تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

الانتخابات النيابية في سوريا.. بين شروط الديمقراطية ومقتضيات المرحلة الانتقالية/ أغيد حجازي

4 أغسطس 2025

أعلن رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا أن موعد الانتخابات النيابية المقبلة سيكون في الفترة الممتدة ما بين 15 و20 من شهر أيلول/ سبتمبر القادم، موضحًا أن هذه الانتخابات ستُجرى وفق آلية جديدة، وصفها بأنها “مُتّبعة في عدد من الدول، وتراعي الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد”. وأشار إلى أن هذا النموذج الاستثنائي يتلاءم مع ما أسماه بـ”متطلبات المرحلة الانتقالية”، في ظل غياب مقومات تنظيم انتخابات تقليدية شاملة.

وأوضح رئيس اللجنة أنه تمّت زيادة عدد مقاعد مجلس الشعب من 150 إلى 210 مقاعد، حيث يُعيَّن رئيس الجمهورية 70 نائبًا منهم بشكل مباشر، بينما يُنتخب الباقون عبر ما وصفه بآلية انتخابية خاصة تُراعي توازنات التمثيل ومقتضيات المرحلة السياسية الراهنة. كما أضاف أن توزيع النواب سيتم وفقًا للتركيبة السكانية لكل منطقة إدارية، مشيرًا إلى أن هذا التوزيع هدفه ضمان الحد الأدنى من التمثيل الجغرافي والديمغرافي المتوازن.

وشدد رئيس اللجنة على أن تشكيل مجلس الشعب بات ضروريًا في هذه المرحلة، نظرًا لضرورة إقرار التشريعات التي من شأنها تأهيل السلطة التشريعية لأداء دورها الرقابي ومحاسبة السلطة التنفيذية، مشيرًا إلى أن المجلس الجديد سيكون بمثابة “المجلس التأسيسي للدولة السورية الجديدة بعد المرحلة الانتقالية”.

تعيين مقنّع أم ضرورة مرحلية؟

قال المحامي، د. نزار حسن، إن ما يجري في سوريا اليوم لا يمكن وصفه بأنه انتخابات بالمعنى القانوني والسياسي المتعارف عليه، موضحًا أن “العملية الجارية تحمل عنوان التعيين بأشكاله المختلفة”، سواء أكان تعيينًا مباشرًا لثلث عدد أعضاء المجلس من قبل رئيس الجمهورية، أو تعيينًا غير مباشر من خلال اللجنة العليا للانتخابات، التي عُيِّنت بدورها من قبل الرئيس المؤقت، وهي من تتولى الآن تعيين الهيئات الناخبة في كل محافظة.

وأضاف حسن أن “الشعب لا يؤدي أي دور حقيقي أو ملموس في هذه العملية، في ظل هيمنة كاملة من قبل السلطة التنفيذية على العملية التشريعية، من خلال آلية التعيين المعتمدة”، موضحًا أن هذا المسار لا يندرج ضمن النظم الديمقراطية التقليدية. ولفت إلى أن “كل ذلك وارد في نص الإعلان الدستوري، الذي صاغته لجنة معينة من قبل رئيس الجمهورية المؤقت”.

من جانبه، اعتبر الكاتب إبراهيم الجبين أن آلية تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب من قبل رئيس الجمهورية “تتعارض مع مبدأ التمثيل النيابي للمجتمعات المختلفة”، إلا أن “الظروف الحالية تمثل مرحلة انتقالية معقّدة، لا تتوافر فيها الشروط الطبيعية لتنظيم انتخابات حرة وشاملة، سواء داخل سوريا أو في الشتات”، مشيرًا إلى غياب الإحصاءات الرسمية وقواعد البيانات الدقيقة، فضلًا عن تفكك البنية المؤسساتية.

وأضاف الجبين أن “اللجوء إلى هذا النظام الطارئ في تشكيل مجلس الشعب، والذي يُنتخب فيه ثلثا الأعضاء بطريقة انتقائية، ويُستكمل الثلث الأخير بالتعيين المباشر، يهدف إلى ترميم نتائج الانتخابات وضمان التوازن المؤسسي في ظل الانقسام القائم”.

وأكد أن “الأولوية حاليًا لا تكمن في الشكل الديمقراطي الخالص للعملية الانتخابية، بل في استكمال هياكل الدولة السورية، بما يتيح لاحقًا خوض الصراعات السياسية داخل هذه المؤسسات، وبما يضمن التفاعل بينها وبين المجتمع”.

آلية التعيين والشرعية الديمقراطية

واعتبر الدكتور حسن أن “التعيين الجزئي في المجالس النيابية ممارسة غير محبّذة في الأنظمة الديمقراطية، وغالبًا ما يُلجأ إليه لأسباب محددة وفي أضيق الحدود”، مؤكدًا أن “المجلس الذي سيُشكَّل بهذه الطريقة سيكون، في نهاية المطاف، صورة عن الجهة التي قامت بتعيين أعضائه، ولن يكون معبّرًا عن التيارات والمكونات السياسية والاجتماعية الحقيقية في سوريا”.

وأوضح أن “النواب المعيّنين سيعملون على تنفيذ رغبات الجهة التي عيّنتهم، مما يفقد العملية التشريعية استقلاليتها، ويحوّل ما يُسمى بالانتخابات إلى مجرّد اقتراع شكلي بين أسماء محددة مسبقًا، لا تعبّر عن إرادة شعبية فعلية”.

فيما أوضح الجبين حول آلية الانتخابات أن “هذا النموذج المختلف للانتخاب يجب أن يكون واضحًا أمام الإعلام والرأي العام”، مشددًا على أن ما سيُجرى “ليس انتخابات بالمعنى الكلاسيكي المعروف، بل هو نموذج مرحلي مبني على تشكيل لجان فرعية تُكلّف بتسمية الهيئات الناخبة، والتي بدورها ستشرف على الترشح والاختيار ضمن نطاق ضيق”.

دور المجلس في إعادة التأسيس المؤسسي

وردًا على سؤال حول إمكانية اعتبار هذا المجلس خطوة نحو التأسيس للدولة بعد المرحلة الانتقالية، شدّد الجبين على أن “مجلس الشعب هو جزء من منظومة الدولة التي جرى حلّ مؤسساتها وتفكيكها بالكامل في الفترة الماضية، من الجيش إلى المخابرات فالأحزاب، وصولًا إلى مجلس الشعب نفسه”.

وأوضح أن “هذه المؤسسات كانت سابقًا مبتلعة من قبل نظام الأسد، ولا تمارس دورًا حقيقيًا في الحياة السياسية”، معتبرًا أن “عملية إعادة التشييد الجارية تهدف إلى فتح الفضاء السياسي تدريجيًا، ولا يمكن أن تكتمل هذه العملية إلا عبر ضمان الحريات، ووضع قوانين جديدة تنظم العمل الحزبي والسياسي، وهو ما يُطرح اليوم من خلال هذا المجلس التأسيسي”.

التمثيل غير ممكن في بعض المناطق

وحول الوضع في المحافظات الخارجة عن سيطرة الحكومة السورية، قال الدكتور حسن إن “إجراء انتخابات في محافظتي السويداء ومناطق شمال شرق سوريا غير ممكن”، مضيفًا أن المجلس المزمع تشكيله لن يضم في عضويته ممثلين حقيقيين عن هذه المناطق، بل سيقتصر على تعيين أسماء من قبل السلطات في دمشق، ما يعني غياب أي تمثيل شعبي أو حقيقي لسكان تلك المناطق.

وختم حديثه بالتأكيد على أن “الشرعية هنا ليست شرعية دستورية مستندة إلى صناديق الاقتراع، بل هي شرعية أمر واقع، تُفرض استنادًا إلى الوقائع الميدانية والتحالفات السائدة، لا إلى آليات الانتخاب الحر”.

وكشف الجبين أنه “في الفترة التي سبقت سقوط نظام الأسد، كانت هناك مقترحات بتطبيق قانون الإدارة المحلية وإجراء انتخابات بلدية في السويداء، لكنها قوبلت برفض من قبل بعض مثقفي المنطقة، الذين قالوا صراحة إنهم يخشون من فوز البعثيين بسبب تفوقهم العددي والتنظيمي، وهو ما يكشف عن توجّه غير ديمقراطي يسعى إلى تمثيل مرتب مسبقًا”.

وأضاف – بحسب معلومات حصل عليها – أن “الهجري لم يسمح حتى اليوم بعقد أي اجتماع للجنة الانتخابات في محافظة السويداء”، ما يُعتبر عرقلة مباشرة لأية محاولة لتنظيم اقتراع حقيقي فيها.

أما فيما يخصّ المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد” ، فقد أكد الجبين أن “عملية اختيار الممثلين عن تلك المناطق لا تتم ضمن إطار تفاوضي مع قسد، بل من خلال اجتماعات للجنة العليا في دمشق مع وجهاء وشخصيات من تلك المناطق، يُختار من بينهم أسماء تُطرح للتصويت، دون وجود انتخابات شعبية مباشرة”.

بين التأسيس والإقصاء.. أي شرعية للمجلس الجديد؟

في ظل التباين الواضح بين الرواية الرسمية التي تصف المجلس بأنه “تأسيسي”، والتوصيفات الحقوقية والسياسية التي تراه أقرب إلى “التعيين المقنّع”، يبقى مجلس الشعب الجديد انعكاسًا واضحًا للمرحلة الانتقالية التي تعيشها البلاد. ورغم أن آلياته لا تعبّر عن تمثيل ديمقراطي بالمعايير المعروفة، فإن بعض المراقبين يعتبرونه خطوة أولى – وإن كانت ناقصة – في طريق إعادة بناء المؤسسات السورية.

غير أن التحدي الأكبر سيظل مرتبطًا بقدرة هذا المجلس على تحويل شرعيته القانونية إلى شرعية فعلية، تستمد قوتها من قدرتها على تمثيل المجتمع، وتعبّر عن التوازنات المتعددة فيه، لا من مجرد كونه هيئة عُيّنت لخدمة مسار سياسي.

الترا سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى