العلاقات السورية-الروسيةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعام على انتصار الثورة في سوريا

العلاقات السورية الروسية تحديث 04 شباط 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العلاقات السورية الروسية

ثعلب” السياسة السورية الجديد/ حسين عبد العزيز

03 فبراير 2026

أن يذهب الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو مرة ثانية في أقل من ثلاثة أشهر، فهذا لا يشير إلى أهمية روسيا على المستويين السوريين، المحلي والإقليمي، فحسب، بل يشير أيضاً إلى براغماتيّة الشرع السياسية التي تعمل على استثمار كل ما يمكن استثماره على الصعيدين الإقليمي والدولي، مستفيداً من موقع سورية الجيوسياسي ومن تحالفات جديدة وأخرى يُعاد بناؤها، بما يحقق أهدافه المحلية في سورية.

لم تكن زيارة الشرع موسكو أخيراً مُدرجة من قبل، بل جاءت مفاجئة، إذ جرى الإعلان عنها قبل أيام قليلة، ما يعني أن ثمة تطورات هامة حدثت وأخرى تنتظر ما ستسفر عنه الزيارة. … وإذا كان معلوماً ما حدث (انحسار الجغرافيا العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية)، وما نتج عنه من تغير مهم في موازين القوى العسكرية الداخلية، ومنح الشرع قوة محلية إضافية، فإن مرحلة ما بعد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ربما تكون الأصعب والأخطر على مستويين: الأول، ما يتعلق بالساحل السوري، وما يجري الحديث عنه من تحضيرات تقوم بها شخصيات عسكرية وأمنية من فلول نظام الأسد، من أجل إحداث قوة عسكرية من لون طائفي واحد، مهمتها تحويل الساحل إلى منطقة شبه مستقلة هدفاً أدنى، والعمل على تقويض سلطة الحكم الجديد، على أمل إسقاطه كهدف أعلى. الثاني، الحالة الهجرية، نسبة إلى شيخ عقل الدروز حكمت الهجري الذي ما يزال يرفع صوته عالياً بالمطالبة في استقلال السويداء ضمن صيغة حكم ذاتي، مدعوماً من إسرائيل المستمرّة في تقديم الدعم اللوجستي لمليشيا “الحرس الوطني” باعتباره جناحاً عسكرياً يتبع مباشرة للهجري، والمستمرّة في إعلان حمايتها الدروز.

ضمن هذين الاعتبارين، تأتي زيارة الشرع الثانية موسكو في المقام الأول، فعلى الرغم من أهمية الجوانب الأخرى المتمثلة بالتبادل التجاري والاقتصادي وإعادة الإعمار، وفقاً لما تحدث به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومسؤولين روس، إلا أن مثل هذه القضايا لا تستلزم زيارة سريعة ومفاجئة، فما هو ملحٌّ لسورية روسياً الجانب الأمني ـ العسكري.

كانت زيارة الوفد السوري برئاسة الشرع روسيا منتصف أكتوبر / تشرين الأول الماضي ضمن آليات العمل السياسي التي تقوم على الاستثمارين، الإقليمي والدولي، وعلى إعادة ترتيب العلاقة بين دمشق وموسكو في مرحلة جديدة كلياً، قطعت تماماً مع المراحل السابقة التقليدية التي حكمت العلاقة بين العاصمتين. أما الزيارة في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني)، فجاءت ضمن ما يُمكن تسميته نقل هذه العلاقة من القوة إلى الفعل، أي نقلها إلى المستوى العملي على الأرض.

لا يتعلق الأمر فقط بإعادة بناء البنية العسكرية السورية المدمّرة، بل الأهم في هذه المرحلة الحضوران، العسكري والأمني، الروسيان، أولا لمنع نشوء قوة عسكرية أو أمنية مسلحة في الساحل السوري، نظراً إلى قدرة روسيا على فرض الامتثال العسكري والأمني لفلول النظام السابق، سواء في الداخل السوري، أو الموجودين على أرضها.

تريد دمشق أيضاً دخول روسيا إلى ملعب الجنوب السوري عبر مسارين متكاملين: الأول سياسي متعلق بالدور الروسي في التوصل إلى تفاهم مع إسرائيل، نظراً إلى العلاقة التي تجمع بوتين بنتنياهو، والثاني عسكري ـ أمني عبر نشر روسيا قوات في الجنوب السوري وسطاء يشرفون على الوضع الأمني، وهو المطلب الذي كان حاضراً في اللقاء الأول الذي جمع الشرع مع بوتين. على أن أهم المطالب السورية التي أكد عليها الشرع في الزيارة الأولى، وما يزال، هي، حسب وسائل إعلام روسية، نشر منظومات صواريخ “إس 330” و “إس 400” في الجنوب السوري وفي المنطقة الوسطى، أي في مناطق حمص وحماة، وهي منظومة الصواريخ التي جرى تفكيكها في سورية بعيد سقوط نظام الأسد مباشرة.

من المُبكر معرفة نتائج زيارة الشرع إلى موسكو، فمسألة الجنوب معقدة جداً في ظل الاستشراس الإسرائيلي حيال حكام سورية الجدد، ولا يبدو أن روسيا بصدد الدخول في مواجهة مع إسرائيل، ما دام مصير الدولة السورية الحالية ما يزال غير مستقر، وما تزال البيئة الداخلية مضطربة أمنياً. ومع ذلك، أثبت الشرع، على مستوى السياسة الخارجية، أنه ماهر جداً، وقادر على فهم التناقضات الإقليمية والدولية، واللعب عليها بما يُرضي الطرفين الرئيسيين: الولايات المتحدة وروسيا على المستوى الدولي، وتركيا والسعودية على مستوى الإقليم، في حين تبقى إسرائيل معضلة لا يُعرف بعد كيف يمكن أن يتجاوزها الشرع.

العربي الجديد

—————————–

في آفاق العلاقات السورية الروسية/ عمر كوش

01 فبراير 2026

شكلت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع موسكو، الأسبوع الماضي، خطوة إضافية باتجاه إعادة رسم علاقات سورية الجديدة مع روسيا، وإجراء مراجعة كاملة لمسارها السابق. وجاءت في ظل متغيرات جيوسياسية متسارعة، على مستوى الداخل السوري وفي منطقة الشرق الأوسط. وقد اكتست الزيارة أهميتها ليس فقط من أنها الثانية في أقل من ثلاثة أشهر، بل لأنها عكست زيادة جرعة الثقة بين القيادتين، الروسية والسورية، وحرصهما على إعادة بناء العلاقات بين الدولتين وتطويرها وفق أسس جديدة، مختلفة تماماً عما ساد العلاقات بينهما في عهد نظام الأسد البائد.

اللافت أن الزيارة لم تُعلَن إلا قبل يوم أو يومين من حدوثها، وتزامنت مع متغيراتٍ مهمّة شهدتها الخريطة السورية، وذلك بعد أن بسطت قوات وزارة الدفاع السورية سيطرتها على أغلب المناطق التي كانت تخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في محافظات الجزيرة في شمال شرقي البلاد، وترافق ذلك مع إخلاء القوات الروسية أماكن تمركزها في مطار مدينة القامشلي، استجابةً، على ما يبدو، لطلب الحكومة السورية، الأمر الذي فُسّر بادرةً تهدف إلى بناء علاقات طيبة، وإشارة إلى أن روسيا لن تنجر إلى القتال بين قوات الحكومة السورية و”قسد”، في وقت تسعى السلطة السورية إلى بسط سيطرتها المركزية على كامل التراب السوري.

الأهم دعم موسكو جهود الحكومة السورية في مسعاها السيادي، وقد أكّده حرص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على توجيه عبارات الإشادة بنجاحات القيادة السورية في عملية إعادة بناء سورية الجديدة، وتوحيد أراضيها، ودعم مساعي الحكومة الرامية إلى بسط سيادة الدولة على كل مناطقها، الأمر الذي قابله الرئيس الشرع بالإشادة “بالدور الروسي الفعّال في المحافظة على الاستقرار في سورية”.

تاريخياً، كان الاتحاد السوفييتي السابق من أولى الدول التي اعترفت باستقلال سورية، وأقامت علاقات دبلوماسية معها في 1944، واحتلت العلاقات الثنائية صفحات بارزة وهامة من تاريخ سورية المعاصر، لذلك حاول بوتين التذكير بهذا الإرث التاريخي من أجل البناء عليه، ودعم مسعى القيادتين فتح آفاق جديدة. غير أن السؤال الذي تطرحه الزيارة يطاول آفاق تطوير العلاقات السورية الروسية ومستوياته، وممكنات طيّ الصفحة السوداء في تاريخ العلاقة بينهما، تلك التي شهدت دعم روسيا الواسع نظام الأسد البائد في حربه ضد الثورة السورية، وارتكابها فظائع بحق الشعب السوري.

لا يغادر الجواب عالم السياسة الدولية الذي تتحكم فيه المصالح، إذ يمكن القول إن آفاق تطوير العلاقات بين موسكو ودمشق يتعلق بمقدار تقاطعات المصالح المشتركة في مختلف المستويات، خصوصاً أن قائدي الدولتين اختارا إعادة بنائها وفق محددات وأسس جديدة، تنهض على البراغماتية السياسية، التي تأخذ في الاعتبار التوازن بين المصالح والواقعين الجيوسياسيين، الإقليمي والدولي، وتجد مسوغاتها عند القيادة السورية، فيما تفرضه ضرورات الواقع السوري والظروف الإقليمية والدولية، وما يمثله موقع روسيا ودورها على المستوى الدولي.

وفي ما يخص روسيا، لا تريد خسارة علاقتها التاريخية مع سورية، والمحافظة على وجودها العسكري فيها، المتمثل بقاعدة حميميم الجوية، وقاعدة ميناء طرطوس البحرية على الساحل السوري المطل على البحر الأبيض المتوسط. إضافة إلى ما تمليه مصالحها الاقتصادية والتجارية، وحساباتها الجيوسياسية في المنطقة.

ويشكل مصير الوجود العسكري الروسي في سورية إحدى أهم النقاط المطروحة للنقاش والتفاوض بين الطرفين. ولا شك في أن المباحثات بين الشرع وبوتين تناولته، خصوصاً أن حضور وزيري الدفاع في كلا البلدين المباحثات يشير إلى أهمية هذا الملف، حيث تقدّر بعض الأوساط بأن الطرف السوري يعمل على إطلاق مسار تفاوضي حول ترتيب جديد للوجود العسكري الروسي، قوامه وضع آلية جديدة في قاعدة حميميم تنهض على تعاون مشترك فيها، ويهدف إلى تأهيل الجيش السوري. إضافة إلى محافظة روسيا على حضورها في قاعدة طرطوس، من أجل تقديم تسهيلات لوجستية وإمدادات روسية إلى القارّة الأفريقية، إلى جانب مساهمتها في تقديم خدماتٍ لحركة السفن والأساطيل الروسية في البحر الأبيض المتوسط.

على الصعيد الاقتصادي، هناك تقاطعات مصالح كثيرة فيه بين البلدين، خصوصاً ما يتعلق بسورية التي تحتاج إلى مختلف أنواع الدعم من أجل تعافيها والشروع في عملية إعادة الإعمار، حيث تقدّم روسيا دعماً فورياً في مجالات حساسة، مثل تصدير مشتقات البترول والغاز المسال، وتصدير القمح، وإعادة تأهيل حقول النفط والغاز، واستغلال مناجم الفوسفات عبر ميناء طرطوس. ويمكن لروسيا أن تلعب دوراً في مرحلة إعادة الإعمار في سورية، حيث تتحضر شركات روسية كبرى مثل غازبروم إلى روسنفت للاستفادة من هذه المرحلة، والحصول على عقود وامتيازات في قطاع البترول والغاز، وتأهيل قطاع الطاقة.

على المستوى الأمني، ثمة نقطة أخرى، تتعلق باستمرار المفاوضات غير المباشرة بين سورية وإسرائيل، الرامية إلى التوصل إلى تفاهمات أمنية في الجنوب السوري، حيث ترغب القيادة السورية في أن تلعب روسيا دوراً في هذا الملف، من خلال إعادة تسيير دوريات عسكرية في مناطق الجنوب السوري، بغية كبح جماح التوغلات الإسرائيلية. وقد سبق أن جرى التطرق إليه في الزيارة السابقة للرئيس الشرع إلى موسكو، لكن حكومة بنيامين نتنياهو غير راغبة في إتاحة المجال لتنشيط دور روسي في هذه المنطقة.

الحاصل، يمكن اعتبار زيارة الرئيس أحمد الشرع الثانية موسكو بمثابة خطوة مهمة لإعادة تأسيس علاقة جديدة بين سورية وروسيا، أساسها البراغماتية المبنية على المصالح المشتركة، وتحكمها حاجة البلدين إلى فتح آفاق جديدة، لكن نجاحها يعتمد على قدرة السلطة السورية في الحفاظ على توازن دقيق بين العلاقة مع روسيا والانفتاح على الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة التي يبدو أنها لا تمانع تطوير العلاقات السورية الروسية. والأهم نجاح هذه السلطة في تحقيق الاستقلال النسبي في وقت تتغير فيه موازين القوى الإقليمية والعالمية بسرعة كبيرة.

العربي الجديد

—————————————

 دلالات الانسحاب الرّوسيّ من شرق سوريا/ منهل باريش*

2026-01-29

في الوقت الذي كان الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في العاصمة الروسية موسكو في زيارة هي الثانية له خلال عام واحد، كان الجيش الروسي يستكمل انسحابه من مطار القامشلي. هل يشكّل هذا الانسحاب خطوة تقنيّة أم تحوّلاً سياسيّاً عميقاً في مقاربة موسكو للملفّ السوريّ؟ وماذا يعني تزامنه مع التوجّه الأميركيّ إلى الانسحاب من شرق الفرات؟ هل نحن أمام فراغ قوى كبرى أم إعادة توزيع للنفوذ؟

استجابةً لطلب الرئيس السوريّ أحمد الشرع، وافق الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين على سحب القوّات الروسيّة من مطار القامشلي المدنيّ، حيث باشرت الوحدات الروسيّة تفكيك الثكنات والتحصينات المحيطة بالمطار في الجهة الجنوبيّة من المدينة، بالتوازي مع تقليص انتشارها الميدانيّ، ليقتصر الوجود الروسيّ في هذه المرحلة على مرافق محدّدة داخل المطار، وهو ما يعكس تنسيقاً دبلوماسيّاً عالي المستوى بين دمشق وموسكو.

من المرجّح أن يكتمل هذا الانسحاب عقب إعلان اتّفاقات عسكريّة جديدة بين دمشق وموسكو تهدف إلى دعم الحكومة السوريّة في إعادة بناء الجيش السوريّ، وتشمل تزويده بقطع تبديل للمجنزرات والمدرّعات، إلى جانب برامج دعم لوجستيّ وتقنيّ.

استجابةً لطلب الرئيس السوريّ أحمد الشرع، وافق الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين على سحب القوّات الروسيّة من مطار القامشلي المدنيّ

سحب الذّرائع التّركيّة؟

في هذا الإطار، يُتوقّع أن يتوصّل الرئيسان إلى تفاهم يفضي إلى خفض عدد القوّات الروسيّة في قاعدة حميميم الجوّيّة، مع الإبقاء على الوجود الجوّيّ الروسيّ فيها، وإتاحة تشغيل المطار جزئيّاً لأغراض مدنيّة وتجاريّة. وبذلك يسعى الرئيس الشرع للحفاظ على حاجة موسكو إلى قاعدة حميميم بوصفها نقطة إمداد لوجستيّ أساسيّة للقوّات شبه الحكوميّة الروسيّة العاملة في عدد من الدول الإفريقيّة، ضمن معادلة تضمن تقليص الوجود العسكريّ الروسيّ داخل سوريا، مع الاحتفاظ بالدور الاستراتيجيّ للقاعدة.

يُجسّد الانسحاب الروسيّ من مطار القامشلي تحوّلاً استراتيجيّاً واضحاً في مقاربة موسكو للملفّ السوريّ، ولا يمكن التعامل معه بوصفه إجراءً عسكريّاً تقنيّاً أو إعادة انتشار محدودة. بل يأتي هذا القرار ضمن سياق إقليميّ ودوليّ أوسع يتقاطع مع توجّه الولايات المتّحدة نحو الانسحاب الكامل من الأراضي السوريّة، ومع إسناد مسؤولية إدارة ملفّ مكافحة تنظيم داعش ميدانيّاً إلى الحكومة السوريّة الشرعيّة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع. وفي ظلّ هذا المتغيّر، تتّجه دمشق إلى تقليص الوجود الأجنبيّ على أراضيها، حيث لم تعد موسكو ترى ضرورة للاحتفاظ بتموضع عسكريّ مباشر في القامشلي، مفضّلة إعادة ترتيب حضورها بما ينسجم مع المرحلة السياسيّة الجديدة.

من شأن انسحاب واشنطن وموسكو من شرق الفرات، إلى جانب التوصّل إلى اتّفاق بين الرئيس الشرع وقائد قوّات سوريا الديمقراطيّة مظلوم عبدي، أن يقلّلا تبريرات استمرار الوجود العسكريّ التركيّ. وفي المقابل، يُرجَّح أن يؤدّي هذا التحوّل إلى تصاعد المخاوف الإسرائيليّة ودفع حكومة بنيامين نتنياهو نحو مزيد من التشدّد تجاه دمشق، وهو ما قد يفتح المجال أمام مطالب سوريّة لتخفيف الوجود التركيّ، ولا سيما في محافظتَي الحسكة والرقّة.

يجسّد الانسحاب الروسيّ من مطار القامشلي تحوّلاً استراتيجيّاً واضحاً في مقاربة موسكو للملفّ السوريّ، ولا يمكن التعامل معه بوصفه إجراءً عسكريّاً تقنيّاً أو إعادة انتشار محدودة

تاريخيّاً، تعزّز الوجود الروسيّ في شرق سوريا عقب عمليّة “نبع السلام” عام 2019 بوصفه أداة ضغط سياسيّة وعسكريّة موجّهة نحو كلٍّ من الولايات المتّحدة وتركيا، ولا سيما خلال الولاية الأولى للرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. وفي تلك المرحلة، لجأت قوات سوريا الديمقراطيّة إلى إدخال حكومة النظام إلى بعض مناطق الشمال الشرقيّ عبر ترتيبات تنسيقيّة محدودة، وهو ما أتاح عودة جزئيّة لمؤسّساتها الأمنيّة. وعلى هذا الأساس، انتقلت القوّات الروسيّة إلى القامشلي بهدف ضبط توازنات ما بعد العمليّة، وإدارة التداخل بين الفاعلين المحليّين والدوليّين، إضافة إلى ممارسة ضغط مباشر على قوّات التحالف الدوليّ والوجود الأميركيّ في المنطقة. غير أنّ هذه الوظيفة فقدت جزءاً كبيراً من أهميّتها مع تغيّر البيئة السياسيّة والميدانيّة.

إعادة تعريف الدّور الروسي

الانسحاب فعليّاً في 26 كانون الثاني 2026، وشمل سحب القوّات والمعدّات الثقيلة، بما في ذلك طائرات مقاتلة ومروحيّات وأنظمة رادار، جرى نقلها عبر طائرات شحن من طراز “إليوشن-76″، بالتوازي مع تفكيك البنية العسكريّة داخل المطار. يشير هذا النمط المنظّم من الإخلاء إلى انسحاب شبه كامل من قاعدة شكّلت نقطة ارتكاز روسيّة لما يقارب ستة أعوام، ويتمّ ذلك بالتنسيق مع الحكومة السوريّة الانتقاليّة.

تتجاوز دلالات هذا الانسحاب البعد الجغرافيّ، إذ تعكس استعداد موسكو للتخلّي عن مواقع تماسّ عالية الحساسيّة مقابل تثبيت مصالحها الاستراتيجيّة الأهمّ في الساحل السوريّ، لا سيما في قاعدتَي حميميم وطرطوس. ففي حين ستحافظ روسيا على جزء من مطار حميميم ليكون قاعدة لوجستيّة نشطة باتّجاه إفريقيا، إلى جانب القاعدة البحريّة في طرطوس، جرى نقل بعض القوّات والمعدّات إلى تلك المواقع، دون التخلّي الكامل عن نفوذها في شرق المتوسّط.

لا يشير الانسحاب الروسيّ من مطار القامشلي إلى تراجع عن الدور الروسيّ في سوريا، بقدر ما يعكس إعادة تعريف مدروسة لهذا الدور تقوم على تقليص الحضور العسكريّ المباشر والانتقال إلى إدارة النفوذ عن بُعد، والتحوُّل من فرض التوازن بالقوّة إلى توظيف الأدوات السياسيّة والدبلوماسيّة، بما ينسجم مع التحوّلات الجارية في المشهدين السوريّ والإقليميّ.

* كاتب سوريّ.

 أساس ميديا

—————————–

 الشرع والطريق المبارك إلى الكرملين/ عمر قدور

السبت 2026/01/31

الطريق إلى الكرملين مبارك، ليس بالمعنى الذي قاله الشرع متوجِّهاً به إلى بوتين؛ المعنى الذي استنكره كثير من السوريين، بمن فيهم متحمّسون للسلطة أو للشرع شخصياً. والطريق إلى الكرملين هو طريق الضرورة، أو هو إجباري، وأيضاً ليس فقط على النحو الظاهر الذي يشير إلى كون روسيا عضواً في مجلس الأمن، وللقوات الروسية حضور في سوريا بموجب معاهدات أبرمها الأسد الأب ثم الابن، وصولاً إلى الالتزامات المالية المتعلقة بديون روسية.

المطالبة بتسليم بشار الأسد المقيم في موسكو هي خارج المباحثات في الكرملين، وقد لا تكون طُرحت ثم استُبعِدتْ حتى في أثناء ترتيبات زيارة الشرع إلى موسكو، سواء زيارته يوم الأربعاء الفائت أو تلك التي حدثت في شهر تشرين الأول/أكتوبر. أما إشارة الشرع إلى ثلاثة عشر لقاءً روسياً-سورياً، بعد تسلّمه السلطة، فهي كافية للتأكيد على أن الدور الروسي في إنقاذ بشار الأسد من السقوط صار من الماضي، ولا حاجة لتصريحات أخيرة لوزير الخارجية لافروف تتضمن هذه المعاني على نحو شبه صريح.

طريق الشرع إلى الكرملين مباركٌ غربياً، بخلاف ما يتصور سوريين كثر، ومنهم أولئك الذين راحوا يشيدون بنهج السلطة الجديدة في إقامة توازنات بعلاقاتها بين الغرب وروسيا. جدير بالذكر أن الغرب، وفي مقدمه الولايات المتحدة، لم يكن لديه اعتراض على تولّي موسكو الملفات التي لا يريد الغرب التورط فيها مباشرة. التدخل الروسي لإنقاذ الأسد أتى بتواطؤ أميركي، بل ظهر التواطؤ علناً مع الاشتباك الذي حدث آنذاك بين أنقرة وموسكو، قبل رضوخ الأولى لقواعد اللعبة.

ومن المتوقع أن ملف التسليح في مقدمة الملفات التي يريد الغرب النأي عنها حالياً، والملاحظ أنه لم يُطرح علناً، وبقي بعيداً عن النقاش السوري أكثر من أي ملف آخر. فالغرب لا يريد التماس مع ملف شائك في العديد من جوانبه، لأنه لا يريد تسليح جيش فيه آلاف المقاتلين الأجانب، ولا يُستبعد أن العديد منهم على لوائح الإرهاب هنا أو هناك. وإذا كان وجود هؤلاء المقاتلين في مكان مكشوف، وتحت الضبط، يهدّئ المخاوف منهم فأمر تسليحهم مختلف، تحديداً في بلدان لن تنجو فيها الحكومات من الضجة التي ستثيرها المعارضة ووسائل الإعلام فيما لو قررت تسليح “الجيش العربي السوري”.

وبالطبع ثمة العامل الإسرائيلي، وهو ماثل تقليدياً. يُذكر أن الحكومات السورية في عهد الاستقلال اضطرت إلى الاتجاه شرقاً من أجل تسليح الجيش آنذاك. أي أن عقد صفقات تسليح مع بلدان الكتلة الشرقية حينها لم يكن خياراً من بين عدة خيارات، وكانت هناك مفاوضات مع دول غربية فشلت لأن تلك الدول لا تريد توريد أسلحة إلى بلد في حالة عداء مع إسرائيل، والتورّط تالياً في شروط الأخيرة وما تقبل به أو ترفضه، أو تستخدم القوة العسكرية ضده. والحديث عن التسليح لا يقتصر طبعاً على معدات تُشحن من بلد إلى آخر، فالاتفاقيات تتضمن عقود الصيانة والتدريب… فلا تتوقف المسؤولية المادية والمعنوية للمورّدين عند إبرام الصفقة وتسليم السلاح.

تحييد العامل الإسرائيلي، ضمن مواصفات تسليح لا تعترض عليها تل أبيب، لا يكفي لتتدفق الإمدادات من الغرب. هذه الصيغة تتضمن أن التسليح لن يكون لأغراض هجومية أو دفاعية خارجية، وأن القوات المستفيدة منه ستكون مجهّزة لمواجه الداخل أولاً وأخيراً، وهو ما يتحاشاه معظم البلدان الغربية التي لا تضمن ألا تسلك القوات سبيلاً محرجاً لها، الآن أو مستقبلاً.

لا حاجة للقول إن ما تأخذه الحكومات الغربية بالحسبان لا يكنّ له بوتين أدنى اعتبار، ما يجعله مرشّحاً للقيام بالدور المطلوب. أبعد من بوتين، يكاد يكون هذا النهج من ثوابت السياسة الروسية، تغذّيه تجارة السلاح الذي يعتمد جزء ملحوظ منها على إمداد أنظمة خارج دائرة الإمداد الغربية. وهذا بالتأكيد لا يبرئ الغرب من دعم أنظمة استبداد في بقاع أخرى من العالم، أو حتى بلدان الشرق الأوسط الخارجة عن الحسابات الإسرائيلية.

استقرار النهج الروسي لا يتوقف عند الجانب التسليحي، إذ لطالما تباهت موسكو بوفائها لحلفائها، بما في ذلك مساندتها بشار الأسد حتى اللحظة ما قبل الأخيرة. وثبات النهج مردّه بقاء السلطة الحاكمة نفسها كما يمثّله بقاء زعامة بوتين، في حين أن العلاقة الطيبة مع ترامب لا تغني عن التفكير فيما بعد ترامب، بما أنه سيغادر البيت الأبيض بموجب تقاليد الديموقراطية الأميركية، ولا ضمانة في أنّ خلفه سيستمر على السياسات ذاتها.

فيما يخص العلاقة بين روسيا وسوريا، لا شكّ في أن العديد من الاتفاقيات التي ربطت البلدين لها مفعول لم ينتهِ مع سقوط الأسد. فعلى الصعيد الاقتصادي لا تزال الحاجة إلى العلاقة مع روسيا مستمرة، وثمة مجالات واضحة مثل الحصول على القمح والنفط الروسيين. لكن هناك أيضاً مجالات مستقبلية قد يكون لموسكو حضور ملحوظ فيها، تحديداً إعادة الإعمار إذا استمر الوضع على ما هو، أي إذا استمر هذا الملف خارج اهتمام الغرب ورعايته.

والمستغرب أن استنكاف الغرب عن ملف إعادة الإعمار لا يلفت الانتباه، فرغم الدعم الخارجي الظاهر للسلطة الجديدة لم تكن هناك مبادرة لعقد مؤتمر مانحين خاص بإعادة إعمار سوريا. عاجلاً أم آجلاً ستظهر الفجوة الواسعة بين ما يُظهره الغرب على الصعيد الدبلوماسي وبين ما يقدّمه على الصعيد الاقتصادي، وبمجرد انحسار مؤشرات التفاؤل المتصلة بالانفتاح الدبلوماسي ستظهر الحاجة إلى بدائل اقتصادية تكون موسكو من ضمن خياراتها التقليدية.

قد يبدو غريباً القول إن دمشق، مع السلطة الجديدة، ليست أقرب إلى واشنطن من موسكو. ففيما تحت السطح ووراء المظاهر، لا تستطيع السلطة أن تكون على النموذج الغربي الذي يرضي الحزبين التقليديين المتنافسين على السلطة؛ لا تستطيع الاقتراب من مستوى الحريات والديموقراطية الموجود في الولايات المتحدة وغيرها من بلدان الغرب، رغم كل ما يُشاع عن تراجع منسوب الديموقراطية لصالح الموجة الشعبوية. يُضاف إلى ذلك أن سوريا ليست بالبلد الثري، كي تُغَضّ الأبصار عن عيوب نظامه السياسي كُرمى لمكاسب تُجنى من العلاقة الوطيدة معه.

بخلاف ما تبدو زيارة الشرع، بوصفها زيارة الضرورة في مواجهة منتقديها على خلفية المجازر التي ارتكبها الطيران الروسي في سوريا، فالضرورة تحكم حقاً، والظاهر منها عموميٌّ، أما ما هو أقل عمومية فلعله الأبلغ تأثيراً. قد لا يكون محبّباً صعودُ درج الكرملين، أو الذهاب إليه بطريق مغطّى بالثلوج، إلا أنه أضمن وأبقى من رشة عطر ترامب.

المدن

—————————–

 الشرع في موسكو.. زيارة دافئة في أجواء باردة/ ناصر زيدان

الجمعة 2026/01/30

تعود موسكو إلى الشرق الأوسط من البوابات الواسعة، بعد أن انكفأت نسبياً طيلة العام المُنصرم. ورغبتها في الإبقاء على صداقاتها القديمة تجددت خلال الأيام الماضية، وهي استقبلت الرئيس الفلسطيني محمود عباس، والرئيس السوري أحمد الشرع، ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة محمد بن زايد، بينما دبلوماسيتها تلعب دوراً واضحاً في تخفيف حدة الاحتقان القائمة، وتتوسط بين ايران وإسرائيل للحؤول دون وقوع الانفجار العسكري الكبير، وهي تستثمر علاقاتها غير المتوترة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهذه الغاية.

زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع الى روسيا في 28 يناير/كانون الثاني الجاري؛ كانت حدثاً استثنائياً بكل المقاييس، لأنها جاءت بعد تطورات أمنية وسياسية كبيرة حصلت على الساحة السورية، وكونها الثانية للشرع خلال أقل من 4 أشهر.

الرئيس فلاديمير بوتين استقبل الشرع ومعه وزير الخارجية أسعد الشيباني، ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة، في الكرملين، وهو محاط بوزير الخارجية سيرغي لافروف، ووزير الدفاع أندريه بيلاوسوف، ووزير المالية أنطون سيلواتوف، ورئيس إدارة الأركان الأميرال إيغور كوستيوكوف. وتقصَّد بوتين الحديث أمام الصحافيين، عن دعمه لخطوات الحكومة السورية الأخيرة باتجاه تعزيز وحدة البلاد، وقد أشاد بأداء الشرع الذي دفع التعاون الى منسوب مرتفع بين موسكو ودمشق، قائلاً: “لولا تعاون الرئيس الشرع لما تمكنّا من تحقيق مثل هذا التقدُّم”، وفي هذا الموقف إشارة واضحة على ارتياحه لسير العلاقات بين البلدين.

في المُعطيات المتوافرة من أكثر من مصدر متابع لما جرى؛ تأكيد على أهمية الزيارة، وما سبقها، كما ما نتج عنها. ومن بين هذه المعطيات، أن روسيا ساعدت الحكومة السورية على النجاح في الخطوات التي اتخذتها شمال شرق البلاد، وهي سحبت قواتها من محيط مطار القامشلي بطلب من سوريا، ولم تُقدِّم أية مساعدة للمناهضين للقوات الحكومية، كما أنها شجَّعت اصدقائها من الأكراد على الولوج في مسيرة الحوار والتفاهم مع دمشق، ويبدو أن الأميركيين كانوا على معرفة بهذه الخطوات، أو أنها مُنسَّقة معهم (كما أفاد هؤلاء المتابعون).

وفي المعلومات التي تسرَّبت عن نتائج اللقاءات التي حصلت في موسكو؛ أن القيادة الروسية أبدت الاستعداد للمساعدة في حلّ بعض المعضلات التي تؤرِق دمشق في الجنوب السوري، سواءً منها الناتجة عن تمادي العدوان الإسرائيلي على الأراضي المجاورة في الجولان وفي القنيطرة، أو فيما يتعلَّق بأزمة محافظة السويداء، حيث يطالب بعض الناشطين من الموحدين الدروز بالانفصال وإقامة كيان خاص مستقل عن الحكومة المركزية. ولروسيا خطوط مفتوحة مع الحكومة الإسرائيلية، كما لها صداقات قديمة مع الدروز، وهي وقفت الى جانبهم في أكثر من محنة أيام حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد، لا سيما عندما اختطفت داعش 250 منهم في آب/أغسطس 2018، ولاحقاً منعت جيش الأسد والميليشيات الايرانية من مهاجمتهم في العام 2023.

في الأجواء الباردة، تبعث موسكو الحرارة الدافئة في أكثر من مسار عربي وشرق أوسطي، وهي كانت صاحبة تأثير دائم على ملفات المنطقة، سواءً من خلال مؤسسات هيئة الأمم المتحدة، ولاسيما مجلس الأمن، أو من خلال صداقاتها مع غالبية الدول العربية والمحيط، ولها حضور عسكري على الساحة السورية، وهي كانت وما زالت صديقة للفلسطينيين، وتتعاون مع الدول النفطية بوتيرة متقدمة في سياق منظمة الدول المُصدِّرة للنفط “أوبك بلاس”. وانطلاقاً من هذه المُقومات، يمكن لموسكو أن تلعب دوراً فاعلاً لتسوية النزاعات القائمة، بالتعاون مع القوى الفاعلة، خصوصاً لكونها على علاقة مقبولة مع واشنطن خلال هذه الفترة.

ملفات زيارة الرئيس الشرع الى موسكو؛ تضمنت بحثاً متقدماً حول مستقبل الاتفاقيات الموقعة بين روسيا وسوريا، لا سيما منها اتفاقية إقامة قاعدة عسكرية جوية في مطار حميميم في اللاذقية، واتفاقية إقامة قاعد بحرية في ميناء طرطوس، ولا يوجد أي خلاف حول استمرار القاعدتين، بينما التفاهمات التي تشمل تحديث وصيانة سلاح الجيش السوري ومسألة الديون السيادية الروسية؛ تحتاج الى حوار ونقاش وتسويات، وتحقيق العدالة الانتقالية في هذا السياق، يتطلب جرأة متقدمة من الفريقين، لأن طرح مسألة الديون الروسية يقابلها طرح موضوع الأضرار التي حصلت أثناء حرب شاركت فيها روسيا، لكن كل ذلك لا يُفسِد في الودّ قضية، والجهتان حريصتان على تعزيز تعاون مستقبلي يتجاوزان فيه حساسيات المرحلة التي سبقت سقوط الأسد، انطلاقاً من قناعة راسخة لديهما، بأن مصلحة الدولة العليا أهم من التفاصيل الصغيرة، ولا سيما منها التي تتعلَّق بالمجموعات والأفراد.

روسيا أكدت للشرع أنها مع وحدة سوريا، وهي لن تُقدِم على أي عمل يؤثر على هذه الوحدة، أو يسبِّب زعزعة للاستقرار. والإدارة السورية الجديدة أبدت مرونة كبيرة واستعداداً للتعاون مع موسكو، وهي تعرف أن لديها مصالح اقتصادية وأمنية وعسكرية ونفطية كبيرة معها.

المدن

—————————–

هل يمهد الكونغرس لإجبار دمشق على إغلاق القواعد الروسية؟/ محمد المنشاوي

واشنطن- مع اهتمام إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بلعب دور الوساطة بين الحكومة السورية والأقلية الكردية لبسط سلطة الدولة السورية على كامل أراضيها، تُذكّر بعض الدوائر ترمب بملف علاقات دمشق مع موسكو، وتثير شكوكا تجاهها، بل وتدعوه لإعادة فرض العقوبات على سوريا لإبعادها عن تطبيع علاقاتها مع روسيا.

وتعمل الحكومة السورية على إحداث توازن في علاقاتها بين موسكو وواشنطن، خاصة أن لها مصالح مع كل منهما، وتطمح للتعاون الاقتصادي والعسكري مع روسيا.

ومع تراجع نفوذ موسكو في سوريا بشدة مقارنة بما كان عليه إبان حكم نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، تحتفظ روسيا بقاعدتين عسكريتين في طرطوس وحميميم، في حين سحبت قواتها من مدينة القامشلي بشمال شرقي البلاد.

الزيارة وتبعاتها

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد ذكر أنه سيفي بالصفقات السابقة التي أبرمت مع روسيا، والتي تؤكد أن قواعدها آمنة. ودفعت زيارته الثانية خلال 4 أشهر إلى موسكو، النائب الجمهوري من ولاية كارولينا الجنوبية، جو ويلسون، لتنظيم جلسة استماع يوم 3 فبراير/شباط المقبل لمناقشة إزالة القواعد الروسية من سوريا، في خطوة بدت وكأنها محاولة لضبط إيقاع التفاهمات السورية الروسية.

وفي إعلانه عقد الجلسة، غرّد ويلسون قائلا “إنني ممتن لترؤس هذه الجلسة حول إزالة قواعد موسكو من دمشق، لقد أظهرت الحكومة السورية الجديدة الكثير من التعاون، وكانت شريكا رائعا للرئيس ترمب، فإزاحة روسيا ستؤمّن المنطقة وتعيق قدرتها على استمرار نشر الفوضى في أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط”.

وقال رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة سميث بولاية ماساتشوستس الأمريكية ستيفن هايدمان “ليس من صلاحيات الكونغرس بحث إزالة القواعد الروسية. اللجنة التي يرأسها جو ويلسون تعقد جلسة استماع حول هذا الموضوع، لكن لا توجد وسيلة عملية أمامه كهيئة تشريعية للنظر فيما يتعلق بمستقبل هذه القواعد في سوريا”.

إعلان

ولم يدعُ النائب ويلسون إلى عقد جلسة الاستماع أمام اللجنة الفرعية للشرق الأوسط التابعة للجنة العلاقات الخارجية كما جرت العادة في تناول الشأن السوري، بل ستعقد ضمن أعمال “لجنة هلسنكي- لجنة الأمن والتعاون في أوروبا”، وهي خاصة معنية بالشؤون الأوروبية، وذلك بالرغم من عضويته في اللجنة الفرعية للشرق الأوسط.

وستتناول إرث دعم روسيا لنظام الأسد وإمكانية طردها من سوريا، وسيناقش الشهود أيضا قدرة موسكو على مقاومة محاولات تقليص نفوذها في المنطقة.

واختارت اللجنة 3 خبراء للإدلاء بشهادتهم، اثنان منهما لهما مواقف معروفة مسبقا، الشاهدة آنا بورشيفسكايا، الخبيرة بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وهو المعهد المعروف بقربه من منظمة أيباك، ويتبنى مواقف موالية لإسرائيل. وخلال كتاباتها، تركز بورشيفسكايا على معاداة الجانب الروسي سواء في موضوع أوكرانيا أو ملفات الشرق الأوسط.

وكتبت على موقع معهد واشنطن تقول “الفشل في مواجهة استمرار العلاقات الروسية في سوريا سيكلف أمريكا مصداقيتها لدى الحلفاء والشركاء في أوروبا والشرق الأوسط، كما أن الانسحاب سيمنح موسكو موارد إضافية لمواصلة حربها على أوكرانيا، وتمديد جهودها العالمية لتقليل النفوذ الأمريكي لصالح عالم متعدد الأقطاب”.

نفوذ موسكو

في حين ينتمي الشاهد الثاني الخبير مايكل دوران، إلى معهد هدسون المحافظ. وسبق له العمل في مجلس الأمن القومي، ويدعم مواقف شديدة التأييد لإسرائيل. في حين يتبنى الشاهد الثالث، ريتشارد أوتزن، الخبير بالمجلس الأطلسي، والعقيد السابق بالجيش الأمريكي، موقفا متوازنا من التطورات في سوريا، إذ عمل بين عامي 2016 و2021 كمستشار عسكري في مكتب تخطيط السياسات، ولاحقا في مكتب الممثل الخاص لسوريا.

وأحد أسباب استمرار العلاقات بين موسكو ودمشق هو أن الأخيرة “تواجه صعوبة في التخلص من المساعدات الروسية، مثل طباعة العملة السورية وتوفير الإمدادات العسكرية، حيث إن معظم عتاد الجيش السوري ما زال روسيًّا، ولا يوجد حاليا مصدر بديل لأي من هذين الاحتياجين، كما تتفاعل موسكو مع سوريا اقتصاديا من خلال توفير النفط والقمح”.

وقال هايدمان، الخبير غير المقيم بمركز سياسات الشرق الأوسط في معهد بروكينغز، للجزيرة نت “يرى أعضاء بالكونغرس أن احتمال استمرار الوجود الروسي في سوريا، وتطبيع العلاقات بين البلدين يشكل تهديدا قد يضعف النفوذ الأمريكي في دمشق ويضعف العلاقات الأمريكية السورية”.

وأضاف هايدمان أن هؤلاء الأعضاء يرون أن التقارب السوري الروسي هو “صفعة في وجه واشنطن”، نظرا لمدى الدعم الذي أظهرته للحكومة السورية والرئيس أحمد الشرع، وعملية الانتقال في سوريا. كما يعربون عن قلقهم من أنه إذا اكتسبت روسيا نفوذا في دمشق، فإنها ستدفع الحكومة السورية إلى تطبيع علاقاتها مع إيران.

وعلى موقع معهد واشنطن، ذكرت آنا بورشيفسكايا أنه “من خلال إغراء دمشق باتفاقيات دون شروط، تحاول موسكو مرة أخرى استخدام سوريا كعصا إستراتيجية طويلة الأمد ضد المصالح الأمريكية، مما يجعل من الضروري أن تستفيد الحكومات الغربية من نفوذها الاقتصادي الحالي بشكل أكبر”.

إعلان

وأضافت “سقوط الدكتاتور المدعوم من موسكو بشار الأسد، أطلق فرصة لا تحدث مرة واحدة في الجيل لإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط لصالح أمريكا”.

تقارب

وفي الوقت ذاته، تضغط بعض الأصوات على إدارة ترمب لتتبنى موقفا مغايرا من قضية الوجود الروسي في سوريا. ودعا العديد من الخبراء في مراكز الأبحاث المعروفة بقربها من اللوبي الإسرائيلي في واشنطن، الإدارة إلى التشدد مع دمشق بسبب علاقاتها مع موسكو.

وطالب الباحث أحمد شعراوي من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ترمب بعدم التردد في معاقبة الدول بسبب علاقاتها الاقتصادية مع موسكو. وأشار، في مساهمة له على موقع المؤسسة، إلى إمكانية “أن يتحرك الكونغرس لإعادة فرض العقوبات إذا حصلت سوريا على منظومات تسليح من روسيا”، لافتا إلى أنه من شأن ذلك “الوقوع تحت طائلة قانون مكافحة أعداء أمريكا الخاص بفرض عقوبات”.

وبعد الإطاحة بنظام بشار الأسد، اختار الطرفان، الروسي والسوري البراغماتية. وبالرغم من منح الكرملين اللجوء للأسد، اعترف بسرعة بالحكومة السورية الجديدة، التي عبّرت عن التزامها بالاتفاقيات المسبقة بما فيها ما يتعلق بالوجود العسكري الروسي في القاعدتين العسكريتين، طرطوس وحميميم.

من ناحية أخرى، ومع إعادة العلاقات بين دمشق وواشنطن، والتي توّجتها 3 لقاءات جمعت رئيسي الدولتين، من بينها زيارة تاريخية قام بها الشرع للقاء ترمب في البيت الأبيض في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ولم تتضمن شروط واشنطن لرفع العقوبات عن سوريا طرد روسيا من القواعد العسكرية.

وأشار الخبير هايدمان إلى أنه “من المبكر جدا الاستنتاج أن واشنطن ستشترط دعمها لدمشق بإغلاق القواعد الروسية المتبقية. فمن ناحية، يقع مثل هذا القرار في البيت الأبيض، ولم نر أي مؤشر على دعمه لفرض مثل هذا الشرط”.

وتابع “بدلا من ذلك، لم يعبّر البيت الأبيض علنا عن قلقه بشأن تطبيع العلاقات السورية الروسية، ونظرت إدارة ترمب بتفهم إلى حد ما لتحركات الشرع وتوازناته الدبلوماسية وجهوده لبناء علاقات أوثق مع تركيا والدول العربية، ودول الاتحاد الأوروبي، ومع روسيا والصين”.

المصدر: الجزيرة

————————-

مركز روسي: هل تراهن موسكو على دمشق الجديدة؟

عكست زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع لروسيا ولقاؤه الرئيس فلاديمير بوتين في الكرملين مؤخرا ملامح مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، وفقا لما أورده المركز الروسي الإستراتيجي للثقافات.

وتابع المركز في تقرير أن مشاركة وفد روسي رفيع المستوى في المباحثات، ضم مسؤولين سياسيين وعسكريين واقتصاديين، تعكس الأهمية التي توليها موسكو للملف السوري في هذه المرحلة الحساسة.

وخلال اللقاء هنأ بوتين نظيره السوري على التقدم المحقق في استعادة وحدة الأراضي السورية، ولا سيما إعادة دمج منطقة شرق الفرات بوسائل سلمية، وفقا للمركز.

من جانبه، أكد الشرع أن بلاده تجاوزت مرحلة العقوبات، مشيرا إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في استكمال توحيد الأراضي، وهو مسار بدأ العمل عليه منذ العام الماضي، معولا على الدور الروسي في دعم الاستقرار داخل سوريا وعلى مستوى المنطقة.

وتعد هذه الزيارة الثانية للشرع إلى موسكو منذ توليه الرئاسة، بعد زيارة أولى في أكتوبر/تشرين الأول 2025، مما يشير إلى تحسن نسبي في العلاقات عقب فترة من التوتر أعقبت الإطاحة بنظام بشار الأسد نهاية عام 2024، بحسب التقرير الروسي.

وأضاف أنه برغم التغيير السياسي في دمشق، حافظت روسيا على وجودها العسكري في قاعدتي طرطوس وحميميم، وإن كان نشاطهما قد تأثر مؤقتا، في ظل حرص متبادل على استمرار التعاون الإستراتيجي.

وتناولت المباحثات، وفق الكرملين، ملفات التعاون الاقتصادي والوجود العسكري الروسي، إضافة إلى تنفيذ مشاريع اقتصادية مؤجلة ومعالجة مسألة الديون المتراكمة منذ المرحلة السابقة، والتي تتجاوز في بعض تقديراتها 100 مليون دولار، خاصة في ما يتعلق بتوريدات القمح، يشرح المركز.

وتعاني سوريا عجزا حادا في هذا المجال، إذ تحتاج إلى استيراد أكثر من 2.5 مليون طن سنويا، في وقت تحاول فيه تنويع مصادرها بعيدا عن الاعتماد الكامل على موسكو، يوضح التقرير.

إعلان

وقال المركز الروسي الإستراتيجي للثقافات إن الحكومة السورية الجديدة تسعى إلى اتباع سياسة متعددة المسارات، مستفيدة من تسهيلات دبلوماسية أمريكية وتركية ساهمت في إعادة دمج مناطق كانت خاضعة لسيطرة الأكراد.

وبرغم التحديات الأمنية والاقتصادية، تؤكد موسكو -بحسب التقرير- استعدادها للمشاركة في إعادة الإعمار، لا سيما في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، في وقت أعلنت فيه دول أخرى، بينها الولايات المتحدة وتركيا ودول عربية، استعدادها للاستثمار في مشاريع حيوية داخل سوريا.

وأكد أنه بالنسبة لروسيا، يبقى الانخراط مع دمشق أداة للحفاظ على نفوذها في شرق أوسط مضطرب، وتأكيد صورتها كشريك يمكن الاعتماد عليه، رغم الضغوط والعقوبات الغربية المستمرة.

المصدر: الصحافة الروسية

—————————–

تصريحات الشرع في موسكو تُشعل الجدل على شبكات التواصل: هل روسيا أرضٌ مباركة؟

اشتعلت موجة من الجدل على شبكات التواصل الاجتماعي في سوريا والعالم العربي بعد الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى روسيا، والتصريحات التي أدلى بها في الكرملين وتضمنت مديحاً لما أسماه «شجاعة الجيش الروسي»، حيث انقسم المعلقون بين من انتقد هذه الزيارة وهذه التصريحات، وبين من أشاد بها على اعتبار أنها جزء من العملية السياسية. وتصدر اسم «الشرع» قوائم الوسوم الأوسع انتشاراً والأكثر تداولاً على شبكات التواصل الاجتماعي خلال الزيارة السورية الرسمية لروسيا، كما استحوذ على كثير من التعليقات والجدل على الإنترنت، وهو الجدل الذي لم يقتصر على السوريين وإنما توسع إلى غيرهم من العرب.

وكتب الناشط الفلسطيني محمد حامد العيلة: «سعدتُ بزيارة الرئيس الشرع إلى روسيا ولقائه الرئيس بوتين، لما تمثّله هذه الزيارة من خطوة صائبة سياسياً، تُسهم في تخفيف الإرث الثقيل لسنوات القتال، وتخدم مصلحة سوريا، عبر توسيع مروحة علاقاتها الخارجية، ومنع حصر خياراتها ضمن دائرة الولايات المتحدة وحلفائها فقط.. في المقابل، ترتبط حركة حماس بعلاقة قديمة مع روسيا، وتزور قيادة الحركة موسكو بشكل دوري منذ سنوات، وهي علاقة قائمة على مصالح سياسية معتبرة لا يمكن الاستغناء عنها بالنسبة لنا، -حتى في مرحلة ما بعد زوال الاحتلال. ومع الأسف، كانت هذه العلاقة من العلاقات التي شابها تشويش متعمّد أو بجهل، وخصوصاً من بعض الإخوة السوريين».

وأضاف العيلة قائلاً: «ما زلتُ أذكر الزيارة الأخيرة للشهيد إسماعيل هنية مع وفد قيادي إلى موسكو عام 2022، وما رافقها آنذاك من تنظير أخلاقي، وتجريح، واتهامات طالت الحركة وقيادتها. ولا شك أن هذه الحملات، مما يضيق به الصدر، فنحن بشر. ومع ذلك، لم تتراجع الحركة عمّا رأته صواباً، لأن علاقاتها لم تُبنَ على الانطباعات، ولا على المصالح الذاتية الضيقة، بل على فهم عميق للعمل السياسي، ورؤية استراتيجية».

وخلص العيلة إلى القول: «زيارة الرئيس الشرع إلى موسكو تمثّل درساً جيداً لمن زاود على حركة حماس في خياراتها وعلاقاتها الخارجية، كما أنها فرصة أخلاقية وسياسية لمراجعة المواقف، وللاعتذار ـ لمن لديه بقية من إنصاف ـ للشهداء الذين ارتقوا إلى لقاء الله، وسهام بعض أبناء أمتهم غُرست في ظهورهم. وهي أيضاً فرصة لأن يُعذر بعضُنا بعضاً، وأن نُدرك أن العمل السياسي لا يُدار بالشعارات، بل بحسن تقدير الموازين».

وكتب أحد النشطاء على شبكة «إكس» منتقداً تصريحات الشرع التي أشاد فيها بالجيش الروسي: «هذا مثال عملي للذين نفخوا بالشرع كثيراً وأنّه محنك وداهية، مجرد أن يخرج عن النص المكتوب له سابقاً يدخل في مثل هذه الخبصات، وراقبوا كل تصريحاته الارتجالية تتأكدون من ذلك.. الشرع وعائلته لم تغبر قدمهم بالثورة ولم يخسر فرداً من عائلته ولم يُسجن واحد منهم وعاشوا بقمة الرفاهية لذا لن يشعر بشعور من فقد أهله في قصف طائرات بوتين لهم».

وعلق خليل نصر الله: «ما قاله رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع بحق شجاعة الجنود الروس وأرض روسيا المباركة، قد يقوله يوما للإيرانيين في طهران.. هم، إن سألتهم، سيقولون: سياسة. حسناً.. هي كذلك».

وقال الإعلامي السوري قتيبة ياسين: «بوتين مجرم حرب ولا أعتقد أني أبغضه أكثر مما يبغضه الرئيس الشرع، لكن للسياسة أحكامها. شخصياً عندما أضع مديراً أو أرتضيه فهو يضع خطة واستراتيجية ويمشي عليها لنرى نتائجها بعد سنوات فكيف إذا كان هذا المدير هو رئيس دولة.. أقف مع سياسة الرئيس التي ينتهجها منذ التحرير ويمكن اختصارها بكلمتين سوريا أولاً.. وفي سبيل هذا الأمر أدعمه بأن يضع يده مع من يراه مناسباً وفق رؤيته واستراتيجيته وهذا لا يلزمنا بأن نحب أو نكره الشخص الذي يصافحه، سوريا أولاً وأخيراً وبغير هذا لن تكون ولن نكون».

وكتب طارق الزهراني: «العميل أحمد الشرع يثني على شجاعة الجنود الروس الذين قتلوا أكثر من سبعة آلاف مدني من أبناء شعبه».

في المقابل كتب رامز المؤذن: «أحببت الشرع أم كرهته، توافقت معه أم اختلفت، كل هذا لا ينفي أنه محنك ذكي. كان هناك تعليق يصف الملاكم العالمي محمد علي كلاي رحمه الله يقول: (يرقص كالفراشة ويلسع كالنحلة)، والرئيس الشرع يحلق كعقاب وينقض كباشق. هذا ليس مدحاً أو تطبيلاً (كما يحلو للبعض أن يسميه) بل هذا توصيف للرجل، وعلى محبيه أن يدركوا أنه ربان شاطر ويطمئنوا، وعلى معارضيه أن يحذروا لسعاته».

وقالت ناتالي: «لو أن بوتين يعتبر أحمد الشرع مجرد صبي، ولو أراد أن يعامله بفوقية، لجلس الرئيس بوتين في المنتصف ولأجلس الشرع إلى جانبه كالطفل. ولكنه يعلم بأن أحمد الشرع رئيس حقيقي وليس طرطور كغيره، لذلك جلس مقابله، يعني رئيس لرئيس ورجل لرجل».

وقال عامر الحانوتي: «يتغنى أحمد الشرع بتاريخ الروس ويُضفي على أرضهم قداسة توحي بأنها مباركة كبركة بيت المقدس، متناسياً دماء شعبه متغاضياً عن براميل بوتين وجرائمه بحق المسلمين في سوريا وحتى خارج سوريا.. وأنا تذكرت الجماعة الذين صرعونا كذباً ليلاً ونهاراً كيف الفلسطيني قال عن سليماني (شهيد القدس)، وتذكرت انه هذا النظام السوري كم جعل من دماء السوريين رخيصة ودماء المسلمين أرخص».

وعلقت هالة أتاسي عن تصريحات الشرع أمام بوتين بالقول: «مداخلة غير موفقة أبداً.. عن أي شجاعة يتكلم أحمد الشرع وأية أرض مباركة.. جراح السوريين لم تندمل بعد».

وقال أبو نبيل: «من وجهي نظري لم يكن الرئيس الشرع موفقاً في هذه المقاربة وما كان بحاجتها وليست مطلوبة منه أصلاً، متى كانت موسكو أرضاً مباركة والجنود الروس شجعان ياسيادة الرئيس؟! هل كانوا شجعاناً حين كانوا يدكون قرانا ومدننا بكافة أنواع الأسلحة المحرمة دولياً وقتلوا عشرات الآلاف من النساء والأطفال؟».

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قال إنه «عندما رآى الثلوج تذكر كيف فشلت عدة أطراف باحتلال موسكو بفضل شجاعة الروس وكيف ساعدتهم الطبيعة في هذه الأرض المباركة».

وأضاف الشرع إن بلاده وروسيا لديهما قضايا مشتركة كثيرة جرى بحثها مع الرئيس الروسي  فلاديمير بوتين، الذي أكد من جهته استعداد بلاده للعمل المشترك لإعادة إعمار سوريا. وأكد الشرع -خلال مؤتمر صحافي مع بوتين في موسكو– أن مواقف موسكو خلال العام الماضي كانت داعمة لوحدة الأراضي السورية.

وأضاف أن سوريا مضت خلال العام الماضي بخطوات كثيرة وتجاوزت مراحل وعقبات كان آخرها تحدي توحيد الأراضي السورية، مؤكدا أن روسيا كانت مؤيدة لوحدة الأراضي السورية.

وأوضح الرئيس السوري أن روسيا لها دور تاريخي في سوريا ودعمت استقرار الإقليم بأكمله، معربا عن أمله في أن تستمر هذه الجهود للتنقل من حالة الخراب والدمار إلى التنمية.

من جهته، أثنى الرئيس الروسي على جهود نظيره السوري وحكومته في إعادة وحدة أراضي سوريا وإعمارها. وقال بوتين إنهما قاما بالكثير منذ آخر لقاء له مع الرئيس السوري بخصوص تجديد العلاقات والتعاون مع سوريا.

وأضاف أن موسكو لديها الاستعداد للعمل المشترك في إعادة إعمار سوريا، مشيراً إلى أن مجمع البناء الروسي جاهز للمساهمة في جهود إعادة الإعمار.

وكان الرئيس أحمد الشرع قد وصل إلى روسيا يوم الأربعاء الماضي للقاء نظيره الروسي، وذلك بعد القمة الرئاسية التي عقدها الجانبان في موسكو في تشرين الأول/اكتوبر 2025.

القدس العربي

———————-

لقاء بوتين والشرع… لـ«تعزيز العلاقات» وتفادي «النقاط الخلافية»

هل تدخل روسيا على خط الوساطة السورية الإسرائيلية؟

موسكو: رائد جبر

28 يناير 2026 م

عكس اللقاء الثاني خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، الذي جمع الأربعاء الرئيس السوري أحمد الشرع بنظيره الروسي فلاديمير بوتين تزايد مستوى الثقة بين الجانبين، والحرص على دفع عملية إعادة بناء العلاقات بين البلدين بشكل متسارع.

وفي مقابل تركيز الزعيمين خلال اللقاء الأول في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على «الإرث التاريخي للعلاقات» وضرورة إجراء مراجعة شاملة للوضع الذي كان قائماً خلال عهد الرئيس المخلوع بشار الأسد، بدا الطرفان أكثر ارتياحاً خلال الزيارة الثانية للشرع إلى العاصمة الروسية. واستقبله بوتين في الكرملين ومعه وفد روسي رفيع المستوى، وحرص على توجيه عبارات إشادة بـ«النجاحات» التي تحققها القيادة السورية في عملية إعادة بناء سوريا الجديدة، وتوحيدها وبسط سيطرة الحكومة على كل مناطقها. وهي إشادة قابلها الشرع بعبارات مماثلة عندما تحدث عن «دور روسي فعال في المحافظة على الاستقرار في سوريا».

وفد يعكس الاهتمام

وضم الوفد الروسي وزير الدفاع أندريه بيلاوسوف، ونائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك، ووزير الخارجية سيرغي لافروف، ووزير المالية أنطون سيلوانوف، ووزير الإسكان والبناء إيريك فايزولين، إضافة إلى مساعد الرئيس يوري أشاكوف، ونائب رئيس إدارة الرئاسة مكسيم أورشكين، ونائب وزير الدفاع الأول يونس بك يفكوروف، ومدير الهيئة الفيدرالية للتعاون العسكري التقني ديمتري شوغايف.

كذلك شارك في المحادثات الأدميرال إيغور كوستيوكوف، رئيس الإدارة الرئيسية في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، الذي كان حاضراً خلال المناقشات الروسية السورية سابقاً، وقاد أخيراً، الوفد الروسي خلال المحادثات الثلاثية التي جرت في أبوظبي بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا.

وعكست هذه التشكيلة للوفد الروسي مستوى اهتمام الكرملين بالزيارة، ومدى اتساع أجندة النقاشات خلالها.

ورافق الرئيس السوري وزيرا الخارجية أسعد الشيباني والدفاع مرهف أبو قصرة، والأمين العام للرئاسة ماهر الشرع.

واستهل بوتين اللقاء بالحديث عن تطور في العلاقات الثنائية وقال إن البلدين نجحا في ظروف معقدة في دفع التعاون الاقتصادي.

نمو اقتصادي ومشاريع إعمار

وأشار الرئيس الروسي إلى أن «نسبة نمو تتجاوز 4 في المائة قد لا تكون طموحة كما نتمنى، لكنها مع ذلك تعد تقدماً ملحوظاً، وعلينا بالتأكيد الحفاظ على هذا المسار المتميز».

وزاد أن العلاقات بين موسكو ودمشق «شهدت تطوراً ملموساً، ويعود الفضل في ذلك إلى جهود الرئيس الشرع شخصياً».

وهنأ بوتين ضيفه على «الزخم المتزايد في عملية استعادة وحدة الأراضي السورية».

ووصف تقدم القوات الحكومية في مناطق شمال شرقي سوريا بأنه «خطوة حاسمة ومهمة» وقال إن بلاده تراقب الجهود الحثيثة التي تقوم بها القيادة السورية لاستعادة وحدة الأراضي السورية.

وخاطب الشرع قائلاً: «أعلم أن هناك الكثير مما يجب عمله على صعيد إعادة البناء والتأهيل (…) ومؤسساتنا الاقتصادية، بما فيها العاملة في قطاع البناء، على أتم الاستعداد لهذا العمل المشترك».

من جانبه، شكر الشرع نظيره الروسي على «مشاركة موسكو في استقرار الأوضاع»، مشيراً إلى أن «روسيا تلعب دوراً بالغ الأهمية في هذه العملية».

وأعرب عن أمله في إجراء محادثات مثمرة مع بوتين. وأكد أن لدى الطرفين «مواضيع كثيرة مشتركة».

وقال الشرع إن سوريا «تجاوزت خلال العام الماضي مراحل وعقبات كان آخرها تحدي توحيد الأراضي السورية». وزاد أن دمشق تعول على الانتقال من حالة الدمار في المنطقة إلى الاستقرار والسلام.

وفي إشارة إلى الدفعات التي تلقتها العلاقة الروسية السورية خلال عام، ذكّر الرئيس السوري مضيفه بأن «غداً يكون أول عام قد مرّ على زيارة أول وفد روسي لسوريا بعد العهد الجديد»، في إشارة إلى زيارة نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف قبل عام التي مهّدت لإطلاق الحوارات بين دمشق وموسكو وأطلقت مسار إعادة بناء العلاقات.

في الشأن الثنائي، تحدث الرئيسان عن نشاط مشترك متزايد بين الوزارات المختصة في مجالات الصناعة والشؤون الإنسانية، بما في ذلك الرياضة والطب والبناء.

تفادي النقاط الخلافية

وكان لافتاً أن الرئيسين تجنبا التطرق في الشق المفتوح من اللقاء إلى نقاط قد تكون خلافية أو عالقة، مثل الوضع المتعلق بمصير القواعد العسكرية الروسية في سوريا، لكن الكرملين كان قد استبق اللقاء بإشارة إلى أن هذا الملف سيكون مطروحاً على طاولة بحث الرئيسين.

كما لم يتطرق الشرع وبوتين إلى الوضع في الساحل السوري، حيث تكمن نقطة إشكالية أخرى، على خلفية اتهامات لبعض فلول النظام السابق الموجودين على الأراضي الروسية بمحاولة تأجيج الوضع في المنطقة. وبدا أن هذا الملف بدوره كان حاضراً خلال النقاشات المغلقة، خصوصاً أن مصادر روسية وسورية متطابقة كانت قد أبلغت «الشرق الأوسط» في وقت سابق أن الشرع ربما يطلب تسليم بعض قيادات الصفين الثاني والثالث الذين ثبت تورطهم في عمليات تأجيج الوضع وعدم الاستقرار في منطقة الساحل.

وفي إطار موازٍ، تحدثت مصادر أخرى عن لوائح وضعتها القيادة السورية لبعض الشخصيات التي كانت محسوبة على النظام السابق والتي يمكن أن تجري مصالحات معها، علماً بأن هذا كان مطلباً روسياً خلال زيارات سابقة لوفود سورية إلى موسكو.

أيضاً لم تستبعد مصادر أن يكون الوضع في منطقة شمال شرقي سوريا جزءاً أساسياً من المناقشات، على خلفية انسحاب روسيا من مطار القامشلي قبل يومين من الزيارة، استجابة وفق بعض التقارير لطلب من دمشق.

دور روسي في المفاوضات مع إسرائيل

أشار مصدر تحدثت معه «الشرق الأوسط» إلى أن الوضع في هذه المنطقة سيكون مثار نقاش، لكنه أضاف: «الأهم كما يبدو أن الشرع قد يسعى لمناقشة الوضع في الجنوب السوري مع بوتين، على خلفية اهتمام سوري متزايد بأن تلعب موسكو دوراً في هذا الشأن يعزز موقفها في المسار التفاوضي الجاري حالياً مع إسرائيل».

وكان هذا الموضوع قد تم التطرق إليه سابقاً خلال زيارات متبادلة، من خلال الإشارة إلى احتمال أن تلعب موسكو دوراً في تسيير دوريات في مناطق الجنوب السوري لكبح جماح التوغلات الإسرائيلية، وأن تسعى للعب دور الضامن بين دمشق وتل أبيب مماثل للأدوار التي لعبتها في منطقة الجنوب السوري في السابق. لكن اللافت هنا أن بعض المصادر أشارت إلى أن إسرائيل لا تبدو متحمسة لتنشيط دور روسي في هذه المنطقة.

في ملف القواعد العسكرية الروسية في سوريا تشير تقديرات إلى أن الطرفين قد يطلقان مسار النقاش حول ترتيب جديد للوجود الروسي يقوم على احتفاظ موسكو بحضورها في قاعدة طرطوس التي تقدم تسهيلات لوجيستية مهمة للغاية في إمدادات روسيا إلى القارة الأفريقية وتلعب دوراً حيوياً في خدمة حركة السفن والأساطيل الروسية في البحر المتوسط. بينما تتوقع مصادر أن ينطلق النقاش حول قاعدة «حميميم» الجوية من وضع آلية جديدة تقوم على ترتيب تعاون مشترك فيها لتأهيل الجيش السوري.

 الشرق الأوسط

—————————–

الشرع يذكّر بوتين بـ “الجنرال الأبيض”.. ما القصة؟

الرياض – العربية.نت

29 يناير ,2026

خلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، ذكّره الرئيس السوري أحمد الشرع بانتصار روسيا خلال الحرب العالمية الثانية، مستذكراً “الجنرال الأبيض” أو الثلوج وحال الطقس الذي لعب حينها دوراً مساعداً في انتصار الروس على الألمان.

وقال الشرع ممازحاً بوتين: وأنا آت من المطار إلى الكرملين رأيت كميات كبيرة من الثلوج فتذكرت كم من الحملات العسكرية حاولت الوصول إلى موسكو لكنها فشلت بفضل بسالة الجنود الروس والطبيعة والثلوج التي ساعدت كثيراً أيضاً في الدفاع عن أرضهم”.

كما أوضح أن 13 زيارة حصلت بين البلدين، منذ سقوط النظام السابق، معرباً عن أمله بتعزيز التواصل بين الجانبين.

في حين أكد الرئيس الروسي دعم بلاده جهود الشرع في استعادة وحدة أراضي سوريا.

كما أثنى بوتين في ثاني لقاء بينهما عقب إطاحة الرئيس السابق بشار الأسد، على جهود الشرع من أجل ضمان وحدة الأراضي السورية، بعد بسط الجيش السوري سيطرته على مناطق واسعة في شمال وشرق البلاد، كانت تحت سيطرة المقاتلين الأكراد الذين انسحبوا منها على وقع تصعيد عسكري.

الشتاء الروسي القارس

يذكر الشتاء الروسي القارس كان لعب دوراً حاسماً في الحرب العالمية الثانية، إذ أثّر العامل المناخي على الحملات العسكرية الألمانية بشكل كبير، خصوصا خلال عملية غزو الاتحاد السوفيتي (عملية بارباروسا) عام 1941.

فعندما هاجم الزعيم النازي أدولف هتلر الاتحاد السوفيتي في يونيو 1941، كانت الخطة الألمانية تعتمد على الحرب الخاطفة، أي تحقيق انتصار سريع قبل حلول الشتاء.

لكن مقاومة الجنود الروس كانت أقوى من المتوقع، فعرقلت خطط هتلر.

لا سيما حين بدأ الطقس يتغير بحلول أكتوبر 1941، بشكل مفاجئ، ما سبب مشكلات كارثية للقوات الألمانية.

فقبل أن يأتي الصقيع، تسبب موسم الطين الروسي (Rasputitsa) في غرق الدبابات والشاحنات في الوحل، وتعطلت خطوط الإمداد تماما.

ثم مع حلول الشتاء القارس، ازدادت المعاناة، خاصة أن شتاء 1941–1942 كان من أبرد الفصول في القرن العشرين، وقد واجه الألمان درجات حرارة وصلت إلى –40° مئوية. فتعطلت الأسلحة والآليات والدبابات لأن الزيوت تجمدت.

كما أن الجنود الألمان كانوا بلا تجهيزات شتوية، على عكس الروس الذين استغلوا عنصر الطقس والثلوج لصالحهم من أجل هزيمة الألمان.

—————————–

لقاء ثانٍ بين الشرع وبوتين: دعم وحدة سورية/ محمد أمين

العربي الجديد

29 يناير 2026

في زيارة هي الثانية منذ توليه قيادة سورية، حطّ الرئيس السوري أحمد الشرع في موسكو أمس الأربعاء، حيث التقى نظيره الروسي فلاديمير بوتين، حاملاً معه ملفات ثنائية وأخرى تتعلق بمستقبل سورية التي تواجه العديد من التحديات، أكان في الجنوب مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجولان، أم في الشمال الشرقي من البلاد، حيث لم تنته الأزمة مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، بالتوازي مع ملف القاعدتين العسكريتين الروسيتين في سورية.

لقاء الشرع وبوتين

والتقى بوتين في الكرملين أمس الشرع، وأكد الأخير خلال الاجتماع عمق العلاقات السورية ـ الروسية، وأهمية الدور الروسي في دعم وحدة سورية واستقرارها، مشيراً إلى أن سورية تجاوزت خلال العام الماضي تحديات كبرى، كان آخرها توحيد أراضيها، ومعرباً عن الأمل بالانتقال إلى الاستقرار والسلام. من جهته، أكد بوتين العمل على تنمية العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، ولا سيما الاقتصادية، مشيراً إلى أن العلاقات بين البلدين ذات جذور عميقة وتشهد تطوراً متواصلاً. وجدّد بوتين دعوته إلى ضرورة استعادة وحدة الأراضي السورية، مبيناً أن موسكو تدعم جميع الجهود السورية في هذا الاتجاه، متوجهاً للشرع بالقول: “أود ⁠أن أهنئكم على التقدم الذي تحرزه عملية استعادة وحدة أراضي سورية”. وقال إن البلدين نجحا في الارتقاء بمستوى التعاون الاقتصادي بينهما، مضيفاً أن اللجان المشتركة بين البلدين تعمل في مختلف المجالات لتطوير العلاقات بين البلدين.

وهذا اللقاء هو الثاني بين الرئيسين منذ تسلم الشرع الرئاسة، بعد زيارة لموسكو قام بها في 15 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. وتأتي هذه الزيارة بعد يومين من انسحاب الروس من قاعدة لهم في مدينة القامشلي في محافظة الحسكة التي سيطر الجيش السوري أخيراً على جانب كبير من ريفها. ونُقلت القوات المنسحبة والمعدات إلى قاعدة الروس الرئيسية في منطقة حميميم في ريف اللاذقية غربي سورية. ويُعتقد أن مصير القاعدتين الروسيتين في طرطوس وحميميم كان من أبرز الملفات التي بحثها الرئيسان، إضافة إلى الدور الذي يمكن أن تقوم به موسكو، سواء في الجنوب، حيث لا يزال التهديد الإسرائيلي ماثلاً، أو في شمال الشرقي من البلاد، حيث لم تنته الأزمة مع “قسد”. وقبل اللقاء، قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أمس، رداً على سؤال لوكالة فرانس برس عن إمكانية تسليم الرئيس السابق بشار الأسد الموجود في روسيا، إن موسكو “لا تُعلّق على قضية الأسد”. وأكد أن “العلاقات الثنائية تشهد تطوراً ملحوظاً في أعقاب تغيير الإدارة في سورية”. وفي ما يتعلق بالوجود العسكري الروسي في سورية، امتنع أيضاً عن التعليق، مستدركاً بالقول: “لكنني على يقين من أن مسألة وجود قواتنا في سورية ستُناقش أيضاً خلال مفاوضات اليوم (أمس)”. وأشار إلى أن المفاوضات في موسكو تتناول “التعاون الثنائي، ولا سيما في المجال الاقتصادي”، فضلاً عن “تبادل وجهات النظر حول الوضع في المنطقة”.

وكان الشرع قد تحدث مساء الثلاثاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في اتصال هاتفي. وقال ترامب في تصريح لصحافيين: “أجريت محادثة رائعة مع الرئيس السوري المحترم للغاية”، وأشار إلى أن الاتصال تطرّق إلى “كل الأمور المتّصلة بسورية وتلك المنطقة”. وتابع: “الأمور تسير على نحو جيد جداً، لذا نحن سعداء بذلك”. وقالت الرئاسة السورية في بيان إن الشرع أكد تمسك سورية الكامل بوحدة أراضيها وسيادتها الوطنية، وحرص الدولة على الحفاظ على مؤسساتها وتعزيز السلم الأهلي. وأكد الشرع أن “سورية الجديدة” تتبنى نهج الانفتاح وتمد يدها للتعاون مع كل الأطراف الدولية على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

ملفات حاضرة بين الرئيسين

وعن زيارة الشرع لموسكو، رأى المحلل السياسي المختص بالشأن الروسي، طه عبد الواحد، في حديث مع “العربي الجديد”، أنه “لا يمكن فصل الزيارة عن سياق التطورات الأخيرة في سورية، وبصورة خاصة شمال شرقي البلاد، حيث يبدو أن الوضع هناك قد حُسِمَ لمصلحة الحفاظ على سورية موحدة”. وتابع: “أعتقد أن السلطات السورية تتجه لمعالجة ملف الجنوب، بما في ذلك الوضع في السويداء، وكذلك في ما يخص التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية، مضيفاً: “أعتقد أن دمشق تعوّل على دور روسي إيجابي في هذا الشأن، عبر علاقات بوتين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يمسك بزمام الأمور في الملفين. وبرأيه “يمكن لروسيا أن تلعب دوراً إيجابياً في ملف السويداء، وبموازاة وساطتها مع نتنياهو بهذا الشأن، ليكف عن دعم المزاجية الانفصالية في المحافظة، وأن يتوقف عن التدخل بهذا الشأن الداخلي لسورية”. وتابع: “أعتقد أن موسكو يمكنها إطلاق مفاوضات مع الشخصيات التي تدير الأمور في السويداء حالياً، وهي تحظى إلى حد كبير بثقة لدى معظمهم. كذلك بوسع روسيا أن تقوم بدور الوسيط، ومن ثم بدور الضامن لأي اتفاقيات يجري التوصل إليها للحد من الاعتداءات الإسرائيلية وتطبيع الوضع في الجولان وإعادته إلى ما كانت عليه الأمور حتى 8 ديسمبر 2024”.

من جهته، رأى الخبير الأمني والعسكري، ضياء قدور، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “مستقبل القاعدتين العسكريتين الروسيتين في سورية محور أساسي للمناقشات”، مضيفاً: “تسعى موسكو للحفاظ على قاعدتي طرطوس البحرية وحميميم الجوية كأصول استراتيجية في الشرق الأوسط”. وأشار إلى أن الانسحاب الروسي من القامشلي “تكتيكي”، مضيفاً: “أرادت روسيا تهدئة التوتر بما يسمح لقوات الحكومة السورية الجديدة بالتقدم في تلك المناطق من دون مواجهة مباشرة مع موسكو، ما يفتح الباب لتفاوض أوسع يضمن لروسيا مصالحها في الساحل”. وبرأيه، فإن الشرع “يحتاج دعماً عسكرياً روسياً لتعزيز قدرات جيشه في مواجهة التحديات الداخلية”، معرباً عن اعتقاده أن “ملف بشار الأسد الموجود في موسكو، سيظل ورقة تفاوضية”، مضيفاً: “قد تفتح الزيارة مجالاً لتسويات جزئية تشمل تسليم عناصر أمنية أخرى أو مجرمي حرب هربوا إلى روسيا”.

إلى ذلك، قال الباحث السياسي عبد الرحمن الحاج لـ”العربي الجديد”، إن “هناك ملفات عدة تربط سورية بروسيا، منها ملفات اقتصادية، بما فيها الديون، وملفات أمنية تتعلق بفلول النظام البائد، بالإضافة إلى الملف العسكري، لكن توقيت الزيارة المفاجئ يعني أن الملف عاجل، والملفات العاجلة أمنية”. وبرأيه “يصعب التكهن بالملفات الأمنية التي دعت الشرع إلى القيام بالزيارة”، مضيفاً: “الاتفاق الأمني بين دمشق وتل أبيب اقترب، وروسيا مرشحة لتلعب دوراً في مناطق الجنوب السوري، في ظل تحفظ إسرائيلي”.

العربي الجديد

—————————–

الشرع في لقائه مع بوتين: تجاوزنا تحديات كبرى وروسيا تدعم وحدة سورية/ عدنان علي و محمد كركص

28 يناير 2026

عقد الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم الأربعاء، اجتماعاً موسعاً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قصر الكرملين بالعاصمة الروسية موسكو، بحضور كبار المسؤولين من الجانبين، بُحثَت خلاله العلاقات الثنائية بين البلدين وآخر التطورات الإقليمية. وأكد الرئيس الشرع، خلال الاجتماع، وفق الرئاسة السورية، عمق العلاقات السورية – الروسية، مشدداً على أهمية الدور الروسي في دعم وحدة سورية واستقرارها. وأشار إلى أن سورية تمكنت خلال العام الماضي من تجاوز تحديات كبرى، كان آخرها توحيد أراضيها، معرباً عن أمله بالانتقال من مرحلة الصراع والدمار إلى الاستقرار والسلام.

وأكد الرئيس الشرع أن هناك مواضيع كثيرة مشتركة تجمع سورية وروسيا، مؤكداً أن لسورية دوراً تاريخياً في وحدة الإقليم واستقراره بأكمله. وأضاف أن البلاد تجاوزت خلال العام الماضي مراحل وعقبات صعبة، كان أبرزها تحدي توحيد الأراضي السورية، لافتاً إلى أن يوم غد يصادف مرور عام على زيارة أول وفد روسي لسورية بعد “العهد الجديد”، معرباً عن الأمل بالانتقال من حالة الدمار في المنطقة إلى الاستقرار والسلام.

من جانبه، أكد بوتين العمل على تنمية العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، ولا سيما الاقتصادية. واعتبر بوتين أن العلاقات بين موسكو ودمشق ذات جذور عميقة وتشهد تطوراً متواصلاً، مشيراً إلى أن عودة مناطق شرق الفرات إلى سلطة الدولة السورية تمثل خطوة مهمة. وأكد الرئيس الروسي أن بلاده تدعم جهود الرئيس السوري لإعادة وحدة الأراضي السورية. ولفت إلى أن مستوى التعاون الاقتصادي بين البلدين شهد تحريكاً ملحوظاً، مشدداً على أن عودة مناطق شرق الفرات إلى الحكومة السورية تشكل خطوة أساسية تسهم في وحدة الأراضي السورية.

وكان الرئيس السوري قد وصل إلى العاصمة الروسية موسكو في وقت سابق اليوم، في زيارة رسمية هي الثانية له منذ توليه الرئاسة، لإجراء مباحثات مع نظيره الروسي حول العلاقات الثنائية وتطورات المنطقة، وفق وكالة الأنباء السورية الرسمية. فيما قال الكرملين، في بيان، اليوم الأربعاء، إن العلاقات بين موسكو ودمشق “تتطور بشكل نشط”، عقب تغيير القيادة في سورية، وإن بوتين يلتقي الشرع غداً ويبحث معه ملفات التعاون الاقتصادي، إلى جانب الأوضاع الإقليمية والدولية.

وبشأن مصير رئيس النظام السابق بشار الأسد، قال الكرملين إنه لن يعلق على هذا الأمر، مؤكدًا في الوقت نفسه أن مستقبل الوجود العسكري الروسي في سورية سيكون أحد الملفات المطروحة للنقاش خلال المحادثات مع الرئيس السوري. وأوضح البيان أن سحب القوات الروسية من القواعد العسكرية في سورية هو من صلاحيات وزارة الدفاع.

وتتزامن زيارة الشرع لموسكو مع تطورات ميدانية متسارعة في شمال شرق سورية، تمثلت بسيطرة الجيش السوري على مناطق جغرافية واسعة على حساب “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) فيما بدأت القوات الروسية سحب قواتها من مطار القامشلي، أقصى الشمال الشرقي، باتجاه القاعدة الروسية في مطار حميميم على الساحل السوري.

وأكدت مصادر سورية لوكالة “رويترز” أن القوات الروسية في سورية تعمل منذ أيام على إخلاء قاعدتها العسكرية في مطار القامشلي بريف الحسكة، حيث باشرت بنقل جنودها ومعدّاتها إلى قواعدها في ريف اللاذقية، موضحة أن الانسحاب بدأ تدريجياً منذ الأسبوع الماضي، مع توقّعات بنقل جزء من القوات إلى قاعدة حميميم الجوية، بينما سيعود جزء آخر إلى الأراضي الروسية. وذكرت الوكالة، نقلاً عن مصادر روسية، أن الجانب السوري هو من طلب من روسيا إخلاء قاعدتها في القامشلي بعد سيطرة القوات السورية على معظم تلك المنطقة، ولم يعد ثمة مبرر لوجود عسكري روسي هناك.

ورأى المحلل السياسي غازي دحمان، في حديث مع “العربي الجديد”، أن العلاقات بين الجانبين، السوري والروسي، قد تأخذ منحىً عملياً أكثر في الفترة المقبلة بعد تجاوز مرحلة اختبار النيات وبعد التطورات المتسارعة في الشرق السوري باتجاه أن يكون لروسيا أدوار محددة في بعض الملفات ذات الاهتمام المشترك، مثل القضايا الأمنية والعلاقات الروسية مع بعض المكونات في الداخل السوري، فضلاً عن مستقبل القواعد الروسية في سورية والتسليح العسكري الروسي لسورية، إضافة إلى دور روسي محتمل في الترتيبات الأمنية بين سورية وإسرائيل.

وأضاف دحمان أن أية أدوار قد تسند إلى روسيا في سورية خلال المرحلة المقبلة ستكون بتنسيق مع الولايات المتحدة التي تعتبر الراعي الأول للحكم الجديد في سورية، دون أن ننسى أن ثمة علاقات جيدة تربط بين الرئيسين، الأميركي دونالد ترامب، والروسي فلاديمير بوتين، فضلاً عن وجود قدر من الارتياح الإسرائيلي لأي دور روسي في سورية مقارنة بالوجود التركي.

وقال إن القضية التي قد تضفي بعض الحساسية على الزيارة هي إمكانية مطالبة الشرع من موسكو تسليم رئيس النظام السابق بشار الأسد لدمشق، وهو ما تحاول موسكو تجنب الخوض فيه حتى الآن، إضافة إلى بحث علاقة روسيا مع فلول النظام السابق الذين يحاولون بين الفينة والأخرى إثارة البلبلة في سورية، وبعضهم يقيم في روسيا. واعتبر دحمان أن التعاون الاقتصادي سيكون عنواناً بارزاً في المرحلة المقبلة للعلاقات الروسية السورية، وخصوصاً بعد استعادة حقول النفط وسدي تشرين والفرات، وكلاهما يعتمد على معدات روسية باتت متآكلة وتحتاج إلى تجديد.

العربي الجديد

——————————

 ما سرّ الانسحاب الروسي من القامشلي؟/ علي أسمر

2026.01.29

في شمال شرقي سوريا، حيث يبدو الهدوء الحالي وكأنه مؤشر على بداية مرحلة جديدة، تخفي الهدنة القائمة صراعًا مؤجّلًا أكثر مما تعكس تسوية حقيقية. فالمواجهة بين الحكومة السورية الجديدة و«قسد» لم تُلغَ، بل أُعيد ترتيب توقيتها، لأن الخلاف بين الطرفين ليس خلافًا تقنيًا حول إدارة محلية أو ترتيبات أمنية عابرة، بل صراع عميق على مفهوم الدولة، وعلى من يمتلك القرار السيادي فوق الأرض السورية.

دمشق، بعد سنوات طويلة من الاستنزاف، تعود اليوم بخطاب أكثر وضوحًا وأقل قابلية للتأويل: دولة مركزية، وجيش واحد، وقرار أمني موحّد، وسيادة غير قابلة للتجزئة. هذا الخطاب لا ينبع فقط من تقاليد الدولة السورية، بل من تجربة مريرة أثبتت أن المناطق الرمادية والكيانات المسلحة ذات الطابع الهجين لم تكن يومًا عنصر استقرار، بل كانت بوابة دائمة للتدخلات الخارجية وإعادة إنتاج الصراع بأشكال مختلفة.

في المقابل، تحاول «قسد» تقديم نفسها بوصفها طرفًا قابلًا للاندماج داخل الدولة السورية، لكنها تصرّ في الوقت ذاته على الاحتفاظ بكتلتها العسكرية وبنيتها الإدارية وشبكة علاقاتها الخارجية، مستخدمة مفردات تبدو تصالحية مثل «الاندماج» و«اللامركزية» و«الشراكة». غير أن هذه المفردات لا تغيّر من جوهر الإشكالية شيئًا؛ فالدولة المركزية لا يمكن أن تتعايش طويلًا مع كيان مسلح يحتفظ بقرار الحرب والسلم خارج سلطتها، و«قسد» تدرك ذلك جيدًا، ولهذا تحاول شراء الوقت لا أكثر.

الهدنة الحالية، برعاية أميركية، لا تعبّر عن تقارب في الرؤى بقدر ما تعكس رغبة واشنطن في إدارة التناقض ومنع انفجار واسع في لحظة إقليمية حساسة. فالولايات المتحدة لا تملك مشروع حل جذري، بقدر ما تسعى إلى ضبط الإيقاع وتأجيل الصدام، وهي تدرك في العمق أن الفجوة بين دمشق و«قسد» بنيوية، وأن أي تفاهم مرحلي سيصطدم عاجلًا أم آجلًا بسؤال السيادة الذي لا يقبل أنصاف الحلول.

تقدّم الجيش السوري في أكثر من محور خلال المرحلة الأخيرة شكّل نقطة تحوّل أساسية في ميزان القوى، وأدّى إلى إحداث تغيّر لافت في سلوك «قسد»، حيث اضطرت عمليًا إلى التنازل عن مساحات ذات أغلبية عربية، بعد أن أدركت أن الاحتفاظ بها بات عبئًا أمنيًا وسياسيًا يصعب الدفاع عنه. لتعيد تمركزها داخل المدن والمناطق ذات الغالبية الكردية، في محاولة للتحصّن اجتماعيًا وتقليص هامش الاحتكاك مع الدولة. هذا التراجع لم يكن خيارًا استراتيجيًا بقدر ما كان انسحابًا اضطراريًا فرضته الوقائع الميدانية الجديدة.

غير أن المفاجأة الاستراتيجية لا تكمن في هذا الانكفاء بحد ذاته، بل في ما يمكن أن يترتب عليه لاحقًا. إذ إن إعادة تمركز «قسد» في المناطق ذات الأغلبية الكردية لا تعني تحصّنًا دائمًا، بقدر ما قد تتحوّل إلى نقطة ضعف إضافية، في حال جرى تفعيل سيناريو تطوير وتحديث اتفاقية أضنة بين أنقرة وواشنطن والحكومة السورية، بما يتيح عمقًا أمنيًا يصل إلى 30 كيلومترًا داخل الأراضي السورية، وهو ما يعني عمليًا أن هذه المدن نفسها قد تقع ضمن نطاق «مظلّة أضنة» الجديدة.

في هذه الحالة، ستكون أنقرة ودمشق قد أطبقتا الخناق على التنظيمات المسلحة من اتجاهين متكاملين؛ أحدهما سيادي يستند إلى شرعية الدولة السورية، والآخر أمني يرتكز إلى متطلبات الأمن القومي التركي، وبغطاء تفاهمات دولية تقلّص إلى حدّ كبير قدرة هذه التنظيمات على المناورة أو إعادة إنتاج الصيغ الرمادية التي ازدهرت خلال سنوات الفوضى.

هنا تحديدًا يبرز سرّ الانسحاب الروسي من مدينة القامشلي، وهو انسحاب لا يمكن قراءته كخطوة تكتيكية أو إعادة انتشار عابرة، بل كمؤشر على إدراك موسكو لاحتمالية تحوّل المنطقة مستقبلًا إلى ساحة نفوذ تركي، سواء عبر تحديث اتفاقية أضنة، أو من خلال صيغة أمنية بديلة يتم التوافق عليها بين أنقرة ودمشق وواشنطن. فروسيا، التي لعبت خلال السنوات الماضية دور الضامن ومنظّم التوازنات، لا ترغب في أن تجد نفسها طرفًا في ترتيبات جديدة لا تمسك بمفاتيحها.

الانسحاب الروسي يعكس قراءة براغماتية مفادها أن البقاء في القامشلي قد يضع موسكو في مواجهة غير مباشرة مع مشروع أمني تركي آخذ في التشكل، أو في موقع العرقلة لمسار تفاهمات قد ترى فيها دمشق وأنقرة مصلحة مشتركة. ولذلك فضّلت روسيا إعادة التموضع والنأي بنفسها عن مرحلة قد تكون أكثر خشونة، خاصة في ظل انشغالها بجبهات أخرى وإعادة ترتيب أولوياتها العسكرية والسياسية.

في هذا السياق، يبدو أن موسكو اختارت الخروج المبكر بدل التورّط المتأخر، تاركة هامش الحركة مفتوحًا أمام اللاعبين الآخرين لتحمّل كلفة التحوّلات المقبلة، وهو ما يفسّر غياب أي ردّ فعل روسي حاد على النقاشات المتزايدة حول أضنة وتطويرها، أو حول ترتيبات أمنية جديدة في شمال شرقي سوريا.

ما يجري اليوم في هذه المنطقة لا يتعلّق بخرق هدنة أو تثبيتها، بل بصراع مؤجّل على شكل الدولة السورية وحدود السيادة والنفوذ. هدنة اليوم قد تؤخّر الصدام، لكنها لا تلغيه، لأن التناقض بين مشروع دولة مركزية تسعى لاستعادة كامل سيادتها، ومشروع كيان مسلح يحاول البقاء تحت مسمّيات «مدنية»، هو تناقض وجودي لا يُحلّ بالبيانات ولا بالوساطات المؤقتة، بل بحسم سياسي أو أمني. والسؤال الحقيقي لم يعد إن كان هذا الحسم سيقع، بل متى، وبأي كلفة، وعلى حساب من؟

——————————–

الوجود العسكري الروسي في سوريا كان على رأس المناقشات

بوتين والشرع اتفقا على كل شيء.. فماذا عن تسليم الأسد؟

قصي درويش

الأربعاء 28 يناير 2026

في زيارة ثانية لروسيا خلال 4 أشهر تقريبا التقى الرئيس السوري أحمد الشرع  مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأربعاء في موسكو، وهو اللقاء الذي تضمن مناقشة الوجود العسكري الروسي في سوريا، بحسب وكالة “رويترز” نقلا عن مصادر سورية، وسط تساؤلات عن مناقشة ملف تسليم الرئيس السوري السابق بشار الأسد لدمشق، وهو الملف الذي تحيط به حالة منة الغموض الشديد.

تضمن جدول الأعمال رغبة موسكو تمديد تواجدها في طرطوس وحميميم تحديدا في إطار جديد ضمن مرحلة ما بعد الأسد، بحسب مصدر في وزارة الخارجية السورية.

أما الشرع من ناحيته يسعى إلى مشاركة روسية أكبر في الترتيبات الأمنية المستقبلية في جنوب سوريا، بما في ذلك وجود شرطة عسكرية في القنيطرة في هضبة الجولان لتكون بمثابة حاجز ضد التوغلات الإسرائيلية، بحسب نفس المصدر.

الشرع يريد أيضا الحصول على ضمانات بأن روسيا لن تسمح لكبار الموالين للأسد وضباط الجيش السابقين الذين لجأوا إلى موسكو باستخدام ملاذهم الآمن لتمويل أو تنظيم هجمات مسلحة ضد الدولة، لا سيما في المناطق الساحلية السورية، بحسب مصدر سوري ثانٍ.

احتفاظ روسيا بقاعدة حميميم الجوية

يتزامن هذا النقاش مع سحب روسيا قواتها من مطار القامشلي في شمال شرق سوريا، لكن تقارير صحفية توقعت في نفس الوقت احتفاظ روسيا بقاعدة حميميم الجوية ومنشأة طرطوس البحرية على الساحل السوري على البحر المتوسط.

خطوة موسكو تم تفسيرها في دمشق على أنها بادرة تهدف إلى بناء علاقات طيبة، وفقاً لما نقلته قناة”الحرة” عن وكالة “رويترز” للأنباء.

كما فهمت الإدارة السورية أيضا أن روسيا لن تنجر إلى القتال الدائر بين قوات الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد، في الوقت الذي يسعى فيه الشرع إلى بسط سيطرته المركزية على كامل البلاد.

التفسير السوري للتحركات الروسية يدعمه تصريح بوتين للشرع اليوم الذي قال فيه “أود أن أهنئكم على التقدم الذي تحرزه عملية استعادة وحدة الأراضي السورية”.

بدوره وجه الشرع شكره إلى بوتين على مساعدته في استقرار الأوضاع في سوريا والمنطقة.

وجود القوات الروسية في سوريا على رأس القضايا التي يناقشها بوتين والشرع أكده في وقت سابق، دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين، الذي قال إن الرئيسين سيتناولان “جميع القضايا المتعلقة بوجود قواتنا في سوريا ” إلى جانب التعاون الاقتصادي والوضع في الشرق الأوسط.

أما عن إمكانية تسليم بشار الأسد، الذي فر إلى موسكو بعد الإطاحة به في ديسمبر (كانون الأول) 2024، امتنع “بيسكوف” عن التعليق لدى سؤاله عن الأمر.

وبخلاف القضايا السابقة تضمن اللقاء أيضا مناقشة خطر توجيه ضربة لإيران، حيث تحرص دمشق على احتواء أي تداعيات لهجوم أميركي أو إسرائيلي محتمل.

—————————-

====================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى