سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

الإيكونوميست: تحول جديد يطرأ على سوريا من خلال معارضتها السياسية

 

ربى خدام الجامع

2025.08.26

في تقريرها الأخير، تناولت مجلة إيكونوميست ملامح المرحلة التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد في سوريا أواخر العام الماضي، مركزةً على التحديات التي يواجهها الرئيس الجديد أحمد الشرع. فبعد موجة من التفاؤل ووحدة مؤقتة رافقت انتقال السلطة، بدأت مؤشرات التوتر بالظهور، خصوصًا مع تصاعد استياء الأقليات من أداء الحكومة وضعف استجابتها للأحداث الدامية التي شهدتها البلاد. التقرير يشير إلى أن هذه التطورات فتحت المجال أمام بروز حركات معارضة منظمة، في وقت لا تزال الدولة عاجزة عن استعادة ثقة مكوناتها المختلفة أو دمجها في مشروع وطني جامع.

يعرض موقع تلفزيون سوريا هذا التقرير في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بواقع الأمن في سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية المجلة ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، من دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.

وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:

ترافقت عملية إسقاط دكتاتور سوريا بشار الأسد في كانون الأول من العام الفائت بإحساس مؤقت بالتوحد في بلد هشمته حرب امتدت لعقد ونيف. إذ بالرغم من القلق تجاه الماضي الإسلاموي للرئيس الجديد، وقف معظم الشعب السوري خلف أحمد الشرع بوصفه قائد البلاد بعد سقوط الأسد. ولكن خلال هذا الصيف، تعكر المزاج العام تجاهه، وزاد عدد السوريين الذي أعربوا عن سخطهم على حكومة الشرع، وخاصة بين صفوف الأقليات. وبذلك بدأت البراعم الأولى لمعارضة منظمة تبزغ.

كان السبب المباشر لذلك هو الدم الذي أريق لأسباب طائفية، إلى جانب ضعف استجابة الدولة لما يجري، فقد قتل المئات في تموز الماضي عندما اندفعت فصائل تدعمها الحكومة لمهاجمة السويداء ذات الغالبية الدرزية بكل ما أوتيت من جنون، فكانت تلك ثاني نوبة للقتل الجماعي الذي شهدته البلد منذ سقوط الأسد، إذ في شهر آذار الماضي، دخل مقاتلون إلى المناطق الساحلية وارتكبوا فيها مجزرة بحق أكثر من 1400 شخصاً، معظمهم من الطائفة العلوية التي ينحي معظم السنة باللائمة عليها وذلك لدعمها وتأييدها للنظام البائد.

درس واضح

في كلتا الحادثتين، لم توح استجابة الحكومة بالثقة، إذ في آذار توانت عن وقف القتل، وفي تموز وجهت اتهامات لقوات الحكومة بارتكاب فظائع، فما كان من الحكومة إلا أن شكلت لجنة للتحقيق بمجازر الساحل خرجت بتقرير خيب آمال كثيرين، ومن المتوقع للتحقيق الذي سيفتح في ملف السويداء أن يخرج معتلاً هو أيضاً. وفي دمشق يرى معارضون بأن النظام الجديد أعفى القيادة العسكرية في سوريا من أي مسؤولية حقيقية تجاه الدور الذي لعبه العسكر في مجازر الساحل، وقررت عوضاً عن ذلك أن تنحي باللائمة على مجرمين مارقين. وبذلك، أصبح الدرس واضحاً وضوح الشمس بالنسبة للأقليات ومفاده بأن حكام دمشق لا يخاطبونهم، ولن يصغوا إليهم، بل إنهم لا يستطيعون حمايتهم، ولن يحموهم أبداً.

بشائر المعارضة وباكورتها: المئوية السورية

 شجعت تلك الاستجابة الباهتة من الحكومة أطرافاً أخرى على أن تنظم نفسها، إذ في تموز الماضي، وفي خضم المقتلة التي وقعت بالسويداء، أطلق تحالف للناشطين مبادرة المئوية السورية، فبدت كبشائر لمعارضة سياسية منظمة في وجه حكومة الشرع. وكان أول ما فعلته هو المطالبة بوقف إطلاق نار فوري، كما طالبت الحكومة بإعادة صياغة الإعلان الدستوري الذي وقع عليه الشرع في آذار الماضي، بحيث يسمح هذا البيان بتشكيل أحزاب سياسية، مع توفير مزيد من الحماية لمنظمات المجتمع المدني.

كان من بين مؤسسي المئوية السورية ناشطون أمضوا عقوداً في سجون الأسد الأب والابن، وعلى رأسهم جورج صبرة، ذلك السياسي المسيحي الذي ترأس خلال فترة من الفترات الائتلاف السوري لقوى المعارضة في المنفى، كما انضم لتلك المبادرة أيمن الأصفري، وهو ملياردير سوري-بريطاني أشيع عنه خلال فترة من الفترات بأنه سيصبح رئيساً للوزراء في حكومة الشرع، هذا فضلاً عن انضمام ناشطين علويين إلى تلك المبادرة إلى جانب رجال أعمال حلبيين. ويشير اسم هذا التجمع إلى انتفاضة تزعمها الدروز ضد الانتداب الفرنسي في سوريا قبل قرن من الزمان، ويخبرنا من شارك في هذه المبادرة بأنها أتت كرد تجاه كل ما يهدد وحدة سوريا في الوقت الراهن.

