أبحاث

استغلال العلمانيّة وتقوية النزعة المُحافظة/ جوزيف ضاهر

افتقر النظام إلى أيّة هيمنة أيديولوجيّة حقيقيّة، وكثيرًا ما لجأ الأسد إلى الانتقائيّة في محاولة لجذب أكبر عدد ممكن من الرموز والجماعات. تبَنّى النظام السوري وروّجَ طوال العقود الماضية لخطابٍ دينيّ مُحافظ، فضلًا عن الممارسات، وذلك جنبًا إلى جنب مع تبني سياسات اقتصاديّة ليبرالية جديدة، بما يتناقض مع الخطاب البعثي الأصلي بشأن “الاشتراكيّة”، “والعلمانيّة” الأمر الذي يُعطي الدليل على انعدام الهيمنة.

“أُريد أيضاً العودة إلى موضوع العلمانيّة، لأنّ البعض يعتقد بأن مُتطلبات العلمانيّة، أو جوهر العلمانية، هو فصل الدين عن الدولة. هذا الطرح خاطئ: لا علاقة بين العلمانيّة وفصل الدين عن الدولة ….” – بشار الأسد 7 كانون الأول 2020.

تمّ تقديم هذا التعريف للعلمانيّة من قِبَل بشار الأسد في 7 كانون الأول 2020، وذلك في خطابٍ ألقاه أمام كبار رجال الدين السوريين وعلماء المسلمين خلال اجتماع نظمته وزارة الأوقاف في دمشق. كما اتهم “الليبرالية الجديدة” بشن حرب منذ عقود ضد “المجتمعات الإسلاميّة” و”العروبة” لإضعاف هذه المُجتمعات، بينما شجعت هذه الأيديولوجيا زواج المثليين، والاضطراب الجندري، وعدم اتباع الأطفال لدين والديهم، واستهلاك المُخدرات. تشترك في هذه المواقف العديد من الحركات اليمينيّة المُتطرفة والفاشيّة في جميع أنحاء العالم.

جاء هذا الخطاب لبشار الأسد بمثابة مُفاجأة لبعض السوريين والمُعلّقين والمُحَللين الغربيين، لأنّه مُنذ عقود، تمّ تصوير نظام الأسد على أنّه “علمانيّ” و”حديث” من قِبَلْ الكثيرين. وقد تم دعم ذلك أيضًا من قِبَلْ كلّ من مؤيدي ومُعارضي النظام السوري. فما حقيقة علمانيّة سوريا؟

يقوم هذا المقال بتحليل استخدام النظام السوري للعلمانيّة تاريخيًا كأداةٍ لقمع المُعارضين واكتساب الشرعية بين الفاعلين الدوليين، بينما يرفض بالمثل تطبيق هذا المفهوم داخل البلاد وذلك ليتم تعزيز النزعة المُحافظة ودور المؤسسات الدينيّة الرسميّة داخل المُجتمع.

النظام السوري علماني وحامي للتعدديّة الثقافيّة والعرقيّة؟!

قام نظام الأسد تاريخيًا بتقديم نفسه على أنّه حصن منيع ضدّ “التطرف” داخل المجتمع السوري، وكذلك الأمر على المستوى الدولي، وخاصة منذ عام 2003 في محاولة للانضمام إلى ما يُسمّى بـ”الحرب ضد الإرهاب” التي تقودها الدول الغربية والأنظمة الاستبداديّة في المنطقة وفي جميع أنحاء العالم. وبالمثل قامت دمشق باستمرار تعزيز صورة الدولة “الحامية للأقليات (سواء كانوا مسيحيين أو علويين، شيعة أو دروز)” في بلدٍ مُتعدّد الديانات والأعراق. كما وشدّدت دمشق على دورها في ضمان “التعايش السلمي للمجتمع السوري”.

في نفس الوقت، قام بشار الأسد ومسؤولون سوريون بوصف سوريا على وسائل إعلام أجنبيّة على أنّها دولة علمانيّة. في عام 2010، رد بشار الأسد بأنّ التحدي الأكبر الذي يواجه بلاده هو الحاجة إلى “الحفاظ على الهوية العلمانيّة لسوريا من خطر التطرف”، وذلك في مقابلة مع المُذيعة الأمريكية تشارلي روز Charlie Rose. بعد اندلاع الثورة، وفي تشرين الثاني 2012، أعلن بشار الأسد لشبكة تلفزيونيّة روسيّة أنّ سوريا هي “آخر معقل للعلمانيّة والاستقرار في المنطقة”. وكرّر هذا النوع من الخطاب في السنوات التالية في مقابلاتٍ مُختلفة مع وسائل إعلام أجنبيّة.

إنّ تعدديّة المجتمع السوري وصعود القوى الإسلاميّة الأصوليّة مع تقدم عسكرة الثورة، لا يعني أنّ النظام علماني وضامن لتماسك المجتمع. تمّ استخدام العلمانيّة في الغالب للاستهلاك الأجنبي لخطاب بشار الأسد والمسؤولين السوريين. داخل البلاد، أصرّ مسؤولوا النظام بدلًا من ذلك على أن يكونوا دائمًا “مسلمين مخلصين” يقومون بالترويج لـ”الفهم الصحيح للإسلام”، في مواجهة “تعصب” الأَفْهَام الأُخرى.

كان هذا هو الحال بالفعل في ظل حكم حافظ الأسد. ففي عام 1979، وبعد أسبوع من المجزرة التي ارتكبها أعضاء “طلائع مُقاتلي الإخوان المُسلمين” بحق الطلاب العلويين في مدرسة المدفعية في حلب، شدّد خطاب حافظ الأسد على أهميّة جوهر الإسلام في المجتمع من أجل التقدم، ووصف هذا الخطاب الدين الإسلامي بمعاني “الحب والعمل والأخلاق”. وقام حافظ الأسد بتقديم نفسه على أنّه “مسلم مؤمن” ويقوم بتشجيع “الجميع على الإيمان ومحاربة الجمود والتعصب”.(1)

خلال ثلاثين عامًا من حكمه، قام حافظ الأسد بالترويج لصورةٍ عن نفسه كمسلمٍ تقيّ وأعاد إدخال الصيَغ الدينيّة التي تمّ إلغاؤها سابقًا في الاحتفالات العامة. علاوة على ذلك، قام النظام برعاية وإضفاء الطابع المؤسسي على الجماعات الإسلاميًة البديلة التي كانت على استعداد للمشاركة جنبًا إلى جنب مع النظام في لعبته السياسيّة، كمثال على ذلك، الطريقة الصوفيّة النقشبنديّة الكفتاريّة بقيادة الشيخ أحمد كفتارو، أو المجموعات التابعة للشيخ سعيد البوطي، أو القُبيسيات -الحركة الإسلاميّة النسائيّة.(2) كما حدثت طفرة في بناء المساجد في عهد حافظ الأسد، وتمّ إنشاء معاهد الأسد لتحفيظ القرآن. وقد ارتبط ذلك بسياسته في التحرر الاقتصادي التقدمي، وخاصة منذ منتصف الثمانينيات، ومحاولات البحث عن أشكال من التفاهم والتعاون مع الطبقات البرجوازيّة، ولا سيما في دمشق، وكذلك التفاهم مع الزعماء الدينيين السُنة من أجل ترسيخ السلطة له وقطع الاتصال مع سياسات حزب البعث الأكثر راديكاليّة في الستينيات.

بعد وصول بشار الأسد إلى السلطة في عام 2000، سار الحاكم الجديد على نفس المسار الذي سلكه والده، بل وعزّز حكمه الجديد باستخدام الرموز والمفردات الإسلاميّة في محاولة لبناء شرعيته وشعبيته بين المُتَدينين والمحافظين من المسلمين السنة. تمّ استخدام ذلك من أجل حشد دعم قطاعات كبيرة من المجتمع السوري ضدّ المشهد السياسي الدولي المُعادي، والحشد ضد التهديدات الموجهة لدمشق بعد الغزو العسكري بقيادة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة للعراق في عام 2003 والعزلة التي واجهتها سوريا في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. تُوَضّح الباحثة لينا خطيب “قام بشار بالترويج لفكرة تكريس الأخلاق ونشر ثقافة التسامح وإيصال الرسالة الحقيقيّة للإسلام”، وذلك في العديد من خطاباته ومقابلاته والمؤتمرات التي شارك بها. لقد قدّم بشار الأسد وكذلك النظام السوري نفسيهما بشكلٍ مُتزايد على أنّهما رعاة للإسلام المعتدل ضدّ “التطرّف الإسلامي”.(3) لقد عَرَض نفسه بصورة الزعيم المُخلِص للإسلام والوصيّ على الدين الإسلامي في سوريا. ذكرت وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة بشكل عام مشاركة بشار في صلاة العيد في المساجد في جميع أنحاء البلاد، بينما انتشرت الصور التي تظهره على أنّه مسلم تقيّ. رافق ذلك استمرار سياسة الانفراج، التي بدأها حافظ الأسد في بداية التسعينيات، تجاه الجماعات الإسلاميّة الأصوليّة المعارضة من خلال إطلاق سراح السجناء السياسيين، وتسامح مع المطبوعات والحركات الإسلاميّة طالما أنّهم لا يتدخلون في السياسة.

جاءت هذه السياسات مع تسريع وتعميق السياسات الليبرالية الجديدة خلال حكم بشار من خلال تبني “اقتصاد السوق الاجتماعي” كاستراتيجيّة اقتصاديّة جديدة. بعبارة أُخرى، سيصبح القطاع الخاص شريكًا ورائدًا في عملية التنمية الاقتصاديّة وفي توفير فرص العمل بدلًا من الدولة. وكان الهدف هو تشجيع التراكم الخاص بشكل أساسي من خلال تسويق الاقتصاد بينما تنسحب الدولة في المجالات الرئيسيّة لتوفير الرعاية في المجتمع. عززت سياسات الليبراليّة الجديدة هذه دور الجمعيات الدينيّة في سوريا، الإسلاميّة والمسيحيّة على حدٍ سواء، وكذلك شبكات انتشارها، مما زاد من دورها في المجتمع على حساب دور الدولة. في عام 2009، كانت 60% منها تعمل كجمعيات خيريّة، وذلك من أصل 1485 جمعية، والغالبيّة العظمى منها كانت دينيّة. عشيّة الثورة، امتلكت القبيسيات، على سبيل المثال، حوالي 200 مدرسة، وذلك بحسب الشخصيّة الدينيّة والنائب السابق محمد حبش.(4) بلغ دعم القبيسيات ذروته عندما تمّ تعيين إحدى القبيسيّات، سلمى عيّاش، كمستشار ديني رسمي لوزير الأوقاف في أوائل عام 2008، حيث تمّ إنشاء “مكتب التعليم الديني للمرأة”.

تناوب النظام السوري في ظلّ حكم الأسد على سياسات المواجهة والقمع القاسي من جهة، ومن جهة أُخرى على سياسة استمالة مُختَلَف الحركات الإسلاميّة في سوريا، واستمر بهذه السياسات حتى اليوم. على سبيل المثال، في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، قمع النظام بعض الجماعات الإسلاميّة وحاول الحدّ من استقلاليتها ونفوذها الذي اكتسب أهميّة متزايدة في السنوات السابقة.

على أيّ حال، لقد كانت هُناك سياسة عامة وتقارب مع طبقات المجتمع الدينيّة المحافظة، الأمر الذي تزامَنَ مع الرقابة على الأدب والفن، والترويج للأدب الديني الذي ملأ رفوف المكتبات وأسلمة مجال التعليم العالي. في الوقت نفسه، تمّ اتهام الناشطات والجماعات النسويّة علنًا من قِبَلْ الحركات الدينيّة المحافظة المقرّبة من النظام بتهمة السعي إلى تدمير أخلاق المجتمع، ونشر القيم الغربيّة، مثل فكرة الزواج المدني، وحقوق المثليين والمثليات، والحريّة الجنسية الكاملة. على سبيل المثال، في 11 نيسان 2005، شنّ الشيخ البوطي هجومًا عنيفًا على حقوق المرأة والناشطات النسويّات، واصفًا إياهُن بـ”العملاء القذرين” و”الخونة” و”الأقزام” و”العبيد الذين يسعى أسيادهم لاجتثاث الحضارة الإسلاميّة من جذورها”. وفي عام 2010، قام العديد من رجال الدين المُسلمين مثل الشيخ أسامة الرفاعي، الموجود الآن في المنفى بسبب معارضته للنظام حيث أسّس المجلس الإسلامي السوري، والشيخ راتب النابلسي، الذي لم يُعارض النظام، بتصوير اللجنة المعنية بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) كـ”تهديد خطير لحياة السوريين وأخلاقهم وقيمهم الدينيّة”، وذلك مع دعم التحفظات العديدة التي قدمها النظام، والتي تؤثر على البنود الرئيسيّة لمعاهدة الوقوف ضدّ معارضة الحركات النسويّة. على سبيل المثال، تمّ إبداء تحفظات على المادة الثانية من اتفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، التي تُلْزم الدول الأطراف على وجه الخصوص، بتكريس مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الدساتير الوطنيّة والتشريعات المناسبة الأُخرى، وضمان القانون من خلال الوسائل المناسبة، بما في ذلك العقوبات عند الحاجة إليها، لحظر جميع أشكال التمييز ضد المرأة.(5) وفي عام 2012، أشارت الحكومة السوريّة مرة أخرى في تقاريرها الدورية إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة إلى الصعوبات في تعديل قانون الأحوال الشخصيّة، بالقول إنّه “بينما تحلّ الاتفاقيات الدوليّة محل القوانين الوطنيّة، إلّا أنّها لا تُلغي القانون الإلهي”.(6)

مع اندلاع الثورة، ظلّ استخدام الدين الإسلامي عنصرًا أساسيًا في دعاية النظام، حيث قام دائمًا بتقديم الدولة السوريّة على أنّها تروّج للإسلام المُعتدل والصحيح في مواجهة الممارسات “المُتطرفة” و”المُتَعصبة”. في أيلول 2011، أشار بشار الأسد إلى أنّ الأسباب الكامنة وراء “الأحداث” في سوريا تكمن في المُعتَقَد الديني والإشارة إليها بـ”أزمة الأخلاق”.(7) وجدّد بشار الأسد في خطابه في 7 كانون الأول 2020 أنّ الأزمة هي نتيجة لفهمٍ سيء أو سوء فهم للمعتقدات الدينيّة. وفي الوقت نفسه، اتهم المُتظاهرين الأوائل عام 2011 الذين خرجوا من المساجد وهتفوا “الله أكبر” بأنّهم مُلحدين، في محاولةٍ لتشويه سمعتهم.

العلمانيّة غائبة في قوانين سوريا، بينما يتم استخدام المُحافظة كأداة للسيطرة على السكان

“لكن الدين هو القانون الذي يُسيّطِر على المجتمع. القانون يضبط العلاقات بين الناس بالمعنى المؤسسي بينما يقوم الدين بالسيطرة عليهم بالمعنى الذاتي والأيديولوجي”. – بشار الأسد 7 كانون الأول 2020.

تنعكس هذه الجملة في الواقع في تشريعات الدستور والتشريعات السوريّة المليئة بخصائص دينيّة مختلفة أو يتم الإشراف عليها من قِبَلْ المؤسسات والمبادئ الدينيّة. لذلك لا مساواة بين الطوائف والجماعات العرقيّة. في البلاد، توجد حقوق وواجبات مختلفة وفقًا للهويّة الدينيّة للفرد والعرق؛ ويبقى الأمر نفسه صحيحًا بعد سنوات من الحرب.

على سبيل المثال، ينص دستور 2012 على أنّ الرئيس يجب أن يكون رجلًا مُسلِمًا وأنّ “الشريعة هي المصدر الرئيسي للقانون”، وهذا البند تمييزيّ تجاه الطوائف الدينيّة الأخرى والنساء. لا يتضمن هذا الدستور أيّ نص لإلغاء التمييز أو العنف ضدّ المرأة ولا يضمن المساواة للمرأة كمواطنة كاملة في الدولة، بينما يؤكد سلطة المرجعيات الدينيّة في إدارة حياة السوريين من خلال هذا المقطع الذي ينص على أنّ “الأحوال الشخصية محميّة وخاضعة لكلّ طائفة دينيّة “. هذه المادة تقسم المواطنين بحكم الواقع إلى طوائف وتُخضِعهُمْ لأنظمةٍ دينيّة وطائفيّة وقانونيّة مختلفة. هناك في سوريا ثمانية قوانين مختلفة للأحوال الشخصيّة، كلّ منها يُطَبّق حسب المذهب الديني للفرد. تتبع الطوائف المسيحيّة والدروز قوانينها الخاصة، بينما تستند قوانين الأحوال الشخصيّة لبقية السكان المسلمين في سوريا على تفسيرٍ سُنّي مُعيّن للشريعة الإسلاميّة والفقه الحنفي ومصادر إسلاميّة أُخرى. تشمل هذه القوانين أيضًا تمييزًا كبيرًا ضدّ المرأة، وبعضها يحافظ على ممارسات ضارّة.(8) وبشكلٍ أكثر عموميّة، فإنّ قوانين الأحوال الشخصيّة السوريّة، كما قالت المحاميّة السورية دعد موسى، “تستند إلى مبدأ أنّ الرجل هو ربّ الأسرة، مما يُقوّض حقوق المرأة كإنسانة”. على سبيل المثال، تحجب المادة 548 من قانون العقوبات الكاملة لما يُسمّى “جرائم الشرف”.(9) ومثال آخر هو “الاغتصاب القانوني” للمادة 489، والذي يسمح للزوج بفرض نفسه على زوجته.(10) الزواج مؤسسة دينيّة وينطوي بذلك على قيود معينة. كما لا يسمح القانون للأمهات السوريات بمنح الجنسية لأبنائهن.

على نفس المنوال، فإنّ الهويّة العرقيّة العربيّة هي الهويّة الأسمى في سوريا بحسب الدستور، بينما يتم التعامل مع الآخرين على أنّهم هويات تابعة أو شبه ممنوعة، مثل الهويّة الكرديّة. عانى السكان الأكراد في سوريا من سياسات تمييزيّة وقمعيّة على المستويات السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة منذ استقلال سوريا في العام 1946. وفي خطابه في كانون الأول 2020، كرّر بشار الأسد هذا الموقف من خلال توضيح أنّ الإسلام والهويّة العربيّة هُما أساس الهويّة الوطنيّة السوريّة.

هذا يتعارض مع مفهوم الدولة العلمانيّة. كحدٍ أدنى، يشمل مفهوم العلمانيّة الفصل بين الدولة والدين، وحياد الدولة تجاه المؤمنين وغير المؤمنين والأعراق المختلفة، بما في ذلك الحياد في توزيع الموارد أو الفُرَص. الدين والمؤسسات الدينيّة لا تحكم ولا تفرض قوانينها على المجتمع، بينما لا تتميّز أيّ عقيدة دينيّة عن غيرها. في الوقت نفسه، تضمن حريّة الأديان حق المؤمنين في ممارسة دياناتهم، وحق غير المؤمنين في عدم الاعتقاد أو ممارسة أيّ عقيدة دينيّة.

إن نظام القوانين هذا، وهذا الإطار السياسي، الذي يتم تنظيمه على أسس دينيّة وعرقيّة وأبويّة، ضروريان للحفاظ على الانقسامات داخل المجتمع. وهكذا، على الرغم من ادعاءات هذا النظام “الحديث” المُفترضة، إلّا أنّه في الواقع له مصلحة في الحفاظ على مثل هذه القوانين كأداة للانقسام والسيطرة.

علاوة على ذلك، كانت الطائفيّة أيضًا أداة رئيسيّة يستخدمها النظام للسيطرة على الشعب السوري وتقسيمه. استخدم النظام السوري منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970 سياسات استغلال الطائفية والهويّات الأصليّة كسلاح لتقسيم السوريين على أسس دينيّة وعرقيّة، مع تطوير سياسة مزدوجة لقمع المنظمات الشعبيّة المدنيّة والعلمانيّة والأحزاب السياسيّة المستقلة. لقد سمح فقط للمنظمات البديلة بالتطور تحت سيطرة النظام، كما قام عبر التاريخ السوري المعاصر وبطرقٍ مختلفة بتعزيز الهويّات الطائفيّة والأصليّة، بما في ذلك القبليّة. علاوة على ذلك، هناك تاريخ طويل من العلاقات بين نظام الأسد والجماعات الأصوليّة الإسلاميّة في سوريا وخارجها، فضلًا عن استغلاله للجماعات الجهاديّة في أوقاتٍ مختلفة، بما في ذلك أثناء احتلال العراق بقيادة الولايات المتحدة.

تقويّة المؤسسات الدينيّة

“المؤسسة الدينيّة كانت المُساعد للجيش… لو فشل الجيش لانتصر الإرهاب، ولو فشلت المؤسسة الدينيّة لانتصرت الفتنة” – بشار الأسد 7 كانون الأول 2020.

أشاد بشار الأسد في خطابه يوم السابع من كانون الأول الفائت بدور وزارة الأوقاف خلال الحرب، التي طهّرَت على حدّ تعبيره المدن السوريّة “المُحَرّرة” من التخلف والتعصب والكفر، من خلال تعليم الرسالة الإسلاميّة الصحيحة ونشرها.

تمّ استخدام وزارة الأوقاف، وغيرها من الجمعيات الدينيّة الإسلاميّة الموالية للنظام، ورجال الدين الآخرين من الطوائف الإسلاميّة والمسيحيّة الأخرى، لتكُن أحد شبكات السلطة المختلفة في دمشق من أجل السيطرة على المجتمع. لإظهار رمزيّة وأهميّة هذه الشبكة من رجال الدين بالنسبة للنظام، شارك رجال الدين من مختلف الديانات والمذاهب بطريقة إعلاميّة للغاية في المسيرات والمظاهرات العامة التي نُظّمَت لدعم “إعادة انتخاب” بشار الأسد في شهر أيار من العام 2021، ولإظهار “وحدة الشعب السوري” بكلّ مكوناته ووقوفه “خلف زعيمه”. لعبت وزارة الأوقاف دورًا رائدًا في تعبئة رجال الدين السُنّة، وطلبت من خطباء المساجد التأكيد على ضرورة المشاركة في الانتخابات “كإحدى مُتممات الإيمان”، ونظّمت اجتماعات عامة لرجال الدين السُنّة وأعضائهم في عدّة مدن من البلاد، بما في ذلك دمشق، وحمص وحماة وحلب.(11)

خلال الصراع، استخدم النظام رجال الدين السُنّة على سبيل المثال كجزءٍ ممّا يُسمى باتفاقات المصالحة مع مجموعات المعارضة، مع توسيع الشبكات الدينيّة المحليّة الموالية للنظام في المناطق التي استعادها، وذلك من أجل تعزيز قبضته على المؤسسات الدينيّة. يقود إحدى هذه الشبكات الدينيّة الموالية للنظام نجل وزير الأوقاف محمد عبد الستار السيد تحت مُسمى (فريق الشباب الديني)، وهو منظمة تطوعيّة أنشأتها الوزارة في عام 2016 ليتم حشدها بعلماء دين شباب وشابات تتراوح أعمارهم بين الخامسة والعشرين والأربعين عامًا، يقومون بمكافحة “التطرف” والترويج لخطابٍ دينيّ “مُعتَدل”. نظّم الفريق دورات تدريبيّة ومؤتمرات في جميع أنحاء البلاد، كما يتمتع الفريق بإمكانيّة كبيرة للوصول بما في ذلك برنامج أسبوعي مُخصّص على قناة نور الشام التلفزيونيّة التابعة للوزارة. من خلال هذه الشبكة، يمكن للأعضاء التمتع بمزايا سياسيّة وأمنيّة، بما في ذلك التعيينات والتصاريح للأنشطة الدينية. وهذا يسمح للنظام ببناء جيل جديد من رجال الدين المرتبطين بدمشق.(12)

من هذا المنظور، تمّ تعزيز دور وزارة الأوقاف، وتحديدًا وزيرها مُفتي طرطوس محمد عبد الستار السيد منذ عام 2007، فمن خلال المرسوم رقم 16 تمّ توسيع مسؤوليّات الوزارة وهياكلها الداخليّة، وذلك لمكافأة الوزارة والجماعات الدينيّة التي قدمت الدعم للنظام خلال الثورة. كما وسّع المرسوم صلاحيات الوزارة على مختلف المستويات، الوزارة التي كانت أيضًا أداة لمحاولة منع التعبئة الدينيّة غير المُنضَبِطة. أولاً، سُمِح للوزارة من خلال هذا المرسوم بإنشاء مؤسساتها التجاريّة الخاصة، والتي سيذهب دخلها مباشرة إلى خزينتها دون المرور عبر البنك المركزي أو وزارة المالية، ممّا يمنحها الاستقلال المالي الكامل. يمكن للوزارة الآن الاستعانة بمصادر خارجيّة لممتلكاتها وإقامة مشاريع سياحيّة (مطاعم وفنادق ومقاهي) وتأجير أراضيها للمستثمرين. كما نص المرسوم رقم 16 على إعفاء ضريبي كامل للعاملين في المجال الديني وإعفاء ضريبي لأملاك الوقف التابعة للوزارة. كانت وزارة الأوقاف بالفعل أغنى مؤسسة في سوريا بسبب التدفق المستمر للأموال الخيريّة ومساحاتها الكبيرة من الممتلكات والتي تمّ تسجيلها كأوقاف دينيّة منذ زمن الإمبراطوريّة العثمانيّة.

كما سمح المرسوم للوزارة بإدارة المؤسسات الماليّة والتعليميّة، بالإضافة إلى تنظيم الإنتاج الفني والثقافي وتفويض مجموعة تسمى “الشباب المُتَدَيّن” بتدريب الدُعاة والإشراف عليهم، ومعارضة الإجراءات المُخالفة لأعرافٍ مُعيّنة، وبجمع الزكاة. وأنشأت الوزارة مدارس شرعيّة في المساجد ومجالس دينيّة مستقلة عن وزارتي التربية والتعليم العالي، وذلك للتدريس ما قبل الجامعيّ. ممّا أدى إلى تعزيز دور الوزارة، على حساب المفتي العام، ضمن صراع على النفوذ والمزايا الماديّة بين المؤسستين الدينيتيّن السنيّتين (بما في ذلك السيطرة على التبرعات الماليّة للجمعيات الخيرية الدينيّة). يُخوّل المرسوم وزير الأوقاف تعيين مُفتي الجمهورية، وهو حق كان مُخوّلًا سابقاً لرئاسة الجمهوريّة، ويحدّد مدته بثلاث سنوات قابلة للتجديد فقط بموافقة الوزير، مع إلغاء حق المفتي في رئاسة مجلس الأوقاف الأعلى وهو حق يتمتع به جميع المفتين منذ عام 1961، حيث تمّ إعطاء المنصب للوزير. لاقى المرسوم معارضة وانتقادات كبيرة من دوائر المعارضة الموالية والديمقراطيّة على حدٍ سواء، مُستَنكرين تعميق عملية أسلَمِة المجتمع السوري. خضع المرسوم لتعديلات عديدة من قبل النواب حدّت من بعض صلاحيات الوزارة (بما في ذلك الإعفاء الضريبي للعاملين في الشؤون الدينيّة أو إمكانيّة تعيين أجانب كموظفين مدنيين في الوزارة) لكنه أكد توسيع نفوذ الوزارة في المجتمع.

أخيرًا، في تشرين الثاني 2021، تمّ إلغاء منصب المفتي بمرسوم رئاسي، وعزّز هذا القرار دور المجلس العلمي الفقهي ووسّع صلاحياته، والمجلس هو مؤسّسة تابعة لوزارة الأوقاف، ممّا أكدت هيمنتها على المستوى المؤسسي الديني.

يمكن رؤية هذا التوَجّه للمزيد من أسلمة المجتمع في الشبكات الأخرى التابعة للدولة، بينما يستمر حزب البعث وكوادره في استخدام المزيد من الخطابات الدينيّة في أنشطتهم. على سبيل المثال، يقوم الاتحاد الوطني لطلاب سوريا، وهو مؤسسة تاريخيّة مرتبطة بالبعثيين، برعاية وِرَش عمل دينيّة ويعقد نقاشات حول كيفيّة تحديث الخطاب الديني وتجديده كشرط أساسي لإصلاح أولئك الذين كانوا تحت تأثير الخطاب التكفيري أو الذين يعيشون خارج سلطة الحكومة.(13)

خاتمة

تمّ إنشاء الدولة الوراثيّة الحديثة تحت قيادة حافظ الأسد بعد وصوله إلى السلطة في عام 1970 وعزّزها بشار الأسد بشكلٍ كبير منذ عام 2000. في هذا السياق، كانت الدولة السوريّة تحت حكم الأسد، والتي أولًا وقبل كلّ شيء، فرضت هيمنتها على المجتمع باستخدام القمع الوحشي وأدوات أخرى مثل النقابات، والطائفيّة، والعنصريّة، والفساد، والمحسوبيّة، إلخ … والتي كانت تُدار من خلال شبكات غير رسميّة للسلطة ومن خلال المحسوبيّة. سمحت هذه الأدوات للنظام بدمج أو تعزيز أو تقويض الجماعات التي تنتمي إلى أعراق وطوائف دينيّة مختلفة. تُرجِم ذلك على المستوى المحلي من خلال تعاون جهات فاعلة مختلفة خاضعة للنظام، بما في ذلك مسؤولي الدولة أو البعث وضباط المخابرات وأعضاء بارزين في المجتمع المحلي (رجال الدين وأعضاء القبائل ورجال الأعمال، إلخ)، الذين قاموا بإدارة مناطق محليّة مُعيّنة.

ضمن هذا السياق، افتقر النظام إلى أيّة هيمنة أيديولوجيّة حقيقيّة، وكثيرًا ما لجأ الأسد إلى الانتقائيّة في محاولة لجذب أكبر عدد ممكن من الرموز والجماعات. تبَنّى النظام السوري وروّجَ طوال العقود الماضية لخطابٍ دينيّ مُحافظ، فضلًا عن الممارسات، وذلك جنبًا إلى جنب مع تبني سياسات اقتصاديّة ليبرالية جديدة، بما يتناقض مع الخطاب البعثي الأصلي بشأن “الاشتراكيّة” و”العلمانيّة”، الأمر الذي يُعطي الدليل على انعدام الهيمنة.

بالتالي، فإنّ نظام الأسد بعيد كلّ البعد عن كونه العلماني أو مُدافع عن تعدديّة المجتمع السوري. علاوة على ذلك، لا ينبغي فصل أيّ مشروع علماني في سوريا، أو في أيّ مكان آخر، عن النضال الجماعي الأوسع من أجل الديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة والمساواة. لا يمكن للعلمانيّة أن تُوجَد دون ديمقراطيّة، والعكس صحيح. يجب ألا تُفَرّق العلمانيّة بين مختلف الطوائف والأعراق، بين المؤمنين وغير المؤمنين، رجالًا ونساءً. من هذا المنظور، فإنّ الترويج لدولة علمانيّة هو مفتاح لمواجهة الطائفيّة والعنصريّة والتمييز على أساس الجنس ورُهاب المثليّة الجنسيّة. وفي الوقت نفسه، العلمانيّة ضمانة ضدّ اضطهاد الدولة وضدّ فرض فهم واحد للدين على جميع المؤمنين.

العلمانيّة هي الخطوة الأولى نحو تحدي هذه التشكيلة من التمييز، وبالتالي فهي مَطلَب ديمقراطي رئيسي. في هذا الإطار، فإنّ النضال من أجل العلمانيّة، إلى جانب المكوّن الآخر المذكور أعلاه، هو أيضًا صراع ضدّ الأفكار السائدة للأنظمة الاستبداديّة والحركات الأصوليّة الدينيّة.

الهوامش:

(1 )Khatib Line (2011), ‘Islamic Revivalism in Syria, The rise and fall of Ba’thist secularism’, London and New York, Routledge Studies in Political Islam

(2) See Pierret, Thomas (2011), ‘Baas et Islam en Syrie’, Paris, PUF; Imady, Omar, (2016) ‘Organisationally Secular: Damascene Islamist Movements and the Syrian Uprising’ Syria Studies, Vol. 8, No. 1, pdf. Pp.66-91; Lefèvre, Raphael (2013), ‘The Ashes of Hama, the Muslim Brotherhoods in Syria’, London: Hurst

(3) Khatib Line (2011), ‘Islamic Revivalism in Syria, The rise and fall of Ba’thist secularism’, London and New York, Routledge Studies in Political Islam

(4)  Ruiz de Elivra, L. (2013). “Chapter 4: Syrian Charities at the Turn of the Twenty-First Century: Their History, Situation, Frames, and Challenges,” in Kawakibi S. (ed.), Syrian Voices from Pre-Revolution Syria: Civil Society Against All Odds, HIVOS and Knowledge Programme Civil Society in West Asia (pdf). Available at: https:// hivos.org/sites/default/files/publications/special20bulletin202-salam20kawakibi20 _6-5-13_1.pdf (accessed March 4, 2014), pp. 30

(5)  See Kannout, Lama (2016), ‘In the Core or on the Margin: Syrian Women’s Political Participation,’ UK and Sweeden, Syrian Feminist Lobby and Euromed Feminist Initiative EFI-IFE

(6)  United Nations, Committee on the Elimination of Discrimination against Women, Consideration of reports submitted by State Parties under article 18 of the Convention, Second periodic report of States parties, Syria, 24 July 2012, CEDAW/C/SYR/2- 25 October 2012, p.13

(7)  Rahaf al-Doughli (2020), « Departing ‘Secularism’: boundary appropriation and extension of the Syrian state in the religious domain since 2011 », British Journal of Middle Eastern Studies, https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/13530194.2020.1805299

(8) ” See Mousa, Syrian Personal Status Laws (Beirut: Friedrich Ebert Stiftung, 2018), http://library.fes.de/pdf-files/bueros/beirut/14969.pdf.

(9)  For a discussion, see “Syria: Situation Report on Violence against Women,” EuroMedRights, November 2017, https://euromedrights.org/wp-content/uploads/2017/11/Factsheet_VAW_Syria_EN_Nov2017.pdf. Most of the time, honor crimes are not penalized or receive a maximum of five to seven years

(10)  The text of Article 489 is as follows: “Anyone who uses violence or threat to force a person other than his spouse to engage in sexual intercourse shall be punished with a minimum of five years of hard labor.” See “Initial Report of States Parties: Syria,” United Nations Committee on the Elimination of Discrimination against Women, August 29, 2005, https://www.refworld.org/country,,,STATEPARTIESREP,SYR,,4537782e0,0.html.

(11) Wartime and Post-Conflict in Syria Project’s Team (2021). “Networks, Mobilisation and Resistance in the 2021 Presidential Election in Syria”, Research Project Report, (Florence: European University Institute, Middle East Directions, Wartime and Post-Conflict in Syria), Mai, https://bit.ly/3qR5BLi

(12) Pierret, Thomas et al-Refaai, Layla (2021), “Religious Governance in Syria Amid Territorial Fragmentation”, Carnegie, https://bit.ly/3rXEEG4

(13)  Rahaf al-Doughli (2020), « Departing ‘Secularism’: boundary appropriation and extension of the Syrian state in the religious domain since 2011 », British Journal of Middle Eastern Studies, https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/13530194.2020.1805299

ناشط سياسي، له منشورات بالعربية والفرنسية والانكليزية. يدوّن في SyriaFreedomForever (سوريا حرية للأبد). نال درجة الدكتوراة من كلية الدراسات الآسيوية والمشرقية (سواس) بلندن. ركزت رسالته على المادية التاريخية وحزب الله. يعيش د. ضاهر في سويسرا، حيث يدرس في جامعة لوزان.

تنشر هذه المادة بالتعاون بين موقع حكاية ما انحكت ومجلة دار الناطقة باللغتين العربيّة والنرويجيّة

حكاية ما انحكت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى