العدالة الانتقالية تحديث 16 كانون الثاني 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
عن ضرورة إدراج منظور اجتماعي-اقتصادي في العدالة الانتقالية/ جوزيف ضاهر
تَركّز السلطة في يد الرئاسة يحدّ من الرقابة المستقلة
12 كانون الثاني 2026
بعد مرور أكثر من عام على سقوط نظام الأسد، لا تزال عملية العدالة الانتقالية الشاملة والكاملة غائبة. وقد انتقدت منظمات حقوق الإنسان السورية تقاعس السلطة السورية في هذا الملف.
على سبيل المثال، انتقدت المرسوم رقم (20) الصادر في 17 مايو/أيار 2025، والذي شكّل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، المُكلّفة بالتحقيق في الانتهاكات الجسيمة المنسوبة إلى النظام السابق، متجاهلةً في الوقت نفسه الانتهاكات واسعة النطاق التي ارتكبتها جهات أخرى في سوريا. يتناقض منطق العدالة الانتقائية هذا مع مبادئ المساواة وعدم التمييز، ويستبعد شريحة واسعة من الضحايا من نطاق اختصاصها. علاوة على ذلك، اتهمت هذه المنظّمات السلطة الجديدة بموجب هذا المرسوم بالمساهمة في “تكريس مناخ من الإفلات من العقاب، ما يسمح لمختلف الأطراف والقوى العسكرية التي لا تزال تنشط بشكل مستقل أو تحت مظلة وزارة الدفاع بمواصلة ارتكاب انتهاكات جسيمة، بما في ذلك القتل خارج إطار القانون، والخطف والإخفاء القسري والاعتقال التعسفي والابتزاز والاغتصاب،”.[1]
من الواضح أنّ الرئيس المؤقّت أحمد الشرع وحلفائه في السلطة لا يرغبون بآلية شاملة للعدالة الانتقالية، خشية أن يعرّضهم ذلك للمساءلة عن جرائمهم وانتهاكاتهم بحقّ المدنيين ومختلف فئات المجتمع قبل سقوط النظام وبعده، بما في ذلك المجازر التي ارتُكبت بحق المدنيين في المناطق الساحلية والسويداء.
في هذا السياق، من المهم لمنظّمات حقوق الإنسان والناشطين السوريين مواصلة إثارة هذه القضية لتحقيق العدالة للضحايا، وتعزيز السلم الأهلي، وتخفيف حدّة التوتّرات الطائفية في المجتمع.
مع ذلك، لا يُطرح البُعد الاجتماعي والاقتصادي لعملية العدالة الانتقالية الشاملة في كثير من الأحيان من قِبل منظمات حقوق الإنسان السورية، والمجتمع المدني، والأحزاب السياسية، وهو غائبٌ عموماً عن الخطاب العام.
في تقرير نُشر عام ٢٠٢٥، كتب المقرّر الخاص برنارد دوهايم عن ضرورة تعزيز “التقاطع بين العدالة الانتقالية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية” للدول “التي تنتقل من الصراع أو الحكم الاستبدادي… عند التفاوض على عمليات العدالة الانتقالية وتصميمها وتنفيذها”.
ذكر المقرِّر الخاص للأمم المتحدة، على سبيل المثال، أنّه “ينبغي للدول ضمان معالجة الانتهاكات الجسيمة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كجزء من عمليات العدالة الانتقالية”. وأضاف المقرِّر أنّ لجان تقصّي الحقائق وغيرها من آليات تقصي الحقائق يجب أن تحدّد هذه الانتهاكات الجسيمة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأن تعترف بها، وأن تحلّلها، وأن توثّقها. ولضمان فعاليتها، يجب منح هذه الهيئات الولاية والقدرات والموارد اللازمة لإنجاز مهامها.
ينبغي أن تكون استعادة أصول الدولة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المالية الخطيرة أولوية، بما في ذلك الجهود المبذولة للتنديد بعمليات خصخصة أصول الدولة والأصول العامة، أو توزيع الأراضي والممتلكات والعقود العامة على رجال الأعمال المُرتبطين بنظام الأسد السابق، على حساب مصالح الطبقة الشعبية والمجتمع والقطاع العام.
على النقيض من ذلك، وبدلاً من مقاضاة رجال الأعمال المُرتبطين بنظام الأسد السابق والمتورطين في جرائم مالية واقتصادية كبرى، أبرمت السلطة الحاكمة اتفاقيات مصالحة مع العديد منهم.[2] تشمل هذه الاتفاقيات شخصيات بارزة من الدائرة المقرّبة للأسد، مثل محمد حمشو، الحليف المقرّب تاريخياً من النظام، والذي يعتبر واجهة اقتصادية لماهر الأسد؛ وسمير حسن، المعروف بدوره في الشبكات المالية الغامضة للنظام؛ وعصام شموط، مالك شركة “أجنحة شام”، شركة الطيران الخاصة الوحيدة في سوريا (التي تُعرف الآن باسم “فلاي شام”)؛ وسليم دعبول، مالك ما لا يقل عن 25 شركة، وهو نجل محمد ديب دعبول، الذي شغل منصب السكرتير الشخصي لحافظ الأسد لمدّة 40 عاماً. لم تُتخذ أيّ إجراءات قانونية لمقاضاة هؤلاء الأفراد بتهم ارتكاب جرائم اقتصادية أو لاسترداد ثرواتهم لصالح الدولة ومواطنيها.[3]
في المقابل، وافقت هذه الشخصيات على التنازل عن جزء من ثرواتها. إلا أنّ السلطة الحاكمة لم تتبع أيّ إجراءات شفافة بشأن اتفاقيات المصالحة هذه.
أعلنت الهيئة في بيانٍ نُشر على موقعها الإلكتروني الرسمي، أن التسوية جاءت بعد “تحقيقات موسعة وفحص شامل للأصول والإقرارات المالية المقدمة من السيد حمشو”،[4] وبهدف “تحقيق العدالة الاقتصادية وضمان شفافية الأصول والممتلكات لدى رجال الأعمال الذين يشتبه في اكتسابهم للحسابات والمصالح من قربهم من النظام السابق.” و”البرنامج يوفر فرصة فريدة لتسوية الأوضاع القانونية والضريبية أمام الذين لديهم ما يستوجِب الإفصاح، وذلك بدون المساس بحقوق الدولة ولا تجاوز إطار القانون”. وأوضحت الهيئة أنّ التسوية تُمنح لمن يثبت أن ثروته مُكتسبة بطرقٍ مشروعة. يسعى البرنامج إلى تعزيز الشفافية في البيئة الاقتصادية، وتشجيع الاستثمار، وحماية الاقتصاد الوطني من مظاهر التربّح غير المشروع، بالإضافة إلى استعادة الحقوق المالية للدولة.
فما هي النسبة المئوية التي تمّ الاستيلاء عليها من ثروات هؤلاء رجال الأعمال؟ وأين وُجّهت هذه الأموال؟ هل وُضعت في الصندوق السيادي؟ أم في ميزانية الدولة؟ برامج أو استثمارات حكومية عامة محددة؟ أم لإثراء المقرّبين الجدد من رجال الأعمال؟
كما أنّ غياب الشفافية والعدالة في الجرائم الاقتصادية يُتيح للسلطة السورية الحاكمة الجديدة الإفلات من العقاب.
برز حازم الشرع، شقيق الرئيس المؤقّت، بشكلٍ مُتزايد كشخصية محورية في الشؤون الاقتصادية وإدارة النخب التجارية. وقد رافق أحمد الشرع في أولى زياراته الخارجية إلى السعودية وتركيا، وعُيّن رسمياً نائباً لرئيس المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية في سوريا. وكشف تحقيق أجرته وكالة رويترز أنّ حازم الشرع، برفقة لجنة صغيرة، مسؤول عن إعادة تشكيل الاقتصاد السوري من خلال عمليات استحواذ سرّية على شركات كانت مملوكة لرجال أعمال موالين لنظام الأسد السابق. ووفقاً للتحقيق، سيطرت هذه اللجنة على أصول تزيد قيمتها عن 1.6 مليار دولار من رجال أعمال وشركات كانت تابعة لنظام الأسد السابق. علاوة على ذلك، تتمثّل مهمّة حازم الشرع الرئيسية في إدارة العلاقات مع رجال الأعمال المحليين واستقطاب آخرين مُقيمين خارج البلاد، إلى جانب إدارة الاستثمارات وصناديق التنمية.
وبالمثل، في قطاع الاتصالات، أصبحت شركة سيرياتل، إحدى أكبر الشركات الخاصة في سوريا وأكبر شركة اتصالات في البلاد، خاضعة لسيطرة اللجنة التي يرأسها حازم الشرع، من خلال عضو معيّن كموقّع. إضافةً إلى ذلك، استأنفت شركات كانت مملوكة سابقاً لشخصيات مرتبطة بالقصر الجمهوري السابق،[5] مثل البرج وأوبال، عملياتها تحت اسم جديد هو شركة المُجتهد التقنية. وبرأس مال اسمي مسجل لا يتجاوز 50 مليون ليرة سورية (4545 دولاراً أمريكياً)، لا تزال ملكية الشركة غامضة. وكان قطاع الاتصالات في سوريا يُدرّ ما لا يقلّ عن 12% من دخل الدولة قبل سقوط نظام الأسد.
بشكل عام، أنشأت السلطة الحاكمة الجديدة مؤسسات اقتصادية جديدة، تُركّز السلطة في يد الرئاسة، مما يحدّ من الرقابة المستقلة، بما في ذلك المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، وصندوق الثروة السيادية، وصندوق التنمية. وفي كلّ حالة، تتركّز صلاحيات ومسؤوليات كبيرة في يد الرئاسة، مع وجود آليات ضئيلة للرقابة أو المُساءلة، لا سيما في ظلّ عدم تشكيل البرلمان بعد. وبالمثل، تشرف لجنة التوريد والمشتريات، المُنشأة تحت إشراف الأمين العام للرئاسة، والتي يُسيطر عليها شقيق الرئيس، على جميع المُشتريات الداخلية والخارجية للمؤسّسات الحكومية، ما قد يمنحها سيطرة على عقود بمليارات الدولارات. كما أنّ إنشاء شركة النفط السورية في أكتوبر/تشرين الأول 2025، التي دمجت جميع مؤسسات النفط المملوكة للدولة في كيان واحد، قد وسّع نطاق سيطرة الرئاسة، بما في ذلك التعاقد والاستخراج والتكرير والتوزيع في قطاع النفط والغاز.
في إطار هذا التوجّه، شُكّلت “اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير” في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني بهدف الإشراف على عمليات الاستيراد والتصدير. وتخضع هذه اللجنة الوطنية لسلطة الأمين العام لرئاسة الجمهورية، ويرأسها رئيس الهيئة العامة للموانئ والجمارك، وتضم في عضويتها خمسة نواب وزراء ومدير الجمارك. وقد تُفضّل هذه اللجنة بسهولة التجار المقربين من السلطة الحاكمة الجديدة.
لذا، وخلافاً لما يؤكّده بعض الاقتصاديين ومؤيّدي السلطة الحاكمة الجديدة، لا تزال ديناميكيات الفساد وتمركز السلطة مُتجذّرة بقوّة في أعلى مستويات الدولة.
بدلاً عن تشجيع التبرّعات التي يقدّمها رجال الأعمال الذين كانوا على صلة بنظام الأسد السابق والمتورطون في جرائم اقتصادية،[6] ينبغي محاسبتهم على هذه الجرائم. بعبارة أخرى، يجب مصادرة ثرواتهم ومكاسبهم بطرق غير قانونية وأصولهم لصالح المجتمع ككلّ وموارد الدولة. وقد جمعوا ثرواتهم عموماً بطرق غير قانونية أو من خلال علاقاتهم بالنُخب الحاكمة السابقة.
ينبغي لعملية واضحة وشفافة، بقيادة لجنة ديمقراطية شاملة من المهنيين، إعادة تقييم العقود السابقة وبرامج الخصخصة، فضلاً عن بيع جزء كبير من أراضي الدولة وممتلكاتها الخاصة الكبيرة. وقد استفاد رجال أعمال مرتبطون بالنظام السابق بشكل غير متناسب من العديد من هذه العمليات، ممّا أدى إلى تحويل إيرادات الدولة بشكل كبير إليهم. ومن شأن إعادة التقييم الشاملة أن تكشف أيّ مخالفات أو أصول مُكتسبة بطرق غير مشروعة. وفي حال ظهور مثل هذه النتائج، ينبغي تأميم الشركات المعنية ووضع إدارتها تحت سيطرة العمال مباشرة، مع مصادرة الدولة لأصول وثروات رجال الأعمال.
ينبغي تطبيق آليات مُماثلة لتخصيص العقود والتمويل الحكومي من قبل السلطة الحاكمة الحالية. تُعلن مذكرات التفاهم بين دمشق وشركات أو دول أجنبية خاصة علنًا، لكن التفاصيل الجوهرية، مثل عمليات الاختيار ومعايير وشروط منح العقود، تبقى طي الكتمان. ويعاني تخصيص عقود الدولة للشركات السورية الخاصة من مشاكل مماثلة. فعلى سبيل المثال، اعتمدت وزارة المالية في أبريل/نيسان 2025 شركة “شام كاش” كوسيلة وحيدة لدفع رواتب الموظفين الحكوميين والمتقاعدين. وقد أنشأت هيئة تحرير الشام بنك “شام” في إدلب عام 2020، وهو مسجّل في تركيا. وكان هذا القرار مُثيراً للقلق بشكل خاص لأنّ مصرف سوريا المركزي لا يعترف ببنك “شام” كمؤسسة مالية مرّخصة. علاوة على ذلك، يدير بنك “شام” محمد عمر قديد، الذي يشغل منصب رئيس هيئة الرقابة المالية المركزية، على الرغم من عدم وجود إعلان رسمي مُسبق عن تعيينه. ويُذكر أنّ قديد شخصية مؤثّرة داخل هيئة تحرير الشام منذ سنوات، وكان يُعرف سابقاً باسم عبد الرحمن زربة. يرتبط اسم قديد أيضاً بقضايا أخرى خصّصت له فيها السلطة الحاكمة الجديدة عقوداً حكومية في محاولة واضحة لتركيز الثروة والنفوذ في أيدي شخصيات مرتبطة بهيئة تحرير الشام. وتتعلّق القضية الأبرز بشركة طيبة للبترول، المملوكة لقديد، والتي يُقال إنها تخطّط للاستحواذ على إدارة جميع محطات الوقود التابعة لشركة محروقات، وهي شركة حكومية مسؤولة عن نقل وتخزين وتوزيع مشتقات البترول المُنتجة محلياً والمستوردة.
ينبغي أن تشمل قضايا الشفافية وتحقيق العدالة القطاع العام أيضاً، إذ تضرّر العديد من موظفي الدولة من قرارات اتخذتها السلطة الحاكمة اتسمت بقلّة وضوح المعايير والإجراءات القانونية المطبّقة، كالتسريح التعسفي، وخفض الرواتب، أو نقل الموظفين إلى أماكن بعيدة عن أماكن عملهم ومساكنهم الأصلية من دون أي تفسير مُسبق. فعلى سبيل المثال، نظّم موظفو ميناء طرطوس مؤخّراً اعتصاماً في ديسمبر/كانون الأول 2025 أمام مبنى المحافظة احتجاجاً على نقلهم إلى معبري جرابلس والبوكمال الحدوديين في المحافظات الشرقية.
بشكل عام، تُنفَّذ سياسات الدولة، كخفض أو إلغاء الدعم عن السلع الأساسية كالخبز ومشتقات النفط، أو الخدمات كالكهرباء، من دون حوار جماعي مسبق، مما يُلحق معاناة كبيرة بالسكان والقطاعات الإنتاجية في الاقتصاد (الزراعة والصناعة).
تؤثر هذه القرارات بشكل مباشر على المستفيدين والمستبعدين، مما يجعلها مصدراً رئيسياً للفساد والمحسوبية، فضلاً عن الظلم الاجتماعي والاقتصادي.
إلى جانب هذه الديناميكيات، ينبغي أن يكون رأس المال المُتراكم بطرق غير قانونية والمُخبّأ خارج البلاد هدفاً لتحقيق العدالة في هذه الجرائم الاقتصادية. فبحسب وثائق “باندورا”، التي كُشف عنها في العام ٢٠٢١، احتفظ سمير حسن، على سبيل المثال، بشركات خارجية في جزر العذراء البريطانية (ليبرا للاستثمارات التجارية، ساميا للاستثمار، صن سيت للعقارات)، بل ووسّعها، على الرغم من العقوبات المفروضة عليه، وذلك للاستثمار في العقارات هناك – ملاذ ضريبي في منطقة الكاريبي سمح له بالتحايل جزئياًـ على تجميد الأصول حتى الحلّ التدريجي لهذه الشركات عام ٢٠١٧. وبالمثل، استفاد رامي مخلوف أيضاً من هذه الشركات الخارجية لإخفاء جزء من ثروته.
على نطاق أوسع، يُثير البُعد الاجتماعي والاقتصادي للعدالة الانتقالية تساؤلاً حول الاقتصاد السياسي للسلطة الحاكمة، بينما يفتح الباب أمام استراتيجية تُعزّز مفهوم “الصالح العام”. ويرتبط هذا المفهوم هنا، من جهة، بـ “مجتمع” من الناس )العوام( الذين يقرّرون “تجميع” مورد )طبيعي أو مُنتَج، مادي أو غير مادي(، من جهة أخرى؛ والذين، علاوة على ذلك، يحدّدون معاً معايير إنتاج هذا المورد وصيانته و/أو استخدامه. ولا يعتمد هذا القرار على “طبيعة” السلعة، بل على خيار جماعي؛ ويمكن أن يتعلّق بأيّ نوع من السلع أو الخدمات.
بمعنى آخر، ينبغي مناقشة عمليات تراكم رأس المال وتوزيعه، فضلاً عن السياسات الاقتصادية، بشكل جماعي في المجتمع، لا أن تقتصر على أقلية صغيرة في السلطة.
ومن هذا المنطلق، فإنّ قرارات السلطة الحاكمة الجديدة بإبرام اتفاقيات ومصالحات مع شخصيات أعمال مرتبطة بنظام الأسد السابق، إلى جانب غياب الشفافية أو انعدامها، وعدم وجود تفويض ديمقراطي في تخصيص أموال الدولة، وخصخصة أصولها، وإبرام مذكرات التفاهم والعقود، تتعارض مع مبادئ عملية العدالة الانتقالية الشاملة.
ختاماً، لا يقتصر غياب عملية عدالة انتقالية شاملة على خيانة جميع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان وتفاقم التوترات السياسية والطائفية في البلاد، بل يُعزّز أيضاً الديناميات الاستبدادية وشبكات المحسوبية الجديدة المرتبطة بالسلطة الحاكمة الجديدة بقيادة أحمد الشرع وحلفائه. وينتج عن ذلك عملية انتقالية وإعادة إعمار تقودها النخب، تُعيد إنتاج التفاوتات الاجتماعية، والفقر، وتركّز الثروة في أيدي أقلية، وغياب التنمية الاقتصادية المنتجة.
لذا، ينبغي أن تكون العدالة الاجتماعية جزءاً لا يتجزّأ من أي عملية عدالة انتقالية شاملة وبرنامج عمل متكامل.
لا تزال ديناميكيات الفساد وتمركز السلطة مُتجذّرة بقوّة في أعلى مستويات الدولة.
[1] في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أفادت اللجنة الوطنية لمكافحة العدالة الانتقالية لمنظمة العفو الدولية بأن قانون العدالة الانتقالية الذي يجري صياغته حاليًا سيضمن قدرة اللجنة على معالجة الانتهاكات التي ارتكبتها جميع أطراف النزاع، بما في ذلك حكومة الأسد السابقة وجماعات المعارضة المسلحة. وأضافت اللجنة أن مشروع القانون سيشمل جرائم دولية غير منصوص عليها حاليًا في قانون العقوبات السوري، وسيُراجع من قبل فريق عمل يضم 25 منظمة من منظمات المجتمع المدني.
[2] وبحسب مصدر مسؤول في اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع في سوريا، التي تحدثت مع الموقع الإلكتروني عنب بلدي ، أن اللجنة لديها أكثر من 900 اسم ملاحق، تقدّم قسم منهم بطلب التسوية.
[3] فعلى سبيل المثال، تم بيع بعض الأصول التابعة لشركات عائله القاطرجي بالمزاد العلني من خلال شركة مقرها في إدلب تسمى إكتيفا، بينما ورد أنّ ممتلكات أخرى تعرّضت لهجوم من قبل مقاتلين يُزعم ارتباطهم بهيئة تحرير الشام.
[4] في تموز 2025، كشفت رويترز بالفعل عن وجود تسوية بين دمشق ورجل أعمال سوري، حيث أفادت التقارير أن حمشو تنازل عما يقرب من 80٪ من أصوله التجارية – التي تقدر بنحو 640 مليون دولار – للسلطات السورية مقابل التسوية واستمرار تشغيل شركاته في البلاد.
[5] كان ياسر إبراهيم وعائلته يملكون هذه الشركات، التي كانت بمثابة واجهات للقصر الجمهوري . وكانت هذه الشركات المزوّد الحصري للدعم الفني والأبراج وقطع الغيار وخدمات التطوير لشركتي سيرياتل و”إم تي إن”. وكانت العقود التي أبرمتها هذه الشركات غير قابلة للتفاوض، مما جرّد المشغلين الأصليين فعلياً من أي سيطرة أو استقلالية. ويشغل ياسر إبراهيم، الذي يُطلق عليه غالباً لقب “أمين خزينة القصر الجمهوري”، رسمياً منصب مدير المكتب المالي والاقتصادي في رئاسة الجمهورية، والذي يُشار إليه عادةً باسم “المكتب السري”. وهو مسؤول أيضاً عن تحصيل الأموال من التجار والصناعيين، وغالباً ما يكون ذلك تحت تهديد الاعتقال أو مصادرة الأصول.
[6] فعلى سبيل المثال، حضر أبناء محمد حمشو حفل إطلاق صندوق تنمية سوريا في دمشق، في الرابع من تشرين الأول / سبتمبر، والذي تبرعوا من أجله بمبلغ مليون دولار.
ناشط سياسي، له منشورات بالعربية والفرنسية والانكليزية. يدوّن في SyriaFreedomForever (سوريا حرية للأبد). نال درجة الدكتوراة من كلية الدراسات الآسيوية والمشرقية (سواس) بلندن. ركزت رسالته على المادية التاريخية وحزب الله. يعيش د. ضاهر في سويسرا، حيث يدرس في جامعة لوزان.
حكاية ما انحكت
————————————
العدالة الانتقالية بين الإرادة السياسية وتداخل الصلاحيات/ هناء محمد درويش
يناير 13, 2026
منذ الإعلان عن تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية تعلقت آمال واسعة لدى السوريين بأن يشكل هذا المسار بوابة حقيقية للإنصاف وكشف الحقيقة وجبر الضرر وتحقيق السلم الأهلي بعد سنوات طويلة من الانتهاكات والدم.
غير أن متابعة عمل الهيئة منذ تأسيسها تضعنا أمام أسئلة جدية تتصل بطبيعة البيئة السياسية والقانونية التي تعمل ضمنها وبحدود صلاحياتها الفعلية وبعلاقتها مع وزارة العدل بوصفها جهة تنفيذية قائمة.
الإشكالية الأبرز التي لا يمكن تجاوزها هي غياب الإطار القانوني الناظم لعمل الهيئة، فالهيئة أنشئت بمرسوم لكنها ما زالت تفتقر إلى القوانين التفصيلية التي تحدد صلاحياتها وآليات عملها وحدود تدخل الجهات الأخرى في اختصاصها
ويرتبط هذا الفراغ مباشرة بتأخر انعقاد مجلس الشعب القادر على إقرار تشريعات العدالة الانتقالية بما يشمل تعريف الجرائم والانتهاكات وآليات المحاسبة وإنشاء محاكم مختصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
في ظل هذا الواقع، يصبح مسار العدالة هشاً وقابلاً للاختراق، وتتحول الهيئة إلى كيان معنوي أكثر منها مؤسسة قادرة على الفعل، ما ينعكس سلباً على ثقة الضحايا وعائلات المفقودين الذين نظروا إلى العدالة الانتقالية بوصفها وعداً أخلاقياً وسياسياً من الدولة الجديدة.
من خلال متابعتي لنشاط الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ووزارة العدل، يلاحظ أن تداخل الصلاحيات بين الجهتين بات أحد أكثر الإشكالات إرباكا في هذا المسار، إذ تسجل إجراءات مرتبطة بالاحتجاز أو التحقيق أو إطلاق السراح دون إشراك الهيئة أو حتى إطلاعها عليها، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة التنسيق بين الجهتين، وحول الجهة التي تملك القرار النهائي في القضايا التي تمس جوهر العدالة الانتقالية.
هذا التداخل لا يعرقل عمل الهيئة فحسب، بل يضع أعضاءها في موقع بالغ الحساسية، فهم جزء من مجتمع الضحايا، ويحملون وجعاً شخصياً وجماعياً، ويجدون أنفسهم عاجزين عن تقديم إجابات واضحة للرأي العام، أو مضطرين للدفاع عن مسار لا يملكون أدواته، وهو ما يهدد بتحويلهم إلى شهود صامتين بدل أن يكونوا فاعلين في تحقيق العدالة.
ورغم التحديات لا يمكن تجاهل الجهود التي بذلتها الهيئة على الصعيد الدولي، إذ نشطت خلال الأشهر الماضية في التواصل مع دول تمتلك خبرات راسخة في مسارات العدالة الانتقالية، وفي مقدمتها ألمانيا ورواندا، وهي دول خاضت تجارب معقدة بعد نزاعات دامية ونجحت في بناء نماذج مختلفة للعدالة والمصالحة.
وقد أبدت هذه الدول استعداداً واضحاً لوضع خبراتها القانونية والفنية في خدمة الهيئة، سواء على مستوى التشريع أو بناء القدرات أو تصميم الآليات المؤسسية. كما يدرك المجتمع الدولي أن مسار العدالة الانتقالية بطبيعته مسار طويل ومعقد، وأن التأخير بحد ذاته لا يشكل إشكالاً إذا كان جزءاً من خطة واضحة ومعلنة تستند إلى إرادة سياسية حقيقية.
المشكلة لا تكمن في نوايا الهيئة ولا في رؤيتها، بل في غياب الإسناد السياسي الواضح من أعلى هرم السلطة، إسناد لا يقتصر على الخطاب، بل يترجم عمليا بمنح الهيئة الاستقلالية اللازمة، وتوفير الإمكانيات الإدارية واللوجستية، وضمان حقها في الاطلاع والمشاركة في كل ما يتصل بملفات الانتهاكات.
فالعدالة الانتقالية ليست مسارا ثانوياً، بل ركيزة أساسية للسلم الأهلي واستقرار الدولة، وأي تهميش لدورها ينعكس مباشرة على ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة.
تؤكد التجارب الدولية أن تأخير العدالة قد يكون مفهوماً إذا جاء ضمن مسار واضح. لكن التأخير غير المحدد في إطار قانوني ودون توزيع صريح للصلاحيات يفتح المجال أمام الشكوك، خاصة عند اتخاذ قرارات حساسة مثل إطلاق سراح محتجزين متورطين بانتهاكات جسيمة دون توضيح أو مساءلة أو إشراك الجهة المعنية بالعدالة الانتقالية. مثل هذه القرارات لا تضعف الهيئة فحسب، بل تقوض الثقة العامة بمفهوم العدالة نفسه، وتعيد إنتاج مشاعر الظلم لدى الضحايا بدل مداواتها.
ما المطلوب اليوم؟
الحاجة باتت ملحة للإسراع في إعداد القوانين الناظمة لعمل الهيئة، والفصل الصريح بين صلاحيات وزارة العدل وصلاحيات الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ومنع أي تدخل تنفيذي في هذا المسار، وإحالة ملف العدالة الانتقالية بالكامل إلى الهيئة بما ينسجم مع المرسوم الذي أنشأها، ومع المعايير الدولية التي تميز بين العدالة الانتقالية والعدالة الجنائية التقليدية.
إن النقد المطروح اليوم لا يستهدف الدولة ولا يشكك بقدرتها، بل يعبر عن حرص حقيقي على نجاح هذا المسار، فالدولة التي تسعى إلى السلم الأهلي لا يمكن أن تبنيه دون حقيقة، ولا يمكن أن تحقق الاستقرار دون محاسبة، ولا يمكن أن تطلب من الضحايا الصبر إلى ما لا نهاية دون وضوح أو صدق.
العدالة الانتقالية ليست ترفاً سياسياً ولا شعاراً إعلامياً، بل اختباراً أخلاقياً حقيقياً للدولة الجديدة، إما أن تمنح الهيئة الأدوات الكاملة للقيام بدورها، أو سيبقى السؤال مفتوحاً: لماذا تأخرت العدالة رغم وجود من دفعوا أثماناً شخصية باهظة، وهم اليوم في صلب هذا المسار؟ النقد البناء اليوم واجب وطني، والمطلوب ليس هدم الثقة، بل حمايتها قبل فوات الأوان.
الثورة السورية
———————————
العدالة الانتقالية في سوريا: الاقتصاد كساحة انتهاك بحد ذاته/ ناهد بدوية
هيمنت المقاربة القانونية ـ القضائية على تصوّر العدالة في مجتمعات ما بعد النزاع، إذ انصبت الجهود على آليات مثل، المحاكمات الجنائية الدولية، أو الوطنية، ولجان الحقيقة والمصالحة، وبرامج جبر الضرر الفردي، بوصفها الأدوات الأساسية لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. غير أن هذا التمركز حول القانون، الذي اصطلح على تسميته بـ«الاختزال القانوني»، تعرّض لنقد متزايد، كونه يعالج العنف بوصفه سلسلة من الأفعال الإجرامية الفردية، لا نتيجة لبُنى تاريخية واقتصادية واجتماعية غير عادلة.
حسب روتي تايتل “لا يمكن فهم العدالة الانتقالية كمرحلة تقنية، أو إجرائية محضة، بل هي وضعية استثنائية تُعاد فيها صياغة العقد الاجتماعي، والعلاقة بين الدولة والمجتمع، ويُعاد التفاوض حول مفاهيم الشرعية، والمسؤولية، والذاكرة، والحقوق”.
يعكس هذا الفصل بين العدالة والاقتصاد، افتراضا ضمنيا مفاده أن العنف السياسي منفصل عن البنية الاقتصادية، وأن معالجة الجرائم بحد ذاتها كافية لمنع تكرارها. غير أن تجارب عديدة، من أمريكا اللاتينية إلى جنوب افريقيا، أظهرت أن الاقتصار على العدالة القانونية، دون تفكيك أنماط التفاوت البنيوي والنهب المنظّم، يؤدي إلى إنتاج “سلام سلبي”، يحافظ على علاقات القوة ذاتها التي غذّت العنف في الأصل. في حالتنا السورية، يصبح نقد المنظور الانتقالي التقليدي ضرورة ملحّة. فالعدالة، وفق هذا التصوّر، ينبغي ألا تقتصر على الاعتراف بالضحايا، أو معاقبة الجناة، بل يجب أن تستهدف تحويل الشروط البنيوية التي أنتجتها الديكتاتورية الأسدية، والتي جعلت الانتهاكات ممكنة ومربحة في آن واحد. ويشمل ذلك أنماط الملكية، وتوزيع الموارد، وعلاقات العمل والمحسوبيات، والاقتصاد السياسي للدولة السلطوية، ومركزة رؤوس الأموال في أيدي الفئات المرتبطة بها.
تنقل هذه المقاربة النقاش من سؤال: كيف نحاسب؟ إلى سؤال أعمق: ما الذي يجب تغييره كي لا يُعاد إنتاج العنف؟ وهنا يحتل البعد الاقتصادي موقعا مركزيا، لا بوصفه مكمّلا للعدالة، بل كأحد ميادينها الأساسية. فالاستيلاء المنهجي الذي مارسته السلطة الأسدية على الموارد، والتمييز الاقتصادي، والفساد البنيوي، وتحالف السلطة السياسية مع شبكات الريع، ليست مجرد خلفية للنزاع، بل آليات عنف بحد ذاتها. تكتسب هذه الإشكالية بعدا مضاعفا في سوريا مقارنة بتجارب بلدان أخرى خارجة من الحرب أو النزاعات الداخلية. فالاستبداد لم يكن سياسيا فحسب، بل تجسّد في نموذج متكامل من الاقتصاد السياسي القائم على الاحتكار، والزبائنية، وتحويل الدولة إلى أداة لإعادة توزيع الثروة لصالح دائرة ضيقة مرتبطة بالعائلة الأسدية، وبالأجهزة الأمنية. وقد شكّل هذا النموذج أحد الشروط البنيوية للانفجار الاجتماعي، وثورة الحرية عام 2011، ثم تحوّل خلال الحرب إلى اقتصاد حرب كامل، أصبحت فيه الانتهاكات، والتهجير، وتدمير الملكيات، مصادر تراكم رأسمالي لأمراء الحرب المرتبطين بالاستبداد.
وعليه، لا يمكن تصوّر عدالة انتقالية ذات معنى في سوريا دون تجاوز الإطار القانوني الضيق، والانتقال إلى مقاربة بنيوية تدمج الاقتصاد في صلب مشروع العدالة. فالمساءلة عن الجرائم لا تنفصل عن مساءلة أنماط الإفقار، ولا يمكن لجبر الضرر أن يكون فرديا في سياق دُمّرت فيه البنى المعيشية لمجتمعات كاملة. إن العدالة في السياق السوري ليست فقط عدالة تجاه الماضي، بل عدالة ضد إعادة إنتاجه بأدوات جديدة. يمكن الاستعانة بمفهوم “العنف البنيوي”، الذي يعرّف العنف بأنه كل بنية اجتماعية تمنع الأفراد من تحقيق إمكاناتهم الأساسية. ووفق هذا التعريف، فإن الفقر الممنهج، والإقصاء من العمل، والتمييز بين المواطنين في فرص العمل، وفقدان السكن، والتهجير القسري، تُعدّ أشكالا من العنف لا تقل خطورة عن العنف المباشر. وعليه، فإن العدالة الانتقالية في سوريا مطالَبة بالاعتراف الصريح بأن الاقتصاد كان ساحة انتهاك بحد ذاته. يُعدّ ملف السكن وحقوق الملكية من أكثر الملفات تعقيدا في مسارات العدالة الانتقالية. وقد عالجت تجارب دولية هذا التحدي بطرق متفاوتة. ففي جنوب افريقيا، ورغم نجاح لجنة الحقيقة والمصالحة في كشف الانتهاكات، فإن تجاهل مسألة إعادة توزيع الأرض أبقى التفاوت العنصري ـ الاقتصادي قائما، ما دفع عددا من الباحثين، بينهم محمود ممداني، إلى وصف التجربة بأنها “مصالحة بلا عدالة اجتماعية”. أما في البوسنة والهرسك، فقد قُدّمت تجربة أكثر تقدما في استرداد الملكيات، حيث أُعيدت ملايين العقارات إلى أصحابها الأصليين، رغم تعقيدات ما بعد التطهير العرقي، ما يدل على أن العدالة العقارية ممكنة سياسيا وتقنيا متى توفرت الإرادة.
كما يؤدي غياب فرص العمل للشباب والشابات، وتهميش الريف، والتفاوت بين المدن والمناطق الطرفية، إلى إنتاج جيوب فقر قابلة للتحول إلى ساحات صراع. وتؤكد تجارب دولية، مثل سيراليون وليبيريا، أن فشل برامج العدالة الانتقالية في خلق فرص عمل حقيقية للشباب أسهم في عودة العنف. من هنا، تصبح السياسات الاقتصادية التي تعطي أولوية لتأمين فرص العمل، وإعادة الإدماج الاقتصادي، جزءا من ضمانات عدم التكرار، لا مجرد برامج تنموية لاحقة. ويدخل ضمن هذه السياسات حماية الصناعات المحلية، وفرض شروط تعاقدية واضحة على المستثمرين الخارجيين، تلزمهم بالاعتماد على العمالة السورية المحلية وتدريبها، وعدم استقدام الأيدي العاملة الأجنبية إلا ضمن نسب محدودة جدا.
تحمّلت النساء في سوريا أشكالا متعددة من الانتهاكات؛ فإضافة إلى الاعتقال، والقصف، والتهجير، تعرّضت عشرات الآلاف من النساء لانتهاك فقدان المعيل، وتحمل أعباء الإعالة في ظل غياب شبه كامل للحماية الاجتماعية. وتقدّم تجربتا المغرب في جبر الضرر الجماعي، وبيرو في دمج النساء ضمن برامج التعويض، أمثلة على إمكانية ربط جبر الضرر بالتمكين الاقتصادي طويل الأمد. ويُعدّ تفكيك اقتصاد الحرب واستعادة الأموال المنهوبة جزءا أساسيا من مسار العدالة، إلى جانب تحديد مسؤوليات الفاعلين، بما في ذلك الدولة، والبلديات، والمستثمرين، والوسطاء القانونيين، الذين شاركوا في تقنين الانتهاكات الاقتصادية. وتشير تجارب مثل غواتيمالا وتونس، إلى أن تجاهل الفساد البنيوي يقوّض أي مسار عدالة انتقالية. وفي سوريا، حيث تداخلت شبكات رجال الأعمال مع الأجهزة الأمنية واقتصاد الميليشيات، يصبح تفكيك اقتصاد الحرب شرطا أساسيا للإنصاف، فالعدالة الانتقالية يمكن أن تشكّل لحظة تأسيسية لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والاقتصاد، إذا ما اقترنت بإصلاحات مؤسساتية حقيقية. كما أن استعادة الأموال المنهوبة تمثّل موردا مهما لجبر الضرر، وتمويل التعويضات للعائلات المنكوبة.
كما ينبغي تفكيك خطاب “التنظيم” و”التحديث” الذي غالبا ما يُستخدم لتبرير إعادة تشكيل الفضاءات العمرانية على حساب واقعها الاجتماعي والثقافي. وتُظهر تجربة إعادة إعمار وسط بيروت كيف أُفرغ المكان من طابعه التاريخي، وتحول إلى فضاء نخبوي منفصل عن محيطه، على حساب أصحاب المحلات والسكان الأصليين، لصالح تراكم ثروة فاحشة لدى فئات محدودة. وفي ظل شحّ الموارد المالية في سوريا، وغياب الرغبة المشروعة لدى الحكومة الانتقالية في اللجوء إلى القروض، يبرز سؤال جوهري: هل يُعتمد اقتصاد الإعمار كاقتصاد ريعي جديد؟ أم تُترك إعادة الإعمار للاستثمار وحده، مع تجاهل من يستفيد ومن يُقصى من أصحاب البلاد الحقيقيين، الذين تعرّضوا لانتهاكات اقتصادية ممنهجة على مدى عقود؟ أم تُوضع خطة وطنية شاملة لإعادة الإعمار، تأخذ في الاعتبار مصالح جميع السوريين، ويجري في إطارها استدعاء استثمارات خارجية متنوعة وفق شروط عادلة؟ إن الإجابة تقتضي بلورة مبادئ تخطيط بديلة قائمة على العدالة الانتقالية، تشمل آليات إعادة إعمار تشاركية، وضمان حق العودة واستعادة الملكية، وتقديم توصيات تشريعية ومهنية واضحة للمرحلة الانتقالية في سوريا. باختصار، من دون عدالة عقارية، وإدماج اقتصادي فعلي للشباب والشابات، وجبر ضرر مستدام، وتفكيك اقتصاد الحرب، تبقى العدالة الانتقالية مهددة بالتحول إلى إجراءات قانونية نخبويّة، منفصلة عن التجربة المعيشة لغالبية السوريين، وقابلة لإعادة إنتاج الانتهاكات ذاتها التي يفترض بها معالجتها.
كاتبة سورية
القدس العربي
————————————–
===================



