الاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"تحقيقات

كيف تحولت القامشلي إلى «مدينة مسمومة»؟ حرّاقات نفط ومولدات عشوائية وسيارات بلا عوادم بيئية/ كاجين علوش


    • على بُعد أمتارٍ قليلة من منزل جمال إبراهيم، وهو معلّمٌ متقاعد يعيش مع زوجته بعد هجرة الأبناء، وبشكلٍ ملاصقٍ تماماً لجدار مدرسة الشريف الرضي الابتدائية، تُطلُّ مدخنةٌ صغيرة بحجمها، عظيمةٌ بتأثيرها. فدخانُ الديزل المتصاعد منها يملأ الفضاء العام ويبلغ المباني المجاورة، كما تعبق به صفوف المدرسة التي يرتادها نحو 200 طالب. هي مدخنة مولّدةِ الكهرباء للحارة والحارات المجاورة، وسطَ الحيّ الغربيّ في مدينة القامشلي. ولكن، بعد مرور اثني عشر عاماً على تشغيل هذه المولدة، كحال مئات غيرها من المولدات في مدينة القامشلي، يبدو المشهدُ مألوفاً بالنسبة لسكّان المنطقة، حتى لا يكاد أحد يُعيرُ اهتماماً للدخان المُنبعث من المدخنة والسخام العالق بكل شيء تقريباً، ناهيك عن الضجيج الهائل الذي اعتاده السكان أيضاً.وما يزيد من تلوّث الهواء في المدينة أعداد السيارات التي ارتفعت بشكلٍ مضطردٍ في السنوات الخمس الأخيرة، وشهدت استيراداً عشوائياً. وتخضع تلك السيارات لتعديلات في عوادمها إذ تُزال منها «علبة البيئة» لتوائم المحروقات متدنية الجودة المُتاحة في الأسواق، فيُصبح الضرر مضاعفاً. مرة لأن المازوت أصلاً رديء، ومرة لأن مصفاة الحرق الآمن التي يُفترَض أن تؤمنها «علبة البيئة» انتُزِعَت. وفضلاً عن أن المدينة تختنقُ من الداخل بسياراتها ودخان المولدات الكهربائية، فإنها فوق ذلك مطوّقة بأحزمة من الحرّاقات النفطية التي تنفث غازاتها السامة في الجو، وتُصرّف مُلوّثاتها في المياه والتربة كذلك. تتركز تلك الحراقات في الريف الشرقيّ، مُستغلّةً غيابَ التشريعات، أو متجاوزةً إياها إن وُجدت في كثير من الأحيان.يكشف هذا التحقيق عن أزمة التلوّث الكبيرة في القامشلي وانعكاساتها على صحة السكان وجودة الحياة في المدينة الواقعة شمال شرق الجزيرة السورية، وهي مدينة لا تتجاوزُ مساحتها 38 كيلومتراً مربعاً ويسكنها نحو 225 ألف نسمة بحسب التقديرات المحلية. يعمل التحقيق على ثلاثة مسارات: الاستخدام الجائر والمتزايد للمولدات الكهربائية داخل الأحياء من دون مراعاة شروط السكن والأمان الصحي، وانبعاثات السيارات التي فاضت عن قدرة الشوارع والطرقات وتخضع لتعديل عوادمها لتُوائم رداءة المازوت المتوفر في الأسواق، بالإضافة إلى المشكلة الأكبر وهي انتشار حرّاقات النفط الخام في محيط المدينة ومخالفتها لشروط التشغيل الآمن بيئياً.مُولِّدات الأحياء؛ كهرباء بطعم السخاممنذ آخِرِ استهداف جوّي تركي لمحطتَي تحويل الكهرباء الشماليتين في مدينة القامشلي، وخروجهما كلياً عن الخدمة في 15 كانون الثاني (يناير) 2024 تاركتينِ المدينة من دون شبكة كهرباءٍ مركزية، يعتمد سكانُ القامشلي بشكل شبه كليّ على المولدات الخاصة لتأمين الطاقة. وكانت التغذية بالتيار الكهربائي قبل ذلك تخضع لتقنين حتى عشرين ساعة يومياً، وبالتالي كان الاعتماد على المُولِّدات قائماً لكنها كانت أقلَّ عدداً وأكثر تنظيماً، بعكس ما عليه الحال اليوم.تُثبتُ وثيقة رسمية حصلنا عليها الحاجة المُلحّة للكهرباء في عموم منطقة الجزيرة السورية، وخصوصاً مدينة القامشلي. وتكشفُ الوثيقة الصادرة من هيئة الطاقة المحلية في 2015 واقعَ «الظلمة» التامة التي تعيشها تلك المنطقة وأثرها على كافة نواحي الحياة، وخصوصاً الأمن. كذلك تثبت الوثيقة الاعتمادَ على مولّدات الأحياء منذ ذلك الوقت، والتي بلغ عددها اليوم 660 مولّدة بحسب الأرقام الرسمية لدى البلدية. وتتوزع المولدات على نحو 23 حيّاً، بمعدل 28 مولدة في كلّ حيّ، لكن هذا الرقمَ الرسمي الذي يعكس الحاجة السكانية للكهرباء ليس دقيقاً بالكامل.وقد كشفت أعمال الرصد والمعاينة على أرض الواقع التي أجريناها أنّ هناك أكثر من 150 مولدة إضافية تُشغَّل بانتظام، بحجة أنها احتياطية وتُستخدَم للمناوبة أو عند وجود أعطال في المُولِّدات الأساسية. لكن ذلك ما يُقال فقط من أصحاب تلك المُولّدات، الذين يَلتفّون على قرار البلدية في تخصيص عدد مُحدد لكلّ «كومين». والكومين، بحسب التقسيم الإداري للمنطقة وفق نظام الإدارة الذاتية المرتبطة بقوات سوريا الديمقراطية، هو مجلس محلي مصغّر للحيّ يعمل على تنظيم الشؤون الخدمية للمواطنين. وتعمل المولدات وفقَ ساعاتٍ مختلفة: بعضها يعمل 8 ساعات، وبعضها 16، وهناك من يُشغِّلها 24 ساعة يومياً. وكلما زادت ساعاتُ التشغيل، زادت كميةُ المازوت المحروق، ومعها الانبعاثاتُ في الهواء. ويُصنَّف المازوت المتوفر في مناطق الإدارة الذاتية إلى نوعين بناءً على الجودة والغرض من الاستخدام: المازوت الخدمي أي المدعوم، ويُوزع عبر «الكومينات» بسعر 175 ليرة سورية للتر الواحد، والمازوت الحُرّ بسعر 5700 ليرة سورية للتر. ويستخدم الأول بشكل أساسي في التدفئة المنزلية وتأمين احتياجات المنازل شتاءً، كذلك في تشغيل المولدات (الأمبيرات) حيث تُمنَح مخصصات تكفي لتشغيل المولدات لمدة 8 ساعات يومياً. ويعتمد أصحاب المولدات على المازوت الحُرّ لبقية ساعات التشغيل على الرغم من ارتفاع سعره. ويُفضِّله كثيرون لأن نسبة الشوائب فيه أقل، كما يُفضِّله أصحاب السيارات الحديثة حفاظاً على محركاتها.ولا يتوقف الأثر البيئي عند حدود التشغيل، بل يمتد إلى حجم الاستهلاك الهائل للوقود الذي يُغذي هذه الانبعاثات؛ ففي جولة ميدانية على إحدى نقاط التوليد، رصدنا عمل مُولِّدتين من طرازات ضخمة، الأولى من نوع (سكانيا 143) والثانية من نوع (فولفو 216). وتكشف أرقام الاستهلاك عن حجم المشكلة؛ إذ تستهلك هاتان المولّدتان وحدهما نحو 1350 لتراً من المازوت خلال 24 ساعة من التشغيل، ما يُعادل استهلاكاً شهرياً يصل إلى 42 ألف لتر. ويؤكد، مالك عنتر، وهو صاحب المشروع، أن معدلات الاستهلاك والانبعاثات تختلف وتتصاعد بحسب نوعية المُولّدة وقدرتها الفنية.ولكن، كيف تُدار قضية المُولِّدات، وكيف تُمنح التراخيص، ولمن تذهب الأرباح؟ أسئلة توجّهنا بها إلى عضو لجنة تراخيص المُولِّدات في بلدية القامشلي، خالد جمعة، الذي قال: «المعاييرُ مختلفةٌ ومتنوعة بحسب احتياجات الحارات وطلبات المواطنين. مثلاً، يأتينا طلبٌ بمنح رخصةٍ لمُولِّدة، وبدورنا نستشيرُ كومين الحارة حول عدد البيوت، وحاجة الحارة إلى الأمبيرات. وعلى هذا الأساس، وبعد الكشف، تُمنَحُ الرخصة».وأضاف «نفرضُ من جهتنا بعضَ الشروط، منها: أن تكون تكلفة الشبكة كاملةً على صاحب المُولِّدة، لا على المشتركين، والتقيّد بسعر الأمبير الواحد المُعلن من قبل البلدية، وكذلك الالتزام بتوَاقيت التشغيل والإطفاء. ولدينا كذلك عقوباتٌ جزائية، مثل فرض غرامات مالية على المخالفين».كذلك، أوضح جمعة أنه يُشترَط في اعتماد مكانٍ مناسبٍ مخصص للمُولِّدة، أن تكون بعيدةً عن المنازل، وليست داخلَ سور حديقةٍ أو مدرسة. إضافة إلى إلزام صاحبها بزراعة شُجيراتٍ حول المكان المخصص لها. وذلك كله نموذجي… على الورق.أمّا الواقع المُعاش فهو مُخالف لهذه الشروط جملة وتفصيلاً. فبحسب حديثنا إلى الأهالي ومصادر محلية ومعاينتنا الميدانية، يُمكن لأيّ شخصٍ شراء مُولِّدة وتشغيلها بشرط موافقة الجيران فقط، من دون أيّ شروط بيئية أو آلية ناظمة أو سُبُل رقابة، ولا حتى فرض مسافة آمنة بين المُولِّدات والمنازل أو اختبار للانبعاثات ودرجة التلوث. وحتى من يرغب في تقديم شكوى (وهي نظرياً مُمكنة عبر الكومينات أو لجنة المُولِّدات)، فإنه ليس هناك قنوات آمنة لإنفاذ القانون أو لائحة الشروط التي تحدث عنها جمعة. وبالتالي، يبقى معظم هذه الشكاوى غير مجدٍ.أمبيرات السلطة: شبكة تَخادُمتوجهنا إلى صاحب مُولِّدة في أحد الأحياء، وتحدث إلينا بشرط عدم الكشف عن اسمه، ليُوضح الجوانب المُعقَّدة في هذه المنظومة. فهو على سبيل المثال، يمتلك ثلاث مُولِّدات في أحد أحياء المدينة، ويعتمدُ في دخله عليها بشكل أساسي كما يعتمد السكان بالمقابل على ما يوفره لهم من كهرباء. ولكن مع مرور الوقت، وتوسُّع تجارته من مُولِّدة إلى ثلاث، وارتفاع أرباحه، أدركَ أنه يحتاج إلى «تقديم تنازلات لضمان استمرار مشروعه».يقول: «أنا مضطرٌ أن أمنح الكومين، وأشخاصاً مقربين من السلطة، أمبيراتٍ مجانية. أحياناً أعطيهم أكثر من 150 أمبيراً بلا مقابل، ما يؤثر على أرباحي وقدرتي على توفير الطاقة للسكان المشتركين ويدفعني بالمقابل إلى تشغيل المُولِّدات ساعات إضافية». كما أن هذا الوضع يجعله يلجأ إلى استخدام المازوت ذي الجودة السيئة. وتتكرر الحالة في كل كومين تقريباً، إذ يُفرَض على أصحاب المولدات «التبرع» بأمبيرات مجانية مقابل غضِّ الطرف عن تجاوزات واضحة للعيان، ليدخل مُوفِّر الخدمة ومن يُفترَض أن يراقب جودتها في دائرة من التَخادُم على حساب صحة السكان وجيوبهم؛ فتكاليف تلك «الأمبيرات» المجانية المفروضة على أصحاب المُولِّدات لصالح مسؤولي الأحياء، تقع بالنتيجة على عاتق الأهالي المتروكين من دون بدائل.وجوه المرضى تختصر المعاناةفي عيادةٍ خاصة بالأمراض الصدرية، يقول الطبيب الأخصائي عبد الغني سليمان: «نستقبل يومياً مزيداً من حالاتِ ضيق التنفس، والربو، بالإضافة إلى حالات الحساسية المزمنة». ويقدّم الطبيب وطاقمه الإسعافات الأولية كما يتابع العلاجات القائمة على مضادات الحساسية والمُسكنات لعدم توفر حل جذري للمشكلة.يقول سليمان: «لا إحصائيات دقيقة لدينا على مستوى المنطقة عموماً، غير أنّ الإصابات في تَزايُدٍ مستمر وبدأنا نُسجل مزيداً من حالات التهاب القصبات المُزمن، وانتفاخ الرئة. والأمرُ مضاعف عند الأطفال وكبار السنّ».من بين هؤلاء، زهير، طفلٌ في العاشرة من عمره، يُعاني ضيقَ تنفسٍ مُزمناً ويتردَّدُ على العيادة بانتظام. تقول والدته مالفا: «كلَّ صباح، يبدأ زهيرُ بالسعال. لا نستطيع فتحَ النوافذ، فالدخانُ يدخل من كل مكان».في غرفة العلاج، يتلقى زهير جلسةَ تَنفُّس مُعزّز، بينما تنظر والدته من النافذة إلى مُولِّدة قريبة، تنفث دخانها باتجاههم. تقول، وهي التي تعاني أيضاً من الربو: «بدأتْ قصتي مع الربو منذ عشر سنوات. البدايةُ كانت حساسية وضيق تَنفُّس مسائي وسعالاً تحسّسياً مستمراً.. ظننتها أموراً عابرة نتيجةَ الغبار المنزلي، ولكن بعد فترةٍ أكّد الطبيبُ المختصّ أنني مصابة بالربو وعليّ الاعتناءُ بنفسي!». وتضيف مالفا: «الآن أنا وابني نستَخدم البخّاخ لتخفيف الأعراض. وأُحضره بانتظام لتلقي جلسات تَنفُّسية، لكن الجو غير صالح لا في المنزل ولا خارجه. فكيف نحمي أنفسنا ونعتني بصحتنا؟».قياس جودة الهواء في القامشليللوقوف على حجم الكارثة البيئية، أجرينا بالتعاون مع مديرية البيئة قياسات لجودة الهواء في 8 مواقع مختلفة في القامشلي باستخدام جهاز Bosean المحمول. ويُستخدَم هذا الجهاز عادة في المواقع الصناعية والبيئية من قبل فرق السلامة والبيئة لتوثيق تركيز الملوثات بدقة، وذلك في الشوارع والمصانع والأنفاق وحتى داخل المباني بهدف تقييم مخاطر التلوث فيها على الصحة.هذا الجهاز، المُزوَّد بحساسات صناعية ونظام إنذار ثلاثي، مَكَّننا من رصد تركيز المُلوِّثات مثل غاز أول أكسيد الكربون (CO) وتركيز الجُسيمات الدقيقة العالقة في الهواء (PM2.5) و(PM10) وغيرها في الزمن الحقيقي. وكشفت النتائج عن تلوث حاد يتجاوز حدود الأمان بكثير. بالتركيز على ثلاثة مواقع في أجزاء مختلفة من مدينة القامشلي (شمالها، وغربها، وجنوبها)، وجدنا أن المؤشرات بقيت مرتفعة إلى مستويات خطيرة في المواقع الثلاث وفق معايير مؤشر جودة الهواء العالمي (Breakpoints for the AQI). في حي الكورنيش، وهو حي سكني في القسم الجنوبي الغربي من المدينة، وجدنا أن معدلات أول أكسيد الكربون كانت أعلى بمرتين إلى ثمان مرات من الحد المسموح به، فيما سَجَّلت ملوّثاتُ الجزيئات الدقيقة التي يقل قطرها عن 2.5 ميكرون أكثر من اثني عشر ضعف المعدل المسموح، وتلك التي يقل قطرها عن 10 ميكرون أكثر من خمسة أضعاف المعدل المسموح به.تفاصيل عن قيم مؤشرات جودة الهواء في المواقع الثلاث:السيارات: استيراد بلا شروطولا تقتصر مُسبِّبات التلوث اليومي والمباشر على مُولِّدات الأحياء، بل تتجاوزها إلى الشوارع المزدحمة بسيارات ومركبات تدفقت إلى المنطقة بأعداد كبيرة وبصورة عشوائية في السنوات القليلة الماضية، التي لا تتجاوز عقداً من الزمن. واليوم، تزدحم شوارع القامشلي بسيارات يعتمد أغلبها على المازوت، حيث تجد في كل حيّ سكني عدداً من السيارات المركونة، مع أزمة مواقف خانقة في الأسواق. ويرجع هذا الازدياد إلى فتح باب الاستيراد أمام أي شخص يملك سجلاً تجارياً، فيما تقتصر شروط الإدخال على إجراء فحص شكلي، أي ألّا تحتوي السيارةُ على قصٍّ أو عيوبٍ فنية تؤثرُ في سلامتها؛ من دون أي اعتبار لعلبة البيئة. وأوضح مصدران يعملان في تجارة السيارات في المدينة أنه قبل سقوط النظام السابق كانت قيمة الجمرك تُحدَّد بناءً على سنة صنع السيارة، وأكد كل من بلال عثمان ويوسف عبد الغني أن الجمرك قد رُفِع عن استيراد السيارات من مناطق سيطرة الحكومة السورية إلى مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، ما فتح الباب أمام التجار، وهي المعلومات التي تمت مطابقتها وتأكيدها من مصادر ثانية أيضاً. وبحسب مديرية الجمارك التابعة للإدارة الذاتية، فقد دخلَ إلى إقليم الجزيرة خلال السنوات الخمس الماضية، عبر معبر سيمالكا وحده، 24 ألفاً و94 مركبة تعمل على المازوت، مُوزَّعةً بين ألف و300 مركبة كبيرة (أي شاحنات وسيارات كبيرة)، و22 ألفاً و794 مركبة (سيارات خاصة/سياحية). كذلك دخل عبر معبر منبج منذ آذار (مارس) 2021 وحتى شباط (فبراير) 2022 ما مجموعه 16 ألفاً ومركبتان، وتعمل غالبيتها على المازوت بحسب مصادر محلية.ومع تَدفُّق هذه الآلاف من المركبات، سواء كانت شاحنات كبيرة أو سيارات صغيرة، برزت ظاهرة فنية لافتة: بمجرد عبور هذه السيارات للمنافذ الحدودية ودخولها المنطقة، تخضع لعملية تعديل فوري تتمثل في تفكيك «علبة البيئة» (الكتلايزر) وإزالتها بالكامل، من دون أن يكون لهذا الإجراء أي تأثير على شروط تسييرها في الشوارع.علبة البيئةلمعرفة دور علبة البيئة تلك، والاستيضاح أكثر بشأنها، توجّهنا بالسؤال إلى عبد العزيز حبّو، وهو مهندس ميكانيكي تحدث إلينا من داخل ورشته في الحي الصناعي بالقامشلي، وقد أوضحَ أنّ «وظيفةَ هذا المُستشعِر الحيويّ- ويُسمَّى بالمصطلح العامي’الفخّارة‘- هو مراقبةُ الاحتراق وتخفيض الانبعاثات السامة من العادم مثل غاز أول أكسيد الكربون ’CO‘».وأضاف حبّو «قبل 2011 كانت مديرية الجمارك التابعة للحكومة السورية تمنَع إزالة علبة البيئة، وكانت تتمّ مراقبتها والتأكد من وجودها عند فحص المركبة».أمّا الأمرُ الذي تغيّرَ حالياً، فهو أنّ نوعيةَ المازوت والبنزين المتوفرة في الأسواق سيئة للغاية ولا تصلح للاستخدام في هذا النوع من السيارات لكثرة الشوائب فيها، بالتالي عوضاً عن تجويد المحروقات، جرى تطويع المركبات. فمعالجة المحروقات بطرقٍ بدائية، عبر الحرّاقات المحليّة التي سيأتي التحقيق على ذكرها لاحقاً، جعلت الرواسب تتراكم في علبة البيئة وتُحدِث فيها انسدادات تُلحِق أضراراً بالمحرّك؛ «فنقوم نحن بإلغاء علبة البيئة والتخلّي عن وظيفتها الهامّة تماشياً مع الظرف الحالي» على ما يقول حبّو.وأضاف «تفقدُ السيارةُ بذلك التحكّمَ بالغازات الضارّة بالبيئة، فننفع صاحبَ السيارة من جهة، ونتسبّبُ بضررٍ جسيمٍ على البيئة والكائنات الحية الأخرى من جهةٍ أخرى».وختم حبّو كلامه بالقول: «لا أظنّ أنّ ثمةَ مُعالجةٌ بديلة في الوقت الحاليّ إلاّ بتحسين نوعية البنزين والمازوت المحلّي. وحتى ذاك الوقت علينا الاعتراف أنّ هذه السيارات تُضيف عبئاً جديداً على الهواء، خاصة في مدينة صغيرة ومُكتظّة مثل القامشلي». حلقات سلسلة الحاجة والضرورة التي تُولِّدُ استهلاكاً غير آمن للكهرباء عبر المُولِّدات، وللمحروقات عبر السيارات، أوصلتنا إلى حلقة ثالثة أشدَّ خطورة تَمثّلت في الحرّاقات النفطية المنتشرة في محيط المدينة.الحرّاقات: صناعة الموتفي قرية سيّد، الواقعة في ريف بلدة القبور البيض (تربي سبيه)، وتبعد عن القامشلي 39 كم فقط، يُعاني الأهالي صحياً، كما تعاني أرضهم من جفاف التربة وتلوّث النهر. قال عبد الحميد، وهو يعمل مُزارعاً ومُربّياً للماشية ويقطن في القرية التي لا يتجاوز عدد بيوتها 45 منزلاً: «الحرّاقات قريبةٌ جداً من تَجمُّع القرية. عددها يتجاوز العشرة، وهي تعمل بطُرقٍ بدائية». والحرّاقات هي منشآت بدائية لتكرير النفط عبر تسخينه، تعملُ بشكلٍ عشوائيّ، وتُستخدَمُ لإنتاج مواد أساسية مثل المازوت والبنزين، لذا تُعدّ مصدر رزق للسكّان المحليّين، ولكنها تنتجُ أيضاً غازاتٍ سامّة تضرّ بالصحّة والبيئة. وتتلخّصُ آليةُ عملها بوضع النفط الخام المُستخرَج من الآبار المتواجدة في حقول رميلان، في خزّاناتٍ معدنية كبيرة، ويُسخَّن حتى الغليان، ثم تُفصَلُ المشتقّاتُ النفطية الناتجة عنه. تُنتجُ تلك الحرّاقات المازوت والبنزين بشكلٍ أساسيّ، وهي موادٌ ضرورية للتدفئة والطبخ والزراعة، وكذلك لتشغيل المولدات الكهربائية والسيارات المذكورة سابقاً، لتكتمل بذلك حلقة مفرغة من العرض والطلب، على أن النتيجة واحدة؛ انبعاثات سامة تُسهم في تفشي الأمراض والالتهابات الرئوية والحساسية الجلدية، تُرافقها زيادة في حالات سرطان الجلد والرئة، ولم تنجُ حتى الطبيعة من أضرارها.  ويقول عبد الحميد: «أطفالنا مرضى، ولدينا الكثير من حالات السرطان. حتى طبيعتنا تأثّرت، فالأشجارُ المُثمرة انخفضَ إنتاجها بشكلٍ كبير، كأشجار الرمّان والبرتقال التي صارت ثمارها ضعيفةً وجودتها سيئة. يُمكنني أن أصف الحالة بجملة واحدة هي: الموت البطيء».وإذا كانت الأمراض الرئوية والسرطانات تنتشر مثل «موسم الرشح»، على ما وصفت سيدة من المدينة الوضع، حيث يكاد لا يخلو بيت من حالة مستعصية أو أكثر، فإن الطبيبة أوراما كورية، المختصة بالأورام والمعالجة الكيميائية في مشفى الأورام في مدينة القامشلي تقول: «المشكلة أنه لا إحصائيات دقيقة لدينا، خصوصاً أن المنطقة لم تتوفر فيها مستشفى خاص بالأورام إلا منذ عام فقط، وكان الناس يتوجهون بشكل فردي إلى العاصمة دمشق لتلقي العلاجات». وتلفتُ الطبيبة إلى أنها استناداً إلى معاينتها الشخصية ضمن نطاق عملها، يُمكنها أن تُقدِّرَ ارتفاع إحالات التشخيص بنحو 15 بالمئة فوق المُعدل الشهري المعتاد، وتقول: «هذه نسبة تقديرية تقوم على أعداد الوافدين شهرياً والإحالات الطبية، والتي أَطّلعُ عليها لكوني أيضاً إدارية في المشفى». تقول الطبيبة: «منطقتنا معروفةٌ بالتلوّث، لكن سوء استخدام المولدات والحرّاقات البدائية في السنوات الأخيرة ضاعفَ المشكلة. نحن نلمس ارتفاعاً كبيراً في إصابات الأمراض التنفسية حتى ضمن الفئة الشابة والقوية، إضافة إلى من هم أكثر عرضة للإصابة كالأطفال وكبار السن».نهر مُلوَّث وأمطار حمضيةيُعاني أهالي القرية أيضاً من تلوّث النهر المحاذي لهم، والذي يُفترَض أن يسقي مزروعاتهم وأراضيهم. النهر، الذي يجفّ صيفاً ويعود للجريان مع هطول أمطار الشتاء التي كانت شحيحةً في العام الماضي، تحوّلَ مجراه إلى مصبٍّ مباشر لمخلفات المصافي والحرّاقات، يُلقيها العاملون في وضح النهار بلا أيّ رقابة أو محاسبة.منذر محمد، أحد أبناء القرية، يسكن على بعد 200 متر من ضفة النهر. وعوضاً عن أن يكون ذلك منزلاً بإطلالة طبيعية وهانئة، تَحوَّلَ إلى كابوس. يقول منذر: «هذا النهر الذي كنّا نعتمد عليه لري محاصيلنا الزراعية، بات اليوم مصدراً للتلوّث، كما أدت مياهه إلى شبه اختفاء لتلك المحاصيل. هذا إلى جانب معاناتنا مع انبعاثات الغاز، والروائح الكريهة». اليوم يشكو طفلا منذر، اللذان لا يتجاوز عمرهما تسع سنوات، من مشاكل رئوية وضيق تنفس متكرر، وسط غياب أي حلول واضحة.ياسمين، طفلة أخرى، تدفع ثمن العيش قربَ إحدى الحراقات، وتتلقّى اليوم العلاج الكيميائي بعد إصابتها بسرطان الدم. تحدَّثَ إلينا جَدُّها، علي محمد العوض، الذي يتابع علاجها، قائلاً: «كنّا نظن أنّ الحراقةَ نعمةٌ، واليومَ نكتشفُ أنها لعنة. ففي البداية كانت مصدر رزق لنا، حتى تبيّنت لنا الأضرار فيما بعد». وعن ياسمين يقول: «منذ سنة ونصف، ظهرت عليها أعراضٌ غير مُطمئنة كالنحافة المستمرّة، وبعد نتائج التحاليل الدموية أخبرنا الطبيب المختصّ بحالتها. في دمشقَ جرى العلاجُ فوراً عبر الجرعات الكيماوية لمدة ثلاثة شهور، ثم خضعت لعشر جلسات أشعة حتى الآن، وما زالت تخضعُ للتقييم كلّ شهرين في دمشق».وأضافَ الجدُّ الذي كان يعتمد أيضاً على الزراعة في تأمين قوته: «إن الطبيعة الشجرية في المنطقة تغيّرت. فنتاجُ الأشجار المثمرة مثل الرمّان قلّ بشكلٍ ملحوظ، وتدهورت جودته». وبعد برهة صمت يقول: «الأرض عندنا كما الهواء والمياه… كلها مُسمَّمة».إذا كان سكان القرية ينتظرون هطول المطر ليعود نهرهم إلى الجريان، فإن معضلة سكان الجزيرة الذين تنتشر في قراهم تلك الحرّاقات تتجاوز ذلك، فحتى مياه الأمطار نفسها تأتي «حمضية» أيضاً. فالغازات المنبعثة من تلك الحرّاقات تتسبّبُ في تشكّل ما يسمّى بـ «المطر الحمضيّ» المُشبَّع بدوره بمواد وجزيئات سامة. إذ تتحوّلُ تلك الغازات إلى أكاسيد كبريتية، تلتحمُ في الغلاف الجويّ بالأوكسجين والماء. ينتجُ عن هذا المطر تلوّثُ التربة والمياه وتآكلُ الأسطحِ. وقد أدّت الأمطارُ الحمضيةُ إلى تغيير الغطاء النباتيّ في عموم منطقة الجزيرة، بحسب المهندس الزراعي خوشناف قاسم، الذي أوضح أن التربة بدأت تفقد خصوبتَها وقدرتها على الزراعة المُستدامة، بسبب تَحمُّضها نتيجةَ الملوّثات النفطية التي تشبّعت بها، وهو ما أثَّرَ بدوره على محاصيل أساسية في المنطقة وتَسبَّبَ في تَراجُعها كماً ونوعاً مثل القمح والشعير.أنواع الحرّاقاتتتركّز معظم عمليات تكرير النفط في قرية «القبانية» الواقعة بين تربسبيه والعسلية، حيث يوضح رزكار خليل، صاحب حرّاقة في المنطقة، أن جميع الحرّاقات العاملة حالياً، سواء كانت خاصة وعددها 21، أو تابعة للإدارة الذاتية وعددها نحو 40، تعتمد تقنية الـ (فاكيوم) الكهربائية، مع العلم أنها كلها تعمل تحت إشراف «الإدارة الذاتية». ويتمثَّلُ الفرق في أن هذه الأنظمة الحديثة استبدلت طرق الحرق التقليدية بالاعتماد على الكهرباء في عملية تسخين الخام، ما جعلها أسرع وأكثر كفاءة إنتاجية. ولكن، وعلى الرغم من تَفوُّقها التقني وقدرتها على تقليص مشكلات التكلّس والتسرّب المرتبطة بالأنظمة القديمة التي لا تعتمد تقنية (فاكيوم)، إلا أن تَركُّزَ العشرات منها في منطقة جغرافية واحدة يضع المنطقة أمام تحديات بيئية مستمرة تتعلق بطبيعة هذه الصناعة، لا سيما أنها بدورها تستهلك الكثير من الكهرباء التي لا تتوفر إلا عبر مُولِّدات.وتُخصِّصُ هيئة الطاقة في الإدارة الذاتية للحرّاقات الخاصة، يومياً، من 100 إلى 120 طناً من النفط الخام لاستخراج المازوت والبنزين والفيول.وأمّا من حيث الجودة، فتُقاسُ نظافةُ المازوت بالاعتماد على الكثافة وذلك باستخدام جهازٍ خاصٍّ، في ظلّ غياب مختبرات مُتخصِّصة. ويأتي هذا في سياق مُعاناة عامة، إذ يشتكي أصحابُ المُولِّدات والسيارات من ارتفاع التكاليف ورداءة المازوت، فيما يُسجِّلُ السكّانُ الذين يستلمون مخصصاتهم للتدفئة والتشغيل المنزلي شكاوى مماثلة. بالمقابل تواجه هيئة البيئة في الجزيرة السورية نقصاً في الإمكانيات، ليبقى السكان جميعاً عالقين في دوامة حاجتهم لتصريف أعمالهم من جهة، وتراجع صحتهم وبيئتهم من جهة أخرى. مسؤوليات مُعلّقة ومبادرات أهلية محدودةحملنا خلاصة هذا التحقيق وتوجهنا إلى الجهات الرسمية في القامشلي للوقوف على مشكلة التلوّث وتردّي جودة الهواء. وفي مقابلة خاصة مع الرئيس المشترك لهيئة البيئة في مقاطعة الجزيرة، محمد أحمي، أكد لنا ما كشفه تحقيقنا بالفعل، قائلاً: «المنطقة تعيش حالة طوارئ بيئية نتيجة وصول الغازات الدفيئة إلى مستويات خطيرة تتجاوز المعايير الطبيعية».ولفتَ أحمي إلى أن «الهيئة تعمل على معالجة مشكلات تراكمت بفعل سنوات الحرب والسياسات التي أدَّت لتراجع الغطاء الشجري»، مشيراً إلى أن «قانون حماية البيئة لعام 2025 جاء لفرض ضوابط صارمة، شملت تأسيس مجلس وقوات خاصة لحماية البيئة تتبع لقوى الأمن الداخلي».واختتم حديثه بالتأكيد على «ضرورة التنسيق بين البلديات ودائرة البيئة لتعزيز الرقابة، داعياً المجتمع للتعاون الفوري لمواجهة هذا التدهور الذي بات يتطلب إجراءات استثنائية».أمّا المحامي والناشط البيئي نوشين عكو، ابن مدينة القامشلي، المتطوع ضمن «جمعية وارشين» فيقول: «نحن لا نطلب الكثير»، ويُضيف: «نريد هواء نقياً، وبيئة نظيفة لنا ولأطفالنا. هل هذا كثير؟ العيشُ ضمن شروطٍ صحيّةٍ هو حقٌّ طبيعيّ للناس».وحذّرَ من أنّ الوضعَ كارثيّ وينذرُ بمخاطر جسيمة في ظلّ استمرار عمل المُولِّدات والحرّاقات، وإدخال المزيد من سيارات الديزل المستعملة. ومن بين مُقترحاته إشراكُ منظمات المجتمع المدنيّ ومكتب البيئة في بلدية القامشلي، وتكثيف جهود زراعة الأشجار والتحريش. وختم نوشين بالقول: «قمنا بعدّة نشاطاتٍ على قدر استطاعتنا، على الصعيد العمليّ والتطبيقي، فزرعنا عدةَ حدائقَ صغيرة داخلَ مدينة القامشلي – كانت مُهملةً وغير مُفعّلة – كما وَزَّعنا شتلاتٍ صغيرة على عدد من القرى والفلاّحين في الريفين الغربي والشرقي، لزراعتها والاهتمام بها حتى تكبر. وأنجزنا مشروعاً تطوعياً صغيراً، لكن الأمرُ مجرّدَ مبادراتٍ شخصية ونشاطاتٍ مدنية».غياب إرادة سياسية، وأجهزة بيئية لها صلاحيات المراقبة والمحاسبة، ساهما في تجميد الوضع ليبقى سكانُ القامشلي يتنفسون سخام المازوت، ويعيشون تحت سماءٍ لا تَعرفُ الصفاء لأكثر من عقد. لكن التحولات التي تمر بها المنطقة، خاصة اتفاق إدماج الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في هياكل الدولة، قد تشكل نقطة تحول تنقل المنطقة من حالة عدم الاستقرار واعتماد حلول الطوارئ إلى حالة أكثر استقراراً تستعيد فيها قضايا الصحة العامة والبيئة مكانتها ضمن أجندةالأولويات.
  • أُنتِجَ هذا التحقيق ضمن الدورة الثالثة من «برنامج مِنَح الجمهورية للصحفيّات السوريات»، الذي يَدعمُ إنتاج مشاريع صحفية مُعمَّقة تتعلّقُ بشؤون السوريين والسوريات ومعاشهم داخل البلد وخارجه، وكانت المُحرِّرة المشرفة على إنتاجه هي الزميلة بيسان الشيخ.* * * * *
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى