الواقع والسلطة يتبادلان تقديم المفاجآت في 2025/ عمار ديوب

06 يناير 2026
كان عام الهيمنة الكاملة لشخصيات قادمة من هيئة تحرير الشام على السلطة والدولة. ستفترض هذه المادة أن هذه الهيئة قد حلّت نفسها بالفعل، كما أُعلن في مؤتمر النصر (29 يناير/ كانون الثاني 2024). والحلّ هنا يساوي رفض العمل السياسي المستقل، وجاء بحجّة الانتقال إلى الدولة و”طلاق” الثورة، وريثما يُعلن عن قانونٍ يُنظم الحياة السياسية وعمل الأحزاب.
بدلاً من الهيئة تشكّلت الأمانة العامة للشؤون السياسية، واستولت على أغلبية المقرات المملوكة لحزب البعث سابقاً، وراحت تتدخل في كل كبيرة وصغيرة في شؤون إدارات الدولة وفي كل المحافظات، وكأنّها تجاوزت وظيفتها السياسية إلى وظيفة أمنيّة؛ وهي تابعة لوزارة الخارجية، وكأنّها حصة هذه الوزارة من السيطرة الداخلية، إذ لم تكتف بدورها الخارجي في إعادة العلاقات الدولية انطلاقاً من سياساتٍ خاصة بالسلطة الجديدة.
يشير وجود هذه الأمانة، إضافة إلى ممثلي السلطة في المحافظات كافة، بشكل حاسم، إلى دورين، سياسيٍّ وأمنيٍّ، تقومان به، وتعمل على ضبط إدارات السلطة من ناحية وإقامة علاقات، و”ربما فرضها”، مع سكان المحافظات، مستهدفةً بذلك تحقيق ذلك الدور ومن أجل أهداف مستقبلية بالتأكيد، ويتوقع محللون أن الأمانة هذه ستكون حزب الرئيس أحمد الشرع مستقبلاً، أو تسعى إلى العمل من أجل حزبٍ مستقبليٍّ خاصٍ بالسلطة. ليست هذه الهيئة مرخّصة حزباً سياسيّاً، وذلك باعتبار أن قانون الأحزاب لم يَصدر ولم يتشكّل “يتعيّن” بعد المجلس التشريعي لإصداره، وبالتالي، هناك تناقض بين حلِّ كل القوى الثورية والسياسية وتشكيلها، فما الحكاية؟
تعقيدات الاستقرار الأمني
يرى أنصار السلطة أن أنهاراً من الدماء لم تجر، وهذا جيد. لاحقاً حدثت مجازر بشعة بحق السوريين العلويين والدروز خصوصاً، ولم يتوقّف القتل والانتهاكات تجاه العلويين بعد، ولم تبادر السلطة إلى خطة جادة تُعيد بها السويداء، وما زالت تناور لإعادة المحافظة إلى الطاعة، معتمدةً على تعب الأهالي، ومحاولات التفافية فاشلة، كتعيين شخصيات منها في قيادة الأمن الخاص بها أو ترميم بعض البيوت في القرى التي نُهبت وحُرقت وهكذا، وبعيداً عن تحقيق مطالبها السياسية أو الاعتراف بمجازر حصلت، كذلك ثمة محاكمات بحق متهمين في جرائم الساحل وتجرى في حلب ويُشك في مصداقيتها. وعدا ذلك انتشر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وهناك “أنصار السنة”، وقد اعترفوا بمجزرتين بحقّ المسيحيين في تفجير كنسية مار الياس في الدويلعة في دمشق، ومسجد علي بن أبي طالب في حمص، والأسوأ العملية التي قُتل بها ثلاثة أميركيين في تدمر بيد عنصر تابع للأمن العام، وكانت نتيجتها تراجع الثقة بالسلطة، وتقدّمها لمصلحة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). كذلك هناك خطر كامل، وقد يلعب دوراً خطيراً في الاستقرار الأمني، وهو الفصائل الأجنبية الجهادية، التي تصرُّ أميركا وأوروبا والصين وروسيا على إبعادها عن وزارة الدفاع، أو أيّة مناصب عليا في الدولة، ولم تَتخذ بعد سلطةُ دمشق خطواتٍ جادّةً بهذا الخصوص، وبالتالي، هناك أسباب كثيرة، ويضاف إليها الفقر الواسع، وهو بيئة خصبة للتيارات السلفية والجهادية، وكذلك بيئات السوريين العلويين الفقيرة والمهمّشة، وبالتالي، هناك إمكانية واسعة لتجدّد العنف، وغياب الاستقرار الأمني… وقد مضى عام، وليس من خطة معلنة لكيفية تجاوز هذه المشكلة.
الاقتصاد الحرّ
انتهجت السلطة سياسات خدمية خاطئة، جاءت معطوفةً على سياسات اقتصادية خاطئة، وتتعلّق بالانتقال إلى الاقتصاد الحر النيوليبرالي، وإبعاد أيّ دور للدولة في الاقتصاد أو القطاع العام الموروث، ولكن السلطة الممثلة للدولة هي من تفرض تلك السياسات؟ الجدير ذكره أنّها استكمال لسياسات النظام السابق وفي الاتجاه نفسه؛ تركّز الثروة بيد القلة وإفقار الأغلبية. لقد ارتفعت أسعار الخدمات الأساسية من الكهرباء والاتصالات والغاز المنزلي والخبز، وتراجعت أوضاع المشافي والتعليم، كذلك ارتفعت أسعار الإيجارات، وقضى التضخّم وارتفاع الأسعار على ارتفاع الأجور الهامشي. كذلك لم تُحدث الاستثمارات الخارجية فارقاً، والتي قِيل إنّها ستُنقذ الاقتصاد السوري، وكذلك رُفعت العقوبات، ولم يترافق الأمر مع بدايات نمو أو تنمية اقتصادية. وفي كل الأحوال، ليست هناك خطة واضحة ومعلنة تستند إليها السلطة في سياساتها الليبرالية الجديدة هذه. وبالتالي، لم تتراجع أعداد الفقراء الـ 90%، واقتصرت فرص العمل على التوظيف في قطاعات الدولة عشوائياً وعلى أساس الولاء، وهو ما ساهم في الفوضى الواسعة في كيفية إدارة الدولة التي شهدت عطالة كبيرة، ولم تخرج منها بعد.
السياسي مدخلاً للحل
السياسي هو المدخل للخروج من الأزمات في الفترات الانتقالية. والمقصود وجود استراتيجية محدّدة لكيفية التعامل مع المجتمع، والقوى السياسية وكيفية إعادة تشكيل الدولة وسلطاتها وقواها الصلبة، وأيضاً شكل الاقتصاد أو الدولة أو السياسات الإعلامية، وبكلمة واحدة؛ السياسة العامة للدولة تجاه المجتمع أو الخارج. في حقل السياسة، كما أشرنا، هيمنت الشخصيات القادمة من هيئة تحرير الشام على السلطة والدولة، وصاغت مشروعها هذا عبر عمليات سياسية غير تشاركية وهي: مؤتمر النصر والحوار الوطني والإعلان الدستوري، وعيّنت المجلس التشريعي. كانت حصيلة ذلك، وبسبب الهيمنة والمجازر وتجاهل حقوق الكرد، ابتعاداً ثلاثياً لهذه الجماعات عن السلطة، ورفضت هي استقطابها أولاً، وفي الوقت نفسه، أدارت ظهرها للفعاليات الاقتصادية “صناعيين وتجار”، وكذلك لحقوق سكان المدن، وقد راح يزداد الشعور بأن السلطة تتعامل مع كل السوريين “كفلولٍ” للنظام السابق، حتى سكان إدلب وشرق حلب. لم تتغيّر هذه السياسة، واندلعت احتجاجات متعدّدة الأشكال، وهناك تذمّر واسع، خصوصاً من الوضع الاقتصادي، وكذلك من شكل السلطة وآليات هيمنتها على المجتمع السوري بعامة، وهذا أدّى إلى عزلة كبيرة للسلطة ذاتها وابتعاداً عن إقامة علاقة سليمة مع الشعب، والتي تمرّ عبر انتخابات المجالس المحلية، أو الإدارات المحلية، أو انتخاب النقابات واللقاء مع الفعاليات الاقتصادية.
إشكالية السياسة الإعلامية
لم تركن السلطة إلى سياسةٍ إعلامية وطنية، ويبدو أن الإعلان الدستوري ليس مُتبعاً فيها، وحتى اتفاق 10 مارس نصّ على إيقاف الكراهية والتحريض الطائفي ولا يُلتزم به. لقد رفعت أوساط في السلطة “السوط” في وجه كلّ السوريين الذين كانوا تحت سلطة الأسد، قائلةً: “أين كنتم خلال الأربعة عشر عاماً”؛ أي أنها رفضت الاعتراف بهم، وعدّتهم فلولاً للأسد، وهذا يتناقض كليّاً مع فكرة “وأنتم الطلقاء”، أو تحكيم القانون، أو المواطنة التي قال بها الشرع في بعض تصريحاته، ولكن الانتهاكات الواسعة والجملة أعلاه، أوضحت أن المُعتمد لدى السلطة هو “أين كنتم”. كذلك، برز، لا سيما عبر قناة الإخبارية، رفض شديد للاعتراف بالآخر، أو تسخيف لرأيه وتتفيه، بينما كان هناك احتفاء بآراء “المحلّلين” المدافعين عن السلطة، وبدلاً من وضع سياسات إعلامية ترفض الطائفية، سمع السوريون على برامجها القول التالي، وعلى ألسنة بعض أشهر برامجها، “كما عانى السنّة، لا بأس بأن يعاني العلويون قليلاً”. لم تتوقّف هذه العبارات، وتكرّرت بأشكال متعدّدة. هو عام كامل، وإذ يتفّهم السوريون بأغلبهم أنّ الأمور لا تستقر سريعاً، فإن الاستمرار بهذه السياسة، لعامٍ كاملٍ، أبعد الطوائف عن السلطة، “أزعم أنّ السنة أيضاً غير ممثلين في السلطة”، وصار يعمّق الشروخ والانقسامات بينها، ويُهدّد بتفكك الهوية الوطنية، والتي صرنا نقرأ دراسات وأبحاثاً تقول بأن التقسيم هو الحل لهذه الانقسامات، وإنّه الطريق نحو الوحدة من جديد، وهذا الرأي أصبح لديه أنصار، وهم في ازدياد، وبالتالي، هناك ضرورة سياسية كبرى لتغيير السياسة الإعلامية التي هي انعكاس للسياسة العامة للسلطة، ومن هنا التعقيد حيال هذه القضية، وحيال إمكانية تغييرها.
يشكّل التوغل الصهيوني مشكلةً كبيرةً للسوريين وللسلطة في آن واحد. وفضلاً عن قضم مئات الكيلومترات، وتجريف البساتين والسيطرة على سدود الماء وإقامة الكثير من النقاط العسكرية الثابتة واعتقال بعض الأهلي وسواها، فقد كرّر الرئيس الأميركي ترامب اعترافه بضم الجولان إلى الدولة الصهيونية، وتُعيد هذه الدولة قولها إنّها لن تتخلّى عن جبل الشيخ خصوصاً، ولن تتخلّى عن سحب سلاح وزارة الدفاع السورية من كامل محافظات الجنوب والسيطرة الأمنية عليه وحماية الدروز في السويداء. وقبالة ذلك، راحت السلطة السورية تمرّر الوقت، ورفضت الموافقة على أيٍّ مما ذُكر، ولكنها لم تعلن عن خطة واضحة لمواجهة هذا التقدّم أو الاعتراف أو السياسة الصهيونية، ولم تدعُ إلى مقاومة شعبية منظّمة، واعتصامات يومية أو أسبوعية متزامنة في كامل المناطق التي احتلّتها الدولة الصهيونية أخيراً. وقد بدأ هذا يثير تذمّراً واسعاً من أهالي تلك المناطق ضد السلطة، وإن كان الأهالي ما يزالون يؤكدون رفض التقدّم الصهيوني، ويجدون تبريراً للسلطة في تهاونها بمواجهة التقدم الصهيوني.
حدّثنا عن الإيجابيات
هل تعني جردة عام 2025 أعلاه أنها خالية من “الإيجابيات” أو مما يُبنى عليه مستقبلاً مثلاً؟ ربما بعض ممن سيقرأ هذا المقال، سيراه “كارهاً ومحرّضاً وناقماً” على السلطة، ويبخّسها حقها فيما فعلته طوال هذا العام. أولاً، من المخجل أن يكرّر المرء احتفاءه برحيل بشار الأسد، وقد فعلنا، وماذا بعد؟ وثانياً، من غير المعقول تجاهل أن رفع العقوبات المتصلة بقانون قيصر جاء باشتراطات أميركية مخيفة، وبتقارير سيرفعها الرئيس الأميركي كل ستة أشهر في أربعة أعوام مقبلة، وتتعلق بكل ممارسات سلطة دمشق، ومختصرها أن تصبح سلطةً تمثيليةً لكل السوريين، وفي السياق نفسه، هناك اشتراطات بريطانية وأوروبية. أمّا روسيا والصين فهما محسوبتان داعمتين للنظام القديم، ومن الخطأ اعتبارهما أنهما نقلتا أجندتهما نحو دعم السلطة الجديدة كلياً. ثمة إيجابية كبيرة تتعلق بالفرصة المتاحة أمام سلطة دمشق، وهي الدعم الدولي والإقليمي للسير بسورية نحو دولة لمواطنيها كافّة، ولكن الكثير من هذا الدعم أقرب إلى أن يكون إعلامياً.
هناك قضية تعتبر مفتاحية للنهوض بالدولة والسلطة، غير الحث على التشاركية، هي قضية العدالة الانتقالية، وهي الممرّ الإجباري نحو السلم الأهلي أو المصالحة المجتمعية، إذ لم يتحقق منها شيء، وهناك توظيف إعلامي لها على نحو مشوشٍ ويشوّه أهميتها في الإنصاف وعدم تكرار الجرائم من قتل وخطف وانتهاكات ومجازر وتهجير، وسواها كثير. عام كامل، ولم تعلن السلطة عن خطة وطنية للعدالة الانتقالية، وقانون خاص بها، وهذا، وبسيادة التطييف الواسع، كرّس وعياً ثأرياً، بأن إعادة الحقوق تتم بالقتل، بالخطف، بالثأر، بالصمت عن الانتهاكات التي تَلحق بالطائفة العلوية خاصّة. إن البدء بها يتطلّب الكثير، بتغطية إعلامية وسياسية دقيقة، ورفض مختلف أشكال التطييف.
مضى عام، وبدأ عام جديد، وكل الأفكار النقدية أعلاه تتكرّر عبر مئات النصوص النقدية، التي تتبنى رؤى وطنية ومشاريع وطنية للنهوض بالدولة، وإذ هي تعي جيداً الأزمات والكوارث التي تكرّست منذ 2011 وما قبله، فإنها تنتقد كل سياسات السلطة الجديدة، والتي تراها سياسات تقود إلى سلطة أقلويّة وتابعة للشخصيات أعلاه، تستأثر بكل السلطات والثروة، وتأخذ ملمحاً عائلياً وشلّلياً، ويغيب عن ممارساتها مختلف أشكال المراقبة والمساءلة والشفافية. تراكم كل هذه الأزمات أمر يشي بتطورات في منتهى السلبية في العام الثاني لهروب بشّار الأسد، فهل تُغيّر السلطة سياساتها غير التشاركية، كي لا تفشل، وتفشل معها سورية. هنا كل القصة.
العربي الجديد



