سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

بناة المستقبل… كيف حالُكم؟/ رباب هلال

26 اغسطس 2025

ضمن إعلان عن إصدار نتائج امتحانات التعليم الأساسي والشرعي لدورة عام 2025، نشره وزير التربية والتعليم في الحكومة السوريّة المؤقّتة، في صفحة الوزارة على “فيسبوك”، قال: “… وفي هذا المقام، تؤكّد وزارة التربية والتعليم في ما يخصّ أبناءنا من تلاميذ محافظة السويداء أنّه سيتمّ استكمال أعمال التصحيح وإصدار النتائج الخاصّة بهم في أقرب وقت ممكن، عندما تسمح الظروف بذلك”.

وتوضيحاً لعبارة “استكمال التصحيح” الواردة في الإعلان، أضيف أنّ أعمال التصحيح أُنجزت بشكل نهائيّ لآخر مادّة في البرنامج، وهي اللغة العربيّة، لكنّ الأوراق الامتحانيّة لم تُرسل بعد إلى العاصمة تبعاً للقوانين، أسوةً بالمواد السابقة، بسبب اندلاع المعارك، وفرض الحكومة المؤقّتة الحصار على المدينة وسدّ المنافذ كلّها، بما فيها الطريق إلى دمشق. صدرت النتائج، واحتفل الناجحون في أصقاع سوريّة، وما يزال طلّاب محافظة السويداء بانتظار نتائجهم.

وماذا عن وضع طلّاب الشهادة الثانويّة في المحافظة نفسها؟ أولئك الذين حُرِموا من الاستعداد لتجهيز مستقبلهم؟ واغْتيل جهدهم لعام دراسيّ؟ وقد سدّ الرصاص، والقنابل، والحرائق، والجثث، الرعب والنزوح، الطريق إلى مراكز الامتحانات. واسودّت الصباحات بالأهوال، والنهارات بالهلع والعويل، وابيضّت الليالي بنيران الموت. واحترقت البيوت، والكتب المدرسيّة، الدفاتر والأقلام والأحلام الورديّة. وانطفأت الحياة في أرواح عديدين من الأطفال واليافعين؛ بناة المستقبل. في حين، كان ثمّة حلول لو شاء، أو فكّر، أصحاب القرارات تفكيراً تربوياً وتعليميّاً، تفكيراً إنسانيّاً وأخلاقيّاً ووطنيّاً.

خلال سنوات الحرب السابقة التي افتعلها النظام البائد، تمسّكت وزارة التربية بدورها مؤسسةً وطنيةً قدر إمكانها، رغم فسادها العفن، ورعت، بمسؤوليّة كبيرة، شؤون امتحانات طلاب شهادتَي التعليم الأساسيّ والثانويّة العامّة في مناطق عديدة خرجت عن سيطرة الدولة آنذاك، وتحكّمت بها فصائل مسلّحة متفرّقة، فعملت على تأمين مراكز امتحانات آمنة للطلبة خارج مناطق النزاع، وتأمين سكنٍ لهم رفقة أحد أولياء أمورهم، يمكثون فيها حتّى انقضاء فترة الامتحانات. في حين أنّ الوزارة المؤقتة الحاليّة صمتت عن امتحانات الشهادة الثانوية لطلّاب محافظة السويداء بعد الإعلان عن تأجيلها، حتّى إشعار آخر.

أُحرق بيت الكاتب ممدوح عزّام في قريته تعارة، الحضاريّة، ومكتبته التي تحوي سبعة آلاف كتاب، ولوحات لابنه الفنّان تمّام ولرفاقه. حدثٌ لمرارته طعم الحنظل. حينها خطر ببالي أن ثمّة عشرات وربّما مئات من عشّاق الكتب، من محافظة السويداء من أطفال ويافعين كانوا يحلمون بزيارة الأديب عزّام والاطلاع على مكتبته المُغوية. مشهود لأبناء السويداء عشقهم العلم والفنّ والجمال. يقول كاتب روايات ” قصر المطر” و”أرض الكلام” و”أرواح صخرات العسل”، إنّه ظلّ يأمل ألّا يحرق المهاجمون مكتبته، أو لعلّ أحدهم قد يعرف أنّ صاحب المكتبة كان، مثل أغلب أهالي السويداء، معارضاً للنظام الساقط حتى النهاية. ولكن، للأسف المرير، حرقوا كلّ شيء؛ المكان، الذاكرة، الكتب، وحلم الصبيان والبنات عشّاق الكتب.

تغافل القطاع التربويّ التعليميّ الظالم يسري في وزارة التعليم العالي أيضاً، فالوزير صامت هو الآخر عن انقطاع عدد هائل من طلاب الجامعات السوريّة عن متابعة دراساتهم، وسط تهديداتٍ معلنة بقتلهم، وقد قُتل عديد منهم، واختُطِف واعتقِل آخرون، بسبب انتمائهم الديني والطائفيّ وحسب.

رحل الطاغية الأسد، قاتل بناة المستقبل بسبب موقفهم السياسيّ وحسب، وقد نجا كثيرون عن طريق الهجرة. واليوم، كيف لواقع الحال السوريّ الدامي أن يردع بناة المستقبل عن اللحاق بالأدمغة السوريّة في الشتات؟

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى