صفحات الثقافة

يزداد البطش كلّما ازداد جهلهم ، في وصف دكتاتوريات بلادنا/ سعيد سامر بلبيسي

الكثيرون لا يعرفون كيف وصل الدكتاتور وحاشيته إلى السلطة، كيف استلم الحكم، ليس من المسموح معرفة كيف تمّ هذا لما يرافقه من أجواء قتل وتآمر على الدكتاتور السابق، ثمّ على أصدقائه الذين وصل بالاتفاق معهم إلى الحكم، ثم على المقرّبين الذين يعرفونه جيدًا. ليس مهمًا إن كان أصدقاؤه وأعوانه موالون له، الأهم أن يسدلَ ستارًا من الغموض على شخصيته، فلا أحد يعلم ما هي عاداته، طريقة تفكيره في الحكم وإدارته الأمور.

تبدو بلادنا كلوحة سورياليّة مليئة بالفوضى والتفاصيل لدى النظر إليها،  تنتابنا أحاسيس ومشاعر لا توصف، الكثير من الحركة والضجيج والألم، لكن غالبًا لا شيء يظهر على السطح، رغم طول الانتظار. خيبةٌ ضمن سلسلة خيباتنا المتلاحقة التي اعتدنا عليها. هذه ليست نظرة سوداويّة بقدر الألم المنتشر في بلادنا عبر دكتاتوريّات من الصعب على تركيبتها العقليّة وتركيبة حكمها ككائنات طفيليّة غريبة عن مجتمعات يُعملون فيها النخر تلو الخراب لأنّها مُلكهم. إنّهم يريدون استنساخ نمط الانصياع لهم مهما كانت درجة حيوانيتهم التي تتّصف بالتسيّد والاستعلاء والبطش والجبروت الذي يزداد كلّما ازداد جهلهم.

عادة ما يكون تناول موضوع ما ينالُ من الموضوع نفسه، الاختصار يجعل الأمانة في السرد محدّدة بألفاظ ومرادفات تختصر المعنى والشعور،  فيعتري جوهره النقصان، مهما استفاض المرء في الحديث عن هذا الموضوع. يشبه الأمر أن يحاول أحدهم استقصاء دواخل الآخر؛ ليس من السهل إيصال الشعور تمامًا، ربما يصل المعنى بمجازات وعبارات تلامس شغاف الإحساس لكن المعنى يبقى منقوصًا مهما تزاحمت تعابيره وصوره.

هذه هي حالنا في ظل الدكتاتوريّة التي نالت من حياتنا منذ ما قبل الولادة حتى ما بعد الموت، وكأنّ الدكتاتور مركز حياتنا ومشاعرنا، طالما عشنا في ظلّه. حياتنا تقع على هامش دكتاتورنا. نحن نشبه أشياءً تُكمّل مجموعته الفنيّة ليزدان قصره وملكه بنا، بحبنا وولاؤنا حتى موتنا. هذا كلّ شيء.

تتّصف العلاقة بين الفرد منا والدكتاتور بالشخصيّة، نعيشها في دواخلنا، تمامًا كما بين الفرد وإلهه. يبرز هذا الشكل في تفكيرٍ أوّلي أو طفولي لا توجد خلاله دوافع منطقيّة أو واقعيّة، كما لا توجد له صورة أو نمط محدّد، لأنّه حصل نتيجة حشو دماغ الأطفال بتكرار يجعل المفردات والمعاني تلك تستمر حتى مراحل متقدّمة من العمر، وتخزّن في لا وعي الأفراد.

بالطبع لن تكون هذه الصور التي تمّ حشرها ولصقها في دواخلنا إلّا عن القائد المُلهم، المنقذ، المخلّص، الوحيد والفريد في الفهم والإقدام، رجل الحرب والسلام، رجل العلم والثقافة والبيان والخطابة، رجل الأخلاق والكرم والأدب، الثوري الورع دينيًّا، وكذلك العارف المثقّف والمحدّث، حيث تتعدّى صفاته أسماء الله التسعة والتسعين.

قد يكون من السهل تخيّل العلاقة الشخصيّة مع الرب بصفاته المحدّدة في توسّل الرحمة ونيل الثواب، أمّا العلاقة الشخصيّة مع الدكتاتور فهي من التعقيد تصوّرها بغير إطار رضاه وسروره لحبنا وولاؤنا له فقط، ولا يمكن بالتالي تخيّل أيّ رحمة في حالة الإثم بحقّه، لأنّ الفرد حينها سيكون آثمًا ليس بحق سيّد البلاد والعباد والبحار والهواء فقط، إنّما الإثم والخطيئة بحقّ كلّ شيء يمثّله من وطن ومجتمع وأخلاق وتقاليد وعادات وآلهة. حينها لن يكون الويل فقط ما يلحق بالفرد، وانّما كلّ ما لا يخطر على بال من استحقاق العذاب والعقاب دون رحمة، فخيانة سيّد البلاد تستوجب الضرب بيد من حديد ليكون عبرةً للقاصي والداني. وقد لا يدري الفرد فعلًا ما اقترف، حتّى وإن ظنّ بأنّه يمارس حياته باعتياد، لكن أغلب الظن أنّ ما حصل (إن حصل شيءٌ ما)  لا يعبّر عن الولاء الكامل لصاحب المعالي ذو الجلال.

مثلًا: استُحدثَت في سوريا بعد أحداث حماة أول ثمانينيات القرن العشرين محكمة أمن الدولة حيث يُساق لها المعارضون لحكم القائد وتتمّ محاكمتهم على عجل لمدّة قد تصل إلى نصف ساعة أو قد لا تصل، ولا يُسمح فيها بالدفاع. يدخل المتهم إلى بيت عاديّ هو مكتب القاضي حيث لائحة الاتهام تُتلى على عجل وكذلك الحكم، ويكون على الأقل عشر سنوات فصاعدًا وصولًا للإعدام الميداني، وقد لا يدري المُتهَم السياسيّ ما فعل من إثم أو خطيئة، وقد لا يدري لمَ يُسجن أو حتى يُعدم؟

الكثيرون لا يعرفون كيف وصل الدكتاتور وحاشيته إلى السلطة، كيف استلم الحكم، ليس من المسموح معرفة كيف تمّ هذا لما يرافقه من أجواء قتل وتآمر على الدكتاتور السابق، ثمّ على أصدقائه الذين وصل بالاتفاق معهم إلى الحكم، ثم على المقرّبين الذين يعرفونه جيدًا. ليس مهمًا إن كان أصدقاؤه وأعوانه موالون له، الأهم أن يسدلَ ستارًا من الغموض على شخصيته، فلا أحد يعلم ما هي عاداته، طريقة تفكيره في الحكم وإدارته الأمور. وكذلك من المهم  أن تسود التكهنات حول طريقة حياته وأن تحيط به هالة من الأساطير السحريّة، والبحث الدائم عمّا يتعلّق بحياته وقراراته. كذلك فإنّه من المهم جدًّا معرفة، لا بل يجب الإيمان إيمانًا مطلقًا، أن ليس من طبعه السوء فهو المنزّه عن الأخطاء، ولا يمكن للآثام أن تطرق مخيلته.

يتبارك الشعب جميعه بطلّته عبر رسمه وتماثيله التي تتوزع في الساحات، تنتشر صوره ومقولاته على الجدران، في الأزقة والحارات وجميع الطرقات وفي كلّ الدوائر والمصانع وحتى الأفران، وفي السيارات وفي الباصات، وفي الاذاعة وقنوات التلفاز والصحف والمجلات، وفي المدارس والمناهج الدراسيّة وعلى الكتب وحتى في الحضانات، وفي نتائج الامتحانات، وفي المشافي وفي الجامعات، وفي كلّ ركن وفي كلّ غرفة وفي كلّ بيت، وفي الذكريات وفي ما هو آت، وعلى على أعمدة الإنارة وعلى حاويات المهملات، وحتى في الحمّامات. هو متواجد حتى في الهواء وفي السماء، وفي أفراح الناس وفي أحزانهم، وفي سجونهم، وفي صلواتهم ودعواتهم وفي خشوعهم وفي ركوعهم، باديًا بكلّ استدارة للرأس أو للعينين، محدّقًا بالفرد لئلا يُخطِئَ بحقّه، أو لا قدّر الله أن يتجاهله. يروون في بلادنا الحكايات عن أناس دُفنوا في غياهب السجون لتمزيق صورة الدكتاتور، أو لأنّم تجرأوا على إشاحة وجوههم عنه.

للدكتاتور ستار سميك من الأفرع الأمنيّة والدوائر البوليسيّة والادارات والكثير من المخبرين. الجميع يؤدون المهمة المقدّسة في جعله آمنًا، سلامته هي الأهم دائمًا، فطالما تربّص به أعداء الله والوطن. ليس مهمًّا ما تواجهه البلاد من فقر وحرمان وقحط وخذلان وظلم وهوان وانعدام مقومات الحياة بدايةً بالخبز ومن غير انتهاء. هو يبحث دومًا عمّا يمكن أن يتهدّد حكمه، وحين يُطيح بأعدائه ويستأصل شأفتهم، يلتفت إلى الجميع مراقبًا. يأخذ مكان الاله في المحاسبة حتى على النوايا، يوزّع الهبات والمكرمات على من يكون ولاؤهم مطلقًا. يَهَبُ من يشاء الحياة، ويُميت من يشاء ممن يُشكّ بولائه أو ممن يحاول الاعتراض. بتقديره أنّ الولاء ليس درجات، إنّما هو ولاءٌ كاملٌ غير منقوص. وفي التردّد تكمن الاحتمالات وأقربها التمرّد، ناهيكم عن انعدام حاجته للمترددين.

يؤرق الدكتاتورَ كتابُ القاموس -بل بالأحرى أيّ كتاب- لأنّ في طياته تكمن كلمات ومعاني تقضّ أحيانًا مضجعه كالحربّة والحقوق والكرامة. تلك الكلمات التي لا يعرف معناها سواه، فهو الذي يحدّدها ومن المزعج أن يوجد لها معنىً مغايرًا لما يُمليه على الشعب. فالحريّة أن يختاره الناس حاكمًا في الاستفتاء، وعدم المشاركة في اختياره يُعتبر فقدانًا للحريّة، أمّا الكرامة فلا تتواجد إلا في الولاء له بقوّة، أمّا الحقوق فهي المكرمات التي يُغدقها أحيانًا على الشعب بعطف أبوي كهبات إلهيّة تُلامس القلوب، ويجري الحديث عنها وترديدها كإنجازات لا يستطيع فعلها سواه. مكرمات كراتب الوظيفة، التعليم، البيع والشراء، ركوب المواصلات… وحتى ما نتنفسه من هواء.

حال وجود خطأ في الحكم -وهو نادر- لن يكون القائد هو المُلام، إنّما بعضُ الحاشية التي انتهى دورها في الولاء، أو بعضٌ ممن يصلحون لأن يكونوا كبش فداء لأنّهم ما عادوا من الأعمدة المركزيّة لسلطته. أمّا الإشارة إلى الزعيم بمجرّد ايماءة بأنّه قد يتحمّل جزءًا من المسؤوليّة، فهي طامّة تستوجب مختلف صنوف العقاب. ( في سوريا، هناك جرم وهن عزيمة الأمة!  وهن الشعور القومي! وهن عزيمة المجتمع الوطني! وطبعًا من خلال التآمر لتخريب الوطن والمجتمع بقصد قلب نظام الحكم بحال النقد أو الإشارة إلى خطأ ما ارتكبه الحاكم. ومن كان على دراية أو علم أو سمع بهذا النقد ولم يبلّغ الجهات الأمنيّة يُعدّ مشاركًا في الجريمة).

يحاول الحكام في بلادنا مجاراة التقدم المعلوماتي عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، فقط ليكونوا بأمان من تجمعات وآراء لن تكون في النهاية إلا ضدّهم. فالمعرفة تؤرقهم، ولن يكون هدف توافر المعلومات والأفكار ومداولتها بما تحويه من نقاشات ومقارنات، إلّا التجديد ومحاولة التغيير، والبحث عن وسائل لبناء نظام أفكار ترفض التقوقع والانعزال. هذا الانطلاق في فضاءٍ من التحرر والعقلانيّة والمعرفة لن يعني إلّا التهديد لنظام الحكم، والذي لا يمكن أن يُملي أحدٌ سواه على الناس مسار معرفتهم وتفكيرهم.

تدّعي الأنظمة الحاكمة أنّها ترافق التحديث وتساير عصر الاتصالات والإنترنت من منطلق “اعرف عدوك” أولًا، وثانيًا لتكون أداة تعزّز سيطرتهم، وتوظيفه هذه الوسائل الجديدة كوسائل إعلاميّة لهم، وذلك لتناقص دور الصحف والإذاعات المسموعة والمرئيّة وقلّة متابعيها والاتجاه نحو الحصول على الأخبار من خلال وسائل التواصل الاجتماعي لسرعتها ولامكانيّة التواصل المباشر بين صانع الخبر ومُتلقيه. أنشؤوا وزارات للمعلوماتيّة يعمل بها الكثيرون لمتابعة التهديد، وكذلك لاستنفار التأييد لهم بواسطة بروباغندا تكذّب العالم كلّه وتكذّب مصادره وتبرّر ما يحصل من أحوال البلاد. جيوش إلكترونيّة مموّلة بأموال الشعب لمحاربته ولبثّ الكذب وانحرافات المعرفة ولتشويه الأفكار، لأنّها الخطر الأكبر على مكانة النظام الحاكم وعلى بقائه في سدّة الحكم والقرار.

كان للدكتاتوريات في العالم كتاب يقتدون به في الحكم والسيطرة، هو كتاب “الأمير” لنيكولو مكيافيللي والذي، بالرغم من مرور أكثر من 500 عام على تأليفه، ما زال فعالًا ويؤخذ بأفكاره، أمّا في عالمنا العربي فبالتأكيد هو يرشد حكامنا العرب لأساليب الحكم والسيطرة، بالإضافة إلى أنّ لكلّ منهم كتابه الميكيافيلليّ الخاص الذي يحتوي على أساليب الترهيب والبطش، والذي يحدّثه بما يراه مناسبًا بوسائل وأدوات ومخططات تناسب بالأغلب غرائزه، وذاك الشقّ البهيمي الذي يعلن دائمًا بأن: هو أو لا أحد.

لا يفكر الدكتاتور بعدم استمراريته في الحكم والسيطرة، فهذا احتمال مرفوض جملةً وتفصيلًا، مَن يستطيع تحمّل عبء الحكم سواه؟ وطبعًا ورثته من بعده. لا أحد من غير نسله جدير بالسلطة من بعده. لا أصدقاء أو أقرباء يستحقّون إنجازه في بناء قلعة حديديّة من الحكم، يقبع فيها أفراد شعبه رهن إشارته، حتى في منامهم. لن يجرؤ أحد مؤسسي سلطته على المطالبة بالحكم، فأول بادرة بالانزياح عن خُطا الحاكم ستكون قاضية. وحسب حاسته السادسة، قد يدرس مؤشرات الخيانة، لذا يجري دائمًا التخلّص من الرجالات حوله واستبدالهم لصعوبة إقصائهم من أماكنهم في السلطة. قاعدته الأساسيّة أن لا إقصاء إلا بالموت، فهو الخيار المريح والأكثر فعاليّة للترهيب ولإعلان السيطرة. (الأمثلة لا حصر لها  في كلّ بلاد الدكتاتوريات في منطقتنا وفي غيرها، لكننا عايشناها في بلادنا من خلال الاغتيالات التي يُتّهم فيها دائمًا العدو الخارجي من أول لحظة بعد الاغتيال). وفي حال التمرّد على الحكم، تكون الأيدي الخارجيّة، الأيدي الخفيّة، الجماعات الظلاميّة… هي من تحرّك المعارضة بالتأكيد، لتسبب خراب البلاد ودمارها، وغرقها بأنهار الدماء التي تُجبل إسمنت أساسات البقاء لسلطته.

يُصاب الفرد في أوطاننا بالقنوط من وصف ماهيّة البلاد في ظلّ حكم المجرمين والقتلة، إنّ وصف الحاكم بصفة الدكتاتور والمجرم لن يلغيه بالضرورة. فالإيمان إنّ هذا الحكم سينتهي لا محالة لأنّه يحمل بذور فنائه، إنّما هو مداورة بمبررات عبثيّة لعدم الإتيان بفعل الخروج من مظلّة الانصياع لهم، وإطالة حكمهم وسلطتهم. كلّ لحظة في بقائهم تثبّت وجودهم أكثر كأمر واقع، وتزداد معها صعوبة التغيير. لا نستطيع أن نزيد الأمر سوءًا بوصفه، كما أنّنا لا نستطيع إجمال ما يحدث باختصار، فعادة ما يكون تناول موضوع ما ينالُ من الموضوع نفسه.

حكاية ما انحكت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى