التدخل الاسرائيلي السافر في سورياالعدالة الانتقاليةالعلاقات السورية-الأميركيةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

سوريا تبدل الضابط بالشيخ -ثلاثة مقالات-

 “الشيخ” ومعضلات الأمن العام في سوريا/ ياد الجعفري

الأحد 2025/06/22

تقصّدنا في العنوان أن نركّز على “الشيخ”، بوصفه إحدى الإشكاليات في آلية إعادة بناء أجهزة الأمن الداخلي السورية. فـ”الشيخ”، وهو المصطلح الذي يشير إلى رجل الدين في العُرف العامي السوري، أصبح بوصلة صنع “العقيدة” المؤسساتية لدى منتسبي الأمن العام، وفق المعطيات المتوافرة. لكن، في الوقت نفسه، تجب الإشارة إلى أن معضلات الأمن العام في سوريا لا تقف عند هذه الإشكالية -“الشيخ”- بل تتعداها إلى أبعد من ذلك بكثير، بصورة قد تهدد بانتكاسة مستقبلية لحالة الاستقرار المأمولة في البلاد، بعد 14 عاماً من النزاع بين الحواضن الثائرة والسلطة. نزاع، كانت أجهزة الأمن الداخلي بالذات إحدى أبرز أسباب انفجاره.

على مدار الأسبوع الفائت، تصاعدت الشكاوى من تجاوزات عناصر الأمن العام في سوريا، بصورة ملفتة. ويمكن الإشارة إلى 10 حالات على الأقل، حظيت باهتمام واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، من بينها، تبدو حادثة الصحافي أمجد الساري، الأكثر نموذجية. فالرجل وقف قبالة السفارة الإيرانية في دمشق، والتي من المفترض أنها خالية ومغلقة منذ سقوط النظام، وقرر التقاط صورة لواجهة السفارة. فاستوقفه أحد عناصر الأمن، وطلب تفتيش هاتفه وحذف الصورة. النموذجي في هذه الحادثة، أن الصحافي لم يخف، وتفاعل مع هذا التضييق الأمني بجرأة عالية، خصوصاً مع عدم وجود لافتة تشير إلى منع التصوير. فيما أبدى عناصر الأمن الذين انخرطوا في هذه الحادثة، سلوكيات تشبه إلى حدٍ كبير تلك التي كانوا يُعرفون بها في عهد النظام السابق. فقد تعاملوا بفوقية تخلو من الاحترام لكرامة وحقوق الإنسان. بمنطق صاحب سلطة لا بمنطق مسؤول عن أمن الناس. وبعنجهية تذكرنا كثيراً بمن ثار السوريون ضدهم قبل 14 عاماً. مع فارق إضافي جديد، هو التهديد بـ”الشيخ”، الذي يبدو أنه مسؤول التعبئة العقائدية في الجهاز الأمني. والذي لم ينجح في تهذيب أخلاق عناصر الأمن المنخرطين في هذه الحادثة، بل على العكس، تحوّل إلى أداة استقواء.

الإشارة إلى “الشيخ” حدثت في أكثر من حادثة تتعلق بتجاوزات عناصر الأمن العام. في بعض الحالات، كان دور “الشيخ” إيجابياً، وحاول تقويم سلوكيات عنصر الأمن الذي ارتكب التجاوز. إلا أنه يبقى أن اعتماد مبدأ التعبئة العقائدية يضعف إمكانية خلق مؤسسة أمنية تعكس التنوع الذي يطبع المجتمع السوري، إلا إن كانت السلطات في دمشق تفكر في أمن ذاتي مناطقي. وهذه معضلة أخرى ترسّخ حالة الانكفاء الراهنة بين المكونات السورية عن بعضها.

ومقابل تصاعد الشكاوى من تجاوزات عناصر الأمن، أبدت السلطات تجاوباً، بدا أنه انتقائي ومختلف حسب طبيعة الحادثة. ففي حالة الصحافي أمجد الساري، تدخلت وزارة الإعلام في دعمه. وفي حالة الشاب الذي تعرض لاعتداء من جانب عناصر الأمن، بسبب خلاف على ركن السيارة في مدينة حلب، تم الإعلان عن متابعة القضية من جانب مسؤول الأمن الداخلي هناك. كما تم إيقاف آمر دورية في حمص بسبب تجاوزات مسلكية. لكن في المقابل، في حالة فرض إتاواة من جانب حاجز أمني في منطقة الرحيبة بريف دمشق، كان الرد بوقف الإجراء من دون تسميته بمسماه الحقيقي “إتاوة”، ومن دون معاقبة المسؤولين عن فرضه، وتم اعتباره اجتهاداً فردياً من جانب إحدى البلديات.

كذلك، لم يصدر حتى الآن أي توضيح حول سبب إغلاق فندق أمية الشهير بقلب دمشق، بعد اقتحام عناصر الأمن له، بصورة أثارت الذعر في أوساط مرتاديه، بذريعة “تقديم مشروبات كحولية وأراجيل”، وذلك رغم امتلاك الفندق التراخيص اللازمة لذلك. كما لم نسمع بأي تعليق من جانب السلطات حيال مظاهرة احتجاجية شهدها حي ركن الدين الدمشقي، على خلفية إعادة توظيف عناصر أمنيين سابقين، ضمن جهاز الأمن العام. ووفق المعترضين فإن هؤلاء العناصر ارتبطت أسماؤهم بانتهاكات ضد المدنيين في عهد نظام الأسد.

تصاعدُ الشكاوى، وتفاعل السوريين الكثيف معها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وصولاً إلى التظاهر على الأرض، استدعى تصريحاً من المتحدث باسم الداخلية السورية، التي يتبع لها جهاز الأمن العام، أكد فيه أن الوزارة تعمل على ضبط سلوك عناصرها، وأن أي تجاوز من قبل بعض منتسبيها لا يُمثّل المؤسسة أو الدولة، وأنه يتم التعامل مع هذه التجاوزات بكل جدية. الملفت أن تصريح المتحدث باسم الداخلية، شجّع على ثقافة الشكوى عبر القانون على المسيئين من منتسبيها، لكنه طلب الابتعاد عن أساليب التشهير وتعميم الأخطاء. ولا نعرف إن كان قصده من ذلك، تلك الموجات من الانتقاد الحاد التي تعرض لها الأمن العام جراء تداول الشكاوى المصوّرة أو المنشورة عبر وسائل التواصل. لكن يمكن أن نتلمس من تصريح الداخلية، رغبة القائمين عليها بامتصاص أجواء امتعاض تصاعدت جراء تجاوزات مسلكية متفاقمة من جانب عناصر جهاز الأمن العام.

ويبقى السؤال: لماذا تحدث هذه التجاوزات، وبهذه الكثرة؟ إحدى الأجوبة تتعلّق بالحاجة لتوسيع جهاز الأمن العام الذي كانت ترتكز عليه “هيئة تحرير الشام” بعد سقوط النظام، وتوسع مناطق السيطرة بصورة كبيرة. إذ لم يعد جهاز الأمن العام الذي كان نشطاً في إدلب سابقاً، قادراً على ضبط الأمن الداخلي في مناطق السيطرة الجديدة. وهو ما تطلب تنسيب عناصر جدد، بعضهم من العناصر الأمنية السابقة، وبعضهم من حملة السلاح في السنوات الفائتة.

ويمكن أن نذكر، كيف أشاد السكان المحليون في المناطق التي سيطرت عليها “تحرير الشام” بعيد سقوط النظام، بسلوكيات عناصر الأمن العام حينها. لكن اليوم، في المناطق ذاتها، يشتكي الكثيرون من سلوكيات عناصر الجهاز نفسه. ويتعلق ذلك بالعناصر الجديدة المنتسبة للجهاز، والتي لم تحظ بقدر وافٍ من التدقيق بخلفيتها، ومن القولبة القيمية المطلوبة. ويمكن توقع أن كثير من هؤلاء المنتسبين الجدد، ينظر لهذا الانتساب بوصفه مصدر للسلطة والتسلط على الناس، وربما أيضاً للارتزاق، كما كان يحدث في عهد النظام البائد.

ما هي الحلول؟ قد يكون أبرز ما يملكه السوريون لإعادة تعريف علاقتهم مع الجهاز المسؤول عن أمنهم ومع عناصره، هو ما قاموا به خلال الأسبوع الفائت. وهو ما يجب الاستمرار به في الأيام المقبلة. تكثيف الشكاوى ورفض الانصياع والخضوع للتجاوزات وفضحها، وخلق حالة ضغط مستمرة على السلطات المعنية وعلى عناصرها، كي يُعاد تكييفهم مع “سوريا الجديدة”، تلك التي لا يمكن أن تتحمّل تغولاً أمنياً جديداً على شعبها. فذاك المدخل سيشكّل طريقاً سالكاً مباشرة نحو انهيار الاستقرار فيها، من جديد.

المدن

—————————————

هل صحيح أن حضور الشيخ في سوريا غدا بديلاً للمخابرات؟/ أحمد جاسم الحسين

2025.06.28

أينما تحركت في مجالس المثقفين السوريين وكذلك عبر منصات التواصل الاجتماعي، هذه الأيام، ستجد من يقول لك: السلطة الجديدة في سوريا جعلت الشيخ بديلاً للمخابرات وحزب البعث؟

فهل هذه المعلومة صحيحة وواقع أم أنها محاولة إسقاط فردية على واقع؟

أو تفكير رغبوي لإعطاء صورة عن الحكم الحالي في سوريا أنه حكم ذو صبغة دينية محض؟ وأن الشيخ بما أنه وجه السلطة الدينية هو الذي بات يتحكم بكل شيء؟

مرحلة ما بعد النزاع عادة ليست مرحلة استقرار بل لحظة هشّة، تُعاد فيها كتابة المعايير، لا على الورق فقط، بل في الوجوه والأصوات والأزياء والخطاب. وفي سوريا، التي دخلت مرحلة ما بعد النزاع بتاريخ 8 كانون الأول 2024، انتهت الحرب على الورق، ولم تعد السلطة كما كانت. فالدولة التي خرجت من عبث التنازع غدت كياناً جديداً، يحمل في ملامحه هوية السلفية الجهادية، ممثّلة بـ”هيئة تحرير الشام” التي استطاعت أن تفرض السيد أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) رئيساً انتقالياً، بموافقة دولية نادرة، وبلباس رمزي مكتمل: لحية، وربطة عنق وشعب متلهف لحياة مستقرة.

التدين، في هذه اللحظة المفصلية هو سلاحٌ ذو حدين: قد يكون أداة ترميم للهوية الوطنية إذا ما طُرِح بروح معتدلة، قادرة على احتواء التنوّع السوري. وقد ينقلب إلى أداة فرز وتفكيك، إذا استُخدم لفرض هوية واحدة على مجتمع تعدّدي.

إن فهم “الشيخ” بوصفه بديلاً للمخابرات لا يعني فقط تغييراً في الوجوه، بل تحوّلاً عميقاً في فلسفة الحكم، وشكل الدولة السورية وشعوراً من الناس بأن جهازاً جديداً بدأ يخترق الحياة العامة اسمه جهاز المشايخ. وما تبعه من مصطلحات: هل تعرف الشيخ؟ كله عند الشيخ! بانتظار الشيخ، راح الشيخ، جاء الشيخ.

وبدا الشيخ في كثير من الدوائر ليس له منصب رسمي أو وظيفة إدارية واضحة، لكنه مع ذلك بدا كأنه صاحب الكلمة الفصل. وفي دوائر اخرى هو المدير أو المدير الرديف، وغالباً ما كان رجلاً ملتحياً، الجميع يدرك أنه من القادمين من إدلب، أو من الدائرة التي تديرها هيئة تحرير الشام، وأنه موضع ثقة لدى القيادة العليا.

هذا “الشيخ” لا يشبه رجال السلطة السابقين، أولئك الذين ارتبطت صورتهم بالمخابرات والقمع والفساد. فالشيخ نقيضٌ لهم في جوانب عدة: زاهد في المظاهر، قليل الكلام، لا يميل إلى الاستعراض، ولديه فائض من القوة. يخشاه الموظفون، لا لأنه يملك سلطة قانونية، بل لأنه يمثل نوعاً من المراقب الذي لا يرحم أخطاء الرشوة والفساد.

أتيح لي، بعين السارد، أن أراقب أكثر من شيخ في الدوائر الحكومية السورية مؤخراً، وهم يتحركون في المكان بثقة المتدين الصامت، يُشعرون من حولهم بأنهم مسؤولون عن كل ما يجري في هذه المؤسسة، كأن الدولة كلها وُضعت بين أيديهم. بدا لي فيهم شيء من موظف السبعينيات وما قبلها، صورة الموظف القديم: ملتزم، حريص، نزيه…والجديد لدى المشايخ: ذقن كثيفة وشارب محفوف، لكن ليس دائماً.

قيل لي: إن هؤلاء المشايخ لا يقبلون دعوات الطعام، ولا يقدمون وعوداً لا يستطيعون تنفيذها. يتعاملون مع المناصب العليا كأنها أمانة لا بد من تزكيتها، وغالباً ما يرفعون توصياتهم لمن يرونه أهلاً لها، إن كان من خارج إدلب، واستطاع أن يثبت ولاءه وعمله معهم في فترة من الفترات.

هكذا تشكلت خلال فترة ستة أشهر شبكة غير مرئية من الثقة والتزكية والأدوار، تسير بنظام داخلي صارم، لا تراه في قوانين الدولة السورية، لكنه يحكمها فعلياً من الداخل ما يشبه جهازاً إدارياً إضافياً، لديه داتا خاصة به ولا يقبض أجره من سجل العاملين في الدولة ويسافر جميعهم إلى إدلب في نهاية الأسبوع..

قبل أيام، في دمشق، دخلتُ دائرة حكومية لإنجاز معاملة بسيطة. لم أكن بحاجة إلى واسطة، أو على الأقل هذا ما أقنعتُ نفسي به، قبل أن أجدني أمام رجل ملتحٍ، كما لو أنه يراقب ما لا يُرى. ليس أمامه لوحة وظيفية على الطاولة. ومع ذلك، بدا الجميع ينظرون إليه باحترام، حذرين أمامه، كما لو كان ضميرأً في جسد إنسان، أو ربما شيء من ضمير تاريخ الدولة السورية الإداري.

سألت موظفاً معتقاً بطريقة أريد أن أعرف من خلالها صورة الشيخ عنده: من هذا؟

أجاب همساً مع ابتسامة: الشيخ… هو الذي يرتب الأمور هنا وهو مرجعنا في الصح والخطأ.

بدأتُ رحلتي الشخصية في تتبُّع هذا الكائن الجديد ــ الشيخ ــ الذي احتل مكاناً حساساً في بنية السلطة السورية بعد النزاع، ابتداء من 8-12- 2024. وبات مرجعاً لمراجعين كثيرين في الدوائر الرسمية.

في أثناء خروجي من سوريا قبل أيام، أحالوني إلى الشيخ لأنني لا أزال على قوائم المطلوبين، كان الرجل لطيفاً جداً ولم يأخذ حلّ الموضوع معه أكثر من دقيقتين.

حذرني السائق قبل الوصول إلى المعبر الحدودي: إن شاء الله يكون حظك حلواً والشيخ يكون موجوداً. حمدت ربي أن الشيخ موجود، لو لم يكن موجوداً ربما لاضطررت إلى الانتظار!

لطالما كانت سوريا محكومة من قبل أجهزة الأمن، وكان لرجل المخابرات حضوره الطاغي، وصورته التي لا تحتاج إلى تفسير: الخوف، التخويف، التغول، الفساد، والسؤال عن كل شيء.

أما البعثي، فكان شريكه في التحكم بالمصائر: انتهازي، يحترف اللعب في الظلال ويعرف متى وكيف يصمت أو يهاجم من أجل مكسب صغير. هذا الثنائي ــ الضابط والبعثي ــ صنعا بنية الدولة الفاسدة لعقود.

بعد الحرب، ومع تبدّل القوى والمصالح، بدأ النموذج الجديد يتقدّم إلى الواجهة: “الشيخ”، الذي ينتمي إلى بنية دينية ذات طابع وظيفي جديد. صحيحٌ أن معظم من في السلطة الحالية لم يقرأ لـ هابرماس، أو ربما لم يسمعوا به، لكنهم تمثلوا دعوته لترجمة القيم الدينية إلى لغة عقلانية في المجال العام.

أسئلتي لعدد كبير من العاملين في دوائر الدولة قادتني إلى تشكيل الصورة التالية: الشيخ رجل هادئ، لا يتحدث كثيراً، حاضر في كل ما يجري، يحل النزاعات الصغيرة والكبيرة، يتدخل في تعيين الموظفين، يعطي رأياً في أداء المدير، بل يزكّي فلاناً أو يهمّش آخر.

ليست لديه سلطة قانونية مكتوبة، لكنه يُعامَل كمرجعية. وحين تسأل: من عيّنه؟ لا أحد يجيب. يُقال أحياناً إنه “موفد من هيئة ما”، أو “ثقة القيادة”، أو ببساطة: “الشيخ يعرف الصح من الخطأ”.

قد يقول شخص ينفر من هذه الطريقة: نحن لم ننتقل من دولة مستبدة إلى دولة ديمقراطية. نحن خرجنا من هيمنة المخابرات إلى حضن التدين السياسي. انتقلنا من قبضة الأمن إلى قبضة اللحى: مِن: “طالبينك ع بيت خالتك” إلى “الشيخ ما رضي عنك”.

الفكرة ذاتها، الخوف ذاته، لكنه بلغة مختلفة، وللسوريين قصص كثيرة وطويلة مع الخوف.

تبدأ الأسئلة الأصعب: هل نحن أمام حكومة ظل؟ أم حكومة عميقة جديدة بملامح دينية؟ هل الشيخ بديل مؤقت؟ أم تمهيد لنمط سلطوي جديد مغلف بالشرعية الدينية الذكورية؟

من حيث المبدأ، هل يُمكن، المقارنة بين صورة رجل المخابرات وصورة الشيخ؟ وإذا فعلنا ذلك، فهل نرتكب خطأً أخلاقياً؟ أم نمارس نقداً مطلوباً في لحظة وطنية حرجة؟

لم أسمع شكوى حقيقية من “الشيخ” من خلال ملاحظات من عدد من الموظفين الذين التقيتهم، بالعكس، كثيرون قالوا لي: “هو يحاول يضبط الأمور”، أو “لو كل الدوائر فيها شيخ كنا بخير”. هناك من يفضّل وجوده لأنه أكثر نزاهة من أي مدير حكومي من أيام النظام المخلوع، وأكثر اهتماماً بمصالح الناس، كما قال لي أحد الموظفين!

حين يحضر الحديث عن اسم الشيخ يكون عن الأخلاق وليس عن الكفاءة! كأن السلطة الحالية تقود سيارة متعبة منهكة خارجة من الحرب بموتور نصف حصان!

سمعت أيضاً أن بعض هؤلاء المشايخ لا يقبضون راتبهم من الدولة، بل يتلقون رواتبهم من مصادر غير معلنة من خلال تطبيق خاص أو جدول رواتب خاص غير معلن، ما جعل الموظفين القدامى يتذمرون: “لو عندنا رواتبهم ما اضطررنا للفساد”.، بل يقال: إن هناك دولة عربية هي التي تمول رواتبهم.

لستُ متأكداً مما قاله الموظفون الحكومون المعتقون إنهم لو كان لديهم راتب يكفيهم لما ارتشوا، فالفساد الإداري معشعش في السلك الحكومي السوري، والرشوة تخرج مع الشهيق والزفير لدى عدد كبير من موظفي الإدارة!

كثير من هؤلاء المشايخ يحملون نوايا حسنة، بعضهم متعلم، جامعي، مثقف، مسؤول، وبالتأكيد حريص على البلد سوريا. لكن النوايا الحسنة، حين تتحول إلى بنية سلطوية، تنتج ــ مع الزمن ــ طبقة جديدة، قد تكون أكثر خطورة من سابقتها لأنها مغلفة بالقداسة وتملك الحقيقة والصح والخطأ، بحيث يرتبط المجموع بالشخص وليس بالنص القانوني.

بعض الموظفين تحدّثوا بِغيرة، وبعضهم الآخر أشار إلى حالة من “الانضباط القيمي” التي يحاول الشيخ فرضها. لكن هذا الانضباط لا يقوم على القانون، بل على التقاليد أو الحلال والحرام أو ما يشبههما.

وهنا مكمن الخطر: نحن نعيش في جهاز دولة تعيش في ظلال دولة عميقة، حيث القانون موجود، لكن الشيخ يُفسّره ويسيّره ويقرره. ثمة شخصنة للدولة، وهذا مرعب ومن الصعب أن يستمر، فالبلدان لا يمكن أن تدار على المدى الاستراتيجي بهذه الطريقة!

حضور الشيخ المشرف على العمل الحكومي في الإدارة السورية يحيلنا إلى فكرة “الوصاية الدينية على الدولة”. وهذه الوصاية ليست جديدة في سوريا، لكنها تأخذ اليوم شكلاً آخر.

لنقارن بتجارب أخرى في الجوار: النموذج العراقي، حيث الطائفية تحكم التوزيع والمناصب؛ النموذج اللبناني حيث المحاصصة الطائفية؛ والنموذج المصري حيث يسيطر الجيش على معظم مفاصل الدولة واقتصادها.

“من حرر يقرر”. أي أن من شارك في القتال أو الثورة أو “التحرير في لحظة النصر نهاية العام الماضي”، هو الأجدر بأن يتولى مسؤولية إدارة المناطق، تفسير سوري سلطوي لفكرة الشرعية الثورية يستمد زخمه من لحظة امتلاء فهل تسطيع هذه العبارة أن تحمل بلداً معقد التفاصيل مثل سوريا؟

ألا تفتح هذه الحجة الباب لطائفية مقنّعة؟ أليس في الأمر إقصاء لباقي مكونات المجتمع السوري؟ أين السوريون الآخرون الأكفاء؟ وهل من لا ينتمي إلى المشروع الديني الإدلبي غير مؤهل إدارياً أو أخلاقياً؟

لا تريد السلطة أن تدير الدولة بالكفاءة وحدها، بل بالأخلاق والثقة وفقاً لمفهومها هي لهما، هل يكفي ذلك لبلد مثل سوريا؟ ولماذا نغيِّب الكفاءات السابقة إن لم تكن فاسدة؟ هذا السؤال كثر حضوره في الأيام الأخيرة!

سألت أحد المعنيين عن سبب تغييبهم فردّ علي: لا يزال هناك آلاف من كوادرنا غير مفعلين؟ رددتً عليه: ماذا تعني بغير مفعّلين؟ قال: لم يستلموا مناصب بعد!

كأنه كبّ على وجهي سطل ماء بارد! هذا يعني أننا نحن السوريين الآخرين نأتي بعدهم؟ لم أشأ متابعة النقاش كي لا أسمع إجابة تقهرني.

لا أريد أن أنفر من هذا البلد الغالي سوريا، الذي عذبني وعذبته، كم تعذبنا حتى نصل إلى هذه اللحظة!

ربما آن الأوان لطرح سؤال جوهري: هل الدولة تُبنى بالقانون والمؤسسات؟ أم بالنية الحسنة واللحية ؟

إذا كانت الدولة الحديثة كياناً محايداً يحتكر كثيراً من تفاصيل المواطنين ليعيد توزيعها بشكل عادل، فإن وجود “الشيخ” كسلطة عليا في كل دائرة يُعيد إنتاج منظومة تفضيل واستبعاد، وحده من يمكلك أنظمتها الداخلية ووصفاتها، قد تقودنا إلى نسخة أخرى من الاستبداد، لكن هذه المرة باسم الدين السلفي القادم من إدلب.

ما نحتاجه في مرحلة ما بعد الحرب ليس نموذجاً بديلاً عن المخابرات، بل تفكيكاً لمنطق السيطرة ذاته، سواء أكانت بالقبضة الأمنية أو بعباءة الدين.

نحتاج إلى بناء ثقة بين المواطن والدولة والقانون، حيث يُحترم العامل في الدولة لا لأنه قريب من الشيخ أو قادم من الاتجاه الديني ذاته، بل لأنه مؤهل، نزيه، وعادل وكفء ومثابر ومخلص لعمله وملتزم بالضوابط القانونية. ولديه خطة لتطوير مديريته وتخفيف الإجراءات على المواطنين.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل وجود الشيخ بهذه السلطات المفتوحة في الدوائر الرسمية الحكومية هو ظاهرة مؤقتة في مرحلة انتقالية؟ أم أننا أمام نواة جديدة لحكومة عميقة؟ الزمن وحده سيجيب، لكن علينا أن نُبقي أعيننا مفتوحة، لأن الاستبداد – كما قال برتولد بريخت – لا يموت، بل يغيّر ملامحه!

تلفزيون سوريا

———————————-

سوريا تبدل الضابط بالشيخ… هل عاد زمان الحسبة؟/ طارق علي

مجهول الهوية والدور والوظيفة ولكنه قادر على تغيير مسار الأمور في النزاعات والتحكم في حياة الناس من خلف الكواليس

السبت 28 يونيو 2025

انكفاء مؤسسات الدولة الحيوية وتفتتها وتشرذمها عقب التحرير أسهم في صعود دور “الشيخ” كسلطة موازية تحظى بامتيازات خارج القانون المرعي والدستور الناظم، ولا يشترط فيه أن يكون من أهل العلم أو الفقه أو الدراسات العليا، ولا أن يكون رجل دين تقليدياً أو زعيم عشيرة أو منظراً دينياً، قد يكون مجرد شخص عادي يحظى بقاعدة نفوذ مقبولة في محيطه ومحيط السلطة التي تتجاوز عن سلوكياته وتتقبلها في إطار الفوضى القائمة وإيمان عناصر أمنية بشرعية رأيه وصوابيته.

عقب انتصار الثورة السورية وسقوط نظام بشار الأسد أواخر العام الماضي، استبشر السوريون خيراً بمرحلة جديدة تمحو ما سبقها من عقود طغيان وديكتاتورية واستئثار بالرأي والقرار والشمولية الفردية في الحكم عبر أجهزة القمع وضباط الاستخبارات والمتنفذين من الشبيحة وزبانيتهم.

حلم السوريون ببناء دولة حديثة وعصرية تقوم على أسس المواطنة والعدالة والحرية واحترام الآخر وسيادة القانون وعقلية الدولة الجامعة التي تحتضن جميع أبنائها تحت السقف الدستوري الضامن لحقوقهم، مستندين إلى كلام رئيسهم الانتقالي أحمد الشرع في غير مناسبة بأن الثورة انتهت مع إسقاط النظام، وآن وقت بناء الدولة بعقلية الجماعة/الدولة، التي ستكون لجميع أولادها.

واقع آخر

لكن الأيام والأسابيع والأشهر اللاحقة للتحرير لم تحمل في طياتها تلك الآمال العريضة، وفي أحيان كثيرة لم تقترب منها حتى، وذلك لعوامل عدة على رأسها الانتهاكات التعسفية التي لم تتوقف، ومشكلات السلطة مع مكونات مختلفة من الشعب بأعراقه وطوائفه، فضلاً عن استبدال مفاهيم السلطة التقليدية بالسلطة الشرعية التي تحكم من خلف الستار مجريات الأمور التي تلامس حياة المواطنين اليومية فتتعدى عليهم بقوة الأمر الواقع، وفي الغالب دونما أسباب منطقية لتصل إلى الضرب والتحقير والإهانة والاعتقال، وخلف تلك الأحداث ثمة شخص يسمى “الشيخ”، مجهول الهوية والوظيفة والدور الفعلي ولكنه قادر على تغيير مسار الأمور في النزاعات والمواقف الفردية أو الجماعية، وهو ما صار جلياً بما لا يمكن التغاضي عنه، فـ”الشيخ” يأمر وينهي وبيده القرار، وهذا الشيخ يتغلغل في مؤسسات الأمن والقضاء والمجالس المحلية وغيرها، وقد لا يكون شيخاً بالمعنى التقليدي أكثر منه لقباً، لكنه يمتلك قدرة البت الفعلي والأمر بالمحاسبة، وهو عرف حمله القادمون المحررون من إدلب معهم إلى دمشق فسوريا بمحافظاتها التي صارت تحت سيطرتهم.

صعود “الشيخ”

انكفاء مؤسسات الدولة الحيوية وتفتتها وتشرذمها عقب التحرير أسهم في صعود دور “الشيخ” كسلطة موازية تحظى بامتيازات خارج القانون المرعي والدستور الناظم، ولا يشترط فيه أن يكون من أهل العلم أو الفقه أو الدراسات العليا، ولا أن يكون رجل دين تقليدياً أو زعيم عشيرة أو منظراً دينياً، قد يكون مجرد شخص عادي يحظى بقاعدة نفوذ مقبولة في محيطه ومحيط السلطة التي تتجاوز عن سلوكياته وتتقبلها في إطار الفوضى القائمة وإيمان عناصر أمنية بشرعية رأيه وصوابيته.

وجود هذا “الشيخ” جاء نظيراً للنافذين في مناطق النظام منذ اندلاع الثورة وانكفاء الأحياء والمدن على بعضها، وبات بيده اتخاذ قرارات ما فوق قانونية من اعتقال وتعذيب واستحصال اعترافات وجلد وما إلى هناك، وصولاً إلى تسوية الخصومات والتدخل في قضايا ذات أبعاد قانونية خارج إطار القضاء وقوانينه الرسمية، كما يملك سلطة البت في الأمور المتعلقة بالأموال والممتلكات وتوزيع المساعدات والسيطرة على صناديق الأموال في المجالس المحلية وغيرها، وكلما ابتعد مركز وجود الشيخ عن قلب المدن نحو الأرياف ازدادت صلاحياته ونفوذه.

نريد دولة

برز دور “الشيخ” بوضوح عقب آخر حادثة أمنية إثر تفجير كنيسة “مار إلياس” في حي الدويلعة الدمشقي في الثلث الأخير من يونيو (حزيران) الجاري، حيث واجه الوكيل البطريركي في الكنيسة الأنطاكية الأرثوذكسية، الأسقف رومانوس حنات، أحد مسؤولي السلطات الحالية أمام عدسات الإعلام بقوله “ما هذا الذي نعيشه؟ المسؤول عني الشيخ فلان، والشيخ علان، لا يوجد شيء اسمه شيخ، هناك دولة، وإلا فليذهب كل شخص ويفتتح متجراً باسمه”.

حمل تصريح الأسقف الكنسي صرخة عالية حظيت بتفاعل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، التي أيدت ما قاله وأثنت عليه، فيما اعترض آخرون بطبيعة الحال عليها، ولكنها بمجمل الأحوال حملت أهمية تنطلق من كونها نابعة عن شخصية كنسية وازنة أجملت اعتراض شريحة واسعة على الطريقة التي تدار بها شؤون البلاد من خلف الستار، عبر شخصيات مجهولة يمكن التهديد بحضورها في أية لحظة.

أن تحتشم أولاً

حمل يونيو الجاري قصصاً مليئة بتدخل “الشيوخ” في تفاصيل الحياة العامة والقانونية، ففي حي القصاع المسيحي في دمشق حاولت أخيراً عصابة خارجة على القانون اقتحام منزل بغرض سرقته، لكن تدخل الجيران حال دون إمكانية إتمامهم مهماتهم، وبعد ذلك أبلغ أصحابه الأمن العام بما حصل لتحضر دورية أمنية وتتولى القيام بعملية التحقيق، تلك الدورية جاءت وعلى رأسها “الشيخ” الذي لا يحمل صفة أمنية واضحة، وفوجئ أصحاب المنزل كما يقولون بطلب غريب، هو أن تحتشم سيدة المنزل في لباسها ليتمكن “الشيخ” من الدخول واتخاذ إجراءاته القانونية، الشيخ قال “لا يمكننا البدء من دون أن تتستر هذه السيدة أولاً”.

أصحاب المنزل، الذين لم يرغبوا في التصريح بأسمائهم على رغم تداول القصة على نطاق واسع، أكدوا أنهم مسيحيون، لذا فوجئوا بالطلب الذي اعتبروه غريباً ولم يطلب منهم سابقاً بأية طريقة، سيما وأن السيدة كانت ترتدي لباساً منزلياً عادياً، وهي ليست بعمر صغير.

هيبة الشيخ

بالتزامن، عناصر من الأمن الداخلي اقتحموا منزلاً لأسرة في ضاحية “حرستا” جنوب دمشق، بناء على معلومات وردتهم بأن سكان المنزل الحاليين قد استأجروه من ضابط سابق في قوات الأسد، فقام أحد أفراد الأسرة، وهو مازن حيلاني، بإبراز عقد الإيجار الرسمي المصدق من البلدية الذي يوضح أنهم استأجروا المنزل من شخص لا علاقة له بالسلطة السابقة بأي شكل، وبأن عقد الإيجار سليم بالمطلق ولا يحمل أية شبهات، وفي الأثناء كان مازن يخضع داخل منزله لما يشبه جلسة استجواب أو تحقيق ركزت على طائفته وعمله وميوله ورأيه بالسلطة، وبعد التحقق من أن لا شيء يدينه وأسرته لم تغلق القضية، بل طُلب منه أن يراجع بعد يومين النقطة الأمنية في المنطقة للقاء “الشيخ” والحديث إليه.

لم يستطع مازن بحسب روايته لـ”اندبندنت عربية”، الانتظار ليومين، فقام في صباح اليوم التالي باصطحاب ابن عمه والتوجه للنقطة الأمنية، سمح له بالدخول وحيداً فيما طلب من قريبه المغادرة، وفي الداخل انتظر لأكثر من ست ساعات حتى حضر “الشيخ”، يصف المشهد قائلاً “علمت بحضوره من قبل أن أرى وصوله، فجأة استنفرت النقطة الأمنية وكأنها تقف على قدم واحدة، بدا الجميع متهيباً وصوله، وحين لقائي به اكتفى بالقول: لم يثبت عليك شيء، يمكنك الذهاب ولكن توقع زيارتنا في حال اكتشفنا أمراً غير صحي، واترك عقود الإيجار لدينا هنا”.

ويضيف مازن “حقيقة لم أفهم دور الشيخ بين عناصر الأمن أولئك، لكن كان واضحاً جداً مدى الخشية منه ومهابته وتمكنه من الحزم والنهي والأمر والتحكم بأدق مجريات الأمور، ببساطة وبإشارة صغيرة كان يمكنه مصادرة منزلي ولكن الحظ حالفني، لربما كان في مزاج جيد حينها”.

موقف السيارة

بعد 11 عاماً من الغربة قرر الشاب خليل العموري زيارة مدينته حلب لبضعة أيام ورؤية أهله، مستبشراً بخير التحرير والعهد الجديد، لكن يومه الأخير في البلاد جاء كما لم يتوقع وما لم ينتظر.

القصة بدأت حين ركن سيارته في أحد شوارع المدينة، ليطلب منه أحد الأشخاص إزالتها، فدخل خليل معه في جدال على إثره تم استدعاء “الشيخ” الذي هدده بالضرب المبرح بعد اعتداءات لفظية كثيرة، وما هي إلا دقائق قليلة بحسب رواية العموري، حتى انهال عليه عدد من العناصر الأمنيين بالضرب والتحقير، قبل أن يصوب أحدهم سلاحه نحو رأسه قائلاً له “سوف أرديك”، حصل ذلك على مرأى ومسمع من شقيق الضحية.

قال خليل “كلما رفعت رأسي لأتحدث كانت الضربة جاهزة، شتائم، إهانات، وصفونا بالشبيحة والخنازير، ووضعونا في أرضية السيارة كأننا أسرى حرب، ثم اقتادونا إلى مخفر قرب جامع الحسن بتهمة النيل من هيبة الدولة، هناك لقينا نصيبنا الإضافي من الضرب والإهانات، وتم تصويرنا كمجرمين قبل إدخالنا إلى غرفة التوقيف من دون وجود تهمة حقيقية، وحين طالبت بعرضي على القضاء جاء الجواب من أحد العناصر: هذا شعب لا يفهم إلا بالدهس”.

لاحقاً جرى إخراج خليل وشقيقه مع آثار تعذيب شديدة وواضحة على جسديهما، وذلك عقب زيارة لبلده قد يفكر كثيراً قبل أن يعيدها مرة أخرى.

محكمة الشارع

في قصة مشابهة تعرض الصحافي السوري أمجد الساري لما وصفه بأسوأ موقف تعرض له في بلده منذ التحرير، ذلك الموقف جاء إثر التقاط الصحافي صورة عادية لواجهة السفارة الإيرانية بحي المزة الدمشقي، لكن القصة استطالت واتخذت أبعاداً كبرى لتفضي إلى اتهام الصحافي بالعمالة، وليرزح تحت وابل من الاتهامات الشديدة الأخرى.

لم يكن أمجد يدرك وجود نقطة أمنية قريبة من المنطقة، ولم يقصد من الصورة شيئاً قبل أن يقترب منه أحد العناصر سائلاً إياه عما صوره، مطالباً بتفتيش هاتفه، لكن أمجد رفض قبل أن يأتيه الجواب من العنصر “هل تعتقد نفسك في لاس فيغاس؟”، فأجاب “ولم لا؟ ألا نستحق أن نكون مثلهم؟”.

بعيد ذلك بقليل حضر شخصان أمنيان على متن دراجة نارية، أحدهما عرف عن نفسه بأنه من الأمن الدبلوماسي، وطلب هوية أمجد ناصحاً إياه بالتعاون معهم لمساعدته، أجاب “وهل أنا متهم من أجل صورة؟”، فجاءه الرد الصادم “ربما تكون عميلاً للموساد”، وأضاف العنصر “بنظري كل الناس مجرمون حتى يثبتوا العكس”.

تحت الضغط قام أمجد بمحو الصورة، لكن التحقيق لم يتوقف، بل استمر وازداد شراسة، وكان على الدوام يتم تهديده باستدعاء “الشيخ”، ولم يتوقف عناصر الأمن عن تهديده “لا نزال متعاونين معك، ولكن إن جاء الشيخ فلن تعلم أي مصير سينتظرك”.

تدوير المرحلة

وجود “الشيخ” في أدق مفاصل الحياة المدنية المرتبطة بيوميات الناس ومعيشتهم بات حملاً ثقيلاً يقوض في بعض مناحيه مجرى العدالة الافتراضية والانتقالية في آن، ويكرس صورة الدولة المحمولة على الشريعة، لا على القوانين المدنية بحسب ما يقتضيه علاج كل حالة.

وما استرعى الانتباه أخيراً والاستغراب أيضاً، هو وجود نائب الرئيس للشؤون الدينية في لجنة اختيار رؤساء الجامعات الحكومية، إذ تساءل البعض عن فحوى وجود شخصية دينية في حدث علمي أكاديمي بحتٍ يقدم خدماته لمئات آلاف الطلبة من مختلف المشارب والمذاهب والأعراق، تلك الأشياء كلها حرضت صحفاً غربية لتتساءل عمن يكون “الشيخ” في سوريا، وكيف يحكم من خلف ظلال ستارة الحكم، من دون الوصول إلى نتائج حتمية كافية تبرهن على ضرورة هذا الوجود وهذا القدر من القوة الممنوحة له، فيما يسأل سوريون باستهجان عن إعادة إنتاج الماضي الذي تجاوزوه بصبر، ولكن بصورةٍ أكثر غرابة تعوض الضابط بـ”الشيخ”، وتعوض الرفيق البعثي بالرجل الديني في القرار، ولو على مستوى جامعة علمية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى