مقالات تناولت الهوية البصرية الجديدة لسوريا

هوية بصرية ملحّة لهوية سوريّة مرتبكة/ منيه حسون
أي ذاكرة جمعية جديدة ممكنة في سوريا اليوم؟
07-07-2025
يوم مظاهرة الجمعة العظيمة وبتاريخ 22.04.2011، لفّ المتظاهرون في دير الزور حبلاً حول عنق حصان باسل الأسدّ «الأغرّ»، مكّنهم من خلخلة قوائمه وإسقاطه في ساحة كانت تدعى بساحة «الحدّداة» وساحة العمال ولاحقاً ساحة التكاسي قبل أن تتحوّل عام 1996 إلى ساحة الباسل بـ الـ التعريف، ضمن ظاهرة نسبِ سوريا إلى الأسد. أسقط المتظاهرون يومها تمثال الفارس الذهبي وحصانه معاً، ليكون ذلك سبباً في اعتقال واختفاء الكثير من الشبان الذين التقطتهم عيون المخابرات وكاميراتهم، مُعتَلين حطام الحصان. بعض من عاد من الاعتقال حدّثنا كيف كان إسقاط الحصان سبباً في تعذيب إضافي، إذ: «شو دخله الحيوان، ولاك؟»
رغم عدم سموّ مَقصد المحقق إلّا أن السؤال يستحقّ الوقوف عنده، فالحصان ما كان هدفاً لولا فروسية باسل الأسد المزعومة التي جعلت لإسقاط حصانه رمزيّة إسقاط النظام. تذكرت تلك الحادثة وسؤال المحقق عن المعنى وأنا أراقب الحبل الذي رُبط حول تمثال الشهداء في ساحة سعدالله الجابري في حلب، بينما انتهى طرفه الآخر بشاحنة تجرّه في مشهد سريالي، لينشطر من وسطه وينهار في لحظات. لحظة العنف المكثّف تجاه التمثال وصداها في الذكريات الأولى للثورة جعلتني أتساءل إن كان هناك من رمزية رغب المهللون بإسقاطها فعلاً، أم أنها نشوة إزالة التماثيل التي لا يزال السوريون ممسوسين بها، عالقين، وغيرَ قادرين بعد على الخروج منها نحو مرحلة ما بعد الأسد؟
لا أعرف كيف نستطيع أن نتكلم عن هذا دون أن نبدو نخبويين و«مثقفين»، لكن الانفصال عن الإرث البصري للنظام ليس دائماً احتمالاً واضحاً في ظل الواقع المعقّد الذي تعيشه سوريا ما بعد الأسد. خلال نصف قرن، اشتغل النظام الأسدي بطريقة مؤسساتية ممنهجة على إرباك الهوية الوطنية لتصبح الدولة هي النظام، والنظام هو الوطن، والوطن هو النظام، في ارتباط عضوي يصعب فصله. حرص النظام على بناء هوية بصرية للبلاد لتعميق هذه السردية على كافة المستويات المؤسساتية والمجتمعية لتساهم بدورها في تشكيل الوعي الجمعي للناس، ولتكون مسألة الهوية البصرية مسألة وجودية للنظام، وممارسة لفرض السيطرة من خلال التمثيل الرمزي للسلطة.
مع مرور الوقت، انتقلت الهوية البصريّة الأسدية من مستوى «ماكرو» على شكل تماثيل وصور عملاقة ونصب تذكاريّة في الساحات والمؤسسات العامة وحتى الدفاتر المدرسية للأطفال، إلى مبادرات فردية يقوم بها الناس تتمثّل بملصقات على واجهات المحلات التجارية، والسيارات، الملابس، من قبل أشخاص عاديين ليسوا مرتبطين بالسلطة بالضرورة ودون ضغط مخابراتي مباشر حتى، لدوافع مختلفة. نجح النظام في خلق هوية بصرية لسوريا الأسد بالتزامن مع إرباك شعورنا الوطني نحو هذه الـ سوريا التي ننتمي إليها ونرفضها بآن، لا لأنه نظام عبقري ومتفرّد، بل لأن السياسات الاستبدادية الإلغائية والممارسات الديكتاتورية والعنف اليومي المتراكم غير المدرَك تُعيد تشكيل المجتمعات وتطبعها بطابع أنظمتها المستبدة، بمساعدة عامل الزمن الذي سيساهم في ترسيخ هذا الارتباك الهوياتي في العمق، ولا يترك لنا أداةً سوى العنف في استعادة البلاد من خلال ثورة.
ترتبط الثورة بمفهوم الهوية البصريّة بالعمق، ويميل الفعل الثوري إلى إعادة تشكيل مشهد ما يثور عليه بهدف تغييره رمزاً ومعنى. هذا ما حدث في الثورة السورية، أسوةً بالعديد من الثورات عبر التاريخ. فالخروج في مظاهرة والإطاحة بصور بشار وباسل وحافظ الأسد تعبير ثوري بصري، أعاد تشكيل هوية المكان البصرية لتتحول من مشهد سلطوي إلى فضاء ثائر على السلطة، لكنه تعبير عنيف بالضرورة كما تقترح حنة آرنت في مقالها عن الثورة، عام 1963.
تنطوي الثورة في فكر آرنت على نزعة تمرّدية، جذرية، عنيفة وتخريبية وفوضوية، إلّا أنها ذات هدف نبيل يحلم بالحرية. بالمقابل، ترسم آرنت خطاً حاسماً بين التمرّد والثورة. فالتمرّد غالباً ما يكون رد فعل عاطفيٍّ وفوريٍّ على الظلم، يهدف إلى التحرّر من القمع، وغالباً ما يتّسم بالعنف والطابع الانفعالي وغياب التنظيم، وقد يقود في لحظة ما إلى ثورة. أمّا الثورة، فتمضي إلى ما هو أبعد؛ إلى تأسيس نظام سياسي جديد، يحوّل المشروع التحرري إلى مؤسسة حرية دائمة. ليست هذه محاكمة أخلاقية من آرنت لفكرة الثورة، لكنها محاولة للنظر إلى بعدها المفاهيمي الذي يتجاوز العنف إلى المعنى. غالباً ما تنطوي الثورات على العنف إذاً، إلا أن المعنى يكمن في قدرة الثورة على خلق بداية جديدة، وعلى بلورة فضاء مختلف للفعل الجماعي والحرية.
تبدأ النزعة التخريبية العنيفة من الثائر المتمرّد بذاته، حين يُلقي بنفسه إلى الموت والرصاص والاعتقال وكل احتمالات الرعب في سبيل قيمة أسمى تستحقّ الفناء في سبيلها. يكمن الفخ حين تضيق الفكرة التحررية وتُختَزَل إلى فعل تخريبي عنيف ومفرَغ من المعنى قد يتحوّل فيها ثائر الأمس نفسه إلى تمثيل لهوية بصرية عنيفة ومعطّلة لا يمكن أن تحلّ محلّ العمل المؤسساتي المتأنّي لبناء الدولة حين يحين موعد البدايات الجديدة. ربما كان هذا ما قصده الشرع حين شاركنا خطته بدايةً بالانتقال من عقلية الثورة إلى عقلية الدولة. لكن، إن كانت السلطة تعني فعلاً ما تقول، فالعمل على هوية بصرية لا يكون بمعزل عن السعي لإزالة الارتباك الهوياتي للسوريين بدايةً، وإعادة تشكيل الهوية الوطنيّة الملتبسة ليس فقط في سوريا ما بعد النظام، بل سوريا ما بعد الثورة.
أمام دعوات إزالة تمثال زكي الأرسوزي بعد تمثال الشهداء في ساحة الجابري أتساءل؛ كيف يمكن أن نتعامل مع حقيقة التغيير أمام هذا الإرث المربِك الذي خلّفه نظام حكم البلاد 54 عاماً حتى ضاعت الحدود بينهما؟ بأي شيء نتمسّك اليوم ونوثّق، وعن أي شيء نتخلّى ونهدم ونمحو؟ كيف نريد أن نمثَّل كسوريين في شوارعنا ومؤسساتنا ومساحاتنا ونكون جزءاً من هوية بصرية لهذا الفضاء الذي ندعوه وطناً؟ وكيف نعيد تعريف أنفسنا اليوم أمام هويتنا الوطنية بمعزل عن سوريا الأسد وسوريا الثورة معاً؟ لا يمكن أن يُصفَّر عداد التاريخ عند الثامن من ديسمبر الماضي، فنتعاملَ مع ما وجدنا عليه البلد وكأنه إرث أسدي بالمطلق يستحقّ الزوال. وإن كانت السلطة ترى أن التسوية ممكنة مع من شارك بالإجرام وسفك دماء السوريين من الأحياء، فخلق نوع من تسوية موازية مع التاريخ ورموزه لأهداف وطنية ممكن كذلك.
قبل الإعلان عن هوية بصرية لسوريا ما بعد الأسد، نحن بحاجة إلى إعادة تعريف أنفسنا كسوريين ومعايرة فكرتنا عن الوطنية ضمن هذا الإطار. نحتاج أن نتعرّف مجدداً على تاريخنا السياسي من خلال عدسات غير أسدية وغير بعثية، تساعدنا على فهمه وإعادة تعريفه والتواصل معه، لا إلغائه والتنكّر له كما فعل نظام الأسد من قبل. نحتاج إلى خطة صريحة من الحكومة وعمل مؤسساتي مخلِص على المستوى التعليمي والثقافي والمعرفي المرتبط بشكل أساسي برفع مستوى الحقوق والحريات والعدالة والمساواة والمواطنة، يساعدنا على قراءة التاريخ من منظور مختلف وبناء ذاكرة جمعية جديدة. حينها فقط سيمكننا الحديث ربما عن هوية بصرية جامعة ووطنية، دون أن نشعر أنها إعادة تدوير لرموز جديدة تقتضيها المرحلة.
موقع الجمهورية
————————————
سورية في هويّة جديدة/ معن البياري
08 يوليو 2025
لا هويّة جديدة لسورية. هويّتها الباقية، المستمرّة، الوهّاجة، أنها عربيةٌ إسلاميةٌ، شعبُها متنوّع متعدّد، منفتحة، يتعاقد فيها مواطنوها مع الدولة على المواطنة، يعتزّون بأصالة انتسابهم إلى بلدهم، من دون تعصّبٍ أو فوقية، يفخرون بحضارة بلدهم الذي أغنى الإنسانية بما ساهم به من علومٍ ومعارف وفنون. يساهمون جميعاً في تعمير دولتهم، ويقيمون حقوق كل سوري وحرّياته أساساً لا يتسامحون مع أيّ تبخيسٍ منه. ويتطلّعون، دوماً، إلى تمتين قوة وطنهم، وتسييجه بما يلزم من إمكانات المنعة والحماية. … ليس من تعريفٍ جامعٍ لمفهوم الهوية، سيّما وأن المنظّرين الذين خاضوا فيه جاءوا على ممكنات التحوّلات والتغيرات فيه بشأن هذه الأمة أو تلك. ولهذا، لا يزعم صاحب هذه الكلمات أنه بتقدمته هذه أوفى هوية السوريين جميع مضامينها، وكل شروطها. غير أن في الوُسع حسم الثوابت الراسية، وأولها عروبة سورية التي تأتلف مع كرديّة سوريين منها، وتتكامل مع أي قوميةٍ أو إثنيةٍ أو منبتٍ لأيٍّ من مواطنيها، فتتيسّر فيها كل التعبيرات الثقافية لهم جميعاً، تحت راية سورية الواحدة الموحّدة. … وأنها دولةٌ إسلامية، بمعنى أنها في الوعاء الحضاري والثقافي الإسلامي الذي لا ينازع التعدّد الديني والمذهبي في البلد الذي كان من أولى مواطن المسيحية. ولمّا قالوا إن سورية قلب العروبة النابض لم يكذبوا أو يتزيّدوا أو يتطاوسوا، إنما هي سورية، شعباً وموقعاً وتاريخاً ودوراً ومكانة، ظلّت وستبقى من عناوين الأمة العربية في السعي إلى تحرير كل أرضٍ عربيةٍ محتلّة، ومنها الجولان وفلسطين، ولا حاجة هنا إلى الإنشائيات المدرسية في هذا، فالسوريون أجلُّ من أن يجري تناول كفاحاتهم الوطنية من أجل استقلال بلدهم، ومن أجل تحرير فلسطين، بل ومن أجل أمتهم أيضاً، بلغة إثبات الثابت، وتأكيد البديهيّ المؤكّد.
إنها هويةٌ أخرى تحتاجها سورية، أن تكون جديدة، بمعنى أن يتجدّد الجمالُ والبهاء فيها، أن تعود بلد الأمن والأمان، والاستقرار والدّعة، أن تستعيد تلك القوّة التي كانت عليها، إبّان كانت صاحبة سهمٍ له اعتباره وجدارتُه في حضور الأمة العربية السياسي والعسكري والثقافي في الإقليم والعالم. سورية المتعبة، التي تحرّرت في يوم 8 ديسمبر (2024) المجيد من أسوأ ظلامٍ عبَر في تاريخها، نحتاج، نحن من غير مواطنيها، إلى أن نراها في موقع القيادة في الأمة، نشتاقُ أن نستعيدها، أن تنفُض عن نفسها تعاساتٍ باهظةً كانت فيها عقوداً. سورية المتجدّدة التي تختار لهويّتها البصرية الجديدة العُقاب الذي يفرد جناحيه قوياً، يضمّ كل السوريين في محافظاتهم ومدنهم وقراهم وبلداتهم وأريافهم وبواديهم، ليوحي بالإرادة والشكيمة. وفي هذا إنها تختار مسارَها الذي دشّنته بعد يوم الاستقلال الثالث قبل سبعة شهور. وأياً كانت ارتباكاتُ البدايات، وتحفّظاتٌ هنا وهناك على هذا الأداء وغيره، وأياً كانت انتقاداتٌ محقّةٌ لمعالجاتٍ وخياراتٍ تسلكها الإدارة الحاكمة، فذلك كله لا يخصم من قناعتنا بأن تجرية السوريين، وهم يبنون دولتهم الجديدة، يلزمها أن تنجح، وأن يُسعفها بكل عونٍ ودعمٍ (وحبٍّ أيضاً) كل المخلصين من السوريين، وأشقّائهم العرب، وأصدقائهم في كل العالم، من أجل أن تعبُر إلى الأفق الذي يتطلّع إليه أبناء هذا البلد الذي يقيم في أفئدتنا، إلى النموذج الذي ينهض على المواطنة الحقّة، وعلى إقامة العدل والمحاسبة والمساءلة، ولا تتهاون مع أي تجاوزٍ من أيٍّ كان، وفي أي موقعٍ كان.
قد يرى من يرى في كل الكلام أعلاه وعظياتٍ لا طائل من تكرارها، وقد قيلت وانكتبت آلاف المرّات، وليس من تعقيبٍ هنا سوى أنها سورية هي التي تُعلّم من يتعالمون بشأنها. وأهلوها فلاحون وزرّاع وصناعيون وعمّال وشغّيلة وموظفون ومثقفون وأمنيون وعسكريون، ومن في ضفاف السلطة ومن في ضفاف معارضيها، سيضيفون سطوراً أخرى إلى ما سطّره سابقوهم في مسار بلدهم وهو يمضي إلى تحقيق أشواق مواطنيه. وما يقوله لنا العُقاب المذهّبُ، بجناجيه العريضين، في هوية سورية الجديدة، كثيرٌ بعناوينه ورؤاه وحُمولاته … وسنرى البهيج والجميل منه رؤية العين إن شاء الله في مقبل الأيام.
العربي الجديد
—————————————
ماذا عن الهُويَّة الثقافية السورية؟/ ميادة سفر
08 يوليو 2025
في وقت انشغل فيه بعضهم بالتحضير لإطلاق الهُويَّة البصرية السورية الجديدة، كان آخرون يبتهجون بتحطيم تمثالٍ في ساحة سعد الله الجابري في حلب، باعتباره صنماً يجب إزالته. وبينما تصمت السلطات حيناً أو تقدّم تبريراً خجولاً بشأن الموقف حيناً آخر، يبتهج آخرون بهُويَّة بصرية لا يدرك كثيرون منهم دلالات ما تحمله للدولة وللشعب وأهميته وجدواه، ولا رمزيّتها الوطنية، مكتفين بضرورة إزالة الشعارات والرموز التي استخدمها النظام السابق، وتغيب في الضفّة الأخرى أيّ تلميحات أو أحاديث عن هُويَّة ثقافية تحاكي حضارة بلادٍ عمرها آلاف السنين، وتغيب أو تكاد الأنشطة الثقافية من البلاد، في ظلّ خوف مثقفين كثيرين وتوجّسهم من هيمنة فكر متشدّد على السلطة الثقافية، تشي به تلك التصرّفات “الفردية” وفقاً لخطاب السلطة الحالية.
تحمل الهُويَّة الثقافية لمجتمع ما، بما هي مجموعة القيم والتصوّرات والأفكار، التي يتميّز بها من غيره، خصوصيةً تاريخيةً وحضاريةً، وهي بذلك نتاج ما سمّي الوعي الجمعي، الذي عرّفه عالم الاجتماع الفرنسي إيميل دوركايم بأنه مجموعة المعتقدات والقيم والمشاعر الإنسانية بين أعضاء مجموعة من السكّان، بما يشكّله من أداة لتمكين التماسك الاجتماعي بين الأفراد، وعاملاً في تمتين الهُويَّة بتجلياتها كافّة، الثقافية والفنية والاجتماعية، وحتى السياسية والاقتصادية، لأفرادٍ ينتمون إلى حيّز جغرافي معيّن، بصرف النظر عن الانتماءات العرقية والدينية. وعلى الرغم من الدور الذي لعبته تلك الانتماءات في تشكيل الوعي الجمعي في أحيانٍ كثيرة، فقد أدّت إلى تجاوزات كبيرة بما يخصّ الهوية الجماعية، وعمدت إلى إقصاء بعضهم ورفض آخرين لا ينتمون إليها.
تلعب العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية دوراً أساسياً في رسم هُويَّة الأفراد الثقافية، بما يمكن أن نسميها الثقافة الجمعية التي تميز مجموعة من أخرى ومجتمعاً من آخر، وهو ما تحاول بعض الجماعات اللعب عليه في الواقع السوري الجديد، من توجه إلى أسلمة المجتمع بما يحمله من تكفير للمشتغلين بالفنّ، وتصوير المنحوتات أصناماً يمنع وجودها في الساحات والأماكن العامّة، ممارسات إن حاولت الإدارة الجديدة تصويرها تصرّفات فردية، إلا أنها تُحدث شرخاً في المجتمع الذي يحاول النهوض من كبوة سنوات من الاستبداد والظلم، ويتطلّع نحو حالة أكثر تحرّراً وانفتاحاً. ولم تكن قرارات وزارة السياحة، بما يخص الشواطئ والمسابح، إلا ضمن إطار هذا التغيير المخيّف، الذي يقلق السوريين في الوقت الحالي، قرارات تشي بإعادة هيكلة العادات والتقاليد والتصرّفات التي اعتادها السوريون فيما بينهم، وفرض إطار جديد سيساهم في ترسيخ الفرقة الطائفية والمذهبية من خلال تقسيم المجتمع بين فئات تتماهى مع فكر السلطة وأخرى تتخذ رأياً مخالفاً يؤدّي إلى إقصائها من المشهد العام.
تحمل الهُويّة الثقافية للمجتمع شكلاً من الثبات والديمومة والاستمرارية، وهي حالة صحيحة وصحّية، إذا اعتبرنا الهُويَّة الثقافية مجموعة القيم الجمالية والأخلاقية واللغوية، وأيضاً الأنماط الاجتماعية السائدة، فضلاً عن القيم التاريخية والحضارية المتوارثة، التي تشكّل هُويَّةً للمجتمع ككل، وللفرد بشكل مستقل، إلا أنّ هذا لا يعني، في أيّ حال، محاولات العودة إلى غياهب التاريخ والاستعانة بأفكار ومعتقدات لم تعد تناسب العصر الحالي، ولا يبرّر ما تقوم به جماعاتٌ محسوبةٌ على السلطة من أعمال متشدّدة رافضة الآخر، مثل تحطيم تمثال أو أيقونة أو شجرة عيد ميلاد، ممارسات لا ينتج عنها إلا تضييق الخناق على بعض مكوّنات المجتمع، وفرض الهيمنة عليها وقوقعتها وانغلاقها.
الهوية الثقافية، بما هي جزء من الثقافة بشكل عام، مفردّة متحرّرة من كلّ القيود الاجتماعية والسياسية، والإيحاءات العرقية والدينية، التي تحاول تقييدها وتكبيلها، لا بدّ أن تنأى بنفسها عن أيّ محاولة أو اجتهاد فردي لتأطير الثقافة بشكل معيّن، أو فرض معتقدات تعبّر عن فئة واحدة في مجتمع سمته الأساسية التنوع، والدفع باتجاه حالة أكثر انفتاحاً تواكب ما يجري في العالم من تطوّر في العلم والفكر، مع الحفاظ على الموروث الحضاري، الذي يحاكي مراحل تاريخية تعاقبت على البلاد، بعيداً من الموروث الذي يحاول بعضهم ترويجه منذ 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، والاستعانة بشعار المرحلة “من يحرّر يقرّر”.
اعتبر الفيلسوف ديفيد هيوم أنّ الهُويَّة، التي تنسب إلى العقل البشري، ليست إلا وهماً، وبما أنّ الحياة في حركة وتغير مستمرّين، فلا يمكن الحديث عن هُويَّة ثابتة، وهو ما يُرجَّح صحّته، لأن منطق الأمور والحياة يفرض ويفترض التغير والتبدل والتأثر والتأثير. وبالتالي، لا يمكن القول بثبات الهُويَّات بقدر ما هما تجذّرها وعمقها، اللذان لا يجعلان من أيّ تغيير يطرأ إلا إضافة تزيد من تماسكها ومرونتها في الوقت نفسه، فأيّ ثقافةٍ لا تؤثّر ولا تتأثّر سيحكم عليها بالزوال عاجلاً أم آجلاً.
قد يشكلّ تحطيم تمثال هنا وآخر هناك، أو إزالة رمز ديني لطائفة أو مكوّن ما حدثاً عابراً بالنسبة إلى بعضهم، لكنّه لا يجب أن يكون كذلك للمهتمين بهُويَّة سورية جامعة لكلّ السوريين على غرار ما أعلن في أثناء إطلاق الهُويَّة البصرية، لأنه يؤسّس شكلاً جديداً من أشكال الأنظمة الشمولية، التي تشير إلى خطورةٍ تحدّثت عنها المفكّرة الألمانية حنة أرندت، حين أشارت إلى أنّ الأنظمة الشمولية قد لا تبدأ بالقتل، بل بمحو الرموز الصغيرة التي تعبّر عن حالة مجتمعية أو دينية أو فكرية، مثل إزالة وتكسير تماثيل أو بالسماح لجماعة دينية باختراق شارع ومحاولة تكفير أفراده، على غرار ما انتشر من سيارات “الدعوة” في بعض الأحياء المسيحية في دمشق أو مدن الساحل السوري ذات الأغلبية الطائفية المغايرة لتلك التي تتصدّر السلطة اليوم في البلاد، من شأن تلك التصرّفات أن تؤسّس لفكر وثقافة جديدَين، لا يمثّلان المجتمع السوري بمكوناته كلّها، وترسم حالة تفرّد جديدة، على غرار التي كانت سائدةً في عهد النظام السابق، أطلق عليها “حكم الحزب الواحد”.
السوريون اليوم أمام مرحلة ليست انتقالية فقط، بل مصيرية، من شأن أيّ تصرف تنسبه السلطات إلى حالات فردية أن يؤسّس واقعاً لن يسهم في إعلاء المواطنة، بل في فرض رؤية دينية ضيّقة ستؤدّي (مع الوقت) إلى تفاقم الاحتقان الشعبي، وربّما إلى الانفجار، فهل تتنبه السلطات (الثقافية أقلّه) إلى تلك المحاذير، وتأخذها على محمل الجدّ، إم أنها تتواطأ بشكل ضمني مع ما يقوم به أفراد هنا وهناك؟
العربي الجديد
———————————–
المشاركة في صناعة الرموز الوطنية السورية/ سمر يزبك
08 يوليو 2025
في المراحل التي تلي النزاعات المسلّحة، تُطرح الهُويَّة الوطنية بوصفها مسألةً تركيبيةً تتجاوز الخطاب السياسي والمؤسّسي، وتمسّ البنية العميقة للمعنى في المجتمع. الرموز العامّة، مثل الأعلام والشعارات والأسماء، تُفهم بوصفها أجهزةً لإنتاج الدلالة، تنظّم من خلالها السلطة رؤيتها للعالم وتحدّد ما يُعتبر جزءاً من الذات الوطنية وما يُستبعد منها. هذه الرموز لا تنشأ من فراغ، بل تستند إلى تصوّرات مسبقة حول الانتماء، والهُويَّة، والتمثيل.
اعتماد “العقاب الذهبي” شعاراً لسورية، بعد سنوات من الثورة والحرب والانقسام، يأتي في سياق إعادة تشكيل صورة الدولة ضمن المجال الرمزي. يشير التصميم إلى القوة والانفتاح والوحدة، ويعكس استمراراً في اعتماد بنية عمودية ضمن منطق مركزي لإنتاج الرموز. الرمزية المتبنّاة لا تصدُر من تفاوض اجتماعي، إنما من احتكار رسمي للمعنى. عبر هذا التصميم، تُعيد السلطة تموضعها جهةَ إشرافٍ تُحدِّد شروط الانتماء وفق تصوّر مغلق. من الناحية الجمالية، يرتكز الشعار على عناصر مرتبطة بالهيمنة والثبات، في السياقات البصرية التي تلي النزاع، تشير هذه العناصر إلى مركزية القوة أكثر من انفتاحها على التعدّد. لا تظهر في التصميم أيّ إشارات إلى المرجعيات الثقافية المحلّية، كما لا توجد عناصر تنقل تعقيد البنية الاجتماعية السورية. التكوين البصري يتّجه نحو الوحدة من الأعلى، من دون استخدام أدوات تشير إلى التفاعل أو التشابك الرمزي بين مكوّنات المجتمع.
في المقابل، تقدّم تجربة جنوب أفريقيا مساراً مغايراً من حيث المنهج. هناك، خضع إنتاج الرمز الوطني لسيرورة تفاوض اجتماعي شملت أطرافاً تمثّل طيفاً واسعاً من المكوّنات الثقافية والعرقية. حمل التصميم النهائي عناصر متعدّدة تعكس تعقيد الواقع، من دون اختزال أو تبسيط. ألوان العلم وزواياه المتعدّدة تشكّل بنيةً تركيبيةً تستند إلى الاعتراف المتبادل، وتتيح إمكانية تكوّن هُويَّة مركّبة. هذه المقاربة أنتجت رمزاً قابلاً للتأويل المشترك، وقادراً على احتواء الاختلاف.
في الحالة السورية، لم يُطرَح شعار “العقاب الذهبي” من خلال عملية تشاركية. لم تُفتح مسارات للفنّانين المستقلّين، ولم يُدعَ المجتمع المدني إلى المساهمة، ولم يُطرح الرمز للنقاش العام. هذا الأسلوب في الإنتاج يعكس تصوّراً للرمز أداةً للضبط الرمزي، بدل أن يكون وسيطاً مفتوحاً للتعبير الجماعي. الهُويَّة هنا تُقدَّم من موقع أحادي يُعلِن معناها، بدل أن تتشكّل بتفاعل الفاعلين داخل الحقل الاجتماعي.
يشعر سوريون كثيرون بالارتياح تجاه خطوات تُبعد المشهد الرمزي من ماضي النظام السابق، حتى إن اقتصر التغيير على الشكل البصري. هذا الارتياح مرتبط بتاريخ طويل من احتكار الرموز الرسمية للمعنى، وتغييب التعدّد الرمزي داخل الفضاء العام. مع ذلك، لا تكفي الرغبة في القطيعة مع الماضي لتبرير استمرار النموذج الإقصائي نفسه. القيادة التي خاضت التحرير تمتلك شرعيةً سياسيةً، لكنّها لا تمثّل بالضرورة كامل الطيف الاجتماعي الذي شارك في التضحيات. الفئات التي بقيت خارج أجهزة التعبير تحتاج إلى مساحة للمشاركة في إعادة تعريف المشروع الوطني. استقرار الدولة يتطلّب إعادة بناء الفضاء الرمزي، إلى جانب إصلاح البنية المادّية. الرموز لا تؤدّي وظيفةً شكليةً أو تمثيلية فقط، بل تساهم في إعادة تشكيل الإدراك الجماعي وتحديد حدود الانتماء. إنتاج هذه الرموز من دون تفاوض يضعف وظيفتها الاندماجية، ويجعلها أقرب إلى إعلان رسمي يصدر من السلطة من دون رابطٍ حيٍّ بالمجتمع. إعادة النظر في رموز الدولة تتطلّب التفكير في آليات الإنتاج نفسها. التصميم ينبغي ألّا يُختزل في مسألة تقنية، بل يُنظر إليه فعلاً تأسيسياً يُعيد توزيع المعنى بين الفاعلين. لا تكتسب الرموز قيمتها من جودة تنفيذها البصري فقط، بل من قدرتها على التعبير عن خريطة تمثيل جديدة، تُقرّ بتعدّد المرجعيات، وتفتح المجال لتفاوض دائم حول الهُويَّة. عملية إنتاج الرمز الوطني ينبغي أن تنبثق من واقع الصراع والتعدّد، وأن تعمل لتحويلهما إلى قاعدة للعيش المشترك بين جميع السوريين.
العربي الجديد
————————————–
سوريا تُطلق هويتها البصرية الجديدة.. بين الرمزية الوطنية والرهانات السياسية/ أيهم الشيخ
9 يوليو 2025
شهدت ساحة الجندي المجهول في دمشق، يوم 3 تموز/يوليو الجاري، إطلاق الهوية البصرية الجديدة للجمهورية العربية السورية، برعاية الرئيس أحمد الشرع، وبمشاركة شعبية ورسمية واسعة، امتدت إلى عدة محافظات في البلاد.
تضمن الإعلان تغييرًا جوهريًا في بعض الرموز الوطنية، أبرزها استبدال شعار “النسر” المعتمد سابقًا بـ”العُقاب” (الشاهين)، مع توجّه رسمي نحو تحديث الهوية البصرية على مستوى العملة الوطنية، والوثائق الرسمية، والهوية الشخصية، وحتى الزي العسكري. هذا الحدث، الذي جاء في توقيت بالغ الرمزية، أثار موجة تفاعل واسعة بين السوريين، بين مؤيدين يعتبرونه انعطافة نحو بناء دولة جديدة، ومعارضين يرون في الخطوة تجاوزًا للشرعية الدستورية.
انتقادات دستورية وشبهات التفرد
في تصريح خاص لـ “الترا سوريا”، اعتبر السياسي سمير نشار أن الحكومة الانتقالية خالفت “نص المادة الخامسة من الإعلان الدستوري، التي تنص على أن الهوية الوطنية تصدر بموجب قانون يقرّه مجلس الشعب”، مؤكدًا أن “هذا ما أشار إليه أيضًا الدكتور أحمد القربي، عضو لجنة إعداد الإعلان الدستوري”.
وأضاف نشار: “من المؤسف أن يصدر هذا الخرق من رئيس انتقالي كان أحد الموقعين على الإعلان ذاته، بما يعكس استخفافًا بمبدأ سيادة القانون، المفترض أن يكون حجر الزاوية في أي مرحلة انتقالية”.
هوية جديدة أم قطيعة مع الماضي؟
من جانبه، يرى الكاتب والصحفي السوري أحمد مظهر سعدو أن هذه الخطوة تمثل إعلان قطيعة رمزية وسياسية مع إرث نظام الأسد، مشيرًا إلى أن “الهوية الجديدة تأخرت، لكنها ضرورية، وينبغي أن تكون بداية لمسار يتجاوز الشعارات الشكلية، نحو بناء دولة مدنية ديمقراطية”.
ويتابع سعدو: “السوريون لا يبحثون عن تغيير شكلي، بل عن واقع جديد يجمعهم على أسس المواطنة والعدالة. الشعار وحده لا يكفي، بل يجب أن يعكس مشروعًا وطنيًا شاملًا يعيد صياغة العلاقة بين المواطن والدولة”.
ويُلفت سعدو إلى أن حجم التفاعل الشعبي، رغم بعض الانتقادات، “يعكس تعطش الناس لتغيير حقيقي”، مشددًا على أن “الحرية وحدها هي من تمنح لهذه الرموز معنى وقيمة، بعيدًا عن الديكتاتورية والتوظيف السياسي”.
الهوية البصرية كرسالة سياسية
في قراءة تحليلية، يرى الباحث السياسي في مركز “جسور للدراسات” وائل علوان أن إطلاق الهوية البصرية الجديدة “يتجاوز البعد الجمالي والرمزي، ليعبّر عن رؤية سياسية متكاملة لبناء دولة سورية جديدة”.
ويضيف: “التحول البصري جزء من تحول أعمق في الخطاب الرسمي، يقوم على طي صفحة الماضي، والانفتاح على الداخل والخارج بسياسات أقل بيروقراطية وأكثر انسيابية”. ويؤكد علوان أن اختيار “العقاب” كشعار للدولة يحمل دلالات تاريخية، تعود إلى الموروث السوري الروماني، وتؤكد الانتماء إلى حضارة عريقة تتجاوز أحقاب الاستبداد.
ويوضح أن استخدام اللون الذهبي في الشعار يرمز إلى الشمس والقمح، أي إلى الجغرافيا والموارد، بينما ترمز 14 ريشة في الجناحين إلى وحدة المحافظات السورية. أما خمس ريشات الذيل، فهي إشارة رمزية إلى توازن الأقاليم الخمسة.
الرموز كمدخل لإعادة بناء الدولة
الباحث السوري د. باسل معراوي يذهب إلى أبعد من ذلك، مؤكدًا أن “الرموز الوطنية ليست تفصيلًا شكليًا، بل هي أداة محورية في ترسيخ الهوية الجامعة، تمامًا كما هي السوق الجغرافية، أو التاريخ المشترك”.
ويشير إلى أن سوريا لم تُبنَ فيها هوية وطنية جامعة منذ تأسيس الدولة الحديثة، بفعل ما وصفه بـ”تبني أنظمة الحكم السابقة شعارات فوق وطنية، أدت إلى تمزيق النسيج الوطني وتحويله إلى مكونات طائفية وعرقية”.
ويؤكد معراوي أن “القيادة الحالية التقطت مبكرًا أهمية الملف، وأعادت الاعتبار للهوية السورية، كهوية مدنية جامعة، بعيدة عن المحاصصة أو الامتيازات الطائفية”.
وفي هذا السياق، يعتبر معراوي أن اختيار “العقاب” كشعار رسمي يحمل رمزية بالغة العمق، كونه من الرموز السورية الضاربة في الجذور، ويؤشر إلى انتماء متجاوز للدين والأيديولوجيا، ما يكرّس سردية الانتماء الوطني الشامل.
بين الإرادة الرمزية والتحديات الواقعية
رغم التأكيد الرسمي على أن الهوية البصرية الجديدة تمثل “بداية الجمهورية السورية الجديدة”، إلا أن التحديات الواقعية تبقى هائلة. فالسوريون، الذين عانوا من القهر والحرب والانقسام، يتطلعون إلى ما هو أبعد من الشعارات. يريدون عقدًا اجتماعيًا جديدًا يضع حدًا للانقسام، ويكرّس قيم العدالة والمشاركة والشفافية.
وهنا تبرز الأسئلة الجوهرية: هل يمكن لرمز بصري أن يرمم الشروخ العميقة التي أصابت الاجتماع السوري؟ وهل تكفي الهوية الشكلية لتأسيس انتماء وطني حقيقي؟ أم أن التغيير يجب أن يتجذر في المؤسسات، والقوانين، والسلوك السياسي؟
في ختام المشهد، يبقى الأمل أن تمثل هذه الهوية البصرية بداية حقيقية لمسار وطني طويل، لا تقتصر فيه التغييرات على الواجهة، بل تمتد إلى بنية الدولة، ومؤسساتها، وعقدها الاجتماعي، لتُبنى سوريا الجديدة التي ينتظرها شعبها منذ عقود.
الترا سوريا



