وقائع وكواليس الاتفاق بين “قسد” وحكومة الجمهورية العربية السورية مقالات وتحليلات تتحدث يوميا تحديث 06-11 أيلول 2025

متابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
دوافع وكواليس الاتفاق بين “قسد” وأحمد الشرع
——————————–
تحديث 11 أيلول 2025
——————————
في مصير اتفاق الدَّمج مع “قسد”/ رانيا مصطفى
11 سبتمبر 2025
مضى ستة أشهر على توقيع اتفاقٍ بين قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، والرئيس السوري، أحمد الشرع، يقضي بإدماج المؤسسات المدنية والعسكرية مع دمشق، ولم يبقَ من الوقت أمام اللجان المكلفة بإتمام الاندماج سوى ثلاثة أشهر؛ ورغم خطّ التفاوض المفتوح بين الطرفين في دمشق، لم يتحقق أي تقدّم ملموس، في ضوء واقع سوري شديد الدينامية، بفعل المتغيرات الداخلية والمصالح الدولية والإقليمية المتصارعة على الساحة السورية… كان اتفاق 10 مارس (2025) أقرب إلى مذكِّرة تفاهم حول حسن النيات بين الطرفين، ولا يخلو من دفع أميركي حينها باتجاه توحيد سورية تحت مظلّة السلطة التي يقودها الشرع، ولكن أيضاً مع إعطاء مكانة وازنة رمزياً لعبدي الذي حملته طائرة أميركية حينها إلى دمشق ليضع توقيعه بجانب توقيع الرئيس الشرع؛ وسارع الأخير إلى إصدار إعلانه الدستوري بعد ثلاثة أيام، ونصّ على حصر كل السلطات والقرارات بيد الرئيس، ورفضَتْه الإدارة الذاتية وطالبت بتغييره، ثم شكّل الحكومة الانتقالية وحده، وهو بصدد تعيين وانتخاب مجلس الشعب، الذي يبدو أنه سيكون مسيطراً على قراراته، وسيترك مقاعد ثلاث محافظاتٍ فارغةً، السويداء والرقّة والحسكة، إلى حين إمكانية تعيين ممثليها. وتريد دمشق أن تلقي “قسد” سلاحَها وتسلّم الشمال الشرقي، الذي تتركز فيه 70% من مصادر الطاقة والثروة، وتشاركَ في الجيش بصفة أفراد، مع تصريحاتٍ بقبول مبدأ اللامركزية الإدارية، بينما كانت “قسد” تسعى إلى مشاركة متكافئة في الحكم، في الوزارات والمناصب السيادية، إذ تعتبر نفسها أيضاً تحالفَ فصائل شاركت في التحرير لشرق الفرات من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)؛ فيما أعطت المعالجة الأمنية بالفزعات ودعوات الجهاد لملفي الساحل والسويداء أوراق قوّة جديدة لـ”قسد” للتشدد في الاشتراطات مجدّداً، وجاءت على لسان القيادي في حزب الاتحاد الديمقراطي، صالح مسلم، بتأكيده نظاماً لامركزياً ديمقراطياً، يشمل الاعتراف بالإدارة الذاتية، من دون استبعاد خيار الاستقلال، إضافة إلى محاولة ضمّ الأقليات التي خسر الشرع تأييدها إلى حلفها، وأخيراً فرض مناهج “الإدراة الذاتية” شرق الفرات ومنع مناهج الحكومة المركزية وكذلك الأمم المتحدة. لكن المفاوضات بين دمشق و”قسد” تجري على إيقاع واقعٍ إقليمي جديد يجري الصراع لتشكيله؛ فقد تصاعدت وتيرة القصف الإسرائيلي مواقع عسكرية سورية، جديدها أخيراً مساء الاثنين الماضي في تدمر وفي مسكنة بحمص وسقوبين باللاذقية، في رسالة صريحة ضدّ محاولات أنقرة ملءَ الفراغ الذي خلَّفه النفوذ الإيراني بعد سقوط نظام الأسد. ويجري هذا في وقتٍ يبدو فيه أن أنقرة جادَّة في المصالحة مع حزب العمّال الكردستاني وتشجيعه على ترك سلاحه، وهذا تجلى في اقتراح زعيم حركة القوميين الأتراك، دولت بهتشلي، للحزب، بالاجتماع جنوب تركيا بضمانة حزب المساواة الكردي، وتشجيع من الحكومة، وبدعم أميركي يقوده السفير توم برّاك.
وستنعكس هذه الجدّية في إنهاء ملف الكردستاني التركي على مستقبل العلاقة بين “قسد” ودمشق، وليس بالضرورة أن تتجه نحو التصالح والاندماج في الوقت القريب، بل العكس؛ فتركيا التي عطَّلت لقاءً بين الشرع وعبدي في باريس قد تُشعل، عبر وكلائها من الفصائل العسكرية السورية، حرباً تجرُّ إليها دمشق لإضعاف “قسد”. وفي الوقت نفسه لا يبدو أن إدارة الشرع تطرح حلولاً دبلوماسية وطنية مع “الإدراة الذاتية”، ولا يتوقف التجييش والتحشيد بين الطرفين. ولا يبدو أن إدارة ترامب مهتمّة بمشروع إدماج “قسد” مع حكومة دمشق، لكنها بالتأكيد مهتمّة بتحقيق المصالح الأميركية في المنطقة، ومنها أنها ما زالت تدعم “قسد” شريكاً للتحالف الدولي لمحاربة “داعش”، ومنها أيضاً أنها تراهن على دعم إدارة الشرع لضمان عدم عودة النفوذ الإيراني إلى سورية، وستسمح له بإلقاء خطاب رسمي في 24 سبتمبر/ أيلول أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقد يلتقي ترامب، بجهود سعودية وتركية، دعماً دبلوماسياً لسورية، وتخفيفاً للضغوط الإسرائيلية.
وبغضّ النظر عن الصراعات الدولية والإقليمية في سورية وتأثيرها المحوري على ملفِّ الاندماج بين دمشق و”قسد”، تبدو فكرة الإدماج بعيدة المنال في ظلّ العطالة التي تبديها إدارة الشرع تجاه القدرة على بناء مؤسّسات الدولة بشكل وطني، وفي مقدمها الجيش السوري الجديد والجهاز الأمني، فما تزال عقلية الفصائل هي المسيطرة، وهناك هيمنة لهيئة تحرير الشام على مفاصل الدولة، وخلافات ضمنها يقودها المتشدّدون والجهاديون، ومنهم أجانب، ولا شفافية بشأن تمويل الجيش والقوى الأمنية، ولا موازنة عامة للدولة في ظلّ عدم اندماج إدارة إدلب والشمال مع دمشق. وتضاف إلى هذا كله الأزمة المستعصية في السويداء، ومطالب الانعزال، والحصار المطبق عليها. وسيشدّ ذلك كله تعاضد المجموعات المشكّلة لتنظيم قسد، من كرد وسريان وآشوريين، وحتى من العشائر العربية؛ إذ تملك تلك الفصائل المقاتلة أوراق قوّة في ظل استمرار اعتمادها من التحالف الدولي لمنع عودة تنظيم داعش، ولن تتخلّى عمّا تعتبره حصّتها في حكم المناطق الشرقية، وهي ترفض العودة إلى حكم مركزي يُهمّش منطقة الجزيرة، كما كان عليه الأمر في عهد الأسدين.
وأخيراً، ليس لتأكيد المسؤولين في دمشق على تبنّي خيار اللامركزية الإدارية معنىً عمليٌّ في ظل وجود سلطةٍ تبدو مفكّكة، وتحاول الهروب من أزماتها الداخلية بدلاً من حلها، غير مكترثة بحجم التدخلات والتهديدات الخارجية التي تستغلُّ كلَّ أشكال الانقسام المجتمعي لتحقيق مصالحها، وفي مقدمها دولة الاحتلال الإسرائيلي التي يستمر توغُّلها في العمق السوري، وكذلك تركيا التي يمثل شكل وجودها في الشمال احتلالاً فعلياً، وهناك روسيا التي تسعى إلى استعادة سورية منطقةَ نفوذٍ لها، والاحتلال الأميركي المتحكّم شرق الفرات والمسيطر على قاعدة التنف.
يحتاج تفكيك قوى الأمر الواقع، سواء في شرق الفرات أو السويداء أو الساحل أو الشمال أو كل الفصائل الموالية المشكلة للسلطة بما فيها هيئة تحرير الشام، والتي بمعظمها مشكَّلة على أسس هوياتية فرعية ومناطقية، ولها ارتباطات خارجية، إلى سحب مبرّرات وجودها، وأولها إيقاف التحريض الطائفي والعرقي والمذهبي، وفتح حوار جادّ بين كل السوريين، فصائل ونخباً سياسية وخبرات، حول مشروع وطني يجمع السوريين، وقائمٍ على أساس توسيع المشاركة السياسية، ويحقق درجة من اللامركزية الإدراية، أساساً لتجاوز المشكلات وتحقيق النهوض؛ ووجود مشروع وطنيٍ كهذا قائم على المواطنة والمساواة بين المواطنين على أساس الحقوق والواجبات سيعني فقدان قوى الأمر الواقع تأييد حواضنها الاجتماعية، ومن ثم، سيعطي فرصةً لتنفيذ اتفاق 10 مارس وغيره، ويسحب حدّة التدخلات الخارجية، فهل من عقلاء ضمن سلطة دمشق يفكِّرون في هذا الاتجاه؟ لا أعتقد.
العربي الجديد
—————————
حدود الدور الروسي في مناطق سيطرة “قسد” شمال شرقي سوريا/ عامر المثقال
25 أغسطس، 2025
أعادت موسكو تثبيت وجودها بشكل محدود في مطار القامشلي مع استئناف الدوريات في شمال شرق سوريا بهدف البقاء طرفاً فاعلاً في موازين ما بعد مرحلة النظام البائد دون وجود ملامح لتوسيع هذا الوجود، حيث سيكون هذا مرتبطاً بشكل العلاقة بين موسكو ودمشق، وبالانسحاب الأمريكي من شرق الفرات.
تبدو العلاقة بين روسيا و”قسد” أقرب إلى مصلحة تكتيكية مؤقتة لا استراتيجية موثوقة، حيث تبقي موسكو قنوات الاتصال مفتوحة لكنها تستبعد “قسد” من الدوريات والأنشطة العسكرية، كما إن التجارب السابقة وخاصة خلال العمليات التركية ضد “قسد” لم تشر إلى أن موسكو تعاملت مع “قسد” كشريك استراتيجي.
تحتفظ روسيا بروابط مع شبكات النظام البائد في شمال شرق سوريا والساحل، غير أن دور هذه الفلول وهذه العلاقة يُحيط به الغموض، فحتى مع ضعف فرص الاعتماد على الفلول كقوةٍ بديلةٍ يظل الحديث عن علاقتهم مع موسكو أمراً يستحق المراقبة، خصوصاً إذا انخفض الضغط العسكري على روسيا في الحرب الأوكرانية بعد قمة ألاسكا الأخيرة، ما قد يتيح لروسيا التفكير بأدوار جديدة في سوريا.
يبقى الاستثمار الروسي في ورقة الأقليات احتمالاً وارداً، لاسيما أن تاريخ موسكو يُظهر ميلاً لتوظيف البُنى الأقلوية كورقة نفوذ، خصوصاً في مناطق مثل “قسد” والساحل، على عكس مكونات أخرى كالمسيحيين أو الإسماعيليين أو الدروز.
سياسة “الحضور المرن” في شمال شرقي سوريا تبدو السيناريو الأكثر ترجيحاً، خاصة أنها تضمن بقاء روسيا لاعباً مؤثراً بتكاليف منخفضة، مع ترك الباب مفتوحاً أمام توسع تدريجي أو انسحاب جزئي قياساً مع التطورات الميدانية والظروف الإقليمية ومستوى الوجود الأمريكي.
مقدمة:
منذ سقوط نظام الأسد في سوريا، رُصِدت أرتال عسكرية روسية انسحبت من شمال شرقي البلاد باتجاه قواعدها في الساحل السوري[1]، ما فُسّر حينها كمؤشر على نية موسكو الانسحاب أو تقليص وجودها في تلك المنطقة.
إلا أن هذه المؤشرات لم تلبث أن تراجعت مع عودة النشاط الروسي إلى شمال شرقي سوريا مؤخراً، وقد برز ذلك في تكثيف حركة القوات الروسية في مطار القامشلي الدولي[2]، وتسيير دوريات عسكرية روسية في شمال شرقي سوريا.
يتزامن ذلك مع ما يُتداول محلياً عن قيام “قسد” باحتضان مجموعات وشخصيات محسوبة على النظام البائد[3]، ما يفتح الباب أمام فرضيات وتساؤلات بشأن وجود تنسيق غير معلن قد تكون موسكو طرفاً فيه لإدارة مرحلة جديدة في المشهد السوري.
تأتي أهمية الوقوف على حيثيات الدور الروسي في شمال شرقي سوريا في مرحلة ما بعد سقوط النظام البائد من أن “قسد” لطالما نظرت إلى موسكو خلال السنوات الماضية بوصفها البديل المحتمل للولايات المتحدة في حال قررت الأخيرة الانسحاب من سوريا، وهو التصور الذي مكّن روسيا من تثبيت موطئ قدم في عدة مناطق خاضعة لسيطرة “قسد” قبل سقوط النظام البائد تحت ذرائع أبرزها ضبط الحدود ومنع التصعيد مع تركيا.
كما يكتسب الوقوف على الدور الروسي بُعداً إضافياً مع استمرار مفاوضات الدمج بين “قسد” والحكومة السورية الجديدة، في ظل ما يبدو تصلُّباً في موقف “قسد”، وتأخيراً في تنفيذ بنود “اتفاق آذار” الموقع بين الرئيس أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي[4]، رغم ما يظهر من ضغوط يمارسها المبعوث الأمريكي الخاص توماس باراك لتنفيذ عملية الاندماج وتصريحه لـ”قسد” أن “لا طريق في سوريا سوى الطريق إلى دمشق”[5]، ما يطرح علامات استفهام حول طبيعة التوازنات التي تريد “قسد” الوصول لها، ودور روسيا في تأمين غطاء سياسي لهذا الموقف.
وعليه، يحاول هذا التقرير استكشاف حدود الدور الروسي في مناطق “قسد”، مستعرضاً أبرز الرسائل الكامنة وراء الحراك العسكري الأخير لموسكو في شمال شرقي سوريا، وتحليل طبيعة ارتباطها بفلول النظام البائد هناك، وموقف “قسد” من الدور الروسي في مناطقها، ويُختتم التقرير باستشراف السيناريوهات المستقبلية لتموضع موسكو في الشرق السوري مع إبراز العوامل التي قد تفتح المجال أمام توسُّع نفوذها أو تحدّ من قدرتها على ترسيخ حضور قوي ومستدام.
خلفية موجزة لتطور الدور الروسي في مناطق “قسد”:
برز الدور الروسي في مناطق “قسد” بشكل خاص في العام 2019 حينما أطلقت القوات التركية عملية “نبع السلام” للسيطرة على منطقتي تل أبيض ورأس العين، حيث سبقها انسحاب أمريكي استثمرته روسيا لملء الفراغ بعد دعوة من “قسد” لدخول القوات الروسية وقوات النظام البائد حينها لوقف التمدد التركي[6].
وقد أثمر هذا التدخل الروسي في اتفاقية مع أنقرة تم بموجبها تسيير دوريات مشتركة بين قوات البلدين بشكل خفّف من جهة من مخاوف أنقرة نسبياً لكونه ضبط أنشطة “قسد”[7]، وفي ذات الوقت خفّف مخاوف “قسد” من وقوع عمليات برية تركية جديدة، لكن بذات الوقت برزت روسيا الكاسب الأكبر في هذه المعادلة نظراً لحصولها على موطئ قدم أسهمت من خلاله بتأسيس قواعد ونقاط عسكرية روسية ضمن مناطق النفوذ الأمريكي.
لكن هذا الوجود تعرَّض للانحسار بعد إسقاط النظام البائد في نهاية العام 2024، حيث رصدت أرتال عسكرية روسية تغادر شمال شرقي سوريا نحو الساحل السوري[8]، لكن اللافت في الأسابيع الماضية هو تبدُّل هذا المشهد بعد رصد عدة معطيات تتلخّص في مؤشرين اثنين:
تعزيز الوجود العسكري في القامشلي: وجاء ذلك عبر عدة مراحل شملت عمليات تأهيل لموقع تمركز طائرات روسيا في مطار القامشلي وتوسيع موقع إقامة جنودها وضباطها، وتحصين القوات الروسية محيط تمركز طائراتها ورادارها داخل المطار[9]، كما إن طائرات الشحن الروسية تُحلّق بشكل منتظم بين مطار القامشلي وقاعدة حميميم لنقل جنود ومعدات لوجستية وعسكرية إلى مطار القامشلي[10]، مع حديث عن ارتفاع عدد الجنود الروس إلى نحو 200 عسكري روسي في مطار القامشلي.
تسيير دوريات عسكرية: غاب مشهد الدوريات العسكرية الروسية منذ سقوط النظام البائد، لكن الأسابيع الماضية شهدت تحركات لدوريات روسية في مناطق شرق مدينة القامشلي رفقة مروحيات روسية، ومما يُلاحظ في هذه الدوريات -بحسب المصادر المتداولة- هو استبعاد “قسد” عن مرافقة هذه الدوريات، ما يوحي بوجود تنسيق روسي مع حكومة دمشق[11]، خصوصاً أن مثل هذه الدوريات جاءت بعد زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى موسكو.
ماذا وراء الحراك الروسي؟
تثير العودة الروسية إلى شمال شرقي سوريا أسئلة تتجاوز البُعد الميداني المباشر، إذ تبدو هذه التحركات محاولة لإعادة تثبيت موطئ قدم وتعزيز نفوذ لا يخلو أيضاً من المكاسب السياسية، ويمكن فهم هذا الحراك عبر ثلاث زوايا أساسية:
الزاوية العسكرية:
يُوفّر الحضور العسكري من جديد لروسيا في مطار القامشلي واستئناف دورياتها العسكرية فرصة لتثبيت حضورها مجدداً كفاعل ميداني داخل مناطق النفوذ الأمريكي، ورغم أن هذا التمركز قد لا يمنحها القدرة على منافسة واشنطن مباشرة، إلا أنه يحول دون تهميشها من ترتيبات ما بعد سقوط النظام البائد، فوجودها الميداني يُتيح لها التأثير في مواقف أطراف مختلفة، ولا سيما تركيا، عبر الإيحاء بقدرتها على مراقبة تحركات “قسد”، والمساهمة في الحد من التوترات المستقبلية خصوصاً في ظل تعثُّر مفاوضات الدمج مع الحكومة السورية، كما يُشكّل هذا الحضور رسالة غير مباشرة إلى “قسد” التي طالما رأت في موسكو خياراً بديلاً حال قررت الولايات المتحدة الانسحاب، بما يوحي لها بأن روسيا ما تزال قادرة على لعب دور ضابط إيقاع في المنطقة إذا ما تبدّلت المعادلات أو قرّرت الولايات المتحدة الانسحاب من شمال شرق سوريا.
الزاوية السياسية:
قد تحاول موسكو توظيف حضورها في شمال شرقي سوريا لتعزيز مكانتها كطرف قادر على الموازنة بين الأطراف المتباينة، فهي تُدرك أن حالة الشك المتبادلة بين “قسد” ودمشق، والقلق التركي من مستقبل المنطقة خصوصاً مع تنامي دور “إسرائيل” بعد أحداث السويداء، تمنحها مجالاً للتأثير السياسي يتجاوز حجمها العسكري المحدود، ومن هذا المنطلق قد تعمل روسيا على تقديم نفسها كقناة اتصال غير مباشرة بين “قسد” والحكومة السورية الجديدة، وفي بعض الأحيان بين “قسد” وأنقرة، بما يُتيح لها إعادة إدخال نفسها في ترتيبات المنطقة خاصة مع ما يظهر من تطابق في الرؤى مع دمشق وأنقرة فيما يتعلق بضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية ورفض أي شكل من أي أشكال الانفصال، وهو الخطاب العام التقليدي لموسكو تجاه سوريا.
الزاوية الاستراتيجية:
يثير الحراك الروسي في شمال شرقي سوريا تساؤلات حول مدى قدرة موسكو على تحمُّل كلفة وجود طويل الأمد في المنطقة، خصوصاً في ظل استنزافها المستمر في حرب أوكرانيا، والعقوبات الغربية، ومن هذا المنطلق تبدو الاستراتيجية الروسية مُركّزة على الحفاظ على حضور رمزي وفعّال في الوقت نفسه، بحيث يضمن لها البقاء كطرف مؤثر في التوازنات المستقبلية دون الالتزام بتوسّع ميداني واسع قد يزيد الأعباء المالية واللوجستية عليها، ولعل هذا ما يُفسِّر محدودية انتشار القوات الروسية حالياً في مناطق جديدة خارج مطار القامشلي، إذ لم تُرصد عودة لمناطق أخرى تمركزت فيها روسيا مثل عين العرب في حلب أو عين عيسى بالرقة وغيرها، لكن في الوقت نفسه فإن هذا التمركز المحدود يترك مساحة للتمدُّد مستقبلاً في حال تغيّرت الظروف الميدانية أو ظهرت فرص لتعزيز النفوذ السياسي والعسكري بما يجعل الحضور الروسي مرناً وقادراً على التكيّف مع أي تحوّلات قد تشهدها المنطقة.
لكن اختيار موسكو لمناطق “قسد” لبناء النفوذ من جديد يفتح بشكل عام الباب أمام أسئلة إضافية تتجاوز الحسابات المباشرة، ولعل من أبرزها: هل ترى روسيا في التمركز في مناطق يغلب عليها الطابع الأقلوي وسيلةً لإحياء بعض شبكات النفوذ القديمة المرتبطة بفلول النظام الذين فرّوا لمناطق “قسد” أو إلى العراق؟، أم إن الوجود في مناطق “قسد” يندرج أساساً في سياق المناكفة مع الولايات المتحدة عبر التمركز في فضاء النفوذ الأمريكي شرق الفرات؟ أم أن المسألة تتعلق باستخدام ورقة الأقليات كأداة ضغط إضافية على الحكومة السورية مستقبلاً؟
كل هذه الاحتمالات تبقى غير مستبعدة إذا ما أخذنا بالاعتبار أن روسيا لطالما اعتمدت على تحالفاتها مع أقليات متحيزة جغرافياً (الساحل، “قسد”) بخلاف الأقليات الأخرى المبعثرة في الجغرافيا السورية مثل المسيحيين والإسماعيليين وغيرهم، لذلك فإن استثمار موسكو في البُعد الأقلوي ضمن معادلة ما بعد النظام البائد يبقى احتمالاً قائماً، حتى وإن لم تتضح بعد مؤشرات قاطعة تؤكده.
وعليه، فإن فهم الزاوية الاستراتيجية للحضور الروسي في شمال شرقي سوريا لا يقتصر على قياس حجم الانتشار العسكري أو تكاليفه المباشرة، بل يتطلب أيضاً قراءة في شبكة الرموز والأوراق التي تُوظّفها موسكو، وعلى رأسها ورقة الأقليات التي طالما كانت جزءاً من إرثها في سوريا، خاصة أنه سبق وأن وردت تصريحات روسية رسمية تشير لسعي روسي لمنع تسليم السنة الحكم في سوريا[12].
ما حقيقة وجود علاقة بين روسيا وفلول النظام البائد في شمال شرقي سوريا:
بالتزامن مع تعزيز روسيا لوجودها في القامشلي، أُثير في المصادر المفتوحة معلومات متكررة حول إيواء موسكو لضباط من فلول النظام البائد في قواعدها الجوية بالساحل وفي القامشلي بالتوازي مع تقارير عن قيام “قسد” بتجنيد مجموعات من عناصر وضباط النظام الفارّين إلى شمال شرقي سوريا خلال معركة “ردع العدوان” وما تلاها[13].
ويُستحضر في خلفية هذا المشهد ما يُثار عن دعم روسيا لهجمات فلول النظام في الساحل السوري بآذار الماضي[14]، أو على الأقل علمها بالعملية، خاصة أن قائد تلك الهجمات -وهو قائد ميليشيا “صقور الصحراء” سابقاً- يقيم في موسكو حينها وأعلن مسؤوليته عن العملية[15]، فضلاً عن إيوائها لمجموعات هربت من الساحل خلال الأحداث الأخيرة بحجة حمايتهم، ما يجعل أي حديث عن علاقة روسية جديدة بالفلول مثار ريبة ومحل تساؤلات حول حدودها وإمكان توسعها.
ومع محدودية المعلومات وغياب معطيات موثوقة وحاسمة حول حقيقة هذه العلاقة يظل المجال مفتوحاً أمام مقاربات متعددة يمكن تناولها من زوايا مختلفة، من أبرزها:
المصالح المحتملة لروسيا: قد يُنظر إلى إبقاء موسكو قنوات تواصل مفتوحة مع فلول النظام وإيواء بعضهم كأداة تمنحها ورقة ضغط في أي مفاوضات مقبلة مع دمشق حول إعادة ترسيم حضورها العسكري في سوريا، كما يمكن توظيف هذه المجموعات في أدوار أمنية محدودة مقابل تأمين الحماية لهم، مثل الانتشار في محيط القواعد الروسية أو القيام بمهام لوجستية مساندة، بما يُخفّف الأعباء عن القوات الروسية المباشرة، ويتيح لها تعزيز حضورها من دون تكاليف بشرية كبيرة.
المخاطر المحيطة: إن أي انخراط علني أو واضح مع فلول النظام قد يُهدد بتقويض الخطاب الرسمي الروسي القائم على وحدة الأراضي السورية ورفض الانقسامات، كما يُضر بالعلاقات مع دمشق التي تبدو روسيا ساعية للحفاظ عليها بعد سقوط النظام البائد وسط حديث عن دور روسي محتمل في الجنوب السوري[16]، كما قد يثير في الوقت نفسه حساسية تركية كون أنقرة ترفض أي تشكيلات عسكرية قد تُغذّي النزعات الانفصالية أو تُعطل مسار التهدئة وعودة الاستقرار.
البدائل المتاحة لموسكو: بالنظر إلى طبيعة حضورها، لا تبدو روسيا بحاجة فعلياً إلى ورقة الفلول لتعزيز نفوذها، فهي تملك أوراقاً أثقل تتمثل في تموضعها العسكري على المتوسط (طرطوس وحميميم)، وعلاقاتها مع تركيا، وما يظهر من رغبتها عن تعزيز العلاقات التجارية مع سوريا مثل تصدير القمح وطباعة الأوراق النقدية[17]، والمحافظة على استثماراتها السابقة[18]، فضلاً عن قدرتها على التأثير في “قسد” خصوصاً في حال الانسحاب الأمريكي، ولهذا تظل حاجتها لفلول النظام محدودة.
بشكل عام، يمكن القول إن علاقة روسيا بفلول النظام البائد في شمال شرق سوريا وحتى في الساحل ملف غامض التفاصيل، فحتى مع ضعف فرص الاعتماد على الفلول كقوةٍ بديلةٍ يظل الحديث عن علاقتهم مع موسكو أمراً يستحق المراقبة، خصوصاً إذا انخفض الضغط العسكري على روسيا في الحرب الأوكرانية بعد قمة ألاسكا الأخيرة، ما قد يتيح لروسيا التفكير بأدوار جديدة في سوريا[19].
موقف “قسد” من الدور الروسي:
رغم أن “قسد” قد تنظر إلى الوجود الروسي في شمال شرقي سوريا كخيارٍ بديلٍ محتملٍ في حال انسحبت الولايات المتحدة من شمال شرقي سوريا إلا أنها في الوقت نفسه تدرك حدود الدور الروسي والتجارب السابقة التي لم تكن مُشجِّعة، ففي أكثر من محطة انسحبت القوات الروسية أو تغاضت عن عمليات القوات التركية في شمال سوريا، وخاصة في عملية “غصن الزيتون” التي أدّت لطرد “قسد” من عفرين عام 2018[20]، لذلك تدرك “قسد” أن التعهدات الروسية لا تصمد طويلاً أمام الضغوط التركية وأولويات الأمن القومي التركي، ما يجعل “قسد” تتعامل مع أي تقارب مع الروس بقدر من الحذر، حيث تعتبر أن موسكو قد تنظر إليها كورقةٍ تفاوضيةٍ أكثر من كونها شريكاً استراتيجياً[21].
لكن مع ذلك وبحكم قلة الخيارات الاستراتيجية لدى قيادة “قسد” وضعف التعويل على ما جرى مؤخراً في مؤتمر الحسكة من محاولة لحشد “تحالف أقليات” أو الاستعانة بـ”إسرائيل”[22]؛ قد ترى “قسد” أن مجرد بقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع روسيا يوفّر لها هامشاً للمناورة في لحظات الضغط، فموسكو بالنسبة لها لا يمكن أن تكون بديلاً كاملاً عن واشنطن والتحالف الدولي عموماً، لكنها قوة يمكن الاعتماد عليها لشراء الوقت أو لتخفيف حدة الهجمات التركية عبر ترتيبات التهدئة، ولعل هذا ما يُفسّر استعدادها للتعاون مع الروس ضمن حدود معيَّنة، وكذلك عدم وضعها أي عراقيل أمام التحركات الروسية ضمن مناطق سيطرتها.
المؤشر الآخر في هذا السياق يتمثل في استبعاد روسيا لقوات “قسد” من الدوريات العسكرية التي تُسيّرها في محيط القامشلي، وهو ما يمكن قراءته كخطوة تحمل رسالتين؛ الأولى: سعي موسكو إلى تحييد “قسد” عن أي دور قد يُظهرها في موقع الشريك أو الراعي المباشر لتبقى العلاقة في حدود التنسيق التكتيكي لا أكثر، والثانية: رسالة تطمين موجَّهة إلى الحكومة السورية الجديدة، مفادها أن تعزيز الوجود الروسي في الشمال الشرقي لا يعني بالضرورة تعزيز موقع “قسد” أو توثيق العلاقة معها.
السيناريوهات المستقبلية للدور الروسي في شمال شرقي سوريا:
في ضوء ما سبق، لا يبدو أن الحراك الروسي في شمال شرقي سوريا استقر على مسار واضح، لذلك تبرز عدة سيناريوهات محتملة يمكن أن يتخذها الدور الروسي خلال المرحلة المقبلة وأبرزها:
تثبيت حضور محدود ومرن:
يتضمن هذا السيناريو بقاء تمركز روسي صغير وفعّال في مطار القامشلي مع دوريات عسكرية تجوب المنطقة بشكل دوري وتنسيق ميداني سياسي مع دمشق وأنقرة مع استمرار استبعاد “قسد” من الأنشطة العسكرية الروسية مثل الدوريات، وإبقاء قنوات الاتصال معها مفتوحة.
ويبدو هذا السيناريو مرجحاً لكونه يتسق مع خطاب روسيا عن وحدة سوريا ورفض النزعات الانفصالية والتقسيم، وفي ذات الوقت يمنحها نفوذاً بالمنطقة دون كلفة تمدُّد.
توسّع تدريجي:
يتضمن هذا السيناريو توسيع الدور عبر إنشاء نقاط مراقبة جديدة واستكشاف إمكانية العودة لمناطق انسحبت منها القوات الروسية سابقاً، لكن تفعيل هذا السيناريو سيكون مرتبطاً بشكل رئيسي بعدة عوامل وهي: تقليص الحضور الأمريكي، التفاهم مع أنقرة ودمشق على شكل الدور الجديد وحدوده فيما لو كانت روسيا فعلاً تُطبّق ما تقوله حول رغبتها بإقامة علاقات ودية مع الحكومة السورية الجديدة، وهنا قد تقرأ “قسد” أن الترتيب الجديد سيكون على حسابها، ما يجعلها تتوجس من توسع الدور الروسي.
ويرتبط تفعيل هذا السيناريو بشكل رئيسي أيضاً في حال ارتفاع منسوب التوتر الحدودي بين تركيا و”قسد”، ما يستدعي تدخل روسيا وانتشار قواتها او قوات مدعومة من قبلها على الحدود، كما يرتبط بما سيؤول إليه الصراع في أوكرانيا وقدرة واشنطن على التفاهم مع موسكو.
الانسحاب الكامل من شمال شرقي سوريا:
قد يكون هذا أحد خيارات روسيا، خصوصاً فيما لو تم تفعيل الاندماج الكامل بين الحكومة السورية الجديدة و”قسد”، وقد حرصت روسيا منذ سقوط النظام البائد على الانسحاب من كافة القواعد التي كانت فيها ضمن مناطق النظام البائد مثل قواعد في تدمر والمنطقة الجنوبية وغيرها باستثناء قاعدتي حميميم وطرطوس، لذلك قد تقوم بالأمر نفسه بحيث تكتفي بالإطلالة على المتوسط وتحويل مركز الثقل غرباً، مع تجميد مساعي النفوذ شرق الفرات.
وسيترجح هذا السيناريو بشكل أكبر فيما لو واجهت روسيا مصاعب في تثبيت النفوذ أو باتت كلفة البقاء دون عائد سياسي واضح، لكن هذا السيناريو يظل مستبعداً في ظل سياسة روسيا التي لا يبدو أنها راغبة في خسارة ورقة تفاوضية هامة، وإمكانية توسيع النفوذ في ظل هشاشة الأوضاع وعدم سيطرة الحكومة السورية على شمال شرق سوريا.
إعادة توزيع نفوذ محدود بين حميميم والقامشلي:
في هذا السيناريو تقوم القوات الروسية بالعمل على إعادة ترتيب النفوذ بشكل لا يتضمن الانسحاب الكامل من الساحل أو من القامشلي، إنما العودة للوجود التقليدي الروسي في سوريا في ما قبل سقوط الاتحاد السوفييتي ضمن قاعدة طرطوس الجوية[23].
وسيكون من أبرز المؤشرات المبكرة على هذا السيناريو استمرار روسيا بتنامي وجودها العسكري واللوجستي في القامشلي بحيث تصبح قاعدة دائمة لها في الشرق السوري.
جدول مقارن لسيناريوهات الوجود الروسي في شمال شرق سوريا
خاتمة:
يمكن القول إن الدور الروسي في شمال شرقي سوريا بعد سقوط النظام البائد ما يزال يتسم بالهشاشة وعدم الاستقرار، إذ إن تحوُّلَ موسكو إلى فاعل مركزي يبقى مرهوناً بعوامل أساسية؛ أهمها الانسحاب الأمريكي أو التوصل إلى تفاهمات أوسع مع أنقرة ودمشق، فالعلاقة بين روسيا و”قسد” لا ترقى إلى مستوى التحالف الاستراتيجي بقدر ما تعكس مصالح مؤقتة ومناورات تكتيكية.
وتدرك موسكو أن أي انخراط مباشر في دعم نزعات انفصالية سيضرُّ بمصالحها الأوسع مع تركيا والحكومة السورية الجديدة، وربما يؤثر كذلك على موقعها الاستراتيجي في الساحل السوري، حيث شكّلت قاعدة طرطوس منذ عقود عقدة وصل حيوية بين نفوذها في شرق المتوسط وامتداد حضورها في شمال إفريقيا.
وعليه، فإن مستقبل الدور الروسي في شمال شرقي سوريا سيبقى أقرب إلى سياسة “الحضور المرن” الذي يتيح لموسكو الاحتفاظ بمكاسبها دون تكاليف كبيرة، مع ترك الباب مفتوحاً أمام توسع محتمل إذا تبدلت المعادلات الميدانية أو تراجعت مكانة الولايات المتحدة في المنطقة.
ومهما كان المسار المقبل، فإن الدور الروسي في شمال شرقي سوريا لا يمكن فصله عن الإرث الذي راكمته موسكو في السنوات الماضية، فقد أثبتت التجربة السورية أن روسيا تحتفظ بعلاقات متناقضة أحياناً لتستخدمها في الوقت المناسب، ولذلك فإن أي ملامح تقارب استراتيجي مع “قسد” أو إيواء لفلول النظام البائد لا ينبغي التعامل معها على أنها خطوات بلا أثر، بل يجب قراءتها كمؤشرات مبكرة على احتمالية تبدّل أدوار موسكو في المنطقة.
وبناءً على ذلك، تبقى الضرورة قائمة لمراقبة مسار الدور الروسي عن قرب، لأن خبرة موسكو السابقة تظهر أنها قادرة على الانتقال من موقع الشريك إلى موقع الخصم إذا وجدت في ذلك مصلحة استراتيجية كبرى أو ورقة تفاوضية مع القوى الإقليمية والدولية، وعليه فإن الركون إلى استقرار الدور الروسي سيكون خطأً استراتيجياً يفتقد للحذر المطلوب في التعامل مع موسكو.
[1] الجزيرة ترصد انسحاب قوات روسية من مناطق متعددة في سوريا، الجزيرة نت، 13 / 12 / 2025، شوهد في: 21 / 8 / 2025
[2] “إيكاد” ترصد 18 رحلة روسية نحو القامشلي.. إعادة انتشار أم تحضير لمرحلة جديدة؟، تلفزيون سوريا، 12 / 7 / 2025، شوهد في: 21 / 8 / 2025
[3] “قسد” وروسيا توظفان فلول النظام واتفاق 10 مارس حبرًا على ورق، نون بوست، 23 / 6 / 2025، شوهد في: 21 / 8 / 2025
[4] في هذا السياق، أصدر مركز الحوار السوري ورقة خاصة سعت إلى تقديم قراءة محدَّثة لمجريات اتفاق “قسد” مع الحكومة السورية وتحليل العوامل التي تُبطئ تنفيذه، ومدى تأثير الموقف الأمريكي، فضلاً عن إرث الانتهاكات السابقة والمتجددة في سِجلّ “قسد”، كما يتحدث التقرير عن أثر إعلان حزب العمال الكردستاني حلّ نفسه وانعكاساته المحتملة على مستقبل “قسد” وهويتها، ثم ينتقل في الختام إلى استشراف مآلات الاتفاق والسيناريوهات المحتملة، يُنظر:
عامر المثقال، “قسد” في منتصف الطريق.. بين استحقاقات الاندماج وأحلام الحكم الذاتي، مركز الحوار السوري، 12 / 7 / 2025
[5] المبعوث الأميركي لـ”قسد”: طريق المفاوضات يؤدي إلى دمشق، العربية، 9 / 7 / 2025، شوهد في: 21 / 8 / 2025
[6] القوات الروسية تتموقع شمال سوريا استعدادا لانسحاب الأكراد، middle-east-online، 23 / 10 / 2019، شوهد في: 21 / 8 / 2025
[7] تسيير أول دورية تركية روسية في شرق الفرات، العربي الجديد، 1 / 11 / 2025، شوهد في: 21 / 8 / 2025
[8] مشاهد حصرية تُظهر انسحاب القوات الروسية من القامشلي، تلفزيون سوريا، 14 / 12 / 2024، شوهد في: 21 / 8 / 2025
[9] بتحركات ليلية.. روسيا تعزز قاعدتها وتزيد عدد قواتها في القامشلي، تلفزيون سوريا، 11 / 8 / 2025، شوهد في: 20/8/2025
[10] “إيكاد” ترصد 18 رحلة روسية نحو القامشلي.. إعادة انتشار أم تحضير لمرحلة جديدة؟، مرجع سابق
[11] دوريات روسية في القامشلي تتجاهل «قسد» وتعكس تفاهمات موسكو ودمشق، الشرق الأوسط، 7 / 8 / 2025، شوهد في: 20 / 8 / 2025
[12] لافروف: لن يقوم نظام سنِّي في سوريا !، إيلاف، 27 / 3 / 2012، شوهد في: 24 / 8 / 2025
[13] “إيكاد” ترصد 18 رحلة روسية نحو القامشلي.. إعادة انتشار أم تحضير لمرحلة جديدة؟، مرجع سابق
[14] محمد سالم، نظرة على العلاقات الروسية السورية في ضوء زيارة وزيري الخارجية والدفاع السوريّين إلى موسكو، مركز الحوار السوري، 6 / 8 / 2025
[15] اعتراف قائد “صقور الصحراء” سابقا بشأن أحداث الساحل السوري يثير الغضب بالمنصات، الجزيرة نت، 10 / 4 / 2025، شوهد في: 22 / 8 / 2025
[16] في هذا الصدد، قالت صحيفة “كوميرسانت” الروسية نقلاً عن مصدر شارك في لقاء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في موسكو إن الحكومة السورية مهتمة بعودة دوريات الشرطة العسكرية الروسية إلى المحافظات الجنوبية من البلاد، ينظر:
“كوميرسانت”: السلطات السورية تبدي اهتماماً بعودة الشرطة العسكرية الروسية إلى الجنوب، العربي الجديد، 12 / 8 / 2025، شوهد في: 21 / 8 / 2025
[17] في هذا السياق، نقلت وكالة رويترز عن مصرفيينِ ومصدر سوري إن سوريا اتفقت مع شركة جوزناك الروسية الحكومية لطباعة النقود على إصدار الأوراق النقدية الجديدة، يُنظر:
سوريا تعتزم التخلص من عملة الأسد وحذف صفرين، الجزيرة نت، 22 / 8 / 2025، شوهد في: 23 / 8 / 2025
[18] على سبيل المثال، أشارت ورقة سابقة لمركز الحوار السوري إلى أن سوريا تعد سوقاً رئيسية للسلاح الروسي، ومن أهم الشركاء التجاريين لروسيا بين البلدان العربية، وفيها استثمارات كبيرة للشركات الروسية توسَّع نطاقها في السنوات القليلة الماضية، خاصة في مجال الطاقة.
كما أشارت الورقة التي صدرت في أيار 2024 إلى أنه خلافاً لما هو شائع لم يكن دائماً بقاء نظام الأسد على المدى الطويل خطاً أحمر بالنسبة إلى روسيا، بل ظهر في كثير من الأحيان ورقة مساومة محتملة مع الولايات المتحدة والغرب، يُنظر:
مستقبل الحضور الروسي في الشرق الأوسط والملف السوري، مركز الحوار السوري، 7 / 5 / 2024
[19] مثل توسيع النفوذ ليصل الرقة، أو الاستيلاء على موارد نفطية، أو تأسيس مليشيا من الفلول ليكونوا ذراعاً لموسكو في شمال شرق وهذا أضعف الاحتمالات.
[20] نيويورك تايمز: تنسيق روسي تركي سبق عملية “غصن الزيتون“، الخليج أون لاين، 21 / 1 / 2018، شوهد في: 21 / 8 / 2025
[21] يُشار في هذا السياق إلى أن روسيا لم تَحمِ “قسد” بعد دخولها إلى مناطق سيطرتها شمال شرق سوريا من الهجمات التركية، بل عملت على إدارة الملف والسعي للحد من التوترات، فعلى سبيل المثال: بين عامي 2020 إلى 2024 كثَّف الطيران التركي من هجماته على مواقع عسكرية ومنشآت طاقة تابعة لـ “قسد”، وأحيانا بعض الهجمات استمرت لأيام متتالية، ينظر مثلاً:
تركيا توسع استهدافها لـ “قسد” ومنشآت نفطية شمال شرقي سوريا، تلفزيون سوريا، 25 / 10 / 2024، شوهد في: 24 / 8 / 2025
[22] عامر المثقال، مؤتمر “قسد” في الحسكة.. الرسائل والأبعاد والسيناريوهات، مركز الحوار السوري، 12 / 8 / 2025
[23] طرطوس وحميميم قاعدتان استراتيجيتان لروسيا في سوريا، الشرق الأوسط، 10 / 12 / 2024، شوهد في: 22 / 8 / 2025
باحث مساعد في مركز الحوار السوري، يعمل ضمن وحدة تحليل السياسات، كتب وشارك في العديد من الأوراق المتعلقة بتحليل سياسات الفاعلين في سوريا، يحمل إجازة في الأدب العربي من جامعة الفرات السورية، عمل كاتباً وصحفياً ومدققاً لغوياً لعدة سنوات في العديد من المواقع والقنوات الإخبارية.
وحدة تحليل السياسات في مركز الحوار السوري
——————————–
ملف “قسد”.. بين التصعيد واستمرار التفاوض/ أحمد الكناني
10 سبتمبر 2025
تقترب المدة المحددة لتنفيذ اتفاق العاشر من آذار/ مارس، بين حكومة دمشق وقسد، من نهايتها، دون أي تقدم يذكر، بل على العكس، تتعقد التفاصيل التنفيذية للاتفاق في العديد من الملفات لا سيما الجيش، المؤسسات، وشكل الإدارة للمناطق. وازداد المشهد تعقيدًا عقب تحالفات جديدة أجرتها قسد مع تيارات في الساحل والسويداء، يرى مراقبون أنها بمثابة ورقة ضغط في المفاوضات التي باتت تجري في دمشق بعد أن كانت مقررة في باريس.
بالمقابل تتصاعد وتيرة التصريحات القادمة من تركيا، من المستويات السياسية والعسكرية، وتشير هذه التصريحات إلى أن تأخر قسد في تنفيذ اتفاق العاشر من آذار/ مارس يعد تهديدًا مباشرًا للأمن القومي التركي، في وقت تجري فيه قوات سوريا الديمقراطية تدريبات عسكرية مع التحالف، ما يثير العديد من التساؤلات حول ملف قسد.. أفق الحل والطريق الذي سوف يسلكه.
تهديد تركي
يعتقد الباحث في مركز عمران، أسامة الشيخ علي، أن أسباب ارتفاع حدة التصريحات التركية سببه عدم حدوث أي تغييرات أو خطوات جادة في تنفيذ اتفاق العاشر من مارس من قبل قسد، وعليه تسعى أنقرة بمزيد من الضغط على قسد للبدء في عملية الدمج، لافتًا إلى أن تركيا تستخدم التهديد العسكري بين الفينة والأخرى كاستراتيجية في التعامل.
في هذا السياق يرى الباحث والأكاديمي، مروان حمي، أن تركيا تحاول استغلال فراغ القوة الأميركية، ومحاولة فرض منطقة عازلة 30 كم على طول الحدود تُطرد منها وحدات حماية الشعب (YPG)، إضافة إلى تصدير الأزمة خارجيًا قبل الانتخابات البلدية 2025، وتبرير ميزانية الدفاع المتضخمة في الداخل التركي.
الباحث حمي نوه إلى أن تركيا تستخدم التهديدات العسكرية لتعزيز موقفها التفاوضي وإضعاف الكرد سياسيًا، كما حدث في عمليات سابقة مثل “غصن الزيتون” و”نبع السلام”، مما يعكس استراتيجية تركية طويلة الأمد.
العودة إلى المربع الأول
في ظل المفاوضات غير المعلنة نتائجها في دمشق، تتصاعد حدة التصريحات الكردية خارج السياق المألوف، وهو ما جاء على لسان عضو هيئة الرئاسة لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، صالح مسلم، بالمطالبة بالاستقلال في حال رفضت دمشق اللامركزية.
هذه التصريحات يقرأها الباحث أسامة الشيخ علي على أنها في سياق الضغط على دمشق في المفاوضات الجارية، وفي سياق تحالفات قسد الجديدة مع العلويين، والسويداء ومطالب الهجري بالاستقلال، رغم معرفتهم باستحالة تحقيق هذه المطالب، إلا أنها تأتي في إطار التفاوض برفع السقف حتى تتحقق مطالب الإدارة الذاتية بشكل أسرع.
يشير حمي إلى أن الاتفاق بين دمشق وقسد يعاني من نقص الضمانات الدولية، مما يجعله عرضة للتلاعب، خاصة مع رفض دمشق اللامركزية، إضافة إلى أن هذا التأخير يعكس التدخلات الإقليمية، مثل دعم روسيا لدمشق وتوازنات أميركية في المنطقة، مما يهدد بتصعيد جديد.
وحول تصريحات صالح مسلم، يعتقد حمي بأنها تُمهّد لتفعيل البند الدولي للحق في تقرير المصير إذا أُغلق باب الحوار الداخلي، وتحفيز القاعدة الكردية على التمسك بالإدارة الذاتية كحد أدنى، كما يعكس تحولًا في الخطاب الكردي نحو المواجهة السياسية، محذرًا من عودة الصراع إلى المربع الأول.
تدريبات “قسد” والتحالف
تشير التقارير الميدانية إلى أن قسد أجرت خلال الأيام الأخيرة تدريبات عسكرية بالذخيرة الحية في محافظة الحسكة مع قوات التحالف الدولي بهدف تعزيز التنسيق ورفع الجاهزية القتالية للقوات في المنطقة، وهو ما يعتبره الشيخ علي إجراءات دورية تجريها قوات التحالف، في سياق تدريباتها مع قسد دون أي دلالات سياسية خاصة.
فيما يقرأ حمي هذه التدريبات على أنها رسائل موجهة لأنقرة بأن أي عملية واسعة ستُقابل بمقاومة ميدانية وغطاء جوي أميركي، ورسائل لدمشق بعدم تجاوز الخطوط الحمراء دون تنسيق مع واشنطن، إضافة إلى أن مثل هذه التدريبات ضمانة أمنية في ظل التوترات، وتعكس التزام واشنطن بمكافحة الإرهاب عبر شركائها الكرد، لكنها قد تكون أيضًا استعدادًا لسيناريوهات التصعيد، مما يعزز الموقف الكردي في المفاوضات السورية.
الترا سوريا
———————————
التلاعب الصهيوني بسلطات الأمر الواقع السورية/ أحمد جبر
25 اغسطس 2025
بعد هرب بشار الأسد إلى موسكو سارع الاحتلال الصهيوني إلى قصف كل مواقع الجيش السوري، مدمّرًا بذلك تقريبًا كامل قدرات الجيش السوري العسكرية المتبقية. حينها شنّ أكثر من 480 غارةٍ جويةٍ، دمرّت سلاح الجو والبحرية السورية كلّه، رافق العملية الجوية الصهيونية، عمليةٌ بريةٌ احتل بموجبها عددًا من المدن والقرى السورية، كما قتل وأسر العشرات من أبناء الشعب السوري. في المقابل ما كان ممن حلّ مكان بشار الأسد في قصر الشعب إلّا المحافظة على يده ممدودةً تأبى التراجع تجاه المعتدي الخارجي والمحتل، فمقدرات الجيش دمّرت، ولا قدرة لسورية المنهكة بعد ثورةٍ شعبيةٍ دفعها نظام الأسد دفعًا كي تصبح حربًا أهليةً، والتي ما لبثت أنّ تحولت إلى حربٍ بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية المتصارعة على سورية. لذلك كان الكلام أن لا إمكانية لمواجهة الاحتلال إلّا ببناء الجبهة الداخلية وتعزيزها، كلامٌ لا غبار عليه، لكن الأفعال جاءت مكذبةً له، فبدلًا من توحيد الجبهة الداخلية وتعزيزها تفرد أحمد الشرع ومن خلفه هيئة تحرير الشام بالسلطة في دمشق، الذين أخرجوا للشعب إعلانًا دستوريًا بمواد أكثر استبداديةً من دستوري 1973 و2012.
لم تكتفِ سلطة الأمر الواقع القابعة في دمشق بالاستئثار بالحكم من دون مشاركة أحد، بل أعلنت النفير العام، وصدحت الجوامع بـ”حي على الجهاد”، ليس ضدّ الاحتلال الصهيوني لمواجهة ما سردنا من أفعاله أعلاه، إنّما ضدّ أبناء الشعب السوري نفسه، بعد سلسلةٍ من الانتهاكات المستمرة منذ هروب الأسد إلى اليوم، بحقّ كلّ من يعارض سلطة الشرع، إذ ارتكبت قوى الأمن العام، والجيش السوري الجديد، ومليشيات الفزعات في مارس/آذار الماضي مجازر مروعةً بحقّ العلويين السوريين، راح ضحيتها آلف مدنيٍ.
ضمن السياق ذاته، وبتتابع الأحداث، حافظ أحمد الشرع على ثبات موقفه إلى اليوم، وأبقى يده ممدودةً للاحتلال، فهو يحاول أن يؤكّد بكلّ مناسبةٍ على سعيه الدؤوب إلى السلام، ويرفض قطعًا أنّ تمثّل سلطته أيّ تهديدٍ لأحد خارج حدود سورية، أما الداخل فهو شأنٌ داخليٌ.
وفقًا لوسائل الإعلام الدولية، والتصريحات الرسمية الغربية، خصوصًا الأميركية والصهيونية، توالت اللقاءات والاجتماعات بين مسؤولي سلطتي دمشق والاحتلال، وزاد الود بين الطرفين، وخرجت العديد من التقارير الإعلامية التي تفيد باقتراب توقيع اتّفاق “سلامٍ” بين الطرفين، يحول الجولان إلى “حديقة سلامٍ”، تحت سلطة الاحتلال طبعًا؟!
ومع ازدياد الود أكثر؛ شارك الاحتلال الصهيوني في الاجتماعات بين سلطة دمشق والمندوب السامي الأميركي لسورية ولبنان، توماس برّاك، وفي باكو عاصمة أذربيجان، وخلال زيارةٍ رسميةٍ للشرع تم الاجتماع في 2025/7/12 على المستوى الوزاري بين سلطتي دمشق والاحتلال. وفي اليوم التالي للاجتماع هاجمت قوات “الجيش السوري الجديد” والأمن العام وميليشيات الفزعات السويداء، وباشرت بارتكاب مجازر وانتهاكاتٍ أشد قسوةً من مجازر الساحل. في المقابل أعلن الاحتلال أنّه حامي الدروز الرسمي، ولم يكتفِ بقصف بعض أرتال المهاجمين، بل نسف قيادة الأركان السورية في دمشق، ما أغضب الشرع ودفعه إلى الاعتراض لدى توماس برّاك، وهو محقٌ تمامًا، فلم يقم إلّا بما اتفق عليه باجتماع باكو، أو على أقلّ تقدير ما فهمه من الاجتماع. وهذا ما عبر عنه برّاك، واصفًا المشكلة بـ”سوء تفاهمٍ” أودى بحياة المئات من السوريين، وسبب حالة فصامٍ لدى العديد من السوريين، فمن جهةٍ، اتهم مؤيدو الشرع السوريين في السويداء بالعمالة للاحتلال، رغم أن الشرع هو من التقى الاحتلال ونسق معه، وعلى الجهة الأخرى رفع بعض السوريين الجهلة في السويداء علم الاحتلال، الذي شكره حكمت الهجري علنًا أيضًا، رغم أن الاحتلال هو من أعطى الضوء الأخضر، أو على أقل تقدير هو سبب سوء التفاهم الذي أدى إلى المجزرة. حالةً لا يمكن أن تفسر إلّا بالفصام.
سطع نجم الهجري، وظهر أنّه الحامي لأهل الجبل، وصار من حقّه الطموح لأن يصبح قوّة أمر واقع في السويداء، وربّما من الممكن أن يتحول إلى سلطة أمرٍ واقعٍ أيضًا. ولا سيّما بعد أن وجد راعيًا رسميًا له (الاحتلال الصهيوني)، وبدأ بتشكيل إداراتٍ مدنيةٍ وأمنيةٍ ضمت بعض رموز نظام الأسد. هذا النجم الساطع الجديد ما كان من قوات سوريا الديمقراطية أن تفوته، لذا استضافته في مؤتمر الحسكة، وهي إحدى سلطتي الأمر الواقع السورية المدعومة أيضًا من الولايات المتّحدة، والتي تتبادل رسائل الغزل مع الاحتلال الصهيوني أيضًا، حالها حال سلطة دمشق.
لم تطرح قوات سورية الديمقراطية (قسد) نظامًا ديمقراطيًا بديلًا، إنّما أعادت إنتاج استبداد الأسد ذاته، والقتل والانتهاكات المتكررة، والاعتقال السياسي في سجونها، الذي قضى العديد منهم تحت التعذيب، كما أن ولاءها للولايات المتّحدة يعوق تحولها إلى حركة تحررٍ وطنيٍ تكون ركيزةً للشعب السوري للخروج من مأزقه.
كل سلطات الأمر الواقع السورية وكيلةٌ لاحتلالٍ أو أكثر، وكلها تخطب ود الاحتلال الصهيوني، الذي يتلاعب بها بطريقةٍ مرنةٍ وانتقائيةٍ، وهو لا يسعى إلى دعم طرفٍ واحدٍ دائمًا، بل يميل إلى إدارة التوازنات والصراعات من دون إنهائها لضمان مصالحه الأمنية والسياسية. إذ تستهدف غاراته الجوية المستمرة مواقع داخل الأراضي السورية، خصوصًا حول دمشق، مع تجنب إسقاط النظام بالكامل، حتّى لا ينهار، خوفاً من احتمالية تشكل بديل ثوري تحرري. لذلك يتغاضى عن تحركات سلطة دمشق في بعض المناطق، التي اعطيت له بوصفها مناطق نفوذ من دون أن يمس ذلك بالعلاقات والتواصل المباشرة وغير المباشرة مع سلطة دمشق.
أيضًا؛ يسعى الاحتلال الصهيوني إلى بقاء سيطرة “قسد” على حقول النفط والغاز في الحسكة ودير الزور، ما يحرم البلاد من عائداتٍ مهمةٍ، تُهدر باقتصاد الحرب بقيمةٍ بخسةٍ بدلًا من استثمارها ببناء اقتصادٍ وطنيٍ منتجٍ. كما يستفيد الاحتلال الصهيوني من اللعب بالورقة الكردية، ويساهم بزيادة التوتر بين قسد والاحتلال التركي، ما يسمح لتل أبيب بإشغال أنقرة إقليميًا في الداخل السوري.
وفي السويداء يستغل الاحتلال الروابط الدينية والاجتماعية مع الدروز في فلسطين المحتلة ليقدم نفسه حاميًا لأبناء الطائفة في المحافظة، وهو ما يعطيه مدخلًا سياسيًا وأمنيًا، مستفيدًا من تلاعبه بسلطة دمشق المتطرفة دينيًا.
الخوف من تقسيم سورية مشروعٌ تمامًا، وهذا الخوف يجب أن يكون حاليًا وليس مستقبلًا لأنّه واقع الحال، فسورية مقسمةٌ بين سلطتي أمر واقع مع بداية تشكل سلطةٍ ثالثةٍ، واحتمالية ظهور الرابعة لاحقًا. مع العلم هناك احتماليةٌ دائمةٌ لتغير هذه السلطات، وتغير حدود سيطرتها.
الاحتلال الصهيوني لا يريد انهيار النظام كاملًا، لكنه أيضًا لا يريد تعافي سورية لتصبح دولةً قويةً، سواء بيد النظام الحالي في دمشق، أو أيّ سلطةٍ بديلةٍ مركزيةً كانت أم لا. كما أنّها حال بقية الاحتلالات في سورية تحاول إدارة الصراعات بين سلطات الأمر الواقع، والتحكم بها بدل إنهائها. أيّ إبقاء قسد، ونظام دمشق، والسويداء، في حالة “شدٍّ وجذبٍ” مستمرٍ، بحيث لا يتمكن أيّ طرفٍ من فرض سيطرته الكاملة على سورية.
للأسف؛ تقدم سلطات الأمر الواقع السورية ذلك للاحتلال على طبقٍ من ذهب، ولا سيّما أنّها تعبر عن انقساماتٍ دينيةٍ وقوميةٍ، فهي ترسخ الانقسام المجتمع عاموديًا، ما يسهل التدخلات ويسهل المهمة على قوى الاحتلال، ليصبح احتلالًا من دون أي تكاليفٍ تذكر. لذلك أكثر ما تحتاج سورية حاليا مبادرةٌ وطنيةٌ علمانيةٌ ديمقراطيةٌ تحرريةٌ جامعةٌ، ربما تفتح المجال أما الشعب السوري بالقفز فوق مراحل كارثية عديدة، سواء الحالية منها أو المتوقعة مستقبلًا إن استمر الوضع الراهن كما هو.
—————————-
قصف لـ”قسد” يوقع قتلى وجرحى شرق حلب… والدفاع السورية تتوعد بالرد
محمد كركص
11 سبتمبر 2025
قُتل مدنيان وأصيب ثلاثة آخرون بجروح، مساء الأربعاء، جراء قصف صاروخي نفذته قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على مناطق سكنية في ريف حلب الشرقي، شمالي سورية، في تصعيد جديد على خطوط التماس بين الطرفين.
وقالت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية، في بيان رسمي، إن “قوات قسد شنّت بشكل غير مسؤول ومفاجئ حملة قصف عنيفة من مواقع سيطرتها في مطار الجراح العسكري ومحيط مدينة مسكنة، مستهدفةً منازل الأهالي في قرى (الكيارية، رسم الأحمر، حبوبة كبير) بريف حلب الشرقي، ونتج من القصف استشهاد مواطنين اثنين وإصابة 3 آخرين”.
وأضاف البيان أن “قوات الأمن استنفرت وحداتها المنتشرة في المنطقة وبدأت باستهداف مصادر النيران، ولا يزال الاستهداف مستمراً حتى الآن”، مؤكداً أن الجيش “يقف أمام واجباته في حماية الأهالي والدفاع عنهم والحفاظ على أرواحهم وممتلكاتهم، ولن يدّخر جهداً في هذا السبيل”.
ويأتي هذا التصعيد في ظل توتر متصاعد على خطوط التماس بين قوات النظام وقوات “قسد” في شمال البلاد وشمال شرقها. وكانت مصادر في “العربي الجديد” قد كشفت قبل أسبوعين أن “قسد” شرعت بتجهيز ثلاثة خطوط دفاعية وهجومية على محاور التماس مع الجيش السوري في أرياف حلب ودير الزور والرقة، وكثّفت من عمليات حفر الأنفاق في مناطق سيطرتها، بما في ذلك تحت المشافي والمدارس في الحسكة والرقة، في خطوة اعتبرتها المصادر دليلاً على “عدم التزام قسد اتفاق مارس/ آذار الماضي بين الرئيس السوري أحمد الشرع والقائد العام لقسد مظلوم عبدي، الذي نص أحد بنوده على وقف التصعيد بين الطرفين”.
وتشهد جبهات التماس، وخصوصاً في ريفي دير الزور الشرقي والغربي وريف حلب الغربي، ولا سيما جبهة منبج، اشتباكات متقطعة بين الطرفين بين الحين والآخر، توقع قتلى وجرحى من الجانبين. كذلك تُتهم “قسد” بتنفيذ عمليات استهداف متكررة لمنازل المدنيين في القرى القريبة من سد تشرين في ريف منبج، ما يزيد من حدة التوتر ويفاقم الأوضاع الإنسانية في هذه المناطق.
—————————-
قتلى بقصف قوات سوريا الديمقراطية لريف حلب والجيش يرد باستهداف دقيق
11 أيلول 2025
أعلن الجيش السوري، مقتل مدنيَّين وإصابة آخرين، جراء قصف من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لقرية الكيارية بريف حلب الشرقي.
ونقلت الإخبارية السورية عن الجيش السوري، أنه يواصل الرد على نيران قوات سوريا الديمقراطية عبر استهداف مواقعها في مسكنة ومحيطها، ومطار الجراح العسكري شرق حلب.
وكانت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية، قد ذكرت أن قسد شنت حملة قصف عنيفة من مواقعها في مطار الجراح العسكري ومحيط مدينة مسكنة، استهدفت خلالها منازل المدنيين في قرى الكيارية ورسم الأحمر وحبوبة كبير، مما أسفر عن مقتل مواطنَين وإصابة ثلاثة آخرين.
وأضافت أن قوات الجيش المنتشرة في المنطقة ردّت على مصادر النيران، مؤكدة أن الاستهداف لا يزال مستمرًا.
وشددت الوزارة على أنها “تقف أمام واجباتها في حماية الأهالي والدفاع عنهم والحفاظ على أرواحهم وممتلكاتهم، ولن تدخر جهدًا في هذا السبيل”.
في المقابل، قال المركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية إن قواتها صدت محاولات تسلل واعتداء مدفعي أقدمت عليها “مجموعات منفلتة تابعة لحكومة دمشق في منطقة دير حافر”، مؤكدًا أنها أفشلت تلك المحاولات بشكل كامل.
وأضافت قسد أن “المسؤولية الكاملة عن هذه الاعتداءات تقع على عاتق الطرف الذي بادر إلى التصعيد عبر خروقات متكررة تهدد الاستقرار العام”.
المصدر: الجزيرة مباشر
——————————
عشيرة تعلن النفير ضد “قسد” بعد قتل شاب وحجز جثته
دعت عشيرة “الشعيطات” إلى النفير العام ضد “قوات سوريا الديقمراطية” (قسد) بعد اتهام القوات بقتل شاب وحجز جثته، في بلدة الغرانيج بريف دير الزور الشرقي.
وأفاد مراسل عنب بلدي، في دير الزور، اليوم 11 من أيلول، أن “قسد” أعدمت ميدانيًا الشاب حكيم الرافع الخليف العبد الحسن، عقب رفضه التوقف على حاجز لها.
وأضاف المراسل، أن دورية “قسد” حجزت الجثة وامتنعت عن تسليمها لذوي الضحية.
ويسود التوتر في البلدة، حتى اللحظة، وفق ما قاله المراسل، بينما لم تعلق “قسد” على رواية مقتل الشاب حتى لحظة تحرير هذا الخبر.
مراسل عنب بلدي، أوضح أن عشيرة “الشعيطات” دعت كل العشائر في ريف دير الزور الشرقي، إلى النفير العام ضد “قسد” عقب مقتل الشاب.
وانتشر تسجيل مصور على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر دعوات لـ”الجهاد والنفير العام” عبر المآذن في بلدة الغرانيج بريف دير الزور الشرقي.
والشعيطات هي عشيرة عربية من قبيلة “العقيدات الزبيدية” تنتشر في محافظة دير الزور، ويبلغ عددها بين 70،000 إلى 90،000 ويقودها الشيخ رافع عكلة الرجو.
ويأتي هذا التطور، في ظل اشتباكات ومناوشات بين القوات الحكومية و”قسد”، في مناطق مختلفة، آخرها كان في ريف حلب الشرقي، أمس.
وتزامن هذا الحدث أيضًا مع حملة “دير العز” التي تنطلق مساء اليوم الخميس، لجمع التبرعات في مدينة دير الزور شرقي سوريا، بهدف إعادة إعمار المدينة وأحيائها المدمرة، وسط توقعات بجمع أكثر من 25 مليون دولار، وطموحات ببلوغ 50 مليون دولار.
——————————-
======================
تحديث 10 أيلول 2025
——————————————
أي شكل من الحكم هو الأنسب لسوريا المستقبل.. مركزية، لامركزية، أم فيدرالية؟/ عبد الناصر القادري
2025.09.10
انطلاقاً مما تعيشه سوريا بعد إسقاط النظام المخلوع، ومحاولات البعض لفرض أشكال حكم على مقاساتهم، يذكرنا ذلك بما قاله أرسطو في كتابه “السياسة”: “بديهي إذن أن الدساتير كلها التي تقصد إلى المنفعة العامة صالحة، وكل الدساتير التي تقصد المنفعة الشخصية للحاكمين هي فاسدة القواعد، وليست إلا فساداً للدساتير الصالحة”.
وفي سياق ذلك، تحاول بعض الزعامات أو القيادات العسكرية أو الناشطين الذين يقدمون أنفسهم دينياً أو عرقياً أو مذهبياً، اقتسام جزء من كعكعة سوريا لصناعة أوطان جديدة أو فرض حلول تناسبهم، رغم مساعي الكثيرين من السوريين تجاوز المرحلة الانتقالية محافظين على شكل سوريا وخريطتها موحدة وسيادتها كاملة تعبر إلى مكانتها الجديدة بيسر وأقل كلفة ممكنة، بما يتوافق مع تقرير مصيرها بدستور دائم وانتخابات حرة وبقدر حجم التضحيات المبذولة خلال سنوات الثورة السورية.
وتتعالى الأصوات التي تنادي بشكل الدولة بناء على مقاس طموحاتها ومكتسباتها الضيقة، في الوقت الذي تمر به سوريا بمحاولات إسرائيلية (وعدة دول أخرى) لا تخفى لإضعافها وتفتيتها طائفياً وعرقياً مما يؤدي إلى تقسيمها وإفشال أي من سبل تعافيها.
يطالب حكمت الهجري شيخ عقل الطائفة الدرزية في السويداء بحكم ذاتي مستقوياً بالاحتلال الإسرائيلي، وتفاوض قوات سوريا الديمقراطية “قسد” على شكل إدارة لا مركزية موسعة في الحكم منطلقة من شكل الإدارة الذاتية التي تسيطر فيها معظم مساحة الجزيرة السورية، في الوقت الذي أعلن عن تشكيل مجلس سياسي لإقليم وسط وغرب سوريا الذي يتحدث عن فيدرالية كاملة، أما من جهة الحكومة المعترف بها دولياً ما زالت تصر على شكل حكم مركزي وسوريا موحدة، مع إمكانية الحديث عن تطوير قانون الإدارة المحلية رقم 107، حيث قال الرئيس أحمد الشرع رداً على سؤال أحد الإعلاميين العرب خلال استقباله لهم بدمشق، إن “في سوريا القانون 107 وهناك وزارة إدارة محلية”، مضيفاً “المهم هو تعريف الفيدرالية أو اللامركزية. إذا كانت تعني التقسيم، فهذا غير مقبول. و”هل تريد سوريا موحدة؟ هل تريد إدارة مركزية؟ هل تسمح الطبيعة الجغرافية؟ هل الشعب موافق؟”، لافتاً إلى أن هذه أسئلة تحدد الموقف.
ما أفضل شكل إداري لحكم سوريا؟
ويرى المفكر السوري الدكتور برهان غليون أن “اللامركزية الديمقراطية هي الحل في سوريا” قائلاً: “أنا أعتقد أن سوريا بحاجة إلى جرعة كبيرة من اللامركزية الإدارية. وهذا ما نص عليه برنامج المجلس الوطني السوري الذي كان أول هيئة وطنية جامعة تمثل الثورة السورية”.
وأضاف غليون في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن “البرنامج تحدث عن لامركزية موسعة تسمح لمجالس المحافظات أن تشرف مباشرة على العديد من الشؤون الإدارية والثقافية والاجتماعية الخاصة بها ضمن إطار القانون الواحد، ويبقى للمركز إدارة الشؤون السيادية: القوات المسحلة والمصرف المركزي والعلاقات الخارجية والقضاء (العدالة)”.
واستدرك الدكتور برهان أنه “كي تكون اللامركزية وسيلة لتوحيد الإرادة الوطنية لا قناعاً للمحاصصة والانفصال ينبغي أن تعطى لمواطني كل محافظة من خلال مجالس منتخبة قانونياً بطريقة ديمقراطية وبصورة نزيهة وشفافة يشارك فيها الجميع وليس لحزب أو جماعة. وهكذا يمكن للأكثرية القومية أو الدينية في أي مدينة أو محافظة أن تحد تمثيلها الطبيعي في مجلس إدارتها الذي يعكس خصوصياتها من دون محاصصة قومية أو طائفية وحسب معايير سياسية وأخلاقية بحيث يبرز الفرد أو الممثل الأكثر كفاءة وأمانة في نظر سكان المحافظة، بصرف النظر عن دينه وقوميته، في المجالس المنتخبة. ولن يكون هناك أي مانع من أن يكون المحافظ صاحب الصلاحيات الواسعة أو المسؤول في الإدارة كردياً أو عربياً أو مسلماً أو مسيحياً أو غيرهما. لذلك “اللامركزية الديمقراطية هي البديل عن المحاصصة وعن المركزية المعطلة معاً”.
ما بين الطروحات الواقعية وغير الواقعية
من جانبه، قال الباحث السوري الدكتور عبد الرحمن الحاج، “نحن هنا إزاء نزعات انطواء تغذيها من جهة مخاوف من المستقبل ويستثمر في هذه المخاوف خصوم أو أعداء للحكم الجديد، أو باحثون عن مصالحهم في ظل وضع انتقالي يتسم بالهشاشة وبناء مؤسسات حكم منهارة من العدم تقريباً
النقاش حول أيهما أفضل مركزية أو لا مركزية؟ سياسية أو إدارية؟ فيدرالية أو كونفدرالية؟ انفصال أو عدم انفصال؟ كل النقاش متأسس ليس على مدى صلاحية هذه الأطروحات وإنما لاعتبارات قابلة للمعاجلة، والحقيقة البينة أن جميع تلك الطروحات جميعها تستند إلى دعم خارجي كلياً أو جزئياً، ما يجعلها أطروحات رهن برغبة الدول ومصالحها التي يستند إليها”.
ويعتقد الحاج في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن “جميع الطروحات في (بعض مناطق سوريا) حالياً غير واقعية، لا من جهة الجغرافيا، ولا من جهة الموارد.
وأكّد الحاج أن “هناك حاجة ماسة لتعزيز المساهمة المحلية في الحكم، والاتجاه الرئيس الشعبي هو لا إدارية موسعة، وهي صيغة مقبولة من الحكومة الانتقالية”.
ولفت إلى أن القانون 107 (صدر عام 2011) يتحدث عن إدارة محلية موسعة، وقد يكون هذا القانون، الذي لم يتم العمل به حين صدوره، أساساً لقانون جديد لتطوير قانون لإدارة محلية لامركزية، هذا بلا شك سيلبي الكثير من الحاجة ويقلل من الضغط على المركز دون أن يفقد الدولة وحدتها وقراراتها ومؤسساتها السيادية والسياسية التي ستبقى مركزية.
وتطرق الحاج في حديثه إلى اللجوء إلى الاستفتاء حتى لو كان حقاً لمجموعة سكانية، يجب أن ينظر إليه سياسياً إذا كان ممكناً أم لا، كردستان العراق قبل بضع سنوات قامت باستفتاء للاستقلال والانتقال من وضع إقليم يقوم على الحكم الذاتي إلى دولة مستقلة إلا أنه فشل رغم أنه نجح بالأصوات، لكنه غير واقعي وغير قابل للتطبيق. المسألة ليست إن كان بالإمكان إقامة استفتاء من قبل مجموعة سكانية متمركزة في منطقة جغرافية محددة وإنما في مدى واقعية تطبيق نتائج هذا الاستفتاء”.
وأشار إلى أن الاستفتاء على حق تقرير المصير لمجموعة سكانية على أرض ذات سيادة يتطلب توافقاً مع الحكومة المركزية لقبول إجراء مثل هذا الاستفتاء وإلا فإن أي استفتاء من هذا النوع لا يكتسب الشرعية اللازمة ويتم عرقلته”.
ما الفرق بين أشكال الحكم؟
تسعى سوريا الجديدة لكتابة عناوين مستقبلها في جمهوريتها التي تتشكل بعد انتصار الثورة السورية وهروب بشار الأسد وأبرز أزلام نظامه، وقد عرفت هذه البلاد منذ تأسيسها شكل الدولة المركزية بكل مافيه من إيجابيات وسلبيات وبعد انطلاق الثورة أصدر مرسوم القانون 107 إلا أنه لم يفعل، فما الفرق بين أشكال الحكم المختلفة المركزية واللامركزية والفيدرالية، وما القانون 107 وهل يتصل بشكل اللامركزية الإدارية الموسعة؟
الحكم المركزي
هو شكل الحكم الإداري في دولة مركزية/موحَّدة، تحتكر فيه السيادة والاختصاصات العليا في يد حكومة مركزية واحدة، وتمنح هذه الحكومةُ الوحداتِ المحلية ما تشاء من صلاحيات عبر التفويض أو القوانين، مع احتفاظها بحق سحبها أو تعديلها.
وفي هذا النموذج يكون الدستور واحداً، والبرلمان والمحاكم العليا وطنية، والجيش والمالية والسياسة الخارجية جميعها تحت سلطة المركز؛ كما تُوحَّد المعايير والقوانين الأساسية (التعليم، الصحة، الضرائب العامة…) على كامل الإقليم.
ويدار داخلياً من خلال تفويض إداري يتراوح بين:
إعطاء صلاحيات محدودة لمديريات تابعة للوزارات تعمل محلياً بأسلوب “اللامركزية الإدارية المحدودة”.
تفويض/تفويض موسّع: نقل جزء من إدارة الخدمات إلى بلديات ومحافظات مع بقاء القرار الاستراتيجي للمركز.
كما أنها يمكن أن تعطي صلاحيات من خلال لا مركزية مقننة: منح مجالس محلية منتخبة صلاحيات أوسع يُحدّدها قانون وطني، لكن ضمن دولة موحّدة (مثل ما حصل في فرنسا بعد قوانين اللامركزية، أو في إيطاليا بشكل “الدولة الإقليمية”، أو في المملكة المتحدة بنظام التفويض).
وتفرض الحكومة المركزية وحدة الأجهزة السيادية بشكل كامل: جيش موحّد، سياسة خارجية موحّدة، عملة وبنك مركزي واحد، وتشريعات عليا موحّدة.
ما مزايا الحكم المركزي؟
وحدة القرار والهوية وسهولة تنسيق السياسات الوطنية.
خفض التفاوت القانوني بين المناطق وتبسيط الإجراءات.
استجابة أسرع للأزمات عندما تكون قنوات القيادة واضحة.
ما عيوب الحكم المركزي؟
فرط البيروقراطية والتهميش للمناطق البعيدة إذا ضَعُفت المشاركة المحلية.
تباطؤ الخدمات بسبب مركزية الموافقات.
تحوّل التفويض إلى أداة سياسية تُمنح أو تُسحب بقرار مركزي.
يطبق نموذج الحكم المركزي في معظم دول العالم 165 من أصل 193 دولة، لكنها تختلف في مدى اللامركزية داخل هذا الإطار، ويمكن للدولة المركزية أن تكون فعّالة وشاملة إذا قُنّنت تفويضات محلية واضحة ومستقرة، مع وحدة سيادية في الدفاع والخارجية والمالية.
تلفزيون سوريا
——————————-
للتجنيد في صفوفها.. “قسد” تعتقل عشرات الشبان في القامشلي بالحسكة
2025.09.10
اعتقلت “قوات سوريا الديمقراطية – قسد” عشرات الشبان في مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، واقتادتهم إلى معسكراتها بهدف التجنيد في صفوفها.
وقالت شبكات إخبارية محلية، منها “نهر ميديا”، اليوم الأربعاء، إن “قسد” شنت أمس حملة مداهمات في أحياء طي وهلالية بمدينة القامشلي، واعتقلت نحو 80 شاباً من أماكن عملهم، واقتادتهم إلى معسكرات التجنيد الإجباري.
وقبل أيام، أطلقت “قسد” حملة أمنية واسعة في مدينة الحسكة، قالت إنها تستهدف خلايا تنظيم الدولة (داعش)، بينما أكدت مصادر محلية أن الاعتقالات طالت عشرات الناشطين المعارضين لـ”قسد” في المدينة.
وقال مراسل تلفزيون سوريا إن الحملة الأمنية تركزت في عدة أحياء، من أبرزها غويران، والنشوة، والزهور، والعزيزية، والغزل، وخشمان.
وذكر مصدر محلي من حي غويران أن الحملة طالت نحو 40 شخصاً، بينهم إمام مسجد التوحيد في الحي. واتهم المصدر “قسد” باستخدام ذريعة مكافحة تنظيم داعش لتبرير حملة تستهدف الناشطين المعارضين والمؤيدين للحكومة السورية في الحسكة.
الاعتقالات شرقي سوريا لا تتوقف
وكانت “قسد” قد نفذت حملة اعتقالات في بلدة غرانيج بريف دير الزور، طالت 18 شخصاً، بحسب مراسل تلفزيون سوريا، الذي أشار إلى أن الحملة تخللتها عمليات حرق وتخريب طالت عدداً من المنازل في البلدة.
وتشن “قسد” بين الحين والآخر حملات اعتقال وتوقيف بحق أشخاص تتهمهم بالانتماء إلى تنظيم “داعش”، في حين لا تفصح عن بقية التهم. ويؤكد ناشطون شرقي سوريا أن تلك الحملات تطول معارضين لسياسة “قسد” ومدنيين، مطالبين بوقف انتهاكاتها في المنطقة.
—————————-
مصادر محلية: وفاة شاب تحت التعذيب داخل سجون “قسد” في الرقة
2025.09.10
أفادت مصادر محلية بوقوع حالة وفاة جديدة تحت التعذيب داخل سجون “قوات سوريا الديمقراطية – قسد” في مدينة الرقة شرقي سوريا.
وقالت شبكات إخبارية محلية، منها “فرات بوست”، اليوم الأربعاء، إن الشاب أحمد الساجر قضى تحت التعذيب بعد اعتقاله قبل أيام من قبل عناصر “قسد”، وذلك عقب العثور في هاتفه على العلم السوري ومقاطع مصوّرة مؤيدة للحكومة السورية.
وأضافت المصادر أن “قسد” سلّمت جثمانه لذويه، وقد بدت عليه آثار تعذيب واضحة تؤكد وفاته داخل المعتقل.
وينحدر الساجر من قرية حويجة شنان شرقي الرقة، وكان المعيل الوحيد لوالدته وشقيقاته الثلاث بعد وفاة والده، ما ضاعف مأساة عائلته.
ومنتصف الشهر الفائت، قُتل الشاب محمد جاسم الحميدي تحت التعذيب في سجون “قوات سوريا الديمقراطية”، بعد ساعات من اعتقاله في ريف الحسكة الشمالي.
انتهاكات “قسد” شمال شرقي سوريا
أكدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تقرير نشرته مطلع شهر آب الفائت، توثيق 36 حالة احتجاز تعسفي على يد “قسد”، بينهم 5 أطفال خلال الشهر الماضي، إضافة إلى مقتل 5 مدنيين بينهم طفلان.
وأوضحت الشبكة أن محافظة الرقة سجلت خلال شهر تموز 2025 العدد الأعلى من حالات الاحتجاز التعسفي في سوريا، تليها محافظة دير الزور ثم محافظة الحسكة.
وقارن التقرير بين حصيلة حالات الاحتجاز وعمليات الإفراج، مؤكداً أن عدد حالات الاحتجاز التعسفي في مراكز الاحتجاز التابعة لـ”قسد” يفوق عدد حالات الإفراج، ويعود ذلك إلى اعتقال مدنيين على خلفية انتقادهم لممارسات “قسد”.
كما سجل التقرير حالات احتجاز استهدفت مدنيين بهدف اقتيادهم إلى معسكرات التدريب والتجنيد، وتركزت هذه العمليات في محافظتي حلب ودير الزور، إضافة إلى حالات أخرى على خلفية التعبير عن آراء ناقدة لسياسات “قسد” في مناطق سيطرتها.
——————————-
===================
تحديث 09 أيلول 2025
——————————
بمعزل عن “قسد”.. لقاء مرتقب لـ”الوطني الكردي” بالرئيس السوري في دمشق
2025.09.09
أفاد مصدر مسؤول في “المجلس الوطني الكردي” بتلقّي المجلس دعوة رسمية من الحكومة السورية لعقد لقاء مع الرئيس السوري أحمد الشرع في العاصمة دمشق.
ويهدف اللقاء، مناقشة الحقوق والمطالب الكردية ومستقبل البلاد، وذلك بعيداً عن “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) و”حزب الاتحاد الديمقراطي – PYD”.
وقال المصدر لـ موقع تلفزيون سوريا”، إنّ الدعوة تضمنت لقاء الرئيس السوري ووزير الخارجية أسعد الشيباني، مشيراً إلى أنّ “الاتصالات بين المجلس والحكومة السورية كانت مستمرة خلال الفترة الماضية”.
وأوضح أنّ “المجلس الوطني الكردي أبدى استعداده لتلبية الدعوة، وقدم قائمة تضم 15 شخصية من قياداته، بينهم مسؤولون سابقون في الائتلاف الوطني وهيئة التفاوض، لافتةً إلى أنّ موعد اللقاء لم يُحدد بعد، لكنه مرجّح خلال الشهر الجاري.
وبحسب المصدر، فإنّ هذا اللقاء لا يعني انقساماً بين الأطراف الكردية، رغم انعقاده بمعزل عن لقاءات وفد “قسد” مع الحكومة السورية، مشدداً على أن “المجلس ملتزم بالرؤية السياسية الكردية المشتركة، وأن الوفد الكردي المشترك، هو المخوّل بمناقشة تثبيت حقوق الكرد دستورياً في سوريا الجديدة”.
الحوار بين “قسد” والحكومة السورية
وتتزامن أنباء اللقاء المرتقب لـ”الوطني الكردي” بالرئيس الشرع، مع لقاء القائد العام لـ”قسد” مظلوم عبدي بقائد القيادة المركزية الأميركية (سانتكوم) الأميرال براد كوبر، خلال زيارة الأخير إلى منطقة شمال شرقي سوريا، يوم الجمعة الفائت، حيث تناول اللقاء آخر مستجدات الحوار مع الحكومة السورية.
وقال مصدر خاص من داخل “قسد” لوكالة (ANHA)، إنّ مظلوم عبدي أكد خلال اللقاء “التزامهم بتنفيذ اتفاق 10 آذار ومواصلة عملية التفاوض”، لافتاً إلى “أهمية أن تقوم الحكومة السورية بخطوات من شأنها تعزيز بناء الثقة”.
“توافق كردي على اللامركزية”
وسبق أن أعلنت القوى الكردية خلال مؤتمر “وحدة الصف والموقف الكردي”، في 26 نيسان الماضي، رؤيتها السياسية حول القضية الكردية في سوريا، مؤكدة أن الحل يجب أن ينطلق من الوحدة الوطنية السورية واعتماد نظام “لامركزي” يرتكز إلى مبادئ العدالة والمساواة والديمقراطية وحرية المرأة.
وشدّدت الوثيقة السياسية على أن سوريا دولة متعددة القوميات والثقافات والأديان، ويجب أن يضمن دستورها حقوق جميع المكونات -بما فيها العرب والكرد والسريان والآشوريون والشركس والتركمان والعلويون والدروز والإيزيديون والمسيحيون- على أساس مبادئ فوق دستورية.
كذلك، دعت إلى إقامة “نظام برلماني تعددي” يقوم على فصل السلطات، مع مجالس محلية ضمن إطار نظام لامركزي يوزّع السلطة والثروة بشكل عادل بين المركز والأطراف.
———————————
هل يحتمل المشهد السوري المزيد من المراهنات؟/ حسن النيفي
2025.09.09
جسّد اتفاق العاشر من آذار في حينه بين الحكومة السورية ممثلة بالرئيس أحمد الشرع وقوات سوريا الديمقراطية ممثلة بمظلوم عبدي، إرهاصاتٍ لبوادر أمل في نفوس كثير من السوريين، ربما أوحى إليهم بأن مشكلةً من أشدّ المشكلات تعقيدًا يمكن أن تذلّلها تفاهمات سورية – سورية عبر مسار تفاوضي، بعيدًا عن الحرب والعنف.
وبموجب الاتفاق المشار إليه، فقد حدّد الطرفان المتعاقدان إطارًا زمنيًا لتطبيق ما اتفقا عليه يمتد إلى نهاية العام الجاري. إلا أنه وبعد مرور ستة أشهر لم يُترجم من الاتفاق أيّ جزء على أرض الواقع، بل يمكن القول إن ما نشهده من تصعيد إعلامي من الجانبين، وكذلك من رفعٍ لسقف مطالب “قسد”، يؤكّد أن اتفاق آذار ما عاد صالحًا لأن يكون نواةً يمكن البناء عليها في ظل المواقف الراهنة.
ازدواجية الخطاب والمواقف
لم يتردّد قادة “قسد” منذ آذار الماضي في إطلاق تصريحات متواترة تؤكّد استعدادهم للاندماج في الدولة السورية، ونفي أي رغبة بالانفصال خارج كيان الدولة. إلّا أن تلك المواقف لم تتجاوز حيّز الخطاب، من دون أن يكون لها ترجمة فعلية على أرض الواقع. بل يمكن التأكيد على أن السلوك الفعلي الموازي لتلك التصريحات كان يوحي بالمزيد من التلكؤ والتردّد، وخاصة فيما يتعلق بتعطيل وعَرْقلة عمل اللجان التخصصية المنبثقة عن تفاهمات العاشر من آذار.
الأمر بات واضحًا لكثيرين بأن هذا التردد أو الامتناع عن الشروع في تجسيد التوافقات الثنائية على الأرض ليس إلا تكريسًا لنهج المماطلة، بغية كسب المزيد من الوقت للالتفاف على الاتفاق، وذلك استنادًا إلى معطيات أو أحداث مستجدّة. فما هي هذه المستجدّات؟
لقد أظهر لقاء الحسكة الذي نظمته “قسد” تحت عنوان وحدة الموقف لمكونات شمال شرقي سوريا في الأسبوع الأول من شهر آب الماضي، منعطفًا جديدًا في تعاطيها مع الحكومة السورية. إذ يؤكّد هذا التعاطي أن مواقف “قسد” من مسألة الاندماج في الدولة لا تنبثق عن قناعات ثابتة بقدر ما تخضع لموازين القوى والمواقف الإقليمية والدولية، وكذلك لمدى قوّة وتماسك الحكومة المركزية.
دعوة “قسد” لكل من حكمت الهجري، زعيم ديني ممثل للطائفة الدرزية، وغزال غزال ممثلًا عن الطائفة العلوية، جاءت على أعقاب الأحداث الدامية التي شهدتها السويداء منذ الثالث عشر من تموز الماضي. وهذا يجسّد مسعى آخر نحو تأسيس جبهة قوامها “أقليات مناهضة للحكومة السورية ومناهضة أيضًا لمبدأ وحدة البلاد وسيادتها”.
إذ إن مطالبة تلك الجماعات الدينية بكيانات مستقلة ورفضها الانضواء تحت مظلة الدولة السورية لم يعد مجرّد استنتاج أو تأويل، بل مواقف معلنة عبّر عنها أصحابها بوضوح. فقد لم يخفِ غزال غزال تمسّكه باللامركزية السياسية أو الفدرالية، ما يعني المطالبة الصريحة بكيان علوي في الساحل السوري. ولم يكن حكمت الهجري أقل وضوحًا، إذ أكّد في بيانه الصادر في الرابع من أيلول الجاري تمسّكه بمطلب إنشاء كيان مستقل في الجنوب، تطبيقًا لمبدأ حق تقرير المصير الذي وصفه بـ “الحق المقدس الذي تكفله المواثيق الدولية، ولن نتراجع عنه مهما كانت التضحيات”.
ومن اللافت أن بيان الهجري تضمّن استخدامه لمصطلح “شعب” في وصف الطائفة الدرزية، وهي سابقة تحتاج إلى تفسير: هل الدروز طائفة دينية أم شعب؟ أليسوا جزءًا من الشعب السوري؟ يبدو أن قناعته هذه هي ما دفعته للمطالبة بحق تقرير المصير “للشعوب” باعتباره حقًا مقدسًا.
طموحات “قسد” وحدودها
إذا كانت الجماعات الدينية أو الطوائف تسعى للتحوّل إلى كيانات سياسية مستقلة، فما الذي يجعل “قسد” أقل طموحًا من تلك الجماعات؟ ولعل هذا ما يفسّر العديد من تصريحات قادتها في الآونة الأخيرة، التي تؤكّد جميعها على مطلب “اللامركزية السياسية”.
هذا المطلب يضمن لها من وجهة نظرها مسألتين أساسيتين:
الحفاظ على هيكليتها العسكرية والإدارية، بما يجعل تبعيتها لوزارة الدفاع أمرًا شكليًا فقط.
الحفاظ على تموضعها الجغرافي الذي يُبقي على مكاسبها وامتيازاتها.
وفقًا لذلك، يمكن التساؤل: ما قيمة اندماجها في الدولة السورية إن بقيت مستقلة عسكريًا وجغرافيًا واقتصاديًا؟ وما المسافة الفاصلة بين “اللامركزية السياسية” والانفصال التام؟
مزيد من المغامرة… قليل من الواقعية
إصرار قادة “قسد” على مطلب اللامركزية كشرط للتوافق مع الحكومة السورية لا يستند إلى مقوّمات ذاتية، بقدر ما يقوم على رهانات، أبرزها:
المراهنة على استمرار الدعم الأميركي والفرنسي، وهو رهان غير مضمون في ظل الموقف التركي الرافض لوجود كيان كردي متاخم لحدوده، وفي ضوء تحوّل المصالح الأميركية نحو إستراتيجية جديدة بعد هزيمة إيران وأذرعها الطائفية، وانحسار النفوذ الروسي في سوريا.
المراهنة على تحالف أقليات دينية من شأنه إعاقة تكوّن الدولة واستقرارها.
لكن ما لا تنتبه إليه “قسد” أن مطالب رجال الدين، سواء الفدرالية كما عند غزال غزال أو الاستقلال كما عند الهجري، ليست بالضرورة تعبيرًا عن تطلعات الطائفة بكاملها، بل هي مواقف شخصيات دينية. كما أن غياب أصوات مغايرة في الحالة الدرزية الحالية مرهون بظروف استثنائية من احتقان وتوتر، وهو غياب مؤقت.
في مقابل التفكير بمنطق المراهنات، ألا يمكن لـ “قسد” اتخاذ مواقف أكثر واقعية ومسؤولية؟
الرئيس السوري أحمد الشرع أكّد في لقائه وفدًا عربيًا ضم شخصيات إعلامية بارزة أن المفاوضات مع “قسد” أو مع السويداء لا تستثني أي موضوع سوى مسألة الانفصال. ووفقًا لذلك، يمكن لـ “قسد” أن تطرح على طاولة التفاوض ما تراه حقًا لها بلا تحفظ، بما في ذلك ملاحظاتها على الإعلان الدستوري، وموضوع اللغة الكردية، وحق مؤسساتها في الاحتفاظ بكوادرها، وغيرها.
يبقى الخوف حاضرًا لدى السوريين من أن تستمر “قسد” في المراهنات الواهمة، وهو ما قد يؤدي إلى انحسار فرص التفاوض والحل السياسي السلمي، ويفتح الباب مجددًا لفصل آخر من العنف، وهو ما لا يتمناه السوريون.
تلفزيون سوريا
——————————
مدارس شرق سورية… رفض شعبي لفرض منهاج “الإدارة الذاتية”/ سلام حسن
09 سبتمبر 2025
أبلغت هيئة التربية والتعليم التابعة للإدارة الذاتية في شرق سورية إدارات المدارس الخاصة والعامة بقرار توحيد المناهج الدراسية، واعتماد المناهج الخاصة بها، وإلغاء تدريس المناهج الصادرة عن الحكومة في دمشق، أو مناهج الأمم المتحدة ومنظمة “يونيسف”، ما أثار موجة اعتراضات، خصوصاً على مقررات الثقافة الجنسية، فضلاً عن كون الشهادات غير معترف بها.
ووفق معلمين سوريين، أُبلغ القرار شفهياً خلال اجتماع للكوادر التربوية، قيل فيه إن “مناهج الحكومة السورية لن تُدرّس بعد اليوم في أي من مدارس شمالي وشرقي سورية”، وأكد مسؤول في هيئة التربية في القامشلي التابعة للإدارة الذاتية أن “القرار يسري على جميع المدارس، الحكومية والخاصة”.
ورد المكتب الإعلامي في وزارة التربية السورية على طلب تفاصيل، قائلاً إن الوزارة لا ترغب في التعليق على الموضوع، فيما أكد مسؤول في الوزارة لـ”العربي الجديد”، أن هناك لجنة مشتركة بين وزارة التربية وإدارة التربية في مناطق الإدارة الذاتية تجتمع بشكل دوري لبحث الموضوع.
وكان ملف التعليم محور نقاشات عدة بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية الانتقالية خلال الأشهر الماضية، من بينها اجتماع جرت خلاله مناقشة تفاصيل تتعلق بالمناهج والامتحانات. وفي وقت سابق، اتفق مسؤولون من الطرفين على إجراء الامتحانات في بعض المناطق شمالي سورية، لكنهم لم يتوصلوا إلى صيغة مشتركة حول المناهج، أو إلى قرر يتيح اعتراف دمشق بالشهادات الصادرة عن مؤسسات الإدارة الذاتية التعليمية.
ويوجد في العاصمة دمشق حالياً وفد من الإدارة الذاتية ليجري لقاءات مع وزارة التربية والتعليم بمشاركة الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية إلهام أحمد، التي قالت إن ملف التعليم سيكون المدخل الأول لبدء الحوار.
من ريف دير الزور الشرقي، يقول المعلم قاسم الحسين لـ”العربي الجديد”: أبلغنا كثيرٌ من أولياء أمور التلاميذ عزمهم نقل أبنائهم الى مدارس الحكومة في مدينة دير الزور حال تنفيذ القرار الصادر من هيئة التربية التابعة للإدارة الذاتية بفرض المنهاج الخاص بها. غالبية مدارس ريف دير الزور الشرقي تدرس منذ سنوات منهاج “يونيسف”، والكوادر الإدارية والتعليمية في هذه المدارس أبلغوا هيئة التربية أنهم سيقدمون استقالات جماعية حال تم فرض المنهاج عليهم”.
ومن ريف تل حميس شمال مدينة الحسكة، يقول إدريس بيندوري لـ”العربي الجديد”: “الإدارة الذاتية تصدر الكثير من القرارات، ثم تتراجع عنها، وهذا القرار غير مدروس، ولم يصدر بشكل رسمي، والأغلب أنه لن ينفذ. لنفترض أن الناس قبلوا، وأرسلوا أولادهم إلى مدارس الإدارة الذاتية، فهي غير مزودة بالكفاءات التدريسية، والمناهج غير معترف بها. الأمور السياسية لم يتم التوصل إلى حلول فيها، وكان الأفضل أن يكون التعليم آخر خطوة، وتجرى دراسته بعد إنجاز تفاهمات واتفاقات”.
من جهته، يقول المحاضر السابق في جامعة دمشق فريد سعدون، لـ”العربي الجديد”، إن “الإدارة الذاتية قررت فرض مناهجها التعليمية في مناطق شرق الفرات، لكن لا نعلم إن كانت قادرة على تحمل تبعات هذا القرار، وهل لديها القدرة على احتواء رد فعل المجتمع، سواء العشائر أو المنظمات أو الكنيسة؟ عدا رد فعل الحكومة التي ما زالت مفاوضاتها مستمرة مع قوات سوريا الديمقراطية”.
يضيف سعدون، وهو كردي: “أعتقد أن القرار كان يجب أن يُتخذ منذ بداية استلام الإدارة الذاتية السلطة في مناطق شرق الفرات في عام 2014، لكن أن يُفرض اليوم في ظل التفاوض السياسي القائم بين قسد والحكومة، فعلى الأرجح ستكون له عواقب غير محمودة، والتراجع عنه لا يزال ممكناً. كان هناك تفاهم خلال الفترة الماضية، ولقاءات بين الطرفين، وناقشت المسؤولة الكردية إلهام أحمد موضوع التعليم مع الوزير أسعد الشيباني، وكانت هناك تسريبات حول إمكانية الاعتراف بمناهج الإدارة الذاتية مقابل تسليم مناطق للحكومة، ما يعني أن التعليم بات مادة للتفاوض السياسي. أتوقع أنه بمجرد الاتفاق، ستعود مدارس الدولة لممارسة عملها في مناطق شرق الفرات، بينما تراهن قسد على عدم بقاء الحكومة، من دون النظر إلى الظروف الدولية والإقليمية التي تمنع سقوطها”.
بدوره، يقول مسؤول المنظمة الآثورية الديمقراطية كبريئيل موشي، لـ”العربي الجديد”، إن القرار “يمثل خطوة إلى الوراء، ويثير الإشكالات نفسها التي أثيرت خلال الأعوام الماضية عند بدء العام الدراسي. المشكلة أن هذه المناهج غير معترف بها، وكان الناس يضطرون إلى نقل أبنائهم إلى محافظات أخرى، أو يضطرون إلى الهجرة لتعليمهم، وهذا العام الأوضاع مختلفة، فالحكومة لم يعد لها دور في مناطق الإدارة الذاتية، أو حتى وجود رسمي، وباعتقادي أن هذا سيعمق استعصاء الحالة الراهنة، وسيكبد أهالي الطلاب أعباء إضافية من أجل تعليم أبنائهم. القلق لا يقتصر على المجتمع المسيحي وحده، بل يشمل جميع الفئات من عرب وأكراد وسريان وآشوريين ومسيحيين ومسلمين وإيزيديين، وأعتقد أن الكنائس ستدخل في حوار مع الإدارة الذاتية من أجل التوصل إلى حلول”.
وحول ما نقل عن “مجلس كنائس الجزيرة” بأن المدارس التابعة له ستبقى مفتوحة، وستدرس المنهاج السوري المعترف به دولياً، يوضح موشي أن “المجلس دوره اتخاذ قرارات متعلقة بالمدارس التابعة له، لكن ربما يكون هناك توافق بين جميع الكنائس من أجل بدء تحرك تجاه الإدارة الذاتية من أجل حل الموضوع. ليست الكنائس فقط التي تريد المنهاج الحكومي، وإنما كل أهالي مناطق الجزيرة السورية بمختلف مكوناتها، وليس هذا حباً فيه، وإنما لكونه معترف به، ويؤمن الفرصة لأبنائهم لاستكمال دراستهم في جامعات الداخل والخارج”.
ومن الحسكة، ترى المعلمة سوزان محمود القرار غير صائب، وتقول لـ”العربي الجديد”: “التعليم خط أحمر، وقد تحملنا كل الضغوط والصعاب من أجل تعليم أبنائنا، ولن نرسلهم إلى مدارس الإدارة الذاتية. جميع أبناء الكوادر التعليمية يدرسون في مدارس الحكومة، أو المدارس الخاصة، فكيف يقبلون بدراسة أطفالهم منهاجاً ليسوا مقتنعين به؟ هذا المنهاج مرفوض دولياً، وغير معترف به على مستوى سورية”.
ويرفض باسل يوسف فرض الإدارة الذاتية مناهجها وكأنها دولة، قائلاً إن “الحق في فرض المناهج لا تملكه سوى الدول، حتى في أوسع أشكال الفيدرالية واللامركزية. في النتيجة، أطفالنا سيتحولون إلى ضحايا الشعارات الحزبية التي لا تعترف بها أي جامعة، ولا أي سوق عمل. جيل كامل يُضحّى بمستقبله فقط ليُقال إن للإدارة الذاتية منهاجاً خاصاً، بينما ليس من حق حزب أو إدارة مؤقتة أن تقرر هوية جيل كامل”.
في المقابل، يقول الناطق باسم المجمع التربوي في مخيمات الإدارة الذاتية محمد حاجو، لـ”العربي الجديد”، إن “مناهج الإدارة الذاتية وضعت من قبل مختصين وأكاديميين في اللغات والمواد العلمية، سواء في اللغة العربية أو الكردية أو السريانية، وقد أشرفوا على هذه المناهج التي كانت تطبق سابقاً في محافظة الحسكة ومدينة القامشلي، بينما كانت مناهج الحكومة السورية تُدرَّس في المربعات الأمنية التي كانت تحت سيطرة قوات النظام السابق، وبعد سقوط نظام الأسد، سيطرت الإدارة الذاتية على هذه المناطق، وأصبحت المدارس تابعة لها، لذا من الطبيعي أن تفرض عليها مناهجها”.
ويتابع حاجو: “هناك خمسة مناهج في سورية، هي منهاج الإدارة الذاتية، والمنهاج التابع للائتلاف الوطني، ومنهاج محافظة إدلب (منهاج الحكومة الانتقالية الحالية)، والمنهاج التابع للنظام السوري السابق، وفي كل منطقة حسب جهة السيطرة، كان يُدرَّس المنهاج المخصص، فضلاً عن منهاج الأمم المتحدة الذي تعتمده منظمة يونيسف، وعندما اتخذت الإدارة الذاتية قرار توحيد المناهج في مناطق شمال وشرق سورية، فرضت مناهجها الخاصة التي تتألف من اللغات الثلاث، الكردية والعربية والسريانية، أي أن كل مكون يدرس بلغته، وهناك تأييد كبير لقرار فرض المناهج من قبل السكان، خلافاً لما يُروَّه حول الرفض، وخلافاً لتوقعاتنا السابقة”.
وفي العاشر من مارس/آذار الماضي، وُقّع في العاصمة دمشق اتفاق مكون من ثمانية بنود بين قوات سوريا الديمقراطية، ممثلة بقائدها مظلوم عبدي، والحكومة السورية ممثلة بالرئيس أحمد الشرع، بهدف وضع أساس للعلاقة بين مناطق الإدارة الذاتية والحكومة المركزية، ونصّ الاتفاق على ضمان الحقوق الدستورية للمكوّن الكردي، ودمج المؤسسات العسكرية والمدنية في إطار الدولة، ووقف إطلاق النار، وتأمين عودة المهجرين، إضافة إلى رفض خطاب الكراهية ودعم الجهود المشتركة لمكافحة الإرهاب.
العربي الجديد
———————————
====================
تحديث 07 أيلول 2025
—————————
ماذا وراء خطاب “قسد” التصعيدي؟/ أحمد مظهر سعدو
2025.09.07
الخطاب السياسي المتشنّج والعدائي الذي تطلقه (قسد) وتوابعها، يعيد إنتاج الواقع في شمال شرقي سوريا، وضمن الجغرافيا السورية، على أسسٍ وبناءاتٍ جديدة، قد لا تُبشِّر بالخير، ولا تعطي انطباعًا موضوعيًا يشي بأنّ أهل (قسد) يسيرون باتجاه الحلّ السياسي، أو الاندماج في مؤسّسات الدولة السورية الجديدة.
ولعلّ الاستمرار في هذا التصعيد عدائيًّا ضد الحكومة السورية، وضمن سياقات الاندراج في حالةٍ مناهِضة، وهجومٍ متواصلٍ على كلّ منتجات الحكم الجديد في سوريا، هو المدخل المباشر الذي تريده (قسد) من أجل المضيّ في حالة التمنّع، ومن ثمّ تنفيذ بنود الاتفاق الذي تم توقيعه بين مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع في ١٠ آذار/مارس المنصرم، والذي وضع حينها خطوطًا عريضة ومهمة من أجل تنفيذها، وصولًا إلى حالة إنهاء ظاهرة التشظّي والتقسيم التي سارت عليها (قسد) منذ أن نشأت.
كلّ مسارات هذا المشهد تشير، وبوضوح، إلى أنّ السقف الزمني الذي حدّده الاتفاق بين عبدي والشرع، المشار إليه آنفًا، وهو نهاية العام الحالي 2025، قد بدأ ينفد، ولم يبقَ إلا القليل من الأشهر على ضرورة الالتزام به وتنفيذه كما ورد في بنود النصّ المُسطر في الاتفاق.
يقول بعضهم إنّ (قسد) ما برحت، منذ زمنٍ ورغم توقيع الاتفاق المنوَّه عنه، تراهن على استمرار الدعم الأميركي والوعود الأميركية التي تمكّن (قسد) من البقاء خارج إطار الدولة السورية، ومن ثمّ فرض شروطها على حكومة دمشق، وبعدها الاستمرار حثيثًا في إعادة طرح موضوع اللامركزية السياسية، التي تُعيد طرحها بين الفينة والأخرى، وكلّما سمحت لها الظروف السياسية والإقليمية، وتتمسّك بها بشكلٍ متصلّبٍ ومتشّنِّج، في مواجهة محدّدات اللامركزية الإدارية التي هي الأقرب عمليًا إلى التطبيق، أو احتمالات القبول والموافقة من حكومة دمشق. كما أنّ تمسّك (قسد) بموضوع بقاء (العسكرتاريا القَسْدية) ككتلةٍ واحدة غير مُفتّتة، ولا مُنْدَمجة في المؤسّسة العسكرية السورية الحكومية، وضمن حيزٍ جغرافيٍّ بعينه في شرق الفرات، هو المطلب الثاني الذي لا يمكن أن توافق عليه الحكومة السورية، لأنّه بالضرورة سيؤدّي، عاجلًا أو آجلًا، إلى الانقسام والتفتّت، وفتح الباب على مصراعيه نحو المزيد من حالات إقامة كياناتٍ انفصالية، تكون طريقًا معيّنًا، من أجل تفتيت الدولة السورية، وهو ما تُراهن عليه (قسد) بعد مطالبات حكمت الهجري ومجموعته العسكرية بالانفصال عن سوريا، ثمّ طلبه الدعم الأميركي والإسرائيلي لتحقيق ذلك، وهو ما تراه (قسد) محطةً مواتيةً لها ولمطالبها، يجب الانتظار عندها، عسى أن يستفيد الواقعُ شمالَ شرقِي سوريا من متغيّراتها إنْ حصلت، وبالتالي يستفيد من نتائجها المحتملة.
لكنّ التصعيد في الخطاب السياسي (القَسْدي) المتواصل مؤخرًا ضدّ حكومة دمشق، واستمرار حالات التمنّع في إنفاذ جُلّ بنود اتفاق (عبدي–الشرع)، وانتظار ما سيؤول إليه الوضع في الجنوب السوري، كذلك محاولات التشبيك مع بعض فلول نظام بشار الأسد، لن يؤتيَ أُكُلَه، وسوف تكون المآلات صعبةً وداميةً لا يريدها السوريون؛ إذ لم يعد أحدٌ من السوريين، عمومًا، يقبل بمزيدٍ من الدماء السورية. كما أنّ الوضع شمال شرقي سوريا هو الآخر يُشكّل خطرًا، ليس على السوريين فحسب، بل على مجمل حيثيّات ومحدّدات الأمن القومي التركي، خاصةً بعد أن حلّ حزبُ العمال الكردستاني نفسه، وهو ما سيدفع بالضرورة الحكومة التركية إلى مزيدٍ من الدعم العسكري للسوريين، وقد يكون التدخّل التركي المباشر (بعد أخذ الموافقة الأميركية) لإنهاء ظاهرة (قسد) والميليشيا التي لا تثق بها تركيا، ولا يمكن أبدًا أن تتركها للسيطرة على مساحاتٍ وحدودٍ طويلةٍ جدًّا بينها وبين تركيا. وعلى هذا الأساس، وضمن هذه المعطيات، فإنّ المسألة هنا معقّدةٌ جدًّا، وخيارات (قسد) الحالية المتتابعة والعبثية في السياسة و«العسكرتاريا» ما زالت غير عقلانية، واشتغالها المستمر على التفتيت والتشظّي في الحالة الوطنية السورية، عبر إقامة المزيد من المؤتمرات المتتابعة التي تعقدها، يُسهم – من حيث تدري أو لا تدري – في كثير من التمسّك لدى حكومة دمشق من أجل الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، ومنع أيّ محاولاتٍ قَسْدية أو سواها لتفكيك الجغرافيا السورية.
ما غاب أو يغيب عن مِنظار السياسة لدى أهل (قسد) أنّ الأميركان يتحرّكون في طريقهم إلى التخلّي عن دعم (قسد) كليًّا. ومن يتابع مسارات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط يرى أنّ اللحاف الأميركي الذي يتغطّى به أهل (قسد) لن يطول وجودُه طويلًا، لأنّ مصلحة أميركا مع وجود حكمٍ سوريٍّ في دمشق مركزٌ قويٌّ ومتماسك، وليست مصلحتُها مع بقاء ميليشيا كردية قَسْدية متناحرةٍ ومتشظّية. كما أنّ تركيا، العضو في حلف الناتو، ثمّ العلاقات الأميركية–التركية القوية والمُتماسكة، لا يمكن أن تُقايضَ أميركا بها (قسد) وميليشياتِها؛ فتركيا الدولة الكبرى والقوية هي الأهمّ والأبقى للسياسة الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وهي المهمة جيوسياسيًّا للسياسات الأميركية على المدى البعيد.
ولعلّ متابعة هذا المشهد الواضح سوف يُفضي إلى مزيدٍ من شدّ الخناق حول عنق أهل (قسد). وهم، إن لم يستفيقوا من رقادهم ويعودوا إلى سوريتهم، فإنّ مآلاتهم ستكون صعبة… في حين الحلّ الآن ما زال متوفّرًا، وتنفيذ الاتفاق ما برح ممكنًا، والاندماج الآن ضمن مؤسّسات الدولة الوطنية السورية ما زال حاضرًا ومتاحًا. وعلى (قسد) أن تُسارع إلى الاندماج قبل أن تفقد كلّ متطلّباتها دفعةً واحدة، فيما لو اختارت الحلّ العسكري، الذي لا يريده السوريون أبدًا، ولا أحد من السوريين يودّ أن تكون هناك أيّةُ حروبٍ جديدةٍ وتضحياتٍ أخرى.
إنّ بناءَ الوطن السوري الواحد الموحّد غايةٌ لا يمكن التراجع عنها، وإعادةَ بناء سوريا دولةِ المواطنة مسألةٌ مهمّة وملحّة، بعد أن افتقدها السوريون لعقودٍ طويلة من القمع والاستبداد الأسدي. فهل هناك من يسمع لصوت العقل؟ ثمّ يُعيد بناء أسس التفكير العقلاني؟ كما يُعيد للسياسة عقلانيّتها المنشودة والمُبتغاة؟
تلفزيون سوريا
—————————-
تأهّب تركي ضد “قسد” يقرع الجرس/ فاطمة ياسين
07 سبتمبر 2025
مضى قرابة ستة أشهر على توقيع اتفاق بين الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، يهدف إلى تنظيم العلاقات بين الطرفين في شمال شرق سورية. ويبدو أنه شجّع الشرع على إصدار إعلان دستوري بعد ثلاثة أيام فقط، يرسم برنامجاً تنظيمياً للدولة السورية الجديدة. ومع ذلك، يبدو أن تنفيذه يعاني من ركود ملحوظ، حيث مرّ ثلثا المهلة المحدّدة فيه من دون التقدم بخطوات ملموسة، ما يثير تساؤلات عن إمكانية إنجاز بنود هذا الاتفاق في مهلة الأشهر الثلاثة المتبقية… يأتي ذلك وسط تصريحاتٍ متفاوتةٍ في الجدّية من مسؤولي “قسد”، حيث يؤكّد عبدي التزامه المضي بالاندماج في الدولة والحكومة والجيش، بينما تخرج الناطقة باسم “قسد”، فوزة اليوسف، بكلامٍ يحيد عن ذلك، حيث رفضت مسار الحكومة المطروح لتنفيذ الاتفاق، ولوّحت بعدم التجاوب. وفي الأثناء، يجري تعتيم على نتائج لقاءات رئيسة المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية، إلهام أحمد، مع مسؤولين من الحكومة في دمشق. ويوحي هذا الاختلاف في المواقف الذي تُبديه قيادات “قسد” بعملية توزيع أدوار فيما بينهم، ويعوق بناء أي تقدّم حقيقي على الأرض، بينما ينفد الوقت المتبقي لتحويل الاتفاق إلى واقع.
فشل عقد لقاء كان مقرّراً بين الشرع وعبدي في باريس في يونيو/ حزيران الماضي، بعد مؤتمر “وحدة الصف” الذي أقامته “قسد” من طرفٍ واحد، رغم أهمية فرنسا، التي ترتبط بعلاقات جيدة مع “قسد”، كما أكّد القيادي الكردي صالح مسلم، فقد اشتركا معاً في مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ولا يزال معتقلون تابعون للتنظيم ممن يحملون الجنسية الفرنسية في مخيم الهول الذي تسيطر عليه “قسد”. أما الشرع، فقد فتحت له فرنسا أبوابها لتكون في مقدّمة مستقبليه من الدول الغربية. ومع ذلك، ألغي اجتماع باريس الذي كان سيضم المبعوث الأميركي توم برّاك لتأكيد جدّيته.
يبقى العامل الخارجي محصوراً في محركين أساسيين، الولايات المتحدة وتركيا. فالأولى تمتلك وجوداً عسكريا في مناطق “قسد”، وتتردّد أخبار متضاربة بين توسيع هذا الوجود أو تقليصه، وفيما إن كان هذا الوجود معوّقاً أو داعماً عملية دمج القوات الكردية في الجيش الرسمي للدولة، على الرغم من تصريحات برّاك المتكرّرة في دعم الشرع. أما تركيا، فتتبنى موقفاً متصلباً، معتبرة قسد تهديداً لأمنها القومي بسبب قربها من حدودها الجنوبية، وقدرتها على الامتداد داخل أراضيها إن ضعفت الرقابة.
تريد تركيا إنهاء حالة “قسد” لصالح سيادة سورية كاملة، وذوبان المكوّن الكردي داخل الكيان السوري من دون أثر، وقد ورد هذا في تصريحات السياسي التركي، دولت بهتشلي، زعيم الحركة القومية، المتحالفة مع الحزب الحاكم في تركيا. ففي بيان أصدره قبل أيام، هدّد بهتشلي بعملية عسكرية مشتركة بين أنقرة ودمشق ضد “قسد” إن لم تلتزم الاتفاق الموقع في 10 مارس/ آذار الماضي، معتبراً أن “التدخّل يصبح ضرورياً”، إذا فشل الجانبان في تنفيذه، وربط تهديده بجهود إسرائيلية لإشعال حربٍ أهليةٍ جديدةٍ في سورية، وكرّرت التصريحات نفسها وزارة الدفاع التركية التي كانت قد وقعت مذكّرة تفاهم عسكرية مع سورية لتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب.
تعكس التصريحات حراكاً سياسياً محموماً من جميع الأطراف لرفع السقوف، بينما تسود على الأرض حالة ركود في التنفيذ، قد يحرّكها قرار حاسم بتوافق سوري/ تركي لإنهاء الحالة “القسدية”، كما انتهت الحالة الأسدية سابقاً. وهنا قد لا يكون الثمن المدفوع بخساً كما في حالة الأسد، حيث تمتلك “قسد” قوات كبيرة ومدرّبة. لذلك، لا بد من إعادة النظر في مستوى السقوف المطروحة، والتوافق على تفاصيل أوضح لبنود الاتفاق، حفاظاً على حياة السكان هناك، وتسهيلاً للتعامل اللاحق بين أبناء الوطن على امتداد الجغرافيا السورية.
العربي الجديد
——————————-
الفيدرالية في سوريا.. بين المشروع الوطني وخطر التفكك/ سدرة الحريري
07 أيلول 2025
يحتدم الجدل في الأوساط السورية حول مستقبل شكل الدولة بين من يرى في الفيدرالية أو الحكم الذاتي مدخلًا للتفكك والانقسام، وبين من يعتقد أنها قد تشكّل إطارًا عمليًا لإعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس جديدة.
خلال الأشهر الثمانية التي أعقبت سقوط النظام السوري السابق، في 8 من كانون الأول 2024، تكررت المطالب بشأن الفيدرالية، أحدثها في 27 من آب الماضي، حيث أعلن عن تأسيس المجلس السياسي لوسط وغربي سوريا، الذي يهدف إلى تحقيق الفيدرالية كصيغة بديلة عن المركزية، وتعزيز سيادة القانون.
وفي السويداء، تستمر التحركات الشعبية التي كانت في البداية تطالب بالحكم الذاتي للمحافظة، لتتحول مؤخرًا إلى دعوات للاستقلال الكامل عن الحكومة المركزية.
من جهة أخرى، ذهبت “الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا إلى خطوات متقدمة، إذ أعلنت في 2014 عن “دستور مؤقت” يضمن حقوق الأقليات والفيدرالية ضمن إطار وحدة سوريا.
مطالب “الفدرلة” أو الحكم الذاتي واللامركزية الإدارية، تحكمها صراعات إقليمية، وضرورات محلية، وهو ملف معقد يتداخل فيه ما هو سياسي وأيديولوجي بما هو أمني واقتصادي، وهو ما تسأل عنه عنب بلدي عددًا من الخبراء في هذا التقرير.
دمشق تتشدد وتلمح للامركزية
شدّد الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في أكثر من مناسبة على رفض الانفصال بشكل قاطع.
وفي لقاء مع وجهاء من إدلب بعد أحداث السويداء، في 14 من آب الماضي، أكد أن المرحلة الحالية تستهدف عودة النازحين ومحاسبة المتجاوزين ومنع محاولات التقسيم أو إنشاء “كانتونات”.
ووصف المطالبين بالتقسيم بأنهم “حالمون وجهلة سياسيًا”، مضيفًا أن هذه الطروحات لا تحظى بدعم دولي، لأنها ستفتح الباب أمام مكونات أخرى في دول مختلفة للمطالبة بخطوات مشابهة.
كما اعتبر الشرع أن مشاريع التقسيم أو التدخلات الإقليمية غير قابلة للتطبيق، بسبب طبيعة المجتمع السوري وكثافة السكان في الجنوب.
وفي 26 من آب، عاد الشرع ليؤكد أن الحلول الممكنة في سوريا تشمل جميع الخيارات المطروحة باستثناء الانفصال، موضحًا أن اللامركزية المنصوص عليها في الدستور تمثل بديلًا عمليًا يحفظ خصوصية المكوّنات ويصون وحدة البلاد، على عكس الفيدرالية التي يُنظر إليها في الوعي السوري كخطوة على طريق التقسيم.
وذكر أن أي محاولات لتقسيم سوريا “لن تجد قبولًا شعبيًا”، داعيًا إلى تسوية وطنية وشراكة سياسية بعيدة عن المحاصصة والانقسامات.
تهديد أم مشروع وطني جامع
الاختلاف حول الفيدرالية لكونها تهديدًا للهوية الوطنية أو مشروعًا جامعًا يعزز المواطنة والانتماء، امتد إلى نقاش سياسي، مع اختلاف في التقدير والأهداف ووجهات النظر.
أكد الباحث السياسي نادر الخليل، في حديث إلى عنب بلدي، أن النقاش حول “الحكم الذاتي” في الحالة السورية لا يُختزل في ثنائية “حل أو تهديد”، بل في كيفية تصميمه وضبط حدوده وربطه بمشروع وطني جامع يعيد تعريف الدولة على أساس المواطنة المتساوية وسيادة واحدة متعددة المستويات.
ويتفق معه الباحث والخبير في الحوكمة زيدون الزعبي، الذي أشار إلى أن مصطلح “الحكم الذاتي” يختلف في دلالاته من بلد إلى آخر.
وأوضح الزعبي، في حديث إلى عنب بلدي، أن التجارب الدولية أظهرت أن الإدارة المحلية الموسعة ضمن سيادة الدولة قد تعزز الهوية الوطنية، كما حدث في ألمانيا وإسبانيا والسويد والدنمارك وفنلندا، حيث ساعدت اللامركزية على تقوية الانتماء المحلي دون أن تضعف الوحدة الوطنية الجامعة.
في المقابل، قال الزعبي، إن ربط الحكم الذاتي بمنطق إثني أو طائفي صارم قد يقود إلى نتائج معاكسة، مثلما حصل في بلجيكا، حيث غذّى التنافس الإثني الانقسام، أو في إثيوبيا حيث أسهم النظام الفيدرالي الإثني في إشعال حرب مدمّرة.
أما في العراق، فإن تصميم الفيدرالية أضعف الانتماء العراقي الجامع، حتى كاد أن يلغي الهوية الوطنية في بعض الأقاليم، بحسب الزعبي.
وعليه، فإن الحكم الذاتي ليس وصفة جاهزة بحد ذاته، بل أداة تعتمد نتائجها على جودة التصميم وآليات التنفيذ، فإما أن تتحول إلى رافعة تعزز المواطنة والانتماء الوطني، أو أن تصبح منصة لإضعاف الهوية الوطنية ودفعها نحو التفتت.
المخاوف من التقسيم
المخاوف من التقسيم مشروعة لكنها ليست قدرًا محتومًا، فهي مرتبطة بإرث التجزئة وخطوط التماس الطويلة واقتصاد الحرب، بحسب ما يرى الباحث نادر خليل.
وقال الخليل، إن الفرصة قائمة إذا تحقق إطار دستوري مرن، ودمج أمني تدريجي، وتوزيع عادل للموارد، ووحدة سوق وطنية، وسردية سياسية تتجاوز ثنائية الأغلبية والأقليات.
لذا فإن الخطر الحقيقي ليس في اللامركزية بحد ذاتها، بل في ترك الفراغات التنظيمية لتتكلس وتتحول إلى حدود دائمة.
الاختبار الجوهري هو جودة التصميم، فإذا أفرز مواطنة متكافئة تربط المحلي بالوطني عبر قنوات شفافة للمساءلة والموارد فهو حل وطني، أما إذا فشل في ذلك فسيغدو منصة لانفصال زاحف مقنّع، بحسب الخليل.
والنافذة ما زالت مفتوحة، لكن تضييقها مع الزمن يجعل القرار أكثر إلحاحًا، بحسب الباحث نادر خليل، مشيرًا إلى أنه وبالرغم من أن المطالب الراهنة محمولة جزئيًا على ترتيبات مصالح خارجية كالدعم الأمريكي في شمال شرقي سوريا بحجة مواجهة تنظيم “الدولة”، والمظلة التركية في شمال غربي سوريا كترتيبات أمنية، ونوع من لامركزية أمر واقع عبر شبكات اقتصادية- أمنية، في ما يشبه مناطق نفوذ محلي، فإنه لا يوجد تصميم نهائي، وما يجري هو إدارة تجزئة مؤقتة قابلة لإعادة التأطير إذا توفرت إرادة وطنية.
خطر البعد الطائفي الإثني
التحدي المشترك بين دعوات اللامركزية أو الفيدرالية أو حتى الانفصال في شمال شرقي سوريا والسويداء ووسط وغربي سوريا، هو مدى منطقيتها من جهة، والظروف الأمنية والمواقف الإقليمية والدولية غير المشجعة، إضافة إلى موقف دمشق الصريح برفض كل ما يشير إلى طابع فيدرالي أو انفصالي.
ويبرز خطر آخر لهذه الطروحات يتعلق بارتباطها بمكونات قومية أو مذهبية، فالمجلس السياسي لوسط وغربي سوريا يتشكل أساسًا من المكون العلوي، بحسب ما أوضحه المتحدث الرسمي للمجلس، كنان وقاف، بينما يرتبط الطرح في السويداء بمستقبل الدروز كمجموعة عرقية أو مذهبية حصرًا، وهو ما يتكرر على لسان شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز في السويداء، حكمت الهجري.
أما في شمال شرقي سوريا، فالمطالبة بحكم ذاتي أو فيدرالية، يتعلق بالدرجة الأساسية بطموحات ثقافية قومية للأكراد.
بناء على ما سبق، يمكن تفسير مخاطر الدعوة للفيدرالية أو الانفصال، وهو ما نبه إليه الباحث زيدون الزعبي، معتبرًا أن المنطق الإثني أو الطائفي قد يقود إلى نتائج معاكسة وحروب.
———————————-
تركيا وأكراد سوريا.. هل يتكرر مثال البارزاني؟/ خورشيد دلي
ما مصير الاتفاقات بين تركيا وأكراد سوريا؟
2025-09-07
ربما يشكّل إعلان المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم براك، عن اتصالات ومباحثات بين مظلوم عبدي وكلٍّ من هاكان فيدان وإبراهيم قالن، بداية عهد جديد في العلاقة بين تركيا وأكراد سوريا، إذ إنّ الإعلان يؤسس لمسار سياسي جديد بينهما قد يرى طريقه إلى النور بفعل حجم المصالح المشتركة والمتداخلة.
ولعل ما قد يدعم هذا المسار هو عملية السلام الجارية في إمرالي بين عبد الله أوجلان والدولة التركية، إذ أصبح ما يجري هناك جزءًا من سياسة تركيا الخارجية تجاه كلٍّ من دمشق والقامشلي، بل وعموم المنطقة في ظل ما يجري في غزة ولبنان وسوريا وإيران.
في الواقع، إذا كان ما كشفه براك جاء تعبيرًا عن رغبة أمريكية في بناء علاقة إيجابية بين الحليف التاريخي، أي تركيا، والجديد، أي أكراد سوريا، فإن إعلانه هذا ليس بعيدًا عن تيار تركي أسّسه الرئيس الراحل تورغوت أوزال، وهو تيار ينظر بواقعية إلى تاريخية الكُرد وحقوقهم وهويتهم في المنطقة، انطلاقًا من براغماتية سياسية تنطلق من المصالح أولًا. ولعل هذه النظرة تقف وراء إشارة إيلنور تشيفيك، المستشار السابق لأردوغان، قبل سنوات، إلى إمكانية السماح بإقامة كيان كردي في شمال شرق سوريا، وكذلك سؤال الصحفي في صحيفة حرييت، فيرو أوزير، عندما كتب مقالًا بعنوان: هل يتحول حزب الاتحاد الديمقراطي إلى مثل البارزاني؟ سؤالٌ، مع أنّ طرحه كان قبل سنوات، إلا أنه يلخّص جوهر اللحظة الراهنة في العلاقة بين تركيا وكُرد سوريا وقسد، وهي لحظة تبدو مفتوحة على انعطافة تركية كبيرة أمام حجم المصالح المرتجاة، واشتداد الصراع بين المشروعين التركي والإسرائيلي في سوريا على الدور والنفوذ والهيمنة.
فوائد استراتيجية
فرضت المعطيات الجارية في سوريا والمنطقة على اللاعب التركي إعادة التدقيق في مصالحه وسلوكياته السياسية؛ فمن التخلي الناعم عن سياسة دعم جماعات الإخوان المسلمين تطلّعًا إلى علاقة إيجابية مع دول الخليج العربي ومصر، إلى تهدئة غير معلنة مع قسد في سوريا من بوابة منح فرصة النجاح لاتفاق الشرع – عبدي، تبدو تركيا أمام خلاصات سياسية ومصالح استراتيجية في العلاقة مع كُرد سوريا وقسد، انطلاقاً من:
أن تركيا توصلت إلى قناعة بأن دعواتها المتواصلة لواشنطن بالتخلي عن قسد وصلت إلى طريق مسدود، وأنه أمام تمسّك واشنطن بقسد لا بد من ملاقاة الأخيرة من خلال تدوير زوايا الخلافات معها بحثًا عن مصالح أكبر.
انطلاقًا من النقطة السابقة، فإن تجربة العلاقة التركية مع إقليم كردستان العراق تقدّم نموذجًا ناجحًا في بناء علاقة مميزة اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا، وهو ما قد يتكرر مع كُرد سوريا؛ حيث تتغير المواقف السياسية على وقع المصالح. فتركيا التي كانت تصف الزعيم الكردي مسعود البارزاني حتى عام 2003 بالزعيم العشائري، باتت تستقبله بالسجاد الأحمر في أنقرة. وقد تتكرر التجربة مع مظلوم عبدي الذي كانت تصفه تركيا بالإرهابي، فيما بات الإعلام التركي يسرّب اليوم أخبارًا عن زيارة محتملة لعبدي إلى أنقرة. ومثل هذا التسريب ليس بلا معنى، بل ربما تمهيد لزيارة فعلية، طالما أن التواصل مع فيدان وقالن بات مباشرًا أو حتى بوساطة أمريكية، وهو أمر لا يمكن أن يتم من دون علم أردوغان وموافقته ودعمه.
مع الحديث الإسرائيلي المتواصل عن تغيير خريطة الشرق الأوسط، وحديث براك عن أن اتفاقية سايكس – بيكو لم تعد ذات قيمة، تخشى تركيا في العمق من توجه إسرائيل إلى إقامة تحالف مع الكُرد في المنطقة تكون هي المستهدَف منه. وعليه، ترى في الانفتاح على الكُرد خطوة وقائية استباقية لإعاقة هذا التحالف وتداعياته على الداخل التركي، ولعل هذا ما يفسر حديث الرئيس أردوغان أكثر من مرة عن أن الداخل التركي بات مستهدفًا من إسرائيل.
انطلاقاً من النقطة السابقة، ينبغي النظر إلى عملية السلام الجارية بين أوجلان والدولة التركية في إمرالي. فتركيا باتت تعتقد أن التطورات الجارية في المنطقة تفرض عليها انفتاحًا على الكُرد، وأن مفتاح هذا الانفتاح يمر عبر عبد الله أوجلان الذي يحظى بمكانة كبيرة لدى قسد وكُرد سوريا. وربما تعتقد أن هذه العملية ستجعل من الكُرد في الداخل والخارج حليفًا لها، بما يعزز من دورها الإقليمي في سوريا والمنطقة.
ترى تركيا أن مجمل المسار السابق سيحل الكثير من الإشكالات القائمة في علاقتها مع أمريكا وأوروبا، خاصة بعد أن أصبح موضوع الدعم الأمريكي والأوروبي، وتحديدًا الفرنسي، نقطة خلاف مع هذه الدول التي تشكّل نافذة اقتصادية لإنقاذ تركيا من أزمتها المالية المتفاقمة.
نقطة مهمة أخرى قد تدفع تركيا إلى التقارب مع قسد، وهي خشيتها من أنه بعد سقوط نظام الأسد قد تمد روسيا يدها إلى قسد وكُرد سوريا، لاسيما في ظل وجود قاعدة روسية في مطار القامشلي، انطلاقًا من حسابات تتعلق بالأزمة الأوكرانية، خاصة مع إعلان تركيا رفضها المتكرر لضم روسيا جزيرة القرم.
في مقابل هذه الفوائد الاستراتيجية التركية، لا تجد قسد مشكلة في إقامة علاقة إيجابية مع أنقرة، طالما أعلنت مرارًا استعدادها للحوار معها وحل كافة المشكلات العالقة. بل ربما يجد كُرد سوريا في هذا المسعى مطلبًا سياسيًا، إذ إنه لا يخفف الضغط التركي عليهم فقط، بل يؤسس أيضاً لواقع إقليمي مساند لمشروعهم في إقامة حكم لا مركزي في سوريا يحقق لهم هويتهم وحقوقهم القومية، وبما يؤسس لعملية ديمقراطية في سوريا.
أمام هذا الواقع، يبقى القول إن تصوير الأمور على النحو السابق قد يبدو خارج سياق السياسة التقليدية لتركيا إزاء كُرد سوريا بسبب الإرث الثقيل للعداء، لكن تجربة العلاقة مع كردستان العراق، والتطورات الجارية في المنطقة، والفوائد المرتجاة من فتح صفحة جديدة مع قسد، كلها معطيات توحي بأن لا استحالة في السياسة. مع الإشارة إلى أن صعوبة حصول ذلك على شكل انقلاب في المواقف قائمة، طالما أن فتح صفحة جديدة بين الجانبين بحاجة إلى تراكم في العمل السياسي، وبلورة للمصالح المنتظرة على وقع التطورات الجارية في المنطقة.
+963
————————————
تركيا بين الأولويات الداخلية والحسابات الإقليمية/ عبد الباسط سيدا
07 أيلول 2025
من الملاحظ أن وتيرة «العملية السلمية» المسماة رسمياً «تركيا من دون إرهاب» بين الحكومة التركية وعبدالله أوجلان زعيم «حزب العمال الكردستاني» قد تباطأت، كما انحسرت موجة التفاؤل التي كانت على إثر تصريحات كل من زعيم «الحركة القومية التركية» دولت بهجلي، وأوجلان بخصوص ضرورة إنهاء العمل المسلح، وحل حزب العمال.
فمنذ البداية لم تكن هناك مبادرة سياسية متكاملة حقيقية معلنة؛ وإنما الموضوع برمته لم يخرج عن دائرة التفاهمات الأمنية والتسريبات المنتقاة بعناية تخدم كل طرف. فالحكومة من جانبها، ومعها بهجلي نفسه باعتباره في تحالف مع الحزب الحاكم (تحالف الجمهور)، تعاملت مع الموضوع بوصفه مشروع «تركيا خالية من الإرهاب»؛ هذا في حين أو أوجلان تحدث، وما زال يتحدث، بعبارات عاطفية عامة مبهمة عن المجتمع الديمقراطي، والمستقبل الديمقراطي للشعب الديمقراطي.
أما تشخيص الحل المطلوب أو المقترح للقضية الكردية في تركيا فهو رغم أهميته وضرورته غائب عن جدول أعمال الطرفين؛ الأمر يفسح المجال أمام سائر التكهنات والتفسيرات، وينذر بانهيار هذه العملية في أي لحظة؛ وهو الأمر الذي لا يتمناه كل من يريد الخير للشعب التركي بكل مكوناته.
ولكن مثل هذا الانهيار لو حدث، لن يكون الأول، وكان آخرها قبل نحو عقد بعد اتصالات ومبادرات ولقاءات بين الحكومة التركية وحزب العمال، تمحورت حول امكانية الوصول إلى حل سلمي ينهي الصراع والاضطراب في الداخل التركي، وذلك عبر الوصول إلى حل واقعي مقبول للقضية الكردية في تركيا. وليس سراً أن هذه القضية لها انعكاسات وتفاعلات في الواقع الإقليمي، خاصة في سوريا والعراق. هذا مع العلم أن الأمور في العراق قد استقرت نسبياً بعد التفاهمات والاتفاقيات التي تمت بين قيادة إقليم كردستان العراق والحكومة العراقية من جهة والحكومة التركية من جهة ثانية. بينما الأمور ما زالت عائمة متداخلة في سوريا نتيجة الأوضاع المستجدة في البلد بعد سقوط سلطة آل الأسد ومجيء إدارة جديدة برئاسة أحمد الشرع. هذا إلى جانب تعقيدات الوضع الكردي بفعل تعدد وتنافس الفاعلين، وتداخل الأجندات الوطنية مع الإقليمية والدولية.
من اللافت الذي يستوقف في هذا السياق هو أن الحكومة التركية لم تطرح بعد وجهة نظرها حول معالم الحل المقترح للموضوع الكردي في تركيا في إطار وثيقة وطنية تقدم للبرلمان ويطلع عليها الشعب التركي بكل مكوناته. فهذا الموضوع كبير، وهو قضية وطنية عامة لا تخص الحكومة التركية وحدها، أو حزب العمال أو أوجلان وحدهما، بل تخص الدولة التركية ككل، والقوى السياسية الفاعلة داخل البرلمان وخارجه، كما تخص الترك والكرد وغيرهما من المكونات المجتمعية في تركيا.
كانت التوقعات تدور حول امكانية التوصل السريع إلى اتفاق بين الحكومة التركية وأوجلان بعد المؤتمر الذي عقده حزب العمال بتاريخ 5-7 أيار/مايو 2025، وأعلن عن تخليه عن السلاح، واتخذ قراراً بحلّ نفسه؛ ومن ثم كانت خطوة تشكيل اللجنة البرلمانية الخاصة بمستقبل حزب العمال وأعضائه، وهي اللجنة التي تشارك فيها جميع أحزاب البرلمان ما عدا «الحزب الجيد»؛ كما كانت الخطوة الرمزية التي تمثّلت في قيام أعضاء في حزب العمال بأحراق أسلحتهم في منطقة السليمانية. كل هذه الخطوات أوحت بامكانية تسارع خطوات السير نحو الحل. ولكن يبدو أن العملية قد واجهت كبحاً بفعل أسباب غير معلنة.
ما يستنتج من التصريحات والمواقف ذات العلاقة بهذا الموضوع، ومما يمكن أن يقرأه المرء بين السطور هو أن الثقة غائبة بصورة عامة بين الأطراف المختلفة المعنية بالعملية المذكورة؛ سواء بين الحكومة وحزب العمال، أم بين الحكومة والمعارضة، أو بين الأجنحة المختلفة ضمن حزب العمال نفسه. فكل طرف له هواجسه وحساباته الحزبية والداخلية والإقليمية، ويبحث عن الحل، أو ربما عن شبيه الحل، الذي يتناسب مع حساباته ويتكامل معها.
اليوم هناك حديث من مصادر حكومية بأن السقف الزمني للوصول إلى اتفاق هو نهاية العام الجاري. وهذا السقف هو نفسه المحدد لتطبيق اتفاق العاشر من آذار/مارس 2025 الذي تم التوقيع عليه من كل الرئيس الشرع ومظلوم عبدي قائد قسد بخصوص دمج قسد والإدارة الذاتية في منطقة شمال شرق سوريا ضمن مشروع الدولة السورية؛ وذلك بعد الوصول إلى حلول أو توافقات بخصوص مختلف الموضوعات. هل هذا التطابق الزمني هو مجرد صدفة؟ أم أنه تمهّل انتظاراً لتبلور النوايا الأمريكية، والتأكد من مصداقية حزب العمال، ومتابعة التطورات الداخلية على صعيد مواقف الأحزاب التركية واستعداداتها للانتخابات المقبلة، ومحاولة استشفاف نوعية تكتيكاتها وتوجهاتها التحالفية.
ما يستنتج من تصريحات المسؤولين الأتراك هو أن سياسة الحكومة التركية في ميدان التعامل مع ملف أوجلان وحزب العمال، تتمركز حول فكرة امكانية التأثير في قسد من خلال أوجلان؛ الأمر الذي سيؤثر من جهته، وفق تقديرات المسؤولين عن الملف، في عملية التفاوض بين قسد والإدارة السورية.
هذا في حين أن الحل الأمثل سينجز إذا تمّ فك الارتباط بين مباحثات إدارة دمشق مع قسد، ومفاوضات الحكومة التركية مع أوجلان. فهذه الخطوة ستفتح الآفاق أمام الإدارة السورية، في حال توفر الرغبة والإرادة للتعامل مع الموضوع الكردي السوري بجدية على قاعدة احترام الحقوق ضمن إطار وحدة الشعب والوطن. وتقوم تركيا من ناحيتها بالانفتاح على كردها، وتعمل على معالجة قضيتهم بصورة عادلة ضمن إطار الوحدة المجتمعية والجغرافية، وذلك بوصفها قضية وطنية تستوجب الحل.
هناك جملة عوامل متداخلة متفاعلة تؤدي إلى كبح العملية السياسية بين الحكومة التركية وأوجلان، وهي العملية التي يطلق عليه رسمياً اسم: «تركيا من دون إرهاب» أو «تركيا خالية من الإرهاب»؛ وهذا الاسم بحد ذاته يثير التساؤلات، ولا يساعد في تعزيز الثقة، ولا يساهم في فتح الآفاق أمام امكانية تحقيق اختراقات إيجابية نوعية في سياق التعامل مع الموضوع الكردي في تركيا. وهو موضوع قديم جديد، برز مع تفاقم النزعة القومية في آواخر العهد العثماني، ومع بدايات العهد الجمهوري؛ الأمر الذي أدى إلى حدوث صدامات عنيفة، أسفرت عن المجازر والتدمير والتشريد، وهي المآسي التي ما زالت تركيا المعاصرة تنوء تحت ثقلها رغم المحاولات الكثيرة التي أراد أصحابها تجاوز سوداوية الماضي والتوجه نحو المستقبل برؤية تفاؤلية تطمئن الجميع.
أما المحاولة الراهنة فهي الأخرى تواجه صعوبات كثيرة بفعل عوامل عديدة من بينها العلاقات المتشنجة إلى الحد الأقصى بين حزب العدالة والتنمية الحاكم، والحزب الجمهوري المعارض، وذلك على خلفية إثارة قضايا الفساد سواء في البلديات أو المؤتمرات الخاصة بهذا الأخير. ففي أجواء هذا التشنج، باتت قضية حزب العمال جزءاً من المنافسة الحزبية والحسابات الانتخابية، فكل طرف يستعد للاستحقاقات القادمة وعينه على أصوات الناخبين الكرد التي تصب غالبيتها عادة لصالح حزب المساواة وديمقراطية الشعوب. وقد بينت نتائج الانتخابات السابقة باستمرار أهمية هذه الأصوات ودورها في نجاح هذا الطرف أو ذاك في البلديات الكبرى خاصة اسطنبول. كما أن تحالفات الكتل البرلمانية داخل البرلمان لا تستطيع تجاهل أصوات كتلة الحزب المذكور الكبيرة نسبياً الشعوب؛ وهذا كله يؤدي إلى التريث لمعرفة ملامح العلاقات المستقبلية بين الموالاة والمعارضة، واحتمالات تبدل قواعد اللعبة الانتخابية.
إلى جانب هذا العامل، هناك عامل آخر يتعلق بالوضع الداخلي لحزب العمال نفسه؛ فليس سراً وجود قيادات على علاقة ودية مع النظام الإيراني، ويبدو أن هذه القيادات قد وافقت في بداية الأمر تحت تأثير ضغط أنصار أوجلان، وضغط الضربات الإسرائيلية الساحقة التي تلقاها النظام الإيراني وأذرعه في المنطقة. غير أنها عادت للتحرك مجددا بالتناغم مع المحاولات الإيرانية لإعادة ترتيب الأوراق، وترميم الأذرع المعطوبة. وهذا فحواه عرقلة مساعي التخلي عن السلاح وحل الحزب بناء على طلب أوجلان وموافقة المؤتمر الـ 12 لحزب العمال الذي انعقد في أيار/مايو 2025.
من جهة أخرى، تراقب الحكومة التركية عن كثب التحولات المتلاحقة في تصريحات المسؤولين الأمريكان، كما تتابع المواقف والتحركات الإسرائيلية، لمعرفة اتجاهات مسارات الصراع الإقليمي والدولي على المنطقة وعلى سوريا تحديداً. فإسرائيل لا تخفي اهتمامها بالجنوب السوري، وحرصها على أن يكون منطقة منزوعة السلاح، هادئة وفق حساباتها الأمنية؛ بل تعلن من حين إلى آخر عدم قبولها بأي خطر محتمل قد يهددها مستقبلاً من الجانب السوري. والولايات المتحدة التي تدعم إسرائيل من دون أي تردد أو تحفظ، تتابع الوضع السوري وأوضاع المنطقة بالتفصيل الدقيق. كما تسعى روسيا بالتفاهم مع إسرائيل، وحتى مع الأمريكان، للاحتفاظ بدور لها في الواقع السوري، وضمان مصالحها الحيوية، وقد خطت خطوات لافتة في هذا المجال على صعيد اتصالاتها مع القيادة السورية الجديدة وعلى أعلى المستويات.
وفي الوقت ذاته، تعلم تركيا أن سوريا تشكل عمقاً استراتيجياً مهما بالنسبة للأمن الخليجي، لا سيما السعودي، وهي مطلعة على تفاصيل الجهود الاستثمارية السعودية في سوريا.
كل ذلك يدفع بالحكومة التركية إلى التريث، والتمسك بأوراقها التفاوضية ومنها الورقة الكردية، وورقة العلاقة المتميزة مع روسيا رغم موقعها الهام في الأطلسي.
ولكن يبقى السؤال الأهم: هل تتحمل تركيا المزيد من التأجيل والتسويف في ظروف داخلية اقتصادية وسياسية واجتماعية ليست على ما يُرام؟
أم أننا سنجد في المستقبل انفراجات وتوافقات داخلية؛ انفراجات تفتح الطريق أمام تركيا لتؤدي دوراً إقليمياً هاماً، يؤهلها لأن تكون قوة مؤثرة حتى على الصعيد الدولي؟
*كاتب وأكاديمي سوري
القدس العربي
—————————-
تركيا ومعابرها مع شمال شرقي سوريا.. أي مستقبل ينتظر المنطقة؟/ سلطان الإبراهيم
ما مستقبل المعابر بين تركيا وشمال شرقي سوريا؟
2025-09-07
ينتشر على طول الحدود السورية التركية الممتدة لنحو 1000 كيلومتر، العديد من المعابر الحدودية، إلا أن بعضها الرابط بين تركيا وشمال شرقي البلاد لا يزال مغلقاً منذ سنوات، رغم ما يترتب على ذلك من تبعات كثيرة اقتصادياً واجتماعياً وإنسانياً وغيرها، فيما يمكن ربطه بقضايا سياسية وعسكرية وأمنية، تجعل من الملف واحداً من الملفات المعقدة والتي تحتاج إلى حل على الساحة السورية.
ومن بين أحد عشر معبراً على طول الحدود، يوجد في مناطق شمال شرقي سوريا التي تسيطر عليها قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، عدد من المعابر الأساسية مع تركيا هي معبر “مرشد بينار” في منطقة كوباني بريف حلب الشرقي، ومعبر “عين ديوار” بالدرباسية بريف الحسكة الشمالي، ومعبر القامشلي – نصيبين، إلى جانب معابر “جيلان بينار” المقابل لمدينة رأسئالعين، و”أقجة قلعة” المقابل لمدينة تل أبيض بريف الرقة الشمالي، الخاضعين لسيطرة فصائل “الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا، حيث أعيد افتتاحهما منذ عام 2019.
ويقول مسؤول مكتب العلاقات في مجلس سوريا الديموقراطية (مسد) محمد حسن، إنهم “دائماً يطرحون قضية فتح المعابر الحدودية، إلا أن الدول المجاورة تؤكد على ضرورة التنسيق مع المركز، وخلال اجتماعات وفد الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا الأخير بدمشق بحضور المبعوث الأميركي توماس باراك، تم طرح الملف وخاصةً معبري القامشلي وكوباني، لكن لم يتم التوصل إلى توافق مع دمشق، وتركيا لم يكن لديها اعتراض على ذلك لكن بشرط التنسيق مع السلطة بدمشق”.
ويوضح خلال تصريحات لـ”963+”، أن “المعابر الحدودية في جميع دول العالم مرتبطة بالمركز، لكن في فترة ما بعد الربيع العربي خرجت بعض المناطق عن سيطرة المراكز، وتم فتح معابر استثنائية أو إنسانية أو اقتصادية مرتبطة بمصالح الدول المجاورة، وهذا ما حدث في سوريا حيث أصبح هناك الكثير من المعابر التي تم افتتاحها مع تركيا، بعد سيطرة فصائل المعارضة وتنظيم داعش على المنطقة”.
ويرى الكاتب السياسي السوري حسن النيفي المقيم في فرنسا خلال تصريحات لـ”963+”، أن “المعابر الحدودية بين تركيا ومناطق شمال شرقي سوريا هي جزء من عملية سياسية، وأنقرة لن تبادر في فتح هذه المعابر بشكل رسمي طالما أنه لا يوجد حتى الآن اتفاق سياسي نهائي بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، بحيث يكون فتحها هو أحد الأوراق السياسية”.
ورغم اقتصار عمل المعابر غير الأساسية المستحدثة بعد اندلاع الأزمة السورية بدايةً على عودة السوريين إلى بلادهم وإدخال المساعدات الإنسانية، إلا أن وزارة الداخلية التركية حولتها إلى معابر للتجارة والاستيراد والتصدي، بما في ذلك معبر الراعي الذي اعتمد لاحقاً من قبل الأمم المتحدة كأحد المعابر المستخدمة لإدخال المساعدات بعد الزلزال المدمر الذي ضرب شمال غربي سوريا عام 2023.
ويؤكد مسؤول مكتب العلاقات في “مسد” الذي يمثل الواجهة السياسية لقوات سوريا الديموقراطية، أن “تركيا افتتحت هذه المعابر غير الرسمية من أجل تحقيق مصالحها عبر هذه الفصائل، ومحاولة خلق ثقل في مركز القرارات بسوريا، لكن بعد سيطرة قوات سوريا الديموقراطية (قسد) على المنطقة تم إغلاق هذه المعابر لأن تركيا ليس لها علاقات مع قسد، كما أن معابرها التي تم فتحها مع مناطق فصائل المعارضة لم تكن رسمية بقرارات من المركز في دمشق، بل وفق مصالح مشتركة”.
وكان المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك، قد أكد في 29 آب/ أغسطس الماضي، وجود مباحثات مستمرة بين الجنرال مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديموقراطية (قسد) ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، مشيراً إلى أن الحوار لا يقتصر على فيدان فحسب، بل يشمل أيضاً شخصيات تركية رفيعة المستوى مثل رئيس الاستخبارات إبراهيم كالن، وأن هذه العملية تحظى بدعم مباشر من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ومعتبراً أن “هذه اللقاءات تعدّ خطوة أساسية لبناء الثقة بين الأطراف، خصوصاً في ظل الحدود المتقلبة تاريخياً بين الجانبين”.
ومطلع حزيران/ يونيو الماضي، أجرت قوات سوريا الديموقراطية محادثات مباشرة مع تركيا برعاية أميركية، لبحث عدد من الملفات بينها السجون التي تضم عناصر تنظيم “داعش”، بحسب ما كشف موقع “ميدل إيست آي” الأميركي، الذي نقل عن مصادر وصفها بالمطلعة، أن “قسد وتركيا أجريتا محادثات مباشرة حول مستقبل سوريا، بتسهيل من الولايات المتحدة”.
+963
—————————-
قسد تكثف عمليات خطف وتجنيد القاصرين.. استعداداً للمعركة؟/ خالد الخطيب
السبت 2025/09/06
تشهد مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في شمال وشرق سوريا، تصاعداً في شكاوى الأهالي حول تكثيف عمليات تجنيد القاصرين من الجنسين في صفوفها، وسط اتهامات بعمليات خطف لأطفال من عائلاتهم وزجهم في المعسكرات.
ولوحظ اتّباع “الشبيبة الثورية”، التي عادة ما تتولى عمليات تجنيد وتدريب الأطفال، سياسة التجنيد القسري بدلاً من سياسة الجذب والترغيب التي كانت تتبعها خلال السنوات الماضية، وهو ما يعكس رغبة “قسد” في زيادة أعداد قواتها، والحفاظ على تماسك تشكيلاتها والذي بدا واضحاً أيضاً من خلال عمليات المطاردة والملاحقة التي نفذتها مؤخراً ضد الفارين من الخدمة في صفوفها.
تجنيد الأطفال
ويوضح الكاتب والمحلل السياسي علي تمي، أن حملات التجنيد التي تستهدف فتياناً وفتيات دون سن الثامنة عشرة، شهدت تصاعداً غير مسبوق في مناطق الحسكة والرقة ودير الزور وعين العرب (كوباني)، وبعضهم جرى اختطافه من الطرقات والحدائق، وآخرون جرى الضغط على عائلاتهم لتسليمهم، مضيفاً أن “هذه السياسة باتت تشكل هاجساً بالنسبة للعائلات هناك، والتي لم تعد تأمن على أطفالها خارج المنازل”.
ويقول تمي لـ”المدن”، إن “سياسة قسد في تجنيد القاصرين والقاصرات هي سياسة قديمة جديدة، ويبدو أن تكثيف عمليات التجنيد يرجع إلى فقدان الثقة بالتشكيلات العربية ضمن صفوفها، بالتالي يحقق لها خطف الأطفال، الزيادة المطلوبة في أعداد القوات الموثوق بها”.
ويعتقد أن “قسد” تعيش حالة من “التخبط والارتباك”، معتبراً أنها “ستفشل في تطبيق اتفاق 10 آذار/مارس والالتزام ببنوده، لذا تضع في حسبانها بأنها ستكون حتى نهاية العام الحالي على أقل تقدير، في مواجهة عسكرية محتملة مع الحكومة السورية، وهي اليوم تعد العدة لتلك المواجهة”.
حملة مكثفة
من جهته، يكشف مدير المكتب الإعلامي في منطقة عفرين، زانا خليل، لـ”المدن”، أن الحملة توسعت أيضاَ في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد الواقعة تحت سيطرة “قسد” في حلب، والتي شهدت عدة حالات اختطاف من الشوارع والمقاهي، ونجحت كذلك في جذب عدد من الشبان والشابات ممن أعمارهم تحت 18 في منطقة عفرين للالتحاق بصفوفهم بحلب.
ويقول خليل، إن “أساليب تجنيد القاصرين لدى قسد، تتنوع، ففي حلب ولخصوصية مناطق سيطرتها المطوقة بالكامل لا تزال تتبع سياسة الإغراء والترغيب مع هذه الفئات العمرية، وأهمها الراتب الجيد في منطقة لا تزال خيارات العمل فيها محدودة جداً”، لافتاً إلى أن “معارضة العائلات لانضمام أبنائهم الى صفوف قسد، تعني في كثير من الأحيان حرمانهم من حقوقهم في مواد الإغاثة والخدمات والوظائف”.
أما في مناطق شمال شرقي سوريا، باتت العائلات، بحسب تمي، “تتحفظ على أبنائها أكثر وتمنعهم من حضور أنشطة الشبيبة الثورية التي عادة ما تروج عبر برامجها الثقافية (ندوات وملتقيات ورحلات طلابية)، لفكرة الانضمام الى صفوف قسد، وهو ما شكل عائقاً أمام حملاتها وانخفضت الأعداد، وهو ما اضطرها لاتباع سياسة التجنيد القسري وإعداد قوائم أسماء يجري خطفها بين الحين والآخر”.
ملاحقة الفارين
ويبدو بحسب المحللين أن “قسد” تسعى من خلال التجنيد الإجباري، إلى تعويض هروب الكثير من العناصر من صفوفها. ويقول اوسب بركل، وهو ناشط من منطقة عين العرب (كوباني)، إن “قسد” تواجه اليوم مشكلة الانشقاقات في صفوفها، وهم في الغالب من العناصر الذين اختطفتهم سابقاً عندما كانوا في أعمار صغيرة، و”هذا أيضا عامل آخر يدفهم لتكثيف عمليات تجنيد القاصرين لتعويض النقص”.
ويوضح بركل لـ”المدن”ـ، أن “منطقة كوباني تعرضت خلال الأيام القليلة الماضية لعدة عمليات دهم نفذتها “قسد”، بحثاً عن فارين من الخدمة العسكرية، ونجحت بالفعل في واحدة من عمليات الدهم في اعتقال مجندة بعد 7 أشهر من انشقاقها”.
ويكشف أن مجموعة مسلحة قامت أوائل شهر أيلول/سبتمبر الجاريـ بدهم منزل في ريف كوباني بعد منتصف الليل وطوقت المكان بالكاملت، مشيراً إلى أن “المجموعة المداهمة اعتقلت المجندة المنشقة كولي إبراهيم، واقتادتها إلى جهة مجهولة، بعدما اعتدوا على والدتها التي حاولت منعهم، وسرقوا المضاغ الذهبي والأموال من المنزل”.
وكانت “قسد” قد اختطفت كولي إبراهيم قبل سنوات عندما كانت في الصف الثامن وهي عائدة من المدرسة، وقبل سبعة أشهر تمكنت من الهروب، وبقيت متخفية طيلة هذه المدة، وبحسب بركل.
ويرى بركل أن منع “قسد” للعائلات التي تطالب بأبنائها المختطفين من زيارتهم، تهدف إلى التقليل من عمليات الانشقاق، لافتاً إلى أن “بعض المجندين المختطفين لم يروا عائلاتهم منذ أشهر، وأخرين لم يلتقوا بهم منذ اختطافهم وعائلاتهم لا يعرفون مكانهم”. ويضيف أن “هناك رقابة شديدة على المجندين الجدد من أعمار صغيرة، خشية أن ينشقوا ويعودوا إلى عائلاتهم مجدداً”.
المدن
—————————
====================
تحديث 06 أيلول 2025
———————————–
قسد وتركيا.. علاقة ملتبسة بين النضوج السياسي والهشاشة التنفيذية/ معاذ الحمد
بين النضوج السياسي والهشاشة التنفيذية: مستقبل العلاقة بين قسد وتركيا
2025-09-06
تشهد العلاقة بين قوات سوريا الديموقراطية (قسد) وتركيا تحوّلاً ملحوظاً من المواجهة العسكرية التي هيمنت على المشهد لسنوات، إلى مسار يركّز على التواصل الديبلوماسي والأمني. وهذا التحول لم يأتِ في فراغ، بل جاء نتيجة ضغوط إقليمية ودولية، ومساعٍ أميركية لفتح قنوات حوار مباشرة بين أنقرة و”قسد”.
المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، أكد أن لقاءات متواصلة تجري بين قائد “قسد” مظلوم عبدي ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، بمشاركة شخصيات تركية رفيعة مثل رئيس الاستخبارات إبراهيم كالن، وبدعم مباشر من الرئيس رجب طيب أردوغان.
واعتبر باراك أن “انخراط أنقرة في حوار مباشر مع القوات الكردية، رغم النزاعات العميقة، يبرهن أن التفاهم ممكن”، محذراً من أن غياب الحوار سيقود إلى تكرار عقود من العنف.
التحول الديبلوماسي يأتي بعد سنوات من المواجهات بين “قسد” والفصائل المدعومة من أنقرة في شمال سوريا، والتي توقفت منذ عدة أشهر، ما أفسح المجال أمام محاولات فتح قنوات تواصل جديدة.
وهذه المحاولات لم تقتصر على آب/أغسطس، إذ سبقتها في حزيران/يونيو محادثات برعاية أميركية تناولت ملفات حساسة، من بينها مصير السجون التي تضم عناصر تنظيم “داعش”، ومستقبل الوجود الأميركي في سوريا، وحتى إمكانية دمج قسد في الجيش السوري تحت قيادة دمشق.
في المقابل، شهدت أنقرة ودمشق تقارباً متزايداً تُرجم بتوقيع مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون العسكري والأمني شملت تدريبات ودعماً لوجستياً للجيش السوري.
لكن في الوقت نفسه، تعثرت المفاوضات بين “قسد” والحكومة السورية بشأن اتفاق 10 آذار/مارس 2025، خصوصاً بعد رفض دمشق المشاركة في جولة باريس وتجميدها الحوار.
دور تركي
في هذا السياق، يقول الكاتب المتخصص بالشأن التركي سركيس قصارجيان لـ”963+” إن اتفاق 10 آذار ما زال فعّالاً لفتح الحوار وتجنب الصدام العسكري، رغم الحاجة إلى تفاهمات إضافية.
ويوضح أن فعالية الاتفاق برزت في “نقطتين أساسيتين: الأولى أنه فتح أبواب الحوار والتفاوض بين دمشق والإدارة الذاتية، وكان حجر الأساس للقاءات اللاحقة، والثانية أنه أنهى إلى حد كبير احتمالات الصدام العسكري وأوقف الاشتباكات على خطوط التماس بين الجيش وقسد”.
ويضيف قصارجيان أن “الدور التركي يعرقل التوصل إلى تفاهم بين دمشق والإدارة الذاتية، لافتاً إلى أن حسابات أنقرة لا ترتبط فقط بالملف الأمني والخارجي، بل أيضاً بالوضع الداخلي والتحالفات السياسية في تركيا”.
ويؤكد قصارجيان أن التوصل إلى حل دائم ما يزال صعباً، لكنه استبعد حدوث تصعيد إضافي في ظل رغبة أميركية وإقليمية بتهدئة الأوضاع وتثبيت الاستقرار، محذراً من أن الذهنية الأحادية لدى دمشق ورفض إشراك باقي المكونات السورية في العملية الانتقالية تزيد من احتمالات فشل مسار التفاوض للوصول إلى حل نهائي وسلمي.
“نضوج سياسي”
وبدوره، يرى الخبير في العلاقات الدولية طارق زياد وهبي في تصريحات لـ”963+” أن التفاهمات الأخيرة تعبّر عن “نضوج سياسي” لدى أنقرة، بعد أن تخلى حزب العمال الكردستاني عن السلاح وانخرط في العملية السياسية.
ويعتبر وهبي أن “قسد أثبتت أنها قوة فاعلة على الأرض هدفها الأساسي الحماية لا الهجوم، ما يجعل الحوار معها خياراً عملياً”، مشيراً إلى أن “نموذج الحكم الذاتي في العراق قد يشكل أساساً لتسوية مشابهة في سوريا تقوم على اللامركزية والمشاركة في الحكم”.
وبحسب وهبي، فإن “التوازنات الإقليمية والدولية – من الحضور الأميركي والفرنسي إلى الموقف التركي – توفر بيئة ضاغطة وضامنة في آن واحد، بما يفتح الباب أمام حلول سياسية قد تساهم في إنعاش الاقتصاد السوري والكردي”.
وفي المقابل، يحذّر الديبلوماسي السوري السابق بشار علي الحاج علي، في تصريحات لـ”963+” من الإفراط في التفاؤل، مؤكداً أن الاتفاقية الأخيرة “ما زالت تعاني من ضعف في التنفيذ الميداني وسط خروقات متبادلة وتأخر في خطوات الدمج”.
ويرى الحاج علي أن العوائق الأساسية تتمثل في ثلاثة محاور: صراع السلطة بين دمشق وقسد، تأثير القوى الخارجية، والتعقيدات المرتبطة بإدارة الموارد والحدود.
ويشير إلى أن أنقرة تتحرك عبر مسارين متوازيين: “قنوات اتصال سرية مع فاعلين أكراد من جهة، وضغط أمني متواصل على الأرض من جهة أخرى، ما يعكس سياستها القائمة على دعم دمشق سياسياً مع إبقاء أدوات الردع الفاعلة”.
وبحسب تقديره، فإن أفضل السيناريوهات هو “هدنة طويلة الأمد مع دمج تدريجي”، فيما الأسوأ يتمثل في “تصعيد تركي محسوب مع تشدد من جانب دمشق”.
وتُظهر هذه التقديرات أن العلاقة بين “قسد” وتركيا عالقة في “توازن حساس”: “من جهة، هناك نافذة محدودة للتسوية السياسية بدعم دولي، تعززها قنوات الحوار المباشر والميل التركي نحو معالجة سياسية موازية للضغط العسكري. ومن جهة أخرى، هناك هشاشة واضحة في التطبيق العملي للاتفاقات، وخلافات عميقة حول القيادة والسيطرة والموارد، ما يجعل احتمال العودة إلى التصعيد قائماً في أي لحظة”، وفق محللين.
فالمسار الحالي يجمع بين فرص ناتجة عن “النضوج السياسي” التركي كما يراه وهبي، ومخاطر ناجمة عن هشاشة التنفيذ والتعقيدات البنيوية كما يحذّر الحاج علي.
وما بين هذين المنظورين، يبقى مستقبل العلاقة مرهوناً بقدرة الأطراف على تجاوز ثلاثية السلطة والحدود والموارد، “وإلا فإن التفاهمات لن تتجاوز كونها هدنة مؤقتة مؤجلة الانفجار”، بحسب المحللين.
+963
——————————–
بقِّي البحصة يا “قسد”!/ سمير صالحة
2025.09.06
فنظر الراهب إلى شماسه بهدوء وحزم، وقال: “بقّ البحصة يا أنطون!”. فمن الذي نظر اليوم باتجاه قيادات “قسد” مثل صالح مسلم، ومظلوم عبدي، وإلهام أحمد، ودعاهم إلى “بقّ البحصة” التي طال احتباسها تحت اللسان لسنوات؟
حكاية “بقّ البحصة” معروفة في الأوساط اللبنانية، وتجد ما يماثلها في الأدب التركي عبر المثل القائل: “إخراج حبة الفول من تحت اللسان”.
إنها قصة الراهب الذي علّم شماسه الصمت بوضع حصاة تحت لسانه، فلا يتكلم إلا بإذن وباحترام وأدب، حتى جاءت تلك اللحظة الوحيدة التي أشار له فيها بالكلام كما يشاء، حين أغضبته سيدة عجوز ولم يستطع إيقافها.
اليوم، وبعد سنوات من التريّث وانتظار اللحظة المناسبة لإغضاب أنقرة ودمشق، تبقّ قيادات “قسد” “البحصة الأميركية” دون لفٍّ ودوران.
تستمد “قسد” شجاعتها من تبدّل الموقف الأميركي، الذي عبّر عنه مبعوث الرئيس ترامب للشرق الأوسط، توم باراك، حين أشار إلى تمسّك بلاده بالشراكة المعلنة معها تحت ذريعة محاربة داعش، وطرحه لمشروع شبيه بالفدرالية أو اللامركزية في سوريا. كما أن دخول اللاعب الإسرائيلي، سياسيًا وعسكريًا، بشكل مباشر على خط الأزمة السورية، مستفيدًا من تطورات الأحداث في السويداء وشعارات الانفصال عن الدولة المركزية، منح “قسد” ما تعتبره فرصة لا تُعوَّض للتنصّل من تفاهمات العاشر من آذار مع القيادة السياسية في دمشق.
من “بقّ البحصة” إلى إعادة إحياء الحديث القديم–الجديد عن مطلب الفيدرالية. هكذا أطلقت قيادات “قسد” العنان لنفسها، وأخرجت ما ظلّ مكتومًا تحت اللسان لأعوام.
هذا الإفصاح المتأخر ليس مجرد موقف، بل إعلان واضح عن نهاية تفاهمات آذار 2025 مع القيادة السياسية الجديدة في دمشق، رغم أن اللحظة كانت قد بدت – لبعض المتفائلين – كأنها نقطة انعطاف نحو الاندماج والتعايش السلمي. لكن الوقائع تكشف اليوم عن مسارين متباعدين، إن لم يكونا متناقضين، في مقاربة مستقبل سوريا: بين مشروع مركزي تستعيد فيه الدولة سلطتها، ومشروع لا مركزي يتوسّع تدريجيًا نحو الفيدرالية السياسية والإدارية.
مظلوم عبدي، أولًا بعد توقيع التفاهم مع أحمد الشرع: “نحن لا نطالب بالانفصال، بل نريد أن نكون جزءًا من وزارة الدفاع السورية في إطار لا مركزي يحفظ الخصوصية”. بعد شهر تقريبًا، انتقل للحديث عن الحقوق القومية: “سوريا ليست عربية فقط.. نطالب بدستور يقرّ بوجود شعب كردي موحّد وله حقوق واضحة”. بعد شهرين، ترتفع حدّة خطابه السياسي: “لن نقبل بالعودة إلى المركزية القديمة.. مشروعنا في شرق الفرات أصبح أكثر وضوحًا، وواشنطن ما زالت شريكًا استراتيجيًا”.
أما صالح مسلم، فيقول بعد توقيع تفاهم آذار: “ما تم التفاهم عليه مع دمشق هو بداية لحوار جاد، ونحن منفتحون على بناء دولة لكل السوريين”. لكنه يعود ليعلن بعد أسابيع: “لا يمكننا القبول بدولة لا تعترف بتنوعها.. مشروع الإدارة الذاتية أثبت قدرته على الصمود والتوسع”. وفي ذروة التصعيد، يجاهر بأن “كل محاولات حصارنا أو فرض شروط علينا مصيرها الفشل.. الشراكة مع واشنطن مستمرة، ولن نعود إلى الوراء”.
إلهام أحمد من ناحيتها، وفي بداية الحوار مع دمشق: “نحن مع وحدة سوريا، لكن على أساس الاعتراف الدستوري بالإدارة الذاتية وحقوق مكوّنات المنطقة”. لتواصل بعد أسابيع: “لا يمكن لأي تسوية أن تُبقينا خارج القرار.. نحن نمثّل مشروعًا ديمقراطيًا لشمال وشرق سوريا”. ولتعلن قبل أيام في طريق العودة من دمشق: “الوحدة لا تعني الإلغاء.. نرفض العودة إلى الدولة المركزية، ونطرح نموذجًا لا مركزيًا يضمن العدالة والتمثيل الحقيقي”.
كل هذه التصريحات والمواقف لا تعكس مجرد تحوّل في الخطاب، بل ترتبط أيضًا بحسابات “قسد” لما شهدته الساحة السورية خلال الأسابيع الأخيرة من تحوّلات ميدانية بدت وكأنها تمنحها فرصة جديدة للرهان على تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي.
تحاول قيادات “قسد”، منذ توقيع تفاهمات آذار، تدوير الزوايا. منحتها المتغيّرات الميدانية والإقليمية، إلى جانب التفاهم مع دمشق قبل خمسة أشهر، فرصة جديدة للحديث عن لا مركزية ضمن مؤسسات الدولة، وطرحت نفسها كمفاوض منفتح لا يتطلع إلى الانفصال، بل إلى الشراكة. لكن سرعان ما بدأ الخطاب يتبدّل: فالمطالب باتت دستورية، ترتبط بالهوية القومية، والفيدرالية أصبحت حلاً معلنًا لا تلميحًا: لا اندماج قسري، لا سلطة فوق سلطة المجتمعات المحلية، لا أمن مركزي يفرض نفسه على كانتونات الإدارة الذاتية، بل حديث صريح عن “نموذج عقد اجتماعي جديد”.
فهل لا تزال دمشق ترى في “قسد” طرفًا للحوار؟ أم أنها أخطأت أصلاً في فتح هذا الباب؟ وهل أصبح القطع مع تفاهمات آذار أمرًا واقعًا لا يحتاج إلا إلى بيان رسمي؟ أم أن الرهان بالنسبة لـ”قسد” هو على مزيد من التحولات السياسية والميدانية التي تعيق أي سيناريو تصعيد عسكري مشترك تقوده دمشق وأنقرة؟
الإجابة على هذه الأسئلة لا تتوقف فقط على موقف “قسد”، بل على شكل التفاهمات الإقليمية المقبلة، وتوازنات المصالح بين اللاعبين الأساسيين: واشنطن، أنقرة، دمشق، تل أبيب، إضافة إلى العواصم المؤثرة في الخليج وموسكو.
فتحت التصريحات الأميركية، السياسية والعسكرية، الباب أمام “الشريك الكردي الموثوق” للمزيد من المناورة، بل والتحرر إلى حد كبير من ضغط دمشق، خاصة بعد أن بدا أن تفاهمات آذار لم تعد مُلزمة لـ”قسد”. فواشنطن، التي آثرت سياسة الغموض لفترة طويلة، عادت مؤخرًا بقوة إلى دعم “قسد”، تحت ذرائع مواجهة داعش، وتحقيق التوازن مع تركيا وإيران، مستفيدة أيضًا من دخول اللاعب الإسرائيلي – سياسيًا وعسكريًا – على خط الأزمة السورية.
بالمقابل، لم تُغيّر أنقرة مواقفها. فهي تواصل ضغوطها السياسية بانتظار نتائج محادثات دمشق مع قيادات شرق الفرات وحسم اللاعب الأميركي موقفه. لكن ما يقلقها اليوم هو تصريحات قيادات “قسد” التي اختارت رفع سقف التوتر مع دمشق وأنقرة على السواء، والتشبّث بالدعم الأميركي، وتقديم مشروعها كـ”معادل استراتيجي” للتوازنات في وجه دمشق وأنقرة.
إسرائيل من جانبها بدأت التدخل المباشر بعكس ما كانت تفعله قبل سنوات مع نظام الأسد. هي تدعم اليوم الكيانات غير المركزية في رسالة إقليمية واضحة، نحو تبنّي صيغ الشرذمة والتفتيت في سوريا، مستفيدة من تراجع النفوذ الإيراني، وضعف الثقل الروسي، وتفكك الداخل السوري، وعدم حسم أنقرة لموقفها بسبب السياسات الأميركية.
أما دمشق، التي تسعى لاستعادة سيطرتها على كامل التراب السوري، وترى في استمرار وجود “قسد” وإدارتها الذاتية تحديًا مباشرًا لتماسك عناصر الدولة، وهو مخالف لروح اتفاقيات آذار، فهي أمام خيارات صعبة ومكلفة أيضًا. فقيادات “قسد” ترفض التنازل عن مكاسبها العسكرية والجغرافية والاقتصادية، وتريد تحويلها إلى مكاسب سياسية ودستورية، حتى ولو كان الثمن هو المواجهة العسكرية المباشرة مع دمشق وأنقرة.
تردد قيادات “قسد” في العلن أنها تسير على خط متوازن بين الحرص على الحفاظ على مكتسباتها السياسية والعسكرية، والرغبة في إيجاد حلول تفاوضية مع دمشق عبر إطار تفاهمات آذار، مع إبراز أهمية استمرار الحوار البنّاء لتحقيق الاستقرار والسلام في شمال شرقي سوريا. لكن الواقع والممارسات على الأرض يقولان إن خيارات “قسد” تتمحور بين السعي للحفاظ على مكتسباتها من جهة، ومحاولة التفاوض والاندماج ضمن الإطار السياسي الدستوري الذي تريده من جهة أخرى. المواجهة العسكرية ليست الخيار الأسهل، لكنها تبقى احتمالًا قائمًا في حال تفاقمت التهديدات الخارجية أو استُنفدت كل الخيارات السياسية بالنسبة لـ”قسد” أيضًا.
“بقّ البحصة” لم يكن مجرد اعتراف، بل إعلان نية لمشروع يبتعد عن دمشق أكثر فأكثر. والسؤال اليوم: هل تملك الأطراف ترف الصمت مجددًا، أم أن لحظة المواجهة باتت أقرب من أي وقت مضى؟
في عام 63 قبل الميلاد، طلب ملك أرمينيا “تيغران الكبير” نصرة روما ضد خصومه، فلما اكتشف أن الدعم الروماني جاء بثمن السيادة، قال قولته الشهيرة:
“طلبتُ حماية فأرسلت لي روما حبلًا من حرير.. لأُشنق به!”.
تلفزيون سوريا
———————————
صالح مسلم: نرفض العودة للنظام المركزي رفضًا قاطعًا
5 September 2025
شدد عضو المجلس الرئاسي في حزب الاتحاد الديمقراطي، صالح مسلم، على رفض الحزب القاطع للعودة إلى النظام المركزي في سوريا.
وأكد مسلم في تصريح لموقع “رووداو” استعدادهم الكامل للتفاوض مع الحكومة السورية بشأن تطبيق نظام حكم لا مركزي يضمن حقوق جميع المكونات.
وقال مسلم إن لجنة التفاوض تشكّلت وطلبت عقد لقاء مع دمشق، لكن المشكلة تكمن في تردد الحكومة السورية بتحديد موعد رسمي.
وأشار إلى أن مطلب اللامركزية يمثل جوهر مشروع “الإدارة الذاتية” و”مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد)، لافتًا إلى أن الأخير قدّم مقترحًا بهذا الصدد ضمن مسودة دستور لسوريا وتمت مناقشته دون حسم نهائي.
وأوضح أن مشروعهم لا يسعى إلى تقسيم سوريا، بل يهدف إلى إيجاد حل من داخل البلاد، مؤكدًا أن الأكراد شركاء في كل مفصل من مستقبل سوريا، سواء في الدستور أو الانتخابات أو الاقتصاد.
وسبق أن أكد مسلم أن نظام بشار الأسد فشل في توحيد البلاد، مشيرًا إلى أن النموذج السياسي الذي تتبناه الإدارة الذاتية، هو الحل الوحيد لمستقبل سوريا.
وقال مسلم في تصريحات صحفية إن العلويين والدروز وكل الأقليات الأخرى يؤمنون بما يدعو له الأكراد: “سوريا لامركزية ذات حكم ذاتي محلي”، مؤكدًا أن هذا “أفضل طريق للعيش معًا بسلام في بلد واحد”.
وأوضح أن الحكومة الجديدة أثبت عجزها عن تحقيق الوحدة الوطنية أو تقديم أي مشروع شامل لجميع مكونات الشعب السوري.
وانتقد جميع الخطوات التي اتُخذت منذ سقوط النظام السابق مثل مؤتمر الحوار الوطني، وتشكيل الحكومة المؤقتة، وإعلان الدستور، والإعلان عن الانتخابات البرلمانية، مشيرًا إلى أنها تناقضت مع أهداف الثورة السورية التي دعت إلى العدالة والديمقراطية والمساواة والحرية لجميع مكونات الشعب السوري.
——————————
قوات سوريا الديمقراطية تستعد لسيناريو المواجهة مع أنقرة ودمشق
قسد توسع خطوط إمدادها في مناطق نفوذها.
الأكراد أمام خيارات أحلاها مر
السبت 2025/09/06
تتجه الأمور بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق نحو المزيد من التصعيد في ظل تمسك كل طرف بشروطه، وقد بدأت قسد بالفعل الاستعداد لخيار المواجهة الذي ينذر بإدخال سوريا في حرب استنزاف طويلة.
الحسكة (سوريا) – تستعد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لسيناريو المواجهة مع دمشق وأنقرة، في ظل تعثر المفاوضات نتيجة تمسك كل طرف بمطالبه.
وعلقت الحكومة السورية في أغسطس المحادثات مع قوات سوريا الديمقراطية، الذراع العسكري للإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، على خلفية اعتراضها على مؤتمر رعته قسد في الحسكة، واعتبرته دمشق محاولة لتشكيل تحالف “أقلوي” ضدها.
ولا تبدو فرص استئناف المفاوضات متاحة في ظل تمسك قوات سوريا الديمقراطية بنظام لامركزي في سوريا، في مقابل رفض دمشق ومن خلفها أنقرة بشدة لهذا النموذج الذي يعتبرانه مدخلا لتقسيم البلاد وتفتيتها.
وينذر هذا الانسداد بمواجهة عسكرية محتملة، مع تواتر التهديدات التركية بالتحرك.
ووسعت قوات سوريا الديمقراطية، خطوط إمدادها في مناطق سيطرتها بمحافظات الرقة وحلب ودير الزور، وعلى طول نهر الفرات، وخطوط التماس مع إدارة دمشق، وكذلك على طول الحدود السورية التركية في المناطق التي تتواجد بها.
ويقوم عناصر قسد الذين تشكل وحدات حماية الشعب الكردي عمودهم الفقري، بزرع الألغام على طول خط الدفاع الأول بمحاذاة الحدود التركية بين منطقتي المالكية في الحسكة وعين العرب في حلب.
صالح مسلم: الوفد الكردي المشترك جاهز للتفاوض مع دمشق صالح مسلم: الوفد الكردي المشترك جاهز للتفاوض مع دمشق
وبحسب ما أوردته وكالة الأناضول التركية، الجمعة، فقد بدأ عناصر قسد بإنشاء ثلاث خطوط دفاع على طول خطوط تماسهم مع حكومة دمشق، على غرار تلك الموجودة على طول الحدود مع تركيا، في مناطق دير حافر بحلب، والطبقة في الرقة، ونهر الفرات في دير الزور.
ونشر عناصر قسد أسلحة متوسطة وخفيفة، بالإضافة إلى أسلحة مضادة للدبابات، على طول الخط الأول. وعلى الخط الثاني، نشر ناقلات جند مدرعة ومدافع هاون وبطاريات مدفعية.
كما نشر بطاريات مدفعية بعيدة المدى وطائرات مسيرة انتحارية على طول خط الدفاع الثالث. ولإخفاء الأسلحة على هذه الخطوط، سرّع حفر الأنفاق، لاسيما في الرقة وحوض نهر الفرات.
ولم تكتف قوات سوريا الديمقراطية بربط هذه الخطوط، بل ربطها أيضا بخط رابع لإمداد الأسلحة والإمدادات اللوجستية، وتهدف إلى إنشاء شبكة أنفاق تربط المناطق الرئيسية شرق نهر الفرات، بهدف الحماية من العمليات العسكرية وترسيخ مقاومة طويلة الأمد.
وفي الآونة الأخيرة، بدأت بحفر أنفاق وهمية ملغومة وغير صالحة للاستخدام كتكتيك دفاعي في منطقة الطبقة بالرقة، وسد تشرين في حلب، وحوض نهر الفرات، والمناطق المحيطة بالحسكة.
وتنقسم الأنفاق التي تستخدمها قسد إلى ثلاث فئات رئيسية: أنفاق تُستخدم لمرور الأفراد، وأنفاق واسعة بما يكفي للمركبات، وأنفاق تُستخدم كملاجئ وأماكن سكن ومراكز قيادة.
وفي حديث للأناضول، قال المهندس عبدالرزاق عليوي، خبير السدود والموارد المائية، إن الأنفاق التي حفرها عناصر قسد في منطقتي الطبقة وصفصافة بالرقة، حيث منسوب المياه الجوفية مرتفع، تُشكل تهديدا خطيرا للمباني.
وأوضح عليوي أن الأنفاق التي حفرتها قوات سوريا الديمقراطية في أنحاء مختلفة من الرقة تُشكل شبكة واسعة تحت الأرض.
وأضاف: “تمر هذه الأنفاق تحت المستشفيات والمدارس والمباني العامة الأخرى. وترابط العديد من الأنفاق قد يؤثر على مناطق واسعة في حال انهيارها.”
وأشار إلى احتمال وقوع انفجارات منخفضة القوة، مردفا: “قد تؤدي مثل هذه الأحداث إلى انهيار مفاجئ للمباني فوق الأنفاق وخسائر فادحة في الأرواح.”
ويرى مراقبون أن التحركات التي تقوم بها قوات سوريا الديمقراطية تستند على ما يبدو إلى معطيات أمنية تفيد بإمكانية شن تركيا والحكومة السورية لعملية عسكرية مشتركة ضدها.
ويقول المراقبون إن التحذيرات المتواترة التي تطلقها تركيا تعزز فرضية المواجهة العسكرية مع قسد، والتي في حال حصلت فإنها قد تدخل سوريا مجددا في حرب استنزاف طويلة، خصوصا وأن قسد قد تجد إسنادا ودعما من باقي الأقليات في البلاد.
ويحذر هؤلاء من أن أي صراع جديد في سوريا سيؤدي إلى تفتيت للبلاد، وينهي أي طموحات للسوريين في التعافي من الحرب السابقة.
وفي 10 مارس الماضي، وقّع الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” فرهاد عبدي شاهين، اتفاقا لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة، ولتأكيد وحدة أراضي البلاد ورفض التقسيم.
وتم ترك البحث في التفاصيل للجنة يجري تعيينها من قبل الطرفين، على أن يتم التوصل إلى اتفاق شامل قبل موفى العام الجاري، وهو ما لم يحصل في ظل التباينات حول طبيعة النظام السياسي لما بعد المرحلة الانتقالية، وضمان حقوق الأقليات السورية كطرف أصيل في إدارة البلاد.
الأنفاق التي تستخدمها قسد تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: أنفاق تُستخدم لمرور الأفراد، وأنفاق واسعة بما يكفي للمركبات، وأنفاق تُستخدم كملاجئ وأماكن سكن ومراكز قيادة
وأكد صالح مسلم، القيادي في حزب الاتحاد الديمقراطي في شمال شرقي سوريا، أنهم مستعدون للتفاوض مع الحكومة السورية بشأن تطبيق نظام حكم “لا مركزي” في البلاد.
وقال مسلم في حديث خاص لموقع “رووداو” الخميس، إن “الوفد الكردي المشترك جاهز للتفاوض مع دمشق، وقد طلب الاجتماع وينتظر رد الحكومة السورية، ولكن الحكومة تتجنب تحديد موعد.”
وأضاف: “لجنة التفاوض جاهزة وقد تمت تسميتها. الرؤساء المشتركون للجنة مستعدون، والوفد جاهز وكل شيء واضح. المشكلة ليست منا وإنما من الحكومة السورية.”
وشدد مسلم على مطالبهم بتطبيق نظام لا مركزي للحكم في سوريا، وقال: “الإدارة الذاتية نفسها لديها نفس المطلب، وقد اقترح مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) ذلك لدستور سوريا، وتمت الموافقة عليه.”
وأردف: “الإعلان الدستوري الذي أصدرته دمشق، أصدر (مسد) بديلاً له، وتم إجراء مناقشات حول ذلك البديل ولكن الأمر لم ينته بعد. يجب أن تتفاوض مع الطرف الآخر (الحكومة السورية) والسماح له بالقبول. باختصار، نحن من هذا البلد ومشروعنا لا يقسم سوريا، نريد حلاً داخل سوريا.”
وتابع مسلم قائلاً: “نحن شركاء في هذا البلد، سواء كان ذلك في الإدارة الذاتية أو غيرها. نحن شركاء في هذا البلد، يجب ألا يتم شيء من دوننا؛ إذا أجريت انتخابات، فنحن موجودون فيها، إذا وضع دستور، فنحن موجودون فيه، إذا شكلت حكومة، فنحن موجودون فيها، إذا أنشأت إدارة، فنحن موجودون فيها، إذا أسست اقتصاداً، فنحن موجودون فيه. في كل شيء نحن شركاء بهذا البلد. هذا ما نريده، ويمكننا التحدث عن شكل هذه الشراكة،” على حد تعبيره.
واعتبر القيادي في حزب الاتحاد الديمقراطي أن علاقتهم مع الحكومة التركية “قد تكون أفضل من السابق” بسبب انطلاق عملية السلام في تركيا بناء على اقتراح زعيم حزب “العمال الكردستاني” عبدالله أوجلان.
وتحدث عن وجود اجتماعات “بين وفود كردية وتركية على مستوى وزارة الخارجية” ومستويات أمنية أخرى، معرباً عن استعداده للذهاب إلى تركيا كوسيط للحوار إذا طلب منه ذلك رسمياً.
العرب
————————————
=========================



