صفحات الثقافة

إسدال الستار الأخير على الرومنطيقية اليسارية/ وائل السواح

بخروجها من السجن بعد عشرين عاما، أسدلت فوساكو شيغينوبو الستارة الأخيرة على الرومنطيقية اليسارية العالمية، بدون تصفيق من المشاهدين وبدون حماس وبدون وعد بعمل قادم. غادرت مؤسِّسة الجيش الأحمر الياباني أواخر شهر مايو/ أيار بعد أن طوت من السنوات عشرين، مقدّمة اعتذارها عن أفعالها.

كانت الستارة فتحت في عام 1968 من خلال الثورات الشبابية التي بدأت في فرنسا قبل أن تعمّ معظم أرجاء القارّة الأوروبية. كان 1968 عام التمرّد والتغيير وتسيّد الشباب المشهد الاجتماعي. كان الشباب الأميركي قد نزل إلى الشوارع للاحتجاج على قرار الرئيس ليندون جونسون تصعيد حرب فيتنام، وسار الأميركيون من أصل أفريقي لإنهاء القانون العنصري المعروف باسم جيم كرو، والذي يحدّ من قدرة الأميركيين الأفارقة على التصويت، وحاربت النساء القوالب النمطية الجنسانية التي حصرتهن في دور ربّات البيوت. وشكك الهيّبيون في الإملاءات الثقافية التي كانت تعتبر فوق النقد.

وكان 1968 هو العام المفصلي. ناقشت فيه أفلام مثل “الخرّيج” The Graduate موضوعات الجنس والتمرّد، وعرض التلفزيون أول قبلةٍ بين رجل أبيض وامرأة ملوّنة، وغنّى جون لينون أغنية “ثورة” Revolution، التي كانت ثورةً بحدّ ذاتها في الموسيقى والشِّعر، وبدأت فكرة الانجذاب بين أعضاء الجنس الواحد تكسب مشروعية ووجودا في الفن والواقع. وأخيرا توِّج العام المفصلي بالمسرحية الغنائية التي غيّرت وجه المسرح والحياة، “هير” (شَعر)، التي تطرّقت لأول مرّة بوضوح وجرأة لمسائل العنصرية وتدمير البيئة والفقر والتحيّز الجنسي والعنف المنزلي والحرب في فيتنام والفساد في السياسة. لم تضع “هير” ثقافة الستينيات المضادّة على خشبة المسرح فحسب، بل وعلى مسرح الحياة أيضا، دافعةً إلى الواجهة بالازدواجية والعلاقات بين الأعراق ورفض الزواج الأحادي أمام الجماهير التي كانت في السابق “محمية” من مثل هذه الموضوعات المحظورة.

اهتزّ العالم كلّه من ثورة 1968، وظهر في المشهد العالمي فلاسفة جدد، ورثوا المنابر الثورية التي كان يتزعمها لينين وتروتسكي وماو تسي تونغ، وبرزت أسماء، مثل ريمون آرون وجان لوك نانسي وهربرت ماركوزه وغاي ديبورد الذين، على الرغم من أصولهم المختلفة، تركوا آثارا متشابهة على الثورة الطلابية في أوروبا. في نقدهم صورةَ الكمال الظاهر في مجتمع ما بعد الصناعة الحديث، والتي تقوّض دافع الإنسان إلى نقد القيم المجتمعية والتقدّم. كان رفض هذا الرضا عن المجتمع موضوعا رئيسيا وراء انتفاضة مايو/ أيار 1968 في فرنسا.

في مكان آخر من العالم، وفي العام عينه (1968)، وقعت معركة الكرامة بين الإسرائيليين من جهة والفدائيين الفلسطينيين والجيش الأردني من جهة ثانية. كانت بالنسبة للفلسطينيين معركة “نكون أو لا نكون”، فلو أنهم انسحبوا لانتهت الأسطورة الوليدة للفدائي الفلسطيني التي انتشرت مباشرة بعد هزيمة حزيران 1967. قاتل الفلسطينيون باستماتة في بلدة الكرامة، وكان في قيادة المعركة أبو عمار نفسه ومعه قادة فلسطينيون آخرون، كما شاركت قواتٌ أردنية أيضا. وانتقل القتال من بيتٍ إلى بيت، واستُخدمت الأحزمة الناسفة، والسلاح الأبيض. وتحوّلت معركة الكرامة إلى مفصل تاريخي حاسم أخذ بعدا أسطوريا، أعطى للمقاومة الفلسطينية ألقا ووهجا وبعدا سحريا رومانسيا. وبينما كانت فيتنام والثورة الجنسية ورفض التقاليد هي محور الثورة في الستينات، انتقل مركز ثقل الثورة العالمي في العقد التالي إلى مكان ومسالة أخرى: القضية الفلسطينية. وانتقلت الساحة الأوروبية، ثوريا، من المركز إلى الهامش، كما تحوّلت الانتفاضات الشعبية الكبرى إلى عملٍ تقوده مجموعات صغيرة من اليساريين المتطرّفين، مثّلتهم أساسا مجموعة بادر ماينهوف في ألمانيا، ومجموعة الألوية الحمراء في إيطاليا والجيش الأحمر الياباني في اليابان.

أسّس مجموعة بادر ماينهوف رجل وسيم بكاريزما عالية لم يكمل تعليمه الثانوي، هو أندرياس بادر، وامرأة مثقفة وصحافية معروفة. كلاهما متشبّع بالعداء للرأسمالية وللشيوعية السوفييتية المترهّلة على حدّ سواء. وتأسست الألوية الحمراء الإيطالية في 1967 على يد ريناتو كورسيو، الذي انتقل من الوجودية إلى الماركسية المتطرّفة، من دون المرور بمرحلة وسطى. تخرّج من جامعة ترينتو، ومنها جنّد محازبيه الذين شنّوا فيما بعد أكثر العلميات الإرهابية شهرة في أوروبا. بدأ عام 1970 بموجة من التفجيرات في المصانع والشركات في ميلانو، جنبا إلى جنب مع أعمال التخريب في الشوارع العامة، بهدف إجبار الحكومة الإيطالية على الانسحاب من حلف الناتو، وتخفيف تأثير الشركات متعدّدة الجنسيات في المجتمع الإيطالي. ثم بدأت سياسة خطف الشخصيات المهمة التي بدأت في عام 1972، وكان أسوأها اختطاف رئيس الوزراء السابق، ألدو مورو، الذي كان يحاول الوصول إلى تسوية تاريخية، مع الشيوعيين، ومن ثم قتله بعد 54 يوما.

أما الجيش الأحمر الياباني فأسّسته في لبنان (وليس في اليابان) فوساكو شيغينوبو. كانت فوساكو فتاة تحلم، كما كنا نحن أبناء جيلها جميعا، بالثورة العالمية والكفاح “ضدّ الإمبريالية والظلم”، ووجدت ضالّتها – مثلنا أيضا – في الثورة الفلسطينية. كان الحكيم، جورج حبش، قد بدأ يبني مكانته الأسطورية في عالم المقاومة ضدّ الإمبريالية، وكان رفيقه وديع حدّاد يقود العمليات الخارجية فيما كان يُعرف بـ “المجال الخارجي” للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وقد حاز الرجلان على هالةٍ شبه سحريةٍ في جيل الشباب يومذاك. وأشرك وديع حداد مجموعة الجيش الياباني الأحمر كما فعل مع أعضاء آخرين جماعتي بادر ماينهوف والألوية الحمراء. التقى حدّاد فوساكو وأعطاها اسما حركياً، مريم. وفي 29 مايو/ أيار 1972، وصل ثلاثة طلاب يابانيين إلى مطار اللد الإسرائيلي في تل أبيب على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية من باريس، وما أن استلموا حقائبهم في صالة الأمتعة، حتى أخرجوا منها بنادقهم الآلية والقنابل اليدوية، وبدأوا في إطلاق النار على الناس بشكل عشوائي، فقتلوا 26 شخصًا وجرحوا أكثر من 70 آخرين. قتل أحد الرجال نفسه، وقتل آخر برصاص حراس الأمن، واعتقل الثالث.

وكان لنا من الرومنطيقية اليسارية نصيب، ففي سورية ولبنان أسّس ثلّة من الشباب، سوريين وفلسطينيين، في العشرينات من أعمارهم، المنظمّة الشيوعية العربية. تزعّمهم شاب فلسطيني نقي السريرة، يشتعل حماسا وغضبا وقهرا، وله كاريزما عالية وقدرة على التنظيم والإقناع، علي الغضبان. كانوا مقتنعين أن التغيير لا يمكن أن يأتي إلا بالعنف الثوري. وكان هدفهم ضرب المصالح الأميركية في المنطقة، وفي خلدهم كان يدور نصر قريب وثورة وشيكة. وضعوا متفجرة في جناح الولايات المتحدة في معرض دمشق الدولي، ثم كرّروا الأمر نفسه في شركة NCR الأميركية في قلب دمشق، على بعد مئات أمتار من محافظة دمشق والبرلمان وقيادة الأركان. في أثناء العملية الثانية، صادف وجود حارس ليلي في مكان التفجير، ولم يستطع الشباب تنبيهه أو إنقاذه، فقضى قتيلا. وحتّى بعد أربعة عقود ستظل صورة هذا الرجل وأسرته تُثْقِل على قلب من لم يُعدَم من أعضاء المنظمة.

تعاونت أنظمة المخابرات في شرق المتوسط للقضاء على أفراد التنظيم بشراسةٍ منقطعة النظير. وصدرت أحكام سريعة قاسية بعد محاكمة كاريكاتورية في محكمة أمن الدولة، قضت بإعدام خمسة من أعضاء المنظّمة وبالسجن المؤبّد أو 15 سنة على عشرة آخرين. وفي 2 أغسطس/ آب، علّقت مشانق الخمسة، ورفض حافظ الأسد أي توسّط من حلفاء النظام من القوى “الوطنية والتقدّمية” السورية واللبنانية والفلسطينية لتخفيف الأحكام. في النصف الثاني من سبعينات القرن النائم، كان رموز المنظمّة الشيوعية العربية يشعلون خيال اليسار السوري الجديد وضميره. لم تخلِّف المنظّمة إرثا نظريا ولم تعش طويلا لتخلِّف إرثا نضاليا، لكن مناضلي المنظّمة كانوا أيقونات عاشت في قلبنا طويلا. .. ولكن ذلك كلّه خبا عبر السنين. اختفت المنظمات اليسارية المتطرّفة، واحدة تلو الأخرى، تاركة وراءها صورا شاحبة لمناضلين بشعور طويلة وملابس مدعوكة ونساء بلا مكياج ولا حلي. كانوا وكنّ يحلمون بشيء واحد: تغيير العالم إلى عالم أفضل. أما إذا كانوا أصابوا أو أخطأوا، فليس هنا المجال لمحاكمتهم.

كانت فوساكو أحد رموز الرومنطيقية اليسارية التي هيمنت على المشهد السياسي في سبعينات القرن الفائت وثمانيناته، وصبغت مجمل اليسار تقريبا بلونها الأحمر القاني الذي كان يعمل لـ “مستقبل وردي” للبشرية. بصوت منخفض، قالت أمام الكاميرا إنها آذت كثيرين لم تكن تعرفهم شخصيا، ورغم أن تلك الأوقات كانت مختلفة عن زمننا هذا، “فإنني أريد أن أنتهز الفرصة لأعتذر بعمق”. هكذا أسدلت فوساكو الستارة على الفصل الأخير.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى