الأحداث التي جرت في الساحل السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

لقاء الشرع بوجهاء الساحل السوري…خطوة نحو طي صفحة الانقسامات -مقالات مختارة- تحديث 16 كانون الأول 2026

لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي

الأحداث التي جرت في الساحل السوري

———————————

البحث العلوي عن الهوية في سوريا ما بعد الأسد/ كمال شاهين

17 كانون الأول 2025

صحفي وكاتب سوري

بينما استنفر جمهورٌ سوري واسع في دمشق ومدن عدة للاحتفال بعامٍ على التحرير في الثامن من كانون الأول الحالي، خيّم صمت إضرابٍ طوعيّ على قرى جبال الساحل السوري وعلى الأحياء ذات الأغلبية العلوية في مدنه.

لم تكن دعوة الشيخ غزال غزال، الرئيس الروحي للمجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر، لمقاطعة الاحتفالات والبقاء في البيوت لخمسة أيام ضمن ما سماه “إضراب الكرامة”، خطوةً احتجاجية عابرة، بل كانت حلقةً ثانية في مسارٍ احتجاجي متصاعد بدأ باعتصاماتٍ جماهيرية كثيفة نهاية تشرين الثاني الماضي، مطالبةً بوقف القتل والاختطاف والإفراج عن معتقلين وفيدرالية للساحل السوري وحمص.

أصدر المجلس إثرها بيانين يوجهان نقداً للسلطة الانتقالية، رافضاً بشكل قطعي ما تسعى إليه السلطة “عبر تشكيل وفدٍ من بعض الأشخاص بزعم تمثيل العلويين” لمقابلة الرئيس الانتقالي، معتبراً إياه محاولة “لانتزاع شرعيةٍ تمثيل العلويين عبر مجموعاتٍ تذهب للتفاوض على مطالب خدمية لا ترتقي إلى مستوى قضيتنا السياسية والحقوقية”، كما طالب الشيخ غزال في بيانٍ لاحق بحكمٍ فيدرالي في سوريا.

يطرح هذا الحراك العلوي، الذي يراوح بين اعتباره “غير مسبوق” حسب وصف المرصد السوري لحقوق الإنسان أو أقل أهمية مما يشاع حوله، سؤالاً محورياً يتجاوز المشهد الآني إلى المستقبل القريب: هل نحن إزاء عملية تشكّل/ ولادة هويةٍ علوية سياسية طائفية جديدة في سوريا ما بعد الأسد، أم هي إعادة إنتاجٍ لصراعٍ تاريخي بثوبٍ معاصر؟

طرح بيان المجلس الأخير إشكاليةً معلنة حول من يحق له التحدث باسم العلويين وحول اللغة التي تستخدم في هذا الحديث. هل هي لغة المطالب السياسية الجماعية أي الفيدرالية وإطلاق سراح 14 ألف معتقل، التي يصر عليها المجلس كـ”شرط لا يقبل التنازل” كما ورد في بيانه، أم لغة التفاوض الخدمي التي تروج لها السلطة عبر وفود موازية كما قال بيان المجلس، وهل يمكن لأشخاص أن يدعوا تمثيل الجماعة العلوية مثل محمد جابر من منفاه في موسكو  – الذي سبق وادعى المسؤولية عن تحريك فلول النظام السابق في آذار الماضي – وهو ما استدعى رداً قاسياً من مجموعة افتراضية تطلق على نفسها “أبناء الطائفة العلوية في الساحل السوري”؟ وإذ يرفض المجلس كلا الطرفين: الوفد الذي التقى السلطة ومحمد جابر، يحاول في الوقت نفسه رسم حدودٍ جماعية صلبة: “أي مجموعة تتحدث خارج إطار المجلس وطروحاته لا تمثل العلويين ولا تعبر عن إرادة شارعهم”.

كيف تصنع الدولةُ الهوية

في كتابه “تاريخ العلويين من حلب القرون الوسطى إلى الجمهورية التركية” (2018)، يرصد الباحث الكندي ستيفن وينتر كيف تحوّلت الجماعة العلوية من “دعوة دينية شاملة” إلى “مجتمع مذهبي مغلق” بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر. لا يرى وينتر هذا التحول نتاجاً للتطور الداخلي فحسب، بل كردّ فعلٍ على سياسات الدولة المركزية السنية الناهضة (الأيوبية والمملوكية). فمن خلال تصنيفهم ووصمهم في السجلات الرسمية كجماعةٍ “مارقة” أو “منحرفة”، خلقت هذه الدول وعياً مميزاً بالعلويين كـ “آخر” منفصل. وكان فرض المماليك لـ “ضريبة القرش” على كل ذكرٍ علوي بالغ تعبيراً عملياً عن هذا التصنيف الإداري القسري. هكذا، صُنعت الهوية الجماعية من الخارج قبل أن تتبلور من الداخل.

يُطلق وينتر على هذه العملية اسم “لحظة التأسيس التاريخية” للهوية العلوية، ويرفض في الوقت ذاته الرواية الشائعة عن “الملاذ الجبلي”، مؤكداً أن الاستقرار في الجبال كان نتيجةً لعجز الدولة عن السيطرة عليها، وليس هروباً من اضطهادٍ منظّم في السهول. وإذا كانت الهوية العلوية قد تشكلت تاريخياً تحت ضغط دولةٍ مركزية صاعدة، فإن التحدي اليوم يأتي في ظل دولةٍ مركزية منهارة.

منع الأسد الأب والابن تشكّل مجلسٍ علوي بقوة القمع وراح ضحية هذه المحاولات الطبيب المهلب حسن قتلاً من قبل المخابرات السورية في ثمانينات القرن الماضي. ومع سقوط النظام انفرط العقد الاجتماعي الذي حكم علاقة العلويين، وسوريين آخرين، بالدولة. في هذا الفراغ القاتل، تبرز محاولة إنشاء مجلسٍ علوي لتكرار ما قام به المكزون السنجاري قبل قرون: توحيد الصف وتشكيل قيادة جماعية تمثّل الجماعة.

في شباط العام الحالي، أُعلن عن تشكيل “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر”، مؤلفاً من مجلسين، أولهما ديني، يترأسه الشيخ غزال غزال، بوصفه “مفتي اللاذقية” مؤلفاً من 130 رجل دين علوي من المحافظات السورية المختلفة يهتمون بالأمور الدينية فقط. أما المجلس الثاني فهو “مجلس تنفيذي” يضم مكاتب مهنية مثل السياسة والعلاقات العامة والإعلام، ولفت بيان التأسيس وقتها إلى أن “المجلس سيكون فعّالاً حتى انتهاء المرحلة الانتقالية، وإنشاء دولةٍ يحكمها الدستور، وأهدافه تأكيد كون الطائفة العلوية جزءاً أصيلاً من نسيج سوريا، وأنّ أبناءها يعملون يداً بيد لبناء مستقبل أفضل للبلاد، من خلال تعزيز التآخي بين مكوّنات المجتمع السوري”.

محاولة المجلس رسم حدود جماعةٍ صلبة وتبوّء تمثيلها السياسي والاجتماعي، اصطدمت بالسلطة التي اعتقلت أحد المؤسسين، فأعلن مجلس اللاذقية ثم طرطوس حل نفسيهما بالتتالي في ربيع العام الحالي. وكان السبب وفق حديثٍ مع أحد المراجع العلوية في اللاذقية – طلب عدم ذكر اسمه – هي أنّ معظم الشيوخ المشكّلين للمجلس موظفون في الدولة أو الأوقاف، ولا يجوز لهم تشكيل أجسامٍ سياسية أو نقابية، فهذا، قانوناً، يعتبر ازدواجاً وظيفياً. أعلن “المجلس الإسلامي العلوي في حمص” في العاشر من كانون الأول 2025 حلّ نفسه في بيانٍ أشار فيه رئيسه محيى الدين السلوم إلى “اختيار الضرر الأصغر لدفع الضرر الأكبر”.

اليوم، يعمل المجلس العلوي من مكانٍ غير معلن، يرجح أنه خارج البلاد، ويوجه خطابه بقوة إلى الداخل، محاولاً تقديم نفسه كممثلٍ شرعي للإرادة الجماعية العلوية. تكشف هذه الديناميكية المتسارعة عن معادلةٍ صعبة، هناك خطابٌ سياسي صلب من الخارج، يقابله افتقارٌ إلى الحاضنة المؤسسية المحمية أو العاملة بقوة على الأرض. هذا الصراع بين سلطة دولةٍ تمتلك أدوات الضغط مقابل كيانٍ هشّ يعتمد على أفراد تحت رحمة السلطة في معاشهم وأمنهم، يوضح وجود فصلٍ بين “الهوية كخطاب” و”الهوية كمؤسسة” مما يضعف بشكلٍ كبير قدرة المشروع السياسي على التحول إلى واقعٍ دائم في غياب الربط بينهما ربطاً عضوياً.

الانقسام الداخلي

بدرجةٍ أدنى من المؤسسات وصراعاتها، هناك انقسامٌ أعمق وأكثر تعقيداً داخل النسيج العلوي الاجتماعي والسياسي يكاد يجعل هذه الجهود هباءً. وإذ يمكن أن تعتبر هذه الصراعات حالةً طبيعية لجماعةٍ لم تحصل يوماً على تمثيلٍ هوياتي في مؤسسات أو جمعيات أو أحزاب خاصة، فإنّ هذا مرجعه كون الجماعة العلوية كتلةً متنوعة وهي ساحةٌ لصراعٍ داخلي بين رواياتٍ مختلفة ومشاعر متضادة:

من جهةٍ أولى، هناك قاعدة جماهيرية غاضبة من السلطة، تجد في خطاب غزال والمجلس تعبيراً صادقاً عن إحساسها العميق بالمظلومية والخيانة. يتغذّى هذا الغضب من وقائع يومية: خطف النساء بهدف الابتزاز أو تشويه السمعة، والقتل على الهوية كما في جريمة قتل الشاب مراد محرز في اللاذقية مؤخراً، والذاكرة الحية لمجازر آذار. بالنسبة لهؤلاء، المطالب السياسية الكبرى مثل الفيدرالية ليست ترفاً، بقدر ما هي ضمانة وجودٍ في وجه مشروعٍ يستهدفهم جماعياً. جاءت قضية مقتل مراد في موسم احتفالات التحرير والإضراب لتشعل النار في هذه القاعدة بعد ثبوت أنّ من قام بالجريمة ليس من فلول النظام السابق.

في الجهة المقابلة، يقف علويون، بينهم أفراد ونخب سياسية واجتماعية، يتبنون عملياً ـ ولو بتردد ـ سياسة التعايش مع السلطة. دوافع هذا الموقف مركبة: أولها الخوف الوجودي من الفوضى، فما حدث في مجازر آذار 2025 دليلٌ قاطع على ما قد يحدث عند انهيار “حماية” الدولة، مع تداول كلامٍ شعبي أنّ من أوقف المجازر كان الرئيس الانتقالي، وعليه، يُرى النظام الجديد، رغم قسوته، كحاجزٍ أخير ضد فوضى يُعتقد أنها ستكون أكثر دمويةً وطائفية. ثانيها مرتبط بالمصلحة والتبعية، فهناك جزءٌ من النخب العسكرية والإدارية والاقتصادية العلوية مرتبطٌ عضوياً ببقاء الدولة بصورتها الحالية. هذه النخب التي باتت معروفةً للشارع العلوي تضخّ حضورها وأموالها بهدف تعزيز حضور الدولة الجديدة في المجتمع العلوي. الأسوأ من هذا أن هذه النخب أمثال فادي صقر لا تلقى قبولاً عند السوريين عموماً ولا عند العلويين وبذلك تستمر السلطة في تكريس صورةٍ نمطية عن العلويين الأشرار.

بعد عقودٍ من العيش في وعي جماعي بالمظلومية التاريخية والتهديد الخارجي، تطورت لدى جزءٍ من المجتمع غريزة القلعة، حيث يصبح الولاء لأية سلطةٍ مركزية قادرة على الحماية.ـ حتى لو كانت مصدر تهديد نفسها، غريزة بقاءٍ أولية. ويحول استمرار الانقسام الصراع الداخلي العلوي من معركةٍ خارجية إلى حربٍ نفسية داخلية يتصارع فيها الخوف من السلطة مع خوف أعمق من عنفٍ ما، قد يأتي بعده إنْ خرجت من مناطقهم.

يساعد هذا الانقسام السلطة على إدارة الملف العلوي عبر خطابٍ مزدوج: تستخدم خطاب المظلومية السنية المتراكم منذ عقود لتبرير سياساتها القمعية ضد العلويين وغيرهم، وتعبئة قاعدتها بهذه الطريقة، وفي الوقت نفسه تستخدم الخوف من انتقامٍ مشايعي هذا الخطاب كأداةٍ لترهيب العلويين داخلياً وتقديم نفسها كـ”حائطٍ وجوديّ” و”حامٍ أقل سوءاً”.

الهوية في مواجهة الفراغ وسؤال التجديد الديني

مشروع الهوية العلوية سياسيّ بامتياز، وبينما تمتلك هوياتٌ سياسية أخرى في سوريا حلفاء إقليميين ودوليين، تواجه المحاولة العلوية عزلةً استراتيجية خانقة تعمق أزمتها:

روسيا، الشريك الأول لبشار الأسد، تحالفت من جديد مع السلطة الجديدة كاشفةً ببساطة عن أنّ أولوياتها حماية مصالحها الاقتصادية والعسكرية. هذا الأمر، بلغة الدول الكبرى، لا يدخل في السردية التي يتداولها المجتمع العلوي عن “خيانة روسية”. الجار التركي يرفض بالمطلق أيّ اتجاهٍ نحو كياناتٍ ذاتية في سوريا خوفاً من تأثير الدومينو العلوي في تركيا نفسها أو حتى من وصولٍ إسرائيلي إلى الشمال. الذهاب نحو أوروبا هو عمليةٌ بطيئة جداً بسبب البيروقراطيات الغربية، وعلى الأرجح فإنّ الصورة الذهنية السائدة تربط العلويين بدعم نظام الأسد القمعي. هذا الإرث الثقيل يعيق تحويل قضيتهم الحالية إلى أولويةٍ دبلوماسية أو إنسانية جادة. من جهة الجنوب، الوعي الجمعي العلوي على أبسط مستوياته معادٍ لإسرائيل ويستمد جذوره من تاريخٍ طويل للقومية العربية في هذه الجبال، مع ذاكرة صراعٍ لم يتوقف حتى اليوم، وأية محاولة للبحث عن دعم إسرائيلي، حتى لو كانت افتراضية أو من مجموعة هامشية، تُعتبر انتحاراً سياسياً وتوفر ذريعةً مثالية لتشويه الحراك برمته.

هذه العزلة المركبة تُضعف الموقف التفاوضي لأيّة قيادة علوية وتجعلها أكثر اعتماداً على حسابات القوة المحلية الصرفة، مما يدفع نحو الخيارات الانكفائية. ويظهر استهداف المقدسات العلوية (المزارات) في ريف حماة وجبلة وحمص، تحوّل الأمر من مسألةٍ ثقافية هوياتية إلى ساحة صراع غير مفهوم لدى الجماعة العلوية، الهدف منه محو علامات الوجود التاريخي والديني للجماعة، ونزع شرعيتها من المكان. يعود أقدم المقامات العلوية إلى القرن الحادي عشر الميلادي.

في خضم هذه الأزمة الوجودية، يطفو على سطح الفضاء الافتراضي نقاشٌ نخبوي محدود حول الجذور الدينية للعلويين. بعض المثقفين يناقشون الأصول الأفلاطونية المحدثة أو الامتزاج بين طبقاتٍ شيعية وغالية، بل وثمة دعواتٌ لـ”هجران” الربط مع الإسلام. لكن هذه الضجة الرقمية تصطدم بواقعٍ صلب: جمود العقيدة العلوية كنظامٍ مغلق من النصوص والطقوس، لم تشهد أيّة حركة إصلاحٍ أو تجديدٍ ديني داخلي جوهري. هي هويةٌ مكتملة ومستقرة في نظر الغالبية.

لكن “أولوية الوجود على الهوية المجردة” هي الأهم اليوم، كما يلاحظ الصحفي عبد الله علي في حديثٍ مع حكاية ما انحكت: “كيف نبقى؟ وليس من نكون فلسفياً.  النقاش حول نومينوس أو الخصيبي يبقى ترفاً فكرياً أمام أسئلة الموت والتهجير. هذا النقاش الافتراضي هو في جوهره بحثٌ عن مخزونٍ رمزي لصناعة سرديةٍ جماعية قوية. قد يكون محاولةً لرفض تعريفات الآخر كغلاةٍ أو منحرفين والإدعاء بأصالة تاريخية موازية، لكنه لا يغير العقيدة نفسها”. الخطر هو أنّ أيّ انزياحٍ نحو خطاب “ما قبل الإسلام” قد يقطع الطريق على تحالفاتٍ إسلامية محتملة ويفقد الجماعة غطاءً دينياً قد تحتاجه.

الانكفاء والتحول والانفجار

على ضوء كل العوامل السابقة المتشابكة (الداخلية، الإقليمية، الاقتصادية، الرمزية)، يمكن استشراف عدة مساراتٍ لمستقبل الهوية العلوية. قد تتراجع المطالب السياسية الكبرى تحت وطأة التفكيك التنظيمي والعزلة والهيمنة الاقتصادية، وتتحول الهوية إلى هوية انكفائية طائفية تركز على البقاء الاجتماعي والديني الداخلي، وتقبل بـ “لامركزية إدارية” شكلية تمنحها السلطة. تصبح العلوية جماعةً تابعة وظيفياً، تُدار من خلال وساطاتٍ محلية – كما هو الحال اليوم – وفتاتٍ اقتصادي، بينما تُسيطر الدولة على موارد الساحل الإستراتيجية. تتحول الجبال العلوية إلى كانتونٍ فقيرٍ ومعزولٍ سياسياً، فيما يتم إدماج النخب الموالية في التحالف الاقتصادي الجديد.

إذا استمر العنف الطائفي وفشلت آليات الاحتواء، قد تتحرك القاعدة الغاضبة نحو عصيانٍ محلي غير منسق. قد يأخذ شكل عصيانٍ مدنيٍ حاد أو اشتباكاتٍ محدودة، خاصةً إذا تكررت المجازر. ورغم ضعف فرص نجاحه العسكري، إلا أن هذا السيناريو قد يفجّر الوضع برمته، ويفتح الباب أمام تدخلاتٍ إقليمية غير محسوبة. قد تكون نتيجته تدميراً أكبر للساحل وتشريداً أوسع. قد تبقى جذوة الوعي الجماعي الجديد الذي أطلقته الاعتصامات والإضراب، حيّةً تحت السطح. رغم تفكك المؤسسات، ويستمر السخط من التهميش الاقتصادي والسياسي على مدى سنوات. قد يبرز قادةٌ جدد أقلّ عرضةً للضغوط المباشرة من شباب، ومثقفين ووجهاء غير مرتبطين بالدولة. قد يتجسد هذا السيناريو من خلال تحالفاتٍ أفقية بطيئة مع جماعاتٍ سورية أخرى تعاني أيضاً من السياسات الحالية كالسنة الفقراء، مسيحيي حمص، دروز السويداء أو الكورد. لبناء ضغطٍ مدني مشترك من أجل دولة مواطنةٍ حقيقية، هذا المسار هو الأكثر تعقيداً ويتطلب وقتاً وصبراً ونضجاً سياسياً قد لا توفره ظروف المنطقة المتوترة دائماً.

ربما تحاول القيادة العلوية في المنفى (غزال) تشكيل هويةٍ سياسية طائفية فاعلة، ولكن الإطار الجغرافي- الاقتصادي – العسكري الذي تتحرك فيه، والمفروض من قبل السلطة والجغرافيا، مصممٌ خصيصاً لتحويلها إلى هوية تابعة. يمكن اعتبار الساحل السوري محل اختبارٍ حقيقي لمشروع “الدولة الجديدة”، هل ستكون إطاراً جامعاً لجميع مواطنيها، قادراً على احتواء هويات فرعية ومنحها حقوقاً خاصة وحماية ضمن عقدٍ اجتماعي جديد؟ أم أنها ستكون، إدارة جديدة لقوى منتصرة، تستخدم أدوات الدولة لتكريس هيمنتها وتبعية الآخرين؟ كل يوم من العنف والتهميش يزيد من اتساع هوة الانقسام، ويجعل إمكانية التدخل الإقليمي أكثر إغراءً وخطورة، ويقوّض أي أملٍ بسلامٍ حقيقي.

في جنازته، وقفت والدة الشهيد مراد محرز تودع ابنها قائلةّ: “سكر الباب وراك يا مراد.. حاجتنا دمّ يا أمي”. لا تحتاج هذه الجملة لأيّ شرح. أن نغلق “باب الدم” أمرٌ لا يخص العلويين وحدهم، بل هو رهان مصير سوريا بأسرها.

حكاية ما انحكت

—————————————

لقاء الشرع بوجهاء الساحل السوري… خطوة نحو طي صفحة الانقسامات/ حسام رستم

15 ديسمبر 2025

في خطوة لإعادة بناء العلاقة بين الإدارة السورية وأبناء الساحل السوري بعد أشهر من التوتر الذي تلا أحداث مارس/آذار الماضي (عنف طائفي ومواجهات عسكرية بين فلول من نظام الرئيس السابق بشار الأسد وقوات الأمن التابعة للإدارة السورية الجديدة)، التقى الرئيس السوري أحمد الشرع، أمس الأول السبت في قصر الشعب بدمشق، وفداً واسعاً من وجهاء وأعيان محافظتي اللاذقية وطرطوس غربي سورية، بحضور محافظ اللاذقية محمد عثمان ومحافظ طرطوس أحمد الشامي. وأكد الشرع خلال اللقاء أن سورية تدخل مرحلة جديدة تقوم على الشراكة مع الشعب، وترسيخ الاستقرار، وبناء دولة تقوم على القانون والمواطنة، مشدداً على أن الدولة لا تحمل أي نزعة إقصائية أو ثأرية تجاه أي مكوّن، وأنها تقف على مسافة واحدة من جميع السوريين. واعتبر أن العبث بالخطاب الطائفي يشكل خطراً حقيقياً على وحدة البلاد، مؤكداً أن سورية وطن واحد غير قابل للتقسيم، وأن الساحل السوري مؤهل ليكون نموذجاً وطنياً متقدماً في التعايش والسلم الأهلي.

مطالب وجهاء الساحل السوري

وقالت شخصيات حضرت اللقاء مع الشرع، إن ممثلي الساحل قدموا جملة من المطالب، أبرزها تحقيق العدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين في الدم السوري والإفراج عن الموقوفين الذين لم تتلطخ أيديهم بالدماء. بالإضافة إلى مطالب إعادة المفصولين إلى أعمالهم وصرف مستحقات المتقاعدين والعسكريين المسرّحين، وتحسين الواقع المعيشي والخدمات الأساسية، خصوصاً الكهرباء والاتصالات وحصر السلاح بيد الدولة وتجريم الخطاب الطائفي. كما طالب البعض بدعم القطاعات الصحية والتعليمية وعودة النازحين وإغلاق المخيمات. ووفق الرئاسة السورية، أكد الشرع في اللقاء أن الساحل السوري يحظى باهتمام خاص ضمن خطط الدولة، مع التوجه لإطلاق مشاريع استثمارية كبرى في الموانئ والزراعة والصناعة، بما يساهم في خلق فرص عمل وتحسين مستوى المعيشة، مؤكداً أن التنمية هي الطريق الأهم لترسيخ الاستقرار والسلم الأهلي.

وحمل اللقاء الذي حضره، وفق مصادر “العربي الجديد”، 220 شخصاً من وجهاء محافظتي اللاذقية وطرطوس من مختلف الطوائف، رسالة واضحة من الشرع للسوريين العلويين في الساحل، مفادها أن الدولة الجديدة لا تنظر إليهم كخصوم، بل شركاء، بعد أن استغلهم النظام السابق وحوّلهم إلى وقود لحروبه، محذراً في الوقت نفسه من محاولات فلول النظام إعادة إحياء التجييش الطائفي وزرع الخوف والانقسام.

إعادة الثقة

في هذا الصدد قال المحامي علي نصور، وهو من مدينة جبلة جنوبي اللاذقية، لـ”العربي الجديد”، إن اللقاء “خطوة أولى لإعادة الثقة بين الحكومة وأهالي الساحل، وهو لقاء إيجابي من حيث المبدأ”. واعتبر أنه “كان من المفروض أن يحدث (اللقاء) قبل مدة طويلة لأن الانقسام أصبح حاداً جداً اليوم، ولا بد من خطوات عملية من الدولة لتطمين الناس وإعطائهم إحساساً بعدم الإقصاء”. وأضاف نصور أن “المطلوب هو تجريم ومعاقبة الخطاب الطائفي، وإصدار عفو للأشخاص الذين يريدون الانخراط في العمل لكنهم متخوفون”، موضحاً أن ذلك “أفضل من تركها بأياد تستغل خوفها وضعفها في أمور لا يريدها أهالي الساحل”.

واللافت أن اللقاء جاء عقب تصريحات للشرع في منتدى الدوحة 2025، الأسبوع ما قبل الماضي، أكد فيها أنّ السوريين العلويين أكثر المُتضرِّرين من النظام السابق. كما جاء اللقاء بعد أحداث أمنية وتوتر شهده الساحل السوري خلال احتفالات ذكرى إسقاط نظام بشار الأسد قبل أيام وبروز دعوات الشيخ غزال غزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سورية والمهجر، والتي دعا فيها إلى الإضراب العام لمدة خمسة أيام. كما دعا غزال في وقت سابق إلى اعتصامات ضدّ الحكومة السورية الحالية عقب التوتر الأمني الذي حصل في مدينة حمص في 24 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي (أعمال عنف طائفية استهدفت أحياء في حمص، على خلفية أعمال انتقامية بعد جريمة قتل).

ورأت الناشطة الحقوقية في اللاذقية، ميس فارس، وهي شقيقة أحد ضحايا أعمال العنف التي اندلعت في مارس/آذار الماضي بالساحل السوري، أن “السوريين العلويين لديهم مطالب من السلطة الحالية لا يمكن استمرار تجاهلها”. وأوضحت لـ”العربي الجديد”، أن أبرز هذه المطالب “تحويل جميع المعتقلين إلى المحاكمة وإخراج الأبرياء فوراً وإعادة جميع الموظفين الذين فصلوا، وعقد مصالحة وطنية بين أهل الجبل والمدينة والاعتراف بشهداء الطرفين”، إلى جانب “إخراج الفصائل المتطرفة من قرية قرفيص وزاما وبسطوير في ريف جبلة، واستبدالهم بعناصر أمن للحكومة السورية”، فضلاً عن “إعادة الرواتب لجميع المتقاعدين العسكريين نسبة إلى الدستور الذي ينص على أحقية الموظف بتقاعده”.

وشددت فارس على أن “أهالي الساحل السوري خرجوا باعتصامات سلمية ليس بسبب دعوة غزال، وإنما بسبب تراكم الأخطاء وعدم الاستجابة لمطالبهم المحقة وعدم مواجهة الخطاب الطائفي الذي بدأ يتصاعد نحوهم”. وقالت إن “الرئيس أحمد الشرع يؤكد أهمية الوحدة الوطنية وسورية الموحدة، لكننا نسمع شتائم موجهة للطائفة خلال احتفالات النصر وهذا أمر غير مقبول، تجب مواجهته”. وبعد مرور عام على إسقاط نظام الأسد، في الثامن من ديسمبر/كانون الثاني 2024، لا يزال الوضع الأمني في الساحل غير مستقر بالكامل، مع استمرار عمليات القتل بين الفينة والأخرى. ويعزو البعض السبب إلى عمليات انتقام طائفية، في حين تؤكد الحكومة السورية على لسان مسؤوليها، ولا سيما محافظ اللاذقية محمد عثمان، أن الدولة السورية تقف على مسافة واحدة من جميع المكونات والمواطنين، وسط عدة وعود أطلقت بالاستجابة لمطالب الأهالي.

من جهته اعتبر الناشط في مجال السلم الأهالي باللاذقية، ومؤسس مبادرة “ابن البلد”، مهيار بدرة، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “منطقة الساحل تحتاج لتحرك جدي من الحكومة السورية لسحب البساط من دعوات الانفصال واللامركزية وتهدئة الأوضاع”. وأشار إلى أن الاجتماع الأخير جاء بهذا السياق، متوقعاً أن “تتحرك الحكومة السورية بشكل أكبر لترتيب الوضع الداخلي بعد نجاح الدبلوماسية في إلغاء العقوبات الأميركية، وأن يكون الساحل في صدارة الاهتمام”. ورأى أن “استمرار التوتر والانفلات الأمني ليس في صالح أحد ويمكن معالجته وتوجيه رسائل طمأنة وتحقيق الكثير من المطالب لأهالي الساحل، ولا سيما دفع العجلة الاقتصادية التي تساهم أيضاً في تخفيف الأجواء المتوترة”.

العربي الجديد

——————————

 علويّو سوريا: الغموض والأساطير والطائفة/ عمر قدور

الثلاثاء 2025/12/16

حسب الإعلان الرسمي: “التقى السيد الرئيس أحمد الشرع اليوم -السبت- في قصر الشعب وجهاء وأعيان محافظتي اللاذقية وطرطوس”. ومن نافل القول إن الخبر يُقرأ سوريّاً على أنه لقاء بين الشرع وشخصيات من منبت علويّ، والاعتراضات على اللقاء (كالموافقة أيضاً) تأتي عطفاً على الفهم نفسه. فهناك اعتراضات سبقت اللقاء، منها مثلاً اعتراض الشيخ غزال غزال الطامح إلى زعامة طائفية، واعتراضات أخرى أعقبته، لأن ما رشح عنه يشي بأن العلويين الذين حضروا اللقاء قدّموا للشرع مطالب خدمية، وتجاهلوا المطالب المتعلّقة بمحاسبة المسؤولين عن مجازر آذار.

الاعتراض الأكثر وجاهة على اللقاء أتى من السؤال عمّن يكون هؤلاء الذين التقوا الشرع، وعمّا إذا كانوا يمثّلون حقاً العلويين. وهو اعتراض لا يصحّ فقط على الساحل وعلى العلويين تحديداً، بل يصحّ على كل المحافظات السورية التي زارها، والتقى فيها بـ”وجهاء وأعيان” ليس لهم صفة اجتماعية معترَف بها على هذا النحو. فكما هو معلوم تقليدياً، هناك في سوريا زعامات عشائرية موروثة، ولا يندر أن تتدخل السلطة في عملية التوريث لترجِّح وريثاً على آخر. وهناك زعامات طوائف معروفة أيضاً، وهي الزعامات الدينية للطوائف المسيحية، تُضاف إليها مشيخة العقل لدى الدروز. ولهذه الطوائف قوانين أحوال شخصية مختلفة عن القانون الذي من أصول فقهية سنّية، لكن تحتكم إليه المجموعات السورية الأخرى، ما يجعل الانفتاح بينها أسهل على صعيد الزواج وآثاره الاجتماعية والاقتصادية.

لا توجد زعامات طائفية لدى السُنّة ولا لدى العلويين ولا الشيعة، ويمكن القول عن الزعامة الآغاخانية للإسماعيليين إنها زعامة محدثة بتأثيرها الذي برز بدءاً من تسعينات القرن الفائت. وأيضاً لا يوجد وجهاء وأعيان بالمعنى الذي يُفهم من الأخبار الرسمية، فمن المعلوم للصغير والكبير أن سلطة الأسد، خلال أكثر من نصف قرن، عملت على منع ظهور أية شخصية لها حضور رمزي في الفضاء السوري العام، أو في مجتمعها المحلي، باستثناء الزعامات التي أشرنا إليها.

“تلفيق” الوجهاء والأعيان، التسميات التي تحيل أصلاً إلى الزمن الإقطاعي، هو بمثابة الرجوع إلى زمن لم يعد موجوداً. أي زمن ما قبل انقلاب البعث، حيث كانت التراتبيات الاجتماعية موجودة حقاً؛ بعضها موروث دينياً وعشائرياً، وبعضها اقتصادي موروث ومستجد كحال الاقطاعيين والبرجوازيين الصاعدين بغالبيتهم من العائلات الإقطاعية. ذلك صار من الماضي مع أفول الإقطاع، لا في سوريا وحدها بل تاريخياً، ولم تُتح الفرصة لبروز مؤثّرين اقتصاديين واجتماعيين جدد على قواعد اقتصادية أو سياسية جديدة، أو حتى على أساس طائفي.

فيما يخص العلويين تحديداً، يعود النظر إليهم كطائفة (وفق ما هو متداول حالياً) إلى النصف الثاني من السبعينات الذي شهد انفتاحاً أكبر من العلويين على الفضاء العام، قسم كبير منه مرتبط بالسلطة الممسكة بالوظائف العامة، وقسم منه مرتبط بمعارضة السلطة من خلال العمل السياسي السري. في ذلك الوقت أتى خطاب “الطليعة المقاتلة” الذي يستثمر في الموضوع الطائفي، ليلاقي استثماراً طائفياً في الاتجاه نفسه من قبل السلطة، قاده رفعت الأسد بعد دخول الأسد إلى لبنان. ومن المؤكد أن حافظ الأسد بذل جهده لتحويل العلويين إلى طائفة، لكن بمعنى أن يكونوا طائفة السلطة المتمحورة حوله، لذا لم يقصّر في تحطيم المجتمعات العلوية لتحقيق هدفه في قولبتها على قياسه.

يجوز القول إن نهاية السبعينات، ثم مع الشروع في قمع الثورة عام 2011، شهدا انتعاشاً مقابلاً في صنع “الطائفة العلوية”، بوصفها طائفة متخيَّلة من الخصوم، أكثر بكثير من كونها طائفة حقيقية، وربما أكثر بكثير من قابلية العلويين للتحوّل إلى طائفة. لقد تكاثر في المرتين أولئك الذين سعوا إلى تصوير المجتمعات العلوية كلغز باطني، أتيح للبعض منهم كشف أسراره، فراح يروّج الأساطير عن محفل سري ذي طبيعة شريرة أصيلة.

فوق التكفير الموجود في أدبيات المتطرفين الإسلاميين إزاء الفرق الإسلامية المغايرة، راحت الأقاويل تروج عن ذلك المحفل العلوي الذي ينتمي إليه الأسد، والذي يتخذ القرارات الكبرى المصيرية بهدف الإمساك بالسلطة. على الهامش، راجت الأقاويل الأكثر شعبية وبذاءة، كالنيل من النساء على أساس مذهبي، وقد حدث شيء مشابه في الردح المتبادل بين العرب والأكراد أيضاً، إذ استُخدمت النساء وأجسادهن في جميع الحالات كوسيلة لإذلال جماعة بشرية بأكملها، وبالتأكيد لم تقصّر مخابرات الأسد في انتهاكاتها على الصعيد نفسه.

كان من المأمول أن يوقف سقوط الأسد الاستثمارَ الطائفي فيما يخص العلويين، فالانهيار على النحو الذي حدث كشف تفاهة تلك الأساطير عن محفل سري علَوي، وكشف أيضاً أن العلويين، بمعزل عن خرافة المحفل السري، ليسوا طائفة على الإطلاق خارج ما يحيل إليه التعبير بعموميته المذهبية. إذ لا يوجد لدى العلويين انتظام طائفي، على النحو الذي نراه في الهرم الكنسي المسيحي أو لدى المشيخة الدرزية. ولا توجد أية مؤسسات خاصة بالعلويين، بوصفهم هكذا، أي أن نجاح الأسد ضمن فئات منهم كان نجاحاً مرتبطاً بوجوده في السلطة، وبوهم تبادل الحماية خوفاً من التغيير الذي يعرّض العلويين لعمليات انتقام. وبما أن التغيير صار واقعاً كان يمكن لفئات متخوّفة، وغير منخرطة في جرائم الأسد، أن تتخلص من مخاوفها إذا لم تُدفع مرة ثانية في اتجاهها، والتخلص من تلك المخاوف يؤدي بدوره إلى الانفتاح على الفضاء الأوسع.

ما حدث كان العكس تماماً، فالذين ساهموا في تشكيل تلك الصورة عن الطائفة العلوية كما يتخيّلونها واصلوا التعامل مع العلويين كطائفة، من دون اعتبار للواقع الذي يكذّبهم بعد السقوط، لجهة إثبات تهافت وصفهم بالطائفة، والذي لا يقل تهافتاً عن وصف السنة بأنهم طائفة. قبل سقوط الأسد، كانت لصناعة “الطائفة المتخيَّلة” وظيفة التعبئة لدى الأكثرية السنية، وكان يُفترض أن تنتهي مع انتهاء الحاجة إليها بتحقيق الانتصار.

إلا أن هذا ليس منطق السلطة، من قبل ومن بعد، وحيث أمكن الاستثمار في المسألة الطائفية. فما شهدناه خلال سنة كان تفاقماً للخطاب الطائفي، لا سعياً إلى تهدئته ومعالجته. وفيما يخص العلويين فإن تكرار وصفهم بالطائفة من المحتمل جداً أن يؤدي إلى أن ينظروا إلى أنفسهم كذلك، وقد يبدو الأمر واقعياً جداً، بما أن المشهد العام يشير إلى انكفاء المجموعات والمجتمعات السورية على أنفسها. سيكون واقعياً جداً السؤال: في بلد الطوائف لماذا لا يكون العلويون طائفة؟

هو سؤال يحمل الجواب، لجهة القبول بتحويلهم إلى طائفة تحت وهم أن توفّر وضعية الطائفة المتماسكة شيئاً من الحماية. لكن النظر في أحوال الدروز مثلاً يشير إلى تهافت فرضية الحماية، ففي مثال السويداء لم يمنع الاصطفاف والمأسسة المذهبيين، مع انتظام عسكري جيد، من اقتحامها من قبَل فصائل السلطة وعشائرها على النحو الذي رأيناه في منتصف تموز الماضي، ولولا الضغوطات الخارجية لكانت النتائج أشدّ هولاً.

في الواقع، لن يفيد العلويين دفعُهم للتحول إلى طائفة، وفي الوقت نفسه سيكون ستاراً لتطييف سوريا بأكملها، لأن تحولهم إلى طائفة سيكون ذريعة لشد العصب السُنّي وتحويل السُنة إلى طائفة أيضاً، ولا نخاطر بالقول إن هذا هو بيت القصيد أصلاً. ولأن الأمر برمته أبعد من جماعة سورية بعينها، فإن التصدي لمحاولات التطييف ليس إنكاراً للمسألة الطائفية، ولا ابتعاداً عن الواقع، كما يحلو للبعض تصويره. لأن الواقع ليس ذلك الموروث فقط، إنه أيضاً ما يُصنع كل يوم. هو ليس حصيلة نصف قرن فقط، بل أيضاً حصيلة سنة مضت.

المدن

———————————

عن السوريين العلويين والسلطة الجديدة/ مروان قبلان

10 ديسمبر 2025

لا أميلُ إلى الطعن في التقرير الذي نشرته وكالة رويترز الأسبوع الماضي، وادّعت فيه أنّ بعض كبار ضبّاط النظام السابق وأعوانه يحضّرون لتمرّد كبير في منطقة الساحل (سمّت تحديداَ ابن خال بشّار الأسد، رامي مخلوف، ورئيس المخابرات العسكرية السابق، كمال حسن، من بين آخرين)، فقد تكون أحلام العودة لا تزال تُراود بعض الواهمين من رموز النظام السابق، أقلّه في إقليم ساحلي مُنفصل عن دمشق. اعتراضي الرئيس على التقرير أنّ فيه شيئاً من المُبالغة في تقدير الخطر الذي يشكّله هؤلاء، لكن الأهم محاولة زجّ العلويين، مجتمعاً وطائفة، في خضمّ هذه الادّعاءات، خصوصاً بعد التظاهرات التي دعا إليها رئيس ما يسمّى المجلس الإسلامي العلوي في سوريا والمهجر، غزال غزال، ولقيت تجاوباً نسبيّاً في بعض مناطق العلويين في الساحل وغرب البلاد، بعد احتكاكات طائفية في حمص، أواخر الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني9، على خلفية جريمة قتل مروّعة شهدتها بلدة زيدل، وراح ضحيتها رجل وزوجته من عشائر المنطقة.

تقديري أنّ غالبية العلويين تقبّلوا سقوط النظام السابق، ويريدون طي صفحته، والعيش مواطنين أحراراً في سورية موحّدة، مثل بقية السوريين. لا أميل أيضا إلى (أي العلويون)، خاصّة بعد تجربة “التمرد” التي قادها فلول من النظام السابق، في مارس/ آذار الماضي، مُستعدّون لمنح ثقتهم مجدّداً لنظام، وعائلة، سبق وأنّ استخدمتهم وقوداً لبقائها في السلطة، ثم فرّ رأسها بأولاده وأمواله، وتركهم لمواجهة مصيرهم المحتوم. لكني أرى، في المقابل، أنّ بعض العلويين يخطئون إذا رأوا خلاصهم في انغلاقهم على ذاتهم، وفي السير وراء أجندات أو دعوات تعبث بمصيرهم مُجدّداً، فيما يعيش مطلقوها وراء الحدود. لقد أساء هؤلاء التقدير، توًا، في التجاوب مع دعوة غزال إلى مقاطعة الاحتفالات بسقوط نظام بشار الأسد، وكان ينبغي لهم أن يكونوا أوّل المحتفلين، وأكثرهم بهجة، بسقوط النظام الذي تسبّب بقتل عشرات آلاف من أبنائهم، وحمّلهم وزر دماء مئات آلاف من إخوانهم السوريين. بمقاطعتهم الاحتفالات، والتجاوب مع الدعوة إلى الإضراب، أضاع بعض العلويين مرّة أخرى فرصة أن ينضمّوا إلى بقية السوريين في تخطّي الماضي، والتطلّع إلى المستقبل، وإشعار المجتمع الواسع بأنّهم جزءٌ منه. ينبغي أن يدرك العلويون أنّه بمقدار ما لهم من مطالب مُحقّة، تترتّب عليهم، في المقابل، مسؤوليات، والاندماج في المجتمع السوري إحدى تلك المسؤوليات، وكذلك التبرّؤ من كبار مجرمي النظام السابق، ورفض الدعوات التي تحضّ على التجزئة والانفصال. يرتكب العلويون خطأً جسيماً إذا سلكوا مسلك سنّة العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، عندما رفضوا تقبّل التغيير، وتصرّفوا بمنطق الخاسر، الساعي إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، فدفعوا، وما زالوا، ثمناً عظيماُ. لا أرى مؤشّرات على ذلك.

هذا عن مسؤولية العلويين، ماذا عن مسؤوليتنا نحن، ومسؤولية السلطة الجديدة؟ ينبغي أن نرفض، قبل كلّ شيء، تحميل العلويين، طائفةً، وزر جرائم نظام الأسد، فقد كانوا ضحية له، كما كلّ السوريين، على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم. ولذلك، على الحكومة أن تعلن قائمة بأسماء كبار المجرمين، والمطلوبين، من رموز النظام السابق، عملًا بالمبدأ الذي تقرّه القوانين السماوية والوضعية بأنّ المسؤولية الجنائية فردية. هذه الخطوة ضرورية لإعتاق الطائفة العلوية من وزر الدم السوري، وطمأنتها بأنها غير مُستهدفة بكلّيتها. على الإدارة السورية، فوق ذلك، ألا تدفع، بدورها، العلويين إلى تقمّص دور السنّة العراقيين، فهم في سورية، مثل السنّة في العراق، كانوا، بفعل تركيبة السلطة، مُعتمدين بكلّيتهم على الدولة في الوظائف والتشغيل، لذلك أدّى حلّ أجهزة الدولة في العراق، كما في سورية، إلى رمي مئات آلاف وعائلاتهم في براثن الفقر والجوع، ما أوقد جذوة تمرّد، تطوّر إلى حرب أهلية، بدعم خارجي، جاء أكثره من نظام الأسد وإيران اللذين اتفقا على إغراق أميركا في وحول العراق لينجوا بنفسيهما. إذا قرّر العلويون التمرّد فالسبب في ذلك سيكون الجوع، وليس الرغبة في استعادة السلطة، فجلّهم يدرك أنّ هذا صار أضغاث أحلام.

لا تقوم السياسة على علاقات الحبّ والكراهية، بل على المصالح، ومصلحة سورية تقتضي مساعدة العلويين على الاندماج بمجتمعهم، والتمتّع بحياة كريمة أسوة ببقية السوريين. بهذا فقط نمنع وصول أيدي خارجية إليهم، تستغل “مظلوميّتهم”، فقرهم، وتهميشهم، للعبث بوحدة البلاد وأمنها واستقرارها. نتيجة التعقيدات على الأرض، ودوليّاً، وفي الإقليم، فإنّ ملف السويداء، وملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، خارج قدرة الحكومة السورية على التعامل معهما حاليًا. الملف الوحيد المُتاح، ويسهل طيه، هو ملف الساحل. على الحكومة أن تتحلّى بالجرأة للقيام بذلك، وسريعاً، لأنّ هذا هو السبيل الوحيد لمنع “النبوءة التي حقّقت ذاتها” عن تحالف الأقليات، إذا نجحت جهود إسرائيل، وأطراف إقليمية أخرى، وتحوّلها إلى قنبلة موقوتة تفجّر البلد.

العربي الجديد

———————————

المخاض السوري… العقدة العلوية/ علي العبدالله

10 ديسمبر 2025

عام 2005، وعلى خلفية الضغوط الشديدة التي سلطها المحقق الدولي في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، النائب في حينه، رفيق الحريري، ديتليف ميليس، على النظام البائد في سورية عبر التوسّع في التحقيقات لتشمل قيادات حسّاسة في مخابراته وارتفاع نسبة توجيه اتهام لرأسه، بشّار الأسد، بإصدار الأوامر بتنفيذ الجريمة، انتشرت رواية بين ضباط المخابرات وعناصرها من أبناء الطائفة العلوية تقول “إن حكم العلويين في سورية سيدوم 40 عاما”، وفق ما جاء في كتاب “الجفر”، الذي يُنسب إلى علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه). لكن الحكم استمر، على الضد من هذه الرواية، لاعتبارات إقليمية ودولية حتى تجاوز النصف قرن بسنوات. لم يتم التفكير في تآكل شرعية النظام على خلفية ممارساته الداخلية والخارجية والنظر في تعديل بعضها وتغيير أخرى والعمل على كسب رضا الشعب عبر العدل والمساواة في الحقوق والواجبات من دون تمييز وإشراك المجتمع في القرار الوطني عبر مؤسّسات وسيطة، الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، وتحقيق توازن في مشاريع التنمية بين المحافظات وتوزيع عادل للثروة بين المناطق والأفراد لتعزيز شرعية نظامه واستقراره، بل جرى اللجوء إلى تفسيرات غيبية وغير عقلانية لزوال الحكم. كما كانت الفرصة لاحتواء ردات فعل السوريين كبيرة لو أن رأس النظام أحسن التصرف عام 2011 في مواجهة التظاهرات الأولى في درعا، ولبّى مطالب شعبية معروفة مثل رفع حالة الطوارئ والافراج عن المعتقلين السياسيين وإطلاق الحريات العامة والخاصة، كانت معاقبة رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا العميد عاطف نجيب على تصرّفه العنيف وغير الأخلاقي مع ذوي الأطفال الذين اعتقلهم على خلفية كتابتهم شعار “أجاك الدور يا دكتور” على جدران مدارس في المدينة وتفنّن في تعذيبهم؛ كانت كافية لامتصاص الغضب وتخفيف التوتر والاحتقان، خصوصاً مع ارتفاع فرصة وصول ثورات الربيع العربي إلى سورية؛ لكن العزّة أخذته بالإثم، وزعم أن نظامه محصّن ضد الثورات.

نسي النظام البائد، بعد تحويل الاتهام باغتيال الحريري نحو حزب الله اللبناني، وبدء تحرك عربي، سعودي على وجه الخصوص، نحوه، لإبعاده عن إيران وإعادته إلى الحضن العربي، اللحظة الصعبة التي مر بها وتابع، بل ورفع من سوية قمعه واضطهاده وتمييزه واستئثاره بخيرات البلاد، حتى وجد نفسه عام 2011 في بؤرة عاصفة شعبية هزّت أركانه ووضعته أمام خيارين: الدخول في مسار تصالحي عبر تلبية مطالب المتظاهرين بالحرية والكرامة أو الاستمرار في الغي ومواصلة السياسات التي أدّت إلى انفجار التظاهرات. اختار الثانية وتحرّك على قاعدة “الأسد أو نحرق البلد”؛ فشهدت البلاد حربا مدمّرة شنها على الشعب الثائر باستخدام كل صنوف الأسلحة التي يمتلكها الجيش، بما في ذلك الغازات السامة، اختار اللجوء إلى استخدام القوة القاهرة والاستعانة بإيران وروسيا، والتضحية باستقلال البلاد وهدر ثرواتها لتمويل العدوان الغاشم. ولغ رئيس النظام البائد في دماء السوريين وتدمير البلاد، ليثبت لأسرته وحاضنته أنه ليس ضعيفا كما يتداولون. لعب النظام الإيراني دوراً كبيراً في تأجيج الصراع وعنفه أكثر بتقديم رواية شيعية عن “الملحمة الكبرى” التي تقع بين أنصار المهدي والسفياني، نسبة لأبي سفيان والد معاوية، الذي يخرج من الشام وتنتهي بانتصار أنصار المهدي وعودته.

هبط سقوط النظام المفاجئ وتبخّر غطرسته وجبروته وفرار رئيسه وكبار قادته في أجهزة المخابرات والجيش ومحاسيبه من أصحاب الثروات المنهوبة يوم 8/12/2024 على صغار الضباط وضبّاط الصف والمجنّدين من أبناء الطائفة العلوية هبوط الصاعقة؛ فقد وجدوا أنفسهم من دون قائد أو موجه يرشدهم إلى التصرّف المناسب فتركوا أسلحتهم وزيهم الرسمي وعادوا إلى ذويهم في مدن الساحل وبلداته وقراه وحمص وحماة بانتظار ما ستأتي به الأيام؛ وهبط على الطائفة عامة بالذهول والاستسلام للأمر الواقع قبل أن تدهمهم الزوابع والعواصف: حل الجيش وأجهزة المخابرات، مئات آلاف، وفصل آلاف الموظفين والموظفات، تحوّلوا في لحظة إلى عاطلين من العمل بلا راتب تقاعدي أو تعويض مناسب عن فترة الخدمة التي ليس لهم مصدر دخل غيرها؛ تلاه دخول العسكريين وعناصر المخابرات في دوّامة تسوية أوضاعهم لدى مراكز تابعة للسلطة الجديدة والملاحقات والاعتقالات، وما تم خلالها من إهانات وشتائم مقذعة وإذلال مقيت. لم تعلن أرقام رسمية عن عدد المعتقلين، في حين يقول متحدثون باسم الطائفة إنهم بالآلاف، وبدأت عمليات الانتقام من أبناء الطائفة العاديين في محافظات حمص واللاذقية وطرطوس وريف حماة الغربي، قتل عشوائي وخطف نساء، باعتبار العلويين، كل العلويين، مسؤولين عن جرائم النظام البائد، قبل أن تتوّج مأساتهم بحملة عسكرية معزّزة بآلاف المتطوعين المدنيين، الفزعات، ردّاً على محاولة مجموعة كبيرة من عسكريي النظام البائد من أبناء الطائفة السيطرة يوم 6 مارس/ آذار 2025 على مواقع عسكرية في محافظتي اللاذقية وطرطوس ارتكبت فيها، الحملة، مجازر ذهب ضحيتها 1479 علويا من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال مع نهب البيوت وحرقها وحرق المزارع ونزوح الآلاف داخل سورية وخارجها.

أدّت هذه الممارسات، الفردية والجماعية إلى انتشار الخوف بين أبناء الطائفة، ما دفعهم إلى الانطواء والانزواء طلباً للسلامة.

غير أن المواجهات الدامية التي حصلت في جرمانا وأشرفية صحنايا بين السلطة الجديدة وأبناء طائفة الموحدين الدروز، وحملة السلطة على محافظة السويداء وما ترتب عليها من نتائج عسكرية، تراجع قوات السلطة تحت الضغط العسكري الصهيوني؛ وفرض سيطرة الشيخ حكمت الهجري وأنصاره على مركز المحافظة وتنظيم إدارة ذاتية فيها؛ وجمود اتفاق 10 مارس (2025) بين السلطة الجديدة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) حول اندماج الأخيرة في الجيش السوري الوليد؛ وتواتر التوغلات العسكرية الصهيونية في الأراضي السورية وإقامة نقاط عسكرية ثابتة فيها، ودخول السلطة في حالة إرباك وضعف فتحت بابا أمام وجهاء الطائفة العلوية ومثقفيها لتحريك ملفها برفع الصوت والمطالبة بوقف الانتهاكات ضد الطائفة وبالإفراج عن المعتقلين، الذين لم يخضعوا لمحاكمة تحدد مصيرهم، بالإضافة إلى المطالبة بحماية دولية وبنظام لامركزي في سورية، تصدّر التحرّك رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر، الشيخ غزال غزال، الذي تواصل مع “قسد” وشارك عبر الفيديو في مؤتمر “وحدة الموقف” الذي عقدته الأخيرة في الحسكة يوم 8 أغسطس/ آب الماضي، ودعا يوم 25 الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني) إلى التظاهر السلمي للضغط من أجل الإفراج عن المعتقلين وإعادة النساء المختطفات وإقامة حكم ذاتي؛ وقد استجيب لدعوته رغم وجود موقف سلبي منه شخصياً على خلفية تشيعه، وعمله مع جميل الأسد في جمعية المرتضى بالدعوة إلى التشيع بين السوريين ومن ضمنهم العلويون. وخرجت تظاهرات في عدة مدن وبلدات في الساحل وحمص وحماة، شكّلت أول مظاهرات واسعة النطاق تشهدها سورية منذ سقوط النظام البائد. في السياق دعا غزال إلى مقاطعة احتفالات السلطة بعيد التحرير وإلى إضراب عام خمسة أيام.

لم يكن تحرّك الشيخ غزال التحرك الوحيد لأبناء الطائفة، فقد نشرت وكالة رويترز تقريراً عن تحرّكات ذات طابع عسكري يقوم بها رئيس سابق للمخابرات السورية، اللواء كمال حسن، وابن خال الرئيس المخلوع الملياردير رامي مخلوف، كل على حدّة، عبر تمويل ضباط وعناصر من أبناء الطائفة وحشدهم للقيام بعمل عسكري للسيطرة على محافظات الساحل السوري، أشار تقرير رويترز إلى صغر المبالغ المالية المخصصة للأفراد من العسكريين السابقين التي يرسلها كمال حسن ورامي مخلوف، بين 20 و30 دولارا للعنصر، لكنها على صغرها تساعد أسرا طردت السلطة الجديدة معيليها من عملهم، وقطعت مصدر عيشها، على تأمين بعض احتياجاتها، والتسابق بينهما للسيطرة على 14 غرفة قيادة تحت الأرض شيدت في الساحل السوري من قبل النظام المخلوع في خطة احتياطية لمواجهة تطورات الصراع مع ثوار ثورة الحرية والكرامة. قال الأول إنه يسيطر على 12 ألف عسكري، بينما ادّعى الثاني أنه يسيطر على 54 ألفا. وفق ما نقلته رويترز.

لم تكن الطائفة العلوية، التي تشكل بين 10% و12% من سكان سورية، أي قرابة المليونين ونصف المليون نسمة، كتلة واحدة. كانت موزّعة الولاءات على أسس عشائرية ومناطقية، كما لم تكن في أغلبيتها مستفيدة من النظام البائد أو ملتحمة به قبل أن تدفعها ممارسات السلطة التي تعاملت معها متهمة ومسؤولة عن جرائم النظام البائد ومجازره، ونصّبت في مناطقها مسؤولين في الأمن العام والإدارات من خارجها يحملون صورة شديدة السلبية عنها، أقلها أنها حاضنة النظام البائد وأكثرها تطرّفاً أنها طائفة مرتدّة؛ ما وضعها، مع تجاهل مطالباتها بوقف القتل والإفراج عن المعتقلين وإعادة المخطوفات، في مواجهة سؤال الوجود ودفعها إلى السير خلف دعوات الشيخ غزال غزال، وهي التي لم تكن يوما تمتلك هيكلية دينية موحدة؛ فالمجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر تأسس في فبراير/ شباط الماضي، لتوحيد الصف والموقف. وكان هذا التأسيس متوقعا في ضوء طبيعة السلطة السورية الجديدة، سلفية جهادية، وتشكيل السلطة مؤسسة للإفتاء من مشايخ السُنّة فقط.

لقد دفعت السلطة السورية الجديدة، إن بنظرة قيادتها إلى الطائفة العلوية أو بممارسات أجهزتها الأمنية وقوات شرطتها، الطائفة إلى التكتل والتحشّد والتنسيق مع مواقف معارضة للسلطة في شمال سورية وشرقيها وفي السويداء. لقد حولتهم من جماعة قانطة إلى جماعة متحفزة. لقد صنعت السلطة بنظرتها غير الموضوعية إلى الطائفة العلوية وتجاهلها لمطالبها لنفسها خصما جديدا لم تكن بحاجة إليه وهي تواجه خصوما كثرا ومشكلات تنوء تحتها الجبال. كانت قادرة على تلافي ذلك ببعض الحصافة، مساءلة مباشرة لمجرمي النظام البائد وتنفيذ موجبات عدالة انتقالية تمتص نزعة الانتقام. فالقتل والخطف والإفقار والإهمال والاحساس بخطر وجودي.. كل ذلك أدى، على الضد مما أرادت السلطة السورية الجديدة، إلى تكتل العلويين وتماسكهم والتفافهم حول أول داعية إلى الحشد والحركة، عسكريا كان أو شيخاً معمّماً، فكل دعوة إلى التكتل والحشد هي كالقشة بالنسبة لغريق.

تستدعي الحصافة ألا تترك السلطة الطائفة العلوية تعاني الخوف والعزلة، وألا تكتفي بحركة علاقات عامة كحماية التظاهرات (أخيرا) التي هدفت إلى تحسين صورة أجهزتها في الخارج، بل أن تقوم بخطوات حقيقية لطمأنتها بدءاً من حسم مصير المعتقلين من خلال محاكمات عادلة ونزيهة، وتحرير المخطوفات، والتعويض عن الخسائر التي لحقت بالمدنيين منهم خلال الحملة العسكرية، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية والكهرباء وصيانة البنية التحتية، المشافي والمدارس والطرق والجسور، وصولا إلى إعادة النظر في حقوق المطرودين من الخدمة في الجيش والمخابرات والوظائف المدنية، تعويضات مقطوعة أو رواتب تقاعدية وتوفير فرص عمل لهم خارج الجيش والمخابرات، تمهيدا لرأب الصدع واستعادة الثقة والدخول في حوار حول الحقوق والواجبات في ظل الدولة الجديدة.

———————————

السوريون العلويون. من العزلة إلى إعادة اكتشاف الذات/ عبير نصر

12 ديسمبر 2025

تنبعثُ اليوم الأسئلةُ الأكثر حساسيةً من تحت الركام السوري، لتُظهِر موشور الحياة السياسية في أوضح تحوّلاته وتعرّجاته، ومنها سؤال الطائفية، وقد باتت الهُويَّة الضيقة (بصورة ما) القوقعة الآمنة ضدّ الخوف والعزلة، ولم يتأتَّ هذا تاريخياً إلا من زاوية إبقاء الحذر كامناً بين الطوائف وعدم إتاحة الفرصة لانفتاحها على بعضها. وعليه، ومع انهيار العقد الاجتماعي في وقتٍ لم يبدأ السوريون فيه حتى أولى خطوات الشفاء، تحوّل الفراغ السياسي ساحةً لتصارع المظلوميات، وكأنّ الواقعَ قنبلةٌ موقوتةٌ ولا عدّادَ واضحاً، بدلالة مظاهرات العلويين المُطالِبة بوقف القتل وإخراج المُعتقَلين وما تلاها من مسيراتٍ مضادّةٍ في الذكرى الأولى لعملية ردع العدوان، بعضها حُمِّل برمزياتٍ استفزازية، ربطت الكرد بصندوق “البويا”، والدروز بـ”المقصّ”، وثمّة تجمّع هدّد بحشدِ جيشٍ يمتدّ حتى تخوم القرداحة، إنْ لم يلتزم العلويون الصمت المُطبِق.

كلتاهما، المظاهرات والمسيرات، كشفتا البلاد دفعة واحدة على آثار عقدٍ من الاحتقان، وعلى تركةٍ ثقيلة من التفكّك البنيوي للدولة والمجتمع معاً، وأعادت إلى الواجهة أخطر مخرجات عقود “البعث” من شوفينية وأحقاد، وكأنّ البنيةَ المجتمعيةَ الصُّلبة التي بناها نظام الأسد لم تسقط مع سقوطه، فالشروخ العميقة كانت دائماً بلا حدود واضحة بين مستوياتها، أقرب إلى الطيف اللوني تتدرّج في الشدّة والتأثير والخطورة. شارع ضدّ شارع، وسردية ضدّ أخرى، لتبرز الطائفية لا بوصفها عقيدةً دينيةً، بل أداة لإعادة ترتيب مفردات الهيمنة والنجاة، من المؤكّد (إذا ما لُجِمت) أن تتحوّل صدعاً مزمِناً يُقوّض مشروع العبور إلى الخلاص، ويُرسّخ هوامشَ إضافيةً يسودها فراغ هرمي يبتلع الحدث السوري ويُقطّع تسلسله.

التعميم الحذر واجب هنا، رغم أنّ المسيرات المضادّة بدت قناةَ تفريغ لغضب “الأكثرية”، تتمحور في جوهرها حول تحميل الآخرين مسؤولية ما آلت إليه البلاد، خصوصاً الطائفة العلوية التي نالها أيام حكم الأسد من العنف المادي بالقدر نفسه من العنف النفسي، وكانت “فتنة الساحل” في مارس/ آذار المنصرم قد فتحت باب الأسئلة (وتمنّى كثيرون ألا يُفتح) عن مصير العلويين في ظلّ النظام الجديد، لشعورهم بأنهم غرباء منبوذون، ومستباحون إثر فرز وزير ثقافة الحكومة الانتقالية أبناء الطائفة إلى خدم أو مجرمين، وتبرير المتحدّث باسم وزارة الداخلية ظاهرة اختطاف الفتيات العلويات بالالتجاء إلى أحضان عشاقهن، وجاءت محاكم حلب لمحاسبة المتورّطين في مجازر الساحل لتزيد الطين بِلَّةً بعدما أكّدت أنّ فيديوهات القتل مفبركةٌ بالذكاء الاصطناعي.

وفي الساحل السوري، الذي كان يُروَّج أنه مجالَ نفوذٍ علوي، ظهرت أولى ملامح التصدّع بعد سقوط الأسد، رغم إصدار بياناتٍ موقّعة من رجال دين يعربون فيها عن تأييدهم الخجول للنهج الجديد، داعين المواطنين إلى تسليم السلاح وإزالة صور النظام البائد. هذه المبادرات بدت نابعةً من حالة دفاعية صرفة ضدّ مزاجٍ شعبي تبنّى دائماً سردية أنّ سبب دمار الدولة السورية هو حاكمها العلوي وطائفته، بدليل ما أنتجه يوم وفاة حافظ الأسد من مشاهد هروب العلويين إلى قراهم، ثم جاء الابن ليعزّز خيار انعزالهم في جيوب الترقّب لما قد يأتي، وسط احتقاره لهم على نحو ما أكّدته تسريبات الأسد-الشبل وهما يسخران من جنودٍ علويين مرابطين في الغوطة. بالتالي، أصبحت هُويَّتهم الطائفية الحكم الحاسم، تُحدِّد من ينجو ومن يُقتَل، لتسود حالة يأس مطلق استُعيض عنها بفكرة “شدّ العصب العلوي” بوصفها آخر الملاذات الممكنة.

في السياق، وأكثر من الأقليات الأخرى، يبدو توجّسُ العلويين من أنْ يصبحوا “أهل ذمّةٍ” في دولةٍ قد لا تراعي خصوصياتهم، منطقيّاً بدرجةٍ كبيرة، خصوصاً أنَّ قصّة اختطافهم بدأت مذ انتشرت نظرية تقول إنّ وصول حافظ الأسد وابنه إلى السلطة حصل فقط لأنهما علويان، بهدف ضرب المجتمع السنّي بمساعدة أعداء سورية، وازداد الحال تأزّماً مع حركة الإخوان المسلمين وما تلاها من أزمةِ ثقةٍ عميقة، ولاحقاً ردّة فعل النظام العنيف جدّاً بعد عام 2011، دافعاً الطائفية إلى أخطر مستوياتها، ليُنسب إلى العلويين جرائم الحقبة الأسدية وموبقاتها، بعدما استثمر الإعلام المعارض الروايات الأكثر تحريضاً وعاطفية، التي لاقت تجاوباً شعبوياً غريباً إثر ربطها العضوي مع فكرة أنّ نظام الأسد علويٌّ عميلٌ، ليبدأ التورّط الحقيقي، حرفياً، بعد تعبئة العلويين، قسراً وطوعاً، ضمن سلاح الجيش والأمن، وعبر أنماط قمع انتقائية عزّزت صورة النظام “حامياً للأقليات”، مستخدماً الشقَّ “الشيعي-السنّي” في أدلجة الصراع الطائفي وبرمجته. أمّا النُّخب العلوية، فإمّا صُفّيت وإمّا بقيت مُهمّشةً غارقةً في كتب ونظريات بعيدة من الواقع.

بحسب تقرير لوكالة رويترز، تُعدّ منطقة جبال العلويين من أفقر المناطق السورية، رغم أنها خزّانٌ بشريٌّ لجيشها. وهكذا، من حُكم “البعث” إلى حُكم هيئة تحرير الشام، يقترب العلويون من العيش مجدّداً على هامش الدولة، يعيشون صدمةً كاملةَ الأركان بعدما تُركوا وحدهم ليواجهوا مصيرهم المجهول بعد هروب رؤوس نظام الأسد من العلويين المستفيدين من عطايا هذا الحكم الفاشي، وسط تجاهلهم التامّ من سلطةٍ اجتمعت (وبشكل مباشر) بممثلين عن كلّ الطوائف السورية عداهم، ولم تبدِ أيَّ حساسيةٍ تُذكر تجاه مجازر الساحل وضحاياها المدنيين، ولا حتى الإشارة إليهم مكوّناً لا يجب تحميله وزر نظام الأسد، ما دفع إلى اشتراك بعضهم بمؤتمر “وحدة الصفّ” في الحسكة، ولاحقاً مؤتمر الأقليات في إسرائيل، بحثاً عن صوتهم المفقود ضدّ ثنائية “التحامل والتحيّز”، وضدّ ما تُسمّى لجنة السلم الأهلي التي تعامل معها كثيرون على أنّها عقد إذعان للسلطة الجديدة. واليوم، تأتي تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع خلال منتدى الدوحة 2025، وفي تحوّلٍ لافت، لتؤكّد أنّ العلويين أكثر المُتضرِّرين من النظام السابق.

في المقابل، وجد كثيرٌ من الشبّان والشابّات أنفسهم أمام هوّة حقيقية في ما يخصّ الهُويَّة الجمعية، وتَعمّقَ لدى أغلبهم الشعور بالانتماء إلى الطائفة، لا حبّاً فيها، بل خوفاً من أن يصبحوا أهدافاً مستباحة في فضاء أمني منفلت. أمّا آخرون، فوجدوها فرصةً تاريخيةً لإعادة تعريف أنفسهم خارج كلّ الأطر والتوصيفات الجاهزة، بعيداً من تأثير مجالس حقّقت شعبيةً وقبولاً معقولاً، منها المجلس الإسلامي العلوي الأعلى بقيادة الشيخ غزال غزال، رغم التصادم العلني بين خطابه وخطاب رجل الأعمال رامي مخلوف الذي خرج برسالةٍ مطوّلة بعد مظاهرات العلويين، مشكّكاً في دوافع الحراك وتوقيته، وأيضاً المجلس السياسي لوسط وغربي سورية، رغم ما شهده من انقسامات وتجاذبات كبيرة. ولتعزيز شرعيته، اعتمد محاربة الأسماء المتصدّرة واجهة المجالس المعروفة سابقاً بدعمها النظام البائد، التي تخوض في “الممنوع” الذي لطالما تجنّبه العلويون، عبر إعادة إنتاج وصايةٍ جديدة، تكون شكلاً من أشكال الاستثمار الأسدي المُحدَّث، وفرض سلطةٍ دينية على بيئةٍ جلّها علمانية لا تقبل أصلاً بوصاية رجال الدين عليها.

نافل القول، يبرز واقعُ تهميش العلويين اليوم، ليس بوصفه مجرّد تشنّج ديني فقط، بل مجموعة من الذهنيات الدفاعية لإعادة التموضع “السُّني”، كاشفاً استعصاءً مجتمعياً عميقاً في ساحةٍ باتت مسرحاً لصراعِ نفوذٍ علوي مستتر يوازي في حدّته وخطورته الصراع مع السلطة نفسها. يحاولون التطهّر من وصم “فلول”. إذ، بعدما حوّلهم نظام الأسد درعاً بشرية لحمايته، وضعهم في التباس شائك مع الجميع: هل هم الجلّادون أم هم الضحايا؟!

العربي الجديد

—————————–

 أسباب حل المجلس العلوي بحمص.. غزال غزال والحكومة والانتهاكات/ محمد الشيخ

الجمعة 2025/12/12

كشف مصدر من داخل “المجلس الإسلامي العلوي في حمص”، لـِ “المدن”، عن أسباب قرار المجلس بحل نفسه نهائياً، محذراً من أن أحياء مدينة حمص ستكون “شرارة حرب أهلية” في حال لم يتم تدارك الفلتان الأمني الحاصل داخل مناطق العلويين في المحافظة.

ما علاقة غزال غزال؟

وقال المصدر إن السبب الرئيس لحل المجلس هو الخلاف الذي نشب بين أعضائه، لجهة الاتفاق والاختلاف مع توجهات التيار العلوي الذي يقوده الشيخ غزال غزال، إلى جانب أسباب أخرى مثل تعرض الاعضاء إلى تهديدات من جهات مجهولة، موضحاً أن المجلس ارتأى أن الحل الأفضل هو حل المجلس على نحوٍ نهائي.

وغزال، هو زعيم “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر”، ويقود تياراً من العلويين يطالب بالفيدرالية لمناطق الطائفة في الساحل السوري. وسبق أن دعا إلى مظاهرات ضد الحكومة السورية، وإلى عصيان مدني، وعدم الاحتفال بالذكرى الأولى لانتصار الثورة، وهو على تنسيق وانسجام مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وشيخ عقل الطائفة الدرزية في السويداء حكمت الهجري.

وحول وجود دور محتمل للسلطة السورية في قرار الحلّ، أكد المصدر أن السلطة لم توجّه أي أوامر بحل المجلس، ولم ترسل أي تهديدات “رسمية” كما يُشاع ضد أعضائه، لكنها عملت على تجميد عمله وحركته من خلال إغلاق جميع الطرق المؤدية إلى التواصل مع الفاعلين في مركز القرار، من أجل طرح مشاكل العلويين في حمص وإيجاد حلول لها لا سيما الانتهاكات المستمرة ضدهم على أساس طائفي.

وأكد أن المجلس عمل مراراً على تهدئة الشارع العلوي في حمص بعد تصاعد الانتهاكات، آخرها التدخل بعد ما حصل من هجمات على أحيائهم في المدينة، عقب الجريمة الأخيرة المروعة التي استهدفت رجلاً وزوجته في بلدة زيدل.

ولفت إلى أن المجلس تأسس فعلياً منذ العام 2013، لكن اعتقال مؤسسه الفعلي حينها من قبل الأجهزة الأمنية التابع لنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، دفعت إلى تجميد الفكرة، حتى إشهار تأسيسه مجدداً بعد سقوط النظام، مشدداً على أن المجلس لم يأخذ رأي السلطات السورية الجديدة عقب إشهار تأسيسه مرة جديدة.

خوف وتهديد

وقال المصدر إن المجلس وقف موقفاً محايداً من دعوات الشيخ غزال للتظاهر والعصيان المدني، لأنه لم يكن يريد الصدام مع السلطة من جهة، ومع العلويين من الطائفة الذين يوالون غزال من جهة أخرى، لكنه أكد أن مناطق الطائفة في حمص استجابت للتظاهرات بشكل واسع لجهة التوزع الجغرافي للعلويين، لكن الأعداد كانت قليلة نسبياً، بسبب الخوف من تعرضها لانتهاكات أو هجمات من قبل موالين للسلطة السورية.

ولفت إلى أن نسبة جيدة من الذين استجابوا للدعوة، لم يستجيبوا بسبب موالاتهم غزال، إنما رغبة منهم في الخروج إلى الشارع لطرح مطالبهم، وعلى رأسها ضبط الانفلات الأمني ووقف الانتهاكات، علّها تصل سريعاً إلى مراكز صنع القرار في السلطة، وتفرض بدورها الحلول الناجعة.

وأوضح أن استجابة أحياء العلويين بنسبة ضعيفة لدعوة غزال للعصيان المدني، كان سببه الرئيسي هو الحال الاقتصادي المزري الذي يعانونه في الداخل، مؤكداً في الوقت نفسه، عدم ذهاب الطائفة في حمص إلى تأييد مطلق لغزال، بعد حل المجلس.

ولفت المصدر إلى هناك توجهات مختلفة في مفاصل السلطة والأمن والجيش السوري بخصوص التعامل مع مدينة حمص، ولا يوجد أي طريق واضح للتعرف على الفاعلين في مركز القرار، على الرغم من محاولات كثيرة قام بها المجلس في هذا السبيل، موضحاً أن كل جهة وشخص مسؤول من هذه الجهات، يرمي المسؤولية على جهة وطرف آخر لجهة إيجاد الحلول، “ولم نصل إلى نتيجة”.

كيان جديد؟

ورداً على سؤال حول وجود أفكار لتشكيل كيان جديد يقود مطالب العلويين في حمص، أكد المصدر أن هناك أفكار طرحت من شخصيات مدنية لتشكيل لجنة أو شيء من هذا القبيل، لا تقتصر على رجال الدين العلويين، إنما تمتد لإدخال شخصيات مدنية فاعلة يحظون بشعبية واسعة وقبول لدى الطائفة، كما أكد أن السلطة السورية لم تتواصل مع المجلس بعد حلّه، ولم تطرح أي فكرة جديدة لتشكيل مؤسسة تتحدث باسم العلويين في حمص، وتطرح مطالبهم.

وحذّر من أن مدينة حمص ستكون شرارة أي حرب أهلية، نظراً لتداخل هذه الأحياء الطائفي، موضحاً أن عدد العلويين في محافظة حمص يقارب المليون و300 ألف شخص.

ودعا المصدر السلطات السورية إلى إيجاد حلول ناجعة لفرض الأمن وحماية العلويين من الانتهاكات اليومية التي يتعرضون لها، لافتاً إلى أن أعضاء المجلس باتوا أنفسهم يخشون على حياتهم، بعدد تهديدات وصلتهم من جهات مجهولة في أوقات سابقة.

وجول تشديد بيان حل المجلس لنفي علاقته مع لجنة السلم الأهلي، أوضح ان اتهامات طاولت أعضاءه بالتعامل مع السلطات السورية والتماهي معها، في حين أن الانتهاكات مستمرة ضد العلويين، لافتاً أن اللجنة جرى تشكيلها من قبل السلطة، ولم يتم دعوة أي عضو من المجلس للمشاركة فيها.

المدن

————————————

الشرع يجتمع السبت مع شخصيات في اللاذقية وسط تصاعد الخلاف مع “المجلس العلوي الأعلى”/ حسام رستم

12 ديسمبر 2025

يستعد الرئيس السوري أحمد الشرع لإجراء اجتماعات في الساحل السوري مع ممثلين عن المناطق، بينهم شخصيات من الطائفة العلوية، وذلك عقب توترات شهدتها مناطق الساحل أخيراً. وأكدت مصادر أمنية مطلعة في اللاذقية لـ”العربي الجديد”، أن الشرع سيجتمع يوم غد السبت بنحو 100 شخصية في اللاذقية تمثل مختلف المناطق في المحافظة، بهدف إجراء حوار شفاف للوقوف على المشاكل، ومعرفة مطالب الأهالي وحلها، ومن المتوقع أن يرافقه وزير الداخلية أنس الخطاب. ويوم أمس الخميس، تداول ناشطون صورة للشرع برفقة وزير الداخلية في الساحل، دون أن يُعلن رسمياً عن الزيارة حتى الآن.

وأصدر المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سورية والمهجر الذي يقوده غزال غزال أمس، بياناً رفض فيه ما دعاه محاولة الحكومة السورية لتشكيل وفدٍ من بعض الأشخاص بزعم تمثيل العلويين لمقابلة الرئيس الشرع، مؤكداً رفضه القاطع لهذا المسار، ولأي محاولة “لانتزاع شرعية تمثيل العلويين، عبر مجموعات تذهب للتفاوض على مطالب خدمية لا ترتقي إلى مستوى قضيته السياسية والحقوقية”.

وأكد المجلس في بيانه أن إطلاق سراح جميع السجناء والمغيبين العلويين المدنيين والعسكريين، والذين يتجاوز عددهم أربعة عشر ألفاً، هو شرط لا يقبل التنازل ولا المساومة، مشدداً على أن أي تفاوض لا يقوم على هذه المطالب الجوهرية هو تفاوض بلا شرعية، وأي مجموعة تتحدث خارج هذا الإطار لا تمثل العلويين ولا تعبّر عن إرادة شارعهم. وكان غزال دعا إلى إضراب عام وشامل في جميع القطاعات والمجالات الحياتية، في الفترة بين 8 و12 ديسمبر/كانون الأول الحالي. وانتقد خلال بيان مصوّر الحكومة السورية، متهماً إياها بالسعي للاحتفال بذكرى استبدال نظام الأسد الظالم بنظام جديد، وصفه بـ”أشد ظلماً”. كما سبق أن دعا غزال إلى اعتصامات استجاب لها عدد من أهالي الساحل السوري، وشهدت توترات لا سيما في اللاذقية وجبلة.

—————————-

 وفد علوي من الساحل لمقابلة الشرع وخطاب.. ومحمد جابر يشجّع!/ محمد الشيخ

الجمعة 2025/12/12

علمت “المدن” من مصادر متابعة أن الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير داخليته أنس خطاب قد يلتقيان بوفدٍ يمثل الطائفة العلوية في الساحل السوري، اليوم السبت، في قصر الشبطلية في اللاذقية.

ما علاقة محمد جابر؟

وأشارت المصادر إلى أن أبرز المشاركين بالوفد الذي سيلتقي الشرع وخطاب، أوس عثمان والدكتور إياس الخير وهما من منطقة القرداحة في ريف اللاذقية.

وكان لافتاً للانتباه، البيان الذي صدر عما يسمى “أبناء الطائفة العلوية في الساحل السوري” وشدّد على أن محمد محرز جابر، الذي كان قائد ميلشيا ما كانت تعرف بـ”صقور الصحراء” سابقاً، لا يمثل الطائفة أو الساحل السوري.

وأكدت المصادر أن سبب إصدار البيان هو اتصال جابر بعدد من شخصيات في الطائفة العلوية “لتشجيعهم على الجلوس مع الرئيس السوري وطرح مطالب الساحل والعلويين في الاجتماع” المزمع، من دون أن تقدّم أي تفسيرات حول سبب التحول في موقف جابر من الإدارة السورية الجديدة.

وسبق لمحمد جابر، المقيم في روسيا، أن اعترف بإدارته وتمويله لهجمات فلول نظام الرئيس النظام المخلوع بشار الأسد، ضد الأمن السوري في الساحل، وتسببت باندلاع اشتباكات أدت إلى مقتل المئات من عناصر الأمن والمدنيين هناك.

وأكد البيان أن جابر “لا يملك أي صفة تخوله التحدّث باسم الطائفة العلوية ولا يمثل الساحل بأي شكل من الأشكال، وأقواله لا تعبر إلا عنه وعن الجهات التي تدفعه نحو هذا المسار الخطير”.

بيان الشيخ غزال غزال

من جانبه، أصدر “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر” الذي يقوده الشيخ غزال غزال، بياناً قال فيه إن الحكومة السورية “تسعى إلى تشكيل وفدٍ من بعض الأشخاص بزعم تمثيل العلويين لمقابلة رئيس السلطة المؤقتة”، مؤكداً “رفضه القاطع لهذا المسار وأي محاولة لانتزاع شرعية تمثيل العلويين عبر مجموعات تذهب للتفاوض على مطالب خدمية لا ترتقي إلى مستوى قضيتنا السياسية والحقوقية”.

وأضاف أن “ما يطالب به المجلس هو ما عبّر عنه الشارع العلوي أثناء نزوله إلى الشارع بوضوح، بعد عامٍ كامل من الإهمال والتجاوزات والانتهاكات التي طاولت العلويين في الساحل السوري وحمص وريف حماة”، موضحاً أن المطالب تتمثل في “الحق السياسي بإقرار الحكم الفيدرالي واللامركزية السياسية، بوصفهما مدخلاً لاستعادة الحقوق وضمان مستقبلٍ عادلٍ لمكوّننا”.

 وأكد أن “إطلاق سراح جميع السجناء والمغيبين العلويين المدنيين والعسكريين، والذين يتجاوز عددهم 14 ألفاً، هو شرط لا يقبل التنازل ولا المساومة”، مشدّداً على أن “أي تفاوض لا يقوم على هذه المطالب الجوهرية هو تفاوض بلا شرعية، وأي مجموعة تتحدث خارج هذا الإطار لا تمثل العلويين ولا تعبّر عن إرادة شارعهم”.

———————————–

=======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى