عن حركة “التنوير المظلم”: المفهوم، النشأة، الغايات/ إدْ سايمون

8 يوليه 2025
ترجمة: لطفية الدليمي
أحبَّ إيليبو توماسو مارينيتّي Ilippo Tomasso Marinetti السيارات، وبخاصة سيارته الرياضية “فيات” ذات الأسطوانات الأربع. كانت السيارة بالنسبة له مثالًا شاخصًا على الابتكار والحيوية، بل وحتى العنف، والأهم من ذلك كله أنها قدّمت دلالة على شكل المستقبل في السنوات القليلة اللاحقة. كان مارينيتّي شاعرًا ومؤديًا غنائيًا وكاتبًا إيطاليًا، وكان إلى جانب هذا رجعيًا reactionary؛ فقد كره المساواة والديمقراطية. هو لم يكن محافظًا conservative بأي معنى تقليدي؛ إذ لم يكن هناك الكثير مما أراد هو وآخرون في حركة الفن المستقبلية التي أسّسها الحفاظ عليه. في أطروحته التي قدّمها عام 1909 تحت العنوان الواسع “تأسيس وبيان (مانيفستو) المستقبلية” Founding and Manifesto of Futurism، كتب: “سندمّرُ المتاحف والمكتبات والأكاديميات من كل نوع”. كان مارينيتي، وهو رائد للفاشية التي ستطاول معظم القارة الأوروبية في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، ذا تأثير فريد على بينيتو موسوليني، وعلى تلك الأيديولوجية (المقصود الفاشية، المترجمة) التي ستحقق قريبًا ذلك الوعد المظلم بتدمير متاحف أوروبا ومكتباتها وأكاديمياتها.
هيمنة مارينيتي على موسوليني تُشابه إلى حد كبير ما يحدث في أميركا اليوم، وبخاصة مع صعود حركة “التنوير المظلم” Dark Enlightenment وزعيمها الأكثر صراحةً: مهندس البرمجيات والمدوّن كورتيس يارفِن Curtis Yarvin.
على الرغم من تجاهل الفلاسفة الأكاديميين لحركة “التنوير المظلم” إلى حد كبير؛ إلّا أنّها – مع توجهات يارفِن – حظيت بتأييد ونفوذ كبيرين لدى المديرين التنفيذيين في حقل التقنيات المتقدّمة في السنوات الأخيرة. أصبح يارفن – وهو مهندس برمجيات نال تدريبًا ممتازًا في نطاقه المهني – بمثابة فيلسوف رسمي لقادة التقنيات الرقمية المتقدّمة مثل بيتر ثيل Peter Thiel، المؤسّس المشارك لشركة باي بال PayPal، وكذلك مارك أندريسن Marc Andreessen، مؤسس شركة موزاييك Mosaic. وعلى غرار نظرائه من غلاة المستقبليين، يدعو يارفن إلى استبدال الديمقراطية بنوع من الدولة التقنية الإقطاعية Techno-Feudal State – أي أن تُدار الحكومة كشركة، ويكون الرئيس “مديرها التنفيذي”. يمتازُ هذا النظام الجديد بكونه أقلويًا ونخبويًا. كتب يارفن عام 2008: “يندمج البشر عادة في هياكل الهيمنة والخضوع”. كذلك هو نظام استبدادي؛ إذ قال يارفن عام 2012: “إذا أراد الأميركيون تغيير حكومتهم فسيتوجّب عليهم التغلّب على رُهاب الديكتاتورية”. هناك جوانب من فلسفة يارفن معروضةٌ في مقال ثيل عام 2009 الذي نشره معهد كاتو Cato Institute، حيث كتب: “لم أعد أعتقد أن الحرية والديمقراطية متوافقان”. كان ثيل، من خلال شركته لرأس المال الاستثماري، “Founders Fund”، من أوائل المستثمرين في شركة يارفن الناشئة “Urbit”. أما بالنسبة لآراء يارفن المثيرة للجدل، وما إذا كان ثيل يتبناها أم لا، فقد صرّح يارفن بأنّ راعيه “مستنير تمامًا”؛ بل إن أندريسن في مقابلة حديثة مع مؤسسة هوفر، استشهد بيارفن ووصفه بأنه “صديق”.

الأمر الأكثر مدعاة للقلق هو أنّ نفوذ يارفن الهائل على المديرين التنفيذيين في مجال التقنية الرقمية قد شق طريقه الآن إلى واشنطن. العلامات الشاخصة التي تشي بهذا تراها في كل مكان: كان يارفن ضيفًا محترمًا في ما يُسمّى “حفل التتويج” Coronation Ball لترامب في يناير/ كانون الثاني 2025. تحدّث نائب الرئيس جَيْ. دي. فانس J. D. Vance، وهو أحد تلامذة ثيل الخلّص، وبإعجاب بالغ، عن تأثير المدوّن يارفِن على تفكيره عندما أُجريت معه مقابلةٌ في بودكاست في يوليو/ تموز 2024. لم يزل دور أندريسن في البيت الأبيض في عهد ترامب غير رسمي؛ لكن مع هذا ذكرت صحيفة “واشنطن بوست” في يناير/ كانون الثاني 2025 أنّ المدير التنفيذي “كان يجنّدُ بهدوء ونجاح مرشّحين لمناصب في جميع أنحاء واشنطن”. في هذه الأثناء، يبدو أن إيلون ماسك، على الرغم من عدم إشادته ظاهريًا بيارفن، فإنّ له فلسفة مماثلة: في عام 2020 أخبر ماسك صحيفة “وول ستريت” أنّ “الحكومة هي – ببساطة – أكبر شركة”. بعد مرور خمس سنوات استخدم ماسك منصبه كمستشار غير رسمي لإدارة ترامب الثانية ووزارة كفاءة الحكومة (DOGE) لتشغيل ما أطلق عليه يارفن “إعادة تشغيل صعبة” Hard Reboot للحكومة.
تأسيسًا على ما تقدّم، يجدر بنا أن نكون أكثر دراية بيارفن وغيره من رموز هذه الفلسفة اليمينية المتطرفة. إنّ فهم دوافعهم ضروريٌّ لفهم المخاطر الحالية، وكيف يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه.
يمكن استخلاص الكثير من جاذبية هذه الأيديولوجية لدى العديد من أصحاب السلطة بمجرد تحليل اسم الحركة. تُنذر عبارة “التنوير المظلم” بقلب النظام الليبرالي الذي حدّد التطلعات الديمقراطية لما يقرب من ثلاثة قرون. وعد التنوير المضيء بالحرية والتحرر والمساواة والتضامن؛ في حين يعِدُ “التنوير المظلم” بالتراتبية الطبقية الهرمية والعبودية والقسوة.
غالبًا ما ترتبط حركة “التنوير المظلم” بالفيلسوف البريطاني نِك لاند Nick Land. كان لاند أحد مؤسسي وحدة أبحاث الثقافة السيبرانية cybernetic culture في جامعة وارويك Warwick University في المملكة المتحدة حتى عام 1995، حيث تسبّب سلوكه المتقلب بشكل متزايد في طرده من الجامعة. لاند معادٍ للديمقراطية إلى حدود يصعب تصوّرها، ويرغب في نظامٍ يُوجِّه فيه رجالٌ عظماء (بتوجيه من الخوارزميات والذكاء الاصطناعي) قيادة الدولة. هذه رؤية عدمية صريحة: “لا شيء بشريًا ينجو من المستقبل القريب”، كما كتب لاند عام 1994 – وتلك بلا شك أيديولوجية تجمع بين الطوباوية التقنية وكراهية عميقة للجنس البشري، وهي شكلٌ ممّا وصفه المؤرخ جيفري هيرف Jeffrey Herf بـ”الحداثة الرجعية Reactionary Modernism”؛ ولكن بوسعنا تسميتُها أيضًا بالاستبداد السيبراني أو الفاشية التقنية.
يقودنا هذا المسارُ بشكل طبيعي إلى يارفن. يارفن، وهو مدوّن جدلي، كتب لسنوات تحت اسم “منسيوس مولدباغ Mencius Moldbug” السخيف، حيث دافع عن شكله الخاص من الاستبداد التقني في معارضة مكشوفة للديمقراطية. ومثل مارينيتي، أعرب يارفن عن ازدرائه لرموز الثقافة الأميركية التي يراها معارضة لـ “التنوير المظلم” – من حرية التصويت إلى حرية البحث، ومن وسائل إعلام نابضة بالحياة إلى الجامعة المفتوحة. كتب يارفن عام 2021 (بأسلوب أقل شاعرية وأكثر هجومية بكثير من سائر غلاة المستقبليين): “لمّا كانت الجامعة هي قلب النظام القديم، فمن الضروري للغاية لنجاح أي تغيير في النظام أن تُصفّى (بمعنى تُقَزّم ويُكبَحُ تأثيرُها، المترجمة) جميعُ الجامعات المعترف بها ماديًا واقتصاديًا”.
يتحدث يارفن بازدراء عن ما يسميه “الكاتدرائية The Cathedral”، يصفها بأنها ملتقى للمنظمات التعليمية والإعلامية وغير الربحية التي يعتقد أنها تُحدد مسار الخطاب، ولكنها في الوقت ذاته تُعيق حرية المسؤولين التنفيذيين في فعل ما يشاؤون. يمضي طموحُ يارفن أبعد من هذا النطاق، وهو ما نشهده عندما كتب في عام 2007، أن “الدولة هي – ببساطة – شركة عقارية على نطاق واسع للغاية”.
مستخدمًا مجموعة متنوّعة من الاستعارات المختلطة، يدعو يارفن إلى “ثورة الفراشة”، وهي “بداية كاملة للسلطة” للحكومة الأميركية يتم تحقيقها من خلال “منح السيادة المطلقة لمنظمة واحدة”. يجري تصويرُ هذا الأمر على أنه انقلاب داخلي يهدف إلى خصخصة الحكومة واستبدال الديمقراطية بسلطة تنفيذية كاملة. قبل عامين (أي عام 2023، المترجمة)، وضع يارفن برنامجه الاستراتيجي بالاختصار “RAGE” أو “تقاعد جميع موظفي الحكومة”. جادل يارفن بأن إدارة ترامب المستقبلية الافتراضية يجب أن تنهي خدمات جميع الموظفين الفيدراليين غير السياسيين تمهيدًا لاستبدالهم بالموالين. ثمّ بعد ذلك يجب مصادرة خزائن الحكومة وإعادة توجيهها. عندما تمنع المحاكم الأوامر غير الدستورية، يقول يارفن إنه يجب بكلّ بساطة تجاهلها. بعد ذلك، يجب تقليص حرية الصحافة والجامعات أيضًا في موعد حدّده يارفن بألا يتجاوز أبريل/ نيسان بعد التنصيب.
يبدو الكثير من هذا وكأنه يعكس سلوك إدارة ترامب ووزارة العدل في الوقت الحاضر، وسنكون مخدوعين إلى حد بعيد لو حسبنا هذا النمط من السلوك المتزامن محض صدفة. حتى الآن (آذار/ مارس 2025، المترجمة)، طردت وزارة العدل حوالي 30 ألف موظف فيدرالي – ينتمون إلى إدارات متنوعة مثل إدارة الغذاء والدواء، وخدمة المتنزهات الوطنية، وإدارة الطيران الفيدرالية – تحت شعار كفاءة الحكومة. إنّ تأملات يارفن في عام 2009 بأن “تعريف الحاكم هو أنه فوق القانون” تعكس تغريدة ترامب في فبراير/ شباط 2025 التي قال فيها: “من ينقذ بلاده لا ينتهك أي قانون”.
إنّ ادّعاء يارفن بأن “لا علامة تجارية أو مبنى يمكنه البقاء” يتوافق تمامًا مع فلسفة صناعة التقنية الرقمية المتقدّمة سيئة السمعة والمتمثلة في “التحرّك بسرعة وكسر القواعد”. ولكن ما نشهده أيضًا، على ما يبدو، هو نذير “الملكية” Monarchism التي يرغب فيها يارفن. في 19 فبراير/ شباط 2025، نشر ترامب صورة مُعدّلة لنفسه مرتديًا تاجًا مع تعليق “عاش الملك!” على تطبيقه للتواصل الاجتماعي “Truth Social”.
كما هي الحال غالبًا مع ترامب، يميل المحللون إلى افتراض عدم جدّية أو نية مسبّقة مقصودة فيما يقوله الرئيس، وقد رافق هذا التجاهل أحيانًا المستقبليين، وفاشيي موسوليني أيضًا، عندما كانوا في أوج عطائهم. والآن، بينما يهدّد ترامب حلفاء أميركا القدامى من بنما إلى المكسيك، ومن كندا إلى الدنمارك، يجدر بنا أن نتذكر اعتقادًا لدى المستقبليين أكثر إزعاجًا من تقديسهم للتقنية المتقدّمة: إنّه ادّعاء مارينيتي بأن “الحرب هي نظافة العالم”.
(*) إدْ سايمون Ed Simon: أستاذ العلوم الإنسانية العامة في قسم اللغة الإنكليزية بجامعة كارنيغي ميلون الأميركية. ينشر مقالاته على نحو منتظم في مجلة The Atlantic، ومجلة The Paris Review Daily، وصحيفة The Washington Post، ومجلة Newsweek، وصحيفة The New York Times، بالإضافة إلى العديد من المجلات الثقافية المرموقة.
(*) الموضوع المترجم أعلاه منشور في مجلة TIME الأميركية بتاريخ 24 مارس/ آذار 2025. العنوان الأصلي للموضوع المنشور باللغة الإنكليزية هو: What We Must Understand About the Dark Enlightenment Movement
المترجم: لطفية الدليمي
ضفة ثالثة



