مقالات تخص انتخابات مجلس الشعب التي جرت في سورية تحديث 28 تشرين الأول – 07 تشرين الثاني 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي:
———————————-
مجلس الشعب السوري بين صراع التأسيس وتحديات الحكم الانتقالي/ هنادي عبد المنعم حجّار
تحديث 03 تشرين الثاني 2025
بعد أن تخلصت سوريا من نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وُلد أول مجلس شعب جديد في أكتوبر/تشرين الأول الماضي من رحم فراغ دستوري دام أشهرا. لم يكن هذا الميلاد حدثا عاديا، بل هو الرهان الأكبر على مستقبل الجمهورية، وهو يطرح السؤال المصيري الذي يحدد كل ما سيأتي بعده: هل هذه الهيئة التشريعية الجديدة هي مجرد أداة لتسيير شؤون الدولة تحت سلطة “الضرورة” المؤقتة، أم إن لها حق “السيادة” المطلقة لكتابة دستور دائم للبلاد؟
هذه ليست معضلة أكاديمية، بل هي نقطة غليان قد تحدد مصير الانتقال برمته، فقرار المجلس بتبني إحدى الصلاحيتين سيحدد مصير تفكيك ترسانة القوانين القمعية، ومستقبل العدالة الانتقالية، والأهم من ذلك أنه سيحدد ما إذا كان الدستور القادم سيحظى بالقبول الشعبي الواسع أم سيكون مجرد وثيقة جديدة تفتقر للشرعية. لذلك يواجه النواب اليوم اختبارا تاريخيا: هل يعملون كممهدين حذرين، أم يغامرون كآباء مؤسسين في بلد لا يزال يقف على أرض مهزوزة؟
السيادة في مواجهة الضرورة
لم يكن التحول الدستوري في سوريا عملية سلسة أو مخططا لها، بل بدأ بإعلان حاسم في 29 يناير/كانون الثاني 2025، حين أصدرت هيئة الحكم الانتقالي مرسوما قضى بإلغاء دستور 2012 وحل مجلس الشعب السابق، منهية بذلك الشرعية الدستورية القديمة بالكامل، ومُدخلة البلاد في مرحلة من الفراغ.
وفي 13 مارس/آذار الماضي، وقّع الرئيس أحمد الشرع “الإعلان الدستوري المؤقت”، والذي لم يقم بصياغة دستور جديد، بل حدد الإطار الزمني والوظيفي للمرحلة الانتقالية. هذا الإعلان هو الذي شكّل الأساس القانوني لإنشاء مجلس الشعب الحالي عبر انتخابات أكتوبر/تشرين الأول، وحصر مهام التشريع به بصفة مؤقتة. فالإعلان الدستوري المؤقت ينص في مادته الثالثة على تشكيل مجلس شعب يمارس السلطة التشريعية حتى اعتماد دستور دائم، مع تحديد ولايته بثلاثين شهرا قابلة للتجديد.
هذه القيود الزمنية والشرطية تشكل أساس الجدل القادم بشأن صلاحيات المجلس الفعلية، حيث يرتكز الجدل على اتجاهين متصارعين يمثلان جوهر الصراع الدستوري في أي مرحلة انتقالية:
الرؤية الأولى: الالتزام بـ”الضرورة” وتجنب مأزق الشرعية
يستند هذا الرأي على أن أصول الفقه الدستوري تنص على أن تقييد ولاية الهيئة التشريعية بمدى زمني (30 شهرا)، والإعلان المؤقت يعني بالضرورة أنها ليست هيئة تأسيسية ذات سيادة. لكن العامل الذي يفاقم من هذا القيد هو الشرعية التمثيلية الناقصة للمجلس نفسه، حيث جرت الانتخابات في ظل آلية خاصة وظروف استثنائية، شملت غياب النازحين في مناطق واسعة من البلاد، وعدم مشاركة فئات عريضة من الشعب السوري، فضلا عن ثلاث محافظات لم يمكن إجراؤها فيها. هذه القيود المزدوجة (الزمنية والتمثيلية) تجعل من المجلس هيئة “ضرورة” مؤقتة؛ تنتهي مهمته فور ظهور الدستور الدائم.
لهذا السبب تحديدا، يخلص مؤيدو هذا الاتجاه إلى أن المجلس يفتقد السيادة التشريعية الكاملة التي تتمتع بها البرلمانات المستقرة، ليصبح دوره محكوما بـ”الضرورة الإدارية والسياسية” لتسيير شؤون البلاد فقط. أي أن هذا الاتجاه يرى أن دور المجلس يقتصر على إصدار القوانين الأساسية والطارئة التي لا تحتمل التأجيل، بينما يُحظر عليه الدخول في مهمة صياغة الدستور.
الرؤية الثانية: المطالبة بـ”السيادة”.. قوة الأمر الواقع والشرعية الثورية
وتنطلق هذه المقاربة من أن المجلس -لكونه نتاج ثورة وإلغاء للنظام القديم- يمتلك قوة تغيير استثنائية، أي أن ممارسته الفعلية لسلطة إلغاء القوانين وتفكيك ترسانة الاستبداد الموروثة تمنحه سلطة فاعلة ومؤثرة بحكم الأمر الواقع، حتى مع وجود الإعلان المؤقت. هذا الطرح لا ينفي القيد القانوني، بل يضع الشرعية الثورية كمصدر قوة موازٍ يتيح له تجاوز القيود الصارمة إذا تطلبت المصلحة الوطنية ذلك.
لكن هذا المسار يحمل سلبيات جمة، فهو قد يُعجّل بإنهاء المرحلة الانتقالية لكنه يولد خصومة سياسية ودستورية واسعة تهدد استقرار الدستور المكتوب، وأصحاب هذا الطرح يدعون النواب للتعامل مع هذه الصلاحيات بمسؤولية كاملة كما لو كانت سيادية.
إن التعارض بين مسار الالتزام بالضرورة ومسار الانحياز للتأسيس الفوري يضع المجلس السوري في مأزق حقيقي، فبينما قدمت الرؤية الأولى حماية للمؤسسة الدستورية بتسليم مهمة التأسيس لجهة أوسع شرعية، فإن الرؤية الثانية تكشف عن التكلفة الباهظة لاستحواذ هيئة ذات شرعية ناقصة على الصلاحيات التأسيسية، حيث يهدد الانقسام السياسي بانهيار العملية برمتها. هذا التحدي يفرض على النواب إيجاد توازن صعب: إما الاكتفاء بالحد الأدنى القانوني والتمهيد لمستقبل أكثر استقرارا، وإما المضي قدما في التأسيس وتحمل عبء الانقسام والمخاطرة بشرعية الدولة الجديدة.
ثلث بلا صناديق.. بوابة تمكين أم قيد رقابة؟
إن الصراع حول صلاحيات المجلس الدستورية (الضرورة مقابل السيادة) يتفاقم بسبب تحدٍ داخلي يمس شرعية تمثيله ذاتها، فإضافة إلى القيود القانونية الناتجة عن الإعلان المؤقت، يواجه المجلس تحديا هيكليا يتمثل في كيفية تشكيله، حيث نصّت القواعد الانتقالية في الإعلان الدستوري على أن يعين الرئيس أحمد الشرع 70 عضوا -من أصل 210 أعضاء- مباشرة، بينما ينتخب الثلثان الباقيان بانتخاب غير مباشر.
ويُبرر النظام الجديد هذا التعيين بالحاجة إلى سدّ ثغرات التمثيل، ولا سيما فيما يتعلق بالمرأة والأقليات والكفاءات التي قد لا تصل عبر الانتخابات غير المباشرة بسبب الظروف الأمنية والسياسية القائمة، وعدم استقرار مناطق واسعة مثل الرقة والحسكة والسويداء.
نتائج الانتخابات التي أجريت لنحو 140 مقعدا، أظهرت بالفعل أن نسبة النساء مثلا لم تتعد 3%، وأن حضور الأقليات كان ضعيفا، وهو ما تسعى التعيينات الرئاسية إلى تداركه في محاولة لصبغ المجلس بصبغة أكثر شمولية وتمثيلا للكفاءات الفنية المطلوبة للمرحلة. هذا الأمر يُغذي جدلا واسعا حول مبدأ فصل السلطات، ويطرح علامات استفهام كبرى حول استقلالية المؤسسة التشريعية في مرحلة بالغة الحساسية.
وحول تداعيات هذا الثلث المعيَّن على استقلالية المجلس، يتبلور موقفان متقابلان في الساحة السياسية بشأن دوره المتوقع:
فمن جهة، يرى المؤيدون أن هذا الإجراء ضروري لتحقيق التمكين والتضمين، فهو يمثل حلا سريعا لسدّ ثغرات التمثيل التي فشلت الانتخابات غير المباشرة في معالجتها.
في المقابل، يخشى المشككون من أن يؤدي هذا التعيين إلى التقييد والتعطيل، لأن الأعضاء المعينين قد يشكلون كتلة تصويتية موالية للسلطة التنفيذية، مما يهدد استقلالية المجلس ويقيد دوره الرقابي الفعّال. كما يرى البعض أن هذا الثلث قد يتحول إلى “ثلث معطل” في القضايا الجوهرية التي تتطلب أغلبية واسعة، مما يعيق قدرة الثلثين المنتخبين على تمرير قرارات جريئة في ملفات مصيرية.
ويبقى مصير هذا الجدل مرهونا بمدى استقلالية الأعضاء المعينين وقدرتهم على أداء دور رقابي تشريعي فعّال، بعيدا عن ضغوط السلطة التنفيذية. إن استعدادهم لاستخدام صلاحياتهم في المساءلة والاستجواب والتحقيق في تجاوزات الحكومة، هو المؤشر الحقيقي الوحيد لمدى فصل السلطات في هذه المرحلة الحرجة.
تفكيك الإرث وبناء الدولة
تتجاوز المهام الملقاة على عاتق المجلس الصراع الدستوري إلى معركة كبرى مع الإرث القانوني والاقتصادي للنظام السابق، وهي مهام لا تحتمل التأجيل وتتطلب تركيزا تشريعيا جذريا. في هذا السياق، تُعتبر الأولوية القصوى للمجلس هي تبني أجندة “إلغاء التشريع”، حيث كان القانون في سوريا لعقود أداة للقمع والفساد، والشارع السوري ينتظر إلغاء لا تعديلا للعديد من هذه القوانين.
تنص هذه الأجندة على ضرورة البدء بالإصلاح القانوني الجذري وتفكيك قوانين القمع، وفي مقدمتها إلغاء جميع التشريعات المقيدة للحريات العامة، يشمل ذلك ما تبقى من نصوص مستمدة من “قوانين الطوارئ” القديمة، وتلك التي تُجرم التعبير عن الرأي. ويبرز هنا الخطر الكامن في قوانين مثل القانون رقم 20 لسنة 2022 الذي وسع من مفهوم الجرائم الإلكترونية بشكل فضفاض، مما يجعله أداة قمعية جاهزة للاستخدام.
وبالموازاة مع ذلك، يواجه المجلس تحدي تفكيك الترسانة البيروقراطية التي كرست الفساد وأعادت إنتاج الاستبداد عبر التعقيدات الإدارية. لمعالجة ذلك، يتطلب الأمر تبسيط الإجراءات الحكومية بشكل جذري، وإلغاء القوانين التي تمنح الإدارة صلاحيات تقديرية واسعة لتعطيل مصالح المواطنين. هذه الإصلاحات ستعزز الشفافية وتخلق بيئة مواتية لتطوير البنى التحتية والخدمات.
على الصعيد المالي، تُعدّ القوانين المتعلقة بالفساد تحديا أخلاقيا وقانونيا يتطلب سنّ تشريعات تضمن استرداد الأصول المنهوبة. إن معالجة الإرث المالي للنظام السابق تتجاوز مكافحة الفساد اليومي إلى تفكيك “اقتصاد الحرب” الذي كرّس منظومة هائلة من “الإثراء غير المشروع”. يواجه المجلس تحدي إعادة بناء الثقة الاقتصادية عبر حزمة تشريعات عاجلة، تشمل التصديق على قانون موحد لحماية الملكية يوقف الممارسات غير القانونية التي سمحت بمصادرة ممتلكات المهجرين بحجج أمنية أو عقارية، والإلغاء الفوري لكل القوانين التي تسمح بإسقاط حق الملكية لمجرد الغياب أو الاتهام.
السلم الأهلي وتوقعات الشارع
إن استعادة السلم الأهلي هي جزء لا يتجزأ من أجندة الإصلاح القانوني. تُسلط حوادث جنائية مؤلمة وقعت مؤخرا الضوء على تحدٍ يتمثل في هشاشة السلم الأهلي الذي تجب حمايته، خصوصا أن هذه الحوادث يمكن استغلالها طائفيا على منصات التواصل. لذلك، فإن على المجلس أن يولي الأولوية لسنّ تشريعات تضمن أن الجريمة تُعاقَب كجريمة ضد القانون العام، لا أن تُؤطّر كقضية انتقامية. هذا يتطلب إقرار قانون لمكافحة خطاب الكراهية والتحريض الطائفي، وتفعيل دور القضاء لضمان أن تكون الإجراءات في هذه القضايا الحساسة شفافة وسريعة ومحايدة.
في النهاية، يرى السوريون في مجلس الشعب الجديد فرصة لإنهاء وضع مؤقت من الفوضى القانونية وتدني الخدمات. ومن بين المطالب الشعبية المرتفعة: تحسين جودة التعليم، وتطوير البنى التحتية، والأهم هو مكافحة الفساد بجدية وتقديم المجرمين للمحاسبة، وهذا متعلق بقدرة المجلس على فتح مسارات تشريعية جذرية تعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتؤسس لمواطنة متساوية، وتحارب الفساد دون تردد.
في نهاية المطاف، لا يجد مجلس الشعب السوري نفسه أمام خيارات واضحة، بل أمام اختبار تاريخي قاسٍ: القيود القانونية المفروضة بالإعلان المؤقت تقف في وجه الاحتياجات الثورية الملحة لتفكيك الدولة القديمة وبنائها من جديد، والنواب المحاصرون بين واجب التشريع العاجل وتوقعات الشارع لتأسيس عقد اجتماعي يحمل اسم سوريا الجديدة.
المهمة اليوم ليست في صياغة مواد دستورية، بل في بناء الثقة المفقودة. وسواء اختار المجلس مسار الالتزام القانوني الحذر أم الإقدام الثوري، فإن نجاحه لن يقاس بكمّ القوانين التي يمررها، بل بمدى قدرته على تطهير تركة الاستبداد وتأمين الحد الأدنى من الكرامة والخدمات للمواطنين.
المصدر: الجزيرة
——————————————
بعد انتهاء عملية الاختيار.. إصدار القوائم النهائية لأعضاء مجلس الشعب في سوريا
2025.11.01
أصدرت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب القوائم النهائية لأعضاء المجلس، اليوم السبت، وذلك بعد انتهاء عملية الاختيار في الدوائر المقررة في المحافظات السورية.
وأفاد المتحدث باسم اللجنة، نوار نجمة، في منشور على صفحته على “فيس بوك”، أن موعد انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب سيُحدد بعد صدور أسماء الثلث الأخير الذي يعينه الرئيس أحمد الشرع حسب نص الإعلان الدستوري.
وتضمنت القوائم أسماء 30 عضواً من محافظة حلب، و10 من محافظة دمشق، و12 من ريف دمشق، و12 من محافظة حمص، و12 من محافظة حماة، و7 من محافظة اللاذقية، و5 من محافظة طرطوس، و10 من محافظة دير الزور، و12 من محافظة إدلب، و6 من محافظة درعا، و3 من القنيطرة، و2 من تل أبيض، و1 من رأس العين.
وبذلك، تبقى مقاعد المحافظات التي لم تُجرَ فيها عملية الاختيار، وهي: السويداء بـ3 مقاعد، الحسكة بـ10 مقاعد (بما في ذلك مقعد رأس العين)، والرقة بـ6 مقاعد تشمل مقعدي تل أبيض.
تشكيل مجلس الشعب في سوريا
انطلقت صباح الخامس من تشرين الأول الفائت عملية اختيار أعضاء مجلس الشعب في سوريا، للمرة الأولى بعد سقوط نظام الأسد، وفق آلية استثنائية تعتمد على هيئات ممثّلة عن المناطق تتولى مهمة انتخاب المرشحين.
وتنافس 1578 مرشحاً موزعين على خمسين دائرة انتخابية على 140 مقعداً في مجلس الشعب من أصل 210 مقاعد، حيث يعيّن الرئيس الشرع ثلثها مباشرة، في حين يُنتخب الثلثان الآخران.
وشكّلت النساء 14% من عدد المرشحين، إلا أن حصتهن لم تتجاوز 3% بعد فرز الأصوات. وأكد رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، محمد طه الأحمد، أن الرئيس الشرع سيعمل على تصويب هذه الثغرات.
——————————
النتائج النهائية.. إليك القائمة الكاملة بأسماء الفائزين في مجلس الشعب في سوريا
2025.10.06
أصدرت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا القرار رقم (66) لعام 2025، المتضمّن النتائج الأولية لاختيار أعضاء المجلس في مختلف الدوائر الانتخابية على مستوى المحافظات السورية، وذلك استناداً إلى أحكام الإعلان الدستوري والمرسومين رقم (66) و(143) لعام 2025.
وتنافس 1578 مرشحاً موزعين على خمسين دائرة انتخابية على 140 مقعداً في مجلس الشعب من أصل 210 مقاعد، حيث يعيّن الرئيس الشرعي ثلثها مباشرة، في حين يُنتخب الثلثان الآخران.
وحصلت محافظة حلب على 32 مقعداً، وريف دمشق على 12 مقعداً، وحمص على 12 مقعداً، وحماة على 12 مقعداً، واللاذقية على 7 مقاعد، وطرطوس على 5 مقاعد، ودير الزور على 10 مقاعد، ودرعا على 6 مقاعد، وإدلب على 12 مقعداً، والقنيطرة على 3 مقاعد.
وجاءت النتائج الأولية لاختيار أعضاء مجلس الشعب للدوائر الانتخابية في المحافظات السورية على الشكل التالي:
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة حلب وريفها
الدائرة الانتخابية في جبل سمعان (تضم حلب المدينة)
أحمد محمد الحريري – فجدان / 1978
بشر نجم الدين الحاوي – حلب / 1991
تمام محمد اللودعمي – حلب / 1966
عارف عبد المجيد رزوق – حلب / 1968
عبد العزيز عبد القادر مغربي – حلب / 1979
عبد القادر محمد خوجة – حلب / 1986
عبد الكريم صالح عكيدي – زيتان / 1960
عزام فاضل خانجي – حلب / 1966
عقيل محمد حسين – عسان / 1984
علي جاسم الجاسم – زمار / 1968
عمار محمد ديب طاووز – حلب / 1981
محمد رامز أحمد كورج – عندان / 1983
محمود كامل مصطفى – حلب / 1973
مهيدي سيف الدين عيسى – تل الهوى / 1997
الدائرة الانتخابية في اعزاز
بشير محمد خير عليطو – تل رفعت / 1964
جعفر الصادق عبد اللطيف طحان – رتيان / 1978
مؤيد أحمد قبطور – إعزاز / 1987
الدائرة الانتخابية في الباب
محمد فواز المحلي – أبو جبار / 1999
أسامة محمود النعوس – الباب / 1980
طارق محمد سلو – الراعي / 1984
الدائرة الانتخابية في السفيرة ودير حافر
عمر حمدو غريبو – تل عرن / 1982
غسان محمود العبد الله – عزيزة / 1971
الدائرة الانتخابية في الأتارب
أحمد عبد الله محمود صالح – الشيخ علي / 1970
الدائرة الانتخابية في جرابلس
طارق حسن حمد – عين العرب / 1980
الدائرة الانتخابية في عفرين
رنكين محمد عبدو – تل غازي / 1980
شيخ سعيد أحمد شيخ إسماعيل زاده – زيتوناك / 1968
محمد سيدو سيدو – حلب / 1978
الدائرة الانتخابية في منبج
أحمد إدريس الطعان – جب الكجلي / 1973
إبراهيم خليل الطالب – تل حوذان / 1977
مصطفى عمر حاج عبد الله – منبج / 1978
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة دمشق
الدائرة الانتخابية في دمشق
حسان نذير الشيخة / 1971
رضوان محمد السبيناتي / 1979
عدنان محمد جمال الدين الخطيب / 1983
عمار أسامة شرقطلي / 1982
محمد باسل محي الدين هيلم / 1972
محمد سعدي محمد هشام سكرية / 1972
محمد عامر نزار صفر الحلبي / 1988
محمد وسام محمد صالح الدين زغلول / 1976
نزار يونس المدني / 1981
هشام حسني الأفيوني / 1980
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة ريف دمشق
ريف دمشق ويبرود
حسان أحمد عطايا – دمشق / 1985
محمد سليمان محمد صالح دحال – زملكا / 1972
محمد عزام تحسين حيدر – يبرود / 1979
الزبداني
عماد علي الأشرفاني / 1970
التل
أيمن عبده شمو / 1982
القطيفة
خالد عرفات عرابي – جيرود / 1963
النبك
محمد شريف يوسف طالب – النبك / 1957
داريا
مؤيد محمد حبيب / 1986
دوما
حسام عدنان حمدان – دوما / 1973
مصطفى محمود سقر – حرستا / 1963
نزار محمد الشايب – عتيبة / 1988
قطنا
علي مسعود مسعود – عرطوز / 1984
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة حمص
مركز مدينة حمص
عبد الله محمد خالد غنوم / 1978
قتيبة أحمد العيسى / 1983
كنان محمد لبيب النحاس / 1977
محمد وليد الباكير / 1973
نادر محمد أديب صنوفي / 1964
ناصر محمد عيد المحيميد / 1980
نور محمد مؤيد الجندلي / 1978
وضاح نجيب رجب / 1977
الرستن
محمد عبد الرحمن أيوب / 1974
القصير والمخرم
أحمد محمد السماعيل / 1983
تدمر
محمود محمد أمين مادون أسعد / 1986
تلكلخ
سالم محمد الأحمد / 1974
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة حماة
مركز مدينة حماة
بسام محمد حلمي الحسين / 1966
طارق خالد المدني / 1968
عبد الله الحاج عبد الله / 1979
عثمان عبد القادر النقار / 1963
مؤمنة عبد الغني عربو / 1992
السقيلبية
عبد الرزاق يوسف العليوي / 1979
عبد الفتاح حسن عبيد / 1990
السلمية
عبد الله عبد الكريم الشعار / 1990
ياسر محمود الشحادة / 1987
محردة
عبد الناصر حسن العمر الحوشان / 1968
مصياف
إبراهيم عبد الله العبد الله / 1978
سامر أحمد محمد / 1980
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة اللاذقية
مركز مدينة اللاذقية
جمال عبد الرحمن مكيس / 1958
رولا عبد الله دايه / 1968
سامر دوران قره علي / 1986
الحفة
رفاعة مصطفى عكرمة / 1965
القرداحة
أوس فايز عثمان / 1970
جبلة
علي حسن يعقوب آغا / 1968
رامي إبراهيم محفوض / 1983
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة طرطوس
بانياس
أمجد أكرم علي / 1989
دريكيش والشيخ بدر
لينا فهيم عيزوقي / 1984
صافيتا
مي ناجح خلوف / 1978
عبد الرزاق محمد ريس / 1978
عزام منير جحجاح / 1972
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة دير الزور
مركز مدينة دير الزور
أحمد محمد الشالش / 1968
أكرم مداح العساف / (غير مذكور)
خالد جمال الخلف / 1988
عامر جاسم البشير / 1980
فجر فوزي الأحمد / 1981
البوكمال
أمير عدال عبد الرزاق الدندل / 1980
أسامة محمد صالح العساف / 1953
محمود صالح العويص / 1973
الميادين
عايش خليف الحسين / 1970
مروان أحمد النزهان / 1977
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة إدلب
مركز مدينة إدلب
حسام عبد الرزاق دبيس / 1981
عبد الرزاق سعد عوض / 1988
مازن أحمد غزال / 1970
معرة النعمان
فرج راكان عقدي / 1982
محمد فراس محمد بديع الجندي / 1958
خان شيخون
خالد محمد السلوم / 1976
جسر الشغور
محمد مصطفى كلتوم / 1970
مصطفى عبد الوهاب موسى / 1977
حارم
إقبال محمد منصور / 1982
وجدي طريف زيدو / 1985
أريحا
طاهر عوض عبد الباقي / 1970
عبد الحسيب خالد دغمش / 1986
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة درعا
مركز مدينة درعا
عبد الرحمن خالد الحريري / 1962
عدنان أحمد المسالمة / 1963
نزار عبد الرزاق الرشدان / 1979
الصنمين
محمد فاروق العاصي / 1985
إزرع
عبد المولى محمد عيد الحريري / 1977
محمد سرور المذيب / 1972
الفائزون بمجلس الشعب في محافظة القنيطرة
مركز مدينة القنيطرة
جمال محمد النميري / 1971
طارق محمد الذياب / 1982
فيق
محمد موفق أبو شومر / 1990
تلفزيون سوريا
—————————–
الانتخابات النيابية وتحديات إعادة بناء الدولة السورية/ فراس فحام
ستُختبر الحكومة السورية مع بدء جلسات المجلس التشريعي؛ فإما أن يرسخ المجلس استقلاله التشريعي ويمنحها ثقة داخلية ودولية، أو يكتفي بدور صوري يعمِّق أزمة الثقة ويؤكد احتكارها للسلطات دون رقابة.
29 أكتوبر 2025
مقدمة
أنجزت سوريا، في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أول انتخابات نيابية، هي الأولى التي تشهدها سوريا خارج إطار حكم آل الأسد الذي استغرق قرابة 50 عامًا، واعتُمد فيها التصويت غير المباشر.
أسفرت الانتخابات عن نجاح 121 عضوًا من أصل 140 كان يُفترض أن يتم انتخابهم، مع تعليق الانتخابات في بعض الدوائر التي تقع خارج سيطرة الحكومة حاليًّا، كما سيعيِّن الرئيس السوري لاحقًا 70 عضوًا أي ثلث أعضاء مجلس النواب الذي يجب أن يبلغ 210 أعضاء وفقًا للمرسوم الرئاسي 143 الذي صدر في أغسطس/آب 2025.
ومع هذه الخطوة التي يراد منها استكمال المرحلة الانتقالية، دخل المشهد السوري في مرحلة سياسية مهمة، بعد تصدر الاعتبارات الأمنية أولوية الاهتمامات على مدار الأشهر العشرة التي تلت عملية سقوط الأسد، وقد تباين التعاطي الشعبي مع نتائج الانتخابات بين ارتياح وتحفظ ورفض تبعًا لحالة الانقسام السابقة على إجراء هذه الانتخابات.
أولًا: دوافع إجراء الانتخابات النيابية
جرت الانتخابات النيابية في سياق تسعى فيه السلطة التنفيذية، التي تتولى إدارة المرحلة الانتقالية، إلى تعزيز شرعيتها الداخلية وكسب اعتراف خارجي أوسع. وقد جاءت هذه الانتخابات في ظل استمرار الانتقادات الموجهة إلى السلطة بشأن آليات الحوار الوطني الذي نظَّمته، بوصفه المدخل الأساسي لتجديد التفويض السياسي لها. وكان ذلك الحوار قد مهَّد لتسلمها مهامها عقب مؤتمر “النصر” الذي عقدته، مطلع عام 2025، القوى المشاركة في عملية “ردع العدوان”، ضمن إطار التحالف العسكري الذي قاد المواجهة الأخيرة وأرسى ترتيبات المرحلة السياسية الراهنة.
تحتاج الحكومة السورية إلى إظهار استجابتها لمطالب المجتمع الدولي بأنها تعمل على توسيع المشاركة السياسية في السلطة لتشمل مختلف المكونات(1)، بهدف ترسيخ شرعية تمثيلها للسوريين، ولتشجيع الدول على المزيد من الانفتاح السياسي والاقتصادي على سوريا.
وقد حرصت الحكومية السورية منذ تشكيل اللجنة العليا للانتخابات التي أدارت عملية تشكيل الهيئات الناخبة على إبراز مشاركة المكونات الفاعلة في العملية السياسية؛ حيث ضمَّت اللجنة شخصية مسيحية ممثلة بالناطق باسم اللجنة، “نوار نجمة”، وسيدة من الطائفة الإسماعيلية، “لارا عيزوقي”، وشخصية كردية وهي محمد ولي. وذلك بالإضافة إلى شخصيات معروفة لدى منظمات المجتمع المدني والدول المؤثرة، لاسيما رئيس هيئة التفاوض للمعارضة السورية سابقًا، “بدر جاموس”، ورئيس الائتلاف المعارض السابق، “أنس العبدة”.
ولا شك أن تجاوب الحكومة السورية مع مطالب المجتمع الدولي في هذا التوقيت، سيساعدها في مسارها نحو العقوبات عن سوريا، خاصة الأميركية منها التي تشترط استكمال العملية الانتقالية وحماية الأقليات. كما أن تعزز شرعية الحكم دوليًّا، سيمكِّنه من توقيع اتفاقيات ومعاهدات اقتصادية وأمنية، لتنعكس استقرارًا داخليًّا بدورها.
ثانيًا: نتائج الانتخابات
اعتمدت سوريا نظام الانتخابات غير المباشر عبر لجنة عليا للانتخابات، تشكلت بموجب المرسوم رقم 66 الصادر في يونيو/حزيران 2025، استنادًا إلى المادة 24 من الإعلان الدستوري الصادر في مارس/آذار 2025. كما أُنشئت هيئات فرعية تولَّت تنظيم عملية التصويت في كل محافظة، وذلك في ظل عدم استكمال سيطرة الحكومة على كامل الأراضي السورية، واستمرار الاضطرابات الأمنية، وغياب القدرة الفنية اللازمة لتمكين جميع المواطنين من التصويت، بمن فيهم اللاجئون السوريون والمقيمون في الخارج.
حصلت محافظة حلب على النسبة الأعلى من التمثيل بواقع 30 عضوًا، وبنسبة تفوق ربع الأعضاء المنتخبين، وبفارق يزيد عن النصف عن المحافظات التي تلتها من حيث عدد الأعضاء، وهي: ريف دمشق، وحمص، وإدلب، ثم حماه، وقد بلغ عدد الممثلين في كل منها 12 عضوًا. وبلغ تمثيل محافظتي دمشق ودير الزور 8 أعضاء لكل منها، واللاذقية 7 مقاعد، ودرعا 6 مقاعد، وطرطوس 5 مقاعد، والقنيطرة 3 مقاعد، ومقعد واحد لكل من الرقة والحسكة، مع تأجيل الانتخابات في دوائر عديدة ضمن الرقة والحسكة والسويداء، بحكم عدم سيطرة الحكومة السورية على هذه الدوائر التي تقع ضمن مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وسيطرة اللجنة القانونية والتنظيمية والمجلس العسكري في السويداء.
أفرزت النتائج تمثيلًا محدودًا للأعراق والأديان والمذاهب، فمقابل 113 نائبًا عربيًّا، حصل المكون الكردي على 4 مقاعد، والعدد ذاته للمكون التركماني. بالمقابل، بلغ عدد الأعضاء المنتمين للمسلمين السنَّة 113 عضوًا، مقابل 3 مقاعد لأبناء الطائفة العلوية، ومقعدين للطائفة الإسماعيلية، فيما لم يفز أي نائب من الطائفة الدرزية بحكم تأجيل الانتخابات في محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية غير الخاضعة لسيطرة الحكومة. كما غابت الطوائف الشيعية والمرشدية عن المجلس بحكم نسبتهم المنخفضة في سوريا.
شاب العملية الانتخابية اعتراضات لجهة استبعاد شخصيات محسوبة على الحراك الشعبي ضد نظام الأسد المخلوع، مع عدم تقديم مبررات واضحة حول سبب الاستبعاد. كما شهدت محافظة حلب تحديدًا احتجاجًا على العملية الانتخابية بحجة هيمنة “جماعة الإخوان المسلمين” على الهيئة الناخبة، وهذا ما أخَّر الإعلان عن النتائج لأكثر من 24 ساعة مقارنة مع المحافظات الأخرى، لكن اختفت الأصوات الناقدة مع الإعلان عن الأسماء الفائزة(2).
شهدت الانتخابات تشكيل تحالفات سياسية آنية تخدم العملية الانتخابية أكثر من كونها تعبِّر عن اتجاهات سياسية مستقبلية، وقد كان من نتيجة هذه التحالفات انخفاض عدد النساء الفائزات بعضوية نيابية في مختلف المحافظات، بالإضافة إلى صعود الاتجاه المحافظ.
أظهرت النتائج تمثيلًا مقبولًا على مستوى المحافظات، ومحدودًا على صعيد التمثيل العرقي والطائفي، مع هيمنة التيار المحافظ على غالبية مقاعد المجلس، خاصة في إدلب وحمص وريف دمشق وحلب، وحضور محدود للغاية للتيار العلماني، والمحسوبين على المجتمع المدني؛ مما يعني في الأغلب أن المجلس سيكون أقرب للتناغم مع توجهات الحكومة.
ثالثًا: تحديات ما بعد الانتخابات
من المتوقع أن تنعكس نتائج الانتخابات على النواحي التالية:
الاستقرار الداخلي: أبدت بعض الشرائح الشعبية خاصة في حلب وإدلب وحمص وريف دمشق ودرعا الارتياح للنتائج، كون الانتخابات أقصت بشكل شبه كامل منتسبين أو موالين للنظام السابق. بالمقابل، سجل العديد من الأطراف الداخلية تحفظاته أو انتقاداته للنتائج، وأولها القوى السياسية التي لم تتمكن من الدخول في العملية الانتخابية وفق الآلية التي تمت بها، ولم تُتِحْ للأحزاب والتيارات السياسية المشاركة بأسمائها.
على سبيل المثال، رأت هيئة التنسيق الوطنية التي تضم العديد من الأحزاب والتيارات السياسية، أنه نتج عن الانتخابات تمثيل للون واحد(3)، وهو القريب من السلطة، في إشارة إلى هيمنة التيار “المحافظ” والإسلامي على غالبية مقاعد مجلس النواب. في حين امتنعت جماعة الإخوان المسلمين عن التعليق المباشر على النتائج، وأصدرت لاحقًا وثيقة حول “التعايش المشترك”، تضمنت مقترحات لإدارة التعدد السياسي والديني في سوريا عن طريق التعاقد لا بـ”الهيمنة”(4).
من المتوقع أن تؤثر هذه النتائج، وما أعقبها من اعتراضات من قبل القوى والكتل السياسية، على الانطباع السياسي العام؛ إذ تعزز القناعة بأن الحكومة السورية لا تزال غير منفتحة على المشاركة السياسية الحقيقية. وقد يؤدي ذلك إلى مزيد من الاحتقان والابتعاد عن مسار تطبيع الحياة السياسية ما لم يتصد مجلس النواب الجديد لمعالجة هذه الإشكالية من خلال وضع إطار قانوني ينظم عمل الأحزاب السياسية، بما يوجه الجهود نحو تأطير النشاط السياسي داخل أحزاب ومؤسسات منظمة، بدل أن يتجلى في شكل سخط شعبي غير مؤطر.
مسار وحدة الأراضي السورية: اعترضت قسد وذراعاها، المدني المتمثل بـ”الإدارة الذاتية”، والسياسي ممثلًا بمسد، على النتائج، واعتبرتها غير ملزمة ولا تمثلها، لأن الأعضاء المنتخبين لا يمثلون الإرادة السياسية المتنوعة للمجتمع السوري. واجتمع عقب صدور نتائج الانتخابات، عدد من مناهضي الحكومة السورية في ساحة السويداء ممن يتبنون شعار “الإدارة الذاتية”، و”حق تقرير المصير” للتأكيد على عدم الاعتراف بها(5).
عزَّزت الاعتراضات التي تلت الانتخابات القناعة بأن حالة الاستعصاء المرتبطة بتوحيد كامل الأراضي السورية ستستمر؛ إذ أضيفت قضية شرعية مجلس النواب الجديد إلى سلسلة الملفات الخلافية بين الحكومة السورية من جهة، والقوى المسيطرة على الحسكة والرقة والسويداء من جهة أخرى.
وترى هذه القوى أن طريقة إجراء الانتخابات تمثل مؤشرًا إضافيًّا على رغبة الحكومة في فرض أمر واقع دون تشاركية حقيقية معها؛ الأمر الذي قد يدفعها إلى رفض القوانين والتشريعات التي سيصدرها المجلس لاحقًا، ما لم تتم معالجة الخلاف عبر إجراء انتخابات خاصة في دوائر الرقة والحسكة والسويداء، أو من خلال تفعيل حصة الثلث التي يملك الرئيس السوري حق تعيينها، والبالغة 70 عضوًا من أصل 210.
إنهاء انتشار السلاح: تُعَدُّ قضية إنهاء انتشار السلاح خارج إطار مؤسسات الدولة وتفكيك الكيانات العسكرية المستقلة من القضايا الملحَّة، التي من شأن إنجازها أن يسهم في تعزيز الاستقرار ودعم مسار بناء الدولة. هذا المسار يتأثر بشكل مباشر بالاعتبارات السياسية؛ إذ تُعد الكيانات التي لا تزال تنشط خارج إطار مؤسسة الجيش حاملةً لمشاريع سياسية واضحة، وليست مجرد تنظيمات عسكرية بلا أهداف، كما هي الحال في قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والمجلس العسكري في محافظة السويداء.
عكفت قسد والمجلس العسكري في السويداء، على رفض أي خطوة تصدر عن الحكومة منذ صدور الإعلان الدستوري، انطلاقًا من رغبتهما في أن تتعامل الحكومة معهما كطرفين شريكين في بلورة ملامح المرحلة الانتقالية، لا كتنظيمين خارجين عن الشرعية.
بعد يوم واحد من إجراء الانتخابات النيابية، اندلعت موجة تصعيد جديدة بين قوات قسد والحكومة السورية على تخوم أحياء حلب التي لا تزال تتمركز فيها قوات قسد، ولاسيما في حيي الشيخ مقصود والأشرفية. وفي هذا السياق، صرَّح عضو مجلس قيادة قسد، سيبان حمو، بأنهم يمثلون مشروعًا اجتماعيًّا وسياسيًّا قبل أن يكونوا فصيلًا عسكريًّا، متهمًا الحكومة بأنها تسعى لإلغاء هويتهم الاجتماعية والسياسية. يؤشر هذا التطور إلى أن جهود احتواء التنظيمات العسكرية ضمن مؤسسات الدولة تواجه مزيدًا من التعثر(6).
ملف إعادة الإعمار: فقًا لتقديرات البنك الدولي، تحتاج سوريا إلى نحو 216 مليار دولار أميركي لإعادة إعمار المناطق التي تعرضت لأضرار جسيمة خلال سنوات الحرب، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو ثلث الأصول الإنتاجية الثابتة في البلاد قد تضرر، بما في ذلك المساكن والمصانع وشبكات المياه والكهرباء وغيرها من البنى التحتية الحيوية(7).
إن دوران عجلة إعادة الإعمار في سوريا يتطلب أولًا تحقيق الاستقرارين السياسي والأمني، إلى جانب تهيئة بيئة قانونية تُقدم تطمينات للجهات الدولية والمستثمرين، بما يشجعهم على ضخ الاستثمارات اللازمة دعما لعملية الإعمار. ويبدو أن الانتخابات النيابية الأخيرة أسهمت إلى حد ما، في تعزيز هذه التطمينات، إذ أشادت البعثة الأممية الخاصة بسوريا بسير العملية الانتخابية، مؤكدةً أنها جرت في بيئة منظمة وسليمة.
كما أن إطلاق مسار إعادة الإعمار يبقى مرهونًا برفع العقوبات الدولية المفروضة على سوريا، في ظل ربط العديد من الدول، وعلى رأسها أميركا، بين تخفيف العقوبات وتحقيق إصلاحات سياسية وضمان الاستقرار وحماية الأقليات. من هذا المنطلق، فإن تمثيل مختلف الطوائف ضمن المجلس النيابي الجديد من الممكن أن يترك أثرًا إيجابيًّا في هذا الاتجاه، فيعزز فرص الانفتاح الدولي والإقليمي على دمشق.
العلاقة مع إسرائيل: من المتوقع أن تنظر إسرائيل إلى الانتخابات النيابية التي شهدتها سوريا بوصفها خطوة نحو تكريس سلطة الحكومة السورية الحالية، ولاسيما في ظل سيطرة التيار المحافظ على غالبية مقاعد المجلس. وبناءً على ذلك، يُرجح أن تواصل تل أبيب نهجها القائم على تطوير العلاقات مع بعض الأطراف المناهضة للحكومة السورية، مثل الكرد والدروز وبعض المجموعات العلوية، وهي السياسة التي تتبعها إسرائيل منذ المراحل الأولى لسقوط بشار الأسد. فقد استضافت تل أبيب، في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أول مؤتمر إقليمي للأقليات في الشرق الأوسط، وشاركت فيه شخصيات كردية وعلوية ودرزية وآشورية من سوريا والعراق. وفي اليوم نفسه، جدَّد “الزعيم الدرزي”، حكمت الهجري، الذي يعد “مرجعية دينية” لمجلس السويداء العسكري المدعوم إسرائيليًّا، تمسكه بما سماه “حق تقرير المصير” واستقلال محافظة السويداء(8). ومن دون موافقة الحكومة السورية الحالية ومجلس النواب المنتخب على اتفاق جديد مع إسرائيل يُقر بالواقع الميداني القائم وتوسع الانتشار الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، يُتوقع أن تواصل تل أبيب رفضها لشرعية الخطوات التي تتخذها الحكومة السورية، معتبرةً إياها محاولة لترسيخ سلطة تفتقر إلى الاعترافين، الإقليمي والدولي، الكافيين.
رابعًا: المأمول بعد الانتخابات
وفقًا للظروف الحالية التي تعيشها سوريا، فإن المأمول من المجلس التشريعي المنتخب اتخاذ الخطوات التالية:
إقرار الدستور: يُعَدُّ انتخاب مجلس النواب خطوة تمهيدية نحو استكمال العملية الانتقالية من خلال إقرار دستور دائم للبلاد، بما يُنهي مرحلة العمل بـ”الإعلان الدستوري المؤقت”. ورغم أن الآلية التي سيعتمدها المجلس لصياغة الدستور الجديد لم تتضح بعد، فإن من المرجح أن يقوم بمنح الثقة للجنة تقنية متخصصة تتولى إعداد مسودة الدستور، ليُصار لاحقًا إلى التصويت عليها داخل المجلس وفق نسبة تأييد محددة، أو طرحها للاستفتاء الشعبي. تُعد عملية إقرار دستور دائم لسوريا من الأولويات الملحَّة؛ إذ إن صياغة دستور يعكس تطلعات مختلف المكونات السورية، خصوصًا فيما يتعلق بشكل نظام الحكم والحقوق الثقافية والسياسية، ستُسهم بدرجة كبيرة في تعزيز الاستقرار الداخلي وتقليص احتمالات الصدامات المسلحة مستقبلًا.
كما تمثل هذه الخطوة مؤشرًا على الانتقال من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة الاستقرار السياسي في إطار دستوري واضح، في حين أن تأجيلها أو تعطيلها قد يُغذِّي الشكوك حول نوايا الحكومة الانتقالية بالاحتفاظ بالسلطة لأَجَل غير محدد.
قانون الأحزاب: تترقب القوى السياسية السورية صدور قانون الأحزاب عن المجلس التشريعي، بوصفه خطوة أساسية تتيح لها الانخراط في الحياة السياسية والعمل على بناء قواعد جماهيرية تمكِّنها من المشاركة الفاعلة في إدارة الشأن العام. وسينظر العديد من القوى السياسية إلى إقرار القانون أو تعطيله بوصفه مؤشرًا على التوجه الذي تعتزم الحكومة السورية الانتقالية اتباعه مستقبلًا: وما إذا كانت ستفتح المجال أمام التعددية والحرية السياسية، أم أنها ستتبنَّى نهجًا إقصائيًّا يُعيد إنتاج المشهد السياسي الأحادي بصورة جديدة؟
تشريعات العدالة الانتقالية: يعد من أبرز الملفات التي جلبت للحكومة السورية انتقادات واسعة، نتيجة غياب المحددات الواضحة للنهج المتبع في التعاطي معه. وقد شهدت بعض المناطق السورية، مثل مدينة حلب، عمليات تصفية استهدفت شخصيات أمنية كانت تعمل سابقًا لدى نظام الأسد؛ ما يُنذر بإمكانية اتساع نطاق الحوادث الأمنية ذات الطابع الانتقامي في ظل غياب إطار قانوني وزمني واضح لتطبيق العدالة الانتقالية. لذلك، سيكون المجلس التشريعي أمام مهمة أساسية تتمثل في صياغة قوانين واضحة تنظم هذا المسار.
تشريعات استثمارية لدعم عملية إعادة الإعمار: تركز سوريا اهتمامها في المرحلة الراهنة على جذب الاستثمارات الخارجية، وهو ما يتطلب إعادة النظر في قوانين الاستثمار السارية، إلى جانب دراسة إصدار تشريعات جديدة تُسهِم في تيسير بيئة الأعمال وتحفيز المستثمرين، بما يمنح زخمًا لعملية إعادة الإعمار، ويُسهم في توفير فرص عمل وتحسين الأداء الاقتصادي العام. ومن المتوقع أن يضطلع مجلس النواب الجديد بدور مهم في إقرار التعديلات التي أُجريت على قوانين الاستثمار قبل الانتخابات؛ حيث تم، في يوليو/تموز 2025، اعتماد تعديلات على قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021، هدفت إلى منح مزايا إضافية للمستثمرين.
المعاهدات والاتفاقيات ومذكرات التفاهم الدولية: يُنتَظر من المجلس التشريعي أن ينظر في قانونية بعض التفاهمات والاتفاقيات التي أبرمتها الحكومة السورية مع جهات دولية في ظل غياب سلطة تشريعية آنذاك، وذلك بهدف إجازتها أو تعديلها بما يتوافق مع الأطر الدستورية. كما سيكون المجلس معنيًّا بممارسة دوره الرقابي والتشريعي على أي اتفاقيات أمنية أو سياسية جديدة قد تعقدها الحكومة، ولاسيما الاتفاقية الأمنية المحتمل توقيعها مع إسرائيل في حال تجاوز الخلافات بين الجانبين.
وفي سياق مواز، كانت الحكومة السورية قد أجرت خلال المرحلة السابقة لقاءات ومباحثات أمنية وعسكرية مع عدد من الدول، على رأسها تركيا وروسيا، لاستكشاف إمكانية إبرام اتفاقيات تعزز قدرات الجيش السوري، بما في ذلك الإبقاء على بعض القواعد العسكرية مقابل خدمات تدريب. ومن المنتظر أن يقوم المجلس النيابي بمناقشة هذه الاتفاقيات مع السلطة التنفيذية قبل المصادقة عليها؛ الأمر الذي ينطبق أيضًا على الاتفاقيات المحتملة لترسيم الحدود البحرية مع كل من تركيا ولبنان.
قوانين داخلية: تواجه سوريا جملة من المشكلات الداخلية المعقدة التي تتطلب إصدار تشريعات جديدة لتنظيم الأوضاع الداخلية. فعلى سبيل المثال، فإن قانون العقوبات الذي وُضع في ظل نظام الأسد يتضمن العديد من الثغرات ويحتاج إلى مراجعة شاملة وتعديل موسع، ليشمل توصيف جرائم لم تكن مدرجة فيه سابقًا، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بما ينسجم مع المعايير القانونية الدولية. كذلك، كان نظام الأسد قد أصدر قوانين استملاك حرمت العديد من أصحاب العقارات من ممتلكاتهم، خصوصًا في مناطق ريف دمشق. وبعد سقوط النظام، تعالت الأصوات المطالِبة بـتشكيل لجان متخصصة تتولى مراجعة عمليات الاستملاك السابقة، والبَتَّ في الأوضاع القانونية للممتلكات التي وضع النظام السابق يده عليها أو نقل ملكيتها إلى موالين له.
خاتمة
كان من المتوقع ألا تحظى الانتخابات التشريعية في سوريا برضا جميع مكونات المجتمع السوري، في ظل التقديرات المسبقة بأن نتائجها ستكون انعكاسًا للوضع السياسي الراهن، الذي تتصدره القوى التي واجهت نظام الأسد سابقًا وتتحكم حاليًّا في المشهد السوري. وبالتالي، لم يكن مستغربًا أن يفتقر المجلس النيابي الجديد إلى تمثيل شامل لكل شرائح المجتمع، بما في ذلك الفئات التي التزمت الحياد خلال سنوات الصراع أو تلك التي كانت أقرب إلى النظام السابق.
كما أن نتائج الانتخابات يصعب أن تكون مرضية بالنسبة للقوميات والطوائف السورية، نظرًا لشعورها بعدم التوازن في التمثيل، وحرمان الأحزاب والتيارات السياسية من المشاركة الفعلية، وهو ما عزز لدى بعض المكونات الانطباع بأن المجلس الجديد قد يخلو من ممثلين حقيقيين عنها.
ومن الواضح أن الحكومة السورية تعمل على إضفاء المزيد من الشرعية على حكمها، سواء عبر توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في صنع القرار قدر الإمكان، أو إيجاد مجلس تشريعي يمنحها الغطاء القانوني في الاستحقاقات المقبلة، على أن يكون هذا المجلس متجانسًا إلى حدٍّ كبير لأن أي شقاق أو انقسامات بداخله بعد انطلاق أعماله من شأنه أن يؤدي لتقويض المرحلة الانتقالية والتشكيك بقدرة الحكومة على الاستمرار.
وعلى العموم، فإن تأسيس السلطة التشريعية سيساعد الحكومة على تقويض شرعية الكيانات الرافضة للاندماج في الدولة السورية الجديدة؛ إذ إن استمرار هذه الكيانات في رفض القوانين الصادرة عن مجلس منتخب من غالبية السوريين، سيجعلها تبدو أقرب إلى “جهات متمردة” خارج الإجماع الوطني.
وفي نهاية المطاف، ستواجه الحكومة السورية اختبارًا حقيقيًّا مع انطلاق جلسات المجلس التشريعي: فإن اضطلع المجلس بدور تشريعي فعلي ومستقل عن السلطة التنفيذية، ستكسب الحكومة قدرًا من الثقة الداخلية والدولية، أما إذا اقتصر دوره على الوظيفة الشكلية التجميلية، فمن المرجح أن تتعمق أزمة الثقة، وتتعزز الشكوك بشأن نيات الحكومة في تكريس الجمع بين السلطات، بما يجعلها سلطة غير خاضعة للرقابة والمساءلة.
نبذة عن الكاتب
فراس فحام
باحث مهتم بالصراعات في منطقة الشرق الأوسط والعلاقات الدولية، رئيس وحدة الدراسات في مركز أبعاد، له العديد من الأوراق التحليلية حول سياسات الفاعلين الدوليين في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط، منها: إيران وحرب غزة: التحديات والفرص والنهج المحتمل، محركات الانفتاح الدولي والعربي على النظام السوري ومآلاته.
مراجع
باراك بعد لقائه الشرع: يجب أن يتم تمثيل جميع المكونات لتكون سوريا موحدة، روسيا اليوم، 25 أغسطس/آب 2025 (تاريخ الدخول: 22 أكتوبر/تشرين الأول 2025)، https://h7.cl/1dxwP
انتخابات مجلس الشعب السوري.. تحليل النتائج وتوقعات الاستكمال، مركز جسور للدراسات، 8 أكتوبر/تشرين الأول 2025 (تاريخ الدخول: 21 أكتوبر/تشرين الأول 2025)، https://h7.cl/1ieqs
هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي: الانتخابات لا تعبر عن الإجماع الوطني السوري، 7 أكتوبر/تشرين الأول 2025 (تاريخ الدخول: 21 أكتوبر/تشرين الأول 2025)، https://h7.cl/1ieqU
وثيقة التعايش المشترك، الموقع الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين السورية، 18 أكتوبر/تشرين الأول 2025 (تاريخ الدخول: 21 أكتوبر/تشرين الأول 2025)، https://h7.cl/1iern
مسد ترفض تشكيل مجلس الشعب السوري، 6 أكتوبر/تشرين الأول 2025 (تاريخ الدخول: 22 أكتوبر/تشرين الأول 2025)، https://h7.cl/1ies4
هل اتفقت قسد مع الحكومة السورية على طريقة الاندماج؟، الجزيرة نت، 19 أكتوبر/تشرين الأول 2025 (تاريخ الدخول: 22 أكتوبر/تشرين الأول 2025)، https://h7.cl/1iesz
216 مليار دولار التكلفة التقديرية لإعادة إعمار سوريا عقب الصراع، مجموعة البنك الدولي، 21 أكتوبر/تشرين الأول 2025 (تاريخ الدخول: 23 أكتوبر/تشرين الأول 2025)، https://h7.cl/1dtPv
الهجري: رؤيتنا تقوم على الاستقلال التام للسويداء، مقابلة مع قناة سكاي نيوز عربية، 27 أكتوبر/تشرين الأول 2025 (تاريخ الدخول: 27 أكتوبر/تشرين الأول 2025)، https://h7.cl/1iiqu
مركز الجزيرة للدراسات
————————————–
المرأة في مجلس الشعب… فجوة بين خطابين/ فدوى العبود
28 أكتوبر 2025
جرى في سورية قبل أسابيع انتخاب لاختيار أعضاء لمجلس الشعب بعد إسقاط نظام الأسد عبر هيئة ناخبة، ووفق آلية تنص على أن الهيئات المناطقية التي شكلتها اللجنة العليا تنتخب ثلتي الأعضاء، على أن يعين الرئيس أحمد الشرع الثلث المتبقي. حصدت النساء المرشّحات لعضوية المجلس ستة مقاعد فقط من أصل 119 مقعداً أعلن فوزها.
ولم تكن النتيجة بحد ذاتها مفاجأة، إذ لا يتعلّق السؤال الذي يمكن طرحه هنا بالآليات فقط وهذا موضوع آخر، فالشعب برأي بعضهم لم ينتخب، بسبب من تلك الآليات. ولكن، هل ستتغير النتائج إن تغيرت الآليات؟ وهل ستفضي المقدمات إن اختلفت إلى نتائج مغايرة؟ لعل المرأة أفضل من يملك جواباً، لكونها تدرك اللعبة، وفي أحيان كثيرة، تنخرط فيها بكامل إرادتها. وليس جديداً هذا التواطؤ بين السياسي والثقافي والاجتماعي، إذ إنها تعي أنه لا فائدة من المقاومة ولذلك ستتظاهر بالرضى، رغم قناعتها بالعكس. وهي ستفعل ما يطلب منها، وإن كان ضد نفسها لأنها تعي أن الفجوة بين النصوص التي يجترحها البشر والواقع كبيرة. كما أن الصياغات التي ينتجها الفكر من تشريعات ودساتير تحتوي أحكاماً رائعة وعادلة وإنسانية. وهي أشبه بعناوين كبرى للمثاليات، لكن الشيطان دائماً في التفاصيل.
فما إن قررت الكتابة عن موضوع ضعف تمثيل المرأة في الانتخابات التشريعية أخيراً حتى سألتُ نفسي: متى كان تمثيلها قوياً!؟ حدثني صديق عن مكانتها في الواقع الاجتماعي، فتذكّرت كيف كانت النساء ينتظرن حتى ينهي الرجال طعامهم في القرى البعيدة والنائية.
لا أعرف ما الذي جعل كلمة الاتحاد النسائي تقفز إلى ذهني، تليها جملة اتحادات، ليس أولها اتحاد الفلاحين، وليس آخرها اتحاد النساء الأمازونيات اللواتي يتمتّعن بحس راديكالي تجاه كل ما هو ذكوري. أجريت بحثاً على محرّك غوغل فلم يزد الأخير على ما سمعته في الخطب الكثيرة شيئاً، فهناك تاريخ تأسيس الاتحاد في دمشق 1933 برئاسة عادلة بيهم، كما أنه يعتبر الاتحاد النسائي الثاني بعد الاتحاد المصري بقيادة هدى شعراوي في 1923، ومن إنجازاته المشاركة في الإضراب الستين 1936، إضافة إلى أنه ساهم في مشاريع كثيرة، منها محو الأمية. ولكن الاتحاد النسائي، كما أعرفه وتعرفه نساء قريتنا، مختلف كثيراً عما قرأت. وفي التسعينيات، وعلى بعد أمتار من الحي الذي أقطن فيه مع عائلتي، أقيم مبنى الاتحاد النسائي. ولم تكن النساء يدخلن إليه إلا نادراً. حين تترافق دورات محو الأمية أو الخياطة بعلب السمن وأكياس السكر والأرز وعلب الزيت. وفي المقابل، لم يكن قادراً مثلاً على أن يقدّم الدعم لامرأة أرادت متابعة تعليمها بالضدّ من رغبة ذكور أسرتها الذين يصرّون على تزويجها؟ كما أن موضوع زواج القاصرات خارج صلاحيات الاتحاد، وهذا مفهوم، فلم تكن هناك دورات توعية في هذا الشأن، ولم يقدّم أي حماية لامرأة معنّفة، كما يمكنك أن ترى الدماء تسيل على بعد أمتار منه. الكل يعرف، ولا أحد يريد أن يتحدّث عن الأمر (كما في “قصّة موت معلن”).
العالم يتغيّر، واللغة أيضاً، إذ إن عبارات من قبيل “تمكين، تمثيل، وعي، التنمية، صنع القرار، الفرص” خلاقة، لكنها أقرب إلى البيانات التي يلقيها نشطاء البيئة في صالة مكيّفة، فيما تحترق الغابة قربهم. إذ إن واقع المرأة وعلى بعد خطوات من خيمة لتمكين النساء في مخيّمات الشتات السوري يقول العكس، والبداية لا تكون عادة من النهاية، بل من البداية. وفي هذه الحال، لا تفعل الكلمات شيئا أكثر من أن تطمس الواقع تحت هذه الموضوعية الجافة كورق الشجر. حيث لا يؤدّي المعنى إلى نقيضه، بل لا يؤدّي إلى أي شيء، يأتي مدرّبو الورشات ومعهم عدة كاملة من العبارات الجاهزة والمصوغة على قياس واقع طبيعي، لكي يتحدّثوا لنساء يعشن واقعاً أقل من الطبيعي.
حاولت النسوية، عن حسن نية، أن تغير واقعنا نحن النساء، لكنها لم تفعل سوى تعميق هذا الشرخ، إذ اعتقدت كثيراتٌ بتعبير، أليس غاردين، وبتأثير مباشر أو غير مباشر من سيمون دي بوفوار أن” النسوية ليست سوى طريقة للهجوم على المجتمع بصورته الموجودة”. وفي أفضل الأحوال، كانت قضايا النساء مُربحة في مجال الدعاية والحصول على تمويل. ولم يكن غريباً أن يحمل قضاياهن، وأن يتحدّث باسمهن رجال. من دون أن يسألهن أحد عن آرائهن، إذ لم تستطع كل تلك المنظمات والنقابات الحكومية أو غيرها زحزحة الجبل من مكانه، أو تغيير النظرة إلى المرأة، وهي أفكار رائعة لا يتعدّى تأثيرها المسافة التي يقطعها الرجل عائداً إلى منزله، ويبدو أن الرجال كانوا يستمعون إلى تلك المحاضرات المملّة عن حقوقها وعن لغة خشبية مقطوعة عن واقعها الحي، لكنهم يدركون أنهم قضوا وقتاً جيداً، وهو ليس أفضل وقتٍ بالنسبة لهم، كما أنهم يثقون بأن شيئاً لن يتجاوز الكلمات، وهم على حقّ، إذ إن عناوين منقطعة عن واقع معاش لن يكون لها أي أثر. بل تبدو تسلية جيدة وطريقة لنعرف كيف تفكر النساء في النساء.
ولكن ماذا عن الثقافة؟ … هي واسطة العقد في هذه البنية المعقدة إذ تمتد بجذورها إلى إرث طويل، حمّلت المرأة كل الصور السلبية ووسمتها بالشيطنة تارة وبالعكس تارة أخرى. إذ يحفل التراث بالنصوص والحكايات والأشعار، التي تدلّ، من دون لبس، في خطابها على عدوانية مبطّنة، فكتاب “نزهة الالباب” للتيفاشي وأشعار (أبو نواس) ومرويات الجاحظ بطابعها الساخر تحمل في طياتها كراهية للنساء. وفي المقابل، لم تكن لدى المرأة أي قراءة مقاومة لهذا التراث وللصورة السلبية التي رسمت لها ولروايتها التي صاغها ذكور، حتى كأنها لا تعرف نفسها في هذه المرويات. وهذا يعود، في جزء كبير منه، إلى الخوف من السلطة الذي تغلغل عميقاً في دمنا، إذ لسلطة المثقف الذكر قوة السياسي نفسها، بل امتد الأمر إلى أن تتبنّى في كثير من مروياتها الصورة نفسها التي رسمت لها. وحتى حين حاولت البدء من خطوط مقاومة بدأت من النقطة نفسها التي رسمت لها، ولم تتجاوزها، بل كتبت في أحيانٍ كثيرة بلغة مذكرة.
وضعيّة المرأة في الدساتير مصوغة بطريقة مثالية، والخطاب السياسي حولها إنساني، لكن العلة التي يدركها ربما أو لا يدركها السياسي أن الفجوة بين ما يصاغ والبنية الاجتماعية كبيرة، كما أن واقعاً مشكّلاً من تفكير نمطي لا يثق بالمرأة الطبيبة ولا المرأة التي تقود السيارة أو الشاحنة لن يعطي صوته لها، كذلك نتحمّل، نحن النساء، جزءاً من سوء الفهم، فالشعور بأننا لسنا مسؤولات، ولا يمكن الثقة بنا متأتٍّ من تاريخٍ انحدر إلينا عبر درب طويل، عبّدته الجدّات اللواتي جرى تطويعهن؛ إذ لم تكن تلك النظرة من اختراع الذكور فقط، بل كانت أيضاً نسوية بامتياز.
ثمّة جزئية مهمّة في الإعلان الدستوري السوري الحالي، تنصّ على أن الدولة “تلتزم بحماية المرأة من جميع أشكال القهر والظلم والعنف”. ولكن السؤال حالياً يتعلق بالآليات لحمايتها. أتذكّر أن بشّار الأسد، بجهازه الأمني وجبروته كان يخشى من نقمة المجتمع حين يتعلق الأمر بامرأة، وكانت السلطة البائدة تغضّ النظر عن انتهاكات أو جرائم خوفاً من ارتداداتها المجتمعية.
وبالانتقال إلى “الفضاء العام”، تشعر النساء بأنهن فيه غريبات. وأحياناً، يتركن هذا الفضاء لأنهن يدركن أنهن سيتحمّلن مسؤولية كبيرة، وعبئاً يضاف إلى حياتهن، وفي أحيانٍ كثيرة، يصبحن مسؤولاتٍ عن جرائم ترتكب بحقهن، إن البيت ملاذهن الآمن، وحين خرجن إلى العمل أدركن أنهن لن يكنّ أبداً منافسات حقيقيات للرجال.
تروي غايوترا بهادور، في كتابها “نساء الهند المفقودات” (ترجمة ايهاب عبد الرحيم علي) أن حشداً من الرجال تحرّش بامرأتين هنديتين تحملان الجنسية الأميركية لدى مغادرتهما فندقاً في مومباي بعد منتصف الليل للتنزه مع زوجيهما بمناسبة العام الجديد. وقال رئيس لجنة حقوق الإنسان في الولاية عن الحادث: “نعم هؤلاء الرجال سيئون، لكن من طلب من المرأتين الخروج في الليل”. … تعكس هذه الإجابة حقيقية رمزية، تظهر كيف يُستخدم القانون والسلطة لتبرير العنف ضد النساء. والمفارقة أن من يسنّون القوانين ذكور. وقد قال رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، محمد طه الأحمد، “إذا لم يكن هناك دور داعم للرجل لن تنهض المرأة”. وهذا يعني عمليا أن المرأة لن تستطيع التحرّك من دون دعم الرجل، وهو الرجل نفسه الذي يؤمن بثقافة تراها أقلّ جدارة في تقرير مصيرها أو مستقبلها في أحيانٍ كثيرة، يمكنها اختيار الفرع الذي ترغب فيه، ويمكنها مثلاً شرب الماء بالطريقة التي تختارها. ولكن، في الأمور الجوهرية والحياتية، والتي تخص عمق وجودها، الرجل هو من يقرّر! الأب وابن العم والأخ…وسابع جد إن لم يوجد هؤلاء.
لطالما قيل إن وضع المرأة من صنع يديها، وهذا جزء جوهري في سرديتها، ولا يمكن إغفال ذلك، والنساء على وعي تام بأنهن مدعوّات إلى الحفلة، ولكن بشروط صاغتها بنية تمتد إلى تاريخ طويل من الذهنية العشائرية والذكورية والنظرة إلى المرأة. إنها ومنذ زمن تدخل في لعبة السياسة، وتدخل في الإعلام، وتتحرّك في الفضاء العام الذي يخط قوانينه ذكور. كما أن عليها (على غرار أليس، بطلة لويس كارول) أن تتناول من تلك العلبة السحرية حتى تتأقلم مع محيطها، تكبر تارّة وتتلاشى تارّة أخرى بحسب الظروف. … وإلى أن يحين دورها، تبقى تشعر بأنها ورقة رابحة في كل الألعاب التي يمارسها البشر في حياتهم، السياسية والثقافية وغيرها…بحيث ستضطرّ يوماً للصراخ، على غرار أليس، في وجه الملك والملكة وبقية مخلوقات الغابة: وفي النهاية، لستم سوى مجموعة من أوراق اللعب.
العربي الجديد
————————–
=============================