غير أن رد فعل الحكومة أتى سيئاً، فقد تجاهل المسؤولون مطالب تلك الحركة ثم تهجموا على المشاركين فيها، ولهذا يقول حازم داكل الذي كان ناشطاً ثم تحول إلى صحفي بمرور الأيام: “بدلاً من التعاطي مع المبادرة على أساس ما حملته من مزايا، تعرضت المبادرة لحملات تشويه منظمة”. هذا وينحدر داكل من محافظة إدلب التي خضعت خلال فترة من الفترات لإدارة الشرع وصحبه من الثوار، ولذلك انضم هذا الصحفي لتلك المبادرة، ويتابع الحديث عنها بالقول: “لقد اتهمونا بالتآمر لاستبدال الشرع بمجلس عسكري أو حكم أقلوي، على الرغم من أن تلك المزاعم لم تظهر ضمن بياناتنا على الإطلاق”.

أصبح هذا التوجه الدفاعي إحدى السمات التي يتسم بها النظام الجديد، إذ يخبرنا ناشطو المجتمع المدني بأن الانتقاد يعامل معاملة الخيانة، وهذا ما جعل داكل يرثي لحال الأمور بالقول: “ليس هناك أي حوار”. فالتقارير التي تحدثت عن اختفاء علويات واختطافهن من مناطق في الساحل السوري والتي وثقتها منظمات حقوقية، قوبلت بإنكار حكومي سلطوي كذلك الإنكار الذي وصفه البريطاني جورج أورويل في مؤلفاته. كما أن الصحفيين الذين يجرون تحقيقات استقصائية حول الجرائم التي ارتكبتها عناصر الأمن التابعة للدولة يتعرضون لمضايقات عبر الإنترنت على يد الذباب الإلكتروني الموالي للنظام الحالي، وقد اعتقل بعض هؤلاء الصحفيين من دون أن توجه لهم أية تهمة، ولم يطلق سراحهم إلا بعد احتجاج شعبي عارم.

أزمة ثقة

وهنا نرى الشرع يضيق قاعدة تحالفاته بدلاً من أن يوسعها، إذ منذ مقتلة السويداء، رفض زعماء الدروز مناشدات الحكومة لهم للانضمام إلى قوات الأمن، كما خلفت مجازر آذار أزمة ثقة كبيرة لدى العلويين، وتعثرت الجهود الساعية لدمج الميليشيات ضمن جيش وطني، ولم تفض المفاوضات مع الكرد في شمال شرقي سوريا إلى أي نتيجة. بيد أن دمج الأقليات في جهاز الجيش والشرطة يعتبر عنصراً أساسياً لإعادة بناء الدولة السورية. ولكن الشرع لم يحقق أي تقدم يذكر على هذا الصعيد.

ابقوا على مقربة مني

تنحصر عملية اتخاذ القرار بدائرة ضيقة من المسؤولين تضم جماعة الثوار التي ترأسها الشرع في السابق، وهؤلاء كثيراً ما يتجاوزون مؤسسات الدولة نفسها التي باتوا بحاجة لإعادة بنائها. وهكذا وصل كثيرون إلى مناصب رفيعة بناء على ولائهم أو انتماءاتهم القبلية أو العائلية، ولهذا يقول روبن ياسين قصاب، وهو كاتب سوري-بريطاني: “إنهم رجال ميليشيا.. ولا يمكنهم معالجة المشكلات إلا بالطريقة التي يعالج بها رجال الميليشيات المشكلات، كما أنهم خرجوا من الحصار الذي عاشوه في إدلب أيام محاربتهم للأسد وإيران، ولهذا عليهم الاستعانة بالسياسة لا بالحرب لحل المشكلات”.

مايزال الرئيس الشرع جديراً بالثناء، وخاصة بعد أن أقنع ترمب على رفع العقوبات الأميركية المشددة التي فرضت على سوريا أيام الأسد، كما أن دول الخليج وتركيا ماتزال ملتزمة بالاستثمار في بلده، غير أن العنف الذي حصل في السويداء أزعج حلفاء الشرع من الأجانب، وصبر هؤلاء لن يدوم لأجل غير مسمى في حال حكم هذا الرجل السنة لوحدهم.

في تلك الأثناء، لم يحصل الإنسان السوري العادي على أي ميزة تذكر بعد تولي الشرع للرئاسة، صحيح أن العنف الذي كان يشهده السوريون بصورة يومية قد تراجع، إلا أن تسعة سوريين من بين كل عشرة منهم مايزال يعيش في فقر. أما الأقليات فلم تشعر بحياتها بالإقصاء الذي تحس به اليوم. ناهيك عن العلويين الذين خسر معظمهم وظائفهم، وهنالك بعض الميليشيات الدرزية التي صارت ترفع  العلم الإسرائيلي علناً اليوم، في حين يطالب البعض الآخر بالانفصال، ولهذا يحذر أحد الوسطاء الدوليين من هذا الوضع بقوله: “كلما زاد إقصاؤه للأقليات، زاد اعتماده على قاعدة طائفية”.

ولكن، وبالرغم من كل ذلك، ماتزال لدى معارضي الشرع رغبة بالتعاون معه، هذا في حال أصغى إليهم، إلا أن صبرهم “قليل” وهذا ما عبر عنه أحد الناشطين في حلب عندما قال: “لم نتخلص من الأسد حتى نتعرض للتجاهل مرة أخرى”.

المصدر: The Economist

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى