أبحاثالأحداث التي جرت في الساحل السوريالاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"العدالة الانتقاليةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوععن أشتباكات صحنايا وجرمانا

الهويات الخائفة وسرديات المظلومية.. دراسة لجذور العنف في سوريا

25/6/2025

شهدت سوريا في السنوات الأخيرة تصاعدا ملموسا في حوادث العنف الأهلي، وسط حالة من الانقسام الاجتماعي والسياسي يتداخل فيها البعد الطائفي مع العوامل الاقتصادية والثقافية والسياسية.

وفي هذا السياق، أصدر مركز عمران للدراسات الإستراتيجية دراسة تحليلية موسعة بعنوان “مؤشرات العنف الأهلي في سوريا.. مقاربة نفسية اجتماعية لبنية الصراع المحلي”، للباحثة حلا حاج علي، إذ سلطت الضوء على جذور العنف الأهلي وتداعياته، واستعرضت الآليات الكفيلة بتعزيز السلم الأهلي وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوري.

واستعرضت الدراسة عددا من تجارب الدول بعد النزاعات، وحاولت أخذ الدروس الممكنة في بناء السلم الأهلي.

ومن أبرز التجارب التي عرضت لها الدراسة، تجربتي ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية. كما استعرضت الدراسة خروج دول من النزاع وتحقيق السلام بمعنى إنهاء الحرب الأهلية فقط دون تأصيل للتعايش الحقيقي، مثل ما حدث في لبنان بعد اتفاق الطائف، وكذلك في تونس وليبيا واليمن.

مع مقاربة ما سبق بالحالة السورية، تبدو هذه الأخيرة أكثر تعقيدا، بفعل تداخل العنف السياسي مع البنية المجتمعية وتاريخ طويل من القمع والتهميش، إذ راكمت سنوات الصراع في سوريا أنماطا متنوعة من الكراهية وعدم الثقة، أضيفت إلى إرث الحقد الناتج عن سياسات الاستبداد والظلم ما قبل الثورة.

ما يُميّز الدراسة هو تبنيها مقاربة نفسية اجتماعية لا تكتفي برصد الأرقام، بل تغوص في تحليل روافد الصراع والهويات القلقة، وتسلط الضوء على أدوار الجهات الأمنية والمؤسسات المحلية وآليات العدالة الانتقالية والمجتمع المدني في التصدي لهذه الظاهرة.

كما تقدم قراءة معمقة للخطابات المغذية للعنف وتوزع الحوادث على المستويات الجغرافية والاجتماعية، مع اقتراح حزمة سياسات إصلاحية.

تحليل بنية العنف.. الهويات الخائفة وسرديات المظلومية

واعتمدت الدراسة على توثيق 50 حادثة عنف أهلي خلال فترة زمنية محددة، شملت نماذج مختلفة من العنف “التقليدي” المباشر (كالصدامات المسلحة والاشتباكات المحلية)، والعنف “غير المباشر” أو الرقمي، الذي يتم عبر منصات التواصل الاجتماعي والخطابات التحريضية.

وتراوحت دوافع هذه الحوادث بين الطائفية والمناطقية والإثنية والعشائرية والسياسية، إلا أن الدافع الطائفي تصدر المشهد بنسبة 56% من مجموع الحالات المرصودة، في مؤشر خطِر على هشاشة النسيج الاجتماعي.

كما تركزت هذه الحوادث في مناطق ذات تركيبة سكانية متداخلة، يغلب عليها سجل من التعددية وصراعات الولاءات، ما يعكس وجود واقع اجتماعي هش قابل للاشتعال مع كل أزمة أو شرارة.

تذهب الدراسة إلى أن تصاعد مشاعر القلق والخوف ضمن مجموعات سكانية معينة يدفع الأفراد إلى البحث عن الحماية في الهويات الفرعية الضيقة (دينية، طائفية، أو قبلية)، ما يؤدي إلى تكريس الاستقطاب وإضعاف أشكال المواطنة الجامعة. كما خلصت الدراسة إلى أن الفضاء الرقمي تحوّل إلى ساحة صراع موازية، يجرى فيها تبادل الاتهامات والتحريض وترويج روايات المظلومية من كافة الأطراف.

ومن الملاحظ -بحسب الدراسة- غياب ثنائية واضحة بين “ضحية” و”جلاد”، حيث يمتلك كل طرف خطابا متماسكا عن مظلوميته وطموحاته، مع انتشار ظاهرة العدالة الانتقائية واستغلال رواية “الحق” لإقصاء الخصوم وتبرير العنف. كما تؤكد الدراسة، أن هذه الانقسامات الهوياتية تُنتج واقعا اجتماعيا متصدعا يصعب تجاوزه دون مشروع وطني جامع.

العوامل المغذية للعنف

تحدّد الدراسة جملة من العوامل التي تُسهم في إذكاء مظاهر العنف الأهلي في سوريا، من أهمها:

    ضعف دور الدولة المركزية: وغياب سلطة القانون وانتشار السلاح بين المدنيين بما يسمح باندلاع المواجهات بسهولة.

    تراجع الثقة في المؤسسات الأمنية: بفعل ممارسات سابقة ارتبطت بالقمع أو المحاباة أو الفساد، ما يجعل المواطن ينظر إلى الأجهزة الأمنية كجهة غير محايدة.

    تضارب مصالح القوى المحلية: إذ تلعب الولاءات الضيقة (طائفية، عشائرية، حزبية) دورا رئيسيا في تحريك النزاعات.

    العامل الاقتصادي: الأزمات المعيشية وغياب العدالة في توزيع الموارد تؤدي إلى توتر العلاقات الاجتماعية وتصاعد النزاعات على الموارد المحدودة.

    انتشار الخطابات التحريضية: خصوصا على وسائل التواصل الاجتماعي مع غياب الضوابط اللازمة، ما يحوّل الفضاء الرقمي إلى خزان للكراهية والاستقطاب.

توصيات عملية لتعزيز السلم الأهلي

في ضوء ما سبق، قدمت الدراسة حزمة شاملة من التوصيات العملية للجهات الحكومية والمجتمع المدني وصناع القرار، من أبرزها:

    تفكيك العنف الرمزي وإعادة بناء الذاكرة الجمعية

    أكدت الدراسة ضرورة مراجعة الخطابات الرسمية وغير الرسمية التي تحمل مضامين إقصائية أو تبث الكراهية، وإشراك المختصين التربويين والنفسيين في مراجعة المناهج المدرسية وتعزيز قيم التسامح والسلم المجتمعي. كما أوصت بدعم المبادرات الفنية والثقافية التي تعيد صياغة روايات الحرب بصورة إنسانية جامعة.

    إصلاح المؤسسة الأمنية وبناء ثقة المواطن

    دعت الدراسة إلى إعادة هيكلة العقيدة الأمنية، بحيث تتحول من “فرض الأمن” إلى “حماية المواطن”، وتفعيل دور الرقابة المجتمعية والتدريب المشترك بين الأمنيين والمدنيين لتعزيز ثقافة الشراكة.

    هندسة هوية وطنية جامعة

    شددت على أهمية إطلاق حوارات وطنية شاملة، تراعي حساسيات الماضي واحتياجات جميع المكونات، بهدف صياغة ميثاق وطني جديد تضمن فيه العدالة في التمثيل وعدم الإقصاء.

    توسيع صلاحيات الإدارة المحلية وتعزيز اللامركزية

    طالبت بإعطاء مجالس الإدارة المحلية صلاحيات أوسع باستخدام أدوات رقمية لتعزيز الشفافية والرقابة الشعبية على الخدمات والموارد.

    تفعيل عدالة انتقالية شاملة

    أوصت الدراسة بإعطاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية دورا أكبر في جبر الضرر ومعالجة ملفات الضحايا والمغيبين، جنبا إلى جنب مع إطلاق برامج اقتصادية تكافح آثار التهميش والإقصاء.

    دعم وتمكين المجتمع المدني

    أكدت أهمية توفير التمويل والإمكانات لمنظمات المجتمع المدني المستقلة، وإشراك الجاليات السورية في الخارج في جهود المصالحة وبناء المشاريع التنموية.

    تطوير الفضاء الرقمي للحوار

    حثت على دعم المنصات الرقمية المستقلة والمنتديات الحوارية، وسن تشريعات صارمة تجرم التحريض وخطاب الكراهية الرقمي، مع بناء شراكات مع شركات التكنولوجيا.

خاتمة

تختتم الدراسة بالتأكيد على أن الطريق إلى السلم الأهلي في سوريا ليس دربا قصيرا، بل يتطلب شجاعة سياسية وإرادة جماعية ومشروعا وطنيا جامعا يعيد الاعتبار لفكرة المواطنة ويلتزم بحقوق الإنسان والمساواة. وترى الدراسة أن التصدي لجذور العنف وتحقيق الاستقرار لن يتم من بإجراءات أمنية أو سياسية منعزلة، بل بمعالجة شاملة للانقسامات وإعادة بناء الثقة والذاكرة الجمعية.

وبذلك تضع الدراسة أمام صناع القرار والمجتمع السوري خارطة طريق عملية للتعافي المجتمعي، محذرة من أن تجاهل هذه التوصيات سيعني استمرار العنف الأهلي، وترسيخ الانقسامات، وعرقلة أيّ فرص حقيقية لإعادة بناء سوريا على أسس مستدامة من العدالة والسلام.

إن غياب الحرب لا يعني بالضرورة حضور السلام، طالما أن الخوف من الآخر وما ينتجه من تباعد بين الهويات الفرعية عن الهوية الوطنية حاضرا على الساحة السورية، وعليه فإنه لا يمكن الخروج من حالة التمزق المجتمعي نحو أفق التعايش المشترك بحلول أمنية أو سياسية ضيقة ومؤقتة، بل يتطلب مشروعا إستراتيجيا طويل الأمد يعيد بناء الدولة من القاعدة، أي من الإنسان، ويعيد صياغة العقد الاجتماعي والرمزي لدى السوريين.

المصدر: الجزيرة

——————————————–

مؤشرات “العنف الأهلي” في سورية..مقاربة نفسية – اجتماعية لبنية الصراع المحلي

في سورية..مقاربة نفسية – اجتماعية لبنية الصراع المحلي

حلا حاج علي

    الأحد, 22 حزيران/يونيو 2025

ملفات التحميل

    نسخة PDF

ملخص تنفيذي

    تتزايد حوادث العنف ذات الطابع الأهلي في المشهد الاجتماعي السوري وتختلط فيها الأبعاد الأمنية والسياسية والمجتمعية، وتدفع باتجاه ترسيخ الانقسامات الهوياتية والاختلافات الفكرية، وتنذر باحتمالية الانزلاق إلى اللااستقرار الداخلي إلا أنّ هناك فرصةً لإعادة تشكّل العلاقات الاجتماعية على أسس المواطنة. وهذا مرتبط بتحقّق بعض الشروط البنيوية على المستويين الفردي والجماعي، منها: إعادة برمجة طريقة تفكير الأفراد، وإعادة تعريف العلاقات ضمن الهويات المختلفة.

    تُقدّم كلٌّ من ألمانيا واليابان ولبنان والعراق وليبيا واليمن وتونس محاولات عملية متباينة لإعادة بناء السلم الأهلي. ورغم عدم إمكانية نقل هذه التجارب بحرفيتها إلى السياق السوري بحكم الخصوصيات التاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية، إلا أنّ الاستفادة من دروسها يُمكن أن يُسهم في التفكير بشروط تعافٍ مجتمعي عادل مستدام

    وثقت50 حادثة عنف محلي وقعت بشكل فيزيائي مباشر، أو من خلال التفاعلات الرقمية في الفضاء الافتراضي، أو حتى في الاتجاه المعاكس (أي من النشاط الرقمي إلى الفعل الميداني). وتنوعت الدوافع ما بين الطائفية والمناطقية والإثنية والسياسية والعشائرية. وقد تصدر النمط الطائفي الدافع الأكبر (نسبة 56%)، كما تُظهر البيانات أن العنف المحلي يتمركز بشكل رئيسي في المحافظات ذات التركيبة السكانية المتنوعة من حيث الانتماء الطائفي.

    تعكس البيانات أن أنواع العنف المحلي في سورية ليست ثابتة جغرافياً أو نمطية الشكل، بل تتغيّر بتغيّر مجموعة من العوامل المتداخلة كالبنية الاجتماعية والديموغرافية للمجتمع المحلي، وعلاقة السكان بالسلطة المركزية أو الفاعلين المسلحين المحليين، أو علاقتهم بالجماعات الأخرى المبنية على درجة الاستقطاب الطائفي أو الإثني الناتج عن الحرب وتراكمات التهميش إضافة إلى حجم الخطاب التعبوي عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، الذي يُسهم في شرعنة العنف الرمزي والميداني.

    برزت الهويات القلقة والخائفة كردّ فعل على شعور دائم بالتهديد دفع الأفراد إلى الاحتماء بالجماعة الضيقة. وعزّز الاستقطاب العابر للسياسة، ليطال أنماط الإدراك والعلاقات اليومية، بالتوازي مع ذلك برزت الهويات الرقمية كفاعلٍ جديد في الفضاء العام. وفي ظل غياب تنظيمات سياسية واجتماعية فعّالة ووطنية، أصبحت هذه الهويات منصات بديلة للتعبير والتشكيل، ولم تتحرر هذه الهويات المتشكلة حديثاً من منطق نحن مقابل هم، بل أعادت إنتاجه بأشكال أكثر تفاعلاً وأسرع انتشاراً. وقد تحوّلت العديد من هذه الفضاءات إلى ساحاتٍ منفلتة تُغذي الانغلاق، وتزيد من التصنيف والفرز، ما ساهم في ترسيخ مناخ من التنافر والتفكك الاجتماعي.

    في السياق السوري لم تُفرز ثنائيات واضحة الحدود بين الضحية والجلاد، بل امتلك كل طرف سرديته الخاصة عن المظلومية، مطالباً بالعدالة من موقعه، دون الاعتراف بآلام الطرف الآخر مما أدى إلى شيوع العدالة الانتقائية، حيث تحولت العدالة إلى أداة للإقصاء والانتقام بدلاً من أن تكون وسيلة للإنصاف والمصالحة. وسيفرغ هذا المنظور مفهوم العدالة من مضمونه. كما تسيطر حالياً سرديات “الخطر، المؤامرة من فلول النظام السابق، الاستقرار، الطاعة، أولوية بناء المؤسسات، العيش المشترك، من يحرر يقرر “على بنية الخطاب السياسي والاجتماعي والإعلامي، ومع غياب مشروع ثقافي بديل سيبقى المجال الرمزي مشغولاً بخطابات الكراهية.

    ولأسباب قديمة مرتبطة بتاريخ مليئ بسياسات الإبعاد من دوائر التفاعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي ولأسباب حالية متعلقة ببطء ديناميات إنتاج عقد اجتماعي جديد، وفي ظل استمرار انتشار السلاح خارج الأطر النظامية فإنه سوف تتّسع دوائر التهميش، ويشعر كثيرون بالإقصاء من الحصة الوطنية للموارد، ما سيدفع إلى تبنّي القوة كأداةٍ للتمثيل وتحقيق الاعتراف، في ظل غياب عدالة انتقالية تراعي الجميع في توزيع الموارد. وهكذا ممكن أن تتحوّل كل موجة اضطراب اقتصادي وخدمي إلى مقدّمة لأخرى.

    إن غياب الحرب لا يعني بالضرورة حضور السلام، طالما أن الخوف من الآخر وما ينتجه من تباعد بين الهويات الفرعية عن الهوية الوطنية حاضراً على الساحة السورية، وعليه فإنه لا يمكن الخروج من حالة التمزق المجتمعي نحو أفق التعايش المشترك من خلال حلول أمنية أو سياسية ضيقة ومؤقتة، بل يتطلب مشروعاً استراتيجياً طويل الأمد يعيد بناء الدولة من القاعدة، أي من الإنسان، ويعيد صياغة العقد الاجتماعي والرمزي بين السوريين. فالسلم ليس مجرد غياب للعنف، بل مسار تراكمي لبناء الثقة، ويستند إلى مجموعة من المحاور المتداخلة كتشكيل الذاكرة المجتمعية وإنتاج علاقة متوازنة بين المواطن والدولة تسهم في بلورة هوية وطنية جامعة، وتعزيز مبدأ المساءلة المجتمعية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية وتمكين المجتمع المدني وتحرير الفضاء الرقمي.

لقراءة المادة كاملة اضغط الرابط:

https://bit.ly/4neTbcO
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى