثم تأتي المرحلة الثانية، تحويل المادة المخصّبة إلى سلاح جاهز للاستخدام، وهي عملية أكثر تعقيداً تستغرق من عام إلى عامين في العادة.

إلا أن تقديرات الاستخبارات الغربية ترى أن إيران طوّرت التصاميم التقنية اللازمة مسبقاً، مما يعني نظرياً أنها باتت على بُعد أشهر قليلة فقط من القنبلة لو قرّرت المضي قُدُماً.

وهذا بالضبط ما يُعجّل بالمفاوضات الراهنة ويجعل كل يوم تأخير ثمنه باهظاً.

مفاوضات على حافة الهاوية

وتجري حالياً مفاوضات مكوكية محمومة تقودها باكستان وسيطاً بين واشنطن وطهران، وفي قلبها مقترح يقضي بنقل جزء من اليورانيوم الإيراني إلى دولة ثالثة لم تُحدَّد هويتها بعد، وتخفيف تخصيب الجزء الآخر داخل إيران تحت إشراف دولي مباشر من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وفي المقابل تطالب طهران بالإفراج عن أصول مجمّدة تُقدَّر بـ20 مليار دولار.

ترمب الذي قال في البيت الأبيض، إن إيران وافقت على “كل شيء”، نفى في الوقت ذاته أن يتضمن الاتفاق تحويل أموال نقداً.

لكن طهران من جانبها لم تؤكد ولم تنفِ، وبقي كل شيء في المنطقة الرمادية التي طالما أتقن الإيرانيون فن الإقامة فيها.

الأكيد الوحيد أن الساعات تتلاشى أمام هدنة موقتة تنتهي في الـ22 من أبريل (نيسان) الجاري، أي بعد ثلاثة أيام، والعالم يحبس أنفاسه بين ما تظمره طهران وتغريدات ترمب ووعوده، فيما يبقى ذلك المعدن الرمادي المدفون في أعماق الأرض، صاخباً ينبض بشرور طهران وعمائمها الملونة.

———————————

مثبت بالفارسية وغائب بالإنجليزية.. هذا البند يهدد مفاوضات طهران وواشنطن

كشف مقال تحليلي نشرته صحيفة يديعوت أحرنوت الإسرائيلية أن إحدى أهم نقاط مقترح إيران لوقف إطلاق النار ظهرت بصيغتين مختلفتين بين النسختين الفارسية والإنجليزية.

ففي حين تلقى الدبلوماسيون نصا يتحدث عن “ضمانة ملزمة بعدم استهداف إيران مجددا”، تضمنت النسخة الفارسية إضافة مركزية هي “قبول التخصيب”، بما يربط التهدئة باعتراف صريح بحق طهران في مواصلة برنامجها النووي.

وتوضح الكاتبة هدار جالرون في مقالها أمس أن هذا التباين يعكس إدارة سياسية دقيقة للنص، حيث تُوجَّه كل نسخة إلى جمهور مختلف.

وتحمل الصياغة الفارسية رسالة داخلية تؤكد التمسك بالبرنامج النووي، بينما تمنح النسخة الإنجليزية مساحة أوسع للتحرك الدبلوماسي وتخفيف التوتر في مرحلة أولية.

وبهذه الطريقة، يتشكل نص واحد بوظيفتين: تثبيت موقف داخلي، وفتح نافذة تفاوض خارجية.

هامش أوسع

وبحسب الكاتبة، فهذا البناء المزدوج للنص يمنح الأطراف هامشا واسعا في تفسير الاتفاق لاحقا.

فمع تعدد الصيغ، يصبح من الممكن لكل طرف أن يستند إلى نسخته الخاصة عند تقييم الالتزامات، ما يترك الباب مفتوحا أمام خلافات عند الانتقال من التفاهمات المكتوبة إلى التطبيق العملي.

ويربط المقال بين هذه الصياغة وبين معطيات الواقع النووي الإيراني. فبحسب التحليل، ما تزال طهران تمتلك بنية معرفية واسعة وآلاف المختصين، إلى جانب كمية تقارب نصف طن من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة تضع البرنامج في مرحلة متقدمة.

أي لغة ستنتصر؟

هذه المعطيات تعطي الملف النووي وزنا حاسما في أي تفاهم سياسي أو عسكري.

وفي موازاة ذلك، يعكس الخطاب السياسي بعد المواجهة الأخيرة تباينا واضحا، إذ أعلنت إيران تحقيق إنجاز كامل، فيما تحدثت الولايات المتحدة عن تدمير البرنامج النووي.

إعلان

ويخلص المقال إلى أن مقترح وقف إطلاق النار يتجاوز كونه خطوة لخفض التصعيد، ليصبح جزءا من معركة أوسع على تعريف البرنامج النووي وحدوده.

ووجود صياغتين مختلفتين للنقطة الأولى يعكس طبيعة التفاهمات المطروحة، حيث تُدار الخلافات داخل النص نفسه، بما يسمح باستمرار التفاوض، مع بقاء جذور الصراع دون حسم نهائي.

وقالت: “متى سينتهي هذا التلاعب بالكلمات؟ ففي لحظة ما، سيتم الضغط على زر أحمر، ولن تكون هناك نصوص متنافسة، لا نسخة فارسية ولا نسخة إنجليزية، ولا فائزين، ستكون هناك لغة واحدة فقط يفهمها الجميع”.

المصدر: يديعوت أحرونوت

————————————–

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟/ فتحية الدخاخني

تساؤل يثيره تقرير لـ«رويترز»

19 أبريل 2026 م

في حين تتصدر بعض الحروب والنزاعات اهتمامات وسائل الإعلام الدولية، فإن حروباً أخرى قد تكون أكثر مأساوية، تتوارى ولا تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية. وهذا ما أرجعه خبراء لأسباب عدة من بينها هيمنة الغرب على الإعلام، وقلة اهتمامه بالصراعات في الدول الفقيرة، إضافةً إلى مستوى تعقيد نزاعٍ ما وطول أمده.

في تقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، أخيراً، ذكر أنه بخلاف نزاعَي أوكرانيا والشرق الأوسط، «من غير المرجح أن تحظى حروب أخرى باهتمام الإعلام الدولي». ولفت التقرير إلى أنه «بدءاً من عام 2025، كان هناك 59 نزاعاً نشطاً بين دول حول العالم، وهو أعلى عدد منذ الحرب العالمية الثانية وفقاً لمعهد الاقتصاد والسلام».

أيضاً تضمّن تقرير «معهد رويترز» مقابلات مع ثلاثة صحافيين من بوركينا فاسو وأوغندا وإثيوبيا سبق لهم تغطية نزاعات وحروب، أعربوا كلهم عن إحباطهم من ضعف التغطية لقصص لها تأثير إنساني عميق.

ثم أشار التقرير إلى أن «الأزمات في الدول الفقيرة، خصوصاً في أفريقيا، تحظى باهتمام أقل من غيرها… وأنه خلال عام 2024 رصد المجلس النرويجي للنازحين تغطية إعلامية ضئيلة لأكثر أزمات النزوح، ثمانٍ منها كانت في أفريقيا، حيث تصدّرت الكاميرون وإثيوبيا وموزمبيق القائمة».

الأهمية الجيوسياسية

وأضاف أن «التغطية الإعلامية للنزاعات تعكس رؤية ضيقة تشكلها الأهمية الجيوسياسية أكثر من الإلحاح الإنساني». ثم لاحظ أن نتائج دراسة لـ«المرصد الأوروبي للصحافة» بيّنت إن «نحو 10 في المائة فقط من وقت البث في نشرات الأخبار العامة في ألمانيا وسويسرا والنمسا يُخصص لدول الجنوب العالمي».

محمد عبد الحميد عبد الرحمن، الصحافي السوداني ورئيس تحرير القسم العربي في إذاعة هولندا العالمية ومدير وكالة السودان للأبناء سابقاً، رأى أن «هناك علاقة معقدة بين الإعلام والسياسة والرأي العام». وأوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الإعلام في أثناء الحرب لا يغطي ولا يعكس الواقع كما هو، بل يعكس ما يُعد مهماً أو قابلاً للتسويق أو يخدم سرديات معينة، لذلك تختلف التغطية من حرب إلى أخرى». ثم أردف: «المصالح الجيوسياسية، خصوصاً للدول الكبرى وحلفائها، وتحديداً أميركا ودول غرب أوروبا، هي التي تحدد مدى وكيفية تغطية الحروب ومبرّراتها وفظائعها ومترتباتها الإنسانية الفادحة».

ومن ثم، أضاف عبد الرحمن، الذي عمل خلال مسيرته المهنية مراسلاً حربياً في السودان والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا: «الاهتمام الإعلامي الدولي بالحروب يتناسب طردياً مع مدى تأثيرها على مصالح القوى الدولية والإقليمية واستراتيجياتها إلى حد ما»، لافتاً إلى تراجع الاهتمام بالوضع في السودان مع اندلاع حرب غزة، وتراجع الاهتمام بغزة في ظل استحواذ أوكرانيا على الاهتمام.

بعدها تطرّق الصحافي السوداني إلى «عوامل أخرى تؤثر في تغطية الحروب؛ من بينها البُعد الجغرافي لموقع الحرب عن مواقع مؤسسات الإعلام الدولية الكبرى، حيث غالباً ما تهم النزاعات التي يصعب الوصول إليها». وفي مقارنة بين حرب أوكرانيا والنزاع الممتد منذ عقود في الكونغو الديمقراطية، قال عبد الرحمن إن «وسائل الإعلام تتجنّب الخوض في النزاعات المعقّدة التي تتطلّب معرفة معقولة بخلفياتها، وتميل إلى التركيز على النزاعات التي يمكن تبسيطها إلى نزاع بين قوى شريرة وأخرى خيّرة ومظلومة».

ملاحقة الجديد وهجر الحروب الطويلة

وأردف: «الصحافيون وأجهزة الإعلام عادةً ما يميلون إلى ملاحقة الجديد والابتعاد عن الحروب الطويلة، فكل كارثة تسرق الأضواء من سابقاتها، لكن رغم ذلك تلعب التغطية الإعلامية دوراً مهماً جداً، بل وحاسماً في بعض الأحيان، لتشكيل الرأي والضغط على أطراف النزاع والمجتمع الدولي للتخفيف من حدة النزاع أو تصعيده حسب المصالح المعرَّضة للخطر جرّاء استمرار الحرب».

من ناحية أخرى، وفق محمد عبد الحميد عبد الرحمن، «التغطية المتحيزة أو المتأثرة بالمصالح قد تعمل في بعض الأحيان على إطالة أمد الحرب؛ ذلك إلى أن استمرار تغطية نزاعٍ ما لفترة طويلة لا يعني بالضرورة استمرار اهتمام الرأي العام به، بسبب ما يمكن أن نسميه إرهاق التغطية والمتابعة والتعاطف».

وتابع: «لا تؤدي التغطية المكثفة بالضرورة إلى إنهاء النزاعات والميل إلى إنهائها كما نلاحظ بوضوح في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي… لأن المواقف الدولية تحكمها المصالح والتحالفات ولا تخضع في معظم الأحيان للضغط الإعلامي».

على صعيد متصل، وفق تقرير «معهد رويترز»، فإن «النزاعات بين الدول المستقلة تحظى بتغطية أكبر من النزاعات الداخلية؛ نظراً إلى تأثيرها الأوسع على السياسة العالمية والاستقرار الاقتصادي. أما النزاعات في المناطق الأقل تأثيراً اقتصادياً، فمن المرجح تجاهلها بغضّ النظر عن شدّتها أو آثارها الإنسانية… يلعب القرب الثقافي دوراً في تحديد الخبر المهم، وغالباً ما تحظى النزاعات التي يشعر الجمهور الغربي بأنها أقرب إليه بتغطية كبرى».

هنا أرجع يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، غياب بعض الحروب عن العناوين الرئيسية، جزئياً، إلى «هيمنة الغرب على وسائل الإعلام والاتصال». وقال لـ«الشرق الأوسط» خلال حوار معه، إن «تجانس المحتوى الإعلامي يزيد من تفاقم أوجه عدم المساواة أو الاختلال في التوزيع العالمي للمحتوى الإعلامي».

وقارن بين حجم التغطية الإعلامية للحروب الجارية في أوكرانيا وإيران، وحجم التغطية للحروب المستعصية المستمرة منذ عقود في الصومال والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فنبّه إلى أن «توزيع وسائل الإعلام يفترض ضمناً هيمنة السياسة والاتصال ورأس المال».

لجنة ماكبرايد

كذلك تطرّق إكو إلى إنشاء «اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال» عام 1977 برئاسة الآيرلندي شون ماكبرايد (حامل جائزة نوبل للسلام)، ومشاركة ممثلين من 15 دولة أخرى. وقال إن اللجنة أعدَّت فيما بعد تقريراً بعنوان «أصوات متعددة… عالم واحد»، عُرف بـ«تقرير ماكبرايد»، شدد على «وجود اختلال فادح بين الشمال والجنوب، لا تزال أصداؤه تتردد إلى اليوم».

وللعلم، كان إكو قد أجرى عام 1991 دراسة حول تغطية الصحف النيجيرية للأزمات الإقليمية والدولية، كدراسة حالة عن ليبيريا وحرب الخليج. وذكر أن «الدراسة أظهرت أن وسائل الإعلام الغربية آنذاك، لا سيما (سي إن إن) الأميركية و(بي بي سي) البريطانية كانتا تقودان السرديات المتعلقة بالحروب… وهذا الوضع لم يتغير، إذ ما زال الإعلام الغربي يهيمن على سرديات الحروب حتى الآن».

أما بالنسبة إلى «حرب غزة»، فقد أورد تقرير «معهد رويترز» أنه «رغم التغطية الكبيرة للحرب في غزة، فإن بعض الضحايا يحظون باهتمام إعلامي أكبر من غيرهم. حيث كانت التغطية الإعلامية لكل قتيل إسرائيلي أعلى بـ33 مرة من نظيرتها للقتيل الفلسطيني في محتوى (بي بي سي) خلال سنة».

وهنا علّق خالد القضاة، عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، في لقاء مع «الشرق الأوسط» فقال إن «الواقع يؤكد أن موضوع الحياد الإعلامي غير موجود، فبعض المؤسسات الإعلامية هي انعكاسات لسياسات دولية وتنسجم مع مواقفها فيما يتعلق بالحروب والنزاعات».

وأوضح أن «تغطية النزاعات والحروب تختلف بين المتابعة داخل دولة النزاع نفسها والتي تتعرض لانحيازات حسب مواقف الدولة وأطراف الصراع، والتغطية في المؤسسات الدولية التي تنحاز أيضاً إلى مواقف دولها واهتمامات شعوبها». وشدد من ثم على «ضرورة التنوع في مؤسسات الإعلام من أجل تقليل درجة الانحياز في تغطية النزاعات وضبط المصطلحات والمواقف وزيادة الاهتمام بالنزاعات المهملة».

الشرق الأوسط

—————————————-

==================

تحديث 19 نيسان 2026

———————————

دول الخليج نحو هندسة بدائل استراتيجية لمضيق هرمز/ أليس غاور

البدائل تتوسع لكن المخاطر نفسها تعيد إنتاج الاختناق

19 أبريل 2026

على مدى العقود التي أعقبت الحرب العراقية – الإيرانية، قامت استراتيجيا الطاقة في الخليج على فرضية بسيطة مفادها أن أي إغلاق لمضيق هرمز سيكون قصير الأمد. وقد أُنشئت خطوط الأنابيب والمحطات لتخفيف أثر الاضطرابات المحدودة، لا لتحل محل هذا المسار بالكامل.

أما اليوم، فتخضع تلك الفرضية لاختبار قاس. فأحداث مطلع عام 2026، من الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط، إلى الهجمات الانتقامية التي شنتها طهران في أنحاء المنطقة وإغلاقها الممر المائي (قبل إعلان وزير الخارجية عباس عراقجي في 17 أبريل/نيسان فتحه بالكامل)، ثم الحصار المضاد الذي أعلنته الولايات المتحدة في 13 أبريل/نيسان، حولت ما هو موضع هشاشة معروفا منذ زمن إلى أزمة تشغيلية فعلية. وما كان يعد في السابق خطرا نظريا أصبح قيدا مباشرا يكشف محدودية البدائل المتاحة في المنطقة. خلاصة الأمر أن البنية التحتية القادرة على تعويض تعطيل طويل الأمد للمضيق غير موجودة، كما أن إنشاءها بسرعة، أو من دون مخاطر، أمر متعذر.

وبات البحث عن البدائل ظاهرا في أنحاء المنطقة. وهو بحث تحركه الطموحات الهندسية من جهة، والقيود الصلبة التي تفرضها التكلفة والوقت والسياسة من جهة أخرى. وكثير من المسارات المطروحة اليوم ليس جديدا، فيما تبلور بعضها الآخر تحت وطأة التحولات الجيوسياسية وتداعيات جائحة كوفيد-19 والحرب الروسية الأوكرانية.

مع ذلك، وعلى الرغم من تصاعد الاهتمام بتطوير البدائل، فإن القيود نفسها لا تزال قائمة. فالممرات الجديدة مكلفة، وبطيئة الإنجاز، وترتبط في الغالب بحسابات سياسية معقدة. والأهم أنها تظل عرضة للمخاطر الأمنية نفسها التي ترسم ملامح المنطقة اليوم. وصحيح أن تنويع المسارات قد يخفف الاعتماد على هرمز، لكنه لا يزيل الهشاشة. وفي نهاية المطاف، سيتوقف أمن الصادرات الخليجية على الديبلوماسية بقدر ما سيتوقف على البنية التحتية.

الاختناق الذي انكشف

يعد هرمز واحدا من أكثر الممرات حساسية في العالم، فهو المنفذ الضيق الذي تعبر منه نسبة كبيرة من نفط الخليج وغازه وحركته التجارية. وهو، في الوقت نفسه، شريان اقتصادي وورقة ضغط استراتيجية. مع ذلك، ظل المضيق مفتوحا حتى اندلاع الصراع الحالي، وبقي احتمال إغلاقه سيناريوا يتداوله المحللون ويأخذونه في الحسبان، من دون أن يتحول إلى واقع.

لكن مع انتقال الولايات المتحدة وإسرائيل إلى مواجهة مباشرة مع إيران، ورد طهران باستخدام هرمز أداة للرد والضغط، خرج المضيق من دائرة الاحتمال النظري وأصبح أداة فعلية في إدارة الصراع.

ولهذا، تبدو الأزمة الحالية شديدة الاضطراب. فهي تهدد تدفق النفط وجداول الناقلات، وتضع موضع شك الافتراضات التي قامت عليها خطط الطاقة الخليجية طوال سنوات. فقد اعتبر المخططون، على مدى زمن طويل، أن أي إغلاق للمضيق سيكون عابرا، وأن طاقة احتياطية كافية ستتوفر لتخفيف الصدمة. أما اليوم، فقد خضعت تلك الفرضية للاختبار، وتبين أنها أضعف مما كان يعتقد.

خطان ومنطق واحد

أمضت دول الخليج عقودا وهي تبني مسارات بديلة. غير أن معظم هذه البدائل بقي يظل جزئيا، ومقيدا بالاعتبارات السياسية، ومعرضا بدوره للمخاطر. ويمكن هذا النظام أن يصبح أكثر تنوعا، لكن بلوغه درجة مناعة كاملة يظل أمرا بعيد المنال. ويتجلى ذلك بوضوح في خطي الأنابيب الوحيدين العاملين حاليا لتجاوز المضيق، وهما: خط أنابيب النفط الخام “شرق – غرب” في السعودية، وخط “أدكوب” الإماراتي.

يعد خط أنابيب النفط الخام “شرق – غرب” في السعودية، المعروف أيضا باسم “بترولاين”، الأقدم والأكبر بين الخطين. وقد دخل الخدمة في أوائل ثمانينات القرن الماضي خلال الحرب العراقية – الإيرانية. وكان الهدف منه في البداية دعم تنمية غرب السعودية، ثم جرى تطويره لاحقا خلال “حرب الناقلات” عام 1987 ليصبح وسيلة تحوط في حال إغلاق مضيق هرمز. ويمتد هذا الخط، البالغ طوله 1,200 كيلومتر، من مركز بقيق لمعالجة النفط على ساحل الخليج العربي، عابرا أراضي المملكة غربا حتى ينبع على البحر الأحمر، في مسار يتجاوز المضيق بالكامل.

وفي مارس/آذار 2025، رفعت شركة “أرامكو” السعودية طاقته إلى سبعة ملايين برميل يوميا. وقد ثبت لاحقا أن تلك الخطوة كانت بعيدة النظر. فعندما أُغلق هرمز إبان ضربات عملية “الغضب الملحمي”، حولت “أرامكو” صادراتها إلى ينبع، وقفزت أهمية خط “شرق – غرب” في أسواق النفط العالمية. وتعرضت المنشأة لضربات أدت إلى خسارة تقارب 700 ألف برميل يوميا، لكنها عادت الآن إلى التصدير بكامل طاقتها. ومع ذلك، تقترب المحطة في ينبع من حدها الأقصى في التحميل، مما يشير إلى أن موضع الاختناق قد لا يكون في الخط نفسه، وإنما عند نهايته.

أما خط أنابيب أبوظبي للنفط الخام أو خط حبشان – الفجيرة، فهو أصغر حجما، لكنه أُنشئ للغرض نفسه تقريبا. ودخل الخدمة عام 2012 بعد سنوات من التخطيط تسارعت وتيرتها بين عامي 2008 و2009، حين بلغت المخاوف من الطموحات النووية الإيرانية ذروتها. ويمتد هذا الخط لمسافة 380 كيلومترا من حبشان في داخل أبوظبي، عابرا أراضي صحراوية وجبلية إلى الفجيرة على خليج عمان، خارج عنق الزجاجة الذي يمثله هرمز. وتبلغ طاقته الاسمية 1.5 مليون برميل يوميا، مع إمكان رفعها إلى نحو 1.8 مليون برميل يوميا.

وحتى إذا بلغ هذان الخطان الحد النظري الأقصى، فلن يغطيا سوى أقل من نصف الكميات المعتادة التي تعبر هرمز.

أما في الواقع، فإن القدرة المستدامة أدنى من ذلك، بسبب القيود المرتبطة بمحطات الضخ ومعدلات التحميل، فضلا عن الهشاشة الكامنة في البنية التحتية الثابتة. فقد استهدفت طائرات الحوثيين المسيّرة محطات الضخ السعودية عام 2019، مما أدى إلى توقف مؤقت. وفي مارس/آذار 2026، عطلت هجمات بطائرات مسيّرة على منشآت الفجيرة عمليات التحميل عند الطرف الإماراتي. وحتى أكثر أنظمة الالتفاف تطورا، لا تستطيع إلا الحد من وقع الصدمات، من دون أن تزيله كليا، في تذكير واضح بأن البنية التحتية وحدها لا تكفي لصنع الاستقرار.

خارج خطي الأنابيب العاملين حاليا، تبدو البدائل المطروحة لهرمز أقرب إلى سجل طويل لمسارات حملت النفط يوما، أو كان يفترض أن تحمله، ولمشاريع لم ترتق قط إلى بدائل يمكن التعويل عليها، أو لأفكار تبدو واعدة على الورق، لكنها تصطدم في الواقع برياح سياسية وتجارية معاكسة تجعل تحققها شديد الصعوبة.

ويعد خط الأنابيب العراقي عبر السعودية، المعروف باسم “إيبسا”، أوضح مثل على ذلك. فقد أُنشئ في منتصف ثمانينات القرن الماضي ليمنح العراق منفذا تصديريا خارج منطقة الخطر في الخليج، وامتد لمسافة 1,650 كيلومترا من حقول النفط في جنوب العراق إلى ينبع، بطاقة تصميمية بلغت 1.65 مليون برميل يوميا. لكنه أُغلق عام 1990 بعد غزو العراق للكويت. ومنذ ذلك الحين، ظل خارج الخدمة إلى حد كبير. وفي عام 2001، استحوذت السعودية على أصوله مقابل رسوم عبور غير مدفوعة، ومنذ ربع قرن لا يزال الخط في حكم المجمد. وتعود فكرة إحيائه إلى الواجهة بين حين وآخر، غير أن العوائق القانونية والديبلوماسية والمادية لا تزال كبيرة.

ويروي خط كركوك–جيهان قصة مشابهة. فعلى الورق، يفترض أن يكون منفذا شماليا مهما للنفط العراقي، ينقل الخام من كركوك إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، متجاوزا الخليج بالكامل. أما في الواقع، فإن النزاعات المزمنة بين بغداد وحكومة إقليم كردستان في شأن تقاسم الإيرادات وحقوق العبور، أدت مرارا إلى تعطيله. وقد جرى التوصل إلى اتفاق لاستئناف التدفقات في مارس/آذار 2026، وأعيد تشغيل الخط، لكن الكميات الأولية جاءت أقل بكثير من طاقته، في تذكير جديد بأن الهشاشة السياسية قد لا تقل أثرا عن تآكل البنية المادية.

وينتمي خط العراق–الأردن الأقدم إلى الفئة نفسها. فقد طُرح طوال سنوات باعتباره وسيلة تمنح العراق منفذا تصديريا إلى العقبة والبحر الأحمر. وعادت الفكرة إلى الواجهة مرارا بصيغ متعددة، لكنها لم ترتق قط إلى مستوى البديل الموثوق به لهرمز. والمشكلة هنا لا تكمن في الفكرة نفسها، بقدر ما تكمن في تنفيذها. فالمسار سيعبر بيئات سياسية وأمنية مضطربة، وسيحتاج فوق ذلك إلى استثمارات رأسمالية كبيرة، وتنسيق ديبلوماسي واسع، ومهل زمنية طويلة. وقد يبدو جذابا على الورق لأنه يعيد رسم الخريطة، لكنه على الأرض يظل احتمالا بعيد المدى، مثقلا بمخاطر سياسية وأمنية ومالية، أكثر منه حلا جاهزا للحظة الراهنة.

تكتسب هذه الأمثلة أهميتها لأنها تكشف أن التحدي لا يقتصر على بناء البنية التحتية، وإنما يمتد إلى إبقائها حية وسط تبدل التحالفات، وتعارض المصالح، وتكرر الأزمات. فكل ممر يعبر أكثر من ولاية سيادية يضاعف احتمالات التعطيل. وكلما ازداد المسار تعقيدا، اتسعت فرص أن تمسك به جهة ما وتستخدمه ورقة ضغط. وفي هذا المعنى، يمكن اقتراح البدائل، بل يمكن تنفيذ بعضها، لكن استدامتها تظل رهنا بشروط سياسية لا تتوافر بالسهولة نفسها التي تُشيَّد بها الأنابيب والمنشآت.

سياسات الممرات

اتسع البحث عن بدائل لهرمز ليتجاوز خطوط الأنابيب إلى مفهوم أرحب للممرات، حيث يجري التعامل مع السكك الحديد والطرق والأنابيب والكهرباء والبيانات على أنها أجزاء من منظومة واحدة، قادرة على نقل السلع والطاقة من دون المرور عبر عنق بحري واحد.

الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا

من أكثر الطروحات طموحا في هذا السياق، مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، المعروف اختصارا باسم “IMEC”. وقد أُعلن عنه خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي في سبتمبر/أيلول 2023، بمشاركة الهند والولايات المتحدة والسعودية والإمارات والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا. وفي جوهره، يقوم المشروع على تصور يشبه “طريق حرير” جديدا للقرن الحادي والعشرين، صُمم بما ينسجم مع رهاناته الجيوسياسية. ويضم ممرا شرقيا يربط الهند بالخليج عبر خطوط الملاحة القائمة، وممرا شماليا يمتد برا من الخليج عبر السعودية والأردن وإسرائيل إلى ميناء حيفا على البحر المتوسط، ثم إلى أوروبا عبر وصلات لاحقة.

ويعد المشروع أيضا بتوفير الوقت، أي بخفض التكلفة. فتفريغ البضائع في الخليج ونقلها بالسكك الحديد عبر السعودية والأردن وإسرائيل إلى الأسواق الأوروبية قد يختصر ما بين خمسة وسبعة أيام مقارنة بالمسارات البحرية. والأهم أن هذا الممر يتيح طريقا بريا للتجارة بالحاويات لا يعتمد على هرمز ولا على باب المندب، وهو عنق البحر الأحمر الذي تحول طوال عام 2024 إلى ممر محفوف بالمخاطر. وتشمل الخطة كذلك كابلات كهرباء، وخط أنابيب للهيدروجين، ووصلات ألياف بصرية عالية السرعة، مما يجعل هذا المشروع ركيزة بنيوية تتجاوز كونه طريقا تجاريا.

ويبني IMEC على مشروع سكة حديد مجلس التعاون الخليجي، وهو مشروع وُضع تصوره عام 2008 لربط الدول الست الأعضاء في المجلس عبر شبكة من الخطوط الوطنية والعابرة للحدود. وقدرت تكلفته في البداية بنحو 250 مليار دولار لمسافة تقارب 2,117 كيلومترا من السكك، لكنه أخفق في الوفاء بمواعيد نهائية عدة، وقد تعثر بفعل حصار قطر بين 2017 و2021، ثم بفعل جائحة كوفيد-19، إضافة إلى التعقيدات اللوجستية التي يفرضها تنسيق ستة أنظمة سكك حديد تابعة لدول ذات سيادة.

وتشير التقديرات الحالية إلى أن استكمال الخطوط جميعها قد يمتد إلى عام 2030. ويمكن النظر إلى أول مقطع مقترح ضمن IMEC، وهو الوصلة بين الفجيرة والحدود الإماراتية–السعودية عند الغويفات، على أنه تسريع للمنطق نفسه القائم على الربط الإقليمي، لكن هذه المرة بدعم جيوسياسي أوسع ومظلة من مجموعة العشرين.

مع ذلك، تبقى السياسة هنا أيضا موضع الاختناق. فالممر الشمالي يمر عبر إسرائيل، وكان هذا المسار يبدو ممكنا قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023 في ظل مسار التطبيع الذي كرسته اتفاقات أبراهام. أما بعد حرب غزة، فقد دخل مسار التطبيع السعودي–الإسرائيلي في حالة جمود. والجزء الذي يمنح IMEC ميزته الأساس لا يمكن إنجازه من دون موافقة الرياض، وهذه الموافقة نفسها ترتبط بتسوية سياسية إقليمية لا تزال بعيدة المنال.

إسرائيل

أتاحت “اتفاقات أبراهام” أيضا واحدا من أكثر هذه البدائل تداولا، وأقلها أثرا في تغيير المعادلة. ففي عام 2020، اتفقت إسرائيل والإمارات على استخدام خط إيلات–عسقلان جسرا بريا للنفط الإماراتي، بما يتيح لبعض الشحنات تجاوز قناة السويس ومسار البحر الأحمر بالكامل. وحمل هذا الاتفاق دلالة رمزية مهمة، لكنه ظل محدود الأثر في نهاية المطاف. فقد قام على ترتيب ضيق النطاق يتعلق بخط أنابيب بعينه، وواجه معارضة بيئية قوية، ولم يغير شيئا في الاعتماد الجوهري على هرمز بالنسبة إلى الجزء الأكبر من صادرات الخليج.

وفي مسار منفصل، طرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارس/آذار 2026 فكرة نقل نفط الخليج وغازه عبر المنطقة إلى الموانئ الإسرائيلية، مقدما إسرائيل على أنها ممر محتمل لصادرات الطاقة الخليجية، ووسيلة للالتفاف على الاختناقات البحرية مثل مضيق هرمز. ويعكس هذا الطرح طموحا إسرائيليا قديما إلى لعب دور الجسر الإقليمي للطاقة.

غير أن الفكرة تصطدم بقيود سياسية وتجارية كبيرة. فالتطبيع الإقليمي لم يكتمل بعد، وفي الظروف الراهنة يبدو أبعد منالا. ويضاف إلى ذلك أن هذا المسار سيظل عرضة للتهديدات نفسها التي تخيم اليوم على كل عقدة رئيسة في المنطقة، من صواريخ وطائرات مسيّرة.

سوريا

دخلت سوريا هي الأخرى في هذا التفكير القائم على الممرات. ففي أواخر مارس/آذار 2026، وأثناء زيارة لألمانيا، قال الرئيس السوري أحمد الشرع إن سوريا تستطيع أن تؤدي دور ممر آمن للبضائع المتجهة إلى أوروبا، مقدما البلاد على أنها جسر يصل بين المنتجين الخليجيين وأسواق المتوسط. وهذا طموح مفهوم من حيث الفكرة، لكنه لا يزال متقدما بكثير على الوقائع القائمة على الأرض. فالبنية التحتية السورية متضررة، والبيئة السياسية لا تزال هشة، وأي مسار من هذا النوع سيحتاج إلى استثمارات واستقرار وأمن عابر للحدود، وهي شروط لا تبدو مضمونة حتى الآن.

والخيط الجامع بين هذه المسارات جميعها أنها لا تزال أقرب إلى مشاريع مستقبلية منها إلى خيارات راهنة. فهي تكشف مقدار الإلحاح الذي دفع المنطقة إلى البحث عن بديل لهرمز، ولا يزال يدفعها إلى ذلك، لكنها تؤكد في الوقت نفسه الحقيقة نفسها. فمن الممكن تصور طرق نقل أخرى، وقد يُنجز بعضها جزئيا، لكن ذلك يحتاج إلى وقت، ولن يزيل مَواطِن الضعف. وصحيح أن تنويع المسارات يوزع المخاطر، لكن الأصول نفسها ستظل أهدافا محتملة لكل طرف معاد يريد التعطيل. ومع الاتجاه المرجح للعلاقات الأميركية–الإيرانية والإسرائيلية–الإيرانية، ستبقى هناك أطراف عدة لديها دوافع لتخريب البنية التحتية البديلة أو تدميرها. وعليه، فإن قابلية هذه الممرات للاستمرار تتوقف على التوافق السياسي أكثر مما تتوقف على الهندسة، وهذه شروط لا تزال غير مستقرة، بل تمضي نحو مزيد من التدهور في بعض الحالات.

مشكلة الغاز الطبيعي المسال

تبدو صورة الغاز الطبيعي أكثر قتامة. فقطر هي ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، إذ تصدر أكثر من 112 مليار متر مكعب سنويا، وفقا لأرقام عام 2025. وتنطلق جميع الصادرات من مدينة رأس لفان الصناعية على الساحل الشمالي الشرقي لقطر، فيما تمر كل شحنة عبر مضيق هرمز، وهو المنفذ البحري الوحيد من الخليج.

ولا يوجد أي بديل عبر خطوط الأنابيب لصادرات الغاز الطبيعي المسال، كما لا يوجد أي مسار بري يلتف على المضيق. وإذا تعطل المرور، فستضطر الشحنات إلى سلوك طريق أطول بكثير حول رأس الرجاء الصالح، بما قد يضيف ما يصل إلى أسبوعين إلى زمن التسليم، ويزيد الضغط على أسطول ناقلات الغاز الطبيعي المسال المحدود أصلا.

وقد ذكر “معهد أكسفورد لدراسات الطاقة” أن استمرار إغلاق المضيق سيمنع ما يعادل 20 في المئة من الإمدادات العالمية للغاز الطبيعي المسال، استنادا إلى أرقام 2025، من الوصول إلى الأسواق الدولية. وهذا نقص لا يمكن أي تعديل على جانب الطلب أن يستوعبه بالكامل على المدى القصير. كما أن الخيارات البديلة المتاحة أمام قطر للوفاء بالتزاماتها تجاه زبائنها قليلة، وبطيئة، ومكلفة. وتشمل هذه الخيارات توسيع الاستثمارات في مشاريع الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة، وفي دول ناشئة مثل موزمبيق، أو تطوير مسارات لأنابيب برية. غير أن هذه الخيارات تظل في نطاق التخطيط الطويل الأجل أكثر مما تقدم انفراجا قريبا. وفي عبارة أخرى، لا يوجد في أسواق الغاز بديل حقيقي للوصول البحري الآمن.

السباق الرقمي

لا تقتصر بنية الطاقة التحتية على الأنابيب والسكك الحديد. فهشاشة الخليج أمام الاضطراب البحري تمتد أيضا إلى الشرايين الرقمية التي تحمل بيانات المنطقة، وهنا يبدو الانكشاف أشد.

فجزء كبير من حركة الاتصالات والإنترنت في الخليج يمر عبر كابلات بحرية تعبر مضيق هرمز وباب المندب عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، مما يخلق نقاط اختناق ومخاطر مركزة. وعلى الرغم من وجود قدر من التكرار والبدائل التقنية، لا يوجد في عالم البيانات ما يقابل بنى الالتفاف التي تتيحها خطوط الأنابيب. وقد أدى تصاعد القلق في شأن القدرة على الصمود إلى زيادة الاهتمام بخيارات بديلة للمسارات، تشمل ممرات ألياف بصرية برية، لكنها لا تزال محدودة وتحتاج إلى استثمارات كبيرة وتنسيق واسع كي يمكن توسيعها.

وتتنافس اليوم ستة مشاريع في مراحل مختلفة من التخطيط والتطوير الأولي، وتستهدف مسارات تمر عبر سوريا والعراق وشرق أفريقيا. يحيي بعضها طرقا قديمة كانت تعمل قبل أن تقطعها الصراعات، فيما ينطلق بعضها الآخر من تصورات جديدة بالكامل. ويمكن تصنيف هذه المشاريع الستة ضمن ثلاثة اتجاهات رئيسة: ممر تقوده السعودية عبر سوريا تحت اسم “سيلك لينك”، ومحاولة قطرية–إماراتية لتوجيه حركة البيانات عبر العراق وتركيا، وتشمل ممر “أوريدو” العراقي ومشروع “وورلد لينك”، إضافة إلى بديل في شرق أفريقيا يتمحور حول جيبوتي والسودان. وإلى جانب هذه المشاريع، يجري إحياء مسارات أقدم مثل JADI وEPEG.

ومع ذلك، تواجه هذه المشاريع جميعها المعادلة نفسها: استبدال الهشاشة الجغرافية في البحر بهشاشة سياسية على اليابسة. وكما هي الحال في النفط والغاز، فإن تنويع المسارات قد يعيد توزيع المخاطر، لكنه لا يستطيع إزالتها ما لم تنخفض أيضا أسباب الاضطراب التي تولدها.

تكلفة التأخير

سلطت الأزمة الحالية الضوء على التكلفة بحدة أكبر. فإعادة إنشاء خط “شرق–غرب” اليوم، أو توسيعه، تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات. أما مشاريع الممرات العابرة دولا عدة، مثل خط جديد يربط حقول النفط العراقية بالبحر المتوسط عبر الأردن أو تركيا، قد تتجاوز تكلفتها 20 مليار دولار، وتحتاج إلى عقد كامل لإنجازها. ومن بين الخيارات المطروحة، يبدو توسيع “بترولاين” عبر إضافة أنبوب ثالث أو رابع مواز، لرفع القدرة المتجهة غربا إلى 10 أو 12 مليون برميل يوميا، هو الخيار الأكثر قابلية للتوسع على المدى القريب، لأنه يمتد على مسار قائم ومجرب داخل الأراضي السعودية، ولا يحتاج إلى اتفاقات خارجية.

وتدرس الإمارات إنشاء خط ثان إلى الفجيرة، بما قد يرفع طاقة “أدكوب” إلى ما يقارب ثلاثة ملايين برميل يوميا. لكن حتى مضاعفة القدرة الالتفافية لن تحل معضلة الغاز الطبيعي المسال، كما أنها ستترك العراق والكويت وقطر من دون بدائل فعلية إلى حد كبير. ويظل توسيع مرافق التحميل في ينبع والفجيرة ضروريا أيضا، لأن طاقة الأنابيب وحدها لا قيمة لها من دون قدرات التحميل والتخزين والشحن. غير أن مثل هذه المشاريع تحتاج إلى سنوات قبل أن تؤتي ثمارها.

وصحيح أن البدائل يمكن بناؤها، لكنها لا توفر حلا فوريا، ولا تشكل بديلا شاملا للمسارات البحرية المفتوحة. فهي تحتاج إلى الأرض، والمال، والمعدات، والديبلوماسية، والوقت. وفي منطقة قد يتبدل فيها المشهد الاستراتيجي خلال أيام أو أسابيع، يصبح الوقت نفسه موردا نادرا.

النظرة البعيدة

غالبا ما تفضي أزمات الطاقة إلى قرارات في البنية التحتية تتجاوز عمر الأزمة نفسها. فقد سرّع حظر النفط عام 1973 تطوير حقول بحر الشمال، والإنتاج في ألاسكا، وأول الاستثمارات الجدية في كفاءة الطاقة. كما أدى انقطاع الغاز الروسي عن أوروبا عام 2022 إلى تسريع دائم في بناء محطات الغاز الطبيعي المسال ونشر مصادر الطاقة المتجددة، وهو تسارع استمر حتى بعد عودة قدر من التدفقات الغازية إلى وضع أقرب إلى الطبيعي. والسؤال المطروح في حالة هرمز هو ما إذا كانت أزمة 2026 ستفضي هي الأخرى إلى ترسيخ جيل جديد من بنى الالتفاف التحتية.

إن الدوافع الهيكلية للاستثمار حقيقية، وتستند إلى حاجة تشغيلية مؤكدة أكثر مما تستند إلى هشاشة نظرية. ومع ذلك، تظل القيود الديبلوماسية ثقيلة الحضور. فالممر الشمالي في IMEC لا يزال يحتاج إلى شكل من أشكال التطبيع الخليجي–الإسرائيلي، فيما تواصل سكة حديد مجلس التعاون الخليجي مواجهة تحديات التنسيق والتنفيذ. ولا يمكن إحياء “إيبسا” من دون تفاهم عراقي–سعودي لم تتبلور ملامحه بعد. أما ممرات البيانات البرية، فعليها أن تشق طريقها عبر تضاريس سياسية سورية وعراقية لا تزال غير مستقرة.

وفي المدى القريب، يبدو المسار الأكثر ترجيحا هو التوسع التدريجي في أنظمة الالتفاف الوطنية القائمة، أي توسيع خط “شرق–غرب” داخل السعودية، وزيادة قدرة محطة ينبع، وإنشاء خط “أدكوب” ثان داخل الإمارات، وبناء مرافق إضافية للتخزين وتموين السفن، بدلا من الاندفاع إلى تشييد ممرات عابرة للحدود شديدة الطموح. وهذه المشاريع لا تحتاج إلا إلى قرارات داخلية، وقد تثمر خلال ثلاث إلى خمس سنوات. وهي قد ترفع السقف المشترك للقدرة الالتفافية إلى نحو 12 أو 13 مليون برميل يوميا، وهو تحسن مهم مقارنة بالمستوى الحالي الذي يتراوح بين 8 و8.5 ملايين برميل، لكنه يظل دون 20 مليون برميل اللازمة لتعويض إغلاق مضيق هرمز تعويضا كاملا. وحتى في هذه الحال، أظهرت هجمات 2026 على البنية التحتية السعودية والإماراتية أن طرق الالتفاف ليست في مأمن، وأنها تستطيع خفض الاعتماد على هرمز، لكنها لا تقضي على مواطن الضعف.

أما الممرات المتعددة الوسائط الأكثر طموحا، فستظل محل تجاذب وبطيئة التقدم ما لم تتحقق الشروط السياسية التي تحتاجها. وقد رفعت الأزمة الحالية، في الحد الأدنى، من أولوية هذه المشاريع، وجعلت تكلفة الجمود جلية لا لبس فيها. غير أن هذه الممرات، حتى لو مضت قدما، لن توفر حصانة كاملة. فالبنية التحتية الحيوية تبقى هدفا لكل طرف معاد يريد أن يفرض أثمانا، أو يزرع التأخير، أو يشيع الخوف. ويمكن البدائل أن تخفف تركّز المخاطر، لكنها لا تمحوها. ومن دون مسار ديبلوماسي مواز يتيح لجميع الأطراف الإقليمية حصة في المكاسب الاقتصادية التي يتيحها الاستقرار، فإن حتى أكثر البنى التحتية طموحا ستظل عرضة للاضطراب.

لقد طبعت فرضية أن تعطيل مضيق هرمز سيكون قصير الأمد عقودا من الاستثمار في البنية التحتية. أما أحداث 2026 فقد أظهرت أن هذه الفرضية لم تعد صالحة، وأن القدرة على الصمود تتوقف، في نهاية المطاف، على الاستقرار بالقدر نفسه الذي تتوقف فيه على الهندسة.

————————————–

سؤال الإيرانيين “المخيف” تحت وقف النار: ماذا بعد؟

يخشون من تفاقم الضغوط بمجرد انتهاء ‌الحرب وتجدد حملة القمع مع نظام بات أكثر شراسة

السبت 18 أبريل 2026

مع توقع إجراء محادثات في شأن تمديد ​وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون الثاني) الماضي، ولا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل في ظل الآثار السلبية الناجمة عن الغارات الجوية وانقطاع خدمة الإنترنت.

ومع توقع إجراء محادثات في شأن تمديد ​وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

هدوء وغضب ومخاوف

لكن وراء هذه المشاهد الهادئة يتداعى الاقتصاد الإيراني ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.

ويبدو أن الصعوبات التي أذكت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في يناير الماضي ستزداد تفاقماً.

وأفاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أمس الجمعة أن مضيق هرمز مفتوح عقب اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، وأوضح الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه يعتقد أن اتفاقاً لإنهاء الحرب مع إيران سيتحقق قريباً.

قالت فاريبا (37 سنة) التي شاركت في تظاهرات يناير لـ”رويترز” عبر الهاتف من إيران “ستنتهي الحرب، لكن عندها ستبدأ مشكلاتنا الحقيقية مع النظام. أخشى جداً من أن يزيد الضغط على الناس العاديين إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات ‌المتحدة”.

وأضافت “لم ينسَ الشعب ‌جرائم النظام في يناير، ولم ينسَ النظام أن الناس لا يريدونه. إنه يكبح نفسه الآن لأنه ​لا ‌يريد ⁠القتال على الجبهة ​الداخلية ⁠أيضاً”.

تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الأول من الصراع.

ودمر القصف أيضاً البنى التحتية في أنحاء البلاد مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.

ويبدو أن النظام الإيراني راسخ كما كان في الماضي بعدما نجا من القصف المكثف على مدى أسابيع، وعرقل إمدادات النفط العالمية.

ماذا بعد ذلك؟

وقال محلل الشأن الإيراني لدى مركز الأبحاث المستقل (دون) في الولايات المتحدة أوميد ميماريان “أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية”.

وأضاف “لن يضع الجيش أسلحته. سيبقون، وسيكون الوضع دموياً. سيكون مكلفاً من دون أي أمل في مستقبل أفضل”.

في شمال طهران، أجرت “رويترز” الأسبوع الماضي مقابلات بالفيديو مع شبان إيرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم. وتعمل وسائل الإعلام الأجنبية في إيران بموجب المبادئ التوجيهية التي ⁠تضعها وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.

وقالت مهتاب الموظفة في شركة خاصة، وطلبت ‌عدم ذكر اسم عائلتها، إن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بالنسبة إلى الإيرانيين بالنظر إلى تأثير الحرب ‌والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.

وأضافت “لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عاصرت كل ​هذا، فإنه ليس سيئاً للغاية. يمكننا التعايش معه”.

لم يكن لدى الإيرانيين ‌الذين تواصلت معهم “رويترز” عبر الهاتف هذا الرأي، إذ أبدوا قلقاً أكبر بكثير خلال حديثهم بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من التعرض ‌للانتقام.

وقالت سارة (27 سنة)، وهي مدرسة خاصة طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها أو مكان إقامتها “نعم، الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي، لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ماذا يفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟”.

خيارات قليلة

وقُتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير، وصرح الرئيس الأميركي حينها بأنه سيأتي لمساعدة الإيرانيين.

وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان إطاحة الحكام من رجال الدين، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.

وأوضح ‌ميماريان أن الغضب من القمع جعل كثيراً من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.

وأضاف “أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحاً لعديد من الإيرانيين أن ⁠هذه الحرب ليست مصممة، أو لا تهدف، ⁠إلى مساعدة الشعب الإيراني”.

ولم تكن مهتاب ولا النساء الأخريات الجالسات في مقهى شمال طهران يرتدين الحجاب، الإلزامي منذ عقود في إيران. وصارت قواعد الزي العامة أكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية عام 2022، ومنها تظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المرأة، التي قمعتها السلطات وخففت بعدها ضمنياً تطبيق بعض قواعد الزي.

وقال المحلل السياسي الإيراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام إنه أصبح واضحاً في يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجدداً، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.

وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساماً من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة. وقال رسام “هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وبخاصة الإيرانيون داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معاً. لا مكان يذهبون إليه”.

نار تحت الرماد

يخشى كثيرون من تفاقم القمع الآن. وقال أرجانج، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 43 سنة، لـ”رويترز” عبر الهاتف من شمال طهران “في الشوارع، تتجول النساء من دون حجاب، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سيزداد الضغط 100 في المئة لأنه بمجرد التوصل لسلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه”.

ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت، وهو ما أثر ​كثيراً في الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى ​المعلومات في أثناء الحرب.

وقالت فائزة (47 سنة) وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها في حديقة شمال طهران “حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة”.

وأوضح ميماريان أن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وأن الناس أصبحوا أقل خوفاً حيال اتهامهم بالخيانة. وأضاف “هناك كثير من النار تحت الرماد”.

——————————–

==================

تحديث 18 نيسان 2026

———————————

المأزق الأميركي في الحرب والتفاوض/ غازي دحمان

18 ابريل 2026

أوقعت إدارة الرئيس دونالد ترامب، بتقديراتها البعيدة عن الواقع، وسياساتها المخالفة للمنطق، الولايات المتحدة في مأزق، لم تمر به حتى في أسوأ مراحل فشلها، فلا استمرار الحرب على إيران واستخدام فائض القوة، من الممكن أن يشكّل إضافة لجهود ترامب ويحسم الموقف لصالحه، ولا التفاوض المصمّم للحصول على نتائج سريعة لم تتحقق في الميدان، يمكنها أن تنجح إذا بقيت على الصيغة التي تتعامل بها واشنطن.

اتبعت واشنطن نمط التدمير المفرط في قوته، ولا يستثني هدفاً مدنياً أو عسكرياً، من مدرسة بنات، إلى مركز القيادة، وما بينهما من مواقع ومصانع عسكرية، وسلسلة القيادة حتى الصف الثاني، ولم تكن النتائج بحجم الموارد الكبيرة التي أنفقتها واشنطن وإسرائيل، على الأقل لجهة تحقيق أحد السيناريوهين: الثورة على النظام وإطاحته، أو تفكيك إيران حسب القوميات والطوائف.

استخدمت إدارة ترامب في المفاوضات نظرية “الرجل المجنون” التي طبقها هنري كيسنجر في المفاوضات مع فيتنام، أواخر الستينيات، وتعتمد على المبالغة في ردة الفعل، والاستعداد لسحق الخصم إن لم يرضخ للشروط التفاوضية الأميركية، لكن هذه النظرية فشلت فشلاً ذريعاً في التطبيق، إذ رضخت التسوية في النهاية للواقع الميداني، ولم يعط الفيتناميون التهويل الأميركي أي أهمية أو يمنحوا إدارة الرئيس نيكسون أكثر مما منحه الميدان من مكاسب.

في التقييم التاريخي لسبب الفشل الرئيسي لتكتيكات “الرجل المجنون” أنها قامت على سوء تقدير، أساسه أن الطرف الآخر سيبحث عن سبل النجاة ويعمل وفق قاعدة “إنقاذ ما يمكن إنقاذه”، ومن ثم يُفاضل بين الأسوأ والأقل سوءاَ، بناءً على تقدير أن خياراته ضعيفة ومحدودة جداً، ولا سيما بعدما صبت عليه القوّة العسكرية الأميركية نيران قوتها الحارقة، ودمّرت الكثير من أصوله العسكرية والاقتصادية.

الغريب أن الرؤى نفسها يجري تطبيقها على التفاوض مع إيران، حيث لا تزال السيناريوهات الأميركية تحوم حول إما سقوط النظام في المرحلة المقبلة نتيجة ثورة الداخل الإيراني، الذي تمنحه فترة الهدنة والتفاوض فرصة لالتقاط أنفاسه وتوجيه الضربة القاتلة للنظام الذي باتت مراكزه ضعيفة ولا يزال في حالة من اللاتوازن، أو اضطرار القيادة الراهنة إلى الخضوع للشروط والمطالب الأميركية لانعدام الخيارات وضعف القدرات.

في المقابل، لم تأخذ التقديرات الأميركية بالاعتبار معطيات أخرى، وديناميكيات في طور التشكّل في الواقع الإيراني، منها أن تقديرات إيرانية، بغض النظر عن صوابها من عدمه، بأن الحرب استنزفت واشنطن وإسرائيل إلى حد بعيد، على الأقل على صعيد الذخائر، وأن الأهداف الوازنة قد جرى ضربها بالفعل، وأن الأعداء المستنزفين والمستنفدين لن يضيعوا ما بقي لديهم من أصول عسكرية على أهداف أقل قيمة.

بالإضافة إلى ذلك، القيادة الجديدة التي تتبلور في إيران لن تبدأ مسارها بتقديم تنازلات مؤلمة جداً من النوع الذي تطلبه إدارة ترامب، لن يستطيع تقديمه إلا قادة يملكون شرعية سياسية ورصيداً شعبياً يستطيع إقناع الشارع والحواضن بأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان، كما فعل الخميني الذي قدّم التنازل للعراق و”تجرّع السم” ولقي تأييداً من الشارع الإيراني حينها. كما أن واشنطن تغامر، بإصرارها على إخضاع إيران، بخسارة فرصة تبلور تيار براغماتي بقيادة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وتدفعه إلى التشدّد والرضوخ للحرس الثوري المتشدّد في موقفه من التسوية والعلاقات مع واشنطن.

عدا هذا وذاك، منحت الحرب إيران ورقة قوّة تدعم مواقفها التفاوضية أكثر من أي أداة عسكرية أو دبلوماسية، وهي ورقة مضيق هرمز الذي استطاعت تحويله إلى نقطة اختناق حقيقية للنظام الاقتصادي العالمي، وتصفه الأدبيات الاستراتيجية بأنه “عنق زجاجة الطاقة العالمية” ولا تحتاج إيران لتعطيله سوى لأسلحة بسيطة، إذ يكفي أن تضرب القوّة الإيرانية، بين حين وآخر، إحدى السفن، حتى تضطر شركات الشحن والتأمين إلى التوقّف عن المرور به، حتى من دون إعلان إيران، وما يعنيه هذا من تداعيات على سلاسل الطاقة، والتضخم، وسلاسل الإمداد، والأسواق المالية.

راكمت هذه الورقة من حجم المأزق على الرئيس ترامب، ووضعته في موقف ضعيف، لا يتناسب مع السقف المرتفع لشروطه التفاوضية، فقد بدأت تنهال عليه الضغوط من الحلفاء والأصدقاء، وحتى الداخل الأميركي الذي ربما لا تعنيه إيران بقدر ما يعنيه ارتفاع ثمن ليتر البنزين، وقد يدفعه هذا إلى إطاحة أكثرية الجمهوريين في الانتخابات النصفية المقبلة ووضع مصير ترامب بيد الديمقراطيين الذين لن يتأخّروا عن تقديمه للمحاكمة بذريعة عدم أهليّته للحكم.

أكثر من قرن، وفي سياق تحقيق “القرن الأميركي”، خاضت الولايات المتحدة حروباً عديدة، وآلاف المفاوضات، في مختلف المجالات، ما وضعها في موقع صانع نظريات التفاوض العالمية ومدرسة كبرى بهذا المجال، ومنها نظرية هارفارد التي طبقها الأميركيون مع إيران نفسها لحل أزمة رهائن السفارة الأميركية في طهران، وصاغها أستاذ القانون روجر فيشر في كتابه “الوصول إلى نعم: التفاوض الناجح من دون تنازلات”، ومن أهم أركانها “معرفة أفضل بديل يمكن الاتفاق عليه”، ويبدو أن إدارة ترامب الواقعة في مأزق تقديراتها الخاطئة ستكون مضطرة للعودة إلى مبادئ نظرية هارفارد للتفاوض لعدم جدوى الخيارات الأخرى.

العربي الجديد

——————————

حرب إيران والخليج وأميركا وأوروبا/ بشير البكر

18 ابريل 2026

من أكثر دروس الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أهميةً ذلك المرتبط بعلاقات واشنطن مع دول الخليج العربي، لجهة تداعيات تعرّض هذه الدول لاعتداءات إيرانية بذريعة أنّ الولايات المتحدة استخدمت قواعدها العسكرية في عدد من هذه الدول للهجمات على إيران. وسواء صحّ الاتهام الإيراني أم لم يصحّ، دفعت بلدان الخليج ثمناً مرتفعاً، وتضرّرت مصالحها ومرافقها الحيوية من جرّاء حرب ليست حربها، ولا مصلحةً لها فيها. وفي مقابل هذا، لم تلتزم أميركا بالاتفاقات الدفاعية المشتركة، وبالتالي انعكست الآية كلّياً، فبدلاً من أن تحظى بلدان الخليج بحماية أميركا القوية، تعرّضت للعدوان الإيراني، وهذا أمر لم يكن في حسبان أحد.

تبيّن أنّ المعاهدات بين الولايات المتحدة ودول الخليج لا ترقى إلى مستوى الأحلاف التي تُرتّب على الطرفَين التزامات، كما هو الحال في المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (ناتو). وكشفت الحرب حقيقةَ أنّ الاتفاقات الدفاعية بين واشنطن ودول الخليج هشّةٌ، ولم تكن ذات مفعول كبير، ما يعني أنّ أميركا هي الطرف المستفيد من العلاقة، يأخذ ولا يعطي. ولا جديد في هذا، فتتصرّف واشنطن على هذا الأساس مع دول أقرب إليها سياسياً وعسكرياً وثقافياً، وتربطها بها علاقات تاريخية وأحلاف ذات أهداف استراتيجية وكونية، وخاضت معها حربَين عالميَّتَين كبيرتَين. وهذا حال دول أوروبا الغربية، التي لم تعد تثق بالإدارة الأميركية الحالية، وفضّلت مصالحها على مساندة الولايات المتحدة في حربها ضدّ إيران، وكان درس غرينلاند مهمّاً جدّاً لأوروبا، إذ تبيّن أنّها قادرة على تغيير حسابات واشنطن عندما تعمل بتنسيق تام، وتجعل تكاليف التصعيد واضحةً لا لبس فيها. وقد ساعدت هذه التجربة العملية الحكومات الأوروبية على الصمود على موقف رفض الانخراط في الحرب ضدّ إيران.

يدرك الأوروبيون أن المرحلة الأصعب مع ترامب تنتظرهم. ولذلك يعملون على تخفيف حدّة التوتّر معه في محاولة للعودة إلى الوضع المعتاد؛ في وقتٍ يحاولون فيه الثبات على موقف بأنّ نتيجة الحرب مع إيران ليست من مسؤوليتهم. وفي الأحوال كافّة، تآكل الاحترام، وصار يصعب استعادته. وفي مرحلة ما، سيُتفاوض على اتفاق من أجل حلفٍ أطلسيٍّ جديد، لن يشبه الاتفاق الذي عرفه الأوروبيون. ومع تراجع الحرس القديم من دعاة التحالف عبر الأطلسي، سيكون التحالف الجديد قائماً على المصالح أكثر منه عاطفياً، وهو ما يمكن أن تقتدي به دول مجلس التعاون الخليجي، التي عليها مراجعة مواقفها وحساباتها، فأميركا لن تصادق أحداً أو تقيم علاقة تكافؤ أو حلف متين مع أحد، لأنّ ذلك كلّه غير موجود في قاموسها، باستثناء ما يخصّ إسرائيل.

لا يُمكن لدول مجلس التعاون أن تقف مكتوفةَ الأيدي، فالحرب ستُحدّد أمنها واقتصادها وعلاقتها بالولايات المتحدة، سواء تجدّدت أم لا. فإذا حافظت على وحدتها، واستخدمت نفوذها، وتصرّفت وفقاً لشروطها الخاصّة، يُمكنها توجيه مسار العلاقات، مع الحفاظ على مصداقيتها لدى الشركاء الدوليين من أوروبيين وغير أوروبيين. أمّا إذا تهاونت أو رضخت أو انقسمت، فلن تُعزّز فقط الفهم الخاطئ في واشنطن، بل ستُقوّض أيضاً مصداقيتها في الساحة الدولية، وتُضعف الإجماع الداخلي الذي يدعم جهود مراجعة العلاقات الأميركية الخليجية.

لقد سارت العلاقات بين الخليج وترامب في ولايتَيه على ما يمكن تسميتها “الواقعية التكتيكية”، وهو ما جرى تفسيره في واشنطن قبولاً خليجيّاً بكلّ ما يصدر عن الإدارة الأميركية. وما يمكن استخلاصه من الحرب على إيران أنّه ينبغي للخليج الآن التحرّك لضمان ألا يأخذ الوضع الراهن طابعَ الديمومة.

العربي الجديد

——————————–

واشنطن تحاصر طهران وعيون العالم على هرمز/ رامي شفيق

استراتيجية الضغط القصوى: واشنطن تحاصر طهران وعيون العالم على هرمز

2026-04-18

بينما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدء فرض حصار بحري في مضيق هرمز، وملاحقة السفن التي تدفع رسوماً لطهران، قائلاً إن إيران وعدت بفتح المضيق لكنها “أخلفت وعدها”، تتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وتتزايد الهواجس من تداعيات الصراع بما يتجاوز حدود مسرح العمليات الميدانية.

فخلال الأيام الأربعين الماضية، التي شهدت عمليات عسكرية عبر أكثر من نطاق جغرافي، سواء في إيران أو دول الخليج والأردن وتركيا، فضلاً عن لبنان وإسرائيل، برز بوضوح سؤال مركّب يتعلق بمعادلات التوازن الإقليمي وحسابات القوة والنفوذ في المنطقة. وهو ما يجعل من فشل جولة التفاوض الأميركي ـ الإيراني في إسلام آباد، فجر الأحد الماضي، نقطة توتر بالغة الحساسية على تخوم مشهد مفتوح على عدة سيناريوهات.

وبين احتمالات تجدد الانخراط العسكري أو العودة إلى طاولة المفاوضات، يبدو العالم وكأنه يحبس أنفاسه، في ظل هدنة هشة، ومخاوف متصاعدة من تداعيات السيطرة على مضيق هرمز بوصفه ممراً مائياً دولياً بالغ الأهمية.

إصرار على الحفاظ على النفوذ

في هذا السياق، يقول الباحث المتخصص في الشأن الأميركي طارق الشامي، في حديثه لـ”963+”، إن جولة المفاوضات الأولى في إسلام آباد أظهرت بوضوح وجود نقاط عدة جرى التفاهم حولها بين الجانبين عبر التفاوض غير المباشر الذي عُقد في العاصمة الباكستانية.

ويشير إلى أنه، رغم ذلك، بقيت قضايا أساسية عالقة، وفي مقدمتها الملف النووي، الذي لا يزال يشكّل العقبة الرئيسة أمام الطرفين، إضافة إلى مسألة مضيق هرمز، حيث يصر الإيرانيون على الحفاظ على نفوذهم فيه.

وينبه الشامي إلى أن التطور الأبرز تمثّل في إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض حصار بحري على السفن الداخلة إلى المضيق والخارجة منه، ما يعني عملياً الحدّ من قدرة إيران على بيع نفطها أو التحكم بالممر بشكل منفرد. وأضاف أن هذا الواقع يخلق ما يشبه “بوابتين”: إيرانية تحاول فرض رسوم، وأميركية تعمل على تعطيل ذلك وجعله بلا قيمة.

ويوضح الكاتب المقيم بواشنطن أن الهدف الأميركي هو نزع فكرة تمتع إيران بنفوذ دائم في مضيق هرمز، متوقعاً استمرار هذه الضغوط لإضعاف ما وصفه بالتحكم غير القانوني في هذا الممر الحيوي، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي.

وفي ما يتعلق بالملف النووي، يبيّن الشامي أنه يظل جوهر الخلاف، في ظل مخاوف أميركية من احتمال توجه إيران نحو تصنيع سلاح نووي، خاصة مع وجود كميات من اليورانيوم المخصب بنسبة مرتفعة في منشآت مثل نطنز ومواقع أخرى.

ويشير إلى أن بعض التقديرات الأميركية تفترض أن تغيّر القيادة الدينية قد يفتح الباب أمام مواقف أكثر تشدداً، ما قد يدفع إيران إلى إعادة النظر في مواقفها السابقة بشأن السلاح النووي، خصوصاً في ظل الخطاب التصعيدي الذي أعقب الحرب.

وينوه الشامي إلى أن هذا الخطاب قد يقود إلى قناعة لدى بعض الأطراف داخل إيران بأن امتلاك سلاح نووي كان سيمنع وقوع الهجمات التي استهدفت البلاد، وهو ما قد يدفع باتجاه التصعيد في هذا المسار.

ويؤكد أن الولايات المتحدة ستبذل كل ما بوسعها لمنع ذلك، عبر استخدام أدواتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، مع إدراكها في الوقت نفسه أن إيران لن تتخلى بالكامل عن حقها في التخصيب.

كما يوضح أن الصين تجد نفسها في موقف صعب، نظراً لاعتمادها الكبير على النفط الإيراني، والذي قد يتأثر بالحصار البحري، ما قد يدفعها إلى لعب دور أكثر فاعلية في الوساطة، خاصة قبيل أي لقاء مرتقب بين قيادتي البلدين.

ويشير أيضاً إلى أن روسيا تسعى إلى منع الوصول إلى مرحلة التصعيد الشامل، وقد تنخرط في جهود دبلوماسية مع الطرفين للوصول إلى اتفاق حول الملف النووي.

ويبيّن المصدر ذاته أن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في قبول الولايات المتحدة بفرض قيود مشددة وطويلة الأمد على التخصيب، قد تمتد لسنوات عدة، مقابل السماح لإيران بالاحتفاظ بحقها ضمن شروط محددة، وهو ما قد يشكل حلًا وسطًا.

ويشدد أن الحسابات الداخلية في كل من واشنطن وطهران تؤثر بشكل مباشر على مسار المفاوضات، حيث يسعى كل طرف إلى الظهور بمظهر المنتصر، ما يفسر التوقف المؤقت في المحادثات.

وفي ختام حديثه، يؤكد طارق الشامي الكاتب المتخصص في الشأن الأميركي إلى أن أياً من الطرفين لا يرغب في العودة إلى المواجهة العسكرية، نظراً لتداعياتها الخطيرة داخلياً وخارجياً، مؤكداً أن الولايات المتحدة قادرة على السيطرة على مضيق هرمز، لكن ذلك يتطلب وقتاً وتكاليف عسكرية مرتفعة، وينطوي على مخاطر كبيرة.

لا استراتيجية واضحة

من جانبه، يقدر الدكتور كمال الزغول، في حديثه لـ”963+”، أن الحرب الأخيرة أظهرت أن الإدارة الأميركية دخلت الحرب دون استراتيجية واضحة، وهي الآن تسعى إلى الخروج منها برؤية استراتيجية أكثر تحديدًا.

ويلفت إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتجه نحو فرض حصار بحري على إيران، خاصة بعد فشل المفاوضات. ويضيف أن هذا التوجه قد يعني إطالة أمد الحصار، وما قد ينتج عنه من تداعيات متعددة، أبرزها محاصرة إيران اقتصاديًا، وكذلك فرض ضغوط على الدول التي تستورد النفط الإيراني، سواء عبر عقوبات مباشرة على طهران أو عقوبات ثانوية على تلك الدول.

ويوضح الباحث الأردني أن الهدف الأساسي من هذه الخطوة هو خنق الاقتصاد الإيراني، إلى جانب الضغط على قوى دولية منافسة مثل الصين وروسيا، لدفعها إلى لعب دور في إيجاد حلول جزئية، قد تساهم في إنهاء أزمة إغلاق مضيق هرمز.

ويشير الزغول إلى أننا أمام مرحلة جديدة من الأمن الإقليمي، من شأنها أن تمهّد لبقاء القوات الأمريكية في المنطقة لفترة أطول. ويبيّن أنه في حال انتهاء الحرب بانتصار واضح لأحد الأطراف، كان من الممكن أن تنسحب القوات الأميركية من الخليج، إلا أن الوضع الراهن المعلّق يفرض على واشنطن تعزيز وجودها العسكري لتثبيت الردع، ومنع أي فراغ قد تستغله قوى أخرى مثل الصين وروسيا.

كما يلفت إلى أن هذا التوجه يخدم أيضًا المصالح الداخلية للإدارة الأميركية، في ظل الضغوط السياسية المرتبطة بالانتخابات النصفية المرتقبة خلال الأشهر المقبلة.

ويضيف أن هذا النهج، إلى جانب الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، قد يدفع المجتمع الدولي إلى التدخل والضغط على إيران للقبول بتسوية ما. ومع ذلك، نبّه إلى أن هذا السيناريو لا يستبعد وقوع مناوشات أو حوادث عسكرية في البحر، قد تؤدي إلى تصعيد مؤقت وتؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي.

ويؤكد كمال الزغول أن استمرار هذا الوضع دون العودة إلى طاولة المفاوضات قد يقود إلى مزيد من التدهور، مشيراً إلى أن أي تحرك لإغلاق مضيق هرمز سيحفّز الدول الكبرى على التحرك ديبلوماسياً لإعادة الأطراف إلى الحوار.

كما يشير إلى أن إيران، من جانبها، تحاول تغيير مسار النقاش من الملف النووي إلى قضية مضيق هرمز، في محاولة لإعادة تشكيل أولويات التفاوض، وفتح المجال أمام تسوية محتملة.

بدوره، يقول الأكاديمي اللبناني هيثم صالح في حديثه لـ”963+” إن التحولات الكبرى في النظام الإقليمي في الشرق الأوسط تعكس بشكل مباشر إعادة توزيع موازين القوى على المستوى الدولي.

ويشير إلى أهمية مواقف القوى الكبرى مثل الصين وروسيا والهند، إلى جانب القوى الإقليمية المؤثرة كالسعودية ومصر وباكستان وتركيا وإيران، إضافة إلى الكيان الإسرائيلي، في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

وفي سياق متصل، يوضح الأكاديمي اللبناني أن المفاوضات الإيرانية ـ الأميركية قد بدأت عقب سلسلة من المواجهات، من بينها ما عُرف بـ“حرب الـ12 يوماً”، ثم الحرب التي استمرت 40 يوماً.

ويلفت إلى أن هذه المفاوضات لم تنجح، بسبب تباعد وجهات النظر بين الطرفين، ووجود لبس في طبيعة الطروحات المقدّمة من كل جانب، سواء من قبل الولايات المتحدة أو إيران، وكذلك في آليات النقاش حولها.

ويبيّن صالح أنه يعتقد أن المنطقة دخلت في مسار طويل ومعقّد، معرباً عن أمله في ألا يتخذ هذا المسار منحى مشابهاً للحرب الروسية الأوكرانية، من حيث الاستمرار لفترات طويلة مع تفاوت في مستويات التصعيد بين الارتفاع والانخفاض.

كما يشير إلى أن الصراعات الإقليمية الأخرى، مثل المواجهات بين إسرائيل و”حزب الله” في لبنان، أو الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وسوريا، تندرج ضمن إطار أوسع من التنافس والصراع الإقليمي.

ويلفت صالح إلى أن هذا الصراع يأخذ شكل تداخل بين عدة أطراف، أبرزها تركيا وإيران وإسرائيل، في ما يشبه مثلثاً إقليمياً متشابكاً، مع دخول باكستان على خط التأثير، إلى جانب مواقف كل من مصر والسعودية.

ويخلص استاذ العلوم السياسية إلى أن المشهد الإقليمي يتجه نحو مزيد من التعقيد، في ظل تداخل الأدوار الدولية والإقليمية، واستمرار حالة عدم الاستقرار.

+963

———————-

لماذا تهدد إسرائيل تركيا بعد إيران؟/ د. فيصل القاسم

لم يعد الحديث عن استهداف تركيا إسرائيلياً وأمريكياً مجرد نظرية مؤامرة، بل أصبح الكلام الآن فوق الطاولة وعلى لسان كبار المسؤولين الأتراك كوزير الخارجية حقان فيدان الذي قال بعظمة لسانه قبل أيام: “إن إسرائيل لا تستطيع أن تعيش من دون عدو خارجي مصطنع، ولهذا فهي ستعادي تركيا بعد الانتهاء من مواجهة إيران”. فهل تنظر إسرائيل لتركيا وإيران ككتلة حضارية واحدة، وليس كحضارتين عدوتين مختلفتين؟ قد يغيب عن ذهن الكثيرين أن إيران، وعلى مدى حوالي ألف عام كانت مجالاً حيوياً تركياً، وأن الدولتين متداخلتان ومترابطتان إلى حد مذهل على ضوء الدراسات التاريخية.

على مدار ما يقارب عشرة قرون متواصلة، خضعت إيران لحكم سلالات ذات أصول تركية، قبل أن تنتقل السلطة إلى أسرة بهلوية ذات جذور فارسية في عام 1925م، أي قبل مائة عام فقط. ويذكر موقع “تاريخ بوست” أن هذه الحقيقة التاريخية التي كثيراً ما تغيب عن الخطاب الشعبي وتُهمَّش في الروايات الرسمية، تكشف عن عمق العلاقة التي تربط الحضارتين التركية والإيرانية، وتعيد رسم صورة أكثر تعقيداً لمسار تشكّل الهوية الوطنية الإيرانية عبر العصور. فكيف حكم الأتراك إيران لهذه المدة الطويلة، وما الذي تركوه خلفهم؟

بدأت رحلة الحكم التركي لإيران مع الدولة الغزنوية في عام 962م، حين أسس سبكتكين دولةً إسلامية تركية اتخذت من غزنة في أفغانستان الحالية عاصمةً لها، وبلغت ذروتها في عهد السلطان محمود الغزنوي الذي اشتُهر بحملاته العسكرية الموسعة ورعايته للعلم والأدب. وعلى هذا الأساس المتين، جاءت الدولة السلجوقية (1037 – 1194م) لتُقيم أولى الإمبراطوريات التركية الكبرى التي نجحت في توحيد إيران وغرب آسيا ووسطها تحت سلطة مركزية راسخة، وكان طغرل بك مؤسسها، فيما بلغت أوج ازدهارها في عهد السلطان ملكشاه الأول الذي شهد عصره نهضة علمية وعمرانية واسعة. ثم جاءت الدولة الخوارزمية (1077 ـ 1231م) لتمد نفوذها التركي على مساحات شاسعة من إيران، غير أنها انهارت انهياراً مدوياً أمام موجة الغزو المغولي الجارف بقيادة جنكيز خان، لتطوي معها فصلاً من أكثر فصول التاريخ الإيراني حيويةً وتأثيراً.

ومع مطلع القرن الخامس عشر، أضاف تيمورلنك صفحة جديدة إلى هذا السجل التركي حين أسس دولته التيمورية (1370 ـ 1506م)، تلك السلالة التي جمعت في أصولها بين الإرث التركي والمغولي معاً، وسرعان ما انحازت إلى الثقافة التركية لتحكم إيران من سمرقند ثم هراة، وتجعل منهما منارتين للحضارة الإسلامية. وفي الحقبة ذاتها، اشتعل التنافس بين اتحادين قبليين تركمانيين على السيطرة؛ فقرا قويونلو أو “أصحاب الخرفان السود” (1375 ـ 1468م) حكموا إيران من تبريز وكانوا شيعيي المذهب، في حين نافسهم الآق قويونلو أو “أصحاب الخرفان البيض” الذين بسطوا نفوذهم على رقعة جغرافية أوسع تمتد من الأناضول إلى العراق وإيران وأذربيجان، وذاع صيت حاكمهم أوزون حسن في أرجاء المنطقة.

بيد أن الدولة الصفوية (1501 ـ 1736م) تبقى من أكثر الفصول التاريخية تعقيداً وإثارةً للجدل في آنٍ واحد؛ فمن ناحية، يُنسب إليها الفضل الأول في بناء الهوية الإيرانية الحديثة وترسيخ المذهب الجعفري الشيعي ديناً رسمياً للدولة، مما أعطى إيران طابعها المميز الذي لا يزال قائماً حتى اليوم. ومن ناحية أخرى، تعود أصول الصفويين ونخبتهم العسكرية المعروفة بالقزلباش إلى قبائل تركية أذربيجانية خالصة. وقد دخل الصفويون في صراع مسلح مطوّل ومرير مع الخلافة العثمانية السنية، فكانت المعارك الدامية بين الدولتين التركيتين تُعيد رسم خرائط المنطقة مرة بعد مرة. وعقب أفول نجم الصفويين، أسس نادر شاه الدولة الأفشارية (1736 ـ 1796م) منتسباً إلى قبيلة أفشار التركية الأوغوزية، قبل أن يُسدل القاجاريون (1796 ـ 1925م) الستار نهائياً على هذا المسلسل الطويل، بوصفهم آخر السلالات ذات الأصول التركية التي تربّعت على عرش إيران.

انتهى هذا التسلسل التاريخي المتواصل حين أطاح رضا شاه بهلوي، في انقلاب عسكري حظي بدعم بريطاني واضح، بآخر شاهات القاجار عام 1925م، ليُعيد الحكم لأول مرة منذ نحو ألف عام إلى سلالة ذات جذور فارسية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه القرون الطويلة لم تخلُ من فترات حكم غير تركية، إذ شهدت إيران الحكم المغولي في عهد الإيلخانات، فضلاً عن الدولة الزندية القصيرة في القرن الثامن عشر التي كانت ذات أصول لورية إيرانية.

ثمة مفارقة لافتة تطبع هذه الحقبة الطويلة وتجعلها فريدة في التاريخ؛ فرغم أن الحكام كانوا أتراكاً في أصولهم العرقية وقوتهم العسكرية، إلا أنهم تبنّوا اللغة والثقافة الفارسية أدواتٍ للإدارة والأدب والفن والشعر، فيما بات يُعرف في أدبيات التاريخ بـ”التقاليد التركو-فارسية”. وقد أفرز هذا التمازج الحضاري الفريد تأثيراً متبادلاً عميقاً لا يزال ماثلاً في اللغة والثقافة التركية حتى اليوم، من المفردات المشتركة إلى الموروث الأدبي والفني المتشابك.

لم تنتهِ الحكاية مع سقوط القاجاريين وقيام الدولة البهلوية؛ إذ تشكّل الشعوب والقوميات التركية حتى اليوم نحو ربع إجمالي سكان إيران، يتوزعون بين الأذريين والتركمان وأتراك خراسان والقشقاي وأتراك الخلج والأفشار وسواهم، منقسمين دينياً بين المذهب السني الحنفي والمذهب الشيعي الجعفري. وثمة من يرى أن النفوذ التركي الأذري لا يزال فاعلاً وحاضراً في مفاصل الدولة الإيرانية حتى في عصرنا الراهن؛ فالمرشد الإيراني السابق علي خامنئي ينتمي وفق مصادر عدة إلى أصول تركية أذرية، وكان يتحدث التركية بطلاقة إلى جانب الفارسية والعربية. كما ينتسب الرئيس الإيراني الحالي مسعود بزشكيان إلى القومية التركية الأذرية، مما يجعل الحضور التركي في قمة الهرم السياسي الإيراني حقيقة راهنة لا مجرد ذكرى تاريخية.

يكشف هذا الإرث التاريخي المتشعّب في نهاية المطاف أن العلاقة بين الأتراك والإيرانيين ليست مجرد جوار جغرافي أو تشابك مصالح آني، بل هي شراكة حضارية متجذرة امتدت لآلاف السنين، نسجت بين الشعبين روابط ثقافية ولغوية وإنسانية لا تمحوها الحدود السياسية ولا تُخفيها الروايات الرسمية. وفي ظل الهيمنة الفارسية التي تبدو ظاهرياً على المشهد الإيراني اليوم، يظل الإرث التركي حاضراً في عروق هذا البلد العريق، شاهداً صامتاً على ألف عام من التاريخ المشترك.

هل يا ترى كان الرئيس الأمريكي ترامب إذاً يمزح عندما لوّح قبل أيام بمحو الحضارة الفارسية، أم أنه كان يعي ما يقول؟ وإذا كانت الحضارتان التركية والفارسية قد ظلّتا متداخلتين على مدى قرون كما رأينا، فهل يمكن أن نفهم من ذلك أن واشنطن وتل أبيب بدأتا تنظران إلى طهران وأنقرة بمنظار واحد، خاصة في ظل التهديدات الإسرائيلية التي بدأت تمتد من إيران إلى تركيا، والتصريحات الأمريكية التي استهدفت الحضارة الفارسية مؤخراً بشكل صارخ؟

٭ كاتب واعلامي سوري

القدس العربي

———————————

تغيّر في «المزاج الأمريكي» نحو إسرائيل؟

بدأت معالم تقدّم التسوية بين أمريكا وإيران تتظهر مع إعلان الجمهورية الإسلامية، أمس الجمعة، فتح مضيق هرمز بالكامل أمام السفن، مشيرة إلى أن ذلك جرى لوقف إسرائيل إطلاق النار في لبنان.

سارع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى توجيه الشكر لطهران، ورغم تعقيبه اللاحق بأن “الحصار البحري سيظل ساريا في ما يتعلق بإيران فقط”، فإن ثلاث ناقلات نفط إيرانية خاضعة لعقوبات أمريكية، غادرت جزيرة خرج محملة بخمسة ملايين برميل من النفط، عبرت المضيق، حسب شركة البيانات البحرية “كيبلر”.

بعد ساعات من إعلان ترامب، إثر اتصاله بالرئيس اللبناني جوزف عون، وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، سارع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو للتصريح بأن مهمة إسرائيل في لبنان “لم تنته”، وتبعه وزير حربه، يسرائيل كاتس، بالقول إن العملية البرية “لم تكتمل بعد”، وأن قواته ستعمل على التخلص من المسلحين الموجودين في مناطق سيطرتها في جنوب لبنان.

في المقابل، أطلق ترامب، صباح أمس الجمعة، عدة تصريحات كان أكثرها وضوحا وقوة قوله إن الولايات المتحدة ستتصرف بشكل منفرد مع لبنان، وتتعامل مع وضعية “حزب الله” بطريقة مناسبة. “إسرائيل لن تقوم بقصف لبنان مرة أخرى. إنها ممنوعة من فعل ذلك من قبل أمريكا”، خاتما تصريحه بالقول Enough is enough! والذي يمكن ترجمته بتصرف بالتعبير العربي “بلغ السيل الزبى”!

بدا أن إسرائيل لا تكترث بهذا الحظر الذي أعلنه ترامب، أو أنها أرادت اختبار صدقية الرئيس الأمريكي فشنت بعد دقائق من تصريحه غارة جوية بطائرات مسيّرة أودت بحياة شخص في جنوب لبنان!

كان لافتا أيضا، أن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس براك، قام بما يمكن اعتباره انتقادا ضمنيا لرئيس الوزراء الإسرائيلي في كلمة ألقاها في جلسة حوارية ضمن فعاليات منتدى أنطاليا الدبلوماسي 2026، بأن نتنياهو “لا يهتم بحدود 1967 ولا 1974 ولا بخط 8 ديسمبر” (أي بالخط الحدودي لسوريا يوم سقوط نظام بشار الأسد)، معتبرا أن النهج الذي تتبعه إسرائيل لا يتماشى مع الاتجاه العام في المنطقة. في الوقت الذي كانت تطلق فيه هذه التصريحات، كانت إسرائيل تتابع اعتداءاتها على سوريا، وفي يوم أمس الجمعة، قامت القوات الإسرائيلية بجلب جرافة وغرف مسبقة الصنع إلى محافظة القنيطرة.

إضافة إلى التصدّع الملحوظ في القاعدة الشعبية اليمينية المؤيدة لترامب، وهو ما دفعه للهجوم على عدد من كبار المؤثرين منهم، على شاكلة تاكر كارلسون، الذي ما فتئ يتهم إدارة ترامب بالتبعية لإسرائيل، فقد أظهرت التحرّكات الأخيرة في مجلسي الكونغرس، النواب والشيوخ، تغيّرات غير مسبوقة تجاه إسرائيل، التي كان الحزبان الرئيسيان يتنافسان على تأييدها.

ففي جلسة لمجلس الشيوخ الأمريكي لمناقشة قرارين كان من شأنهما وقف بيع أسلحة لإسرائيل، اتجه تأييد الغالبية العظمى من أعضاء الكتلة الديمقراطية، والبالغ عددها 47 عضوا، لدعم هذين القرارين فصوّت 40 منهم ضد تزويد الجيش الإسرائيلي بجرافات وصوّت 36 منهم ضد تزويده بقنابل، ولم يصوّت أي من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين الذين يفكرون في الترشح للرئاسة لصالح صفقات بيع أسلحة لإسرائيل.

رغم أن تصريحات ترامب تحمل مفاجآت دائمة، ومبالغات من كل نوع، لكنّه كان دائما حذرا في ما يتعلّق بإسرائيل، والأغلب أن الغطرسة الإسرائيلية الفاقعة، وتجاهل هذا “الحظر” الذي أعلنه، سيفاقم هذه الظاهرة المستجدة في السياسة الأمريكية، وهو ما يمكن أيضا سحبه على “التذمّر” الذي أبداه توماس براك، والانتقادات التي يوجهها كبار المؤثرين من اليمين الأمريكي، وكذلك التمرّد غير المسبوق الذي طرأ على أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين.

القدس العربي

———————————

 حتّى لو فُتح مضيق هرمز: أسواق الطاقة لن تتعافى قريباً

السبت 2026/04/18

نشرت صحيفة “ذا إكونوميست” تقريرًا تناول السيناريوهات المتوقّعة في حال فتح مضيق هرمز، وخصوصًا على مستوى مستقبل إمدادات الطاقة العالميّة. التقرير أشار إلى أنه حتّى لو صمد وقف إطلاق النار، وبدأت السفن بالتحرك عبر مضيق هرمز بصورة طبيعية إلى حدٍّ ما، فإن معالجة الوضع على مستوى أسواق النفط والغاز ستستغرق أشهراً. ذلك أنّ عودة الأسواق إلى طبيعتها تتطلّب تحقّق ثلاثة أمور بشكلٍ متتابع: تعافي الإنتاج في دول الخليج، وعودة السفن، ثم قيام المصافي بتحويل النفط الخام إلى وقود قابل للاستخدام. وكلٌّ من هذه المراحل سيستغرق أسابيع.

وبالحديث عن الإنتاج، يشير التقرير إلى أنّ معظم دول الخليج اضطرّت إلى خفض إنتاجها الكلّي من النفط الخام بأكثر من 10 ملايين برميل يوميًا، وذلك بسبب عجزها عن التصدير وعدم قدرتها على تخزين المزيد من الإنتاج غير المباع. وإذا تمكنت هذه الدول من استئناف التصدير قريبًا، فسيكون الضرر الذي لحق بالآبار محدودًا. لكن مع ذلك، سيستغرق الأمر ما بين أسبوعين إلى أربعة أسابيع لإعادة الإنتاج -في حقول النفط- إلى مستوياته التي كانت سائدة قبل الحرب.

أما إعادة تشغيل منشأة رأس لفان لتسييل الغاز في قطر، التي تنتج عادةً نحو 17 بالمئة من الغاز الطبيعي المسال عالمياً، والتي تعرّضت لضربات في وقت مبكر من الحرب، فستستغرق وقتاً أطول. فقد أصابت الصواريخ وحدتين من أصل 14 وحدة تسييل، ما أدى إلى تعطّل نحو 17 بالمئة من طاقتها الإنتاجية، أي ما يعادل قرابة 3 بالمئة من الإمدادات العالمية. أما الوحدات الأخرى، التي لم تتعرّض لأي ضربات، فستحتاج إلى إصلاحات أقلّ كلفة. وبعد إتمام هذه الإصلاحات، ستحتاج المنشأة المعقّدة إلى ستة أو سبعة أسابيع لتعود إلى العمل بكامل طاقتها.

,سيتعيّن تحميل النفط والغاز الطبيعي المسال على ناقلات فارغة، قادرة على التوجّه إلى الخليج لشحن الإمدادات. وقد يكون إقناع مالكي السفن بالعودة إلى الخليج، أكثر صعوبة من إقناع السفن العالقة في المضيق بخوض رحلة الخروج المحفوفة بالمخاطر. وقد يظل التأمين غير متاح، أو باهظ الكلفة لأشهر. وفي هذا الإطار، يقول أحد خبراء الشحن “الألغام كابوس لشركات التأمين”.

كما أنّ العديد من الناقلات التي كانت تعمل في منطقة الخليج وجدت أعمالاً أكثر أماناً في أماكن أخرى، ما يعني أن إعادة هذه الناقلات إلى الخليج ستتطلب أجور شحن مرتفعة. وقد يفضّل بعض المالكين إكمال رحلاتهم الحالية، التي تشمل نقل النفط من الأميركيتين إلى آسيا، وهي رحلة ذهاب وإياب قد تستغرق حتى 90 يوماً.

وعندما يصل النفط الخام إلى وجهته، يجب تكريره. وهنا أيضاً تبرز عقبات. فقد خفّضت المصافي الآسيوية نشاطها بسبب نقص المواد الأولية. ويقدّر سوميت ريتوليا من شركة Kpler أن إجمالي الطاقة التشغيلية -في تلك المصافي- سينخفض في شهر نيسان بنحو 4.2 ملايين برميل يومياً، مقارنة بشهر شباط، أي بتراجع يقارب 15 بالمئة. أمّا استعادة مستويات التشغيل السابقة في هذه المصافي، بعد وصول الإمدادات، فسيستغرق عدّة أسابيع إضافيّة.

ستؤدّي هذه العوامل إلى إبقاء الأسعار مرتفعة، وخفض الطلب. فعلى الرغم من تراجع سعر خام برنت الحاد، فإنه لا يزال أعلى بنحو 30 بالمئة مقارنة بما كان عليه عشية الحرب، وأعلى بنسبة 60 بالمئة من توقعات المحللين السابقة في بداية العام. ويرى جيمس فرنانديز وفرانسيس أوزبورن من وكالة Argus Media أن ارتفاع أسعار الوقود وسياسات التقنين التي تفرضها الحكومات سيؤديان إلى انخفاض الطلب على النفط بقيمة 5 ملايين برميل يومياً.

باختصار، وبحسب ما يتبيّن من هذا التقرير، لن تُعالج مشكلة الإمدادات في وقتٍ قريب. إذ ستحتاج الأسواق إلى حلّ أزمات خفض الإنتاج، والتكرير، والشحن، بشكلٍ متدرّج، قبل أن تستعيد مستويات العرض السابقة.

———————————-

هل يمكن نقل مخزون اليورانيوم الإيراني إلى دولة ثالثة؟

لندن: «الشرق الأوسط»

18 أبريل 2026 م

لا يمكن وضع حد دائم للحرب على إيران إلا باتفاق حول برنامجها النووي، وتالياً حول مصير مخزونها من اليورانيوم، الذي يلف الغموض مكانه والدرجة الدقيقة لتخصيبه.

والسؤال: هل يمكن نقل هذا المخزون إلى دولة ثالثة، وتخفيف تخصيبه إلى درجات غير ضارة؟

فيما يأتي بعض النقاط الأساسية.

ماذا عن مخزون اليورانيوم الإيراني؟

صدرت آخر معلومات الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبيل اندلاع حرب يونيو (حزيران) 2025 التي استمرت اثني عشر يوماً.

وأفاد مفتشو الهيئة الأممية بأن إيران كانت تملك يومها 441 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، ما يجعله قريباً من نسبة 90 في المائة التي تتيح صنع قنبلة نووية، فضلاً عن 180 كلغ تبلغ نسبة تخصيبها 20 في المائة، وأكثر من 6 آلاف كلغ مخصّبة بنسبة 5 في المائة. وكان مخزون 60 في المائة موزعاً بين مواقع فوردو ونطنز وأصفهان.

ومنذ الضربات الإسرائيلية-الأميركية في يونيو 2025 ثم هذا العام، يلفّ الغموض ما آل إليه هذا المخزون في ظل عدم قيام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعمليات تفتيش. فهل لا يزال مطموراً، كما تؤكد طهران، أم أن قسماً منه نُقل أو دُمّر؟

وثمة تساؤل آخر تطرحه مصادر غربية عدة: هل تمكنت إيران من إقامة مواقع سرية قبل حرب 2025، خصوصاً أن بعض المفتشين منعوا من زيارة مواقع محددة قبل يونيو 2025؟

ترى مصادر دبلوماسية أوروبية أنه لا بد من أن تعاود الوكالة الذرية عملها لتبديد هذا الغموض، علماً أن هذا الأمر شرط ضروري مسبق لأي تفاوض، وخصوصاً أن قاعدة البيانات الاستخباراتية الأميركية والإسرائيلية تشير إلى 1200 كلغ من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المائة، بعيداً من 180 كلغ أشارت إليها الهيئة الأممية قبل اندلاع الحربين.

وذكّرت الباحثة إلوييز فاييه من مركز «إيفري» الفرنسي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن «لا استخدام مدنياً لليورانيوم المخصب فوق 20 في المائة»، فاستخدامه لأغراض مدنية على غرار محطات توليد الكهرباء يتطلب نسبة تراوح بين 4 و5 في المائة.

لهذا السبب، يشتبه الأوروبيون والأميركيون والإسرائيليون منذ أمد بعيد بسعي الإيرانيين لحيازة السلاح النووي، الأمر الذي واظبت طهران على نفيه، مدافعة عن حقها في التخصيب للاستخدام المدني.

خيار نقل اليورانيوم

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، أن الإيرانيين وافقوا على تسليم واشنطن «الغبار النووي»، في إشارة إلى مخزون اليورانيوم، متحدثاً عن «فرص جيدة جداً لنتوصل إلى اتفاق». وفي حال تحقق ذلك بين واشنطن وطهران، فقد يكون أحد الخيارات إخراج كامل اليورانيوم العالي التخصيب من إيران أو قسم منه.

وقالت فاييه: «سجلت سابقة في 2015 حين نقل قسم من اليورانيوم العالي التخصيب إلى روسيا»، في إشارة إلى ما تضمنه اتفاق دولي سابق شكل إطاراً للبرنامج النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) ورفضه دونالد ترمب بشدة في 2018.

وتداركت: «لكن ذلك لا يمت بصلة إلى مستوى التخصيب الراهن. وسيكون الأمر أكثر تعقيداً كون العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا اليوم تختلف عما كانت عليه عام 2015، إضافة إلى أن المخزون الإيراني بات أكبر بكثير».

أبدت روسيا استعدادها للمبادرة إلى هذه الخطوة. وصرح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الأسبوع الماضي، بأن «الرئيس (فلاديمير) بوتين عرض هذا الاقتراح»، لافتاً إلى أن «العرض لا يزال سارياً ولكن أي تحرك لم يتم في ضوئه».

خيار خفض نسبة التخصيب

قال مصدر دبلوماسي إيراني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لقد اقترحنا خفض نسبة التخصيب داخل البلاد»، من دون أن يحدد تفاصيل ذلك.

والسؤال ما إذا كانت هذه العملية ستتم بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية أم تحت أنظار خبراء أميركيين. وتعتبر باريس أن من إيجابيات القيام بهذه العملية بإشراف الوكالة الذرية أنها ستحيي عمل مفتشيها وتعاود إضفاء طابع من الشفافية على العملية برمتها.

ومن شأن خفض نسبة التخصيب إلى ما دون 5 في المائة أن يحدّ إلى حد بعيد خطر التخصيب لأهداف عسكرية.

لكن إيلوييز فاييه لاحظت أنه لا يوجد تفاهم حول تفاصيل تنفيذ ذلك ودرجة الخفض المطلوبة، مضيفة: «الأمر كله يظل رهناً بموافقة أميركية على السماح لإيران بأن تخصّب على أراضيها».

تجاوز «الخط الأحمر»

كذلك، لا بدّ من تجاوز الخط الأحمر الذي رسمته كل من واشنطن وطهران. فالأولى تصر على تراجع كامل عن التخصيب، والثانية ترفض ذلك بشدة.

في رأي الأوروبيين أنه مهما كان الخيار الذي سيعمل عليه الأميركيون والإيرانيون، فلن يشكل سوى نقطة بداية لمفاوضات طويلة بهدف تحديد وسيلة لفرض قيود شديدة وطويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني. فرغم الانتكاسة المؤكدة التي أصيب بها البرنامج الإيراني، يتفق الخبراء على أن المعرفة العلمية لا تزال قائمة وإن كانت جزئية.

وفي هذا السياق، أوردت فاييه: «يبقى إجبار إيران على التخلي عن برنامجها النووي أمراً مستحيلاً، انطلاقاً مما راكمته من معارف وأقامته من منشآت. ولكن يمكن مراقبته ووضع سقف له». وتلك كانت بالضبط الغاية من الاتفاق الذي وقِّعَ عام 2015، بعد مفاوضات كثيفة استمرت نحو عامين.

الشلرق الأوسط

———————————

==================

تحديث 17 نيسان 2026

———————————

الحرب الإيرانية والصراع على “إعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد”/ برهان غليون

17 ابريل 2026

يبدو أن العرب الذين تعرّضوا لعدوان ليس له ما يبرّره، والذين لم يُطلب منهم رأيهم ومشاركتهم في تسويةٍ يتقرّر فيها مصير المنطقة لعقود مقبلة، هم الخاسر الأكبر في الحرب الدائرة منذ ما يقارب الخمسين يوماً في منطقة الخليج العربي. وهي التي سوف تدفع على الأغلب القسط الأكبر من فاتورة الحرب التي لم تنته بعد. ليس مادّياً فحسب، بل سياسياً واستراتيجياً أيضاً. فلا إخراج إيران لصالح إسرائيل يحسّن من مكانة العرب في الصراع على إعادة تشكيل المنطقة، ولا استعادة طهران مكانتها الدولية سوف تخّفف من ضغوطها. وربما يتحوّل العداء الإيراني لإسرائيل إلى تفاهم في حال تغيّرت المصالح أو النظام. فقد كان تبنّي قضية فلسطين الخيار التكتيكي المفيد في تعبئة جمهور المنطقة وراء طهران، وضد حكوماتها، ولتوسيع دائرة نفوذها وتحويلها إلى قوة إقليمية، وفك العزلة التي فرضت عليها بعد ثورتها “الإسلامية”. لكن ليس من المؤكّد أنه سيكون من المفيد لنخبها الحاكمة الجديدة التمسّك بهذه القضية بعد أن يُعترف لطهران بمكانتها الاقليمية، وتصبح احد الاطراف الرئيسة في التفاهم على ترتيب شؤون المنطقة، ومن ثم على تقاسم المصالح فيها. فالأقوياء، كما يثبت التاريخ، هم الأكثر استعداداً للتفاهم على حساب الأطراف الضعيفة. وهذه الأطراف هي التي تدفع دائماً ثمن التسويات والمصالحات، ولا يتم التفاهم إلا على حسابها.

• غياب القطب العربي في الصراع الإقليمي:  أحد مصادر الفوضى التي تعيشها المنطقة العربية خسارة العرب، في العقود الماضية، موقعهم أطرافاً مقرّرة في مصير الإقليم، لصالح قوى أخرى مثل تركيا وإيران وإسرائيل. ويعود هذا بشكل رئيس، أولاً، إلى الفشل في بناء إطار إقليمي متماسك، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني. فبينما نجحت أوروبا بعد دمار هائل في بناء اتحاد يقوم على المصالح المشتركة، بقي العالم العربي أسير الانقسامات القُطرية، والانقلابات السياسية والعسكرية والنزاعات الايديولوجية.

وثانيا، لسيطرة منطق “القبيلة” على منطق الدولة لدى النخب السياسية التي لم تُخفق في تجاوز التقسيم الاستعماري للمنطقة، وإنما في بناء أي إطار قانوني للتعاون والتضامن، سوقاً مشتركة أو اتفاقاً دفاعياً أو تكتّلا اقليميّاً يجعل منهم قوة يُعتدّ بها لضمان الحد الأدنى من أمن شعوبهم واستقرار مجتمعاتهم وتنميتها. بالعكس، لقد استغلت هذه النخب فشل الوحدة السورية المصرية (1961- 1958)، لنزع الشرعية عن أي مشروع تعاون بين الدول العربية، وتكريس الانكفاء داخل حدود ضيقة، باسم الهوية الوطنية أو الاختلافات الثقافية أو بذريعة اختلاف المصالح بين الأقطار. هكذا فرغت جامعة الدول العربية من مضمونها، وتحوّلت الى علبة صدى لخلافات النظم وصراعاتها بدلاً من تحويلها إلى حامل لمشروع تنمية إقليمية.

والحال، لو فكّر الأوروبيون الذين ينتمون لهويات قومية وثقافية مختلفة تماماً، والذين قضوا عقوداً من الحروب البينية لم تنته أو تجمّد إلا بحربين “عالميتين” راح ضحيتهما أكثر من ثمانين مليون إنسان، لما كان وضعهم أفضل من وضع كثير من أقطارنا العربية الحالية. ولو فكّر العرب المسلمون الأوائل بمنطق القبائل التي كادت تفني واحدتُها الأخرى في حروبٍ وغزواتٍ لا نهاية لها، وأشهرُها ما قرأناه عن “حرب داحس والغبراء”، لما كان هناك على الأغلب من ينطق العربية اليوم. فالعلاقات بين الدول والمناطق والشعوب التي تعيش في التاريخ وتتحرّك بداخله لا تنشأ بالوراثة، وإنما تبنى وتقاس بالمصالح التي توفّرها لأفرادها، بصرف النظر عن أصولهم وهوياتهم الدينية والقومية، وسجل صراعاتهم التاريخية الدموية. هكذا ضحّى العرب بأهم راسمال لديهم لتسهيل التعاون والتفاعل فيما بينهم: اللغة والثقافة والتاريخ المشترك، وهم الكتلة الأكبر في منطقة الشرق الأوسط.

وثالثاً، إرادة الدول الغربية التي سعت إلى محاربة أي فكرة تجميعية بوصفها قومية عنصرية أو إسلامية ظلامية، حفاظاً على توازنات جيوسياسية إقليمية تضمن استمرار نفوذها. ولم تكن إقامة اسرائيل نفسها إلا ركناً من أركان الحفاظ على تفتّت المنطقة والحيلولة دون نشوء قوة تهدّد السيطرة الغربية عليها. وهذا ما يفسّر، إلى حد كبير، العلاقة العضوية بين إسرائيل والدول الغربية، والاستثمار المشترك واللامحدود فيها على جميع الأصعدة، بوصفها الركيزة الرئيسة لهذه السيطرة وإحدى قواعدها الاستراتيجية.

الشرق الأوسط ومطامح إسرائيل: في المقابل، لا تخفي تل أبيب ولا الأوساط السياسية الأميركية الداعمة لها أن الهدف من حروبها الراهنة على جميع الجبهات العسكرية والسياسية والجيوسياسية والإيديولوجية هو إعادة تشكيل الشرق الأوسط، أي توحيده، من حولها، لتكون مركز القرار فيه والمستفيد من إعادة بناء تواصل أطرافه. فهي تطالب بأن يعترف بها بوصفها مركز الثقل في هذا الشرق الأوسط الجديد، وبالتالي المستفيد الرئيس من الأمن والسلام والاستقرار الذي يمثله، إذا كان له أن يقوم. وفي سبيل تحقيق هذا، سعت تل أبيب وحلفاؤها الغربيون إلى أن تقضي على جميع منافسيها لاحتلال هذا الموقع المركزي. وجديدهم أخيراً المشروع الإيراني. وهي تهدّد منذ الآن تركيا التي ترى فيها منافساً لها في السيطرة على أجندة السياسة الإقليمية بعد إيران، بالانسحاب من الصراع. ولا تكفّ عن التأكيد أن البديل استمرار القتال في أكثر من جبهة، وبدعم مباشر من الدولة الأكثر قوة ونفوذاً عالميا اليوم. كما لا تخفي أنها لن تتوقف عن شن الحرب على الدول والحركات والقوى التي تشكل عقبةً في طريقها لتحقيق هذا الهدف.

لم تعد إسرائيل، والولايات المتحدة من ورائها، تبرّر حروبها بذريعة ضمان أمنها، بل أصبحت لا تتردّد في إعلان هدفها في إخضاع جميع جيرانها في المنطقة لتحقيق أهدافها وإلحاق خياراتهم السياسية والاستراتيجية بخياراتها وخدمة مصالحها. وهي لا تخفي أيضاً إرادتها إجبار دول المنطقة على الاعتراف لها بمكانة استثنائية تجعلها فوق أي قانون أو اعتبار سياسي أو أخلاقي، وتتيح لها العمل لفرض إرادتها على الجميع. هكذا حرص رئيس وزراء إسرائيل قبل أشهر قليلة من “طوفان الأقصى” على عرض خريطة “اسرائيل الكبرى” على أعضاء الجمعية العمومية للأمم المتحدة التي تعبر أيضاً عن طموحها لقيادة المنطقة وإخضاع مصالح شعوبها لمصالحها المستوحاة من “التعاليم التوراتية”.

كما لم يعُد كافياً لتل أبيب إجهاض دول المنطقة وتفريغها من قدراتها وسيادتها، وإنما صار هدف سياستها الإقليمية المعلنة تفكيك الدول وتفجيرها من الداخل وتعميم الفوضى والفقر والتخلف والنزاعات الأهلية الداخلية، بل إزالة الدول والشعوب المعادية من الوجود. وهذا ما لم يعُد يخفيه قادتها، والذي تبنّاه أيضا الرئيس الأميركي المموّل والمسلح لها، عندما تحدّث عن إبادة حضارة كاملة وإزالتها من الوجود.

يضاف إلى ذلك أن الولايات المتحدة، ومعظم الدول الأوروبية، لا تخفي دعمها هذه السياسة العدوانية في التعامل مع دول المنطقة، ولا تزال تزوّدها بكل ما تحتاجه، في الميادين العسكرية والعلمية والتقنية، بما في ذلك الانفراد بامتلاك السلاح النووي، لتحقيق أهدافها. هذا ما كسر أي توازن في المنطقة، وحال دون قيام أي نظام إقليمي للأمن والسلام واحترام سيادة الدول وحقوق الشعوب فيها أكثر من قرن. وهو العامل الرئيسي في تعزيز النظم الديكتاتورية والاستثنائية، وتقويض جهود القوى الديمقراطية لبناء نظم تمثل شعوبها وتعبر عن إرادتهم وتردّ على تطلّعاتهم. من هنا، لم تعد المشكلة التي تطرحها سياسة الدولة الإسرائيلية تقتصر على تجريد الشعب الفلسطيني من حقوقه الأساسية والوطنية، إنما أصبحت مشكلة بنيوية تتعلق بطبيعة دولة “إسرائيل” نفسها، من حيث أنها لا تستطيع أن تعيش وتشعر بالأمان إلا بتقويض أمن شعوب المنطقة الأخرى وسلامتها. وأنه ليس للولايات المتحدة التي تراهن عواصم عربية عديدة على وساطتها أو بالأحرى حمايتها، أي مصلحة في تقييد جموح إسرائيل أو كفّ يدها، ولا في لجم مشاريعها الاستيطانية التوسعية. إنها بالعكس من ذلك تشجّعها وتقدّم لها جميع الوسائل العسكرية والسياسية لتستمر في سياستها والرهان عليها عصاً غليظة لضمان نفوذها والتحكّم بمصير منطقة من أكثر مناطق العالم حساسية وهشاشة معاً.

• نحو نظام إقليمي للأمن الجماعي: أصبح من الواضح لأي مراقب سياسي أن إسرائيل لن تتوقف عن سياستها، وتحدّ من تطلعاتها الاستعمارية التي ورثتها من رعاتها منذ تأسيسها، ما لم تجد في مواجهتها القوة التي تفرض عليها الحدّ من أطماعها واحترام مصالح الدول الأخرى. ولكن ليس هناك شك في أن الحرب الإيرانية الأميركية الإسرائيلية أخيراً فتحت أفقا جديدا للتفكير في واقع المنطقة ومستقبلها. فهي لم تقوّض أسطورة القوة الإسرائيلية الاستثنائية فقط، ولكنها أظهرت أيضا حدود هذه القوة ومخاطر الاستمرار في استخدامها وتعزيزها في إدارة الشؤون الاقليمية والعالمية على مستقبل شعوب المنطقة ودولها. وكما خسرت واشنطن ثقة عديد من حلفائها، بما في ذلك في أوروبا، في قيادتها العالمية، أخرجت إيران وإسرائيل معا من دائرة التنافس على قيادة منطقة كانت ولا تزال ضحية أنانيتهما وغطرستهما وفقدانهما أي حس أخلاقي أو قانوني في سعيهما إلى السيطرة والتحكّم بمصير جيرانهما والإقليم بأكمله.

في هذا الفراغ الذي تركه السقوط الأخلاقي والسياسي لطرفي النزاع على الهيمنة الإقليمية، أصبح الوقت ملائما، بموازاة وعلى هامش مفاوضات واشنطن وطهران الراهنة، لإطلاق مبادرة من بعض الدول الإقليمية الرئيسية من أجل مؤتمر برعاية الأمم المتحدة، يهدف إلى بناء إطار للأمن والتعاون والسلام في الإقليم، يضع حدّاً للفوضى والعنف العابر للدول والحدود، ويطمئن الشعوب الضعيفة الأكثر حاجة إليه، ويحدّ من صراع الدول القوية فيه على تحويل الدول الصغيرة إلى ساحاتٍ للصراع والمواجهة واستعراض القوة.

لا يتعلق الأمر بتحالفات عسكرية جديدة أو مضادّة، بل بتجنّبها في سبيل تفعيل الدبلوماسية للعمل على إرساء أركان نظام للامن الجماعي، لا يُقصي أحداً، لكنه يخضع الجميع، بما في ذلك القوى الكبرى المتدخلة في شؤون الإقليم، لقواعد واضحة تحدّ من منطق العنف، وتضع حدّاً للحروب والتدخلات الأجنبية، وحروب الإبادة، وتفتح ساحة للحوار والتشاور بين جميع الأطراف.

مؤكّدٌ أن قليلاً من الدول المنخرطة في الصراع على النفوذ في المنطقة سوف تتحمّس لهذا الحل. كما أن هناك أنظمة سياسية محلية كثيرة لا تزال تراهن على الحمايات الأجنبية أو الخارجية. لكن ليس المطلوب أن يتحقق الهدف غداً أو بعد غد، وإنما إطلاق المشروع والعمل الجدّي عليه. وأعتقد أن  الظروف مناسبة تماما للتقدّم في تحقيقه إذا تبنّته مجموعة الدول الاقليمية القوية مثل السعودية ومصر وتركيا.

تعبيد الطريق لمثل هذا النظام الاقليمي يستدعي تذليل عقبتين. تتعلّق الأولى بالنظام الدولي والصراعات التي تربطه بالمنطقة. والثانية بطبيعة النظم الحاكمة نفسها وقدرتها على استبدال الشرعية الداخلية التمثيلية بالشرعية الخارجية، فالحروب والنزاعات داخل الإقليم هي انعكاس، في جزءٍ كبيرٍ منها، لنزاعات الدول الاجنبية عليه، وهي مرتبطة بأهميته الاستراتيجية، سواء في ما تعلق بالطاقة أو بالمعابر الدولية وبالأسواق المالية. ومن دون العمل على تحييد هذا النفوذ أو تقييده ووضع ضوابط له، وهذا ما يستدعي تعديلاً في سياسات الدول الخارجية، سيكون من الصعب شقّ أي طريق نحو السلم الإقليمي وفي سياقه الأهلي.

وفي المقابل، ليس من الممكن فصل الفوضى العارمة في العلاقات الاقليمية عن طبيعة النظم الحاكمة والتحدّيات التي تعاني منها في علاقتها بشعوبها، وحاجة بعضها للحماية الأجنبية بسبب فقدان الشرعية او للاعتداء على الشعوب الأخرى لتعزيز قاعدتها الاجتماعية. ولذلك غالباً ما نجد في هذه المنطقة التداخل الكبير بين الصراعات الدولية على النفوذ والتوسّع والسيطرة، والتنافس بين الدول، والنزاعات الداخلية على السلطة في أبرز صورها. وفي هذا الصراع المركب الذي تعيشه مجتمعات المنطقة منذ أكثر من قرن، يكمن مفتاح تجذر النظم الانقلابية، والديكتاتوريات، وأشكال الحكم الأتوقراطية، والثورات المجهضة، والمضادّة، وانعدام أي حياة سياسية منظّمة فعلية ومستدامة ومثمرة.

باختصار، لا يمكن للشرق الأوسط أن يتحوّل من ساحة لتسويات صراعات الآخرين إلى فاعل في صياغة مستقبله، ما لم تتمكن الدول في المنطقة من إعادة بناء شرعيتها، وتجاوز انقساماتها، وصياغة مشروع جماعي قائم على المصالح والقيم الانسانية المشتركة.

العربي الجديد

——————————–

لكن… متى ستتوقّف هذه الحرب؟/ ماجد كيالي

لا يمكن استبعاد السيناريو المتمثل بتغيير سياسي من داخل النظام

17 أبريل 2026

لا يوجد في المعطيات والوقائع والاعتبارات السياسية والأمنية والمعنوية السائدة ما يرجّح توقف الحرب الأميركية-الإيرانية، ما يعني أن هذه الحرب ستستمر، بطريقة أو بأخرى، إلى أن تصل إلى النهايات المحددة أو المرجوة لها، من زاوية وجهة نظر الطرفين المعنيين، أي الولايات المتحدة أو إيران.

بيد أن هذا الاستنتاج لا يعني أن ثمة مساواة بين الطرفين المذكورين، نسبة للفرق الهائل في موازين القوى، العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية والتكنولوجية، لصالح الولايات المتحدة، وبسبب أن النظام الإيراني يصارع على وجوده، بغض النظر عن الخراب أو الضرر الذي يصيب شعبه وبلده، بينما الولايات المتحدة بعيدة جدا ولا تتأثر مباشرة بالحرب، رغم تأثرها من ناحية اقتصادية، علما أنها تأثيرات يمكن لها تحمّله أو تعويضها.

أيضا، ما يجب ملاحظته أن القيادة الإيرانية تخوض الحرب من وجهة نظر قدرية، أي غير واقعية، وهي تحتسب مجرد بقائها طول هذه الفترة، ورغم الحرب والحصار والدمار، بمثابة انتصار على الولايات المتحدة، في حين أن هذه لا تلقي بالا لتلك الادعاءات وتواصل تدميرها البني التحتية لإيران ومفاصل قدراتها العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية.

ما تقدم يفيد بأن الولايات المتحدة تخوض حربها ضد إيران بقواها العسكرية (نصف الإنفاق العالمي على التسلح) والتكنولوجية والاقتصادية، وقد حشدت معظم دول العالم في جهتها، في حين تخوض القيادة الإيرانية الحرب متسلحة بقوة الإرادة، التي تبين أنها لا تفيد في حماية شعب إيران، ولا في تحصين عمرانها، ولا حتى في حماية قياداتها.

القصد أن استمرار الحرب، بهذه الوتيرة أو تلك، يؤدي إلى استنزاف إيران، وتقويض قواها، وهنا لا ينفع لا نموذج فيتنام، ولا أفغانستان، إذ إن إيران تختلف عن الاثنتين، من مختلف النواحي، إضافة إلى أنها بالنسبة للولايات المتحدة أكثر أهمية من كل النواحي، خاصة الاقتصادية والأمنية، ومن ناحية تعزيز مكانتها في العالم وفي الشرق الأوسط، وضمن ذلك حماية مصالح أصدقائها في الغرب، وفي آسيا، وفي الخليج العربي، إضافة إلى إسرائيل.

هكذا، فإن كل تلك العوامل ترجح أن إدارة ترمب ستواصل حربها ضد إيران إلى حين وصولها إلى غايتها، أي نزع قدراتها النووية، وتحجيم قوتها من الصواريخ الباليستية، وفك ارتباطها بأذرعها الميليشياوية في الإقليم، خصوصا “حزب الله” في لبنان، والحوثيين في اليمن، ووقف تهديدها لأصدقائها في المنطقة، وكف يدها عن التحكم في مضيق هرمز.

تبعا لذلك، فإن هذه الحرب التي بدأت بقرار أميركي (وإسرائيلي ضمنا)، أي من إدارة ترمب، لا يمكن أن تتوقف إلا بقرار من تلك الإدارة التي تتحكم أيضا بمسارات تلك الحرب ومستوياتها ومجالاتها.

معنى ذلك أن النظام الإيراني، الذي ظل لعقدين من الزمن يستثمر بفترة السماح الأميركي بتدخلاته وسياساته في العراق وسوريا ولبنان، وبابتزازه دول الخليج، ويستثمر فيها، لفترة من الزمن، والذي حرص خلالها على النأي بنفسه عن أي صراع عسكري مع إسرائيل، أو الولايات المتحدة، تاركا الأمر لأذرعه الميليشياوية، كما حصل بتجنبه أي تدخل في حرب الإبادة الإسرائيلية ضد غزة، أو عن حرب إسرائيل ضد “حزب الله” في لبنان (أواخر 2024)، بات اليوم فاقد القدرة على القيام بأي دور، بل وبات هدفا للحرب، والعزل والحصار.

وفي هذه الحرب لم يعد لدى النظام الإيراني ما يفعله، سوى إطلاق الصواريخ، هنا وهناك، ومحاولة إغلاق مضيق هرمز، علما أن الأولى، أدت إلى زيادة منسوب قصف إيران، وتدمير منشآتها الحيوية، بينما نتج عن الثانية فرض الولايات المتحدة حصارا على مضيق هرمز، مستهدفا الموانئ الإيرانية، وإغلاق ممر إيران البحري.

يستنتج من ذلك أن هذه الحرب ستتوقف عاجلا أم آجلا، لكن ذلك سيحصل، على الأرجح، إما بانتصار طرف على طرف آخر، بالوسائل السياسية أو العسكرية، وإما نتيجة شعور طرف بالتعب، أو شعوره بأن ضرر الحرب أكبر من العوائد التي يمكن أن يجنيها منها، أو بنتيجة استجابة طرف لشروط الطرف الآخر، أو بتحول الولايات المتحدة نحو تمثل السيناريو العراقي، أي إبقاء إيران في دائرة الحصار والعزل والاستنزاف لإخضاعها، أو التخلص من النظام فيها، وهو ما حصل في العراق بين 1991-2003.

طبعا، لا يمكن استبعاد السيناريو المتمثل بتغيير سياسي من داخل النظام الإيراني ذاته، والاستجابة للشروط الأميركية، لإنقاذ نفسه، وإنقاذ إيران، بيد أن هذا الاحتمال يبقى الأضعف، لأن بنية النظام لا تحتمل أي تغيير، وهذا ما حصل مع النظام السوري، ومجمل الأنظمة الصلبة، التي تتغطى بأيديولوجيا شمولية، وترى في نفسها وكيلة عن الشعب، أو الأمة، أو أنها هي الشعب وهي البلد، وأن مصيرهما مرتبط بمصيرها؛ أي إن مصير النظام الإيراني، يتماثل إلى حد كبير مع مصير النظامين السوري والعراقي، أكثر من أي مثال آخر.

في دلالة على كل ما تقدم يمكن ملاحظة أن النظام الإيراني الذي كان يتحدى الولايات المتحدة، بإزاحتها، أو تحجيمها لصالح عالم متعدد الأقطاب، والذي كان ينظّر لإمكانه القضاء على إسرائيل باعتبارها أوهن من خيوط العنكبوت، وأنه يهيمن على عدة عواصم عربية، لم يعد لديه ما يفعله سوى قصف بلدان الجوار (خُمس الصواريخ والمسيّرات فقط يستهدف إسرائيل)، ومحاولة إقفال مضيق هرمز، الذي نجم عنه ورطته بالحصار الأميركي للمضيق وللموانئ الإيرانية، وغضب عالمي من عملية الإقفال، ناهيك عن ضرره الكبير لإيران ذاتها.

أيضا، بعد أن كان النظام الإيراني يشترط وقفا نهائيا لا مؤقتا للحرب، ويرفض أي تنازل عن حقه بامتلاك القدرة النووية، والصواريخ الباليستية، ويتمسك بمبدأ وحدة الساحات، أي دعم الميليشيات الحليفة له، ويطالب برفع العقوبات الأميركية المفروضة عليه، ويحاول فرض إتاوة على السفن العابرة للمضيق، بات يطلب الوساطات، والمفاوضات، لإيجاد حلول يمكن أن توقف الحرب الأميركية.

للأسف، مشكلة النظام الإيراني، كما النظامين العراقي والسوري سابقا، أنه أدخل شعبه وبلده في مغامرات وتحديات ومخاطر أكبر من قدراته الفعلية الظاهرة أو الكامنة، بحيث خسر مكانته الإقليمية، وبات مهددا بأن يخسر بلده، وأن يخسر ذاته، لذا ربما إن ما تبقى له أن يتخذ الخطوة المناسبة التي تمكنه من تجنيب بلده وشعبه مزيدا من المخاطر، بعيدا عن التورط في ثنائية الانتصار أو الهزيمة.

المجلة

——————————-

تهديد ايران لموانيء الخليج/ عبد الرحمن الراشد

(الحصار أهم خطوة في الحرب لكن له ثمنه)

17 أبريل ,2026

منذ توقف المفاوضات في إسلام آباد لم يتوقف كل القتال. والتطور الأخطر من ذلك قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض حصار على التجارة البحرية الإيرانية، وهو ما أربك المشهد، خاصة مع إعلان إيران عزمها استهداف موانئ الخليج.

ميدانيًا، تتقدم القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، وكل نجاح هناك يضعف قدرات إيران تفاوضيًا ومعنويًا.

فقد أكملت السيطرة على نحو ثلث مساحة لبنان، وتوشك كذلك على الاستيلاء على ثلاثة من أهم معاقل حزب الله العسكرية: بنت جبيل، والخيام، وطيبة.

ونتيجة للحرب، تجرأت الحكومة اللبنانية على اتخاذ خطوة تاريخية بالتفاوض المباشر مع إسرائيل، متمردة على تهديدات حزب الله.

أما الإيرانيون، فبعد فرض الحصار عليهم، عادوا سريعًا يطلبون استئناف التفاوض مع الولايات المتحدة، ما يشير إلى استعدادهم لتقديم تنازلات.

يبقى الحصار هو السلاح الأخطر على طهران؛ إذ إن منع تجارتها البحرية قادر على إضعاف النظام، بل ربما إسقاطه إذا استمر لفترة كافية وبالصرامة المعلنة. غير أن خنق إيران بحريًا له كذلك تداعياته، إذ قد يعيد إشعال الحرب الكبرى من جديد.

في خطوة مدروسة، أعلن الرئيس ترمب بدء محاصرة موانئ بندر عباس وبوشهر وبقية الموانئ على ساحل الخليج وبحر عمان، ومنع السفن من وإلى إيران داخل مضيق هرمز، مما سيتسبب في خسائر إيرانية تُقدَّر بنحو نصف مليار دولار يوميًا، فضلًا عن إضعاف موقفها السياسي.

وكانت طهران تستخدم تهديدها بإغلاق المضيق كورقة تفاوضية تضغط بها على دول الخليج والاقتصاد العالمي فإذا بها تصبح محاصرة.

ومن التداعيات المحتملة تهديد النظام الإيراني بأنه سيرد على الحصار بضرب الموانئ الخليجية، منذرا بالعودة إلى سياسة “التدمير المتبادل”.

وقد أثبتت طهران سابقًا جدية تهديداتها عندما ألحقت أضرارًا بمنشآت مدنية حيوية في ست دول خليجية، إضافة إلى العراق والأردن.

فهل تستطيع دول الخليج تحمل المزيد من الخسائر إذا استُهدفت موانئها، التي تُعد عصب حياتها الاقتصادية، ومنها تُصدَّر النفط والغاز والمنتجات البتروكيماوية إلى العالم؟

في الحروب، لا تتوفر دائمًا خيارات مثالية؛ فقد قامت دول الخليج بكل ما يمكن لتجنب المواجهة، واضطرت القوات الأميركية لتنفيذ عملياتها العسكرية من أساطيلها البحرية وقواعدها خارج الخليج. واعتمدت بدائل للمرات الجوية السعودية وأخلت قاعدتها في العديد القطرية قبل الحرب.

ومع ذلك، اختارت طهران استهداف منشآت الخليج لرفع الكلفة الاقتصادية عالميًا، وقد نجحت في ذلك بالفعل، إذ تضاعفت أسعار النفط والغاز، وارتفعت تبعًا لذلك تكاليف النقل والطيران والمنتجات المرتبطة بالطاقة.

لهذا، من المرجح أن تكرر إيران هذا النهج، وتستهدف دول الخليج مجددًا ان استمر الصراع ولم يعد المتفاوضون للحوار.

الاعتبارات الأميركية تقوم على حساب كلفة الألم على الجانبين،

وتقدير المدة الزمنية التي قد تدفع طهران إلى تقديم تنازلات تحت ضغط الحصار، إضافة إلى تقييم قدرتها العسكرية بعد الهدنة،

من حيث ما تبقى من أسلحتها، وقدرتها على إطلاق المزيد من الصواريخ ودقة إصابتها.

في المقابل، نعلم أن طهران مثخنة كثيراً بالجراح بعد حرب استمرت 38 يومًا، ويهددها فراغ في القيادة،

إلى جانب ضعف أذرعها الإقليمية، كما يظهر في لبنان.

فهل تقرر، رغم كل ذلك، المضي في لعبة “عض الأصابع”؟

قد تتمكن إيران من إلحاق أضرار كبيرة بالمرافق البحرية والنفطية الخليجية، لكن الفارق ان هذه الدول قادرة على التعافي وإصلاح ما يُدمَّر واستيعاب الخسائر.

أما إيران، فتقامر ببقاء النظام نفسه، وهي مخاطرة كبرى في هذه الجولة.

وقد أثبتت واشنطن استعدادها للاستمرار في القتال. فالخيار الأمثل لترمب هو مواصلة الضغط العسكري حتى يفرض على النظام الإيراني القبول بشروطه، بما يسمح له بإعلان النصر سياسيًا.

خاصة أن خسائر القوات الأميركية محدودة جدًا في هذه الحرب، 13 قتيلا نصفهم ماتوا في حادث تحطم طائرة في العراق.

إسرائيل تميل إلى استمرار الحرب، بهدف دفع إيران إلى تقديم تنازلات أكبر مما قد تحققه واشنطن عبر التفاوض. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الإسرائيليين ليسوا ضد الحرب ومستعدون لتحمل المزيد من الخسائر إذا كان ذلك سيُنهي التهديد الإيراني على المدى الطويل.

لا يمكن ان ننهي النقاش بدون الحديث عن القيادة الإيرانية الجديدة، تبدو متشددة في ظاهرها، انما هي من أبدت الرغبة في العودة إلى التفاوض وهذه علامة جيدة وتعكس مصلحتها في تجنب خيار الدمار والمغامرة بكيان النظام نفسه. لذلك، قد يصبح استمرار الحصار واستئناف التدمير أقل احتمالًا إن عاد فانس، الوفد الأميركي، وغاليباف، الوفد الإيراني، إلى طاولة المفاوضات.

———————————

 العلاقات الخليجية الإيرانية.. بين الإرث التاريخي وصراعات الحاضر/ حسان الأسود

2026.04.17

لم تكن العلاقات العربية وخاصة الخليجية منها مع إيران يومًا علاقة عابرة أو محكومة بظرف سياسي آني، بل هي نتاج تراكمي لتاريخ طويل من التفاعل المعقّد، الذي امتزجت فيه عناصر القوة، والهوية، والدين، والجغرافيا.

وإذا كان من الصعب اختزال هذه العلاقة في ثنائية صراعٍ أو تعاونٍ، فإنّ التوتر ظلّ السمة الأبرز التي حكمت مسارها عبر القرون. في الحقبة السابقة للإسلام، كانت الإمبراطورية الفارسية تمثل إحدى القوى الكبرى في العالم القديم، وقد بسطت نفوذها على مناطق واسعة، من بينها أجزاء كبيرة من المشرق العربي، ولا سيما العراق. في المقابل، كان العرب يعيشون في إطار قبلي مشتت، يفتقر إلى مركزية سياسية موحّدة، ما جعلهم عرضة للتأثيرات الخارجية، ومنها النفوذ الفارسي. غير أنّ التحول الجذري جاء مع ظهور الإسلام، حيث انقلب ميزان القوة التاريخي. فقد انتقلت المبادرة من الفرس إلى العرب، وتمكّن المسلمون من إسقاط الإمبراطورية الساسانية، لتدخل بلاد فارس في إطار الدولة الإسلامية. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير سياسي، بل حمل في طياته تحوّلًا حضاريًا عميقًا، تمثل في سيادة الإسلام دينًا والعربية لغةً، وكلاهما هوية جامعة، وهو ما ترك أثرًا نفسيًا وثقافيًا ممتدًا في الوعي الإيراني.

هذا التحول التاريخي أسهم في نشوء ما يمكن تسميته بالذاكرة المتوترة، حيث لم تُمحَ الهويات السابقة بالكامل، بل أعادت إنتاج نفسها في أشكال جديدة. وهنا يمكن فهم التحول نحو التشيّع في العصر الصفوي ليس فقط باعتباره خيارًا دينيًا، بل أيضًا بوصفه أداةً لبناء هويةٍ متميزةٍ عن المجال السني عامّة العربي خاصّة. وقد شكّل هذا التمايز أحد أهم مرتكزات الصراع الرمزي بين الطرفين، حيث أصبح الانقسام المذهبي غطاءً لصراع أعمق ذي أبعاد قومية وثقافية. لا شكّ بأنّ الصراعات الاجتماعية والسياسية غالبًا ما تتخذ أشكالًا دينية أو مذهبية أو طائفية أو حتى ثقافية، بينما تخفي في جوهرها تنافسًا على السلطة والهوية والمصالح.

لم يكن هذا التوتر مقتصرًا على البعد التاريخي أو الثقافي، بل استمر في التشكل ضمن بنية النظام الدولي الحديث. ففي القرن العشرين، ومع صعود الدولة الوطنية، أعيد إنتاج الصراع العربي الإيراني ضمن إطار جيوسياسي جديد، حيث باتت إيران تسعى للعب دور إقليمي مؤثر، مستندة إلى مزيج من القوة الصلبة عسكريًا والقوة الناعمة أيديولوجيًا. كانت إيران الشاه تعتبر ذاتها شرطي المنطقة، وبعد وصول الخميني ونظام الحكم الثيوقراطي إلى السلطة، نهجت إيران الرسمية طريق تصدير الثورة لدول الجوار، واتبعت سياسة التخريب الداخلي لتفتيت بنية المجتمعات المحيطة من خلال التبعية المذهبية المطلقة للولي الفقيه باعتباره ممثل الإمام المنتظر، الذي هو ممثل الإسلام الحقيقي استنادًا إلى فكرة أحقية آل بيت الرسول بالحكم دونًا عن غيرهم. استطاعت إيران السيطرة على العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003 من خلال هذه الفكرة بالذات، فالموالون لها من الشيعة العراقيين قبلوا على أن أنفسهم أن يلعبوا دور حصان طروادة لتمكين نظام الملالي من حكم بلادهم، فكان أن تحوّل العراق القويّ الغني لبلد فقير ضعيف مفتت تحكمه الميليشيات وتقتله الطائفية البغيضة.

في العقود الأخيرة، اتخذت العلاقة بين إيران ودول الخليج العربية طابعًا أكثر تعقيدًا. فمن جهة، نشهد تشابكًا اقتصاديًا واضحًا. فقد ظلت الإمارات العربية المتحدة حتى عام 2024 الشريك التجاري الأول لإيران في المنطقة، بحجم تبادل تجاري يتراوح بين 20 و25 مليار دولار سنويًا. كما أن التداخل السكاني يعكس مستوى من الاعتماد المتبادل، حيث يعيش مئات الآلاف من الإيرانيين في دول الخليج، ويشكلون قوة اقتصادية معتبرة، خاصة في قطاعي التجارة والعقارات. لكن في المقابل يشكل هذا الحضور السكاني خطرًا محتملًا على دول الخليج العربي إذا ما تأججت الصراعات القومية والمذهبية، وهذا ما يجب على دول المنطقة التنبّه له والبدء بمعالجته. باختصار، تتصاعد المخاوف الأمنية بشكل ملحوظ، فقد كشفت التطورات الأخيرة، ومنها إعلان الكويت وقطر والبحرين عن تفكيك خلايا إرهابية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وحزب الله. ينمّ هذا عن استمرار البعد الأمني كعامل حاسم في تشكيل السياسات الخليجية تجاه إيران. هذه الحوادث لا تُقرأ بمعزل عن سياق أوسع من الصراع غير المباشر، الذي تخوضه إيران عبر شبكات نفوذ إقليمية، وهو ما يعزز مناخ عدم الثقة ويعمّق الانقسام.

في هذا الإطار، لا يمكن فهم السلوك الإيراني دون التوقف عند طبيعة الحركات الأيديولوجية التي تسعى إلى إعادة تشكيل الواقع وفق رؤية شمولية. فكما تعلّمنا دروس الحياة، فإنّ مثل هذه المشاريع غالبًا ما تستند إلى شعور تاريخيٍ دفينٍ بالغُبْنِ أو الرغبة في استعادة مجدٍ مفقود، وهو ما يدفع الإيرانيين إلى التوسع خارج حدود بلادهم الطبيعية. حاولت دول الخليج العربي على الدوام خلق توازنٍ مع الجار الإيراني، فطوّرت بداية علاقات مميزة مع بريطانيا العظمى، ثم تحوّلت لعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية. ورغم استمرار الأخيرة كحليف عسكري رئيسي لدول الخليج، إلا أن هذه الدول باتت تنتهج سياسة التحوّط الاستراتيجي، عبر تنويع شراكاتها الدولية. فقد عززت علاقاتها مع الصين، التي أصبحت المستورد الأول للنفط الخليجي، كما طورت تعاونها مع روسيا، خاصة ضمن إطار أوبك بلس. من جهة ثانية عقدت دول عديدة منها اتفاقيات دفاع مشترك مثل تلك التي وقعتها السعودية مع باكستان وقطر مع تركيا.

في المحصلة، تبدو العلاقات العربية الإيرانية محكومة بثلاثة مستويات متداخلة: تاريخي يعيد إنتاج الذاكرة والصور النمطية، ومذهبي يوظف الدين كأداة تعبئة، وجيوسياسي تحكمه المصالح وتوازنات القوة. وهذا التداخل يجعل من الصعب الوصول إلى تسوية مستقرة، إذ إنّ الصراع لا يدور فقط حول النفوذ، بل حول تعريف الهوية ودورها في المنطقة. ومع ذلك، فإنّ قراءة مستقبل هذه العلاقة لا ينبغي أن تكون حتمية أو تشاؤمية بالكامل. فالتجارب التاريخية تثبت أن الصراعات الطويلة يمكن أن تتحول إلى شراكات حين تتغير المصالح وتُعاد صياغة الأولويات. غير أنّ ذلك يتطلب تجاوز البنى الذهنية التقليدية، والانتقال من منطق الصراع الصفري إلى منطق التوازن والتعايش، وهو تحدٍ ما يزال بعيد المنال في ظل المعطيات الراهنة. لكنّ هذا يفرض على دول الخليج النظر إلى العلاقة مع إيران بعيونٍ جديدة خاصّة مع ما أفرزته الحرب الأخيرة من عدوانٍ إيراني ظاهرٍ جليّ لا يمكن إخفاؤه بأي ستار. على دول الخليج العربي أن تبدأ بالنظر ليس فقط إلى ما يمكن أن تقوم به إيران، بل إلى ما عليها هي ذاتها القيام به لتحصين أمنها القومي. ما يجب أن تعتمد عليه دول الخليج العربي بعد الحرب الأخيرة ليس انتظار تغيّر سلوك إيران تجاهها، بل البدء ببناء منظومة خليجية مصغّرة وعربيّة موسّعة لضمان أمنها القومي على المدى البعيد.

تلفزيون سوريا،

——————————

هل تنجح واشنطن وطهران في صياغة اتفاق «نصر» للطرفين؟

ترمب «أغضب الجميع»… وإيران «تمر بمرحلة ضعف إقليمي غير مسبوقة»

واشنطن: «الشرق الأوسط»

16 أبريل 2026 م

لا يبدو أن أمام الولايات المتحدة وإيران خياراً كبيراً سوى التوصل إلى اتفاق. ويشير تحليل لشبكة «سي إن إن» إلى أن هذه الحقيقة غير المعلَنة، منذ اندلاع الحرب، تبدو أكثر وضوحاً في الأيام الأخيرة من وقف إطلاق النار.

بالنسبة لواشنطن، بدت الجولة الأولى من المحادثات في إسلام آباد، رغم طولها، وكأنها تحرُّك مدروس لتعزيز أوراق الضغط الأميركية. وجاء فرض الحصار على الموانئ الإيرانية سريعاً؛ ما يشير إلى أن هذا التصعيد كان مطروحاً مسبقاً، وفق التحليل.

ووفق التحليل، فرغم أن تأثير الحصار الاقتصادي سيحتاج إلى وقت ليظهر بالكامل، فإن تحقيقه حتى نسبة 60 في المائة من أهدافه كفيل بإلحاق ضرر إضافي باقتصاد طهران، وكذلك بحلفائها، مثل الصين، المعتمدين على نفطها.

ضغوط سياسية تدفع نحو الاتفاق

وترى «سي إن إن»، أن فرص نجاح جولة ثانية من المحادثات تزداد مع تزايد الضغوط السياسية على الطرفين؛ فالرئيس الأميركي دونالد ترمب يعلن صراحة رغبته في التوصل إلى اتفاق، ويؤكد أن إيران ترغب بذلك أيضاً.

لكن، ومع ارتفاع التضخم وأسعار الوقود، واحتجاجات قاعدته الشعبية، يبدو أن ترمب في حاجة ملحّة إلى إنجاز اتفاق.

في المقابل، يظل من الصعب تحديد ما إذا كانت مواقفه المتقلبة تعود إلى أسلوب تفاوضي غير تقليدي أم إلى ارتباك، ويشير التحليل في هذا المجال إلى أن إرباك الخصم له حدود، وقد يعطي انطباعاً بالفوضى أو اليأس، ما يعكس حجم الحاجة إلى اتفاق.

إيران: صمود ظاهري

إيران، رغم خطابها القوي وقدرتها على إظهار التحدي تبدو في وضع أكثر إلحاحاً للسعي إلى اتفاق، حسبما أوضح التحليل، مشيراً إلى أن الدعاية لا تعكس الواقع، والضربات التي استهدفت أكثر من 13 ألف هدف تركت آثاراً كبيرة على قدراتها.

والأضرار الناتجة عن 39 يوماً من القصف واضحة، في حين تعاني مؤسساتها العسكرية والأمنية من خسائر كبيرة. ورغم تصاعد خطاب التشدد، فإن ذلك لا يلغي التحديات الكبيرة التي تواجهها في إدارة الدولة وإعادة بناء قدراتها.

ضعف إقليمي غير مسبوق

وبحسب التحليل، فإن إيران تستمد جزءاً من قوتها الظاهرة من قدرتها على الصمود، لا من انتصار عسكري حاسم، لكنها تمر بمرحلة ضعف إقليمي غير مسبوقة، بعد أن دخلت في مواجهات مع عدد من جيرانها. كما أن مواقف الدول المحيطة بها تتسم بالحذر أو الانقسام؛ ما يجعل البيئة الإقليمية أقل تقبلاً لها.

اتفاق ممكن… والخلاف على التفاصيل

في ظل هذه المعطيات، يرى التحليل أن العودة إلى مواجهة شاملة أقل احتمالاً من التوصل إلى تسوية تفاوضية، خصوصاً مع تقارب مواقف الطرفين، بعد جولة محادثات استمرت 16 ساعة في باكستان.

ويتفق الجانبان على إعادة فتح مضيق هرمز، في ظل تراجع قدرة طهران على استخدامه كورقة ضغط بسبب الحصار الأميركي.

وبات الخلاف يتركز أكثر على التفاصيل، لا على جوهر الاتفاق.

الملف النووي: أرقام قابلة للتسويات

ويتفق الطرفان على وقف تخصيب اليورانيوم، لكن الخلاف يدور حول مدة هذا التعليق؛ إذ تطالب إيران بخمس سنوات، بينما تسعى واشنطن إلى 20 عاماً. ووفق «سي إن إن»، تبدو هذه الفجوة قابلة للتسوية عبر حلول وسط.

كما تراجعت قدرات إيران النووية بفعل الضربات، بينما يبقى ملف مخزون اليورانيوم المخصَّب قضية مرتبطة بالسيادة، ويمكن التعامل معه عبر آليات رقابة دولية.

كيف يمكن لواشنطن وطهران تسويق أي اتفاق على أنه انتصار لكل طرف؟

ولا تبدو نقاط الخلاف المتبقية أمام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران عقبات مستعصية، بل أقرب إلى تفاصيل صغيرة تتعلق بالكبرياء والتموضع. ولا يمكن لأي من الطرفين قبول اتفاق لا يستطيعان الادعاء بأنه انتصار، وفق التحليل.

ويوضح أن إيران تشعر بأن قدرتها على الردع العسكري لا تزال قائمة، وأنها أظهرت ما يكفي من القوة والقدرة على الإزعاج بحيث تجعل أي هجوم جديد أقل احتمالاً، لا أكثر.

بالمقابل، أغضب ترمب تقريباً الجميع خلال الشهرين الماضيين(من البابا ليو إلى إسرائيل)، وهو بحاجة إلى الخروج من أول حرب كبرى يختارها باتفاق يمكن لأنصاره (السابقين) أن يقدموه على أنه أفضل من العالم الذي كنا نعيش فيه قبل 28 فبراير (شباط)، أي قبل اندلاع الحرب، رغم اقتراب الاقتصاد العالمي من الركود وتضرر أسواق الطاقة، وفق التحليل.

وبالتالي، يشير التحليل إلى أن سؤالين سيلاحقان ترمب: هل يبدو أي اتفاق شامل مع إيران أفضل من الاتفاق الذي وقّعه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في عام 2015، والذي ألغاه ترمب في ولايته الأولى؟

ووفق التحليل، سيكون من الصعب تحديد ذلك؛ فالبنية التحتية النووية الإيرانية تعرضت لدمار كبير، ويسعى ترمب إلى تركها دون مواد مخصبة أو القدرة على إنتاج المزيد، وهو هدف يبدو في متناول اليد.

أما السؤال الثاني، فيتعلق بشكل إيران التي ستخرج من هذه الحرب: دولة أضعف بكثير، ومتضررة، وبنية تحتية قد تحتاج إلى جيل كامل للتعافي. لكن قدرتها على الصمود واضحة، ومن المرجح أن تكون الحرب، خلال العام الماضي، قد أنهت أي أصوات معتدلة كانت ترى أن إيران لا تحتاج إلى وسائل قوية للدفاع عن نفسها.

ويختم التحليل متوقعاً أن يتمكن ترمب من التوصل إلى اتفاق يقلّص قدرة إيران على تطوير سلاح نووي. لكن التداعيات غير المقصودة لأول حرب كبرى يختارها بدأت بالظهور بالفعل. وأولى هذه التداعيات أن المتشددين في إيران يشعرون، بلا شك، بأنهم بحاجة إلى سلاح نووي الآن أكثر من أي وقت مضى.

—————————–

كيف يمكن لأميركا تطهير مضيق هرمز من الألغام؟

الولايات المتحدة ربما تستخدم طائرات مسيرة وروبوتات لإزالتها بطريقة أكثر أماناً

رويترز

 17 أبريل 2026

من المرجح أن تتضمن العملية الأميركية البحث عن الألغام باستخدام مركبات سطحية وتحت مائية غير مأهولة مزودة بأجهزة استشعار. وبمجرد اكتشاف جسم يشبه اللغم، يتم عادة نقل البيانات إلى الطواقم العاملة خارج حقل الألغام، والتي تتعرف على الجهاز، ثم تحدد كيفية تحييده.

مع بدء الولايات المتحدة مهمة إزالة الألغام من مضيق هرمز قد تلجأ إلى ترسانة من المسيرات والروبوتات الملغومة والطائرات الهليكوبتر للحد من الأخطار إلا أن فرق إزالة الألغام ربما تظل عرضة للهجمات الإيرانية.

وتحاول الولايات المتحدة تطهير المضيق من الألغام في إطار جهود وضع حد لعرقلة ​إيران لحركة الملاحة في الممر المائي، والتي أدت إلى تعطل إمدادات الطاقة العالمية بشدة منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية على إيران في نهاية فبراير (شباط).

لكن مع استعانة الولايات المتحدة بالتكنولوجيا الحديثة للبحث عن الألغام وإزالتها من بُعد، يرى ضباط سابقون في البحرية ومتخصصون في هذا المجال أن تطهير ممر مائي استراتيجي مثل مضيق هرمز من الألغام ستظل عملية بطيئة ومتعددة الخطوات.

وأعلن الجيش الأميركي مطلع هذا الأسبوع بدء عملية إزالة الألغام، حيث أرسل سفينتين حربيتين عبر المضيق، لكنه لم يقدم سوى القليل من التفاصيل في شأن المعدات المستخدمة. وقال السبت الماضي إن قوات إضافية، بما في ذلك مسيرات تعمل تحت الماء، ستنضم إلى هذه الجهود في الأيام المقبلة.

وكانت “رويترز” نقلت الشهر الماضي عن مصادر مطلعة قولها إن إيران نشرت أخيراً نحو 12 لغماً في مضيق هرمز. ومن غير المعروف بصورة علنية موقع تلك الألغام.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب مطلع هذا الأسبوع إن جميع سفن إيران التي تزرع الألغام ‌تم إغراقها، لكن ‌بعض المتخصصين يقولون إن هناك خطراً من أن تكون طهران نشرت معدات إضافية.

وقال الأميرال السابق بالبحرية ​البريطانية ‌جون ⁠بنتريث الذي تقاعد ​ويعمل ⁠حالياً مستشاراً إن حرب الألغام فعالة لأن الأدوات رخيصة، وإزالتها مكلفة، و”حتى مجرد التهديد بوجود حقل ألغام يكفي لإيقاف السفن، بخاصة السفن التجارية”.

تطور عمليات إزالة الألغام

تقليدياً، كانت البحرية الأميركية تعتمد على سفن إزالة الألغام المأهولة التي تدخل حقول الألغام فعلياً، مستخدمة أجهزة السونار لتحديد مواقع الألغام ومعدات ميكانيكية تسحب خلف السفينة لإزالة المتفجرات، مدعومة أحياناً بغواصين بشريين. ومعظم هذه النوعية خرجت من الخدمة.

وجرى استبدال سفن أخف وزناً بها تعرف باسم سفن القتال الساحلية، والتي تحمل معدات حديثة لكشف الألغام مثل المسيرات التي تعمل بصورة شبه ذاتية فوق وتحت الماء، إضافة إلى الروبوتات التي يتم التحكم فيها من بُعد، والتي تتيح للطواقم الابتعاد عن حقل الألغام. ولدى البحرية ثلاث سفن من هذا النوع قيد الانتشار.

وأفاد مسؤول أميركي رفيع المستوى في أواخر مارس (آذار) الماضي بأن اثنتين من هذه السفن تخضعان للصيانة في سنغافورة. وأضاف المسؤول أنه ⁠في ذلك الوقت كانت قدرات الولايات المتحدة على إزالة الألغام في الشرق الأوسط تشمل مركبات غير مأهولة ‌تحت الماء، وأربع سفن تقليدية من فئة “أفنجر”، وطائرات هليكوبتر، وغواصين.

ولم ترد البحرية الأميركية على ‌طلب للتعليق في شأن قدراتها الحالية في إزالة الألغام في الشرق الأوسط. ورفضت القيادة المركزية الأميركية تقديم مزيد ​من التفاصيل.

ويرى مسؤولون سابقون في البحرية ومتخصصون آخرون أن طهران ‌لديها أنواع عدة من الألغام البحرية. تشمل هذه الألغام الألغام القاعية التي تستقر على قاع البحر وتنفجر عندما تمر السفن فوقها، والألغام المربوطة التي يتم ‌تثبيتها، ولكنها تطفو بالقرب من السطح، والألغام العائمة التي تتحرك بحرية على الماء، والألغام اللاصقة التي تلتصق مباشرة ببدن السفينة.

من المرجح أن تتضمن العملية الأميركية البحث عن الألغام باستخدام مركبات سطحية وتحت مائية غير مأهولة مزودة بأجهزة استشعار. وبمجرد اكتشاف جسم يشبه اللغم، يتم عادة نقل البيانات إلى الطواقم العاملة خارج حقل الألغام، والتي تتعرف على الجهاز، ثم تحدد كيفية تحييده.

وتشمل قدرات البحث لدى البحرية الآن مركبات سطحية وتحت مائية غير مأهولة مزودة بأجهزة سونار، بالإضافة إلى طائرات هليكوبتر تستخدم لاكتشاف الألغام القريبة من السطح، ‌وفقاً لما ذكره مسؤولون سابقون في البحرية.

وذكرت شركة “بي أي إي سيستمز” المتخصصة في مجال الصناعات الدفاعية أنه من أجل نجاح البحرية في تدمير الألغام سيتعين عليها نشر أنظمة مثل (أرشرفيش) طوربيدي الشكل، المعتمد على جهاز يتم تشغيله من ⁠بُعد يبلغ طوله نحو مترين ويحمل ⁠شحنة متفجرة ويرسل مقاطع فيديو إلى المشغلين عبر كابل. وتبلغ كلفته عشرات الآلاف من الدولارات ومعد للاستخدام لمرة واحدة.

وقال ضابط البحرية الأميركية المتقاعد والحاصل على درجة الزمالة من معهد هدسون بريان كلارك إن الولايات المتحدة يمكنها أيضاً استخدام قوارب مسيرة تسحب زلاجات لإزالة الألغام تعمل على تفجيرها أو جمعها. ويقول المتخصصون إنه يتم أحياناً استخدام غواصين بشريين، بما في ذلك لجمع المعلومات الاستخباراتية.

عملية بطيئة

قال كلارك إن تطهير المضيق من الألغام قد يستغرق أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، وقد تؤدي هجمات إيرانية على طواقم إزالة الألغام إلى إبطاء العملية وزيادة الأخطار. ونتيجة لذلك، قال إن الجيش الأميركي قد يتخذ تدابير دفاعية منها نشر الزوارق والطائرات المسيرة لحماية الطواقم والمعدات.

وقال رئيس العمليات البحرية الأميرال الأميركي داريل كاودل في مارس إن “العثور على الألغام وتدميرها يستغرق وقتاً طويلاً”. وأضاف أن ذلك يجعل القدرة على إزالة الألغام “ضعيفة”.

ويقول متخصصون إن هناك تقنيات جديدة قيد التطوير لتسريع عملية إزالة الألغام، لا سيما من خلال التطورات في أجهزة الاستشعار المستخدمة في الرصد.

وتقول مجموعة “تاليس” الفرنسية للتكنولوجيا والدفاع إن أحدث أجهزة السونار الخاصة بها يمكنها فحص ما يشتبه في أنها ألغام من ثلاث زوايا مختلفة في مسح واحد، وهي عملية تتطلب عادة مسحات عدة.

وتتيح التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي إجراء مزيد من تحليلات البيانات على متن السفن غير المأهولة.

وعلى ​المدى الطويل، يصل سقف الطموح إلى نشر مجموعات من الأنظمة غير المأهولة ​التي يمكنها البحث عن الألغام وتحديدها وتدميرها، بدلاً من أن تكون عملية متعددة الخطوات.

وقال مارك بوك، وهو ضابط متقاعد في البحرية الأميركية يشغل حالياً منصب نائب رئيس تطوير الأعمال المرتبطة بالبحرية الأميركية في شركة تاليس “هذا الأمر غير موجود اليوم، لكنه ما تسعى جميع الدول إلى تحقيقه الآن”.

————————————–

من سيتنازل أولا: التوصل إلى اتفاق أمريكي- إيراني يحتاج إلى وقت وكلاهما خاسر في معركة الإرادات الاقتصادية

قالت مجلة “إيكونوميست” في تقرير نشرته بعددها الجديد إن الحرب في الخليج قد دخلت مرحلة من عدم اليقين، فقد توقف القتال وأغلق مضيق هرمز، وباتت آفاق التوصل إلى صفقة غير مؤكدة.

وقالت إن الولايات المتحدة طالما لجأت إلى الضغط الاقتصادي كسلاح لإجبار إيران على الموافقة على مطالبها.

فقد استخدم باراك أوباما العقوبات لدفع النظام إلى توقيع الاتفاق النووي عام 2015، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة. وانسحب دونالد ترامب منه في ولايته الأولى، وأطلق حملة “أقصى ضغط”، التي فاقمت الأزمة الاقتصادية في إيران، لكنها فشلت في التوصل إلى اتفاق جديد.

والآن، عاد ترامب إلى استخدام هذه الأداة مرة أخرى، إلا أنه يفرض هذه المرة ضغوطا اقتصادية بالقوة، وإيران تفعل الشيء نفسه مع بقية العالم.

ويأمل كل طرف في إجبار الآخر على تقديم تنازلات تنهي حرب الخليج الثالثة. والسؤال هو: من سيرمش أولا؟

وأضافت المجلة أن الحرب متوقفة منذ 8 نيسان/أبريل، حيث أعلن عن هدنة لمدة أسبوعين، إلا أن التهديدات الإيرانية لا تزال تبقي مضيق هرمز مغلقا إلى حد كبير أمام حركة الملاحة التجارية. وقد اجتمعت وفود من البلدين في 11 نيسان/أبريل في إسلام آباد، عاصمة باكستان، التي ساهمت في التوصل إلى الهدنة. ومن المتوقع عقد جولة ثانية من المحادثات خلال الأيام القليلة المقبلة، وقد يتم تمديد الهدنة.

وفي غضون ذلك، فرض الرئيس ترامب حصارا بحريا يمنع الملاحة الإيرانية عبر المضيق، وقد دخل حيز التنفيذ في نيسان/أبريل. ويقول البنتاغون إنه أمر منذ ذلك الحين عشر سفن بالعودة إلى الموانئ الإيرانية، وقد امتثلت جميعها للأمر. كما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية أنها لن تجدد الإعفاء الذي صدر في 20 آذار/مارس، والذي كان يسمح ببيع بعض النفط الإيراني، في محاولة غير موفقة لخفض أسعار الطاقة العالمية.

ورغم تأكيد الإيرانيين على قدرتهم على تحمل هذه الصعوبات، كما فعلوا في السابق، إلا أن اقتصادهم كان يعاني بالفعل من وضع صعب، مع فقدان العملة الإيرانية قيمتها الشرائية وتضخم سنوي يتجاوز 50%، إلى جانب مليارات الدولارات من الأضرار التي نجمت عن الحرب ويجب إصلاحها.

وربما كان الحصار البحري أشد وطأة من العقوبات المفروضة على مدى عقود مضت، والتي غالبا ما وجد الإيرانيون طرقا للالتفاف عليها.

وترى المجلة أن مبيعات النفط العالمية ستكون الضحية الأبرز.

ففي ظل مستويات الإنتاج الحالية، إذا منعت الصادرات، ستمتلئ خزانات التخزين في غضون أسبوعين، مما سيجبر إيران على خفض الإنتاج، وربما إيقافه نهائيا، مما قد يعرض آبار النفط لأضرار طويلة الأمد. وستطال التداعيات قطاعات أخرى، حيث تستورد إيران فول الصويا، المستخدم في إنتاج معظم الزيوت النباتية وأعلاف الحيوانات في إيران، بحرا، وسيؤدي أي انقطاع في الإمدادات إلى ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية، التي ارتفعت بالفعل بنسبة 110% في آذار/مارس مقارنة بالعام الماضي.

وترى المجلة أن المسؤولين في بعض دول الخليج يؤيدون الحصار، ويرونه ضروريا منذ زمن. وقد عبروا عن استيائهم لأسابيع من سماح أمريكا لإيران بمواصلة تصدير النفط، بينما بقيت صادراتهم متوقفة. ومع ذلك، لن يفيد الحصار المفروض على إيران اقتصادياتهم التي تخسر مليارات الدولارات يوميا من الصادرات الضائعة، كما لن يحل الحصار أيضا أزمة الطاقة التي تجتاح العالم.

وتقول المجلة إنه ورغم التفاؤل الكبير وسط أسواق العقود الآجلة بشأن قرب انتهاء الحرب، إلا أن النقص بدأ بالفعل يؤثر على السوق المباشرة. وربما كانت أمريكا بمنأى نسبيا عن هذا النقص بفضل صناعتها النفطية والغازية الضخمة، لكن سائقي السيارات يدفعون 29% أكثر في محطات الوقود مقارنة بالعام الماضي. وقفز التضخم السنوي إلى 3.3% في آذار/مارس، بعد أن كان 2.4% في شباط/فبراير. وقد حذر مستشارو ترامب وشددوا على ضرورة إنهاء الحرب قريبا إذا كان يريد تدارك الضرر قبل انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر.

وتقول المجلة إنه من الصعب معرفة ما دار بالضبط في الجولة الأولى من المحادثات، التي استمرت قرابة 21 ساعة. ويعتقد بعض الدبلوماسيين أن أمريكا كانت مستعدة للسماح لإيران بفرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز (الأمر الذي سيثير غضب حلفاء أمريكا في الخليج)، بينما يعتقد آخرون أنها أصرت على حرية المرور للجميع.

وفي بعض الحالات، سمع مسؤولو الدولة نفسها روايات مختلفة.

ومن الواضح أن البرنامج النووي الإيراني كان أولوية أمريكية، وأن الأمريكيين أبدوا بعض المرونة في مطالبهم. ففي جولتين سابقتين من المفاوضات، أصرت إدارة ترامب على أن تتوقف إيران تماما عن تخصيب اليورانيوم، وهو ما رفضته إيران. ويبدو أن أمريكا الآن مستعدة لقبول وقف مؤقت للتجارب النووية بدلا من حظر مفتوح. ومن المرجح أن تقبل إيران بذلك، مع أن مفاوضيها سيحتاجون إلى التفاوض بشأن مدة الوقف، فمطلب أمريكا بعشرين عاما يبدو طويلا جدا، بينما يعد عرض إيران بخمس سنوات قصيرا جدا.

ومع ذلك، فهذه ليست سوى واحدة من قضايا عديدة. أما القضية الأكثر إلحاحا فهي مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى درجة تقارب 400 كيلوغرام، والذي يكاد يستخدم في الأسلحة النووية. تريد أمريكا من إيران شحنه إلى خارج البلاد، بينما تفضل إيران تخفيفه في الموقع. وهذا الأخير ليس إشكاليا في حد ذاته، لكن التفاصيل ستكون حاسمة: أين ومتى سيتم تخفيف اليورانيوم، ومن سيراقبه؟

كل هذا يشير إلى قلق أوسع نطاقا بشأن اتفاق محتمل. فإذا اقتصر الحظر على عملية التخصيب نفسها، فبإمكان إيران مواصلة تطوير أجهزة الطرد المركزي المتقدمة وتركيبها في منشآت جديدة، وإجراء البحوث حول كيفية تحويل المواد الانشطارية إلى سلاح نووي، وهو ما سبق لها القيام به. وعند انتهاء فترة التجميد، ستكون إيران في وضع يسمح لها بالمسارعة إلى امتلاك قنبلة نووية.

ومع أنه يمكن حل هذه القضايا، إلا أنها تحتاج إلى وقت، فقد استغرق الاتفاق النووي الإيراني عامين.

من جانبها، قدمت إيران إلى باكستان مطلبا واحدا واضحا. يقول مسؤول عربي مطلع على المحادثات: “كل ما يهمهم هو المال”. تريد إيران من أمريكا رفع ليس فقط العقوبات “الثانوية”، التي تمنع دولا ثالثة من شراء النفط الإيراني (من بين أمور أخرى)، بل أيضا العقوبات الأساسية التي تمنع الشركات الأمريكية من ممارسة الأعمال التجارية في إيران. سيستغرق ذلك وقتا أيضا، لأن بعض هذه العقوبات مفروضة بموجب قوانين صادرة عن الكونغرس وليس بقرار تنفيذي.

وتقول المجلة إنه للتوصل إلى اتفاق سريع، ربما احتاج الطرفان إلى الاكتفاء بإطار عام يؤدي إلى وقف الحرب ورفع الحصار المفروض عليهما. وستوافق إيران على تجميد تخصيب اليورانيوم، وفي المقابل ستتمكن من الاستفادة من مليارات الدولارات من عائدات النفط المجمدة في بنوك أجنبية.

ولن يرقى هذا إلى مستوى السلام الدائم الذي يسعى إليه قادة إيران، ولا إلى التغيير الجذري في سلوكها الذي يرغب فيه الرئيس ترامب. والبديل عن كل هذا هو جولة أخرى من القتال، وربما تكون أكثر تدميرا، وستصل حاملة طائرات أمريكية ثالثة إلى الشرق الأوسط قريبا، وكذلك وحدات الحرب البرمائية التي أرسلت من كاليفورنيا الشهر الماضي. قد تنفذ أمريكا تهديدات ترامب بمهاجمة البنية التحتية الحيوية في إيران، وهو ما سيفعل الشيء نفسه في دول الخليج. إلا أنه في معركة الإرادة الاقتصادية، قد يخسر كلا الجانبين.

القدس العربي

———————————-

بوليتيكو: “أوراق اللعبة ليست بيده”.. إعلان ترامب عن وقف النار في لبنان دليل على حاجته لصفقة مع إيران

نشرت مجلة “بوليتيكو” تقريرا أعده إيلي ستوكول وفيليم كاين قالا فيه إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعطي انطباعا عند حديثه عن الحرب مع إيران بأنه يملك كل أوراق اللعبة في يده، لكنه بحاجة إلى التنازل من أجل الحصول على صفقة مع طهران.

وتحت عنوان “تنازلات أكثر: ترامب يريد نهاية حرب إيران”، قالا إن ترامب حريص على التفاوض من أجل وقف الحرب، كما بدا في إعلانه يوم الخميس عن وقف إطلاق نار مؤقت بين إسرائيل ولبنان. وبينما لا تزال واشنطن وطهران على مسافة بعيدة، يعد عرض ترامب استضافة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزف عون في البيت الأبيض أحدث مثال على تغير المواقف الأمريكية خلال الأيام القليلة الماضية.

ففي الأسبوع الماضي، وصف الرئيس الهجمات الإسرائيلية على حزب الله في لبنان بأنها “مناوشة منفصلة”، وأصر على أنها ليست جزءا من اتفاق وقف إطلاق النار مع طهران. إلا أنه بدفعه نتنياهو لوقف حملة القصف العنيفة، أزال ترامب عقبة محتملة أمام إيران.

وأضافت المجلة أنه بعد فشل المفاوضات التي جرت في باكستان نهاية الأسبوع الماضي، قد يكون ترامب، الذي يواجه ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية وتراجع شعبيته، أكثر تقبلا لبعض مطالب طهران على الأقل، وأكثر مما يوحي به موقفه العلني.

ونقلت المجلة عن مسؤول خليجي بارز، مطلع على محادثات السلام، طلب عدم الكشف عن هويته: “أعتقد أنه سيقبل المزيد من التنازلات لأنه يرغب بشدة في إنهاء هذا الصراع”.

فترامب جاد بشأن المفاوضات ويرغب بشدة في إنهاء هذا الوضع، لكن الإيرانيين يرفضون حتى الآن منحه ما يحتاجه لحفظ ماء وجهه والانسحاب. ورغم تصريح نائب الرئيس جيه دي فانس بأنه قدم بالفعل “العرض النهائي” الأمريكي في إسلام آباد، فإن المفاوضات غير الرسمية لا تزال جارية.

فبعد يومين من تصريحه بأن استئناف المحادثات رفيعة المستوى بات وشيكا، قال الرئيس للصحافيين يوم الخميس قبل مغادرته إلى لاس فيغاس إن جولة جديدة من المفاوضات المباشرة قد تعقد في نهاية هذا الأسبوع.

وقال: “إيران ترغب في التوصل إلى اتفاق، ونحن نتعامل معها بشكل جيد جدا”، مكررا التأكيد على خطه الأحمر بأن إيران لن تمتلك أسلحة نووية، ولكنه قال بأن “إيران مستعدة اليوم للقيام بأمور لم تكن مستعدة للقيام بها قبل شهرين”.

وبدا أن ترامب يستبعد فكرة التوصل إلى اتفاق قد يتضمن تجميدا لمدة 20 عاما لقدرة إيران على تخصيب اليورانيوم، لكنه استبعد صراحة فقط حصول طهران على سلاح نووي. ولكنه لم يقل يوم الخميس بشكل قاطع إن إيران لن تتمكن أبدا من تخصيب اليورانيوم.

وقال ترامب: “لدينا بيان قوي جدا بأنهم لن يمتلكوا أسلحة نووية لأكثر من 20 عاما، لا يوجد حد زمني مدته 20 عاما”.

ولم يرد البيت الأبيض بشكل محدد فيما إن كان الرئيس سيقبل اتفاقا يسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية في المستقبل، وهو ما بدا في تصريحات المتحدثة الرسمية باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، التي أشارت إلى تصريحات ترامب ونائبه فانس، وأن المسألة النووية تعتبر خطا أحمر بالنسبة لأمريكا.

إلا أنه وطبقا لشخصين مطلعين على المحادثات الجارية، طلبا عدم الكشف عن هويتهما، فإن وقف التخصيب لمدة 20 عاما هو في الواقع اقتراح الإدارة الأمريكية، وهو بند رئيسي في الخطة الأمريكية المكونة من 14 بندا.

وقال الشخصان إن إيران عرضت وقفا لمدة خمس سنوات فقط. كما يطالب ترامب إيران بالتخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب جزئيا، والذي يمكن استعادته من قبل دولة ثالثة متفق عليها، حسبما قال الشخصان، إلا أن إيران ترفض حتى الآن التراجع عن موقفها.

وفي يوم الخميس زعم ترامب أن إيران وافقت على التنازل عن “الغبار النووي” المدفون في الأرض، وهو زعم لم تؤكده طهران.

وتقول المجلة إن النقاط العالقة بين الطرفين تؤكد أنه لا ترامب أو فانس “يمتلكان زمام المبادرة” في المفاوضات، فقد أظهرت إيران قدرة على تحمل الحصار والقصف، مع استمرارها في فرض سيطرتها على الأسواق العالمية من خلال تقييد حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، وقد أدى هذا المأزق إلى تشكيك عدد من قادة العالم والمحللين في إمكانية التوصل إلى اتفاق سريعا، لا سيما بالنظر إلى أن الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة بين إيران والولايات المتحدة وخمس دول أخرى، استغرق الاتفاق عليه عامين.

وجاء ذلك بعد سنوات عديدة من المناقشات والمفاوضات والعقوبات واتفاق مبدئي. وأشارت المجلة إلى ما قاله الرئيس الفنلندي أليكس ستاب خلال وجوده بواشنطن في وقت سابق من هذا الأسبوع: “ما أخشاه هو أن إيران تمتلك الكثير من أوراق القوة حاليا، وهذا هو الواقع”.

وقالت المجلة إن قرار ترامب هذا الأسبوع فرض حصار على مضيق هرمز كان محاولة لحرمان إيران من ورقة الضغط الرئيسية لديها وإجبار قادتها على العودة إلى طاولة المفاوضات.

فبينما يقطع الحصار شريان الحياة الاقتصادي لإيران، أي قدرتها على تصدير النفط، إلا أنه يفاقم أيضا أزمة الإمدادات الناجمة عن القيود الإيرانية المفروضة منذ أسابيع على حركة سفن الشحن عبر هذا الممر المائي الحيوي.

وعلق إيك فرايمان، الباحث في “معهد هوفر” بجامعة ستانفورد، قائلا إن “الهدف من ذلك هو إيصال رسالة إلى إيران مفادها أن لدينا خيارات، وأنهم لا يستطيعون كسب الوقت والحصول على صفقة أفضل”. ويضيف: “لكننا لا نملك الكثير من النفوذ، لأن إيران تدرك أيضا أنه كلما طال أمد إغلاق المضيق، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، كلما ازدادت صعوبة الموقف السياسي للرئيس”.

وقد هدد البيت الأبيض بأن الجيش قادر على إبقاء الحصار قائما طالما دعت الحاجة، إلا أن المحللين يعتقدون أن الحصار المطول قد يكون له ثمن باهظ، ليس فقط من حيث زيادة خطر حدوث ركود عالمي ناجم عن نقص النفط، بل أيضا من حيث عملية تشمل نحو 10 آلاف من بحارة وجنود مشاة البحرية والطيارين الأمريكيين، مما يستنزف الموارد العسكرية ويؤثر على جاهزية الجيش.

وقال مدير مكتب الميزانية في البيت الأبيض، روس فوغت، للمشرعين يوم الأربعاء إن إدارة ترامب لم تحدد بعد زمنا تقريبيا لحجم التمويل الذي تحتاجه من الكونغرس لمواجهة الصراع مع إيران.

وتساءل فريمان: “هل يمكن لتصعيد الموقف تكتيكيا لبضعة أسابيع، حتى لو زاد ذلك من الألم على المدى القصير، أن يمنح البيت الأبيض اتفاقا أفضل على المدى الطويل يقيد إيران؟”، وأجاب: “ربما، لكن أحد الأسباب الرئيسية التي تدفع ترامب لإيجاد طريقة لإنهاء هذا هو أن حملة القصف ضد إيران تقترب من نهايتها، فكل صاروخ بعيد المدى نطلقه الآن يضعف قدرتنا على الردع في صراعنا مع الصين”.

وقد شهد هذا الأسبوع عبور ناقلة نفط صينية واحدة على الأقل للحصار، وفقا لبيانات الشحن، ذلك أن ترامب يحاول تجنب تصعيد الخلاف مع الصين قبل زيارته إلى بيجين الشهر المقبل.

وتستعد دول العالم لتداعيات الحصار المحتملة، حيث قال رئيس وكالة الطاقة الدولية لوكالة “أسوشيتد برس” يوم الخميس إن أوروبا لديها مخزون من وقود الطائرات يكفيها لمدة ستة أسابيع تقريبا قبل أن يتسبب نقص النفط في إلغاءات جماعية.

وقال دبلوماسي أوروبي، طلب عدم الكشف عن هويته: “إنها لعبة اقتصادية محفوفة بالمخاطر، يجد الأوروبيون والآسيويون أنفسهم عالقين فيها. لا أرى كيف يمكن للحرس الثوري الإسلامي أن يخسر، فليس لديهم ما يخسرونه أو يملكون القليل جدا ليخسروه”.

وقال دبلوماسي آسيوي، طلب أيضا عدم الكشف عن هويته، إن حصارا مطولا لأكثر من شهر قد يشكل “صدمة طويلة الأمد” للاقتصاد العالمي. وأضاف: “يساهم تنويع الصادرات عبر خطوط الأنابيب والطرق غير المارة عبر مضيق هرمز في تعويض الخسائر جزئيا، ولست متأكدا من ديمومة هذه الحلول البديلة، لأن إيران قادرة دائما على تجاوزها إذا ما اعتبرت هذا الأمر حرب استنزاف”.

ولكن إذا أنهى ترامب الحصار وقبل باتفاق ينطوي على أي احتمال للتخصيب في المستقبل، فسيثير ذلك تساؤلات حول استراتيجية الرئيس. وعلق كريستوفر هيل، سفير الولايات المتحدة في عهد رؤساء ديمقراطيين وجمهوريين: “لقد تسببت هذه الحرب بأضرار مادية جسيمة وخسائر في الأرواح، ناهيك عن العزلة التي فرضتها على الولايات المتحدة”. وأضاف: “بالنظر إلى أن بعض الجوانب الرئيسية للمفاوضات تدور حول قضايا معروفة جيدا، نوقشت باستفاضة قبل أكثر من عشر سنوات في عملية الاتفاق النووي، فمن الصعب تبرير أو حتى تفسير ما حدث في الشهر الماضي”.

القدس العربي

———————————-

==================

تحديث 16 نيسان 2026

———————————

قراءات مستعجلة في ضباب الأحداث/ رفيق خوري

16 أبريل ,2026

أوضاع لبنان والمنطقة أشدّ تعقيدًا وخطورة ممّا كانت عليه قبل الحرب الأميركية – الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية ومواجهة إيران وأذرعها الواسعة والقوية لها. لكن المشهد لا يزال في حال سيولة شديدة، بحيث يتحكم اللايقين بالتوقعات حول الحرب والمفاوضات. فلا صورة الشرق الأوسط القديم قليلة الاهتزاز، ولا صورة الشرق الأوسط الجديد بدأت تأخذ مكانها في ضباب الأحداث. لا لبنان تمكّن من فك الارتباط بين حرب “حزب اللّه” على إسرائیل وحرب إیران. ولا هو، في الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع الدولة العبرية، أمسك إلّا بطرف من قرار السلم من دون قرار الحرب. لا حرب إیران اكتملت. ولا مفاوضات إسلام آباد الفاشلة أغلقت باب الدبلوماسية. ولا الوسيط الباكستاني أنهى دوره أو تخلّت عنه واشنطن وطهران.

غير أن في لبنان كالعادة من يستعجل القراءة في ضباب الأحداث. وأقلّ ما في قراءة المستعجلين هو الادّعاء أن موازين القوى تغيّرت بفعل صواريخ “حزب اللّه” في حرب الدفاع عن إيران، مع أن الصواريخ الأقوى منها في حرب “إسناد غزة” أدّت إلى إنزال ضربة قاسية ب “الحزب” أجبرته على قبول اتفاق ليس لمصلحته نفذه ولم تنفذه إسرائيل، من دون أن ينسى إعلان “النصر”. وخلاصة القراءة أن موازين القوى بعد حرب غزة وحرب الإسناد وسقوط نظام الأسد في سوريا جاءت بالوضع الجديد في لبنان. وهو اتخذ قرار سحب السلاح من “الحزب” واعتبار نشاطه العسكري والسياسي خارج القانون وطرح مبادرة التفاوض المباشر مع إسرائيل. لكن هذه الموازين تغيّرت. والتغيّرات تتطلّب إنهاء السلطة الحالية وإقامة سلطة تعكس موازين القوى الجديدة. إذ “السلطة تنبع من فوهة البندقية” حسب مبدأ ماوتسي تونغ.

ولا أحد يعرف كيف حدث هذا التطوّر الدراماتيكي بعد الثاني من آذار وأين. فالواقع أمامنا ناطق. إيران مدمّرة، وإن بقي النظام. وما يصرّ عليه ترامب في أية صفقة تضع حدًا نهائيًا للحرب كما تريد طهران هو كل شيء: لا تخصيب يورانیوم في إيران، ولا برنامج نوويًا فيها، ولا صواريخ تتجاوز مدى محدّدًا، ولا أذرع مسلّحة في الخارج. وإسرائيل تحتلّ الجنوب وتقيم فيه منطقة عازلة، تدمّر القرى والبنية التحتية ل “الحزب” في كل لبنان، وتهجّر مليون لبناني من الذين تسمّيهم “بيئة المقاومة وشعبها”. والكل يعرف ماذا يعني “إكمال المهمة” الأميركية والإسرائيلية في إيران ولبنان.

ذلك أن خطاب “المقاومة الإسلامية” يتركز على القول إن حسابات الحرب تتجاوز التضحيات البشرية والخسائر المادية والعمرانية والاقتصادية، لأن المهم هو عجز إسرائيل عن التأثير في إرادة القتال لدى “حزب اللّه”. ولا يهم إذا كان يقاتل ضد إرادة الأكثرية اللبنانية ومن على أرض له شركاء فيها هي وطن لا مساحة جغرافية ولا ساحة. فضلًا عن تكرار القفز من فوق الرفض لقرار الشرعية في مجلس الوزراء والأكثرية والتهديد بحرب أهلية دفاعًا عن السلاح الذي يدافع عن إيران، للدعوة إلى الوحدة الوطنية، ولكن حول موقفه وحربه. فالوحدة الوطنية تقوم على التوازن الوطني والتفاهم السياسي على المصلحة الوطنية اللبنانية العليا والمواقف المعبرة عنها، وليس على وزن مذهبي طابش على بقية الأوزان. وسحب السلاح خارج حصرية الدولة هو جزء مهم من بناء مشروع الدولة الوطنية. أما تمسّك حزب أيديولوجي مذهبي بالسلاح خارج الشرعية، فإنه جزء من إقامة المشروع الإقليمي الإيراني على المدى البعيد، ومن السعي لإقامة “لبنان آخر” على المدى المتوسط معاكس، لا فقط للوضع الحالي بل أيضًا للحقيقة اللبنانية والتركيبة الاجتماعية ل “وطن نهائي لجميع أبنائه” حسب مقدمة الدستور.

وهذه مهمة مستحيلة بالنسبة إلى حامل السلاح وحامل الأفكار العابرة للبلد وحامل الأفكار الصغرى من البلد. فلا التاريخ موظف عند أحد. ولا السعي لتصحيح التاريخ سوى تمارين في العبث، حيث المستقبل هو وهم اسمه بناء ماضٍ أفضل.

و “الحرب الأهلية هي اسم مستعار للحرب التي لا نستطيع ربحها” كما يقول كريستوفر غيلبي من جامعة “ديوك” الأميركية.

*نقلاً عن “نداء الوطن”.

——————————-

ماذا تفعل واشنطن إذا انتهكت إيران أيّ اتفاق معها؟/ سركيس نعوم

16 أبريل ,2026

في البيئة الراهنة لن تجد إيران أمراً يُذكر في التحايل على العقوبات وجهود الإنفاذ، لتواصل تسليح وكلائها في أنحاء العالم وتدريبهم

أواخر آذار الماضي قدّمت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إيران خطة من 15 نقطة لإنهاء الحرب، تضمنت مطالبة بأن تقطع طهران دعمها للوكلاء والشركاء الأجانب من بينهم “حزب الله” و”حماس” والحوثيون اليمنيون وسواهم.

يبدو أن النظام الإيراني مائل إلى رفض هذا الاقتراح، والأمر غير مستغرب في ضوء الأهمية المحورية التي تمثلها هذه الجماعات لتصدير الثورة ومد نفوذ طهران في المنطقة، ومن الأهمية بمكان تأمل ما قد تنطوي عليه اتفاقية كهذه، وكيف يمكن الولايات المتحدة التحقّق من شروطها وإنفاذها. يأتي ذلك جزئياً لتهيئة المجتمع الدولي لسيناريوات محتملة بعد انتهاء الحرب، تعود فيها إيران إلى مضاعفة أنشطتها الإرهابية عبر الوكلاء.

ما مكونات اتفاقية أميركية – إيرانية في شأن دعم الوكلاء؟ يجب أن تكون بالغة التفصيل والشمولية، في رأي باحث أميركي بارز، بحيث تغطي كل النشاطات المالية والعسكرية والإرهابية والتدريبية لهذه الجماعات. الهدف من ذلك حرمان طهران أيّ هامش للتذرع بالغموض.

ولا بد أن يُدرك صانعو السياسيات أن إنفاذ هذه الاتفاقية بفاعلية سيكون مسعى بالغ التعقيد، ويستلزم تعاون حكومات عدة ومنظمات متعدّدة الطرف ومن القطاع الخاص، فضلاً عن تخصيص الولايات المتحدة الأولوية القصوى من مواردها الديبلوماسية والاستخبارية لإنفاذ القانون.

في شكل عام، ستحتاج إيران إلى الموافقة على عدم تقديم أي نوع دعم لأيّ كيانات أو أفراد إرهابيين أو ميليشيويين، سواء استُند في تعريفهم إلى قوائم التصنيفات الإرهابية الأميركية أو إلى قائمة جديدة متفق عليها في إطار الأمم المتحدة. وكنقطة انطلاق، لا بد أن تضم هذه القائمة “حزب الله” و”حماس” و”الجهاد الإسلامي الفلسطيني” والحوثيين وعدداً من الميليشيات الشيعية العراقية.

يجب أن تتمتع القائمة بالمرونة الكافية لإدراج أعضاء جدد عند الحاجة، ضمانا لعدم تحايل طهران ووكلائها على هذه الآلية عبر توفير مسميات الكيانات أو إنشاء أخرى جديدة. وتحديدا، يتعيّن على النظام الإيراني قبول الشروط الآتية:

– التزام وقف تقديم الأموال والأصول وسائر أشكال الدعم المالي أو الموارد لهؤلاء الوكلاء، سواء عبر القطاع المالي الرسمي أو من خلال قنوات غير رسمية لبيوت الصداقة وشبكات الحوالة ومنصات العمولات المشفّرة. ولا بد تحديداً من وضع حد لمخططات تهريب النفط التي شكّلت أحد أبرز مسارات دعم الوكلاء ولا سيما الحوثيين و”حزب الله” في السنوات الأخيرة.

– تلتزم إيران وقف تزويد الوكلاء أي معدات عسكرية بما فيها الصواريخ والقذائف الصاروخية والطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة والخفيفة. كذلك تمتنع عن تقديم أي مساعدات تقنية في تصميم أسلحتهم أو تطويرها باستقلالية.

– تلتزم إيران وقف إمداد الوكلاء بأي مواد ذات استخدام مزدوج قابلة للتوظيف في التطبيقات العسكرية، كمكونات الطائرات المسيّرة والمواد الكيميائية وأنظمة التوجيه والاتصالات.

– يلتزم العسكريون الإيرانيون ولا سيما المنتسبون إلى “الحرس الثوري الإسلامي” وقف تدريب الوكلاء داخل إيران وخارجها.

– تلتزم إيران إنهاء جميع أشكال التخصيب العسكري والإرهابي والعملياتي مع الوكلاء كافةً، وحلّ وحدات مشتركة وخلايا تخصيب عاملة في هذا الإطار.

– تلتزم الكف عن الأساليب الاحتيالية التي تلجأ إليها لإخفاء تورطها في معاملاتها مع الوكلاء، كإنشاء شركات واجهة وتزوير وثائق المستخدمين النهائيين ورفع أعلام زائفة على السفن.

– تلتزم وقف تزويد الوكلاء أي معلومات استخبارية ولا سيما منها تلك التي قد تستخدم في التخطيط لهجمات أو تنفيذها.

– تلتزم طرد جميع المسؤولين التابعين للوكلاء المقيمين على أراضيها، وسحب عناصر “الحرس الثوري الإسلامي” المتمركزين في مناطق الوكلاء.

– تلتزم تسليم أعضاء “تنظيم القاعدة” الموجودين على أراضيها إلى الولايات المتحدة أو أي دولة ملائمة أخرى، والامتناع عن إيواء أي جماعات إرهابية مصنّفة أو أشخاص مدرجين في قوائم الإرهاب.

هل من ثغر في هذه الاتفاقية؟ حتى لو وافق المفاوضون الإيرانيون على وقف دعم الوكلاء في إطار اتفاقية أشمل، فإن سجل النظام يشير بقوة الى أنه لن يفي بكل هذه التعهدات. لذا سيكون رصد الانتهاكات وكشفها ووقفها أمراً بالغ الأهمية. غير أن ثمة ثغراً ستعوق الجهود الأميركية والدولية في هذا الشأن، هي الآتية:

– حتى الآن لا قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي تصنّف رسمياً وكلاء إيران الرئيسيين ك”حزب الله” و”حماس” منظمات إرهابية. ما لم تغيّر هذا الواقع فإن كثيراً من الدول لن ترى نفسها ملزمة اتخاذ إجراءات في ضوء دعم طهران لهذه الجماعات.

– سمح بعض الحكومات بنشاط الوكلاء الإيرانيين على أراضيها، إما لأنها تتوافق إيديولوجياً مع النظام أو مع الوكلاء أنفسهم، وإما لأن لها دوافع أخرى لذلك.

– تفتقر حكومات كثيرة إلى القدرة على تعقّب الشبكات الإيرانية غير المشروعة وتفكيكها.

– يحتاج كثيرٌ من المؤسسات الخاصة بما فيها المؤسسات المالية إلى الاطلاع الكافي للكشف عن الجهات المرتبطة بإيران. كما أن وضعها الراهن لا يؤهلها لتكون في طليعة هذه المعركة. على سبيل المثال، كثيراً ما يتعذّر على الشركات المصنّعة أو الناقلة للمواد ذات الاستخدام المزدوج القيام بعناية واجبة للتحقق من هوية المستخدمين النهائيين لمنتجاتها. ومن ثم تتيسّر لطهران ووكلائها عملية إنشاء شركات واجهة بحد أدنى من المخاطرة بالكشف عن روابطها الإيرانية من الشركات أو المؤسسات المالية.

– حتى لو جرى تنفيذ اتفاقية للوكلاء وتمكّنت السلطات من إثبات انتهاك إيران لحظر نقل المعدات والتقنيات العسكرية، سيظل إثبات ما إذا كانت هذه المواد قد زُوّدت قبل الاتفاقية أو بعدها، أمراً عسيراً.

خلاصة القول واضحة. في البيئة الراهنة لن تجد إيران أمراً يُذكر في التحايل على العقوبات وجهود الإنفاذ، لتواصل تسليح وكلائها في أنحاء العالم وتدريبهم.

ماذا عن الولايات المتحدة وشركائها أن يفعلوا لإعطاء اتفاقية الوكلاء أي فرصة للنجاح؟ عليها أولاً رفع الموارد الأميركية المخصصة لهذا الملف رفعاً ملحوظاً ولا سيما على الصعيدين الاستخباري وإنفاذ القانون والديبلوماسي. عليها ثانياً العمل لتعميق التعاون مع القطاع الخاص تعميقاً كبيراً. وثالثاً، العمل على استحصال قدر أكبر من التعاون من الدول التي يكون نشاط إيران ووكلائها فيها الأكثر كثافةً. عليها رابعاً استقطاب دعم متعدد الأطراف القادرين على الحسم. وخامساً، يتعين تقديم المساعدة الفنية للدول الراغبة في التعاون والتي تفتقر إلى القدرة على اكتشاف النشاط المالي والتوريدي واللوجيستي الإيراني وتفكيكه. وعليها سادساً وأخيراً مواصلة بناء تحالفات دولية واسعة في مواجهة الإرهاب المرتبط بإيران.

*نقلاً عن “النهار”.

———————————

المعادلة الصعبة لتركيا تجاه إيران/ محمود سمير الرنتيسي

وفي هذا السياق، تبنَّت أنقرة مقاربة حذرة سعت من خلالها إلى الموازنة بين إدراكها لوجود مطالب اجتماعية واقتصادية حقيقية وبين مخاوفها من استثمار هذه الاحتجاجات لتبرير تدخلات خارجية قد تهدد استقرار إيران والمنطقة. وانطلاقًا من اعتبارات الأمن القومي، رأت تركيا أن أي اضطراب واسع داخل إيران قد يحمل تداعيات مباشرة على محيطها الإقليمي؛ ما دفعها إلى تبني موقف يقوم على رفض التدخل الخارجي، والدعوة إلى معالجة الأزمة ضمن إطارها الداخلي، مع السعي في الوقت ذاته إلى احتواء التصعيد عبر أدوات دبلوماسية.

أولًا: ما قبل العدوان: محاولة كبح جماح الحرب

تعاملت أنقرة مع موجة الاحتجاجات الشعبية الإيرانية بسبب المصاعب الاقتصادية في الفترة بين نهاية عام 2025 ومطلع عام 2026 بوصفها أزمة بنيوية داخلية لكنها في نفس الوقت مسرح لتدخلات خارجية تستهدف استقرار إيران، فمن جهة أدركت تركيا واقعية المطالب الاجتماعية والاقتصادية التي حرَّكت الشارع الإيراني لكنها تابعت أيضًا مستوى مرتفعًا من التلاعب الخارجي بالمشهد الإيراني الداخلي من خصوم إيران الإقليميين والدوليين. ولذلك حرصت تركيا على إظهار معارضتها لأي تدخل أجنبي ضد إيران واستقرارها.

لم يكن منطلق الموقف التركي تضامنيًّا مع إيران فحسب بل كان مرتبطًا بحسابات الأمن القومي التركي بشكل مباشر؛ حيث إن سيناريو الفوضى والتفكك الواسع في إيران يمكن أن يفتح على أنقرة أبواب تهديدات كثيرة مثل إعادة إحياء المشروع الانفصالي الكردي الذي نجحت تركيا في تحييده بدرجة كبيرة في الآونة الأخيرة في داخل تركيا وفي سوريا، وتقويض الاستقرار الهش في العراق، وإطلاق موجات نزوح جديدة من إيران باتجاه تركيا التي عانت لعقد كامل من موجة النزوح من سوريا، فضلًا عن صدمة أسعار الطاقة لاقتصاد يستورد أكثر من 70% من احتياجاته من الخارج بما قد يهدد خطط التعافي الاقتصادي ويضغط على الليرة التركية رغم تدخل البنك المركزي عبر ضخ مليارات من الدولارات لحمايتها ورغم التقديرات التي تشير إلى أن تركيا تتمتع بإطار اقتصادي متين نسبيًّا، بفضل موقعها الجيوسياسي، ومرونة إنتاجها، وهيكلها المالي المتين.

ومن هذا المنطلق رفضت تركيا مبكرًا وبشكل واضح تحويل الاحتجاجات على الوضع الاقتصادي في إيران إلى ذريعة لتغيير النظام بالقوة.

وعندما هدَّد الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، بالتدخل إذا تم استخدام القوة ضد المتظاهرين اعتبرت تركيا أن أي تدخل أجنبي في إيران المجاورة سيؤدي إلى أزمات أكبر في إيران والمنطقة، ودعت إلى حل المشاكل القائمة عبر المفاوضات، وحرصت تركيا على تقديم هذا الموقف ليس بصفتها جارة لإيران فحسب بل بصفتها عضوًا في الناتو يذكر أن زعزعة دولة مجاورة كبيرة سينتج أزمات تتجاوز المسرح الإيراني إلى بنية النظام الإقليمي كله؛ حيث أكد عمر تشيليك، الناطق باسم حزب العدالة والتنمية، هذا الموقف بأن تركيا العضو في الناتو لا ترغب برؤية فوضى في إيران وأنها ترى وجوب حل المشاكل من خلال الديناميات الداخلية للمجتمع الإيراني والإرادة الوطنية لإيران وأن التدخل الأجنبي سيؤدي إلى عواقب أسوأ.

في هذا السياق أيضًا كان من الواضح أن تركيا كان لديها تصور حول الدور الإسرائيلي الذي كان يسعى لجرِّ الولايات المتحدة للتدخل في إيران.

وقد أعلن الناطق باسم حزب العدالة والتنمية، عمر تشيليك، أيضًا، في 12 يناير/كانون الثاني 2026، أن تركيا تعتقد أن “التدخل الذي تستفزه إسرائيل على وجه الخصوص سيؤدي إلى أزمات أكبر” في تعبير عن قناعة تركية بأن إسرائيل ترى في الحرب على إيران فرصة لإعادة تشكيل توزانات النفوذ الإقليمي لصالحها.

وفي ظل تصاعد التهديدات الأمريكية التي سبقت الهجوم الأمريكي على إيران بذلت تركيا جهودًا مكثفة ضمن إطار ما يسمى بـ”الدبلوماسية الوقائية” المكثفة، ففي الفترة ما بين 13 و20 يناير/كانون الثاني 2026، أجرت تركيا سلسلة لقاءات منفصلة مع طهران وواشنطن في محاولة بناء إطار تفاوضي بديل عن الحرب؛ حيث عقد وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، أربعة اجتماعات منفصلة مع الجانبين الأمريكي والإيراني إذ التقى فيدان وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، والمبعوث الأمريكي، توم باراك، في نفس اليوم في أنقرة، ثم أجرى مباحثات هاتفية مع وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، من أجل جمع الطرفين على طاولة المفاوضات.

وقد اقترح أردوغان أيضًا على ترمب عقد اجتمع ثلاثي رفيع المستوى يضم تركيا ممثلة بأردوغان، والولايات المتحدة ممثلة بترمب، وإيران ممثلة ببزشكيان، ووصف وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، المقترح بأنه “فكرة جيدة”، وحينها وصل عراقجي بالفعل إلى إسطنبول، في 30 يناير/كانون الثاني.

واقترحت تركيا فصل مسار المفاوضات النووية مع واشنطن عن مسار القضايا الإقليمية الذي طرحت أن يُناقَش في إطار إقليمي أوسع مع دول الجوار. وبشكل مفصل، قال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان: “إن ما تحاول تركيا القيام به هو دعم اتفاق مع إيران يفيد الجانبين وخاصة الأمريكيين لأن استقرار المنطقة يعتمد على ذلك”.

وكان هناك مقترح لنقاش إيران الملف النووي فقط مع الولايات المتحدة أما المواضيع المتبقية مثل الصواريخ الباليستية والوكلاء فكان المقترح التركي يقوم على أن تُناقَش مع دول المنطقة ضمن محادثات تمهيدية، ووافقت إيران مبدأيًّا على ذلك، ثم فضَّلت العودة إلى مسار عُمان الحصري حول الملف النووي، وتم اعتبار ذلك في أنقرة تفويتًا لفرصة مخرج تفاوضي تركي أكثر قدرة على تجنب مسار الحرب وإعادة إنتاج لأنماط تفاوض سابقة ثبت أنها كانت محدودة في التوصل لنتائج.

وأرجعت بعض المصادر الصحفية التركية المقربة من الأوساط السياسية القرار النهائي لدى إيران بالديناميكيات الداخلية المعقدة مشيرة إلى أن ذلك كان قرار المرشد الراحل، علي خامنئي، بتركيز المفاوضات حصرًا على المحادثات النووية واستكمال الاجتماعات السابقة في عمان.

 ويسود الاعتقاد في أنقرة بأنه لو قبلت إيران بصيغة إسطنبول لكن من الممكن إحراز تقدم في كل قضية من خلال المفاوضات المباشرة وغير المباشرة والحفاظ على الأقل على استمرار مسار المحادثات مفتوحًا وتعليق لغة التهديدات العسكرية.

ومع تزايد قتامة المشهد، حذَّرت تركيا من أن مهاجمة إيران ستكون خطأ، وأكدت استعداد طهران للعودة لطاولة المفاوضات، ومع ذلك لم تتبنَّ أنقرة سردية طهران تمامًا بل كانت هناك رسائل من الأتراك إلى إيران تحثها على القبول بالتسوية النووية والإقليمية وتحذرها من توسيع النفوذ الإقليمي عبر الصواريخ والوكلاء، وكان الموقف التركي يعتمد على “الإقناع التدريجي”، ومع ذلك كان يتم تفسير الدور التركي لأنه يرفض التدخل العسكري بوصفه يحصِّن بقاء النظام الإيراني بشكل غير مباشر.

ثانيًا: الموقف الأولي من الحرب

صاغت تركيا موقفها حين انطلقت الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، في 28 فبراير/شباط، في ثلاثية واضحة على لسان وزير خارجيتها، هاكان فيدان، حيث قال: إن هدف أنقرة هو منع اندلاع الحرب ومنع توسعها وإبقاء تركيا خارجها، وهو ما ينسجم مع رؤية تركيا التقليدية التي تَعُدُّ الحروب في المنطقة تهديدًا لبنية النظام الإقليمي ككل ولمصالحها الأمنية والاقتصادية.

ومن خلال تحليل المحتوى السياسي للبيان الأول الذي أصدرته الخارجية التركية، يوم 28 فبراير/شباط، بشأن هجوم إسرائيل والولايات المتحدة على إيران وردِّ إيران على دول ثالثة، يمكننا الوقوف على جملة من المحددات المهمة التي تبلور حولها الموقف التركي من الحرب على إيران؛ إذ أسست تركيا موقفها على مرجعية قانونية وليس انحيازًا لطرف على حساب طرف فقد أدانت جميع الأعمال التي تعدها انتهاكًا للقانون الدولي رافضة خرقه؛ إذ تعتقد أن خرق القانون الدولي واستهداف المدنيين يهدد استقرار المنطقة والاستقرار العالمي.

وفي نفس الوقت، تجنَّب بيان الخارجية التركية تحميل أي طرف المسؤولية المباشرة؛ فقد أشار البيان إلى جميع الأطراف وجميع الأعمال التي تنتهك القانون الدولي.

وعلى مستوى التموضع السياسي، كان واضحًا تقديم تركيا نفسها وسيطًا مستعدًّا للوساطة؛ وهو الأمر الذي يرسخها طرفًا مسهِّلًا لعملية التفاوض وليس ضمن معسكر معين، ومن جانب آخر بدا أن عدم تحميل تركيا المسؤولية المباشرة لطرف واحد ينسجم مع رغبتها في لعب دور قناة لنقل الرسائل بين الأطراف أو مضيف محتمل للمفاوضات لاحقًا.

وعلى المستوى الدبلوماسي، بدأت تركيا حراكها الدبلوماسي مبكرًا إذ أجرى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، جملة واسعة من الاتصالات بشأن الحرب مع عدد من قادة دول الخليج وبدأ باتصال مع أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ثم الرئيس الإماراتي، الشيخ محمد بن زايد، وولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، وأمير الكويت، الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، ورئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، والمستشار الألماني، والأمين العام للناتو وشهباز شريف، رئيس وزراء باكستان.

وأكد أردوغان دعوة جميع الأطراف إلى الدبلوماسية وأشار بشكل خاص في اتصاله، يوم 3 مارس/آذار، مع رئيس الوزراء الباكستاني عن استعداد تركيا للمساهمة في أي جهد يُنجح جهود الوساطة. وفي الأيام التي تلت ذلك، ولتنسيق المواقف، وسَّع أردوغان اتصالاته الدبلوماسية لتشمل حلفاء الناتو مثل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ورئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني.

كان لافتًا تكرار الاتصال بين أردوغان وولي العهد السعودي على وجه الخصوص. ويعتقد أن هذه الاتصالات كانت تخدم فكرة بلورة إطار تفاوضي يشمل مركز ثقل خليجي، وفي الحرص على عدم الانزلاق إلى حرب مباشرة إضافة لترسيخ قنوات وثيقة مع السعودية في هذه المرحلة للحفاظ على المصالح التركية في العلاقة مع السعودية فيما بعد الحرب.

وباختصار، بلورت تركيا معادلة واضحة، وهي أن تركيا لا تريد سقوط النظام الإيراني، وفي نفس الوقت فإن تركيا التي قامت العلاقة التاريخية بينها وإيران على التنافس لا تريد بروز إيران قوية بلا قيود في المنطقة، كما تريد تركيا أن تبقى حاضرة في أي ترتيبات من خلال التموضع وسيطًا بهدف حل النزاع دبلوماسيًّا وبهدف حماية مصالحها أيضًا من خلال الانخراط في العملية الدبلوماسية.

ثالثًا: تخفيف الاحتقان: اتصال بزشكيان

مع الإعلان في تركيا أربع مرات على الأقل، خلال مارس/آذار 2026، عن اعتراض صواريخ انتهكت الأجواء التركية، وجدت تركيا نفسها أمام اختبار لسياسة الحياد، وقد عدَّت تركيا هذه الأحداث غير مقبولة ولا يمكن تبريرها، وأكدت أنها ستتخذ ما يلزم إذا تكرر تهديد أمنها، في ظل تحليلات داخل تركيا بأن محاولات إسرائيلية تقف خلف هذه الصواريخ بهدف جَرِّ تركيا إلى الحرب، أو أن هناك جهات متعددة في إيران لديها وجهات نظر مختلفة فيما يتعلق بالبلدان التي يتم استهداف القواعد والمصالح الأمريكية فيها.

في هذا السياق، جاء اتصال الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، محطة مهمة؛ إذ جمع محتوى الاتصال بين البعدين الإنساني والسياسي؛ حيث عبَّر أردوغان عن حزنه العميق للخسائر في الأرواح لاسيما الأطفال الذين قُتلوا في الهجوم على مدرسة ميناب.

ويمكن قراءة ثلاث رسائل من خلال الاتصال تشرح الموقف التركي، أولها هو تأكيد استعداد تركيا لدور الوساطة والحرص على استقرار إيران، ويأتي في سياقه التعزية في المرشد، علي خامنئي، والتمني بأن يجلب قدوم المرشد، مجتبى خامنئي، السلام للمنطقة، والثاني هو عدم الموافقة على التدخلات غير المشروعة في إيران ورفضها لتحول دول الخليج لساحة تصفية حسابات بين إيران والولايات المتحدة. وبهذا الموقف تؤكد تركيا على رفضها مسار إسقاط النظام في إيران ودعم استقرار النظام ولكن رفضها أيضًا استهداف دول المنطقة. أما الرسالة الثالثة فكانت تتعلق برفض انتهاك المجال الجوي التركي في تعبير عن الاستياء من دخول صواريخ يُعتقد أنها إيرانية إلى المجال الجوي التركي وهو ما نفته إيران لاحقًا مؤكدة أن الصواريخ لم تنطلق من إيران.

أسهم اتصال بزشكيان إلى جانب رمزية مراسم تأبين خامنئي في أنقرة وحملات المساعدات المدنية التركية إلى الشعب الإيراني في تخفيف التوتر الذي أثارته انتهاكات الأجواء في الشارع التركي ومن قبلها الاستهدافات في أذربيجان.

رابعًا: اجتماع الرياض: توازن الوسيط مع هواجس الخليج

رأت أنقرة في الهجمات الإيرانية الصاروخية وبالطائرات المسيَّرة على “الدول الشقيقة في الخليج” أنها إستراتيجية خاطئة، وتعتقد تركيا أن هذا السلوك خاطيء ليس من منظور تركيا والدول الصديقة فحسب بل من منظور مصلحة إيران نفسها لأنها تزيد من فرص الرد العسكري وتفتح الباب لتوسع المواجهة.

في هذا السياق، شارك وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، مع حوالي 11 وزير خارجية من دول خليجية وعربية في الاجتماع الوزاري التشاوري في الرياض الذي بحث الهجمات الانتقامية الإيرانية على دول الخليج، وخرج الاجتماع بإدانة “الاعتداءات المتعمدة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، مع مطالبة إيران بالتوقف الفوري واحترام القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار خطوةً أولى نحو إنهاء التصعيد وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، كما أكد البيان أن مستقبل العلاقات مرهون بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وعدم الاعتداء على سيادتها وأراضيها بأي شكل من الأشكال.

وبخصوص تركيا، كان هذا المسار جزءًا من عملية توازن ترفض الحرب على إيران وترفض أن تتحول ردود طهران تهديدًا لحلفائها الاقتصاديين في الخليج. وكذلك وظَّفت تركيا هذه المنصة كجهد يخدم عملية إدارة التصعيد؛ إذ حثَّت تركيا دول الخليج على العمل بمنظور يراعي الديناميكات الخاصة للمنطقة ويعمل على إنهاء هذه الحرب بأسرع وقت ممكن.

خامسًا: إسرائيل والتحول إلى حرب هويات

في خطاب لافت وخلال كلمة له في مؤتمر الاتصالات الإستراتيجية 202، الذي نُظِّم تحت شعار “التمزق في النظام الدولي: الأزمات والسردية والبحث عن النظام”، في إسطنبول، قدَّم إبراهيم كالين، رئيس المخابرات التركية، تشخيصًا مهمًّا للحرب على إيران، كان أشبه بإطار إستراتيجي لا يختزل الحرب في الأهداف التي يتم الحديث عنها من قبيل القضاء على القدرة النووية الإيرانية، أو البرنامج الصاروخي أو غيره بل يقرأها كمحاولة لتأسيس لصراع حرب هويات بين الأتراك والأكراد والعرب والفرس كمكونات أساسية في المنطقة.

من هذا المنظور، قدم كالين تموضع تركيا تجاه هذا التهديد بأن تركيا لن تكون الطرف الذي يؤجج الفتنة، وأضاف كالين: “إذا لزم الأمر سنخمدها في صدورنا”.

ولعل خطاب كالين حدَّد لتركيا مسؤولية خاصة تتمثل بعدم السماح بنقل الصراع إلى الصدوع الإثنية والمذهبية ومنع تحول الصراع إلى حرب شعوب، وهو الأمر الذي ينسجم مع ما حملته خطابات أردوغان خلال الأيام الماضية التي دعت إلى تجنب الطائفية والتعامل مع كل عواصم ومدن المنطقة فيها من طهران إلى إسطنبول إلى بغداد والدوحة وغزة وغيرها بوصفها فضاء إنسانيًّا وإسلاميًّا واحدًا وليس ساحات لحروب الهويات الإثنية والمذهبية.

في الوقت ذاته، ومع تأكيد كالين على الخط التقليدي لتركيا تجاه الحرب والمتمثل في رفض الحرب على إيران والسعي لإبقاء تركيا خارج الحرب والعمل على خلق مسار دبلوماسي تلعب فيه تركيا دور الوساطة كان لافتًا عدم تردد كالين في الإشارة إلى إسرائيل فاعلًا أساسيًّا أشعل الحرب، ولم يتم الاكتفاء بتسمية إسرائيل بل دعا كالين إلى زيادة الضغط عليها، كما لم يفصل كالين سلوك إسرائيل تجاه إيران عن سلوكها في فلسطين وسوريا ولبنان، محذرًا من أن الأهداف الإسرائيلية تتجاوز إيران إلى إعادة تشكيل الخرائط والتوازنات في المنطقة.

ومن الواضح أن هذه الإشارة المباشرة من تركيا إلى إسرائيل تجعل حظوظ تركيا في القبول بها وسيطًا من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل أقل.

وفي إشارة كالين وتكراره لعبارة “نعرف من هو الصديق ومن هو العدو” مع إشارته السابقة لمكونات المنطقة ودور تركيا في تخفيف الاحتقان لدى دول الخليج، يبدو أن تركيا تدرك أن الحرب على إيران تهدف لتفجير صراعات طويلة الأمد في المنطقة لتعيد رسم الخرائط وتحديدًا في لبنان وسوريا وقد أشار وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان أيضًا إلى مثل هذه المعاني عندما قال: إن إسرائيل لم تتراجع عن مشاريعها في سوريا ولكنها أجَّلتها إلى حين الانتهاء من الحرب ضد إيران.

وفي الحسابات التركية، يُعتقد أن احتمال سقوط النظام في إيران وانتصار الولايات المتحدة وإسرائيل هو كابوس خطير لأن تركيا تعتقد أنها ستكون هدفًا تاليًا في بيئة ستكون يد إسرائيل طليقة فيها بل مطوَّقة بتحالفات إسرائيلية.

وعلى سبيل المثال، فإن التحالفات المتنامية بين إسرائيل واليونان وقبرص الجنوبية كانت تشكِّل هاجسًا كبيرًا لتركيا قبل الحرب على إيران ومن المؤكد أن تحقق أهداف إسرائيل في الحرب على إيران يجعل تركيا أمام تهديد إستراتيجي. ومع ذلك، لا تزال تركيا تحافظ على إستراتيجية توازن تعتقد معها أن انتصار أي طرف بشكل حاسم سواء إيران أو خصومها سيؤدي لاختلال ميزان القوة ضدها.

إبراهيم كالين رئيس المخابرات التركية (الأناضول)

سادسًا: اليوم التالي وإعادة التموضع الأمني والاقتصادي

بالتأكيد، تتعامل تركيا مع تحديات هذه الحرب التي أظهرت هشاشة جميع الدول التي تعتمد على استيراد معظم احتياجاتها من الطاقة من الخارج بما فيها تركيا فضلًا عن التحديات الأمنية والسياسية. ولذلك ستعمل تركيا مستفيدة من موقعها الجغرافي وشراكاتها القائمة والمتوقعة على زيادة تنويع مصادر وممرات الطاقة.

وعلى المستوى الأمني وفي البنية الأمنية لما بعد الحرب تَعُدُّ تركيا منطقة الخليج شريكًا مهمًّا خاصة في ظل شعور خليجي بعدم توفير الولايات المتحدة مظلة حماية كافية لها خلال الحرب مما يجعل تركيا الصاعدة في مجال الصناعات العسكرية تنظر للخليج كوجهة ذهبية لصادرات صناعتها العسكرية مما يجعلها حاضرة بشكل أكبر في أمن الخليج.

وبشكل مواز، تسعى تركيا إلى الانخراط في شبكات تنسيق وشراكات إقليمية مع كل من السعودية ومصر وباكستان على أمل إيجاد نوع من الحراك الذي يعتمد على مصالح دول المنطقة مما يقوِّي مواقفها في مواجهة رؤية الولايات المتحدة وإسرائيل لترتيب الأمن الإقليمي، ولكن لا يزال من المبكر الحديث عن هذه العمليات التنسيقية على أنها تحالف أو إطار تحالفي يتصرف كوحدة واحدة.

خاتمة

يتمحور الموقف التركي من الحرب على إيران حول معادلة تقليدية من ثلاثة عناصر؛ الأول هو إبقاء تركيا بعيدة عن الحرب والمساهمة في فتح المجال للحلول الدبلوماسية والحفاظ على التوازن بين الأطراف بما يمنع انهيار النظام في إيران.

ومع ذلك، فإن تركيا لا تراقب مشهد الحرب عن بُعد فهي في قلب تحولاتها وتداعياتها؛ فهي من الدول التي تشهد انعكاسات سلبية بسبب التأثير الاقتصادي للحرب وخاصة في مجال إمدادات الطاقة، كما أنها تتابع النتائج الأمنية والجيوسياسية المتلاحقة والتي تحمل إمكانية كبيرة لتحول موازين القوى بين إسرائيل والمنطقة إضافة لتحولات مرتبطة بموثوقية المظلة الأمنية الأمريكية سواء من منظور موقع تركيا في الناتو أو من منظور جيرانها الخليجيين. ولما سبق ركَّزَتْ أنقرة دورها في الوساطة لإدارة التوازن الحساس بين الأطراف ولإبقاء نفسها في قلب أي ترتيبات.

ومع إدراكها الواضح لأدوار الأطراف ونتائج الحرب لا ترى أنقرة نفسها معرضة للتداعيات السلبية للحرب فحسب بل ترى في نفسها فاعلًا يمكن أن يستفيد من فرصها من خلال شبكات التنسيق والشراكات الأمنية والاقتصادية.

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

———————————

بين تأشيرة واشنطن ومقص طهران.. كيف تحول “هرمز” لأكبر غرفة انتظار؟/ بديعة الصوان

على مدى عقود، ظل مضيق هرمز ذلك الشريان الذي يضخ الحياة في عروق الاقتصاد العالمي، ممرا ندرك وعورته الجيوسياسية، لكننا أبدا لم نتصور أن تغدو الملاحة فيه “سفرا بين حدين”، إذ لم يعد التحدي مجرد عبور في مياه دولية تتقاذفها الأمواج، بل صار عبورا فوق رمال سياسية متحركة.

المثير في الأمر، بل والأدهى، أن العقبة التي كانت توصف بالفريدة والمحفوفة بالمخاطر، لم تعد وحيدة، بل أصبحت العقبة عقبتين، فبعد أن كان “عنق الزجاجة” يضيق بفعل الجغرافيا والتوترات الإقليمية، بات اليوم محاصرا بمقص “السيادات المتصارعة”.

وبين مطالبة طهران بـ”رسوم سيادية” وضرائب عبور، وبين الوجود الأمريكي الذي يفرض وصاية الأمر الواقع، أصبحت السفن العابرة تائهة في بروتوكول مزدوج، وكأن هرمز لم يعد مضيقا، بل “غرفة انتظار” كبرى تتطلب تأشيرتين لمرور واحد.

“التنسيق”.. كلمة السر الإيرانية

تحولت عملية عبور مضيق هرمز من إجراء ملاحي روتيني إلى “تنسيق دبلوماسي معقد” يخلط بين السياسة، المال، والمناورة العسكرية.

وتظهر البيانات أن النجاح في المرور مرتبط بتفاهمات مسبقة، كما حدث  مع السفن السبع المرتبطة بماليزيا وناقلة الشركة التايلاندية (بانجشاك كوربوريشن)، حيث لعب التنسيق الدبلوماسي دور “صك العبور” دون دفع رسوم للخروج من الحصار.

إذ عبرت ناقلة النفط (أوشن ثاندر)، المحملة بالنفط الخام العراقي وتستأجرها وحدة تابعة لشركة الطاقة الحكومية الماليزية (بتروناس)، مضيق هرمز في 5 أبريل/نيسان، ومن المتوقع أن تفرغ حمولتها البالغة مليون برميل من خام البصرة الثقيل في بنجرانج بماليزيا في 18 أبريل/نيسان.

بدورها اعترفت الصين بالتنسيق المسبق مع الأطراف المعنية لمرور سفنها من المضيق  في 11 أبريل/نيسان، مثل “كوسبيرل ليك” المحملة بالنفط العراقي والمتوقع وصولها في بداية مايو/أيار و”خه رونغ هاي” المحملة بالنفط الخام السعودي.

هندسة الهروب

كما لجأت بعض السفن إلى ابتكار مسارات ملاحية لتجنب نقاط الاحتكاك المباشرة، كما فعلت ناقلة النفط العملاقة (سيريفوس) الماليزية والتي ترفع علم  ليبيريا في 10 أبريل/نيسان إذ اتخذت مسار منطقة الرسو التجريبية لتفادي المناطق الخطرة وهربا من الرقابة الإيرانية.

وفي محاولة لاستغلال “فترات الهدنة” رصدت شركة كبلر دخول ناقلة ‌‌‌‌‌‌‌‌النفط العملاقة (أجيوس فانوريوس 1)، التي ترفع علم مالطا، الخليج عبر مضيق هرمز في 15 أبريل/نيسان في محاولة ثانية للعبور، وكشفت البيانات أنها متجهة إلى العراق لتحميل خام البصرة لنقله إلى فيتنام.

وكانت الناقلة ضمن عدة سفن حاولت دخول الخليج، الأحد، في استغلال لفرصة “وقف إطلاق النار” المؤقت بين واشنطن وطهران مما يحول الملاحة إلى “اقتناص لحظات”.

واللافت في هذا الحصار أن النجاة لا تعتمد فقط على “علم السفينة”، بل على “هوية الحمولة”، إذ تتركز معظم السفن الناجحة في نقل النفط العراقي والسعودي والإماراتي المتجه إلى قوى آسيوية كبرى (الصين، الهند، فيتنام)، مما يشير إلى أن إيران تحاول تجنب صدام مباشر مع شركائها الاقتصاديين في آسيا.

تصميم خاص – صور محاكاة افتراضية للحصار الأمريكي لـ مضيق هرمز وفرض الرسوم الإيرانية على السفن ( مولدة بالذكاء الاصطناعي)

محاكاة افتراضية للوضع في مضيق هرمز وخليج عمان ( مولدة بالذكاء الاصطناعي)

انسيابية في مرمى النيران

في المقابل برزت الهند كلاعب رئيسي ملك النصيب الأكبر في اختراق الحصار، إذ أحصى بحث “الجزيرة نت” فيما يخصها عبور ما لا يقل عن 17 ناقلة عملاقة وشحنة إستراتيجية من مضيق هرمز منذ اندلاع المواجهة، توزعت بين النفط الخام والوقود وغاز الطهي.

لا تقتصر “الثغرات” على ذلك وحسب، بل كشفت رويترز أن إسلام آباد تمكنت هي الأخرى من تأمين احتياجاتها النفطية عبر ممر هرمز المتوتر، فبدلا من الناقلات العملاقة، اعتمدت باكستان على فئات (أفراماكس وباناماكس) في الدخول إلى السعودية والإمارات أبريل/نيسان الجاري.

ورُصد دخول الناقلتين “شالامار و”خيربور” إلى الخليج في 12 أبريل/نيسان في ذروة التوتر، متوجهتين إلى الإمارات والكويت لتحميل النفط والمنتجات المكررة.

وعبرت أيضا ناقلة النفط “بي.أليكي” من فئة أفراماكس مضيق هرمز في 28 مارس/آذار وفرغت شحنة نفط خام سعودي في كراتشي في 31 مارس/آذار، أي خلال 3 أيام فقط مما يعكس انسيابية مفاجئة في ظل الحصار المفروض.

العقبة التي أصبحت عقبتين

خروج هذه السفن -المحدود- من قلب المضيق لا يعني النجاة، بل هو بداية مطاردة يمكن أن تمتد لآلاف الأميال في المحيطات.

ومع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب فرض حصار على جميع السفن التي تحاول دخول مضيق هرمز أو مغادرته، لم يعد يقتصر المشهد على الإغلاق المادي، بل يدخلنا في مرحلة  “التكنولوجيا والمراقبة الفضائية” لاعتراض السفن في أي مكان؛ ونموذج الناقلة الفنزويلية في المحيط الهندي، خير دليل.

تعتمد الإستراتيجية الأمريكية الحالية في مضيق هرمز على مفهوم “الحصار اللامادي”، فالولايات المتحدة لم تعد بحاجة لإغلاق المضيق ماديا (وهو إجراء غير قانوني دوليا) بل تستطيع القوات الأمريكية اعتراض السفن التي تحمل شحنات مرتبطة بإيران على بعد عشرات آلاف الأميال.

وبمجرد خروج السفينة من المضيق ودخولها إلى المياه الإقليمية  تبدأ الطائرات والمدمرات الأمريكية بملاحقتها، مما يعني قدرة  البحرية الأمريكية على اعتراض أي شحنة مرتبطة بإيران في أي نقطة من مياه العالم، محولة الخروج من المضيق فخا لا نهاية له إلا الوقوع في قبضتهم.

وفي تطبيق عملي في وقت سابق من هذا العام، وبينما كانت واشنطن تضغط على نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا، استولت القوات الأمريكية على ناقلة فنزويلية في المحيط الهندي، على بعد آلاف الأميال من ميناء منشئها.

ملاحة انتقائية بعيدا عن أعين القانون

تؤكد طهران في تصريحاتها الرسمية أن المضيق يقع ضمن نطاق سيادتها، ولوّحت بإمكانية فرض رسوم أو قيود على حركة العبور، لكنّ المعطيات الميدانية تروي قصة مختلفة.

وتشير تقارير رويترز إلى أن إيران لم تُقدم على إغلاق المضيق بشكل كامل، بل سمحت بمرور عدد محدود من السفن، مع الحديث عن سقف يومي للعبور، إضافة إلى توجيه السفن للالتزام بتنسيق مسبق.

هذا التباين يكشف أن إيران، رغم خطابها الحاد، تعتمد عمليا سياسة العبور الانتقائي، مما يتيح لها ممارسة الضغط دون الوصول لمرحلة المواجهة المباشرة أو الانتحار الاقتصادي، وفقا لمحللين.

على الضفة الأخرى، لطالما تحدثت واشنطن عن حماية حرية الملاحة وفق القانون الدولي، وترفض أي محاولات لفرض قيود على المرور في المضيق.

ورغم تشديد القيادة المركزية الأمريكية على أن قواتها “لن تعيق حرية الملاحة” للسفن التي تعبر مضيق هرمز من وإلى موانئ غير إيرانية، في محاولة لطمأنة حركة التجارة الدولية، فإنها قالت -في بيان- إن الحصار سيشمل جميع الموانئ الإيرانية المطلة على الخليج العربي وخليج عُمان، مؤكدة أنه سيستهدف كافة السفن التجارية بمختلف جنسياتها، سواء الداخلة إلى السواحل الإيرانية أو الخارجة منها.

وأضافت أنها ستُصدر إشعارا رسميا يتضمن تفاصيل إضافية للبحارة التجاريين قُبيل بدء تنفيذ الحصار، داعية جميع السفن في خليج عُمان ومداخل مضيق هرمز إلى متابعة هذه الإشعارات بدقة.

وقالت القوات العسكرية الأمريكية، اليوم الأربعاء، إن حصارا أمريكيا أدى إلى “وقف التجارة الاقتصادية تماما” من وإلى الموانئ الإيرانية عن طريق البحر، وذلك بعد ساعات من إعلان مسؤولين عسكريين أن السفن الحربية الأمريكية واجهت 6 سفن تجارية غادرت ميناء إيرانيا وأجبرتها على العودة.

وفي الوقت ذاته، تشير التقارير الميدانية إلى أن القوات الأمريكية لعبت دورا مباشرا في التأثير على حركة السفن، حيث تم إجبار بعض الناقلات على تغيير مسارها أو العودة، خصوصا تلك المرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات.

خطوة خطيرة

ويوم الثلاثاء، انتقدت الصين، وهي مشترٍ رئيسي للنفط الإيراني سعت إلى النأي بنفسها عن المشاركة المباشرة في الحرب، الحصار الأمريكي ووصفته بأنه “خطوة خطيرة وغير مسؤولة”.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية غو جياكون: “هذا لن يؤدي إلا إلى تفاقم المواجهة، وتصعيد التوتر، وتقويض وقف إطلاق النار الهش بالفعل، وزيادة تعريض المرور الآمن عبر مضيق هرمز للخطر”.

كما تُظهر التقارير أن الوجود العسكري الأمريكي الكثيف في المنطقة لا يقتصر على الردع، بل يمتد عمليا إلى إدارة غير مباشرة لحركة الملاحة، بما يتجاوز الطرح النظري لحرية العبور.

وقالت القيادة المركزية الأمريكية إن أكثر من 10 آلاف بحار وجندي من مشاة البحرية وأفرادا من القوات الجوية الأمريكية يشاركون في العملية، وإنه في أول 24 ساعة، امتثلت 6 سفن تجارية للأوامر الأمريكية بالعودة و”إعادة الدخول إلى ميناء إيراني”.

وبين تأشيرة طهران التي تمنح حق العبور لمن ينسق، ومقص واشنطن الذي يترصد الشحنات في أعالي البحار، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي، بل صار مختبرا لصراع الإرادات لتظل السفن العابرة رهينة القرارات الملاحية، في انتظار حل سياسي يفكك عقدة المضيق الذي لم يعد يضيق بجغرافيته، بل بتناقضات لاعبيه.

المصدر: الجزيرة + رويترز + سي إن إن

———————————

رؤية إيرانية للتطبيع مع أميركا… حدود ما هو ممكن/ أليكس فاتانكا

وزير الخارجية الأسبق يحدد ثمن السلام

 14 أبريل 2026

لم يكن مضمون مقال محمد جواد ظريف الأخير في مجلة “فورين آفيرز” وحده ما أثار كل هذا الجدل، وإنما أيضا توقيت نشره والمنبر الذي اختاره. فقد دعا ظريف إيران إلى أن تستثمر ما عدّه صمودا في زمن الحرب، لا لإطالة أمد المواجهة، وإنما لتحويله إلى تسوية دائمة مع الولايات المتحدة، تقوم على فرض قيود على الملف النووي مقابل رفع العقوبات، وإعادة فتح مضيق هرمز، وإبرام اتفاق لعدم الاعتداء، بل وحتى فتح الباب أمام تفاعل اقتصادي مستقبلي مع الشركات الأميركية.

وفي طهران، شكك المنتقدون المتشددون في هذا الطرح منذ اللحظة الأولى، ورأوا فيه مدخلا إلى مساومة مع عدو لا تزال الحرب قائمة معه، وليس تعبيرا عن مرونة استراتيجية. وفي بعض الأوساط، جاء الرد عنيفا إلى حد بعيد. فوصفوا ظريف بالضعف، واتهموه بأنه يمنح ترمب مخرجا يحفظ ماء الوجه، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى تهديده بالقتل صراحة. بل إن أحد أبرز منتقديه حذره من أن أمامه أياما معدودة للتراجع عن تصريحاته، وإلا فسيواجه حشدا غاضبا أمام منزله.

قد يبدو، للوهلة الأولى، أن هذه العاصفة تؤكّد للصورة التقليدية عن النظام الإيراني المنقسم بين دبلوماسيين برغماتيين ما زالوا يفكرون بلغة إدارة الدولة، ومتشددين عقائديين لا يعرفون سوى لغة “المقاومة”. غير أن تركيبة الفريق الإيراني الذي أُرسل إلى إسلام آباد لإجراء محادثات مع نائب الرئيس جيه دي فانس توحي بصورة أشد تعقيدا.

فبدلا من أن يترأس الوفد أحد الدبلوماسيين المعتدلين الهامشيين، قاده رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، وضم- بحسب التقارير- نحو سبعين شخصا، بينهم خبراء متخصصون في المجالات الاقتصادية والأمنية والسياسية. وهذه ليست صورة دولة مفككة ترتجل قراراتها تحت وطأة الضغط، وإنما هي أقرب إلى جهد أقرته مؤسسات النظام، وشاركت فيه أذرع مختلفة من الجمهورية الإسلامية لاختبار ما إذا كان من الممكن التوصل إلى اتفاق بشروط تستطيع طهران التعايش معها.

وهذا الفارق مهم. ففي المدى القصير، لا يتمثل السؤال الحقيقي فيما إذا كانت أطراف داخل النظام الإيراني تريد إنهاء الحرب، لأن المعطيات المتاحة جميعها تشير إلى أن معظمها يريد ذلك. السؤال الأهم، في الحقيقة، هو ما إذا كانت الرغبة في وضع حد سريع للقتال تمتد إلى قبول ذلك النوع من السلام الدائم مع واشنطن الذي رسمه ظريف. وعند هذه النقطة، تصبح الإجابة أكثر غموضا.

ومن زاوية ما، اكتسب مقال ظريف أهميته لأنه حاول إعادة تعريف معنى التسوية في لحظة جيوسياسية مشحونة إلى أقصى حد. فهو لم يكتب من موقع ناقد معتذر للجمهورية الإسلامية، ولا من موقع داعية إلى الاصطفاف مع الغرب. لقد كتب من داخل المؤسسة، من موقع من يرى أن إيران أظهرت قدرا كافيا من الصمود يتيح لها أن تفاوض من موقع قوة. وفي تصوره، لن يكون اتفاق السلام استسلاما، وإنما ثمرة لما تحقق في زمن الحرب. ولهذا أثار المقال كل ذلك الجدل. فلو أن ظريف دعا إلى تقديم تنازلات انطلاقا من موقع ضعف إيراني، لكان من السهل تجاهله أو نعته بالسذاجة.

أما ما جعله خطرا في نظر منتقديه، فهو أنه دعا إلى الدبلوماسية انطلاقا من موقع قال إنه موقع تفوق. وهنا مس إحدى الركائز العاطفية والسياسية الأساسية لدى متشددي زمن الحرب: فكرة أن الصمود ينبغي أن يبقى هو الاستراتيجية نفسها، فيبقى الهدف دائما، ولا يتحول إلى وسيلة تفضي إلى استراتيجية أخرى.

غير أن موجة الهجوم كشفت أيضا عمّا هو أعمق من مجرد غضب أيديولوجي. فقد أظهرت أن الدبلوماسية في طهران لا تتعلق بالمضمون وحده، وإنما بالسلطة أيضا. من يملك حق إرسال الإشارات؟ وبأي تفويض؟ وباسم من؟ ربما عبّر مقال ظريف عن أحد اتجاهات التفكير داخل النخبة، لكنه، حين نشره في مجلة “فورين أفيرز” الأميركية الموجهة إلى نخبة السياسة الخارجية، كان يتحدث أيضا خارج القنوات المحكمة التي تفضل الجمهورية الإسلامية أن تمرر عبرها رسائلها. وهكذا بدا المقال أقرب إلى تدخل في النقاش حول ما ينبغي للنظام أن يفعله بعد ذلك، لا إلى موقف رسمي أقره. وفي نظام تحكمه الشكوك في زمن الحرب، كان هذا وحده كافيا لإثارة رد فعل عنيف.

ومع ذلك، فإن ما جرى في إسلام آباد يكشف أن النظام نفسه لا ينفر من التفاوض، بل إن العكس هو الصحيح. فطهران لم ترسل وفدا رمزيا. لقد أوفدت محمد باقر قاليباف، والرجل هنا ليست سيرته أمرا عارضا. فهو ليس النظير المقابل لظريف، وإنما قائد سابق في “الحرس الثوري” الإيراني، وشخصية تنتمي إلى دولة الأمن، أو ما يوصف أحيانا بـ”الدولة العميقة”.

وحضوره بحد ذاته يوحي بأن أي دبلوماسية جادة باتت تمر عبر مؤسسات أقرب إلى مركز القوة والإكراه داخل النظام. وإلى جانبه كان عباس عراقجي، الدبلوماسي المخضرم الذي مثل طويلا الوجه الأكثر تقنية وقدرة على التفاوض في إدارة الدولة الإيرانية. ووفقا لما نقلته التقارير من إسلام آباد، أحاط بهما وفد كبير ضم ممثلين عن الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية. وهذه ليست ملامح نظام تتداعى أجنحته أو تنهار توازناته الداخلية، وإنما أقرب إلى محاولة منسقة من مؤسسات النظام لمعرفة ما إذا كان من الممكن تحويل الصمود في ساحة المعركة إلى ترتيب سياسي.

وهنا يخطئ كثير من المراقبين خارج إيران في فهم طهران. فكثيرا ما يخلطون بين الضجيج العلني وآلية صنع القرار الفعلية. فالجمهورية الإسلامية صاخبة بطبيعتها، أو لعلها تتعمد ذلك. فهي تضم مؤسسات متنافسة، وشخصيات متنازعة، وأصحاب مشاريع أيديولوجية، ومنظومات إعلامية تتحدث غالبا بلغات متباينة إلى حد بعيد. غير أن النظام، في قضايا الحرب والسلام، أظهر تاريخيا قدرة على تضييق هامش الجدل متى قررت القيادة الأساسية أي خط تريد أن تسلكه. فالجدل العلني، حتى حين يكون حادا أو فجاً، لا يعني بالضرورة وجود ارتباك استراتيجي. وفي كثير من الأحيان، يؤدي وظيفة محددة: اختبار ردود الفعل، ورسم حدود المسموح، وترهيب المعترضين، والإبقاء على مساحة من الغموض إلى أن يُحسم القرار النهائي.

ولهذا، لا ينبغي المبالغة في تصوير التناقض بين الرسالة التي حملها مقال ظريف في مجلة “فورين آفيرز” والمحادثات الفاشلة في إسلام آباد. فمقال ظريف لم يثبت وجود معسكر يريد السلام وآخر يريد حربا بلا نهاية. وكل ما كشفه هو وجود خلاف حول الأسلوب والتوقيت، وحول من يملك الحق السياسي في طرح المبادرة. فالرجال الذين هاجموا ظريف لم يكونوا، بالضرورة، يرفضون كل أشكال الدبلوماسية إلى الأبد. فكثير منهم كان يرفض فكرة أن يظهر وزير خارجية سابق، يكتب في مجلة أميركية، وكأنه هو من يحدد الشروط المقبولة للسلام. أما الوفد الذي ذهب إلى باكستان، فقد جسد، على النقيض من ذلك، دبلوماسية أعادها النظام إلى كنفه ووضعها تحت سيطرته.

ومع ذلك، تظل هناك فجوة واسعة بين الأمرين: بين القبول بمحادثات تنهي حربا خطرة، وبين تبني ذلك النوع من السلام الدائم الذي تصوره ظريف. والوفد الذي ذهب إلى إسلام آباد يلمح، في حد ذاته، إلى الموضع الذي قد يقف عنده هذا الحد. فقد أفادت “رويترز” بأن الوفد الإيراني حمل معه مطالب تركزت على الإفراج عن الأصول المجمدة، وتخفيف العقوبات، والحصول على تعويضات عن زمن الحرب، والاعتراف بالحقوق النووية الإيرانية. وفي المقابل، أشارت التغطيات الأوسع للمحادثات إلى هوة كبيرة ظلت قائمة في ملفات تخصيب اليورانيوم، والصواريخ، والتحالفات الإقليمية، ومستقبل مضيق هرمز. وما يوحي به ذلك ليس أن القيادة الإيرانية مستعدة لتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة على نحو عميق، وإنما أنها معنية بإنهاء الحرب من دون التخلي عن بنية الردع التي باتت الجمهورية الإسلامية ترى أن بقاءها معلق بها.

وهذا هدف أضيق كثيرا من تصور ظريف. فقد كان يكتب عما يشبه إعادة ضبط استراتيجية شاملة: ليست صداقة بالطبع، وإنما ترتيب مستقر يقبل فيه كل طرف بديمومة الطرف الآخر، ويقيم آليات تقلل من احتمال اندلاع صراع جديد في المستقبل. وهنا تحديدا تبدأ أكثر دوائر النظام تصلبا في إبداء المقاومة. فالصفقة القصيرة الأجل يمكن تسويقها داخل طهران على أنها ثمرة من ثمار الصمود. أما السلام المستدام فمسألة أشد تعقيدا. فهو يحتاج، إلى جانب المرونة التكتيكية، إلى تصور مختلف للولايات المتحدة نفسها. ويحتاج إلى الاقتناع بأن واشنطن قادرة على الالتزام باتفاقات، وأن خفض التصعيد يمكن أن يتجاوز الأزمة الآنية، وأن شرعية الجمهورية الإسلامية لا تتضرر من تفاهم معلن ومفاوض عليه مع عدوها الرئيس لتنظيم قواعد التعايش بينهما. وهذه كلها أثقال أكبر بكثير من مجرد إعادة فتح قناة دبلوماسية في إسلام آباد.

وثمة سبب بنيوي آخر يدعو إلى التحفظ. فالحرب عززت موقع ذلك الجزء من النظام الأقل ميلا إلى الثقة بالسلام. فالمؤسسات الأمنية، والقوى السياسية المتحالفة معها، قد تقبل التفاوض حين ترتفع كلفة الحرب إلى ما يفوق الاحتمال، أو حين تقتضي الضرورة تحويل أوراق القوة إلى مكاسب ملموسة. لكن السلام الدائم شأن آخر. فهو قد يفضي إلى إعادة توزيع موازين القوة داخل النظام الإيراني نفسه، فيرفع من شأن الدبلوماسيين والاقتصاديين والتقنيين، ويقوّض احتكار المؤسسات التي تستمد سلطتها من دوام المواجهة. كما يفتح الباب أمام توقعات اجتماعية جديدة في الداخل، ويعيد طرح السؤال القديم: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية أن تطبّع علاقاتها في الخارج من دون أن تبدأ بالتراخي في الداخل؟ وبالنسبة إلى نظام يقوم على توتر مضبوط الإيقاع، فهذه ليست مسألة تقنية، بل قضية قد تمس صميم وجوده.

وعليه، فإن الدرس الذي يكشفه مقال ظريف لا يتمثل في أن طهران منقسمة على نحو ميؤوس منه. والأرجح أن النظام أكثر تماسكا مما يوحي به كل ذلك الصخب، لكنه متماسك حول هدف محدود. فقد أظهر الوفد الذي ذهب إلى باكستان أن المؤسسات السياسية والدبلوماسية والأمنية في إيران ما زالت قادرة على الاجتماع حول موقف واحد حين ترى أن المحادثات قد تساعد على إنهاء حرب باهظة الكلفة. لكنه لم يُظهر أنها باتت مستعدة لاعتناق الفكرة الأوسع التي طرحها ظريف عن سلام دائم مع أميركا. وهنا يلوح الحد الفاصل الذي يتكشف الآن. فطهران قد تكون قادرة على تصور صفقة، أما تخيل سلام دائم فما زال أبعد وأكثر التباسا.

المجلة

———————————

حق النقض”.. الذي أدهش العالم/ فضل عبد الغني

في يوم الثلاثاء 7 أبريل/نيسان الجاري، أخفق مجلس الأمن الدولي في اعتماد مشروع قرار يدعو إلى إعادة فتح مضيق هرمز، بعد أن استخدمت روسيا والصين حق النقض ضد نص حظي بتأييد أحد عشر عضوا من أصل خمسة عشر.

وكانت البحرين قد قدمت المشروع نيابة عن تحالف خليجي يضم الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وقطر، والكويت، والأردن، بهدف تأكيد مبدأ بقاء المضيق مفتوحا أمام الملاحة الدولية. وامتنعت باكستان، وكولومبيا عن التصويت.

وبهذا المعنى، اختتم التصويت مسارا دبلوماسيا امتد طويلا، كما جسد، نمطا راسخا في عمل المجلس، يتمثل في عجز بنيوي عن الحسم حين تتعارض إرادة الأغلبية مع مصالح الدول المالكة حق النقض.

لقد أُغلق مضيق هرمز أمام معظم حركة الملاحة التجارية منذ اندلاع الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير/شباط 2026. ويمنع الموقف الإيراني مرور السفن التابعة للولايات المتحدة أو إسرائيل أو حلفائهما، مع السماح بمرور سفن الدول الأخرى بعد التنسيق.

وقد أشارت طهران إلى نيتها فرض رسوم عبور فور انتهاء النزاع، فيما أعلنت البحرية الإيرانية أن المضيق دخل ما وصفته بـ”واقع جديد” لن يعود بعده إلى وضعه السابق.

ويمر عبر هذا الممر المائي نحو 11% من التجارة العالمية، وأكثر من ربع تجارة الخام المنقولة بحرا، ونحو 20 مليون برميل يوميا من النفط ومشتقاته، فضلا عن قرابة خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم.

لذلك فإن إغلاقه يمثل شللا في سلاسل إمداد الطاقة العالمية، يطال دولا بعيدة عن النزاع، ولا سيما الدول المستوردة للغذاء والطاقة في آسيا وأفريقيا.

ويبدو الإطار القانوني الحاكم للمضيق، في بعده التعاهدي، واضحا إلى حد بعيد. فالجزء الثالث من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ولا سيما المواد من 37 إلى 44، يكرس نظام المرور العابر في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، وينص على عدم جواز إعاقة هذا المرور أو تعليقه.

ولم ينشأ هذا النظام من فراغ؛ إذ أرست محكمة العدل الدولية في حكمها الصادر عام 1949 في قضية قناة “كورفو” مبدأ مؤداه أن الدول لا تملك حق إعاقة المرور البريء عبر المضائق الدولية.

واستند الإطار اللاحق لاتفاقية قانون البحار إلى هذا المبدأ، ويعده كثير من فقهاء القانون الدولي قاعدة عرفية ملزمة، وإن ظل هذا التوصيف محل نقاش من حيث مدى استقرار ممارسة الدول والاعتقاد بالإلزام على نحو يكفي لتأسيس إلزام عرفي كامل في مواجهة الدول غير الأطراف.

وهنا تكمن المعضلة التي حضرت، صراحة أو ضمنا، في خلفية التصويت؛ فإيران ليست طرفا في اتفاقية قانون البحار، إذ امتنعت عن التصديق عليها، وهو ما أوجد ثغرة في الالتزام التعاهدي المباشر استندت إليها في تبرير موقفها.

فهي لا تنازع في وجود نظام المرور العابر من حيث المبدأ، لكنها تنازع في انطباق المعاهدة عليها. وبدلا من ذلك، تستند إلى حق الدفاع عن النفس بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، وإلى قوانين الحرب البحرية التي تجيز للدول المتحاربة تقييد الوصول إلى المياه الواقعة ضمن منطقة العمليات.

غير أن تصوير هذا الإغلاق الانتقائي بوصفه أثرا ملازما للنزاع المسلح يظل محل طعن بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، لأن تبعاته تقع بصورة غير متناسبة على دول محايدة لا صلة لها بالأعمال العدائية.

ومن ثم، لم يكن السؤال القانوني المطروح في خلفية التصويت ما إذا كان حق المرور العابر قائما، بل ما إذا كان وضع إيران كدولة غير منضمة إلى الاتفاقية، واستنادها إلى حقوق المحاربين، ينشئ استثناء قانونيا معترفا به، وما إذا كان هذا الاستثناء يمكن أن يصمد حين يكون المتضررون الرئيسيون جهات تجارية محايدة لا أطراف النزاع ذاتها.

التصويت بوصفه لحظة كاشفة

تكمن أهمية تصويت 7 أبريل/نيسان في أنه كشف بوضوح حدود ما يستطيع مجلس الأمن قوله، لا ما يستطيع فعله فقط. فالمشروع الذي عرض للتصويت لم يكن في صيغته النهائية مشروعا إنفاذيا صريحا، بل نصا جرى تقليصه تدريجيا لتوسيع فرص تمريره.

فقد استندت نسخ سابقة إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وتضمنت تفويضا باستخدام القوة لضمان حرية المرور، إلا أن روسيا والصين رفضتا تلك الصيغ.

وعندما طرح النص النهائي، كان قد جرد من أي إشارة إلى الفصل السابع، وتحول إلى وثيقة إعلانية تؤكد الالتزام القانوني بفتح المضيق، دون أن تقترن بآليات إنفاذ عملية. ومع ذلك، لم ينجح هذا التخفيف في كسر الاعتراض، فسقط المشروع بالفيتو ذاته.

وهذا يعني أن الاعتراض لم يكن موجها إلى أداة الإنفاذ المقترحة فحسب، بل إلى فكرة اتخاذ مجلس الأمن موقفا جماعيا أصلا من أزمة هرمز.

فحتى بعد تجريد النص من أي أثر قسري مباشر، بقي مرفوضا من جانب موسكو وبكين. ومن هذه الزاوية، بدا التصويت كاشفا لحدود الشرعية التي تسمح بها الدولتان للمجلس في هذا الملف: ليس فقط منع التفويض، بل أيضا منع تثبيت موقف مؤسسي واضح يؤكد قاعدة قانونية قائمة.

وتزداد دلالة هذا الإخفاق وضوحا إذا قورن بما حدث في 10 مارس/آذار، حين اعتمد المجلس القرار (2817) لعام 2026 الذي يدين هجمات إيران على جيرانها الإقليميين، بينما فشل مشروع روسي منافس بشأن أزمة المرور في الدورة نفسها.

لم يكن المجلس غائبا بالكامل عن النزاع، لكنه عجز، في كل محاولة، عن معالجة بعده البحري تحديدا. وبذلك لم يعد السؤال هل ناقش المجلس الأزمة، بل لماذا تمكن من مقاربة بعض جوانبها وعجز عن مقاربة الجانب الأكثر اتصالا بالاقتصاد العالمي.

دوافع الفيتو.. بين ضبط الاختصاص وإدارة التوازنات

يمكن فهم الفيتو الروسي والصيني من خلال موقفي الدولتين المعلنين، من دون الحاجة إلى افتراض دوافع غير مسندة. فقد عارضتا تصوير إغلاق المضيق بوصفه مسألة إنفاذ تدخل ضمن اختصاص مجلس الأمن، ولا سيما في ضوء موقفهما من الحملة الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران.

أما الصين، فيتسم موقفها بقدر أكبر من التعقيد، لأن مصلحتها الاقتصادية المباشرة تبدو- ظاهريا- في الاتجاه المعاكس. فهي تستورد كميات كبيرة من المحروقات الخليجية، ولها مصلحة واضحة في إعادة فتح المضيق.

ومع ذلك، رجحت بكين أن التصويت ضد القرار يتسق مع تمسكها التقليدي بمبدأ عدم التدخل ومعارضتها الصيغ التي قد تفتح الباب، ولو سياسيا، أمام تفويضات إنفاذية ترعاها الدول الغربية.

والأرجح أن الفيتو الصيني لم يكن تضحية بسيطة بمصلحة تجارية آنية، بل تعبيرا عن حساب إستراتيجي متعدد المستويات، ترى فيه بكين أن حماية مبدأ عدم التدخل تخدم مصالحها الطويلة الأمد، حتى إذا ترتب على ذلك كلفة اقتصادية قصيرة الأجل.

أما الموقف الروسي، فيبدو أكثر مباشرة. في ظل ارتباط موسكو بتحالف واضح مع طهران، وسعيها المستمر إلى تفكيك التكتلات التي تقودها الدول الغربية داخل مجلس الأمن.

ولم يعكس الفيتو الروسي، كما لم يعكس نظيره الصيني، حكما قانونيا إيجابيا بمشروعية إغلاق المضيق، بقدر ما عبر عن تقدير سياسي مؤداه أن المجلس ليس الإطار الذي ينبغي أن تعالج من خلاله هذه الأزمة.

لم يكن مشهد التصويت منقسما فقط بين مؤيدين ومعارضين، بل كشف أيضا عن أهمية الامتناع بوصفه موقفا سياسيا قائما بذاته. وجاء امتناع باكستان في ضوء دورها كأحد الأطراف الفاعلة في مسار الوساطة الإقليمية الجارية بالتنسيق مع مصر، والمملكة العربية السعودية، وتركيا.

فقد اختارت إسلام آباد ألا تصوت لصالح القرار وألا تصوت ضده، فيما يبدو قرارا محسوبا لتفادي الإضرار بموقعها التفاوضي. فالتصويت لصالح المشروع كان سيقرأ على أنه انحياز إلى المعسكر الخليجي وكذلك الغربي، بينما كان التصويت ضده سيضعها في صف الفيتو الروسي الصيني، ويثير حساسيات مع شركائها في التحالف الخليجي.

أما امتناع كولومبيا، فيبدو أقرب إلى تعبير عن حياد حذر في قضية تهيمن عليها خصومة القوى الكبرى، من دون أن يحمل الثقل الإستراتيجي نفسه الذي حمله الامتناع الباكستاني.

ومع ذلك، تظل الأصوات الأحد عشر المؤيدة ذات وزن سياسي معتبر. إذ تعكس وجود أغلبية واضحة داخل المجلس أيدت مبدأ بقاء المضيق مفتوحا وفقا للقانون الدولي. وحتى وإن لم يتحول هذا التأييد إلى قرار ملزم، فإنه يشكل سجلا سياسيا يمكن للبحرين وحلفائها الاستناد إليه في مسارات لاحقة، بما في ذلك الجمعية العامة، حيث لا يطبق حق النقض.

ويثير هذا التصويت بالفيتو سؤالا مؤسسيا: هل ما زال مجلس الأمن يحتفظ بدور فعال في إدارة الأمن البحري حين يستخدم حق النقض لحماية الجهات التي تعطل البنية التحتية البحرية الحيوية؟

وفي هذا السياق، يبدو تحذير وزير الخارجية البحريني من ترسيخ “نمط سلوكي غير مسؤول” دقيقا من الناحية التحليلية، لأن الاستخدام المتكرر للفيتو لمنع أي تحرك إزاء نمط محدد من التعطيل لا يوقف القرار الحالي فقط، بل يرسخ سابقة تضعف وظيفة المجلس نفسها.

وهذه الديناميكية لا تعد جديدة في فشل المجلس وتقاعسه، إذ ظهرت في أزمات أخرى ارتبطت فيها مصالح الدول الخمس دائمة العضوية بصورة مباشرة، وكلها أمثلة على المنطق الهيكلي ذاته. لكن ما يميز حالة هرمز هو اتساع أثرها الاقتصادي على نحو استثنائي.

لذلك تبدو الفجوة، في هذه الحالة، بين حجم الاضطراب وقدرة المجلس على الاستجابة أوسع من معظم السوابق، والسبب ليس غياب السلطة القانونية، بل تعطيلها سياسيا من داخل بنية المجلس نفسها.

وقد يقال إن مجلس الأمن ليس المنبر الأنسب لمثل هذه النزاعات البحرية، وإن اتفاقية قانون البحار تتضمن آليات خاصة لتسوية النزاعات، بما في ذلك التحكيم بموجب الملحق السابع.

غير أن هذا الاعتراض لا ينفي المشكلة بقدر ما يعيد صياغتها. فإيران ليست طرفا في الاتفاقية أصلا، وهو ما يحد من إمكان اللجوء إلى آلياتها على نحو مباشر. كما أن المنظمة البحرية الدولية لا تملك صلاحيات إنفاذ.

وتبقى الجمعية العامة خيارا لإصدار قرار إعلاني أو لطلب فتوى استشارية من محكمة العدل الدولية، لكنّ أيا من هذين المسارين لا يوفر القوة الملزمة التي كان يمكن أن يمنحها قرار صادر عن مجلس الأمن.

والنتيجة العملية أن الفراغ الذي يخلفه هذا العجز قد يملأ بتدابير أحادية أو بتحالفات بحرية خارج الإطار متعدد الأطراف، على غرار عمليات مرافقة الناقلات في حرب الخليج الأولى خلال الثمانينيات، بما يعيد الأمن البحري إلى منطق موازين القوى بدلا من منطق القانون.

خاتمة

لم يكن التصويت على مضيق هرمز مجرد إخفاق إجرائي عابر، بل مثل لحظة كاشفة لمشكلة هيكلية متكررة في مجلس الأمن.

فالمجلس، الذي صمم ليكون ضامنا للسلم والأمن الدوليين، على أن يشكل حق النقض فيه ضمانة تحول دون فرض إجراءات إنفاذية على دولة كبرى، انتهى عمليا إلى وضع يمكن فيه لهذا الحق أن يمنع حتى إصدار موقف رسمي يؤكد التزامات قانونية قائمة.

وفي حالة هرمز، لم يسقط الفيتو مشروعا يستخدم القوة، بل أسقط أيضا نصا مخففا اكتفى بإعادة تأكيد مبدأ قانوني أساسي. وهنا تكمن دلالة التصويت الحقيقية: أن المجلس لم يفقد فقط قدرته على الإنفاذ، بل بات يفقد، في بعض القضايا، قدرته على التعبير المؤسسي نفسه.

أما الكلفة الاقتصادية لإغلاق المضيق، فتظل واقعة على عاتق دول وشعوب لا علاقة لها بقرار الإغلاق، ولا تعطيل معالجته.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، حاصل على الماجستير في القانون الدولي، ومتوّج بالجائزة الفرنسية الألمانية لحقوق الإنسان عام 2023

الجزيرة

——————————

حرب إيران واختبار استراتيجية التحوّط الخليجية/ غاندي المهتار

دول الخليج بين الحياد الحذر وضغوط الحرب مع إيران: استراتيجية التحوّط تحت الاختبار

2026-04-16

وضعت الحرب مع إيران دول الخليج في قلب الصراع. وقد نظرت طهران إلى هذه الدول باعتبارها ورقة ضغط محتملة على الولايات المتحدة لتقصير أمد الحملة. ومع ذلك، ورغم تعرّض أراضيها لهجمات إيرانية، امتنعت حتى الآن عن الانخراط العلني في الحرب، مفضّلة اتباع سياسة حذرة تقوم على السماح لقوى أخرى بالعمل انطلاقًا من أراضيها، مع تنفيذ خطوات هجومية قابلة للإنكار.

وبحسب تقرير معهد “دراسات الأمن القومي” الإسرائيلي، تعكس هذه المقاربة مزيجاً من الخشية من تصعيد الأذى الإيراني، ومن الغموض الذي يلف أهداف الولايات المتحدة. ومن منظور دول الخليج، لا يُقاس نجاح الحملة فقط بحجم الضرر الذي يلحق بإيران، بل أساسًا بمدى إمكانية قيام إطار إقليمي ـ دولي يمنعها من إعادة بناء قدراتها.

السؤال المحوري هو: هل تقوّض الحرب منطق “التحوّط” الذي اعتمدته دول الخليج تجاه إيران، أم أنها تؤكد ضرورته؟ كما تطرح الحرب تداعيات معقّدة على طبيعة العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج، بما تحمله من فرص ومخاطر قد تحدّ من فعاليتها.

على مدى السنوات الماضية، استثمرت دول الخليج بكثافة في بناء منظومات دفاعية متطورة، خصوصًا في مجال الدفاع الصاروخي، وعزّزت شراكاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، ووسّعت تعاونها الإقليمي. وفي الوقت نفسه، عملت على تحسين علاقاتها مع إيران كجزء من سياسة إدارة المخاطر، بهدف تقليل احتمالات التصعيد وخفض دوافع طهران لاستهدافها.

لم تُسحب دول الخليج إلى الحرب بسبب شكوك في مبرراتها، بل نتيجة إدراكها أنها ستدفع ثمنها. وقد عارضت التصعيد خشية عدم تحقيق نتائج حاسمة، سواء في تغيير سلوك إيران، لا سيما في ملفي الصواريخ والوكلاء، أو في إحداث تغيير سياسي داخلي. لذلك، سعت إلى الدفع نحو تسوية تفرض قيوداً على إيران، وتمنع في الوقت نفسه الانزلاق إلى التصعيد، متجنّبة الخوض في ملف الاحتجاجات الداخلية الإيرانية، ومعلنة حيادها ورفض استخدام أراضيها لشن هجمات.

لكن إيران، منذ بداية الحرب، استهدفت دول الخليج، بما في ذلك أهداف مدنية. ومع ذلك، لم يدفعها ذلك إلى الانخراط المباشر، بل تمسّكت باستراتيجية التحوّط، مع الحفاظ على قنوات التواصل مع طهران، وتجنّب خطوات قد تفضي إلى مواجهة أوسع. ويعود هذا السلوك إلى محدودية قدراتها العسكرية نسبياً، وهشاشتها الاقتصادية، إضافة إلى عدم وضوح الأهداف الأميركية وإمكانية تحقيقها.

بناءً عليه، تفضّل دول الخليج أن تنتهي الحرب بإيران ضعيفة ومقيّدة، ومنشغلة بأزماتها الداخلية، من دون أن يتوحّد مجتمعها خلف النظام. كما تسعى إلى تقصير أمد الحرب وتفادي استنزاف طويل قد يضرب استقرار الطاقة والاقتصاد في المنطقة، ويقوّض مشاريعها التنموية الطموحة. والنتيجة المفضّلة لديها ليست نصراً عسكرياً كاملاً، بل تسوية مستقرة مدعومة بآليات رقابة وتنفيذ موثوقة.

ورغم أن الحرب أوجدت تقارباً ظاهرياً بين دول مجلس التعاون الخليجي، فإن هذا التقارب مرشّح للتلاشي، مع توقع عودة الخلافات، خصوصًا بين السعودية والإمارات، وربما حتى قبل انتهاء الحرب.

تُعدّ السعودية طرفاً مركزياً في فهم هذه الديناميات. فبرغم اعتبارها إيران تحدياً استراتيجياً أساسياً، سارعت إلى تكثيف الحوار معها وتجنّب المواجهة المباشرة، خشية الانزلاق إلى صراع متعدد الجبهات. وترى أن الانخراط العسكري المباشر لن يغيّر موازين الصراع جذريًا، لكنه سيستدعي ردوداً إيرانية أشد. لذا سمحت باستخدام قواعدها من قبل الولايات المتحدة بعد تعرضها لهجمات، لكنها تجنّبت المشاركة العلنية، في إشارة واضحة للدول الخليجية الأصغر بضرورة ضبط النفس.

الحرب لا تكشف واقعاً جديداً بقدر ما تُبرز واقعاً معروفاً: التفوق الإيراني في أدوات الحرب غير المتكافئة، خصوصاً الصواريخ والطائرات المسيّرة. وقد أظهرت الحرب فجوات في قدرات الدفاع الجوي والتصدي للهجمات الكثيفة، وهي فجوات تعاني منها حتى قوى كبرى. وهذا الخلل بنيوي في طبيعة الحروب الحديثة، حيث إن الهجوم أرخص وأسهل من الدفاع، ومن غير المتوقع أن يختفي قريباً.

حتى الآن، لم ترَ دول الخليج جدوى في اتخاذ مواقف تصعيدية علنية ضد إيران، خشية أن تُترك لاحقاً في مواجهة نظام إيراني متضرر لكنه أكثر اندفاعاً للانتقام. كما أن كلفة الاصطفاف العلني مع الولايات المتحدة وإسرائيل تبدو مرتفعة في ظل الشكوك حول الالتزام الأميركي طويل الأمد. لذلك، تفضّل دعم الجهود العسكرية بشكل غير مباشر، دون بلوغ عتبة الحرب.

وبهذا المعنى، لا تعكس الهجمات الإيرانية فشل استراتيجية التحوّط، بل تؤكد ضرورتها، مع إبراز حدودها أيضاً. غير أن استمرار ضبط النفس يحمل بدوره كلفة، إذ قد يُفسَّر كعلامة ضعف.

في المحصلة، لا تُسقط الحرب منطق التحوّط الخليجي، بل تعيد تأكيده، لكنها في الوقت نفسه تكشف حدوده، وتفرض على دول الخليج إعادة موازنته بين الأمن، والاقتصاد، والسياسة الإقليمية.

+963

—————————-

بين الدبلوماسية والتصعيد… إلى أين تتجه المفاوضات الأميركية-الإيرانية؟

أما الحرب فثمة احتمال أن تتجه نحو مزيد من التصعيد

“ذي إيكونوميست”

12 أبريل 2026

انتهت المفاوضات التي استمرت أقل من يوم واحد بمؤتمر صحافي مقتضب لم يتجاوز الثلاث دقائق، ومن دون اختراق يذكر. فقد بدأت المحادثات الأميركية-الإيرانية عصر السبت، واستمرت طوال الليل لنحو 21 ساعة. وبحلول اللحظة التي ظهر فيها جيه دي فانس أمام الصحافيين في إسلام آباد، كانت الشمس قد أشرقت على العاصمة الباكستانية. وقال نائب الرئيس الأميركي: “لم نتوصل إلى اتفاق. لقد أوضحنا بصورة جلية للغاية ما هي خطوطنا الحمراء… وهم اختاروا أن لا يقبلوا شروطنا”.

كان المزاج في الجانب الإيراني متشائما بالقدر نفسه. فقال إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية، إن المحادثات جرت في أجواء من “انعدام الثقة والريبة”. واتهمت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية ما وصفته بـ”المطالب الأميركية التعجيزية” بإفشال التوصل إلى اتفاق. وغادر رئيسا الوفدين عائدين إلى بلديهما، من دون تحديد موعد لجولة جديدة.

غير أن إخفاق قمة واحدة لا يعني أن الدبلوماسية لفظت أنفاسها. فما زالت هناك فرصة لمزيد من المحادثات، إذ يفترض أن يستمر وقف النار الذي أعلنه الطرفان في الثامن من أبريل/نيسان لمدة أسبوعين، مع إمكان تمديده باتفاقهما. ومع أن فانس تحدث وكأن باب التفاوض أوصد تماما، فإن تقديم “عرض نهائي” ثم الانسحاب يمثل في حد ذاته أحد أساليب التفاوض. ولكن ما آلت إليه مباحثات إسلام آباد يكشف مدى الصعوبة الكامنة في إنهاء حرب يعتقد كل طرف فيها أنه يقترب من الانتصار.

ومع ذلك، كان ثمة مؤشرات تدعو إلى التفاؤل. فهذه أرفع مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران منذ الثورة الإسلامية عام 1979. وشعر الإيرانيون بالارتياح لأن فانس ترأس الوفد الأميركي، على أمل أن يكون الرجل، الذي يعلن تشككه في حروب الشرق الأوسط ويطمح إلى الرئاسة، أكثر حرصا على بلوغ اتفاق. وجلس في مواجهته محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، وهو منصب لا يعكس أهميته الحقيقية، إذ يعد أحد أقوى الرجال المتبقين في السلطة.

ويقول دبلوماسيون إن المحادثات كانت جادة ومكثفة، وإن التسريبات منها ظلت محدودة للغاية. واصطحب كل طرف فريقا من الخبراء لمناقشة التفاصيل، في ابتعاد مرحب به عن جولات سابقة، عندما كان ستيف ويتكوف، مبعوث ترمب إلى الشرق الأوسط، يحاول التعامل مع الملفات النووية المعقدة بالارتجال أكثر من المعرفة.

وخلال الأيام التي سبقت الاجتماع، هددت إيران بعدم الحضور أصلا ما لم يفض وقف إطلاق النار أيضا إلى وقف الحرب الإسرائيلية في لبنان. وطلبت الولايات المتحدة من إسرائيل الحد من غاراتها الجوية هناك، من دون أن توقف الحرب بصورة كاملة. وفي نهاية المطاف، لم يحتل لبنان موقعا محوريا في المحادثات. ويقول دبلوماسيون مطلعون على المفاوضات إن التركيز انصب على ثلاثة ملفات: الأموال، والسفن، واليورانيوم.

ولمح فانس إلى أن الملف النووي كان العقدة الرئيسة التي أفشلت الاتفاق. وقال: “نحتاج إلى التزام واضح منهم بأنهم لن يسعوا إلى امتلاك سلاح نووي، ولن يسعوا إلى امتلاك الأدوات التي تمكنهم من الوصول بسرعة إلى سلاح نووي”. ولم يزد على ذلك شرحا. غير أن الولايات المتحدة أصرت، خلال الجولتين السابقتين من المحادثات، على أن تتخلى إيران، ليس فقط عن مخزونها الذي يزيد على 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، وإنما أيضا عن حقها في تخصيب أي يورانيوم على الإطلاق. ورفضت إيران هذا المطلب مرارا.

ومع ذلك، لم يكن مرجحا أبدا أن ينجح الطرفان في تسوية هذا الخلاف خلال أسبوعين، فضلا عن اجتماع واحد. ففي آخر مرة تفاوضت فيها الولايات المتحدة وإيران بشأن اتفاق نووي، خلال العقد الماضي، استغرقت العملية عامين كاملين. والأرجح أن تفضي هذه المحادثات إلى اتفاق مرحلي يتناول اثنتين على الأقل من القضايا الثلاث الرئيسة، وتمنح الطرفين مزيدا من الوقت لمواصلة التفاوض.

وسيكون على إيران أن تتخلى عن سيطرتها على مضيق هرمز، وربما أيضا عن مخزونها من اليورانيوم القريب من درجة الاستخدام العسكري. وفي المقابل، سيكون على الولايات المتحدة أن تقدم حوافز اقتصادية، ربما عبر الإفراج عن مليارات الدولارات من عائدات النفط الإيراني المجمدة في مصارف أجنبية بفعل العقوبات.

وترتبط المعضلة بترتيب الخطوات بقدر ارتباطها بجوهر القضايا. ويتجلى ذلك بوضوح في ملف اليورانيوم. فإيران تنظر إليه على أنه ورقة ضغط ثمينة، يمكن أن تكون ثمنا لاتفاق شامل، لا لتسوية مؤقتة. أما الأميركيون، فيفضلون حسم هذا الملف سريعا، خشية أن يبقى في يد إيران طوال مفاوضات قد تمتد أشهرا طويلة.

ويتوقع كل طرف أن يذعن الآخر في نهاية المطاف. فالإيرانيون يعتقدون أنهم يمسكون بزمام المبادرة، بعدما تحملوا ستة أسابيع من القصف على يد خصوم أشد قوة، وتمكنوا في الوقت نفسه من إلحاق ضرر بالغ بالاقتصاد العالمي. وهم يرون في عامل الوقت حليفا لهم. وفي نظرهم، يبدو ترمب ضجرا من الحرب، ومتلهفا لإنهائها قبل أن تؤدي أسعار الطاقة المرتفعة إلى إغراق الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني القادم.

أما الولايات المتحدة، فتنظر إلى المشهد من زاوية مختلفة تماما. فالحرب، وإن لم تحقق كثيرا من أهدافها الرئيسة، وجهت ضربات موجعة إلى القيادة الإيرانية والقوات المسلحة والاقتصاد. ومن المرجح أن تكون الجولة المقبلة أشد إيلاما. وحتى إذا لم ينفذ ترمب أكثر تهديداته إثارة للفزع، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تمضيان نحو تصعيد الهجمات على البنية التحتية والأهداف الاقتصادية.

تكمن المخاطرة في أن يسيء الطرفان فهم بعضهما البعض على نحو جسيم. فقد ترى إيران أنها قادرة على تحمل جولة جديدة من القتال، فيما تستخف باستعداد ترمب لإشعالها أو تقلل من احتمالات إقدامه عليها. غير أن ترمب سبق أن نفذ مرتين تهديداته بضرب إيران كلما تعثرت الدبلوماسية. ويقول دبلوماسي عربي إن “ثمة قدرا كبيرا من الغرور يهيمن الآن على الموقف الإيراني”.

وتبدو تهديدات ترمب هذه المرة جدية بالقدر نفسه. فقد دفع البنتاغون بالفعل آلافا من عناصر مشاة البحرية إلى المنطقة، فيما تتجه إليها قوات إضافية. وهناك حاملة طائرات ثالثة تعبر المحيط الأطلسي، ومجموعة هجومية برمائية تعبر المحيط الهادئ. ومن المتوقع وصولهما قبل انتهاء وقف إطلاق النار. وفي يوم السبت، عبرت مدمرتان أميركيتان مضيق هرمز، في أول عبور لسفن حربية أميركية عبر المضيق منذ اندلاع الحرب. وقال البنتاغون إن ذلك يمثل بداية عملية لإزالة الألغام الإيرانية من الممر المائي.

وعلى الرغم من تعهد إيران بفتح المضيق خلال فترة وقف إطلاق النار، فإنه ما زال مغلقا إلى حد كبير. وقد تمكنت ثلاث ناقلات نفط من العبور يوم السبت. لكن حين حاولت ناقلتان أخريان دخول الخليج في صباح اليوم التالي، حذرها “الحرس الثوري” الإيراني من المضي قدما.

وبعد انتهاء المحادثات، نشر ترمب عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقالا يدعو الولايات المتحدة إلى فرض حصارها الخاص على المضيق. وما زالت إيران تصدّر كميات من النفط تعادل ما كانت تصدّره قبل الحرب، وربما أكثر، وبأسعار أعلى بكثير. ودعا بعض المسؤولين الخليجيين ترمب إلى البدء في اعتراض السفن الإيرانية. وما زالت فرصة التوصل إلى اتفاق قائمة، لكن احتمال اتساع الحرب، ومعها الفوضى في أسواق الطاقة، يظل قائما أيضا.

Economist

الايكونوميست

ينشر بموجب اتفاق مع مجلة “الايكونومست”

© 2026 The Economist Newspaper Limited. All rights reserved

المجلة

—————————————

 أربعة سيناريوها لما قد يحدث في الصراع الأميركي الإيراني

بي. بي. سي.

الخميس 16 أبريل 2026 – 07:02

لا يزال وقف إطلاق النار الذي استمر لمدة أسبوعين سارياً، على الرغم انتهاء المحادثات الأمريكية الإيرانية التي استضافتها باكستان دون تحقيق أي تقدم.

يُعتقد أن الولايات المتحدة تناقش جولة ثانية من محادثات وقف إطلاق النار مع إيران، حيث وصل وفد من باكستان إلى العاصمة الإيرانية طهران.

لا يزال وقف إطلاق النار، الذي استمر لمدة أسبوعين سارياً، بعد أكثر من عشرين ساعة من المحادثات الأمريكية الإيرانية التي استضافتها باكستان وانتهت يوم الأحد دون تحقيق أي تقدم.

وخلال يوم واحد من تلك المناقشات، التي لم يتمخض عنها شيء، أعلن الرئيس دونالد ترامب ما وصفه باستراتيجيته الجديدة تجاه إيران، مقترحاً فرض حصار على مضيق هرمز، وهو ممر مائي استراتيجي محوري لتجارة النفط الدولية.

فكيف ينبغي لنا أن ننظر إلى هذا الفشل الأولي في التوصل إلى اتفاق، وإلى احتمال إجراء المزيد من المحادثات؟ وهل تتجه إيران والولايات المتحدة نحو تصعيد مُتحكم فيه أم حتى نحو انزلاق حتمي إلى حرب أوسع؟

السيناريو الأول: وقف هش لإطلاق النار باعتباره “هدنة تكتيكية”

في 8 أبريل/نبسان اتفقت إيران والولايات المتحدة على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، مما أدى إلى احتفالات في طهران.

بعد أسابيع من القتال، بدا أن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران يشير إلى رغبة في احتواء الأزمة، وعلى الرغم من ذلك، فقد صاحبه غموض كبير، منذ البداية.

أدت الاختلافات في تفسير بنود اتفاق وقف إطلاق النار، بما في ذلك نطاقه الجغرافي وأنواع الأهداف التي يغطيها وحتى تعريف “انتهاك وقف إطلاق النار”، إلى دفع بعض المراقبين إلى اعتبار الاتفاقية بمثابة وقفة تكتيكية أكثر من كونها إطار عمل مستدام.

وقال بهنام بن طالبلو، وهو زميل بارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن: “كانت فرص التوصل إلى اتفاق شبه معدومة منذ البداية، بمجرد بدء الصراع”.

    ماهي تبعات الحصار البحري الأمريكي لإيران؟

وتابع: “هذه مجموعة من المبادئ والمواقف والسياسات التي اختلفت حولها الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية لسنوات، وعلى المدى القصير، لم تفشل الحرب فحسب في الحد هذه الخلافات، بل زادتها حدة”.

في هذه الأثناء، أدت التصريحات المُتضاربة الصادرة عن مسؤولين من كلا الجانبين إلى زيادة هشاشة الوضع.

وبينما يتحدث المسؤولون في الجمهورية الإسلامية عن انتهاكات متكررة لوقف إطلاق النار، تقدم الولايات المتحدة وإسرائيل تفسيراً أكثر محدودية لالتزاماتهما.

وقد أدى هذا التباين في الروايات إلى تعميق انعدام الثقة وإلقاء الشكوك على صمود وقف إطلاق النار.

وإذا فشلت الجهود المبذولة للعودة إلى طاولة المفاوضات في تحقيق نتائج، فمن المرجح أن يكون وقف إطلاق النار مجرد وسيلة لكسب الوقت، مما يسمح للأطراف بالتوقف والتعافي وإعادة تنظيم صفوفهم، وإعادة تقييم المواقف، والاستعداد للمرحلة التالية.

يصبح هذا السيناريو أكثر ترجيحاً، إذا استنتج أحد الأطراف أنه لا يحقق مكاسب قليلة من الوضع الحالي، وأن هناك حاجة إلى زيادة فعلية في الضغط.

فعلى سبيل المثال، قد ترى الولايات المتحدة استهداف البنية التحتية الحيوية كمحطات الطاقة أو الجسور أو مرافق الطاقة، كخيار محتمل.

وفي حين أن مثل هذه الضربات قد تولد ضغطاً كبيراً على المدى القصير، إلا أنها ستحمل عواقب إنسانية واقتصادية واسعة النطاق، وقد تستفز رداً أقوى من إيران.

في الوقت ذاته، من المرجح أن تصبح إسرائيل، التي لا تزال لاعباً متشككاُ للغاية في المفاوضات، فاعلاً مؤثراً.

وقال حميد رضا عزيزي، الباحث في العلاقات الدولية: “قد تلجأ إسرائيل إلى عمليات كتنفيذ اغتيالات لأفراد وشخصيات إيرانية، بمن فيهم أولئك المشاركين في المفاوضات”.

وأضاف، قائلاً إن “إن سياسة دونالد ترامب المُعلنة والمُتمثلة في حصار مضيق هرمز تزيد من خطر المواجهة، حتى بدون أن تقصد الأطراف ذلك بالضرورة”.

وفي حين أنه لا يمكن استبعاد احتمال التصعيد، إلا أن تكاليفه المرتفعة المحتملة، مثل إثارة صراع إقليمي أوسع وضغوط اقتصادية عالمية، قد تجعل هذا السيناريو أقل احتمالاً، على الأقل على المدى القصير.

يظهر في الصورة طائرات بدون طيار وهي تحطم نجمة داود مرسومة على سور أحد المباني، بينما تمر امرأة ترتدي عباءة سوداء بجوار جدارية مناهضة لإسرائيل في طهران.

السيناريو الثاني: حرب الظل

أحد السيناريوهات، وربما أحد أكثرها ترجيحاً، هو العودة إلى شكل من أشكال المواجهة التي يمكن وصفها بأنها “تصعيد مُتحكم فيه”.

وهذا يعني أن النزاع لن يصل إلى مستوى الحرب الشاملة، ولن يمتنع الطرفان تماماً عن العمل العسكري، وقد يشمل ذلك استمرار هجمات محدودة على البنية التحتية، أو الأهداف العسكرية، أو حتى خطوط الإمداد.

وحينها سيزداد دور الجهات الفاعلة بالوكالة أكثر أهميةً.

وقد يؤدي تصاعد نشاط الجماعات الموالية لإيران في العراق أو البحر الأحمر، بالتزامن مع زيادة الضغط الأمريكي على هذه الشبكات، إلى توسيع النطاق الجغرافي للصراع دون تصعيد حدته بشكل مباشر. ويصف بعض المحللين هذا السيناريو بأنه “حرب خفية”.

هذا يعني أن النزاع لن يصل إلى مستوى الحرب الشاملة، ولن يمتنع الطرفان تماماً عن العمل العسكري. وقد يشمل ذلك استمرار هجمات محدودة على البنية التحتية، أو الأهداف العسكرية، أو حتى خطوط الإمداد.

وقال حميد رضا عزيزي لبي بي سي نيوز فارسي، “يرغب كلا الجانبين في استخدام خياراتهما وأساليب الضغط للتأثير على الآخر دون الدخول في حرب شاملة”.

وأضاف: “إذا تم انتهاك وقف إطلاق النار، فمن المرجح أن تتخذ إيران إجراءات جديدة من خلال قواتها المتحالفة، وخاصة في اليمن، على نحو كبير”.

لكن هذا السيناريو لا يخلو من المخاطر. فمع تصاعد التوترات، يزداد خطر سوء التقدير، وحتى لو لم يكن أي من الطرفين ينوي التصعيد، فإن خطأً واحداً في التقدير قد يذكي الصراع، ليصل إلى مستوى خارج عن السيطرة.

السيناريو الثالث: استمرار الدبلوماسية الهادئة

على الرغم من فشل المحادثات في باكستان، فإنه لا يزال من غير الممكن استنتاج أن الدبلوماسية قد استنفدت غرضها أو أن المفاوضات قد خرجت عن الطاولة.

ومن المُرجح أن تواصل باكستان، بصفتها الدولة المضيفة لهذه المحادثات، جهودها في الأيام المقبلة لتشجيع طهران وواشنطن على التوصل إلى اتفاق من خلال تبادل الرسائل بينهما.

وفي نفس، قد يصبح بعض الوسطاء التقليديين، مثل قطر وسلطنة عُمان وحتى السعودية ومصر نشطين، استجابةً للمخاوف من خروج الصراع عن السيطرة، حيث يعملون كقنوات اتصال ويسعون إلى منع التصعيد المفاجئ للأزمة.

ما هي النقاط الخلافية الخمس الكبرى في المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران؟

على الرغم من ذلك، فإن النقطة الأساسية هي أن أي تقدم في هذا المسار يعتمد على تضييق الفجوات الأساسية بين الجانبين.

يشير اقتراح الولايات المتحدة المكون من 15 نقطة واقتراح إيران المضاد المكون من 10 نقاط إلى أن كلا الجانبين لا يزالان يعملان من مواقع تعطي الأولوية لفرض أُطرهما الخاصة بدلاً من التوصل إلى أرضية مشتركة.

ولذلك، في حين أنه من الممكن أن تكون هناك جولة جديدة من المحادثات، يبدو توقع التوصل إلى اتفاق سريع وشامل غير واقعي، على الأقل على المدى القصير.

السيناريو الرابع: الحصار البحري المستمر

أعلن الرئيس الأمريكي أن بحرية بلاده تعتزم فرض حصار بحري على إيران، ومنع أي سفن أو ناقلات نفط من المرور عبر مضيق هرمز.

كما أنه هدد باعتراض أي سفن تدفع رسوم عبور لإيران في المياه الدولية لعبور المضيق، وهي استراتيجية يبدو أنها تهدف إلى حرمان إيران من عائدات النفط، وخنق اقتصادها، وفي الوقت نفسه ضرب الصين، المنافس الأهم للولايات المتحدة، باعتبارها المشتري الرئيسي للنفط الإيراني.

وقال بهنام بن طالبلو، من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إنه “يمكن أن يكون الحصار البحري لموانئ الجمهورية الإسلامية فعالاً للغاية، إذا تم تخصيص موارد كافية للاستخبارات والمراقبة والاستطلاع”، مشيراً إلى طول الساحل الإيراني.

وأضاف: “إن النتيجة العملية لمثل هذا الإجراء، ستكون حرمان الحكومة من قدرتها على تصدير سلعتها الأساسية”.

لكن محللين آخرين أشاروا إلى التكاليف الباهظة، التي قد تترتب على مثل هذه السياسة بالنسبة للولايات المتحدة، مما يجعل قواتها العسكرية أقرب إلى إيران ويجعلها أكثر عرضة للهجوم.

علاوة على ذلك، لكي تكون الخطة فعالة، ستحتاج القوات البحرية إلى البقاء منتشرة بالقرب من حدود إيران لفترة طويلة، مما سيكلفها تكاليف باهظة.

وقد يؤدي أيضاً الحفاظ على مثل هذه السياسة، إلى ارتفاع أسعار النفط والطاقة العالمية، مع زيادة احتمالية تدخُل الحوثيين لتعطيل مضيق باب المندب، الأمر الذي قد يرفع أسعار النفط.

عدم الاستقرار الهيكلي، هل يكون النظام الجديد في المنطقة؟

ربما تكون إيران والولايات المتحدة قد دخلتا مرحلة تتطور فيها الحرب والمفاوضات في آن واحد.

ويتضح، في نهاية المطاف، من خلال هذه السيناريوهات هو أن المنطقة قد دخلت مرحلة أصبح فيها الحد الفاصل بين الحرب والسلام أكثر ضبابية من أي وقت مضى.

إذ إن فشل المحادثات مع باكستان لا يعني نهاية الدبلوماسية، ولا يُشير إلى بداية حرب أوسع نطاقاً، بل يُشير بالأحرى إلى استمرار حالة من الغموض.

وقال حميد رضا عزيزي، الباحث في العلاقات الدولية: “على الرغم من أن كلا الجانبين يرغبان في إنهاء هذا الصراع، إلا أن هذا لا يبدو مُرجحاً على المدى القصير”.

وفي ظل الظروف الحالية، يمكن أن يكون للقرارات التكتيكية والمسائل الأمنية وحتى التطورات الطفيفة على أرض الواقع، تأثيرات كبيرة على المسار العام للأزمة.

وقد دفع هذا العديد من المحللين إلى الحديث عن “عدم الاستقرار الهيكلي” في المنطقة، وهو وضع لا يتم فيه تحديد قواعد اللعبة بشكل كامل وتكون نتائجه غير قابلة للتنبؤ.

وربما يكون الوصف الأدق، في ظل هذه الظروف، هو أن إيران والولايات المتحدة قد دخلتا مرحلة تتطور فيها الحرب والمفاوضات في نفس الوقت، ويستمر كلا الجانبين في الاعتماد على الأدوات العسكرية، مع إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة جزئياً.

————————–

هل يمكن لإيران من الناحية القانونية فرض رسوم على عبور مضيق هرمز؟

 تسعى طهران لإحكام قبضتها على مضيق هرمز من خلال فرض رسوم على السفن لضمان عبوره بأمان، وذلك بالتنسيق مع الحرس الثوري بالجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وفيما يلي استعراض للقانون الذي يحكم تحصيل الرسوم والإجراءات التي يمكن أن تتخذها الدول المعارضة لمثل هذه الرسوم.

ما هو مضيق هرمز؟

مضيق هرمز هو ممر مائي يربط الخليج بخليج عمان، ويقع بين المياه الإقليمية لكل من إيران وعمان. ويمكن وصفه ربما بأنه أهم ممر لشحن الطاقة في العالم، إذ يمر عبره نحو 20 في المئة من نفط العالم.

ويبلغ طول الممر المائي حوالي 104 أميال (167 كيلومتراً). ويتفاوت عرضه، ويتضمن في أضيق نقطة فيه مسارين بعرض ميلين لحركة عبور السفن الداخلة والخارجة تفصلهما منطقة عازلة بعرض ميلين أيضاً.

وأغلقت إيران المضيق بحكم الأمر الواقع في أعقاب الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على البلاد، وتطالب بالحق في تحصيل رسوم عبور كشرط مسبق لإنهاء الحرب. ولم يتم التأكد من تحصيل مثل هذه الرسوم حتى الآن.

ما هو القانون الذي يحكم المرور في المضيق؟

جرت المصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في عام 1982 ويتم العمل بها منذ عام 1994.

تنص المادة 38 منها على حق السفن في المرور دون عوائق عبر أكثر من 100 مضيق حول العالم، من بينها مضيق هرمز.

وتسمح الاتفاقية لأي دولة تطل على مضيق بتنظيم المرور داخل “مياهها الإقليمية”، لما يصل إلى مسافة 12 ميلاً بحرياً من حدودها، مع السماح “بالمرور البريء”.

ويكون المرور بريئاً إذا لم يشكل خطراً على سلامة الدولة ونظامها وأمنها. ولا يتم السماح بأنشطة الأعمال العسكرية أو التلويث الخطير أو التجسس أو الصيد. وكان مفهوم المرور البريء جوهرياً في حكم صدر عن محكمة العدل الدولية عام 1949 يتعلق بقناة كورفو على سواحل ألبانيا واليونان.

وصادقت نحو 170 دولة والاتحاد الأوروبي على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. أما إيران والولايات المتحدة فلم تصادقا عليها. وهذا يثير تساؤلاً حول ما إذا كانت قواعد الاتفاقية التي تتيح حرية الملاحة البحرية أصبحت جزءاً من القانون الدولي العرفي أم أنها ملزمة فقط للدول المصادقة عليها.

ويقول الخبراء إن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار أصبحت، أو ينظر إليها عموماً، على أنها قانون دولي عرفي. ويمكن أن تقول بعض الدول غير المصادقة عليها إنها غير ملزمة باتباعها.

كيف يمكن الوقوف في وجه فرض رسوم العبور؟

لا توجد آلية رسمية لإنفاذ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. ويمكن للمحكمة الدولية لقانون البحار في هامبورغ بألمانيا، التي أنشأتها الاتفاقية، ومحكمة العدل الدولية في لاهاي بهولندا إصدار أحكام لكن لا يمكنهما إنفاذها.

ولدى الدول والشركات آليات أخرى محتملة للتصدي للرسوم.

وبإمكان أي دولة أو تحالف من الدول العمل على إنفاذ الاتفاقية. ويمكن لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إصدار قرار يعارض فرض الرسوم.

وبإمكان الشركات تحويل مسار شحناتها بعيداً عن مضيق هرمز، وقد بدأت بالفعل في ذلك. ويمكن للدول توسيع نطاق العقوبات التي تستهدف المعاملات المالية التي يعتقد أنها تعود بالفائدة على الحكومة الإيرانية، وذلك بفرض عقوبات على الشركات المستعدة لدفع رسوم العبور.

النهار العربي

———————————-

==================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى