أزمات الداخل السوري الحياتية تحديث 22 نيسان 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
تحديث 22 نيسان 2026
كانت ذراعا لمخابرات الأسد.. أي دور للجان الأحياء في عهد أحمد الشرع؟/ ملاذ قاسم آغا
يقول السوريون إن لجان الأحياء كانت أذرعًا لمخابرات نظام بشار الأسد، ترصد حركة الناس عن قرب، فتوشي بهم وتوردهم المهالك والسجون.
لكن نظام الأسد سقط في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، فما المبرر لوجود لجان الأحياء ومخاتيرها في حكومة أحمد الشرع؟
مختار حي الصابونية في حماة، فادي غازي، يقول إن لجان الأحياء، بعد سقوط الأسد، بدأت تمارس العمل الذي كان يفترض أن تقوم به في الأصل، بدل أن تبقى أذرعًا أمنية، على حد وصفه.
ويوضح في حديث للجزيرة نت “نحاول أن نكون صلة الوصل بين الأهالي والمحافظة، لتقديم خدمة أفضل وتسهيل وصول صوت ومطالب الأهالي”
وأضاف غازي “كان المختار ولجان الأحياء أذرع لأفرع محددة ضمن النظام السابق، غايتهم مادية، واستغلال الناس بشتى المجالات، وقمنا بتبني هذا التحول على صعيد عمل المخاتير ولجان الأحياء لخدمة الأهالي في المحافظة تطوعا”.
وأوضح مختار حي الصابونية أنه لمس تفاعلا إيجابيا من الأهالي ومساعدة تجاه اللجان والمخاتير بعد سقوط الأسد، وقبولا في المجتمع المحلي”.
دور سابق
برز دور لجان الأحياء في سوريا إبان سنوات الثورة كأذرع لأفرع مخابرات الأسد في جميع المحافظات السورية، لتتبع المطلوبين الأمنيين، والوشاية عليهم، كذلك رصد الحراك السياسي ضد النظام، وفق شهادات.
ففي عهد الأسد، كانت قوائم اللجان المحلية تتصدر المشهد، وتضم رئيس لجنة ومختار الحي وأعضاء مكلفين، وكان من الشروط الأساسية للتعيين أن يكونوا من الأعضاء العاملين في حزب البعث العربي الاشتراكي، الحزب الحاكم آنذاك، إلى جانب حصولهم على تزكية من الأفرع الأمنية، ومن اللجنة الأمنية المسؤولة في المحافظة، قبل أن يصدر المحافظ قرار تعيينهم.
وبعد سقوط النظام، أعادت الحكومة السورية الجديدة تشكيل هذا الكيان الحكومي المجتمعي، “وعملت على تعزيز دوره داخل الأحياء، ليقوم بنقل صوت المجتمع المحلي إلى المؤسسات والمديريات الحكومية، والعمل على تلبية احتياجاتهم، خاصة في الجانب الخدمي”.
إعلان
ويضيف فادي غازي “نحاول أن نكون صلة وصل بين الأهالي والمحافظة ومدير المنطقة، بما يساهم في تقديم خدمة أفضل وتسهيل إيصال صوت ومطالب الأهالي والعمل عليها”.
تأمين الاحتياجات
وعلى صعيد التعامل مع الأزمات التي يواجهها المجتمع المحلي، برز دور عدد من لجان أحياء مدينة حماة، لاسيما في أزمة تأمين الغاز المنزلي التي تشكل واحدة من أبرز معاناة السوريين خلال الأشهر الماضية.
ففي حي المدينة، أطلقت اللجنة تطبيقا إلكترونيا بالتنسيق مع إدارة منطقة حماة، لتنظيم عملية استلام أسطوانات الغاز، والحد من الازدحام والطوابير، وضمان توزيعها بشكل عادل ومتساو.
ويتحدث الطبيب بشار شهدا، رئيس لجنة حي المدينة، عن هذه التجربة قائلا: “بعد أن لاحظنا طوابير انتظار طويلة للحصول على الغاز المنزلي، عملنا على إنشاء تطبيق يجمع بيانات كل عائلة في الحي بشكل تطوعي، وبناء على عدد الأسطوانات الواردة من مديرية المحروقات، يتم إرسال رسائل نصية وعبر واتساب للأهالي المسجلين، لتحديد موعد استلام الأسطوانة خلال فترة تصل إلى 48 ساعة، بما يضمن عدم حدوث ازدحام”.
ويشير إلى أن هذه الفكرة جاءت مغايرة لما كان معمولا به في أحياء أخرى، حيث كان يتم تحديد موعد وصول سيارة توزيع الغاز، وخلال ساعات قليلة يطلب من جميع الأهالي استلام حصصهم بشكل عشوائي، ما كان يؤدي إلى ازدحامات يومية.
ويضيف: “لمسنا تفاعلا مجتمعيا إيجابيا كبيرا مع هذه الفكرة، إلى جانب مبادرات أخرى مثل إنارة الشوارع والأزقة، عبر تعاون الأهالي وتقديمهم الدعم لتغذية أجهزة الإنارة من منازلهم”.
وطالب بضرورة أن تأخذ الحكومة آراء اللجان على محمل الجد، نظرا لتواصلها المباشر مع المجتمع المحلي ومعرفتها الدقيقة بالأزمات على أرض الواقع، وهو ما يعزز دورها في الربط بين المواطنين والجهات الحكومية.
تأهيل المرافق
وفي سياق مواز، لعبت لجان أخرى دورا في دعم القطاع التربوي من خلال صيانة وتأهيل بعض مرافق المدارس، إلى جانب دعم قطاع النظافة، وتحفيز الأهالي على الحفاظ على نظافة أحيائهم من خلال حملات متتابعة، بحسب ما يوضح عبد الرزاق شمالي، رئيس لجنة حي الشهباء الثاني.
ويؤكد شمالي أن ثقة المجتمع تتعزز عندما يرى نتائج عمل اللجان على الأرض، خاصة بعد أن كانت في عهد الأسد تعمل لخدمة مصالح أمنية وشخصية، دون الاكتراث باحتياجات الأهالي.
ويقول: “أصبحت لجان الأحياء بالنسبة لجزء كبير من السكان جهة يمكن اللجوء إليها لحل أي مشكلة”، معتبرا ذلك تحولا إيجابيا في نظرة المجتمع لدور هذه اللجان.
كما يرى ضرورة إزالة الحواجز بينها وبين المؤسسات الحكومية، بما يسهل إيصال مطالب الأهالي ومتابعتها حتى حلها.
تقصير واضح
في المقابل، تتباين آراء السكان حول أداء هذه اللجان وفاعليتها في تلبية الاحتياجات الخدمية، إذ يشير فادي الأسود، وهو من أهالي حماة، إلى وجود تقصير واضح في بعض الجوانب، مثل تجهيز الحدائق وصيانة الطرق، إضافة إلى مشكلات في آليات توزيع الغاز، ما أدى إلى توفره في السوق السوداء بأسعار مضاعفة، مقابل نقصه لدى الموزعين الرسميين.
ويتحدث أيضا عن استمرار معاناة سكان حي الصابونية من طوابير الغاز، مع غموض في تحديد مصدر التقصير، سواء من اللجان أو من الجهات الخدمية الحكومية.
ورغم ذلك، يقر فادي بوجود تغير ملحوظ في تعامل اللجان مقارنة بالماضي، عندما كانت أدوات أمنية تفرض هيبتها على السكان، إلى حد أن الأهالي كانوا يتجنبون التواصل مع مختار الحي خوفا من الاعتقال.
من جهته، يعبر عبد الله مغمومة، من سكان حي العليليات، عن ثقته في اللجان الحالية، مشيرا إلى تجربتهم في مراجعتها عند حدوث مشكلات خدمية مثل انقطاع الكهرباء.
ويؤكد ضرورة دعم المؤسسات الحكومية لعمل هذه اللجان، بما يشجع المجتمع المحلي على المشاركة في مبادرات تخدم الأحياء.
ويرى أن أبرز مطالب الأهالي تتركز في إعادة تأهيل الطرق، وتنظيم توزيع الغاز، وتحسين الواقع الخدمي بشكل عام.
غياب النتائج
في المقابل، يعتبر عبد الكريم المبيض أن التفاعل بين اللجان والمجتمع لا يزال ضعيفا، بسبب غياب نتائج ملموسة على الأرض، داعيا إلى دعم حكومي أكبر، إلى جانب مساهمة التجار في تحسين الخدمات التي تضررت بشدة جراء سنوات الحرب.
وفي لقاء مع الجزيرة نت، أوضح مدير منطقة حماة حافظ طيفور أن هناك صياغة جديدة لدور لجان الأحياء، تقوم على تحويلها من أدوات أمنية ورقابية في عهد الأسد إلى هيئات خدمية تعمل لخدمة الأحياء وسكانها.
وأشار إلى أن آليات اختيار الأعضاء تغيرت، إذ لم تعد تعتمد على المخبرين أو أعضاء حزب البعث، بل باتت تقوم على اختيار شخصيات من المجتمع المحلي مثل الأطباء والمهندسين ووجهاء الأحياء، مع مراعاة مدى قبولهم لدى السكان.
وأكد طيفور وجود تفاعل شعبي واسع مع عمل اللجان، ومبادرات مجتمعية داعمة لها، مثل إنارة الشوارع، ما يعكس مستوى الثقة المتزايد بها.
كما لفت إلى مشاركة اللجان في حل عدد من الأزمات، أبرزها تنظيم توزيع الغاز، مشيرا إلى أن الحكومة تدعم هذه المبادرات، كما حدث مع تطبيق حي المدينة.
وأضاف: “قمنا بتقييم عمل اللجان بناء على ما أنجزته منذ تشكيلها، وتم تعديل اللجان غير الفاعلة، وصدرت القوائم الجديدة بشكل رسمي قبل أيام، استجابة لمطالب الأهالي”.
وشدد على أن التواصل المستمر مع المجتمع يعد من أبرز مهام اللجان، لضمان نقل مشكلات الأحياء إلى الجهات المختصة والعمل على حلها، مشيرا إلى عقد اجتماعات دورية مع اللجان والإدارات الحكومية، إلى جانب اجتماعات طارئة عند الأزمات.
المصدر: الجزيرة
————————————
عطالة عمل وقروض للأغنياء فقط.. لماذا تحتاج سوريا إلى “بنك فقراء”؟/ عبد الناصر القادري
2026.04.22
تحتاج سوريا إلى أفكار من خارج الصندوق لمساعدتها في الخروج من أزماتها المركبة بعد عقود كاملة من الفساد وغياب التنمية والحلول التي تُمكّن المجتمع من النهوض بنفسه، ومع ارتفاع نسب الفقر والبطالة، تأتي فكرة “بنوك الفقراء” أو بنوك تمويل المشروعات الصغيرة لتحل مشكلة مستعصية من تأمين فرص عمل على مستوى شعبي واسع وسهل التنفيذ.
لا تحتاج سوريا إلى ابتكار هذا النوع من البنوك من الصفر، إنما يمكن الاستفادة من تجارب الآخرين، والتأسيس لسمعة حسنة وثقة مع شراكة حكومية وتسهيلات من خلال سن قوانين تساعد على النهوض في هذا النوع من القطاعات البنكية الفاعلة مجتمعياً، والتي لا تهدف إلى الربح بقدر ما تعمل على مد يد العون من دون مقابل سوى مساعدة السوريين على البدء في مشاريعهم الصغيرة بناء على دراسات تمويل محددة تمكنهم من الانطلاق ثم السداد الآمن والمريح بعد عدة أشهر وعلى مدد محددة، وبالطبع من غير فائدة، بل رسوم تشغيلية ثابتة.
ولا يمكن تحقيق هذه الخطوة قبل بناء الثقة البنكية إضافة إلى الثقافة البنكية أي أن يكون لدى كل مواطن سوري حساباً بنكياً، حيث لا يوجد إحصائيات واضحة عن عدد السوريين الذي يملكون حسابات بنكية داخل البلاد، إلا أن البنية التحتية الضعيفة والفساد والتضخم الهائل يظهر أنها قليلة جداً مقارنة بعدد السكان، كما أن نسبة الفقراء الذين يحصلون على قروض في سوريا تكاد تكون حالات نادرة ومرتبطة بامتلاك أرض أو عقار.
ما هو بنك الفقراء؟
ربما لم يسمع معظم السوريين بشخص اسمه محمد يونس، الذي قرر أن يتجاوز كل نظريات الاقتصاد في سبعينيات القرن الماضي، ويبني نظرية جديدة مبنية على إنقاذ أبناء شعبه من فقرهم عبر تمكينهم من الصيد بدل التصدق بالسمك عليهم، من خلال توفير قروض صغيرة من دون الحاجة لضمانات مع التركيز على تمكين النساء وتوفير فرص العمل والتعليم في المناطق الأقل تنمية ببنغلادش.
تقع بنغلاديش في جنوبي قارة آسيا، وتعد ثامن دولة عالمياً بعدد السكان (175.7 مليون نسمة)، وهي من بين الدول الفقيرة، وذات المساحة الصغيرة مقارنة بعدد السكان إذ تبلغ مساحتها 148.460 كيلومتراً، فهي أصغر من سوريا التي تبلغ مساحتها 185.180 كيلومتراً.
في عام 1976 حصل الاقتصادي محمد يونس على قرض من الحكومة عبر بنك “جاناتا”، واستثمره في إقراض الفقراء في قرية “جوبرا” بمنطقة “شاتوغرام”.
كان يونس الذي ولد عام 1942 يعرف تماماً ما ينوي فعله، فهو خبير اقتصادي ومالي، حصل على الدكتوراه في جامعة فاندربيلت بولاية تينيسي الأميركية بمنحة مؤسسة فولبرايت عام 1965، ثم عاد إلى بلاده ليرأس قسم الاقتصاد في جامعة جامعة شيتاجونغ إحدى أبرز جامعات بنغلاديش.
عمل يونس على تطوير مبادئ البنك انطلاقاً من أبحاثه وخبرته ثم حول المشروع في عام 1983 إلى بنك “غرامين” (غرامين باللغة المحلية في بنغلاديش تعني القرية أو الريف) ولقب بـ”بنك الفقراء”.
ويحكي البروفيسور محمد يونس القصة التي أدت لظهور فكرة المصرف فيقول في كتابه الذي يستحق القراءة “مصرفي من أجل الفقراء”: “في عام 1972، وهو العام التالي لحصول بنغلاديش على استقلالها بدأت بتدريس الاقتصاد بالجامعة، وبعد عامين أصيبت البلاد بمجاعة قاسية، وكنت أقوم في الجامعة بتدريس نظريات التنمية المعقدة، في حين كان الناس في الخارج يموتون بالمئات، فانتقلت إلى قرى بنغلاديش أكلم الناس الذين كانت حياتهم صراعاً من أجل البقاء، فقابلت امرأة تعمل في صنع مقاعد من البامبو، وكانت تحصل في نهاية كل يوم على ما يكاد فقط يكفي للحصول على وجبتين، واكتشفت أنه كان عليها أن تقترض من تاجر كان يأخذ معظم ما معها من نقود. وقد تكلمت مع اثنين وأربعين شخصاً آخرين في القرية ممن كانوا واقعين في فخ الفقر، لأنهم يعتمدون على قروض التجار المرابين، وكان كل ما يحتاجونه من ائتمان هو أقل من 30 دولاراً فقط. فأقرضتهم هذا المبلغ من مالي الخاص، وفكرت في أنه إذا قامت المؤسسات المصرفية العادية بنفس الشيء؛ فإن هؤلاء الناس يمكن أن يتخلصوا من الفقر، إلا أن تلك المؤسسات لا تقرض الفقراء، وبخاصة النساء الريفيات”.
نجاح استثنائي
لم تكن مسيرة تأسيس البنك سهلة، فمحمد يونس كان يبني نموذجاً جديداً في الاقتصاد وأنظمة التمويل، كما أنه واجه حملة قاسية من بعض الحركات الراديكالية واليسارية، التي حاربت فكرة الاقتراض من البنك أساساً في الفترة التي شهدت صعوداً للشيوعية، غير أن ذلك لم يؤثر على فكرته وأصر على تنفيذها.
أسهمت الحكومة البنغالية فيه بنسبة 60% من رأس المال المدفوع في حين كانت الـ40% الباقية مملوكة للفقراء من المقترضين. وفي عام 1986 صارت النسبة 25% للحكومة و75% للمقترضين.
وبين عامي 1983 و2026 تمكن البنك من فتح 40 مكتباً في مدن بنغلاديش المختلفة، إضافة إلى مكاتب لتدقيق الحسابات، وافتتح أكثر من ألفي فرع، ويوجد في 94% من القرى ببنغلاديش، في حالة استثنائية عن أي بنك شبيه في العالم.
وتجاوز عدد العاملين في البنك 23 ألف موظف، لديهم خبرة في دراسة المشاريع وفحصها إلى جانب التمويل والمحاسبة والاقتصاد والإدارة والقانون.
واجه البنك تحديات، أبرزها تعثر سداد القروض بعد فيضانات عام 1998 في بنغلاديش، لكنه تمكن من التعافي وتحقيق نمو ملحوظ خلال السنوات اللاحقة.
بحلول عام 2005، قدم البنك قروضاً تجاوزت 4.7 مليارات دولار، واستمر في التوسع حتى بلغ إجمالي ما أقرضه أكثر من 38 مليار دولار حتى عام 2024، استفاد منها أكثر من 10 ملايين شخص، غالبيتهم من النساء. كما توسعت أنشطته خارج بنغلاديش إلى عدة دول، بينها الولايات المتحدة، حيث يخدم آلاف المستفيدين.
إلى جانب دوره المالي، أطلق البنك مبادرات تنموية وبيئية، مثل برامج زراعة الأشجار، وأسهم في تعزيز فرص العمل ومنح التعليم، مع تركيزه على تمكين الفئات المهمشة ومكافحة الفقر من خلال توفير خدمات مصرفية عادلة ومستدامة.
من قول “لا البنك الدولي” حتى “نوبل”
ناقش مارك سكاوزن في كتابه “قوة الاقتصاد: كيف يُغيِّر جيل جديد من الاقتصاديين العالم؟”، فكرة يونس عن إنشاء هذا النوع من البنوك، مبيناً أنه “على مدى قرونٍ تبرَّع المصلحون والقائمون على الأنشطة الاجتماعية بملياراتٍ وأقاموا مؤسساتٍ معفاة من الضرائب لمساعدة الفقراء، إلا أن أشخاصاً مثل البروفيسور يونس، مدربين على مبادئ المحاسبة، والحوافز، والربح والخسارة، والادخار، والتعليم، يعلمون أن برنامجاً حقيقيّاً للقروض من بنكٍ ربحيٍّ يمكن أن يُجديَ حقّاً”.
كما كان يونس يرفض الحصول على أي قرض من البنك الدولي، حيث قال في كتابه: “نحن في بنك غرامين لم نكن نريد أو نقبل مطلقاً تمويل البنك الدولي؛ لأننا لا نحب طريقة إدارة البنك للعمل”، كما أنه لا يفضل المعونات الخارجية كثيراً، مؤكداً أن “معظم الدول الغنية تستخدم ميزانياتها للمعونات الخارجية في الأساس لتوظيف مواطنيها وبيع سلعها، في حين يأتي التفكير في الحد من الفقر لاحقاً، إن المشروعات المموَّلة من المساعدات تصنع بيروقراطياتٍ ضخمة، سرعان ما تصبح فاسدة وغير فعالة؛ مما يخلف خسائر ضخمة، فلا تزال أموال المساعدات تذهب لتوسيع حجم الإنفاق الحكومي، بما يتعارض في الغالب مع مصالح الاقتصاد السوقي، فتصبح المعونات الخارجية نوعاً من الإحسان للأقوياء وذوي النفوذ، في حين تزيد الفقراءَ فقراً”.
ورغم ذلك، حصد بنك “غرامين” عدداً من الجوائز الدولية تقديراً لدوره في مكافحة الفقر وتمكين الفئات المهمشة، إذ نال عام 1992 جائزة “الملك بودوان للتنمية الدولية” في بلجيكا تقديراً لإسهامه في دعم دور المرأة وتحسين أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية.
كما حصل على “جائزة غاندي للسلام” عام 2000 من الحكومة الهندية، إضافة إلى “جائزة تون عبد الرازق” في ماليزيا لدوره في إقراض الفقراء وتحسين حياتهم.
وفي عام 2006، تُوّج البنك بأبرز إنجازاته عبر فوزه بـ”جائزة نوبل للسلام”، تقديراً لجهوده في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للفقراء، إلى جانب حصوله على جوائز أخرى محلية ودولية تعكس تأثيره في دعم التنمية الريفية والحد من الفقر في بنغلاديش.
كيف يعمل بنك الفقراء؟
يتميّز مصرف غرامين بنموذج فريد يجمع بين العمل الاقتصادي والرسالة الاجتماعية ويطلب من المقترض البدء بالعمل بعد أسبوع واحد من استلام قرضه وإن وفى ما أخذه يرفع رصيده للحصول على قرض آخر قد يكون أكبر قيمة، ويمكن تلخيص سماته كما يلي:
أولاً: مشروع اقتصادي بأهداف اجتماعية
رغم كونه مصرفاً برأسمال يُستخدم في تمويل القروض والاستثمارات، إلا أن هدفه الأساسي ليس الربح، بل تحقيق تنمية اجتماعية للفقراء من خلال تمكينهم اقتصادياً، عبر تمويل مشاريع صغيرة فردية وجماعية.
ثانياً: استهداف أفقر الفقراء
يركّز المصرف على فئة محددة جدًا تُعرف بـ”أفقر الفقراء”، وفق معيارين:
عدم امتلاك أرض زراعية أو امتلاك أقل من نصف فدان
ضعف الممتلكات بحيث لا تعادل قيمتها فداناً واحداً (4200.83 متراً)
وهذا يميّزه عن البنوك التقليدية التي تشترط ضمانات مالية، في حين يذهب غرامين إلى الفئات الأكثر تهميشاً (ويمكن أن تختلف الشروط بحسب الدولة والمكان).
ثالثاً: إشراك العملاء في الملكية والإدارة
يمتلك المقترضون حوالي 92% من أسهم المصرف، ويشكّلون غالبية مجلس الإدارة (9 من 13 عضواً) كما أنهم يحصلون على نصيب من الأرباح، وهذا يجعلهم ليسوا مجرد عملاء، بل شركاء حقيقيين في اتخاذ القرار.
كيف يسترد “بنك الفقراء” أمواله؟
يسترد بنك غرامين أمواله بأسلوب مختلف عن البنوك التقليدية، قائم على الثقة والتنظيم الاجتماعي بدل الضمانات القسرية، وذلك عبر عدة آليات:
1. الإقراض الجماعي
يُمنح القرض ضمن مجموعة صغيرة (عادة 5 أشخاص)، حيث:
كل فرد مسؤول أمام المجموعة، لا يحصل باقي الأعضاء على قروض جديدة إذا تعثر أحدهم، هذا يخلق ضغطاً اجتماعياً إيجابياً يدفع الجميع للسداد.
2. الأقساط الصغيرة المنتظمة
يتم السداد عبر دفعات أسبوعية صغيرة تتناسب مع دخل المقترض وتقل احتمالية التعثر لأن العبء ليس كبيراً.
3. المتابعة المستمرة
يعقد البنك اجتماعات دورية (أسبوعية أو شهرية) مع المقترضين يتم خلالها متابعة السداد ومناقشة المشكلات يمنع تراكم الديون أو التأخير.
4. الحوافز المستقبلية
المقترض الملتزم يحصل على قروض أكبر لاحقاً، والسداد يصبح مصلحة شخصية للمقترض.
5. بناء علاقة ثقة
لا يطلب البنك رهونات أو كفلاء تقليديين، بل يعتمد على الانضباط والعلاقة طويلة الأمد مع العميل
ولذلك فبنك غرامين أو الفقراء لا يسترد أمواله بالقوة، بل عبر نظام اجتماعي منظم يجعل السداد جزءاً من مصلحة الفرد والمجموعة معاً، وهو ما يحقق نسب سداد عالية جداً.
كم بلغت نسب السداد؟
وتعد نسب السداد في بنك الفقراء من الأعلى عالمياً بالنسبة لسداد القروض بما في ذلك القروض التي تحصل عليها الشركات الكبرى ويكون عليها فوائد ضخمة، إذ تتراوح نسب السداد عادة بين 95% إلى 98%، وفي كثير من التقارير الرسمية للبنك تُذكر نسبة تقارب 97%.
كيف كانت تجارب بنك الفقراء في اليمن؟
في عام 2002، تم استنساخ تجربة البنك البنغالي في اليمن عبر تأسيس بنك الأمل للتمويل الأصغر (وهو أول بنك من نوعه في اليمن والمنطقة وشمال إفريقيا)، يستهدف الفقراء وأصحاب المشاريع الصغيرة عبر تقديم قروض ميسّرة دون الاعتماد على الضمانات التقليدية، إلا أنه ينتهج ما يعرف بـ “القرض الحسن” أي القرض الخالي من الفوائد تماماً.
يُعد بنك الأمل من أهم التجارب في هذا المجال عربياً، إذ يركز على دعم الشباب والنساء والفئات الهشة من خلال القروض والخدمات المالية والتدريب.
وحتى عام 2026 يستمر البنك في النمو لأكثر من 15 عاماً، مع زيادة في أفرعه إلى 18 فرعاً في عموم اليمن، ولديه 15 شريك محلي ودولي، كما وقع اتفاقيات مع العديد من الجامعات اليمنية لتمويل الطلاب، مع حصول البنك على العديد من الجوائز بما في ذلك جائزة أفضل بنك رقمي في الشرق الأوسط لعام 2023، بحسب موقعه الرسمي.
وتجاوزت عدد حسابات الادخار في البنك 327 ألف حساب، في حين تُظهر تقاريره السنوية ومؤشراته التشغيلية استمرار التوسع والاستدامة المالية رغم الظروف الصعبة في اليمن، ويُعد من المؤسسات التي تحافظ على جودة محفظة تمويل مرتفعة ضمن قطاع التمويل الأصغر.
ولم يقتصر الأمر على بنك الأمل في اليمن حيث برزت “المؤسسة الوطنية للتمويل الأصغر” التي تقدم قروضاً وخدمات ادخار للفئات محدودة الدخل، إلى جانب برنامج “الاتحاد للتمويل الأصغر” الذي يستهدف الأسر والمزارعين لتحسين سبل العيش.
وتعمل هذه المؤسسات ضمن إطار أوسع تدعمه شبكة التمويل الأصغر في اليمن، التي تنسق بين الجهات العاملة وتسهم في تطوير القطاع. إضافة إلى ذلك، تلعب بعض المنظمات الاجتماعية مثل “اتحاد نساء اليمن” دوراً في تقديم التمويل الصغير وتمكين النساء اقتصادياً.
455
بنك الأمل للتمويل الأصغر في اليمن
هل يوجد تجارب عالمية أخرى؟
تمكن محمد يونس من نشر فكرته عالمياً، من خلال ظهور مؤسسات شبيهة تستلهم نموذج بنك “غرامين، من أبرزها:
بنك “بانكو سول” (بوليفيا): من أوائل البنوك التجارية التي تبنت التمويل الأصغر في أميركا اللاتينية.
“BRAC” (بنغلاديش): منظمة تنموية ضخمة تقدم قروضاً صغيرة وخدمات اجتماعية واسعة.
“أكسيون” (Accion International): شبكة عالمية تدعم مؤسسات التمويل الأصغر في عدة دول.
“كاشبور” (Cashpor Micro Credit): تعمل في الهند وتركز على تمويل النساء الفقيرات في المناطق الريفية.
“FINCA International”: مؤسسة دولية تقدم خدمات التمويل الأصغر في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية.
“غرامين أميركا” (Grameen America): فرع مستوحى من النموذج الأصلي يعمل داخل الولايات المتحدة.
هل يمكن تأسيس بنوك “تمويل صغيرة” أو بنوك “فقراء” في سوريا؟
تتوزع البنوك في سوريا بين بنوك عامة مملوكة للدولة وبنوك خاصة تابعة للقطاع الخاص، حيث تشكل البنوك الخاصة النسبة الأكبر من القطاع المصرفي، حيث يصل إجمالي عددها إلى 21 بنكاً منها 6 بنوك عامة، أبرزها المصرف التجاري السوري، إلى جانب 15 بنكاً خاصاً تُقدم خدمات مصرفية متنوعة تشمل الحسابات الجارية والتوفير والقروض وتلبية احتياجات الأفراد والشركات، ولا واحد منها يقدم قروضاً تشبه فكرة “التمويل الأصغر” أو “القرض الحسن” القائمة على المبدأ التنموي للأفراد الأقل دخلاً والأشد فقراً وتهمشياً في المجتمع السوري.
ويشكل بنك الفقراء أو التمويل الأصغر في سوريا خياراً واقعياً وضرورياً في مرحلة التعافي الاقتصادي، نظراً للحاجة الكبيرة لإعادة تنشيط الاقتصاد من القاعدة، خاصة في ظل ارتفاع معدلات الفقر التي تقدر بـ 90 في المئة وفق أرقام الأمم المتحدة، مع اتساع فجوة الوصول إلى التمويل التقليدي الذي قد لا توفره البنوك التقليدية أصلاً في ظل القطاع المالي في سوريا والذي ارتبط بشبكات فساد واسعة في النظام المخلوع.
يقوم هذا النموذج على فكرة تمكين الفئات المهمشة، ولا سيما النساء والشباب، من الحصول على قروض صغيرة من دون ضمانات لبدء مشاريع إنتاجية بسيطة، ويمكن توضيح فكرة التمويل الأصغر عبر مثالين:
محل حلاقة لشاب
حصل شاب على قرض صغير بقيمة 1500 دولار لافتتاح محل حلاقة في إحدى المدن الصغيرة أو القرى. استخدم المبلغ لاستئجار محل صغير وشراء المعدات الأساسية مثل الكراسي والمرايا وأدوات الحلاقة، إضافة إلى تأمين مواد التشغيل الأولية.
بدأ العمل مباشرة واستهدف الزبائن في الحي بأسعار مناسبة، ومع مرور الأشهر بدأ يحقق دخلاً يومياً مستقراً مكّنه من تسديد القرض على أقساط صغيرة من دون ضغط كبير. بعد فترة، توسع المشروع بإضافة خدمات جديدة مثل كرسي حلاقة ثانٍ مع شريك بالنسبة أو أجهزة العناية بالبشرة وغسيل الشعر وبيع مستحضرات العناية وأدوات الحلاقة المنزلية، ما زاد من عدد الزبائن والأرباح.
طبخ منزلي لامرأة
حصلت سيدة على قرض صغير بقيمة 800 دولار لبدء مشروع طبخ منزلي. استخدمت المبلغ لشراء أدوات مطبخ إضافية مثل فرن صغير وأوانٍ حديثة، إلى جانب شراء مواد أولية بكميات أكبر بأسعار أقل. بدأت بتحضير وجبات منزلية وبيعها داخل الحي، ثم توسعت تدريجياً عبر التسويق على وسائل التواصل الاجتماعي واستقبال طلبات للمناسبات الصغيرة.
مع مرور الوقت، أصبح لديها عدد ثابت من الزبائن، ما وفر لها دخلاً يومياً مستقراً مكّنها من تسديد القرض على أقساط مريحة. لاحقاً، طورت مشروعها بإضافة أصناف جديدة وتوظيف مساعدة، وربما التوسع إلى مطبخ إنتاجي صغير.
هذه النماذج تعكس جوهر التمويل الأصغر، حيث لا يحتاج المشروع إلى رأس مال كبير أو ضمانات معقدة، بل يعتمد على مهارة الشخص وقدرته على إدارة عمل بسيط يحقق دخلاً مستداماً. كما يوضح كيف يمكن لقرض صغير أن يتحول إلى مصدر رزق ثابت، ويسهم في خلق فرص عمل إضافية لاحقاً، سواء عبر توظيف مساعد أو افتتاح فرع جديد.
وهو ما يتناسب مع طبيعة الاقتصاد السوري الحالي الذي يعتمد بشكل متزايد على المبادرات الفردية والمشاريع الصغيرة. كما أن التجارب السابقة داخل سوريا، إلى جانب نماذج ناجحة عالمياً مثل “غرامين” وبنك الأمل في اليمن، تؤكد أن الطلب على هذا النوع من التمويل موجود وقابل للتوسع، خاصة مع إمكانية توظيفه في قطاعات حيوية مثل الزراعة والصناعات المنزلية والخدمات المحلية.
ومع انحسار العقوبات والانفتاح التدريجي على الاستثمار، تبرز فرص حقيقية لدعم هذا النموذج من خلال شراكات بين الحكومة والقطاع الخاص والمنظمات الدولية ورجال الأعمال الذين يطمحون لخدمة المجتمع وليس فقط للحصول على المزيد من الأرباح والمكاسب السياسية، إضافة إلى إدماج التكنولوجيا المالية لتسهيل الوصول إلى القروض عبر الهواتف المحمولة، وتعزيز الشمول المالي في المناطق التي تعاني من ضعف البنية المصرفية.
ما المشكلات المحتملة؟
وفي الحقيقة، قد يواجه تأسيس بنك فقراء للتمويل الأصغر في سوريا تحديات عديدة، أبرزها ضعف الإطار القانوني والتنظيمي، والتدهور الاقتصادي وارتفاع التضخم، وصعوبة تقييم الجدارة الائتمانية في ظل اقتصاد غير رسمي واسع وانعدام الإحصائيات، إضافة إلى محدودية التمويل، وضعف البنية التحتية المالية، وارتفاع مخاطر عدم السداد غير المشروطة، إلى جانب تحديات الثقة المجتمعية والحوكمة، ما يجعل نجاحه مرتبطاً بتحسين البيئة العامة وإيمان العاملين والمقترضين بجدوى العملية برمتها وليس مجرد إطلاق المؤسسة.
تلفزيون سوريا
——————————
سوريا… تحسن ملحوظ في واقع الكهرباء
الأربعاء 2026/04/22
أعلن وزير الطاقة السوري محمد البشير، اليوم، عن تحسن ملحوظ في واقع الكهرباء بمعظم المحافظات بعد عودة ضخّ الغاز عبر الأردن واستمرار أعمال الصيانة.
وقال عبر “إكس” إنَّ “التغذية وصلت في بعض المناطق إلى 24 ساعة متواصلة لأول مرة منذ سنوات”.
وأشار البشير إلى أن الاستخدام المتوازن للطاقة أسهم إلى جانب هذا التحسّن في دعم استقرار الشبكة الكهربائية.
وقال: “ندرك أن هذا التحسّن لم يشمل جميع المناطق بعد، ونعمل على إصلاح الأعطال، لا سيما بالمحافظات الشرقية والجنوبية، لتحقيق استقرار أوسع”.
وأفاد البشير بأنه يتم السعي “بكل الإمكانات المتاحة لتوسيع هذا التحسّن ليصل إلى كل بيت في سوريا”.
————————-
================
تحديث 21 نيسان 2026
———————————
إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر/ موفق محمد
بين تركة ثقيلة من «الفائض البشري» وتحديات «الإدارة والحوكمة»
20 أبريل 2026 م
منذ تغيّر النظام في سوريا قبل أقل من عامين تقريباً والسلطات الجديدة تعمل على إعادة هيكلة تركة «القطاع الوظيفي» الثقيلة، التي ورثتها من النظام السابق، لكن يبدو أنها لا تمتلك حتى الآن خطة واضحة لذلك.
وتجد الحكومة الحالية نفسها في مواجهة تركيبة معقدة من «فائض موظفين» كبير، يتكون من شريحتين؛ الأولى «هشة فقيرة» شكلت الوظيفة الحكومية بالنسبة إليها ضماناً لمصدر العيش، واستغلها النظام السابق لكسب الولاء، والثانية فرضتها رؤوس الفساد لاعتبارات متعددة سياسية وطائفية وأمنية، إضافة إلى الكسب المادي بطبيعة الحال.
وفي سياق محاولات الحكومة الحالية لإصلاح القطاع الوظيفي، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في أغسطس (آب) 2025 القرار رقم «2533» بعدم تجديد العقود السنوية للموظفين «المؤقتين»، في حال انتهاء مدتها أياً كان نوعها إلا في ضوء الحاجة الماسّة، وبموافقتها حصراً، وذلك بعد أن كانت تُجدد تلقائياً.
من تظاهرة “القانون والكرامة” المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
من تظاهرة “القانون والكرامة” المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
مع البدء بتنفيذ القرار مطلع عام 2026، وجد عشرات آلاف العاملين أنفسهم خارج الوظيفة، وبالتالي من دون أي دخل. ويتنوع هؤلاء بين أشخاص عاديين باحثين عن عمل وأُجبروا على دفع رشى لمسؤولين وأصحاب نفوذ لتوظيفهم، بحكم أن ذلك كان الوسيلة شبه الوحيدة المتاحة لتأمين الرزق، وبين عشرات الآلاف من الموالين للنظام السابق الذين تم توظيفهم خدمة له، يضاف إليهم أعداد بالآلاف أيضاً خلال سنوات الحرب نتيجة توظيف ذوي من قضوا في القتال إلى جانب النظام كمكافأة لهم.
وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد العاملين في القطاع العام يتراوح حالياً بين 1.2 و1.4 مليون موظف، من دون أن تذكر أعداداً واضحة لمن يعملون بعقود سنوية والدائمين، لكن مصادر غير رسمية تتحدث عن أن عددهم يقدر بعشرات الآلاف ليس أكثر.
استياء وترقب
منذ تطبيق القرار «2533» بات يسود في المحافظات موقف شعبي يمكن وصفه بـ«الهجين»؛ إذ يجمع بين استمرار «التأييد» للقيادة والسلطات الجديدة، وبين حالة «استياء» تم التعبير عنها باحتجاجات واعتصامات وإضرابات عن العمل، بسبب إنهاء تجديد عقود موظفين، وتدني الرواتب عموماً وسط أزمة اقتصادية خانقة.
وزاد من حالة الاستياء العام استمرار الارتفاع الهستيري لعموم الأسعار، وأجور الخدمات الأساسية من كهرباء، وإنترنت، ومواصلات، ووصول الحال بأعداد كثيرة من الأسر إلى انعدام القدرة على التحمل، إضافة إلى تزايد نسبة البطالة، في حين حذرت تقارير أممية من أن أكثر من 90 في المائة من سكان سوريا يعيشون تحت خط الفقر.
وفي ما اعتُبر خطوة إسعافية، ومحاولة لامتصاص حالة الاستياء في الأوساط الشعبية التي طالما تطلعت إلى تحسين أوضاعها المعيشية بعد التغيير، عمّمت الحكومة منذ فترة، بحسب مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط»، قراراً على هيئات ومؤسسات عامة ينص على «تمديد عقود عمل الموظفين السنوية ثلاثة أشهر»، من بينها «الهيئة العامة للبحوث العلمية والزراعية في سوريا».
وجاء القرار بعدما تبلّغ قبل نحو شهرين «846 موظفاً وموظفة في (الهيئة) يعملون بعقود سنوية (مؤقتة)، بالتوقف عن العمل»، بموجب القرار «2533».
ووفق معلومات «الشرق الأوسط»، يتوزع هؤلاء على 308 من العاملين والعاملات في مركز «الهيئة» بمحافظة اللاذقية (غرباً)، و185 في طرطوس (غرباً)، و204 في الغاب (ريف حماة)، و60 في حمص (وسطاً)، و65 في مركز القنيطرة (جنوباً)، و13 في ريف دمشق، و8 في «إدارة بحوث القطن»، إضافة إلى 6 في حماة.
مستقبل غامض
تحدثت «الشرق الأوسط» مع موظفة تبلّغت قرار طردها من «الهيئة العامة للبحوث» حيث تعمل منذ خمس سنوات، فقالت: «لم يبدد قرار التمديد حالة القلق اليومي بسبب عدم وضوح الأفق، والخوف من فقدان مصدر العيش».
وتتساءل السيدة التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، والتي تعيش مع ابنة وحيدة لها، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «ماذا سيحدث بعد انتهاء فترة التمديد؟ هل سينهون عملنا أو سيثبتوننا؟ هل سنُمنح تعويضات؟ للأسف لا أحد يجيبنا، ونحن أمام مستقبل غامض!».
ومع ظهور علامات توتر عليها تقول السيدة: «رغم الاحتجاجات والاعتصامات، ومشهد المشاركين وهم يتحدثون عن مصابهم وكأنهم طيور مذبوحة، مددوا ثلاثة أشهر فقط!»، مشددة على أنه لو «كان هناك حكومة يهمها المواطنون، لوجب تثبيتنا».
ومع ارتفاع الأسعار أخيراً باتت أسرة سورية مؤلفة من ثلاثة أشخاص تحتاج لنحو 500 دولار أميركي شهرياً، في حين لا يتجاوز متوسط راتب الموظف في القطاع العام 170 دولاراً بعد مرسوم الزيادة الأخير.
وعلى الرغم من ذلك، تتمسك أعداد كبيرة من هؤلاء بالوظيفة انطلاقاً من أن «الرمد أفضل من العمى»، على ما يقول المثل الشائع.
وفي مشهد يعكس الحاجة الملحّة وندرة فرص العمل، يظهر على بعد أمتار من لقائنا بالسيدة مخبز تجمع حوله العشرات وهم يحملون كميات من الخبز لإعادة بيعها. وتقول السيدة: «نصف الشعب تحول إلى بائعي خبز، وقسم كبير يعمل في جمع البلاستيك من حاويات القمامة، وبعضهم يبحث فيها عن بقايا طعام».
«فائض موظفين»
يوضح معاون المدير العام لـ«الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في سوريا»، ملحم العبدالله، أن ما يجري للعاملين المؤقتين في «الهيئة» سببه تركة «فائض الموظفين» التي خلفها النظام السابق، والحكومة الحالية تتحمل تبعاتها.
وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يؤكد العبدالله أن «الهيئة» لديها فائض حقيقي وواضح في مراكز محافظتَي اللاذقية وطرطوس، والغاب، وبعضهم موظف منذ 15 عاماً، وكان يُفترض تثبيتهم بعد مضي خمس سنوات بموجب قانون أصدره النظام السابق.
ويبدي العبدالله تعاطفاً مع هؤلاء الموظفين، ويقول: «للأسف الغالبية العظمى من الطبقة الهشة، ومنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، جرى تعيينهم عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل!».
وخلال اعتصامات ووقفات احتجاجية نفذوها ولقاءاتهم مع المسؤولين، تساءل العاملون عن المعايير التي اعتُمدت لاستمرار عدد من الموظفين في عملهم وإنهاء عقود آخرين، وكذلك عن أسباب صدور تعميم قبل قرار التمديد لثلاثة أشهر لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب، نصّ على استمرار كافة العاملين في تلك المراكز في عملهم.
وفي هذا الصدد، غمز عاملون في مراكز أخرى بأن من ضمن أسباب صدور التعميم لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب ربما «تحسّب السلطات» من ضغوط قد تمارسها دول تطالب بـ«حماية الأقليات».
بيد أن العبدالله يؤكد أن ذلك التعميم «ليس له تلك الأبعاد»، وأن المعايير التي تم اعتمادها هي «دراسات أجرتها لجان تم تشكيلها من اختصاصيين في المراكز، واستندت على (التقييم) الخاص بكل عامل، وحاجة كل مركز».
«حكم إعدام للعائلات»
في ظل مخاوف العاملين على مصيرهم، يتحدث العبدالله عن «احتمال إعادة تدوير لهم في ظل النقص في عدد العمال والخبراء والاختصاصيين في كثير من مراكز (الهيئة) الواقعة في المحافظات الشمالية والشرقية».
بالنسبة لموظفة أخرى في «الهيئة» جرى إبلاغها بالالتحاق بالعمل بعد قرار التمديد، فإن «عملية التدوير» هي «أمر ممكن» إذا كان النقل إلى مراكز قريبة، كأن يُنقل الموظف من مركز دمشق إلى مركز بريفها أو إلى القنيطرة، مع توفير وسائل نقل من قبل «الهيئة». ولكن التدوير يكون بمنزلة «تعجيز» إن جرى نقل الموظف من مركز في جنوب البلاد إلى أقصى الشمال أو الشرق؛ لأن «الراتب لن يكفي لإيجار منزل حتى».
واللافت أن قرارَي التوقيف والتمديد لم يشملا كافة المتعاقدين؛ فإحدى الموظفات بعقد سنوي في «الإدارة العامة للشؤون المدنية» التابعة لوزارة الداخلية، فُصلت هي و479 آخرون من عملهم في أبريل (نيسان) 2025 بقرار فجائي صادر عن معاون وزير الشؤون المدنية، ولم تتبلّغ الموظفة بتمديد عقدها ثلاثة أشهر. وما زاد من مصيبتها أن قرارات إنهاء العمل شملت زوجها أيضاً العامل في المؤسسة العامة للكهرباء، ما أدى إلى فقدان العائلة كافة مصادر العيش.
«حكم بالإعدام على العائلة»، تصف السيدة ما جرى معها ومع زوجها، لافتة إلى أن زوجها أُصيب على أثر ذلك بـ«جلطة دماغية»، ولا يزال يعاني من تداعياتها الخطيرة.
تحديات الهيكلة الإدارية
تكشف تحديات إعادة الهيكلة التي واجهها الاقتصاد السوري مفارقات جوهرية تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنمو المستدام، وفق المستشار الاقتصادي زياد عربش.
ويوضح عربش لـ«الشرق الأوسط» أن «أولى المفارقات تكمن في أن عودة المهجّرين تفترض زيادة الطلب على الخدمات العامة إلى نحو الضعف، خاصة في مجالات التعليم والصحة، الأمر الذي يتطلب توظيف المزيد من الكفاءات رغم وجود (فائض وظيفي) موروث. فهذا يتطلب إعادة تأهيل عوضاً عن الصرف». ويوضح عربش أنه «مع وجود (موظفين أشباح) وقع العبء على الموظفين الحقيقيين الذين استمروا في تقديم الخدمات لأعداد أكبر من المستفيدين، كتأمين التعليم لخمسة ملايين طالب، في حين عمدت وزارات عديدة إلى رفد المؤسسات بعشرات آلاف الموظفين».
المفارقة الثانية، بحسب عربش، أن القطاع العام ليس وحده الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل، بل القطاع الخاص أيضاً، ويقول: «بدلاً من التركيز على مزيد من الكفاءة في كلا القطاعين، يتم بيع أصول المؤسسات العامة قبل هيكلتها، لا بل إن تفكيك مؤسسات الدولة ينتهك المبادئ العامة ودور الدولة كضامن للعقد الاجتماعي».
أما المفارقة الثالثة، فهي وجود بطالة مقنّعة، مقابل نقص حاد في الكفاءات الرقمية المطلوبة لآلاف فرص العمل في قطاعات تعتمد بشكل أساسي على التحول الرقمي، و«خصوصاً مع الحديث عن الاستثمارات في السياحة والاتصالات، وبناء المرافق لجذب الرأسمال العربي المهاجر، وهذا كله يتطلب استراتيجية انتقالية تجمع بين الشفافية والتدريب لتحويل المفارقات إلى محركات نمو»، بحسب عربش.
ويستبعد عربش أن تتخلى الحكومة تماماً عن هؤلاء الموظفين المتعاقدين، لكنها تواجه تحدياً حقيقياً. ويقول: «صحيح أن النظام السابق ترك إرثاً مشيناً بعد عقود مما يسمى إصلاح القطاع العام (والذي لم يكن إلا غطاء لنهبه)، وواجهت السلطة الجديدة اليوم (موظفين أشباحاً) مسجلين على سجلات الرواتب دون وجودهم، لا بل إن البعض كان له عدة رواتب في عدة مؤسسات للدولة… لكن التعميم غير مبرر، ففي اليوم التالي للتحرير استمرت المؤسسات في تقديم الخدمات دون انقطاع للمياه أو الكهرباء، وتابع ملايين الطلاب دراستهم».
تباينات الرواتب
المعاناة والقلق لا يقتصران على الموظفين الحكوميين المتعاقدين، بل يطولان «المثبتين» الذين استمروا في أداء عملهم في الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال السنوات الماضية.
وتتمثل معاناة هؤلاء، وفق عدد منهم، في وجود فروقات كبيرة بين رواتبهم الشهرية، ورواتب موظفين قدموا من الشمال السوري والمهاجر.
موظف في مؤسسة حكومية بدمشق، مضى على عمله أكثر من 20 عاماً، لا يتجاوز راتبه الشهري حالياً 170 دولاراً، يؤكد أن زملاء جدداً له في نفس المكتب قدموا من الشمال حيث عملوا في «حكومة الإنقاذ» التي كانت تتبع «هيئة تحرير الشام»، يتقاضون نحو 500 دولار، في حين تصل مرتبات رؤساء أقسام لنحو 1000 دولار، والمديرون الجدد الذين قدموا من تركيا يتقاضون أكثر من 3000 دولار.
ويقول الموظف الذي فضّل عدم ذكر اسمه واسم المؤسسة، إن الأمر يتسبب في «غصة كبيرة له وللآلاف من زملائه، ويشعرهم باستمرار فقدان العدالة».
ويوضح مصدر حكومي حالي في دمشق، كان موظفاً لدى «حكومة الإنقاذ» في الشمال السوري قبل التحرير، أن الأخيرة كان لديها سلم رواتب وفق قانون العاملين رقم «53»، وهو مماثل لقانون العاملين رقم «50» المعمول به في مناطق سيطرة النظام السابق.
ويذكر المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «رواتب (الإنقاذ) في تلك الفترة كانت تبدأ من 125 دولاراً وتصل إلى 500 دولار، كما كان يوجد رواتب أعلى، وهذا التفاوت موجود حتى وفق القانون رقم (50)».
ويرى المصدر أن هذا التفاوت في الرواتب أمر طبيعي في هذه المرحلة الانتقالية، وسيتم معالجته تدريجياً مع صدور «قانون الخدمة المدنية الجديد» بعد انطلاق عمل مجلس الشعب.
ووفقاً للمصدر، فإن «عملية الدمج بين الكيانات الموجودة في الدولة معقدة، وقد تستغرق وقتاً طويلاً؛ لأن حكومة النظام السابق كانت تعمل وفق القانون (50)، و(الإنقاذ) وفق القانون (53)، و(الإدارة الذاتية) الكردية وفق قانون خاص بها».
حلول عملية
المستشار الاقتصادي عربش، وخلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال إن مسألة وجود فارق في رواتب موظفين في مرتبة واحدة «تهدد العقد الاجتماعي وتفاقم المفارقات الثلاث السابقة».
ويوضح أن «وجود رواتب منخفضة (مثل 200-300 دولار) مقابل 500-700 دولار لبعض الموظفين الجدد يولّد توتراً، ويقوّض الاستمرارية المؤسساتية؛ ولذلك يُفترض أن تجعل الحكومة هذه القضية أولوية لتعزيز الوحدة الوطنية، مدعومة بضغط دولي واستثمارات».
وفي رأيه، فإن معالجة مشكلة الفارق في رواتب الموظفين تتطلب «نهجاً تدريجياً، مع التركيز على الشفافية والكفاءة».
ويذكر عربش أن النهج التدريجي للمعالجة يتضمن عدة طرق، هي «توحيد جداول الرواتب بصيغة موحدة بناءً على الخبرة والموقع، مع زيادة تدريجية للمثبتين (20 في المائة سنوياً لثلاث سنوات مثلاً)، ممولة بإيرادات الاستثمارات في قطاعات الطاقة والفوسفات والسياحة».
ويمكن معالجة الأمر من خلال حوافز أداء، كربط نسبة من الراتب بمؤشرات واضحة، ما يحفز الكفاءة، وكذلك من خلال تعويض انتقالي بتقديم منح للمثبتين في أكثر المناطق فقراً لسد الفجوة، وبرامج تدريب مشتركة لتبادل الخبرات.
وأيضاً «يمكن معالجة الأمر من خلال رصد رقمي، كاعتماد تطبيق (حقيبة الراتب الشفاف) لمراقبة الفوارق، وهو مستوحى من نموذج نفذته السعودية سابقاً».
وهذه الطرق، بحسب عربش، تحوّل الفائض الوظيفي قوة في الموارد البشرية، مع تقاطع هيكلة القطاع الخاص باعتماد مسارات النهوض التكنولوجي والمؤسساتي؛ بمعنى أن تتحول عدة موارد إلى كفاءات رقمية للاستثمارات. لكن إلى أن تتم هذه العملية وغيرها، أو أن توضع خطط بديلة للتعامل مع تحديات الإدارة العامة والأعباء الاقتصادية للأسر السورية، يبقى أن عدداً لا يستهان به من المعيلين والمعيلات فقدوا مصدر دخلهم الوحيد، وزادوا هوامش الفقر الممتدة كل يوم.
الشرق الأوسط
———————————
الأسعار تواصل الارتفاع.. عوامل اقتصادية متداخلة تضغط على الوضع المعيشي/ وفاء فرج
أبريل 21, 2026
تشهد الأسواق السورية موجة ارتفاعات متواصلة في أسعار السلع، ضمن مسار يرتبط بتقلبات سعر الصرف وتكاليف الاستيراد والطاقة، وينعكس مباشرة على الوضع المعيشي. ومع استمرار هذه الزيادات، تتسع الضغوط على الأسر، في ظل تداخل عوامل داخلية وخارجية تتحكم بحركة الأسعار وتحدّ من استقرار السوق.
وكشفت جولة ميدانية لصحيفة “الثورة السورية” عن ارتفاعات ملحوظة ومتقلبة في أسعار المواد الغذائية، تراوحت بين 15 و20 بالمئة، شملت معظم السلع.
وارتفع سعر كيلوغرام السكر إلى نحو 10,300 ليرة قديمة، والأرز إلى ما بين 14,000 و17,000 ليرة، فيما بلغت البقوليات مثل العدس والحمص نحو 15,000 ليرة للكيلوغرام. كما صعد سعر لتر الزيت إلى 25,000 ليرة، والسمن إلى 90,000 ليرة للكيلوغرام، مع تفاوت بالأسعار حسب النوع والمنطقة.
وفي الخضروات والفواكه، وصل سعر البندورة إلى نحو 20,000 ليرة قديمة للكيلوغرام، والتفاح إلى 30,000 ليرة، في حين استقر سعر البطاطا عند حدود 8,000 ليرة، وانخفض الفول الأخضر إلى نحو 5,000 ليرة.
أما اللحوم، فسجلت مستويات مرتفعة، إذ بلغ سعر كيلو غرام لحم الخروف نحو 300,000 ليرة، مقابل نحو 200,000 ليرة للعجل، بينما تراجع سعر الفروج الحي إلى نحو 26,000 ليرة للكيلوغرام، واستقر سعر صحن البيض عند حدود 23,000 ليرة.
ظاهرة عالمية
تتزامن موجة ارتفاع الأسعار مع تراجع الليرة السورية إلى حدود 13 ألف ليرة مقابل الدولار، ما يعكس حالة من عدم الاستقرار في السوق. ويؤكد مواطنون أن هذه الزيادات المتسارعة تجاوزت قدرتهم الشرائية، في ظل أعباء إضافية تشمل ارتفاع فواتير الكهرباء، وهو ما يفاقم الضغوط المعيشية مع استمرار تقلبات سعر الصرف.
وقال رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية الدكتور مازن ديروان، لصحيفة “الصورة السورية”، إن ارتفاع الأسعار يرتبط بعوامل عالمية، في مقدمتها تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، وما تسببه من زيادة في أسعار الطاقة، وانعكاس ذلك على تكاليف الشحن والإنتاج.
وأشار إلى أن هذه الظاهرة ذات طابع عالمي، ولا تقتصر على سوريا، لافتاً إلى أن ارتفاع التكاليف، لا سيما الطاقة، يشكل المحرك الرئيسي للأسعار، مع امتداد فترات الشحن أحياناً نتيجة تجنب مسارات غير آمنة، ما يضيف أعباء إضافية.
وأكد ديروان أن استقرار سعر صرف الليرة السورية يمثل هدفاً استراتيجياً للحكومة والمصرف المركزي، مشيراً إلى أن الجهود المبذولة تسير في هذا الاتجاه.
وفي ما يتعلق بزيادة الأعباء الاقتصادية، اعتبر أن هذه المسؤولية تتوزع على مختلف الأطراف، موضحاً أن قدرة الحكومة على التدخل مرتبطة بمواردها، وأن أي توسع في الإنفاق قد ينعكس عبر أدوات مثل الضرائب. ولفت إلى أن الحروب والصدمات الاقتصادية تفرض كلفاً عامة تنعكس على مختلف الفئات.
ورأى ديروان أن الاستقرار يرتبط بعوامل موضوعية تشمل انتظام سلاسل الإمداد واستقرار سعر الصرف وتكاليف الإنتاج، مشيراً إلى أن آليات التسعير الإداري لا تحقق نتائج مستدامة في ظل هذه الظروف.
أما فيما يخص شبكة الأمان الاجتماعي، فأوضح أن توسيعها يتطلب موارد مالية كبيرة، وهو ما يواجه تحديات في الوضع الراهن، مشيراً إلى أن مسار التعافي يرتبط بتنشيط بيئة الأعمال، واستقطاب الاستثمارات، وتوسيع فرص العمل بما يسهم في تحسين مستويات الدخل.
عوامل متداخلة
من جهته، أكد عضو غرفة تجارة دمشق لؤي الأشقر، أن مسار الأسعار المتصاعد يمثل تحدياً اقتصادياً واسع التأثير على مختلف الشرائح، موضحاً أن هذه الزيادات ترتبط بعوامل متداخلة، أبرزها الأزمات الإقليمية التي رفعت تكاليف النقل والمواد الأولية، إلى جانب شح بعض السلع، فضلاً عن تأثير ارتفاع أسعار النفط والطاقة على السلع المصنعة والمستوردة.
وقال الأشقر لصحيفة “الثورة السورية” إن المستهلك يتحمل العبء الأكبر مع تراجع قدرته الشرائية، في وقت تمتد فيه الضغوط إلى التجار والصناعيين نتيجة صعوبات تأمين المواد الأولية وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، ما ينعكس على القدرة التنافسية.
آلية السوق
رأى نائب رئيس غرفة تجارة دمشق سابقاً محمد الحلاق، أن تحديد أسعار السلع والخدمات يخضع لآلية السوق، التي تتأثر بعوامل الجودة والموقع الجغرافي وتكاليف تقديم الخدمة، موضحاً أن هذه العوامل تضع إطاراً لتسعير السلع وفق اعتبارات موضوعية.
وقال الحلاق لصحيفة “الثورة السورية” إن الارتفاعات السعرية ترتبط أساساً بزيادة التكلفة في بلد المنشأ أو بارتفاع سعر الصرف للسلع المستوردة، لافتاً إلى أن تعدد المورّدين يعزز دور المنافسة في ضبط الأسعار ضمن حدودها الاقتصادية.
وأضاف أن هناك هامشاً طبيعياً يسمح بامتصاص جزء من الارتفاعات، إلا أن هذا الهامش يتراجع مع زيادة التكاليف، ما يدفع إلى تعديل الأسعار. كما أوضح أن انخفاض حجم المبيعات يرفع الأعباء التشغيلية ويؤثر على التوازن السعري، في حين يسهم ارتفاع أسعار المحروقات في زيادة تكاليف الإنتاج والنقل.
وشدد على أن تقلبات سعر الصرف تشكل عاملاً محورياً في معادلة التكلفة، مع انتقاله إلى حدود 13 ألف ليرة، ما يزيد من الضغوط على السوق. وخلص إلى أن تداخل هذه العوامل يفاقم التحديات الاقتصادية، ويستدعي معالجة أسبابه لضمان استقرار السوق.
تعدد أسعار الصرف
من جانبه، أوضح أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة، أن استمرار ارتفاع الأسعار في الأسواق يترافق مع تذبذب سعر الصرف، ما يؤدي إلى حالة من الفوضى في تحديد قيم السلع والخدمات، مشيراً إلى أن تعدد أسعار صرف الدولار بين السوق الرسمي والموازي وقطاعات أخرى ينعكس مباشرة على مستويات الأسعار ويزيد من أعباء المعيشة.
وقال حبزة لصحيفة “الثورة السورية” إن تعدد أسعار الصرف بات عاملاً رئيساً في تباين الأسعار، حيث تختلف تسعيرة السلعة الواحدة تبعاً لسعر الصرف المعتمد، ما يوسع فجوة الأسعار ويفتح المجال لاعتماد تسعير أعلى في بعض الحالات.
وشدد على أن استقرار الأسعار يرتبط بتوفر السلع في الأسواق وثبات سعر الصرف، إذ يسهم هذان العاملان في تهدئة السوق والحد من الارتفاعات غير المبررة.
وفي هذا السياق، دعا حبزة إلى تدخل حكومي فعّال عبر طرح مواد بأسعار منافسة، بما يعزز توازن السوق ويحد من ارتفاع الأسعار، معتبراً أن هذا الدور ينسجم مع آليات السوق من خلال دعم المنافسة وتحسين قدرة المستهلك على الوصول إلى السلع.
سياسات المركزي
من جهته، رأى الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، الدكتور زكوان قريط، أن الارتفاع المستمر في الأسعار وتذبذب سعر صرف الليرة يمثلان تحدياً اقتصادياً كبيراً يواجه المواطن السوري، موضحاً أن هذه الظاهرة المعقدة تنبع من مجموعة من العوامل المتداخلة، ويعد فهم هذه الأسباب الخطوة الأولى نحو إيجاد حلول فعالة.
وقال قريط لصحيفة “الثورة السورية”، إن السياسات النقدية والمصرفية التي اتبعها المصرف المركزي تلعب دوراً رئيساً في هذا التدهور. فقد أدت بعض القرارات، مثل تلك المتعلقة بطرح العملة الجديدة، إلى حالة من الارتباك في سوق الصرف، حيث بدا أن الليرة تتأثر بالتوجهات الرسمية أكثر من الأساسيات الاقتصادية.
وأضاف أن سياسات ضبط السيولة وكبح السحوبات، رغم هدفها المعلن بتثبيت سعر الصرف، أعاقت حركة الاقتصاد وعمليات التعافي، بل دفعت الكثير من المعاملات المالية إلى خارج النظام المصرفي الرسمي، لتتم عبر الحوالات وشركات الصرافة.
وأوضح أن العوامل الخارجية والتجارية تسهم بشكل كبير في الضغوط التضخمية، موضحاً أن الاعتماد على الواردات، يجعل الاقتصاد السوري أكثر عرضة لتأثيرات تقلبات أسعار صرف العملات الأجنبية.
كما أشار إلى أن العقوبات الدولية وصعوبة التحويلات المالية تشكل عبئاً إضافياً، لافتاً إلى أنه رغم بعض التخفيف الاسمي للعقوبات، لا تزال المصارف الأجنبية تتحفظ في التعامل مع المصارف السورية، ما يعقّد عمليات التحويل الدولية.
واعتبر قريط أن هذا التعقيد، إلى جانب المخاوف المرتبطة بتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، يجعل من الصعب على الاقتصاد السوري استيعاب المساعدات وتحويلات المغتربين، ما يزيد الضغط على سعر الصرف والأسعار.
وتلعب العوامل النفسية والمضاربة دوراً مهماً في تذبذب سعر الصرف، إذ يتأثر السوق بشكل كبير بالعناوين الإخبارية والتوقعات، ما يخلق حالة من عدم اليقين ويزيد من التقلبات، بعيداً عن المؤشرات الاقتصادية الحقيقية، وفق قريط.
وأشار إلى أن المواطن السوري يواجه صعوبات معيشية بالغة، حيث تتسع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، موضحاً أن المبالغ التي يتقاضاها المواطن كحد أدنى للأجور لا تغطي سوى نسبة ضئيلة جداً من تكاليف المعيشة الأساسية، ما يضطر الغالبية العظمى إلى الاعتماد على مصادر دخل إضافية.
واعتبر أن قدرة الدولة على لجم التضخم تواجه تحديات كبيرة، إذ تعتمد تقديرات الموازنة العامة على افتراضات نمو اقتصادي متفائلة لا تتوافق مع تقديرات المنظمات الدولية، كما أن المصرف المركزي يعاني من تردد في سياساته وفقدان الثقة في النظام المصرفي، ما يحد من فعالية الأدوات النقدية التقليدية.
وشدد على أن معالجة الأزمة الاقتصادية تتطلب مقاربة شاملة ومتكاملة، مشيراً إلى ضرورة استعادة الثقة في النظام المصرفي، وتسهيل التحويلات المالية، ودعم الإنتاج المحلي، وتوفير شبكة أمان اجتماعي فعالة، وتعزيز الشفافية. وأكد أن وضع معيشة المواطنين وسبل عيشهم يجب أن يكون الأولوية القصوى لتحقيق النهوض الاقتصادي المنشود.
الثورة السورية
———————————
العلاقات الاجتماعية في سوريا.. بين الغياب والعودة ما الذي تغيّر؟/ سمر حمامة
أبريل 21, 2026
عاد عبد الكريم غازي وعائلته إلى دمشق بعد سنوات طويلة من الاغتراب في تركيا، وبعد مضي عام على عودته، اكتشف أن الحياة لم تعد كما كانت قبل الهجرة، والتغيير لم يجده فقط في تفاصيل المعيشة اليومية بل في عيني ابنته الصغيرة التي التحقت بمدرسة خاصة ولم تستطع تكوين صداقة واحدة خلال فصل دراسي كامل.
وحزن الصغيرة كما يوضح غازي لـ “الثورة السورية” كان مرآة لما يشعر به بصمت، من اتساع المسافات بين الناس، والحذر فيما بينهم الذي بات سيد الموقف، والانغلاق على الذات والترقب.
ولم يعد بناء الثقة في الشارع السوري أمراً عادياً، حيث وجد معظم العائدين من دول اللجوء والاغتراب أن التحدي الأكبر لا يقتصر على غياب الخدمات أو فرص العمل، بل في تغير البيئة الاجتماعية وترابطها الإنساني، فسنوات الحرب والتهجير أنتجت حالة من الانطواء على الذات، حيث تحوّل الطرف الآخر إلى مصدر قلق محتمل.
والشعور بالريبة لم يأت من فراغ، فهو نتيجة تراكمات نفسية واجتماعية، حيث حولت الحرب بعض ملامح الشخصية السورية من منفتحة تعشق الحياة والتآلف إلى شخصية شديدة الحذر والعزلة، وهذه العزلة أصبحت وسيلة استباقية وحماية ذاتية من المجهول.
والوضع الاقتصادي المتردي سرق الطمأنينة من النفوس، وبات الفرد السوري متعباً يسعى إلى تأمين لقمة عيشه، وهذا ما أدى إلى ضعف طاقته النفسية، فالفقر يتعب الجسد ويسرق القدرة على المبادرة الاجتماعية.
ومع ذلك، توجد قصص تعيد الأمل وإن كانت تحتاج إلى صبر طويل، ومنها قصة مجد الأجرد، وهو شاب عاد من ألمانيا منذ عامين، وواجه في البداية مشاعر الجفاء والحذر من محيطه ومن أصدقائه القدامى.
وأكد الأجرد لـ “الثورة السورية”، أن السوري يحتاج إلى وقت مضاعف ليشعر بالأمان تجاه أي وجه جديد أو عائد من بعيد، والمجتمع الذي عانى من مرارة الهجرة والنزوح بات ينظر بعين الشك لكلّ ما هو جديد، واستطاع الأجرد من خلال تفهم حالة الحذر التي تسكن جيرانه أن يكسر الجليد بالتدريج.
وأوضح أن العودة إلى الاندماج جاءت عبر مواقف بسيطة أعادت ترميم جسور الثقة المكسورة، وهذه التجربة تؤكد أن المعدن الأصيل للمجتمع السوري ما زال موجوداً، لكن الخوف والوجع سيطرا عليه نتيجة الظروف القاسية.
وما يعيشه المجتمع السوري اليوم هو نتيجة مباشرة للتهجير القسري والعزلة عن العالم، هذا ما أكدته المختصة النفسية دارين السليمان لـ”الثورة السورية” موضحة أن الانعزال عن المحيط الخارجي جعل الناس محتجزين داخل دوائر ضيقة، وهذا الاحتجاز أرخى بظلاله على العلاقات الاجتماعية وأضعف التماسك الاجتماعي.
والعلاقات الاجتماعية بحسب السليمان باتت تحكمها المصالح الضيقة أو الحذر المفرط ، حيث فقدت الحياة الاجتماعية قيمتها ودفئها المعهود، وصار من الصعب تكوين صداقات جديدة أو الحفاظ على الصداقات القديمة التي تراجعت بسبب المسافات والزمن واختلاف الاتجاهات والهموم اليومية.
والعلاقات الاجتماعية في سوريا تحوّلت إلى جرح عميق خلفته الحرب والضغوط الاقتصادية، والعائدون اليوم يواجهون مهمة ذات شقين: الأول التأقلم مع واقع متغير، والثاني المساهمة في إزالة القسوة التي فرضتها الظروف على من بقي في الداخل.
وأكدت السليمان أن السوريين بحاجة اليوم إلى إعادة تعريف للأمان الاجتماعي، والاعتراف بأن الانغلاق هو غاية دفاعية فرضتها الحاجة، لكنّه في الوقت نفسه لا يبني وطناً، والوطن يبنى بالناس وبعلاقاتهم القوية والمتينة، ليس بالانعزال والتقوقع على الذات.
واعتبرت أن كسر العزلة المصطنعة يبدأ بابتسامة في باحة مدرسة، أو بكلمة طيبة بين جيران فرقهم التعب وجمعهم المصير، لتبقى سورية دوماً البيت الكبير والحضن الدافئ الذي لا تغلق أبوابه في وجه أبنائه مهما طال الغياب ومهما اشتدت الصعاب.
العودة إلى الروابط الإنسانية في المجتمع السوري بحسب السليمان تستند إلى استعادة الدفء والشعور بالأمان، والأمل يتركز على وعي السوريين بضرورة إعادة حياكة نسيجهم الاجتماعي بعيداً عن الحذر والخوف، فالوطن في النهاية هو الأهل والناس، لا الجدران.
وكذلك توضح أن الحياة تعود لتنبض بالحب حين تفتح القلوب لبعضها البعض بصدق، والسوريون الذين بنوا حضارات قادرون اليوم على فتح أبواب بيوتهم وقلوبهم المقفلة من جديد، وإعادة الحياة إلى شوارعهم وحاراتهم التي اشتاقت لضحكات الأطفال وأحاديث الجيران.
الحرب جرحت العلاقات الاجتماعية السورية، وسنوات التهجير زرعت الحذر وأضعفت الثقة، وإعادة بناء الجسور بين القلوب أصعب من إعادة بناء الحجر، إلا أن العودة إلى الدفء والتآلف ممكنة بوعي وجهد فردي.
الثورة السورية
———————————
تشديد على “البيوع الصورية”.. القضاء يلاحق ممتلكات رموز النظام المخلوع | فيديو
2026.04.21
اتخذت وزارة العدل السورية إجراءات قانونية مشدّدة لمواجهة محاولات تهريب ممتلكات وعقارات تعود لرموز النظام المخلوع، عبر ما يُعرف بـ”البيوع الصورية”، في خطوة تهدف إلى حماية المال العام وضمان حقوق المتضررين.
وكشف المحامي العام في دمشق، القاضي حسام خطاب، أن الوزارة رصدت لجوء عدد من الشخصيات المرتبطة بالنظام المخلوع إلى القضاء، لنقل ملكيات عقاراتهم بأسماء أقارب أو “واجهات”، مستندين إلى وثائق أو أحكام صورية للالتفاف على مسار المحاسبة.
وأوضح خطاب، في مداخلة تلفزيونية عبر برنامج “سوريا اليوم” على شاشة تلفزيون سوريا، أنّ الوزارة وجّهت المحاكم إلى التشدد في تدقيق هذه القضايا، من خلال إجراء “التحقيق المحلي” و”الكشف الحسي” للتثبت من الشاغلين الفعليين للعقارات قبل تثبيت أي عملية بيع، مشدداً على أن هذه الخطوات تهدف إلى منع تمرير صفقات مشبوهة.
“النيابة العامة تدخل على خط القضايا العقارية”
وأشار خطاب إلى صدور تعاميم رسمية (منها التعميم رقم 5 والتعميم الأخير رقم 18) تتيح إدخال النيابة العامة كطرف في دعاوى البيوع العقارية المشتبه بها، بصفتها ممثلة للمصلحة العامة، ما يعزز الرقابة القضائية على هذه العمليات ويحدّ من محاولات تهريب الأموال.
وبيّن أن الدولة وضعت اليد مؤقتاً على عدد من هذه الأملاك عبر “الحجز الاحتياطي”، بانتظار صدور تشريعات تنظم عمليات المصادرة واسترداد الحقوق بشكل قانوني نهائي، نافياً ما يُتداول حول توزيع هذه الممتلكات على جهات أو أفراد.
“تحديات معقدة واستعادة طويلة الأمد”
من جانبه، اعتبر مدير وحدة “سراج” للصحافة الاستقصائية محمد بسيكي، أنّ هذه الإجراءات تمثل بداية لفتح ملف استرداد الحقوق، لافتاً إلى أن النظام المخلوع اعتمد لسنوات على شبكات “واجهات” لتسجيل الأصول بأسماء وهمية، غالباً نتيجة عمليات استحواذ غير مشروعة.
وأكّد بسيكي أن التحدي الأكبر يكمن في التفريق بين الحجز المؤقت والمصادرة القانونية، إضافة إلى تعقيد قضايا التزوير، التي قد تستغرق سنوات أمام المحاكم، ما يستدعي خطة شاملة لتعزيز كفاءة الجهاز القضائي.
يأتي هذا التحرك ضمن تنسيق بين وزارة العدل وهيئة العدالة الانتقالية ووزارة الداخلية، في إطار مساعٍ أوسع لضمان المحاسبة واستعادة الحقوق، وسط تأكيدات رسمية بأن القضاء يمتلك الأدوات اللازمة لتعقب العمليات المشبوهة وإعادة الملكيات لأصحابها.
وفي ختام مداخلته، شدد المحامي العام في دمشق القاضي حسام خطاب، على أنّ القضاء السوري اليوم، يمتلك القدرة التقنية والقانونية على تتبع العمليات المشبوهة، معتبراً أن استعادة حقوق السوريين هي الركيزة الأساسية لإعادة بناء المنظومة القضائية في سوريا.
———————————
العنف التوليدي في المشافي العامة… صرخات خلف الأبواب المغلقة/ هاديا المنصور
21 ابريل 2026
تحت أضواء حادّة، وعلى سرير بارد تحيط به وجوه متعبة وملامح مستعجلة، تبدأ حكاية ولادة سمر محفوظ، حكاية لا تشبه تلك التي تروى عن الفرح بمولود قادم، هنا في المشافي السورية العامة، حيث يتداخل في تلك الغرفة الضيقة صرير الأجهزة مع أنفاس متقطعة، وتتعالى الأوامر السريعة بلغة جافة لا تحتمل التفسير، فيما تغيب الكلمات التي قد تمنح شيئاً من الطمأنينة.
تحاول سمر أن تلتقط ما يجري حولها، أن تفهم تسلسل اللحظات، لكن كل شيء يبدو أسرع من قدرتها على الاستيعاب، وجوه تدخل وتخرج من دون مقدّمات، وأيدٍ تتحرّك فوق جسدها من دون استئذان، وستارة بالكاد تفصلها عن أعين الآخرين. لا يكون الألم في تلك اللحظة مجرّد إحساس جسدي، بل يتحوّل إلى تجربة مربكة تختلط فيها المخاوف ويغيب فيها الشعور بالأمان، لتجد نفسها محاصرة بين رغبتها في الصراخ، وحاجتها لأن يفهمها أحد، لا أحد يشرح، لا أحد يهدئ، وكأن ما تمر به أمر اعتيادي لا يستدعي التوقف، هناك، حيث يفترض أن تولد الحياة في أكثر صورها إنسانية، تتسلل تفاصيل قاسية، صغيرة في ظاهرها، لكنها كبيرة لدرجة أنها تترك أثراً عميقاً لا يمحى بسهولة.
في تلك اللحظة تحديداً، لم تكن سمر تواجه المخاض وحده، بل كانت تخوض تجربة كاملة من فقدان السيطرة حيث يتحوّل الجسد إلى ساحة إجراءات، وتتحوّل الولادة من حدث شخصي عميق إلى مشهد بارد يخلو من الاحتواء. ومع كل دقيقة تمر كانت تدرك أن هذه البداية لن تروى كما ينبغي، بل ستبقى ذكرى مثقلة بندوب لا ترى، لكنها تحس بها في كل مرة تستعاد فيها الحكاية.
لا تقتصر معاناة النساء في عدة مشاف عامة في سورية على آلام المخاض، بل تتجاوزها إلى ممارساتٍ تصنف ضمن ما يمكن تسميته “العنف التوليدي”، وهو جملة من انتهاكات جسدية ونفسية تتعرّض لها النساء خلال الحمل والولادة، وبينما تتداول النساء هذه القصص همساً، يبقى الاعتراف الرسمي محدوداً، وآليات المحاسبة غائبة.
وتعرّف منظمة الصحة العالمية “العنف التوليدي” بأنه إحدى المشكلات الصحية العمومية الناجمة عن استخدام القوة البدنية عن قصد، سواء عبر التهديد أو الإيذاء الفعلي الموجّه ضد شخص آخر أو ضد مجموعة أو مجتمع. وقد يؤدّي هذا العنف، أو يحتمل أن يؤدي إلى الإصابة أو الوفاة أو الضرر النفسي أو سوء النمو أو الحرمان. وأضحت هذه الظاهرة من أبرز المشكلات الصحية راهناً، إذ لا يوجد بلد أو مجتمع في منأى عنها.
وبحسب المنظمة نفسها، يحمل الإهمال في أثناء الولادة عواقب وخيمة غالباً ما تصل إلى حد التهديد للحياة، وتستدعي تدخلاً طبياً. وفي سورية، يؤدّي لجوء النساء إلى الصمت والسكوت، إما بسبب الجهل الطبي أو القانوني، أو لانعدام الدعم المجتمعي، أو نتيجة المعلومات المغلوطة، إلى بقاء هذه الظاهرة المهددة للحياة خارج دائرة الضوء.
عالمياً، تتعرّض النساء لأشكال متعدّدة من عنف الولادة، تراوح بين ما يرتبط بالجانب النفسي وما يصنف ضمن الأخطاء الطبية، وقد تختلف التسميات، لكن العواقب واحدة وتندرج جميعها تحت مسمى “العنف التوليدي”، الذي يظل بمنأى عن التغطية القانونية، لا سيما في السنوات الأخيرة.
تقول سمر، وهي أم لطفلين، وتتحدر من ريف حلب: “لم تكن تجربتي الأولى في الولادة مجرّد ذكرى مؤلمة عابرة، بل تحولت إلى عبء نفسي ما زال يلازمني، فحين دخلت إلى غرفة الولادة باحثة عن حد أدنى من الطمأنينة، أو حتى كلمات تشرح لي ما الذي أمرّ به، وجدتُ نفسي في بيئة يغيب عنها التواصل الإنساني، وأن طلبي البسيط بفهم ما يجري قوبل بالصراخ أو التجاهل، ما جعلني أشعر بالتهميش وكأن وجودي لا يتعدّى كونه حالة طبية يجب التعامل معها بسرعة”.
وتلفت إلى أن الساعات التي سبقت الولادة كانت من أصعب ما مرّت به في حياتها، إذ تركت لفترات طويلة من دون متابعة حقيقية، في غياب التوضيح أو الدعم، الأمر الذي زاد من شعورها بالخوف والارتباك، بينما جاء التدخل الطبي بشكل مفاجئ ومن دون تمهيد أو شرح، ما عمّق إحساسها بفقدان السيطرة على جسدها وعلى مجريات ما يحدث حولها.
وتبين سمر أن ما آلمها لم يكن فقط الألم الجسدي المرتبط بالولادة، بل الطريقة التي عوملت بها في تلك اللحظات الحساسة، حيث شعرت بأن كرامتها لم تؤخذ بالاعتبار، وبأنها تُركت لتواجه تجربتها من دون أي احتواء نفسي، مؤكدة أن هذه التجربة أثرت لاحقاً على نظرتها إلى الولادة، وجعلتها أكثر قلقاً وخوفاً عند تكرارها، هي ليست تجربتها وحدها، بل تشاركت بها معها نساء كثيرات في محيطها، لكنهن يفضلن الصمت.
وتسرد هبة مطر، وهي شابة في العشرينيات، تجربتها بمرارة وتقول لـ”سورية الجديدة”: “ما تعرّضت له خلال الولادة الأولى لي لم يكن مجرد إهمال، بل سلسلة من المواقف المهينة، كنتُ في حالة ألم شديد. ومع ذلك سمعت تعليقات ساخرة من بعض الكادر، كأنني أبالغ أو أفتعل الضجيج، تلك الكلمات تركت أثراً نفسياً لا يقلّ قسوة عن الألم الجسدي بحد ذاته”.
وتتابع: “لم يكن هناك أي احترام لخصوصيتي، كان يدخل ويخرج أكثر من شخص إلى الغرفة من دون استئذان، وحتى في أثناء الفحص كنت مكشوفة أمام عدة أشخاص، من دون أن يشرح لي أحد ما يجري أو لماذا، شعرتُ في تلك اللحظات بانعدام الأمان، وأنني فقدت السيطرة على جسدي وحقّي في اتخاذ القرار”.
وتضيف هبة أن التجربة لم تقف عند هذا الحد، بل امتدّت إلى ما بعد الولادة قائلة: “بعدما أنجبت، تُركت ساعاتٍ من دون متابعة حقيقية، وكنت أشعر بإرهاق شديد من دون أن يسألني أحد عن حالتي أو يطمئن علي، ولم أتلقّ أي دعم نفسي أو إرشاد حول ما يجب فعله بعد الولادة، سواء لي أو لمولودي الأول”. تصمت قليلاً، لتتابع “هذه التجربة جعلتني أخاف من تكرارها، وأفكر كثيراً قبل أن أقرّر الإنجاب مرّة أخرى، ما حدث لا يجب أن تمرّ به أي امرأة، خصوصاً في لحظة يفترض أن تكون من أهم لحظات حياتها”.
وتروي علياء نصري، وهي أم لثلاثة أطفال من مدينة إدلب، تفاصيل تجربة وصفتها بالصادمة، حيث كشفت جانباً أكثر قسوة من تجربتها داخل مشفى الأمومة، وتقول: “في لحظة اشتداد الطلق، لم يكن هناك من يرافقني أو يتابع حالتي، اضطررت للذهاب إلى دورة المياه، وهناك أنجبت طفلي وحدي، لم أتخيل يوماً أن أضع مولودي بهذا الشكل من دون أي إشراف طبي أو مساعدة، كان هذا مرعباً بكل معنى الكلمة”، وتؤكد أن ما حدث ترك لديها صدمة عميقة، ليس فقط بسبب الخطر الذي تعرّضت له هي وطفلها، بل بسبب شعورها بالإهمال والتخلي، “الولادة يجب أن تكون لحظة دعم واهتمام، لا أن تترك المرأة فيها وحدها من دون رعاية أو حتى كلمة تطمئنها”.
ولا تقف أشكال العنف التوليدي عند حدود الإهمال أو غياب الخصوصية، بل تمتدّ في بعض الحالات إلى تدخلات طبية تجرى بطريقة قاسية من دون تمهيد أو موافقة واضحة، ما يحول لحظة العلاج إلى تجربة صادمة، وفي غياب التواصل بين الكادر الطبي والنساء، تجد مريضاتٌ أنفسهن عرضة لإجراءات مؤلمة تنفذ بشكل مفاجئ، ومن دون مراعاة أبسط معايير الرعاية الإنسانية.
وفي هذا السياق، قالت أمينة خالد (في الثلاثينيات)، إنها تعرّضت لإجراء شق جراحي في أثناء الولادة من دون تخدير كافٍ أو شرح مسبق، “فجأة شعرتُ بألم حاد جداً، لم أفهم في البداية ما الذي يحدث، ثم أدركت أنهم بدأوا الجراحة من دون أن يخبروني أو ينتظروا تأثير أي تخدير، كنت أصرخ من شدة الألم، لكن أحداً لم يهتم، بل طلب مني أن أتحمّل وحسب، وأن هذا طبيعي”. وتوضح أن الصدمة لم تكن فقط من الإجراء نفسه، بل من الطريقة التي تم بها، من دون استئذان أو مراعاة لحالتها النفسية والجسدية.
وتتابع أمينة: “حتى بعد انتهاء الولادة، بقي الألم يلاحقني، ليس فقط جسدياً، بل نفسياً أيضاً شعرت بأنني تعرّضت لانتهاك، وأن جسدي لم يكن ملكي في تلك اللحظة، ربما لو شرحوا لي الوضع مسبقاً كنت سأتفهم، لكن أن يتم هذا بهذه الطريقة، فأمر لا يمكن تقبله”.
وتعكس هذه الشهادات، وإن بدت فردية، نمطاً متكرّراً من الانتهاكات، فالعنف التوليدي لا يقتصر على الإهمال، بل يشمل أيضاً غياب الموافقة المستنيرة، والتدخلات غير الضرورية، وانعدام الدعم النفسي، وفق ما توضحه المرشدة النفسية راما عثمان، وتقول: “ما تتعرض له النساء خلال الولادة في مثل هذه الظروف لا يمكن اعتباره مجرد ضغط عابر، بل هو خبرة صادمة قد تترك آثاراً طويلة الأمد، وأن غياب الشعور بالأمان، والتعرض للإهانة أو الألم من دون تفسير، يضع المرأة في حالة من العجز وفقدان السيطرة، وهي من أبرز العوامل التي تسهم في تشكل الصدمة النفسية”. وتلفت عثمان إلى أن كثيرات من النساء اللواتي مررن بتجارب مشابهة يظهرن لاحقاً أعراضاً مرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة، مثل القلق المستمر، ونوبات الخوف، وتجنب الحديث عن تجربة الولادة أو تكرارها، وبعضهن يعانين من صعوبة في الارتباط العاطفي مع المولود في الأيام الأولى، نتيجة التوتر الشديد الذي رافق لحظة الولادة. وتضيف أن طريقة تعامل الكادر الطبي تلعب دوراً محورياً في تشكيل تجربة المرأة، حتى في ظل الإمكانات المحدودة، فالكلمات الداعمة، وشرح الإجراءات، واحترام الخصوصية، يمكن أن تخفف بشكل كبير الأثر النفسي، وتشعر المرأة بأنها شريكة في ما يحدث، لا مجرّد متلقية له وفق تعبيرها.
وتؤكّد المرشدة أن تجاهل هذه الأبعاد النفسية يؤدّي إلى تراكم آثار سلبية على المدى البعيد، ليس فقط على النساء، بل أيضاً على الأسرة ككل، داعية إلى إدماج الدعم النفسي ضمن خدمات الرعاية الصحية، خصوصاً في أقسام الولادة، وتدريب الكوادر على التعامل مع الحالات الحساسة بوعي وإنسانية.
ورغم قسوة هذه التجارب، تلتزم نساءٌ كثيرات الصمت، ولا يتقدمن بشكاوى رسمية، وهو ما تفسره المرشدة النفسية بجملة من العوامل المتداخلة، أبرزها الخوف من العواقب، حيث تخشى بعض النساء من سوء المعاملة في حال احتجن إلى مراجعة المشفى مجدداً، أو من تعرّضهن للتجاهل في المرات المقبلة، كما أن هناك عاملاً اجتماعياً لا يقل تأثيراً، يتمثل في تطبيع هذه الممارسات، إذ تعتبر بعض النساء ما جرى “أمراً طبيعيّاً” في سياق الولادة، خصوصاً عندما تتكرّر الروايات المشابهة في محيطهن، ما يضعف الدافع للاعتراض أو المطالبة بالحقوق، تُضاف إلى ذلك النظرة المجتمعية التي تلعب دوراً في ثني النساء عن الحديث خوفاً من اللوم أو التقليل من معاناتهن.
وتلفت إلى أن الجهل بالحقوق الصحية يشكل عائقاً إضافياً، حيث لا تدرك نساءٌ كثيراتٌ أن لهن الحق في الموافقة المسبقة، والخصوصية، والمعاملة الكريمة، ما يجعلهن غير قادراتٍ على توصيف ما تعرّضن له باعتباره انتهاكاً يستوجب الشكوى، وتشير إلى أن الحالة النفسية بعد الولادة بما تتضمنه من إرهاق جسدي وتقلبات عاطفية قد تدفع المرأة إلى التركيز على التعافي ورعاية المولود بدلاً من الدخول في مسار شكوى قد يكون معقداً وطويلاً. وتؤكد عثمان أن غياب قنوات واضحة وآمنة لتقديم الشكاوى، أو انعدام الثقة بجدوى هذه الإجراءات، يعززان هذا الصمت ويجعلان من العنف التوليدي ظاهرة مستمرّة من دون مساءلة.
من جهة أخرى، يقر عاملون في القطاع الصحي بوجود تحدّيات كبيرة، وقالت ممرضة في أحد المشافي العامة، فضلت عدم ذكر اسمها: “نعمل في ظروف صعبة جداً، عدد المرضى يفوق قدرتنا، والمعدات محدودة، أحياناً نضطر لاتخاذ قرارات سريعة دون شرح كاف، والضغط المستمر قد يؤدي إلى فقدان التعاطف، رغم النية في تقديم الأفضل”. لكن مختصّين يرون أن هذه الظروف لا تبرّر انتهاك كرامة النساء، هذا ما توضحه القابلة القانونية رهف بكور بقولها: “الاحترام لا يحتاج إلى موارد، بل إلى وعي وتدريب، يمكن للطبيب أو القابلة أن يشرحا للمريضة ما يحدث خلال ثوان، وهذا يحدث فرقاً كبيراً”.
وفي ظل غياب سياسات واضحة للتعامل مع هذه الظاهرة، تدعو القابلة بكور إلى إدماج مفهوم العنف التوليدي ضمن الخطط الصحية، وتفعيل آليات الشكوى، وتدريب الكوادر على التواصل الإنساني، وضمان الخصوصية، وتوفير بيئة آمنة تحترم كرامة المرأة.
وتدعو رئيسة شعبة الصحة الإنجابية في مديرية صحة محافظة إدلب، شمال غربي سورية، بتول الخضر لاتخاذ “خطوات عملية من قبل النساء اللواتي يتعرضن لأي انتهاكات، أهمها تقديم الشكوى إلى إدارة المستشفى أو إلى الجهات المعنية، مثل وزارة الصحة أو المنظمات الإنسانية، والتبليغ عن حالات العنف ومحاسبة المسؤولين عن العنف”، وتتابع: “لا بد من اتخاذ خطوات نحو حلول مستدامة، كتدريب العاملين الصحيين على كيفية التعامل مع النساء الحوامل والولّادات باحترام وكرامة، وتشجيع النساء على الإبلاغ عن أي انتهاكات يتعرضن لها دون خوف من العقاب، وتعزيز الرقابة على المشافي والمراكز الصحية لضمان الالتزام بمعايير الرعاية الصحية الجيدة، ونشر الوعي حول حقوق النساء في الرعاية الصحية الجيدة، والاحترام خلال الولادة من أهم ما يمكن القيام به لمنع تلك الانتهاكات”.
العربي الجديد
—————————————
==================
تحديث 20 نيسان 2026
———————————
حين تزدهر المساجد وتذبل الخدمات/ حمزة رستناوي
أبريل 20, 2026
مؤخراً، وضع وزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري ومحافظ دير الزور، حجر الأساس لمشروع إنشاء أكبر مسجد في سوريا في الحديقة المركزية وسط مدينة دير الزور. وقالت مصادر إن المسجد سيقام على مساحة تُقدّر بنحو 15 ألف متر مربع ملكيتها عائدة للأوقاف، على أن يتكفّل أحد المُتبرعين بتمويل المشروع، بما يشمل أيضاً إعادة تأهيل الحديقة أيضاً.
في هذه المقالة سنناقش وبشكل عام مسألة بناء مساجد كبيرة وفخمة في الظرف السوري الراهن في ضوء فقه الأولويات. سنحاول مقاربة هذا الموضوع بهدوء من منظور احتياجات المجتمع السوري، بعيداً عن المزاج الشعبوي الذي قد يميل إلى الغلو والتشنج.
إذا كان المطلوب ترتيب الأولويات وتخصيص موارد ماديّة في بلد مُدمّر وخارج من حرب فسوف يكون ترتيب الأولويات على الشكل التالي: المشفى، ثم المدرسة، ثم المصنع أو شركات تقديم الخدمات الأساسية، ثم المسجد. إنّ حفظ النفس والحياة مُقدَّم على ما سواه، ومن ثم نأتي على حفظ العقل وتحسينه بالعلم والتعليم، ومن ثم يأتي حفظ الدين، فحالُ الدين هو من حال المُجتمع بشكل عام.
لا يمكن الحدوث عن ازدهار ديني وسط مجتمع يعوزه الفقر وتنتشر فيه الأمراض والبطالة والحاجة! مع التأكيد أيضاً على أن حضور وحفظ الدين لا يتعلق ببناء مساجد ومعابد كبيرة فاخرة، بل يتجلى في طمأنينة النفس وإتقان العمل وحسن المعاملة ومكارم الأخلاق: “بُعِثتُ لأُتَمِّمَ صالِحَ الأخْلاقِ”.
والصلاة يمكن أن تُقام داخل وخارج المساجد، وليس من شروطها أن تُصلّى في مساجد كبيرة وفخمة. وهنا نستحضر قول الشاعر: نبني القبابَ وفي الأكواخِ مجاعةٌ … فأيُّ دينٍ إذا جاعَت بهِ البَشَرُ؟
لنتساءل هنا: هل يستطيع المسجد القيام بوظيفة المشفى في علاج المرضى وإنقاذ حيواتهم؟! هل يستطيع المسجد القيام بوظيفة المدرسة والجامعة في تعليم أطفال وشباب سوريا وتأهيلهم علمياً ومهنياً لسوق العمل والبحث العلمي؟ هل يستطيع المسجد إنتاج العمالة الماهرة والمعلمين وخبراء التقنية مثلاً؟ هل يستطيع المسجد القيام بوظيفة المصنع في تأمين فرص عمل للشباب العاطل عن العمل وإنتاج الاحتياجات الأساسية للمجتمع السوري وما أكثرها حالياً؟!
هناك قاعدة فقهية مهمة يمكن استحضارها في هذا النقاش، وهي “درء المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح”. فإنقاذ حياة الإنسان ومنع الضرر الجسدي مُقدم على مصلحة الصلاة في المسجد، خاصة أن البلد لا تشكو من نقص في المساجد والمعاهد الدينية.
بالمقابل، سوريا تشكو و تعاني بشدة في مجال الصحة وقطاع التعليم. باختصار، إن بناء المساجد يأتي بعد الأساسيات التي يحتاجها السوريون، وهذا ما ينسجم تماماً مع الفهم الحيوي للإسلام وتفسيرات النصوص وفقاً لمبدأ مقاصد الشريعة الإسلامية وفقه الأولويات.
باستقراء تجارب الدول التي خرجت من حروب مدمرة وحقّقت نجاحاً تنموياً كألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية ودول غيرها، نجد أنّ جميعها وضعت بناء مؤسسات الدولة، وتأمين جودة الصحة والتعليم على رأس الأولويات. بالمقابل، يمكن النظر لتجارب دول أخرى خرجت من حروب طويلة وما تزال تعاني من عدم استقرار كأفغانستان والصومال والعراق.
فما يجمع هذه الدول هو وجود ضعف شديد في قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية من جهة، وبالمقابل ينتشر التدين الاجتماعي الطقوسي، ومن أشكاله التباهي بالمساجد والأعداد الغفيرة من طلاب المعاهد الدينية والاهتمام بمراقبة ملابس ومآكل الناس، بالإضافة إلى الشعارات والصراعات الأيديولوجية الدينية والفئوية الطابع، وهذا ما يعكس اضطراباً في ترتيب الأولويات.
في حالات كثيرة، ربّما مجرد سماع عبارات من قبيل “أكبر مسجد، إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر” مشفوعة بخطب حماسية قد يُضعف آليات المُحاكمة المنطقية لدى بعض الناس العاطفيين، ولكن الإيمان الديني القويم لا ينبغي أن يكون نقيضاً للتفكير المنطقي، فالإيمان الحيوي المُفيد هو الإيمان العاقل البصير، أي بمعنى أن يساعدنا هذا الايمان في حل مشاكلنا وتحسين شروط عيشنا وحفظ كرامات الناس.
بالعودة إلى منطلقات الايمان الإسلامي، فإنّ بناء المساجد هو فعل خير يُثاب الإنسان على مساهمته فيه، ولكن بناء مشفى أو مدرسة هو أيضاً فعل خير ويثاب الإنسان على مساهمته فيه كذلك، فالإنسان هو مُستخلف في الأرض لإعمارها بالخير، وبالتالي ينبغي مقاربة مفهوم العبادة في الإسلام بما يتجاوز الجانب الطقوسي – الشعائري،
فالعمل هو عبادة، وخدمة المجتمع عبادة، والعمل على تقليص نسبة الوفيات في المجتمع عبادة، وتقليص نسبة الأمية في المجتمع هو أيضاً جهادٌ وعبادة. كما أنّ فتح مشروع استثماري يُجنِّب الشباب البطالة والفراغ والانحرافات السلوكية يدخل في باب العبادة.
قد يقول قائل: الإسلام ومعالمه العمرانية يجب أن يأخذ مكانه اللائق في سوريا اليوم. في الحقيقة، نحن هنا أمام أولويات مقلوبة! هل أولويتنا في سوريا تمكين الإسلام؟ الشعب السوري بغالبيته الكبيرة مسلم منذ ما يزيد عن ألف عام وما يزال وسيظل كذلك في المدى المنظور!
كما أنّ البعد الثقافي العربي الإسلامي حاضر وبقوة في ثقافات السوريين جميعاً، فالإسلام ليس مُهدداً في سوريا! وعلى فرض ذلك، هل مكانة الإسلام تتناسب طرداً مع عدد وفخامة المساجد؟ الإنسان وتنمية الانسان هو الذي يرتقي بالدين، فالطريق إلى رضا الله رب العالمين الله يكون عبر خدمة عيال الله من الناس ” واللهُ في عونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيه”
إنّ التباهي ببناء أكبر قصر في المدينة، وأكبر مسجد في سوريا، وأطول علم في العالم.. إلخ يدخل في باب ثقافة الفُرجة والتباهي والترند! إنّ سوريا ليست سويسرا أو سنغافورا أو دبي حتى يكون لديها فائض مالي، من مال عام أو خاص، يُصرف في هكذا أبواب. فأهلنا السوريون في المخيمات، والأحياء المهدمة بحاجة لمساعدات ومنازل تأويهم، وهذا هو البرُّ في تمامه، وهم ليسوا بحاجة لأدعية تصدح بها مكبرات الصوت في مساجد واسعة وفخمة!
جاء في حديث نبوي “لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد”، وهو ما قد يعكس موقف استهجان للبذخ في بناء المساجد، ويربطها بيوم القيامة واقتراب خراب العالم.
الثورة السورية
———————————
==================
تحديث 19 نيسان 2026
———————————
الخارجية لـ”الثورة السورية”: من واشنطن سوريا توسع شراكاتها المالية وحجم المشاريع المقدمة يستهدف حزمة متكاملة من القطاعات الحيوية/ رامز الحمصي
أبريل 19, 2026
منذ منتصف نيسان 2026، وعلى هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي في واشنطن، يترأس وزير المالية محمد يسر برنية اجتماع الطاولة المستديرة الفنية لمجموعة أصدقاء سوريا، في خطوة عكست اتساع انخراط الدولة السورية مع المؤسسات المالية والإنمائية الدولية، وترافق ذلك مع سلسلة لقاءات ومباحثات أجراها الوزير، إلى جانب حاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر الحصرية وأعضاء في الوفد السوري، تناولت أولويات التعافي وإعادة الإعمار، ومسارات الإصلاح الاقتصادي والمالي، وبناء القدرات، واستئناف برامج الدعم والتعاون الفني، وتوسيع الشراكات الدولية في مجالات البنية التحتية، والخدمات الأساسية، والقطاع المالي والمصرفي، والاستثمار.
وجاء اجتماع الطاولة المستديرة الفنية لمجموعة أصدقاء سوريا بمشاركة نائب رئيس البنك الدولي للمنطقة العربية أوسمان ديون، وبحضور ممثلين رفيعي المستوى من المملكة العربية السعودية، وفرنسا، وألمانيا، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وإيطاليا، وسويسرا، ودول الشمال الأوروبي، والاتحاد الأوروبي، إلى جانب صندوق النقد الدولي، والبنك الإسلامي للتنمية، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، ومؤسسة التمويل الدولية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والصندوق السعودي للتنمية.
وقدم الوفد السوري خلال الاجتماع بيانا شاملا للأولويات الوطنية، استعرض فيه الإطار الحكومي للتعافي وإعادة الإعمار، وأعقبه نقاش موسع خلص إلى توافق على أن بناء القدرات داخل مؤسسات الدولة السورية، في مجالات الإدارة المالية العامة، وتعبئة الإيرادات، وحوكمة القطاع المصرفي، وتقديم الخدمات العامة، ومشاريع البنية التحتية، وإعادة الإعمار، يشكل الأساس لأي تعاف مستدام، وأن المساعدة الدولية ينبغي أن تصمم بما ينسجم مع الاستراتيجية الوطنية السورية، بما يترجم إلى نتائج ملموسة وقابلة للقياس لصالح الشعب السوري.
“سوريا بدون مخيمات”
وخلال المداولات، عبر الشركاء الدوليون عن دعم واضح لبرامج الدولة السورية. وشددت المملكة العربية السعودية على أهمية أدوات تقاسم المخاطر والضمانات لفتح المجال أمام رأس المال الخاص، فيما أعلنت فرنسا استعدادها للانخراط في مشاريع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في سوريا. وأشارت الولايات المتحدة إلى إمكان توفير الدعم في بناء القدرات والتدريب في مجالات النزاهة المالية، وتعبئة الإيرادات، وإصلاح القطاع المصرفي، مع طرح مقترح بأن يتولى البنك الدولي إعداد ورقة مفاهيمية لتنسيق المساعدة الفنية المقدمة من المانحين في هذه المجالات.
الخارجية لـ”الثورة السورية”: من واشنطن سوريا توسع شراكاتها المالية وحجم المشاريع المقدمة يستهدف حزمة متكاملة من القطاعات الحيوية
واستعرض الاتحاد الأوروبي إطار انخراطه، وأعلن عن حوار تنسيقي رفيع المستوى في بروكسل بتاريخ 11 أيار، فيما أكدت دول الشمال الأوروبي، والمملكة المتحدة، وألمانيا، وإيطاليا استمرار وتعزيز التزاماتها تجاه أجندة الإصلاح وإعادة الإعمار في سوريا، مع إعلان بعض الجهات عن مساهمات مالية لمشاريع البنية التحتية الأساسية.
كما أكد ممثلو الصندوق السعودي للتنمية، والبنك الإسلامي للتنمية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والمفوضية الأوروبية، دعمهم المالي والفني وبرامج بناء القدرات للمساعدة في تنفيذ خطط التعافي، وجهود إعادة الإعمار، ومشروع “سوريا بدون مخيمات”، ومكافحة الفقر.
واستعرض صندوق النقد الدولي مستوى انخراطه المتزايد مع سوريا في مجال إصلاح المالية العامة والقطاع المالي والمصرف المركزي، وأشاد بما حققته الدولة السورية من إنجازات لتعزيز الاستقرار عبر سياسات مالية ونقدية رشيدة، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على هذه المنجزات بوصفها أساسا للمرحلة التالية من التعافي الاقتصادي.
وفي كلمته الختامية، طرح الوزير برنية ثلاث أولويات للمرحلة المقبلة، تتصل بمركزية بناء القدرات، وإدارة الدين المستدامة، وتعبئة المزيد من المنح والتمويل الميسر، وتشجيع استثمارات القطاع الخاص، والعمل على إنشاء صندوق ائتماني متعدد المانحين يكون الأداة الرئيسية لتوجيه موارد المانحين نحو أولويات التعافي.
إدارة الدين العام
ورحب الوزير كذلك بمقترح دعوة جميع الشركاء إلى مؤتمر دولي كبير لإعادة الإعمار في سوريا، تعرض خلاله الحكومة التزاماتها الإصلاحية، وجاهزيتها المؤسسية، وقدرتها المثبتة على استيعاب الاستثمارات وإدارتها بكفاءة، ويعلن فيه المجتمع الدولي الموارد والتمويلات المحددة التي يمكن لسوريا أن تعتمد عليها في تخطيط وتنفيذ تعافيها.
الخارجية لـالثورة السورية من واشنطن سوريا توسع شراكاتها المالية الدولية وتطرح أولويات التعافي وإعادة الإعمار 1 الخارجية لـ”الثورة السورية”: من واشنطن سوريا توسع شراكاتها المالية وحجم المشاريع المقدمة يستهدف حزمة متكاملة من القطاعات الحيوية
وشكل الاجتماع محطة مفصلية في إعادة انخراط سوريا مع المجتمعين المالي والإنمائي الدوليين، وعكس صورة دولة تقدم استراتيجية تعاف متكاملة، وتبني مؤسسات خاضعة للمساءلة، وتدعو إلى شراكة تقوم على المسؤولية المتبادلة والنتائج القابلة للقياس.
وعلى هامش الاجتماعات، التقى وزير المالية محمد يسر برنية وفدا من كبار المسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية، حيث تركز النقاش حول سبل توفير الدعم الفني وبناء القدرات للمساعدة في الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي تقوم بها سوريا، ولا سيما في مجالات المالية العامة، وإعداد الموازنة، وإدارة الدين العام، وتحسين الإدارة الضريبية. كما تناول الاجتماع أهمية تعزيز النزاهة في النظام المالي والمصرفي. ووفق ما طرح خلال اللقاء، فإن هذه المباحثات ترسخ لتعاون فني وشراكة بين وزارة المالية في سوريا ووزارة الخزانة الأميركية.
وفي سياق اللقاءات الثنائية، التقى الوزير برنية الأمين التنفيذي لصندوق الأمم المتحدة لتنمية رأس المال “براديب كوروكولاسورية” (Pradeep Kurukulasuriya)، حيث بحث الجانبان مجالات التعاون خلال المرحلة المقبلة، وتركز النقاش على المساعدة في توفير تمويل وتسهيلات مالية وبناء قدرات موجهة لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة في سوريا. كما بحثا إطلاق شراكات بين الصندوق وبعض المصارف المملوكة للدولة، بما يخصص لدعم هذا القطاع وتعزيز قدرته على الإسهام في النشاط الاقتصادي، إضافة إلى سبل دعم البرامج المحددة في مبادرة “سوريا بدون مخيمات” لتحسين سبل العيش، مع التأكيد على متابعة ما تم بحثه ضمن الأطر المناسبة.
كذلك التقى الوزير برنية وزير التعاون الدولي في النرويج أوسموند غروفر، بحضور ومشاركة مدير التعاون الدولي في وزارة الخارجية والمغتربين قتيبة قاديش. وتركز النقاش حول سبل تعزيز التعاون وفرص الدعم الممكن تقديمها، حيث أبدى الوزير النرويجي رغبة بلاده في زيادة مساهمتها في دعم جهود التنمية وإعادة الإعمار. وقدم الوفد السوري شرحا لخطة التعافي، ولمبادرة “سوريا بلا مخيمات”، إضافة إلى التحضير لاستراتيجية مكافحة الفقر وتحسين سبل العيش، كما أعرب الوزير برنية عن شكره للقرار الأخير الصادر عن الصندوق السيادي النرويجي، القاضي برفع الحظر عن الاستثمار في الأصول المالية السورية. وجرى التفاهم على آليات لمتابعة التعاون بما يسهم في دعم جهود التعافي الاقتصادي وتحسين الظروف المعيشية في سوريا.
وفي لقاء آخر، اجتمع وزير المالية مع المدير العام لمنطقة الشرق الأوسط وأوروبا في وكالة التنمية اليابانية “جايكا”، تاناكا كاتارو، حيث بحث الجانبان معاودة نشاط الوكالة في سوريا في مجالات الدعم الفني، وتوفير المنح، والتدريب، في قطاعات ذات أولوية لسوريا مثل الزراعة، والصحة، والتعليم. كما تطرق الاجتماع إلى مشاركة الوكالة في مبادرة “سوريا بدون مخيمات”، وناقش سبل تحويل الديون القائمة بذمة سوريا إلى استثمارات، وهو موضوع ستجري متابعته مع وزارة المالية اليابانية. وتم التفاهم كذلك على خطوات لمباشرة الوكالة أعمالها في سوريا، من خلال اقتراح مشاريع عبر إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية.
كما التقى الوزير برنية وفدا رفيع المستوى من المفوضية الأوروبية وبنك الاستثمار الأوروبي، ضم المدير العام لعمليات بنك الاستثمار الأوروبي أندرو ماكدويل، والمدير العام للإدارة العامة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج في المفوضية الأوروبية مايكل كارنيتشنغ. وتركز النقاش خلال اللقاء حول مجالات التعاون الفني، ولا سيما إنشاء مركز المعرفة والتدريب وبناء القدرات الذي يعتزم الاتحاد الأوروبي إنشاءه في سوريا، إلى جانب توفير الدعم الفني للإصلاحات الاقتصادية والمالية الجارية بما يعزز جاهزية المؤسسات الوطنية ويدعم مسار الإصلاح. كما جرى التطرق إلى مشاركة المفوضية الأوروبية في دعم مشروع “سوريا بدون مخيمات”، والاستراتيجية الوطنية التي تعتزم الدولة السورية إطلاقها لمكافحة الفقر وتحسين سبل العيش، إضافة إلى بحث سبل تعزيز الاستثمارات الأوروبية في سوريا، ومناقشة فرص تحويل الديون القائمة تجاه سوريا إلى استثمارات ومنح تسهم في دعم الأولويات الاقتصادية والمالية خلال المرحلة المقبلة.
انخراط مع صندوق النقد الدولي
وفي إطار التعاون مع المؤسسات المالية الدولية، التقى حاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر الحصرية ووزير المالية الدكتور يسر برنية وفد البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، حيث جرى بحث المسارات الممكنة لانضمام سوريا إلى البنك. كما التقى الجانبان مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي جهاد أزعور، وبحثا مسار سوريا نحو تنفيذ مشاورات المادة الرابعة مع الصندوق، واستعرضا التقدم المحرز في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية على المستوى الوطني.
الخارجية لـالثورة السورية من واشنطن سوريا توسع شراكاتها المالية الدولية وتطرح أولويات التعافي وإعادة الإعمار 4 الخارجية لـ”الثورة السورية”: من واشنطن سوريا توسع شراكاتها المالية وحجم المشاريع المقدمة يستهدف حزمة متكاملة من القطاعات الحيوية
وشارك حاكم مصرف سوريا المركزي ووزير المالية في توقيع اتفاقية بين الجمهورية العربية السورية وصندوق قطر للتنمية وشركة “أوليفر وايمان”، بحضور ممثلين عن وزارة الخزانة الأميركية والبنك الدولي. وتهدف الاتفاقية إلى إجراء تقييم شامل للفجوات المؤسسية في القطاعين المالي والمصرفي، بما يسهم في تعزيز الأطر التنظيمية وزيادة ثقة المستثمرين في سوريا. كما تناولت المناقشات التزام الشركاء بدعم مكانة سوريا ممرا اقتصاديا يربط بين دول مجلس التعاون الخليجي وأوروبا، بما يعكس رؤية أوسع لتعزيز الترابط والتكامل الإقليمي.
وعقد حاكم مصرف سوريا المركزي ووزير المالية لقاء مع فريق صندوق النقد الدولي المعني بسوريا، لبحث مستوى انخراط الصندوق مع مصرف سوريا المركزي ووزارة المالية، وتركزت المناقشات على برامج الدعم الفني القائمة والمحتملة، بما في ذلك دعم إعادة تأهيل القطاع المصرفي وتعزيز تطوير القطاع المالي.
وفي غرفة التجارة الأميركية، ناقش حاكم مصرف سوريا المركزي ووزير المالية، إلى جانب يوسف الفارس رئيس دائرة التعاون متعدد الأطراف في وزارة الخارجية، المزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها سوريا، وتنوع الفرص الاستثمارية المتاحة في عدد من القطاعات الرئيسة، بما في ذلك الطاقة، والزراعة، والخدمات اللوجستية.
وفي السياق ذاته، اجتمع الوفد السوري، برئاسة حاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر الحصرية ووزير المالية محمد يسر برنية وعضوية يوسف الفارس، مع نائب مساعد وزير الخارجية الأميركية جيك ماكغي، وذلك لمناقشة رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب (SST).
والتقى حاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر الحصرية السفيرة أيليش كامبل، النائب التنفيذي للرئيس للقطاع العام في شركة “ماستركارد”، حيث ركز الاجتماع على دعم الشركة عددا من المجالات ذات الأولوية، بما في ذلك مكافحة الاحتيال والجرائم المالية، وتعزيز الشراكة مع مصرف سوريا المركزي.
كما التقى الحصرية وبرنية أعضاء الكونغرس الأميركي آبي حمادة، ودارين لاهود، ومارلين ستوتزمان في واشنطن. وتناولت المباحثات المسارات الممكنة لرفع إدراج سوريا من على قائمة الدول الراعية للإرهاب، واستعرضت التقدم الاقتصادي، إلى جانب حالة الاستقرار الراهنة، والفرص المستقبلية الواعدة للاستثمار. وأكد الوفد السوري التزام سوريا بتعزيز مبادئ التشاركية والتنوع، بما يدعم رؤيتها في تحقيق الاستقرار المجتمعي ويسهم في دفع جهود التعافي المستدام والانفتاح على الشراكات الدولية.
وفي لقاء آخر، التقى حاكم مصرف سوريا المركزي ووزير المالية عضو الكونغرس الأميركي جو ويلسون في واشنطن، حيث تناولت المباحثات المسارات الممكنة لرفع إدراج سوريا عن قائمة الدول الراعية للإرهاب، كما استعرض اللقاء التقدم الاقتصادي الذي تشهده سوريا، وحالة الاستقرار في عدد من القطاعات، إلى جانب الفرص الواعدة للاستثمار خلال المرحلة المقبلة. ويأتي هذا اللقاء في إطار تعزيز الحوار وتنسيق الجهود لدعم مسار التعافي الاقتصادي والانفتاح على الشراكات الدولية.
وشارك وفد الجمهورية العربية السورية، برئاسة حاكم مصرف سوريا المركزي ووزير المالية، في اجتماع ضم عددا من محافظي البنوك المركزية ووزراء المالية من مختلف دول الشرق الأوسط مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا، وركز الاجتماع على تأثيرات الحرب على المنطقة وسبل الحفاظ على المرونة الاقتصادية.
نظام دفع الرواتب والأجور
وفي سياق المتابعة الفنية، اجتمع وزير المالية مع كبار أعضاء الطاقم الفني لدائرة شؤون المالية العامة في صندوق النقد الدولي، حيث تركز النقاش على متابعة موضوعات الدعم الفني القائمة بين الجانبين. وبحث الاجتماع عددا من الملفات ذات الأولوية، شملت تقوية الإدارة المالية الحكومية، ومراجعة المنظومة الضريبية، وتطوير إطار ينظم حقوق الدولة في عقود النفط والغاز، وتسريع التقدم في توحيد حسابات القطاع العام في البنوك والانتقال إلى الحساب الموحد للخزينة. كما تناول النقاش المساعدة في التحضير لموازنة عام 2027، وتطوير إدارة الدين العام، والتعاون الفني على صعيد الجمارك. وأكد الوزير أهمية توفير المشورة الفنية لتطوير نظام دفع الرواتب والأجور في سوريا. وفي ختام الاجتماع، جرى التفاهم على عقد ورش عمل عن بعد خلال الأسبوع القادم مع الفنيين في وزارة المالية حول هذه الموضوعات، تتبعها معاودة البعثات الفنية إلى دمشق، إضافة إلى التفاهم على عقد ورشة عمل في دمشق الشهر القادم حول الإصلاح الضريبي.
الخارجية لـالثورة السورية من واشنطن سوريا توسع شراكاتها المالية الدولية وتطرح أولويات التعافي وإعادة الإعمار 3 الخارجية لـ”الثورة السورية”: من واشنطن سوريا توسع شراكاتها المالية وحجم المشاريع المقدمة يستهدف حزمة متكاملة من القطاعات الحيوية
والتقى الوزير برنية رئيس صندوق أوبك للتنمية الدولية عبد الحميد الخليفة، لبحث سبل استئناف برامج الصندوق في سوريا. وتركز النقاش خلال اللقاء حول معاودة الصندوق لبرامجه في سوريا، حيث قدم الوفد السوري ثلاثة عروض مختصرة تناولت مشروع “سوريا بدون مخيمات”، وخطة التعافي، واستراتيجية مكافحة الفقر وتحسين سبل العيش التي يجري التحضير لها، كما جرى التركيز على إمكان مساهمة الصندوق في مشاريع تخدم التنمية الريفية ضمن هذه الاستراتيجيات. وتناول الاجتماع كذلك معالجة المديونية القائمة بذمة سوريا تجاه الصندوق، حيث تم التفاهم على متابعة التواصل بعد استكمال وزارة المالية لدراسة تحليل استدامة الدين بالمشاركة مع صندوق النقد والبنك الدوليين، كما تم الاتفاق على استمرار التواصل للتفاهم على مشاريع يمكن للصندوق المشاركة فيها خلال المرحلة المقبلة.
وضمن مسار دعم إصلاح القطاع المالي، وقع وزير المالية محمد يسر برنية مع صندوق قطر للتنمية وشركة “أوليفر وايمان” العالمية مشروع تقييم القطاع المالي والمصرفي في سوريا، بحضور ومشاركة حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية ومدير التعاون الدولي في وزارة الخارجية قتيبة قاديش، فيما يتم تمويل المشروع من صندوق قطر للتنمية وبدعم من وزارة الخزانة الأميركية والبنك الدولي.
ويمثل المشروع خطوة تستهدف تعزيز نزاهة وجاهزية القطاع المالي والمصرفي لمرحلة أكثر قوة وفاعلية في دعم الاقتصاد الوطني. ويهدف إلى إجراء تقييم دقيق للقطاع المصرفي في سوريا والقطاع المالي غير المصرفي، بما يفضي إلى إعداد خارطة طريق وخطة عمل واضحة للارتقاء بالقطاع المالي والمصرفي وتعزيز دوره في تمويل التنمية. كما يشكل المشروع أساسا عمليا لدعم مسار الإصلاح الاقتصادي والمالي، وتطوير الأدوات والمؤسسات القادرة على مواكبة متطلبات التعافي والنمو.
وأكد الوفد السوري أهمية هذا المشروع بوصفه محطة هامة في مسار تحديث القطاع المالي في سوريا، كما أعرب عن الشكر لدولة قطر وصندوق قطر للتنمية على الدعم والمساندة المستمرة المقدمة لسوريا. وأشار الوزير برنية إلى أن هذا المشروع يندرج ضمن سلسلة من المبادرات التي دعمتها قطر، بدءا من مساهمتها في عودة سوريا إلى مجموعة البنك الدولي. وجدد الوزير الشكر والتقدير لوزارة الخزانة الأميركية، والبنك الدولي، ومؤسسة “أوليفر وايمان” على التعاون في هذا المشروع، بما يعزز الثقة بقدرة سوريا على المضي في إصلاحات مؤسسية ومالية أكثر عمقا وفعالية. وتربط مذكرة التفاهم الموقعة بين البنك الدولي وصندوق قطر للتنمية في مطلع 2026 بين القطاعين العام والخاص لدعم التعافي وإعادة الإعمار، فيما تملك “أوليفر وايمان” خبرة واسعة في العمل مع المؤسسات المالية والجهات الحكومية في مجالات المخاطر والإصلاح والتطوير المؤسسي.
وفي جانب آخر من مشاركته، شارك وزير المالية في جلسة حوار وزارية حول التغطية الصحية الشاملة نظمها البنك الدولي، وجمعت عددا من وزراء المالية ووزراء الصحة، ولا سيما من الدول التي وقعت ميثاق التغطية الصحية الشاملة. وعرض الوزير خلال الجلسة الاهتمام الذي توليه الحكومة، في إطار الموازنة العامة، لزيادة الإنفاق على قطاع الصحة رغم التحديات المتزايدة ومحدودية الموارد، مشيرا إلى الزيادة النوعية التي تم إقرارها لتحسين الأجور والرواتب في القطاع الصحي، بما يسهم في الحفاظ على الكوادر واستقطاب خبرات نوعية. كما أكد الحرص على توفير التمويل اللازم لإعادة تأهيل المشافي الحكومية والمراكز الصحية، وتناول أهمية استقطاب استثمارات جديدة من القطاع الخاص، ولا سيما في إنشاء مشاف ومراكز صحية جديدة، بما يدعم تطوير الخدمات الصحية وتعزيز قدرتها على الاستجابة.
وزار وزير المالية محمد يسر برنية وحاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية غرفة التجارة الأميركية في واشنطن، بمشاركة نخبة من ممثلي كبرى الشركات الأميركية في القطاعات الاقتصادية والمالية والصناعية والمصرفية والطاقة والطيران والتقنيات والاتصالات. وتركز الحوار خلال اللقاء حول التطورات الاقتصادية الأخيرة والفرص الكبيرة للاستثمار في سوريا، مع استعراض توجهات الإصلاحات الجارية الهادفة إلى تهيئة بيئة مواتية تدعم القطاع الخاص وتعزز دوره في مرحلة التعافي وإعادة البناء. وأكد اللقاء أهمية استمرار الحوار مع مجتمع الأعمال الأميركي، بما يسهم في توسيع الاهتمام بالفرص المتاحة في السوق السورية، ويدعم بناء شراكات اقتصادية واستثمارية تخدم الأولويات الوطنية في المرحلة المقبلة. كما شدد الوزير برنية على حرص الدولة السورية على توفير التسهيلات الممكنة لتشجيع وتسهيل انخراط الشركات الأميركية في الاستثمار ومشاريع التنمية في سوريا.
وفي إطار تطوير البنية الإحصائية، التقى وزير المالية كبير الإحصائيين ومدير دائرة الإحصاء في صندوق النقد الدولي بيرت كرويسه، وكبار الفنيين في الدائرة. وتركز النقاش حول الدعم الفني المقدم من الصندوق لتطوير منظومة الإحصاءات في سوريا، بالتعاون مع هيئة التخطيط والإحصاء ووزارة المالية ومصرف سوريا المركزي، حيث تم استعراض التقدم المحرز في إعادة بناء القاعدة الإحصائية، ولا سيما في الحسابات القومية، وإحصاءات المالية العامة، والإحصاءات النقدية. كما تناول الاجتماع تحديات إعادة بناء إحصاءات القطاع الخارجي وميزان المدفوعات، إضافة إلى بحث احتياجات تدريب الكوادر السورية وإطلاق برنامج مخصص لبناء قدرات الكوادر الإحصائية في سوريا.
وفي لقاء آخر، التقى وزير المالية، بمشاركة حاكم مصرف سوريا المركزي، رئيسة البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير أوديل رونو-باسو، لبحث آفاق التعاون خلال المرحلة المقبلة. وتمحور اللقاء حول انضمام سوريا إلى عضوية البنك واستكمال إجراءات العضوية خلال الأشهر القادمة، بما يمهد للاستفادة من الدعم الفني الذي يقدمه البنك في مجالات الإصلاحات المالية والمصرفية، وتطوير أسواق رأس المال، وتمويل التجارة. ويملك البنك خبرة واسعة في دعم سياسات التحول لدى الدول الأعضاء، مع تركيز خاص على تشجيع القطاع الخاص، ودعم القطاع المصرفي، وتعزيز فرص النمو الشامل. كما ناقش الجانبان الخطوات العملية للمرحلة المقبلة، ورحب الوزير برنية باستقبال بعثة تقييم أولية للتفاهم على مجالات التعاون وتحديد الأولويات ذات الصلة. ويأتي هذا اللقاء في سياق انفتاح سوريا على توسيع شراكاتها مع المؤسسات المالية والإنمائية الدولية بما يخدم مسار الإصلاح والتعافي الاقتصادي.
واستضاف صندوق النقد الدولي وزير المالية في جلسة حوارية مفتوحة حول بناء القدرات في المالية العامة للدول الهشة والمتأثرة بالصراعات، شارك فيها رون فان رودن، رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى سوريا. وتحدث الوزير عن التحديات التي واجهت الدولة السورية ووزارة المالية بعد التحرير، والإصلاحات التي تم اتخاذها للتغلب على هذه التحديات. كما تطرق إلى أولويات العمل في المرحلة المقبلة، مشيرا إلى مواصلة اتباع سياسة مالية منضبطة وترسيخ الثقة مع قطاع الأعمال، وتقوية وتنويع مصادر الإيرادات العامة، بما في ذلك استكمال إصلاح المنظومة الضريبية، وتطوير الموازنة العامة والإدارة النقدية، والانتقال إلى الحساب الموحد للخزينة، ومتابعة تقوية الإطار المؤسسي، بما في ذلك إصدار القانون المالي الأساسي واعتماد إطار متوسط المدى للمالية العامة، والتحول الرقمي في الخدمات المالية الحكومية، وإصلاح قطاع الشركات المملوكة للدولة، والاهتمام بالشراكات بين القطاعين العام والخاص، وإصلاح منظومة التقاعد والمعاشات بما يضمن الاستدامة. كما أكد الاهتمام الكبير بالعنصر البشري، وبناء القدرات، والتدريب، ونوه بدور صندوق النقد الدولي في توفير الدعم الفني وبناء القدرات، مع التطلع إلى مواصلة التعاون.
حزمة متكاملة من القطاعات الحيوية
وفي مقابلة مع صحيفة “الثورة السورية”، أوضح قتيبة قاديش، مدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية، أن الفترة الأخيرة شهدت تقدما ملموسا في إعادة تفعيل الشراكة بين الجمهورية العربية السورية وكل من مجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إذ انتقل التعاون من مرحلة المشاورات إلى خطوات تنفيذية عملية. وأشار إلى أن ذلك تجلى في دخول مشروع الطوارئ للكهرباء حيز التنفيذ بالتعاون مع وزارة الطاقة، إلى جانب توقيع اتفاقية مشروع الإدارة المالية العامة (PFM) من قبل البنك الدولي، وهي حاليا بانتظار استكمال إجراءات التوقيع من الجانب السوري.
وأضاف أن الزيارة الحالية إلى واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع، شهدت عقد سلسلة من الاجتماعات رفيعة المستوى مع مسؤولي المؤسستين، إضافة إلى لقاءات مع شركاء دوليين، حيث تم التركيز على متابعة المشاريع القائمة، وبحث توسيع مجالات التعاون، والتحضير لمرحلة جديدة من الشراكة المؤسسية الأكثر استدامة.
وأوضح قاديش أن المشاريع المقدمة والمقترحة من الجانب السوري تتوزع على حزمة متكاملة من القطاعات الحيوية التي تعكس أولويات التعافي الوطني، وتشمل قطاع الطاقة من خلال مشروع الطوارئ للكهرباء الجاري تنفيذه، والإدارة المالية عبر مشروع (PFM) لتعزيز كفاءة وشفافية المالية العامة، وقطاع المياه من خلال مشروع قيد العرض على مجلس إدارة البنك الدولي يهدف إلى تحسين الوصول إلى خدمات المياه، وقطاع الصحة عبر مشروع استراتيجي قيد الطرح لدعم النظام الصحي وتحسين جودة الخدمات، إضافة إلى القطاع المصرفي الذي يجري التحضير لرفع مشروع دعمه بالشراكة مع مصرف سوريا المركزي، بهدف تعزيز الاستقرار المالي وتطوير الأداء المصرفي. وبين أن هذه المشاريع تظهر توجها واضحا نحو التركيز على البنية التحتية والخدمات الأساسية والإصلاح المؤسسي، مع إمكانية التوسع مستقبلا نحو دعم القطاع الخاص والتنمية الاقتصادية.
وفيما يتعلق بالإصلاحات المطلوبة لتوسيع التعاون وتقديم الدعم المالي أو الفني، أشار قاديش إلى أن مجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يركزان على حزمة من الإصلاحات الأساسية، أبرزها تعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة المالية العامة، وتطوير الإطار التشريعي والمؤسسي للاقتصاد، وتحسين بيئة الأعمال والاستثمار، وتعزيز الامتثال للمعايير الدولية، ولا سيما في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وأكد أن هذه الإصلاحات تتوافق بدرجة كبيرة مع الأولويات الوطنية السورية، في ضوء سعي الحكومة إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وتحسين كفاءة المؤسسات، وتهيئة بيئة مناسبة لإعادة الإعمار وجذب الاستثمارات.
وحول التحديات التي تواجه إعادة الاندماج في المنظومة المالية الدولية، قال قاديش إن من أبرزها الالتزامات والديون السابقة وما يرتبط بها من ترتيبات مالية، والحاجة إلى بناء القدرات المؤسسية وتحديث الأنظمة الإدارية، والامتثال للمعايير الدولية في المجالات المالية والمصرفية. وأوضح أنه يجري التعامل مع هذه التحديات عبر اعتماد نهج تدريجي لإعادة الانخراط مع المؤسسات الدولية، والاستفادة من الدعم الفني وبرامج بناء القدرات، وتطوير الإطار القانوني والتنظيمي بما يتماشى مع المعايير الدولية، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين لضمان انتقال سلس نحو مرحلة التعافي.
وأشار كذلك إلى أن هذه الشراكة المتجددة من المتوقع أن تسهم، على المدى القصير والمتوسط، في تحسين الخدمات الأساسية في الكهرباء والمياه والصحة، وتعزيز الاستقرار المالي والاقتصادي، وخلق فرص عمل من خلال مشاريع إعادة التأهيل والاستثمار، وجذب الاستثمارات الخاصة وتحفيز النشاط الاقتصادي، ودعم الفئات الأكثر تضررا عبر تحسين الوصول إلى الخدمات. أما من حيث الجدول الزمني، فأكد أن مشروع الكهرباء دخل بالفعل مرحلة التنفيذ، ومن المتوقع استكمال إجراءات مشروع الإدارة المالية العامة قريبا، في حين ينتظر عرض مشروعي المياه والصحة على مجلس إدارة البنك الدولي خلال الفترة المقبلة، بالتوازي مع العمل على تطوير مشروع دعم القطاع المصرفي، بما يشير إلى انطلاق تدريجي ومتسارع لمرحلة جديدة من التعاون خلال الأشهر القادمة.
بناء أدوات التعافي
وبالنظر إلى المسار الممتد من منتصف عام 2025 حتى نيسان 2026، يتضح أن ما جرى لم يكن سلسلة لقاءات متفرقة بقدر ما كان انتقالاً تدريجياً من مرحلة إعادة فتح قنوات التواصل مع المؤسسات المالية الدولية إلى مرحلة أكثر تنظيماً تقوم على مشاريع محددة، وبرامج دعم فني، وآليات تنفيذ ومتابعة. فمنذ حزيران 2025، حين وافق البنك الدولي على منحة بقيمة 146 مليون دولار لمشروع الطوارئ للكهرباء في سوريا، بدأ يظهر أن العلاقة مع المؤسسات الدولية تتجه إلى مستوى عملي يتجاوز الإشارات السياسية العامة، ولا سيما مع عودة بعثات فنية، وبدء نقاشات أكثر تفصيلاً حول المالية العامة، والقدرة المؤسسية، وأولويات إعادة تأهيل القطاعات الأساسية.
وخلال الأشهر التالية، تكرس هذا المسار عبر الانتقال من عنوان “إعادة الانخراط” إلى عنوان “بناء أدوات التعافي”. فالمؤشرات التي ظهرت منذ النصف الثاني من 2025، ثم استكملت في أواخر العام نفسه ومطلع 2026، أظهرت أن التركيز لم يعد محصوراً في طلب الدعم، بل بات منصباً على كيفية إدارة هذا الدعم، وضبط أولوياته، وربطه بإصلاحات مؤسسية في الموازنة، والتحصيل، والرقابة، والحوكمة، وإعادة تنظيم العلاقة بين التمويل الخارجي وأجهزة الدولة. وفي هذا السياق، جاء مشروع تعزيز قدرات الإدارة المالية العامة الذي أعلن عنه البنك الدولي في 11 آذار 2026 كخطوة دالة، لأنه نقل التعاون إلى مستوى تقوية البنية الإدارية التي يفترض أن تستوعب الموارد وتديرها وتراقبها، بما يجعل التعافي مرتبطاً بكفاءة الدولة نفسها، لا بحجم التمويل وحده.
أما اجتماعات واشنطن في نيسان 2026، فقد بدت تتويجاً لهذه المرحلة أكثر من كونها نقطة بداية لها؛ فالطاولة المستديرة الفنية لمجموعة أصدقاء سوريا، واللقاءات مع وزارة الخزانة الأميركية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، والاتحاد الأوروبي، وصندوق قطر للتنمية، ومؤسسات أخرى، أظهرت أن الملف السوري بات يطرح ضمن لغة مختلفة نسبياً في جوهرها لغة بناء القدرات، وإدارة الدين، وإصلاح القطاع المالي، وتنسيق المساعدة الفنية، وتشجيع استثمارات القطاع الخاص، وتهيئة أدوات تمويل أكثر انتظاماً. وفي هذا الإطار، فإن توقيع مشروع تقييم القطاع المالي والمصرفي بدعم من صندوق قطر للتنمية وشركة “Oliver Wyman”، بالتوازي مع توسيع النقاش حول الانضمام إلى مؤسسات مالية وتنموية دولية، يعكس اتجاهاً نحو إعادة بناء الثقة الفنية بالنظام المالي السوري بوصفها شرطاً لازماً لتوسيع التعافي الاقتصادي.
وعليه، فإن الخلاصة التي يفرضها هذا التسلسل يظهر أن دمشق انتقلت من طور اختبار إمكان العودة إلى المنظومة المالية الدولية إلى طور السعي لترتيب هذه العودة على أسس مؤسسية أوضح وأكثر تشابكاً مع الإصلاح الداخلي. وهذا لا يعني أن الطريق باتت مكتملة أو خالية من التحديات، لأن ملفات الديون، والامتثال للمعايير الدولية، والقدرة التنفيذية، واستدامة التمويل، لا تزال عناصر حاكمة في تحديد المدى الذي يمكن أن يبلغه هذا الانفتاح. لكن الثابت، حتى الآن، أن الأشهر الماضية رسمت مساراً أكثر وضوحاً عبر مشاريع بدأت تدخل التنفيذ، وبرامج إصلاح أخذت شكلاً عملياً، وشبكة علاقات مالية دولية أخذت تعود إلى سوريا عبر بوابة التعافي المنظم لا عبر الوعود العامة وحدها.
الثورة السورية
———————————
سوريا.. حين يتحول “الضعف” إلى قوة استراتيجية/ بشار عبود
أبريل 19, 2026
تقف سوريا اليوم عند عتبة تحوّل تاريخي دقيق وبالغ الحساسية، تتهاوى فيه المسلّمات التي حكمت تصوّر الدولة والسلطة لعقود طويلة. فلم يعد ممكناً إحياء صيغ الحكم القديمة القائمة على مركزية القرار واحتكار الحقيقة السياسية، كما لم يعد الرهان على “القائد المنقذ” أو “المستبد”، حتى لو كان عادلاً، سوى امتداد لوهم أثبت عجزه عن إنتاج الاستقرار.
فقد خلّفت سنوات الحرب مجتمعاً مُثقلاً بالخسارات، مُنهكاً في بُناه التّحتية، تتشظّى الثقة بين مكوّناته، وتتنازعه ذاكرة العنف والخوف من مستقبل لا حدود لمآلاته الغامضة. في سياق كهذا، لا تبدو الأسئلة حول ماهيّة وشكل وطبيعة الدولة الجديدة ترفاً فكرياً أو مجرد جدل معرفي، بقدر ما تمثّل ضرورة وطنية ملحّة تدعو جميع السوريين إلى المشاركة في الإجابة على تشعّباتها اللامحدودة، في بلد لا يزال يتلمّس طريقه نحو الاستقرار.
وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى قيادة تُدرك حدود القوة، وتُحسن إدارة التعقيد، وتُنصت إلى مجتمع أتعبته الشعارات الجوفاء وأرهقته المغامرات الوهمية، ويبحث أفراده عن حدّ أدنى من التوازن في مستوياتهم المعيشية.
في هذا المنعطف التاريخي، تتجدّد الدعوات السياسية التي تغري سوريا باستعادة دورها الإقليمي عبر بوابة القوة، من خلال الانخراط في ملفّات حسّاسة، وعلى رأسها الساحة اللبنانية، بل وطرح أفكار من قبيل “مواجهة حزب الله” أو إعادة التوازن في لبنان بالقوة أو النفوذ. ورغم أن هذا الطرح يبدو، ظاهرياً، وكأنه محاولة لاستعادة مكانة إقليمية مفقودة، إلا أنه في الواقع لا يعدو كونه وصفة سريعة لإعادة إنتاج الكارثة.
فالسؤال الحقيقي اليوم ليس كيف تستعيد سوريا قوتها أو حضورها الإقليمي، بل كيف تتعامل بذكاء مع هشاشتها المرحليّة وضعفها، بوصفها دولة خارجة للتو من أتون حرب داخلية شاركت فيها قوى إقليمية ودولية متعددة.
لم يعد ممكناً اليوم تسويق وهم “الدولة القوية” أو “القائد السوبرمان” للسوريين، فهذه اللغة تحديداً هي ما أوصل البلاد إلى ما هي عليه اليوم من كوارث. فسوريا اليوم ليست في موقع يسمح لها بخوض صراعات خارج حدودها، ويكاد يكون هناك إجماع سوري عام على ضرورة خروج الدولة من طور الانهيار، وهو ما يُعد -إن تحقق- إنجازاً كبيراً يُحسب للقيادة الجديدة. فالمجتمع السوري لا يزال مثقلاً بذاكرة الخوف والانقسام، وأي خطوة نحو تدخل إقليمي، خاصة في ملف معقّد كلبنان، لن تُفهم كقرار استراتيجي جامع، بقدر ما ستكون خطوة إضافية نحو تعميق الانقسام الداخلي، وبالتالي فإن أي انخراط في هذا المسار سيعيد فتح جروح لم تلتئم بعد.
ها هو العراق يقدّم درساً بالغ الوضوح؛ فبعد عام 2003، لم تُسهم التجاذبات والتدخلات الخارجية في هذا البلد الممزّق إلا في تعميق انقساماته الداخلية القائمة أصلاً، ما كرّس تدريجياً إضعاف الدولة وزاد من هشاشة مجتمعه المتعدد. وينطبق ذلك أيضاً على لبنان، الذي يقبع اليوم تحت ضربات الجيش الإسرائيلي، مع احتفاظ الأخير بمساحات من أراضيه، وهو ما يُترجم سريعاً إلى توترات داخلية.
فهل تحتاج سوريا، في وضعها الراهن، إلى استيراد مثل هذه الأزمات؟ الأخطر من ذلك أن الدعوات السياسية لإقحام سوريا في ملفات خارجية لا طاقة لها بها تعيد إنتاج المنطق ذاته الذي حكمها لعقود، والقائم على أن شرعية السلطة يمكن أن تُبنى من الخارج، سواء عبر “إثبات القوة” أو “لعب دور” إقليمي. في حين أن أي دور خارجي فاعل يظل مشروطاً بوجود شرعية داخلية، وهذه الأخيرة لا يمكن أن تتشكل دون حد أدنى من التوافق الوطني الجامع والداعم لقرارات الدولة.
إن أكثر ما تحتاجه سوريا اليوم هو ما يمكن تسميته بسياسة “الانكفاء الواعي”، وهو نأيٌ لا يعني التهرب من المسؤوليات تجاه الجوار، بقدر ما يشير إلى ضرورة إعادة ترتيب الأولويات الداخلية. وعليه، فإن الاهتمام لا ينبغي أن ينصبّ على بيروت أو أي عاصمة أخرى، وإنما على السويداء ودرعا واللاذقية وحمص والحسكة والرقة، حيث لا تزال آثار الحرب حاضرة في أدق تفاصيل الحياة اليومية.
كذلك، فإن الرهان الحقيقي يجب أن يتجه نحو إعادة بناء الثقة داخل المجتمع، وهو مسار لا يمكن تحقيقه عبر القبضة الأمنية، لأن السوريين جرّبوا هذا النهج لأكثر من نصف قرن وكانت نتائجه ماثلة فيما وصلت إليه البلاد اليوم، كما لا يتحقق عبر الشعارات الكبرى مثل “الدور الإقليمي”، بل عبر خطوات تدريجية ملموسة، في مقدمتها توسيع هامش المشاركة، والاعتراف بالتعدد، والتوقف عن اختزال السياسة في بعدها الأمني.
قد يبدو هذا الطرح غير مقنع للبعض، إلا أنه -من منظور واقعي- أكثر قابلية للتّحقق من أي استعراض لقوة مفترضة. فالدولة الناشئة لن تكون قادرة على الاستمرار ما لم تعترف بحدود قدراتها، وإلا فإن تصرفها وكأنها استعادت عافيتها قبل أوانها سيعرضها عملياً لمشاكل جسيمة.
ضمن هذا التعقيد البنيوي، يصبح من غير الواقعي التفكير في أدوار عسكرية خارج الحدود، في مقابل ضرورة الحفاظ على وعي استراتيجي بالتوازنات الإقليمية بما يسمح بصياغة سياسات قائمة على المصلحة الوطنية لا على الاعتبارات الإيديولوجية أو الانفعالية. واللافت في الأمر، وهو مفارقة في الوقت ذاته، أن ضعف سوريا اليوم قد يكون فرصتها الوحيدة التي تمنحها هامشاً لتجنّب الانخراط في صراعات الآخرين.
فهذا الضعف، إذا ما أُدير بشكل جيد، يمكن أن يمنحها وقتاً لإعادة بناء نفسها بهدوء، بما يجعله استراتيجية تقوم على التركيز على الداخل، وبناء شرعية تدريجية، وعدم القفز فوق الواقع عبر التورط في تدخلات خارجية. حتى موقع سوريا الجغرافي، الذي طالما كان مدخلاً للصراعات، يمكن أن يتحول إلى فرصة إذا استُخدم كجسر للتعاون بدلاً من جعله ساحة نفوذ. وهذا يتطلب عقلاً سياسياً مختلفاً، لا ينظر إلى أي ملف إقليمي باعتباره فرصة للهيمنة، بقدر ما يراه احتمالاً للمخاطرة باستقرار البلد.
في بلد دمّرته المبالغة في استخدام القوة، قد تكون الشجاعة الحقيقية في التخلي عن أي إغراء لتدخلات خارجية، فسوريا اليوم تحتاج إلى هدنة طويلة بين أبنائها، لا إلى معارك جديدة. كما أنها تحتاج إلى إدارة تدرك أن القوة لا تكمن في توسيع دائرة السيطرة، وإنما في القدرة على احتواء مختلف الأطراف وإدارة تعقيدها.
ما يهمّ السوريين اليوم ليس كيف تعود بلادهم لاعباً قوياً في المنطقة، وإنما كيف تنجو أولاً عبر ترميم ضعفها، وكيف ينجح أبناؤها في بناء دولة لا يخافون منها، وكيف تتمكن قيادتها من إنتاج شرعية تنبع من الداخل، مستفيدةً بوعي من دعم خارجي غير مسبوق، دون أن يتحوّل هذا الدعم إلى بديل عن الأساس الوطني الذي يقوم عليه استقرارها.
الثورة السورية
—————————————————–
جزء من النص مفقود/ فراس علاوي
أبريل 19, 2026
يبدو أن جزءاً من الرسائل التي توجهها الحكومة لا يصل إلى أبناء المجتمع كما ينبغي، كما أن ردود المجتمع عليها لا تجد طريقها الصحيح إلى صندوق بريد الحكومة. هذا المشهد يذكّرنا بتلك الرسائل القصيرة التي كانت تصل إلى الهواتف النقالة في سوريا مع بدايات انتشار الإنترنت، والتي كثيراً ما انتهت بالعبارة الشهيرة: جزء من النص مفقود.
لماذا الجزء مفقود؟ ربما لأن الطرفين، وخاصة الحكومة، لم يستوعبا بعد طبيعة المجتمع السوري وشكله الحقيقي، واكتفيا بمحاولات لتلخيصه أو اختصاره في تجارب جزئية ثم تعميمها على الواقع كله.
المنطق الطبيعي، يُعمم الكل على الجزء، لا أن يُعمم الجزء على الكل، لأن ذلك يخلق أخطاء عميقة ناتجة عن النظر بالمجهر بدل المكبرة. الفرق جوهري بين أن تتعامل الحكومة مع مجتمع متنوع ومعقد، وبين أن تتعامل معه وكأنه كتلة متجانسة، تفرض عليها رؤية أحادية كما كان الأمر في زمن سابق. هذه النقلة من الرؤية المجهرية إلى الرؤية المكبّرة تسببت بأخطاء كبيرة، أبرزها في القوانين الصادرة عن الوزارات وما تلاها من احتجاجات واعتذارات متكررة من المجتمع مما يؤثر على الثقة بين الطرفين.
كذلك ظهرت الأخطاء في القرارات المحلية التي تصدرها البلديات والمؤسسات، نتيجة السعي إلى محاباة تيار واحد وفرضه على مجتمع متعدد الاتجاهات. هذا الخطأ، إن لم يُعالج، قد يتحول لاحقاً إلى مشكلة أعمق تهدد التوازن الاجتماعي والسياسي في البلاد.
في مقال سابق لي في صحيفة الثورة، وكان بعنوان القطيعة مع التاريخ السوري بين الاجتثاث والحاجة للمعرفة، كتبت بأننا يجب ألا نتوقف في التعامل مع التاريخ في سوريا، فالتاريخ ليس حقبة الأسد، وإنما التاريخ هو سوريا منذ نشأتها كدولة، وسوريا منذ وجودها كبقعة جغرافية على هذه الأرض. وبالتالي فإن التعامل بقطع مع التاريخ سوف يورث كثيراً من الأخطاء.
الحكومة بشكلها الحالي تتعامل قانونياً مع القوانين التي تركها نظام الأسد، رغم أنها تحتمل الكثير من الأخطاء وكثيراً من المشاكل، وأيضاً تتعامل مع قسم كبير من الجهاز البيروقراطي للدولة الذي كان موجوداً على أيام نظام الأسد. لذلك، فالقطيعة مع أي شيء في سوريا سوف يمثل قطيعة مع طبيعة الدولة السورية وشكلها الذي وصلت إليه منذ بداية إعلان سوريا كدولة وطنية.
وبالتالي، سوف يصعب إعادة تشكيل هذه الدولة بشكل كامل دون الاستناد إلى إرث، سواء كان إرث الآباء المؤسسين أو إرث الدساتير السابقة أو إرث القوانين السابقة، وحتى في نظام الأسد، حيث يجب أخذ ما كان أو ما يتطابق مع المرحلة الحالية، وكل ما من الممكن أن يخدمها، والقطيعة مع ما يؤثر في نجاح مشروع الدولة.
هذه هي الرسائل التي يجب أن تحملها الحكومة للمجتمع؛ بأننا سوريون، ويجب أن يكون جواب المجتمع للحكومة بأننا سوريون، والعمل على سوريا الدولة الوطنية هو الأساس دون الذهاب إلى انتماءات ضيقة أو هويات ما دون وطنية تؤدي إلى تفكيك منظومة الدولة السورية، وبالتالي الابتعاد بشكل أو بآخر عن العلاقة المطلوبة بين المجتمع بحكومته، فالحكومات في نهاية الأمر تتغير بينما المجتمعات ثابتة ولا تتغير.
وبالتالي، لا بد من البحث عن الجزء المفقود من معادلة، الدولة، المجتمع، الوطن، إذ تصدر الحكومة والتي هي ممثلة الدولة قراراتها بناء على مصلحة الدولة والمجتمع ككل، وتنتظر الأثر الراجع من المجتمع، الذي يشكل الرقيب على الحكومة وتصرفاتها وتطبيق القوانين فيها.
لا بد من إيجاد الحلقة المفقودة التي تجعل من سلسلة التواصل بين الحكومة والمجتمع تتمتع بالسلاسة، وهذا يحتاج إلى عدة شروط أبرزها: التعيينات وفق الكفاءة لا المعرفة الشخصية ولا الولاء، واحترام خصوصية المجتمع كوحدة متكاملة دون تمييز، واختيار التوقيت المناسب وعدم الاعتماد على رد الفعل، وتعيين أشخاص قادرين على التواصل المرن مع المجتمع دون استخدام طرق غير مباشرة، وبالتالي عدم الغموض في رسائل الحكومة وقراراتها، خاصة تلك التي ترتبط بشكل مباشر بحياة المواطنين وتؤثر بهم.
ولتحقيق ذلك نحن بحاجة إلى بنية قانونية واضحة وشاملة في سوريا، وإلى استقرار مؤسسي، لجذب استثمارات محلية ودولية. كما يجب العمل على كتابة دستور دائم نابع من الإعلان الدستوري والدساتير السورية السابقة تتم كتابته بواسطة خبراء قانونيين وأخصائيين وقادة رأي وباحثين، ما يضمن الفصل الحقيقي بين السلطات الثلاث (تشريعية، تنفيذية، قضائية)، ويكرّس مبدأ المواطنة المتساوية بغض النظر عن الانتماءات الطائفية أو العرقية، وينص بوضوح على استقلالية القضاء وحياديته.
ينبغي أيضاً الاستعجال بالإعلان عن مجلس الشعب (البرلمان) لإيجاد إطار تشريعي موحد وشفاف يوحد القوانين النافذة (مدني، جزائي، تجاري، عمل، استثمار) وإنهاء حالة التعددية والخلط بين المراسيم والقرارات. وكذلك إصدار قانون استثمار جديد يضمن الحماية القانونية للمستثمرين، ويقلص البيروقراطية، ويحدد الحوافز بوضوح.
كما يجب تقنين حقوق الملكية وتسجيل العقارات بشكل مركزي وشفاف لإنهاء النزاعات على الأراضي والممتلكات، والإسراع بإصلاح قضائي جذري، يضمن استقلالية تامة للقضاء، وإنشاء محاكم متخصصة (تجارية، إدارية، دستورية) لضمان سرعة وفعالية الفصل في النزاعات.
ومن المهم البدء بمكافحة الفساد مهما كان مصدره وفرض سيادة القانون، من خلال
تفعيل هيئة مستقلة لمكافحة الفساد بصلاحيات تحقيق ومحاكمة، وضمان حق الوصول إلى المعلومات وشفافية العقود الحكومية. وكذلك ضمان حماية الحقوق والحريات، وقوننة حرية التعبير حتى لا تتحول إلى فوضى وبذات الوقت البحث عن طرق لإيصال الأصوات المعترضة من خلال تكوين الجمعيات، والتجمع السلمي ضمن حدود واضحة.
كل ذلك يحتاج وقتاً، وهذا مفهوم في ظل وضع يشبه الوضع السوري، لكن البداية مهمة جداً لإعادة بناء العلاقة بشكل جيد بين المواطن والسلطة، وأن تكون مبنية على الثقة.
———————————
دير الزور بين إيقاف الحراقات البدائية وتداعيات الأزمة المعيشية والبيئية/ فاروق المضحي
18 أبريل 2026
تشهد مدينة دير الزور حالة من الاحتقان الشعبي المتزايد بسبب أزمة نقص المحروقات، والارتفاع غير المسبوق في الأسعار ونقص المشتقات النفطية الأساسية (مازوت، بنزين، كاز)، ما انعكس على حياة السكان اليومية والخدمات الأساسية، مثل التدفئة والنقل والزراعة، وسط مطالب شعبية بإيجاد حلول سريعة ومستدامة.
ومع استمرار الحكومة بإيقاف عمل الحراقات البدائية المنتشرة في أرياف دير الزور بعد خروج “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من المحافظة، ومنعها من العمل؛ تعالت الأصوات المطالبة بضرورة عودة عمل تلك الحراقات، لتوفير المشتقات النفطية في السوق المحلية بأسعار تناسب دخل الأهالي في المحافظة.
أسعار مضاعفة وحلول غائبة
تجاوز الارتفاع في أسعار المشتقات النفطية الـ100%، حيث ارتفع سعر ليتر المازوت من أربعة آلاف ليرة إلى 9400 ليرة، والبنزين من 7500 إلى 10,700 ليرة، والكاز من خمسة آلاف إلى عشرة آلاف ليرة. وقوبل هذا الارتفاع باستياء كبير من الأهالي، الذين يرون أن الأسعار المتصاعدة تضيف عليهم أعباء مادية، وتحرم المئات من أبناء المنطقة من فرص العمل التي كانت توفرها الحراقات البدائية لهم، إذ كانوا ينتظرون تحسن الأمور بعد عودة حقول النفط إلى كنف الدولة السورية وتوفر المشتقات النفطية وانخفاض أسعارها لا العكس.
أصحاب الحراقات يبحثون عن فرص عمل
يقول محمود خليل، صاحب أحد الحراقات من بلدة ذيبان، لـ”الترا سوريا” بعد خروج “قسد” من المنطقة منعت الحكومة السورية جميع الحراقات، التي كانت تعمل على تكرير النفط الخام من مزاولة العمل، وفرضت مخالفات على العاملين. ولفت إلى أنه مع ازدياد الطلب في السوق المحلية وقلة المادة بدأت الأسعار ترتفع.
وأوضح خليل أنه رغم مطالبة الحكومة السورية بعودة العمل لتأمين احتياجات السوق المحلية في دير الزور، إلا أن الإصرار على إيقاف عمل الحراقات البدائية ما زال إلى اليوم، مضيفًا أن الاعتماد على المشتقات النفطية الموجودة في محطات الوقود النظامية، التي توفرها الحكومة بالأسعار المعتمدة من قبلها، أثقل كاهل الأهالي في المنطقة، وزاد من الأعباء المادية عليهم، فضلًا عن قلة محطات الوقود النظامية المنتشرة التي زادت من معاناة الأهالي.
وأعرب خليل عن أمله في أن تجد الحكومة حلولًا لتوفير المشتقات النفطية بسعر مناسب لأهالي المنطقة، وتعمل على توفير فرص عمل لأصحاب الحراقات التي منعوا من العمل، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية التي تمر بها المنطقة.
أهالي المنطقة: كفانا تلوث
من جانبها، تصف صفاء الأحمد، من أبناء بلدة خشام، قرار منع الحراقات البدائية في أرياف دير الزور بأنه “صائب”، معربة عن أملها في أن تكون هناك حلول قبل قرار منع الحراقات البدائية. وأشارت إلى أن هذه الحراقات كانت تسبب تلوثًا بيئيًا وصحيًا، ما أدى إلى انتشار الأمراض بين الأهالي، نتيجة الروائح والغازات السامة المنبعثة منها.
وأكد الأحمد لـ”الترا سوريا” أن الأهالي مع قرار منع هذه الحراقات التي أدت إلى خسارة الآلاف من الدونمات الزراعية، فضلًا عن تسببها بأضرار انعكست على حياة الأهالي لأكثر من عشر سنوات، قبل أن تشير مستدركة إلى ضرورة إيجاد الحلول البديلة وتوفير المشتقات النفطية للأهالي بسعر مناسب، خصوصًا أن المحافظة تضم أكبر حقول النفط في سوريا.
قرار المنع صائب
بدوره، يرى الخبير البيئي الدكتور سامر العبد الله، في حديثه لـ”الترا سوريا” أن قرار إيقاف الحراقات البدائية يمثل “خطوة متأخرة لكنها ضرورية”، موضحًا أن هذه الحراقات كانت تعمل بوسائل بدائية تعتمد على حرق النفط الخام في أحواض مكشوفة، ما يؤدي إلى انبعاث كميات كبيرة من الغازات السامة، مثل ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين والهيدروكربونات غير المحترقة.
وأوضح أنه خلال السنوات الماضية تسببت الحراقات البدائية بتلوث هوائي خطير، ما انعكس على ارتفاع معدلات الأمراض التنفسية والجلدية، إضافة إلى تلوث التربة والمياه الجوفية نتيجة تسرب المخلفات النفطية، كما أدت إلى خسارة مساحات زراعية واسعة بسبب ترسب المواد السامة في التربة.
وختم العبد الله حديثه لـ”الترا سوريا” مؤكدًا أن الاستمرار في هذا النمط من التكرير سيؤدي إلى أضرار طويلة الأمد يصعب معالجتها مستقبلًا، مشيرًا إلى أن الكلفة الصحية والبيئية غالبًا ما تكون أعلى بكثير من المكاسب الاقتصادية الآنية.
محطات المحروقات في مواجهة السوق السوداء
أما محمد الخلف، صاحب محطة محروقات، فيقول لـ”الترا سوريا” إن قرار منع عمل الحراقات أدى إلى توقفنا عن العمل، موضحًا أنهم يبيعون المشتقات النفطية المكررة (مازوت، بنزين، وكاز) بأسعار تعتبر مقبولة مقارنة مع أسعار المنتجات النفطية النظامية.
وأضاف أنه مع استمرار منع عمل الحراقات البدائية، شهدت الأسواق زيادة في الطلب ونشاط للسوق السوداء، مع تحكم بعض التجار بالأسعار وغياب الرقابة. وأعرب عن أمل أصحاب محطات الوقود التي كانت تبيع المنتجات النفطية المكررة في المنطقة في الحصول على ترخيص من قبل الجهات المعنية، لمواصلة عملهم ضمن المحطات وتأمين احتياجات السوق تحت إشراف الحكومة.
القرار صائب بيئيًا.. لكن اقتصاديًا
من جهته، يشير الخبير الاقتصادي الدكتور ياسر الحمود، لـ”الترا سوريا” أن القرار، رغم أهميته البيئية، أحدث صدمة في السوق المحلية، نظرًا لاعتماد جزء كبير من أهالي الريف على الحراقات كمصدر دخل مباشر أو غير مباشر، إضافة إلى أن إيقاف الحراقات البدائية فجأة أدى إلى انخفاض المعروض من المشتقات النفطية، ما تسبب بارتفاع الأسعار بأكثر من 100%، وفتح المجال أمام نشاط السوق السوداء.
كما لفت الحمود إلى أن مئات العمال خسروا مصدر رزقهم، الأمر الذي زاد من معدلات البطالة في المنطقة، مضيفًا أن دير الزور، رغم احتضانها لأكبر الحقول النفطية في البلاد، تعاني من ضعف في البنية التحتية التكريرية، ما يجعلها تعتمد على النقل من مناطق أخرى أو على الإنتاج المحدود للمصافي النظامية.
ويرى الحمود أن الحل لا يكمن في العودة إلى الفوضى السابقة، بل في إيجاد بدائل منظمة، أبرزها: إنشاء وحدات تكرير صغيرة مرخصة بإشراف حكومي ووفق معايير بيئية واضحة، دعم المازوت الزراعي للفلاحين لحماية الموسم الزراعي، وتوسيع شبكة محطات الوقود النظامية لتقليل الاحتكار والازدحام.
وفي الختام، تكشف أزمة المحروقات والتكرير البدائي في دير الزور معادلة حساسة بين حماية البيئة، وبين ضمان الاستقرار الاقتصادي. وفي الوقت الذي يشكل فيه قرار منع الحراقات البدائية خطوة مهمة نحو تقليل التلوث وحماية الصحة العامة، فإنه يتطلب سياسات مرافقة تضمن عدم تحميل الأهالي أعباء إضافية.
ويبقى الرهان، بحسب آراء الخبراء، على قدرة الجهات المعنية في تحويل القرار من خطوة إجرائية إلى مشروع إصلاحي متكامل يحقق التوازن بين التنمية المستدامة واحتياجات السكان المعيشية، خصوصًا في محافظة تعد من أغنى مناطق البلاد بالموارد النفطية، لكنها من أكثرها تأثرًا بالأزمات الخدمية والاقتصادية.
الترا سوريا
————————
==================
تحديث 18 نيسان 2026
———————————
“صكوك السلم الأهلي” في سوريا.. بديل هش عن العدالة؟
السبت 2026/04/18
في أعقاب التوترات الأمنية التي شهدتها مدينة السقيلبية ذات الأغلبية المسيحية في ريف حماة، برزت مجدداً “صكوك السلم الأهلي” كأداة تقليدية لاحتواء الأزمات المحلية.
جاء ذلك بعد توقيع اتفاق صلح رضائي بين وجهاء من السقيلبية وقلعة المضيق بريف حماة، عقب حادثة بدأت بمشاجرة فردية بين شابين قبل أن تتطور إلى احتكاكات جماعية، الأمر الذي أعاد طرح تساؤلات عميقة حول فعالية هذه الصكوك في منع تجدد النزاعات، خصوصاً في بيئات اجتماعية حساسة ومتداخلة طائفياً.
احتواء سريع لتوتر قابل للتصعيد
الاتفاق الذي جرى برعاية رسمية محلية، نصّ على جملة من الإجراءات الهادفة إلى امتصاص الاحتقان، أبرزها تشكيل لجنة بإشراف محافظ حماة وإدارة المنطقة لحصر الأضرار وتعويض المتضررين ماديا ومعنوياً، إلى جانب إسقاط الدعاوى القضائية المرتبطة بالحادثة بعد استكمال التعويضات، والتعهد بعدم تكرار ما حدث.
كما شدد الطرفان على أهمية احترام الخصوصيات الاجتماعية والعادات والتقاليد، في محاولة لإعادة ترميم الثقة بين المجتمعين المتجاورين.
ويعكس هذا النوع من الاتفاقات نهجاً متكرراً في مناطق سورية عدة، حيث يتم اللجوء إلى الوساطات الاجتماعية والعشائرية لاحتواء النزاعات بسرعة، تفادياً لتوسعها أو تحولها إلى صراعات أوسع ذات طابع طائفي.
الأعراف في مواجهة القانون
غير أن هذا المسار لا يحظى بإجماع، إذ يرى منتقدون أن “صكوك السلم الأهلي” قد تتحول إلى بديل هش عن مؤسسات الدولة والقضاء.
ويرى عضو مجلس الرعية لمطرانية حماة وريفها رائد صباغ، أن هذه الصكوك لا تسهم في حل جذري للمشكلة، واصفاً حالة الهدوء الناتجة عنها بأنها مؤقتة وقابلة للانهيار، حسب تعبيره.
ويشير صباغ في حديث لـِ “المدن”، إلى أن نجاح هذه الآليات يرتبط أساسا بغياب الدولة، مضيفاً أن وجود نظام قانوني فعّال بعقوبات رادعة يجعل من هذه الحلول غير ذات جدوى. كما يثير مسألة تمثيل الوجهاء المشاركين في الصلح، متسائلاً في ذات الوقت عن مدى تعبيرهم عن غالبية السكان، ومشيراً إلى أن إشراك شخصية متهمة بالتورط في الأحداث قد يفاقم الاحتقان بدلا من احتوائه.
وفي انتقاد أكثر حدة، يقول إن هذه التسويات “قد تساوي بين الضحية والجلاد، ما يضرب مفهوم العدالة ويقوض ثقة المواطنين بالدولة”، محذراً من أن هذا النهج قد يفتح الباب أمام تكرار النزاعات مستقبلا، حسب وجهة نظره.
تأجيل لا حل
من جهته، يرى الباحث في الشأن السياسي إبراهيم قيسون، أن ما جرى في السقيلبية يعكس انقساماً في الروايات بين الطرفين، معتبراً أن “صكوك السلم الأهلي لا تعالج جذور المشكلة بقدر ما تؤجلها”. ويشدد في حديثه لـِ “المدن”، على أن الحل الحقيقي يكمن في وجود إطار دستوري واضح يحدد الحقوق والواجبات، ويخضع له الجميع دون استثناء.
ويضيف أن غياب مرجعية قانونية موحدة وفعالة يفتح المجال أمام حلول مزاجية أو خاضعة لموازين القوى المحلية، وهو ما قد يكرس حالة من عدم الاستقرار على المدى الطويل، بدلا من بناء سلام مستدام قائم على العدالة والمؤسسات.
صكّ سلم أهلي شامل لإنقاذ سوريا
بدوره، يقول المدير التنفيذي للمرصد الآشوري لحقوق الإنسان جميل دياربكرلي، لـ “المدن”، إنه في ظل الظروف الدقيقة التي تمر بها بلادنا، “نؤكد أن المسؤولية التاريخية تحتم علينا اليوم التعامل بجدية قصوى مع أي إشكال يطرأ، مهما بدا صغيراً؛ فالتجاهل ليس خياراً، واحتواء الأزمات في مهدها بالطرق الصحيحة هو السبيل لمنع الانزلاق نحو المجهول”.
ويتابع: “نحن نشجع دائماً وأبداً على تبني الحلول العامة والشاملة بدلاً من الحلول الترقيعية المؤقتة، فالمسكنات لا تبني وطناً، وحل المشكلة بشكل سطحي أو جزئي يعني بالضرورة عودة السلبيات للظهور في مكان آخر وبشكل ربما يكون أعنف. إننا بحاجة إلى علاج عام وجذري ينهي مسببات الخلل من جذورها”.
ويؤكد دياربكرلي أن سوريا اليوم “بحاجة ماسة إلى صياغة صك سلم أهلي عام، وبلورة عقد اجتماعي حقيقي يضمن تمكين جميع المواطنين، على اختلاف أديانهم وطوائفهم وقومياتهم ومذاهبهم، من الاشتراك الفعلي في إدارة البلاد”.
ويقول إن “هدفنا هو الوصول إلى دولة المواطنة التي لا يشعر فيها أحد بأنه مغبون، حيث تختفي ثنائية ‘الظالم والمظلوم’ وتذوب عقلية ‘الغالب والمهزوم’، وهذا التشارك هو الضمانة الوحيدة لعدم تكرار الأزمات، وهو الطريق الوحيد لبناء مستقبل مستقر يصون كرامة الجميع ويحفظ وحدة النسيج السوري”.
دفاع عن الصكوك
في المقابل، يدافع مسؤولون محليون عن هذه الآليات باعتبارها جزءاً من النسيج الاجتماعي التقليدي في المنطقة. ويقول مدير منطقة الغاب فايز لطوف، لـِ “المدن”، إن “الأعراف والتقاليد تلعب دوراً محورياً في حل الخلافات بين السكان، من خلال جلسات صلحية تفضي إلى اتفاقات موثقة تحظى بقبول الطرفين”.
ويشير لطوف إلى أن هذه الصكوك تتيح حلولا سريعة، “بعيداً عن تعقيدات وإجراءات المحاكم الطويلة، ما يسهم في تخفيف الاحتقان ومنع تصعيد النزاعات”. كما يلفت إلى وجود نماذج مؤسساتية متشابهة في مناطق أخرى، مثل مجلس الصلح العام في الشمال السوري، الذي يضطلع بدور مواز للقضاء في حل النزاعات غير الجنائية.
وبحسب لطوف، فإن هذه الآليات لا تلغي دور الدولة، بل تكمله في بعض الحالات، خاصة عندما تكون القضايا ذات طابع اجتماعي أو شخصي، مؤكدا أن الهدف الأساسي هو الحفاظ على الود الاجتماعي ومنع تكرار الحوادث عبر ضمانات يقدمها كلا الطرفين.
في المحصلة، يبدو أن “صكوك السلم الأهلي” تمثل أداة ذات حدين: فهي من جهة تسهم في منع الانفجار الفوري للنزاعات، ومن جهة أخرى قد تؤجل معالجتها الحقيقية إذا لم تترافق مع مسار قانوني ومؤسساتي واضح.
———————————
“فوضى النقل” في دمشق.. سائقو التاكسي الأصفر يطالبون بالتنظيم/ شام السبسبي
من أمام سيارته العمومية صفراء اللون، لا يتحدث أبو كمال عن أزمة عابرة، بل عن مهنة يشعر بأنها تتآكل أمام عينيه يوما بعد يوم، ويقول الرجل البالغ 52 عاما، وهو واحد من آلاف سائقي سيارات الأجرة في دمشق، إن يومه الطويل لم يعد يكفي لتأمين إيجار السيارة أو متطلبات البيت، بعد أن ازدحمت شوارع العاصمة بتطبيقات النقل الإلكترونية المرخصة وغير المرخصة، إلى جانب السيارات الخاصة التي دخلت على خط نقل الركاب.
بصوت غاضب يختصر أبو كمال المشهد في حديث مع الجزيرة نت قائلا إنهم “جماعة قاصدين الله”، يخرجون من الصباح حتى المساء سعيا وراء لقمة العيش، لكنهم باتوا يعودون بأيدي شبه فارغة.
وبينما كانت المهنة في السابق بالكاد توفر الحد الأدنى من متطلبات الحياة، تحولت اليوم إلى معركة يومية غير متكافئة، في ظل سوق مفتوحة على بدائل كثيرة وشعور متزايد لدى السائقين بأن “التاكسي الأصفر” يخسر مكانته بالتدريج.
عدد من سائقي سيارات الأجرة الذين تحدثت إليهم الجزيرة نت يرون أن انتشار التطبيقات والسيارات الخاصة أدى إلى تراجع حاد في عدد الزبائن، وهو ما انعكس مباشرة على دخلهم اليومي.
ولا يتوقف الأمر عند التطبيقات فقط، فالسائقون يتحدثون أيضا عن مشهد أوسع من “الفوضى” يشمل دخول سيارات من خارج المدينة، وانتشار الدراجات النارية والعجلات الكهربائية، وتوسع وسائل النقل البديلة، بما جعل المهنة، في نظرهم، تقف على حافة الانهيار.
مطالب السائقين
يقول أبو كمال إن معظم شركات النقل والتطبيقات تعمل، من وجهة نظره، خارج الإطار القانوني، مضيفا أن سائقي السيارات العمومية لم يعودوا قادرين حتى على تغطية بدلات إيجار السيارات التي يعملون عليها. بالنسبة إليه، لا يتعلق الأمر فقط بتراجع الدخل، بل بإحساس عام بأن القواعد التي التزم بها السائق العمومي لم تعد تحميه في سوق مفتوحة على الجميع.
من جهته، يصف السائق محمد أبو مضر تأثير هذه التطبيقات على السائقين بأنه “كبير ومباشر”، مشيرا إلى أن معظم يومه، مثل كثير من زملائه، يمر من دون عمل فعلي.
ويقول إن سيارات الأجرة التي كانت تجوب دمشق بحثا عن الركاب أصبحت تقف لساعات أطول، فيما يذهب جزء كبير من الطلب إلى تطبيقات النقل، ولهذا يطالب بوقف هذه التطبيقات، أو على الأقل حصر العمل في قطاع النقل بمن يملكون سيارات عمومية مرخصة.
أما أبو أمجد، فينظر إلى المسألة من زاوية أخرى لا تقل مرارة، فسيارة الأجرة هي مصدر رزقه الرئيسي، وقد التزم -كما يقول- بشراء سيارة عمومية، ودفع الرسوم والتأمينات المطلوبة، والعمل وفق القوانين النافذة، قبل أن تظهر تطبيقات النقل ويبدأ عدد زبائنه بالتراجع، وهو لا يرفض التطور من حيث المبدأ، لكنه يطالب بأن يُسمح له ولزملائه بالعمل ضمن هذه التطبيقات نفسها، مقابل رسوم واضحة وإجراءات قانونية منصفة، بدلا من تركهم خارج اللعبة.
دخل إضافي
على الجانب الآخر، تبدو الصورة مختلفة قليلا لدى شريحة أخرى من العاملين في هذا القطاع، فمحمد عبد اللطيف، وهو موظف في القطاع العام يبلغ 43 عاما، يقول إنه يلجأ إلى العمل بسيارته الخاصة عبر أحد تطبيقات النقل الإلكترونية خلال الفترة المسائية، بحثا عن دخل إضافي يساعده على مواجهة أعباء المعيشة.
ويضيف أن كثيرا من السوريين باتوا يسلكون هذا الطريق في ظل تدني الرواتب وصعوبة تغطية الاحتياجات الأساسية.
محمد لا يرى نفسه خصما لسائقي سيارات الأجرة العمومية، بل يعتبر أنه يحاول النجاة مثلهم، ويقول إنه يعمل ليل نهار من أجل أسرته، ولا يعتقد أن رزق طرف يجب أن يتوقف على حساب طرف آخر، قائلا: ” الله هو الرزّاق”.
وبالنسبة إليه، وفرت التطبيقات مرونة في اختيار ساعات العمل، ومنحت كثيرين فرصة لتحصيل مدخول إضافي كانوا بأمس الحاجة إليه، كما منحت الزبائن، في المقابل، شعورا أكبر بالخصوصية والأمان، وهو ما ساهم في اتساع الإقبال عليها.
في ظل هذا التحول، تشير تقارير صحفية محلية إلى وجود ما لا يقل عن 16 تطبيقا إلكترونيا للنقل في سوريا، وسط اشتداد المنافسة بين السائقين وتغير شكل سوق النقل داخل المدن، ولا سيما في دمشق.
وعود بالتنظيم
في مواجهة هذه الشكاوى المتصاعدة، تقول وزارة النقل إنها تعمل على دراسة قانون متكامل لتنظيم قطاع النقل، بما يشمل ترخيص التطبيقات وضبط المنافسة داخل السوق، بهدف الوصول إلى توازن يحفظ حقوق جميع الأطراف.
ويوضح مدير المكتب الإعلامي في الوزارة عبد الهادي شحادة، في تصريح للجزيرة نت، أن الملف لا يزال قيد الدراسة بسبب تشابكه وحاجته إلى معالجة دقيقة، على أن يُعلن عن الخطوات التنفيذية في الوقت المناسب بعد استكمال الدراسات اللازمة.
ويؤكد شحادة أن أوضاع السائقين والمواطنين تأتي ضمن أولويات الوزارة، وأن العمل جار بالتنسيق مع الجهات المعنية للوصول إلى صيغة تحقق توازنا بين تحسين دخل السائقين وتأمين خدمات نقل ميسرة للمواطنين، كما يشير إلى أن مختلف الخيارات المطروحة تُدرس حاليا بما ينسجم مع الإمكانيات المتاحة والظروف الاقتصادية العامة.
لكن في الشارع، يبدو أن السائقين يريدون أكثر من الوعود. فقد نظم سائقو سيارات الأجرة في دمشق الأسبوع الماضي وقفة احتجاجية في ساحة الأمويين، للتعبير عن استيائهم من انتشار وسائل نقل غير مرخصة وتعدد التطبيقات الإلكترونية التي يقولون إنها أضعفت دخلهم وهددت مصدر رزقهم.
وبين غضب سائقي “التاكسي الأصفر”، وحاجة موظفين وأصحاب سيارات خاصة إلى دخل إضافي، وخطوات حكومية للتنظيم، تقف دمشق أمام مشهد نقل مضطرب، والسؤال الذي يزداد حضورا في أذهان كثيرين ليس فقط كيف يمكن تنظيم هذا القطاع، بل ما إذا كانت سيارة الأجرة التقليدية الصفراء ستنجح في البقاء داخل مدينة تتغير فيها قواعد العمل والتنقل بسرعة.
المصدر: الجزيرة
==================
تحديث 17 نيسان 2026
———————————
تغييرات داخل مشيخات قبلية تقليدية في سورية/ حمد أمين
17 ابريل 2026
تجري عملية تغيير للمشيخات التقليدية للقبائل والعشائر العربية في سورية ولا سيما تلك التي اصطفت إلى جانب نظام بشار الأسد أو “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، ويبدو أن الإدارة السورية الجديدة ليست بعيدة عنها، أو على الأقل لا تعارض هذه العملية التي يشكك محللون في نجاحها، كونها تتعارض مع تقاليد وأعراف متوارثة.
تغييرات في مشيخات سورية
ونصّب عدد من وجهاء قبيلة شمّر ذات الثقل التاريخي في شمال شرق سورية، في اجتماع عقد الثلاثاء الماضي في قرية الفسطاط بريف الحسكة، سيف الجربا شيخاً على القبيلة بدل الشيخ الحالي مانع حميدي الجربا الذي آلت اليه المشيخة بعد وفاة أبيه أواخر عام 2021، والذي كان على وفاق مع “قسد” والتي كانت نصبته رئيساً مشتركاً لإقليم الجزيرة ضمن الإدارة الذاتية لشمال وشرق سورية. كما أسس في عام 2014 فصيلاً عُرف بـ”الصناديد”، معظمه من أبناء قبيلة شمّر لقتال تنظيم داعش في محافظة الحسكة بجانب “قسد”. ويبدو أن عدداً من وجهاء القبيلة الأهم في شمال شرق سورية، وجدوا في تعاون حميدي الجربا ومن بعده ابنه مانع مع قوات “قسد” سبباً كافياً لتحويل المشيخة إلى فرع آخر من فروع عائلة الجربا. وفور القيام بهذه الخطوة، ظهر الانقسام واضحاً في القبيلة، إذ أعلن أحد مشايخها وهو أحمد الموح الشمري أن الاجتماع الذي عقد الثلاثاء “لا يمثلنا جملة وتفصيلاً”، مشيراً إلى أنه لا يؤيد “فكرة التلاعب بقوانين قبيلة شمّر وعشائرها ورموزها”. والمشيخة التاريخية في قبيلة شمّر لعائلة الجربا وكان لها تأثير كبير في التاريخ السياسي الحديث لسورية.
ولا يعد ما جرى في قبيلة شمّر سابقة، فمطلع العام الحالي جرى تنصيب أحمد حماد الأسعد شيخاً لقبيلة الجبور العربية في محافظة الحسكة أيضاً بدل نواف عبد العزيز المسلط، كما جرت محاولة لتنصيب شيخ آخر لقبيلة الولْدة، في محافظة الرقة. والشيوخ المنصبون حديثاً كلهم اشتركوا أو كانوا مؤيدين للثورة ضد النظام المخلوع الذي لطالما حاول استقطاب المشيخات التقليدية للقبائل والعشائر العربية إلى جانبه، بمنحهم امتيازات مادية وسياسية. وطرأ تبدل عميق على بنية القبائل والعشائر العربية خلال سنوات الثورة في ظل انقسام حاد لمواقف أبنائها ما بين موالٍ لسلطة النظام البائد، أو معارض لها ومنخرط في التشكيلات العسكرية التي أسقطت النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024.
موقف الإدارة السورية
ولا يبدو أن الإدارة السورية الجديدة تعارض محاولات استبعاد المشايخ الذين كانوا على صلة بالنظام المخلوع وقوات “قسد”، وإنتاج وجهاء وشيوخ جدد على وفاق مع التوجه الحالي للدولة، في حين تنفي مصادر أي صلة لها بالتغييرات. وكانت هذه الإدارة عيّنت في العام الماضي، جهاد عيسى الشيخ، مسؤولاً عن ملف العشائر في رئاسة الجمهورية، وأكدت مصادر مطلعة في محافظة الحسكة لـ”العربي الجديد” أنه “لم يتدخّل في عملية تغيير المشيخات”، مشيرة إلى أن “ما يجري شأن داخلي يخص كل قبيلة أو عشيرة”.
وشكك الباحث السياسي المختص بهذا الجانب سامر الأحمد، في حديث مع “العربي الجديد”، بنجاح عملية تنصيب مشايخ جدد للقبائل والعشائر في سورية، مشيراً إلى أن “هناك علاقات قبائلية وعائلية معقّدة ربما تحول دون ذلك”، مضيفاً: “الأمر التنظيمي في قبيلة شمّر تحديداً يصعّب أي محاولة لتغيير المشيخة بهذه الطريقة”. وبرأيه “معظم القبائل والعشائر العربية في سورية مفككة، وليس هناك شيخ واحد معروف لكل قبيلة”، مضيفاً: “الموضوع معقّد جداً ولا يمكن الحكم عليه حالياً. الأمر يحتاج إلى صبر طويل لمعرفة نتائج ما يجري اليوم في القبائل”.
وتنتشر القبائل العربية في أغلب المناطق السورية، لا سيما في محافظات الجزيرة والفرات (الرقة، دير الزور، والحسكة، وريف حلب)، ولا تزال العادات القبلية العربية تحكم الجزء الأكبر من العلاقات الاجتماعية. وفي شمال شرق سورية العديد من القبائل العريقة، لعل أبرزها: الجبور، طي، شمّر، العقيدات، البقّارة، والبوشعبان، إضافة إلى عشرات العشائر الكبيرة والصغيرة تنتشر على مساحة جغرافية كبيرة تمتد من أطراف مدينة حلب الشرقية غرباً، وصولاً إلى محافظة دير الزور شرقاً.
وقال رئيس المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية، مضر حماد الأسعد، في حديث مع “العربي الجديد”، إن ما حدث في قبيلة شمّر هو “تغيير مسار القبيلة السياسي والاجتماعي”، مضيفاً: “الثوار والأحرار في القبيلة ينظرون إلى المشيخة السابقة على أنها كانت ضد إرادة الشعب السوري وساعدت نظام الأسد البائد وقوات قسد، في منطقة الجزيرة والفرات”. وتابع: “التغيير لم يقتصر على قبيلة شمّر بل شمل قبائل وعشائر أخرى في كل المحافظات السورية. الكثير من القبائل أبعدت القيادات العشائرية التي أيّدت نظام الأسد أو إيران وحزب الله اللبناني وقوات قسد ومنظومة حزب العمال الكردستاني”. وأشار إلى أن “مكانة المشايخ الذين وقفوا إلى جانب الشعب السوري لم تُمس من أحد، بل تعززت أكثر بعد تحرير البلاد من نظام الأسد”، مضيفاً: “ما يحدث في سورية اليوم عملية تغيير في كل المجالات بما فيها الاجتماعي والعشائري. بعد مقتل أكثر من مليون سوري لا يمكن الإبقاء على الذين ساعدوا وأيدوا القتلة والمجرمين”.
وحول دور الإدارة السورية الجديدة في عملية تغيير المشيخات التقليدية، أكد الأسعد أن “الدولة لم تتدخّل في هذا الأمر، ولكنها تنظر إلى هذا الأمر بشكل إيجابي”. وأكد أن مجلس القبائل “لم يتدخّل”، مضيفاً: “هذا المجلس يعيّن أعضاء في مكاتبه في المحافظات، ولكن لا يمكنه أبداً تغيير مشايخ القبائل. ليس للمجلس أي دور، ولم يحضر في الاجتماع الذي عقد في الحسكة”. ولفت إلى أن المشيخة “لم تخرج عن العائلات التقليدية التي توارثتها، بل انتقلت من شخص كان يقف إلى جانب النظام البائد، إلى شخص آخر داخل العائلة وقف مع الثورة وضحّى من أجل الشعب ودافع عن سورية ووحدتها”، مضيفاً: “الدولة تركت الموضوع العشائري إلى أبناء كل عشيرة وهم يقومون اليوم بتغيير المشيخات”. وأشار إلى أن عملية التغيير “تجري بشكل هادئ وسلس”، مضيفاً: “لم تحدث انقسامات في القبائل نتيجة هذا التغيير الذي يجري في أغلب القبائل والعشائر العربية في سورية، من الحسكة إلى منطقة اللجاة في درعا”.
العربي الجديد
———————————
==================
تحديث 16 نيسان 2026
———————————
حين تفتح المدن نوافذها من جديد: ملامح استرداد سُبل الحياة في سوريا بعد الحرب/ هاديا منصور
16-04-2026
بعد نحو عامٍ ونصف من سقوط نظام الأسد، تحاول المجتمعات المحلية إعادة ترتيب حياتها اليومية، مستندةً إلى ما تبقّى من مواردها وإلى خبرة قاسية راكمتها خلال سنوات طويلة من الصراع. العودة ليست سهلة ولا مكتملة، لكنها تظهر في تفاصيل صغيرة وواضحة، مثل أن يفتح دكانٌ أبوابَه بعد سنوات من الإغلاق، وأن تعود ورشة حدادة للعمل، وأن تُبعث مهنة قديمة من جديد لأنها أصبحت ضرورة للعيش.
في قلب المدن، كانت الأسواق أول الساعين إلى كسر الصمت، فبعد أن هُجِرت خلال سنوات الحرب أو تحولت إلى نقاط تماس خطرة، بدأت تستعيد دورها الاجتماعي والاقتصادي، ولو بإمكانات محدودة. في أحد أسواق حلب القديمة، وقف تاجر الخضار محمود عمور، صباح يومه الأول أمام باب متجره المتآكل، يُزيل الغبار عن الواجهة ويُعيد ترتيب الصناديق الخشبية كما كان يفعل قبل أعوام. كان يعرف أن حركة البيع ستكون محدودة، وأن الأرباح قد لا تكفي لسدِّ التكاليف، لكنّ عودته إلى فتح المحل لم تكن قراراً اقتصادياً بقدر ما كانت محاولةً لملء الفراغ الذي خلّفته الحرب.
يخبرنا عمور أن السوق، بالنسبة له ولغيره من التجار، لم يَعد مجرد مساحة لتبادل السلع، بل صار مكاناً لاستعادة الإحساس بالحياة المشتركة؛ يعود فيه الناس لتبادل التحية والأخبار، وتفقّد بعضهم بعد غياب طويل. ويقول: «فتحنا المحل من جديد، لا لأن الوضع تحسّن كثيراً، بل لأن الناس بحاجة لبعضهم. السوق ليس فقط للبيع، هو مكان نشعر فيه أن المدينة ما زالت حيّة».
ويُشير في حديثه إلى أن كثيراً من الزبائن يأتون للسؤال أكثر مما يأتون للشراء، وأن مجرد عودة الأصوات والحركة إلى الأزقة القديمة المُهدَّمة تمنحهم شعوراً بأن شوارع حلب تحاول الوقوف على قدميها من جديد، حتى وإن كانت الخطوات بطيئة. بالنسبة لعمور، صار استمرار فتح المحل كل صباح شكلاً من أشكال المقاومة اليومية للنسيان، ومحاولة للحفاظ على ما تبقى من روح المدينة التي أنهكتها الحرب.
وتُشير مشاهد الأسواق إلى تغيُّرٍ في سلوك الناس أيضاً، فحركة البيع والشراء لا تعكس بالضرورة قدرةً شرائيةً مرتفعة بقدر ما تُعبّر عن حاجة مُلحّة لاستعادة نمط الحياة الطبيعي، حتى في ظلِّ الغلاء المستمر، ومحدودية الدخل.
يرى الخبير الاقتصادي أيمن الطاهر في حديثه إلى الجمهورية.نت أن المشهد الاقتصادي القائم اليوم في المدن السورية لا يُمكن فصله عن سياق ما بعد الحرب، حيث تتقدّم المجتمعات المحلية لملء الفراغ الذي تركه غياب الدولة والاستثمارات الكبرى. ويوضح أن اعتماد الناس على أنفسهم لم يكن خياراً طوعياً بقدر ما كان نتيجة مباشرة لانهيار البنية التحتية وتراجع فرص العمل المُنظَّمة، ما أفرز نمطاً اقتصادياً جديداً يقوم على المبادرات الفردية والأنشطة الصغيرة.
يظهر نشاط المبادرات الفردية بوضوح في عودة الورش الصغيرة التي تؤدّي دوراً محورياً في مرحلة ما بعد الحرب، فقد أصبحت هذه الورش القائمة على المهارات اليدوية ورأس المال البسيط ملاذاً لآلاف الأسر.
وفي أحد الأحياء الشعبية في مدينة سراقب المدمّرة، لا يحتاج المارة إلى البحث كثيراً ليلاحظوا محاولات النهوض من بين الركام. إذ يخرج صوت مطرقة من ورشة صغيرة، تُحيط بها جدران متصدعة وأسقف مثقوبة، ويكسر صمتاً ثقيلاً فرضته سنوات الحرب، ويُعلن بداية مختلفة، وإن كانت متواضعة.
يقف خالد الرحّال، وهو حدّاد في الأربعين من عمره، بين بقايا آلات قديمة نجت بصعوبة من القصف والنزوح. أعاد فتح ورشته بعد انقطاع طويل، لا بدافع التفاؤل المفرط، بل بدافع الحاجة إلى العمل والاعتماد على الذات. يؤكد أن العودة لم تكن سهلة، فالورشة تفتقر إلى معظم معداتها، والمواد الأولية باهظة الثمن، والطلبات محدودة. يقول الرحال: «لم ننتظر دعماً أو مشاريع كبيرة، بدأنا بما توفر لدينا من أدوات قديمة. العمل قليل، لكنه يكفي لنشعر أننا لسنا عالة على أحد».
بدأ خالد عمله بإصلاح الأبواب والنوافذ الحديدية المتضررة في بيوت الجيران، قبل أن تتوسع الدائرة تدريجياً مع عودة بعض السكان وترميم منازلهم بشكل جزئي. بالنسبة له، لم تعد الورشة مجرد مصدر دخل، بل مساحة لاستعادة الكرامة الشخصية والشعور بالقدرة على الاستمرار.
وتعكس ورشة خالد نموذجاً يتكرر في كثير من المدن والبلدات الخارجة من الحرب، حين يتحوّل الاقتصاد تدريجياً من اقتصاد دمار وإغاثة، إلى اقتصاد يقوم على المبادرات الفردية والمهارات المحلية. ورغم هشاشة هذا التحوّل في ظلِّ غياب سياسات عامة فاعلة ودعم مؤسسي حقيقي، فإنه يُشكّل محاولة واقعية لإعادة بناء الحياة بأدوات بسيطة وإرادة لا تزال تُقاوم الانكسار.
ورشة خالد الرحّال في سراقب
ويُشير الخبير الاقتصادي أيمن الطاهر إلى أن هذه الديناميكية، رغم ما تحمله من إشارات إيجابية على قدرة المجتمع على التكيّف، تبقى شديدة الهشاشة وقابلة للانتكاس في أي لحظة إذا لم تُدعَم بسياسات اقتصادية واضحة وخطط إعادة إعمار جدّية تخلق فرص عمل مستدامة وتُعيد الثقة إلى السوق. فإعادة فتح الأسواق والورش، برأيه، تُشكّل مؤشراً على عودة نبض الحياة، لكنها «لا تكفي وحدها لمعالجة مستويات الفقر والبطالة التي تراكمت خلال سنوات الحرب».
بعيداً عن الأسواق والورش، اضطرت كثير من النساء السوريات إلى البحث عن مهنٍ يمكن ممارستها من المنزل، في محاولة للنجاة اقتصادياً. واستعادت بعضهن خلال الحرب مهناً كادت تندثر، مثل تصليح الأدوات القديمة (بابور الكاز) والخياطة اليدوية والصناعات المنزلية البدائية (مربيات، مخللات، سوائل الجلي،…)، لتتحول إلى مصادر دخل بسيطة لكنها ضرورية.
اختارت سناء السلطان العودة إلى الخياطة من منزلها في ريف إدلب الجنوبي بعد سنوات من الانقطاع، ولم تتخيل يوماً أن الإبرة والخيط سيُصبحان طوق النجاة الوحيد لعائلتها. وضعت ماكينة خياطة قديمة في غرفة صغيرة من منزل مُتضرر جزئياً، بعد أن نفضت عنها الغبار كما لو أنها تستعيد جزءاً من ذاكرتها الشخصية.
تعلمت سناء الخياطة على يد والدتها في سن مبكرة، لكنها هجرتها لاحقاً مع تغيّر ظروف الحياة وانشغالها بأعمال أخرى خلال سنوات الحرب، انقطعت عن المهنة تماماً، قبل أن تعود مضطرة إليها مع ضيق سُبُل العيش وغياب فرص العمل، خاصة بالنسبة للنساء.
تعمل سناء لساعات طويلة يومياً، تُخيّط الملابس وتُصلح ما تضرر منها، وتلبي طلبات بسيطة تأتي في معظمها من الجيران والمعارف. ورغم أن الدخل محدود ولا يوازي الجهد المبذول، لكنّه وفّر لها الحد الأدنى من الاستقرار، وأعاد إليها شعوراً بالقدرة على الإعالة والاعتماد على النفس.
يُحذّر الخبير الاقتصادي من أن الاستقرار الاجتماعي سيظلُّ مهدَّداً في ظلِّ غياب الضمانات الاقتصادية الأساسية، لافتاً إلى أن استمرار انقطاع الكهرباء، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف القدرة الشرائية، كلها عوامل تضغط على هذه المحاولات الوليدة لإعادة تنظيم الحياة اليومية. وأي تعثّر في هذا التوازن قد يُعيد إنتاج أنماط الهشاشة نفسها التي عرفتها البلاد في مراحل سابقة.
ورغم ذلك، يرى الطاهر أن ما يجري اليوم يعكس إرادة مجتمعية واضحة في استعادة الحياة، حتى وإن جاءت هذه العودة ناقصة ومثقلة بالتحديات، فمحاولات الناس فتح محلاتهم وورشهم، والعودة إلى المهن التقليدية، تُعبِّر عن رغبة عميقة في البدء من جديد، ولو من نقطة الصفر.
في النهاية، تعكس تلك الحكايات عودة الحياة بخطوات مُتردِّدة إلى المدن السورية، عودة لا تصنعها الخطط الكبرى بقدر ما تنسجها التفاصيل الصغيرة التي يبتكرها الناس بمحاولاتهم اليومية. ورغم بساطة هذه المبادرات وتواضعها، وقدرتها على إبقاء روح الاستمرارية حيّةً ولو في حدّها الأدنى، فإنها ما تزال مُحاطة بواقع اقتصادي هشٍّ يحدُّ من نموِّها، ويجعلها عرضةً للانتكاس في أي لحظة ما لم تُدعم بسياسات جادة تُعيد الاستقرار وتكسر دورة التعثّر المتكررة.
موقع الجمهورية
——————————–
من أين ستمنح سوريا مياهاً للأردن؟ خبير يجيب/ جانبلات شكاي
إعلان سوريا نيتها تقاسم مياهها مع الأردن مؤشر على مستوى التحسن الكبير في العلاقات الثنائية، وعن التنسيق المشترك في مواجهة ضغوط تمارسها إسرائيل على كلتا الدولتين، حسب ما قال الأكاديمي والخبير في شؤون المياه، نبيل سمان لـ”القدس العربي”، رابطاً بالوقت ذاته، الكرم السوري بمعدلات الأمطار الأخيرة التي تجاوزت 3 أضعاف الموسم السابق.
وعلى هامش أعمال الاجتماع الوزاري لمجلس التنسيق الأعلى بين سوريا والأردن، الذي استضافته عمّان، الأحد الماضي، أعلن مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، محمد الأحمد، في حديث لقناة “المملكة” الأردنية، أن الرئيس السوري أحمد الشرع حمل وزير خارجيته، أسعد الشيباني، رسالة مفادها بأن مياه سوريا سوف نتقاسمها مع الأردن.
وقال: “قطعنا أشواطاً ممتازة في ملف المياه مع الأردن، وهو يسير في المسار الصحيح، وبخطوات متسارعة”، مؤكداً أنه تم منع حفر الآبار العشوائية في كلا الجانبين على حوض نهر اليرموك في الأردن وسوريا.
وفي تصريحه لـ”القدس العربي”، أوضح سمان أن رسالة الشرع يمكن اعتبارها نتيجة لتحسن العلاقات الثنائية، والمدى الذي وصلت إليه، وجاءت في وقت تتخلّف فيه إسرائيل عن الالتزام بتنفيذ بنود اتفاقية السلام مع عمّان، ومنحها الحصص المقررة، بحجج تراجع معدلات الأمطار خلال المواسم الماضية، بل وتتعمد بيع الأردن كميات من منشآت تحلية المياه على المتوسط.
وقال إن رسالة الشرع تؤشر إلى تبادل الدعم في وجه الضغوط التي تمارسها تل أبيب بأساليب مختلفة على كل من دمشق وعمّان، موضحاً أن الكرم السوري، في الوقت ذاته، يطرح العديد من الأسئلة.
وأوضح: “الموسم المطري الحالي في درعا حقق المعدل السنوي، وهو وسطياً نحو 300 مم، أو زاد قليلاً في بعض مناطق المحافظة، بما يعادل ضعفي الموسم الماضي. والأمر ذاته في محافظة القنيطرة، حيث فاقت كميات الأمطار المعدل السنوي المقدر وسطياً بنحو 700 مم، بما يعادل ثلاثة أضعاف الموسم الماضي. لكن هذه الهطولات الخيّرة جاءت بعد سنوات عجاف أدت إلى جفاف جميع الينابيع والأنهار والسدود السطحية في المحافظتين السوريتين اللتين ينبع منهما نهر اليرموك، الواجب اقتسام مياهه بين البلدين الجارين”.
وتابع: “لا بد من ملاحظة أن تعويض المياه الجوفية التي تم استنزافها في الزراعة خلال المواسم السابقة يحتاج إلى أكثر من موسم مطري جيد. وهل يمكن للحكومة الضغط على أصحاب الآبار غير المرخصة، التي باتت بأعداد كبيرة، لردمها أو حتى لترشيد استهلاكها؟ من دون أن ننسى أنه في ظل التراجع الحاد لمستوى المعيشة في البلاد، وشبه انعدام فرص العمل، ومع عودة مئات الآلاف من النازحين واللاجئين السوريين إلى المحافظتين، وخصوصاً إلى درعا التي كانت مكان انطلاق شرارة الثورة السورية، فقد استبشر هؤلاء بالموسم الشتوي الأخير، ولجؤوا إلى الزراعة لتأمين لقمة العيش؛ فهل نستطيع أن نقول لهؤلاء: عليكم التوقف عن الزراعة؟”.
والأردن من أفقر دول العالم بالنسبة للمياه المستهلكة للأغراض المنزلية. وحسب أرقام رسمية، فإن حصة الفرد السنوية لجميع الاستخدامات هي أقل من 100 متر مكعب، وهذا يمثل أقل من 10% من خط الفقر المائي العالمي، الذي تُقدره الأمم المتحدة بحوالي ألف متر مكعب للفرد في السنة.
وكشف تقرير صادر عن وزارة المياه والري الأردنية عن بلوغ التدفق السنوي من نهر اليرموك إلى سد الوحدة في عام 2023 نحو 23.73 مليون متر مكعب، وسجل انخفاضاً في عام 2024 إلى 14.47 مليون متر مكعب فقط، وبلغ مخزون سد الوحدة في 2023 حوالي 3.85 مليون متر مكعب، مع تسجيل انخفاض أكبر خلال 2024.
ووفق سمان، من المفترض أن يحصل الأردن من إسرائيل، حسب اتفاق “وادي عربة” الموقع منذ عام 1994، على 50 مليون متر مكعب سنوياً من مياه نهري الأردن واليرموك ومن المياه الجوفية لوادي عربة، لتُنقل إلى الأردن عبر قناة “الملك عبد الله”، خلال فصل الصيف، لأن عمّان لا تستطيع تخزينها، لكن تل أبيب لا تلتزم، بل أعلنت أكثر من مرة رفض تسليم حصة المياه المتفق عليها للأردن، في انتهاك رسمي لأحد أهم بنود اتفاقية السلام بينهما.
وأحدث مستجدات هذا الملف، وفق المصدر، كشفت عنه قبل شهرين صحيفة “معاريف”، حيث نسبت لمسؤولين إسرائيليين بأنهم أبلغوا الأردن أنهم لا يعتزمون تسليم حصة المياه السنوية المقررة بموجب اتفاقية “وادي عربة”.
وذكّر سمان بأن الجانب الأردني يقول إنه لا يحصل أيضاً على كامل حصته من مياه نهر اليرموك بحجة أن سوريا تقوم بحجب نحو 95 مليون متر مكعب من مياهه. وخلال حكم الأسدين، ظهرت العديد من الاتهامات الأردنية بشأن التجاوزات السورية، والاستخدام الجائر لمياه نهر اليرموك وروافده، لكن الجانب السوري برر سياساته حينها بأنه ليس طرفاً في اتفاقية تقاسم مياه نهر اليرموك التي تضمنها اتفاق وادي عربة، وأن المرجع الأساسي لتقاسم المياه بين البلدين هو اتفاقية عام 1987.
ونهر اليرموك هو أحد أكبر روافد نهر الأردن، ويبلغ طوله 57 كلم، منها 47 كلم داخل الأراضي السورية، والباقي في الأردن، وينبع اليرموك من بحيرة المزيريب في محافظة درعا، ويشكل النهر جزءاً من الحدود السورية – الأردنية، وتغذيه بعض الروافد كوادي الرقاد القادم من الجولان السوري.
وفي تموز/ يوليو الماضي، عقدت اللجنة الفنية الأردنية – السورية المشتركة في منطقة سد الوحدة، اجتماعها الأول بعد سقوط النظام السوري السابق، وتم التوافق على تطوير حوض نهر اليرموك وتنفيذ مشاريع مشتركة بين الجانبين، ومراقبة مصادر المياه والتحكم فيها عن بعد، وفق وكالة الأنباء الأردنية “بترا”، في حين قالت وزارة الإعلام السورية، إن الجانبين اتفقا على إعداد دراسة لتقييم اتفاقية 1987 حول استثمار مياه النهر بين البلدين، بما يتماشى مع المستجدات المناخية.
وتوصلت عمّان ودمشق عام 1987 إلى اتفاق جديد حول استثمار مياه نهر اليرموك بدلاً من الاتفاقية الموقعة بين البلدين سنة 1953. ونصت الاتفاقية على إقامة سد وخزان الوحدة لجمع مياه النهر وتوليد الطاقة الكهربائية وإرواء الأراضي الأردنية، وكذلك إرواء الأراضي السورية الواقعة بعد موقع السد والمحاذية لمجرى النهر حتى منسوب 200 متر فوق سطح البحر، على أن يكون الأردن مسؤولاً عن إنشاء مشروع اليرموك، وممولاً لجميع مراحل الدراسة والتصميم والإنشاء والتشغيل والصيانة، وأن يصل ارتفاع سد الوحدة إلى 100 متر، ليتم تخزين المياه المارة في نهر اليرموك، بعد تأمين المياه لإملاء خزانات السدود السورية المحددة في جدول مرفق بالاتفاقية، ضمّ قائمة من 25 سداً على 5 وديان تصب في سرير النهر هي: الذهب، الزيدي، العرام، العلان، الرقاد.
وتتراوح السعة التخزينية لمعظم السدود السابقة بين ميلون ومليوني متر مكعب باستثناء سدي درعا الشرقي والشيخ مسكين بسعة 15 مليوناً، وسحم الجولان بسعة 20 مليوناً، وكودنة بسعة 30 مليوناً، والمنطرة بسعة 40 مليون متر مكعب.
وأكدت الاتفاقية على أن تحتفظ سوريا بحق التصرف بمياه جميع الينابيع التي تتفجر في أراضيها في حوض اليرموك وروافده باستثناء المياه التي تتفجر ما قبل السد تحت منسوب 250 متراً، وتحتفظ بحق الانتفاع بالمياه التي ترد مجرى النهر وروافده فيما بعد السد لإرواء أراضيها المحاذية لمجرى النهر.
ونصت الاتفاقية على أنه يحق للأردن أن يتصرف بالمياه المنبثقة من الخزان ومركز توليد سد الوحدة لتوليد الطاقة الكهربائية، وأن يتم توزيع الطاقة الكهربائية بنسبة 25% للأردن و75% لسوريا.
وأوضح سمان، في تصريحه لـ”القدس العربي”، أنه لطالما اتهمت الأردن المزارعين السوريين بحفر الآبار غير المرخصة مما أدى إلى تراجع كبير في كميات المياه المتدفقة إلى الجانب الأردني، وتقول عمّان إنه تم حفر أكثر من 10 آلاف بئر؛ نتيجة للفساد والتراخي وعدم التشدد في مراقبة حفر الآبار غير المرخصة في عهد النظام السابق، وإلى جانب تراجع معدلات الهطل المطري، أدى كل ذلك إلى تراجع المياه المتدفقة إلى الأردن.
وتوقع سمان أنه يمكن لسوريا في ظروف الموسم المطري الجيد هذه السنة، أن تمرر كميات أكبر من تلك التي كانت تمررها سابقاً بالتأكيد، ولكن هذه حالة استثنائية ترتبط بالظروف الجوية، والموسم المطري القادم إذا كان جيداً فستتمكن سوريا من تمرير كميات إضافية، لكن إن جاء سيئاً، مثل السنوات الأخيرة، فلن يكون لدى سوريا أصلاً أي كميات من المياه حتى تمررها.
وتابع: “قبل 3 أشهر فقط، كانت جميع السدود السطحية على وادي الرقاد القادم من جبل الشيخ، وهو أهم روافد نهر اليرموك، شبه جافة بما فيها أكبرها “سد المنطرة” إلى الشرق من مدينة القنيطرة، بل حتى بحيرة مزيريب التي ينبع منها نهر اليرموك في درعا، كانت جافة بشكل نهائي، ولا ننسى هنا الإشارة إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي هي بدورها بنت 4 سدود سطحية في الجولان المحتل على روافد تصب في وادي الرقاد وتحبس المياه وتمنع من تدفقها باتجاه نهر اليرموك”.
القدس العربي”
———————————
الأوقاف السورية والأرشيف العثماني يفتحان أخطر ملفات الملكية/ بثينة عوض
الخميس 2026/04/16
في عام 2015 أنجزتُ تحقيقاً صحفياً تناول الأملاك التابعة لوزارة الأوقاف والمسجّلة بصفة “وقف”، وخلال العمل على الملف، حصلتُ يومها على معلومات موثقة تشير إلى أن أربعة عقارات تابعة للوزارة جرى تحويلها إلى ملاهٍ ليلية، ولا سيما في المنطقة المحاذية لـ فندق سميراميس قرب جسر الثورة في دمشق، والذي تبيّن لي لاحقاً أن العقار المقام عليه كان مصنفاً بدوره ضمن أملاك الوقف.
ذلك الخيط قادني إلى مسار أوسع بكثير البحث في خريطة الملكية العقارية للأوقاف، لأكتشف أن مساحات واسعة من العاصمة دمشق تقع بصورة مباشرة أو غير مباشرة ضمن أملاك وقفية أو كانت كذلك تاريخياً.
نُشر التحقيق حينها، لكن الرد لم يكن عبر الشفافية أو فتح ملفات الفساد، بل عبر ملاحقتنا قضائياً من قبل الوزارة التي كانت غارقة آنذاك في شبكات النفوذ والفساد. وأُغلق الملف كما أُغلقت ملفات كثيرة في تلك المرحلة، ليبقى السؤال معلّقاً حتى اليوم كم من أملاك الوقف تحوّل إلى باب للنفوذ، وكم منها ما زال ينتظر من يكشف حقيقته؟
بعد الحرب
اليوم، وفي بلد خرج من حرب طاحنة أنهكت البشر والحجر، وتبدّلت فيه الخرائط السكانية والعمرانية، لا تبدو معركة المستقبل في سوريا محصورة بالسلاح أو السياسة أو إعادة الإعمار فحسب، بل تمتد إلى سؤال أشد عمقاً وخطورة من يملك الأرض؟ ومن يملك السوق، والبيت الدمشقي القديم، والبستان، والخان، والعقار القائم في قلب المدن التاريخية؟
هنا يعود ملف الوقف إلى الواجهة، لكن هذه المرة بثوب أكثر تعقيداً وحساسية، بعدما تحوّل من قضية إدارية هامشية إلى ملف يمسّ الثروة والهوية والعدالة الاجتماعية معاً.
أوساط قانونية وتاريخية واقتصادية تتحدث عن إمكانية الاستناد إلى السجلات العثمانية المحفوظة في تركيا لإعادة تثبيت ملكيات مفقودة، أو حسم نزاعات تتعلق بعقارات وأوقاف داخل سوريا، وما يبدو للوهلة الأولى شأناً أرشيفياً أو تقنياً، قد يتحول عملياً إلى واحد من أخطر الملفات التي ستواجه أي دولة سورية مقبلة.
وبعد سقوط النظام السابق، بدأت وزارة الأوقاف السورية تتحرك ــ وفق تصريحات رسمية ــ للحصول على نسخ من الأرشيف العثماني المتعلق بالأوقاف السورية، في خطوة أثارت مخاوف واسعة، لأن فتح تلك الدفاتر القديمة قد يطال ملكية آلاف العقارات في دمشق وحلب.
وثائق عمرها أكثر من قرن قد تتحول فجأة إلى أداة قانونية لإعادة تعريف الملكية الحديثة، وفرض وقائع جديدة على السكان الحاليين، لتبدأ معركة من نوع آخر: معركة الأرض والذاكرة والحق المكتسب.
صدمة في سوق الحميدية
يسود الشارع الدمشقي حالة من القلق المتصاعد بعد تداول معلومات عن إجراءات محتملة لإخلاء تدريجي لمحال تجارية في سوق الحميدية وغيره من الأسواق الأثرية، بذريعة أن أجزاء واسعة من هذه العقارات تعود تاريخياً إلى الوقف العثماني.
وإذا صحّت هذه الإجراءات، فإنها لا تعني مجرد نزاع عقاري عابر، بل تهدد أرزاق آلاف العائلات التي ارتبطت أعمالها بهذه الأسواق منذ عقود طويلة، كما تمسّ أحد أهم الرموز التجارية والتراثية في قلب العاصمة السورية.
فالمساس بسوق الحميدية لا يُقرأ كملف قانوني فحسب، بل كتغيير جذري في هوية دمشق الاقتصادية والتاريخية، وضرب لذاكرة المدينة التي تشكّلت حول أسواقها القديمة وحرفها التقليدية.
وبحسب تصريحات نُسبت إلى مسؤولين في وزارة الأوقاف، فإن عدداً من العقارات الوقفية جرى بيعها خلال عهد النظام السابق إلى أشخاص مقرّبين منه بأسعار زهيدة، ثم سُجّلت بأسماء المشترين في السجلات العقارية خلال الفترة الممتدة بين عامي 1960 و2018.
وهذا يضع المالك الحالي حسن النية أمام معادلة قاسية: إما التحول إلى مستأجر لدى الأوقاف، أو مواجهة الإخلاء الكامل، رغم أنه اشترى بموجب أوراق رسمية وسجلات نافذة.
وفي مدن مثل دمشق، لا تبقى القضية قانونية فقط، بل تتحول إلى ملف اقتصادي هائل، لأن كثيراً من العقارات المختلف عليها تقع في مناطق ذات قيمة استثنائية سياحياً وتجارياً وتراثياً.
بيت عربي واحد مرمم في موقع مميز قد يساوي ثروة، فكيف إذا كان الحديث يدور عن حارات كاملة، أو أسواق تاريخية، أو مجمعات تجارية مترامية في قلب المدينة.
وثيقة وقف واحدة قد تغيّر وضع محل تجاري مؤجر منذ خمسين عاماً، أو تنسف تسلسل ملكية توارثته عائلات جيلاً بعد جيل، ولهذا يصطدم أي حديث عن “استعادة الحقوق” بسؤال جوهري: أي حقوق نقصد؟ حقوق الماضي البعيد أم حقوق الواقع القائم؟
أما في حلب، فتبدو المسألة أكثر حساسية وتعقيداً، فالمدينة التاريخية قامت لقرون على شبكة واسعة من الأسواق والخانات والورش والعقارات الوقفية، ومع الدمار الكبير الذي أصابها خلال الحرب، يصبح سؤال الأصل القانوني للأبنية جزءاً من معركة إعادة الإعمار نفسها.
من يرمم؟ من يستثمر؟ من يملك؟ من يستحق التعويض؟ ومن يملك حق التأجير؟
كثير من هذه الأسئلة قد يقود، في نهاية المطاف، إلى دفاتر صفراء عمرها أكثر من مئة عام، لكنها قد ترسم مستقبل مدن بأكملها.
الكنائس والأديرة: الملف الصامت
أوقاف الكنائس والمؤسسات المسيحية أقل حضوراً في الإعلام، لكنها لا تقل حساسية أو أهمية عن غيرها، فهناك عقارات وأراضٍ تاريخية تعود إلى بطريركيات وأديرة ومؤسسات دينية عريقة في دمشق وحلب ومعلولا وصيدنايا وغيرها من المناطق التي تختزن إرثاً دينياً واجتماعياً عميقاً.
وأي عملية إعادة تدقيق جادة في هذه الأملاك قد تكشف تعديات قديمة، أو استثمارات غير محسومة، أو نزاعات قانونية مؤجلة منذ سنوات طويلة، غير أن هذا الملف يُدار غالباً بهدوء شديد، نظراً لحساسيته الاجتماعية والدينية والسياسية، وما قد يثيره من توترات في مجتمع أنهكته الحرب والانقسامات.
في المقابل، تبدو فكرة إعادة الملكيات إلى ما كانت عليه قبل مئة أو مئتي عام أقرب إلى المستحيل، فالمدن تبدّلت، والسكان تغيّروا، والوظائف الاقتصادية تبدلت، وبعض العقارات اختفى تماماً، أو دُمّر، أو أُعيد بناؤه على نحو مختلف كلياً.
لكن الأخطر من ذلك أن السياسة يمكن التفاوض عليها، بينما الملكية تمس حياة الناس مباشرة، منزلاً، متجراً، أرضاً، إرثاً عائلياً، مورد رزق، مكانة اجتماعية، وذاكرة عائلية متوارثة، ولهذا كثيراً ما تكون نزاعات الملكية أطول عمراً وأشد تعقيداً من النزاعات السياسية نفسها.
هل تستطيع تركيا استخدام الأرشيف كورقة نفوذ؟
السؤال الأكثر حساسية اليوم يتمثل في موقع تركيا من هذا الملف، نظرياً نعم، يمكن لأنقرة أن تستفيد من الأرشيف العثماني كورقة تأثير سياسي، لكن ليس بالمعنى المباشر المتداول شعبياً.
تركيا لا تملك العقارات السورية، لكنها تحتفظ بجزء مهم من السجل التاريخي المتعلق بها، وهو ما يمنحها قيمة معرفية وقانونية وسياسية، فأي تعاون رسمي مستقبلي لاستخراج الوثائق أو التحقق منها قد يضع أنقرة في موقع مؤثر داخل واحد من أعقد الملفات السورية المقبلة.
ومع ذلك، يجب التذكير بأن الوثيقة العثمانية ليست حكماً قضائياً نهائياً، بل مجرد حلقة ضمن سلسلة قانونية طويلة، تلتها مراحل الانتداب الفرنسي، ثم الدولة السورية الحديثة، وما رافق ذلك من قوانين تسجيل وفرز وتعديل ونقل ملكية لاحقة.
بمعنى آخر: الوثيقة قد تفتح الباب، لكنها لا تحسم القضية.
ما يجري اليوم ليس مجرد مراجعة لسجلات قديمة، بل صراع مفتوح على الثروة، والمدينة، والذاكرة، وموازين النفوذ في سوريا الجديدة.
فإذا فُتح ملف الأوقاف من دون إطار قضائي مستقل، ومن دون ضمانات عادلة للمالكين الحاليين، ومن دون مسار واضح للعدالة الانتقالية، فإن سوريا قد تدخل مرحلة جديدة من الفوضى العقارية، يكون ضحيتها الناس العاديون لا شبكات الفساد التي راكمت المكاسب عبر العقود.
والسؤال الأخطر ليس: من كان يملك الأمس؟ بل: من سيملك الغد؟
المدن
—————————-
———————————
==================



