الديمقراطية بين السلطة والمعارضة/ غسان المفلح

أبريل 7, 2026
في الواقع ما جعلني أكتب عن هذا الملف الشائك ما حدث خلال هذه الأيام. أولاً التظاهرات التي خرجت بحجة التضامن مع فلسطين، على إثر قرار الكنيست الإسرائيلي بإعدام الأسرى الفلسطينيين. السبب الثاني هو ما كتبته نيويورك تايمز عن المخطوفات “العلويات” في سوريا.
بالنسبة لملف نيويورك تايمز، فببساطة هنالك عمليات خطف حدثت: نعم. لكن ليس بقرار من السلطة. إلا أن هذا لا يعفي مسؤولية السلطة عن هذا الملف، لكونها مسؤولة عن أمن المواطن السوري. هنالك تقارير حقوقية دولية بقضايا الخطف، يجب التعامل معها بشفافية من قبل السلطة. والإنهاء الأمني والقانوني لهذا الملف.
هنالك حدث يجب عدم التقليل منه، وهو خروج تظاهرات تنادي بالجهاد وتحمل الرايات البيضاء والسوداء في مناطق كثيرة. إضافة إلى الاعتداء مرتين على السفارة الإماراتية. الخارجية السورية أصدرت بياناً رافضاً ومندداً بمثل هذا السلوك، كما أعلنت اعتقال من قام بهذا السلوك.
هذا الحدث يظهر بلا مجاملات أن هنالك شرخاً واضحاً في البلد. لا أريد التطرق طبعاً لدور دول في ذلك، كي لا ندخل في باب التكهنات. بل ما أريد قوله ببساطة: إن هذه التظاهرات الغاية منها في خطابها وراياتها وشبكة ملفوظاتها، لم تكن فلسطين، بل السيطرة على الفضاء العام السوري، بهذه الرايات وهذه اللغة ومن يقف خلفها. الأعداد التي خرجت لم تخرج عفوية بل كانت منظمة، وبشكل واضح جداً، والدليل أن في معظمها كان هنالك خطيباً جاهزاً، ليدلي بدلوه الجهادي! من أين أتوا هؤلاء؟
هنالك حالة حرب استثنائية تنعكس على كل دول المنطقة، وسوريا في القلب منها. رغم محاولة السلطة أن تبعد سوريا عنها، لكن هؤلاء يريدون إدخال سوريا بها لمصلحة إيران. ببساطة أيضاً لكل حدث سياسي سياقه. في هذا السياق، هؤلاء يخدمون المحور الإيراني. هؤلاء لا يمكن أن يكونوا جزءاً من كتلة ديمقراطية في البلد.
هذه الكتلة الديمقراطية في الحقيقة أكثر ما تحتاجه البلد في هذه المرحلة والمراحل اللاحقة. إنها الامتحان الحقيقي للسوريين. لأنها تعني دولة القانون وحقوق الإنسان والحريات العامة والفردية وفقاً للقانون. الحامل الدولي للبلد والسلطة الآن لديه أولوية إنهاء الحرب، التي سبق وكتبت عنها في هذا المنبر. لكن هذا الحامل الدولي لا يقبل بأي حال من الأحوال أن يحكم من خرجوا في هذه التظاهرات سوريا، مهما كانت مصالحه.
الحامل الدولي متفق على عنوان عام وعريض هو” تعافي سوريا”، لكن خلف هذا العنوان هنالك دول لها مصالح متناقضة أحياناً في التعاطي مع هذا التعافي والخطوات الواجب اتخاذها. مثلاً، المصالح الفرنسية غير المصالح الأمريكية. لهذا، فالسلطة تجد قبولها الدولي برحابة يفتقدها قسم مهم من جمهورها السوري.
ما حدث من تظاهرات هو جرس إنذار للسوريين جميعاً سلطة ومعارضة. حيث كادت البلد أن تفلت في بعض المناطق، جراء هذه التظاهرات. ماذا يعني رفع علم حماس في دمشق؟ ماذا يعني رفع العلم الأسود في دمشق؟ ماذا يعني خروج ملثمين مسلحين في درعا يدعون للجهاد؟ هذه وغيرها من التصرفات، ليست عفوية. يجب أن تخرج الحكومة بموقف واضح مما حدث.
رغم أن هنالك بعض المسؤولين في السلطة أشادوا بالتظاهرات، فهل هذا موقف فردي أم هو موقف السلطة؟ إذا كان موقف السلطة ككل عليها أن توضح ذلك، كي نعرف اتجاه البلد. لأننا في الواقع أمام حالة هجينة غير معرفة دستورياً ولا حقوقياً ولا حتى ممارساتياً.
أنا هنا أريد ملاحظة ما قاله الرئيس الشرع في مقابلته مع تشاتام هاوس أثناء زيارته للندن. ما أعلنه يحمل “بذور توجه ديمقراطي”. لكن هل هذا كاف للحكم على ممارسات السلطة على الأرض؟ أظن أن ما يحدث على الأرض لا يبرهن على هذا الإعلان. بل يعطي إشارات متناقضة. السبب أن تشكيل كتلة ديمقراطية هي التي تضع اللبنة الأساسية لنظام ديمقراطي. فهل ممارسات رجالات السلطة تشير إلى هذا الاتجاه؟ هذا الإعلان الرئاسي سيبقى حبراً على ورق، ما لم تتبنه كتلة ديمقراطية واضحة.
بغير ذلك يعطى الأحقية للقول المعارض بأن “السلطة فقط ترضي الخارج، لكنها تتصرف بعكس ذلك في الداخل”. سبق أيضاً أن عالجت على هذا المنبر هذه القصة، في مقال بعنوان “هل السلطة السورية انتقالية أم دائمة؟”. السؤال عن الكتلة الديمقراطية للسلطة يجب أن يكون حاضراً بقوة، وإلا نحن أمام خلطة سياسية يمكن أن يستثمرها أي طرف لا يريد خيراً للبلد، كما حدث في التظاهرات المذكورة.
من جهة أخرى يتحدث بعض المهتمين بالشأن السوري عن صراع خفي أو علني بين الكتلة الإسلامية التي حول السلطة وداخلها. منهم من اعتبره قد خرج للعلن. هذا الصراع سواء كان موجوداً أم لا، فما يحفظ البلد بعيداً عنه، أن يبقى في مشهد ديمقراطي. إن لم يكن موجوداً، مع تبني هذه الكتلة عملياً للعلم الأسود، فسوريا لن تنجو ولن تكون بخير!
لهذا، عندما اشتققت شعار” سوريا ستنجو” كنت معتمداً على الحمولة الدولية بالدرجة الأولى، وعلى التغير الذي حدث في النقلة التي قامت بها هيئة تحرير الشام. فهل هذه النقلة كانت استراتيجية أم تكتيكية؟ أرجح حتى اللحظة أنها كانت استراتيجية، لأن الحامل الدولي ليس ممكناً إطلاقا الضحك عليه.
تعتمد رؤيتي على مهمتين؛ الأولى ولها الأولوية: السلم الأهلي في مرحلة انتقالية حساسة والجميع يعرف تفاصيلها، وهذه المرحلة البلد قطعت شوطاً مهماً في تجاوز الخطر. أما المهمة الأخرى: فهي قيام نظام ديمقراطي يشبه النظام التركي، كما طرحته منذ اليوم الأول للتحرير.
إذن، نحن جميعاً، سلطة ومعارضة، معنيون برؤية هذه الكتلة الديمقراطية حول السلطة وداخلها وخارجها كي تنجو البلد فعلاً. لم اتطرق للمعارضة في هذه المادة لأنها تحتاج لمادة لوحدها.
الثورة السورية



