تحقيقات

إقصاء أم ابتعاد.. المعارك السورية خسرت ضباطها المنشقين/ حسام المحمود | خالد الجرعتلي | حسن إبراهيم

شكّل إعلان المقدم المنشق حسين هرموش، في حزيران 2011، وإطلاق ما عُرف حينها باسم “تجمع الضباط الأحرار”، البداية لانفراط عقد قوات النظام السوري، بعد أشهر قليلة من اندلاع الثورة في آذار 2011.

هذه البداية تبعها، في تموز من العام نفسه، إعلان العقيد رياض الأسعد تأسيس “الجيش السوري الحر”، ودعوته عناصر وضباط قوات النظام إلى الانشقاق عن صفوفها، ما أحدث شرخًا في صفوف المنظومة العسكرية، استنزف مؤسسات النظام العسكرية وأفقدها كثيرًا من قوامها البشري.

وبعد الإعلانين السابقين، وبشكل متتابع، تكاثرت في سوريا الفصائل المعارضة المسلحة، دون أن تندرج بالضرورة ضمن المؤسستين اللتين أعلن عنهما ضابطان سوريان للوقوف في وجه قمع النظام السوري للحراك الثوري السلمي آنذاك.

وبعد أكثر من عشر سنوات على اندلاع الثورة السورية، أنتج تعدد الفصائل واختلاف ولاءاتها وانتماءاتها الفكرية ومرجعياتها الأيديولوجية والتمويلية قيادات تتفاوت خبراتها العسكرية على الأرض، بين قيادات ذات خلفية عسكرية، وأخرى اكتسبت خبرتها من مسرح المعارك، إلى جانب حالة إقصاء للضباط المنشقين، وبروز دور القيادات المدنية على الجبهات.

تناقش عنب بلدي في هذا الملف مع مجموعة من الخبراء والمحللين العسكريين والباحثين، حالة الإقصاء التي تعرض لها الضباط وأبعادها، وحجم الدور العسكري لهم ومدى تأثير غيابهم على مجريات العملية العسكرية في سوريا.

قرار دولي بالإقصاء؟

تواجه الثورة في هذه الفترة التي تتراخى بها قبضة المجتمع الدولي مع النظام السوري، بعض المشكلات التي ولّدت انتقادات وحالة من عدم الرضا لدى الشارع المعارض.

وأبرز تلك المشكلات التكليف بالمناصب لغير الخبراء فيها، ما أفضى بدوره إلى الفصائلية والتحزبات والخلافات الداخلية، التي قُتل وهُجر كثير من مقاتلي المعارضة بسببها.

وحول العوامل التي أنتجت هذا الإقصاء، قال الخبير في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية اللواء محمود علي، لعنب بلدي، إنه منذ بداية الحراك العسكري في الثورة السورية، اتُخذ “قرار دولي” بعدم استيعاب الضباط المُنشقين عن قوات النظام.

ويعتبر اللواء أن بعض الفصائل اليوم يقودها من أسماهم بـ”القادة الثوريين”، تحوي قادة عسكريين يحملون رتبًا عسكرية، لكنهم لا يملكون صلاحيات لإصدار أوامر أو قرارات، ويقتصر وجودهم على كونهم واجهات لقادة مدنيين لا يملكون خلفية عسكرية بالمطلق.

وبحسب معلومات تحققت منها عنب بلدي، فإن فصائل “الجيش السوري الحر” التي كانت تستجرّ دعمها من غرفة تنسيق الدعم (موك) التي كانت تضم مجموعة من الدول، من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا ودول خليجية، كانت تقدم أوراقها لإثبات فاعلية هذه الفصائل الأرض، وكانت هذه الأوراق تضم أعدادًا كبيرة من أسماء الضباط والعساكر المنشقين عن النظام السوري، لكن معظمها كانت أسماء وهمية، أو تعود لأشخاص موجودين خارج سوريا.

ويعتقد أحد القادة الميدانيين في فصيل “كتائب ثوار الشام” الذي حلّته “هيئة تحرير الشام” عام 2017، أن عشوائية الدعم أسهمت بنبذ القادة العسكريين والمختصين عبر دعم مجموعات يقودها مدنيون يعملون على استجرار أكبر دعم مالي ممكن بغض النظر عن الجدوى العسكرية أو الميدانية.

وأضاف القيادي، الذي تحدث لعنب بلدي لكنه تحفظ على نشر اسمه لأسباب أمنية، أن الدليل على هذا التوجه من قبل قادة بعض الفصائل، بحثهم عن داعم جديد وتوجههم للمشاركة في معارك “درع الفرات” و”غصن الزيتون” التي دعمتها تركيا، وإعراضهم عن جبهات القتال ضد النظام.

الفوضى سبيل للإقصاء

من أشهر المعارك التي قادها ضباط منشقون عن قوات النظام قبل استيلاء الدعم الأجنبي على مفاصل العمل العسكري، معركة السيطرة على معبر “باب الهوى”، في أيار 2012، التي قادها العقيد محمد رزوق، وقُتل فيها، ومعركة “مدرسة المشاة”، التي أدارها قائد “الأركان العسكري” في “لواء التوحيد”، العقيد يوسف الجادر المعروف بـ”أبو فرات”، وإلى جانبه مجموعة ضباط وصف ضباط منشقين عن قوات النظام وقادة مدنيون.

كما برز قياديون مدنيون (أو ثوريّون) خلال السنوات الأولى من الثورة إلى الساحة العسكرية، استطاعوا تحقيق تقدم عسكري على الأرض، ووضعوا بعض المناطق خارج سيطرة النظام.

ومن أبرزهم قائد “لواء التوحيد”، عبد القادر الصالح، الذي قُتل، في 18 من تشرين الثاني 2013، متأثرًا بجروح بالغة أصيب بها إثر استهداف طيران النظام أحد اجتماعات القادة العسكريين في “اللواء” داخل “مدرسة المشاة” التي سيطر عليها “اللواء” في كانون الأول عام 2012، بعد حصارها لثلاثة أسابيع، قبل أن يسيطر عليها النظام مجددًا في تشرين الأول 2015.

لكن فوضى العمل المسلح تعد اليوم إحدى أبرز المشكلات التي يعاني من آثارها السوريون، والتي أسفرت عن العديد من القتلى جراء اشتباكات مسلحة نتيجة خلافات داخلية بين فصائل المعارضة، ما يثير التساؤلات حول تحويل العمل المسلح في الساحة السورية إلى بنادق غير منظمة، جراء غياب القوانين الضابطة والمنظمة لعمل الفصائل والعناصر.

المحلل العسكري العقيد فايز الأسمر، اعتبر ما أسماه “فوضى العمل المسلح” ضرورة لإقصاء عمل الضباط المُنظمين لهذه العملية، وتحويل الميدان إلى شكله الفوضوي الحالي، لتجريد هؤلاء الضباط من أدوات وأسباب البقاء في هذه الميادين، ودعم القادة المدنيين لتقوية ما وصفها بـ”انحرافات كبيرة عن أهداف الثورة”.

وأشار الأسمر إلى أن إبعاد ضباط “الثورة” عن المشهد العسكري، ومنح القيادة لمدنيين بعيدين عن الاحترافية بالعمل العسكري وتكتيكاته وخططه، سبّب ارتفاع الخسائر بالعتاد والأرواح على الصعيد العسكري والميداني، ما يعني إطالة عمر النظام السوري.

وتعتبر عمليات الإقصاء الكبرى التي تعرض لها الضباط، تلك التي أجرتها الفصائل “المتطرفة” وداعموها من “السلفيين”، وتنظيم “القاعدة”، وآخرون، وفق حديث العميد المنشق أحمد رحال، الذي يشير إلى نظرة تلك المجموعات للضباط على أنهم عثرة في طريقها، وفق تعبيره.

ولفت رحال، في حديث إلى عنب بلدي، إلى الأحكام التي أطلقتها فصائل “جهادية”، مثل “جبهة النصرة” التي صار اسمها “هيئة تحرير الشام”، بالردّة والكفر لإقصاء شخصيات وضباط متخصصين استراتيجيين وعسكريين من الميدان العسكري السوري، إضافة إلى قادة مدنيين رفضوا التخلي عن سلطتهم في العمل العسكري لأصحابه وأصحاب الجدارة به، فخرجوا بنظريات جديدة لإقصاء هؤلاء الضباط، بتهمة أنهم “بعثيون”.

وأوضح رحال أن أحد العوامل التي أثرت على إقصاء الضباط بشكل كامل، كان وعي القادة المدنيين أنهم يشغلون أماكن ليست أماكنهم، ما دفع بهم إلى الطاعة العمياء للحفاظ على هذه المواقع التي لا تندرج ضمن اختصاصاتهم وخبراتهم.

مَن يدير سلاح الشمال؟

تنتشر ضمن مناطق نفوذ المعارضة العديد من الفصائل والمجموعات العسكرية التي تضم ضباطًا عسكريين وقادة مدنيين، أبرزها “الجيش الوطني” في ريف حلب وتحته مجموعة من الفصائل والتكتلات العسكرية، و”هيئة تحرير الشام” في إدلب، المكوّنة من اندماج مجموعة فصائل كان عمادها “جبهة النصرة”.

ويعتبر العقيد فايز الأسمر أن الأهمية لا تكمن في الحضور على الأرض مقدار أهمية القدرة على اتخاذ القرار، وإدارة الميدان، وبدء وإنهاء المعارك، وتحقيق أهداف الثورة، مشيرًا إلى انعدام قدرة السياسيين والقادة المدنيين والعسكريين على اتخاذ أي قرار عسكري أو سياسي يخص الثورة.

بينما يعتقد العميد أحمد رحال أن انتشار العسكريين في بعض الفصائل كـ”الجيش الوطني” منح رتبًا عسكرية لأشخاص مدنيين، وقدمهم للداعمين باعتبارهم خبراء عسكريين وخريجي كليات حربية.

وأضاف أن أغلب المسيطرين على القرار العسكري مدنيون ينتحلون صفة عسكرية، معتبرًا أن الرتبة العسكرية لا تغني عن الخبرة والاستراتيجية التي يفترض أن يملكها الضابط، وهو ما يعتبره رحال أحد أسباب الفلتان الأمني في مناطق الشمال السوري.

وكان “الجيش الوطني” سيطر على مدينة عفرين، عقب معارك خاضها ضد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وانتهت في آذار عام 2018.

وأدت العملية العسكرية حينها إلى نزوح أكثر من 137 ألف شخص، وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، في حين وثقت منظمة “هيومن رايتس ووتش” سرقة ونهب ممتلكات المدنيين في عفرين من قبل الفصائل المسيطرة.

وسبق هذا الهجوم، في آب 2016، عملية “درع الفرات” في الشمال السوري، التي شنتها تركيا بمساندة فصائل “الجيش الحر” ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، وانتهت العملية في آذار 2017، بالسيطرة على مناطق في ريف حلب تمتد من جرابلس إلى اعزاز وحتى الباب.

وتلاها، في 9 من تشرين الأول 2019، إطلاق أنقرة عملية “نبع السلام” بالتعاون مع “الجيش الوطني”.

واستهدفت العملية نقاط وجود “وحدات حماية الشعب” (الكردية) في منطقة شرق نهر الفرات، وتمكن الجيشان التركي و”الوطني السوري” خلالها من السيطرة على مدينة تل أبيض بريف الرقة ورأس العين بريف الحسكة بالإضافة إلى المناطق الممتدة بينهما.

بينما تسيطر “هيئة تحرير الشام” على محافظة إدلب وأجزاء من ريف حلب الغربي، وتعتبر “تحرير الشام” أحد الفصائل “الجهادية” المُصنفة على قوائم الإرهاب الأمريكية.

وتمكّنت “الهيئة” من إحكام سيطرتها على المنطقة بعد صراعات واقتتالات داخلية مع مجموعة من الفصائل التي كانت محسوبة على “الجيش السوري الحر”.

ضباط في مخيم.. تحت الضغط

لجأ الضباط والجنود المنشقون عن النظام السوري إلى تركيا، ووضعتهم السلطات التركية ضمن مخيم “كارابايز”، وفصلتهم عن المدنيين منذ بداية موجات اللجوء إلى تركيا، ثم نقلتهم إلى مخيم “أبايدن”، ضمن ولاية هاتاي، على الحدود التركية- السورية.

ويشهد مخيم الضباط المنشقين في الأشهر الأخيرة ضغوطات على الضباط لإخلاء المخيم في سبيل إخراجهم منه بطريقة “طوعية”، وفق ما نقلته عنب بلدي عن ضابط منشق مقيم في المخيم، تحفظ على ذكر اسمه لأسباب أمنية.

ولا يشهد المخيم أي نشاطات أو فعاليات أو تدريبات عسكرية، ولم يستقبل وافدين جددًا من الضباط المنشقين، كما أن مغادرة المخيم لا تتيح للضابط العودة إليه مجددًا.

ويخضع المقيمون في المخيم لقواعد صارمة تحدد لهم أوقات الدخول والخروج، بعد الحصول على إذن، كما تصدر بعض القرارات بمنع الدخول والخروج من وإلى المخيم وتستمر لأسابيع أحيانًا.

وأشار الضابط المنشق الذي تواصلت معه عنب بلدي إلى حصول بعض الضباط المقيمين في المخيم على الجنسية التركية، ما يعني ضرورة مغادرتهم المخيم، كونه مخصصًا للسوريين.

ولا يحظى مخيم الضباط بأي دعم، فاللاجئون فيه “مهمشون” أكثر من غيرهم، وتُوزع عليهم فقط بطاقة مشتريات من ماركة “بيم”، مع ارتفاع أسعار المنتجات.

مخيم “أبايدن” لا يؤوي الجنود والضباط المنشقين وعائلاتهم فقط، إنما يوجد العديد من المدنيين في هذا المخيم، بسبب استقدام بعض الضباط عائلات مدنية من قراهم وبلداتهم.

مستقبل الضباط المنشقين في العملية السياسية

وسط غياب الأدوار على الأرض، لا تعلو التوقعات أيضًا بأدوار كبيرة أو تأثير للضباط المنشقين في العملية السياسية، وهو ما أكده رئيس مركز “رصد للدراسات الاستراتيجية”، الدكتور عبد الله الأسعد، في حديث إلى عنب بلدي.

ولفت الأسعد إلى غياب الضباط المنشقين عن أي مبادرة سياسية، أو هيئة أو مؤسسة تجمعهم وتوحد صفوفهم، إذ ذهب بعضهم خلف أجندات سياسية تابعة لجهات معيّنة، في ظل غياب وجود مجلس عسكري حقيقي أو أي تجمع يوحد صفوفهم.

وانتقد الباحث عبد الله النجار، وهو ضابط أمن سياسي سابق، ما وصفه بعدم قدرة المعارضة السياسية بجميع أطيافها على استيعاب الضباط المنشقين أو ترقيتهم، مشيرًا إلى عدم إنشاء أي كلية أو أكاديمية عسكرية معترف بها لتخريج دفعات جديدة من الضباط، وفق دراسة نشرها مركز “حرمون للدراسات”، في حزيران الماضي.

وأسهم السياسيون الذين تصدّروا المشهد بتغييب وتهميش بعض الضباط المنشقين، لعدم توافق وجهات النظر بين الجناح السياسي والضباط المنشقين، بحسب الدكتور عبد الله الأسعد، الذي عزا حالة عدم الانسجام بين الطرفين المعارضين إلى عمل العسكريين ضمن ضوابط وقواعد وأنظمة، بينما يرغب القادة المدنيون بتصدّر المشهد، دون إلمام بالأنظمة العسكرية، ما سبب بعض حالات التراجع العسكري.

وشدد الدكتور عبد الله الأسعد على ضرورة التزام كل شخص باختصاصه من المدنيين والعسكريين، لافتًا إلى عدم وجود منافسة بين السلطة العسكرية والسلطة المدنية، ويبرز ذلك من خلال تمثيل أشخاص مدنيين للعنصر العسكري في المحافل والمؤتمرات، كـ”سوتشي” أو “جنيف” أو “أستانة”.

واضطر الضباط العسكريون المنشقون إلى الهجرة إلى بلدان الاغتراب، بسبب عدم إجادتهم الأعمال الحرة وضيق العيش، ما جعل إمكانية استعادتهم عند الحاجة إليهم أمرًا غاية في الصعوبة، بحسب الدراسة الصادرة عن مركز “حرمون للدراسات”.

وحول إمكانية عودة الضباط المنشقين إلى الخدمة العسكرية، وتشكيل جسم عسكري سوري موحد، في ظل حديث نفاه “الائتلاف السوري المعارض” حول تشكيل حكومة وحدة وطنية مع النظام، أكد الأسعد استحالة تطبيق طرح من هذا النوع، فعودة الضباط المنشقين مستحيلة، لأنهم كانوا عبارة عن “كومبارس” في المؤسسة العسكرية، بحسب تعبيره.

وفي عام 2014، لفت الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، إلى حالة تخبط في صفوف المعارضة السورية، كما شكّك في قدرة المدنيين على تبني الحراك المسلح والمضي قدمًا به.

وقال أوباما، خلال مقابلة تلفزيونية مع شبكة “CBSnews“، إن “إرسال أسلحة إلى فلاحين وأطباء وغيرهم، ممن لم يحملوا سلاحًا في حياتهم، واضطرتهم الظروف إلى القتال، لن يكونوا فجأة قادرين على الإطاحة بنظام وحشي مثل نظام الأسد”.

غياب المنشقين يترك فراغًا

أسهمت السنوات الأخيرة في إحداث بعض التغيير بقيادات العملية العسكرية في صفوف المعارضة، متأثرة بالعديد من المتغيرات، كاستهداف بعض القياديين الذي قابله تعويم لقيادات جديدة تنسجم مع رؤية الدول الداعمة وتتماهى مع رغبة تلك الدول في التصعيد أو التهدئة، إلى جانب إعراض بعض الدول عن التعامل مع الضباط العسكريين القادمين بعد انشقاق من صفوف المنظومة العسكرية للنظام لاعتبارات عدة.

ويرى المحلل العسكري العقيد أحمد حمادة، أن دور الضباط في القيادات العسكرية ضمن صفوف المعارضة انعكس على القوى المقاتلة على الأرض، باعتبار أن قيادات المعارضة العسكرية انقسمت بين عسكريين أصلًا ومدنيين انخرطوا في العملية العسكرية ضد النظام مع بداية الثورة.

وبحسب حمادة، فإن بعض الداعمين فضّلوا التعامل مع “الثوريين”، في إشارة إلى القيادات العسكرية التي جاءت من خلفية مدنية، لأسباب ترتبط بمصالح تلك الدول، دون أن ينفي ذلك وجود ضباط عسكريين في ساحة المعركة مع النظام السوري منذ بداية الثورة.

ولفت المحلل العسكري إلى عدم حصول الضباط المنشقين على حقهم في التخطيط وقيادة الوحدات المقاتلة، وغياب الدعم الكافي لتقديم خبراتهم الأكاديمية، رغم اندفاعهم لتحقيق مسار الثورة وإصلاحه عبر مشاريع متعددة، من أبرزها تشكيل قيادة أركان لما عُرف حينها باسم “الجيش السوري الحر”، والتي تولى قيادتها اللواء سليم إدريس منذ كانون الأول 2012 وحتى آذار 2014، بعد انشقاقه عن صفوف النظام السوري في 20 من آب 2012.

وفي آذار من 2014، أعلنت وزارة الدفاع في “الحكومة المؤقتة”، إعادة تشكيل هيئة أركان “الجيش الحر”، بعد تعيين العميد عبد الإله البشير خلفًا للواء سليم إدريس.

لكن حالة عدم الاستقرار العسكري لم تتوقف عند هذا الحد، إذ تبعها، في تموز من 2017، تشكيل “المجلس العسكري الأعلى للجيش السوري الحر”، على يد 30 ضابطًا من “الجيش السوري الحر”، إثر اجتماعهم في ولاية هاتاي، جنوبي تركيا.

ويعتبر حمادة تعامل الدول المانحة والجهات الداعمة مع الفصائل العسكرية المختلفة وتسليحها، على حساب ما وصفه بـ”تهميش الضباط العسكريين المنشقين”، سببًا كافيًا لتراجع الثورة وانحسار التقدم الميداني على الأرض، ما سبب تقدم النظام وتوغله في مناطق كانت خارجة عن سيطرته.

وحول مدى قدرة الضباط المنشقين على إحداث فارق عسكري في مجريات المعركة ضد النظام على الأرض إذا كانوا على رأس الوحدات العسكرية المقاتلة، أكد المحلل العسكري أنه لو كان الضباط المنشقون منخرطين في الثورة عبر غرفة عمليات موحدة، تقوم على التخطيط والاعتماد على العلوم العسكرية، لكان الوضع أفضل من تسليم قيادة الوحدات لقادة مدنيين بالأصل، موضحًا في الوقت نفسه أن هذا “التهميش” انعكس سلبًا على الأداء العسكري، ضمن عمليات يُستخدم بها كل أنواع الأسلحة والتخطيط والتكتيك العسكري.

وتختلف مجريات العملية العسكرية وفق الخبرات العسكرية التي تتفاوت بين القادة على الأرض، إذا لا تصح المقارنة بين ضابط خريج أكاديمية عسكرية وثائر مندفع يقود فرقة عسكرية بشجاعة وانفعال ودون قصد، نحو مهلكة جماعية ربما، نظرًا إلى قدرة الضابط على تقدير الوضع بشكل أكبر في الغالب، للوصول إلى الهدف العسكري المنشود، وفق حمادة.

ورغم اكتساب القيادات الميدانية، أو القيادات العسكرية القادمة من خلفية مدنية، خبرة كبيرة على الأرض جراء المعارك التي خاضتها والمواقف العسكرية التي تعاملت معها، فإن الضباط المنشقين، وفق ما يراه المحلل العسكري، متمرسون على القيادة، إلى جانب تنوع الاختصاصات، فهناك ضباط للتخطيط، في سبيل تقدير الموقف، والاعتماد على الاستطلاع، إضافة إلى وجود عمليات معقدة تتطلب تخطيطًا مدروسًا لتحديد سبل التعامل مع المعركة التي تتراوح بين معركة هجومية أو دفاعية، أو انسحاب أيضًا، والقائد الناجح يصل إلى الهدف بأقل خسائر من الناحية البشرية والعتاد، وهو ما يرى المحلل العسكري أن الضباط المنشقين أقدر على تحقيقه.

واتجهت بعض الدول والجهات الداعمة الدولية للتعامل مع بعض القيادات الثورية، من غير الضباط المنشقين، باعتبار أن بعضهم أكثر قابلية لتحقيق وجهة نظر الجهات الداعمة، وفق حمادة، الذي تحدث عن تهميش مقصود للضباط المنشقين حتى لا يكونوا عقبة أمام وجهات نظر غير سورية مما يجري على الأرض.

ما جديد الضباط في الميدان؟

استقطبت العملية العسكرية في سوريا الكثير من العناصر المقاتلين، ما تطلّب بدوره كثيرًا من القيادات بالضرورة، وبدا ذلك بوضوح من خلال استقدام النظام السوري الميليشيات المقاتلة من العراق ولبنان وغيرهما، إلى جانب التدخل العسكري الروسي لمصلحته منذ عام 2015.

ومع تغيير أدوار القيادات العسكرية القديمة في صفوف المعارضة، واعتماد أخرى جديدة وفق مقتضيات المرحلة وحاجة الدول الراعية لممثلين عسكريين لها على الأرض، تدور التساؤلات حول جدوى وجود الضباط المنشقين في أرض المعركة والإضافة التي يستطيعون تقديمها.

ويعتقد رئيس وحدة المعلومات في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية”، نوار شعبان، في حديث إلى عنب بلدي، أن القيادات العسكرية التي خسرتها الثورة السورية في سنواتها الأولى، ورغم عدم امتلاك بعضها خلفية عسكرية، فإنها تحلّت بالروح الثورية، و”كاريزما القائد” التي مكّنتهم من الجمع والتحشيد للعمليات العسكرية ضد النظام، ضاربًا أمثلة بعبد القادر الصالح وعبد الباسط الساروت.

وشدد شعبان على أن الضباط المنشقين لديهم تدريب وتعليم عسكري وخبرة في التكتيكات العسكرية والمناورة، إضافة إلى معرفتهم المسبقة بأنواع الأسلحة بحسب اختصاصاتهم، وهذا ما يميزهم عن القيادات المدنية التي اكتسبت خبرتها من وحي التجربة على الأرض خلال المعارك مع النظام.

المحلل العسكري العقيد فايز الأسمر، تحدث إلى عنب بلدي حول الفائدة المحتملة لوجود هؤلاء الضباط على الأرض في حال عودتهم إلى المشهد العسكري، مؤكدًا أن التخطيط والتحضير، وقيادة العمليات العسكرية وخوض المعارك في أي جيش من جيوش العالم، من اختصاص الضباط وقادة الأركان المؤهلين والمتخصصين في الأكاديميات والكليات العسكرية القادرة على تدريب وإعداد القطعات بدنيًا وتكتيكيًا والتجهيز للمعارك وفق ما تتطلّبه ظروف المعارك الحديثة من تكيّف سريع مع تبديلات المواقف القتالية الطارئة، واتخاذ القرارات الصحيحة بشأنها.

وغياب هذه الشروط، برأي الأسمر، يعني بروز العشوائية في العمليات القتالية، وحصول كثير من الخسائر في العدة والعتاد والمساحات الجغرافية، إلى جانب الخسائر البشرية.

وأضاف المحلل العسكري أن الأعمال القتالية تتطلب ضباطًا قياديين ذوي خبرة وانضباطيين مؤهلين، باعتبار أنه ليس كل ضابط مؤهل للقيادة العسكرية التي تتطلب بعض الصرامة، ومنح القادة الإمكانيات العسكرية اللازمة لتنفيذ واجباتهم دون تدخلات من أي جهة تسعى لفرض رؤيتها.

وإلى جانب الدعم الإيراني والروسي و”حزب الله” والميليشيات، يرى الأسمر أن أحد أبرز أسباب تقدم النظام عسكريًا قدرته على ضبط مؤسسته العسكرية، وتوحيدها تحت ظل قيادات تخطط وتشرف وتقود دفة المعارك على الأرض، على خلاف بعض فصائل المعارضة التي استبعدت الضباط المنشقين، أو ضيّقت عليهم لمصلحة قادة مدنيين لا يمتلك بعضهم صفات القائد العسكري.

ويستبعد الأسمر القدرة على توحيد المنظومة العسكرية في صفوف المعارضة، في ظل ما وصفه بـ”تشرد” الضباط وصف الضباط المنشقين في أصقاع الأرض، إلى جانب غياب مؤسسة عسكرية تضمهم وتؤمّن لهم متطلبات وسبل العيش الكريم والاحترام لانشقاقهم عن النظام، بغض النظر عن دوافع هذا الانشقاق التي تتراوح بين الرغبة المحضة والانشقاق جراء الخوف وتحت التهديد.

وحول إمكانية تشكيل جسم عسكري جامع لقوى المعارضة وفصائلها، أوضح الأسمر أن كثيرًا من الظروف والأسباب وقفت في وجه هذه الخطوة، وحالت دون التخلص من حالة الفوضى والفصائلية والاقتتال الداخلي بين الفصائل.

عنب بلدي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى